jpg^%^تاريخ عمان، سعيد بن سلطان - حاكم عمان وزنجبار، الأسرة الحاكمة - البوسعيدين، تاريخ زنجبار، العلاقات العمانية الأفريقية، الجبل الأخصر، واحة البريمي، تجارة الرقيق@~@~محمد أمين عبد لله@~@~@~@~وزارة التراث والثقافة@~مسقط@~2003@~5@~194@~@~@~@~@~سلطنة عمان - تاريخ***سعيد بن سلطان - حكام عمان***الأسرة الحاكمة - البوسعيدين***تاريخ زنجبار***العلاقات العمانية الأفريقية***الجبل الأخضر***تجارة الرقيق***واحة البريمي***^%^^%^pdf@#$

















تأليف
وندل فيليبسْ



ترجمَة
محمد أمين عبد لله


الطبعة الخامسة
1424هـا -2003م


مقدمة المؤلف


تحتل سلطنة عمان على نحو ربع الخط الساحلي لشبة الجزيرة العربية, والذي يزيد طوله عن 400 ميل , وهي تسيطر على منهج الخليج , وتطل على الطرق البحرية إلى الشمال والشرق والجنوب.وليس لعمان أي منافس فيما نقول , بأنها أول دوله عربيه مستقلة ذات سيادة موجودة اليوم , وحتى اليمن البعيدة سبق أن خضعت للسيادة التركية خلال فترتين قبل الحرب العالمية الأولى , كما أن اغلب الدول الحديثة قد نشأت بعد تلك الحرب , ورغم أن عُمان اكبر من اليمن في المساحة فان سكانها يبلغون سدس سكان اليمن.

ونجد أن سلطنة عُمان تمتد إلى ابعد شرقاً من أي جزء آخر من المجموعة الواسعة من الأراضي , ولقد ظلت جغرافيا وتاريخيا وسياسيا خارج القيادات الرئيسية للتاريخ العربي . ولم يكن لاقتصادها الذي يربط بالخليج والمحيط الهندي تبادل ثقافي أو تجاري كبير مع أوروبا والعالم , أو فيما يتعلق بهذه المسألة مع بقية شبة الجزيرة العربية, بينما تمتد إلى الغرب و الشمال تلك الصحراء الواسعة من الرمال المسماة بالربع الخالي , والتي تكون حاجزا طبيعيا وواقيا , وذا أهمية تاريخية , في وجه الاتصالات الاجتماعية والسياسية .

ولقد أثار اسم " سلطنة عمان " الذي ظهر في الأنباء على فترات خلال السنوات العديدة الماضية بعد الارتباك , إذ انه يعني على ما يبدو أن هناك إقليمين , هما مسقط و عمان , وعلى سبيل المثال
فهناك كاتب يقول : إن مسقط هي مملكه مستقلة يتمتع السلطان فيها بسلطة مطلقة , ويرجع تاريخ أسرة البوسعيد المالكة الحاكمة إلى عام 1744 , وهكذا فان مسقط فيها أقدم حكومة مستمرة في جنوب شرق أسيا . ومسقط بطبيعة الحال ليست " مملكة مستقلة " وهي ليست أي شي مستقل , و حكومتها الوحيدة هي حكومة مجلس بلدي للمدينة , وهي ليست دولة , ولم تكن قط دولة بذاتها , فمسقط مجرد مدينة , وليست اكبر مدينة في سلطنة عُمان.

إن واضعي الخرائط التي طبعت أخيراً يعتقدون أن مسقط منطقة , ولكنهم لا يعرفون أين توجد بالضبط , ولقد وضعوها في أجزاء مختلفة من سلطنة عُمان , بل أنهم وضعوها في إحدى الحالات على مسافة مئات الأميال إلى الغرب حيث توجد ظفار في الواقع .

والحقيقة أن عُمان هو اسم البلاد بأسرها , في حين أن مسقط هي عاصمتها وقد أدخلت في اسم الدولة في الماضي كإشارة فقط ,و لشهرة المدينة و أهميتها , و في مناقشة دارت مؤخراً تكرم جلالة السلطان سعيد بن تيمور بالموافقة على اقتراح بان تحذف مسقط من الآن فصاعدا من أي إشارة عامة إلى سلطنة عُمان لتفادي الغموض واللبس .

والكتاب الذي تضمنت مقدمته هذه الملاحظات هو أول تاريخ , بالمعنى الحديث , وينشر فيما يتعلق ب سلطنة عُمان , وكما ذكر المؤلف في كتابه : "عُمان المجهولة " فإنه لا يستطيع أن يؤكد انه عمل وحده في هذا الجهد الرائد . وبينما يعتبر مسولا وحده عما كتب في هذا الكتاب , وكذلك عما لم يكتب , فقد اعتمد دون تحفظ على ما كتبه
أشهر الدارسين للشرق الأدنى , والمستشرقين والمستعربين , والخبراء العسكريين والسياسيين العرب لكي يقدم في كتاب " تاريخ عُمان " اصدق و أوضح و أدق صورة للأحداث والعصور التي وصفها . ويود الكاتب أن يعرب في تقديره الدائم عن من أسهم مباشرة في جزء من هذه الدراسات أو كلها وهم :

إلى صاحب الجلالة السلطان سعيد بن تيمور , السلطان و العالم , على معاونته الصادقة ومساعداته السخية , و رعايته الملكية ( رحمه الله ) والى البروفسير وليم.ف.ألبرايت عميد علماء الآثار و المستشرق البارز لقراءته هذا المخطوط , وتقديم علمه الغزير .



وندل فيليبس
الفصل الأول
بزوغ فجر عُمان


« التاريخ نظام ينشأ على نطاق واسع بين الأمم و الأجناس . . . ويتوق الأشخاص العاديون إلى معرفته . . . »

ابن خلدون – المقدمة


على الرغم من أن د.ج. هو جارث قد ذكر منذ وقت بعيد في كتابه " شبه الجزيرة العربية " طبعة أكسفورد , أنه ليس هناك صورة تاريخية أصعب في تكوينها من الصورة العربية , حيث أن المجهول منها لا يتناسب إطلاقا مع المعروف عنها , إلا أن ما نعرفه يكفي لكي يتيح لنا القول , بأن التاريخ العربي , كغيره من تواريخ الشعوب الأخرى , وهو ــ كما يقول بورك ــ : " سجل من الفخر , والطموح , والثأر , والشهوة , والتمرد " والحماسة , ولقد أصبح هذا التاريخ العربي في متناول أولئك " الأشخاص العاديين " الذين يتوقون إلى معرفته " . . .

وحيث أن العوامل الجغرافية تشكل التاريخ وإن لم تسيطر عليه , فإننا يجب أن نبدأ بتوضيح موقع عُمان . . وبالرجوع إلى الخريطة نتبين أن عمان تمثل جزءا هاما في شبه الجزيرة العربية , وقد وصفها بطليموس , بأنها " بلد قاحل , عنيف وقاس , يقطنه سكان انطبعت نفوسهم على ما أضفته عليهم بيئتهم , ويحد عُمان من الشمال الغربي الخليج , ومن الشمال


الشرقي خليج عُمان , و إلى الجنوب الشرقي البحر العربي , ولا توجد حدود برية طويلة مع بقية شبة الجزيرة العربية , إلا في الجنوب الغربي .

وأصل اسم عمان غير واضح , إذ يعتقد البعض انه يعني " السلام " ويقول العلام الجغرافي العربي " ياقوت " الذي عش في القرن الثالث عشر الميلادي في كتابه " المعجم الجغرافي " إن كلمة عُمان مشتقة من كلمات مثل أمانا وتعني " البقاء في مكان ما " بيد أن هناك آراء أخرى , فالمؤرخ نور الدين عبدا لله بن حميد بن سلوم السالمي , يقول نقلا عن ابن خلدون في كتابه " تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان " (1 ) إن البلاد سميت باسم شخص يدعى عُمان بن قحطان , لأنه كان أول عربي يستقر هناك بعد السيل المدمر الذي حطم سد مأرب , غير أن هذا المؤلف يقول بعد ذلك في الكتاب ذاته : إن البلاد أطلق عليها اسم واد في اليمن يسمى عُمان , وهو لا يضيف إلينا شيئا .

وهناك نظريات أخرى غير مقنعة بنفس القدرة , فما هو أصل عُمان ؟ تقول بعض الروايات العربية إن ساما ــ أكبر أبناء نوح الثلاثة ــ أنجب ولدين هما قحطان وعدنان .

وإن قحطان هو الجد الأعلى " للعرب الحقيقين " العاربة في الجنوب , وعدنان هو الجد الأعلى " المستعربة" في الشمال ، و الحقيقة أن هذين الاسمين يحتفظان بذكرى سلالتين من الأسلاف .. ويظهر أسم عدنان في ثلاث كتابات منقوشة في وقت مبكر ، إحداها ثمودية ، و الاثنتان نبطيتان.

وأنه ينبغي ذكر شيء عن معنى كلمة عرب ، فالاسم أصلا كما ورد في

مصادر قديمة كالتوراة كان مقصورا على قبائل البدو في الصحاري العربية ، أما بالنسبة للإغريق و الرومان فقد كان الاسم يشمل كل سكان شبه الجزيرة العربية ، بما فيهم سكان المدن ، وكذلك التجار وبحارة السواحل ، غير أن الكلمة اكتسبت معنى أوسع عندما انتشر الإسلام ، وهاجرت قبائل عربية إلى شمال أفريقيا و المناطق المستوطنة منهم ، في سوريا ومصر وما بين النهرين وقد أدى التزاوج ، وأنواع التحول الاجتماعي المختلف إلى إضفاء الطابع العربي على تلك المنطقة في القرون التالية ، وهو ما أسفر عن المعاني البديلة الجارية الآن " عرب " . وما زال البعض يستخدم الاسم بالمعنى القديم المحدود ، للإشارة إلى بدو الصحراء ، وكذلك للإشارة إلى أي ساكن من أهالي شبه الجزيرة العربية .

ونحن فستخدم الكلمة بمعنى أكثر تعميماَ لوصف أي شخص من أي دولة تتكلم بالعربية <ح>(1) .

وإذا تحولنا عن الروايات إلى التاريخ ، وجدنا أنه حديث على الأرجح هجرتان رئيسيتان ، من شمال ووسط شبه الجزيرة العربية ، إلى جنوب شبه الجزيرة العربية ، وقد حدثت الأولى قبل عام 00ه 1 قبل الميلاد ، والثانية حوالي عام 1100 ق.م. أي قبل عهد موسى بفترة قصيرة . . وقد جلب المهاجرون معهم الأفكار والعادات والأسماء التي نجدها في السجلات الأولى للكنعانيين والبابليين ، وعلى سبيل المثال فإن وجود التشابه بين عبادة القمر لدى أهل بابل ، وعبادة القمر في حضرموت 0 تعتبر أمراً له دلالته. .

وكان أهل البلد نفسه ، يتحدثون لغة تما ثل تلك التي كان يتحدث بها <ح>
(1)

أهل عمورية القدماء في شمال شبة الجزيرة العربية , وليس هذا هو كل ما عندنا , ففي السنوات الأخيرة ألقى علماء الآثار الضوء على بعض العقائد الدينية التي اندرست منذ زمن بعيد , وعلى أدب الوساطية لدى كنعان القديمة.

وهو ما كشف عن وجود تماثل يلفت النظر بين الأديان القديمة في فلسطين وسوريا ، وبين تلك التي كانت في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام . . فقد كان الكنعانيون القدماء مثلا يعبدون نجمة الصباح التي يسمونها عشتار ، ونحن نجد نفس المعبود في جنوب شبه الجزيرة العربية ، ويبدو من المحتمل أن يكون الهاجرون القادمون من الشمال قد جلبوه إلى هناك . . وبالمثل فإن عبادة الشمس كانت شائعة لدى الكنعانيين وفي جنوب شبه الجزيرة العربية ، كما يتضح أن كلا من الحروف الأبجدية الأولى المستخدمة في أرض كنعان وتلك التي استخدمت في شبه الجزيرة العربية كان أصلهما مشتركاً .

وببدو على وجه الإجمال أنه يحتمل أن يكون هذا الانتشار لثقافة مشتركة قد حدث نتيجة هجرات نحو جنوب شبه الجزيرة العربية ، والتي تشمل عُمان الحالية ، بدلا من أن يكون نتيجة مزيد من التنقلات العامة في كلا الاتجاهين .

ونظراً لأهمية الجمل المستأنس في التاريخ العربي ، فلا بد هنا من ذكر شيء عن هذا الموضوع الغامض إلى حد ما ، فالهجرات الكبرى التي ألمحنا إليها فيما سبق تمت بالتأكيد قبل أن يكون الجمل في متناول الشعوب التي نتحدث عنها , ومن ثم فإن ما نعتقده الآن ، أنه كان أسلوبا نموذجياً للحياة في مناطق عربية شاسعة ، لم يظهر إلا في وقت متأخر نسبياً . .
?
?
إذ أن استئناس الجمل العربي هو الذي جعل حياة الارتحال العربية ممكنة . ولم يتسن إلا حديثاً معرفة التاريخ المتأخر نسبياً لهذا الاستئناس ، مما صاحبها إعادة النظر بصورة كاملة في آراء كانت معتقدة بصفة عامة وفيما يتعلق بالبيئة السامية الأولى .

وبينما كان بعض كبار الخبراء بشئون شمال إفريقية يعترفون منذ جيل مضى بأن الجمل المستأنس لم يظهر في وادي النيل إلا بعد العصر العربي ، وفي الغرب إلا في العصر البيزنطي ، فإن البروفيسور وليم. ف. البرايت ، لم يذكر في مطبوعاته المختلفة ، إلا في عام 1940 أنه لم يكن هناك دليل واضح من أي نوع ، يشير إلى ظهور الجمل المستأنس في الشرق الأدبي قبل القرن العاشر قبل الميلاد (3 ).

وكانت أول إشارة إلى الجمل في النقوش المسمارية سوا ء فيما بين النهرين أو سوريا أو فلسطين تشير إلى الجمال ذات السنامين في عهد تيجلات بيلاصر الأول ، ملك أشور (1115 _ 1076قبل الميلاد ) ، بينما ظهر الجمل العربي لأول مرة في كتابات مسمارية خلال القرن التاسع قبل الميلاد . . وبين عشرات الآلاف من الرسائل المسمارية من كل أرجاء منطقة جنوب غرب آسيا بين عامي 800 1 و 00 12 قبل الميلاد ، ولم يشر أي منها إلى الجمل ، رغم أن قوافل الحمير كانت تظهر كثيراً ، وأقدم تمثال لجمل في منطقة بين النهرين يمكن تحديد تاريخه من حفريات إدارة الآثار العراقية في كركوك ، ويرجع عهده إلى حوالي عام 1300 قبل الميلاد ، بينما يرجع أقدم نحت بارز للجمل ( وهو الآن بمتحف بلتيمور ) إلى حوالي عام 900 قبل الميلاد , أو قبل ذلك بقليل . . وإن كان بعض العلماء يرجعه إلى القرن التاسع , وهو يمثل شخصا يمتطي جملاً , وقد جاء من شمال ما بين النهرين .

وهذا فيما يتعلق بفترة ما قبل التاريخ ، حيث إننا نفتقر مع الأسف إلى وثائق عن أقدم الفترات التاريخية ، ويرجع ذلك إلى حد ما ، إلى أنه كيفما كانت الخطط التي ربما كانت لدى الإسكندر الأكبر حول شبه الجزيرة العربية فإنه لم ينفذها قط ، ولهذا لم تدخل شبه الجزيرة العربية في الإمبراطورية الإغريقية العالية ، ورغم أن آثار تلك الإمبراطورية ظهرت في جنوب شبه الجزيرة العربية ، وكل ما نستطيع الاعتماد عليه هو الروايات المتوارثة ، وبعض الأحداث التاريخية غير المترابطة .

وقد سجل الرحالة إيزيدور في القرن الأول - الذي قام برحلة من سوريا نم إلى أفغانستان ، عن طريق " هيركانيا " ومازال كتاب رحلته محفوظاً - أن جوس " ملك أرض البخور العمانية مات في العام السابع من حكمه بعد أن بلغ العام الخامس عشر بعد المائة - ولا بد أن ذلك كان في النصف الثاني من القرن الأول . وقد نستطيع أن نستنتج منه مع تحفظات كبيرة أن عُمان كانت مملكة مستقرة ومزدهرة في ذلك الحين . أما وثيقتنا التالية فإن تاريخها بعد تلك بحوالي نصف قرن وهي ذلك الدليل الخاص بالتجارة البحرية مع شبة الجزيرة العربية ، وقد كتبه تاجر وملاح مع الإسكندرية مجهول الاسم ، وأطلق عليه اسم " بيربلوس البحر الأرثيري ،، والبحر الأثيري بطبيعة الحال هو البحر الأحمر ، الذي كان بالنسبة لعلماء الجغرافيا من الأغريق والرومان القدماء يشمل المحيط الهندي وملحقاته أيضاً .

ويصف هذا الكتاب الأرض الواقعة شرق جزر ( كوريا موريا ) ( 4) وهي عُمان ، بأنها منطقة لم تعد مملكة كما كانت ، بل أصبحت الآن مملوكة لفارس ، ونحن نعرف أن الفرس في عهد قورش الكبير قاموا بغزو مزون - أي عمان - حوالي عام 536 قبل الميلاد ، ولكننا لا نعرف ما إذا كانت عُمان قد بقيت تحت سيطرة الفرس حتى وقت كتابة بيربلوس أم لا . . وهي

لن تبقى كذلك على الأرجح. إذ يحتمل أن تكون قد وقعت غزوات أخرى كانت أخراها بواسطة البارثينيون ، وقد كتب شاعر عربي يوماً يقول :

إن كسرى سمى عُمان مزوناً *ش* ومزون يا صاح خير بلاد

بلدة ذات مزرع ونخيل *ش* ومراع ومشرب غير صاد

وكسرى - أو خسروس باليونانية - هو لقب يطلقه العرب جميعاً على كل ملوك فارس من الساسانيين ، و هو يستخدم على الملوك الساسانيين ، مثلما يطلق الأدب العربي على كل ملوك بيزنطة اسم قيصر ، ومن ثم فإن تاريخ تلك القصيدة يرجع اسم مزون الذي أطلق على عمان إلى العصور السابقة للإسلام .

وهناك رواية أخرى عن عمان سجلها الكلبي ، خبير الأنساب العربي المعروف ، وهي تتحدث عن شخص يدعى مالك بن فهم ، من قبيلة الأزد القحطانية ، كان يقطن في مأرب باليمن في أواخر القرن الأول بعد الميلاد . وتقول الرواية إنه في ذلك الوقت كان لدى أقرب جيرانه ، الذين يشمله بحمايته ، كلب ينبح كثيراً فيبعثر العنزات ، وقد ضايق ذلك ابن شقيق مالك بصفة خاصة ، فقتل الكلب برمحه ، وشكا الجار إلى مالك ، الذي غضب على شقيقه عمر ، لأنه أنجب ذلك الابن قاتل الكلب . . ولما كان مالك رجلا شريفا إلى حد كبير ، غضب مالك وقال :

« لا أقيم ببلد ينال فيها هذا من جاري ».

وسرعان بعد ذلك -كما تقول الرواية – ما جمع مالك أبناء قبيلة الأزد التي ينتمي إليها ، وعددهم ستة آلاف ، ورحل عن اليمن ، وقطع الرحلة الطويلة المرهقة على الأقدام عبر حضرموت , ثم اتجه إلى واد مسيلة جنوبا ومنه إلى سيحوت على الساحل . وأكمل ذلك الأشخاص الرحلة بحرا حتى
?

هبطوا في النهاية عند قلهات ، التي تقع على مسافة 15 ميلا شمال غرب صور على ساحل عُمان . . وتقدمهم ألفان من أشجع أبناء مالك العشرة ، الذين كانت الأوامر التي تلقوها ، تقضي بأن يقوموا بعملية استطلاع تسهل وصول المستوطنين المهاجرين . .
وبعث رسالة عاجلة إلى جيش الاحتلال الفارسي الضخم الذي كان يقيم يومئذ في عمان تقول : « إذا أعطيتموني طوعاً نصيباً من الماء والمحصول والمراعي فإنني سأستقر في البلد ، وأشكركم ، أما إذا رفضتم فسوف أبقى رغم أنفكم . . وإذا انتصرت عليكم فسأطردكم ، وأطرد أبناءكم بالقوة ، ولن أسمح لأحد منكم بالبقاء في عُمان . . »( 5).
ورفضوا السماح له ، وعندئذ انطلق صوت النفير ، ودوت دقات الطبول بينما انطلق جيش فارسي من 30 ألفاً - كما تقول الرواية - من صحار - وامتطى مالك فرساً أرقط ، وارتدى درعه وفوقه رداءً أحمر وعلى رأسه خوذة حديدية تحيط بها عمامة صفراء ، وعهد إلى أبنائه بقيادة الميمنة والميسرة وبعد قتال مرير استمر أربعة أعوام فوق السهول على مقربة من نزوى ، تجمع رجال مالك الستة آلاف وهزموا الجيش الفارسي .

« وهكذا تتجلى قوة الله ، الذي يؤتي الملك من يشاء ، وما النصر إلا من عند الله ، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، و الله مع الصابرين » . ولكن فولوجاسيس الثالث ملك فارس (147 - 191 ميلادي) (1) انتهك الهدنة المتفق عليها بغطرسة ، وعندئذ حطمت الفئة القليلة من أ تباح مالك تعزيزات ملك فارس التي تتكون من 3000 مقاتل ، ويقال إن اثنين من أبناء مالك قتلا بنفسيهما فيلا من أكبر الأفيال

الفارسية . . وبعد هزيمة الفرس أقام مالك مقر قيادي في نزوى ، وبعث رجاله لاحتلال أجزاء مختلفة من البلاد .

وهكذا يبدو أن مالكا هو أول عاهل مستقل في التاريخ على كل الأراضي التي تعرف الآن باسم عمان ، ورغم أنه ليس هناك شيء مسجل عن حكمه . عدا بعض روايات مشكوك فيها . . والمعتقد أنه كان حاكما عادلا ، وقد حكم لمدة 70 عاما حتى قتل ، وهو في سن المائة والعشرين ، بسهم أطلقه عليه ابنه الثالث سليمة ، الذي كان ذا حظوة لديه . . وخشي الابن القاتل والده انتقام. أشقائه منه ، ففر إلى فارس . وتقول الرواية إن هؤلاء الأشقاء أنفسهم الذين خاف سليمة منهم كانوا هم المسئولين عن المأساة ، إذ قيل إنهم حاولوا الحط من شأن سليمة في نظر أبيهم ، واتهموه بأنه نام في موقعه ، عندما كان يتولى نوبته في قيادة حرس النبلاء ، الذي يحرس مالك خلال نومه . .

ولكي يختبر مالك صدق هذا الاتهام ، تنكر ذات ليلة وامتطى صهوة فرسه متجها في هدوء نحو سليمة وسط الظلام ، وتصادف أن صهل الجواد الذي كان يمتطيه ، فأيقظه سليمة من نومه ، وما كاد يرى أذني الحيوان حتى صوب سهمه نحوهما وأطلقه . . وعندما سمع أبوه رنين قوس السهم صاح قائلاً : « لا تطلق . . إنني أبوك » ولكن الوقت كان قد فات . . وقل إن مالك ردد ، وهو يحتضر ، بيتا من الشعر ، وأصبح من الأمثال المعروفة وهو :

?أعلمه الرماية كل يوم *ش* فلما اشتد ساعده رماني

وبعد حوالي 60 عاما من الهجرة الأولى المفترضة لقبائل الأزد إلى عمان , سجلت بعض الروايات حدوث موجة ثانية , فضلا عن أن هذه الحركة
كانت تجد مساندة واضحة من الفرس سادت البلاد ، إذ يقال إن الملك أردشير ( القرن الثالث الميلادي ) أول ملوك الأسرة الساسانية العظيمة ، قام بتوطين الكثير من رجال الأزد في عمان ، أما في القرنين التاليين . فقد كان الهاجرون من سبط عدنان ، وهم أساسا من أبناء إسماعيل ، وقد انتقلوا من نجد إلى الجنوب . . .وفي وقت ما خلال تلك الفترة ، بدا أن الفرس يفقدون سيطرتهم على البلاد ، حيث نجد أن الملك خسرو الثاني ( بين 590 و 628 ميلادية ) أعاد غزو عمان وحكمها ، وقد شمل حكمه البحرين وحضرموت كذلك .

ومع ظهور وانتشار الإسلام في الربع الثاني من القرن الميلادي السابع ، بدأت حقبة جديدة في تاريخ شبة الجزيرة العربية ، وقد بلغت الحركة الإسلامية عمان في وقت مبكر ، وهناك أيضاً رواية ضعيفة السند تقول : أن عمر الخليفة الثاني أوفد رجلا يدعى عرفجة بن هرثمة الأزدي لشن غارة على عمان ، وثمة روايات أخرى تتعلق بذلك ، لعلها تعرض وقائع تاريخية . . فمثلا في القرون الأولى من الإسلام ، كان هناك أتباع كثيرون لعقيدة زرادشت الفارسي في تلك الأجزاء من شبه الجزيرة العربية ، مثل عمان التي كانت تحت النفوذ الفارسي لفترة طويلة . مما له دلالة في هذا السياق ، أن أحمد بن يحيى البلاذري - وهو مؤرخ عربي في القرن التاسع - سجل رواية تقول إن تعليمات النبي عليه الصلاة والسلام إلى مبعوثه إلى عمان كانت تقول :

« خذ الزكاة من المسلمين ، أما المجوس فخذ منهم الجزية » وكلمة « المجوس » بطبيعة الحال هي ،نسميه « ما جوس » أو ماجى عن الكلمة الفارسية « ما جوش » وبذلك يكون المجوس هم «الماجيزنا » أو أتباع زرادشت .
وكانت تعليمات الرسول التي هي بمثابة أوامر ، أن يعامل هؤلاء الأشخاص معاملة أهل الكتاب (اليهود والمسيحيين ) بيد أن المسلمين كانت لديهم رؤيتهم إذ أن أتباع زرادشت الذين هم من الناحية الدينية وسط بين اليهود والوثنيين لم يكن لهم كتاب منزل من عند الله ، كما لم يكن لهم نبي مقدس ، كالمسيح أو موسى ، لكنهم على الأقل يتبعون رجلا يدعى زرادشت ، وكانوا موحدين إلى حد ما ، وهذا التسامح الإسلامي حيال العقيدة الفارسية كان له قرين ، وربما أصول في تلك الأجزاء الأخيرة من العهد القديم ، التي لم تدن قط بعقيدة فارس وتتهمها بالعنف .

ومن الضروري أن نعرف ظروف التطور الديني في عمان في ظل الإسلام من أجل فهم تاريخ البلاد فيما بعد . . ولا بد من الإشارة هنا إلى بعض الجوانب الدينية ، أو بعبارة أصح "الشريعة" التي لا يدرسها عادة إلا المتخصصون .

لقد عارض المسلمون في عمان في تولى الخلافة لأي أسرة أو طبقة ، وتمسكوا بوجوب قيامها على أساس الانتخاب من الشعب . . وعلى قدر ما هو معلوم ، فإن النبي - عليه السلام - لم يضع أي نص بشأن الخلافة ، وكذلك لم يذكر القرآن الكريم شيئاً عن ذلك . ، وكان محور قضية المعارضين لوقف علي بن أبي طالب من التحكيم ، وهو أنه لا يمكن تحكيم الرجال لتسوية هذا النزاع الذي قام به معاوية بن أبي سفيان ، لأن ذلك سوف يخضع القرآن الكريم لتفسيرات مختلفة ، في حين " أن الحكم لله وحده , ولا تحكيم في دين الله " ..

وبمعنى أدق فإن السلطة مستمدة من تطبيق شريعة القرآن ، يقوم بها أمام




(م2 – تاريخ عمان )

?منتخب أو قاض ، أو الجماعة بصفة عامه . . وهكذا يمكن أن يتم تطبيق الشريعة عن طريق التفويض ، ولا يستطيع المفوض ، في حدوده , أن يصدر الأوامر ويطلب الطاعة ، ولكنه يفقد هذه السلطة بمجرد انحرافه عن الشرع . . وفى إيجاز ليس هناك إنسان له حق فطري في الحكم ، ولا تكون كل أنواع الزعامة البشرية عادله إلا إذا كانت مستمده من القانون الإلهي ، وهو القرآن .

ولم تخضع عمان للسيطرة الفعالة المباشرة للحكومة المركزية للخلافة الإسلامية إلا بعد عام 694 ميلادية - خلال حكم عبد الملك بن مروان ، خليفة بني أمية (685- 705 ) والملقب بـ(أب الملوك ) وكان رجلا رفيع الذوق و الثقافة ، وقد بنى قبة الصخرة بالقدس ، ولمد لقيت محاولات قواده الأولى لإخضاع عمان لطاعته مقاومة من أخوين هما : سعيد وسليمان ابنا عباد ، وهما من سلالة بني الجلندى من قبيلة الأزد ، وكانا يشتركان معاً في الحكم ، وكان يقال عنهما : « كانت حكمة سليمان تحكم ، وشجاعة سعيد تحمي » . . و ثمة رواية أخرى تقول إن هذين الحاكمين هما أول من بدأ نشر نفوذ عمان في شرق أفريقية ، ويلقي أبو الفداء - الكاتب العربي المعاصر - بعض الضوء على اسم الجلندى ، الذي قيل أنه جد حاكمي عمان ، إذ يقول إن هذا هو الاسم الذي حمله كل حكام عمان في الفترة التي سبقت الإسلام و أن الأزد الذين كانوا أيضاً من الجلندى هم سادة عمان ، وكل من أصبح ملكاً في عمان قد حمل اسم الجلندى .

وبعث الخليفة جيشاً آخر بقيادة مجاعة بن شعوة ، قيل إنه كان يضم 40 ألف رجل ، فقام بغزو عمان براً وبحراً ، ولكنه هزم ، أو على الأقل رد على أعقابه ، ولكنه حاول مرة آخرى ، معززاً بخمسة آلاف من الفرسان وفي تلك المرة هزم المدافعين عن عمان ، وارتكب مذبحة رهيبة .
ولما رأى سعيد جيشه ، وأدرك أنه بالنسبة لجيش العدو أشبه ببقعة بيضاء فوق جسم ثور أسود سارع بالفرار مع أخيه سليمان وأسرتيهما وأتباعهما في سفن إلى جزيرة " الزنج " ، أي إلى شرق أفريقية ، ووضعا بذلك نهاية لحكم آل الجلندى في عمان ... ولكن من السخريات التي يبديها التاريخ دائماً ، أن عمان لم تخضع بعد ذلك لسطة الخليفة ، بل دخلت مرحلة قصيرة حاسمة نحو الاستقلال ، إذ بعد سقوط الأمويين في عام 750 م ، أصبح العمانيون القوة المسيطرة في البلاد ، وانتخبوا أول إمام لهم في عام 751 م .

وكانت فترة الاستقلال قصيرة حقاً . . « وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان ! » .

? فبعد أربع سنوات وشهر واحد ، لقى الإمام الجلندى بن مسعود الإمام المنتخب مصرعه ، مما أثار حزناً بالغاً لدى شعبه ، « وكان أول أئمة عمان الشرعيين » ، و كان قتله على يد القوات الغازية لأول الخلفاء العباسيين ، أبو العباس المعروف باسم السفاح ( 750 – 754 ) الذي كان يحاول إعادة فرض سلطة بغداد ، وكان اللقب الذي أطلق على هذا الخليفة من صنعه هو نفسه ، إذ أقام حكماً يتسم بالجرائم والقمع الدموي والإسراف في العنف .

وقد أدت الحالة التي كانت عليها الإمبراطورية العباسية إلى أن أصبحت عمان فريسة للفوضى والاضطرابات والشقاق الديني ، مما أسفر عن تصاعد المنازعات ، ولكن عندما ضعفت السلطة المركزية للعباسيين ، أصبحت أطراف إمبراطوريتهم مستقلة بحكم الأمر الواقع . وخلال السنوات من 786 إلى 809 تولى الحكم ذلك البطل الذي تحكى عنه أساطير لا تحصي ، والذي كتب عنه تنيسون :
? « إنه نجم كل هذا الزمان والمكان. . ولقد رأيته في ربيعه الذهبي. . إنه هارون الرشيد الصالح..»

وكان حكم هارون هذا الذي كان يتوخى العدل ، يشمل الإمبراطورية الإسلامية المترامية الأطراف كخليفة ، وكان خامس وأعظم بني العباس ، ومعاصرا لشارلمان . . وفي عهده أكد العمانيون استقلالهم من جديد في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية ، وانتخبوا إمامهم الثاني الشيخ محمد بن عفان ، غير أنه لم يكن مؤهلا كفاية ، وبعد عامين اجتمعت الجماعة مرة أخرى وانتخبت بدلا منه الإمام الوارث بن كعب ، الذي حكم بعدل ونزاهة .

وكانت فترة الاستقلال أطول في هذه المرة . . ولكن بعد أحد عشر عاما كما يقول البلاذري - وهو من المؤرخين العرب الأوائل والموثوق بهم عادة بعث هارون الرشيد صديقه عيسي بن جعفر مع خمسمائة من الجنود المشاة وألف من الفرسان لإخضاع عمان ووضع ثلث البلاد تحت حكم الخليفة مع إعادة المذهب السني الإسلامي إليها . . بيد أن جيش الخليفة تصرف ، باعتباره قوة بربرية غازية تأديبية ، منتهكاً حرمة النساء في وحشية ، والتقى بالقوات العمانية على مقربة من صحار ، فهزمه العمانيون . . أما القائد عيسى فقد وقع في أسر الإمام الوارث ، الذي استشار العلامة الشيخ علي ابن عزرة حول كيفية معاملة الأسير ، فأجابه الشيخ : " إذا قتلته أحسنت، وإذا تركته أحسنت أيضا " . . ولم يعدم عيسى ، وان كان قد قتل بعد ذلك في سجنه بمدينة صحار دون علم مسبق للإمام. . .

وهكذا لم يستطع جيش هارون الرشيد أن يخضع عمان بدون جهد أكبر مما كان مستعداً لبذله .

وكان للمنهج الديني لدى عرب عمان نتائج خطيرة ، فقد أضعفهم

?سياسيا ، غير أنهم كانوا في ذلك الحين مستقلين إلى حد ما ، وظلوا طوال قرن بمنأى عن الغزوات ، وظلوا كذلك حتى الفترة من 892 م إلى 902 م عندما قامت جماعة منشقة من أهل عمان ، ممن كان ولاؤهم لطائفتهم أكثر من ولائهم لبلدهم ، بدعوة الخليفة المعتضد بالله لشن ما وصف بأنه « أكبر وأكثر الغزوات شراسة » على عمان . وقاد هذا الغزو محمد بن نور حاكم البحرين ، الذي اشتهر بطغيانه وقسوته ، ويقال أن قوته كانت مكونة من 25 ألف رجل بينهم 3500 من الفرسان ، تصفهم يرتدون الدروع المصنوعة من السلاسل ، ولما كان العمانيون قد مزقتهم الخلافات السياسية ، وعجزوا عن الاتحاد حتى في وجه عدوهم ، فقد انتابهم اليأس ، وتعرضوا للنهب والاعتقال ، وعذبوا ، وأسروا ، حتى قائدهم الإمام عزان بن تميم لم تكن هناك فائدة ترجى منه ، إذ أصابته النكسة بالشلل بعد أن شاهد المذبحة التي جرت أمام عينيه .

وقطع محمد بن نور رأس الإمام ، وبعث بها إلى الخليفة في بغداد ، وقد شمل سلوكه الوحشي في نزوى الوجهاء المحليين ، حيث قطع أيادي و آذان النبلاء ، وفقأ عيونهم ، وارتكب من أعمال التعذيب والبشاعات ما لم يسمع بمثله ضد الأهالي الذين مثل بهم ، ودمر مجاري المياه . وأحرق الكتب ، وعزل عمان تماما . . ولعل الخليفة قد نسى أو لم يسمع قط كلمات نبيه الكريم التي معناها : « أنه ما من حاكم اضطهد رعاياه ومات إلا حرم الله عليه الجنة » .

وكان على عمان بعد ذلك أن تعاني القهر على أيدي القرامطة ، وقد نشأت تلك الطائفة العنصرية المثيرة للشغب في أسفل العراق ، ولكنها وجدت أكثر فرص حياتها فعالية وعنفا في منطقة تقع شرق شبه الجزيرة العربية « وتسمى البحرين ، بواسطة أبو سعيد الحسن ، الذي اشتهر ابنه أبو
?طاهر فما بعد بالضراوة عندما قاد جماعته في أنجح غاراتها . وقبل أن يتحول أبو طاهر إلى عمان كان هو وجيشه الطائفي المتعصب قد فتح سوريا ونهب العراق ، وسلب مكة ، حث قيل إنه ترك 30 ألف جثة مذبوحة ليصيبها التعفن في الشوارع ، وانتزع الحجر الأسود بالقوة من الكعبة في عامي 930 م و 931 م ، ولم يعد الحجر الأسود إلى الكعبة إلا بعد 21 عاما ، عندما استعاده الخليفة المنصور بالله .

وكان أبو سعيد الحسن - والد طاهر - مدفوعا بكراهية طاغية على الدين الإسلامي ، وبتأثير هذا الحد ألغى الصلاة والصوم ، كما ألغى تقديم الزكاة والحج إلى مكة .

وبينما كان ابنه أبو طاهر يقذف برؤوس حجاج مكة المطوعة في بئر زمزم المقدسة ، كان يردد

لا إله إلا أنا *ش* أنا الإله الأكبر
هو يخلق وأنا أميت

وخلال حملة القرامطة الثانية الكبرى في شبه الجزيرة العربية ، اتجهوا إلى عمان في عهد الإمام عمر بن محمد بن مطرف ، وإن كان هناك ما يوحى بالظن أن ذلك لم يحدث ، إذ يقول النويري عن محاولاتهم الأولى ، إن أبا سعيد حاول فتح عمان بستمائة رجل خلال حكم الخليفة العباسي المستكفي بالله ( 902 م – 908 م ) وأنهم أمضوا سبع سنوات في عمان للقضاء على هذه القوه الصغيرة .

وكانت العقود الثلاثة التالية سنوات اضطرابات ، ومن ثم فقد كانت سنوات تعاسة لعمان ، حيث انتخب سبعة من الأئمة ، ثم خلصوا واحدا بعد الآخر ، وفى عام 996 م كان الشعب قد خلع ما لا يقل عن ستة عشر إماماً
على التوالي .

ويحكى لنا تاريخ ذلك العصر أن انتخاب إمام جديد أصبح حدثاً . وموضع طموح يثير الاهتمام. . . وبعد عام 950م لم يعد خليفة بغداد يملك أكثر من مظهر السلطان . وبعد ذلك بخمسين عاما ومع تفكك الإمبراطورية العباسية تماما لم يعد الخلفاء يتدخلون في عمان .

وهناك ثغرة طويلة في التاريخ عند هذه النقطة في الروايات المتناقلة عنها فنحن لا نعلم شيئا عما حدث في البلاد حتى حوالي منتصف القرن الثاني عشر عندما تولى بنو نبهان - الذين يعرفون تقليديا باسم قبيلة قحطان - إلى السلطة في عمان ، وصاروا أسرة حاكمة من الملوك . . كما أننا لا نعرف عنهم أكثر من أنهم أدخلوا زراعة المانجو إلى عمان ، وان المؤرخ حميد ابن رزيق كتب عنهم يقول : تمتعوا قليلا يا سلالة بني نبهان فسوف ينقضي حكمكم سريعاً ، وتأهبوا للموت ، و أنهم أطاحت بهم انتفاضة شعبية على طغيانهم واستبدادهم .

إن العالم الجغرافي العربي الإدريسي ، الذي كان له تأثير كبير على أوروبا ، والذي ظل سنوات عديدة كبير الجغرافيين ، يذكر أن ظفار في عام 1145 كان يحكمها أحمد بن محمد المنجوي ، أحد أعضاء وأسرة منجوي ، وأنها كانت تابعة لعمان . . ه شي عام 1200 صدت قوات من حضرموت بعد حصار دام خمسين يوما .

وفي عام 1221 دمرت مدينة تدعى ظفار بواسطة أحمد بن محمد الحبوضيين التاجر الثري صاحب السفن ( من أهالي حضرموت ومؤسس أسرة الحبوضيين الحاكمة و أعيد بناؤها بصورة شامله بعد ثلاث سنوات باسم المنصورة ، التي كانت مدينة مزدهرة ، ( وتعرف أطلالها الآن باسم البليد )
?في العصور الإسلامية الوسطى .

ووفقا لما يقوله ابن رزيق ، فإنه حوالي عام 1265 أبحر الأمير محمود ابن أحمد ، حاكم هرمز إلى ظفار حيث نهبها ، ونقل العديد من أهلها ، ثم عاد إلى قلهات بغنائم كبيرة ، والظاهر أنه خلال رحلة العودة وقعت كارثة قضت على جزء من قوة الأمير ، وأدت إلى موت أكثر من 500 شخص عطشاً و جوعاً .


? وحوالي عام 1271 ( كما يقول مايلز وجيست ) قام المقاتل الحضرمي سليم بن إدريس الحبوضي ( آخر حاكم من آل الحبوضي ) بفتح كل ظفار بعد أن سلب في البداية بطريقة الغدر ، مدينة شيبام ، ذات المباني الشاهقة بواسطة الحضرميين ( المحليين ) الذين كانوا قد وفدوا إلى المدينة في الأصل مقابل ما قدم إليهم من مساعدة خلال فترة المجاعة الكبرى ، وفي عام 1278 هاجم ملك اليمن ظفار بثلاث فرق ، اثنتان بطريق البر ، وواحدة بحرا مدفوعا إلى حد ما بهجوم للقراصنة قاد به سليم مظفر يوسف بن علي على طول ساحل عدن ، وخلال معركة وحشية دارت قرب ريسوت ، قتل سليم و 300 من رجاله ، بينما أخذ 800 من الرجال كعبيد . وأضيفت ظفار وحضرموت إلى ممتلكات اليمن ، و تلقى ملك اليمن من نزوى التهاني على غزوته الناجحة ، مع جوادين ونسرين ذهبيين من قحطان بن عمر ملك عمان من آل بني النباهنه.

وحوالي إلى عام 1285 على الأرجح ، وصف ماركو بولو مدينة بليد كما يلي :

« ظفار مدينة عظيمة وجميلة ، تقع على مسافة خمسين ميلا إلى الشمال الشرقي من السر ، ولهم حاكم » يرأسهم , ولذلك هناك حركة ملاحية
?كبيرة بينها وبين الهند ، ويحصل التجار منها على أعداد كبيرة من الجياد العربية ، ويحققون أرباحا وفيرة وتتبع المدينة بلاد وقرى عديدة .

وهناك ينتج الكثير من اللبان الأبيض ، وسأبين لكم طريقة زراعته ، إن الأشجار أشبه بأشجار التوت الصغيرة ، وهي تثلم بسكين في أماكن عديدة ، ومن الشقوق يخرج اللبان ، وفي الأحيان يتدفق من الشجرة دون أي ثلم ، وذلك بسبب حرارة الشمس الشديدة هنا .

وفي الحادية والعشرين من عمره ، انطلق ابن بطوطة , أعظم الرحالة جميعا قبل عصر التجار ، من موطنه في طنجة للحج إلى مكة ، وكان السفر في القرن الرابع عشر الميلادي بطيئا ومتمهلا في الأراضي الإسلامية المستقرة نسبيا ، وعندما وصل إلى مصر كان قد تزوج مرتين ، وفي عام 1328 احتل السلطان ناصر بن الملك المغيث ، ابن عم ملك اليمن ، قصر قلعة البليد .

وبعد ذلك زار ابن بطوطة ظفار ، و ترك لنا وصفا فريدا لمدينة ظفار (أطلال البليد اليوم) و سكانها . . قال : إن أسواقها من أكبر أسواق العالم وتكثر به الفاكهة والأسماك التي تباع هناك وأغلب أسماكها من نوع يسمى السردين ، وهو سمين جدا في تلك البلاد وهناك حقيقة غريبة ، و هي أن هذا السردين هو الطعام الوحيد للبهائم والماشية وهو شيء لم أشهده في أي مكان آخر .

وقد وصف أهل ظفار بعبارات كريمة جدا :

« والأهالي متواضعون ، مهذبون ، مستقيمون ، والإزار للغرباء ، ثيابهم من القطن المستورد من الهند ، وهم يربطون الاوزره على وسطهم بدلا من السروال ، وأغلبهم يضع واحدا حول الوسط ، وآخر فوق الظهر بسبب الحرارة
?الشديدة ، وهم يستحمون عدة مرات خلال النهار ، وفيها كثير من المساجد ، وبكل مسجد مقاصير خاصة للوضوء.

وقد كتب ابن خلدون (1332 م – 1406 م ) أعظم مفكر مؤرخ في الإسلام : « إن ظفار كانت حاضرة البليد و مرباط وهي تقع على البحر و قد أصبحت كلتا المدينتين الآن أطلالا . . »
? وفي عام 1504 هبط هناك الرحالة الإيطالي الشهير لودفيكواى فارثيما من بولونيا ( وهو أول أوروبي يكتب وصفا صادقا « بقى وطبع عن رحلته إلى مكة مع قافلة من الحجاج ) وقد وجد أن ظفار " رائقة جدا ، وتزخر بكل شي » .

? وفي عام 1526 جهرت حملة بحرية برتغاليه بقيادة هكتور داسيلفيريا ، بنا ء على أوامر حاكم جوا ، بمهاجمة وتدمير أجزا ء من ظفار ، وبعد عشرين عاما قصفت أربعة سفن تركية ظفار بمدافعها الثقيلة ، وقذفتها بقذائف من الحديد الزهر ذات أحجام ضخمة ، فأحدثت تلفا قليلا، ولكنها أ ثارت الكثير من الذعر ، وسرعان ما أوفد حاكم ظفار ابنه إلى مسقط ليشكو لحاكمها البرتغالي من أن الأتراك قصفوا ظفار ، و أقاموا حامية لقلعتهم هناك .

وفي 14 فبراير عام 1590 نصبت جماعة من العرب كمينا لاثنين من دعاة النصرانية الإسبان هما الأب القسطلاني بدور بايز وزميله القطالوني انطونيد دي مونتسيرات تجاه ساحل ظفار بينما كانا في طريقهما إلى الحبشة و قد احتجزهما شيخ المنطقة للحصول على فدية ، وذلك في قرية « ظفار » ثم أرسلهما بعد ذلك إلى تريم في حضرموت ، وفي تلك الفترة كانت ظفار تابعة للسطان الكثيري عمر بن بدر بوطويرق ، ورغم أن هذه
?الرحلة الطويلة المرهقة على ظهور الجمال عبر صحراء حارقة قد أسهمت في النهاية في وفاة الأب الكهل مونتيسرات ، فقد رفض أمام سيل محموم من الشتائم و الإهانات أن يقول أنه مغربي ( كان البرتغاليون يسمون كل المسلمين مغاربة ) وذلك من أجل أن يفوز بحريته . وقال : " كيف تجسرون على محادثتي بهذه الطريقة المشينة . . لن أقول ذلك ولو مت ألف مرة " .

