رسالة الإمام
محمد بن أفلح في خلق القرآن

رسالة الإمام محمد بن أفلح رضي الله عنه :
من محمد بن أفلح إلى جميع من بلغه كتابنا هذا من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأسأله الصلاة على نبيّ الرحمة وهادي الأمة صلى الله عليه أمّا بعد : فإن أفضل ما يتواصى به العباد وتحاضوا عليه تقوى الله ولزوم طاعته والزجر عن معصيته والترغيب فيما يورث الثواب من القول الطيب والعمل الصالح وعليكم معاشر المسلمين بالتهيؤ للقدوم على الله والتأهب والإعداد ليوم تشخص فيه الأبصار وتتغير فيه الألوان ويشيب فيه الولدان وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد واعلموا رحمكم الله أن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة قد انقرضوا وقلت الخلوف منهم فرحم الله إمرءً مسلما احتسب نفسه وأرصد لله في طلب العلم والنقض على من حاد الله وعدل عن منهاج رسوله صلى الله عليه وسلم وضاد المحقين من عباده حتى تكون كلمة الله هي العليا والباطل زهوقا وعليكم معاشر المسلمين بإتباع الماضي من أسلافكم والمتقدمين من أئمتكم الصالحين من أهل دعوتكم فاقتفوا آثارهم واهتدوا بهادهم واحذروا الزيغ عن طريقهم والميل عن منهاجهم وخالفوا أهل البدع المضلة والأهواء المزلة ممن أراد أن يبدل دينكم ويلبسكم شيعا ويلبس عليكم أمركم ممن اتبع هواه واستحوذ عليه الشيطان ونبذ ما جاء به القرآن
فألبس على الضعفاء أمرهم وزين بدعته في قلوبهم فأخدع من لا بصيرة له ولا علم بما مضى عليه الأئمة الراشدون رحمة الله عليهم والسلف الصالحون من أهل دعوتكم فأضّل كثيراً وضلّ عن سواء السبيل ونحن ذاكرون لكم ما فيه الكفاية إن شاء الله وبه نستعين وعليه نتوكل وما توفيقنا إلا بالله .
اجتمعت الأمة على أن القرآن كلام الله ولا يخلو هذا الكلام من أن يكون شيئاً أو ليس بشيء فإن كان ليس بشيء فإي اختلاف فيه المختلفون إذا وليس بشيء يختلف فيه المختلفون وينازع فيه ولو صح أن ليس بشيء لبطل أن تكون رسل الله جاءت بشيء وأن الله عزّ وجلّ أنزل على أنبيائه شيئاً ولبطل أن يكون ثم توراة أو إنجيلاً أو فرقاناً .
فإذا ثبت أن كلام الله شيء لم يخل من إحدى ثلاثة أوجه : لا يخلو إما أن يكون هو الله أو يكون بعض الله كالجزء من الكل أو يكون غير الله ليس له ثم وجه رابع يذهب إليه ذاهب أو يقوله قائل إلا من ركب اللجاج وحاد عن طريق الحق والإنصاف لأنه ليس لهم مذهب أكثر من أن يقولوا هو الله فإن قالوا هو الله ضاهوا بذلك اليعقوبية من النصارى الزاعمة أن عيسى هو الله كما زعم أهل هذه المقالة أن الكلام هو الله فيلزمهم في زعمهم أن الكلام هو المعبود فيكون هو السميع البصير القادر الخالق الباعث الوارث إله الدنيا والآخرة فلما بطل هنا أن يكون الكلام هو المرغوب إليه وأنه المعبود وأنه الذي لم يبق إلا أن يكون الكلام بعض الله فيلحق بالله التجزي والتبعيض تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً لأنه عز وجل لا يجري عليه التجزئ والتبعيض لأن من وصفه بالتجزئ والتبعيض لا يخلو من أن يكون له مجزئاً جزأه ومبعضاً بعضه وتوجد فيه أيضاً آثار الصنعة التي هي أداء الحاجة والمعجز والحدث تعالى
