"تاريخ عمان السياسي"

تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي

( ملاحظة هذا الكتاب : منقول من منتديات الحارة العمانية للكاتب الفقيد إبن المؤلف لهذا الكتاب مازن بن عبدالله الطائي )

الطبعة الأولى - 2008

الناشر مكتبة الربيعان للنشر و التوزيع



الإهداء


إلى الوطن الحبيب "عمان" بجميع مناطقة و تقسيماته السياسية و الجغرافية من ساحل و باطنة و داخلية و ظاهرة و شرقية و مسقط و ظفار نقدم هذا الكتاب مرددين قول سيدنا الوالد المرحوم عبدالله بن محمد بن صالح الطائي في قصيدة الفتيات الرائدات بديوان الفجر الزاحف:


"آمنـت بالوطن الصـغير جميعه و أبيت تجزئة "المزون" إباء
و شهدت ضمن شهادتي شهادة لعمان لا شـيعا و لا أجزاء
يا أمنا الكـبرى "عمان" تفاءلي فالعلم سوف يبدد الظـلماء
السـاحل الوثاب لاح ضـياؤه و غدا يعم النجد و البطحاء"



أبناء المؤلف





مقدمة

لعمان تاريخ مكتوب إذ يرد ذكر عمان بغزارة في المصادر التاريخية و الأدبية المعتبرة كونها كيانا جغرافيا و سياسيا مستقلا.

و في هذا الكتاب يستعرض المؤلف التاريخ السياسي العماني منذ مهاده الأولى و علاقة عمان بدول الجوار و مهادنتها و مسايرتها للأطماع و التدخلات الخارجية بدءا من الفرس و انتهاء بالاستعمار الأوربي الحديث ، و مقاومة العمانيين لهذا التدخل ، و النزعة العمانية للاستقلال و حكم أنفسهم وفق إرادة وطنية عربية إسلامية. و يبرز المؤلف الدور العماني في التاريخ الإسلامي و علاقة العمانيين بالدولة الأموية و العباسية و الاستقلال الذاتي لعمان بتربع أئمة المنتخبين على رأس الدولة وفق نطام حكمي إسلامي ، و يتناول آثار التوسع العماني في شرقي أفريقية ، و منطقة المحيط الهندي ، و التوسع الحضاري للعمانيين في المناطق التي بسطوا عليها نفوذهم ، كما يبين أيضا المنافع الشخصية و الصراعات القبلية و الفتن الداخلية و التدخلات الخارجية التي انتابت هذا الجزء من الوطن العربي مما أدى إلى عزلة قصرية فرضتها عليه ظروف داخاية و خارجية أدت إلى تقسيمة إلى إمارات و دويلات نتج عنه ضعف و وهن و تبعية للأجنبي بعد أن تسيد العمانيون أشرعة السفن حاملي رسالة دين و حضارة و علم إلى البلدان التي حلوا بها و بسطوا نفوذهم عليها.

و نود الإفادة هنا أن هذا الكتاب وجد مخطوطا بين ثنايا أرشيف مكتبة المؤلف ، و قد حاولنا إخراجه إلى حيز النور موثقا. كما نود أن نسترعي انتباه القارئي الكريم إلى أن المؤلف قد وضع مادته في فترات مختلفة إذ لم يكتبه دفعة واحدة ، و أن جميع المخطوطات و الوثائق التي أوردها متوفرة في أرشيف مكتبته الخاصة. و نعتذر من القارئ الكريم إذا ما صادف و هو يقلب صفحات الكتاب من هنات وقعت أثناء تنضيده و إعداده لنضعه في متناول يده.



الفصل الأول ... المهاد التاريخي و الجغرافي لعمان

1- عمان

هذا القطر العربي الذي يقع في الجنوب الشرقي من شبه الجزيرة العربية مادا بساحله على أحلام الخليج و أساطير الهند و معانقا بصحرائه أطياف الأخوة بين مواكب العروبة و معالم تراثها ، يصل ما انقطع من صحراء الأحقاف في الجنوب و مفاوز الربع الخالي في الغرب ، له في التاريخ عراقة ، و من العروبة أصالة ، و بالحضارة وشائج. فموقعه بحرا يعتبر متنفسا بعد الرحلة الطويلة من بلاد الحكمة و التوابل و البخور و امتدادا للوطن العربي الأكبر ، يصل بين المحيطين الأطلسي و الهندي فيتحدث بأمجاد العروبة و يبرهن على أهمية بلادها ، و متاخمته للصحراء برا تفرض عليه أن يحافظ على مآثر قحطان و عدنان و فصاحة امرئ القيس و سحبان ، و دين خاتم الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد بن عبدالله عليه السلام.

و قد أدى ذلك كله غير متخلف و لا متزعزع ، فقد كان جسر الحضارة بين الهند و بلاد ما بين النهرين ، و الحلقة الموصلة بين العراق و روابط العروبة في شبه الجزيرة و خاتمة مطاف الشعراء في رحلاتهم:

و جوبت للرزق أطرافه عمان و حمص و أورشليم

و قد كان ذا نصيب في الفتح الاسلامي باشتراك أبنائه بمعركتي القادسية و اليرموك ، و بمحافظته على طبيعته الاسلامية و نظامها الجمهوري في كل عصور تاريخه منذ أن دان بالاسلام و حسبه تدليلا على تراثه القومي أن يظهر منه الخليل بن أحمد الفراهيدي ، واضع علم العروض و المهلب بن أبي صفرة أحد قادة صدر الإسلام ، و إبن دريد واضع القاموس و صاحب المقصورة ، و أحمد بن ماجد مرشد الرحالة الأوروبي فاسكوداغاما الذي ملأنا كتبنا الدراسية بأخباره و اكتشافاته ، و سلطان بن سيف اليعربي أول عربي قاد الحملة ضد أول استعمار أوروبي ، و منجب
الزعيم الوطني عبدالله بن حميد السالمي العالم الديني الذي نازل الاستعمار البريطاني في الخليج العربي فانتصر عليه و أجبره على الاعتراف بدولته ، و صاحب المدينة الواحدة المسماه "رأس الخيمة" التي ثبتت للأسطول البريطاني الضارب في المحيط و استبسلت في الذود عن حماها و حفظ تجارتها.

و اليوم إذ يهب العرب في نهضتهم الحديثة من كل حدب و صوب تتلفت اليه أيضا فتجده في الطليعة من النضال ، و نقرأ عن أعلامه المعاصرين فتجد بينهم غالب بن علي الهنائي ، و الأديب و الشاعر القومي صقر بن سلطان القاسمي ، و المؤلف المؤرخ محمد بن عبدالله السالمي ، و سليمان بن حمير النبهاني و ابراهيم بن عيسى الحارثي ، و طالب بن علي الهنائي ، و سعيد بن سليمان القصير ، و بين شعوبه شعب باسل صبور هاجر فحافظ على كرامته و سعى الى رزقه و استقر في مدنه فحمل السلاح ذودا عن حماه.

هذا هو القطر الذي أكتب لك تاريخه أيها القارئ الكريم ، أوجزت لك حزمة من أشعة نوره و مـظاهر من وثبات بطولته و أشـخاصا من عناصـر كيانه ، و أنا بعد هذا مفصـل لك هذا التاريخ ، جامع لك شتاته ، مظهر ميزاته تاركا البلاد كوحدة جغرافية و ما يتبعها من دراسات إقتصادية و ثقافية و إدارية إلى كتاب آخر إن شاء الله.


الفصل الأول ... المهاد التاريخي و الجغرافي لعمان

2- عمان قديما

تعتبر عمان من أعرق البلدان في العالم و هي ركن من أركان المهد العربي الأول ، سكنتها قبائل العرب منذ قديم الزمان فطسم و جديس سكنوا منطقتي جو (الظاهرة الآن) و توام (البريمي) و مازن ابن الأزد سكنوا شمال عمان (ساحل عمان أو الشاطئ المهادن و الإمارات المتصالحة كما تسميه دوائر الإستعمار أو الإمارات العربية المتحدة) ، و قبائل سكنت الداخلية و من سلالتهم بنو ريام (قبيلة الجبل الأخضر) و بنو حديد ، و قبائل قضاعة و تميم و سكنت عبد القيس منطقة جعلان ، و سكنت مضر مدينة دبا بالساحل و هي التي أنشأت مدينة مسندم و اتخذت من بعد مخزنا كبيرا للسفن و البضائع و الوقود.
و تروي كتب التاريخ أن يعرب بن قحطان قد أقام ولايات في شبه الجزيرة العربية
فكانت عمان إحدى هذه الولايات التي عهد بحكمها إلى أحد إخوانه بالإضافة إلى حضرموت. و انفصلت عمان عن الحكومة المركزية في عهد يشجب و لكنها عادت في عهد حمير بن عبدشمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان الذي امتد حكمه من الجنوب الشرقي بالجزيرة إلى اليمن و عين ولده مالك حاكما على عمان فاستقل بملكها بعد وفاة أبيه ، و لكن أخاه وائل حاول استرجاعها فلم ينجح.
3- عمان و الفرس

بالنظر إلى قرب فارس من عمان و اتصالها بحرا بها فقد كان لابد من أن تكون بين القطرين مشاهد تاريخية ، و أقدم ما عرف من ذلك هو ما ظهر من طمع الفرس في عمان أيام سرجون الأكدي ، فقد كانت عمان تضم مناجم للنحاس طمع فيها ملك الفرس و هجم على عمان ، و كانت تحكمها ملكة اسمها شمساء التي عملت بقول الشاعر (فإن كنت مأكولا فكن خير آكل) ، و اتصلت بسرجون الأكدي ملك العراق و اتفقت على استثمار النحاس ، و تمكنت بعد ذلك من صد الفرس بمساعدة أبناء العم في العراق.

و عندما انهدم سد مأرب وفد على عمان مالك بن فهم الأزدي و هو ينشد مبررا اتجاهه إلى عمان بدل قومه الذين اتجهوا إلى الحجاز:

تحـن إلى أوطانها إبل مـالك *** و من دونها عرض الفلا و الدكادك
و في كل أرض للفتى مـتقلب *** و لست بدار الذل طـوعا برامـك
ستغنيك عن أرض الحجاز مشارب *** رحاب النواحي واضحات المسـالك

و حين وصوله إلى الشحر تخلف عنه من قومه مهرة بن حيدان فاستقرت هناك و إليهم ينتسب عرب المهرة المعروفون بالخليج و بالكويت خاصة ، فقد جاؤوها في مستهل نهضتها و انتشروا فيها تجارا و عمالا و بلادهم اليوم بين حضـرموت و عمان و سـلطانهم ابن عفرير و عاصمته سـيحوت ، و استطردت في ذلك اجابة للمشككين في عروبتهم ، و لهم لغة خاصة هي لغتهم القديمة و المنصت إليها يستطيع أن يدرك بشيء من الانتباه أصلها العربي. و واصل مالك سيره حتى نزل برجاله و نسائه و أطفاله بمدينة قلهات و تبعد عن مسقط حوالي ثلاثين ميلا من جهة الشرق ،
و كان الفرس آنذاك يحكمون عمان ، فاشتبكوا و جيش مالك فانضم إليه شعبها العربي هنالك ، جمع الفرس ثلاثين ألف مقاتل و جمع مالك ستة آلاف ، و اشتبك الفريقان في معارك عنيفة قتل في معركتها الحاسمة المرزبان حاكم البلاد من قبل كسرى دارا بن دارا ، و قد تفاوض الفرس مع مالك بعد ذلك أن يبقوا بمركزهم في صحار ، و قنع مالك بأن ينتشر في البادية فأقرهم و لكنهم عادوا و كتبوا إلى دارا الذي غضب لهزيمة جيشه فأرسل حملة أخرى باءت بالفشل أيضا ، و خسـر الفرس بعدها موافقة مالك لهم ، و تدفق العرب المهاجرون من اليمن على عمان و أشهر القبائل الوافدة الأزد و بنو سامة و بنو تميم و بنو قطن و بنو عبس.

4 ـ عمان و الحضارة

عرفت عمان بين البلدان العريقة في القدم ، و أدت دورا حضاريا ما يزال في حاجة إلى اكتشاف تفاصيله ، و إذا ما قدر لهذه البلاد أن يؤمها علماء الآثار فسيجدون بكثير من مدنها ما يدل على عراقتها و ما يكشف عن حقائق غامضة من تاريخ شبه الجزيرة العربية.

و سأحاول من خلال مطالعاتي ومشاهداتي أن ألقي هنا ضوء على هذا الجانب يكون طرف الخيط للقارئ الكريم ، فقد كان للعمانيين تاريخ بحري بالمحيط الهندي من قديم الزمان ، و دليل ذلك سفنهم المتنقلة بين الهند و موانئ الخليج ، فعرفوا بين الشعوب من البصرة إلى سواحل الهند ، و نقلوا معالم الحضارة من الهند و البصرة ، و كلمة "من" المستعملة اليوم للوزن في عمان و موانئ الخليج العربي و الهند أصلها من أكد و بابل ، فقد عرفت في هذه الجهات منذ خمسة آلاف سنة ، فكما نقل اليونان الحضارة الى الغرب كان العمانيون رسل الحضارة بين الهند و العراق و يمتازون عن اليونان بسبقهم في معرفة طرق البحار و مواسم الملاحة.

و طبقا لاكتشافات البعثة الدنماركية التي تنقب عن الآثار في الكويت و البحرين سعيا لاكتشاف منطقة ديلمون المعروفة بازدهار حضارتها و مشاركتها في نشر الحضارة بين الهند و العراق ، يمكن للقارئ أن يلمس أهمية عمان الحضارية و حيويتها القديمة.


وصلت هذه البعثة الى البحرين عام 1953 م موفدة من متحف ما قبل التاريخ في (أروسا) لتنقب عن الآثار ، و قد انشغلت هذه البعثة بدراسة العصر الديلموني المعروف بتميزه بحضارة مستقلة عن الحضارة التي كانت قائمة في السند و بلاد ما بين النهرين ، وفقت البعثة في اكتشافها إلى زمن يبدأ عام 3000 قبل الميلاد ، و هو الزمن الذي تبدأ به أيضا حضارة ديلمون. و في عام 1959 م أصبح المستر بيبي رئيس البعثة أكثر اعتقادا بأن تلك الحضارة الكبيرة قد قامت في الخليج العربي ، فصرح عند عودته إلى الدنمارك "أنه إذا صح أن جبال مسقط عرفت بجبال مقنيات ، فأنه مما لا شك فيه أن ديلمون هي البحرين" ، و الواقع أن إسم مقنيات يطلق على مدينة بعمان تقع على مشارف الربع الخالي بمنطقة الظاهرة ، و أن ديلما جزيرة في الخليج العربي.

و مهما كانت الحال حول موقع منطقة الديلمون فأنه مما لا جدل فيه أن الخليج العربي مركز هذه المنطقة و أن العمانيين قد ساهموا مساهمة فعالة في بناء حضارتها ، و إذا ما استطاعت اكتشافات هذه البعثة أن تلقي الأضواء على مكانة عمان في نقل الحضارة فنرجو أن تتاح لها الفرصة لزيارة عمان فلعلها تحصل على ما ينير لها الطريق في مهمتها.

و عدا هذا فإن الفينيقيين الذين يعرف القارئ دورهم في الحضارة لهم في عمان دلائل تنبئ عن علاقتهم بها ، فمدينة صور المسماه أيضا نيركوس (Nearchus) من أقدم المدن العمانية و ما يزال أهلها يمتهنون التجارة و البحر و يمتلكون السفن ينتقلون بها بين البصرة و سواحل أفريقية الشرقية و الهند. و قد أخذ الفينيقيون إسمهم من الإسم المعروف للخليج العربي في القدم و هو "البحر الأحمر" و "فين" بالفينيقية معناها "الأحمر" ، و في البحرين أيضا دلائل تدل على أن هؤلاء القوم من الخليج و منها قريتا عالي و جبيل اللتين سموا بإسميهما مدينتين لهم في لبنان.