وإذا تحولنا عن ظفار ، وجدنا أنه في منتصف القرن الثالث عشر استرعت عمان أنظار المؤرخ الصيني تساو- جوركوا الذي يقول في كتابه وصف الشعوب ( التشوفان تشى - ويسمى كذلك سجل الأمم الأجنبية ) :

أن بلاد يونج - مان ( عمان ) تشبه وو - با ( صحار ) في سكانها ومنتجات أرضها ، ويضع رئيس البلاد عمامة على رأسه ، ويلتف في حرير خفيف ، يرتدي أي ثياب ، كما أن خدمه لا يضعون أي لباس على رؤوسهم ويسيرون حفاة ، ولكنهم يلفون أنفسهم بالأوزرة لتغطية أجسامهم ، وهم يعيشون على الكعك المصنوع من الذرة ، ولحم الضأن ولبن الأغنام ، والأسماك ، والخضروات ، وتنتج التربة بكميات كبيرة ، ويوجد اللؤلؤ على طول الساحل .

وتربي الخيول في الجبال على نطاق واسع ، والدول الأخرى التي تتجر هنا ، تشتري الخيول واللؤلؤ والبلح ، ويحصلون مقابلها على بذور حب الهال ، والكافور .
????
الفصل الثاني

الامبراطورية العُمانية في أفريقية


« طالعت تاريخ الإنسان جيلا بعد جيل فلم أجد فيه غير الغدر إلا ما ندر وأي وباء أو شيطان لا يستطيع أن يحدث نصف الشرور أو نصف الدمار الذي يحدثه الإنسان للإنسان ! »


?« قائل عربي مجهول »

كان الدور العماني في استعمار وتموين شرقي إفريقية أكبر بكثير مما كان متوقعا ، إذا راعينا حجم عمان و عدد سكانها . . ففي تاريخ مبكر ، ليس بعد عام 1200 ميلادية بالتأكيد ، قام أمير من بني نبهان من عمان بتوطيد سلطته في مدينة مبنية بالأحجار في بات ، و كان هناك آخرون في سفالة ، التي اشتهرت بتجارتها المزدهرة في الذهب ،وفي كلوة ، وممباسا ، وماليندي ومقديشيو ، وبمبا وزنجبار ، على طول ساحل الزنج في شرقي إفريقية . . ولا يعني ذلك أنه كان هناك في وقت ما " إمبراطورية واحدة موحدة للزنج " فهو أمر لم يحدث ، ولكن كان نجاح بناة الإمبراطورية العمانية إلى حد ما نتاجا فرعيا لنجاحهم كبناة للسفن ، إذ أنه كان هناك صناع سفن في عمان من قبيلة الأزد - كما ذكر المسعودي - عرفوا بالتفوق في عملهم حتى قبل القرن العاشر .

وقد اعتمدنا في معلوماتنا عن الفتح العماني المبكر إلى حد كبير ، على الرحالة المسعودي ، الذي ولد في أواخر القرن التاسع ، وقام في حوالي عام 915 م بأول رحلة هامة إلى فارس والهند والصين ، وعاد عن طريق شرقي إفريقية إلى عمان ، وكانت الطرق البحرية التي يستخدمها العرب
?العمانيون محدودة نظراً إلى أنها تعتمد على الرياح الموسمية الشمالية الشرقية ، وهذا يعني أن حدودهم الجنوبية كانت لورانسوا ماركيز ، وكانبالو التي كانت إما رأس ماكرمبو في بمبا ، أو في زنجبار ، وحكايات المسعودي عن جنوب إفريقية متناثرة في أجزاء مختلفة من كتابه « مروج الذهب ومعادن الجوهر » ، حيث يروي فيقول :

« . . كان قادة السفن العمانيون يمرون بجوار قناة ( بربرة ) للوصول إلى جزيرة كانبالو التي توجد في بحر الزنج ، وكان سكانها خليط من المسلمين والوثنيين الزنوج ، وقد أبحرت أنا نفسي في هذا البحر ، منطلقا من سنجار ( لعلها صحار ) عاصمة عمان ، في صحبة بعض أصحاب السفن العمانيين . وكان أمير عمان في زمن رحلتي الأخيرة هو أحمد بن هلال .

وقد تبدو مثل تلك الرحلة شيئا عاديا تماما ، ولكن إذا كانت حكايات الكوارث شيئا يعتد به فقد كانت الرحلة في الحقيقة تنطوي على مغامرة نوعا ما فهناك مثلا حكاية ربان بحري يدعى إسماعيلوية من سيراف , وقد غادر عمان في عام 922 م للذهاب إلى كانبالو ، فدفعته عاصفة نحو «سفالة » على ساحل الزنوج :

« .. وقادونا إلى مهلكهم . . وكان زنجيا شابا . وسيما رشيقا ، فقال : انزلو سلعكم ، بيعوا واشتروا ، ليس هناك ما تخشونه . . بل لقد جاء إلى سطح السفينة مع سبعة من مرافقيه ، وكانت ثيابهم وحدها لا تساوي أقل من 20 دينارا ، وسوف يجلب لنا ذلك بوسيلة أو أخرى ، ربح 300 درهم على الأقل وبلا أي متاعب . . وبعد أن فكرت بهذه الطريقة أصدرت أوامري للملاحين ، فنشروا الأشرعة ورفعوا المرساة .

فقال الملك أيها الغرباء . . لقد جئت لوداعكم فوق ظهر سفينتكم كرمز
?لحسن نيتي ، فعاملوني إذن بمقتضى العدل ، ودعوني أرجع إلى أرضى " ولكن أحدا لم يعبأ بكلماته ، ولم يعرها أحد اهتماما . . ولم يقل الملك كلمة واحدة ، بل و لم يفتح فمه . . وعندما وصل إلى عمان ، وبعد عدة أعوام ، وبينما كنا نبحر من عمان إلى كانبالو دفعتنا الرياح مرة أخرى نحو سواحل سفالة على ساحل الزنج ، ووصلنا إلى نفس المكان بالضبط . . ولما كنا على ثقة تامة بأننا سوف نهلك هذه المرة ، فقد أخرس الرعب أصواتنا . وأمسك بنا الزنوج ، وأخذونا إلى مقر الملك حيث دفعونا داخله . . وتصوروا دهشتنا . . كان نفس الملك الذي نعرفه يتربع على عرشه ، تماما كأننا تركناه هناك . . فسجدنا أمامه وقد شلت قوانا ولم نجد في أنفسنا القوة لكي ننهض . . وقاك لنا آه . . هاهم أولاء أصدقائي القدامى ! ولم يستطع أحد منا أن يرد ، بينما مضى هو قائلا " هيا . . ارفعوا رؤوسكم . . إنني أعطيكم الأمان لكم ولبضائعكم " . . ولكننا أنزلناها رغم ذلك ، وجئنا إليه ومعنا هدية عظيمة القيمة ، و لكنه رفضها ، قائلا : « إنكم لا تستحقون أن أقبل منكم هدية . . ولن ألطخ ممتلكاتي بأي شيء يأتي منكم " . وأجبت قائلا : » أيها الملك لقد غمرتنا بعطفك وكرمك وكنا ناكرين للجميل وغدرنا بك . . ولكن كيف هربت وعدت إلى بلدك ؟ » .

فأجاب : « بعد أن قمتم ببيعي في عمان ، أخذني الشخص الذي اشتراني إلى بلدة اسمها البصرة ووصفها لنا - وقال : هناك تعلمت الصلاة و الصوم و أجزا ء معينة من القرآن الكريم . . » .

وقام بعد ذلك بزيارات مغامرة لبغداد ، ومكة ، و القاهرة . . ثم سافر في النيل حتى اقترب في النهاية من بلده . .

وقال : « . . وذات ليلة نزلت على شاطئ بلادي ، وسألت امرأة
?عجوزاً : هل الملك الذي يحكم هنا ملك عادل ؟ فأجابت : يا بني ، لا ملك لنا إلا الله . . وحكت لي المرأة الطيبة كيف أخذوا الملك . . ووجدت أسرتي كما تركتها تماما وإن كان يغمرها الحزن واستمع قومي إلى حكايتي التي سردتها عليهم ، فأدهشتهم وملأت قلوبهم سرورا ، واعتنقوا الإسلام مثلى . . . وإذا كنت قد عفوت عنكم فذلك لأنكم كنتم السبب الأول في طهارة عقيدتي ، أما عن طلبكم أن أصحبكم إلى سفينتكم ، فإن عندي أسبابا تدعوني ألا أفعل . وافترقنا عند ذلك »

وقد سجل رحالة وعلماء جغرافيون آخرون مذكرات موجزة عن المستوطنات العمانية في شرقي أفريقية ، وقد أمضي الإدريسي عالم الجغرافيا العربي ( 1100 – 1166 م ) الجانب الأكبر من حياته في بلاط روجر الثاني ملك صقلية ، حيث ألف كتابه العظيم عن الرحلات والجغرافية « كتاب روجر » أو « نزهة المشتاق في اختراق الآفاق » . . وبالاعتماد التام على مرشدين مأجورين وكتاب آخرين ، يذكر لنا الإدريسي في أول ملاحظة عربية عن شرقي إفريقية أن :

« ليس لدى زنج شرقي أفريقية أي سفن يسافرون بها ، ولكنهم يستخدمون سفنا من عمان ودول أخرى ، تبخر إلى جزر الزنج ، التي تعتمد على جزر الهند ، وتستغرق الرحلة على طول الساحل إلى ممباسا يومين . . وبعمل سكانها في مناجم الحديد وصيد النمور ، ولديهم كلاب حمراء اللون تقاتل كل نوع من الوحوش البرية حتى الأسود . . » .
وفيما بعد كتب أبو الفدا (1273 – 1231 م ) في كتابه التاريخي و الجغرافي الشهير " تقع ممباسا على الساحل ، وإلى الغرب خليج تمتد فوقه المباني مسافة تصل إلى 300 ميل » ومصادر أبو الفدا عن ساحل شرق
أفريقية غير معروفة .

? وكان ابن بطوطة ( 1304 – 1377 م ) أعظم رحاله إسلامي في العصور الوسطى ، قد زار ساحل شرق إفريقية في عام 1331 م ، وترك لنا الوصف الوحيد لشاهد عيان للمدن الساحلية من رحالة مسلم في تلك الفترة .

« . . وصلنا ممباسا وهي جزيرة كبيرة على مسافة يومين من البلاد السواحلية ، ومساجدهم متينة جدا وهي مقامة بالأخشاب . . وكل من يرغب في دخول المسجد يجب أولا أن يغسل قدميه ، وإلى جوار الباب قطعة من قماش ثقيل لتجفيفهما . . وقد قضينا الليلة في الجزيرة ، ثم أقلعنا إلى كلوة ، المدينة الرئيسية على الساحل ، والجانب الأكبر من سكانها من الزنج ذوي البشرة الشديدة السواد . . وأخبرني أحد التجار أن سفالة تبعد مسافة نصف شهر سيرا على الأقدام من كلوا ، وأن بين سفالة ومافيا مسيرة شهر ، وكان مسحوق الذهب يجلب من مافيا إلى سفالة .

وقد أصبحت كلوا هي التاجر والمصدر الرئيسي للذهب في غرب المحيط الهندي ، وكان الذهب يستورد من سفالة ، ومصدره في روديسيا البعيدة ، وكان إنتاج سفالة من الذهب في يوم ما حوالي نصف مليون استولينى سنويا .

وفي فقرة من مؤلف مفقود للمقريزى ، وصف زيارته لمكة خلال الجزء الأخير من عام 1441 مع أحد القضاة من « لامو » ، الذي قال « إن القرود أصبحت تحكم ممباسا منذ حوالي عام 800 هجرية ( 1402 ميلادية ) حتى إنها تزعج الناس في بيوتهم وأسواقهم . . وأضاف قائلا : " إنه عندما تدخل القرود بيتا وتجد فيه امرأة فإنها تعتدي عليها . . » .

وحقبة الألف عام من السيطرة والسلطان والثراء العماني في شرقي
?



( م 3 – تاريخ عمان )

أفريقيا لم تقطعها غير فترة محدودة من الغزو البرتغالي . . ففي بداية القرن الخامس عشر كانت جنوا والبندقية هما المدينتان الأوروبيتان اللتان تتزعمان التنافس في التجارة مع الشرق ، وقد فقدت جنوا سيطرتها في عام 1453 بانهيار - الإمبراطورية الرومانية الشرقية ، بعد سقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين و تحولت تجارة البهارات البرتغالية من طريق البحر الأحمر إلى طريق رأس الرجاء الصالح ، وهكذا لم تعد مصر وسوريا هما طريق العبور الرئيسي بين أوروبا و الشرق .

وكان المصريون قد أظهروا في يوم ما قبل ذلك ، وإدراكهم لأهمية هذا الطريق التجاري ، ففي المستندات الأخيرة لمملكة القدس المسيحية صنع المغامر " رينو دي شاتيون " ما يمكن أن يسمي بالسفن الجاهزة في البحر الأبيض المتوسط ، ونقلها عبر البرزخ إلى خليج العقبة ، حيث تم تجميعها هناك وإنزالها إلى البحر لهاجمة السفن في البحر الأحمر ، كما أنزل قوة في شبه الجزيرة العربية للإغارة على مكة ، وانتهت الحملة بكارثة . .

ولم يكن هناك جديد في إدراك المصريين لأخطار المنافسة ، إذ كما يقول سيرجنت : « . . قدم سلاطنة المماليك . بتحريض من البندقية حليفتهم التجارية ، مطالب بالغة الشدة لكل من الفاتيكان وحكومة البرتغال ، بأن أمر كل المسيحين بالامتناع عن الملاحة والتجارة في البحر الأحمر » .

ولقد كانت يومئذ قصة بالغة القدم ، إذ لا يمكن أن يكون هناك أي شك في أن هيبالوس الذي أدى اكتشافه للرياح الموسمية في القرن الأول إلى فتح البحر الأحمر أمام أصحاب السفن الإسكندريين قد حصل على معلوماته من البحارة العرب الذين ظلوا يحتفظون بسر الرياح الموسمية لأنفسهم طويلا .

وقد ثبت أن خوف العرب القدماء ، والمصريين من منافسة أوروبا كان
خوفا قائما على أساس قوي ، وثبت أن فتح البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح كان كارثة لكل من مصر وشريكتها الأوروبية في التجارة « البندقية » التي تضاءلت تجارتها ، وسرعان ما توارت شهرتها البرية وراء شهرة ذلك العبقري الشجاع والعالم الهادئ " أنريك ابن الملك " الذي يعرفه التاريخ باسم الأمير هنري الملاح ، المستكشف الذي ظل في وطنه . . وهذا الرجل ذو الفكر المستقل ، والذي نذر نفسه للعزوبية الدائمة ، قال يوما بروح من المغامرة الشديدة : « ليس هناك خطر ضخم إلا وهناك أمل أضخم منه في الجزء الذي سيعود منه . . فانطلقوا إذن إلى رحلتكم دون تردد . . » .

? وقد ولد الأمير هنري في بورتو يوم 4 مارس 1364 ، وهو الابن الثالث من خمسة ورثة من الأبناء البرتغاليين - الإنجليز لجون الأول ، وهو ابن غير شرعي لأميره آفيز فيليب أوف لا نكستر ، ابنه جون أوف جونت . . ومن المشكوك فيه جدا أن يكون هنري هو الذي أسس المدرسة البحرية الشهيرة والهامة في « ساجريس » في أقصى الطرف الجنوبي للبرتقال ، حيث تلقى ربابنة سفنه وملاحوه تعلمهم فن الملاحة الفلكية على أيدي علماء الرياضيات المسلمين وغيرهم .

وبفضله تلقى ملوك البرتقال أكاليل الغار للإكتشاف الذي أسفر عن طريق جديد للتجارة مع الهند مع ما صاحبه من ثروة و سمعة ، والذين اعتبروا أنفسهم بعد ذلك ، ابتداء من الملك مانويل بكثير من الغرور والغطرسة ، سادة الغزو والملاحة والتجارة مع أثيوبيا وشبه الجزيرة العربية ، وفارس ، والهند .

وكانت البحارة البرتغاليون قد أقاموا تجارة مع انجلترا وهولندا منذ عام
?1147 ، والآن . . بعد أن بدأ فاسكو دي جاما الذي يبلغ الثمانية والثلاثين ، وأحد أعظم المستكشفين العظام ، الذي يتلو في شهرة معاصره كولمبوس مباشرة رحلته الشهيرة الأولى .

وقد بدأ بمتابعة الطريق حول رأس الرجاء الصالح الذي كشفه أستاذ الملاحة « بارثو لومبو دياز » برحلة رائدة في شتاء 1487 - 1488 .

وقد أبحر دي جاما ( مع بيتر دالانكسير الذي كان مدير الدفة لسفن دياز ) في شجاعة بسفنه الأربع التي لفحها البحر ، و تبلغ حمولة كل منها مائة طن ، في وجه أمواج عاتية حول « رأس العواصف » والذي أطلق عليه الملك جون الثاني في مرح اسما آخر هو « رأس الرجاء الصالح » ووجد « دي جاما » و رجاله الذين يتراوح عددهم بين 140 و 170 , « ولم يعد منهم حيا غير 55 أو 60 » أن العمانيين - وكانوا في الواقع قوة استطلاعية - يحتلون عددا من المستوطنات ، كل منها دولة مستقلة في مدينة ، على طول الساحل الشرقي لأفريقيا ، ولم تقتصر الصعوبات التي واجهها البرتغاليون على الرياح و الجو و عدم وجود خرائط ومرشدين بحريين
فحسب ، بل كان هناك أيضا صعوبات خلقها جهلهم . و يحتمل على الأقل أنه كانت لديهم معلومات غير مباشرة عن كتابات أولئك الجغرافيين العرب في عصور الإسلام الوسطى ، الذين أشاروا إلى شرقي إفريقيا .

وكان أغلب هؤلاء العلماء - مثل ابن سعيد عالم الجغرافيا في القرن الثالث عشر - مقتنعين بأن هناك جبلا مغناطيسيا يمتد مسافة مائة ميل في البحر يجتذب السفن لتدميرها ، وأنه موجود على هذا الساحل .

وتصر الحكايات البحرية الشعبية في تلك الفترة على أن المسامير الحديدية كانت تسحب السفن بواسطة تلك القوة الغامضة ، فتتطاير نحو
?الجبل الرهيب وقد وردت إشارة عن ذلك في كتاب " ألف ليلة وليلة " .

ولدينا حكايات في ذلك الكتاب الكلاسيكي العظيم الذي صدر في القرن الرابع عشر وهو « رحلات سير جون مانديفيل » لندن عام 1900 ص (109 – 110 ) ، وتقول الحكاية إنه إذا مرت سفينة ما بجوار تلك المستنقعات ، وكانت بها أربطة أو مسامير حديدية فلا بد أن تهلك ، لأن الحديد الصلب يجتذب الحديد إليه .

? ولكن . . ما هي طبيعة الاتصالات الأولى بين عرب عمان والبرتغاليين المسيحيين على ساحل إفريقية الشرقي ؟ . . أنها لم تكن لمصلحة أي من الشعبين ولدينا وصف مباشر لها من المؤلف المجهول للكتاب " الرحلة الأولى لفاسكو دي جاما " ( 1497 – 1499 ) ولعله عمل على سفينة دي جاما ذاتها ، وهو يصف ما حدث أمام ميناء ممباسا في 10 أبريل 1498 فيقول :

« استجوب الكابتن ميجور ( دي جاما ) اثنين من البربر من أهالي « موزنبيق » أحضرناهما إلى سطح السفينة ، وذلك بإبقاء زيت يغلي على جلدهما لكي يعترفا بأي خيانة موجهة ضدنا ، فقالا : إن الأوامر صدرت بأسرنا بمجرد دخول الميناء ، حتى يثأروا مما فعلناه في موزنبيق قبل ذلك . وعندما استخدمنا التعذيب مرة أخرى ، و كان ذلك أمام مكان يسمى ماليندي على مسافة . 30 فرسخا من ممباسا ، وهي مدينة جميلة ، زارها الإدريسي في القرن الثاني عشر ، ووصفها بأنها " عاصمة تجارية كبيرة ، تمتلك مناجم حديد ثمينة ، ولم يكن الحديد وحده هو مصدر ثروتها ، إذ كانت نساؤها يعتبرن جميلات ، وكن يرتدين الحرائر والأقطان من الخصور إلى أسفل ، ويضعن الخمار والأربطة الذهبية على رؤوسهن ، وتقبع البلدة
?في خليج ، وتمتد على طول الشاطئ ، وبيوتها مرتفعه ومطلية جيدا باللون الأبيض ، و لها نوافذ عديدة ، وكانت هناك بساتين نخيل على الجوانب الأرضية وحولها جميعا حدائق تزرع فيها الحنطة والخضر ، وهد بقى دي جاما ورفاقه تجاه تلك البلدة تسعه أيام ( من 15 إلى 23 ابريل ) يحتفلون بأجازة ، عن طرين إقامة المهرجانات والمعزوفات الموسيقية .

وفي ماليندي ، أقام دي جاما الذي لا يقهر « بادروا » أو عمودا ليكون رمزا لسيادة البرتغال وانتشار المسيحية ، كما حصل على خدمات أعظم شراح علوم المسلمين البحرية ، المرشد البحري العربي الشهير أحمد بن ماجد و كان هذا الملاح أشهر مرشد ملاحي في المحيط الهندي في عصره ، وألف العديد من المراجع التي تستخدم على نطاق واسع ، وقد كتبها فيما بين عامي 1460 و 1469 , ويذكر في كتاب « البرق اليماني » إن البرتغاليين حصلوا على خدما ته بطريق « الغش الدنئ والخداع » .

« قال قائد البرتغاليين . . . دعوته و تكلمت معه ، و جلسنا نسمر فقال للبرتغاليين : إنهم يجب أن يبتعدوا عن الساحل في أجزاء معينة ويقلعوا بعيدا عن عرض البحر ، وسوف يمكنهم الاقتراب منه بعد ذلك بسلام » .

وقد يكون الأمر كذلك حقا ، غير أن بريان رو ( مدير إدارة الآثار في عدن ) يخبرنا من ناحية أخرى ، بعد دراسة سجل رحلة أحمد بن ماجد ، « أن العربي أرشد البرتغاليين طوعا » . ويقول جواودي باروس لشبونه - 1778 ، إن مرشدهم كان شخصا من البربر ، من شعب الجزيرة يدعى ماليمو كانو . . ولكن كلمه « ماليمو » هذه ليست إلا تحريفا للكلمة العربية والسوا حليه « معلم » ومعناها مرشد .

وهناك دليل على أن أحمد بن ماجد قدم خدماته بإرادته الحرة فعلا إذ أن
?فريمان - جرنيتيك ( الذي تلقى معلومات عن الكابتن آلان فيلييرز ) يقول " إن المرشد الكبير ما زال ملعونا من ملاحي ماليندى ، لأنه أطلع فاسكودى جاما على طريق الهند . . ويمضى دى باروس قائلا .

« . . عندما عرض فاسكو دي جاما الاصطرلاب الكبير الذي لديه ، و هو مصنوع من المعدن ، وكان يقيس به ارتفاع الشمس ، لم يظهر المسلم أي دهشة ، وقال : إن بعض مرشدي البحر الأحمر يستخدمون آلات نحاسية على شكل مثلث أو مربع ليقيسوا بها ارتفاع الشمس ، وخاصة النجم الذي يهتدون به غالبا في الملاحة » .

إن نجاح رحلة دي جاما التى انتهت في ميناء كلكتا الكبير ، ورحلته الثانية التي كانت بداية الحرب المريرة التي شنها البرتغاليون ، الذين زعموا أنهم جاءوا بحثا عن المسيحيين والبهارات ، وكان لهذا النجاح أثر فاجع على الملاحة والتجارة العربية في المحيط الهندي .

وإذ كان الأمر ذلك ، فإنه لا يعود إلى حد كبير إلى ميل البرتغاليين المتغطرس للقتال ، بقدر ما يرجع إلى أسباب اقتصادية بحتة . . وفيما يلي مثال لسلوك دى جاما حيال العرب و الإسلام بوجه عام .

ففي رحلته الثانية إلى الهند عام 1502 بأسطول مكون من 25 سفينة ، قام بمطاردة سفينة غير مسلحة تجاه كلكتا ، كانت تحمل 200 أو 400 حاجا إلى مكة ، واستولى على السفينة ، حيث أحضروا أمامه ربانها . .

وقال الربان العربي لدى جاما : سيدي إنك لن تكسب شيئا لو أمرت بقتلنا ، فأمر بتقييدنا بالأغلال الحديدية و أنقلنا إلى كلكتا . . و إذا لم يشحنوا سفينتك هناك بالفلفل والعقاقير دون مقابل فلك عندئذ أن تأمر بحرقنا . . » . فقال له الربان قائد السفينة : « سوف تحرقون أحياء . .
?وأقول أنه ليس هناك شئ في هذا العالم يمكن أن يمنعني من أن أقتلكم مائة مرة ، لو كان في الإمكان قتلكم كل هذه المرات .

وكتب كوريا يقول : « وقد حدث هنا أن وجد واحد من المسلمين ممن يسبحون في البحر رمحا يطفو على سطح الماء فتناوله ، ورفع نفسه في الماء قدر استطاعته ، ثم قذفه نحو أحد الزوارق وطعن بحارا وقتله ، وحيث بدا أن ذلك شيء كبير فقد دونته » .

وقد أصبح عشرون من الصبيان الصغار - من بين خمسين امرأة وطفلا تم تعميدهم - رهبانا في بيليم في النهاية ، أما الباقون ، باستثناء شخص مسلم أحدب الظهر هو المرشد البحري ، فقد سجنوا في منبر السفينة « لافريوم » ثم أشعلوا النار في عده أماكن من السفينة المنكوبة بلا أي مبرر ، وأغرقت بما تحمل من بشر ، و لا حول لهم ولا قوة ، وهم يصرخون وينوحون ، طلبا للرحمة ، بينما كان دي جاما يمتع نفسه بهذا المشهد الذي أبصره من خلال كوة السفينة دون أن يبدو عليه أي تأثر !

وإن روايات المعاصرين و شهود العيان عن معاملة البرتغاليين للعرب والوطنيين الآخرين ، سواء في شرقي أفريقية ، أو الهند ، أو عمان ذاتها ، هي سجل طويل يثير التقزز لجرائم وحشيه ارتكبت بلا مبرر .

وهناك مناسبة لا تنسى قط ، عند عودة دي جاما إلى كلكتا ، فقد أوفد ملك سامورين إليه أحد البراهمة مرتديا ثوب الرهبان ، وعلى الفور منحه دي جاما « جواز أمان » بعد أن عرف شخصيته . . فخاطب دي جاما قائلا: « سيدي . . لقد ارتديت هذا الثوب حتى لا يمنعونني من الاقتراب من السفن فأستطيع الحضور ، و تسليمكم رسالة من الملك . . . » .

ولكن دى جاما أمر السفن بأن تهجم و تنهب ست عشر سفينة صغيرة ،
?وسفينتين للأهالي ، وسرعان ما تم ذلك « ثم أمرهم الكابتن ميجور ( دي جاما ) بعد ذلك بقطع أيادي وأذان وأنوف كل البحارة ، ووضع كل هذا في سفينة صغيرة وأمر بوضع الراهب فيها بلا أذنين وأنف أو يدين ، وأمر بوضعها على هيئة سلسلة حول عنقه ( وذلك بعد أن منح هذا الرجل جواز أمان ) ، وكتب رسالة على ورقة نخيل للملك يطلب منه أن يعد طبقا من الكاري بما أحضره الراهب لكي يأكله .

وبعد أن أعدم كل الهنود بهذه الطريقة ، أمر بتقييد أقدامهم معا ، إذ لم تعد لهم أيادي يفكونها بها . . وحتى لا يستخدمون أسنانهم لفك قيودهم أمر بتحطيم أسنانهم ضربا بالهراوات ، وأسقطوا الأسنان في حلوقهم ، ثم و ضعوا بهذه الصورة على ظهر السفينة ، وقد تكدس بعض فوق بعض ، واختلطت دماؤهم المتدفقة بغزارة . .

ثم أمر ( در جاما ) بمد حصائر وأوراق شجر جافة فوقهم ، وأن تفرد القلوع لكي تحملهم السفينة للشاطئ . . وأشعلت النيران فيها بعد ذلك وكان في السفينة ما لا يقل عن 800 مسلم وكذلك أرسلوا السفينة الصغيرة نحو الشاطئ بدون حرق ، وهي تحمل الراهب ، ومعه كل الآذان والأيادي المقطوعة .

وفي غمرة تلك المذبحة كلها ، أقبلت نحو البرتغاليين سفن مسلمي كور ماندل أبناء البلاد ، والذين شهدوا عمليات الإعدام وهي تنفذ لأن البرتغاليين كانوا قد علقوا بعض الرجال من أقدامهم في السفن التي بعثوا بها للشاطئ ، ثم أمر دي جاما رماة السهام بإطلاق سهامهم ليراها الرجال الذين على الشاطئ .

ولما كان يعتزم عمل نفس الشيء لهؤلاء الكور ماندل ، فقد صاحوا
?قائلين ، إنهم سوف ينتصرون ويعتنقون المسيحية , وذكروا اسم توماس الذي كان في بلادهم ، وراحوا يرفعون أيديهم إلى السماء , مكررين ذلك استدرارا للرحمة والشفقة من القائد الذي أمر بإبلاغهم , أنهم حتى إذا اعتنقوا المسيحية فإنه سيقتلهم أيضا فقالوا . . إنهم لا يلتمسون الإبقاء على حياتهم إلا لكي يصبحوا مسيحيين و عندئذ أمر دي جاما بأن يقوم قسيس بتعميدهم بالماء المقدس ، وراح القسيس يرتل مراسم الصلاة الربانية وهم يرددون وراءه . . وبعد أن تم ذلك ، علقوهم بعد خنقهم حتى لا يشعروا بضرب السهام .

لم تكن مجرد حالة واحدة غير عادية ، بل تمثل سياسة برمتها . . وتظهر طبيعة الملاح والغازي الكبير في ذلك النوع الخيالي من قسوته ، حيث أمر ذات مرة بقطع شفتي شخص من البراهمة ، و هو مبعوث من الساموريين في كلكتا ، حتى تبدو كل أسنانه ، ثم أمر بقطع أذني كلب كان في السفينة ، وربطهما وخاطهما بغرز عديدة في وجه البراهمي بدلا من أذنيه .

ولقد تساءل المؤلف العربي الشيخ زين الدين في القرن السادس عشر بحق وهو يقلق على معاملة البرتغاليين لقومه في كتاب « تحفة المجاهدين » بقوله : « كم من النساء الشريفات المولد ممن وقعن في الأسر بهذه الطريقة احتجزت وانتهكت أشخاصهن لإنجاب أطفال مسيحيين ، ربوا على معاداة دين الله , و تعلموا اضطهاد المسلمين ؟ » .

وهناك رواية معاصرة لأول عملية لنشر المسيحية في شرقي أفريقية بمدينة كلوا عام 1505 م تبين أن تعليق الشيخ كان له ما يبرره حقا . . وكانت كلوا يومئذ من أجمل مدن المواني في العالم ، وقد زارها الأوربيون لأول مرة عندما توجه إلى هناك بدرو كابرال مكتشف البرازيل في عام 1500م هو
?في طريقه إلى الهند .

ويقول الكاتب المجهول الذي يروي هذه الرحلة " إن بيوت المدينة كانت عالية كالحال في أسبانيا ، وفي تلك البلاد تجار أثرياء وكثير من الذهب والفضة ، والعنبر والمسك وللآلي . وزار « دي جاما » هذا المكان في عام 1502 م ، فوجد أن تجارة الذهب كانت محتكرة في كلوا بصورة ما .

وقد نكث بوعده بأمان ، وأجبر الحاكم على الاعتراف بملك البرتغال سيدا له ، ودفع الجزية .

وكانت تلك هي زيارات البرتغاليين التي مهدت للزيارة التي تمت في عام 1505 م عندما وصل الدوم فرانسيسكو دالميدا نائب ملك البرتغال ، وكما جاء في أقوال جواو دي باروس عنها :

« كان المقرر أن يهبطوا إلى البر في اليوم التالي ، و هو عشية عيد القديس جيمس ، و قبل الفجر أمر الدوم فرانسيسكو بإطلاق النفير ، و عندما تجمعوا جميعا ، طلب إليهم رئيس الكهنة الإدلاء باعتراف عام ، ومنحهم غفرانا تاما بمقتضي الأمر البابوي الذي يمنح لمن يهلك في سبيل العقيدة . . » .

?وما كادت المدينة تسقط دون مقاومة ، حتى هبط رئيس الكهنة و بعض الآباء الفرنشيسكان إلى الشاطئ و هم يحملون صليبين ، وساروا في موكب يرتلون تسبيحة الشكر , ثم توجهوا إلى القصر حيث وضعوا صليبا على الورق ، وأدى القائد الكبير الصلاة . . ثم شرعوا جميعا في نهب المدينة ، وسلب كل ما فيها من بضائع ومؤن .

ولم يخضع عرب شرقي أفريقيه بطبيعة الحال لهذا النوع من الأمور باستكانة ودون نضال ، رغم أنهم كانوا بلا حول ولا قوة تقريبا أمام قوة
?البرتغاليين ، كما لم يكن في استطاعتهم توقع أي معونة من وطنهم الذي كانت صلاتهم به واهية تماما في ذلك الحين ، بيد أنه كان لهم حليف يتمثل في قوة مصر البحرية ، وآخر سلاطين المماليك قنصوة الغوري (1500 – 1516 م ) الذي كان يشن حربا بلا انقطاع ضد البرتغاليين في المحيط الهندي ، غير أن أسطوله أصيب بهزيمة ساحقة في عام 1504 م . ومع أنه حقق قدرا من الانتقام بعد أربع سنوات عندما قتل لورانزو داليدا في معركة بحرية عام 1509 م ، إلا أن الدوم فرانشيسكو دالميدا حاكم جوا ووالد لورانزو ، التقى بالأسطول المصري ودمره في البحر ، وأنهى بذلك القوة البحرية للمماليك . .

ومع أن ما حدث كان لا يزال في علم الغيب في عام 1505 م ، فقد كان واضعا أن البرتغاليين قادرون على التعامل مع القوة البحرية الوحيدة التي تمثل أي مقاومة لهم في تلك المياه .

وفي 13 أغسطس 1505 وصل دالميدا تجاه ممباسا ، وكانت المدينة يومئذ مكانا رائع الجمال ، به منازل عالية من الحجر والملاط ، تصطف على جوانب الشوارع جيدا على غرار مدينة كلوا و تلك هي عبارات ديوراتى بربوسا ، الوكيل التجاري في كانا نور ، و الذي كتب في عام 1517 – 1518 أوصافا لكل الأماكن التي كان للبرتغاليين علاقة بها في المحيط الهندي و أبعد منه شرقا .

?جاء دالميدا مع أسطول من عشر سفن كبيرة و ثلاث أصغر منها وشن هجومه عند الفجر يوم عيد ارتفاع العذراء للسماء ، مما أسفر عن النتائج التالية كما صورها ملك ممباسا المهزوم بعبارات تنبض بالحياة في رسالة بعث بها إلى جاره ملك ماليندي .

?« بارك الله فيكم يا سيد علي ، أكتب هذا لإبلاغكم أن سيدا عظيما مر بهذه البلدة وأحرقها وتركها خرابا . . و قد جاء إلى البلدة بقوة و وحشية بالغة حتى إنه لم يترك رجلا أو امرأة ، كهلا أو شابا . . بل وأصغر طفل . . حتى أولئك الذين فروا من ضراوته . . وهو لم يكتف بقتل الرجال وحرقهم بل وأسقط حتى الطيور في السماء ، إن رائحة الجثث في البلدة بلغت حدا شنيعا حتى إنني لا أجرؤ على الذهاب إلى هناك ، كما لم أستطع التأكد أو تقدير مدى ما نهبوه من ثروات من البلدة . . وأنا أبعث لكم هذه الأنبا ء السيئة في سبيل سلامتكم » .

وبعد عامين ، قام هذا الرجل دالميدا ، الذي أصبح نائبا للملك في الهند ، بإطلاق أسراه من فوهات المدافع أمام كانا نور ، محييا البلدة بشظاياهم . . وخلال ثماني سنوات من وصول البرتغاليين « المتحضرين » كانوا قد سيطروا فعلا على الأجزاء الإستراتيجية من ساحل شرقي أفريقيا جنوب خط الاستواء ، وأثاروا خوف الباقين . . وقد كانت البرتغال قد بلغت الذروة الدموية لعصرها الذهبي القصير العمر ، وكانت سياسة الفتح الذي يدمر بلا رحمة ( اعتمادا على مدافعها البالغة الأهمية ) والسيطرة ، و الاحتكار التام التي كانت تنتهجهما ذات أثر مدمر لبعض المستوطنات العربية ، التي انهارت وذوت بعد أن حرم مواطنوها من مصدر رزقهم كوسطاء تجاريين ، وماتت وكأنما أصابتها اللعنة . لقد انتهى تاريخ كلوا ، وكلوكيزايواني ( كلو فوق الجزيرة ) التي أنشئت كمركز تجاري عماني في عام 1507 ميلادية لكي تصبح « شعلة الحضارة في ليل الهمجية » .

كانت مجرد لمسة البرتغاليين تعني الموت ، و كتب مؤرخ من كلوا يقول : « إن الذين يعرفون الحقيقة يؤكدون أن البرتغاليين كانوا رجالا فاسدين غير شرفاء ، جاءوا للتجسس على البلاد لكي يستولوا عليها » .
وثمة مستعمرات أخرى مثل زنجبار ، وبمبا في الشمال أصابها الاضمحلال و لكنها ظلت بشكل ما بعد تلك الفترة الأساسية من التدهور السياسي ، لكي تعود إلى الحياة في فخر وعظمة في تاريخ عمان .
ولم تكن المستعمرات العمانية هي الأماكن الوحيدة التي عانت على أيدي البرتغاليين . . وإذا كان دالميدا قد عاقب عرب شرقي أفريقية بالعصا ، فإن أفونسود البوكيرك الذي كان أكثر دموية عاقب حاضرة عمان بالعقارب . . ففي عام 1507 م - بعد عمليات الاستطلاع الأولية التي قام بها دي جاما ، بالقوة بتسع سنوات ، قام الأميرال البرتغالي بقصف ونهب وتدمير مسقط كلية تقريبا ، وهي الميناء الرئيسي لعمان بسب سفن حربية ، وكانت أقوى من أي مكان أخر ، ببيوتها العديدة الجميلة ومساجدها ، ومينائها الممتلئ بالسفن . . و بينما كانت سفن البوكيرك الصغيرة تأخذ ماءها على الشاطئ بدأ مدفع البلدة فجأة في قصف شديد لسفننا التي انسحبت بعيدا ، دون أن تدرى سببا لهذا التحول إلى أن فهمته بعد الوقت . . فقد أرسل ملك الفرس هرمز 2000 رجل لها وكان الخط الساحلي لعمان خاضعا لملك هرمز لمدة قرنين ، للدفاع عن المكان الذي كان قد بدأه حاكم عمان ، أملا في إنقاذ مسقط من مصير قريات المنهوبة ، ولم تكن الخسائر التي أصابت البوكيرك من المدفع الكبير طفيفة ، لأنه كان يستخدم بذكاء بالغ . . و لكنه أنزل رجاله عند بزوغ القمر ، وهاجم البلدة بشجاعة ، وكان حظه حسنا ، حتى إنه عندما دخل رجالنا من إحدى البوابات فر المسلمون من بوابة ثانية ، وكان البوكيرك هو الذي خطط ونفذ للسيطرة الغربية في الشرق .

ويرسم المؤرخ البرتغالي الشهير مانويل دي فاريا أي سوسا ، في القرن السابع عشر ، الصورة التالية عن البوكيرك ، فيقول إنه كان « معتدل القامة ، ذا ملامح محبوبة ، وشكل وقور بلحية تصل إلى تحت الحزام الذي
يتمنطق به ، وكانت لحيته وبشرته ناصعتي البياض » . . بينما وصفه بعض قواد البوكيرك المتمردين أنه كان نوعا صارما جدا من الرجال ، شديد التسرع , لا يراعي شرف الرجال .

وقد زار البوكيرك المحيط الهندي أول مرة في عام 1503 م في الوقت الذي بدأ فيه إنشاء ميناء في كوشين ، وأقرب ما تحت يدنا من روايات شاهد عيان لما حدث هو ما جاء في تعليقات كتاب « ألفونسو البوكيرك العظيم » صفحات 735 و 78 - 79 و 81 - 82 كما كتبه ابنه غير الشرعي برازد البوكيرك ( الذي حمل بعد وفاة أبيه اسم الفونسو ) عن رسائل كان قد بعث بها إلى الملك دوم إيمانويل .

أنشأ المسلمون ، وهم العمانيون ، أمام البلدة سورا من الأخشاب ، اتساعه عشر نخلات و ارتفاعه عشرون ، و ملأوه بالتراب ، فكان قويا جدا ، ويتصل من كل جانب بسلسلتين من الجبال الشاهقة الارتفاع التي تمتد إلى البحر ، وقد شن « البوكيرك » هجوما بالغ الشدة و العنف على السور الدفاعي وكان المد مرتفعا في نفس الوقت ، وعلى رجالنا أن ينزلوا من أسفل السور ، وبدأ المسلمون في إطلاق السهام وقذف الأحجار من أعلى ، حتى واجه رجالنا صعوبة بالغه في إكمال هبوطهم . .

« . . ثم تجمع الكل في كتيبه واحدة وزحفوا للهجوم ، ولما كانت الشوارع ضيقة جدا ، والرماح التي يحملونها طويلة جدا ، فقد أخذ الارتباك يسودهم ، وهم يتلهفون للمرور أمام بعضهم بعضا ، حتى أصاب المسلمون كثيرين منهم بسهامهم . . » وطارد إنطونيو دو كابو « الذي ترك و البوكيرك الذي كان يصاحبه جمعا من النساء كن يتراجعن صوب التلال ، فقتل كثيرات منهن , بينما قتل جواد دانوفا أيضا كثيرا من النساء
?والأطفال ، فلم يترك منهم أحدا ،وأوقع بهم خسائر فادحة بينهم ، وكان منهم الأغا الأول الذي كان يحكم بأوامر من ملك هرمز . . وفي النهاية كان الفونسو دى البوكيرك قد قتل كل المسلمين ونساءهم وأطفالهم الذين وجدوا في البيوت بالسيف فلم يترك منهم أحدا . . » .

وبينما كان الفونسو دي البوكيرك الكبير يستعد على الشاطئ مع كل رجاله للهبوط ، إذ نزل أحد المسلمين من الباب و هو يحمل علما صغيرا أبيض اللون ،حتى وصل إليه بسلام ، وتوسل إليه باسم الحكام قائلا : إنه حيث أن الله قد منحه المدينة التي كسبها ، وتوسل كفارس شجاع ، فإنه يكفيه أنه قتل زوجاتهم و أطفالهم ، فلا يحرق البيوت أو السفن . .

فرد عليه ألفرنسو دي البوكيرك قائلا : إنه من ناحيته يأسف كثيرا لأن يرى مثل هذه المدينة تدمر ، ولكنها غلطتهم هم ، لأنهم انتهكوا اتفاقهم معه ، معتمدين على الأشخاص الذي جاءوا من الداخل ، ولهذا فإنه لا حق لهم في أن يطالبوه بشيء . . أما إذا رغبوا في افتداء المكان والسفن والمؤن التي لا تزال باقية ، ففي إمكانهم أن يبعثوا له قبل ظهر اليوم التالي عشرة آلاف " إكسرافين " من الذهب ( أي حوالي عشرة آلاف ستاندرد من الذهب بالقيمة الحالية ) .

وعندما مرت الساعة المحددة ، أمر بإشعال النيران في المدينة التي احترقت فيها مؤن كثيرة ، وأربع وثلاثون سفينة كبيرة وصغيرة ، مع سقن صيد عديدة ، وترسانة تمتلئ بكل ما يلزم لبناء السفن ، و أمر ثلاثة من رجال المدفعية بهدم دعامات المسجد بالبلط ، وكان مبنى كبيرا وجميلا ، وقد أقيم الجزء الأكبر منه بالأخشاب المنقوشة ببراعة ، والجزء الأعلى من الجص المنقوش . . و أصبح لدى رجالنا كثيرون من المسلمين ( العمانيون )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( م 4 – تاريخ عمان )
?رجالا ونساء ، أسرى لا يريدون منهم شيئا ، ولا يستطيعون حملهم معهم ، ولهذا أصدر الفونسو البوكيرك أوامره بقطع آذانهم وجدع أنوفهم ، وإطلاق سراحهم بعد ذلك . .

وقد عانى العمانيون في مدينة مسقط المخربة كثيرا من القهر خلال فترة من حكم البرتغاليين ، وبعد أن بلغ بهم اليأس مبلغه من عمليات الابتزاز التي يقوم بها دييجو دي ميللو نائب الملك البرتغالي في هرمز ، ثار المواطنون في 1526 م ، ولكن لوبو فاس سحق ثورتهم بخمس سفن و 300 رجل ، ولا شك أن تفوق البرتغاليين الكبير في المدفعية هو الذي أتاح لهم الفوز والتسلط على العرب . .

والظاهر أن المدينة ظلت خاضعة طوال ربع قرن دون أي محاولة لاستعادة حريتها ، ولكن مصر هبت مرة أخرى لإنقاذها ، وكانت في هذه الفترة تحت الحكم العثماني .

كان ذلك في سنة 1550 م عندما أقلع الأسطول العثماني في مصر من السويس لإنقاذ مسقط . و كان الأسطول يتكون من 30 سفينة شراعية كبيرة تحمل جيشا ، قيل إن عدده 17 ألف ، وكانت القوة برئاسة بيرى ريس باشا ، ولعله كان مسيحيا أو أوروبيا بحكم المولد ، وقد قال عنه فيليب حتى ما يلي :

كان هذا القائد البحري العظيم أول عثماني يضع الخرائط ، وقد أعد كتيبا عن رحلاته البحرية , وخريطتين إحداهما تبين سواحل البحر الأبيض المتوسط قدمها للسلطان سليم ، وأخرى تقوم على
أساس خرائط استخدمها كولمبوس ، و تصف المحيط الأطلنطي بما فيه من سواحل أمريكا والسواحل الغربية لأوروبا وأفريقية ، وتظهر أسماء الأماكن هذه الخريطة بالإيطالية ،
مما يكشف عن مصدر المعلومات ، وقد ظلت أعمال بيرى ريس الجغرافية يحتفظ بها سرا بالقصر الإمبراطوري الذي لم تدع محتويات مكتبته إلا في عام 1929 م

وبعد قصف القلعة لمدة ثمانية عشرة يوما أقنع الكابتن دييجو بالاستسلام واعدا إياه بالإبقاء على حياته ، وبعد أن دخل بيريك ( بيري ريس باشا ) القلعة أمر بنقل كل مدافعها إلى سفنه تاركا القلعة خالية ، ثم وضع الكابتن مقيدا بالسلاسل مع رجاله الستين، في السفن الشراعية .

ومع أنه ضمن الحياة والحرية رسميا لكل الحامية البرتغالية إذا استسلمت فورا ، لكنه ذبح كل المرضى والجرحى .

وفي العام التالي قطعت رأس بيري باشا ( الذي يعرف أيضا باسم بيري بك ) بناء على أوامر الباب العالي لتجاوزه التعليمات التي تلقاها ، وكان هدفه الرئيسي ، أو خطؤه الأساسي هو جمع الثروة لنفسه ، لا المزايا العسكرية للإمبراطورية العثمانية .