ربنا وتقدس من أن يوصف بهذه الصفات أو تدركه حاسة من الحواس لأن الكلام عندنا وعندهم مسموع بالآذان فلما بطل ذا وذلك لم يبق إلا الوجوه الثلاثة أنه كلام الله وأنه غير الله ثم لا يخلوا الكلام من إحدى وجهين بعد ثبوته كونه شيئاً إما أن يكون شيئاً قديماً أو شيئاً محدثاً فإن كان قديماً فكيف كان مع الله قديماً وهو غيره فمن أولى بالربوبية من القديمين إذا أو من أحق بالألوهية منهما ثم لا يخلو هذا القديم أن يجري عليه الفناء أو الذهاب أو لا فإن قالوا لا يجوز نقضوا وواجهوا برد القرآن وإن قالوا يجوز عليه فكيف يكون قديماً لا أول له وله آخر ومن لا أول له لا آخر له ومن لا آخر له فله أول فلما بطل أن يكون مع الله قديم غيره صح أن الكلام محدث فإن كان محدثاً فلا بد له من محدث أحدثه ضرورة وتولى تدبيره وقد دل على ذلك قوله عز وجل ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) وقال ( ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ) فوصفه عز وجل بالحدث فدل أن المحدث غير القديم وأن القديم هو المعبود وأن المحدث هو المخلوق المحتاج إلى من أحدثه وألفه ووجدت فيه آثار الصنعة ومن آثار الصنعة الحاجة والتغاير وقد وجدنا ذلك في القرآن ومن شأنه حاجة بعضه إلى بعض فالسين منه غير الباء والباء غير الميم وكل حرف منه غير الآخر والباء محتاجة إلى السين والسين محتاجة إلى الميم فإذا تآلفت صار منها بسم وهذا مشاهد بالأعيان ومدرك بالحواس فلا يحتاج فيه إلى التنازع ولا إختلاف فصح بما ذكرنا من إختلافها وحاجتها أن لها مخالفاً خالف بينها ومحوجاً أحوجها وقد وجدنا أيضاً نص الحروف موجوداً في كلام الناس ولغتهم فكيف هي هنالك قديمة أو حادثة فإن كانت قديمة فالقرآن قديم في كلام الناس
ولغاتهم فيكون حينئذ الكلام قبل المتكلم به والخطاب قبل المخاطب به والمخاطب وهذا هو الحال المحال وإن كانت هذه الحروف محدثة في كلام الناس قديمة في القرآن فكيف تجتمع في الشيء الواحد صفتان صفة قديمة وصفة محدثة فتكون الباء الموجودة في القرآن غير مخلوقة والباء الموجودة في غيره مخلوقة وكذلك سائر الحروف تكون إذا في القرآن غير مخلوقة وفي غير القرآن مخلوقة فيكون الحرف الواحد الذي طبعه الله مخالفاً لغيره مميزاً من سواه على نحو ما سلف من كلامنا وهذا هو التناقض والحيرة نعوذ بالله من الحيرة إلا أن هذه الحروف إذا ألفت بضرب من التأليف كانت كلاماً وإذا ألفت بضرب آخر كانت شعراً وإذا ألفت بضرب آخر كانت قرآناً فدبرها الحكيم الذي وضع الأشياء مواضعها على تغاير فكيف يزعم زاعم أنها مخلوقة في موضع غير مخلوقة في موضع آخر فما مقالة من ذهب إلى هذا إلا خروج من المعقول فنعوذ بالله من الخذلان ونسأله العصمة والتأييد بمنه وإحسانه .
واجتمعت الأمة على أن القرآن مجعول لقول الله عز وجل ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) في مواضع كثيرة من القرآن واختلفوا في الجعل ما هو وسيأتي بيانه وإيضاحه في موضعه إن شاء الله بعد أن نذكر ما اجتمعوا عليه ونجعله أصلا لما اختلفوا فيه .
واجتمعت الأمة على أن كل فاعل قبل فعله وأن الجاعل قبل كل مجعول فلما ثبت بينهما التغاير والقبل صح أنهما شيئان وأن الأول المتقدم هو الجاعل القديم والثاني المجعول هو الحدث الكائن بعد إذ لم يكن وأن المحدث فعل ومفعول ليس يمتنع من هذا أحد من الأمم المختلفة وإن اختلفت أديانها ومللها فإنها لم تختلف في هذا المعنى

مما تقوم به العبارة وعليه جرت مخاطباتهم واستقرت عليه لغاتهم واعتمدوا عليه في معاني جميع كلامهم .