و عندما انبثق نور الإسلام شارك العمانيون في ازدهاره فزودوا جيوش الفتح بكثير من رجالهم في معركة القادسية خاصة و ظهر منهم القائد المعروف المهلب بن أبي صفرة ، و كانت عمان مأوى لكل ما ازدهرت به البصرة من علم و أدب ، فهاجر إليها الكثير من رجالها ، و تلقى كثير من العمانيين العلم على يد علمائها و من أولئك الخليل بن أحمد و هو من أحفاد الفراهيد بن مالك بن فهم ، و ابن دريد و جابر بن زيد.

و للعمانيين دور كبير في نشر الحضارة بأفريقية الشرقية ، فقد ألفوا الهجرة إليها منذ القديم ، و أقرب مدلول على عراقة الهجرة العمانية إلى أفريقية هو إلتجاء سليمان و سعيد ابني عباد بن عبد حاكمي عمان إليها هربا من بطش الحجاج بن يوسف الثقفي ، فلو لم يكن لهما هنالك رهط و قبيل لما خرجا إليها ، و لذلك فعندما إدعى الأوربيون إكتشاف أنهر أفريقية و أجزائها النائية كان العمانيون هم رواد هذه الإكتشافات و حسبنا أن نذكر الرحالة العربي أحمد بن ماجد صاحب المؤلفات عن طرق البحار و سليل رأس الخيمة (ساحل عمان) و دليل فاسكودغاما إلى الهند ، و سوف يرى القارئ تفاصيل توغل العمانيين في الكونغو و رواندا و بروندي و كينيا ، و ما تزال آثار دولتهم العربية في زنجبار و جالياتهم المنتشرة في هذه البلدان تقف دليلا على أثر العمانيين الكبير في دفع أفريقية الشرقية إلى ركب الحضارة

5- عمان و الإسلام

من الخير أن نبدأ السير في تاريخ عمان من هذه النقطة المباركة ، فنقود القارئ إلى تفصيله مرحلة بعد مرحلة. و قد كان من حظ عمان أن تشارك مصر و فلسطين في المشعل الذي أتاها بنور الدين الحنيف ، فقد أرسل رسول الله عليه السلام إليها عمرو بن العاص بعد توقيع صلح الحديبية و معه كتاب إلى جيفر و عبد إبني الجلندى حاكمي عمان آنذاك قال فيه - صلى الله عليه و سلم -: "من محمد رسول الله إلى جيفر و عبد إبني الجلندى ، السلام على من إتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإسلام ، أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ، و يحق القول على الكافرين ، و إنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما و إن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما و خيلي تطأ ساحتكما و تظهر نبوتي على ملككما".

قدم عمرو إلى عمان فإجتمع بعبد بن الجلندى في مدينة صحار و كان نائبا لأخيه في الباطنة و الظاهرة و ساحل عمان ، و أخبره بخبره و بعد نقاش بين عمرو و عبد وعده بإيصـاله إلى أخيه الملك في نزوى ، و في المقابلة التي جرت بين عمرو و جيفر ناقشه جيفر في دعوة الإسلام و من أسلم من العرب ، ثم وعده بالنظر. و في اليوم التالي جمع جيفر قومه و استشارهم فشجعه على الإسلام كعب بن برشة العودي و أعلن جيفر إسلامه و تبعه أخوه ثم أسلم المجتمعون و دعوا عمرا لإبلاغه النبأ السار ، و تولى جيفر و عبد دعوة العرب جميعا في عمان إلى الإسلام فأسلموا جميعا من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب ، ثم وسعوا دعوتهم إلى ظفار و بلاد المهرة ، و لم يكتفوا بذلك بل دعوا الفرس الذين نزلوا الباطنة إلى الإسلام ، فرفض هؤلاء فطلب منهم العمانيون ترك البـلاد فكرروا رفضـهم ، فدارت بينهم و بين العمانيين معركة كبيرة قادهم فيها مسكان قتل فيها كثير من العجم و خرج الباقون ناجين بأرواحهم و في ذلك يقول الشاعر ثابت بن قطن العتكي:

ألم تنبئك عن سكانها الدار *** و عندها من بيان الحي أخبار
كأنهم يوم راحوا تاركين لها *** موجدهم بجناحي طائر طاروا
صادفت مسكان و سط النقع *** منجدلا أثوابه بعد تاج الملك أطمار
تقية من سراة الأزد يقدمهم *** رئيس صدق إلى الروعات كرار
لا هم ضعاف و لا أزرى بهم خور عند الطعان و لا عزل و أغمار
إذا أقول لهم و الحرب ساطعة و الموت يكره سيروا نحوه ساروا
نحن العتيك مضاض الناس قد علوا وفي القبائل آساد و أحرار
قوم نصر لا ترجى ظلامتنا *** و لا يكون أكالي بيننا الجار
من كان فيه من الأحياء مختلف *** فنحن لا عيب فينا و لا عار
و الله يعلم و الأقوام قد علموا *** إنا لنصر إذا ما معشر جاروا

و قد علم رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الطريقة التي أسلم بها أهل عمان فقال: "رحم الله أهل عمان آمنوا بي و لم يروني".

و كان الإسلام قد دخل إلى عمان بصورة فردية ، و تذكر المصادر العمانية أن أول مسلم عماني هو مازن بن غضوبة الطائي الذي علم عن رسول الله و هو بمدينة سمائل ، فركب ناقته إلى المدينة المنورة و أسلم على يدي رسول الله.

و مكث عمرو بن العاص في عمان يقرئ أهلها القرآن ، و ينشر فيهم تعاليم الإسلام حتى ورده نعي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و عند ذلك إرتأى عمرو أن يعود إلى المدينة فصحبه وفد عرب عمان منهم عبد بن الجلندى و جعفر بن قشم العتكي و أبو صفرة سارف بن ظالم الأزدي (والد المهلب) الذي كان خطيب الوفد ، فقال عند مقابلته الخليفة الأول: "يا خليفة رسول الله ، يا معشر قريش هذه أمانة كانت في أيدينا و في ذمتنا وديعة لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقد برئنا منها إليك".
فأجابه أبوبكر يشكر العمانيين. و في اليوم الثاني أكرم الخليفة وفد عمان بخطاب أشاد فيه بإستجابتهم لدعوة رسول الله و تسهيلهم مهمة عمرو: "قمتم مقاما حمدناكم فيه و محضتم بالنصح و شاركتم بالنفس و المال فثبت الله ألسنتكم و يهدي قلوبكم و للناس جولة فكونوا عند حسن ظني بكم".

و عاد الوفد العماني إلى بلاده بعد تفويض من أبي بكر أن يحكم جيفر و عبد نيابة عنه.

و قد شملت الردة القسم الشمالي من عمان و منطقة الظاهرة ، إذ ظهر فيهم ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي ، و لكن جيفرا و عبد قاوماه حتى أمدهما الخليفة بجيش يقوده عكرمه بن أبي جهل و معه عجرمة بن هرثمة البارقي و حنيفة بن محصن الغلغاني ، فتمكنوا من القضاء على المرتدين بعد معركة في مدينة دبا ، و بقى حذيفة بن محصن مع جيفر لمساعدته في الحكم و خرج عبد بن الجلندى و معه جيش من عمان إلى المدينة المنورة للإشتراك في الفتح الاسلامي ، و حارب عبد مع المسلمين في معركة اليرموك ، كما إلتحق عدد من العمانيين بجيش سعد بن أبي وقاص في معارك العراق و إيران و استقر
كثير منهم بالبصرة إثر بنائها و أكثرهم من الأزد ، و قد عين عمر منهم كعب بن سور قاضيا للبصرة.

و في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب إستدعى حذيفة و بقي جيفر يحكم عمان على أمر أن يراجع عثمان بن أبي العاص أمير البحرين ، و لكن عثمان عين أخاه الحكم بعمان و إتجه هذا إليها و شرع يبني أسطولا صد به القراصنة الهنود الذين كانوا يزعجون الخليج العربي ، كما إحتل جزيرة القسم أثر معركة مع الفرس ، و كان أثر ذلك أن إتخذها العرب مركزا لتهد من مؤخرة يزدجرد في محاربته المسلمين بالعراق و إيران.

و لا تشير المصادر التاريخية إلى عبد بن الجلندى بعد سفره للجهاد في محاربة الروم بسورية ، و لكنها تعود فتذكر أن ولده عباد بن عبد قد حكم عمان بعد وفاة عمه جيفر عام 30 هـ في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه ، و بقي الحال كذلك في خلافة الإمام علي - رضي الله عنه -.
تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الأول ... المهاد التاريخي و الجغرافي لعمان

6- عمان في العهد الأموي

خلال الفتنة الكبرى بين الخليفة الرابع و معاوية بن أبي سفيان ، كانت عمان تدار من قبل عباد بن عبد و بقيت كذلك حتى تم الأمر لمعاوية بالنظر إلى بعدها ، و قد اعتصم بها بعض من نجوا من معركة النهروان بين علي و الخوارج ، و لابد أن يكون بينهم عدد من العمانيين الذين حاربوا مع علي ثم عارضوه في التحكيم و عادوا إلى بلادهم بمن معهم من حزبهم فوجدوا بها ملجأ أمينا ، و بقيت عمان مستقلة عن الإدارة الإسلامية حتى عز على عبدالملك بن مروان أن تخضع له كل الأقاليم و تشذ عمان عن ذلك فوكل أمرها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي الذي بدأ بمطالبة أهـلها بالزكاة فرفضـوا ، فأرسل لهم جيشا بقيادة القاسم بن شفوه المزني عام 77 هـ ، نزل القاسم في قرية الجصة و تقع على ساحل البحر قرب مسقط و منها إتجه الى وادي حطاط فقتل في إحدى المعارك.
كان عباد قد توفى في هذه الفترة ، فحكم عمان ولده سليمان ، و حالما علم الحجاج بمقتل القاسم أرسل أخاه مجاعة في جيش بلغ عدده أربعين ألفا دخل عمان من البر و البحر ، فقسم منه جاء عن طريق الإحساء بعد أن اخترق قطر و دخل أبوظبي المشهورة الآن بالنفط ، و على أطرافها اشتبك به سليمان في معركة إضطر بعدها جيش الحجاج البري على التراجع إلى رأس الخيمة. و كان سعيد أخا سليمان قد اشتبك بجيش الحجاج البحري قرب بركاء ودارت بين الفريقين معركة كبيرة كان يقودها مجاعة بنفسه و لم يستطع سعيد أن يصمد فيها فتراجع متحصنا بالجبل الأخضر.

أما سليمان فقد أدرك خط السفن ، و كانت بعد معركة قد سيطرت على صحار و بركاء و السيب و مسقط ، و اختارت مسقط لتكون مقرا لها، إتجه سـليمان إلى هذه السفن و حرق منها سبعين سفينة ، و إضطر بقية الأسطول إلى الهرب نحو البر و الانتظار على ثبجه ، و دارت على أثر ذلك بينه و بين مجاعة معركة على أبواب سمائل لم تكن حاسمة ، فوجد أن الأفضل له الإلتحاق بأخيه في الجبل الأخضر ، و قد قام الحجاج بإرسال المدد لقائده ، فوصل إلى مجاعة خمسة آلاف فارس بقيادة عبدالرحمن بن سليمان ، و لكن هذا المدد كان يضم رجلا أزديا دسه أزد البصرة على الجيش لينصح سليمان و سعيد عن المقاومة و يفهمهما عن قوة الحجاج و عجزهم عن مساعدتهم ، إذ أن الحجاج منعهم من الالتحاق بالجيش و وضع عليهم
عيونا ، فأدى الرسول المهمة و أطلعهما على الجيش المتجمع في رأس الخيمة ، فوجدا أن لا طاقة لهما بنيل النصر الحاسم رغم ما دلـت عليه بـداية المعارك ، فخرجا بأهلهما إلى زنجبار في أفريقية الشرقية و ماتا هنالك. و دانت عمان للخليفة عبدالملك بن مروان و إنتقم منها مجاعة و الحجاج إنتقاما بالغا.

عين الحجاج الخيار بن سبعة واليا على عمان ، و عندما تولى الخلافة الوليد بن عبدالملك ولى عليها صالح بن عبدالرحمن بن قيس الليثي ثم يزيد بن سيف بن هاني ، و في خلافة سليمان بن عبدالملك أعيد صالح بن عبدالرحمن ، و عندما تولى على العراق يزيد بن المهلب الأزدي عين أخاه زياد على عمان فرضى عنه أهلها ، و في خلافة عمر بن عبدالعزيز تولى أمر عمان عدي بن أرطأه الفزاري ثم تولاه عمر بن عبدالله الأنصاري ، و عند وفاة الخليفة عمر بن عبدالعزيز تأثر الأنصاري بمعاملة الناس العمانيين له و خشي عليهم ما أن يصيبهم سوء من بني أمية ، و خرج من البلاد مسلما أمرها إلى زياد بن المهلب قائلا له: "هذه البلاد بلاد قومك ، فشأنك و إياهم" ، فقام زياد بأمرها خير قيام ، و بقي كذلك حتى إنتقلت الخلافة إلى العباسيين ، فعين أبو العباس جناح بن عباد الهنائي عاملا له على عمان ، و هو باني المسجد المعروف بإسمه في صحار ، ثم عزله و ولى ولده محمد ، فرغب هذا أن يمارس العمانيون كامل سلطانهم و ترك لهم الخيار في إختيار طريقة الحكم التي يرتضونها لبلادهم

الفصل الثاني

الإمامة


1- الإمامة الأولى في عمان

وجد العمانيون أن عامل الخليفة العباسي قد ترك لهم الخيار ، و أن الخلافة لم تعد تسير على النهج الإسلامي الصحيح ، فهي حكم متوارث أكثر من كونها خلافة إنتخابية ، و هم لذلك لا يرون في هؤلاء الخلفاء ما يلزمهم طاعتهم ، فقرروا إنتخاب إماما لهم يتولى شؤونهم ، فعقدوا الإمامة على الجلندى بن مسعود بن جيفر بن الجلندى حفيد حاكم عمان عند ظهور النبي عليه السلام و من مشاهير علماء الدين في عهده عبدالله بن القاسم و هلال بن عطية و خلف بن زياد البحراني و شبيب بن عطية العماني و موسى بن أبي جابر الأزكاني و بشير بن المنذر النزواني ، و ما دمنا بصدد الإمامة التي يقرأ القارئ كل حين عنها في الصحف و يتردد سمعها في الإذاعات و البرامج التلفزيونية ، فلابد من أن يتعرف على أساسها ليكون على بينة من ذلك. و معنى الإمامة لدينا معروف فهو مرادف لكلمة الخلافة و هو في معناه العصري حكم جمهوري ينتخب فيه الشعب حاكمه ، و بالنسبة للإمامة فهو أقرب إلى الناحية الدينية فالمنتخبون هم أعيان البلاد ، و هم أيضا رجال الدين في البلاد ، و لكنه على كل حال حكم منتخب يمثله حاكم يسمى إماما له حقوق و عليه أيضا حقوق ، فمن حقوقه تمثل السلطات التنفيذية ، فالإمام رأس الحكومة يساعده من يختاره من الأكفاء ، و هو المرجع الأعلى في حسم الأمور و توجيه سياسة البلاد و تخطيط مستقبلها ، و عليه أيضا أن يجعل الأمر شورى بين المواطنين ، و أن يتقبل النقد و يتسم بالنزاهة في كل جانب ، فإذا حاد عن الخط المستقيم وجب خلعه وجوبه بالحقيقة دون خجل أو وجل.

