دعاوي أهل السليف على الشيخ
محمد بن سالم الرقيشي
والحكم فيما
بينهم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله وحد ، أما بعد فقد أحضر الإمام أعزه الله محمد بن عبدالله الخليلي المشايخ أهل العلم والقوّاد في قضايا أهل السليف وبني هناة والدروع وأهل السليف والشيخ العلامة محمد بن سالم الرقيشي فيما أوقعه فيها – فقد حضر الشيخ سليمان بن حمير ومشايخ بني هناة وغيرهم – أمّا مسئلة الدروع وبني هناة فهذا بيان أمرها إلى من يرى كتابنا هذا من المسلمين إنه في يوم سادس من شهر صفر الخير عام ألف وثلاثمائة وواحد وستين اجتمع المسلمون بحضرة الإمام العدل محمد بن عبدالله الخليلي في جامع نزوى في الواقع بين بني هناة
والدروع من الحرب بالسليف فادّعى المشايخ بنو هلال بن زهر أن الدروع عاهدوهم وصالحوهم على عهد الله وميثاقه على السليف وأهلها وبني هناة كافة والمتولي لأمر الصلح أكابر الدروع بحضرة قبايل أهل الظاهرة بني علي وبني غافر والعبريين وغيرهم ثم خانوهم واستاقوا ركابهم وقتلوا رجالهم ونهبوا أموالهم فأجابهم سلطان بن سعيد الدرعي مدّعياً للوكالة من الدروع وقد وصل عند الشيخ سليمان بن حمير هو وجماعة الدروع فيهم مسلّم بن حمد وغيره وقالوا لم نحرب بني هناة إلّا بعد أن ابتدأونا واحدثوا علينا أحداثاً في السليف واخذوا مالنا وقتلوا رجالنا والسليف رجعت بعد المعاهدة بيننا وبينهم إلى والي الإمام الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي وشكونا إليه ولم ينصفنا ونحو ذلك من المراجعات بينهم وكل منهم يرى إنه المحق وعنده فصل الخطاب فلينظر أهل العلم الذين حضروا في قضيتهم والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال إنتهى .

( حــــكــم المــشايـــخ فـــي هـــذه النـــازلـــة )
إن القتلى من الفريقين تُؤدى - كل فرقة تُؤدّي دية قتلى الأخرى وكذلك ارش جرحى كل طائفة تؤدّيه للأخرى وما صح من نهب مال واخذ ركاب فهو رد لأهله من كل فرقة وما تناكروا فيه فالحكم فيه بين الخصوم إن كان على معيَّن لمعيَّن في معيَّن وإلاّ فعلى الأكابر من كل فرقة يمين بالعلم على حسب ما يقتضيه التداعي وهذا عن موافقة على هذا الحكم الحاسم من المشايخ حمد بن عبيد السليمي وسالم بن حمد البراشدي وسعود بن حميد أبي الوليد ومنصور بن ناصر الفارسي.

دعاوي أهل السليف على محمد بن سالم :
الدعوى الأولى : أنه هجم الشيخ محمد بن سالم على أهل السليف بأهل الضغائن والأحقاد من عدوهم البدو وغيرهم .
الدعوى الثانية : أنه لما دخل البلد بقومه وصح القتال جاءهم عنه سيف بن عامر بن غصن وقال
لهم ان هذا الحرب حرب الإمام فأنزلوا ولكم الأمان فكفّوا عن الحرب وواجهوا الشيخ محمد واعطاهم الأمان على انفسهم وأموالهم وبلادهم على أن النظر فيكم إلى الإمام وكانوا يظنون أن الحرب الواقع فيهم من الدروع فلم يلبث إلا تلك اليوم ثم خاطبهم بالنزول من المحلة اعني الخروج منها هم والعزور فخرجوا ولم يخرج العزور فصح النهب في بيوتهم والحرق والتخريب فبقي مستمراً على ذلك فبلغ الخبر إلى الإمام فعرّفه بالكف عن الضر فلم يكف فعرّفه ثانية .
الدعوى الثالثة : لمّا عرّفوا الإمام عزم على إرسال الشيخ أبي زيد يأمر الشيخ محمدا بالكف وينظر ما هنالك من الأمر الواقع فسار وأمر الشيخ محمد بالكفاف ونظر ما هنالك فلمّا رجع الشيخ عبدالله بن محمد أبو زيد عاد في عمله من الضر فخاطبوا الشيخ عبدالله فأمّلهم أن يزيده بياناً بالكف وكل ذلك لم يفد شيئاً وإلى يوم خامس من شهر صفر فالضر لم ينقطع ولم يرتفع .
الدعوى الرابعة : أن التخريب عم الجاني وغيره من أموال الأغياب والأوقاف واناساً غير ساكنين في البلد واناساً لم يعد عليهم بغي بحال .
الدعوى الخامسة : ان حرب بغير دعوة ولا اعذار إليهم .