واجتمعت الأمة أيضا ألا يوجد كلام إلا وثم متكلم وأن المتكلم قبل الكلام ولو لم يكن المكلم قبل الكلام لم يكن المكلم أو لا بأن يكون مكلما من الكلام فيكون الكلام إذا هو المكلم والمكلم هو الكلام والكلام مكلما مخاطبا والكلام مكلما مخاطبا فلما لم يجز أن يكون الكلام هو المكلم والمكلم هو الكلام ثبت أن هذا غير هذا وفي وجوب التغاير إثبات العدد وفي وجوب التقادم إثبات أن أحدهما قبل الآخر وفي إثبات أحدهما قبل الآخر إيجاب القدم للأول والحدث للآخر وفي وجوب الحدوث للثاني إثبات أنه كان بعد إذ لم يكن وفي هذا إيجاب الخلق وإثبات وحدانية الصانع .
واجتمعت الأمة على أن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم كتاباً أبان له فيه كل شيء فقال ( إن جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) وقال تعالى ( ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) وقال ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ) وقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ) وقال ( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ) وقال ( أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً ) الآية ، وقال ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) وقال ( وجعل لكم من أنفسكم أزواجا ) وقال ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) وقال ( وجعل الشمس سراجاً ) وقال ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) فمعنى جعلنا في هذه المواضع التي ذكرنا خلقنا وكذلك عند المعارض غير ما ذكرناه في القرآن فإن زعم أن الجعل فيه غير الخلق ولو جاز له وساغ ذلك لجاز
لمعارض أن يعارضه ويقول وكذلك قوله في غير القرآن من الجعل الذي اتفقنا وإياكم عليه بمعنى الخلق هو بمعنى آخر غير الخلق وإلا فما الفرق بين الجعلين فيكون الله عز وجل خاطب العرب بما لا يعقلونه من كلامهم ولا يعرفونه من لغتهم وبما يجوز لهم فيه الشك والطعن والإرتياب فيكون جعل في موضع خلق وأحدث ودبر وفي موضع لمعنى آخر لا نفهمه ولا ندريه وهذا لا يوصف الحكم به فلما اتفقنا نحن وهم على أن الجعل في قوله ( وجعلنا الشمس سراجا ) وفي قوله ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) وفي قوله ( وجعل لكم من أنفسكم أزواجا ) وفي قوله ( وجعل الظلمات والنور ) بمعنى الخلق صار الجعل كله إذا كان من الله عز وجل بمعنى الخلق فيدخل في ذلك القرآن وغيره وإلا بطلت المناظرة ولم يصح شاهد فإن عارضوا بقول الله عز وجل ( ما جعل الله من بحيرة ) الآية فيقال نعم لم يخلق الله البحيرة بحيرة كما زعمتم ولا السائبة سائبة كما زعمتم وإنما نفى عن نفسه ما لم يفعله كما زعم المشركون فذمهم بإبتداعهم ومعناه ما خلقنا كما وصفتم وإنما خلقنا على غير ما وصفتم فوقع النفي هنا على نفس الوصف لا على نفس الخلق وكذلك قوله ( إني جاعلك للناس إماما ) أي خالق فيك من الصفة التي لم تكن فيك والمعنى الذي لم يوجد فيك ولم أكن فعلته بك قبل ذلك فمعنى جعل أينما وجد وخلق ودبر وأحدث وأنشأ وفعل وصنع وكل ذلك بمعنى واحد وإن اختلفت ألفاظه نسأل الله الواحد القهار أن يوفقنا لمعالم دينه .
وقوله عز وجل ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) والمحدث في كلام العرب ما لم يكن ثم كان فإن عارض معارض فقال إن المحدث ما كان في الدنيا وما يقرأ وهو مخلوق وهو حكاية لكلام الله عز وجل الكائن فيه القائم بذاته الذي ليس بمخلوق فلو كان كما قال من أن هذه حكاية والحكاية مخلوقة والمحكى ليس بمخلوق فلا
تخلو الحكاية من أن تكون مخالفة للمحكي أو موافقة له فإن كانت موافقة له فكيف يكون شيئان متفرقان واحد مخلوق والآخر غير مخلوق .