وبعد عامين آخرين، أعاد البرتغاليون بقيادة الكابتن ميجور دي ميجو إثبات وجودهم ، باعتراض أسطول مراد باشا التركي ، الذي يضم خمس عشرة سفينة شراعية في اشتباك مدمر شمال مسقط.

ووقع الصراع الأخير بين الأتراك والبرتغاليين من أجل السيطرة على عمان في العام التالي ، على مقربة من جزيرة مخربة صغيرة بالبحر العربي على مسافة بضعة أميال من مسقط ، واستمرت المعركة الدموية في عناء اثني عشرة ساعة . وهزم سيدي علي بن حسين - الذي خدم يوما تحت قيادة بروباروسا الشهير - بخسارة ست سفن تركية صعد فوقها البرتغاليين , واستولوا عليها بعد قتال عنيف بالأيدي ، ثم أحرقوها . . وقد عرفت
?الجزيرة فيما بعد لدى البرتغاليين ، باسم " جزيرة النصر " .

وظل البرتغاليون يتمتعون بفتوحاتهم ربع قرن آخر . . ولكن في أواخر أغسطس 1580 م أقلع « تركي من معتادي السطو » يدعى مير علي بك , وكان من أبرز مساعدي الأميرال التركي الشهير بروباروسا ( حسن ذو اللحية الحمراء ) من عدن نحو الشرق بمحاذاة الساحل العربي بأربع سفن شراعية ، وكانت في حالة يرثى لها .

ووفقا لأقوال « مانويل فاريا أي سوسا » فإن هذه الحملة كانت موفدة من حاكم اليمن المقيم في صنعاء مير آزنام ( سنان ) باشا ( الذي ولد من أبوين مسيحيين ) « لنهب مسقط بعد أن تلقى معلومات من المسلمين الذين يعيشون هناك بأن البلدة غنية وخالية من وسائل الدفاع . وخلال رياح مفاجئة ، تعثرت إحدى سفنه الشراعية ، وغرقت ، و هي تحمل شحنة كاملة من عبيد التجديف ، وقد ربطوا بالسلاسل في أماكنهم . ونجح مير علي بك في تحاشي نقطة المراقبة عند رأس الحد .

وكان العسكر البرتغاليون والأهالي المدنيون في مسقط نائمين ، غير مدركين عواقب الإهمال التي تقترب منهم ، و في 22 ديسمبر 1581 وقعت المباغتة الساحقة خلال الهجوم المشترك من الجهة البحرية ، حيث أطلقت السفن مدافعها بكثافة شديدة ، ومن ناحية البر عن طريق سداب من خلال الممر الضيق إلى مسقط .

?و لنصف بصورة ما وضع تلك البلدة ، امدد اليد اليمنى وراحتها إلى أسفل ، تم امدد الإبهام بعيدا عن السبابة ، وافصلهما عن الأصبع الوسطى ، وقربهما من الاثنين الآخرين . . إن المسافة بين الأصبع الوسطى والسبابة ، هي خليج يسمى سداب ، الذي يمتد على امتداد اليد ، والمسافة بين الإبهام
?والسبابة يقع خليج آخر غير بالغ العمق على طول الشاطئ ، بينما أقيمت البلدة ، يحيط بها جبلان يرتفع أحدهما عن رأس « سداب » بعد الجزء الذي تجتمع فيها الأصابع الثلاثة ، وله طريق واحد فقط ضيق جدا يؤدي إلى مسقط ، لا يمكن لرجلين أن يسيرا فيه جنبا إلى جنب . . وعن طريق هذا الممر ، دخل « مير علي بك » إلى البلدة ، و لم يكن هناك من يتصور أنه سيحاول ذلك ، حيث كان في استطاعة أربعة رجال بمدفع واحد أن يحتفظوا به ضد الكون بأسره» . .

وكانت أربع وعشرون ساعة فقط كافية لنهب المدينة ، بالتعاون الحماسي من العبيد المقيمين فيها والدهماء وكما يقول دميجو دو كوتو : « لقد أحرقوا الكنيسة و قتلوا الكلاب والقط والخنازير » ، وقد سلب على بك و جماعته كل ما أمكنه الحصول عليه من غنائم ، شحنها على أسطوله الصغير ، المكون من 3 سفن إلى عدن . . وكان هدفه مجرد السلب و ليس طرد البرتغاليين غير أن مير علي بك تظاهر خلال الأعوام القلائل التالية بالدفاع عن المضطهدين و المستغلين ، وبعد أن تسلح بسرب من خمس سفن دبر بنجاح مكيدة ضد البرتغاليين من أعلى ساحل أفريقية حتى أسفل ، متعهدا باسم السلطان التركي أن يخلص المنطقة البحرية من الأغلال المسيحية .

وكأنما لم يكن الاضطهاد البرتغالي ، وأنشطة التحرير التركية ( ذات المصالح الشخصية ) أمرا كافيا ، إذ أصبح العمانيون في شرقي أفريقية يعانون أيضا على أيدي الأهالي الوطنيين ، ففي عام 1857 م قامت « الايمبا » وهي قبيلة قوية من المقاتلين من الباتو ، آكلي لحوم البشر ، بتخريب مستوطنات كلوا الموجودة على البر ، قبل أن يقوموا بغزو جزيرة كلوا نفسها . .
?وعن هؤلاء الأعداء الجدد ، يقول صمويل بيرشاس ما يلي :

« . . كان هؤلاء الإيمبى ( زيمبا ) ، وحوشا همجا ، وقد نشأوا غير بعيد من رأس الرجاء الصالح . . يأكلون لحوم أعدائهم من الأسرى ، بل ويأكلون بعضهم بعضا خلال المرض ، ويعجلون بموتهم لكي يذبحوهم . . وكانت جماجم الرجال تستخدم آنية للشرب ، وكانت أسلحتهم سهام مسمومة ورماحا مشتعلة من الطرفين ، ودروعهم صغيرة من الخشب المغطى بالجلود ..».

ويقول بعض الثقاة إن الزيمبا ساروا شرقا من أنجولا أو الكونغو ، فدمروا وقتلوا ، و أكلوا كل شيء حي التقوا به ، ويبدوا أن خائنا من المعسكر العربي قد ساعدهم . وقيل ، إن أحد العرب من جزيرة كلوا مدفوعا بالحقد والطمع ، توجه إلى البر حيث معسكر الزيمبا ، وطلب أن يأخذوه إلى زعيم البانتو وقال له : « أيها الزعيم القوي . . جئت أعرض عليكم طاعتي الواجبة . . وأود أن أرشدكم أنتم وكل جيشكم إلى الممر الذي جئت منه ، بشرط مقاسمتي في الغنائم و الثروات » .

وفعل العربي ما تعهد به . . و قد وجدوا كل أهالي كلوا نائمين فذبحهم الزيمبا ، وأبقوا على بعض الأسرى ليأكلوهم بعد أن نفذت الجثث ، ويقال إنهم أكلوا ما يبلغ مجموعه 3000 من العمانيين رجالا ونساء في كلوا ، و كانت الكثير من النساء جميلات بالغات الرقة . .

وبعد نهب كلوا ، بعث زعيم الزيمبا في طلب الخائن العربي وأسرته ، و قال له : « لا أحب ولا أرضى أن يبقى شخص شرير مثلك على قيد الحياة لأنك كنت شدد القسوة في سبيل مصلحتك ، وسلمت بلدك ، ومواطنيك إلى أعدائكم » . . ثم التفت إلى قومه ، وقال خذوا هذا الرجل الشرير
وكل أقاربه ، واربطوا أيديهم وأقدامهم وألقوا بهم في البحر و لتأكلهم الأسماك . . فأنا لا أريد أكلهم ، إذ لا بد أن تكون لحومهم مسمومة " . .

وراح الزيمبا بعد ذلك كالجراد البشري يشقون طريقهم في جرأة ببط ء نحو الشمال ، تاركين في أعقابهم الموت والدمار . . وظهروا بعد عامين أمام جزيرة ممباسا التعسة ، حيث وجدوا العرب يتحصنون وراء أسوارها ، يعززهم وجود علي مير بك والأتراك الذين معه . . وسرعان ما رأى الزيمبا الذين لا يهدؤون ، وهم عدة آلاف ، البرتغاليين يظهرون ويدمرون السفن التركية ويستولون على المدينة . . وبعد فترة أسبوع ، سمح القائد البرتغالي تومي داسوزي كوتنهو لهؤلاء المتوحشين بتمشيط الجزيرة بحرابهم في « أبشع حدث في كل تاريخ ممباسا الكئيب » .

وبعد ممباسا ، شن الزيمبا هجوما على ماليندي ، وكانت حليفة للبرتغاليين في عمان ، ونجحوا في اختراق أسوار البلدة رغم وجود حامية أوربية من 30 شخصا ، و لكن تقدمهم تحطم بسبب مقاومة قبيلة الواسيجي - جو المقاتلة ، التي كانت لها علاقات ودية مع ماليندي . . وهزم الزيمبا ولم يبق منهم على قيد الحياة غير مائة . . ومنذ ذلك الحين ، اختفي الزيمبا من ساحل شرقي أفريقية في التاريخ المسجل . وقد وصف السير جون جراى معركة ماليندي ، بأنها من المعارك الحاسمة في التاريخ الإفريقي .

وفي ختام القرن السادس عشر ، كانت البرتغال لا تزال أبرز دولة أوربية ممثلة في الخليج ، رغم أن سلطتها في المحيطات سرعان ما واجهت تحديات من هولندا وانجلترا ، وقد ازدادت ضعفا نتيجة التدهور والاضمحلال الداخلي ، الذي نجم عن ستين عاما من ضمها إلى أسبانيا .

و قد ظل العمانيون لمدة تسعمائة سنة تقريبا ينتخبون أئمتهم على أساس
?المزايا الشخصية والاحترام العام . بغض النظر عن السلالة والأسرة ، من الجلندى بن مسعود في عام 751 ميلادية ، حتى ناصر بن مرشد من اليعاربة في عام 1620 ميلادية . . وكان من الشروط المطلوبة أن مكون الإمام ذكرا ناضجا ، وأن يكون خاليا من العيوب الجسمانية أو الإصابات ، وكان الأئمة يختارون من عائلات مختلفة من فرع الأزد ، من القبائل المسيطرة في عمان وأن ينال رضاء كبيرا من الانتخابات ، وكان للإمام الحق في تفويض السلطة لخليفة له ، بشرط ألا مكون ابنه أو أبيه ، وخلال فتره التسعمائة عام كانت هناك حالة واحدة سجلت لخلافه طويلة .

ويتولى ناصر بن مرشد في عام 1620 ميلادية ، حدث تعديل للمبدأ الأساسي للانتخاب - وهو عدم الاعتداد بالسلالة الأسرية - فبعد وفاة ناصر انتخب الإمام ، ولكن كان هناك تفضيل قوى ، منح لواحد من أبنائه ، ولم يكن بالضرورة أكبرهم ، على بقية أعضاء الأسرة . . و هكذا أصبح ناصر بن مرشد أول عضو في أسرة اليعاربة ( بني يعرب ) الحاكمة . وفي عام 1620 ميلادية استطاع أن يطرد البرتغاليين من كل عمان باستثناء أبراج و تحصينات مسقط و مطرح و صحار.

« لقد أذل الكفار المشركين و مرتكبي الموبقات ، وطرد المتآمرين من أوكارهم ، وحطم مثواهم ، وقهر زعماءهم ، وقمع تمردهم ، وسحق الطغاة والمستبدين ، فقد وهبه الله قوة , وأعانه عليهم ، وعاونه على النصر ، ،أيده بكل وسيله ، ليعز الإسلام في مركز الصدارة . . . »

وفي عهد هذا الإمام لم يبق هناك إلا قلائل من المسيحيين ، الذين تحصنوا منذ شن الحرب عليهم بمقلاعهم وأسوار مسقط ، حتى ازدادوا ضعفا ، وثبطت هممهم ، وتحطمت قواهم ، وتبعثر حلفاؤهم , وكان القتل
?والموت في انتظارهم . .

ويقال من خلال حكم هذا الإمام ، الذي استمر ستة وعشرون عاما إلى أن « اختاره الله ليجعل مثواه الجنة » ، إن اليعاربة . هم أول من أستوطن عمان من اليمن ، وأنهم كانوا مثل الأزد من أصل قحطاني ، ولكنهم ينتمون إلى فرع أقدم من تلك السلالة : أما الباقون الآن فإنهم ينتمون إلى قبيلة الغافرية .

ويشير توماس كيريدج إلى مسقط في كتابه لشركة الهند الشرقية في عام 1824 بأنها بلدة فقيرة » رغم أن قيمة المدينة بعد ستة عشر عاما كانت بالنسبة لحاكمها العسكري البرتغالي خمسين ألف دوقا سنويا - و في عام 1649 كانت أوامر ملك البرتغالي تقضي ببذل كل جهد للاحتفاظ بمسقط . . ولم ينجح أمله ، كما لم ينجح من البرتغاليين غير ثمانية عشر برتغاليا فقط ، ممن نبذوا دينهم ، و اعتنقوا الإسلام في العام التالي .

وبعد حصار استمر شهرين و نصف شهر استولى سعيد بن خليفة على قلعة الميراني ، بينما سقطت مسقط التي ابتليت بوباء الطاعون ( وبلغت وفياتها 50 شخصا يوميا ) في أيدي الإمام سلطان بن سيف ( ابن عم الإمام الشهيد ناصر الذي كان قد توفي في العام السابق ) وبذلك انتهت أكثر فصول استعمار الإمبراطورية البرتغالية تعاسة . . وهو احتلالها لعمان . .

ومازالت هناك رواية يتناقلها الناس إلى اليوم عن بيريرا القائد البرتغالي و كيف أنه ارتكب غلطة عمره عندما حاول إجبار فتاة هندوسية من الأهالي على أن تكون زوجته ، وذلك بمطالبه الملحة ، و بالتهديدات و العقوبات . . وقد تظاهر أبوها ناروئيم - وهو من كبار تجار مسقط ووكيل عام للبرتغاليين فيها . . بالطاعة ، رغم معارضته لهذا الزواج ، وكتب للقائد بأنه يعد
?احتفالا كبيراً لهذا الحدث البارز ، واقترح تنظيف القلعة وأن يعاد ملؤها بماء طازج ، وأن تستبدل بالمؤن القديمة وبارود المدافع القذرة أدوات أخرى جديدة ، فسارع القائد المغرم في حماسة إلى الموافقة ، ظنا منه أن الهندوسي العجوز يسعى للحصول على نصيب من النفقات الحكومية . .

وفي اللحظة المناسبة ، كانت قلعته الأساسية خالية حتى من الأشياء الضرورية جدا . .

وصباح أحد أيام الآحاد في شهر مارس قام العرب العمانيون بمهاجمة أسوار المدينة ، بعد أن أخطرهم ناروئيم مسبقا بأنهم لن يجدوا أحدا من البرتغاليين لمقاومتهم ، غير أولئك الذين يتطوحون من الخمر ، والذين يعجزون عن إطلاق النار ، أو استخدام البندقية ، إلا في ضرب بعضهم البعض . كيفما اتفق .

وبعد صراع مرير بالأيدي ، استسلمت قلعتان رئيسيتان في مسقط هما الميراني و الجلالي ، وقتلت حامياتهما . و يقولون أن ناروئم استيدت به الفرحة حتى كاد يطير بلا أجنحه . . وكان بين القتلى محارب شهر يدعى كابريتا قتل برماح العمانيين .

ويقول مؤرخ إسلامي قديم معاصر هو حميد بن محمد بن رزيق : لقد خلص الله المسلمين منه ومن رفاقه المشركين ، و يقول المؤرخ أنه استقى معلوماته من عدد كبير من الرجال الشيوخ الموثوق بهم ، الذين نشأوا في عهد الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي » . . وقد جاء ذلك في كتابه « تاريخ أئمة وسلاطين عمان » و لكن أ . س. روس معاصر ابن رزيق ومؤلف « حوليات عمان » يقول إن ابن رزيق توفى في مسقط عام 1873 ، بينما وقعت الأحداث التي وصفها 1650 م ، وهناك روايات أخرى عن
?الطريقة التي قضى بها على البرتغاليين في النهاية ، وكل ما يهمنا هنا هو أن عهدهم الذي كان من أقسى عهود الاستبداد فجورا في تاريخ العالم قد انتهى ، بعد 140عاما من تعاسة أهل عمان .

وقد أصدر المؤرخ مانويل دي فاريا أي سوسا الحكم التالي على مواطنيه :

« إن الدمار الذي أصاب أمورنا جاء من النظرة الصغيرة التي كان ينظر بها الصغار إلى من هم أقل شأنا ، واشتهاء الصغار لما في أيدي غيرهم مما جعلهم ينسون بلادهم وشرفهم . . ويستطيع البرتغاليون استرجاع ما فقدوه ولكنهم لا يعرفون كيف يحتفظون بما كسبوه ، وهو الجانب الأكثر عظمة سواء كان عملا لكسب الثروة أو الحرص للاحتفاظ بها .

?وهناك قصة في كتاب « رواية جديدة عن جزر الهند الشرقية » ، للكابتن الكسندر هاملتون ، عن سقوط مسقط ، ويرى بادجر المؤرخ ، أنها قصة خرافية ، بينما أرى أنه يجب النظر إلى هذه الرواية ، التي ربما أخذت من شاهد عيان بجدية ، حيث أن الكابتن هاملتون كان قد أبحر بنفسه إلى مينا ء مسقط .

?وفيما يتعلق بالأحداث المثيرة حوالي عام 1860 " فنحن نعرف أن ملك الإقليم ( يعني حاكم عمان الذي كان يومئذ في حرب مع فارس ) بعث رسالة مهذبة للحاكم البرتغالي لمسقط يطالعه حرية شراء المؤن من الأسواق ولكن الحاكم الذي كان يعتقد أنه آمن داخل مدينة تحيط بها الأسوار وهي مسقط ، أرسل إلى حاكم عمان قطعة من لحم الخنزير ملفوفة في ورقة كهدية له ، غير أن الجيش كله ، وهو جيش عماني قد استاء جدا من تلك الإهانة ، و بدأ يخطط للانتقام ، وحتى زوجة الحاكم « التي كانت ذات مزاح ملتهب » لامت زوجها لأنه لم يغضب من مثل تلك الإهانه الكبيرة وقالت إنها لن *^#
?تغادر خيمتها قط ، وهو ما فعلته إلى أن أخذت مسقط من البرتغاليين .

« أحاط البرتغاليون بالعرب من قلاعهم فوق الجبال ، وأمطروهم بالكثير من القذائف الكبيرة ، ولكن العرب لم ينظروا خلفهم قط ،أو يهتموا بالأعداد الضخمة من رفاقهم الذين لقوا حتفهم ، بل تسلقوا الأسوار فوق جثث قتلاهم . . وخلال الهجوم على المدينة « مسقط » فقد العرب بين 4000 و 5000 من أفضل قواتهم ، بينما نقص عدد البرتغاليين في قلاعهم إلى 60 أو 70 , و قد قتل الذين كانوا في قلاع صغيرة بالسيوف ، عدا الذين أرادوا إنقاذ حياتهم بقبول الارتداد عن الدين المسيحي ، وقبول عملية الختان لهم ، أما الذين كانوا في القلعة الكبرى ، الميراني ، فقد صمدوا حوالي ستة شهور في ظروف من الحاجة والإرهاق الشديدين و ضاعت كل آمالهم في وصول نجدة ، فقرروا الاستسلام ، وعندئذ قفز الحاكم الوقح الذي كان السبب الوحيد لنكبتهم من جرف إلى البحر ، وكان البحر ضحلا جدا فتمزق جثمانه إربا فوق الصخور .

وقد استقيت هذه الرواية من أحد الكهول وكان في مكان الفاجعة جنديا ، وهو يقول عن نفسه إنه بلغ المائة من عمره ، ويبدو من مظهره أنه لا يمكن أن يقل عن ذلك » .

والأهمية الكبرى التي تعلق على رواية هاملتون الواضحة عن تجاربه في أنحا ء الشرق ( 1688 – 1732 ) تظهر إلى حد كبير من حقيقة أن المرء قل أن يقرأ عملا يتعلق بجغرافية أو تاريخ آسيا عن تلك الفترة بصفة عامة دون أن يعتمد على مراجع كثيرة بكتابه المهم منها .

« . . كان في الجملة مثلا بارزا للمغامر البريطاني في أفضل أحواله بارعا ، كفئا ، هادئا ، يتلقى ضربات الحظ العنيفة .
?برباطة جأش , متمتعا إلى أقصى حد بحياة تحفل بإمكانيات خصبة ، مقتنعا بأي حظ يواجهه . .

وقد وجه الإمام سلطان بن سيف اهتمامه خلال حكمه أيضا إلى إفريقية ، فطرد البرتغاليين من كل المواني شمال قناة موزمبيق ، وجعل من عمان العامل الحاسم في شئون شرق أفريقية .

وفي عهد البرتغاليين ، شهد السواحليون سلطتهم تنخفض ، بينما ساد الظلم و شريعة الأقوى . .

ويخبرنا كتاب « تاريخ ممباسا السواحيلي » لمؤلف مجهول ، أن سكان المدينة كانت لديهم خطة للذهاب إلى عمان ، ومناشدة الإمام سلطان بن سيف الأول .

?وعندما وصلوا إلى هناك ، شكوا من النير الحديدي ومظالم البرتغاليين التي كانت تثقل عليهم ، والأعمال الشريرة التي كان يرتكبها البرتغاليون من كل نوع في ممباسا ، ولعل من نتائج تلك البعثة أو من أخرى مماثلة أنه حدث في عام 1652 ، أن أغار عدد من السفن التابعة لعمان على زنجبار، حيث استولوا على المستوطنات البرتغالية هناك وقتلوا عددا من البرتغاليين أما ملكة زنجبار و ابنها الملك أوتو ندوى ، على البر المقابل للجزيرة ، فقد نقلوا ولاءهم إلى حاكم عمان ، ودفعوا له الجزية .

إن بناء الإمبراطورية البرتغالية من الرواد الأوائل لم يتركوا في أنحاء منطقة شرقي أفريقية الشاسعة إلا آثارا قليلة من التأثير الاجتماعي ، والاقتصادي أو السياسي ، بل مجرد بقايا ما كان في يوم ما قلاعا وحصونا قوية ، تراجعت الآن إلى الأدغال ، إلى جانب الكراهية التقليدية وسخط الأفريقيين والعرب على البرتغاليين الذين تركوا في أعقابهم
?الدماء ، والذين لم يكن عددهم يتجاوز تسعمائة شخص . . وقد جاء في الكلمات الأخيرة لديفيد ليفنجستون البطل الزاهد .

« . . إن الأمر الوحيد الذي اكتسبته الأمم الأفريقية من معرفتها للبرتغاليين لمدة أربعمائة عام ، هو طريقة تقطير الخمور من فوهة مدفع ، والعقيدة الوحيدة الدائمة التي يدينون بها لهم هي عقيدة أن الإنسان يمكن أن يبيع أخاه الإنسان » .

ويصف هذا العمل الأخير بوضوح المعاصر « آزورا الذي سجل الأنشطة الوحشية للمسيحي البرتغالي « لانزاروت » في القرن الخامس عشر ، وهو الذي يصلب عبيده العراة العزل من السلاح .

كانوا يحنون رءوسهم والدموع تنساب على وجناتهم بينما يرفع آخرون عيونهم إلى السماء وسط العويل . . ويعود آخرون للطم وجوههم بقبضات أيديهم ، وهم يلقون بأنفسهم منبطحين بأجسامهم على الأرض . . وشرع البعض في ترديد أغنيات حزينة من أغاني بلادهم .

وبعد وفاة سلطان بن سيف الأول - حوالي 1680 م على الأرجح - خلفه ابنه بلعرب في الإمامة ، و بدأت سلسلة من منازعات غيورة مع شقيقه سيف بن سلطان و في النهاية ابتهل بلعرب إلى الله أن يموت ، وقبل الله دعوته ، فمات فورا خلال حصار أخيه للقلعة الموجودة في جبرين .

وبعد أن أصبحت الإمامة مضمونة في يده ، أصبح سيف بن سلطان الأول أعظم حكام أسرة اليعاربة ، في عمان وقد عرف باسم « قيد الأرض » وهي إشارة مبالغ فيها للدلالة على سيطرته على العالم . . وفي عهد هذا الإمام الذي كان مولعا بالطموح وحب العظمة ، ازدهرت عمان كثيرا . .

وتلبية لدعوة سكان مدينة ممباسا الهامة الذين استبد بهم اليأس من
?طغيان حكامهم البرتغاليين ، أرسل الإمام سيف قوه بحريه من سبع سفن حربيه وحوالي 3000 جندي ، وقاموا بحصار قلعه يسوع ممباسا ( التي أنشئت عام 1593 ) وذلك لمده 33 شهرا ( من 13 مارس 1696 حتى 12 أو 13 ديسمبر 1698 ) قبل أن تنهار مقاومه آخر المدافعين عنها بعناد ، والذي أضعفهم وباء طاعون رهيب لا علاج له . . واقتحم العمانيون الذين لم يفقدوا دماء كثرة أسوار القلعة . . ولم يبق حيا من بين سكانها وعددهم 2500 رجل وامرأة وطفل ، غير ثلاثة من الهنود ، وامرأتين أفريقيتين وثمانية جنود برتغاليين .

ومن الإنصاف أن نذكر أن البرتغاليين لم يكونوا بلا أصدقاء تماما في أفريقيا . . . إذ لم يدن كل الثقاة حكمهم تماما ، كما يفعل الكاتب الحالي، بل كان السير جون جراي معتقدا بأنه يوجد فيه شيء ما طيب . . وعندما يتحدث عن حصار قلعة ممباسا فإنه يقول إن أبونا داود بن جوانا شيخ ، أمير فارا ، ربط مصيره بالبرتغاليين ، ولم يكن مثل هذا الولاء بدافع من مصلحه شخصية تماما ، ولا بد أنها في جانب منها تعزى إلى أعمال الآباء الأوغسطسيين ، الذين جاهدوا في تلك المناطق ، وحاولوا أن يظهروا بالمثل الذي يضربونه فيها الأسلوب الذي يجب أن يكون عليها الإنسان المسيحي حقا ، فضلا عن أن مانويل دافاريا سوسا ، الذي نقلت أعماله أيضا ، يقول : إن فاطمة بنت يوسف ملكة زنجبار أرسلت سفنا لمحاولة فك الحصار ومساعدة البرتغاليين و قد نفيت بعد ذلك إلى عمان بسبب عدم ولائها للقضية العمانية ، وظلت سجينة في عمان حوالي عشر سنوات .

وبسقوط ممباسا ، سرعان ما انتزعت كل من بمبا وكلوا وفما يلي ترجمة رسالة شهيرة في تاريخ عمان :
?من ربان برتغالي إلى الإمام سيف بن سلطان الأول اليعربي « قيد الأرض » الحمد لله خلق الأرض والسموات . أنتم يا من تحكمون بين رعاياكم في خلافاتهم ، تعلمون أننا نحن جيش الله ، وقد خلقنا لنكون أداة لعقابه الإلهي ، و وهبنا السيطرة على الذين يحل بهم سخطه . . إننا لا نرحم من يشكو ، أو نشفق على من يبكي ، فقد نزع الله الرحمة من قلوبنا حقا ، و الويل كل الويل لأولئك الذين لا يمتثلون لأوامرنا . . لقد دمرنا مدنا ، وقضينا على أهلها ، وأفسدنا في الأرض ، فإذا قبلتم شروطنا فسيكون هذا من مصلحتكم أنتم ، لا مصلحتنا نحن ، أما إذا رفضتموها و ثابرتم على ظلمكم ، فلن تمنعكم حصونكم منا ، ولن تحميكم جيوشكم ، فقد أكلتم ثمار الشر ، وأضعتم أنفسكم تماما . . تتمتع اليوم فيما يساورك من قلق ، فإنك إنما تدفع عقوبة طفيفة لما فعلت . . و إذا كانت كلماتنا غير مقبولة منكم ، فيبدو لنا بالتأكيد أنك ظالم ، وأن قلوبنا قدت من حجارة ، وأعدادنا كحبات الرمال ، ونحن نعتبر أن أعدادكم الوفيرة قليلة ، وقوتكم خسيسة . . إننا نحكم الدنيا بالتأكيد من مشرق الشمس إلى مغربها . . وقد بعثنا لكم هذه الرسالة ، فأجيبوا عليها بسرعة قبل أن تتمزق جباهكم ولا يبقى منكم شيء . .
وهذا لإبلاغكم لموقفنا مع تحياتنا .

وفيما يلي رد الإمام سيف بن سلطان الأول بيت الأرض :

قل اللهم مالك الملك ، تؤتي الملك من تشاء ، و تنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء . وتذل من تشاء بيدك الخير ، إنك على كل شيء قدير . . لقد طالعنا هذا الخطاب الذي يقول : إن الله انتزع الرحمة من قلوبكم ، وتلك واحدة من أقبح أخطائكم بل أسوأها وأبشعها . . وأنت تلومنا وتقوك أنتم

ـــــــــــــــــــــــــــ
( م 5 – تاريخ عمان ) *^#
?(المسلمون ) كفار ، ألا لعنة الله على الكافرين ، فالذي بيده البذور لا تهمه الفروع . . إننا نحن المؤمنون حقا ، ولن يعصمك الهرب منا ، ولن يعترينا أي شك أو تردد . . . لقد أنزل علينا القرآن ، وكان الله دائما رحيما بنا . . إن خيولنا وأساطيلنا ممتازة برا وبحرا ، وعزائمنا سامية رفيعة ، ومن ثم فإننا إذا صرعناك فسيكون هذا عملا صالحا ، وإذا قتلتنا فلن يكون بيننا وبين الجنة إلا لحظة « ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا . بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله » .

وأنت تقول إن قلوبكم كالجبال وأعدادكم كالرمال ، والجزار لا يهمه العدد الكبير من الخراف والماعز ، والله مع الصابرين . . وهكذا فإن لدينا القوة التي تسمو على الرغبة . فإذا حيينا فسنحيا سعدا ء ، وإذا متنا فسنموت شهدا ء « ألا إن حزب الله هم الغالبون » . . لقد بلغتم أمرا تكاد السموات تتفطر منه وتنشق الأرض ، وتتهاوى الجبال ، وتتحطم . . فقل لسيدك ( يبدو أنه كان يوجه الخطاب هنا إلى مبعوث ) إنه حتى إذا رصع رسالته بالجواهر وأقام موضوعه بعناية فإن حقيقة هذه الرسالة ليست إلا كصرير باب أو طنين ذباب « سنكتب ما يقولون ، وسنطيل عذابهم » وليس لدينا بعد ذلك ما نقول إلا أن الجبال سوف تمطركم وابلا ، والنار تكشف العار ، والسيوف تشحذ على الأعناق ، والسلام على من اتبع الهدى ، وخشي عذاب الجحيم وأطاع الله مالك الملك ، وفضل الآخرة على الدنيا . . والصلاة والسلام على خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم . .

وعندما توفى سيف في الرستاق عام 1711 – 1712 م ، كان لديه بالإضافة إلى 28 سفينة ، وثلث كل أشجار النخيل في عمان » . . و « بإرادة الله فقد عين في هذه الأيام » ابنه الأكبر خليفة له ، وكان يحمل نفس اسم جده الذي لع مجده ، سلطان بن سيف .
وقد هاجم هذا القائد البحرين في عام 1717 م واستولى عليها من الفرس و كان الناس يقفون في خشوع بالغ لهذا الإمام ، ولم يكن هناك من يجرؤ على معارضته . . ويقول « الكسندر هاملتون » : إن سيف يومئذ - حوالي 1715 م - كانت لديه بحريه ضخمه ، تضم سفينة ذات 74 مدفعا واثنين من ذوات الخمسين مدفعا و 18 سفينة أصغر حجما ، بكل منها من 32 إلى 12 مدفعا ، وكذلك بعض سفن المجاديف ، وبكل منها بين 4 و 8 مدافع . . و بهذه القوة البحرية احتفظ الإمام بكل الساحل من رأس كومورين إلى البحر الأحمر تحت سيطرته .

و لقد استخدم هذا الأسطول أيضا للإغارة على المستوطنات البرتغالية على الساحل الهندي و بينما كانوا يدمرون القرى ، كانوا يتركون الكنائس " ويقول هاملتون : « إن العمانيين لم يقتلوا أي رجل عمدا ، وكانوا يستخدمون الأسرى بأدب » .

ومثل كل الحكام العادلين الحازمين ، أصبح الإمام سلطان أسطورة بين شعب عمان ، ومن نماذج الحكايات التي تروى عنه ما يلي :

إنه ذات يوم امتطى الإمام سلطان صهوة جمله وهو يحمل قربه ماء صغيرة على كتفه الأيسر . . وسرعان ما اقترب منه رجل يمتطى جملا محملا بسلتين من البلح بينما تدلى من كتفه الأيسر سيف ودرع . . وبادر العربي الإمام الذي لم يعرفه قائلا : « يا حامل قربة الماء ، أعطني جرعة من قربتك » فأجابه الإمام : « وإذا رفضت فماذا أنت فاعل ؟ » فقال العربي في حميه : " لو لم يكن السلطان بن سيف موجودا لضربك بهذا السيف ؟ " . . و عندما عرف العربي بعد ذلك شخصية الرجل الذي هدده راح يروي القصة للكبير والصغير ، و الكل يلهج بالثناء قائلا : « المجد للإمام
?المستقيم . . إنه لا مثيل له " .

وعند وفاة سلطان بن سيف الثاني عام 1718 م في الحزم كان ولده الذي يبلغ الثانية عشرة من عمره هو الاختيار المفضل لخلافة ، بيد أنه كان واضحا لذوي العقول والورع أن غلاما صغيرا لا يمكن أن يكون إماما مسئولا عن أموال الناس - الثروات - ودمائهم ، وإيرادات الدولة ، وفي مواجهة طائفتين متعارضتين تصدى عالم من رجال الدين ذوي النفوذ ، يدعى عدي بن سليمان الذهلي ، لإرضاء جمهرة العامة الذين كانوا يهددون وأعلن وهو يجيب الجمهور : « إنني أبايع سيفا الصغير أمامكم ( بفتح الألف ) بدلا من « إمامكم » بكسر الألف ، و معنى كلمته أنه أمامهم في المكان بينما معنى الإمام هو الشخص الذي يؤم المصلين ، ويكون قدوة يحتذيها الجميع . و بعد أن هدأت الضجة و تفرق القوم ، أخذ الشيخ عدي ، مهنا بن سلطان الشقيق الأكبر لسيف الصغير ، وكان غير محبوب ، خلسة إلى قلعة الحزم حيث نصبه إماما .

وفيما بعد . . وبينما كان مهنا في البريمي ، استولى ابن عمه الثاني يعرب بن بلعرب اليعربي على مسقط ، عن طريق مؤامرة اشتركت فيها قبيلة مهنا نفسه وأهالي الرستاق . . وعاد مهنا إلى الرستاق حيث عومل بإذلال وحوصر في القلعة بعد أن فقد تأييد الشعب عامة . . ومع أنه كان مفروضا أن يعرب قد منحه جواز أمان ، إلا أن مهنا قيد بعد ذلك بالأغلال و سجن وأهين ، وهو بلا حول ولا قوة ، ثم قتل غدرا في النهاية بيد أحد الحرس ، بناءا على أوامر من يعرب ، بينما كان راقدا وهو في القيود .

وبعد أن قضى يعرب فترة في منصب الوصي ، تولى السلطة العليا ، وانتخب إماما في الرستاق في ا 172 - 1722 م ، على أساس أن التائب
?من الذنب كمن لا ذنب له . . ولكن سرعان ما أعلن أهل الرستاق سخطهم على اختياره ، بينما كان في نزوى و كتبوا إلى بلعرب بن ناصر ، عم سيف بن سلطان الثاني ، الذي كان مع الإمام يعرب في نزوى يومئذ ، وإجابة للتوسلات الجدية من شعب الرستاق ، سافر بلعرب فورا بلادسيت حيث تحالف مع قبيلة بني هناة الذين وعدهم بالسماح لهم بإقامة قلاعهم الخاصة وحمل أسلحتهم مرة أخرى ، مقابل مساعدتهم لابن أخيه ، وكانوا ممنوعين من ذلك منذ أوائل القرن السابع عشر ، خلال عهد الإمام ناصر بن مرشد .

و بينما كان الإمام يعرب لا يزال في نزوى حاصر بنو هنأة القلعة في الرستاق ، واستولوا عليها بعد أن قذفوا بالوالي من فوقها . . ويقال إن أكثر من 150 رجلا لقوا حتفهم حرقا ، عندما أشعلت النيران في البوابة و واجهة القلعة كلها ، كما دمرت كتب كثيرة نادرة . . . وقد عثر داخل القلعة على كنز ضخم . . وعقب ذلك هرع القاضي عدي الذي كان المسئول الأساسي في انتخاب يعرب إماما ، مع قاض آخر إلى الرستاق حيث اعتقلهما رجال بلعرب وأعدما .

وبعد أن اضطر الإمام يعرب إلى التقاعد رغم أنفه ( تفاديا لمزيد من سفك الدماء ) أصبح سيف بن سلطان الثاني إماما ( حوالي عام 1722 _ 1723 ) بحكم حقه الشخصي ، وكان بين زعماء القبائل الذين وفدوا لمبايعته وتقديم الولاء له شخص يدعى محمد بن ناصر الغافرى من بهلا . . والسبب غر معروف استقبل استقبالا سيئا جدا ، وهدد وأهين إهانة بالغة من بلعرب بن ناصر نيابة عن الإمام الجديد . . . .وعندما عاد محمد بن ناصر إلى بهلا أقسم على الانتقام ، وجمع قبيلته من بني غافر للتمرد ضد قوات بني هناة ، واعتبرت تلك الحادثة من معالم تاريخ عمان ، وكانت بداية الانشقاق الكبير ( 1722 – 1723 م ) الذي قسم منذ ذلك الحين قبائل
?عمان إلى شعبتين متنافستين : الغافرية والهناوية . . . ولتوضيح تصنيفهم فإن بني هنأة أو الهناوية يعتبرون الأصل اليمني لسلالة قحطان وبنو غافر أو الغافريه يفترض أنهم يمثلون أسلافا إسماعيليين من الشمال من أصل عدنان وعلى مر السنين كانت بعض القبائل تتحول من شيعة إلى أخرى لأسباب سياسية ، أما اليوم فإن القبائل العمانية تنقسم إلى هناوية ، وشعار قبائلهم اللون الأحمر ، وإلى غافرية و شعارهم اللون الأ بيض . والأسرة الحاكمة الآن و هي أسرة البوسعيد تنتمي إلى الأصل الهنائى ، وان كان الأعضاء الحاليون لأسرة السلطان فوق الخلافات القبلية .

وبعد كثير من القتال والمذابح « التي كانت نيران البنادق خلالها أشبه بالرعد ، و وهج الرماح أشبه بالبرق » انتصرت جحافل محمد بن ناصر ، و سقط سيف الصغير رهينة ، بينما وضع يعرب في الأغلال ، و أجبر على أن يكتب لكل الولاة لتسليم قلاعهم إلى رجال محمد . . وفي الرستاق ارتكب جيش محمد بن ناصر بشاعات لا يمكن وصفها ، وهلك أكثر من مائة امرأة ،طفل من العطش في أحد الكهوف حيث التمسوا ملاذا في رحابه . . وخلال الأعوام الخمسة التالية كان هذا القائد المكافح محمد بن ناصر يحكم معاقل عمان ( عدا مسقط وبركا ) من مقر قيادته في جبرين بوسط عمان وبعد أن نزع قناع الوصي ، انتخب في الوقت الناسب (1724 – 1725 م ) إماما وتولى هذا المنصب .

و ذات مرة قاد الإمام محمد هجوما ليليا على قلعة البكريين قوم إسماعيل ، و كانت الدنيا ظلاما في ليلة شتاء ممطرة ، ونجح الإمام في الوصول إلى أعلى السور دون أن يشعر به أحد وسط أحداث الرعد والبرق ، وسأل الحارس الواقف هناك : من تراقب ؟ فأجاب الحارس : « خشية أن يهاجمنا محمد بن ناصر » ، فقال له : « ها هو ذا محمد بن ناصر إلى
?جوارك ».
?وكان الإمام محمد يمتطى صهوة جواده خلال المعارك ، ويضرب بسيفه البغاة يمنة ويسرة ، فيقطع سيقان جمال الأعداء ليحول دون هربهم . . ويبدو أن عبقرية هذا المقاتل العسكرية بالإضافة إلى موهبته وطاقته الخارقة كانت تفوق كل مواهب وطاقات أي من القواد السابقين في عمان .

وعندما حان الأجل ، حدث ذلك بصورة مثيرة تماما ، بواسطة طلقة واحدة من بندقية ، أطلقت من أسوار قلعة صحار ، بينما كان يطارد أتباع عدوه اللدود خلف بن مبارك ، المعروف باسم القصير ، والذي مات في نفس الاشتباك المعقد .

وكان الأخير قد قاد فيما سبق بني هنأة في زمن الانقسام الكبير ، ومن الممكن تتبع أصل و تكوين ، بل وأسماء طوائف الهناويه والغافريه الحديثة إلى الأصول القبلية التي نشأت في هذه الحرب بواسطة عبقرية خلف الهناوي ومحمد الغافري .

وبعد وفاته عام 1727 م تقريبا ، وأصبح سيف بن سلطان إماما للمرة الثالثة ، و لم تكن فترة إمامته الثالثة سعيدة ، ففي عام 1717 م ، كان والده سلطان بن سيف الثاني قد شن حربا على فارس ، التي كان يحكمها يومئذ الشاه سلطان حسين الذي كان رقيقا رغم كفاءته ، و كان قد نهب المنامة واحتل البحرين ، وحل الدور الآن على فارس في عهد حاكم مختلف تماما هو نادر شاه الذي جعل من نفسه « نابليون آسيا » وكان من أقدر العسكريين في عصره . . وكان هجومه في البداية على عمان بخمسة آلاف رجل و1500 جواد ، بدعوة من سيف بن سلطان ، الذي يبدو أنه التمس مساعدة فارس ضد تمرد وقع عليه ، والذين كانوا على وشك الثورة
?على حكمه الضعيف . . . وكان أسلوب حياته قد أغضب الأتقياء من شعبه . . وكان أحد البارزين منهم ، والذي لا نعرف اسمه هو الذي كتب للإمام في الرسالة التالية :

« بسم الله الرحمن الرحيم . . حقا إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، و نحن نعرف أنه لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور » .

?إن بعض الأنباء الجارية أكدها رفاقنا مما جعل أفئدتهم تنخلع هلعا ، وعقولهم تتشتت ، وهو أن بعض الفرس قد وصلوا إلى خور فكان مع جيش من الفاسقين ، الذين ملأت خالاتهم أفكارا كبيرة ، وألهب الشيطان عقولهم ليغذى فيهم الشهوة لما ليس لهم . . فإذا زادت أعدادهم ، فإنهم سوف ينزلون بك أشد العقاب ، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم .

فبربك هل أنت نائم أم مستيقظ ؟ أم أن الشيطان قد تسلط عليك ؟ إن المثل السائر يقول : لا تثق في نفاق أو خداع أو أحاييل الرجل الذي ألهبت قلبه حقدا . . إن الفكرة التي تتخيلها ، وما تفكر فيه وتعتمد عليه شر . . وإن كان للصدور أبواب ، وتفتحت هذه الأبواب فسوف تكشف عن قلوب تمتلئ بنيران العداوة ، وخياشيم تنفث لهبا . . تحيات وفيرة مع تهاني مخلصه للسيد العظيم البارز النبيل الإمام المبجل سيف بن سلطان اليعربى حفظه الله ، و وداعا . .

واقتحمت قوات نادر مسقط ليلا بعد أن استخدمت في البلدة الحيلة القرطاجنية القديمة ، بإطلاق عدد من الماعز فوق الصخور ، وقد ربطت في قرونها عصى مشتعلة ، واعتقد رجال مسقط أن الفرس قادمون فوق التلال الصخرية للهجوم عليهم ، فهبوا للدفاع عن المدينة . . وبعد أن خلت البلدة
?تقريبا من المدافعين عنها ، دخلوها واستولوا عليها بسهولة . . ولكن الفرس لم يستطيعوا ضمان الاستيلاء على القلعتين الشرقية والغربية ، ( و تعرفان باسم الميراني والجلالي ) رغم ما قيل من أنهم حاصروها لمدة خمسة أسابيع . . واستطاع تقي خان القائد الفارسي العام ، الطموح وإن لم يكن كفئا ، إرسال جزء من قواته لمحاصرة مدينة صحار . . واضطر الفرس الذين يحاصرون صحار بعد ذلك إلى التخلي عن مهاجمة المدينة ، وأيضا عن مسقط ( 1738 م ) والتراجع إلى جلفار .
?الفصل الثالث

تأسيس أسرة البوسعيد الحاكمة

?جاء في القرآن الكريم « والله يؤتي ملكه من يشاء . . » ولقد بدأت أحداث حقبة في تاريخ عمان بتولي آل البوسعيد السلطة . أي " عائلة بوسعيد " وقد بدأ مؤسس تلك الأسرة الحاكمة ، أحمد بن سعيد ، بداية متواضعة قي التجارة ، بل لقد قيل إنه كان يبيع الحطب على ظهر جمله ، بيد أنه استطاع بفضل شجاعته وكفاءته أن يصبح أول حاكم لصحار ، وبعد فترة وجيزة صار حاكما لعمان ، وفي النهاية انتخب بفضل منجزاته إماما بالطريق الطبيعي وتاريخ انتخابه غير مؤكد ، فقد كان عام 1744 م .

?ويخبرنا مؤلف كتاب « تاريخ أئمة وسلاطين عمان » أن الشعب كان يطيعه بسرور ، وأن كل الألسن كانت تلهج بالثناء عليه ، وبالحديث عن عدالة إدارته ، ولا غرو إن كانوا قد فعلوا ذلك ، فقد تحقق بوصوله إلى السلطة طرد جيش المرتزقة الفارسي ، الذي كان قد ارتكب كثيرا من الجرائم البشعة، مثل المذابح دون تمييز ، وإبقاء الأطفال مقيدين من فوق مرتفع ، وبيع نساء عمانيات أحرار كرقيق في سوق العبيد في شيراز ، وفضلا عن ذلك فإن الزعيم الجديد ، وهو يفعل ذلك ، قد أطاح بالإمام سيف بن سلطان الثاني ، آخر اليعاربة ، الذي كان قد استدعى الفرس لمساعدته ضد شعبه ، و الذي أغضب سلوكه المستهتر في الرستاق العناصر الفاضلة من الأهالي ومن الأمور الشائعة في التاريخ أن الحاكم الذي يستدعى الأجنبي لمساعدته اعتقادا منه بأنه يستطيع السيطرة به ، ينتهي أمره إلى أن يصبح أداة له .

وقد عاد نادر شاه الذي طرد من البلاد بالحركة الشعبية في عام 1738 م
?ليسيطر على مسقط والمدن المحيطة بها في عام 1742 م . و كان سيف بن سلطان الثاني لا تزال لديه من القوة ما يكفي لمنع دخول حليفه إلى القلاع الرئيسية في « الجلالي » و « الميراني » ، أو لعله كان يعتقد ذلك ، ولكن سرعان ما وضع القائد الفارسي " تقي خان " نهاية لأوهامه . . فقد دعا الإمام وحاشيته إلى مأدبة ، وسرق خاتم الإمام و استخدمه لتزوير أمر لقواد حامية القلاع للسماح بدخول الفرس إليها ، وهو ما فعلوه .