و في عهد الإمام الجلندى لجأ شيبان بن عبدالعزيز اليشكري كبير الصفرية هاربا من السفاح إلى عمان ، فأمر الإمام بمقاتلته و فوض بذلك إلى قاضيه هلال بن عطية و القائد يحيى بن نجيح ، فاشتبك الجيشان في معركة كبيرة قتل فيها شيبان. و معركة الإمام الجلندى مع شيبان فيها مدلولها على سعي أتباع المذهب الأباضي في نشر الحق و الذود عنه ، فرغم أن الصفرية إحدى مذاهب الخوارج ، و رغم أن
الصفرية و الأباضية مذهبان بدآ بالخروج على التحكيم في صفين ، لم يجد الإمام في ذلك مانعا من أن يحاربهم و يقضي عليهم نهائيا ، إذ وجد أنهم يسيرون في تعصب و ضلال. و نفذ الإمام حكم القتل في ثلاثة من أقاربه لمحاولتهم الخروج عن الإمامة ، هم جعفر الجلنداني و إبناه النظر و زائدة ، و قد شهد بنفسه تنفيذ الحكم ، فظهر على وجهه الاستياء ، فهب صحبه يعترضون عليه قائلين: "إعفيه يا جلندى" ..... فقال: "لا و لكن الرحمة". و رجل و هذا شأنه و قوم و هذا عزمهم في الإبقاء على حقوقهم بالإمامة لا يستغرب إذا حافظوا عليها في القرن العشرين ، و هو قرن الديمقراطيات و الحكم الشعبي ، و لعل في إتصال ثورتهم الحالية و صمودهم ضد كل عسف ترويهما هذه المآثر التي ورثوها أبا عن أب و التي تدعوهم إلى المحافظة على إنتخاب الحاكم و صلاحه سواء كان اسمه إماما أو غير ذلك.
2- 2- حملة عباسية على عمان

علم أبو العباس عن انفصال عمان ، فتأثر لذلك شأن كل حاكم يهمه أن تظهر منطقة نفوذه في وحدة متماسكة ، و زاد سخطه على قيام إمامة الجلندى وما تسرب إليه من أنباء لجوء بعض الأمويين إلى عمان و إحتمائهم بها ، فأرسل السفاح حملة بقيادة خازم بن خزيمة الخراساني في جيش كبير فقابلهم الإمام الجلندى في رأس الخيمة ، فكانت المعركة في اليوم الأول سجالا ، و في اليوم الثاني قتل تسعمائة من العمانيين ، أما اليوم الثالث فكان مناوشات استمرت إسبوع كان خازم خلالها يستعد لاستعمال سلاح النار إذ يوقدها جنده في أطراف الرماح بعد خلطها بالنفط ، و يسيرون بها لإحراق جند الجلندى و حرق خيامهم ، و تمكن خازم بهذه الطريقة أن يقتل من جيش الإمام فقتل منه عشرة آلاف. و إلتفت الإمام إلى قاضـيه هلال بن عـطية - و كانا يقودان المعركة - طالبا منه أن يـتقدم ، فقال هلال: "أنت إمامي فكن أمامي ، و لك علي أن لا أبقى بعدك" ، و قد صدق قوله فما أن قتل الإمام حتى تقدم إلى الطليعة فلحق به رفيقه ، و قصتهما تدل على خوضهما المعركة عن عقيدة متمكنة ، و لعل خطأ الإمام الجلندى كان لعدم إهتمامه بعدوه ، إذ أن من يقبل من نزوى إلى رأس الخيمة قاطعا تلك المسافات الشاسعة و هو مطمئن إلى سلامة ظهره من أي إنقلاب ، كان بإمكانه أن يجند هذا الشعب و يستدرج خصمه إلى معارك أكبر. و قد استمرت إمامة الجلندى سنتين و شهرا.

و قد قنع خازم من النصر بالإنتقام من وجهاء البلاد و أخذ من أراد من بني أمية و ترك البلاد دون أن يعين عليها عاملا من قبل الخليفة العباسي ، فسيطر عليها نفوذ مشترك من رجلين يدعى أحدهما محمد بن زائدة و الآخر راشد بن شاذان بن النظر و هما من بني الجلندى ، و عاثا في البلاد ظلما ، و في عام 145 هـ ظهر منافس ثالث لهما هو غسان الهنائي بأعوانه الذي هجم على نزوى فتصدى له بنو نافع و بنو هميم ، و لكن ذلك لم يحل دون نهب البلاد ، إلا أنهم تبعوه بمساعدة زياد بن سعيد البكري و تمكنوا من إغتياله ، و أدى ذلك أيضا إلى أن ينتقم له مبارك بن خنبش الذي إتجه إلى "إبرا" و هي إحدى مدن منطقة الشرقية للإنتقام من زياد و قتل من أهلها أربعين رجلا.

عندما رأى أهل عمان أن العباسيين قد تركوهم للفوضى و المفسدين لا يهمهم من أمر البلاد إلا أن يأخذوا زكاتها ، اجتمع عقلاؤهم و قرروا مبايعة إمام جديد ، و كان عمدة هذا الرأي الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكاني ، فإتصل برؤساء القبائل و هيأ للمسيطرين و المنتفعين من الفوضى من يحضرهم عند إعلان الإمامة يساعدة في ذلك الشيخ بشير بن المنذر ، فبويع محمد بن عفان بالإمامة عام 175 هـ ، فهدأت البلاد غير أن الشعب أخذ عليه استبداده فقرر أولوا الرأي عزله و مبايعة الوارث بن كعب الخروصي بعد أن حكم سنتين و شهرا.

كان الوارث محبوبا لدى الأهالي و موضع ثقة الجميع ، فقد ظهر مقاومته للمستبدين في مدينة الرستاق حيث كان يسكن و قاومهم و إضطرهم إلى الكف عن الظلم ، و انشغل الوارث في بدء حكمه بنشر الأمن و تركيز دعائم الحكم


حكم الإمام الوارث في خلافة أمير المؤمنين هرون الرشيد ، و قد رأى الرشيد أن يرسل إليهم حملة بقيادة عيسى بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبدالله بن العباس في ألف فارس و خمسة آلاف راجـل ، و كان داود بن يزيد المهلبي قد أعلم الإمام بذلك ، فهيأ لهم جيشا التقى بهم في صحار بقيادة فارس بن محمد فانهزم عيسى بعد قتال مرير ، و عاد إلى مراكبه فمخر بها البحر ، و لكن فريقا من جيش الإمام بقيادة أبي حميد بن فلح الحداني السلوتي و عمرو بن عمر أبحرا و من معهما في ثلاث سفن و لحقوا بعيسى فقبضوا عليه و عادوا بسفنه إلى صحار و سجن بحصنها. و قد واجه الإمام إلحاحا كبيرا لقتله ، فكان يرفض و عند ذلك تسور على عيسى الملحون و قتلوه بالحصن يتقدمهم الشيخ يحيى بن عبدالعزيز دون علم والي الإمام ، و قد علم الرشيد بذلك و صمم على الانتقام ، و لكن المنية لم تمهله. و توفى الإمام الوارث عام 189 هـ غريقا إذ جرفه السيل في وادي كلبوه بنزوى و معه سبعون رجلا من أصحابه عندما كانوا ذاهبين لنقل السجناء خشية أن يغرقهم السيل ، و حكم الوارث إثنتي عشرة سنة و ستة أشهر.
3- اتصال الإمامة

إنشغل الأمين و المأمون بالنزاع فيما بينهما ، فلم يكن أي أثر لمقتل عيسى بن جعفر ، و قد بايع العمانيون غسان بن عبدالله اليحمدي بالإمامة بعد وفاة الإمام الوارث ، و قد خرج عليه بعض القبائل و شاركهم في ذلك الصقر بن محمد بن زائدة الذي عاث أبوه فسادا قبل مبايعة الإمام محمد بن عفان ، و لكن الإمام إستطاع أن يقضي على ثورتهم ، و التجأ الصقر بسمائل فكتب الإمام إلى عامله بها الوضاح بن عقبة أن يقبض عليه و يرسله إلى نزوى ، فنفذ العامل الأمر و رافق الصقر خشية أن يبطش به الجند ، فالتقوا بفريق أرسلهم الإمام لاستلامه بقيادة موسى بن علي ، وقد أخذ الحماس بعض أفراد الفريق فقتلوا الصقر دون علم العامل و موسى.
و شهد عهد الإمام غسان أول تاريخ للقراصنة في البحر العربي ، و كانوا يأتون من الهند لنهب السواحل العربية ، فأسس الإمام إسطولا لمقابلة عدوانهم كان أثره البالغ في تأمين السواحل و قطع دابر القرصنة.

و قد ألفت كثير من الكتب الدينية في عهده و شهدت عمان إستقرارا و إزدهارا سواء كان إقتصاديا أو إجتماعيا ، و توفى رحمه الله في شهر ذي القعدة عام 207 هـ بعد أن حكم خمس عشرة سنة و سبعة أشهر.

و إنتخب من بعده الإمام عبدالملك بن حميد فسار بالبلاد سيرا صالحا حتى توفى عام 226 هـ ، و قد أدركه الكبر بعد فترة من توليه الحكم فاستعان بالشيخ موسى بن علي ، و بعد وفاته بويع الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي و عرف بالهيبة و الوقار ، و إمتنعت بلاد المهرة في عهده عن دفع الزكاة ، و قد دعاهم إلى ذلك رجل إسمه وسيم بن جعفر ، فأرسل الامام إليه يحيى اليحمدي المعروف بأبي المقارش في كتيبة من الجيش دخلت بلاد المهرة و قبضت على وسيم و جيء به إلى نزوى ، و تعهد سكان المهرة بإحضار الزكاة بأنفسهم سنويا إلى الإمام فأطلق الإمام وسيم بن جعفر.

و قد خرج على الإمام المغيرة بن وشن الجلنداني فقتلوا أبا الوضاح والي البريمي ، فعهد الإمام إلى أبي مروان والي صحار أن يقتص من المغيرة ، و هنا تشير كتب التاريخ إلى أن أبا مروان إصطحب معه رجلا اسمه المطار الهندي و من معه من الهند و لعله كان خبيرا بحرب النار ، فقد وصف بأنه أحرق قرى بني الجلندى بيوتا و حيوانات و متاعا ، و تمكن أبو مروان من القضاء نهائيا على ثورة المغيرة ، و قد ثار الإمام مما بلغه من حرق القرى و تشريد النساء و الأطفال ، و أرسل وفدا إلى بني الجلندى ليعوضهم عن الأضرار التي لحقت بهم و يلم شملهم ، فلم يكن القصد إنتقاما بل كان القضاء على الفتنة ، و في عهد الإمام المهنا ظهر الشيخ العلامة محمد بن محبوب و زميله الشيخ البشير ، و توفى الإمام المهنا في اليوم السادس و العشرين من ربيع الآخر سنة 237 هـ بعد أن حكم عشر سنوات و أشهرا و دفن رحمه الله في نزوى ، و قد عاصر خلافة المتوكل العباسي. و تذكر بعض المصادر أن عمان دفعت للعباسيين ثلاثمائة ألف دينار ذهبا أي ما يعادل أربعة ملايين درهم كأتاوة سنوية ، و في ذلك مدلوله على الإزدهار الإقتصادي للبلاد.
أختير الصلت بن مالك الخروصي ليخلف الامام الراحل ، فعقد عليه بالإمامة الشيخ محمد بن محبـوب ، فسار بالعدل و الحق حتى قام عليه موسى بن أبي موسى بحجة أنه أصبح هرما لا يصلح للإمامة ، و نادى موسى بالدعوة لإمام جديد إسمه راشد بن النظر ، فلم يشأ الإمام الصلت أن يوجد ثغرة فإعتزل في بيته و تم الأمر لراشد يوم الخميس 3 ذي الحجة عام 273 هـ ، و قد حكم الصلت ستة و ثلاثين عاما و توفى عام 275 هـ ، و قد رفض الإمام الصلت في أواخر عهده دفع الأتاوة السنوية للعباسيين ، و توفى في عهده الشيخ العلامة محمد بن محبوب الذي كان قاضيا للإمام في صحار و ذلك عام 260 هـ ، و من حوادث عهده زوابع هائلة لم تشهدها البلاد من قبل و قد حصلت عام 251 هـ . و قد أرسل الامام الصلت حملة على جزيرة سقطرة و هي جزيرة تقع في البحر العربي كانت ممرا لسفن اليونان و الرومان اتخذوها ملجأ لهم و أقام بها عدد منهم ، و قد أرسلت امرأة من أهلها قصيدة إلى الإمام تشكو إليه فيه هجوم القراصنة عليها ، و يدل شعرها إنها تقصد القراصنة الأوروبيين:

قل للإمام الذي ترجى فضائله *** إبن الكرام و إبن السادة النجب
و إبن الجحاجحة الشم الذين هم *** كانوا سناها و كانوا سادة العرب
أمست سقطرى من الإسلام مقفرة *** بعد الشرائع و الفرقان و الكتب
جار النصارى على واليك و انتهبوا *** من الحريم و لم يألوا من السلب
إذ غادروا قاسما في فتية نجب *** عقوى مسامعهم في سبسب خرب
مجدلين سراعا لا وساد لهم *** للعاديات لسبع ضارئ كلب
قل للإمام الذي ترجى فضائله *** بأن يغيث بنات الدين و الحسب
كم من منعمة بكر و ثيب *** من آل بيت كريم الجد و النسب
تدعو أباها إذا ما العلج هم بها *** و قد تلقف منها موضع اللبب

إستنفرت القصيدة كل مشاعر الإمام ، و بلغت منه الغيرة كل مأخذ ، فجمع جيشه و أعد المراكب و ولى القيادة محمد بن عشيرة و سعيد بن شملال ، و عين من يخلفهما إذا حدث حادث لهما ، و ذكر أسماء حازم بن همام و عبدالوهاب بن يزيد و عمر بن تميم ، فساروا في سفن تزيد على المائة ، و قد ورد في رسالته للجيش قوله: "و اعلموا أني وليت عليكم يا معشر الشراة و المدافعة على جميع سقطرى أهل السلم منها و أهل الحرب و على الصلاة و قبض الزكاة و الجزية و المصالحة و المسالمة و المحاربة لأهل النكث و النصارى أو من حاربكم من المشركين في سفركم أو في مستقركم على الأمر و النهي و إعطاء الحق و منع الباطل و إنصاف المظلوم من الظالم".

و قد أكد لهم في هذه الوصية مراعاة حقوق النساء و الشيب و الأطفال ، و تمكن الجيش من إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي و رفع السيف عن الأهالي و معاقبة المذنبين.
- الفترة ما بين عهد الإمام الصلت و قيام دولة اليعاربة


عقد موسى بن أبي موسى الإمامة لراشـد بن النـظر عام 273 هـ فأدى ذلك إلى اختـلاف الناس ، فاشتبك راشد مع فهم بن الوارث و مصعب بن سليمان في معركة الروضة ، ثم اشتبك مع شاذان بن الإمام الصلت فتمكن من التغلب عليه ، و خذل موسى بعدئذ إمامه عقب عامين من وفاة الصلت و بايع عزان بن تميم الخروصي.

6- الإمام عزان

لم يكن انتخابه إماما لمجرد رغبة من القاضي موسى ، فقد بايعه من أعيان البلاد جماعة لهم فضلهم منهم عمر بن محمد القاضي و نبهان بن عثمان و نعمان بن عثمان و عنيسة بن كهلان و الأزهر بن محمد بن سليمان البيسياوي و مروان بن زياد و أبو المؤثر الصلت بن خميس.

و قد قام الإمام عزان بعد فترة من انتخابه بعزل موسى بن أبي موسى من القضاء ، فأخذ هذا يجمع جموعه في مدينة إزكي و علم الإمام بذلك ، فزحف بجيش على إزكي فدخلها و قتل موسى ، و ارتكب جيشه ما يؤاخذ عليه كرجل دين و حاكم منتخب ، إذ أنه قتل الكثير من أهل المدينة و أحرق بعضهم بالنار ، كما أنه أمر بالإنفاق على من شـايعه في حرب إزكي و الإمسـاك بمن لم يرافقه ، و هذا كله من شأنه أن يفتح ثغرة جديدة.
7- ثورة مركزها البريمي

سخط بعض زعماء البلاد على قتل موسى بن أبي موسى ، و في طليعتهم الفضل بن الحواري الذي خرج إلى منطقة البريمي و طلب العون من بني سامة ، و انضم إليه جماعة من منطقة الظاهرة ، و اجتمعوا على مبايعة الحواري بن عبدالله الحداني على الإمامة ، فاتجهوا إلى صحار عام 278 هـ ، و تمكنوا من دخولها عنوة و الصلاة بالناس يوم الجمعة ، فأعلنوا من منبر جامعها إمامة إمامهم.