وقد اجتمعت الأمة على أن ما جاز في الشيء جاز في نظيره وإلا بطل ما اجتمعت عليه الأمة إذا وأن قال إن الحكاية غير المحكي وهي خلاف له فهذا أغرب وأبعد ما يكون من الصواب وذلك خروج من لسان الأمة وجميع الأمم لأن الحكاية لا تكون حكاية للشيء إلا وهي في مثل المحكي معبرة عنه بما هو به ولو أمكن خلاف ما نقول من أن الحكاية غير المحكي لوجب على كل الأخبار الكاذبة أن تكون صادقة وعلى كل الأخبار الصادقة أن تكون كاذبة ويكون الشعر أيضاً حكاية القرآن والقرآن حكاية الشعر والمدح حكاية الذم والذم حكاية المدح ولا ينبغي أن ننكر خبراً ونكذب مخبراً ونرد حكاية أو ننكر مقالة وإذا أمكن هذا وجاز فمن أين كان الصدق صدقاً والكذب كذباً ولعمري لأن كانت الحكاية في خلاف المحكي لينبغي أن يكون الصدق هو الكذب والكذب هو الصدق فلما بطل هذا وفسد صح أن الحكاية لا تكون خلاف المحكي وأيضاً أخبرونا حيث كانت الحماية غير المحكي فما القرآن إلا الحكاية أم المحكى فإن كان القرآن الذي أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ونزل به الروح الأمين إليه وهو هذه الحكاية وهو مخالف فإنا لم يقع كلامنا معهم إلا على القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد وهو الذي قال فيه ( فإذا قرأناه فأتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ) وإن كان القرآن هو المحكي وهو القائم بذاته عز وجل فهو لم ينزل بعد ضاهوا بذلك
قول إبن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنزل الله على بشر من شيء فأنكروا نزول القرآن كأهل الشرك وهذا أعجب من العجب .
وقد وقع الإجماع منا ومنهم أن ما في الدنيا وما نقرأ من القرآن هو مثال مما قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم هي قراءته وقرأناه على الموافقة له ولو كان خلافه كما قال من أن الحكاية غير المحكي لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى بخلاف ما أتى به جبريل عليه السلام وكذلك جبريل فيما أتى به ميكائيل وكذلك ميكائيل عن إسرافيل فيكون كل واحد منهم قد أتى بخلاف ما أتى به غيره وإذا قلت إن الحكاية خلاف المحكي فما تقول فيما نقله محمد عن جبريل هذا هو هذا أم هذا غير هذا فلابد من هذا هو هذا أو هذا مثل هذا فكيف يجوز في الشيء ما لا يجوز في مثله أم لا يجوز في الشيء ما جاز في مثله وأي تناقض أعظم وأحش من هذا نعوذ بالله من العمى والخذلان ونسأله العون والتوفيق .
وقد اجتمعت الأمة أيضاً وجميع الأمم أن الكلام لا يكون كلاماً حتى يكون صوتاً مقطعاً والتقطيع فيه قائم وما كان على غير هذا فليس بكلام .
واجتمعوا أيضاً أنه لا تدرك كل حاسة إلا ما أعدت له فحاسة السمع لا تدرك إلا صوتاً ولو زيد فيها أضعاف ما فيها وكذلك حاسة البصر ولو زيد فيها أضعاف ما فيها لم تدرك إلا لونا وكذلك حاسة الذوق لا تدرك إلا طعما ولو زيد فيها أضعاف فلما صح هذا ولم يكن بد من الإقرار به لأن درك ذلك بالحواس لا يرتاب فيه فصح أن موسى عليه السلام لم يدرك بحاسة السمع إلا صوتاً مقطعاً بتقطيع قائم فيه يميزه السامع وما كان خلاف هذا فليس بكلام وإذا بطل أن يكون كلاماً بطل أن يكون الله كلمه لأنه لا يصح أن يقال كلم إلا وثم كلام ومكلم ومكلم وكذلك ضرب لابد له من ضارب ومضروب وشتم من شاتم ومشتوم وعبد من عابد ومعبود وهذا هو المعقول عند جميع الأمم .