وعندما اكتشف سيف السرقة ، وجد قلاعه الرئيسية في أيدي حليفه الرهيب . . وقد تحطمت روحه بعد أن شهد عواقب ضعفه ، وبعد فترة قصيرة مرض ومات .

?وكان الخليفة المرشح لمنصب الإمامة هو سلطان بن مرشد اليعربي ، ابن عم سيف ، والذي كان قد انتخب فعلا للإمامة خلال حياة سيف في عام 1742 بواسطة مجموعة من كبار الشيوخ المخلصين للأسرة الحاكمة ، و إن كانوا قد سئموا تصرفات ممثلها ، غير أن سلطان كان قد توفي هو الآخر . . وبينما كانت هذه الأحداث تقع في مسقط ، كان أحمد بن سعيد باعتباره حاكما لصحار يدافع عن المدينة ضد الجيش الفارسي الذي كان يحاصرها ، وكان معه سلطان بن مرشد ، ربما كواحد من ضباطه ، ولعله كان قائده الأسمى , كان سيف بن سلطان الثاني ، قبل وفاته ببعض الوقت قد استبدت به الغيرة من شعبية حاكم صحار لدى الشعب من كل الطبقات إلى حد أنه قام محاولة للتخلص منه .

ومن ثم فإنه من المحتمل أن أحمد بن سعيد كان مجندا لمطالبة سلطان بن مرشد بالإمامة وهو ما يفسر وجوده في صحار . وعلى أية حال فقد قاد سلطان بن مرشد هجمة من صحار ضد الفرس ، وعندما شهد أحد أقاربه
?المحبوسين يقتل فقد رشده ، وألقى بنفسه في معمعة القتال ، وهكذا فقد حياته .

?وأصبحت عمان بلا إمام ، ومراكزها - عدا صحار في أيدي الفرس .

وخلال الحصار الفارسي الثاني لصحار ( 1742) استطاع أحمد بن سعيد رغم أن إمداداته نفذت تقريبا ، أن يصمد بعناد وكفاءة لمدة تسعة أشهر بقوة وعزيمة كبيرتين ضد آلاف من المهاجمين ، الذين كانوا يطلقون حوالي 3000 قذيفة مدفع على القلعة وأسوارها كل يوم .

وفي يوليو استسلم أحمد بحكمة وبشروط مشرفة للفرس ، الذين كانوا قد فقدوا أكثر من 3000 رجل بعد أن فقد الأمل في وصول نجدة له ، وعينه تقي خان كحاكم لصحار وبركا ، ومن أهم شروط تسويته مع تقي خان أن يؤدي العمانيون الجزية في فترات محددة للسلطات الفارسية في مسقط .

على أنه بمجرد رحيل تقي خان ، رفض أحمد بن سعيد أن يدفع الجزية في الوقت المحدد ، زاعما أنه ليست لديه الوسائل المناسبة لإرسال المال إلى مسقط . وكانت النتيجة أن قواد الفرس في مسقط عجزوا عن دفع مرتبات جنودهم ، وهرب كثيرون منهم من الجندية .

وبعد ذلك حرر أحمد مسقط من الفرس ، وذلك بتوجيه دعوة لكل الحامية الفارسية إلى بركا على مقربة من مسقط إلى مأدبة عربية كبرى ، للاحتفال بانتهاء القتال ورحيل الفرس .

إن ما سأرويه هنا ، ذكره حميد بن رزيق المؤرخ نقلا عن أبيه ، الذي سمعه عن الشيخ معروف بن سليم الصايغ ، عن الشيخ خاطر بن حميد البداعي ، عن الشيخ محسن العجمي القصاب ، الذين تتفق كل رواياتهم
?في التفاصيل .

وقد أعلنت دقات الطبول غير المتوقعة هذه المناسبة السعيدة من الكرم الوفير ، بينما أعلن المنادي العام قائلا : « كل من لديه ضغينة على الفرس يستطيع الآن أن يثأر لنفسه » . . وكانت تلك هي الإشارة السابق ترتيبها للعمانيين ، شبابا وشيوخا ، لكي ينقضوا على ضيوفهم التعساء العزل من السلاح ، وذبح كل الضباط والجنود ، عدا 200 جندي صاحوا " الرحمة الرحمة " فوضعوا على سفينة متجهة إلى فارس ، غير أنه لدى بلوغ السفينة البحر الفسيح - كما تقول الرواية - لمع في السفينة بريق غامض ، واحترق كل من على ظهرها عدا بحارة أحمد ، وغرقوا . . ويعتبر الكثيرون أن هذا جزاء عادل للجرائم البشعة التي ارتكبها هؤلاء الغزاة .

ويذكر « كارستن نيبهور » رواية مختلفة إلى حد ما : " خلال المأدبة . . تظاهر أحمد بن سعيد بأنه أصيب بوعكة تجعله مضطرا لترك الصحبة ، ولكنه أغلق الباب خلفه ، ونادى جنوده الذين اقتحموا الغرفة بثقاب مشتعل في بنادقهم ، ونزعوا أسلحة كل الفرس وقيدوهم بالحديد . وقد عاقب أحمد بن سعيد بعضهم بالموت ، وترك الباقين ينصرفون بحرية ، أو أعادهم إلى فارس .

وقد رد محمد بن عثمان الحاكم المزروعي لممباسا على التغيير في الأسرة الحاكمة من اليعاربة إلى آل البوسعيد بإعلان الاستقلال و التخلي عن ولائه لعمان بالكلمات التالية :

« لقد اغتصب الإمام عمان . . وأنا اغتصبت ممباسا » .

ورد الإمام أحمد على هذا التحدي بطريقة مميزة ، وذلك بإيفاد خمسة من العمانيين المخلصين إلى ممباسا ، حيث قدموا أنفسهم في دهاء كخارجين عن
?طاعة الإمام ، وهم يقولون : « لقد تمردنا على الإمام وجئنا إليكم ، إننا نود الانضمام إلى جانبكم , و أن نفعل ما تشاءون ، و يكون قدركم قدرنا » ورحب محمد بهم كأخوة ، و كوفئ على الفور بالقتل غدرا بواسطة هؤلاء الخمسة الذين استولوا بعد ذلك على قلعة ممباسا ، وأصبح سيف بن خليفة الذي كان واحدا من الخمسة ، حاكما .

وأعتقل علي شقيق محمد القتيل ، و وضع في سجن بالقلعة ، و سرعان بعد ذلك ما تمكن بمساعدة أصدقائه الموثوق بهم . من الهرب دون أن تعرف الحامية ، وذلك بربط حبل طويل مقطوع من جلود الحيوانات مدلى من القلعة إلى أسفلها .

وفي ذلك الحين كانت ترسو في ميناء ماليندى سفينة بريطانية يطلق الأهالي المحليون على ربانها اسم فرنجو كوجو -جو ، وقد ذهب هذا الربان لمساعدة علي ضد سيف بن خليفة و في المعركة التي تلت ذلك أنزل مدفعا من سفينته ، وانطلق ، فأحدث ثغرة في الحصن الكبير في داخل القلعة ، و صاح الحاكم سيف ملتمسا الرحمة رافعا ذراعيه إلى أعلى ، فأسر وقطعت رأسه ، و أصبح علي بن عثمان الحاكم الجديد ، مما أدى إلى أن تؤكد ممباسا مرة أخرى استقلالها من عمان في 1746 م .

و في غضون ذلك ، كان أحمد بعد انتخابه إماما لعمان قد تزوج سيدة اليعاربة ، سليلة البيت الذي خلعه من الحكم ، و أنجبت له ولدا أسماه محمدا ، و لم يعرف الكثير عن حياته الشخصية ، وقد شكل جيشا عاملا من ألف جندي من الأحرار و 1100 من الزنوج الأفريقيين ، و كان كلما سار من مكان لآخر ، كانت أربع رايات تعلق على ساريات ، رأس اثنتين منها من الذهب واثنتان من الفضة ، تحملها الحاشية ، ولم يكن يتنقل قط دون
?أن يصحبه عدد من القضاة الشرعيين ، والعلماء والوجهاء وفريق من الجلادين و كان من الحكم المحببة للإمام أحمد بيت من الشعر التالي :

طلب المجد يورث المرء خبلا *ش* وهموما تقضقض الحيزوما

وتراه وهو السقيم صحيحا *ش* وتراه وهو الصحيح سقيما

ويقول « نيبو هور » إن الإمام أحمد لكي يكمل دخله الضئيل ، لم يكن يتورع عن العمل بنفسه في التجارة .

وقد كان يحتفظ بأربع سفن حربية ، وعدد من السفن الصغيرة التي كان يستخدمها في وقت السلم في نقل البضائع ، وخاصة إلى الساحل الشرقي لأفريقيا حيث كان و لا يزال يمتلك كلوا وزنجبار ، بيد أنها كانت تفعل ذلك في تهاون أو خوف ، حتى إن القراصنة غامروا بمهاجمة طريق مسقط ذاتها .

وهناك موضوعان يتعلقان بمدينة كلوا ، يبدو أنه كتبهما ربان سفينة رقيق يدعى جوزيف كراسون دي ميدوي ، و يوحى مضمونهما إلى ج. س. ب.فريمان جرينفل وأنهما كتبا في فترة متأخرة في عام 1784 م ، عندما كان سعيد بن أحمد البوسعيدي ، المطالب بعرش مسقط لا يزال حيا ، و قد خلط فريمان - جرينفل بين سعيد بن أحمد ، الابن الثاني للإمام أحمد ، وبين آخر هو إمام حقيقي منتخب من الإباضيين في عمان الذين كانوا يتربعون على العرش في الرستاق ، وبين سيف بن أحمد الابن الرابع ، الذي أهملت مطالبه بالإمامة ، وهو ابن إمام مسقط ، غير المسمى ، و الذي يشير إليه هنا الربان الفرنسي عندما كتب :

بينما كنا منهمكين مع ملك أو سلطان كلوا . . وصلت فرقاطة مسلحة ، تحمل ابن إمام عمان . . وكان هذا الابن قد حرم من ميراثه بواسطة شقيق آخر ، كانت عصبته هي الأقوى . . ولما كان متلهفا لأن يتمكن من استرداد
?حيازته لمسقط مرة أخرى ، وشاهد حماسه سلطان كلوا في التماس حماية فرنسا ، فقد انضم إليه . . عارضا ومتعهدا بالإشباع الكامل لاحتياجات فرنسا التجارية على البحار ، وفي مواني شبه الجزيرة العربية و الخليج ، وبيت فرنسا في مسقط تحت العلم ( الفرنسي ) . وتعهد كذلك بد فع وسداد كل النفقات التي قد تنجم عن هذا الصدد ، وهو تواق للحضور شخصيا إلى فرنسا لكي يطلب هذه الأشياء .

ولإكمال القصة ، نذكر أنه في عام 1784 م حاصر سيف بن أحمد ممباسا ، و على الفور أوفد الإمام سعيد بن أحمد بن حمد لنجدة المدينة و قد تراجع سيف الذي فشل في بلوغ هدفه ، إلى لامو ، حيث توفي تاركا ابنا يدعى بدر .

وعند وفاته ، كانت مسقط قد أصبحت المركز الرئيسي للتجارة بين الخليج والهند من ناحية ، وبين البحر الأحمر من ناحية أخرى .

وكتصوير لعقلية الإمام المتحررة ، يحكى أنه أمر يوما أحد عبيده ، بإحضار حقيبة تحوى ألف قطعة من العملات الفضية لكي يعطيها لأحد العمال كأجر لعمل أداه جيدا ، و عندما فتح العامل الكيس في أمان منزله ، 0 تولاه الرعب عندما وجد أن عبد الإمام قد أعطاه خطأ كيسا يحوي ألف قطعه من العملات الذهبية ، فعاد فورا إلى الإمام ، الذي أصغى إليه بإمعان قبل أن يقول : « هذا رزق من الله . . فاشكره على نعمه » . .

وبعد حكم عاصف زاهر بالتقلبات استمر أربعة وثلاثون عاما ، يشوبه التمرد الداخلي الناكر للجميل ، من سيف وسلطان ، ولداه الرابع والخامس اللذين ولدا في بلدة أدم النائية ، وقد عاش الإمام أحمد ثماني سنوات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(م 6 – تاريخ عمان )

?أخرى حتى توفى في الرستاق ودفن على مقربة من المسجد الكبير حوالي يناير 1783 وخلف وراءه سمعة حسنة بالوظيفة والعدل والحرية الدينية التامة التي تمتع بها حتى بين الهندوس .

ولما كان « هلال » أكبر أبناء أحمد وأكثرهم ذكاء ، غير أهل لتولي منصب الإمام بسبب فقد بصره ( و كان مصابا بمرض في إحدى عينيه ) فإن اختيار الناخبين استقر على ابنه الثاني سعيد ، آخر الأئمة الحقيقيين المنتخبين الأباضيين في عمان .

وتبين أن سعيدا كان ضعيفا ، متبلدا ، و عاجزا مما جعله - كما يقول ابن رزيق : « مؤذيا لشعب عمان بصورة عامة ، و لم تنتقل العاصمة التقليدية الرستاق ، التي تقع في الداخل إلى مسقط الإستراتيجية إلا في سنة 1784 م أي في عهد حمد بن سعيد ، الذي كان قد اغتصب الحكم
بالخداع و الاحتيال - ولكن دون لقب الإمام - من أبيه سعيد ، الذي حول نفسه قبل وفاته إلى أغنى الموانئ و أكثرها ازدهارا في منطقة الخليج بأسرها . .

وتقول ابنة الإمام ( ابنة مؤسس أسرة البوسعيد الحاكمة ) :

« مدينة مسقط الآن هي كنز عمان الكبير ، ويجب علينا أن ندافع عنها برجال مخلصين ، لا يتحولون إلى جبناء عندما نحتاج إلى مساعدتهم . . . إن السيف لا يجعل الشجعان يضعفون ، ولكن الرجال الشجعان لا يصنعهم البناء » . .

ويمكن القول بأن العلاقات الغربية الحديثة مع عمان بدأت عندما استولت سفن القراصنة الفرنسيين في عام 1789 على « الصلاح » وهي فرقاطة ذات خمسين مدفعا من البحرية العمانية تجاه صحار ، وعندما عادت إحدى سفن القراصنة المعتدية بحماقة إلى مسقط للحصول على مؤن ، ونجح حمد
?في إجبارها على الاستسلام واعتقال طاقمها . . وقد دعم هذا العمل كرامه واستقلال عمان حتى اعترف بها بعد ذلك في عام 1790 م ، عندما أطلق على السفينة الفرنسية « إسكوريال » اسم « صلاح » وسلمت باحتفال رسمي إلى حمد كعمل من أعمال التعويض .

وكان خطاب حمد الذي يقر فيه بالتعويض طريفا ، وفيه يقول :

« لقد ثأرت بكلماتكم ، ووصلتنا هديتكم الكريمة ، و رغم أن السفينة التي أرسلت إلينا صغيرة جدا ولا تساوي ربع التي فقدناها ، فإنها في نظرنا أكبر كثيرا ، وهي أكثر بهجة إلى أبعد حد ، وامتلاكنا لها يمنحنا سرورا أعظم إذا أن كل شيء مشترك بيننا ، وهو شيء قائم حتى ولو لم نتلقى هذه الهدية .

وخلال عام 1784م - وهو العام الذي نقلت فيه العاصمة إلى مسقط - أجبر السيد سلطان ، الابن الخامس لأحمد ، على مغادرة عمان ، إذ أن أحمد - مثل كثيرين جدا من المؤسسين الكبار للأسرة الحاكمة - كان قد ترك لبلاده تركة من النازعات الأخوية . ويصف ابن رزيق هذا الأمير بأنه : كان طويل القامة ، نبيل الملامح ، شجاعا , نشطا ، جريئا ، باسلا ، لا يعبأ بعدد أعدائه ، يفضل القليل من الأنصار المختارين على حشد ضخم من الأتباع ، وفير متحيز في حكمه ، وقد وجد له ملجأ عبر خليج عمان في مكران ، وعقد هناك صداقات ، أتاحت له الاقتراب من ناصر خان الأول حاكم قلهات ، وقد وافق الحاكم في البداية على مساعدة السيد سلطان على أن يصبح حاكما لعمان ، غير أنه غير رأيه بعد ذلك ، وبدلا من ذلك منحه ميناء و منطقة جوادر ، وكانت في ذلك الحين قرية صيد تافهة ، وتقع على مسافة 300 ميل غرب مدينة كراتشي الحالية ، وهناك رواية طريفة تقول أن
?ناصر بن خان أبلغ السلطان ،أنه يستطيع نشر العدل على أراضى على مدى امتداد البصر ، وفي هذه الحالة فإن أملاكه ستعتمد على ارتفاعه في ذلك الحين و حالة الجو .

?وحتى عام 1792م جعل السيد سلطان من جوادر قاعدة للحملات ضد الساحل الغربي المقابل ، ولكن في ذلك العام ، ولدى وفاة ابن أخيه حمد الذي يقول : « إنه لا يوجد ملك أو بطل يماثل سلطان في الجلد و الشجاعة تغلب السيد سلطان بالحيلة والشجاعة ، على كل المنافسين الآخرين ، وأصبح حاكما لعمان بمساندة الغافريه ، ولم ينتخب قط أو يعلن إماما » . وما زال هذا اللقب الروحي يحتفظ به شقيقة الأكبر سعيد بن أحمد الذي ظل طوال أربعة عهود متتابعة من حكم آل البوسعيد ( بما فيها عهده هو ) والذي رغم ضعفه هو نفسه ، قال يوما : « احذروا الجبن الذي هو صفة خسيسة وليست نبيلة » .
?وقد ، زادت تلك النجاحات الشاذة من شهرة سلطان وحفزت شهيته للفتح ، وما كاد يوطد سلطانه في مسقط يطرد الحامية ، حتى اتخذ تدابر لإخضاع عمان ، وأوفد شخصا يدعى سيف بن علي من بعض القوات العسكرية لحكم المكان ، و بنى قلعة هناك .

ولم يظهر التطابق في الإسلام بين الإمبراطورية و العقيدة بصورة أكثر وضوحا مما جاء في محاضر شركة الهند الشرقية البريطانية في 1793 ، حيث جاء أن « إرسال الدعوة للنصرانية إلى ممتلكاتنا الشرقية هو أكثر المشروعات جنونا وإسرافا بلا مبرر » والتي اقترحها مجنون متحمس ، وفي 12 أكتوبر عام 1798 - وهو العام الذي أحرز فه نلسون انتصاره الكبير في وادي النيل أبرمت شركة الهند الشرقية معاهدة تجاريه ، تتكون من سبع

?مواد ، مع السيد سلطان ، في محاولة لإبعاد الرعايا الفرنسيين من أراضي السيد ، والسفن الفرنسية من موانيه ، وكذلك إبعاد حلفائهم الهولنديين عن عمان .

وقد تولى التفاوض بنجاح حول هذه الوثيقة الحاسمة ذات الجانب الواحد الموالية لبريطانيا ، ميرزا مهدي على خان الفارسي ، مبعوث الماركيز ويلسلي الموثوق به ، والذي كان في طريقه لأن يتولى منصب المقيم في بوشهر . و يمثل هذا النصر للدبلوماسية البريطانية أول تدخل سياسي إنجليزي في شئون عمان ، وأول اتفاق سياسي مع حاكم عربي ، وقد تأكدت هذه المعاهدة ذات الجانب الواحد ، وامتدت في عام 1800 م ، وهو إنجاز رائع لو صح أن السيد ربما كان واقعا إلى حد ما تحت تأثير طبيبه الفرنسي الذي يثق به ، ولكن لعل هذا التأثير كان لا يزال فعالا ، إذ أنه في العام التالي كتب نابليون مباشرة إلى السيد سلطان ، وهي إشارة إلى السمعة التي كانت تتمتع بها عمان في ذلك الحين :

وكان صعود نابليون بسرعة الشهب ، و نجاحه المحسوس ، وشخصيته الجسورة قد اجتذبت العقول العربية في كل مكان بعظمتها ، وأبدأ الحلم المكنون بتدمير انجلترا تماما بغزو عن طريق مصر عبر غرب آسيا .

« . . إنني أكتب هذه الرسالة لكم لأبلغكم ما لا شك أنكم عرفتموه فعلا وهو وصول الجيش الفرنسي إلى مصر ، ولما كنتم صديقا لنا في كل الأوقات فلعلكم تعتنون برغبتي في حماية كل سفن بلادكم ، وأنكم تتعهدون بإرسالها إلى السويس ، حيث ستجد حماية لتجارتها » .

وقد حوت تلك الرسالة رسالة أخرى لتقديمها إلى « تبيو » صاحب ، سلطان ميسور ، اقترح فيها نابليون أنه قد يساعد تيبو في التخلص من
?النير البريطاني ، وقد وقعت في يد الكابتن صمويل ويلسون الوكيل البريطاني في مخا ودون إضاعة أي وقت أو كلمات ، كتب المقيم البريطاني في بوشهر ، بنا ء على تعليمات من الميركيز أوف ويلسلي الحاكم العام للهند ، إلى سيف بن محمد الوصي بالنيابة في عمان ، خلال غياب الحاكم المؤقت ، الذي كان في حملة ضد القواسم « لأن يعتبر صداقة واحترام الحكومة البريطانية هي الروح التي تتنفس بها مسقط و تدين لها بوجودها . وأن يفر من استقرار الأخوة الفرنسية كما يفعل بالنسبة للطاعون ، و خلال ذلك العام استولى الفرنسيون على السفينة العربية « بيرك » التي كانت ترفع العلم البريطاني وجروها إلى مسقط حيث عرضت باعتبارها غنيمة .

واستمر السيد سلطان يميل نحو الفرنسيين ، وكان رفضه في ذلك الحين قبول ممثل فرنسي دائم في مسقط ، وقراره بقبول مستشار إنجليزي مقيم راجعا إلى أهمية التجارة الهندية التي يسيطر عليها البريطانيون ، والتي قام الكابتن جون مالكوم بناء على مبادر، من لورد مورنتجتون ، بشرحها له بقوة في 18 يناير سنة 1800 ، في مقر الضباط بسفينة قيادته « جونجافا » وحمولتها ألف طن و بها 32 مدفعا . . قال : إن المقيم سيكون سيدا إنجليزيا محترما يعمل كوكيل من طرف الشركة الموقرة ، حتى لا تعرض أي فرصة لرجال معينين ، من الذين يتوقون دائما لتشجيع الانقسام ، و أن تبقى صداقة الدولتين ثابتة إلى نهاية الزمن ، وإلى أن تنهى الشمس والقمر حياتهم الدوارة .

و كتب الكابتن ( الذي أصبح « سيرا » فيما بعد ، جون ما لكولم ) عن السيد سلطان .

« وجدناه ، رغم أنه محاط ببعض الأبهمة ، يرتدي ثيابا بسطة ، كان
?لديه شال يلتف حول رأسه كعمامة ، والعباءة العربية التي تتدلى على أرديته البسيطة كانت من قماش قطن أبيض ، بلا أية زخارف ، ولا يضع أي حلى ولم تكن معه أي أسلحه ، حتى ولا خنجر ، و أما عن شخصه ، فإن سلوكه كان بسيطا ورجوليا ، يبن شخصيته المقدامة النشيطة ":

ولم يكن سير جون المغامر الطموح لبقا ، و لكنه تساءل بصراحة في أولى مهامه السياسية التاريخية هذه إلى البلاط الفارسي لفاتح على شاه :

ترى ماذا سيكون من أمر تجارة مسقط الشهيرة إذا أغلقت كل موانئ شبه الجزيرة العربية الهندية أمام السفن التجارية ، من مسقط بأمر السلطة العليا ؟ . . لقد وضع « السيد سلطان » يده على رأسه ، ثم على صدره وقال إنه يقبل الاقتراح ، وأنه مستعد لتوقيع الاتفاق فورا ، كما أنه سيكون مستعدا بالمثل إذا اشترط تعيين أي إنجليزي ليكون كوكيل لشركة الهند الشرقية في مسقط .

( و أعتقد أنه مخلص ) - كما قال مالكولم - لأنه ذو قدرة نافذة كافية لفهم مصالحه الخاصة .

غير أن المستشار المقيم لم يسمح له برفع العلم البريطاني في مسقط لقد كان خوف السلطان من حصار تجاري محتمل هو الذي كان حافزه الدافع الحالي ، لا أي تفضيل شخصي للإنجليز ، الذين قد تكون أساليبهم « مثيرة للغيظ » أكثر من الفرنسيين ، الذين كانوا يوجهون له اهتماما كبيرا مقرونا بهدايا من المدافع .

وفي عام 1802 م كتب تاليران إلى نابليون يقول إن مسقط مكان هام وفي العام السابق ساعدت قوة صغيرة من الجنود الفرنسيين السلطان في حملته ضد البحرين .

?وفي رسالة كتبها ربان سفن الرقيق الفرنسي « ب. داللون » إلى رئيسه في عام 1804م ,ذكر :

في عام 1788 م أمرت الحكومة الفرنسية م. دي روسلين ، قائد فرقاطة بزيارة كل المواني التجارية في أفريقيا ، ثم يذهب بعد ذلك إلى مسقط لكي يحدد مع السلطان الرسوم التي ينبغي أن يدفعها الفرنسيون . وقد حددت بخمسه قروش فيما عدا السلع التجارية . ولم تبق هذه المعاهدة طويلا ، إذا على الرغم منها فإنني في رحلتي الأولى إلى زنجبار وكلوا في سنه 1799م جعلوني أدفع رسما قدره ثمانية قروش وأخذ الرسم يرتفع باستمرار .

فالعرب الذين كانوا واثقين من أنهم يستطيعون المصرف دون عقاب انتهوا إلى أن يصبحوا أكثر إغاظة لنا ، وتقديم طلبات مبالغ فيها جدا . . وسيكون مفيدا لنا إلى أكبر حد لو أن الربان العالم تكرم بجعل السلطان يعرف أي معاملة سيئة ، ومضايقات يعاني منها الرعايا الفرنسيون في تجارتهم مع المواني العربية ، و أن ينظم الرسوم التي يجب أن يدفعها الفرنسيون ، وأن يثبت حقوق المعاهد، لسفن الجمهورية في وحلتها من أجل الدولة .

بيد أنه في نفس العالم ( 1804 ) انتهى حكم الجرئ المقدام السيد سلطان .

ولشرح ذلك ينبغي أن نعود للوراء لحظة إلى عمل فذ قام به المؤسس العظيم لهذا البيت الحاكم أحمد بن سعيد : وهو تدميره الكلي لأسطول الفرس لقد حصل الإمام على هذا النصر بأسطول من عشر سفن حربيه مجهزة تجهيزا قويا ، يسانده عشرة آلاف رجل في مراكب شراعية صغيرة ، وكان الفرس قد مدوا سلسلة حديديه ضخمة طولها 70 قامة ، تعاونها
?القوارب كحاجز دفاعي ، عبر شط العرب ، وقد حطمها الإمام بقيادة سفينة قيادته « الرحماني » . وتبع ذلك نشوب قتال بالأيدي هزم فيها الفرس تماما على أيدي العمانيين .

وتقدرا لهذه الخدمة لأمراء آخرين كانوا يعتبرون الفرس خطرا يهددهم فقد قرر مصطفى الثالث السلطان العثماني لتركيا في عام 1756م منح إعادة شكر سنوية يدفعها سلاطين تركيا لحكام عمان ، وفي عام 04 18 م توجه السيد سلطان شخصيا إلى البصرة للحصول على الإعانة ، وكان عودته إلى مسقط عندما هوجمت سفينته الصغيرة « البدوي » بواسطة أسطول صغير ، للقراصنة تجاه « لنجه » على الساحل الجنوبي لفارس ، و يعمل عليها رجال قبيلة الشحوح من شبه جزيرة مسندم . .

وقد وقع الصدام . في منتصف الليل ، وصاح السلطان : « هذه السفينة خاصة بسلطان بن أحمد ، الذي يجيبكم بنفسه ، ورد القراصنة قائلين : « إننا نبحث عن السلطان » . فأجاب بلهجة رسميه : « اطووا إذن أشعتكم وسنقاتل عند الفجر إن شاء الله » . وعندما توسل إليه بعض عبيده وأتباعه أن يهرب ليلا في قارب صغير ، أجاب السلطان : « وأن الله لا يرضى أن أترك رجالي في ساعة الخطر ! » وفى القتال الضاري الذي نشب عند الفجر أخذ السيد سلطان يتفادى بسيفه الرماح الملقاة والسهام الطويلة الموجهة إليه ، وكان « يزأر كالأسد » طوال الوقت . وفي اللحظة التي بدا فها انتصار مؤكد ، جاءت النهاية غير المتوقعة لحاكم عمان الطويل الذي لا يهاب شيئا ، على يد صعاليك قبيلة القراء . . فقد أصيب في فمه بقذيفة بندقية ، ومات متأثر بجراحه ، ووقع ملاحوه في الأسر ، فقد أبقى القراصنة على حياتهم ، و لكنهم نهبوا سفينتهم ، ويقول ابن رزيق نبأ موت السيد سلطان أثار حزنا عاما في أرجاء عمان ، وغمرت الأحزان الأهالي
?جميعا ، على أن وفاته لم تكن بداية لتفكك عمان ، كما تنبأ الكثيرون ، بل كانت بداية نهضتها » .

وبينما كانت أسره البوسعيد تتولى مقاليد عمان ، وحوالي الوقت الذي لقى فيه السيد سلطان حتفه ، كانت محميته ظفار تدخل إحدى فترات استقلاها تحت قيادة مغامر ذكي لا ضمير له ، و قد صنع هذا المغامر ، فصلا تاريخيا مشوقا و غريبا .

ففي عادم 1805 م وقعت السفينة الشراعية " أسكس " من سالم في الأسر وأغرقت تجاه جزيرة كمران المحصنة من جانب محمد بن عقيل من مخا : الذي أطلق على نفسه « رعب البحر الأحمر » قد كسب هذا القرصان تاجر الرقيق ، 120 ألف جنيه من عمله ، وقد ذبح الربان جوزيف أورم وملاحيه ، ولم ينج بحياته غير خادم في العاشرة من عمره ، فتبناه زعيم القراصنة نفسه ، الذي كان يمتلك في ذلك الحين ثلاث سفن قوية التجهيز .

وفي العام الذي تبع هذه الجريمة الوحشية نجح محمد في الإفلات من الأسر بواسطة قارب صغير من البحرية الملكية ، واستولى على ظفار . . وهناك حكم بالعدل ، و كانت له حاشية كبيرة من خمسمائة رجل من العاصمة صلالة إلى أن قتل غدرا في 1829 م ، من جانب الشيخ سالم من بيت قطن من قبيلة القراء ، و كان محمد عائدا من مرباط عندما أصيب بطلق ناري أطلق عليه من مكان قريب ، وعندما تخلى عنه عبيده الذين لاذوا بالفرار ، قتل على الفور بخنجر الشيخ سالم . و قد عرض السلطان سعيد الكبير حكم ظفار المشترك على ابني محمد ، و لكنهما لم يقبلا ذلك التكريم المعروض عليهما ، إذ كانت ذكرى مقتل والدهما منذ وقت قريب ما زالت ماثله في ذهنيهما .

?وخلال السنوات التي تلت قتله كان الغلام خادم السفينة قد كبر وترعرع في ظفار باعتباره المسلم عبد لله ، وأصبحت له زوجة وأسرة ونسى تقريبا لغته الأصلية . وفي عام 1836 كان أول مواطن عماني من أمريكيا يقود حملات عسكرية جريئة وناجحة ضد قبيلة القراء ، وأصبحت له سطوة شخصية ، ظل يحافظ عليها طوال حياته . كان الإقليم كله تسوده الاضطرابات ، وفي عام 1843 لاحظ الدكتور ها .ج . كارتر أنه منذ مصرع محمد من أربعة عشر عاما ، أكد الرجال الرئيسيون في كل مدينة مرة أخرى استقلالهم السابق ، ونتيجة طبيعية نشبت غيرة بين المدن ، انتهت بحقد بين سكان كل منها ، حتى إنه لم يكن هناك من يجرؤ على التوجيه من بلدة إلى أخرى دون أن يكون مصحوبا بمن يحرسه ، بينما منطقة ظفار الخصبة كانت ولا تزال مخربة إلى حد مروع بسبب هذه الحالة من الفوضى .

وفي الجبال التي تطل على ساحل ملبار الهندي ، يعيش حوالي مليون من « الموبلا » وهم من سلالة التجار العرب ، و مسلمون متحمسون لدينهم .

وفي عام 1852 م طرد أحد شيوخ « الموبلا » ، ويدعى سيد فضل ابن علوي ( وهو اسم حضرموتي ) من ساحل ملبار لإثارته المتاعب ، ويعتقد أنه هو الذي حرض على قتل المحقق البريطاني المسئول فيما بعد .

وفي فبراير عام 1876م وصل سيد فضل إلى ظفار ، وسرعان ما أصبح مسيطرا على المسرح السياسي المحلي ، وعندما ورد ذكر علم سلطان عمان، نصح سيد فضل كل من يعنيهم الأمر ، في ازدراء ، أن يصنعوا منه وسادة و كان قد دعاه إلى ظفار بعض زعماء قبيلة القراء ، وكانوا قد قابلوه أثناء الحج في مكة ، وكان لدى قبيلة القراء حوالي 3500 مقاتل ، بالإضافة إلى ذلك ضمن سيد فضل ولاء نحو 2000 من قبيلة بيت كثير الكبيرة مما يدل
?على سلطانه غير المحدود في ظفار .

وليس هناك شك كبير في أن سيد فضل حاول أن يجعل من ممتلكاته الجديدة دوله نموذجية تدار على أسس حديثة ، وقد أقام قلعه في صلاله التي جعلها عاصمة له ، وكان يحصل رسوما قدرها خمسه في المائة على كل الواردات والصادرات ، وكانت حكومته تتكون من ستين رجلا ، وكلهم يشتغلون بجباية الضرائب ، وكان سيد فضل يأمل في زيادة صادراته إلى حد كبير ، باستخراج السوائل من أشجار المطاط ، التي قال أنه وجدها تنمو بطريقة برية في الأراضي الداخلية ، وبعث وكيلا إلى الهند لكي يحضر شخصا يعرف شيئا عن إنتاج المطاط .

وبعد حوالي ثمانية شهرا على اغتصاب سيد فضل للسلطة ، ورغم اشتهاره بالقوى والورع ، فقد طرده الأهالي بسبب أعماله الاستبدادية و التعسفية ( سجن ذات مرة ثمانين من رجال القبائل بتهمة السحر ) فكان إجراء خطير يقدم عليه شخص يتصف بالحكمة و الورع ، حقيقة أن ظفار أصيبت بقحط سيء جدا في صيف عام 1878م . ورغم تأكيد سيد فضل بأن ذلك العقاب الإلهي كان نتيجة لعدم دفع أموال الزكاة . إلا أنها كانت ضربة شديدة لسمعته ، فقد نفقت ماشية كثيرة ، وارتفع سعر الزبد والحبوب وبينما بعث سيد فضل في يأس يطلب إمدادات من اليمن ومكة ، قام ثلاثمائة من أهل ظفار الذين لم يستطيعوا تحمل البؤس بالهجرة إلى مسقط والعمل في خدمة السلطان التركي .

وعلى الرغم من أن السيد فضل كان يدرك في ذلك الحين أن البريطانيين ينظرون إليه بعين غير ودية ، فإن ذلك لم يمنعه من الدخول في مفاوضات مع المقيم البريطاني في عدن في عام 1877م على أمل الحصول على نوع من
?الاعتراف به من البريطانيين .

وفي العام التالي اتصل بشركة الملاحة البخارية الهندية البريطانية بهدف جعل إحدى بواخرها تقوم بزيارة شهرية إلى صلالة ، وعرض ضمان شحن ما يساوي قيمته 200 طن من البضائع بالدولارات على كل باخرة ، وقد تجنب البريطانيون بعناية ، أي خطوة قد تمنح أي اعتراف مركز سيد فضل ، إذ أن عمله السابق في الهند لم يكن قد نسى . . وكان يعتبر متعصبا دينيا خطرا وأنه ربما قد يعود مرة أخرى من موقعه الممتاز على الساحلي العربي للتورط في السياسات الهندية ضد مصالح البريطانيين ، كما أن اتصاله بالباب العالي العثماني ، الذي لم يكن يعترف بالوضع البريطاني في جنوب شبه الجزيرة العربية ، زاد من شكوك البريطانيين فيه .

ولقد قال سيد فضل بعد أن توجه إلى القسطنطينية في مايو 1879 ، لصاحب الجلالة السلطان عبد الحميد الثاني : « إنني أعرض عليكم بلادا جديدة " وطلب مقابل ذلك سفينتين بخاريتين وخمسمائة جندي ، وقيل إن سيد فضل أصبح وزيرا ، وتلقى بعد ذلك من الباب العالي فرمانا بتعينه حاكما لظفار و حضرموت .

وفي غضون ذلك ، قام أهل ظفار ، بعد سنوات من منازعات داخليه واضطرابات ، بإرسال وفد يمثلهم إلى مسقط برئاسة السيخ عوض بن عبد الله الشنفرى من قبيلة بيت كثير ، يلتمسون من السلطان تركي إعادة امتداد عمان لكي يشمل ظفار و في الوقت الذي وصل فيه الوفد كان السلطان غاضبا من قائد جيشه ، وهو سليمان بن سويلم ، « وكانت إقامته محدودة في بيته ، وهكذا قال مستشاروه : « لماذا لا ترسل مستشارك مرة أخرى إلى ظفار باعتباره من ولاتك . . فإذا نجح فلا بأس ، وإذا قتل فلن نخسر
?كثيرا » . .

وهكذا فإنه عندما دخل سيد فضل بعد ذلك البحر الأحمر بحمولة سفينة من الجنود الأتراك ، والأسلحة ، والتأييد الأدبي من أمير مكة ، تلقى معلومات تفيد بأن ظفار عادت مرة أخرى تحت حكم سلطان عمان . . . وهكذا عاد الأتراك الذين خاب أملهم إلى وطنهم بأيد خاوية ، والواقع أنه لم يخضع أي جزء من عمان إلى الحكم العثماني ، رغم أن كل الأجزاء الأخرى تقريبا من العالم العربي كانت خاضعة لسلطة تلك الدولة بقدر ما . في وقت آخر .

ووصل سليمان إلى صلالة يصحبه الشيخ عوض ، مع أقل من عشرين جنديا . . , لكن شهرة سليمان الكبيرة بالشجاعة ، و قوة الشخصية ، و الشدة مع الإصرار ، والقدرة الطبيعية على التنظيم الكفء سرعان ما جعلت ظفار تحت سلطة السلطان الحازمة .

ولم تنته محاولات سيد فضل لإعادة توطيد مركزه في ظفار ، ففي عام 1886 ، وصل ابنه محمد إلى عدن على ظهر سفينة بريطانية مع مائة عربي وصناديق عديدة من الأسلحة متجهه إلى ظفار ، وقد حجزه المقيم « هوج » على السفينة لعدم وجود ضابط طبي مؤهل على ظهرها ، وكذلك صادر الأسلحة بمقتضى قانون الأسلحة ، وهكذا دفع محمد بن فضل إلى العمل علانية ، وعلى الفور أعلن محمد أنه قد عين ضابطا تركيا ، و أنه قد أرسل لحكم ظفار ، وعندئذ أبلغه « هوج » أن ظفار تحت حكم سلطان عمان .

وعاد محمد أدراجه إلى البحر ، حيث علم بعد ذلك أنه كان من الحديدة في طريقه إلى مكة ، في محاولة الوصول إلى ظفار بطريق البر ، ولكن
?شيئا من ذلك لم يحدث على قدر علم الكاتب .

وحوالي تلك الفترة ، حاول ابن آخر من أبناء سيد فضل ، يدعى أبا بكر أن يوطد نفسه في المكلا بمساعدة البريطانيين ، وبعد أن فشل في إقناع الأتراك بوضع ذلك الميناء تحت حمايتهم ، اتصل بالسير إيفيلين بارنج في القاهرة ، يطلب وضع ميناء المكلا تحت حمايتهم ، مع احتمال أن يكون الشيخ أبو بكر في مركز السلطة ، وقد طلب إلى السير إيفيلين ،ألا تكون له أي صله بأبي بكر ، وكان لهذا الحدث تأثير كبير في إقناع البريطانيين بأن الوقت قد حان لوضع حضرموت تحت حمايتهم الكاملة .

وفي عام 1897م كان سيد فضل قد أصبح واحدا من العصبة الصغيرة من المستشارين للسلطان عبد الحميد في قصره بالقسطنطينية . وفي صيف ذلك العام وضع تقريرا عن الهند البريطانية ، والوسائل الممكنة لإطاحة بسلطة البريطانيين في الشرق . وكان متأثرا بحقيقة ، أن البريطانيين كانوا قادرين على الاحتفاظ بالهند بمثل هذا العد.د القليل من الجنود ، وعزا ذلك إلى براعتهم السياسية في الاحتفاظ بالقوانين والعادات المحلية ، وفي كسب ود الأمراء وغيرهم من الزعماء الهنود بالأموال و التجارة ، وقد بدا له أن النظام البريطاني أخذ يزداد قوة .

ولم يمض وقت طويل حتى زاد السخط بين قبائل القراصنة ، للجباية القسرية للضرائب ، ورغم أن الوالي الجديد خفض معدلها من خمسه إلى أربعة في المائة ، ووقعت حوادث قتل ، ورغم أنه كان من الممكن تماما في شبه الجزيرة العربية شن حرب بإطلاق النيران على مدى بعيد دون أي خسائر في الأرواح في أي جانب ، وفي النهاية أوقف الوالي توريد السردين الجاف إلى الجبال ، وهي سلعة ضرورية للماشية وعلف الجمال في موسم الجفاف ،
?وتوقفت أعمال القتال العنيفة في تلك الفترة .

وبعد سنوات من الحكم الاستبدادي الحديدي ، نشبت بعد ذلك اضطرابات خطيرة مره أخرى ، وطلب سليمان مساعده عاجلة من السلطان تركي ، وعلى الفور أوفد السلطان ابنه فيصل ، الذي سرعان ما عاد إلى مسقط مع ثلاثين من رجال قبيلة بيت كثير وأودعوا السجن ، وخلال فترة قصيرة مات تركي ، وأطلق السلطان الجديد فيصل سراح المسجونين ، وسمح لهم بالعودة إلى ظفار ، وكانت الفكرة الوحيدة في عقول هؤلاء الأعضاء من قبيلة بيت كثير ، هي قتل سليمان وأسرته .

وفي أواخر عام 1895 رحل الوالي سليمان إلى مسقط للتمتع بعطلة يستحقها بجدارة ، تاركا وراءه أبناءه الثلاثة الصغار ، وابن أخيه مسعد بن سعد وكان سليمان قبل رحيله قد عين مسعد واليا بالنيابة ، و كانت تلك غلطه جسيمة ، إذ كان مسعد ذا شخصية سيئة جدا ، غير محبوب من الشعب بسبب وسائله في السخرية ، وعمليات الابتزاز الشاذة .

وبينما كان مسعد يجلس يوما في غرفه البلاط في قصره ، اقتحم رجال بيت كثير الباب ، ودفعوا مقبضه الطويل في صدر الحارس ، وانقضوا على مسعد وابن سليمان وقتلوهما ، مع أحد عشر من أفراد الحامية العاديين و مضوا يدمرون القلعة وكل ما فيها رغم المقاومة النشيطة من عساكر الحكومة ، و هرب أبناء سليمان من أرزات ( قرب المعمورة الآن ) مع أسرهم إلى مرباط التي تقع على مسافة حوالي أربعين ميلا إلى الشرق . و خلال تلك الفترة ، لجأ أحد عبيد سليمان ، ويدعى بخيت النوبي ، مع خمسين من الجنود الموالين له إلى مرباط أيضا .

?ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(م7 – تاريخ عمان )
وفى شبه الجزيرة العربية انتقلت الأنباء بسرعة لا تصدق ، وعليه أوفد السلطان فيصل على الفور من مسقط أحمد بن ناصر و مائتي رجل في سفينته التجارية « السلطان » ونزلوا في رأس ريسوت وكانت دورة الرياح الموسمية ومن قرية الحافة في ظفار ، أدار أحمد أنشطته ضد آل بيت كثير، وتمكن من إخضاعهم و إحضارهم إلى السفينة .

وبعد سنوات ، سافر سيلمان الذي كان قد تجاوز الستين في عام 1907 إلى الشرقية ، وهذه المنطقة الجنوبية الشرقية من مسقط في الجزء الداخلي من عمان ،ويبدو أنه نظرا لحدوث تمرد آخر ضد السلطان ، فقد كان على سيلمان أن يحضر بعض مشايخ الهناوية إلى مسقط للإعراب عن ولائهم . وفي طريق عودته يصحبه أولئك المشايخ ، أطلقت النار على سليمان وهم يدخلون جزءا ضيقا من وادي سمائل .

وفي عام 1916 خلال حكم السلطان تيمور ، واجه العبد بخيت ، الذي كان فد أصبح واليا لظفار منذ وفاة سليمان ، متاعب خطيرة مع بيت كثير الذين هددوا بقتل أي شخص من مسقط ، ولما كان السلطان تيمور يومئذ في صلالة ، فقد دعا هؤلاء الأشخاص من بين كثير إلى مؤتمر ، غير أنهم كانوا في خوف شديد ، حتى إنهم رفضوا الحضور بدون ضمان أمان ، وعندما قدمت لهم القهوة ألقوا بها على الأرض ظنا منهم أنها مسممة . وبعد أن قابلوا السلطان نصبوا خيامهم في السهل خارج مدينه صلالة ، إذ كان عليهم أن يروا السلطان مره أخرى في اليوم التالي . و في المساء ظهرت الغيوم في السماء . . وكان هذا نذير شؤم بأن « غدا سيكون داميا » وعند الصباح كانوا قد فروا جميعا إلى منطقة القرا ، وعادوا فيما بعد احتراما للسلطان ، تاركين بنادقهم خلفهم .

?واستبدل السلطان تيمور بالوالي بخيت عبد الله بن سليمان ، وقد سار الوالي الجديد ، الذي كان موظفا قديما في الدولة على ما يرام في السنوات الأربع الأولى ، ثم أصبح متراخيا ، وتناقصت هبيته تبعا لذلك .

وفي عام 1919 أصيب بالشلل ، ومات في 1921 أثنا ء علاجه في المكلا ، غير مأسوف عليه من الناس الصالحين في ظفار ، وتولى أحد عبيد البلاط منصب الوالي مؤقتا ، بينما سادت اضطرابات عامة بين القبائل وأرسلت رسائل إلى السلطان .

وفى عام 1923م عاد السلطان إلى ظفار وهو يعتزم أن يجعل منها بلدا جديدا ، وأحضر لها واليا جديدا ، هو السيد سعود بن علي ، من سلالة الإمام أحمد بن سعيد ، مؤسس أسرة البوسيعد ، وبقى السلطان عشرة شهور ، إلى أن صار كل شيء على ما يرام مع القبائل ، فقد أعفاها من كل الضرائب لمدة عام ، وأصدر عفوا عنهم قائلا : « إننا نعفو عن كل ذنب بيننا » . .