علم الإمام عزان بذلك ، فأرسل إليهم جيشا بقيادة الأهيف بن حمحام الهنائي ، و عرف من قادته سليمان بن عبدالملك السليمي ، و الصلت بن النضر بن المنهال العتكي ، و شاذان بن الصلت اليحمدي ، فاقتتل الجيشان قتالا عظيما تمكن بعده أنصار الإمام عزان من إلحاق الهزيمة بخصمهم ، و كان بين القتلى الفضل بن الحواري نفسه ، و الحواري بن عبدالله ، و ورد بن أبي الدوانيق ، و يحيى بن عبدالرحمن السامي ، و محمد بن الحسن السامي (من بني سامة) ، و صعصعة بن عوف العوفي ، و موسى بن عبدالله الواشحي ، و سعيد بن المهنا الفجحي. و كان أنصار الإمام عزان من اليمانية في حين كان خصومه من النزارية ، و هذا التميز القبلي يظهر لنا لأول مرة في تاريخ عمان. و لم يتردد الفضل و صحبه من زج عمان في أتون التعصب القبلي رغم أنهم كانوا من أنصار الإمام عزان ، و أن إمامته تلزمهم طاعته ، و أن إمامهم الذي انتخبوه لم يكن أهلا لتولي الحكم ، و سيرى القارئ له آثارا منذ هذه الواقعة.

و من الزعماء النزارية الذين سلموا من المعركة محمد بن القاسم السامي و بشير بن المنذر ، فعادوا إلى البريمي و منها خرجا إلى ساحل عمان و إتجها إلى البحرين حيث إتصلا بعامل الخليفة العباسي المعتضد محمد بن نور

8- وفد إلى بغداد



طلب محمد بن نور من محمد بن القاسم و بشير بن المنذر أن يذهب أحدهما إلى بغداد ، و يطلب من الخليفة المساعدة للانتقام من اليمانية ، و أن يسـتفز مشاعره في إلتجاء العدنانيين به و طلبهم مساعدته ، و قد كان المعتضد يترقب هذه الفرصة خاصة بعد أن امتنعت عمان منذ عهد الإمام الصلت من دفع الأتاوة السنوية للخلافة في بغداد ، فكتب الخليفة إلى عامله في البحرين أن يستجيب لطلب الزعيمين العمانيين و أن يهيئ حملة كبرى.

خرج محمد بن نور بحرا في خمسة و عشرين ألف مقاتل ، فأنزل جنده في رأس الخيمة و من هنالك إتجه إلى البريمي ، فوجد مقاومة كبيرة من العمانيين ، و لكن الخلاف لابد أن يوجد له مركزا يثبت فيه قدميه ، فسيطر على البريمي و الظاهرة ، ثم إتجه إلى نزوى نفسها يساعده النزارية ، فدخلها و في مدينة سمد دارت المعركة الحاسمة بين الفريقين يوم الأربعاء 25 صفر عام 280 هـ ، فقتل في هذه المعركة الإمام عزان ، و أرسل محمد بن نور رأسه إلى الخليفة المعتضد ، لكن الأهيف بن حمحام الهنائي لم يسلم الأمر ، فجمع العمانيين من جديد و قرر محاربة العامل العباسي ، فاشتبكوا و إياه في مدينة دما (بمنطقة الشرقية) و دارت بينهم معركة ضارية قتل فيها الأهيف.

و بعد هذا تمكنت غريزة الإنتقام من محمد بن نور و أحالته وحشا ضاريا و طاغية مدمرا ، ففتك بأعدائه و دمر كثيرا من بيوتهم و أحرق الآفاق الكتب ، و كان اللغوي الشاعر محمد بن دريد صاحب المقصورة المشهورة بعمان ، فساءه ما رآه من انتقام العامل العباسي في وطنه ، و ساءه ما رأى من قومه في قومه ، فأرسل الشعر دموعا ومن ذلك قوله:

إن دهرا فل حدهم حده لابد معلـول
ما بكاه إن هم قتلوا صبرهم للقتل تفضيل


و أزاء هذه الحال خرج بعض أعيان البلاد و هاجروا إلى البلدان المجاورة ومنهم سليمان بن عبدالملك السليمي قائد الإمام عزان فلجأ الى هرمز ، و لجأ كثير من أهالي الباطنة خاصة إلى هرمز و سيراف و البصرة ، و يسمي أهل عمان محمد بن نور "محمد بور" لكثرة ما فتك بهم و ببلادهم.

(راجع الكامل لإبن الأثير ص280-350

9- عودة محمد بن نور

بعد أن ثبت حكم العباسيين في عمان قرر محمد بن نور العودة إلى البحرين ، فعين أحمد بن هلال عاملا للخليفة على عمان و ذلك عام 304 هـ ، فأقام ببهلا و جعل عنه نوابا في كل مقاطعة ، و نائبه بنزوى "بيحره" الذي لم يكن حكيما في معاملة أهلها. فاستمر في القسوة التي خلفها له محمد بن نور ، و لكن أهل نزوى قتلوه و سحبوا جثته و قبره بها معروف.

و بعد مقتل بيحره أعلن العمانيون عودة الإمامة و مبايعة محمد بن الحسن الخروصي إماما ، فوجد الخليفة المقتدر أن يضمن خضوع عمان الإسمي له ، و أن يحكم أهلها البلاد بأنفسهم ، فأقر رغبتهم في إقامة الإمامة و سحب أحمد بن هلال ، و تعهد العمانيون مقابل ذلك أن يدفعوا أتاوة سنوية للخليفة في بغداد (هذه الأتاوة دفعت أيضا زمن المتوكل ، و كانت زمن المتوكل ما يعادل مائة و ثمانين ألف جنيه إسترليني).

و تعاقب الأئمة على عمان بعد ذلك ، إلا أنهم كانوا ضعفاء بسبب الإضطرابات التي كانت تثور بين حين و حين لعوامل داخلية و خارجية ، فبويع بعد محمد عدة أئمة كانوا كمرجع للناس في منازعاتهم الشخصية أكثر من حكام يقودون البلاد إلى شؤونها العامة ، و كانوا أيضا صلة بين جباة العباسيين و بين أفراد الشعب ، و لذلك فقد كان العمانيون يبايعونهم بيعة دفاع لا شراء ، و هؤلاء الأئمة حسب الترتيب:

راشد بن النظر – الصلت بن القاسم الخروصي – عزان بن الهزير المالكي – عبدالله بن محمد الحداني – الصلت بن القاسم مرة أخرى – الحسن بن سعيد الحتني – الحواري بن مطرف الحداني – عمر بن محمد بن مطرف و في عهده دخل القرامطة عمان ثم رجعوا إلى البحرين و هو حي فلم يعد إماما. و تمتد هذه الفترة من 284 هـ (304) – 315 هـ تبادل خلالها هؤلاء الأشخاص حكم البلاد

10- دخول القرامطة عمان

خلال هذه الفترة ظهر القرامطة بالبحرين ، فقد ظهر أبو سعيد الجنابي عام 283 هـ ، و تمكن من إقامة دولة في البحرين تتكون من جزائر البحرين المعروفة الآن و الإحساء و القطيف و هجر ، و قتل عام 302 هـ من قبل خادم له ، فخلفه إبنه الذي ثار عليه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان فقتله و تولى الحكم ، و كان القرامطة يخضعون للدولة الفاطمية في المغرب و يطمحون إلى توسيع نفوذهم في شبه الجزيرة العربية ، و لعل ظهورهم هو الذي دعا الخليفة العباسي إلى أن يحكم العمانيون بلادهم بأنفسهم بعد مقتل بيحره لحاجته إلى تكتيل جيش ضد القرامطة أولا و عدم فتح جبهة جديدة في عمان ثانيا قد يستفيد القرامطة منها ، و قد ضمن النفوذ بوجود أعوان له من بني سامة ومن تسليم العمانيين بدفع الأتاوة السنوية.

و الظاهر أن القرامطة لم يرغبوا في بداية عهدهم في التدخل بشؤون عمان تسليما منهم بأنها كانت خاضعة أثناء إستيلائهم على البحرين للخليفة العباسي ، و ذلك جريا على رسالة أبي سعيد الجنابي للخليفة المعتضد عندما أرســل العباس بن عمرو الغنوي واليا على اليمامة و البحرين ســنة 289 هـ ، فأسر أبو سعيد الوالي و هزم الجيش ، و بعث الوالي أيضا ليبلغه رسالة يقول فيها: "هذا البلد خارج عن يدك غلبت عليه و قمت به و كان في من الفضل ما آخذ به غيره ، فما عرضت لما كان في يدك و لا هممت به و لا أخفت لك سبيلا ، و لا نلت أحدا من رعيتك بسوء فتوجيهك إلى الجيوش لأي سبب".

على أن حوادث البحرين قد ظهر لها أثرها في جارتها عمان ، فبينما كان عبدالله بن محمد الحداني يحتل مركز الإمام في البلد إذا به يعلن ولاءه للقرامطة و إتباعه مذهبهم ، فبادر الأهالي بعزله من الإمامة و لم يدع ذلك القرامطة إلى التدخل ، و قد أصدر العلامة أبو الحواري أحد رجال الدين في عمان فتوى حول الإمام المتقرمط قال فيها: "نحن نبرأ من أبي سعيد القرمطي ، و نبرأ ممن تولاه و نبرأ ممن وقف عنه و نبرأ ممن شك فيه بعد رجوعه من السوق إلى نزوى ، و أما عقد إمامته فلا نقول فيها شيئا ، و أما من بعد خروجه من نزوى و رجوعه إليها من بعد دخوله في القرامطة ، فنحن نبرأ منه من بعد ذلك إلى هذا اليوم ، و ممن تولاه و ممن وقف عنه و ممن شك فيه و لا ينبغي لعاقل أن يناظر في أبي سعيد و لا في عقد إمامته".

و يلاحظ أن الحواري سمى عبدالله الحداني أبا سعيد القرمطي ، و ذلك هو الإسم الذي عرف به بعد إتباعه طريق القرامطة ، و لا يعرف شيء عن مصير الرجل إلا أنه على أغلب الإحتمال بقى في منزله بعد عزله فليس من المصلحة الاعتداء عليه ، و لم يظهر له ذكر في خطوات القرامطة التي تلت تمذهبه لا في عمان و لا في غيرها ، الأمر الذي يجعلني أعتقد إنه لم يخرج إليه و أنه لزم بيته.

و بويع الصلت بن القاسم بالإمامة بعد الحداني للمرة الثانية ، و في عهد عمرو بن محمد بن مطرف هجم القرامطة على عمان و ذلك عام 315 هـ.

و الظاهر أن القرامطة لم يريدوا أن يشغلوا أنفسهم بتحمل مشاكل إحتلالهم لعمان و من حولهم طلبات عبدالله المهدي بتأييده في عدائه للعباسيين و توقعهم الاصـطدام بالخليفة في الحجاز و العـراق ، فلم يكن من سياستهم جعل العمانيين أعداء لهم ، و في ذلك أثره في إزعاج مؤخرتهم و هم يتقدمون شمالا و غربا ، فهادنوهم و خرجوا من عمان مقابل دفع أتاوة سنوية ، و هكذا عادت الإمامة الى عمان بينما زحف أبو طاهر القرمطي عام 316 هـ إلى بغداد و أغار على مكة عام 317 هـ ، و أقام الخطبة فيها لعبدالله المهدي بدلا من الخليفة العباسي المقتدر ، و عاد إلى البحرين و معه الحجر الأسود.
11- الإمام الجديد

بعد الإتفاق مع القرامطة إقترح عثمان بن محمد بن وائل و يزيد بن حماد السعالي مبايعة محمد بن يزيد الكندي بالإمامة ، و كان واليا للإمام راشد بن النظر على مقاطعة سمائل ، و بعد إجتماع بين أعيان البلاد عقدت له البيعة بالإمامة ، و لكنه لم يبق فيها طويلا إذ أرسل الخليفة العباسي حملة على عمان و إتجهوا إلى الداخل عن طريق نخل ، و هنالك دارت معركة كبيرة انهزم فيها جيش الإمام في حين هرب هو إلى اليمن.
و قد تدخل القرامطة حين وجدوا أن العباسيين سيتمكنون من عمان ، و سيكونون شوكة ضد حركاتهم في شبه الجزيرة العربية ، فتمكنوا بالاشتراك مع العمانيين على صد الحملة و تفريق جنودها و عادوا إلى نفس معاملتهم بالنسبة إلى عمان ، فقد وافقوا على قيام إمام جديد و على إستمرار دفع الأتاوة إلا أنهم عينوا ممثلا لهم بنزوى خشية أن تتكرر حملة العباسيين.

بويع بالإمامة الآن الحكم بن الملا البحري ، و رغم ما يتطلبه الموقف من وجود حاكم قوي حازم يصمد للصراع الناشئ بين القرامطة و العباسيين من جهة و بين اختلاف إتجاهات الرأي العام من جهة أخرى ، فقد كان هذا الإمام ضعيفا ، فلم يكن له نفوذ يفرض إطاعة كلمته ، فانحلت إمامته و مضت فترة قصيرة من عام (317 هـ) حكم البلاد فيها رؤساء القبائل و أعيانها حتى اجتمعوا على مبايعة سعيد بن عبدالله الخروصي و هو حفيد العلامة الكبير محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي.

عقد البيعة للإمام سعيد الحواري بن عثمان و عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر ، و كان عالما دينيا ذا صيت بالغ و موضع الإحترام من جميع الأوساط الشعبية و تضعه المصادر العمانية في الدرجة الثانية من الأئمة بعد الإمام الجلندى بن مسعود. و قتل هذا الإمام عام 328 هـ في فتنة و قعت بمدينة الرستاق بينما كان يحاول التهدأة و الصلح بين الفريقين المتقاتلين من أهالي المدينة بسبب شاة اعتدت على حبوب الجيران ، و قد قتل في هذه المعركة أيضا الشيخ أبو المؤثر. و كانت بيعة الإمام بيعة دفاع أيضا بالنظر إلى تطلب الوضع الداخلي مهادنة أحد الطرفين المتنازعين العباسيين و القرامطة

12- راشد بن الوليد

بويع بالإمامة بعد مقتل الإمام سعيد ، و في عهده وجه معز الدولة البويهي حملة كبرى على عمان فتمكن من إلحاقها بالدولة العباسية ، و لابد لنا أن نعود إلى عهد الإمام سعيد بن عبدالله لنتتبع ظهور شخصية جديدة في التاريخ العماني.
13- يوسف بن وجيه

بالنسبة إلى تاريخ عمان يظهر إسم يوسف بن وجيه لأول مرة في عرض لمراسلات جرت بينه و بين الإمام سعيد بن عبدالله ، أما المصادر العربية الأخرى فتسميه (صاحب عمان) ، و يذكره إبن الأثير في حوادث عام 331 هـ إذ يقول: "خرج يوسف بن وجيه صاحب عمان في مراكب يريد البصرة و حارب البريدي ملك الأبله ، و قوي قوة عظيمة و قارب أن يملك البصرة ، فأشرف البريدي و أخوته على الهلاك و كان له ملاح يعرف بالرنادي ، فضمن للبريدي هزيمة يوسف" ، ثم يتم قصة هزيمة يوسف بأن الرنادي أحرق السفن و هرب يوسف إلى عمان.

و يعود إبن الأثير مرة ثانية إلى إبن وجيه في حوادث عام 341 هـ ، فيذكر أنه حاصر البصرة عندما سلك معز الدولة البرية إلى البصرة و أرسل القرامطة ينكرون عليه ذلك ، و أن يوسف علم بإستيجاش القرامطة من معز الدولة ، فكتب لهم يطمعهم في البصرة ، و طلب إليهم أن يمدوه من ناحية البر فأمدوه بجمع كثير منهم و سار يوسف في البحر ، و لكن الوزير الحسن بن محمد المهلبي جمع جموعه فدخل البصرة قبل وصول يوسف إليها و أن المهلبي اشتبك مع يوسف و ظفر بمراكبه و سلاحة.