فلما ثبت أنه لا يكون مكلم إلا وثم كلام ومكلم وثبت أن الله كلم موسى بإجماع من الأمة صح أن ثم كلام هو غير الله وغير موسى والكلام لا يكون إلا صوتاً مقطعاً والتقطيع قائم فيه وما كان على غير هذه الصفة فليس بكلام فلما ثبت أن موسى صلى الله عليه وسلم سمع كلاماً من الله تعالى لم يجز أن يكون سامعاً إلا لشيء مخلوق ولا يجوز أن يكون سمع الخالق إنما سمع كلام الخالق لأن الخالق جل وعز ليس بمسموع بالآذان لأنه ليس بصوت ولا بكلام ولا يجوز عليه أن يقال الله كلام ولا صوت مقطع فلما فسد هذا صح أن الكلام الذي سمع موسى هو الصوت المقطع المفهوم عند سامعه .
ومما يدل على أن الكلام من الله حدث وأنه غيره أنه جائز أن يقال متى كلم الله موسى ؟ ولِمَ كلم موسى؟ فيقال : ليفضله بكلامه ويحتجّ به على خلقه ولا يجوز أن يقال لم قدر الله على موسى كما جاز أن يقال لم كلم موسى ولا يجوز أن يقال متى علم الله موسى ولا متى قدر الله على موسى .
وجائز أن يقال لم كلمه ومتى كلمه ولا يجوز أن يقال لم يزل يكلمه كما يجوز أن يقال لم يزل يعلمه ويقدر عليه وكما يجوز أن يقال لم رضي الله على نبيه فيقال لأنه أطاعه ويقال لم غضب الله على أعدائه فيقال لأنهم عصوه فدخل الكلام في باب الفعل . ومما يؤكد ذلك أن الكلام تدبيره وفعله وليس هو صفته في ذاته لأنك تقول ما أحسن كلام الله وأحكمه وكذلك كل ما يجري عليه الخلق تقول ما أحسن خلق الله واتقنه وأحكمه ولا تقلو ما أحسن بقاء الله وما أحسن قدمه واتقن قدرته وأوثق عمله ولا ما أحسن قوته ولا يجوز أن يقال يحصى علمه وقدرته وبقاؤه وجائز أن تقول الله أحصى كلامه ولا يخفى عليه عدد كلامه وجائز أن تقول ما أكبر كلام الله وأكبر آيات الله وبرهانه في كلامه ولم يجز أن تقول ما أكبر قدم الله ولا ما أكبر قدرته في كلامه . ولم يجز أن تقول ما أكبر قدم الله ولا ما أكبر قدرته ونحو هذا وجائز أن تقول قدر الله على أن كلم موسى وليس بجائز أن يقال قدر الله على علم موسى وفي ذلك بيان على أن القرآن في قدرة الله وأنه دبره وصنعه وأحدثه وقد دل على ذلك قوله عز وجل ذلك ( ذلك أمر الله أنزله إليكم وكان أمر الله ) و ( كذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من شاء من عبادنا فسماه نوراً وسماه روحا وسماه أمراً وسماه كلاما فدل بذلك كله على أنه خلق من خلقه وتدبير من تدبيره وقال سبحانه ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) وقال في عيسى عليه السلام ( رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) وسمى جبريل عليه السلام روحاً حيث يقول ( نزل به الروح الأمين على قبلك ) والروح الأمين جبريل عليه السلام وسماه كلامه وسماه أمراً . وقال جل ثناؤه ( أتى أمر الله ) يريد يوم القيامة ( فلا تستعجلوه ) فلو جاز أن يكون أمراً مخلوقاً وأمراً غير مخلوق وكلمة مخلوقة وكلمة غير مخلوقة وروح مخلوق وروح غير مخلوق وقد أضاف ذلك جميعاً إلى نفسه وقال في القرآن ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) وقال في القيامة ( أتى أمر الله ) وقال في عيسى عليه السلام ( وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) فكيف تكون كلمة الله روح الله وأمر الله مخلوقا ويكون في غير هذا الموضع كلام الله وأمر الله وروح الله غير مخلوق وقد أضاف ذلك إلى نفسه فأي إختلاف وتناقض وتكاذب أعجب من هذا ولو جاز هذا لجاز لقائل أن يقول سموات الله منها مخلوقة وغير مخلوقة وأرض الله منها مخلوقة وغير مخلوقة فلما بطل هذا وفسد صح أن ما قال الله فيه روحاً وأمراً وكلمةً وكلاماً مخلوق وأن القضاء على واحد كالقضاء على جميعها والدليل على مثل هذا كثير تركناها مخافة التطويل .