?وفي ظفار عندما يريد أحد رجال القبائل أن يظهر خضوعه لمليكه ،فإنه يلقي عمامته « المصر» الملفوفة بطريقة فضفاضة أمامه على الأرض . ويضع يده على ركبة السلطان .

وفي بقية مناطق عمان ، يلقي رجال القبيلة الخاضع خنجره على الأرض أمام حاكمه ، وفي المناسبات الملحة قد يمسك بعنق السلطان ولحيته ملتمسا العفو ، ولابد من رسم خط متميز بين « الأمم التي ترتدي القبعة ، وبين أولئك الذين يرسلون لحيتهم » .

وكان الوالي سعود محبوبا بصفة خاصة بين سكان القرا ، وقد ظل في الخدمة حتى بداية عام 1932 ، عندما قام السلطان سعيد بن تيمور بأول
?زيارة لظفار وقدم الشيخ حمود بن حمد الغافري ، الذي لا يزال واليا .

ولم تقطع أية أياد في مسقط منذ أكثر من نصف قرن ، وفي ظفار حدثت آخر عقوبة بقطع اليد حوالي عام 1925م , وكان اللص الشهير الذي حدث له ذلك يدعى كنشاف ، الذي قال يوما : « تيمور سلطان على السهل . . و أنا سلطان على الجبال » . وأمام جمع كبير من الأهالي خارج قصر صلالة نفذت العقوبة في كنشاف .

امسك اثنان من العبيد الأقوياء كنشاف . بينما كانت يده تقطع بواسطة عبد ثالث ، وعلى الفور غمست ذراعه في زيت يغلي لوقف النزيف بينما علقت يده بجوار البوابة لمدة ثلاثة أيام .

وقد ظل كنشاف سنوات بعد قطع يده وهو شخصية صالحة ، ثم ارتد إلى أعماله السابقة خلال عهد الوالي حمود ، وذات يوم رأى امرأة في نجد ظفار مع قطيعها من الماعز ، فاختبأ وراء قليل من الشجيرات التي قطعها من أسفلها بيده الباقية ، وصاحت المرأة قائلة : ما هذا ؟ . . إذ كانت هناك شجرة وحيدة تقترب منها باطراد ، وأخيرا صاحت على رجال قومها ، فأسرع اللص كنشاف بالفرار . وقد سجنه الوالي بعد ذلك ، و بعد فترة من الوقت أقسم أمام القاضي المحلي بأنه لن يسرق مرة أخرى ، غير أنه في عام 1940عاد إلى السرقة بكل القوة التي تسمح بها يده الواحدة , وفي العام التالي ، قام السلطان سعيد بن تيمور برحلة إلى ظفار ، وبعد مطاردة طويلة في الجبال ، لقى اللص المراوغ مصرعه في النهاية .

لقد كان من المناسب أن نمضي في تاريخ ظفار إلى أبعد من النقطة التي بلغناها في التاريخ العام لعمان ، غير أنه ينبغي علينا الآن أن نعود إلى عام 1804 ، عهد سعيد الأكبر .

?الفصل الرابع

سعيد الكبير

?إن الرجل الذي حكم عمان لنصف قرن من 1804 إلى 1856 كان كما وصفه كاتب ترجمة حياته « رودلف سعيد - رويته » من أكثر الشخصيات تأثيرا وقوة ، ووصفه بيرتون بأنه : « كان أميرا من أكثر الأمراء الذين أنجبتهم بلاد العرب ، دهاء وتحررا و ثقافة » . . كان هذا هو سعيد بن سلطان ، الذي جعل بلاده أهم بلد في شبه الجزيرة العربية ، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ، يسيطر على إمبراطوريه عبر البحار في زنجبار ، وعلى طول ساحل شرقي أفريقيا . .

وعن هذا السلطان قال ابن رزيق :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، حمدا لله الذي جعل سعيدا ، أسعد الحكام ، يحقق رخاء هادئا و مجدا خالدا ، و أضفى عليه سموا رفيعا في مجال السعادة وعلو الصيت ، حتى إنه بفضل العون الإلهي الذي منحه الله له أخضع ملوك عصره ، واكتسب مهابة بالمعارك التي خاضها ضد أعدائه ، وفتح بسيفه بلادا لم تكن معروفه إلى الآن ، وشق طريقا مستقيما على أعناق المتمردين المقطوعة » .

وتبدأ قصته البطولية عندما دخل النزاع الفرنسي - البريطاني مرحلته النهائية ، ،وكان شابا في السابعة عشرة من عمره ، حين كانت عمان في ذلك الحين يحكمها ابن عمه السيد بدر بن سيف بن أحمد ، الذي كان قد توفى والده في المنفى في لاموه ، بعد أن فشل في الاستيلاء على ممباسا في عام 1784 م ، و قد حكم بدر كوصي على العرش عقب وفاة عمه السيد
?سلطان بن أحمد و لكنه لم يكن محبوبا من عامة الشعب .

وطوال الاثنتين والخمسين عاما التالية ، كان السلطان سعيد حاكما أوحد وقد شاركه في سلطته في البداية أخوه الأكبر سالم الذي توفي بالفالج في ( 1821م ) كحاكم دنيوي بحت ( مدني وسياسي ) ومقتفيا خط ابن عمه حمد ووالده سلطان ، دون أن يكون له أي دلالة من الناحية الدينية للقب الإمام ، الذي له اعتباره الأول في المراسم الدينية ولم يكن هذا أمرا غير عادي ، إذ إن منصب الإمام المنتخب طوال تاريخ عمان ظل شاغرا في فترات مختلفة .

وبالنسبة لشخص كسعيد ، فإن جلال ومزايا الزعامة الدينية للإمام كانت تحجبها قيود ، وتحيط بفترة توليه المنصب ، و يعتبر أول حاكم عماني يتخذ لقب السلطان فوق اللقب القديم « السيد » ، والذي أدخل أصلا في عام 1784م من جانب سلطان بن أحمد لأعضاء الأسرة الحاكمة في عمان كشكل من أشكال التبجيل ، على غرار لقب سير في العرف الإنجليزي ، ولم يستخدمه حكام البوسعيد قط للدلالة إلى أنهم من سلالة النبي صلى الله عليه وسلم ، في الممارسة الإسلامية العامة.

وبرجع الاستخدام الأول للكلمة العربية « سلطان » بمعنى حاكم أو « ولي » ( ومعناها الأصلي السلطة أو السلطان ) وفقا لأدلة قوية ترجع إلى عام 1002 ميلادية ، وإن كانت الكلمة في الحقيقة كلمة سامية أكثر قدما ، و تعني « السلطة أو « السيطرة » ، وكانت تستخدم كلقب منذ وقت بعيد .

وقد مضت السنوات الأولى لحكم سعيد في إدارة الأمور يسودها السلام غير أنه في عام 1809م وجد أنه من الضروري ، أن يتحالف مع البريطانيين في محاولة للتعامل مع قراصنة الخليج .

?ويبدو أنه من الضروري هنا ذكر بعض الملاحظات التفسيرية عن الملاحة والقرصنة في الخليج والمياه المجاورة .

في عام 325 قبل الميلاد يذكر « نياركوس » الكريتي ، القائد البحري الشهير في عهد الإسكندر ، في سجل رحلاته البحرية ، كل مرسى و كل جزيرة بدقة ، ويقول إنه أبحر خلال مضيق هرمز الضيق بكل سفنه الشراعية ليصبح على أرجح الاحتمالات أول أوروبي يرى أرض عمان ، ويصل إلى البحر الداخلي الضحل الذي تبلغ مساحته 97 ألنك ميل أو « التنور الناري » الذي هو اليوم الخليج .

وفي عام 116 بعد الميلاد ، استولى الإمبراطور تراجان على ستيسيفون عاصمة بارتيا ، ومد يد السلام الروماني إلى الخليج ، ويتحدث المؤرخ الرزين الورع الحاخام بنيامين من توديلا ، الذي عاش في منتصف القرن الثاني عشر عن الخليج ، وبعد أكثر من مائة عام ، فيقول :

« . . .وصل ماركو بولو إلى الخليج ، وكان يعتقد بأنه امتداد لنهر دجلة وكان الرحالة المغربي الكبير ابن بطوطة في الخليج عام 1330 , غير أن نيبهور العظيم هو الذي أعطانا في عام 1764 - 1865 أول فكرة لهذه المياه أو " بحر اللعنات » .

?ونظرا لقوة عمان البحرية التي لم يكن ينافسها فيها أحد ، وموقعها الجغرافي الوسيط ، فإنها كانت تتمتع باحتكار نقل تجارة الشرق ، التي كانت تدر أرباحا وفيرة ، ودورها يماثل دور الفينيقيين في البحر الأبيض المتوسط . في القرن العاشر قبل الميلاد ، و قد ذكر عالم الجغرافيا اليوناني سترابو : « أن كل عريي تاجر ، وأن العرب في عهد الإمبراطور أو غسطس كانوا يوصفون بأنهم منافسون تجاريون » .

?ورغم أن الساحل العربي للخليج كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تحت سيطرة فارسية ( آخر حاكم ساساني قتل في عام 651 ميلادية ) فإن الفلاحين العمانيين من قبيلة الأزد كانوا في القرن العاشر يتاجرون جنوبا حتى كانبالو « مدغشقر » وقد فقد هذا التفوق والاحتكار العماني البحري تفوقه ليفوز به أول أوروبيين يزورون الخليج بعد الإسكندر ، وهم البرتغاليون الشجعان القساة ، والقتلة .

ففي عام 1507 أبحر أفونسر البوكيرك « رجل الدولة » باعتباره مساعدا للقائد تريستاو دي كونها « المستكشف » بست عشرة سفينة متجها شرقا ، وأسفر اشتباك دموي استمر سبع ساعات من انتصار بحري مهيب على أسطول ضخم ، مكون من 400 سفينة مختلفة الأحجام ( منها 60 سفينة ذات حمولات كبيرة ) وتوطدت سلطة البرتغاليين في هذا المركز التجاري الرئيسي في الخليج و أصبحت البرتغال تسيطر على مدخل الخليج .

و لم يحل دون محاولة البوكيرك تنفيذ خطته المجنونة العملاقة بتحويل نهر النيل بصورة قاطعة بواسطة قناة في مكان قرب جزيرة فيلة ، التي تقع فوق الشلال الأول شرقا عبر الصحراء إلى البحر الأحمر . وبذلك يقضي فورا على خصوبة دلتا مصر ، و يعيد توجيه تجارة الهند بقوة أوروبا عن طريق الخليج ، ولم يحل دون ذلك غير وفاة البوكيرك المبكرة في 16 ديسمبر عام 1515 ولأن عدوه اللدود حل محله في منصب نائب الملك ، و قد أدى هذا إلى ضياع جوا الإستراتيجية « الذهبية » مركز نظامه الإمبراطوري . . فلقد كان البوكيرك المذهل يحاول تقليد الإسكندر في إنشاء إمبراطورية أوربية كبرى في الشرق .

وكانت إمبراطوريته غير المترابطة ، المقلقة في التوازن ، وغير الممكنة
?تتكون من قلاع منعزلة ، تبعد كل منها عن الأخرى بمسافة شاسعة ، مبعثرة عبر امتداد هائل من خط ساحلي ، وفي رسالته الأخيرة لمليكه ناكر الجميل التافه ، الملك إمانويل ، كتب المناضل الكبير والمدير العام لجزر الهند الشرقية وأول حاكم للهند ، الفاتح المنتصر لجوا وملقا ، يقول : إنني أترك المكان الرئيسي في الهند تحت سلطة جلالتكم ، والشيء الوحيد الذي تبقى لعمله هو إغلاق المضيق ( للبحر الأحمر عند عدن ) .

?وفي منتصف يوم 30 نوفمبر عام 1521 هبت قبيلة بني ظبية في ثورة منسقة بزعامة الشيخ حسين بن سعيد لكي تعتدي بوحشية وتصلب على السيد الوكيل التجاري البرتغالي في البحرين ، حيث هاجمت كل المواقع ودمرتها في وقت واحد .

وقرب نهاية القرن السادس عشر حلت أسبانيا محل البرتغال في غزو لم تسفك فيه الدماء ، إيذانا ببداية النهاية للسلطة البرتغالية في الخليج ، وفي عام 1720 م كان البرتغاليون قد اختفوا ، وقضى عليهم تماما ، غير مأسوف عليهم كلية . وقد ذكر الأب أنطونيا فييرا أحد الادعاء للنصرانية البرتغالي الكبير ، الحقيقة عندما قال : « إن الله يهب الناس قطعة أرض صغيرة لمولدهم ، و لكنه يمنحهم العالم كله ليموتوا فيه » .

وفي الثاني والعشرين من سبتمبر عام 1599 ، ظهرت « الشركة البريطانية للهند الشرقية » ، التي نشأت خلال التنافس التجاري بين لندن وأمستردام ، لأول مرة ، على مسرح التاريخ ، وأنشئت الشركة بمقتضى براءة ملكية ( في 26 صفحة مطبوعة ) بتوقيع الملكة اليصابات الأولى ، منحتها في 31 ديسمبر سنة 1600 م مائتين وسبعة عشر مكتبا أصليا ، وجملة رأس مالها 30133 جنيها و 6 شلنات و 8 بنسات . « وكانت

?الشركات الإنجليزية هي الابن الهزيل لشيوخه إليزابيث ، والسياسة المخادعة للملك جيمس » وقد انطلقت « بالسيف في يد والدفتر التجاري في الأخرى » .

وخلال الإثنتي عشر سنة التالية أرسل اثني عشر أسطولا تجاريا إلى الشرق ، وفي عام 1615م بدأت التجارة مع شاه عباس الأول ( الكبير ) عاهل فارس ، إيذانا بالدخول السياسي لبريطانيا إلى الخليج .

وفي عام 1630 م كتب الملك جيمس إلى الشاه يشكره على فعله وحمايته للإنجليز ، وبعد عامين كلف أسطول إنجليزي من خمس سفن من شركة الهند الشرقية - وقوات المشاة البرية- بالاستيلاء على هرمز ( الجزيرة التي تعد مفتاحا للخليج ) من البرتغاليين الذين كانوا في حالة يرثى لها من التسلح و قله العدد والإصابة بالمرض ، وذلك بهجوم مشترك بلا أي استفزاز ، ودون أي ذريعة دبلوماسية أو تبرير من جانب البريطانيين الذين كانوا في حالة سلم مع أسبانها في ذلك الحين .

وفي رسالة من أصفهان بتاريخ 1622 ، كتب مستر " إدوارد مونيكف " إلى شركه الهند الشرقية يقول :

« إذا كان الإنجليز قد راودهم أمل في كسب فائدة دائمة من النصيب الذي أخذوه في هذه الصفقة فإنهم قد خاب أملهم تماما . لعد ثأروا ، وهذا حقيقي ، لأنفسهم من عدو يكرهونه ، ودمروا مستوطنة مزدهرة ، وجلبوا الخراب والتعاسة على الآلاف لإرضاء جشع طاغية مثل ( شاه عباس ) الذي وعد بإثرائهم وبمنحهم امتياز الجمارك ، وهو ما كان ينبغي عليهم أن يعرفوا أنه لا يقدر على أن يحميهم ، حتى خلال حياته ، من العنف وظلم ضباطه ، فما بالك خلال عهد خلفائه .

?وبعد عامين من تأسيس الإنجليز لشركاتهم ( التي عرفت باسم الشركة الموقرة منذ عام 1737م ) والتي أصبحت شركة سياسية عملاقة ، وقد أنشت شركة الهند الشرقية الهولندية كمنافس تجاري وسياسي هائل ، وعندما نشبت الحرب في أوروبا بين هولندا وانجلترا في عهد كرومويل في 1652م .

?كان نفوذ الهولنديين في الخليج في صعود ، وبعد ذلك بخمس وعشرين عاما زار الجراح الإنجليزي دكتور جون فراير بندر عباس تحت رعاية شركة الهند الشرقية ، بمرتب خمسين شلناً في الشهر ، ووجد أن « الهولنديين راسخون تاما في تجارة البهارات » غير أنه في عام 1766م . وبعد أن استولى العرب على آخر المصانع الهولندية ، ومستوطنه محصنة على جزيرة خرج، انتهى مركز الهولنديين في المحيط الهندي .

وفي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ، شهد الخليج عمليات قرصنة خطيرة ، بيد أنه يمكن القول بصفة عامة أن السفن التي كانت تبحر في الطرق التجارية القديمة من خلال الفتحة الضيقة للخليج وكانت تكفل مصدرا هاما لدون البحرية العربية على ساحل الخليج . . وكان هؤلاء البحارة يجوبون الخليج ، وينهبون ملاحة كل الدول ، و كانوا يفضلون القتل بدلا الاستيلاء على سفن الشركات . و في عام 1800م كانت مسقط تكاد تكون ميناء مخصصا فقط للتجارة العابرة بين الهند والخليج ، وكانت البحرية التجارية لعمان أهم من أي دولة أخرى في الخليج ، وتتكون من المراكب الشراعية المعروفة باسم « الداو » والزوارق ، والسفن ذات الأشرعة المربعة ، وكان أهل عمان يعتبرون ملاحين نشيطين ذوي إقدام. .

وفي عام 1804م استفحل خطر القراصنة ، حيث هوجمت تسع بوارج ،
?أو سفن حربية بريطانية بصورة متتابعة ، وبعد عام استولى القراصنة على السفينة التجارية البريطانية « شانون » وكانت في طريقها من بومباي إلى البصرة بعد مقاومة طفيفة ، وقتل كل طاقمها الهندي ، أما الربان بابكوك الذي شوهد وهو يطلق النار من بندقيته ، فقد حكم عليه بأن يفقد ذراعا قطع بضربة سيف واحدة . وقد احتفظ الربان بقدر كاف من حضور الذهن جعله يدفع ما تبقى من ذراعه الذي ينزف بغزارة في إناء به زبد ساخن أو زبد مصفى مما قلل تدفق الدم ، حيث لم يهتم آسروه بإيقاف النزف من ذراعه بعد قطعه كعادتهم .

وعندما استفهم سير جون ما لكولم ، حاكم بومباي مستقبلا ، من خادمة خواد داد عن سكان ذلك الشاطئ القاحل من شبة الجزيرة العربية أجابه بانزعاج ظاهر : « إنهم طائفة من الوهابيين ، وهم يدعونهم القوا سمة » .

وهم بالإضافة إلى غطرستهم الطبيعية ،وثقتهم البالغة ، بأنفسهم وجرأتهم فقد كانوا القراصنة العنيدين المغامرين ، يغمرهم كبرياء النصر و هم يسلبون وهم يتلقون في الحقيقة عونا من سياسة حكومة بومباي المترددة الحمقاء التي كانت تمثلها يومئذ شركة الهند الشرقية ، والتي كانت تعتبر هؤلاء الأشرار القتلة « عربا غير مؤذين » وتقيد ضباطها البحريين بأوامر قاطعة بعدم إطلاق النار على أي مركب عربي ، حتى يطلقوا هم النار أولا .

وقد أعطت هذه التعليمات كل المزايا للقراصنة المتعطشين للدماء ، والذين كانت طريقتهم المفضلة في الهجوم هي الصعود إلى ظهور السفن ، حيث أنهم كانوا يعتبرون عدم التدخل إقرارا بالضعف . . والحقيقة أن الخروج على القانون أصبح مشروعا بالحق الثابت في انتهاك الحق .

وفي عام 1808م , دعى الشيخ سلطان بن صقر الزعيم الكبير القواسم
?وكان يومئذ في العقد السادس - إلى الدرعية ، حيث خلعه الوهابيون ، واستبدلوا به ابن عمه حسين بن علي شيخ القواسم في رمس ( مينا ء قرب رأس الخيمة ) كنائب عنهم ، وحتى على ساحل القراصنة بأسره ، وقد أثبت أنه متعطش للدماء بقدر ما كان جشعا ، وتحت العلم القاسمي ذو اللون الأحمر القاني والأطراف البيضاء ، أمر حسين بمهاجمة السفن في الخليج بطريقة منظمة من القراصنة ، وبأسطول هائل حقا ، يشمل ثلاثا و ستين سفينة كبيرة ( بعضها ذو خمسين مدفعا ) وثلاثمائة رجل وثمانمائة وثلاث عشرة سفينة أصغر تستطيع حمل 1900 رجل ، من الأشرار المتعطشين للدماء . . وإرسال خمس الغنائم المأخوذة من « الكفرة » إلى حكومة نجد الوهابية في الدرعية .

وفي أغسطس من العام التالي أثار تجدد خطير في تجاوزات القراصنة واعتداءاتهم وبشاعاتهم انقلابا في الضمائر السخيفة الواهنة لمديري شركة الهند الشرقية ، وتغير التراخي الشائن لحكومة بومباي ، التي كانت حتى ذلك الحين تتبع سياسة المهادنة ، مع أول مثل لانتقام تأديبي بريطاني قوي برا وبحرا بالاشتراك مع السلطان سعيد ، وبعد مقاومة يائسة ، ولكنها غير فعالة أدت إلى قصف ومحو رأس الخيمة العاصمة الرئيسية للقواسم ( بعد قتال عنيد من بيت إلى بيت ) إلى جانب تدمير أسطولهم الذي يضم حوالي ثلاث وخمسين من أكبر سفنهم التي كانت تغلفها غلالات من اللهب ، وتشمل ( منيرفا ؟ ) سفينة شركة الهند الشرقية ، والتي كانوا قد استولوا عليها قبل ذلك بعام و اعتبرت من الغنائم .

وكانت تلك السفينة التجارية التعسة في طريقها من بومباي إلى بوشهر، عندما واجهتها ثلاث وخمسون سفينة و 5000 رجل ، وصعدوا إلى سطحها بعد مبارزة مستمرة بالمدافع لمدة يومين ، وبعد الفشل الأخير

?لمرشدها لاروش في أنه لم ينسف مخزن البارود بكل من عليها . . وكتمهيد للمذبحة العامة المعتمدة بالجملة التي تبعت ذلك ، تم تطهير السفينة أولا بالماء ، وبعد ذلك فرق الربان المصاب بجرح خطير إربا على سطح المؤخرة ، بينما كان الركاب وأعضاء طاقم السفينة قد قيدت أيديهم ، « واقتيدا فرادى للإمام » ، ووضعت رؤوسهم على حافة المركب وقطعت رقابهم بالصيحات التي تستخدم في المعارك « الله أكبر » وتركوا فردا واحدا كان مشوها بصورة بشعة وأنزل إلى البر لكي ينقل في النهاية النبأ المروع .

لم تكن تلك هي نهاية متاعب السلطان مع القراصنة ، أو تحالفه مع البريطانيين ، ففي عام 1812م ،، ورغم تناقص عام في خطوط الوهابيين بلغ مداه في عام 1813م عندما طرد إبراهيم باشا القائد المصري عبدا لله بن سعود من الحجاز ، فقد كان القراصنة العرب يمارسون عملهم كالعادة ، وكان أكثر زعماء القراصنة إثارة للمتاعب رجل يدعى رحمة بن جابر ، وهو نموذج تام « للقرصان البربري » في الروايات الخيالية ، وينسبون إليه الاستيلاء على أساطيل برمتها ، ولم يكن يعرف الرحمة ، إذ كان يقتل أطقم الملاحين بأكملهم ، ولا يرتدي غير قميص واحد لم يغيره أو يغسله قط ، وكان وجهه وجسمه كله مشوها من آثار جروح ، و قد تحطمت عظام ذراعه اليسرى بطلقة عنقودية اخترقت اللحم و تركته بذراع بلا عظام ومع ذلك فقد كان يجد متعة كبرى في أن يقطع به الرقاب ، و في سن السبعين كان هذا المخلوق هو مرعب الخليج .

وذات يوم ، بينما كان يحاول باندفاع الصعود إلى ظهر سفينة كبيرة تسمى « بغلة » مملوكة لأحمد بن سليمان ، ابن شقيق حاكم البحرين ، تغلبت عليه قوة أكبر ، وسرعان ما دعا ملاحيه ، سواء هلكوا عندئذ . . أو فيما بعد على أيدي العدو ، وعلى الفور نزل إلى السطح الأسفل وألقى عود
?ثقاب في المخزن وعاد للظهور على السطح مع ولده الوعيد بين ذراعيه وكان غلاما جميلا في حوالي الثامنة من عمره ، وكانت السفن في تلك اللحظة مربوطة معا بسلاسل حديدية ، وعندما انفجر المخزن نسف الاثنان معا إلى آلاف من الذرات ، ارتفعت في الجو وسط بركان من اللهب والأخشاب المحترقة ، وعندما هدأ الانفجار المروع ، جرفت الأمواج جثث المقاتلين على ساحل البحرين .

?وفي عام 1804م هاجم قراصنة الخليج في جرأة سفينة القيادة كارولين الخاصة بالسلطان السيد سعيد ، ذات الأربعين مدفعا تجاه رأس قريات ( وكانت سفنه الأخرى مازالت في المؤخرة ) ، وكان من الممكن أن يقع السيد سعيد في الأسر ، إلا أن الله قد كتب له النجاة .

وفي سنة 1819م تكررت العملية الحاسمة للاستيلاء على رأس الخيمة ، وإبادة أسطول قراصنتها المكون من أربع وستين سفينة حربية شراعية ، و7000 رجل ، كانوا قد خرجوا في مظاهرة للقيام بعمليات للقرصنة ، وقد ساهم السلطان السيد سعيد بحصته التي تضمنت 4000 رجل و ثلاث سفن حربية في حمله مشتركة تحت قيادة الميجور جنرال سير وليم جرانت كير ، مع 3069 جنديا بريطانيا ( بينهم 1646 أوروبيا و 1424 هنديا ) بالإضافة إلى أقوى تجمع للسفن الإنجليزية شهده الخليج .

وقد هوجمت برا وبحرا ، وبعد ستة أيام من قصف مستمر من الأسطول ، تم الاستيلاء على معقل القراصنة ، مما حقق ضمانا نسبيا لسيد سعيد من الهجمات من تلك المنطقة .

وخلال الحصار ، أطلق الأعداء - بسبب نقص الذخيرة - أحجارا كبيرة من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(م8 – تاريخ عمان )
?مدافعهم ، وكانوا فيما بين الطلقات المتكررة للمدفعية البريطانية يندفعون إلى الخارج لجمع قذائف المدافع التي أطلقتها .

« وقد سلم حسن بن رحمة الزعيم نفسه كأسير ، بعد أن لم يبق غير حوالي ألف من أتباعه , وذكر أنه خلال الحصار ، وبينما كان يعقد مجلسا اخترقت قذيفة من بطاريات الفرقة السابقة ، وانفجرت على الفور ، فقتلت وجرحت حوالي مائة من رجاله المقاتلين ، وأثارت فزعا لا حد له في أنحا ء الحامية .

?وفي يناير من العام التالي - وقعت الدول العربية في الساحل والبحرين صلحا رسميا – « المعاهدة العامة للسلام » وقد تعهدت في أحد بنودها بوقف الاعتداءات البحرية ، ولكن هذا لم يمنع الحرب البحرية النظامية ، وبمقتضى تلك المعاهدة التي كانت مقصورة على الرؤساء في الجانب العربي من الخليج ، تقرر تنفيذ عقوبة الإعدام والمصادرة عن جرائم القراصنة ، وقد دام هذا السلام عاما واحدا حتى 1821م ، عندما استولى القراصنة على سفينة تجارية صغيرة ونهبوها " .

وفي عام 1853م برزت للوجود معاهدة السلام الدائم ، غير أنه رغم الرقابة اليقظة من الحكومة البريطانية لكل انتهاكات السلام ، فإن « لعنة الخليج القديمة » استمرت إلى وقت وصول السفن التجارية في أواخر القرن التاسع عشر .

وعلى أية حال فإن ذلك لم يكن يعني سلاما للسلطان السيد سعيد ، إذ أن إحدى قبائل الغافرية في منطقة جعلان ، على الطرف الجنوبي الشرقي لعمان وهي قبيلة بني بوعلي ، المنحازة للوهابيين ، والتي يبدو أنها كانت تمارس القرصنة في ذلك الوقت ، قامت بالاعتداء على إحدى السفن
الإنجليزية بالقرب من رأس الحد ، كما أن الضابط البريطاني الذي أوفد للاحتجاج على ذلك الاعتداء لدى شيخ القبيلة مع مرافقه قد قتل .

ولا بد من القول أن ويلستد ألقى بعض الضوء على نشاطات القرصنة التي كانت تقوم بها هذه القبيلة ، وقال بأن السيد سعيد لا بد أنه كان يعرف بأنه « يكاد يكون أمرا مستحيلا أخلاقيا ، أن يكون البدو قد ارتكبوا مثل الاتهامات التي وجهت إليهم ، وفي كل الأحوال فقد أدى ذلك إلى القيام بحملة عسكرية من القوات البريطانية والعمانية ضد بني بوعلي .

وقد أظهر السلطان خلال تلك الحملة شجاعة شخصية عظيمة ، وأصيب بجرح ، بينما كان ينقذ أحد جنود المدفعية البريطانية تحت نيران شديدة ، والواضح أن المقاومة الضارية للمتمردين كانت أكثر مما كان البريطانيون يتوقعون ، وقد لقي سبعة ضباط و مئتان و تسعة وأربعون جنديا حتفهم . أو ماتوا بعد ذلك في كارثة لم يسبق لها مثيل في شبه الجزيرة العربية ، بينما سارع العمانيون إلى الفرار ، وعندما سمع السيد سعيد بأن قواته لجأت إلى الفرار ، وقد تخلت عنه قال في هدوء : دعوا الذين يرغبون في تركي لمصيري أن يتخذوا من المواقف ما يريدون » غير أنه استطاع الانسحاب بعد ذلك .

?وفي مارس من العام التالي كسب السلطان والبريطانيون بقيادة الميجور جنرال سير لونيل سميث ( الحاكم العام لجامايكا فيما بعد ) نصرا دمويا باهظ الثمن ببنادقهم و سونكياتهم القاتلة ضد ألف من المهاجمين حاملي السيوف من قبيلة بني بوعلي ببسالة منقطعة النظير قي تاريخ الحروب , وفي نفس البقعة التي دارت عليها المعركة السابقة ، وها هي ذي رواية
?شاهد عيان للمعركة .

إن كل من رأى هذا الهجوم غير العادي يتفقون على أن أحدا غير هؤلاء العرب لم يظهر مثل تلك البسالة والإصرار مع بذل النفس في ثبات . . لقد دافعوا عن قلعتهم بشجاعة إلى حد الجنون ، ولم تفلح النيران الشديدة في وقف زحفهم كلية ، وقد كانت تحصد أعدادا كبيرة منهم في لحظة ، بل إنهم كانوا يسخفون بالسونكيات الموجهة إليهم ويلقون بأنفسهم على الجنود قابضين على أسلحتهم بكلتا اليدين لاختراق صفوفهم ويضحون بأنفسهم لقتل أعدائهم ، حتى إنهم كانوا يقاتلون والسونكى مغروس في أجسامهم ، وقبل توقف إطلاق النار تاما شوهدت النساء يسرن بين القتلى والمحتضرين وفقا للعادات ، لسحب الذين قتلوا أو جرحوا ، وكان يبدو أن بعضهن اشتركن فعلا في الهجوم ، ورغم فقد الأزواج والأبناء فلم تكن تبدو عليهم أية علامات من الحزن , أو ينطقن بكلمة نواح واحدة ، أو يذرفن دمعة أسى أو خوف ، و ذلك في نفس اللحظة التي كانت تنسف فيها قلاعهن ، وكن يعرفن أنهن أنفسهن لن يسلمن من أعمال التدمير .

ونقل بعد ذلك ثمانون أسيرا إلى مسقط ، حيث ماتوا في سجن السلطان في الحصن الشرقي ، بينما نقشت ستة ألوية من جيش بومباي كلمة ( بني بوعلي ) على أعلامها .

وفي ذلك العام 1821م ، قضى وباء الكوليرا القاتل ، وشدة الحرارة التي لا يمكن تحملها ( كان الترمومتر يسجل 104 درجة عند منتصف الليل ) والرياح التي كانت أشبه بلهيب ناري مصبوب على عدد كبير من العمانيين .

وفي عام 1824م توجه السلطان السيد سعيد للحج إلى مكة ، وكان
?ذلك نصرا عظيما ، حيث استقبله أمير مكة بأكبر قدرهن الاحترام والتبجيل وكان لطف مظهره وفخامة حاشيته تتفق مع شعبيته الشخصية و مهابته ، وقد أثارت عطاياه السخية في كل مكان ضجة كبرى ، و خاصة بين ضباط محمد علي باشا والي مصر الذي وصفه بأنه « الأب الأول للقومية في العالم العربي » .

وبعد أربع سنوات قرر السيد سعيد - وكانت قد هدأت نفسه بعد هجوم غير ناجح على البحرين - أن يزور زنجبار ، وكان من بين أهدافه قمع تمرد خطير نشب في الجزيرة ، ولما كان يعتزم التغيب عن عمان فترة طويلة ، فقد وضع ترتيبات لكي يتولى ابن أخيه السيد سالم إدارة الحكومة في مسقط بسلطات كاملة ، وفي نفس الوقت أغرى السيد هلال الشاب ، الذي كان أبوه ابن عمه الأكبر ، بزيارة مسقط ، حيث أمر السيد سعيد باعتقاله وسجنه في إحدى القلاع ، لأنه كان يخشى طموحه المتزايد وشعبيته ، و لدى تلقي شقيقة السيد هلال نبأ اعتقال شقيقها ، الأمر الذي يتنافى مع أكبر الالتزامات قدسية ، قامت السيدة بجمع زعماء السويق ، الذين وافقوا جميعا على القتال حتى آخر قطرة من دمائهم ، وتمكنت السيدة من الاستيلاء على قلعة السويق ، وبدأت في الإغارة على الأقاليم التابعة للسيد سعيد ، وقد أحيت انتصاراتها آمال حمود بن عزان أقرب أبناء عمومة السيد سعيد ، الذي انتهز فرصة الارتباك ليفاجئ حامية صحار ليلا بخمسين من أتباعه ، حتى إنه في خلال شهر واحد ، كان ساحل الباطنة الآهل بالسكان قد ضاع كله من يد السيد سعيد ، بسبب سياسته التي لم تحقق الهدوء للعاصمة الكبرى في عمان .

وعندما عاد السلطان إلى مسقط بعد ذلك في عام 1830 ، أطلق السلطان سراح السيد هلال وسمح له بالعودة إلى السويق ، ولكن عواقب
?سياسته هذه قد دامت فترة أطول ، ورغم أن كثيرا من أراضي الباطنة قد تم استعادتها فإن صحار ظلت مثار منازعات على الأقل لفترة طويلة ، ويقتضي الاستطراد هنا الحديث عن تاريخها :

في ( 1041 – 1042م ) رسا أسطول فارس تجاه صحار ، واحتل المدينة وفي منتصف القرن الثاني عشر ، سيطر أحد حكام اليمن ( وقد كانت كل بلاد الشاطئ الجنوبي للخليج تسمى اليمن ) على الخليج ، وحول تجارة صحار ، مع الشرق الأقصى إلى عدن .

ويذكر ياقوت عن صحار ، أنها بلدة ذات مناخ طيب ، ومنافع عديدة من بينها الفاكهة ، وهي مبنية بالطوب و أخشاب الساج وهي كبيرة ، لا ينافسها شيء في هذه المنطقة .

وفي عام 1276م ، خلال حكم هلال بن عمر النبهاني ، قامت قوة من مغول شيراز بغزو صحار ، وشقوا طريقهم إلى نزوى بالسلب والحرق ، ولا بد أن صحار قد تمتعت بعد ذلك بنهضة تجارية محددة ، لأن ماركو بولو ( أول مسيحي بعد كوزماس انديكو بلوستس يقدم وصفا مكتوبا في الهند ) و كان قد زار منطقة الخليج حوالي عام 1293م و يذكرها باسم « صحير» ويقول أنها تتجر في الخيول مع « معبر » أي مالبار .

وكان أبو الفدا الدمشقي ( 1273 – 1331 ) معاصر ماركو بولو ، والذي عين لحماة ( في سوريا ) قرب بداية القرن الرابع عشر بواسطة أحد سلاطين المماليك في مصر وسوريا ، وقد كان يمضي وقت فراغه يجمع كتبا ويؤلف كتبه الخاصة من المعلومات التي يقدمها كتاب آخرون.

وقد ذكر أبو الفدا الوصف التالي لصحار في كتاب « الجغرافيا » ، فقال : « . . صحار مدينة خرائب و المكان الوحيد المزدهر هو عمان ، وفي
?صحار كثير من أشجار النخيل والفاكهة وبلاد عمان بلاد حارة جوا » .

ويبدو أن السطر الأول يدل على أن صحار كانت منذ بداية القرن الرابع عشر مخربة واستخدام اسم « عمان » في هذا الوصف يشير إلى أن الكتاب أيا كان خطؤهم يرجع إلى أنه كان هناك مدينة وبلد بهذا الاسم في العصور العربية الكلاسيكية .

وهذا أمر محتمل ، لأنه وفقا لمصادر إفريقية ، كانت إحدى المواني في الخليج تسمى « عمانا» في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد ، ومدينة عمان التي ذكرت بعد ذلك في مصادر عربية لا بد أن تكون نفسن المدينة ، ويتبع ذلك إذن ، أن ميناء « عمانا » اليوناني لابد أنها كانت مدينة مأهولة أيضا في العصور الإسلامية ، أو لعلها لا تزال مأهولة باسم آخر .

ويبدو أن كتاب « بيربلوس البحر الأريتري » يحدد موقع « عمانا » على ساحل عمان الهادئ على مسافة قريبة من الشاطئ ، غير أن مؤلف « بيربلوس » يقول إنه أبحر من المهرة « ظفار » رأسا إلى الهند ، و بهذا فإنه إنما كان يذكر ما سمعه ، ومن الممكن أن تكون المعلومات خاطئة
و« عمانا » في تلك الحالة يمكن أن تكون في مكان آخر على ساحل عمان نفسها ، وان لم يكن هناك الكثير الذي يوحى بذلك .

ولابد من القيام بقدر كبير من المسح الأثري في المنطقة بأسرها قبل أن يتسنى الوصول إلى أية استنتاجات ملموسة . ونظرا لمينائها الممتاز فإن الكاتب الحالي يعتقد أن مسقط ذاتها مأهولة في العصور الأولى ، ورغم الرأي الشائع بأن عمرها لا يزيد على بضعة قرون .

ويقول ابن بطوطة إن ساحل الباطنة برمته هو منطقة خاضعة لملوك هرمز ، عندما كان هناك في الجزء الأول من القرن الرابع عشر .

?وكانت جباية الضرائب السنوية تذهب إلى خزانة " هرمز " وفي ذلك الحين كانت جزيرة هرمز مستقلة تماما ، بيد أن طابعها كان على الأرجح فارسيا جدا ، وفي بعض الأحيان كانت تابعة لحكومة فارس ( ولم تخضع لسيطرة العرب إلا بعد اضمحلال الدولتين ، التيمورية والصفرية المركزيتين ) ويقول ابن بطوطة : « لو كان العالم كله خاتما لكانت هرمز جوهرته » هكذا كان المثل الشرقي القديم يقول ، مما يعكس شهرة عظمتها وثروتها .

وفي عام 1552م عين مسئول للجمارك لمدينة صحار التي نهبها البرتغاليون و دمروها « بالنار والسيف » في العام التالي ، بناء على أوامر دوم يوارتى دي ميزيس المستبد ، وفي عام 1558 أقاموا قلعة جديدة .

وفي عام 1616 م ، خلال اشتباك محدود قام به البرتغاليون بمساعدة عمر بن حمير ، زعيم إحدى القبائل بتحويل صحار إلى رماد و قتلوا الحاكم وأخاه ، وأخذوا عددا من الفتيات العمانيات زاعمين أنهن نشأن كاثوليكيات ثم انتهكوا شروط الاستسلام بالانقضاض غدرا ودون تمييز على الأهالي بالإضافة إلى الحامية ، وبينما كانوا يخلون المدينة التي كانت تنافس هرمز و مسقط في إيرادات الجمارك .

وعاد الفرس إلى صحار في عام 1623 عندما هاجم الأميرال البرتغالي « روس فريردا أندرادا » بست عشرة سفينة ، وبعد أن فقد أندرادا أربعة ضباط وواحدا وعشرين رجلا كسب المعركة ، وبعد الاستسلام سمح للفرس بالخروج بمراسم التكريم الحربية . .

وبعد عامين لاحظ « بيتر ديللا فاللي » أن البرتغاليين كانوا غير محبوبين في الخليج ، وأنهم لم يكونوا يستطيعون التنقل بأمان على ساحل
?الباطنة للحصول على مياه لسفنهم ، وفي عام 1643م طرد البرتغاليون الذين تركوا وراءهم آثارا من الدمار واللهب ، وأخيرا من صحار ، بواسطة عرب عمان رجال الإمام ناصر بن مرشد ، الذين احتلوا الحاميات البرتغالية بحد السيف .

?وفي عام 1738 حاصرت قوات نادر شاه الفارسية مدينه صحار في حملته الأولى على عمان ، وفي تلك المرة فشلوا في الاستيلاء على المدينة ، رغم أنهم تمكنوا من الاستيلاء على مسقط . وخلال الحملة الثانية لنادر شاه على عمان في عام 1742م احتلت قواته صحار مؤقتا بعد أن دافع عنها الإمام أحمد بن سعيد بكفاءة ، و قد لاحظ « كارستن نيبور » خلال زيارته لعمان في عام 1765 أن صحار مدينه قديمة و شهيرة ، ولكنها مضمحلة إلى حد كبير » .

وقد أصيبت صحار بتلف شديد ، مرة أخرى من غارات القراصنة منذ بداية القرن التاسع عشر ، فصاعدا ، وفي عام 1819م وقعت معركة بحرية كبرى بين البحرية البريطانية وأسطول من القراصنة تجاه صحار كان نتيجتها استتباب الأمن والنظام في مياه الخليج لفترة من الوقت ، ولكن لم تمض فترة طويلة ( سنة 1829 تقريبا ) هي كانت قلعة صحار « فقد تم تسلقها بالسلالم المتنقلة ، واستولى عليها حمود بن عزان الطموح ابن عزان ابن قيس ثالث أبناء الإمام أحمد .

وفي عام 1836 حاصر السلطان سعيد الكبير المدينة برا وبحرا دون نتائج حاسمة ، وقبل أن ينطلق السلطان سعيد إلى زنجبار ، قامت إحدى السفن الحربية البريطانية بإحضار حمود إلى مسقط حيث أقنع بالقوة بتسليم حكم صحار إلى ابنه سيف ، مع تعهد موقع عليه بأنه لن يثير نزاعا ضد السلطان أو أبنائه .

وفي عام 1849 نبذ حمود حياه التقوى والتنسك التي انتهجها ليحرض
?السلطان سعيد يصل زنجبار


?وقد جاء وصف وصول السلطان السيد سعيد إلى زنجبار في عام 1828م في رسالة من التاجر الأمريكي « أدموند روبرتس » إلى السناتور « ليف وودبرى » بولاية نيوهامشر حيث يقول : « . . جاء السلطان جالبا معه قوة تتكون من 64 سفينة مدفعية , وثلاث فرقاطات ذات 36 مدفعا ، ومركبين من ذوات الصاريين و 14 مدفعا ، وحوالي مائة سفينة نقل شراعية مسلحة مع حوالي ستة آلاف جندي ، وقد كان لواحد من أعماله الإدارية الأولى في الجزيرة العربية فائدة عظمى ودائمة لاقتصادها ، وذلك بتشجيعه القوى لزراعة القرنفل . . والغريب أن جهوده لدعم التجارة قوبلت بمعارضة ، ولكنه ثابر حتى نجح في غرضه . . » .

وقد فشلت المحاولة الأولى لإدخال القرنفل من موريشيوس ( وقد زرعه الفرنسيون هناك لأول مرة في عام 1077م ) إلى زنجبار في عام 1801 ، ولكن المحاولة الثانية بعد ذلك بسبعة عشر عاما أثبتت نجاحا ، وبعد مصادرة مزرعة القرنفل الأصلية والوحيدة بالجزيرة العربية أمر السيد سعيد بتعميم زراعة القرنفل ( بعد التهديد بمصادرات أخرى ) ، وبذلك وضع حجر الأساس للزراعة الأساسية في زنجبار التي أدت إلى رخاء هائل . . وقد ذكر الميجور " ف. ب. بيرس ) ما يلي :

« إن مسلك السيد سعيد كان حيال زراعة القرنفل في زنجبار و بمبا يشهد بأنه رجل ذو سلطة غير عادية وشخصية قوية . كما يمكن اعتبار شجرة القرنفل نصبا تذكاريا - وهي نصب تذكاري جميل أيضا - لتخليد ذكرى السيد سعيد ، صانع زنجبار .

?وسرعان بعد وصوله ، أن عين السيد سعيد ابنه خالدا ذا الثلاثة عشر ربيعا ، حاكما على ممتلكات شرقي أفريقيه ، وجعل السيد سعيد من الجزيرة الهادئة الخصيبة الخضراء مقره الرسمي مفضلا إياها على الصخور المتوهجة ورمال عمان الملتهبة ، كما جعل منها العاصمة الجديدة لمملكة عمان ، ومركزا لتجارة شرقي أفريقية ، وعند ذلك حذا كثيرون من رفاق السيد سعيد العمانيون حذو زعيمهم ، و ودعوا عمان القاحلة - تارة بصورة مؤقتة ، وتارة أخرى بصورة دائمة . من أجل أرض زنجبار الأكثر إنتاجا .

وتعني زنجبار بأوسع معانيها « ساحل الزنوج » أو « أرض السود » ، وهي كلمة فارسية معربة تتكون من كلمة زنج « الزنوج » وكلمة بر « ساحل » وهي تطلق الآن خطا على أهالي زنجبار الذين هم خليط من أجناس مختلفة ، أسهم فها أهالي شيراز من الفرس ، وعرب عمان ، وقبائل البانتو الأفريقية بقدر كبير من موجات الهجرة .

ولما كان البانتو لسوا زنوجا خالصين بل ، هم خليط من عناصر حاميه وزنجية ، فإنه من السهل القول : أن نسبه مرتفعه من دما ء السكان الحالين آسيويه ، ولم يبق إلا عدد صغير من الحميد و التمباتو - وهم أهل زنجبار الأصلين . ووفقا لرأي البروفسير « ر.ب. سرجنت » : كان للحضرميين بل وربما اليمنيين ، صلة بزنجبار مثل العمانيين ، إن لم يكن أكثر .

ويقول « رتشارد ماثيون بريس » : إن أفارقه زنجبار ينقسمون إلى تجمعين أساسيين : الشرازيون « أو الوشير ازيون » و أفارقة القارة الذين إما جلبوا كرقيق ، أو هاجروا إلى الجزر خلال المائتي عام الماضية ، ومن الممكن وصف الشيرازيين بأنهم أهل البلاد ، وهم يشكلون العنصر الأساسي من السكان , وكلمة « أهل البلاد » تشير إلى هذا الجزء من السكان الذين *^#
?كان أسلافهم في الجزر قبل مجيء العرب , وخاصة أولئك القادمون من عمان . وينقسم الشيرازيون إلى ثلاث قبائل : الدجاديمو ، والداتو مباتو ، والوايمبا . ورغم أن هذه القبائل لست وحدات سياسية فعاله ، مثل الكثيرين على أرض اليابسة غير أنها وحدات ذات حدود مشتركة إلى حد أقل .