و لا نعرف بالضبط السنة التي توفى بها يوسف بن وجيه ، و لكن إبن الأثير يعود فيذكر بأن معز الدولة سير عام 354 هـ جيشا على عمان إلتقى بأميرها نافع مولى إبن وجيه ، و كان يوسف قد مات و ملك نافع البلد من بعده ، فدخل في طاعة معز الدولة و خطب و ضرب له إسمه على الدينار و الدرهم ، فلما عاد العسكر عنه وثب به أهل عمان و أخرجوه عنهم و أدخلوا القرامطة الهجريين إليهم و تسلموا البلد ، فكانوا يقيمون فيها نهارا و يخرجون ليلا.

و بينما يحسب القارئ و هو يتتبع روايات إبن الأثير هذه أن يوسف بن وجيه كان الحاكم المسيطر على كل عمان ، مع أن توالي حكام أخر في السنين التي عدد هو فيها الحوادث التي مرت على القارئ في الصفحات السابقة ، و رأيى في يوسف بن وجيه أن نفوذه إمتد إلى منطقة معينة من عمان و ذلك إستدلالا بكتاب الإمام سعيد بن عبدالله الموجهة إليه ، و أرجح أن يوسف قد سيطر على صحار.

و لأعرف رسالة الإمام على القارئ ليشاركني هذا الاستنتاج: "من الإمام سعيد بن عبدالله و من قبله من المسلمين إلى يوسف بن وجيه و أن في شأننا و شأنك لعجب ، لحلقة حديد في رز (عتبة) باب أتهم بهذا بها رجل من الرعية عندنا أنه قلعها من معسكر أصحابك بنزوى فحسبنا الذي أتهم بها لأن نستحل حبس أهل التهم على قدر استحقاقهم في حكم المسلمين و قلنا للناس جهرا على رؤوس الملا أن أموال أهل القبلة علينا حرام كحرمة أموالنا على بعضنا البعض و حجرنا على الناس التعرض لأشيائكم ما دق منها وجل حتى قال لا علم له بأصول دين المسلمين أنكم الآن حفظة للجند على أموالهم و من ذلك أن الحبوب التي جمعت في الأمصار التي استولى عليها و جرى عليها حكمنا لما علم الناس منا أنا لا نستحل شيئا و لا نقار أحدا على معصية الله كائنا ما كان من الناس منعهم ذلك من التعرض لأشيائكم كلها التي كانت في جوارنا من بلداننا و لولا خوف العقوبة منا لا نهتب ذلك بأيسر مؤنة و لم يكن ذلك تقربا إليك و لا إبتغاء وسيلة منك إليك و لكنا اتبعنا في ذلك كتاب الله و آثار أسلافنا رحمهم الله ، ..... و حاربناك محاربة المسلمين لأهل البغي حتى تفئ إلى أمر الله لا نهاية لذلك عندنا أو تفنى روحك أرواحنا على أحياء الحق و إماتة الباطل إن شاء الله و لا نستحل منك مالا و لا نسبي لك عيالا لا ننسف لك دارا و لا نقفر لك نخلا و لا نقص لك شجرا و لا نستحل منك حراما و لا نجهز على جريح و لا نقبل مواليا تائبا و لا نقتل مستأمنا إلينا و لا نغنم ماله ، و لا ندع أحدا يتعدى عليه بنفس و لا مال ، فإن فعل ذلك أحد بأحد أخذنا له الحق إذا صح معنا و من كان في يده مال فهو أولى بما في يده لإنا لا نزيل مالا بلا حجة".

و يتضح من هذه الرسالة:

1. أن يوسف بن الوجيه مستاء من تصرفات الإمام نحوه ، و أنه كتب رسالة بهذا الشأن إلى الإمام فكان هذا جواب رسالته.
2. أن يوسف بن وجيه كانت له مصالح مادية في البلدان التي يحكمها الإمام و أنه كان يرسل بعض رجاله لإستثمار هذه الأموال وهي على الأكثر بساتين أما بضمان غلتها أو بحصادها و قد أشار الإمام إلى ذلك بما نص أن هذه الأموال في نفس مدينة نزوى عاصمة الإمامة.
3. أن موقف الإمام قوي جدا و صريح أمام يوسف بحيث أنه لا يخشى منه شيئا.
4. أن الإمام يعتبر أموال يوسف كأموال أي فرد من الرعية عليه أن يحافظ عليها و يقوم بحقها.
14- عودة إلى راشد

علمنا أن يوسف بن وجيه قد خلفه مولاه نافع و أنه سلم ما في حوزته لمعز الدوله البويهي و أنه ضرب الدنانير و الدراهم باسـمه ، و قد هجم العمانيون على نافع بعد خـروج جـيش معز الدولة ، فأخرجوه من البلاد و إتفقوا مع القرامطة على مساعدتهم ضد العباسيين مقابل تركهم يحكمون البلاد بأنفسهم ، و ذلك كما رواه إبن الأثير في حوادث عام 354 هـ ، و كان يرأس القرامطة في هذا العام أحمد أبو المنصور الابن الأكبر لأبي طاهـر الذي اسـتمر حـكمه إلى عام 359 هـ.

و لكن القرامطة في الحقيقة قد سيطروا على منطقة يوسف بن وجيه فقط ، إذ أن الحوادث قد عاصرت عهد الإمام راشد بن الوليد الذي بويع بعد وفاة الإمام سعيد بن عبدالله بمدة قصيرة ، و أشهر من شاركوا في إنتخابه عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر و النعمان بن عبد الحميد و عبد الله بن محمد بن صالح و المنذر بن أبي محمد بن مروح ، و إتسع نفوذه و سار في الناس سيرة صالحة.
و لكن معز الدولة البويهي كان يطمع في حكم عمان إذ يعتبر الاستيلاء عليها ضربة توجه ضد القرامطة و سبيلا للسيطرة على الخليج العربي كله و بالتالي إستئصال النفوذ القرمطي ، فأرسل في عام 355 هـ جيشا غفيرا بقيادة أبي الفرج بن العباس ، و صحب نافع مولى إبن وجيه الجيش فخرجوا في مائة قطعة بحرية و ساعدهم معز الدولة بأن زودهم بجنود آخرين من سيراف بساحل فارس ، فدخل الجيش رأس الخيمة و هنالك دمروا 98 سفينة للعمانيين برأس الخيمة ، ثم زحف الجيش فدخل منطقة الظاهرة.

أما الإمام راشد فقد استعد لمقاتلة الجيش ، و لكن معز الدولة كان قد هيأ للنعرة القبلية أن تقوم بدورها في خدمته فإتصل ببني سامة بن لؤي أتباع محمد بن القاسم الذين ناصروا محمد بن نور سـابقا ، فقام هؤلاء بدورهم و أشـاعوا البلبلة في البلاد ، فإنفض عدد من القبائل عن مناصرة الإمام ، و عندما خرج الإمام إلى بهلا لمقابلة الجيش المهاجم لم يجد معه إلا القليل ، فدخل أبو العباس نزوى و انسحب الإمام إلى مرتفعات الجبل الأخضر ثم أعلن العباسيون الأمان له فاستقال من الإمامة و عاد إلى بيته ، و لم يمتد به العمر فمات بعد مدة قصيرة. و قد تمت سيطرة معز الدولة على عمان في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة عام 356 هـ .

توفى معز الدولة عام 356 هـ ، فغادر قائده أبو العباس عمان إلى بغداد فتولى قيادة الجيش أبو القاسم المثخر ، و تولى حكم البلاد عمر بن نبهان الطائي الذي استمر في الحكم ست سنوات نائبا عن عضد الدولة ، و جاءت نهايته على يد أتباعه من الزنوج الذين جمعهم من أفريقية الشرقية و كون منهم حرسا له و جندا ، فقتلوه و ولوا في الحكم واحدا منهم اسمه إبن حلاج. علم عضد الدولة بذلك ، فأرسل جيشا بقيادة أبي الحرب طفان و التقى بالزنوج في مدينة صحار ، و بعد قتال شديد ظفر بهم و انسحبت فلولهم إلى مدينة تريم فوقع الزنوج بين قتيل و أسير.

و كان لابد للعمانيين من أن يسـتفيدوا من هذا الخلاف بين جنـد عضـد الدولة من فرس و زنوج ، فقرروا إعادة الإمامة ، و أعلنوا مبايعة ورد بن زياد إماما و حفص بن راشد نائبا له و قائدا للجيش و عقدت البيعة لورد بنزوى.

قرر عضد الدولة القضاء على الدولة الجديدة في داخل عمان ، فجهز جيشا بقيادة وزيره أبو القاسم المطهر بن عبدالله عام 363 هـ و رسا إسطول المطهر في خور فكان ثم سار إلى صحار و منها إلى دغمر قرب قريات ، و قد إتخذها مركزا لإنزال قواته ، فعبر ضيقا و بلاد الطائيين و إتجه إلى دما و هنالك دارت معركة كبيرة إستبسل فيها جيش الإمام ، و لكن المطهر تمكن من التوغل داخل عمان و أسر الكثير من جند الإمام و أكابر أنصاره ، و انسحب الإمام و قائده حفص إلى نزوى و لكن المطهر تبعهم إلى هناك فاشتبك الجيشان في معركة قتل فيها ورد و هرب بعدها حفص إلى اليمن حيث عمل مدرسا. غير أن كثيرا من الأهالي رفضوا الاستسلام للمطهر ، فقاوم بنو ريام بمدينة بهلا و لكن المطهر هزمهم و وطد الأمر لعضد الدولة في كل أنحاء عمان و ذلك عام 364 هـ ثم استدعي إلى بغداد.

15- بعد عضد الدولة

بعد وفاة عضد الدولة عام 372 هـ قسمت مناطق نفوذه على أولاده ، فكانت عمان من حصة شرف الدولة الذي حصل أيضا على منطقة فارس بإيران ، و قد أقر شرف الدولة نائب أبيه في حكم عمان ثم أقاله بعد أن اكتشف تآمره مع أخيه على الاستقلال بعمان ، و كان نائبهم بها عام 390 هـ أبو القاسم بن مكرم إذ عينه بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة. و في عام 415 هـ كان نائبهم ولده أبو القاسم بن مكرم ، و قد شارك في حملة أبي كاليجار على البصرة ضد الظهير ، و أبو كاليجار هو ابن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة.

و توفى أبو القاسـم عام 428 هـ مخلفا أربعة بنين أبوالجيش و المهـذب و أبومحمد و آخـر صغير ، فخلف أبوالجيش والده في حكم عمان و أقر علي بن هطال المنوجاني قائد جيوشه في عمله و بالغ في إحترامه و إكرامه ، فكان إذا زاره قام له و أغاظ ذلك أخاه المهذب ، فطعن في إبن هطال بمجلس أخيه و بلغ ذلك إبن هطال فأضمر له الشر. دعا علي بن هطال المهذب إلى حفلة أقامها له حفلت بالمأكولات و المشروبات ، و عندما لاحظ المضيف أن الشرب قد بلغ نشوته في ضيفة قال له: "أن أخاك أبا الجيش فيه ضعف و عجز عن الأمر و الرأي أننا نقوم معك و تصير أنت الأمير" ، فمال المهذب إلى هذا الحديث و استوثق منه ابن هطال بالموافقة كتابيا على تفويضه في القيام بالحركة ، و في صباح اليوم التالي حضر القائد إلى مجلس أبي الجيش و أخبره أن أخاه قد أفسد كثيرا من أصحابه عليه و أنه استماله إليه فلم يوافق و لذلك "كان يذمني و يقع في ، و هذا خطه" ، فأمر بالقبض عليه ثم دس له من خنقه و ألقى جثته إلى منخفض من الأرض و أظهر أنه سقط و مات ، و بعد ذلك بمدة يسيرة توفى أبوالجيش و حاول ابن هطال أن يولي أخاه أبا محمد فخافت عليه أمه فلم تخرجه إليه و قالت أنت تتولى الأمور و هذا صغير لا يصلح للحكم ، ففعل ذلك و أساء السيرة حتى ضج منه الناس.

علم أبو كاليجار بما كان من ابن هطال على بن مكرم فإتفق مع العادل بن منصور بن ماختة على مكاتبة نائب أبي القاسم بن مكرم في جبال عمان يقال له المرتضى و أمره بقصد ابن هطال ، و جهز العساكر من البصرة لمساعدته. فلما علم الأهالي بذلك قاموا على القائد و تطوع أحد خدم ابن مكرم لقتله و ساعد على ذلك أحد الخدم ، و بعد مقتل ابن هطال و قبض المرتضى زمام السلطة عقد لأبي محمد بن مكرم و كان ذلك عام 431 هـ . و في عام 433 هـ ثار العمانيون على بني بويه و نوابهم بني مكرم و هددوا صحار مركزهم آنذاك فأمدهم أبوكاليجار بجيش من البحر قضى على الثورة.

16- الإمامة قائمة

علمنا أن معز الدولة البويهي قد سيطر على عمان عام 356 هـ و أسقط حكم الإمام راشد بن الوليد ثم تتبعنا أيام بني بويه حتى عام 431 هـ ، على أن العرب العمانيين لم يكونوا مستكينين لحكم بني بويه ، فقد كانت تقوم ثورات ضدهم أدركها القارئ مما سبق ، و قد كان أهم حدث ضد نفوذ بني بويه في عمان هو قيام إمامة جديدة عام 407 هـ .

قرر الأهالي في المناطق الداخلية مبايعة الشيخ الخليل بن شاذان إبن الإمام الصلت بن مالك الخروصي و ذلك في عهد أبي محمد بن مكرم ، و لم يستطع هذا أن يمنع قيام الإمامة في داخل عمان ، كما أن الإمام الخليل ترك البويهيين و شأنهم في المنطقة الساحلية ، و قد جرت منه محاولة لطردهم أبان حكم أبو القاسم بن مكرم منتهزا فرصة مساهمته في حملة كاليجار على الظهير في البصرة و ذلك عام 415 هـ ، إلا إنها لم تنجح ، فلم تطل الحملة على الظهير ، و تمكن البويهيون من حصر الإمام في الداخل.

و قد استوزر الإمام الخليل الشيخ محمد بن صلهام و عرفنا من الرجال في عهده محمد بن عبدالله بن الحضري الكندي و أبو الحسن علي بن راشد و الحسن بن أحمد النزواني و الشاعر ابراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي و قد قدم من حضرموت مؤيدا للإمام الخليل و استقر بعمان و له ديوان مطبوع من أقواله فيه متعرضا لوصوله إلى وطنه الثاني:

لقد جاءني من بعد أرضي و أوطاني رجاء لنصر الـدين من نحو إخواني
و ذكر إمام شاع في الناس ذكره و طاب الثنا فيه الخليل بن شـاذان
فقطعت غيطانا و جـاوزت أبحرا إليهم أجر المجد مـن آل قحـطان

و أظهر في قصيدة أخرى رغبته في أن يعمل الإمام على إجلاء الأعاجم من عمان جميعها:


و كنت أرجى أن أصادف عصبة تناط بها للحسـنيين العـزائم
تطلق دنياها و تـنشر وصـلها أبايعها بيع الشـرى و أقاسـم
فصادفتها لكن عمان تماسـكت بها عامها هذا لتطفي الأعاجـم
فلما عدمت الراغبين و لم أجد سوى من تـدنيه إلي الدراهـم
صرفت عنان الذكر عنهم مخببا و وجه إمام العدل عن ذاك سالم
فجدت له بالعذر بسطا وجادلي بما فيه نـصر لا عدته المـكارم
فها أنذا بالمال و البيض و القنا على حضرموت بالسـلامة قادم


و الأبيات تظهر الرغبة في التخلص من العجم و التخوف من ذلك ، ثم مبايعة الإمام الخليل على الدفاع لا الجهاد ، و الدفاع هو حماية ما في حوزته ، و رغم ذلك فقد علمنا أنه هاجمهم فلم ينجح.