وقال عز وجل لنبيه عليه السلام ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) فوصف الله نفسه بالقدرة عليه إذا شاء ذهب به والمقدور غير القادر والقادر غير المقدور ولو كان المقدور هو القادر لم يستدل به على القادر إذا وهو بمثل ما به المقدور عليه فلا يخلو القرآن من أن يكون مقدوراً عليه أو قادراً فإن كان قادراً فهو المرغوب إليه والمعبود فلما فسد هذا صح أن الله عز وجل هو القادر المعبود وأن القرآن هو المقدور عليه وذلك أن القرآن لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون معمولاً به أو معمولاً له فإن كان معمولاً له فهو المعبود المتقرب إليه بالطاعة الذي يثيب ويعاقب فلما بطل هذا أن يكون من نعت القرآن وصفته وأنه من صفة القادر الخالق صح أن القرآن معمول به متقرب به إلى خالقه الذي أحدثه ودبّره وترجى به الرأفة من عنده ومنه أيضاً قوله تعالى ( المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ) فجعله نذارة وحجة لنبيّه عليه السلام وقال ( الر * كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) فلا يعدو القرآن من أن يكون محكماً أو محكماً والمحكم مخلوق وصح أن له محكما أحكمه وتولى تدبيره قال ( ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) فلا يعدو أن يكون القرآن مفصلا أو مفصلا وكذلك قال عز وجل ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ) فأخبر عز وجل أنه هو الذي أتى به وهو الذي فصله وأحكمه وجعله رحمة فلما صح أن القرآن مفصل جرى عليه التدبير لمن فصله وأحكمه وأتقنه ومنه قوله أيضاً ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) فأخبر أنّ له مثلا وأشباها والله عز وجل لا مثل له ولا ندّ له وكلما جرى عليه المثل فله نظير وشبه وأنه غير الواحد الذي لا يوصف بالمثل ولا بالنظير ومنه قوله عز وجل ( قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) وقال ( فليأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) ألا ترى أنه أخبر عن عجز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن ( لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) وقال ( فليأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) ألا ترى أنه أخبر عن عجز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن وإن تظاهروا عليه أفترونه أعجزهم بشيء غير موصوف بالقدرة عليه فلما فسد هذا صح أن القرآن مقدور عليه وأنه في ملكه وقدرته وأن سلطانه جار عليه .