جواب الشيخ محمد بن سالم الرقيشي :
أهل السليف بغاة قاتلناهم بكتاب الله على تركهم أحكام كتاب الله وما تعدّينا فيهم أوامر الشرع ونزلوا من حربهم على أن يذعنوا لأحكام الله على ما يراه المسلمون فتولوا عن الأحكام وإلى اليوم هم بغاة لم تصح منهم فيئة والنظر إلى الإمام .
قال الإمام أعزه الله : اليوم حضروا وتابوا ورجعوا وذلك بحضرتي وحضرة المشايخ .
جواب مشايخ العلم الحاضرين للشـيخ محـمد بـن سالم :
إن جـوابك هذا مجمل وأهل السـلـيف فصّلوا دعاويهم فـنريــد منك أن تجيب لكل دعوى جوابـاً حتى تـكمــل دعـاويهم ثم ننظرها .
فقال : التفصيل لجواب دعاويهم .
أما قولهم : قاتلناهم من غير دعوة ولا إعذار فقد كرّرنا عليهم الدعوة مرات ودعوناهم إلى أحكام الله فأبوا واصرّوا على بغيهم .
وأما قولهم: حاربناهم بأهل الحنات والضغائن فلا يلزمنا من ذلك الشيء إن لم يتعدوا فيهم أوامر الشرع وما بلغنا أن أحداً تعدى عليهم ولا فعل محجوراً وأما قولهم أنا أعطيناهم الأمان فنعم أعطيناهم الأمان على أن يذعنوا لأحكام الله فتولوا عن الحكم واصرّوا على بغيهم إلى اليوم ما علمنا منهم فيئة قبل يومنا هذا .
وأما قولهم :إنا هدمنا للبوت وهي للأغياب والأوقاف فما هدمناها إلا بعدما حاربوا المسلمين منها .
وأما قولهم : إن الإمام كتب إليّ بالكف فما بلغني منه كتاب ولا رسول بذلك .
وأما قولهم : إن الشيخ أبا زيد أمرني بالكف عن الهدم فما كان ذلك بل قال لي لا يحسن الهدم ونحن
هنا فكففت عن الهدم ما دام هناك وأما بعده فلم نهدم إلا برج الحوش أجّرت بهدمه قبل وبقيت منه بقية فهدمت بعد مسيره .
وأما قولهم : إن الهدم إلى يوم خامس من صفر فذلك زور وبهتان من قائله ولو قدّرنا كون ذلك فهم حقيقون به وذلك لأنهم مصرّون على بغيهم هذا ما عندي من التفصيل إسعافاً للإخوان وإلّا فكل ذلك لا يلزمني لأن الله جعلني حجة في ذلك كله والله الحاكم بيني وإياهم في يوم القيامة .
مراجعة الأشياخ للشيخ محمد بن سالم بالبحث على جوابه هذا :
رأينا جوابك هذا بالتفصيل لجواب أهل السليف ورأينا في جوابك للبيوت فنبحثك عن تخريب بيوت اليتامى والأرامل واللذين استقروا في البلد بعد نزولهم على الأمان ولم يظهر منهم بعد ذلك بغي فما حجتك على هدم بيوت هؤلاء ؟ اظهر لنا الدليل من أثر المسلمين حتى نطّلع عليه ؟! .
الجواب : إنا لم نهدم إلّا بيوتاً تحصن فيها البغاة وحاربوا منها المسلمين فإن كانت هي لأيتام أو
أرامل كما ذكروا فقد هدم العلامة أبو نبهان بيتاً لأيتام تحصّن فيه البغاة بعدما نزلوا منه وسأله ولده الشيخ ناصر عن ضمانه فقال هو على البغاة لأنهم السبب لذلك وهدم الشيخ أبو المؤثر بيوتاً للقرامطة بعدما غابوا عنها ولم يبحث هل هي لأيتام أو بُلّغ أو نساء وأفتاني الشيخ المالكي بأن كل ما تحصّن فيه البغاة من بيت يتيم أو غائب جاز هدمه وأفتاني الشيخ عيسى في وقعة نخل بهدم كل بيت حورب منه المسلمون كان ليتيم أو غيره ومن السّنة نسف رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتاً رُمي منه بسهم ولم يبحث أنه ليتيم أو غيره وأنتم لا يخفى عليكم ما في الأثر والله أعلم .
رأينا جوابك هذا ، ونبحثك عن هدم بيوت الذين أعطيتهم الأمان ونزلوا واستقرّوا في البلد ولم يخرجوا ولم يظهر منهم بغي بعد فما وجهه فإن كان لبغيهم الأول فقد انهدم بفيئتهم وانحسم بأمانك لهم وإن كان ببغي الخارجين منهم فاولائك بغيهم على أنفسهم لا يتعدى هؤلاء فيما نراه بيّن لنا وجه ذلك تفصيلاً .