وهناك خلافات معينة في التنظيم الاجتماعي ، ويقع موطن الوجاديمو في شرق و جنوب جزيرة زنجبار ، و الواتو مباتو في جزيرة تومباتو ، والوايمبا في جزيرة بمبا ، وبمرور الوقت انتقل كثيرون من مواطنهم ، ويبلغ عدد الوجاديمو اليوم 14800 شخص تقربا ، والواتومباتو 46100 والوايمبا 59800 و جملتهم جميعا 148500 شخص ، أما الذين يقيمون على اليابسة فعددهم 51 ألف شخص فقط .

وكان الاهتمام المسيطر لدى السيد سعيد هو التجارة دائما ، وكانت كل الواردات إلى ممتلكاته الأفريقية يحمل منها على خمسة في المائة بصورة منتظمة.

وقد كان يقول مبتسما لست إلا تاجرا . . وهكذا فإن المزايا التجارية والإستراتيجية الواضحة لزنجبار ، مع جزيرتها الصغيرة ، والميناء الواسعة المحاطة بصخور مرجانية ، ( زنجبار هي أكبر جزيرة مرجانية على الساحل الأفريقي ) قد ساعدته على أن يخرج بجرأة على تقاليد أرض مولده ، مما فتح الباب لانقسامات داخلية في عمان ( فقد عين ابنه الأكبر هلال واليا على مسقط ) ونقل عرشه وعلمه الأحمر القاني عبر 2500 ميل من البحر الفسيح .

وأصبح السيد سعيد الذي تضاعف دخله عشر مرات من أصحاب
?الأراضي الرئيسية في زنجبار ، فقد أصبح يمتلك خمسة وأربعين مزرعة ، وفى داخل بستان من أشجار جوز الهند وأشجار المانجو يقع على مسافة أربعة أميال من البلدة أقام قصرا بجوار البحر ، وهو بيت متوني ، ولا تزال أطلاله قائمه .

وبنى بعد ذلك قصرا داخل البلدة هو بيت الساحل ( وقد دمر خلال منتصف عام 1895م ) . وكان السيد سعيد يفرض قواعد سلوك دقيقة على الخدم والعمال والتابعين في كل قصر على حدة ، وعددهم حوالي ألف من العرب ، والأتراك ، والفرس والنوبيين ، والأحباش ، والسواحليين ، وأبناء وسط أفريقيا ، ولكنه كان يشملهم بحماية أبوية بصورة مماثله .

وجاء في كتاب " التاريخ القديم - لكلو قزران " كما ترجم من اللغة السواحيلية الأصلية بقلم ر.و . سعيد .

إنه نظرا للاضطرابات التي كانت تقع على السواحل الأفريقية و تعوق سير القوافل التجارية فقد رأى السيد سعيد أن يقوم بإرسال هدايا نفيسة من الأقمشة إلى حكام تلك المناطق ، مما يسهل عمليات نقل السلع عبر أراضي ( الراشنزي ) إلى المناطق الداخلية التي كانت تربطها علاقات تجارية بالسواحل مما يتيح نقل السلع إلى عدد من الدول بما فيها زنجبار والحصول على رسوم جمركية عليها .

ومثل كثير من الملوك قديما و حديثا استخدم السيد سعيد أسلوب الحرب لتحقيق أهدافه وكان في عام 1823 م قد طلب الزواج من أميرة إيرانية إلا أن طلبه رفض ، وعندئذ اتجه إلى الملكة أنا فالونا الجميلة ، وكانت هذه أرملة الملك راداما الثاني ملك مدغشقر وخليفته على العرش ، وكانت حاكمة مطلقة . ولم تكن أهداف السيد سعيد بطبيعة الحال زوجية محضة ،
?إذ كانت له خطط طموحة في شرقي أفريقية بوجه عام ، فقد كان أسطوله أعاد إخضاع مدغشقر بالفعل ، واتجهت أنظاره نحو قلعة ممباسا ، وكان جيشه يتكون أساسا من بعض العناصر المحترفة ، بينما لم تكن قوات الملكة كذلك ، وبعد زيارة قام بها وفد من أشراف العرب المحملين بالهدايا على ظهر الفرقاطة « بيد مونتيز » لتقديم عروض الزواج من تلك السيدة في دبلوماسية مناسبة رفضت أنا فالونا العرض بحجة أن الزواج مرة أخرى يتنافى مع العرف القومي ولكنها عرضت في أدب و في عبارات رقيقة جدا باللغة الإنجليزية بأنها على استعداد لأن ترسل إليه بدلا منها أميرة شابة إذا شاء ، وطلبت منه عقدا مرجانيا قيمته ألف دولار .

?ويذكر الكابتن هارث « أن السلطان السيد سعيد قد اضطر للالتجاء إلى إحدى السفن الإنجليزية التي كانت تقف بالقرب من الشاطئ ، ولعل من حسن حظ ربان تلك السفينة أنه كان يجيد القراءة . . » ويمكننا أن نتصور التوتر الذي ساد الموقف بصورة أفضل مما كتبه الكابتن هارث إذ قال : إنه من حسن حظ ربان السفينة البريطاني أنه لم تكن هناك أسرار تتعلق بالموضوع ، وإلا لندم على إجادته القراءة والكتابة ، إذ ربما عرضه ذلك للموت في حالة إفشائه سرا .

في نفس العام الذي جرت فيه محاولة لعقد حلف مع حكومة مدغشقر أبرمت معاهدة صداقة وتجارة شاملة بين عمان والولايات المتحدة الأمريكية و ذلك خلال رئاسة أندرو جاكسون ، وكانت تلك المعاهدة أول اتفاق يوقعه حاكم من حكام الخليج مع قوة دولية كبرى صاعدة ، وقد صيغت المعاهدة باللغتين الإنجليزية والعربية وأصبحت فيما بعد نموذجا توضع على أساسه المعاهدات التجارية بين الدول العربية وبريطانيا (1839 ) ، ومع فرنسا ( 1844 ) .
وتعد تلك المعاهدة بين الولايات المتحدة وعمان مثلا لمغامرة أمريكية خارج حدودها . . فقد كان أحد التجار الأمريكيين ، وهو داهية جرئ يدعي « أدموند روبرتي » من نيو هامشر ، قد اقترض نقودا لتمكنه من استئجار السفينة الشراعية « آن ماري » ثم خسر نقوده بعد ذلك في زنجبار ، وألقى باللوم على الشكليات المحلية « والضرائب الباهظة التي تفرضها الحكومة والمعاملة غير العادية بالمقارنة لما يلقاه البريطانيون » .

وثمة رواية تختلف اختلافا طفيفا يوردها السير جون جراى عن رسائل أدموند روبوتس إلى السيد سعيد فيقول : « ولما كان قد خسر قدرا كبيرا من ممتلكاته بسبب سلسلة من المشكلات فقد دفعه ذلك إلى الاعتقاد بأنه قد يستطيع تعويض جانب من خسارته إذا قام برحلة إلى زنجبار والمواني الأخرى التي يمتلكها السيد سعيد . . واقترض روبرتس بعد ذلك نقودا ، واستأجر السفينة « آن ماري » وأبحر بها إلى زنجبار ، حيث اتجه رأسا إلى قصر السلطان ، وقدم احتجاجا على المظالم التي تعرض لها ، وقد استقبله السلطان برقة بالغة ، ومنحه تعويضا وفيرا ، وعامله كتاجر زميل ، و أصبحا صديقين .

وبعد أن عاد روبرتس إلى الولايات المتحدة عاد إلى زيارة مسقط بعد ست سنوات على ظهر السفينة الحربية الأمريكية « بيكوك » في مهمة رسمية . مزودا برسالة من الرئيس الأمريكي للسلطان مخاطبا الند للند .

وقام السلطان السيد سعيد بزيارة السفينة بيكوك ذات الاثنين والعشرين مدفعا - يحيط به موكب رسمي من الأبهة والجلال ، ووافق على أن يمنح السفينة الأمريكية و ملاحيها امتياز « الدولة الأولى بالرعاية » . وكان لهذا الإهتمام و الإطراء والاعتراف بالمساواة الدبلوماسية التامة من أكبر دولة في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( م 9 – تاريخ عمان )
?العالم الجديد يبشر بتوسيع تجارته عبر البحار .

وفي 7 أكتوبر عام 1833م كتب السلطان ردا على رسالة جاكسون يقول فيها :

?« إلى اندرو جاكسون صاحب الفخامة و القوة ، الذي يسطع اسمه بكل هذا القدر من البهاء في أنحاء العالم ، أدعو الله بكل إخلاص أنه لدى تلقي رسالتي سيكون صاحب الفخامة رئيس الولايات المتحدة في أحسن صحة ، أن تزداد سعادته على الدوام . . لقد تشرفت باستلام رسالة فخامتكم في يوم أغر وساعة سعيدة ، وكل كلمة فيها تشرق وتبرز كالشمس عند منتصف النهار ، وكل حرف يسطع متألقا كالنجوم في السماء .

ولما كانت الشائعات قد ترددت بأن السيد سعيد قد عرض على الأمريكيين حقوقا خاصة لإقامة منشآت تجارية في أنحاء ممتلكاته الإفريقية بما فيها زنجبار وفي مقابل ذلك تقدم أمريكا مساعدة مسلحة للاستيلاء على ممباسا ، فإن الكابتن ها . هارت من البحرية الملكية البريطانية قام بزيارة السيد سعيد بأوامر عاجلة من وزارة البحرية البريطانية في سفينة صاحب الجلالة « إيموجين » في زنجبار يوم 30 يناير 1834 , وقد أكد له , أنه لا تفكير في إقامة أي مستعمرة أمريكية على طول ساحل أفريقية الشرقي .

وصدق مجلس الشيوخ الأمريكي على المعاهدة في يونيو عام 1834 ، وكلف روبرتس بتبادل وثائق التصديق . و كان في طريقه من زنجبار إلى مسقط ، في الحادي والعشرين من سبتمبر في السفينة بيكوك التي تبلغ حمولتها 539 طنا ، وكان الطقس بديعا وكل الأشرعة مفرودة ، عندما وقع الحدث التالي ، الذي وصف في النسخة التي لدى المؤلف من رسالة روبرتس
?الخاصة لأسرته والمرسلة في بومباي في 1835 :

« على حين غرة ، قرعت آذاننا أكثر الأصوات إثارة للرعب ، وتشبه صدمات ضخمة ومستمرة لزلزال مما جعل السفينة تهتز وكأنها مبنى يتفكك أو يتمزق إربا . . فقد كانت السفينة قد جنحت فوق صخور مرجانية واسعة قرب جزيرة مصيرة . . وبعد محاولتين فاشلتين لرفع السفينة إلى المياه العميقة متوقعين أنها سوف تتحطم إلى شظايا لدى أول عاصفة بحرية على ساحل لا يمكن الحصول فيه على أي نجدة ، عدا مسقط التي تبعد 400 ميل ، ويحدق بنا عدد كبير من مراكب القراصنة الشراعية الذين نهبوا طوقنا المصنوع من صواري السفينة الزائدة . . وعرضت خدماتي للانطلاق إلى مسقط في زورق صغير مكشوف للحصول على المساعدة و المعونة من السلطان وقد طوردنا أكثر من خمس ساعات في ذلك اليوم من جانب القراصنة . . ولو كانت سفينة القراصنة قد لحقت بنا ، لقدمنا لهم استقبالا حارا ببنادقنا ، ثم انطلقنا بالزورق على الفور في مواجهة الريح . . وفي النهاية فإننا إذا لم نستطع أن ننجح في الإفلات من القراصنة , فإننا كنا سنطلق عليهم سيلا آخر من النيران من بنادقنا ، وكنا مستعدين أن نصعد فوق سفينة القراصنة ونقاتلهم بسيوفنا ومسدساتنا .. وأنا مقتنع بأن أي رجل منا لن يستسلم طالما استطاع أن يمسك بسلاحه للدفاع عن نفسه ، إذ أن الموت كان ينتظرنا إذا أخذونا أسرى .. وكان الأفضل كثيرا لنا أن نموت والسلاح في أيدينا مقاتلين للمحافظة على أنفسنا ، من أن نضطر للخضوع لموت شائن .. وفى نفس الليلة كاد الزورق يضيع في البحر الهائج .. وبعد أن أبحرنا مائة ساعة ، وصلنا بسعادة سالمين إلى مسقط » .

وعلى الفور بعث السلطان سفينته الحربية الجديدة ذات الصاري الواحد إلى مصيرة ، و في خلال ساعة ونصف ساعة من نزول روبرتس إلى الشاطئ
?كان قد أوفد رسلا مع حرس مسلح إلى والي مصيرة وإلى زعماء القبائل الرئيسية على طول الساحل محملا إياههم المسئولية إذا تعرض أي من ملاحي السفينة لأي خطر ، أو نهبت أية ممتلكات داخل مناطقهم » . . وبالإضافة إلى ذلك فقد أرسلت قوة تضم 300 من بدو السلطان لحراسة طاقم السفينة .

ويقول الكابتن الأمريكي أيضا في رسالة إلى أسرته أن السلطان استقبله : « بطريقة ودية وقلبيه بالغة ، وأبدى عطفا كثيرا على ما واجهنا من محن وآلام ، وعرض علي نوعا من المساعدة والعون مع الإصرار على تقديمها لنا . . وفى حاله ضياع سفينتنا بيكوك في النهاية ، فقد أشار السلطان إلى سفينة حربية ذات صارية واحدة تستطيع أن تنطلق بنا إلى الولايات المتحدة . . » .

وفي صباح اليوم الثامن والعشرين عند بزوغ النهار بعث السلطان بأسعد نبأ وهو أن « السفينة سلطانه » شوهدت مصحوبة بالسفينة « بيكوك » .

وبعد أسبوعين من كرم الضيافة استأذن الكابتن « روبرتس » ورفاقه الأمريكيون السلطان في الرحيل ، وفي تبادل الهدايا عند الوداع قبل السلطان علما أمريكيا وخريطة للولايات المتحدة مع ديوان شعر ، وعدة مصابيح من الزجاج المزخرف المصقول .

وخلال الشهور القلائل التالية وصلت تسع سفن أمريكية في زيارة لميناء مسقط . مما يعكس نجاح هذه المعاهدة ، إذ أنه في السنوات السبع السابقة ، ألقت سفينة أمريكية واحدة مراسيها في ميناء مسقط . . وقد أدخل البند التاسع والأخير من هذه المعاهدة المبدأ التاريخي في الحقوق الخارجية ، ضمن
?نطاق التشريعات الوطنية ، والذي بمقتضاه يمنح السلطان مسئولا أجنبيا ( أمريكيا ) سلطة الاختصاص القضائي على مواطنيه في كل مواني مملكة السلطان « حيث يكون للقناصل صفة القضاة » يبتون في كل المنازعات أو القضايا التي يكون أحد أطرافها من المواطنين الأمريكيين .

وفي ذلك الحين كانت الولايات المتحدة التي تبلغ عمرها 53 عاما دولة جديدة نسبيا . . و كانت السفن الأمريكية قد بدأت خوض غمار البحار السبعة في حين أن إمبراطورية عمان كانت تسيطر على طرق تجارية واسعة في أنحاء الخليج والمحيط الهندي منذ قرون .

وكان كثيرون من البريطانيين يعتبرون هذا الاحتكار الأمريكي الجديد كما سموه ، شيئا أشبه بالقراصنة ، وزيادة الطين بله ، كان السيد سعيد قد علق صورتين في إطارات مذهبة بقاعة الاستقبالات الرئيسية على جانبي عرشه . . و كانت الصورتان تصوران روح السيد سعيد المرحة إلى حد كبير ، إذا كانتا تصوران اشتباكات بحرية بين سفن أمريكية وبريطانية ، وقد بدت السفن البريطانية وقد استولى عليها الأمريكيون المنتصرون ، وقد أنزل العلم البريطاني وارتفع العلم الأمريكي فوق أعلى الصارية . . . وأخيرا أقنع القنصل البريطاني الكولونيل « اتكنس هامرتون » السيد سعيد باستبدال هذه الصور«المؤذية » بصورتين ملونتين لانتصار الإنجليز في كارينو .

ومن الأمور ذات المغزى أن اللوحة الوحيدة الموجود للسلطان السيد سعيد معلقة في متحف بيبرو بمدينة سالم في ولاية ماساشوست ويرجح ذلك إلى أن السفينة الشراعية القديمة « سالم » كانت تحتكر التجارة في المحيط الهندي في القرن التاسع عشر ، وذلك منذ أن قامت سفينة الياس

?هاسكيت ، و « جرانا تيرك » وحمولتها 300 طن بجولة هناك في عام ( 1784 م . وأن المسئول عن هذه الصورة هو على الأرجح الملازم هنري ب. لينش ، الذي رسم صورة السيد سعيد بن سلطان في مسقط عندما كان مترجما للعربية والفارسية لقائد سرب الخليج في فترة ما بين منتصف 1830 و بداية 1832 .

ويصف المعاصرون للسيد سعيد أن بشرته كانت كأغلب بشرات العرب ذات لون أصفر فاتح ، أما البشرة السوداء التي تبدو في الصورة فإنها راجعة بالتأكيد إلى قدم القماش الذي رسمت عليه . ويعتقد أبناء زنجبار ، أن كل الأوربيين جاءوا من « سالم » ، وكانوا يعتبرون انجلترا ضواحي سالم ، مما كان يثير استياء بالغا لدى ممثلي بريطانيا في المنطقة ، و كان السيد سعيد يأخذ دائما على عاتقه كل نفقات صيانة و إعادة بحارة السفن الأمريكية المحطمة إلى وطنهم . . أما فيما يتعلق ببراعته الملاحية فقد ذكر الكابتن ها . ت. هارت أن السيد سعيد عندما يكون على ظهر السفينة فإنه يدير كل شيء بنفسه ، فهو الذي يبحر بها ويغير مكان رسوها أو يرفع مرساتها بإصدار كل أمر .

وكانت بحرية السلطان سعيد تتكون من خمس وسبعين سفينة . في كل منها مدافع يصل عددها إلى 56 مدفعا . وقد سجل مراقب بحري بريطاني في ذلك الحين « أنه لو كان خطر للسيد سعيد أن يسعى من أجل التفوق البحري في المحيط الهندي ، لوجد البريطانيون أمامهم خصما عنيدا جدا للتعامل معه » .

وعندما جاء أدموند روبرتس إلى واشنطن كتب ما يلي عن حاكم عمان :

" إنه يمتلك قوة بحرية أكثر كفاءة من كل القوى البحرية للأمراء الوطنيين
?مجتمعين ، من رأس الرجاء الصالح حتى اليابان . . و موارده أكثر مما يكفي احتياجاته . . وهي مستمدة من التجارة ، حيث يملك هو نفسه عددا كبيرا من السفن التجارية ، ومن الرسوم الجمركية على البضائع الأجنبية ، ومن أموال الجزية والهدايا التي يتلقاها من أمراء مختلفين ، مما كان يدر عليه مبلغا ضخما كل عام .

وفي أواخر عام 1839 بعث السيد سعيد سفينته الحربية « سلطانة » ذات العشرين مدفعا محملة بالسلع ، وتشمل البلح والسجاجيد الفارسية ، والصمغ والعاج ، والقرنفل ، وتحمل هدايا للرئيس فان بيورن في زيارة لنيويورك . . ووصلت " سلطانة " التي سميت باسم الزوجة الأولى للحاكم إلى الميناء الأمريكي في ربيع العام التالي .

وقد أثارت زيارة تلك السفينة وبحارتها بشكلهم الغريب اهتماما بالغا وتكهنات لدى الجمهور ، وبينما كانت " سلطانة " تفرغ حمولتها بمدينة نيويورك ، وأجريت لها إصلاحات في حوض البحرية على نفقه الحكومة ، وأعيد شحنها بمصنوعات أمريكية ، كان البحارة كثيرا ما يضايقهم الغوغاء من الأمريكيين ذوي السلوك السيئ ، حيث كانوا يحتشدون حولهم لمشاهد، العرب بزيهم ومظهرهم ، إلى أن رحلت السفينة إلى بلادها .

وكما جاء في أقوال الملازم ج. ر. ويلستد وهو من المستكشفين الرواد لعمان .

?تتسم حكومة السلطان باختفاء كل الضرائب التعسفية ، وكل العقوبات التحكمية ، وتمنح اهتماما ملحوظا للتجار من أي أمة ، ممن جاءوا للإقامة في مسقط ، كما تتسم تصرفاتهم بالتسامح العام الذي يتسع لكل العقائد .
?كما يوصف السيد سعيد بأنه كان بسيطا في ثيابه إلى حد أنه كان من الصعب تمييزه عن رعاياه في زنجبار أو مسقط . . وكانت زوجته المقربة إليه من ناحية أخرى تتزين في أبهى التقاليد الشرقية الفنية ، وكان دقيقا في أموره الدينية و الاجتماعية ، فقد كان يزور كل يوم أمه ، إحسانا لها ، كما أمر الله تعالى في كتابه العزيز و كما روى عن أبي هريرة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ، حديثا مفاده أن الرسول أجاب الرجل الذي سأله من أحق بإحسانه ؟ فقال له : أمك . . ولما سأله ، ثم من ؟ قال : أمك . . ثلاث مرات .

?وفي عام 1837م حاول السيد سعيد إنهاء حروبه غير الناجحة ضد ممباسا ( وكانت تلك هي محاولته الثالثة ) فقام باعتقال الحاكم راشد بن سالم مع ثلاثين عضوا من أعضاء أسرة المزاريع ( كانت تلك الأسرة القديمة تحكم الساحل حتى بانجبانى ) . وبهذا قضى على آخر حاكم من أسرة المزاريع و أكثر القوى التي تثير التحرر في أراضي شرقي أفريقيا .

وفي نفس العام افتتحت قنصلية أمريكية في زنجبار ، وبعد عامين أبرمت معاهدة « توسع » ثانية بين بريطانيا والسلطان السيد سعيد ، وقد نصت مرة أخرى على تحريم تجارة الرقيق للمسيحيين من كل نوع ، سواء بواسطة السلطان أو رعاياه ، وتنص المادة الثالثة من المعاهدة لعام 1839 على أن كل من يبيع الصوماليين كرقيق سوف يعاقب عليه . باعتبار هذا العمل من أعمال القرصنة . على أساس أن الصوماليين أحرار بطبيعتهم ، وأنهم ينتمون إلى عنصر لا يجوز استرقاقه و بالإضافة إلى ذلك فقد منحت سلطة التفتيش والاعتقال و المصادرة للسفن البريطانية لأي سفن تمارس تجارة الرقيق .
وبمقتضى معاهدة عام 1822 تعهد السلطان بتحريم تجارة الرقيق خارج ممتلكاته الإفريقية والآسيوية ، وهذه المعاهدة تنص على تحريم تجارة الرقيق للدول المسيحية ، وتعيين وكيل للحكومة البريطانية في ممتلكات السلطان لمراقبة هذه التجارة ، واعتقال أي سفن تمارس هذه التجارة ، وبعد مرور أربعة أشهر ضبطت إحدى السفن تحمل بعض العبيد لدول مسيحية .

ويصور هذا بعد نظر السيد سعيد ، والروح النبيلة للتضحية بالذات ، أو كما قال سير ريتشارد بيرتون فيما بعد : « لقد كلفته صداقته لنا ثمنا باهظا » إذ أن هذا التنازل عن ممارسة تجارة الرقيق لم يقضى فقط على ربع دخله السنوي وقدر80 ألف جنيه ، كان يحصل عليه من تجارة الرقيق المربحة ، بل فقد أيضا رعاياه ربحا كبيرا كانوا يحصلون عليه من ممارستهم لتلك التجارة لم يحصل السيد سعيد على أي تعويض من الحكومة البريطانية مقابل تخليه عن تجارة الرقيق ، علما بأن بريطانيا سبق أن قامت لأسبانيا تعويضا قدره 4000 ألف جنيه عام 1817 عن قيام بعض البريطانيين بأعمال إجرامية في أسبانيا .
الفصل الخامس

تجارة الرقيق في أفريقيا


??إن أهمية تجارة الرقيق في اقتصاد المنطقة , وعظمة التضحية التي قام بها السيد سعيد في التخلي عن هذه التجارة ، سوف نشير إليها من المراجع الواردة في هذا الفصل الأخير ، بيد أن أهميتها اقتصاديا ونفسيا من الضخامة بحيث إنه يجب إعطاء الموضوع بعض الاهتمام ، وهو يرد هنا بالترتيب الزمني للأحداث ، فرغم أن هذه التجارة كانت قديمة إلا أنها على الأرجح قد بلغت ذروتها قبل تحريمها قانونيا ، وتلاشيها نهائيا من المنطقة .

وأقدم مرجع يستطيع المؤلف أن يجده عن تجارة الرقيق هو ما ذكره جيمس بريور , الذي كان يعمل في سنة 1811 جراحا في « الفرقاطة » نيسوس التي كانت تقوم بعملية مسح هيدروجرافية لغرب المحيط الهندي ، وقد كتب ما يلي :

كانت فرقاطة ( فرنسية ) قد أرسلت كذلك من مورشيوس لإبرام معاهدة تجارية دائمة مع سلطان كلوا ، لتحريم الرقيق .

غير أن سلطان كلوا ، رغم توفر الرقيق إلى هذا الحد لم يستمر طويلا في ممارسة تلك التجارة ، وقد تعرض لهجوم من السيد سعيد بعد إبرامه تلك المعاهدة .

ولقد بقيت المساحة الكبيرة من أراضي أفريقيا الداخلية منذ الأزمان الغابرة في حالة نهب ومذابح وتخريب ، وحروب بين قبائلها بسبب نشاطات الرقيق حيث كانت الجيوش القبلية تشتبك ليلا والقبيلة تقاتل القبيلة في وحشية من أجل الحصول على أسرى ، ولقد أصبح الإنسان الحي هو العملة
?التجارية لإفريقيا في أحلك أيامها السوداء .

كان حكم السيد سعيد بطبيعة الحال يتصف باللين واللباقة وحب الخير ، وكان شعبه يعتبره والدا أكثر منه حاكما ، كما تشهد بذلك دائما زياراته لعبيده وتهنئتهم عندما يتزوجون ، وعندما يتعلق الأمر بمسألة العدالة ، فقد كان يعتبر العبيد على نفس المستوى مع أبنائه ، إذ كان السيد سعيد صديق كل إنسان ، و يرغب في فعل الخير للجميع وان نجاح سعيد كان يكمن في حب شعبه له وحبه لشعبه . كما كان يوطد علاقاته بالعالم الخارجي ، فقام بتقديم أكبر سفينة لديه « ليفربول » ذات السطحين والأربعة وسبعين مدفعا ، و التي بنيت في بومباي عام 1826 ، إلى ملك انجلترا هديه له ، وقال في رسالته : « يسعدني جدا لو تقبلها ملك انجلترا » . . وقد أضيفت إلى القوة البحرية الملكة ، و في مقابل ذلك بعث الملك إلى السيد سعيد بيخت من أجمل يخوت الملك جورج الرابع . كذلك قام بإهداء الملكة فيكتوريا جزر « كوريا موريا » وجاء في بيان نقل ملكيتها :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، من سعيد بن سلطان ، لكل من يهمه الأمر من مسلمين و غيرهم . . أعطي بمقتضى هذا إلى صاحبة الجلالة الإمبراطورة ملكة إنجلترا جلالة الملكة فيكتوريا ، الجزر المذكورة ، وباسم أولادي من بعدي ، و بإرادتي الحرة . . » .

كان السلطان السيد سعيد حقا مثلا فاضلا ورفيعا لعروبة العربي ، رجلا معتمدا على نفسه ، متمسكا بحقوقه .

وآخر وصف لدينا عن السيد سعيد هو ما كتبه وليم ، شبرو الذي زار مسقط في عام 1856 قبل آخر رحلاته :

« . . يقابلك سيد لطيف المظهر ، ذو شعر فضي أشيب ، يعطيك صورة
?مشابهة لجون بول . . وهو مثل يحتذي به ثلاثة رجال ذوو وسامة في منتصف العمر ، هم أولاده وشابان هم حفيداه . . " .

ويمضي شبرو في وصفه فيقول :

" كان له حاجبان عريضان ، وعينان رماديتان كبيرتان ، ولحية فضية تنتهي بنقطة مدببة تحت ذقنه . . " .

وكان حازما ، رقيق الشعور ، أمين القصد ، ويمتزج بترحيب حقيقي وعناق حار لضيوفه ، يشعرك بأنك فزت بمنزلة التقدير لديه على الفور .

وعند وفاته في التاسعة عشر من أكتوبر سنة 1856 ، أصبحت عبقرية السيد سعيد في الحكم وشجاعته وسحره الشخصي مثلا عربيا يجري في أنحاء العالم الإسلامي ، ويقول :

« لو عزفت على الناي في زنجبار . . فسوف ترقص أفريقيا حتى البحيرات .

?ووصف « بيرتون » وفاة السيد سعيد بأننا كانت لطمه عنيفة لقضية الاستكشاف التي كان السيد سعيد يؤازرها ويشجعها ، حيث كان اسمه وحده يستطيع أن يجلب المستكشف ، وكان « كراف » قد شاهد جبل كينيا كما شاهد كل من « كراف » و « ريبمان » جبل كليمنجارو ، كراف ، وبعد عامين من وفاة السيد سعيد ، رأى سبيك وبيرتون بحيرة تنجانيقا لأول مرة ولم يكتشف ليفنجستون بحيرة نياسا إلا في عام 1859 . . وبعد وفاة السيد سعيد بعدة سنوات انتهت الفتوة العظيمة لاكتشاف أفريقيا . ويتحدث كوبلاند عن منجزات السيد سعيد فيقول :

« . . لقد جعل عمان في مصاف الدول العظمى سواء في قوتها أو ثرائها ومنحها مكانا جديدا في العلاقات الدولية ، واسترد ووسع ووحد
?السيطرة العربية في شرقي أفريقيا ، وأعادها إلى الاتصال الوثيق بالعالم الخارجي ، بعد أن كانت مجهولة . .

و كما ذكر « ويلستد » في المجابه :

«. . كان عمرا ثانيا . . وهارون الرشيد . . ومحمد علي باشا . . » .

وعندما أعلن وفاة السيد سعيد في مسقط ، أثار موته العويل والبكاء في أنحاء المدينة ، مما جعل التلال تهتز من فرطه ، وأعلن أهل عمان الحداد التام و دعوا الله أن يلهمهم الصبر والسلوان في فقده . . وكما قال الله تعالى في كتابه العزيز : ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) .

وقد أوصى السيد سعيد ، لكل واحد من أبنائه الأربعة و العشرين . بستين ألف كراون . ولكل من بناته الإثنتى عشر بتسعة وعشرين ألف كروان ، وبينما كان السيد سعيد راقدا يحتضر سمع و هو ينادي صديقه لسنوات عديدة ( اتكنس هامرتون ) القنصل البريطاني ويتحدث عن كنزه .

ومن ذلك الحين يعتقد أغلب الثقات أن سر مكان الكنز الأساسي للسيد سعيد ( ويشاع أنه مدفون في فناء قصره « بيت المتوني » على البحر قد مات مع هامرتون في بحر سيشل بينما كان في طريقه إلى زنجبار على ظهر الفرقاطة البخارية المساعدة فيكتوريا ذات الاثنين والثلاثين مدفعا ، والواحد الذي لا يرى ذلك هو السلطان سعيد بن تيمور الذي يعتقد أن السلطان ماجد ابن جده السيد سعيد والذي أصبح سلطانا على زنجبار ، وجد أن من مصلحته ألا يقول أي شيء لأحد ، وان كان قد اكتشف على الأرجح مكان كنز أبيه السيد سعيد واستغله شخصيا .
الفصل السادس

الأحداث بعد وفاة السيد سعيد بن سلطان


?لم تتضمن وصية السيد سعيد أي إشارة تتعلق بمن يخلفه مستقبلا . وكان من نتيجة هذا قيام الشقاق الحاد بين اثنين من أنجاله ، ذلك الشقاق الذي كان سيؤدي إلى نشوب حرب أهلية ، أمكن تفاديها عن طريق وساطة قام بها اللورد « كاننج » نائب الملك في الهند ، وكان وريثا السيد سعيد نجلين له هما السيد ثويني ، والسيد ماجد ، أخوان شقيقان ، وكان السيد ثويني هو الابن الثاني ولكنه أكبر الأبناء الباقين على قيد الحياة .

وقد قسم اللورد « كاننج » الإمبراطورية الخاصة بالسيد سعيد إلى جزأين أساسيين عمان وزنجبار ، وكانت عمان من نصيب السيد ثويني ، وزنجبار مع ممتلكات شرقي أفريقيا من نصيب السيد ماجد ، الذي كان على أي حال حاكما لزنجبار بالفعل ، وعن طريق ذلك التحكيم أمكن تفادي الحرب الأهلية التي هددت البلاد عندما حاول السيد برغش ، بمساندة الفرنسيين القيام بمحاولة للاستيلاء على الحكم ، وقد كتب « كاننج » في قرار التحكم يقول :

« إنني مقتنع بأن هذه الشروط عادلة ومشرفة لكما معا ، ولما كنتما قد قبلتما تحكيمي بعد ترو ودراسة ، فإنني أتوقع أن تلتزما به وأن تنفذا دون إبطاء » .

?وبهذا أمكن تفادي النزاع الذي كان يؤدي إلى حرب نتيجة وجود مطالبين بممتلكات السيد سعيد ، ولكن الحكم كان غير متكافئ ، حيث أن زنجبار
?
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(م 10 – تاريخ عمان)
وشرقي أفريقيا كانت منطقة غنية ومزدهرة اقتصاديا ، بينما لم تكن عمان كذلك ، ومن ثم فقد واجهت عمان مصاعب اقتصادية خطيرة .

وإنه لتجدر الإشارة هنا بما ذكرناه آنفا ، من أن السيد ثويني هو الابن الثاني للسيد سعيد ، وأن الابن الأكبر هو هلال الذي توفى وهو لا يزال شابا ، وعندما بلغ السيد سعيد نبأ وفاة ابنه هلال قال !

« ما أعظم يأسي وحزني عليك يا هلال . . » .

وفي نهاية عام 1858 أرسل السيد ثويني أسطوله الذي كان يعده منذ وقت طويل للاستيلاء على زنجبار ، وكان هذا الأسطول يتألف من سبع سفن حربية تحمل 2500 مقاتل ، وإعادة شرقي أفريقيا إلى سيطرته توحيدا لمملكته .

?وقد تمكنت السفينة البريطانية « ببونجوبا » وهي فرقاطة بخارية أرسلها اللورد الفنستون حاكم بومباي ، من أن تسبق الحملة العسكرية العمانية ، وتوقفها عند رأس الحد .

وقد كتب السيد ثويني للمقيم البريطاني في الخليج رسالة يقول فيها :
« من أجل إظهار صداقتي المخلصة واحترامي للحكومة البريطانية فقد عدت إلى مسقط أنا وقواتي » . . وكان من حسن حظ السيد ثويني أنه احتفظ بالأسلحة ، لأن شقيقه السيد تركي ( الذي عينه السيد سعيد واليا على صحار ) كان على وشك شن هجوم على مسقط ، ومن المحتمل أن هذه الأعمال المضادة ضد السيد ثويني كانت بتحريض وتشجيع من السيد ماجد في زنجبار .

وفي عام 1859 كتب الكولونيل س.ب. ريجي ، الوكيل السياسي والقنصل البريطاني في زنجبار يقول : « إن السيد ثويني يحاول بتشجيع
?من الفرنسيين تعزيز الأفكار العدوانية بشأن ممتلكات زنجبار » .

وبعد عامين ، وقعت بريطانيا وفرنسا ( بدون إخطار حكومة الهند ) إعلانا مشتركا ، لإتفاق متبادل ، يلزمهما باحترام استقلال سلطنتي عمان و زنجبار .

?وسواء كان « كاننج » وهو يصدر قرار التحكيم ينوي تدمر إمبراطوريه السيد سعيد كقوة يعتد بها ، أو لم تكن لديه مثل هذه النية ، فقد كانت تلك هي النتيجة ، فإن تاريخ عمان خلال السنوات العديدة التالية يروى قصة تلك الصراعات على الحكم والاستئثار بالسلطة .

ففي عام 1870 بينما كان السلطان ماجد يرقد في فراش المرض ، سأله الدكتور جون كيرك ، عن من سيخلفه على عرش زنجبار ، فكان رده هو أن وضع يده علي مقبض خنجره كأنما يقو ل « للأقوى » أو « أن أطول سيف هو الذي يحسم الأمر » ، ثم مات بعد ذلك ، ويذكرنا هذا بفاتح علي شاه فارس الذي سئل قبيل وفاته عن من سيخلفه على الحكم ، فاستل سيفه وقال : « بأن الذي يحسم الحد هو السيف الأكثر مضاء » . و عقب وفاة السيد ماجد ( دون أن ينجب وريثا ذكرا ) ذهب أخوه السيد برغش ليرى الجثمان بنفسه ، وبينما كان ينحني ليراه من كثب ، سقط خنجره من غمده ، ومد أخوه الأكبر السيد خليفة يده و التقط الخنجر وأعاده إلى السيد برغش ، مما أثار خيبة أمل الحاضرين الذين كانوا يريدون التخلص من السيد برغش ، وكانوا يفضلون السيد خليفة الذي كان محبوبا لديهم " وصاحوا " ما الفائدة من رجل يهمل فرصة كهذه ؟ . . .

وفي عام 1863م يقول الرحالة البريطاني وليم جيفورد بلجريف ، ( ويعتقد أنه كان مندوبا لنابليون الثالث ) و قد قلل الرحالة الذين جاءوا
?بعد ذلك من شأن رحلته في شبه الجزيرة العربية إلى حد كبير ، يقول : أن سفينته تحطمت قرب السيب على ساحل الباطنة في عمان ، وقد ترك لنا صورة خطيه عن السلطان السيد ثوينى ، غير أننا قبل أن نصل إلى ذلك ينبغي أن نذكر شيئا عن بلجريف كمرجع موثوق به .

في رأي ها. سانت جون ب. فيلبي - كما أعرب عنه هذا الكتاب - أن بلجريف عاش في دمشق ، وجمع قصصه دون أن تطأ قدمه أي جزء في شبه الجزيرة العربية . . وهناك رأي ثان قاطع فيما يتعلق ببلجريف ، وأنا أنقله عن الميجور ر.م. تشيزمان الذي يضع نفسه في موضع الحكم على مزايا بلجريف أو فيلبي فيقول :

« إذا افترضنا أن بلجريف لم يذهب قط إلى الأحساء ، فإنني لا أستطع أن أتفق معه ، فالصورة التي رسمها بلجريف للهفوف وحدائقها وشعبها ، تبدو في ذهني مطابقة لما شاهدته ، ولا يمكن أن يذكرها إلا شاهد عيان . وفي الختام أستطيع القول بأن خريطة بلجريف عن الهفوف مليئة بأشياء غير دقيقة بحيث أنني لم أستطع تكييفها . . » .

وفي رأي المؤلف أن بلجريف كان كاتبا خياليا إلى حد كبير ، يفيض حيوية ، وملاحظا غير دقيق إلى أبعد حد ، بيد أنه زار بالتأكيد كثيرا من المناطق التي كتب عنها ، وكان المشاهير من مختلف معاصريه , يكنون له تقديرا كبيرا .

أما مرجعنا الثالث الكولونيل ها . ر. ب. ديكسون المتخصص في شئون الشرق الأدنى , ولديه معلومات هامة عن كل ما يمس الحياة العربية فهو يذكر وصف الحياة في الرياض أمام حكم فيصل ، ويقول :

« . . لا يستطيع المرء إلا أن يستمتع بقراءة كتاب بلجريف ( حكاية
?رحلة عام في وسط وشرق الجزيرة العربية ) الذي يروي بأسلوب نابض بالحياة والصدق رحلته متنكرا في زي أعرابي سوري جاء من دمشق عاصمة سوريا .

?ويمكن للمرء بالتأكيد أن يتقبل الصورة التي يرسمها بلجريف بكتاباته باعتبارها موثوقا بها ، وأنها من عمل رجل كان قد التقي فعلا بالسيد ثويني . . يقول بلجريف :

« . . وقفت أمامه عندما دخل علينا وهو يرتدي ملابس بيضاء جميلة طرزت بزخارف خفيفة من الزهور ، ويضع على رأسه عمامة كبيرة من الكشمير الأبيض تعلوها ماسة ، مع خنجر ذهبي نفيس في حزامه المحلى بالجواهر ، وجهه وسيم ، تعبيراته بارعة ، إن الدهاء وطلاقة الحياء تشكلان كل وجهه وشخصيته . وكان يجلس إلى جواره غلام داكن الملامح ولكنه يرتدي ثوبا رائعا ، وقد رصعت طاقته بأحجار كريمة ، وهذا الصغير هو الابن الأكبر للسيد ثويني .

وبعد ثلاثة أعوام ، عندما كان السيد ثويني في صحار مع أخيه السيد تركي الذي تصالح معه وابنه سالم ، توجه أحد أنجال السيد ثويني ، ويدعى عبد العزيز ، إلى عمه السيد تركي ، وأخبره بأن السلطان أصدر أمرا بحبس السيد تركي فورا . . وعلى هذا الأساس أمر السيد عبد العزيز بحبس عمه ووضع ساقيه في الحديد ، بينما تسلل السيد سالم بن السيد ثويني الأكبر ، والذي كان سبب حبس عمه في هدوء إلى مخدع والده ، وأطلق عليه رصاصتين من مسدس ، فأصابه بجروح قاتلة .

وكان السيد سالم غير محبوب من القبائل بسبب الحالة الاقتصادية للبلاد ، حتى إن القبائل في الداخل ( باستثناء قبائل الغافرية في جعلان )
?تمردت بزعامة سعيد بن خلفان الخليلي وبمساعدة الشيخ صالح بن علي الحارثي ، الواسع النفوذ في الشرقية ، وانتخبوا ابن عمه السيد عزان بن قيس من الرستاق الذي كان متزوجا من أخت السيد سالم .

وعلى الرغم من الصفات التي كان يتحلى بها السيد عزان من الشجاعة وقوة الشخصية ، فإن المؤرخ السالمي يقول : بأن السيد عزان لم ينتخب فقط إماما لهذه الأسباب ، ولكن لصراحته وإخلاصه وشخصيته . . وكان من نتيجة ذلك أن تمكن شاه فارس من إنهاء اتفاق استئجار عمان لميناء بندر عباس و الأراضي التابعة لها ، ومن بينها جزيرتي قشم وهرمز ، وكانت خاضعة لعمان منذ عام 1794 .

وقد استولى السيد عزان على بركا ، واحتل مسقط بعد هجوم شنه عليها وتمكن من الاستيلاء على العاصمة ، مما اضطر السيد سالم إلى مغادرة البلاد على ظهر السفينة « برنس أوف ويلز » إلى بندر عباس .

وأخذ حكم السيد عزان يواجه ضغطا شديدا يهد.د استمراره . . ولا يمكن مقارنة الوضع في عمان بالوضع في اليمن أو السعودية ، فالحاكم في عمان لا يمكنه أن يكون ملكا ورئيسا منتخبا في نفس الوقت ، وقد سألت يوما السلطان تيمور عما إذا كان قد فكر يوما في أن يكون إماما . . فكانت إجابته ذات مغزى هام رغم إيجازها . . وهى « لماذا » ؟ .

ولشرح المرحلة التالية للأحداث ، يتوجب علينا أن نعود إلى موضوع مصرع السلطان السيد ثويني . . فبعد أيام من سجن السيد تركي شقيق الحاكم السيد ثويني في صحار ، هرب السيد تركي بمساعدة حرس السجن ، ولولا التهديد البريطاني بعدم الاعتراف به لتمكن من الإحاطة بالسلطان السيد سالم ، إذ أن السيد تركي قد استولى على مطرح ، وهاجم أسوار
?مسقط ، و لكنه لم ينجح . . وكانت حكومة الهند قد اعترفت بالسيد سالم حاكما على عمان خلفا لأبيه السيد ثويني .

وقد تم الاتفاق في النهاية على أن يحصل السيد تركي على معاش سنوي قدره 7200 دولار من السيد سالم ، تستقطع من معونة زنجبار لعمان . . وبهذا التعهد تخلى مؤقتا عن المطالبة بالحكم ، وركب البحر يصحبه نجله السيد فيصل عبر الخليج إلى جوادر ، حيث رحب به الشعب هناك ، و قد عزل فيما بعد الوالي الذي عينه الإمام عزان بن قيس و بقى في جوادر حتى عام 1871 عندما نجح في استخدام الأموال التي حصل عليها من زنجبار ، و بمساعدة 400 من رجال قبائل بني بوعلي وبني بو حسن من إلحاق الهزيمة بالإمام عزان ، و ذلك في معركة ليلية مفاجئة دارت في ضواحي مطرح ، ثم استولى على الحكم ، بعد أن تلقى بعض المساعدة من بريطانيا .

كان السير « لويس بيلي » المقيم البريطاني في الخليج في ذلك الوقت متحمسا لمطالب السيد تركي ، وقد قدم وكيل المقيم البريطاني في بوشهر كل مساعدة ممكنة للسيد تركي ، هذا فضلا عن أنه منذ اللحظة التي بدأ فيها السيد تركي هجومه على مسقط ، توقفت سفن التفتيش البريطانية عن القيام بعملياتها طوال تلك الفترة ، أو إرسال تقارير حول سياسات مسقط إلى أن تمكن السيد تركي من الاستيلاء على السلطة .

وبذلك العمل الجريء استعاد السيد تركي السلطة الملكية من السيد سالم ابن ثويني ليورثها إلى نجله السيد فيصل ، ثم إلى السيد تيمور ، ثم إلى السيد سعيد ، وقد قتل في هذه المعركة سيف بن سليمان البوسعيدي والي مطرح ، الذي كان ساند السيد تركي ، وروى ابنه بدر فيما بعد قصة اغتيال السيد ثويني للسيد تيمور الذي سرد تفصيلها بعد ذلك .

?وكان السيد تركي سياسيا واقعيا ، وقد وعد دون تردد بإغلاق كل أسواق تجارة الرقيق , ووقع على معاهدة جديدة في 14 أبريل منة 1873 تنص على : « اعتبار كل الأشخاص الذين يدخلون ممتلكاته أو توابعها أحرارا وقد اعتبرت المعاهدة نصرا جديدا تحققه بريطانيا لتصفية تجارة الرقيق ، إذ بدون تلك المعاهدة لم يكن هناك أي ضمان للقضاء على تجارة الرقيق بسرعة .

وقد كتب سير باوتل فرير يقول :

« ولم يخش السيد تركي العقوبات التي قد يواجهها في تطبيق بنود المعاهدة ، غير أنني لا شك في أن هذا السلطان الشجاع سوف يقوم بتنفيذها عمليا بمساعدة حكومة صاحب الجلالة ومواقفها الودية تجاهه . . » .
?و قد حذا السلطان برغش سلطان زنجبار حذو السلطان السيد تركي ، وعن طريق الوكيل السياسي سير كيرك ، وقع معاهدة مع بريطانيا يسري مفعولها اعتبارا من يوم 5 يونيو عام 1873 :

« إن تصدير العبيد من ساحل زنجبار إلى أرض أفريقيا سواء كان الغرض منه النقل من أحد أجزاء ممتلكات سلطان زنجبار إلى أي جزء آخر أو إلى بلدان أجنبية فإنه يجب أن يتوقف كلية . . وأن يتعهد السلطان بإغلاق كل الأسواق العامة لشراء وبيع الرقيق المستورد بصورة نهائية . . » .