17- الإمام راشد بن سعيد اليحمدي

و بويع بالإمامة بعد الخليل راشد بن سعيد اليحمدي ، و كان شهما مهابا ذا شخصية فرضت نفسها على مجرى الحوادث ، فتمكن أن يجلو البويهيين و أن يوحد الإتجاهات بين الجمهور و أن يسطع عهده بالاستقرار. و بدأت أول محاولة للتخلص من الفرس عام 433 هـ عندما بعث في أهالي صحار روح المقاومة ، فأعلنوا انفصالهم عن حكم بني بويه ، و لكن أبا كاليجار سير جيشا كبيرا تمكن أن يسيطر على الموقف في صحار و يمد نفوذ بني بويه إلى مداه السابق.

و قد انشغل الإمام بإصلاح الحال في منطقته أولا ، فرأب الصدع الذي نجم من اختلاف الإمام الصلت و القاضي موسى بن أبي موسى و الذي أدى الى حملة محمد بن نور زمن الخليفة المعتضد و الذي إنشق بعده العمانيون إلى فريقين ، النزار بقيادة بني سامه بن لؤي يؤيدون بني العباس و غيرهم من القبائل تؤيد حكم البلاد نفسها بنفسها ، و لم يستفد من ذلك إلا الفرس كما لاحظ القارئ من نتائج اختلافهم.

و قد وجه الإمام رسالة إلى أحد عماله و هو عبدالله بن سعيد عامله في منح ، و أوردها هنا ليدرك القارئ مدى اهتمامه بالإستقرار في البلاد و القضاء على أوجه الفساد: "سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك و آمرك بطاعة الله و أوصيك و أنهاك عن معصية الله القادر عليك. و بعد هذا فإني أعلمك نصر الله الحق بك ، أن الأطماع قد اتسعت في أموال الناس و جعل كل من إدعى في مال رجل دعوى طرح يده فيها و الوجه أن تنادي في البلدان أن كل من يطرح يده في مال في يد غيره يحوزه و يمنعه و يدعيه ملكا له فإنه يعاقب على ذلك و لا يحصل على شيء غير العقوبة و لا تطلب عليه البينة العادلة بل يرجع في ذلك إلى قول أهل البلد فأعرف ذلك و أعمل به و لا تقصر فيه حتى تنحسم مادة الطمع و يزول الظلم و ينغلق هذا الباب و لا تؤخر ذلك إن شاء الله".

و في عام 442 هـ وجد الإمام راشد لديه القوة الكافية للسيطرة على عمان جميعها و إخراج بني بويه ، و كان ينوب عنهم في صحار آنذاك أبو المظفر فهجم الجيش على معاقل الفرس و تمكن من دخول صحار و هرب جنود البويهيين و أسر أبو المظفر. و يصف ابن الأثير أعمال الإمام في منطقة نفوذ بني بويه أنه "أخرب دار الإمارة و أظهر العدل و أسقط المكوس و اقتصر على دفع عشر ما يرد إليهم". و في ذلك مدلوله على ظلمهم و طغيانهم فوصول أنباء العدل و التخفيف عن الأهالي إلى المؤرخ الكبير ليس سببه إلا ما كان يخيم على البلاد من ظلم و طغيان.

و للإمام قصيدة تدل على نفسيته و شهامته أورد منها هذه الأبيات:


من الجهل أن تفي بأمر كـفيته و تترك ما كلفته لا تـطالبه
إذا المرء لم يجعل مذاهب سعيه لذي سعيه غالته يوما مذاهبه
و من لم يفكر في عواقب أمره مدى دهره صارت عقابا عواقبه
و لا خير في خير نرى الشر بعده و لا في أخ دبت إليه عـقاربه
و لا عيش الأسمر اللون عاسل و أشقر في يوم عـبوس تلاعبه
و فزن تعاطيه الحمام و فارس تعاطيه حينا ثم حينا تضاربه
ذريني و خلقي يا بنة القوم إنني رأيت الأذى حربا لمن لا يحاربه
على أنني إما امرؤ ضمه الثرى و إما فتى جلت بقوم كتـائبه

و من حضرموت أرسل الشاعر إبراهيم بن قيس مهنئا الإمام بالنصر و معجبا بظفره:

إذا ما عماني ألم بأرضـنا أحـطنا به نسأله عنكم تزاحما
هنيئا لكم أهلا لما قد حباكم به الله من فضل له الحمد دائما

و بعد وفاته بويع بالإمامة لراشد بن على عام 472 هـ فسار في أول عهده سيرة لم يرض عليها الأهالي و جاهره كبارهم بالنقد و في طليعتهم الشيخ محمد بن عيسى السري ، و كانت أخطاؤه تتلخص في التساهل مع بعض المستغلين و على بخله في النفقة على الجيوش و المحتاجين و غلوه في جباية الزكاة و ذلك بتعيينه مبلغا من المال على دافعيها و الاغراق في الانفاق على نفسه و خاصته. و جميل بنا أن نذكر فقرة من كتاب الشيخ السري إلى هذا الإمام لندرك الجرأة في النقد التي يصونها نظام الإمامة في عمان: "لا تحرموا الفقراء و المساكين هذا المال فإن لهم فيه سهما ، و لاتنفقوا في شيء يلزمكم و تزيلوا عن أنفسكم اسم العذر في التخلف في العهد و الوعد و التهمة بذلك".

و عندما تزايد النقد و النقمة على الإمام اضطر إلى الإعلان عن التوبة و الوعد بالسير الصالح ، و قد لاقى حتفه قتيلا في 26 شوال عام 513 هـ .

و تولى الحكم بعده الإمام موسى بن أبي المعالي بن موسى بن نجاد و توفى عام 549 هـ و عاشت البلاد في عهده بهدوء و استقرار ، و انتخب من بعده مالك بن الحواري إماما و مات عام 562 هـ فبويع بالإمامة خنبش بن محمد بن هشام ثم انتخب ابنه محمد بن خنبش و بقى إماما حتى وفاته.

18- النباهنة

أسرة من كرام الأسر بعمان و من صبابة العرب نسبا و حسبا ، ينتسبون إلى ملوك حمير باليمن ، و يتزعم شيخهم مجموعة من القبائل العمانية تدين له بالولاء و الطاعة . و قد كان لشيخهم حمير بن سليمان النبهاني عند قيام دولة الإمامة في عهد السلطان فيصل بن تركي أثر المؤسس بعد الزعيم الشيخ عبدالله بن حميد السالمي ، و كان لشيخهم ولده سليمان بن حمير الأثر الأكبر في استمرار الثورة العمانية التي قامت عام 1957 م ضد العدوان على دولة الإمامة ، فحمل كثيرا من المشاق و خسر هو و رهطه خسائر في النفس و النفيس ، و ما إعتقال نجله سلطان بن سليمان و هو يرسف في قيوده بسجن مسقط شريكا في الضراء التي أصابت جمعا من كرام العرب في عمان فأصبح مأواهم السجن.

أورد هنا أبياتا لشاعر عماني إسمه أحمد بن سعيد الستالي تظهر منها مكانة هذه الأسرة في النسب ، و قد وجهها إلى أميرهم:

حلي الملوك و تيجانها و بيت المعالي و إيوانها
و بأس الكماة و إقدامها و حلم الكفاة و إحسانها
توارثنها الأزد حتى انتهت إلى أن حوى الأرث نبهانها
أمير العتيك تسامى به كهول العتيك و شبانها
أنبهان إنك من عصبة نماها إلى المجد قحطانها
هم العين في يعرب كلها و أنت من العين إنسانها
إذا طلبت مكرمات العلى بدا في جبينك عنوانها
و أنت إذا صعبت حاجة أتى من يمينك إمكانها

و قد تجزأ النفوذ في عمان بعد إمامة محمد بن خنبش ، فلم يستقروا على إمام لهم يبايعونه ، فإنفلت الرباط و إستقل كل رئيس قبيلة بمنطقته ، و ذلك أمر منتظر في عصر أظلم جميع البلاد العربية و الإسلامية و تميز بحكام من العرب أو الترك و الفرس ، إختار كل منهم بعد سقوط الدولة العباسية قبيلة و مقاطعة يحكمها.

و بالنسبة لعمان فنستطيع أن نصف هذا العصر بالفوضى ، فقد كان النباهنة يسيطرون على كثير من المقاطعات و شاركهم في ذلك غيرهم من رؤساء القبائل ، و رغم قوة أمراء النباهنة لكنهم لم يستطيعوا أن يسيطروا على القطر ، كما أنهم لم يكن هنالك مرجع كبير يرأسهم و يعملون على إرادته ، فكل أمير كان مستقلا بنفسه ينفصل عن ابن عمه في الأمان و يطلب تأييده في الخطر. و يمكن تفسيم فترة حكم النباهنة إلى فترتين ، فالفترة الأولى هي من أواخر القرن السادس الهجري إلى نهاية القرن الثامن و الفترة الثانية من حوالي عام 940 هـ و انتهت بآخر ملوكها و هو نبهان بن فلاح عام 1026 هـ.
و أول إمارة ظهرت للنباهنة في عمان كانت بمدينة مقنيات في مقاطعة الظاهرة ، و ذلك لبعدها و ربما لوجود مؤيدي الفريق الرستاقي بها ، و الفريق الرستاقي هم أولئك الذين يؤيدون موسى بن أبي موسى على الإمام الصلت و الذين صاروا من أتباع بني سامة بن لؤي و الذين جاؤوا بمحمد بن نور كما عرفنا سابقا و إنحازوا إلى عصبة قبلية سميت النزارية ، و قد ظهرت آثار هذا التحيز في عهد الإمام راشد بن علي ، فثار عليه أهل الرستاق و تكونت من ذلك الحين جبهة تسمى الرستاقية تدين بالولاء لموسى بن أبي موسى و لبني سامة بن لؤي ، و أدى هذا الإنقسام إلى إضعاف الإمامة و قيام كل قوي بحكم منطقته ، كما أدى هذا الحال إلى التجزئة.

و أشهر أمراء النباهنة فلاح بن محسن و كانت عاصمته مقنيات ، بنى فيها حصنا سامقا سماه "الأسود" و جلب إليه أشجار الأنباء (المانجو) من الهند ، فكان أول من أدخل هذه الفاكهة إلى عمان ، و في عهده ظهر الشاعر موسى بن حسين بن شوال المعروف "الكيذا" صاحب هذه القطعة الرائعة:

أنوار هل من زورة أنوار؟ أم أنت عني يا نوار نوار
غفل المراقب فانظري كي تلتقي ما بيننا الأزهار و الأبصار
عجبا لوجهك كيف قد جمعن فيه النار و الجنات و الأنهار
و لريق ثغرك كيف مازج طعمه عسل و ماء غلالة و عقار
لك ساعد زان السوار بحسنه فكأنما هو للسوار سوار
و دع الخمار فإنه يكفيك من صبغ الحياء عن الخمار خمار


و أعقب فلاح و لده عرار ، و توفى عام 699 هـ ، و حكم بعده مظفر بن سليمان فمات بعد شهرين من توليه الحكم ، و خلفه مخزوم بن فلاح بن محسن فثار عليه إبن عمه نبهان بن فلاح و سيطر على مقنيات و دانت له بعد معارك بهلا و نزوى و صحار في حين إنسحب مخزوم إلى ينقل بالظاهرة و بلاد قبيلة بني بو علي الآن ، كما ظهر في هذه المعارك أسماء محمد بن سيف الهنائي الذي ساعد نبهان أول الأمر و محمد بن سيف الهديفي حاكم صحار الذي حاول أن يرأب الصدع و يصلح بين النباهنة فلم يوفق و سعيد بن أحمد الناعبي صاحب النفوذ في نزوى و منح ، و قد دعا إلى محاربة سلطان بن حمير الذي تزعم الآن الحملة على نبهان في مقنيات فتمكنوا من القضـاء على الفتنة ، و طلب سلطان أن يبقى في مقنيات و تعهد بالكف عن الإساءة ، و لكن نبهان خشي شرهم فأمرهم بالسفر الى ممباسة بأفريقية الشرقية دون أن يرافقهم حرس فإختبأ هو و بعض أبناءه لدى محمد بن مهنا الهديفي بصحار سنة كاملة كانوا فيها يجمعون للهجوم سرا.

و بدأ الهجوم من جديد على مدينة السيب التي يحكمها أحد أبناء عمهم المؤيد لنبهان فوقع إشتباك كبير قتل فيه الكثير من أنصار سلطان.

تأثر عمير بن حمير لما حدث لأبناء عمه فقرر أن يبذل كل ما في وسعه للإنتقام ، و لم يحل حب الإنتقام بينه و بين النظر في عواقب الإستعانة بالفرس ، فقد خرج من بهلا و جمع الجيوش و جاء إلى مسقط ليجند قوما منها ، ثم أرسل إلى حاكم جزيرة هرمز بالخليج العربي يطلب منه المدد ، فأرسل إليه عدة مراكب ملأى بالجند ، و لأول مرة يشارك الأوربيون في الخليج ، اذ أن مركبا لقراصنتهم وصل إلى مسقط و كان مزودا بالمدافع ، فإستعان بهم عمير بن حمير في محاربة أهله ، و إتجه بجيش هرمز و المركب الأوربي و من جمعهم من مرتزقة إلى السيب فإحتلها ثم إتجه إلى صحار حيث إلتقى بجيش محمد بن مهنا الهديفي و إشتبك معه في معركة إستمرت يومين ، و فوجئت صحار بمدافع المركب الأوروبي تزلزلها بالرصاص و تحرق أحياءها بقذائف من القطن كانوا يشعلون فيها النيران و يوجهونها إلى الأهالي ، و في الليلة الثالثة دارت معركة ضارية قتل فيها من النباهنة علي بن ذهل و قتل أيضا محمد بن مهنا الهديفي ، ودخل حمير صحار.

و بعد هذا تآمر أنصار نبهان بن فلاح عليه طمعا في عطاء عمير بن حمير و أدخلوه حصن مقنيات بغير قتال ، و كان نبهان في ينقل ذهب إليها بعد وفاة أخيه مخزوم ، و عندما علم بذلك نجا بنفسه و كان ذلك عام 1026 هـ ، و لكنه عاد بعد شهرين ، و فشل في محاولته و خرج مخذولا محسورا.

و الواقع أن الراغب في سرد تاريخ تفصيلي متسلسل عن النباهنة يصطدم بعقبات عديدة ، فلا مصادر تذكر حكامهم واحدا أثر واحد ، و لعل ذلك راجع إلى توزع النفوذ بينهم على المناطق ، و لا أعمالا تهم القارئ أن يطلع عليها ، فهي كما يظهر مجموعة من الفتن الداخلية و الظلم الذي خيم على الأهالي ، فنبهان بن فلاح كان يأخذ على نصف محصول النخل و ربع الزرع ، و قد زار الرحالة إبن بطوطة عمان في عهدهم في أوائل القرن الثامن الهجري فذكر: "إن حاكم نزوى عندما زارها كان محمد بن نبهان ، و أن الحرب قائمة بين أهل نزوى أبدا" ، و لعله يشير إلى ما كان يقع من حروب بين أمراء النباهنة و غيرهم.

و أشهر امراء النباهنة الذين حكموا عمان في هذه الفترة من غير من أشرت إليهم محمد بن عمير و علي بن عمير بن محمد و أبو العرب يعرب و أبو المعالي كهلان بن محسن و كهلان بن نبهان و عمر بن نبهان.

و في عهد كهلان بن نبهان عام 660 هـ أرسل حاكم هرمز على عمان جيشا بقيادة محمود بن الكوش فصدهم عن احتلال الداخل و لكنهم احتفظوا ببعض المناطق السـاحلية التي تقع شرقي مسقط ، و كانت مدينة قلهات مقر نائب حاكم هرمز ، و في عهد هلال بن نبهان (عام 675 هـ) حاول المغول في شيراز إحتلال عمان بزعامة فخرالدين بن الراية و شهاب الدين فتمكنوا من دخول نزوى ، و لكن العمانيين اجتمعوا عليهم فأجلوهم في معركة كبيرة على أبواب مدينة بهلا ، و قتل في المعركة فخر الدين.