الجواب : ما كان الأمان إلا على شرط الإذعان والإنقياد لأحكام المسلمين فلّما لم ينقادوا للأحكام هدمنا بيوتهم وبيوتا حورب المسلمون منها كانت مأوى للبغاة وحصناً لهم فإن تركناها عادوا إليها وعاد بغيهم وأما قولكم انهم استقروا في البلد فما استقر منهم إلّا شذوذهم ولم نعلم لهم بيوتاً هدمت ولا وصلونا فيها حالة الهدم وان كان لا عبرة بالمالك بل النظر لإزالة البغي وحذر العود إليه وانتم لكم النظر والأثر صريح في أن الخطاب متوجه للأكابر والمطلوب إزالة البغي فأنظروا وما فعلنا إلّا ما هو موافق للشرع مطابق للحق .
تصفحنا هذا الجواب ونرى فيه نظراً ووجهه أنهم لمّا استقر من استقر منهم في البلد على الأمان فقد انفصلوا عن بغي الخارجين وصاروا تحت يدك وفي أمانك ولا تز وازرة وزر أخرى فبأي سبيل هدمت بيوتهم اَبِنْهُ لنا فإن قلت إنهم لم يدخلوا في الأمان لأن الأمان وقع على شرط فكونهم لم يكونوا مع البغاة شادّين لعضدهم وليسوا ممن لا يمكن التوصل إلّا بهم ويبغي ببغيهم والمحاذرة إلى عودة البغاة إلى دورهم غير معتبر فللخصم أن يقول إن
كان من نفس المحاذرة فإننا نخاف من دور العزور أن يتمكن منها العدو فهل يباح هدمها والظن لا يباح به مثل هذا بعد السكون لأنه لا يغني من الحق شيئاً اجبنا عن هذا البحث .
الجواب : اسألكم عن الأيتام أهم بغاة ؟ أم لا ؟ فإن كانوا ليسوا ببغاة فما وجه جواز هدم بيوتهم ؟
قيل له : فإذا ارتفع المحذور من عودتهم فما أنت قائل ؟
الجواب : أقول النظر إلى القائم بالأمر العارف بالعلة ودوائها فلينظر لنفسه وللمسلمين وليعلم أنه مناقش ومسائل يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها أبهذا يرتفع وانتم تسمعون الرعد وتبصرون البرق إنتهى .
قال القضاة للإمام : المسئلة راجعة إليك والشيخ قد صرح بما عنده والمختلف أمره إليك وقطعه منك والحق بيّن والحجة واضحة .
قال الإمام - أعزه الله - : أقول هنا تمت المسئلة وعلينا أن نجتهد وننظر لأنفسنا وللمسلمين والله
نسأله التوفيق والتسديد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فأقول : نظرت في جوابات الشيخ الرقيشي وأقول أنه أخذ بأقوال أؤلائك الجهابذة الأعلام ونحن نقصر عن تتبع أقوالهم وهم القدوة وأفعاله كلها نراها خارجة على وفق فتواهم ولم نرها خارجة عن الحق والله سبحانه وتعالى أعلم .
وبعد هذا، نفذ الحكم الشرعي على هدر ما وقع في السليف من الشيخ محمد بن سالم الرقيشي من القتل والتخريب إلا قتل رجل من الغرباء من أهل بُهلاء قتل على شبهة فيمن قتل فرجعت ديته على بيت المال ثم ردّ الإمام على أهل السليف في بلادهم ومنازلهم وأذن لهم ببناء ما هدم من بيوتهم وأمر برد أبواب المحلة حيث كانت وأن يكون المناذرة والعزور على حال واحد كما كانوا في مسالكهم ووردهم ومساجدهم والكل مرجعهم تحت الشيخ محمد بن سالم في ولايته وألزمهم طاعته والإنقياد لحكمه وألزم الشيخ محمد بن سالم حماية السليف والذّب عن أهلها بكل وجه وقد تمت مسئلتهم على هذا والحمد لله على منّه ولطفه .
قال الإمام - أعزه الله - : هذا ما رأيته لبني هناة في دعاويهم في حرب السليف من قبل قتلاهم والذاهب من أموالهم عند دخول محمد بن سالم السليف ورأيت ومن حضرني من أهل العلم أنها تهدر دماؤهم لأنهم غير داخلين في الأمر وحين لم يظهر قتالهم أن يكون على بيت مال المسلمين خمسمائة قرش لحمود بن عبدالله ومائتان للمرأة المقتولة وأما الجرحى فذلك حكمهم بعد الصحة من الجراح وأما أمر المال الذاهب فقد تحمّلته فصح الغرم عن ستمائة قرش على وجه الصلح والموافقه وأما الرمي الذاهب فبدل الرمية رمية أنا أؤديها وذلك مائتان رمية صمع بوستّ ومائة رمية وروار ليعلم ذلك وقد تمت المسئلة والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
تم نسخ قضايا السليف في يوم أربعة وعشرين في شهر المحرم الحرام سنة ألف وثلاثمائة وأربع وسبعين هجريا بقلم رشيد بن راشد ، نسخته للشيخ علي بن جبر الجبري .