ومنه قوله ( المر * كتاب أنزلناه إليك ) فأخبر عز وجل أنه منزل وأن القرآن منزل وقال ( المر * تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ) وقال ( حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) وقال ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وقال ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم ولعلهم يتفكرون ) ثم قال ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان ) أفلا ترون أنه عز وجل أخبر أن التوراة والإنجيل قبل الفرقان وأنه أنزل الفرقان بعد التوراة والإنجيل وما جرى عليه القبل والبعد فهو مخلوق لأن ما كان له القبل والبعد فهو محدوث وقال أيضاً ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) فلا يعدو هذا الذكر وهو القرآن عندنا وعندهم أن يكون حافظاً أو محفوظاً فلما بطل أن يكون حافظاً صح أنه محفوظ لأن الله عز وجل وصف نفسه بالحفظ وأنه دبره وحفظه ومنعه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فأخبر أن له خلفاً وتجاها وهذه الصفة موجودة في الخلق فكيف يوصف بصفة الخلق من ليس بمخلوق فلما بطل هذا وصح أن كل ما جرى عليه صفة الخلق فهو خلق كما لا يجوز أن يوصف بصفة الخالق إلا الخالق فلما وصف الله القرآن أنه منزل صح أن له من أنزله وهو غيره وهو القادر عليه لأنه عز وجل قال ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) وقال ( وأنزلنا من السماء ماءً مباركا ) و ( أنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً ) وقال ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) أفترون أن المخاطبين بهذا كانوا يشكون أن معنى أنزل في هذا معنى خلق أَوَلا ترون أن الله عز وجل وصف القرآن بصفة لا يجوز أن يوصف بها الخالق لأنه في القرآن أمر ونهي وأن الأمر منه غير النهي والنهي منه غير الأمر والأَمِرُ منه غير الأمر والناهي منه غير النهي وأنه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وأن المحكم غير المتشابه والمتشابه غير المحكم والناسخ غير المنسوخ والموصول غير المقطوع أفلا ترون أنه قد جرى عليه التغاير وما جرى عليه التغاير جرى عليه التعدد وما جرى عليه العدد فهو غير الواحد القديم الذي لا يجري عليه التجزّي والعدد لأن من يجري عليه التجزي والعدد فله من جزأه ودبره وانشاه وأحدثه بعد أن لم يكن وهذه الصفات عن الله منفية وهي في القرآن موجودة .
ومنه قوله تعالى ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) وسماه قصصاً وسماه حديثاً ألا ترون أن هذه الصفات لا تجوز على الله والقرآن له أول وله أخر ونصف وثلث وربع وهذه الصفات يتعالى الله عنها ويقال البقرة غير آل عمران والنساء غير المائدة وكذلك فيما سلف من كلامنا أن التغاير في القرآن موجود وأنه محتمل للتجزئ والتبعيض وإن من شأنه حاجة بعضه إلى بعض وهذا يدل أن له خالقا خلقه ومصرفاً صرفه .
وقد ذكرنا لكم من الشواهد ما لا يمتنع من قبوله ونحن ذاكرون لكم ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل قوم في زينة من أمرهم ومفلحون عند أنفسهم يزرون على من سواهم ) وقال صلى الله عليه وسلم ( تعلموا البقرة وآل عمران فإن تعلمها بركة ولا تستطيعها البطلة وتعلموا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان يظلان صاحبهما ) وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يأتي القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب لونه فيقول للتالين أتعرفني فيقول لا فيقول له القرآن أنا القرآن الذي أحييت به ليلك فيكون قائده إلى الجنة ) وروي أنه قال لأبيّ بن كعب أي آية في كتاب الله أعظم فقال الله ورسوله أعلم ثم ردد عليه فقال أي آية في القرآن أعظم فقال الله ورسوله أعلم ثم قال أي آية في كتاب الله أعظم فقال أبيّ آية الكرسي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليهنك العلم أبا المنذر إن لها لسانا وشفتين تقدّس الله تعالى تحت العرش افترونها تقدس غير خالقها ) ، وروي عن عليّ بن أبي طالب أنه قعد ذات يوم في ملأ من المهاجرين والأنصار في خلافة عمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم أفضل القرآن خاتم سورة براءة لقد جاءكم رسول الآية وقال بعضهم آخر سورة بني إسرائيل قل أدعوا الله الأية وقال قوم أفضل القرآن يس وقال بعضهم أفضل القرآن السجدة وعليّ فيهم ساكت فقال له عمر رحمه الله مالك يا أبا الحسن ساكت فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خير البشر آدم وخير العرب أنا ولا فخر وخير الفرس سلمان وخير الروم صهيب وخير الحبشة بلال وخير الجبال الطور وخير البقاع مكة وخير الشجر السدرة وأعظم القرآن البقرة وأعظم البقرة آية الكرسي ) أولا ترون أنه وصف القرآن بتفضيل بعضه على بعض وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منكرين لحديثه والأحاديث كثيرة في مثل هذا رواها علماء هذه الأمة .