19- عودة الإمامة

كان لابد من أن تكون نهاية لعهد النباهنة و ماترتب عليه من فتن و إضطراب ، فوجد العمانيون أن الإمامة هي السبيل الوحيد لصلاح أمورهم ، فاجتمعوا على انتخاب عبدالله بن خميس بن عامر الأزدي إماما و ذلك في شهر رمضان المبارك عام 839 هـ ، و لم يحدث في عهده مهم حتى مات عام 846 هـ فعقدت الإمامة من بعده لعمر بن الخطاب بن محمد بن شاذان بن الصلت اليحمدي الخروصي ، و قد قام هذا بالنظر في المظالم التي أحدثها النباهنة ، فقرر إعادة كل حق إلى أصحابه و عهد بذلك إلى القاضي محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج فحكم هذا بمصادرة أموال النباهنة جميعها على أساس إنها جمعت ظلما ، فما عرف صاحبه أعيد إليه و ما لم يعرف ضم إلى بيت المال و أجري هذا الحكم عام 888 هـ ، و أورد فقرة من هذا الحكم: "يجمع مال آل نبهان من أموال و أرضين و نخيل و بيوت و أسلحة و آنية و غلال و تمر و سكر و جميع مالهم كائنا ما كان من ماء و بيوت و دور و أطوي (بساتين تسقى بالآبار و أثاث و أمتعة".

و الفترة التي مرت على إقرار النباهنة على أموالهم منذ أن بويع الإمام عمر عام 846 هـ حتى صدر حكم المصادرة تدل على أنه كان يسعى لتقوية نفوذه و إرساء دعائم حكومته ، كما أنه حاول أخذ النباهنة باللين ، و لكنهم لم ينصاعوا إلى ذلك ، فإضطر إلى إتخاذ هذه الخطوة.

و قد سخط على ذلك الأمير النبهاني سليمان بن سليمان النبهاني ، فثار ضد هذا الإجراء ، و لكن الإمام كبح جماحه.

و أدى الإمام هذه الأموال إلى المعروف من أصحابها و أنفق الباقي في مصلحة البلاد ، و قد توفى رحمه الله عام 894 هـ ، و أعقبه في الإمامة قاضيه محمد بن سليمان ، و لكنه لم يستقر بها إلا عاما فإعتزل فبويع عمر الشريف الذي إختار بهلا عاصمة ، فلم يرض أهل نزوى بذلك إذ أن مدينتهم عاصمة الإمامة منذ القدم ، فبايعوا محمد بن سليمان مرة ثانية و لكنهم عادوا فعقدوا البيعة لأحمد بن عمر بن محمد الربخي و هو من مدينة بهلا فلم يعمر طويلا ، فبويع من بعده أبو الحسن بن عبدالسلام فخرج عليه في أول عهده سليمان بن سليمان النبهاني فتمكن من عزل الإمام و السيطرة على العاصمة و أيدته قبيلة بني رواحة ، فتمكن بذلك من مد نفوذه إلى عدة مقاطعات إذ أن المنطقة التي تخضع للنبهاني تشمل نزوى و بهلا و منح و أزكي أي قلب عمان الداخلية ، فإذا إنضم إليهم وادي بني رواحة فمعنى ذلك أن نفوذهم إمتد غلى منطقة تبعد عن مسقط ستين ميلا فقط.

و قد عاد سليمان بن سليمان إلى ظلمه و طغيانه ، و لم يكف عن الإعتداء على الأعراض حتى تصدى له رجل إسمه محمد بن إسماعيل الحاضري و هو من قضاعة ، فبينما كان سليمان هاجما على إمرأة في نبع للماء إذ سمع محمد صوت إستغاثتها ، فذهب محمد إلى ناحية الإستغاثة فوجد الأمير يتبع إمرأة و هي تركض مستنجدة ، فأمسك به و طرحه أرضا ثم أخرج خنجرة و ذبحه ذبح البهائم.

كان سليمان شاعرا مجيدا في الفخر و ديوانه يفيض بذلك ، و ليت نفسية الشاعر المفتخر سيطرت عليه فكان في خلق عنترة:

و أغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري خاطري مأواها

فما فائدة الفخر إزاء اتباعه النساء و هن يلجأن إلى منابع الماء؟

كان محمد بن إسماعيل الحاضري - و هو من قضاعة – رجلا عاقلا لبيبا تقيا ، فحينما رأى منه الأهالي هذه النجدة و التصدي لطغيان سليمان إجتمعوا على مبايعته بالإمامة ، فعقدوا له بذلك عام 906 هـ ، و قد إلتفت إلى بني رواحة - و هم قبيلة بني عبس - فشجب عملهم بمناصرة سليمان النبهاني ، فحكم عليهم بضـمان كل ما إقترفه سليمان و أخوه مظـفر من إعتداء على حقوق الناس ، إذ إنهم هم المساعدون. و وافقه على ذلك رجال الفتوى في عهده ، و هم عبدالباقي بن محمد بن علي و محمد بن سليمان و أبو القاسم بن شائق و أبو القاسم محمد بن سليمان و سعيد بن زياد و مداد بن عبدالله بن مداد و غسان بن ورد و أحمد بن عبدالله بن مداد و عباد بن محمد و خالد بن سعيد بن عمر و محمد بن عبدالله بن محمد و أحمد بن خليل. و لم ينعدم نفوذ النباهنة ، فما زالوا في بعض المفاطعات يسيطرون ، و لعل عدم قيامهم بثورة في عهد الإمام محمد بن اسماعيل بسبب غضه النظر عنهم و مقتل عميدهم في حادثة مزرية ، و لذلك وقف ضده الشيخ أحمد بن مداد.

و توفي الإمام محمد عام 942 هـ فبويع بعده ولده بركات على أن الشيخ أحمد بن مداد و جماعة معه رأوا أنه لا يصلح للإمامة لمجاراته أباه في التساهل مع النباهنة ، فبويع بالإمامة عمر بن القاسم الفضيلي و بعد وفاته بويع بالإمامة عبدالله بن محمد القرن الهنائي عام 967 هـ .

و في عهد بركات هجم على بهلا محمد بن جيفر بن علي بن هلال الجبري ، و إحتل مركز الحكم فيها ، فعرض آل عمير على محمد أن يسلم إليهم المدينة مقابل مبلغ من المال فتم ذلك ، و دخل العمور بهلا عام 967 هـ ، و لكن الإمام عبدالله إستعاد نفوذ الإمامة في بهلا ثم عاد الإمام السابق بركات و هجم على بهلا ، و إحتل حصنها عام 968 هـ ، فأدى ذلك الى إنحلال الإمامة ، فلم تكن لبركات و لا للقرن.

و قد إنفتح المجال لعودة النباهنة مرة ثانية ، و ذلك بعودتهم إلى حكم نزوى في عهد الإمام بركات بقيادة سلطان بن محسن بن سليمان النبهاني ، و بعد وفاته عام 973 هـ جاء عم أبيه فلاح بن محسن من مقنيات فحكم بهلا و أحسن السيرة في أهلها ، فإستمر حكمه ثماني سنوات ، ثم حكم البلاد سليمان بن مظفر بن سلطان فخضعت له كثير من المقاطعات ، و قامت عليه ثورة في نزوى بقيادة محمد بن جيفر الجبري ، و لكن النباهنة بتكاتفهم و بمساعدة ناصر بن قطن الهلالي تمكنوا من قتل محمد بن جيفر و دخول نزوى ، و تزوج الأمير النبهاني زوجة محمد ، و لعل هذه أولى صلات النسب بين الجبور و النباهنة.

و قد إستعان به حاكم صحار محمد بن مهنا الهديفي إذ علم أن حملة قد خرجت من فارس تستهدف إحتلال صحار فخرج إليه سليمان بن المظفر فاشتبك الفريقان في معركة كبيرة إنهزم فيها الفرس و عاد سليمان إلى بهلا.

و من حكام المقاطعات في عهده أبناء عمه عرار و كان حاكما على الظاهرة ، و مخزوم و كان حاكما على ينقل ، و هذا يدل على إتساع نفوذه في عمان ، إذ معنى وجود ممثلين له في مقنيات و ينقل أن عمان الداخلية و الظاهرة كلها خضعت له و إن الباطنة نفسها خضعت أيضا بدليل استعانة الهديفي به.

و قد دخل سليمان في معارك مع بني هناة إستمرت طول مدة حكمة ، ومات سليمان عام 1020 هـ و تولى بعده إبن عمه عرار و بقى في الحكم حتى وفاته عام 1024 هـ ، فتبعه مظفر بن سليمان الذي بقى في الحكم شهرين و مات فأعقبه مخزوم بن فلاح و ثار ضده أخوه نبهان بن فلاح و سيف بن محمد الهنائي فغادر إلى بهلا و إتجه إلى ينقل بالظاهرة ليكون على بعد عن مناطق نفوذهم و لكن نبهان إتجه إلى مقنيات و هي قريبة من ينقل.

و لم يعمر مخزوم بعد ذلك طويلا ، فتولى الحكم بعده أخوه نبهان الذي كان ثائرا عليه فبقى في ينقل في حين تمكن إبن عمه المناهض عمير بن حمير من دخول بهلا ثم من إحتلال جميع المناطق و ضمها إلى حكمه ، و إستمر في الحكم سبع سنوات يشاركه فيه محمد بن سيف الهنائي ، و بعد وفاة عمير إستقلت كل قبيلة بمنطقتها نتيجة للإضطرابات و بقى النباهنة في نزوى فقط ، و كان توزيع القبائل على النحو التالي:
20- توزيع مناطق نفوذ القبائل بعد وفاة عمير بن حمير النبهاني


توزيع مناطق نفوذ القبائل بعد وفاة عمير بن حمير النبهاني

الرقم .......... المنطقة ....................................... الحاكم أو القبيلة المسيطرة

1. ......... الرستاق ..................................... مالك بن أبي العرب (اليعاربة)
2. ........... نخل ..................................... سلطان بن أبي العرب (اليعاربة)
3. .......... سمائل ..................................... مانع بن سنان العميري

4. .......... سمد ..................................... علي بن قطن الهنائي
5. .......... إبرا ..................................... محمد بن جيفر
6. .......... إزكي ..................................... بنو عزرة
7. .......... نزوى ...................... سلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان (النباهنة)
8. .......... منح ..................................... اللغابرة
9. .......... بهلا و بلاد سيت .......................... سيف بن محمد الهنائي
10. ..... الغبي ..................................... بنو هلال
11. .... مقنيات و كثير من مناطق الظاهرة ........ الجبور و هم حلفاء النباهنة
12. ... ينقل .................................. ناصر بن قطن الهلالي
13. ... توام (البريمي) ........................... بنو هلال
14. ... لوى ........................... سيف بن محمد بن جيفر (ثم البرتغال)
15. ... جلفار (رأس الخيمة) ................. ناصرالدين (الفرس)
16. ... صحار و مسقط و قريات
.... و أكثر موانئ الباطنة .................. البرتغال
.... و شمال و ساحل عمان

21- البرتغال في البحار العربي

في هذه الفترة التي وصلنا إليها من تاريخ عمان و هي القرن الحادي عشر الهجري و السادس عشر الميلادي نقف عند أول موجة أوروبية وفدت للاستعمار ، و نترك عمان مقسمة بين رؤساء القبائل يحكم كل رئيس منطقة نفوذه ، لأوضح كيفية دخول البرتغال و احتلالهم بعض المدن العمانية ، و ذلك لنسير سيرا بينا حينما نقرأ من بعد عن زوال فترة رؤساء القبائل و ظهور دولة عمانية قوية برئاسة أسرة اليعاربة.

كانت البرتغال تسيطر على الهند في القرن السادس عشر الميلادي ، فقد عين دوم فرنسيسكو ألميدا عام 1505 م أول حاكم برتغالي هناك ، و كان يهم دوم عمانويل أن يؤمن حركة التجارة بحيث ينافس تجارة مصر و البندقية و يسيطر على طريق الهند ، فأوعز إلى الفونس البوكرك أن يبحر متجها إلى الشرق لمساعدة ألميدا ، و كان البوكرك قد دخل البحر العربي عام 1503 م ، فجاء إلى ملكه بإقتراح توسيع الإمبراطورية البرتغالية و إقامة قلاع عسكرية في كل مدينة للبرتغال فيها مصالح و ذلك للإشراف على حكم تلك المدن و ضمان ولائها للإمبراطورية ، فحبذ الملك الإقتراح و شجع البوكرك بأن أعطاه أمرا يعينه فيه نائبا له في الهند ، و لكنه طلب منه ألا يظهره إلا بعد ثلاث سنوات.

خرج البوكرك في أربع عشرة سفينة فإتجه أسطوله أولا إلى سقطره و إحتلها ، و أسس فيها مركزا للبرتغال ، و في 10 أغسطس غادر الأسطول سقطرة متجها إلى جزائر خوريا موريا (جزر الحلانيات). ثم رسا في رأس الحد حيث إصطدموا مع أربعين سفينة صيد تعود لهرمز فأحرقوها جميعها و من رأس الحد إتجهوا إلى قلهات ، و قد عرفنا إنها ميناء عماني يسيطر عليه حاكم هرمز الفارسي و الظاهر أن حرقهم للزوارق في رأس الحد قد أخاف سلطات هرمز في قلهات فلم يعارض البوكرك أحد ، و دخل المدينة و بعد ذلك إتجه إلى ميناء قريات شرقي مسقط فدارت معركة بينه و بين الأهالي قتل منهم ثمانون و من البرتغال ثلاثة ، و على أثر ذلك أحرق الأسطول المدينة و أشعل النار أيضا في سفنها الراسية بالبحر و كان عددها أربعين سفينة.

واصل البوكرك جولته الوحشية فإتجه إلى مسقط و كانت ميناء تجاريا كبيرا ، و عندما علم أهلها بما أجرمه في قريات أرسلوا إليه شخصين من أعيانهم نيابة عنهم و عن حاكم المدينة ، و كانت مسقط تدفع أتاوة سنوية لحاكم هرمز مقابل تركها في تجارتها و حكمها لأهلها ، فعرض المندوبان على البوكرك أن يتفقا معه بنفس شروط هرمز ، و لكن البوكرك جاء لينفذ إقتراحاته في إقامة القلاع و الإحتلال التام و في سلب الأهالي ، فكيف يعود بغنيمة للملك و يترك أحلامه و تجارته و بحارته في ثروة الشرق ، فإختلق عذرا يبرر به قرصنته ، فإتهم الأهالي رغم المفاوضات الدائرة إنهم يستعدون لحربه ، فأمر سفينتين من أسطوله بالوقوف على ساحل المدينة و أن تقصفها بعنف. قاوم الأهالي ببسالة و عندما تعدت طاقتهم طلبوا إليه أن لا يحرق المدينة ، و عرضوا عليه دفع عشرة آلاف أشرفي ذهبا خلال أربع و عشرين ساعة ، و لكن الدراهم لم تتوفر فأشعل النار في جوانبها و ذهبت بيوتها و مساجدها و سفنها طعمة للنيران ، و غرق من السفن التجارية البكرة أربعة و ثلاثون ، و لم تستطع النيران الملتهبة أن تطيح بأعمدة جامعها الذي كان في المكان المعروف اليوم بالجريزة ، فأمر جنده بهدم تلك الأعمدة ، فسقطت عليه الجدران ، فترك الجامع و شأنه حتى حوله من بعد إلى كنيسة ، و الجريزة معناها بالبرتغالية كنيسة.

و انتشرت أنباء البوكرك في عمان جميعها ، و لكنهم و يا للأسف لم يظهر فيهم من يجمع كلمتهم و ينازلوا هذا العدو الدخيل ، فتركوا كل مدينة و شأنها ، و عندما هجم على صحار هرب سكانها خوفا و هلعا فدخلها البوكرك و أعمل فيها النهب و السلب ، و إستمر البوكرك في طريقه بالموانئ العمانية ينهب و يحرق و يسلب حتى وصل إلى خور فكان و هناك لقيه أهلها ببسالة فقاوموه مقاومة عنيفة ، و لكنه تمكن من دخول المدينة فإنتقم منها إنتقاما كبيرا فقام بقطع أنوف و آذان من وقع في يده من الأسرى و أحرق أحياء المدينة.