ومن هنا يجب أن يسجل التاريخ اليد البيضاء لثلاثة رجال هم السيد برغش وليفنجستون ، وكريك ( زميل ليفنجستون في أولى رحلة للنهر الزائيري ) . ورغم أن التجارة كانت تحتضر، فإنها لم تمت تماما ، وبدأ فجر الحرية يطل وبدأت تجارة الرقيق تختفي .

?وكانت من بين صعوبات القضاء على تجارة الرقيق في عمان ، حتى بعد هذه المعاهدة ، ما كان يلجأ إليه تجار الرقيق من طرق احتيالية برفع العلم الفرنسي على سفنهم ( وكان لفرنسا أطماع في عمان ) حتى يتمتعوا بالحصانة من التفتيش من جانب الطرادات البريطانية وضباط سلطان عمان وكان القناصل الفرنسيون يمنحون وثائق ملاحية لتجار الرقيق تثبت أن تلك السفن سفنا فرنسية .

وفي عام 1896 ألقت الطرادات البريطانية القبض على اثنين من سفن صور ، وكانتا ترفعان العلم الفرنسي أثناء نقلهما للرقيق .

وفي عام 1895 كان هناك ثمان وثلاثون سفينة شراعية عمانية ترفع العلم الفرنسي . . وكانت الوثائق الفرنسية للسفن العمانية تصدر من جانب السلطات الفرنسية في مدغشقر ، وجزر القمر ابتداء من عام 1786 ، وفي خلال عشر سنوات كانت كل سفن زنجبار تقريبا تبحر تحت ظل العلم المثلث الألوان الأحمر و الأبيض والأزرق ، وكانت أكبر قوة يمارسها ( الفرنسيون ) هي إعارتهم علمهم لسفن الرقيق للتستر على تلك التجارة .

كما عارضت الولايات المتحدة البريطانيين حقهم في التفتيش على سفن تجارة الرقيق حتى عام 1862 ، وصرح الرئيس واشنطون ، بأننا نطالب كل دولة أن تحترم علمنا أيا كانت السفينة التي ترفعه .

وفي رسالته السنوية الأولى للكونجرس في ديسمبر عام 1841 دافع الرئيس الأمريكي تايلر عن هذه السياسة بقوله : « بأن المواطنين الأمريكيين الذين يمارسون الأعمال التجارية المشروعة في البحار الأفريقية تحت علم بلدهم غير مسئولين عن الإساءات أو الاستخدام غير المشروع لهذا العلم من جانب دولة أخرى » .

?وفي عام 1862 أبرمت معاهدة أنجلو- أمريكية بإنشاء محاكم مختلطة على السواحل الأمريكية والأفريقية وبحقوق متبادلة لتفتيش السفن ، ولكن تلك الفجوة في الشبكة الإنجليزية تحت ستار « حصانة العلم الأمريكي » و « حرية البحار » أتاحت لكثير من سفن الرقيق التي يمتلكها تجار نيويورك و بوسطن ، من توزيع شحناتهم من الرقيق بمجرد رفع العلم الأمريكي ، وهكذا جلبوا العار للولايات المتحدة بمواصلتهم لتجارة الرقيق البشعة ، واستنزاف إفريقيا و حرمانها من أكثر من مائة ألف من سكانها سنويا .

ولما كانت الولايات المتحدة قد رفضت السماح بتفتيش سفنها من جانب سفن حربية لأي دوله أجنبية ، فقد استتبع ذلك أن الطرادات الأمريكية لم يكن في استطاعتها تفتش أي سفينة إلا إذا كانت ترفع العلم الأمريكي حتى لو كانت تحمل رقيقا ، أما كونها سفينة من السفن المعدة لنقل العبيد، فإن ذلك لم يكن كافيا للتفتيش بمقتضى القانون الأمريكي ، وهكذا فإن سفن العبيد كانت تقلع إلى أفريقية تحت ظل العلم الأمريكي الذي كان يحميها من التفتيش والمصادرة من جانب البريطانيين . كما كانت تستطيع أن تقوم بنقل العبيد برفع أي علم غير العلم الأمريكي .

ويقال إنه خلال الحرب الأهلية الأمريكية ، كانت السفن الأمريكية تنقل العبيد من شرق أفريقية ، وبارودا ، للقوات المتحالفة مهربة العبيد من خلال حصارات الاتحاد .

وفي سبتمبر 1872 استولت السفينة البريطانية « فالتشار » على سفينة نقل عبيد كبيرة من نوع « الداو » تجاه رأس الحد ، وكانت تحمل مائة وتسعه وستين عبدا أغلبهم من النساء والأطفال من شرقي إفريقيا . وقد أمر السلطان تركي على الفور بسجن ربان السفينة وبجلده، كما صودرت
?السفينة وتم إتلافها .

وقد عانى السلطان تركي طويلا من اعتلال صحته ، ومع ذلك فقد توفي وفاه طبيعية في عام 1888 م ، وخلفه نجله الثاني السيد فيصل الذي كان يبلغ الرابعة و العشرين ، والذي كان محبوبا من والده ، وعند وفاة السلطان تركي ، قال السيد فيصل الذي كان أبرز أنجال السيد تركي وأكثرهم عزما : إن الحزن قد استبد به إلى حد أن مشاعره لم تسمح له بالسير في جنازة والده ، و هكذا عندما عاد شقيقه الأكبر محمد ، والي صحار السابق من الجنازة ، وجد باب القصر مغلقا في وجهه ، وأنه قد تم تنصيب السيد فيصل سلطانا بمرافقة أغلبية المشايخ الذين كانوا قد أعجبوا بسيرة السيد فصل الشاب كحاكم لمدينة نزوى .

وخلال حكم السيد فيصل ازداد التأثير الأجنبي بعد أن اتصلت عمان بالعالم الحديث ، فقد كان حاكما شجاعا ، وقد بذل قصارى جهده في معالجة مواقف صعبة بقدراته الذاتية ، رافضا كل مشورة ونصيحة ، ،مبالغا باستمرار في تقدير موارده المالية والعسكرية و الدبلوماسية .

وفي بداية عام 1894 انتحر الشقيق الأصغر للسلطان فيصل بسبب المتاعب الداخلية التي ثارت بسبب زواجه قبل ذلك بعامين من ابنة عمه السلطان السيد برغش سلطان زنجبار . وقبل ذلك ببضعة شهور كان عبد الله بن صالح الذي يبلغ العشرين من عمره ، ابن الشيخ صالح بن علي الزعيم ذي النفوذ القوي في عمان ، موجودا في زنجبار ، حيث كان يدبر مؤامرة مع السلطان حمد بن ثويني للإطاحة بالسلطان السيد فيصل ، والسيد حمد هو الشقيق الأصغر للسيد سالم ، وكان قد أمضى سنواته الأولى في عمان، وهو الذي طلب من البريطانيين زيادة مخصصاته.

?وكان سلطان زنجبار يحلم بإعادة توحيد عمان وزنجبار في إمبراطوريه موحدة تحت سلطته ، وكان يمد عبد الله بن صالح بأموال كثيرة , كما أعطاه ثلاث قطع من مدفعية الميدان ، و 300 برميل من البارود . وفي العام التالي أمره بالتوجه إلى عمان للعمل للإطاحة بالسلطان السيد فيصل ، وقد انضم إلى عبد الله والده الذي وصل من الداخل بحجة الإعراب عن عطفه لانتحار شقيق السلطان و كان تيمور في السابعة من عمره في ذلك الوقت .

ويذكر السلطان تيمور أن والده السلطان فيصل كان كريما ، وأنه أهدى عبد الله بن صالح 400 ريال ، وكميه كبيرة من اللبن و الأرز والحلوى ، وسرعان ما وردت أنباء عن قيام بعض رجال القبائل أتباع عبد الله بن صالح بالاستعداد لمهاجمة مسقط . وعند الغروب كان الناس في حالة انزعاج ، بيد أن السيد فيصل اكتفى بالضحك ، رافضا أن يصدق أن ضيوفه يمكن أن يفكروا في انتهاك كرم ضيافته إلى حد شن هجوم عليه ، واعتكف في قصره عند المساء ، ولم يكن يقوم على حراسته سوى أربعة جنود .

وفي منتصف ليلة 13 فبراير عام 1895 دخل الخائن خميس بن حويسن الهناوي الغرفة التي توجد فيها خزانة السلطان فيصل ، وأخذ يشغل الحارس بالحديث ، واستطاع أن يختبئ داخل القصر بعد إغلاق الأبواب ، و في الموعد المتفق عليه مسبقا ، قام بفتح الباب من الداخل بهدوء بطريقه تذكرنا بالتكتيكات التي استخدمت في حرب طروادة . وصاح الحارس الذي كان يقف في أعلى : من أنت ؟ . . وبينما كان زعيم المتمردين عبد الله بن صالح يحاول المرور من الباب أصيب بجرح عميق في ذراعه من شفرة منشار ألقيت عليه ، بينما قتل الحارس الثاني الموالي للمتمردين .

وشق المتمردون طريقهم إلى جناح السلطان فيصل في محاولة للقضاء
?عليه وطرقوا الباب . . وسمعت السيدات في الداخل عبد الله يقول : « أنا محمد ابن تركي شقيق السلطان » ، ورفضت السيدات فتح الباب ، وهرعن لتحذير السلطان فيصل ، الذي كان قد سمع فعلا صوت الطلقة التي قتلت الحارس .

و صعد السلطان فيصل إلى سطح قصره تصحبه زوجته ( جدة السلطان سعيد بن تيمور ) وقامت تلك الشابة الشجاعة بتعمير البنادق ، بينما أطلق السلطان شخصيا النار على حوالي 28 من المتمردين المهاجمين من أسفل ، ويتراوح عددهم بين 200 , 300 ويذكر السلطان تيمور ، وهو يعود بفكره إلى ثمانية وستين عاما سابقة ، مشهد والده يطلق النار على أحد المتمردين بعد أن كان قد قذف لتوه رمحا من درجات القصر .

وأثناء الليل أخذ السلطان فيصل زوجته ، واثنتين من شقيقاته و ابنه الصغير السيد تيمور ، وأخفاهم في أحد البيوت . وقد بادر فيصل فطلب المساعدة البريطانية ولكنه لم يحصل عليها . وفي الصباح وصل جنود السلطان . وشغلوا عبد الله بن صالح عن هدفه فترة كافية لتمكين السلطان فيصل وأسرته من الوصول إلى قلعة الجلالي القريبة ، بينما توجه شقيقه السيد محمد إلى قلعة الميراني .

وفي نفس اليوم وصل زورقا المدفعية البريطانية « سفينا » و « لورانس » إلى ميناء مسقط ، غير أنهما التزما بالحياد ، وتركا السلطان فيصل يقاتل بنفسه . وقد سبب تخلي الحكومة البريطانية عن السلطان فيصل توترا في العلاقات بينهما ، بسبب عدم وقوف بريطانيا إلى جانبه أثناء محنته . . وظل السيد فيصل و شقيقه طوال السبعة والعشرين يوما يقصفان القصر من مواقعهما في القلعتين بمدافع برتغالية قديمة ، مما تسبب
?عنه حدوث فجوات في القصر كانت لا تزال ترى حتى عهد قريب .

وجاء الرعايا المخلصون للسلطان فيصل من كل حدب وصوب ، وقد بعث أحد المؤيدين ، وهو الشيخ عبد الله بن سالم زعيم قبائل بني بوعلي من جعلان يستفسر عن الوضع ، ويقول : ألا تزال هناك ست بوصات باقية على شاطئ عمان تسمح لنا بإحضار قواتنا ، فقد كان يحتاج إلى مساحة صغيرة لإنزال رجال تحت أسوار قلعة الجلالي .

وأدركت قبائل الشيخ صالح بن علي من داخلية عمان في النهاية أنهم كانوا يقاتلون معركة خاسرة ، فتراجعت هذه القبائل إلى مناطقها تاركة حوالي مائة قتيل في شوارع مسقط .

ومما يدل على أصالة السلطان فيصل وأريحيته أنه قدم 12 ألف دولار منحة لخصمه الشيخ صالح عندما غادر المدينة ، غير أن السلطان فرض فعلا غرامة كبيرة مقدارها 20% على صادرات المشتركين في الاعتداء من قبائل الداخل ، لصرفها كتعويض للرعايا الأجانب الذين تضرروا من العدوان ، و قد قدر هذا التعويض بمبلغ 77895 دولارا .

وبعد عدة أسابيع توفي عبد الله بن صالح ، ثم لحقه والده الشيخ صالح ابن علي البالغ من العمر ثلاثة وستين عاما ، وتوفي متأثرا بجروح تلقاها في اشتباكات وقعت فيما بعد مع قبيلة بني جابر إحدى قبائل وادي سمائل .

وفي عام 1903م قام اللورد كيزرن بجولة في مياه البحر العربي والخليج على ظهر الباخرة التابعة للبحرية الملكية الهندية ، وفي ميناء مسقط أقيم احتفال كبير لتكريم اللورد كيرزن ، حيث قدم كيرزن للسلطان فيصل وسام الصليب الأكبر في الإمبراطورية الهندية ، قد وصف كيرزن الخليج بأنه لؤلؤة لا تقدر بثمن .

?ومن الضروري في هذا المجال أن نشير بشيء من التفصيل لطبيعة الحكم في عمان فمنذ منتصف القرن الثامن عشر فإن الحاكم كان يلقب بألقاب مختلفة كالسيد ، أو السلطان ، ولم يكن منصب الإمام منصبا مستمرا ، سواء أثناء تلك الفترة أو قبلها ، ولابد من توضيح ذلك .

لم يكن يوجد هناك إلزام ديني على أن يكون الحاكم على عمان إماما ، ويقول ابن رزيق بأنه لو كان في استطاعة العمانيين - بدون تدخل أي سلطة عليا - أن يطبقوا الشرع بأنفسهم فلن يبقى هناك ضرورة لانتخاب إمام ، ولما خلق هذا المنصب لأي سبب ، دينيا كان أو قانونيا ، وبالتالي فإن انتخاب الإمام يتم لسد النقص لدى الشعب في معرفة الشرع الإسلامي ، ولابد أن يكون الرجل الذي ينتخب ، ناضجا خاليا من العيوب الجسمانية .

?وتتم عمليه الانتخاب في اجتماع سرى مهيب من شيوخ رجال الدين وكبار المشايخ ، وفقا لأسلوب محدد ، ولابد أن يكون الشخص المختار متمتعا بمؤهلات معينة ، مثل الورع والتقوى ، والتواضع والإلمام الكامل بالعلوم الدينية ، ولم يكن ضروريا كما هو الحال لدى الزيديين في اليمن أن يكون من ذرية نبي . ويمكننا أن نحدد الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الإمام المنتخب بالاستشهاد بما ذكره ابن بطوطة عن مواصفات الإمام ، وهي البساطة ، والتواضع ، وألا يمارس وظيفته من وراء حجاب ، وقد حدث أن اعترف بعض الذين اختيروا بهذا المنصب ، بأنهم غير لائقين له ، لأنهم لا يقدرون على مواجهة حياة الفقر والزهد التي يجب أن تتوافر في الإمام .

ويقول ابن رزيق عن الإمام راشد بن الوليد :

« كان إماما مفرطا في الاستقامة ، ونكران الذات ، وكان حنونا على رعاياه ، متسامحا حيال آرائهم ، لا يفرق بين الغني و الفقير . . يستمع إلى
?نصائح من ينصحونه » . .

ولقد حدثت حزازات لا حصر لها حول اختلاف الآراء بشأن شرعية انتخاب الأئمة ، فمثلا يصف الشيخ سرحان بن سعيد إحدى عمليات انتخاب الإمام في عام 1728 في كتابه ( كشف الغمة » حيث يقول :

« . . اجتمع خمسة من الزعماء الأساسيين في بيت المرشح لمنصب الإمام ، للبحث والموافقة على شروط قدمت له ، وبعد أن أعطيت الموافقة ، توجه الزعماء الخمسة إلى الشعب الذي كان قد تجمع من كل أرجاء عمان للاشتراك في الاحتفال , وأعلنوا لهم نتيجة مداولتهم ، وبعد ذلك ، وقف رئيس المجلس ، ونادى به إماما بصفة رسمية . وبعد أن قدم له الشعب فروض الولاء ، شرع في ممارسة واجبات منصبه التي كانت تشمل إدارة الحكم المدني ، كما كان يؤم الناس في صلواتهم الخمس .

كان انتخاب الإمام مبدأ أساسيا بين المسلمين ، بيد أنه من الناحية العملية لم يكن يتم انتخاب الإمام عن طريق الاستفتاء العام ، نظرا لأن الانتخاب كان مقصورا على رؤساء القبائل فقط دون الشعب ، الذين كانوا يجتمعون في مجلس رسمي سري برئاسة أحد أعضائه لمناقشة حالة المرشحين المتنافسين لمنصب الإمام ، وكانت الانتخابات تتم في العاصمة حتى عام 1779م ، وكان للقاضي وللأعيان تأثير ملموس في المجلس . وكانت هذه المناسبة تجتذب كثيرا من الناس إلى العاصمة ، حيث ينتظرون على مقربة من قاعة المداولات لمعرفة النتيجة ، وكان المرشح لمنصب الإمام لابد أن يحصل أولا على تأييد الناخبين ، وبعد ذلك ينادي به رئيس المجلس إماما وسط الحشود المجتمعة الذين يبادرون إلى مبايعته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(م 11 – تاريخ عمان )

والواقع أن أي زعيم ديني أو أي شخص مؤهل ليؤم الصلاة في بلد إسلامي يعتبر « إماما » ( وفي أغلب الأحيان ينتخب الزعيم الديني من عائلة متدينة ، ( و لكل مسجد إمام ) ويلاحظ أن قبائل عمان لا تشير قط إلى « إمام عمان » وأن « الإمام » لا يشير إلى نفسه بهذا اللقب .ومن يتولى المنصب يسمى دائما « إمام المسلمين » و هو لقب غير مقصور على عمان ، لأن أئمة عمان كانوا يعتبرون أنفسهم أئمة العالم الإسلام كله .

وعلى الرغم من أن الانتخاب لمنصب الإمام يفترض أن يكون ساريا طوال حياة الفرد ، فإن ما كان يحدث في التطبيق كان غير ذلك ، وفي الحالات التي يتخلى فيها أنصار الإمام عنه ، يصبح تنازله عن منصبه شيئا آليا . و يتفق أهل الرأي على أنه لا طاعة لإمام ينحرف عن شريعة الله . وفي نفس الوقت فإن الإمام لا يستطيع أن يستقيل من منصبه إذا كان الناخبون ما زالوا يرون فيه أنه أهل للاستمرار .

وقد حدثت فترة من أطول الفترات التي شغر فيها منصب الإمام بعد عام 1871 عندما قتل السيد عزان بن قيس ، ولم ينتخب خلف له حتى عام 1913 عندما تمردت عدة قبائل من داخل عمان ضد السيد تركي ، واختاروا سالم بن راشد الخروصي ليكون إماما و هو تلميذ المؤرخ السالمي وزوج ابنته .

وثمة عامل هام في هذا التحول ، وهو أن سلطنة عمان نظرا لموقعها البحري الاستراتيجي في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية تحولت إلى مركز لتجارة الأسلحة وقد نشأت عن الحرب الأفغانية الثالثة في عام 1880 ، عندما ألقت المصانع الأوربية بكميات ضخمة من الأسلحة

الصغيرة في أسواق غرب آسيا ، وفي عام 1891 كانت واردات السلاح تشكل أكثر من ربع دخل مسقط ، وفي عام 1897 تم استيراد 30 ألف بندقية إلى مسقط
وكانت من أصل فرنسي و بريطاني ، وقد جعل ذلك من مسقط أكبر سوق لتجارة الأسلحة في المنطقة ، وكانت تجارة الأسلحة تدر 4000 دولار شهريا لجمارك مسقط .

وفي المراحل الأولى من تمرد عام 1913م أحرز العمانيون بقيادة الإمام سالم بن راشد الخروصي نجاحا كبيرا . . وخلال يونيو ويوليو وأغسطس استولوا على مدن نزوى ، وأزكي وسمائل ، وسيطروا أخيرا على الطريق إلى ساحل الباطنة ، وفي سبتمبر ضاعف السلطان حامية بيت الفلج خارج مطرح وفي الشهر التالي توفي السلطان فيصل ، وخلفه ابنه الأكبر السيد تيمور والد السلطان سعيد بن تيمور ، والد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم . وكان السيد تيمور في القاعة المجاورة لغرفة أبيه عندما وافته المنية ، وقد طالب السلطان فيصل نجله السيد تيمور بألا يترك مكانه بجوار فراشه ، وبعد فترة حداد لمدة ثلاثة أيام ، أصبح السيد تيمور سلطانا ، وقال لإخوته المجتمعين :

« إذا كان لديكم أي شيء في أذهانكم فأخبروني . . » فأجابوه : « كلا . . أنت ملكنا . . ونحن في طاعتك » .
الفصل السابع

النزاع على واحة البريمي


?عندما تولى السلطان السيد تيمور الحكم ، كان قد ورث تركة ثقيلة وقد خف البريطانيون لمساعدته ، فأرسلوا قبل وفاة السلطان السيد فيصل بفترة قصيرة بعض القوات العسكرية ، وسرعان ما بدأ السلطان ، من خلال المساعي الحميدة لشيخ أبو ظبي ، مفاوضات مع صديقه القديم الشيخ عيسى بن صالح الذي زار مسقط في ديسمبر عام 1913 لهذه المناسبة , وكان الشيخ عيسى زعيم قبيلة الحرث في الشرقية وواحدا من رجال عمان البارزين ، وقد وصفته الكاتبة جرودبل « بأنه رجل صارم ذو شخصية قوية . . » ، و لكن هذه المحادثات لم تسفر عن أي شيء هام. .

وفي يناير عام 1915م قاد سالم بن راشد القوات المشتركة التي كان يتزعمها الشيخ حمير بن ناصر ، كبير شيوخ بني ريام والقوات التابعة للشيخ عيسى من الشرقية ، ورغم تحذير الشيخ عيسى ، فقد هاجموا بيت الفلج ليلا من ناحيتين في ضوء قمر خافت ، وجاءت إحدى الجماعات من خلال ممر مراخ ، بينما تقدمت الأخرى خلال قرية روي الصغيرة .

وكان السلطان السيد سعيد بن تيمور في الخامسة من عمره يومئذ . فصعد إلى سطح القصر مع أبيه لاستكشاف المتمردين ، قد اندفع المتمردين عبر أراض وعرة ، وشنوا هجوما مباشرا منسقا ، وكان عددهم نحو 3000 آلاف ضد سبعمائة من القوات الهندية القوية التنظيم والمتحصنة في الخنادق ، ولم يتمكن المعتدون من الوصول إلى القلعة ، ومنوا بهزيمة ساحقة
?فكانت تلك آخر محاولة تقوم بها القبائل المتمردة ضد العاصمة ، وقد ذكر السلطان تيمور للكاتب أنه رأى مائة واثني عشر من المتمردين مجتمعين في منطقة واحدة من ميدان المعركة .

وخلال شهر فبراير زارت سفينة البحرية الهندية الملكية « نوم شيروك » مسقط وعلى ظهرها اللورد هارونج أوف بيشير ست نائب الملك في الهند ، وقد اقترح على السلطان تيمور تسوية الخلاف مع رعاياه ، وبخاصة أن الزيارة كان لها أهمية سياسية ، و إذ أنه في خلال تلك الفترة كان العملاء الألمان الذين ظهروا لأول مرة في الخليج في عام 1864م عند زيارة السفينة الحربية الألمانية « كورموران » لمسقط - قد نشطوا في تدبير مؤامرة ضد عمان وقد تم تعزيز حامية مسقط بنصف فرقة من المشاة ، وكانت الدعاية الألمانية نشطة حتى لقد اعتقدت قبائل عديدة في الداخل في وقت ما ، أن الألمان قد كسبوا الحرب العالمية الأولى ، وأن القيصر المنتصر قد اعتنق الإسلام و تسمى باسم " الحاج محمد غليوم " .

وفي نهاية يونيو عام 1915 ، أغارت قبيلة من بني بطاش ( وهي إحدى قبائل الهناوية ) مؤلفة من 500 مقاتل على وادي حطاط جنوب مسقط ، لكنهم منوا بهزيمة ساحقة على أيدي قوات السلطان تيمور ، واستسلموا في دغمر على الساحل . . وفي خيل الغاف ، وهي قريتهم الرئيسية في الداخل ، أقام السلطان تيمور بعض الحاميات .

وقد شهدت الأعوام من عام 1916 إلى عام 1920 مفاوضات مستمرة غير ناجحة ، ومحاولات للتوسط بين السيد تيمور و المتمردين ، وفي أوائل عام 1920 أصدر الإمام سالم بن راشد حكما على أحد أعضاء قبيلة آل وهيبة في عمان . آل وهيبة هي إحدى القبائل الهناوية التي تستوطن منطقة
?الشرقية وقد استطاعوا في عام 1915 أن يقذفوا إلى ميدان المعركة بحوالي 1500 من حملة البنادق ، ويشتهر رجال هذه القبيلة بأنهم من أبرع المقاتلين في عمان ، كما أن الجميع يقدرون شجاعتهم واستقامتهم .

وقد كتب س.ب. مايلز يقول : « بأن آل وهيبة يتحفظون بأسرع الجمال ربما في العالم ، وهي قبيلة ضارية لا تهدأ ، ذات طباع بدوية حقيقية » . وفي ساعة متأخرة ذات ليلة استطاع أحد رجال هذه القبيلة التسلل والإفلات من الحرس حتى وصل إلى أحد المعسكرات ، وقام بإطلاق النار على الإمام سالم فقتله ، و هرب تحت ستار الظلام .

وكانت المشكلة هي أن الإمام الجديد محمد بن عبد الله الخليلي , من قبيلة بني خروص ، كان قد تم انتخابه أساسا بتأييد من الشيخ عيسى ، ولم يكن قط صديقا للسلطان تيمور الذي رفض الاعتراف بانتخابه ، ومن ثم فإن استخدام سلطاته القضائية كانت مثارا للنزاع ، وسببا للمنازعات الأهلية ، غير أن السلطان تيمور قام بفرض ضريبة على الصادرات من الداخل في أواخر ذلك العام مما دفع القبائل المتمردة في النهاية إلى التفاهم مع السلطان وأتاح للقنصل الفرنسي في مسقط « ر، فادلا » أن يقول :

« إن عمان الآن هادئة واستطاعت التجارة أن تتوسع . . » .

?كان الهدف الرئيسي للشيخ عيسي بن صالح وقبائل الداخل في ذلك الوقت هو الوصول إلى حل عملي مع السلطان ، إذ أنهم كانوا يخشون التدخل البريطاني ، وفي 25 سبتمبر عام 1920 تم توقيع اتفاق صلح بالسيب توسطت فيه الحكومة البريطانية عن طريق قنصلها ، وقد صيغ الاتفاق باللغة العربية وبدأ بعبارة « بسم الله الرحمن الرحيم » .

وكان هذا اتفاقا بين العاهل السلطان تيمور وبعض القبائل المنشقة بزعامة
?الشيخ عيسى بن صالح ( وتضم 30 شيخا و 400 مسلح ) وهذا الاتفاق هو نوع مألوف في شبه الجزيرة العربية . وكانت هناك اتفاقيات مماثلة وقعت بين سلاطين تركيا ومجموعة من رعاياهم في أجزاء أخرى من الأراضي الخاضعة لسيادتهم ، وبمقتضى اتفاقية السيب سمح للقبائل بقدر محدود من الحكم الذاتي في المسائل المحلية البحتة ، بيد أن هذا الاتفاق لم يتضمن أي إلغاء لسيادة السلطان .

ويقول « ونجت » القنصل البريطاني : « إن مسألة السيادة لم يرد ذكرها قط ، كما لم يرد شيء عن مسئوليته عن الشئون الخارجية للبلاد . . » . ولقد أصدر السلطان عفوا عن زعماء المتمردين ، و سحبت مطالب المتمردين السابقة بعدم شرعية عقد المعاهدات بين حكومة السلطان والدول الأجنبية ، وإلغاء مستودع الأسلحة ، وقد أتاح ذلك للسلطان تيمور أن يوقع في العام التالي « انضمامه إلى الاتفاقية الدولية لتجارة الأسلحة », كما تم الاتفاق أيضا على أن تدفع ضريبة بنسبة 5 % عن بضائع الداخل لدى وصولها إلى مركز الجمارك على الساحل ، وكانت اتفاقية السيب هذه بين حكومة السلطان وثمانية عشر من الشيوخ المعارضين ، كما أن الاتفاقية لم تكن ملزمة لخلفاء السلطان تيمور بها .

وبعد 32 عاما ، أعاد الإمام الكهل محمد بن عبد الله الخليلي بصورة درامية تأكيد سيادة السلطان على عمان بأسرها .

وبمناسبة نشوء مشكلة البريمي بين منطقة عمان والمملكة العربية السعودية اتخذ الإمام موقف التأييد للسلطان ، وتعهد بتأييد كل القبائل للسيد تيمور.
?
?إن مسألة السيادة على البريمي ذات أهمية بالغة وسنعالجها هنا بشئ من
?الإسهاب .

في عام 1728 اعترف بالبريمي كجزء من عمان ، كما ورد في مؤلف " كشف الغمة " لسرحان بن سعيد ، ثم جاء إلى عمان سامه بن لؤي بن غالب ، واستقر في توام أي ( البريمي ) التي هي الجو ، بجوار الأزد ، وكانت تلك أقدم هجرة لقبائل الأزد إلى عمان ، وكان سامه هو الجيل الرابع عشر من عدنان ، وينتمي إلى أسرة قريش الشهيرة .

وفي عام 629 م وجه الرسول محمد عليه الصلاة والسلام رسالة إلى زعماء عمان يدعوهم للدخول في الإسلام ، وقد سلم الرسالة عمرو بن العاص الذي مر عن طريق توام في رحلته إلى حكام الأزد في صحار .

وخلال حكم الإمام مهنا بن جيفر (840 م ) نشبت ثورة خطيرة ببني الجلندى الذين هاجموا البريمي واحتلوها ، و قتلوا حاكم الإمام عبد الواحد . وعلى أثر ذلك قام الوالي أبو مروان يسانده 12 ألفا من جنود الإمام بحرق عدد يتراوح بين 59 إلى 70 منزلا ، وقضوا تماما على رجال قوات الجلنديين ، و طردت أسرهم بقسوة إلى الصحراء ليموتوا جوعا .

وفي نهاية القرن التاسع اختار الخليفة العباسي « المعتضد بالله » البريمي قاعدة لجيوشه التي يقودها محمد بن نور ، وتغلغل منها إلى قلب عمان ، وفي عام 1625 حكمت واحة البريمي بواسطة الوالي أحمد بن خلف باعتبارها جزءا من أراضي عمان ، في عهد الإمام ناصر بن مرشد ، وفي أوائل القرن الثامن عشر كانت قبيلة النعيم هي القبيلة الرئيسية في البريمي وكانت هذه القبيلة قد هاجرت من اليمن ، وأصبحت من أكبر التجمعات العربية في عمان ومنطقة الخليج.

وقد سيطر الإمام أحمد بن سعيد مؤسس أسرة آل بوسعيد الحاكم في

?عمان على البريمي في منتصف القرن الثاني عشر ، غير أنه في عام 1800م استطاع عبد نوبي يدعى الحارق يقود قوة غزو مكونة من 700 فارس نجدي من احتلال البريمي بالقوة و بنى قلعة وبناء قلعة بها كقاعدة للعمليات الإرهابية ضد عمان ، التي كانت في ذلك الحين أكثر دول شبه الجزيرة ازدهارا .

وبعد ثلاثة أعوام ، واصل الوهابيون غاراتهم العنيفة على عمان ، وجمع السيد سلطان كل رؤساء القبائل لعقد مجلس في بركا للنظر في الأمر ، وبعد أن حضر الجميع تحدث السيد سلطان بلهجة بطيئة فقال : « لقد كنت أشبه بيد بلا أصابع . . والآن فإن طرف الخنجر موجه إلى صدوركم . . وأنا أطلب منك رأيكم في الموقف » . وفي ختام خطاب السلطان نهض ابن أخيه السيد سيف بن علي بن محمد البوسعيدي ، ورد بصوت ابن الصحراء الممتلئ حماسة قائلا : « لو كنت تظن . . . أنه لا يوجد في عمان شجعان يستطيعون مناضلة هؤلاء النجديين . . فإن رأينا يختلف عن رأيكم ، إذ ليس هناك شك في أن عمان ما زال بها رجال أقوى منهم و أكثر عددا وأشد غلبة في الحرب . . إننا لا يثبط همتنا هؤلاء الغزاة أو أي أعداء آخرين ، ففي صدورنا قلوب مستعدة لمواجهتهم ، والسيوف التي على أكتافنا على استعداد لمنازلتهم . . إن الدم هو الخضاب الوحيد للرجل . . ولكن لا فائدة من الأقوال إن لم تعقبها الأفعال ، ،من ثم فليستعد الوهابيون وحلفاؤهم للهزيمة التي تنتظرهم .

و هنا توقف المتحدث ، وبعد أن تشاور زعماء آل بوسعيد ، قالوا :

« إننا نقر ما قاله سيف ، وسيسعدنا أن نقاتل المعتدين ، و نحن نعتبر كثرتهم قلة ، وشجعانهم جبناء ، إن الرجل الشجاع يرفض أن يكون جبانا
?رعديدا ، والرجل النبيل يزدري أن يعيش في خضوع . . » .

وعندما علم الحارق باقتراب جيش السلطان على رأس 12 ألف مقاتل عماني ، أخلى معسكره قرب صحار . . وبعد أن أحرق خيامه تراجع بقوته إلى البريمي ثم إلى موطنه في نجد . .

وخلال نصف القرن التالي ، عانى شعب عمان من أربع غزوات عسكرية وهابية ضارية لبلادهم شنها عليهم الوهابيون .

وفي عام 1819 وصل بتال المطيري ( شقيق مطلق المطيري الشهير ) إلى البريمي على رأس قوة كبيرة من فرسان نجد ، وسرعان ما أحاطت بهؤلاء الغزاة قوات السلطان سعيد الأكبر فلم يتسلموا فحسب ، بل انضموا إلى صفوف العمانيين .

وفي عام 1839 ومرة أخرى عام 1850 قامت قبيلة النعيم التي كانت قد عانت الكثير من الوهابيين بإجلائهم عن الواحة . .

وفي 8 ا يونيو عام 1869 ساعدت هذه القبيلة الإمام عزان بن قيس الذي وحد قواته مع قوات الشيخ سعيد بن خليفة حاكم أبو ظبي لإخراج الوهابيين من البريمي ، وقد استمرت المعركة ثلاثة أو أربعة أيام .

وعلى الفور قام الإمام عزان بن قيس بإقامة حامية تحت قيادة أحد أقاربه وكتب الرسالة التالية إلى الكولونيل بيلي المندوب السياسي المقيم البريطاني « هكذا أنقذنا الله من المعتدين . . وأجلوا عن عمان ، وقد و جدنا الناس هناك يعيشون في أسوأ حال ، يعانون فيها من الاضطهاد وسياسة الاستبداد . . وقد أعدنا إلى هؤلاء كل ما سلب منهم ، أو أخذ ، من ماشية وممتلكات ، وبدت السعادة على عيونهم بإزالة الغمة عنهم ، وحمدوا الله ، فهو القادر على كل شيء ، واستقروا في أرضهم » .
أن هذه الغزوات القصيرة و الاستيلاء بالقوة والاحتلال المؤقت للبريمي أدى إلى أعمال عنف مفرطة , لا تمنح الغزاة أي حق في السيادة .

وفي العام التالي لإجلاء الوهابيين من البريمي ،جدد السلطان تركي , سلطان عمان , اتفاقه مع شيخ أبو ظبي للدفاع عن قلاعه في البريمي مقابل منحة سنوية.

?وفي عام 1890 ثم في عام 1895 ساعدت قبيلة النعيم السلطان فيصل في إخماد التمرد القبلي وقد استمر تعبين ولاة من هذه القبيلة على البريمي ، وبالمقابل دفع المبلغ المتفق عليه لشيخ أبو ظبي للدفاع المشترك عن البريمي .

وهكذا فإن حقوق حكام أسرة آل بوسعيد العمانية في البريمي طوال القرن الثامن عشر ، والتاسع عشر ، والعشرين كانت مستمرة ومتتابعة بصورة مباشرة ، وهي تمثل الحقوق الزمنية والسيادة الكاملة القائمة قبل ذلك للأئمة السابقين على الواحة ، الذين حكموها قرونا عديدة .

وفي عام 1948 ذكر الأمير السعودي ابن جلوي أنه رغم أن موظفيه كانوا يجبون الضرائب سابقا في المنطقة المجاورة للبريمي ، فإنهم توقفوا عن ذلك ، وكان ها . سانت جون ب. فيلبي قد ذكر قبل ذلك في عام 1932 :

« أن هذه الحملات لجمع الضرائب لا تكاد تعني أكثر من دفع النفقات الخاصة بتجهيزها . . » .

وواحة البريمي – اليوم - كما كانت في الماضي نقطة حيوية في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية ، ونقطة التقاء القوافل المتجهة من عمان إلى الخليج وهي تربط اقتصاديا بالطرق البرية إلى مدن أبو ظبي ، ودبي والشارقة ، وصحار الساحلية ، وكذلك إلى مدن الداخل في الجنوب مثل عبري و نزوى ،
وهي وحدة اقتصادية هامة ذاتها ، فهي تصدر البلح والخضروات والفاكهة إلى أبو ظبي وكل ساحل عمان ، وتستورد مقابل ذلك الأسماك المجففة والبن والأرز والسكر والأقمشة من ساحل عمان .

وفي كل صيف عندما تشتد حرارة الجو ويصبح الماء مالحا ، يهاجر ثلث سكان مدينة أبو ظبي الساحلية على الأقل إلى واحة البريمي , وخلال الحرب العالمية الثانية كانت كل مؤن البريمي تصل إليها من عمان .

وليس هناك أي معالم طبيعية تفصل البريمي عن أبو ظبي أو مناطق عمان الموجودة في الجنوب مباشرة ، بينما يفصلها أكثر من 400 ميل عن الأحساء .

?والواقع أن البريمي ذات الموقع الاستراتيجي هو جزء من عمان .

وفي يوم أول سبتمبر 1952 نشبت اضطرابات خطيرة في البريمي ، عندما وصل مسئول سعودي هو تركي بن عبد الله بن عطيشان مع أربعين رجلا محملين بالهدايا والأموال والأغذية ، وقد قدموا بالسيارات من الأحساء عبر أراضي أبو ظبي ( ولا يوجد شك كبير في أنهم استقلوا عربات نقل تابعة لشركة أرامكو ) . وكان الملك عبد العزيز آل سعود قد أرسل تركي للعمل كأمير على البريمي ، تحت رئاسة حاكم الأحساء ، و كان هذا العمل يمثل أول محاولة احتلال سعودية للواحة منذ 83 عاما .

وبعد ثلاثة أسابيع من الرسائل المتبادلة بين الحكومة البريطانية التي كانت تنوب عن السلطان ، وكذلك عن شيخ أبو ظبي وبين الحكومة السعودية ، جمع سلطان عمان 7000 من أفضل المقاتلين من رجال قبائله وكانت خطة السلطان أن يقسم قواته إلى قسمين ، فيقود بنفسه قوة ، ويرسل القوة الثانية إلى وادي الجزي ، على أن تقوم قبائل الداخل بهجوم
ثالث عن طريق عبري ، غير أنه قبل وضع هذا التنظيم الرائع موضع التنفيذ وصل القنصل العام البريطاني البارع الميجور ( ف. س. ل. تشونسى ) من مسقط إلى صحار بالسيارة لتسليم طلب عاجل للسلطان بتأجيل القيام بأي عمل عسكري ، مع وعد من الحكومة البريطانية بحل النزاع سلميا ، وقبل السلطان بعد تردد نصيحة الحكومة البريطانية بحل النزاع سلميا ، ( التي ثبت بعد ذلك أنها أضرت سلطنة عمان كثيرا ) وبناء على هذه التأكيدات البريطانية عاد السلطان إلى مسمط بعد ثمانية أيام .

ولقد قيل إن بعض الأمريكيين بذلوا جهدا كبيرا لإقناع السلطات البريطانية بالتدخل واستخدام مساعيها الحميدة لمطالبه السلطان بوقف عمليه البريمي ، لأن السلطان لو قام في ذلك الحين باستخدام القوى لأدى ذلك إلى قيام أزمة مع الحكومة السعودية وهكذا فإن السعوديين مدينون إلى حد كبير للحكومة البريطانية في تسويه النزاع بين الطرفين .

ولقد قمت باستكشاف المنطقة بين صحار و البريمي وتناقشت مع السكان حول أحداث تلك الأيام المثيرة ، فلم يعترف أي من رجال القبائل لي قط بوجود أي معارضة من جانبهم لمرور قوات السلطان السيد سعيد في تلك المناسبة ، أو أي مناسبة أخرى .

وفي 10 أكتوبر عام 1952 قبلت الحكومة البريطانية " اتفاقا لتجميد الأوضاع " من حيث المبدأ نيابة عن السلطان ، وتم توقيع هذا الاتفاق الذي تضمن مقترحات صاغ مسودتها السفير الأمريكي في جدة يوم 26 أكوبر عام 1952 ، و قد ثبت - كما كان السلطان قد تنبأ - أن تلك كانت غلطه خطيرة ، إذ بدلا من أن يقل التوتر في المنطقة ، فقد ازداد سوءا وعلى النقيض من روح ونص الاتفاق تركت قوة مسلحة في البريمي دخلت طريق
أراضي أبو ظبي . . وامتلأ الجو بالتوتر .

وكان أحمد بن محمد بن سعيد هو شيخ حفيت من قبيلة الخواطر وهي إحدى فروع قبيلة النعيم ، وفي ذات مرة أطلق الشيخ أحمد النار على جماعة تابعة لشركة البترول العراقية كانت تقوم بالتنقيب عن البترول ، دون أن تحمل رسالة من السلطان ، وعندما انضم صقر بن سلطان كبير مشايخ قبيلة النعيم إلى جانب السعوديين ، ظل الفرع السالف مواليا للسلطان سعيد.

?وقد صرح الشيخ شخبوط بن سلطان حاكم أبو ظبي عند سفره من بيروت في طريقه إلى لندن يوم ا / 5 / 1953 بقوله : « نحن نعلم أن الحق في جانبنا فقد حكمنا أبو ظبي والجزء المجاور للبريمي قرونا ، وهذا معروف لكل الأطراف الأخرى المعنية » .

وقد زعموا مرة أن الشيخ زايد بن سلطان ( رئيس دولة الأمارات الحالي ) كان قد عرض في ذلك الوقت حوالي 40 مليون جنيه استرليني إذا تخلى عن مطالبه في البريمي .

وبعد أن طلبت بريطانيا من عمان وأبو ظبي الامتناع عن الإجراء الحازم اللازم لمعالجة مشكلة البريمي بنجاح ، أضيف التزام أدبي معين إلى العوامل الأخرى ، ورغم أن أبو ظبي مستقلة ، فإن شيخها يتمتع بعلاقات خاصة مع الحكومة البريطانية .

?وفي عام 1953 إلى عام 1954 حاصرت قوات السلطان وشيخ أبو ظبي قوات الغزو في قرية حماسه التي تقطنها قبيلة البوشامس ، وفي النهاية وبعد فترة طويلة من المساومات الدبلوماسية أحيل النزاع إلى محكمة تحكيم دولية عام 1954 .
?وبناء على طلب محدد من السلطان ، قامت المملكة المتحدة بتمثيل السلطان في أعمال التحكيم ، وقد قيل منذ ذلك الحين إن وزارة الخارجية الأمريكية كانت تفتقر إلى الإرادة لاتخاذ موقف في ذلك النزاع العربي . . وفي عام 1954م كانت ضغوط شركة أرامكو المستمرة فعالة في إعادة وزارة الخارجية إلى موقف الحياد الذي كانت قد بدأت تخرج منه .

وكانت المحكمة تتكون من خمسة أعضاء ، من بلجيكا ( الرئيس ) ، وكوبا ، وباكستان ، وبريطانيا ، والسعودية ، ولما أدرك الدكتور شارل دي فيشر رئيس المحكمة أن المحكمة لم تعد في وضع يتيح لها الوصول إلى نتيجة اجتماعية أو قانونية ، فقد قدم استقالته هو والعضوان الكوبي والبريطاني .

وفي أكتوبر عام 1955 ، بعد انهيار المحكمة قام سلطان عمان وشيخ أبو ظبي اللذان عملا بالتنسيق مع قوات ساحل عمان ( المعروف باسم قوات كشافة عمان ) بإعادة السيادة على البريمي ، وقال السلطان : « إن الإدارة الآن في أيدي مندوبي الذي سيعيد الحكم السلمي والنظام . . وسوف يبلغني بالخطوات التي قد تلزم لتحقيق التنمية الاقتصادية للمنطقة ، التي توقفت لسوء الحظ بسبب تلك الأحداث .

وقد عرض الاتحاد السوفيتي ، الذي ينتهز دائما مثل تلك الفرص ، الرجال والعتاد على السعودية لمساعدتها في طرد « الإمبرياليين الغربيين من حدودها » وقد قوبل العرض السوفيتي بالسخرية ، إذ أنه في الأطلس الجغرافي السوفيتي لعام 1954 والذي يعرب عن الموقف الرسمي لحكومة الاتحاد السوفيتي ، استبعدت واحة البريمي تماما من المملكة العربية السعودية .
ــــــــــــــــــــــــــ
(م 12 – تاريخ عمان )

وقد تحدثت روسيا بابتهاج عن « الصراع بين بريطانيا وأمريكا على البترول العربي » . . ورغم أن الصورة البسيطة للمعلق السوفيتي شملت الاصطدام بين المصالح البريطانية والأمريكية البترولية في البريمي ، فإن الشركات الأمريكية كانت تعمل في نفس الوقت في أراضي السلطان وشيخ أبو ظبي والأراضي السعودية في وقت واحد ، كما كانت تفعل دوما .

ونستطيع الآن العودة إلى السلطان « تيمور » والصعوبات التي واجهته خلال حكمه .

إن فكرتنا الغربية التي تقوم على أساس أن لا ضرائب بدون إقرار من البرلمان غير معروفة في العالم الإسلامي ، إذ يمارس الحاكم حقه في فرض الزكاة ، وهي نسبة معينة تقدر وفقا للشريعة الإسلامية . . والمقياس الخاص للزكاة في عمان هو كما يلي : خمسة في المائة من كل ما تنتجه الأراضي التي تروي جيدا ، وتدفع الزكاة ذهبا أو فضة أو حبوبا ، أو جمالا أو أبقارا أو ماعزا ،
غير أنها لا تدفع بثمار جوز الهند ( وهو ما لم يكن موجودا في شبة الجزيرة العربية عند دخول الإسلام ) ولا تدفع الزكاة عن الأصناف القابلة للتلف مثل البطاطس والخضروات الأخرى .

وعلى الرغم من هذه الضرائب المحدودة ، فإن عمان منذ أيامها الأولى لم تنتفع بنظام فعال للميزانية ، وقد ورث السلطان تيمور الكثير من الديون من عهد السلطان فيصل ، وفي عام 1920 قامت حكومة الهند قروضا لعمان لتمكينها من تسديد ديونها . كما قامت بتنظيم ضرائبها .