ما خلق الله شمساً ولا قمراً ولا جنة ولا ناراً أعظم من آية الكرسي والذي يعارضهم من الحجج والنقض أكثر من أن يأتي على آخرها وفي الذي أوضحنا ولخصنا من واضح البرهان ما فيه كفاية وإرشاد لمن أراد الله إرشاده وتسديده وتوفيقه إذا لم يقلد قادة جهلة ورؤساء بطلة الذين زينوا الباطل فأستحسنه من لا بصيرة له وهولوا وطولوا للضعفة إفكهم فأستحسنوه ونهوهم عن البحث فأنقادوا لهم ولو كان ما قالوا حقاً ما قال الله عز وجل لنبيه عليه السلام ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ألا ترون أن أنبياء الله احتجت على من أرسلت إليه وأمرهم الله بالإحتجاج عليهم إذ يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم ( وأتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ) إلى قوله ( وكذلك يفعلون ) فحرم هؤلاء الجهلة البحث والطلب فأنقادوا لهم وأتبعوهم لئلا يتبين لهم الحق فيتبعوه ويرفضوا مقالتهم فإذا سألوا عن الحق في هذا قالوا الكلام فيه بدعة ولم يتكلم فيه السلف والخوض فيه بدعة ثم نصبوا مقالة وذكروا حججاً لم يكن فيها قرآن يشهد لهم ولم يأثروا فيها حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق مقالتهم والله مدحض حجتهم بنور الحق وبرهان الهدى وقد قال سبحانه ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ) وقد أتينا بما فيه الكفاية إن شاء الله من النقض على من أنكر خلق القرآن بكتاب الله الناطق بالحق والسنة المآثورة والإجماع المؤكد وحجج العقل التي لا يمتنع منها أحد من جميع الجهات وبالله العصمة والتوفيق.
فعليكم معاشر المسلمين بإتباع الماضين من أئمتكم الصالحين من أهل دعوتكم رحمة الله عليهم فأسلكوا منهاجهم فقد كفروا من زعم أن القرآن غير مخلوق وشهدوا بالضلال ليس بينهم في ذلك تنازع ولا إختلاف فإن سلكتم غير طريقهم أو قلتم غير مقالتهم كان عندكم من مضى من سلفكم ضالاً إذ قلتم بقول من يزعم أن القرآن ليس بمخلوق فأنتم إذا أولى بضلال إذ ضللتم سلفكم أعاذنا الله وإياكم من ذلك . وإن الزمتم طريقتهم وقلتم بقولهم ودنتم بما دانوا به كان ذلك حظكم واستوجبتم ثواب ربكم ولم يزلّكم عن دينهم من لا خلاق له ولا ورع يحجزه عن الإفتراء عن الله فأستوجبوا من الله وأمروا بطاعته وأدعوا إليها فإذا عرفتم البدعة والتحريف والسنة والتكليف وإن علم القرآن لا يعرف إلا من ذاق طعمه فأبصر به عماه وسمع به صمه واستدرك به ما فاته ونال به الرضا من الله .
وأعلموا أن تلاوة القرآن وسيلة إلى الله وتفهم معانيه والتفكر فيه قربة إلى الله عز وجل وفي الحديث ( تالي القرآن له بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف واحج ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف ) فذلك ثلاثون حسنة ومن قرأ القرآن يريد به الله ويعلم أنه من عند الله أثابه الله أعظم الزلفة عنده ومن شك فيه لا يدري أمخلوق هو أم غير مخلوق لم يتقرب بتلاوته إلى الله فعليكم بتقوى الله وأطلبوا علم ما أشكل عليكم مما مضى عليه أسلافكم عند أهله من بقايا من قام بما مضى عليه أوائلكم ومن تمسك بقول أئمتكم ودعوا ما أحدث المضلون من أهل زمانكم فإنه حرام عليكم إتباعهم والاستماع منهم والأخذ عنهم ولا تختلفوا واعملوا إذا سمعتم الهدى عقل عناية ودراية ولا تعقلوا عقل رواية فإن الرواة كثير واستعينوا بالله وتوكلوا عليه وأنيبوا إليه واعتصموا بحبله ولا حول لنا ولكم ولا قوة إلا بالله العلي العظيم جمع الله أمركم وصرف عنا وعنكم عوارض البلاء وجمعنا وإياكم في داء البقاء ووفقنا وإياكم معاشر المسلمين لما يرضاه من القول النافع والعمل الصالح والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

تمت والحمد لله .