وفي ذلك الحين كانت عمان تستخدم أيرلنديا يتحدث العربية هو الكابتن ( رونالد ما لكولم ) أوصى به القسم السياسي الهندي للعمل كوزير خلال الشهور الخمسة التالية بالإضافة إلى ثلاثة مصريين كلفوا بتولي إدارة نظام
?
الجمارك في مسقط .

ومنذ عام 1920 جرى وضع ميزانية ماليه سليمة ( ولم يوجد أي عجز في الميزانية منذ عام 1933 ) بحيث إن عمان الآن ومنذ أكثر من أربعين عاما تعتبر من دول العالم القليلة التي ليس عليها أي ديون ، وللسلطان مخصصات خاصة لمصروفاته ، وبتلقي أعضاء الأسرة الحاكمة الآخرون مخصصات متواضعة وفقا لمنزلتهم , وعلى أساس دخل الدولة ، وإذا كلف عضو من الأسرة الحاكمة في عمل ما ، فإنه يحصل على مرتب ثابت بالإضافة إلى مخصصاته .

ولقد قاء إنجليز يان موهوبان بأدوار فريدة في التاريخ المعاصر لشبه الجزيرة العربية . . . لورانس الرومانسي دائما الذي قام بدور ملحمي في الحركة العربية وأصبح صانع الملوك . . وفيلبي ، وكان هو أيضا ذا ميول أدببة و شهرة أكبر في البلاد العربية ، وقد يبدو في الأفق أن لورانس كان يفتقد إلى « أعمدة الحكمة السبعة » فقد ساند فريقا خاسرا ( هو الشريف حسين الهاشمي حاكم مكة والأسرة المالكة في العراق ) في حين أن فيلبي ساند الشاب الملك عبد العزيز آل سعود " المعروف في الغرب بابن سعود ) .

وفي عام 1921 كان السلطان تيمور قد شكل مجلسا للوزراء يضم أربعة أعضاء برئاسة شقيقه السيد نادر بن فيصل ، وفي عام 1925 أصبح محمد أبن أحمد والي مطرح السابق نائبا لرئيس المجلس وحل محله في وزارة المالية الرحالة برترام توماس .

وفي عام 1928 كان السيد سعيد بن السلطان تيمور يحضر كل اجتماعات المجلس ، وعندما توفي رئيس المجلس في أغسطس عام 1929
?عين السيد سعيد الذي كان قي التاسعة عشر خلفا له ، والواضح أنه كان يجري إعداده ليحل محل أبيه السلطان تيمور .

ومنذ عام 1919م ذكر السلطان تيمور مرارا لرونالد وينجيت ، أنه يريد التنازل عن العرش ، وأن يكفيه معاش صغير كي يعيش به في سلام خارج مسقط ، بل وبعيدا عن شبه الجزيرة العربية .

وفي عام 1931 عندما كان السيد سعيد ين تيمور في الحادية والعشرين و رئيسا لمجلس الوزراء ، أعرب السلطان تيمور مرة أخرى عن رغبته قي التنازل عن عرشه لنجله السيد سعيد ، وكان السيد السلطان تيمور قد خدم عمان سبعة وعشرين عاما ، منذ أن كان في السادسة عشر من عمره ، وقد توجه السيد سعيد إلى كراتشي حيث كان والده يستجم ، وحاول أن يثنيه عن عزمه ، و لكن بدون جدوى هذه المرة ، إذ قال له السلطان تيمور "

?« لقد اتخذت قراري . . ولا فائدة . . » .

وسرعان بعد ذلك أن كتب الشيخ عيسى بن صالح زعيم قبائل الحرث إلى السلطان تيمور في كراتشي يقول له : " لقد ذهبت بعيدا عن عمان . . فماذا تركت لنا ؟ . . » فرد السلطان تيمور عليه : « أجل لقد تركت عمان ولكني تركت نجلنا السيد سعيد لرعاية كل شيء . . )

وعاد السيد سعيد إلى مسقط في 11 فبراير عام 1932 وألقى خطابا في اجتماع كبير ، وسلم وثيقة تنازل والده إلى أحمد الشبيلى سكرتير أبيه وتليت رغبة السلطان بصوت عال على أسرته ووجهاء عمان والحاضرين ، وقد أبدى السلطان تيمور في الوثيقة تنازله عن العرش لنجله السيد سعيد ليكون خلفا له ، وطلب من زعماء القبائل والأسرة المالكة تقديم ولائهم له ، ونهض السيد نادر ، والسيد حمد ، عما السيد سعيد وبقية أعضاء الأسرة
?وأمسكوا بذراع السيد سعيد وأجلسوه على مقعد العرش الخاص بوالده .

وبينما كان الجميع يقدمون التهنئة ، أطلقت المدافع تحية للسلطان سعيد ابن تيمور وإيذانا ببدء احتفال كبير بمناسبة توليه السلطة ، حاملا نفس الاسم الذي كان يحمله جده الشهير السيد سعيد بن سلطان منذ قرن مضى ، وفي نفس الوقت اعترفت كل من حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا رسميا به سلطانا على عمان .

وقد أنشئت أول فرقة مشاة في مسقط عام 1914 ، وجهزت بمدافع رشاشة ، وفي عام 1922 أعيد تنظيم القوات العمانية تحت رئاسة ضابط بريطاني برتبة كابتن مع ضباط بعقود من الهند . ومن عام 1933 إلى 1936 استخدم السلطان ضابطين بريطانيين ، ولكنه في عام 1936 استخدم ضابطا متقاعد بعقد لمدة عامين .

ويبدو أن هناك قدرا كبيرا من سوء الفهم ، المتعمد وغير المتعمد ، يوجه إلى حد ما حول هؤلاء الضباط الأوربيين الذين قادوا وحدات رئيسية من قوات السلطان ، فهم ليسوا امتدادا للاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر الذي لم يلائم العصر في جنوب شبه الجزيرة العربية ، كما يريد إقناعنا بذلك بعض الانتهازيين ، إذ أن مراكزهم ليست إلا تعبيرا عن فكر السلطان ، مثلما هو الحال بالنسبة للمدير العام المصري لجمارك عمان ، ومسئول المالية العماني ، الباكستاني الجنسية ، كما قال السلطان نفسه : « إذ لم يكن لدي اكتفاء ذاتي في سلعة ما , أو أحدث أساليب التنمية ، فإنني أسافر لأستوردها من الخارج . . ونفس الشيء بالنسبة للتخصصات من الرجال التي لا تتوافر في عمان فإنني أذهب إلى مصدرها لأحصل عليها » .
إن متوسط عمر الضباط الأوربيين لدى السلطان سعيد هو 38 عاما في ذلك الوقت ، وهم يكونون فيما بينهم حصيلة أكثر من عشرين عاما من الخدمة في القوات المسلحة البريطانية . . وهناك ثلاثة أمثله من بين اختيارات السلطان ، تصور حكمته فى هذا الصدد : وأولهم في الأهمية هو البريجادير بات ووترفيلد ، السكرتير العسكري ، سابقا رئيس أركان القوات المسلحة لمسقط ، وقد تقاعد من آلاي المدفعية بعد خدمه 32 عاما في الجيش البريطاني عمل خلالها في الخدمة العامة في فارس والعراق ، وفلسطين ، وسوريا ، ولبنان ، والصحراء الغربية في شمال إفريقيا وبورما .

والثاني هو الكولونيل « هيو ر. د . أولدمان » قائد قوات السلطان المسلحة الذي كان فيما سبق نائبا لقائد قوات محمية عدن ، وقاتل قبل ذلك في دنكرك وفي شمال أفريقيا ، . وأثناء غزو صقلية ونورماندى . والثالث هو الكولونيل « كولين ماكسويل » نائب الكولونيل أولدمان ، وهو من أقدم العاملين في خدمه السلطان ، وقد وصل في عام 1952 ، وهو نفس العام الذي جاء فيه الميجور جون ارمتياج ( الذي نقل بعد ذلك إلى ظفار ) ومنذ ذلك الحين ، والكولونيل ماكسويل . يشترك في عمليات عسكريه ومدنيه في البريمي ، وساحل الباطنة والجبل الأخضر ، وقد خدم في فلسطين قبل الحرب ، وشارك في الحرب العالمية .

لقد كان السلطان سعيد بن تيمور يدرك أن ليس بين أفراد شعبه من لديه خبرة كافيه لاستيعاب التطور في الفنون العسكرية الحديثة ، ومن ثم فإنه كان يستخدم أفضل الرجال الذين يستطيع الاعتماد عليهم سواء في التدريب أو التخطيط ، ومنذ وقت قريب ونظرا لرغبة السلطان في توسيع وتحديث الجيش العماني فقد وافقت الحكومة البريطانية على طلب السيد سعيد بن تيمور بإعارته عددا من ضباط الجيش البريطاني الذين اندمجوا
?في قواته المسلحة كمدربين ومستشارين ، لفترة تتراوح بين 18 شهرا أو ثلاث سنوات ، لتدريب الجيش العماني وتخريج ضباط عمانيين مدربين على أحدث النظم العسكرية .

ولكن عندما تقبل حكومة السلطان مساعدة عسكرية بريطانية للتدريب ، فإن المغرضين في العالم العربي قد وصفوا هذه المساعدة ( بأن عمان واقعة تحت سيطرة الاستعمار البريطاني ) .
?الفصل الثامن

القضاء على تمرد الجبل الأخضر


?منذ بداية عهد السيد سعيد بن تيمور ، كان الإمام محمد بن عبد الله الخليلي معروفا بالاستقامة والورع ، وكان لهذا العامل أثره في استقرار الأمن في الداخل ، وهناك رواية شخصية عن هذا الزعيم الروحي ، فقد كان معروفا للدكتور ويلز توماس من رجال الإرسالية الأمريكية في مسقط ، وكان قد التقى بالإمام لأول مرة في عام 1941 ، وكان الدكتور توماس قد استدعي على عجل من جانب الشيخ سليمان بن حمير لمعالجة أحد أصدقاء الشيخ المذكور الذي قد عقره ثور فأصابه بجرح خطير . . ولم يستطع الدكتور توماس وزميله الوصول بالسيارة إلا إلى الرستاق ومن هناك سافرا على ظهور الحمير حتى أدى بهما الطريق إلى إحدى القرى الخاصة بالعبريين، ثم صعدوا في طريق ملتو للجبل الأخضر .

وعلى ارتفاع حوالي 8000 قدم فوق سطح البحر وصلا إلى سهل يمتد عدة أميال وأخذا يجتازان الهضبة من هذه السلسلة الجبلية الكبيرة ، وعندما بلغا تنوف ، تخلى عنهما دليلهما عندما عرف أن الشيخ لم يكن في مقره بالقلعة وإنما كان في مقره الصيفي في بركة الموز ، وعندما وصلا أحسا بارتياح عندما وجدا رسولا من قبل الإمام يستقبل الدكتور توماس وضيفه ، ويرحب بهما بكرم بالغ .

وقد استقبلهما الإمام بعد ذلك في مقره بالقلعة ، وهي المقر الرسمي له وقادونا بين حشود من الناس يقفون خارج القلعة ، ودلفنا من بوابة خارجية كبيرة ، ثم بوابة داخلية أصغر ، ثم صعدنا درجتين من السلالم إلى المجلس
?أو قاعة مقر الإمام ، ولمحنا من خلال الضوء الخافت رجلا نحيلا يضع عمامة بيضاء كبيرة على رأسه , ويجلس فوق بساط في الطرف البعيد من الغرفة ، والى يمينه رجلان كهلان آخران يرتديان ثيابا مماثلة له , وعلى كل جانب جلس حرسه الخاص من الرجال المسلحين .

وعندما دخلنا نهض ليصافحنا ، ثم بدا هزاله أكثر وضوحا إذ بدا وكأنه يترنح قليلا وهو في وضع منتصب ، لم تكن قبضة يده قوية ، وأشار بيده إلي لكي أجلس بجواره ، ثم قدمت لنا القهوة و الحلوى وبعد ذلك رشوا علينا ماء الورد . .

وبينما كان هذا يجري ، وجه إلينا عدة أسئلة عن هدفنا من مغادرة بلادنا للعيش والعمل في مسقط ، وعندما أجبناه بأن " يسوع " - و نحن من أتباعه - أمر أتباعه بالذهاب إلى كل الأمم لتعليم الناس مبادئه وعلاج المرضى ، ومشاطرة كل الناس الأنباء الطيبة الواردة في الإنجيل . قال لنا : هل تؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى واحد ؟ . . وعندما قلنا : أجل . . قال : نحن نعتقد أنكم على خطأ في بعض معتقداتكم . . ولكننا نحترمكم لأنكم تخشون الله سبحانه و تعالى ، ومن ثم فإن في استطاعتكم أن تمضوا في أرضنا بسلام ، ولعل الله يهبكم البراعة والحكمة لشفاء المريض ، وسأرسل دليلا آخر لكي يصحبكم إلى المريض . . . » .

وكانت تلك بداية لمعرفة طويلة مع هذا الزعيم الروحي المسلم . . إنه يعيش في بساطه تامة , ويقطن هو وأسرته في غرفتين أو ثلاث في جزء من قلعة نزوى ذات البرج الدائري الكبير ، وكان معروفا بالعدل ، صارما في تمسكه بالانضباط والنظام ، وكان رحيما عطوفا على الفقراء واليتامى والأرامل . . وخلال حياته كان أغلب الدخل من ثمن بيع البلح من بساتين
?النخل المملوكة للأوقاف توزع على الفقراء والمحتاجين . . وقد ظل فقيرا حتى وفاته . . » .

?وقد التقى الدكتور « توماس » بالإمام عدة مرات ، وفي إحدى المرات طلب الطبيب أن يؤذن له بالتقاط صورة للإمام فرفض ، وعندما أشار الدكتور توماس إلى أن حكومات عربية عديدة تطلب من رعاياها صورا فوتوغرافية لجوازات السفر ، أجاب الإمام قائلا : « لن أعاونك على فعل ما لا أرضى به » .

وكان هذا هو اللقاء الأخير بين الدكتور توماس والإمام بصفته طبيبا ، فقد بعث له الإمام محمد خطابا يطلب فيه إجراء جراحة لإزالة سحابة في عينه اليمنى ، وفي نفس الوقت كتب للسلطان السيد سعيد بن تيمور يطلب منه تكليف الطبيب بإجراء العملية له ، و جاء في رسالة السلطان إلى الدكتور توماس : « إن صديقه القديم الشيخ محمد بن عبد الله يحتاج إلى جراحة » .

?ولما كان الشيخ يحظى بأعظم قدر من التكريم في كل أنحاء عمان ، فإنه سوف يسعده أن يقوم الطبيب بتلك الرحلة . . و هكذا كتب الدكتور توماس إلى الإمام ليضع الترتيبات اللازمة للرحلة ، ثم توجه في الوقت المحدد إلى نزوى مرتديا ثيابا عربية ، ومراعيا التقاليد العربية كما طلب منه الإمام ، و نجحت العملية ، ولكن الإمام لم يعش طويلا للتمتع ببصره الذي عاد في عينه اليمنى ، إذ توفى في عام 1954 م .

وبوفاة الإمام محمد ، أعلن غالب بن علي من قبيلة بني هناة ، وكان في الخامسة والثلاثين من عمره أنه خليفة الإمام ، رغم أن السلطان لم يعترف به قط ، ولم ينتخب وفقا للأسلوب القديم.
والحقيقة أن المرشح الأول للإمامة لم يكن هو غالبا على الإطلاق : بل عبد الله بن سالم الخروصي ، ابن الإمام السابق سالم بن راشد الخروصي (1913 1920 ) وبما أن ترشيحه كان بتأييد من الشيخ سليمان بن حمير شيخ بني غافر ، فقد اعتبر أنه موال لسليمان ، ولم يتم اختياره ، وأصبح غالب الذي كان يعمل في الرستاق في الحين هو المنافس الرئيسي على منصب الإمامة , ورغم أن السلطان لم يعترف بغالب كإمام فإنه نصب نفسه إماما و كانت مشكلة البريمي .

وفي 14 ديسمبر عام 1955 وصل السلطان سعيد بن تيمور منتصرا إلى نزوى لكي يتلقي مبايعة رعاياه المخلصين والمتمردين ، وقد سافر بالسيارة من صلالة على ساحل ظفار إلى مسقط عن طريق فهود ، وأدم , وفرق ، ونزوى وعبري والبريمي .

وخلال تجمع المستقبلين ، كان السلطان يقود سيارته بطريقة رائعة وسط سلسلة من سيارات النقل . . وكان السلطان قد عبر المرتفعات بطريقة لم يسبق لها مثيل من صلالة على المحيط الهندي ، وقد اندفع في الطريق العام الوعر ، وعلمه الأحمر يرفرف ، وحرسه الخاص يتعلق بمؤخرة سيارات النقل وجنوده يصحبونه في فخر . وأخذت المدافع تطلق من منافذ القلعة تحية لمقدم السلطان السيد سعيد ، وكانت تكملها سلسلة من طلقات الابتهاج ، كان يطلقها العرب المصطفون على جانبي الطريق .

وهكذا كانت تسود نزوى الفرحة التامة ، وبرز السلطان من سيارته التي يقودها بنفسه وسط هتافات الرجال وزغاريد النساء مرحبين بهذه السيارة ومعلنين ولاءهم التام للسلطان ، وبعد أن وطد السلطان سعيد بن تيمور سلطته في نزوى ، واعترف شيوخ الداخل رسميا بسيادة السلطان ونبذهم
?لزعماء التمرد .

ومن أكثر الشخصيات ذات الأثر الفعال السيد طارق بن تيمور ، شقيق السلطان السيد سعيد بن تيمور ، وقد ولد في عام 1920 وتعلم اللغة الإنجليزية والألمانية والتركية ، و في عام 1937 عاد السيد طارق إلى مسقط بينما كان السلطان في الهند في زيارة ، وعند عودة السلطان أوفد السيد طارق إلى صور للتعلم ، وتبع ذلك عمله لفترات في أعمال البوليس بمدينة مدراس ، والتدريب العسكري في بلوشستان ، وانضم إلى فرقة مشاة مسقط .

?وعندما نشبت الاضطرابات عام 1957 ترك السيد طارق مؤقتا منصبه كمدير لبلدية مسقط ، ليعمل كضابط اتصال مسئول عن القانون والنظام بين جيش السلطان والإدارة المدنية وكان المتمردون قد انتهكوا اتفاقية السيب لعام 1920 وقاموا بإنزال بنادق وذخيرة في السيب . وقد جاءت تلك الأسلحة أصلا من الخارج ، وهربت ليلا بطريق البحر ، وكانت المهمة الأولى للسيد طارق هي الاستيلاء على تلك الأسلحة و الذخائر التي دفنت في الرمال .

وتقع نزوى التي توجد عند التقاء أربعة جداول ماء عند قاعدة الجبل الأخضر ، على ارتفاع 1700 قدم ، وهي عدة أحياء ذات أسوار تفصل كل منها عن الآخر ، ولكل منها أبراج للمراقبة ، ويعتبر كل منها قلعة حصينة في حد ذاتها ، وتتخللها أشجار النخيل ، وبساتين الفاكهة والحدائق ، وليس للمدينة ذاتها أسوار .

والجزء الأعلى من المدينة يسمى « نزوى العليا » و تعتبر من قلاع بني ريام الحصينة ، والجزء الرئيسي أو نزوى السفلى ، الذي يوجد به السوق
?والمسجد الرئيسي ، وقلعة دائرية يقطنها خليط من القبائل - أغلبهم من بني هناة أو حلفائهم - مع مجموعات من كنود والبوسعيد ، وامبو سعيد ، والعبريين وعلى يسار الطريق بين جزئي المدينة يقع سهل قاحل، تتناثر فيه مساجد صغيرة ، ويطل عليه برج فوق قمة صخرية يعرف باسم برج القرن ، وكان هذا السهل منذ أقدم الأزمان مكان تجمع الجيوش ، وساحة لمعسكرات الغزاة والمثل الشهير القائل إن من يحتفظ بنزوى يسيطر حقا على عمان يعني أن كل من يسيطر على برج القرن يسطر على نزوى ، وذلك على الرغم من القلعة الضخمة الموجودة في نزوى السفلى ، وكذلك على الطريق بين القطاعين - وموارد الماء في البلدة السفلى تأتي أغلبها من أعلى

وتنج نزوى مجموعة كبيرة من الحاصلات الزراعية ، وكذلك البلح وهناك محطة تجارب زراعة حكومية ، كما أن أهل نزوى يقومون بصناعة صبغة النيلة الزرقاء من أشجار تنمو هنا ، كما يعملون بالصباغة لهذه النيلة ، والإزار العماني ، وهو الثوب الذي يشبه الإزار ، ويرتدى عادة في المنطقة كثوب داخلي ، يصبغ بالنيلة التي تشبه الحبر في زرقتها . . وهناك صانعو سروج وخزف وإسكافية ونحاسون و صياغ وتتسم منتجات هؤلاء الصناع ببدائية تضفي عليها سحرا معينا ، وهناك يقطن آخر من تبقى من صانعي أواني القهوة .

ويزرع قصب السكر الذي ينتج سكرا بني اللون ، كما تصنع أحسن حلوى ، وهي نوع من الحلوى التركي وتصنع من الجلاتين الممزوج بالنشا والسكر والزبد المصفى وماء الورد والهيل والزعفران .

وتسيطر على نزوى القلعة الكبرى ، التي تعتبر فريدة في نوعها في كل عمان ( وفي كل جنوب شبه الجزيرة العربية ) وفي داخل ساحتها الفسيحة
توجد مجموعات من حظائر الخيول ، والمخازن ، وأماكن الجند ، والسجون وقاعة مجلس الوالي ، ويرتفع في داخلها برج دائري رهيب تتضاءل إلى جواره بقية القلعة ، ويسيطر تماما على نزوى السفلى بأسرها ، والمنطقة الريفية في الجنوب ، هذا البرج الهائل الذي بني فوق قاعدة صلبة ، وإن لم تكن في وضع مرتفع ، ويبلغ ارتفاعه حوالي 85 قدما ، وقطره مائة وخمسين قدما والستون قدما السفلى صلبة جدا ، ومن ثم فلا يمكن تدميرها ( والصواريخ القوية المضادة للدبابات التي أطلقت عليها في عام 1957 ارتدت عنها بالفعل ) أما العشرون قدما العليا فهي على هيئة طبق مفتوح للسماء ، مع أرضية دائرية وأسوار تحيط بها ارتفاعها عشرين قدما ، وهناك مجموعة كبيرة من إعداد السلالم ، تؤدي بداخل هذا السور إلى منطقة لإطلاق النار على مدى مناسب تحت المتراس المحصن ، وفي أسوار الطبق ، وعند مستوى الطابق الأرضي فتحات شديدة مازالت فوهات المدافع القديمة تبرز منها .

وفي أبريل عام 1961 سار « بيل تيرى » وكاتب هذه السطور أمام البوابات الخارجية الهائلة لساحة القلعة ، وعبرا الفناء ، ودخلا بوابة المجمع الداخلي ، وبعد الدوران حول أركان عديدة تحت المراقبة المستمرة لحرس السلطان ، واجهنا في النهاية البرج الهائل ذاته . . كان مدخل الباب ( وهو المدخل الوحيد ) يعلو أربعة أقدام فوق المستوى الذي كنا نقف فوقه ، ويفصله عنا خندق عميق ، وفي النهاية استطعنا المرور فوق جسر من أخشاب النخيل ينحدر بشدة ( يجذب للداخل عندما يغلق الباب ) وأصبحنا داخل البرج .

ويتكون الطريق إلى أعلى من نفق لولبي ذات درجات يلتوي إلى أعلى داخل الجزء المتين السفلي من البرج ، و كان ضوءه خافتا ، وأخيرا خرجنا إلى
?أرضية الطابق على ارتفاع 60 قدما ، ويحوي غرفا للمخازن تفتح على جوانب السور المحيط بها الذي يبلغ ارتفاعه ستة أقدام ، و فتحة للوظائف الطبيعية للحامية ، وفتحتان أخريتان في أرضية الطابق يغطيهما بابان من الحديد الثقيل حيث توجد الزنزانات . .

ولهذه القلعة ببرجها العملاق قاعدة من البناء الصلب ، ومورد ماء مستقل ويقول السلطان : « إن مستوى الماء داخل البرج الدائري أعلى من مستوى الماء في المنطقة المحيطة بها ومن الممكن بالتأكيد اعتبارها قلعة منيعة ، إذ يمكن لرجل واحد من أعلى أن يسيطر على الموقف فعلا بمنع أي شخص من وصول السلم ، و رغم أن الأهالي المحليين يقولون إن القلعة قد أقامها « الجن » فإنها في الحقيقة قد بنيت خلال فترة 12 عاما بواسطة الإمام سلطان بن سيف الأول ، وقد تم بناؤها من مغانم المعارك بعد طرد البرتغاليين من عمان .

?وخلال تلك الرحلة الحاسمة التي قام بها السلطان عبر عمان كتب في 16 يوليو عام 1957 إلى القنصل البريطاني العام في مسقط موضحا تفاصيل الموقف الذي نشأ وطالب بمساعدة بريطانيا : « إن لديكم معرفة كاملة بالموقف الذي نشأ الآن في نزوى ، واعتقد أن الوقت قد حان لكي أطلب أقصى مساعدة عسكرية و تأييد جوي تستطيع صديقتنا حكومة صاحبة الجلالة البريطانية تقديمها في هذه الظروف ، كما حدث في تلك المناسبات السابقة التي دعمت صداقتنا ، والتي تجعلني ممتنا لكم بصفة دائمة . . وسأكون شديد الامتنان لو قدمتم مثل تلك المساعدة مرة أخرى لإعادة الموقف إلى ما كان عليه ومنع المزيد من خسارة الأراضي وضياع الثقة . . » .

?« . . إن الأحداث تتحرك الآن بسرعة إلى حد أنني لست في حاجة لأن أضيف أن السرعة التي يمكن تقديم المساعدة بها ستكون حيوية ، وسأكون شاكرا جدا إذا تناولتم هذه المسألة مع حكومة صاحبة الجلالة البريطانية وفقا لذلك . . » .

وقد وصلت المساعدة الجوية والبحرية على عجل : مما أتاح للسلطان إرسال قوتين ، إحداهما من عبري تتكون من طابور عسكري صغير ، وقوات الحدود الشمالية وعناصر من كشافة عمان ، والثانية من مسقط .

وقد التقت الدوريات من كلتا القوتين في النهاية , و تم الاتصال بينهما عند بركة الموز ، وهي القرية التي كان يسيطر عليها المتمردون من قبل .

وبعد فترة مبدئية من إطلاق الصواريخ ونيران المدافع ، وبعد يوم ونصف من القتال في درجة حرارة بلغت 130 درجة استولت قوات السلطان المختلفة على نزوى ،التي احتلها لواء الحدود الشمالية ، وكانت الخسائر في الأرواح طفيفة ، حيث قتل واحد وجرح ثلاثة من بين رجال قوات السلطان ، ويقدر السلطان أن حوالي 15 من المتمردين قتلوا وأصيب سبعة عشر بجراح .

وقد حدثت المعركة الوحيدة العنيفة بين قوات السلطان والمتمردين عندما أعادت القوات التي ترفع علم السلطان احتلال نزوى ، وكان الموقف كما يلي : كان الطريق إلى البلدة يفصله تل معين على مسافة طولها ميلان و كانت قوات السلطان تتكون من 200 من جنود الكاميرون حملة البنادق ، وفصيلتين من جنود عمان ، و 80 من رجال القبائل الموالية . . وفي ذروة المعركة وقف أحد المتمردين ، وأطلق النار من بندقيته القديمة من طراز « مارتن هنري » بينما كانت رصاصات المدافع الرشاشة تتساقط حوله ،
?وقد جعلت تلك الحادثة السيد طارق بن تيمور يقول ملاحظا : « إن هؤلاء المتمردين عمانيون وعندما يبدون أية شجاعة فإننا نفخر بهم . . » .

وبعد هجوم ليلي قام به الجنود وحطموا به مقاومة المتمردين في فرق ، وكان من الممكن أن تنتهي حكاية المتمردين هنا لو أن السيارات المدرعة سمح لها بمطاردتهم ، بيد أنه اكتفي بكبح جماحهم . . ولم يعرف قط لماذا حدث ذلك . .

?لقد كان الأمل بالتأكيد أن المتمردين قد انتهوا ، وأنهم سيهربون من البلاد ،ولم يتصور أحد أن الحملة سوف تستمر حوالي عامين آخرين وربما كان هناك خوف من موقف أكثر صعوبة في مناقشات الأمم المتحدة و لو كان قد بذل جهد كبير في تلك الفترة لانتهى كل شيء إذ إن الموقف الذي سمح له أن ينشأ استغله أعداء عمان أكثر من عامين ، حيث إن المسألة لم تنته عندما كانت الفرصة مهيأة لذلك .

وسرعان ما اعترف المتمردون بالدور البارز الذي قام به السيد طارق بن تيمور في العمليات ضدهم ، وعرض المتمردون 40 ألف ريال ثمنا لرأسه ، وهذا العرض اعتراف هام بالدور الذي قام به الشقيق الأصغر للسلطان سعيد ابن تيمور في الدفاع عن وحدة بلاده .

وليس من قبيل المبالغة القول بأن التمرد كان مقصورا على منطقة صغيرة جدا ، وأن الأغلبية الساحقة من قبائل عمان لم تقدم مساعدتها للمتمردين ( ولو أنهم فعلوا ذلك لكان مستحيلا محاصرة المتمردين بمنطقة الجبل الأخضر ) بل ظلت الأغلبية من القبائل مواليه للسلطان ، وبالتالي فإن الاستقبال الودي الذي قوبل به ممثلو السلطان وقواته في أنحاء المناطق الداخلية ليؤكد ولاءهم للسلطان سعيد بن تيمور .

?وثاني أهم مدن الداخل بعد نزوى ، هي « الرستاق » القلعة الحصينة السابقة لليعاربة ، وعاصمة عمان إلى أن انتقل الجيل الثالث من حكام آل بو سعيد إلى مسقط في عام 1784 ، وتحيط بالرستاق ( التي ترتفع 800 قدم ) بساتين من أشجار الفاكهة و المانجو ، وأشجار النخيل ، وهي تقف عند منحى ذي زاوية قائمة على أحد الوديان ، وبعد أن يخرج من أعماق الجبل الأخضر يمتد هذا الوادي في خط متواز مع الجوانب الشمالية من الجبال ثم ينحني بصورة حادة شمالا في مسيرته إلى البحر . . وعند هذا المنحنى توجد البلدة ، حيث يقع الجزء الرئيسي أو « الرستاق العليا » بين المنحنى و الجبال وتسيطر عليه سلسلة جبلية كبيرة ووعرة ، بينما تمتد الضواحي الممتدة بلا نظام ، وهى المعروفة باسم « الرستاق السفلى » على جانبي الوادي بعد استدارته نحو الساحل ، وتوجد إحدى ملامح البلدة ، وهي الينابيع الساخنة هناك .

وأغلب السكان ( ويقدرون بنحو خمسة آلاف نسمة ) من قبيلتي بني غافروبني هناة , وبعض القبائل التابعة لهما ، و من الجماعات الأخرى البارزة الممثلة هناك ، المناذرة والمشاقصة ، وبني شكيل ، والعبريين ، والبوسعيد والوالي هناك هو سلطان بن حمد السمار البو سعيدي في ذلك الوقت ، وهو الشقيق الأصغر لوالي نزوى .

والصناعات هناك قليلة . . وفيما عدا الأنشطة الزراعية العادية فإن من سمات السوق الكبير الذي يقع تحت أسوار القلعة بيع « الشملة » وهي السجادة العمانية النموذجية التي لا تبلى والمصنوعة من شعر الماعز المصبوغ بشرائط حمراء وسوداء ، ويقوم بصنعها رعاة القرى الجبلية المحيطة بالبلدة ، أما الأسماك فهي تجلب يوميا من الساحل الذي يقع على مسافة ثلاثين ميلا .
وقلعة الرستاق هي بناء هائل متهدم ، يقع على بروز صخري في الجزء الأعلى من المدينة ، ويسيطر تماما على المنطقة المحيطة به ، وهي من حيث الشكل أشبه بقرية كاملة مسورة ، بها مساكن خارجية واسعة وأماكن لجنود الحامية داخل السور الخارجي ، والجزء الرئيسي من القلعة حصن ضخم يرتفع حوالي ثمانين قدما ، وكان فيما مضى أعلى كثيرا من ذلك ، لكنه الآن في حالة تتطلب ترميمه ، وتحيط به أربعة أبراج ، والحصن به أماكن معيشة الحامية الداخلية ، وغرف المخازن ، وقاعات مجلس الوالي في أعلى ، بينما يوجد السجن في الأسفل ، ومن معالم الجزء الأخير ( القنطرة ) في الجب الداخلي .

وأكثر المباني التي شاهدتها في كل عمان من حيث روعة المظهر و النبل والصورة المهيبة حقا . . هي قلعة « الحزم » مقر السيد أحمد ، وقد بنيت لتكون مكانا للاستجمام والاعتكاف خلال عهود أئمة اليعاربة ، و عندما كانت عاصمة عمان الرستاق التي تبعد ستة أميل إلى الشرق. .

?ويمر الداخل إلى هذه القلعة من خلال بابين ضخمين مزخرفين ، وقد حفرت فيها نقوش دقيقة ، وأربعة ممرات حجرية مظلمة شديدة الانحدار والانزلاق ، ويوجد بها سلم سري داخل واحد من الجدران الضخمة التي يبلغ سمكها ستة أقدام ، والتي بنيت من أحجار اقتطعت محليا . . وتحت السقف الأعلى مباشرة غطيت الغرف برسوم من الزهور ، وقد قام بصنعها هنود تم إحضارهم من سورت .

وحتى أواخر عام 1961 كان من الممكن رؤية العديد من المدافع البرتغالية النحاسية الثقيلة جدا ذات الزخارف الجميلة والتي يرجع عهدها إلى القرن السادس عشر في تلك الغرف العليا ، ولا تزال قابعة فوق
?عرباتها البدائية التي جلبتها من الساحل . . غير أن القلعة لم تكتمل تماما ، ولا توجد هناك أي آبار ، و يصل الماء إلى القلعة من خلال قنوان تحت الأرض من وادي فرق ، كما أن هناك خزان ماء فوق البوابة الرئيسية يستخدم لإطفاء النيران في أيام الحصار .

دخل السيد طارق بن تيمور وألف من الرجال الذين يمثلون سبع قبائل مدينة في نزوى في أغسطس 1957 ، وكان الرأي الشائع هو أن زعماء التمرد قد تمكنوا من الهرب من عمان ، ولم تكشف أماكنهم إلا عندما دعى رؤساء القبائل في الجبل الأخضر إلى نزوى للمبايعة وإعلان ولائهم للسلطان . . . ولم يعلم السلطان أن زعماء التمرد قد استولوا على الجبل الأخضر والطرق المؤدية إلى القمة إلا عندما بعث رؤساء هذه القبائل رسائل يشوبها الغموض .

ويغطي الجبل الأخضر حوالي 380 ميلا مربعا تقريبا ، و به حوالي 40 دربا ضيقا ، وعرة ترتفع بين سفوحه ، ويستغرق الوصول إلى القمة ثمان ساعات على الأقل من التسلق الشاق ، وقد تم استدعاء رجال القبائل الموالين للحكومة للمساعدة في فرض حصار على اثني عشر من الطرق الرئيسية ، وهكذا بدأ حصار الجبل الأخضر وكانت الصواريخ تطلق كلما شوهدت حركة علن مسالك الجبل ، وهكذا التزم جيش السلطان بموقف دفاعي ، وركز جهوده على المحافظة على الأمن في المناطق التي يسيطر عليها ، وبهذه الطريقة احتوى المتمردين على الجبل ، وحاصرهم لمنع مرور الإمدادات إليهم .

وطوال بقية عام 1957 حتى يونيو 1958 كانت العلميات العسكرية تقتصر على مجموعات صغيرة من المقاتلين تصعد في طريق أخر ثم تعود إلى القاعدة بعد فترة تتراوح بين 24 و 48 ساعة .

?وفي تلك الفترة قام بعض الجنود المدربين على حرب العصابات ويشرف عليهم السيد طارق بن تيمور شقيق السلطان ( وقد تم تكوينهم من أجل الكمائن الليلية ) بدور هام . وكان لدى السيد طارق بن تيمور ثلاثة رجال شداد ، لا يهابون شيئا ، من الخبراء في العمل بالجبال ، وقد سمح لهم أن يختاروا رجالهم لكل مهمة محدودة يقومون بها ، وكانت تلك الجماعات الليلية الصغيرة ، تتكون عادة من خمسة إلى عشرة رجال مسلحين ببنادق حديثة ، وقد استطاع بعضهم العمل ببراعة لفترات تصل إلى 72 ساعة ، ويقتصر طعامهم على حفنة من التمر و جرعات من الماء ، و كانوا دائما يعودون ببعض الأسرى من المتمردين والبنادق أو ببعض الرمان الذي ينمو على المنحدرات العليا للجبل ، وقد ذهب رجال حرب العصابات التابعين لطارق مرتين خلف خطوط المتمردين وظلوا هناك أسبوعا في كل مرة . وفي ذات مرة نصب المتمردين كمينا لهم ولكنهم استطاعوا بطريقة ما أن ينجوا بأنفسهم بمساعدة البعض من قبيلة بني ريام الموالين لهم .

وتضم قبيلة بني ريام نحو 6000 شخص ، ويعيش سبعة فروع منهم على الأقل في الجبل الأعلى في أربع قرى أساسية ، ورغم أن العبادية وبني ريام يتصلان تقليديا « بالمهرة » وقيل أن كليهما هاجرا منذ زمن بعيد من اليمن وقد ذكر العالم الجغرافي العربي الهمداني أن أطلال معبد النار اليمني قبل الإسلام كان خاصا ببني ريام بما فيه من أوثان لعبادة الشمس والقمر . وكانت لا تزال موجودة حتى عام 1950م ، وكانت تعتبر من الأماكن المقدسة التي يحج إليها ، وقد انفصل المهرة فيما بعد عن بني ريام ، تاركين لهم مواصلة مسيرتهم وحدهم إلى هذا الجزء الأوسط الذي يتعذر الوصول إليه من عمان .

كان أولئك الرجال يبحثون عن السلام والعدالة . . إن العمانيين مخلصون لعمان . . لقبيلتهم ولزعمائهم ، غير أن زعماء التمرد لم يجلبوا
?لهم سوى الموت والدمار ، في حين أن السلطان حقق لهم الأمان والاستقرار .

وطوال عام 1958 أصبحت قوات السلطان أكثر قوة وأفضل تدريبا وبدأ العتاد ووسائل النقل في الوصول ، ومنذ ذلك الحين تم إعداد المسرح لهجوم شامل على الجبل باستخدام القوات البرية ، ورغم ما أصاب المتمردين بسبب فرار العديدين من رجالهم ، فقد كان عددهم لا يقل عن 180من المقاتلين المدربين . وحدث الهجوم في يوم 26 يناير 1959 ، وعندما وصلت قوات السلطان إلى قمة الجبل ، استسلم كثير من المتمردين ، بينما هرب الآخرون هابطين من أحد جوانب الجبل التي تركت بلا حراسة .

والحقيقة هي أن هذه العملية برمتها قد نفذت بصورة متقنة ، وإن كانت تتسم بالذكاء ، واستولت قوات السلطان على جميع الأسلحة كما نزع سلاح الأهالي ، وتم استجوابهم ،وسمح لهم بالانصراف ولم يعاقب أحد .

وتولت الإدارة المدنية للسلطان في منطقة الجبل الأخضر برمتها بعد فترة قصيرة من الهجوم النهائي في أوائل عام 1959 , و تم تعيين وال وقاض ، وأقيم موقع للجيش للمحافظة على الأمن ، وقد أعيد بناء كل المساجد في القرى الأربع ، كما أصلحت كل قنوات المياه ، وحصل الأهالي على بذور للزراعة بالمجان ، وبدت السعادة والرخاء على الجميع ، كما شاهد المؤلف ذلك بتجربته الشخصية في المنطقة .

وبذلك تم القضاء على التمرد وهرب زعماؤه إلى الخارج .

وأخذت قوات السلطان تزداد تحسنا في الإدارة والتنظيم والتدريب والتجهيز يوما بعد يوم ، ونجحت في المحافظة على السلام داخل عمان ، ومنع انتهاك حدود عمان من الخارج ، وتجرر كل أعمال الإدارة العامة باسم السلطان .
الفصل التاسع

إن الانتقاد يزيد الإنسان حكمة

سعيد بن تيمور


??عند تلخيص دوافع المتمردين ضد حكومة السلطان ينبغي أن نوضح أن المطامع الشخصية والسعي من أجل السلطة هي الحوافز التي كانت تحركهم و لكي يحصل زعيم المتمردين على معونة واسعة من العالم العربي ، فقد أخفى حقيقة مشاعره ، وأخذ يزعم أنه يقاتل ضد البريطانيين ، وكان يذيع أخبارا زائفة ليعزز بها هذا الزعيم ( الذي كان بالنسبة لأهل عمان ) محاولة سخيفة .

?وكان نشاط المتمردين ينحصر في نقطة واحدة ، وهي أنها نضال القومية العربية ضد الإمبريالية البريطانية المعتدية ، وكانت مساعدة الإنجليز للسلطان تصور على أنها عمل « إمبريالي » , مع أن البريطانيين لم يعملوا جنبا إلى جنب مع العمانيين إلا باسم السلطان ، وبناء على طلبه الصريح .

ولعلنا نذكر تصريح « تشرشل » عندما قال : « إنه مستعد للتعامل مع الشيطان إذا كان ذلك يخدم مصلحة بلاده . . » ولم يكن البريطانيون يحاولون السيطرة على عمان ، ولم يمتلكوا في الماضي قدما واحدا مربعا في سلطنة عمان ( المؤلف أمريكي وليس بريطانيا ) ورغم القاعدة العامة للعلاقات الدولية التي أحسن اللورد بالمرستون التعبير عنها عندما قال « إنه ليس لبريطانيا أصدقاء ولا أعداء دائمون ، بل مجرد مصالح دائمة » . . فإنه في هذه الحالة لم تكن هناك أي مبادرة من جانب بريطانيا ، ولا أي التزام بمقتضى معاهدة ، بل مجرد استجابة لطلب حكومة السلطان
?لمساعدته في القضاء على تمرد وقع في أحد مناطق عمان ، وكان بتحريض ومساعدات من الخارج .

وفضلا عن ذلك . . فإن المحافظة على سلطة مركزية موحدة في عمان كان يعتبر لمصلحة كل الدول المتآخمة للخليج فيما يتعلق بالاستقرار ، بل إن عمان قد ساعدت بوسائلها المحدودة بريطانيا نفسها ، كما حدث فيما يتعلق بالقضاء على تجارة الرقيق والحرب ضد القراصنة ، وقد تعاونت مع البريطانيين في مناسبات عديدة ، ولكن سلطنة عمان كانت تدير علاقاتها الخارجية دائما بنفسها ، وأنها وإن كانت قد قبلت أحيانا نصيحة الحكومة البريطانية لكنها لم تكن قط خاضعة لبريطانيا .

وإنه مما يثلج الصدور في العهد الجديد أن نرى سلطنة عمان دولة مستقلة تحترم علاقاتها مع الدول الأخرى .

ولقد أمكن الاحتفاظ بسلطنة عمان من الناحية السياسية - دولة موحدة مستقلة - في ظل أسرتها الحاكمة الوطيدة . . وفي الوقت الذي يطبع فيه الكتاب تقف البلاد على عصر جديد وعهد جديد من الناحية الاقتصادية بسبب الإنتاج الوشيك للبترول ، وقد خلق هذا التحسن للصورة الاقتصادية مجتمعا حديثا ودولة حديثة في السلطنة . . ومن المنتظر أن يزداد رخاء عمان في ظل العهد الجديد .
ملحق رقم ( 1 )

أسرة اليعاربة الحاكمة


?هذا التسلسل الزمني يقوم على أساس كتاب « كشف الغمة » وتمت مقارنته بما كتبه السالمي ولوريمر مع بعض تعديلات من المؤلف . وقد تم تحويل التواريخ الإسلامية إلى التقويم الغربي بالاستعانة بالجداول المقارنة بين التواريخ الإسلامية و المسيحية ، للسير و. هيج ( لندن 1932 ) وانظر أيضا عرضا بقلم ها . و. هازارد . . مجلة الجمعية الشرقية الأمريكية أبريل - يونيو عام 1947 ( ص 137 – 138 ) وهذا العرض يصحح أخطاء عديدة في الجدول .

التواريخ تظهر فترة الحكم
( الإمام ) ناصر بن مرشد
1615 إلى 1640
مؤسس الأسرة
( الإمام ) سلطان بن سيف الأول
1640 إلى 1680
استولى على مسقط من البرتغاليين
( الإمام ) بلعرب بن سلطان
1680 إلى 1692





( الإمام ) سيف بن سلطان الأول
1692 إلى 1711

قام بمحاصرة ممباسا من 12 مارس
1696 إلى 13 ديسمبر عام 1698
??


تابع التواريخ تظهر فترة الحكم
( الإمام ) سلطان بن سيف الثاني
1711 إلى 1718

استولى على البحرين في عام 1717

( الإمام ) سيف بن سلطان الثاني
1718 إلى 1719
فترة الإمامة الأولى
( الإمام ) مهنا بن سلطان
1719 إلى 1721



( الإمام ) يعرب بن بلعرب
1721 إلى 1722

( الإمام ) سيف بن سلطان الثاني
1722 إلى 1725
فترة الإمامة الثانية
( الإمام ) محمد بن ناصر الغافري
1725 إلى 1727

( الإمام ) سيف بن سلطان الثاني
1727 إلى 1732

فترة الإمامة الثالثة ثم غزا نادر شاه
عمان 1837


الإمام بلعرب بن حمير بن سلطان بن
سيف بن مالك اليعربي
1732 - 1732
الإمام سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي
1732 - 1741

الإمام بلعرب بن حمير بن سلطان اليعربي
1741 - 1744

ملحق رقم ( 1 )
أسرة آل بو سعيد الحاكمة
التواريخ تبين فترة الحكم الإمام أحمد بن سعيد
1744 – 1775 ( توفي في 1783 )


































المحتــــــــــــــــويـــــــــــــــــــــات


الموضــــــــــــــــــوع

الصفحة


مقدمة

الفصل الأول : بزوغ فجر عمان

الفصل الثاني : الإمبراطورية العمانية في أفريقية

الفصل الثالث : تأسيس أسرة البو سعيد الحاكمة

?الفصل الرابع : سعيد الكبير

الفصل الخامس : تجارة الرقيق في أفريقيا

الفصل السادس : الأحداث بعد وفاة السيد سعيد بن سلطان

?الفصل السابع : النزاع على واحة البريمي

الفصل الثامن : القضاء على تمرد الجبل الأخضر

الفصل التاسع : إن الانتقاد يزيد الإنسان حكمة
« سعيد بن تيمور »

3

6

28

71

95

128

132

150

168

183


حقوق الطبع محفوظة لدى وزارة التراث و الثقافة
ص ب : -668 الرمز البريدي 113 مسقط
سلطنة عمان
رقم الإيداع : 8/2004



تم بحمد الله




طبع بالمطبعة الشرقية ومكتبتها – تليفون : 7716952