أما سيف الدين ملك هرمز فرغم أنه إستطاع أن يجمع ثلاثين ألف جندي و أن يقذف إلى البحر أربعمائة سفينة ، ستون منها ضخمة ، و لكنه شاء أن يقف موقف الذليل ، فوقع إتفاقية مع البوكرك على أن يدفع له أتاوة سنوية و أن تكون تجارة البرتغال حرة ، و أن لا تدفع سفنهم إلا ما تدفعه السفن البرتغالية ، و قد إحتفظ بنفوذه في رأس الخيمة ، و بنى البرتغال بهرمز مصنعا لهم و قلعة تحمي حاميتهم. و على إثر هذه الإتفاقية طلب الشاه إسماعيل ملك إيران الجزية من هرمز ، فعاد هذا يسأل البوكرك فوعده بالحماية و أن هرمز عليها البرتغال بإسطولهم و رجالهم.

و هكذا نجحت أول موجة استعمارية للدخول إلى بلاد العرب ، و لعل الوحشية التي تفجرت من إندفاعها كانت إيذانا بفظاعة الاستعمار في كل مراحلة بداية و تمكنا و نهاية. و في عام 1509 م تولى البوكرك منصب نائب الملك في الهند ، و مات البوكرك في جوا بالهند عام 1515 م فخلفه لوبو سورين. و في عهد لوبو قامت ثورات في مسقط و صحار و لكنه تمكن من القضاء عليها.

و في عام 1526 م أعلن أهالي قلهات و مسقط الثورة ضد البرتغال فقضى عليها القائد لوبو فاز ، و بعد ذلك امتد نفوذ البرتغال في كافة الموانئ العربية المطلة على بحر العرب و الخليج العربي.

الفصل الثالث

دولة اليعاربة


1- مبايعة الشيخ ناصر بن مرشد بالإمامة


أصبحت الحالة في عمان بعد استيلاء رؤساء القبائل على مقطعاتها و انعزال كل رئيس بالحكم بنفسه في مقاطعة بالغة حالة كبرى من السوء ، فلا يمكن أن يرضى عاقل عن ذلك و خاصة و قد أصبحت البلاد محاطة بعدو غاشم ارتكب في أهلها مختلف ضروب الوحشية و داس على مقدساتها و شعائرها الدينية ، فاجتمع أعيان البلاد بزعامة الشيخ خميس بن سعيد الشقصي ، و تداولوا الأمر في إعادة الإمامة بمؤتمر عقدوه في الرستاق ، و إتفقوا على أسس تكفل لها الإستمرار و للوطن الإستقرار و رفع عار السيطرة الأجنبية على سواحله.

كانت أسرة اليعاربة تحكم الرستاق ، و هي من خير الأسر العربية يتصل نسبها إلى الأزد ، فتوسم المجتمعون الكفاءة في الشيخ ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب فعقدوا له البيعة بالإمامة عام 1024 هـ في مدينة الرستاق التي كان يحكمها إبن عمه مالك بن أبي العرب.

و قد عرفنا من المجتمعين في مؤتمر الرستاق خميس بن سعيد الشقصي و مسعود بن رمضان النبهاني و صالح بن سعيد الزاملي ، و قد توجب على الإمام الآن أن يتركز في مدينة من المدن ، فقرر دخول قلعة الرستاق و منها يتخذ خطواته نحو توحيد البلاد ، فإتجه هو و من بايعه في المؤتمر و رجال من قبيلة اليحمد إلى الحصن رافعين راية الإمامة ، فما كاد يرى مالك بن أبي العرب ذلك حتى أمر بتسليم الحصن دون قتال ، و بعد ذلك إتجه الإمام إلى مدينة نخل و كان يحكمها أيضا عمه سلطان بن أبي العرب ، فأبدى هذا مقاومة فحاصره جيش الإمام أياما ثم سلم الأمر ، و عاد الإمام إلى الرستاق بعد أن عين واليا من قبله على نخل ، و لكن بعض أهالي المدينة هجموا على الحصن و حاصروه ، و حالما علم الإمام بذلك أعاد الكرة فدخلها و عفا عن المهاجمين و ولى عليهم عبدالله بن سعيد الشقصي.

و أقبل الشيخ أحمد بن سليمان الرواحي إلى الإمام بالرستاق يدعوه لإستلام مدينة سمائل و سائر منطقة بني رواحة (و هم قبيلة بني عبس) ، فكان ذلك دعامة من دعائم إسقرار أمره ، فأجابه إلى طلبه و ذهب إلى سمائل و إستقبلته إستقبالا حافلا و سلم له الأمر أميرها مانع بن سنان العميري ، و خرج الإمام منها إلى إزكي فبايعه أهلها جميعا ، و منها إتجه إلى نزوى عاصمة الإمامة العريقة فدخلها دون قتال ، و أقام الإمام بها ، و لكن قبيلة آل بو سعيد تآمروا على الإمام بأن يقاتلوه عند خروجه الى صلاة الجمعة فعلم بذلك ، و بعد أن تأكد من الأمر أمرهم بإخلاء المدينة و منع أي أحد من البطش بهم ، فلجأ بعض هؤلاء إلى مانع بن سنان العميري حاكم سمائل السابق الذي بايع الإمام و عاهده ، فتمكنوا من إقناعه بالخروج على الإمام كما أن قسما منهم ذهبوا إلى سيف بن محمد الهنائي الذي ما زال مستقلا ببهلا.

علم الإمام بذلك و إتجه أولا إلى بهلا و قضى على حكم سيف و بقى بها ريثما يتم تجديد حصن قديم كان قد شيدة الإمام الصلت ، و أقبل إليه أهالي منح يبايعونه بالإمامة ، فذهب إلى منح و توافد عليه سكانها و منها عاد إلى نزوى و جهز حملة إلى سمد لمحاربة ناصر بن قطن الهلالي بقيادة الشيخ مسعود بن رمضان فنجح القائد و ذهب الإمام على أثر ذلك إلى سمد ، ثم أرسل قائده إلى إبرا التي كان يحكمها محمد بن جيفر فإفتتحها ، و بدخول إبرا في حوزة الإمامه دانت منطقة الشرقية جميعها للإمام ناصر بن مرشد كما إنقادت له مقاطعة جعلان.

جمع الإمام جيشا سار به إلى مقاطعة الظاهرة فدانت له جميعها و ذلك بفضل الجهود التي قامت بها قبيلتا الغيالين و الوحاشا. أخذ الإمام يتفقد المدن الخاضعة له واحدة واحدة ، فإطمأن إلى ولائها ثم رجع إلى الرستاق فما كاد يستقر بها حتى هجم على نخل محمد بن جيفر صاحب بهلا (ما ورد في الجدول هو الصحيح - 20 من الفصل الثاني) فإحتلها و صمدت قلعة المدينة لحصاره إذ رفض الوالي التسليم ، فأسرع الإمام ناصر لإنجاد واليه فإنهزم محمد بن جيفر و هرب بجيشه ، و بعد أن عاد إلى الرستاق أتته أنباء عن قيام بني هلال في الغبي و تحريض أهالي الظاهرة للثورة ضد الإمام ، فمضى مع الجيش بنفسه و دارت بين الفريقين معركة كبيرة قتل فيها أخوه جاعد و إنهزم فيها بنو هلال ، و لكنهم إحتفظوا بالغبي في حين توجه الإمام إلى عبري فإحتلها ثم حاصر الغبي فإنتصر على أعدائه و ولى عليها خميس بن رويشد الرويشدي ، و لكن بني هلال بقوا في ضنك في حين سيطر الإمام على الظاهرة بأسرها رغم مناطقها المترامية ، و خضعت ضنك بعد ذلك للإمام بعد مناوشات مستمرة بين ولاته و بني هلال ، أما مقنيات فقد بقيت في حكم الجبور و لجأ إليها بنو هلال و بنو الريس و هؤلاء جميعا من حلفاء النبهانه ، و رغم ذلك فقد إحتلها ولاة الإمام بالظاهرة.
عاد الامام الآن إلى المقاطعات القريبة منه بالرستاق و نزوى ، فهجم أولا على بهلا و كان الجبور قد ذهبوا إليهم بجيش لمساعدة محمد بن سيف الهنائي و بعد معارك كبيرة دخل الإمام بهلا و قتل من الجبور قاسم بن مذكور الدهشمي.

ثم اتجه الإمام إلى سمائل ، فلم يثبت مانع بن سنان للحرب و طلب الصفح من الإمام ، فغادر الإمام إلى نزوى بعد أن عين في سمائل واليا. و مرة ثالثة يعود الجبور لمناهضة الإمام فدخلوا مدينة الصخيري في الظاهرة و لكن محمد بن سعيد والي الإمام على الغبي ثبت و بادر محمد بن علي والي مقنيات على مساعدته فتمكنا من الإنتصار على الجبور ، و لكن هؤلاء إنسحبوا إلى ينقل حيث يحكم ناصر بن قطن الجبري.

و بدأ ناصر بن قطن يتصل بسيف بن محمد الهنائي ، فإتفق و أياه على مهاجمة الإمام في نزوى. و تمكنوا من دخول المدينة و أطبقوا على الإمام في الحصن و لكن مدينة إزكي المجاورة للإمام هبت لنصرته و معهم أنصارهم من الجبل الأخضر و بهلا ، فشغلوا مؤخرة جيش ناصر و محمد من متابعة الهجوم على الحصن ثم إشتبك الجيش جميعه مع أنصار الإمام و تركوا محاصرة الحصن و إنتهت المعركة بهزيمة الجبري و الهنائي و هروبهما.

أشار أنصار الإمام عليه بعد إنتهاء المعركة بوجوب هدم حصن مانع بسمائل و إجلائه عن المدينة أو القبض عليه ، و علم مانع بذلك فلجأ إلى مدينة فنجاء فطرده أهلها فواصل سيره إلى مسقط و التجأ بالبرتغال و لكن البرتغال شعروا بخطورة إيوائهم لمانع و أوصوه بالتوجه إلى لوى حيث يلتجئ بمحمد بن جيفر الجبري.

يظهر لنا من هذه الحروب مدى الصعوبة التي واجهها الإمام في تثبيت حكمه ، و عمق الجذور التي خلفتها أعوام الفوضى خلال حكم النباهنة ، فهؤلاء الذين قاموا ضد الإمام و عرضوا البلاد لمجازر دموية رغم وجود عدو مشترك على السواحل ليسوا إلا أركان دولة النباهنة و المنتفعين بالفوضى التي كانت ضاربة و الإستغلال الذي إستغل البلاد لصالح بعض الأفراد ، فليس عجيب أن يدافعوا عن مصالحهم و أن يقفوا ضد الحق و الإصلاح و هم هياكل الباطل و الفساد ، و ليس بعيدا أن يكون للبرتغال يد في تحريض هؤلاء على الإمام الذي يسعى لتوحيد البلاد و رأب الصدع ، فبالنسبة للظاهرة لهم نفوذ عن طريق صور و لوى و صحار ، و بالنسبة لسمائل فهنالك سيطرتهم على مسقط و ليس لجوء مانع إليهم إلا دليلا يلقي ضوء ساطعا على هذه الحقيقة ، كما أن إمتناعهم عن إبقائه في مسـقط دليل على تحسـبهم بنتائج ذلك و حسبانهم حسـابا كبيرا لقوة الإمام و تجنبهم الإصطدام به ، فوحدة الكلمة و الهدف و جمع الشتات هو الرصاصة القاتلة للإستعمار ، و إلا فأين ضراوتهم عند دخولهم الخليج في بداية الإستعمار من موقفهم هذا أمام مانع في بداية الوثبة.

و عهد الإمام إلى والي نزوى عبدالله بن محمد بن غسان بأن يتولى الحملة على بلاد سيت مركز بني هناه حيث يصول و يجول محمد بن سيف الهنائي ، فدخل القائد إلى المدينة و إنتصر على محمد و هدم حصونه فلاذ هذا بالإمام بنزوى ، ثم أعلنت مدينة ينقل في الظاهرة ثورة جديدة فسـار الإمام بنفسـه ، و بعد إن تم له النصر عين فيها نجاد بن حمحام العبري واليا ، و بعد ذلك وجه جيشا بقيادة عبدالله بن محمد بن غسان الكندي إلى البريمي ، و كان من كبار مساعديه خميس بن رويشد الضنكي و حافظ بن جمعة الهنوي و محمد بن سيف الحوقاني و محمد بن علي فتمكن الجيش من دخولها و أخذ البيعة للإمام ناصر.

استقر الأمر الآن للإمام في كل أنحاء عمان ما عدا النواحي الساحلية التي يسيطر عليها البرتغال و من معهم من العملاء الذين يخشون من توسع الإمام ، و لعل القارئ أدرك من هذه الحروب المضنية أن دور الإمام كان دور إعداد و تهيئة و أنه لاقى كثيرا من المشاكل في سبيل إرساء قواعد الحكم ، و لكن الإمام رغم هذه المشاكل و ما خاضه من حرب إثر حرب كان متسامحا متساهلا رغم علمه بأن الثائرين عليه عصبة واحدة ، و أن دوافعهم الحقد و أنهم خادعوه أكثر من مرة بطلب الأمان ثم بإلتماس العذر ، و لكنهم كانوا في كل حين ثعالب مراوغين ، و لعل للإمام رأيا في تساهله و لا نملك إلا أن نتصوب طريقته إذ أن نتيجتها كانت إستقرارا و أمنا و تحررا.

بقى رأس واحد من رؤوس الشقاق إجتمعت حوله كل العناصر الحاقدة ، ذلك هو إختلاف الحلفاء (الجبور و بني هلال و مانع بن سنان) في لوى ، و كان هؤلاء متفقين مع البرتغال على إبقاء الحكم لهم في لوى و صحار مقابل تأسيس مراكز عسكرية و تسهيلات تجارية للبرتغال ، و كان مركز لوى من أقوى المراكز البرتغالية و أكثرها خطرا على إستقرار الأمور في الظاهرة و نخل و الرستاق.

علم قائد البريمي أن الحلفاء في لوى في خلاف فقد قتل محمد بن جيفر الجبري و تولى الإمارة سيف بن محمد الهلالي فإنشق الحلفاء على بعضهم و لجأ أخو الأمير السابق إلى صحار ، فأسرع الشيخ عبدالله الكندي إلى لوى و عين على البريمي واليا من أهلها و هو الشيخ أحمد بن خلف الشامسي عن أمر الإمام و ذلك دليل على الثقة و على مسـعى الإمام في حل أموره بالرفق و اللين و كسـب القلوب ، فسار القائد إلى لوى و تعتبر من أخطر المراكز على القوة الجديدة في عمان ، إذ أن مكائد ورثة عهد الفوضى و أعمدة الإستعمار كان مركزهم لوى و هي تقع موقع وسط ينفذ إلى الظاهرة و الرستاق و نخل. دخل القائد الكندي مع جيشه إلى قلب المدينة و رابط بجامعها و حاصر جيشه القلعة حيث يتحصن أميرها و حليفه مانع بن سنان العميري صاحب سمائل و ناصر بن ناصر بن قطن.

بدأ الصراع الآن مكشوفا بين الإمام و البرتغال ، إذ أن حامية صحار أخذت تجهز المحاصرين بمختلف الطرق و تشغل جيش الإمام من الخلف و لكن المجندين كانوا كلهم عربا ، إلا أن القائد إعتبر البرتغال محرضين على ذلك و راعنين ، فأمر محمد بن علي أحد كبار قادته بالذهاب إلى صحار و محاصرة طريقها إلى لوى و عدم السماح بأي مدد يخرج من صحار ، فتمكن القائد من المرابطة جنوبي صحار ، و هنالك قطع دابر الإتصال ، و بقى محاصرا حصن لوى ستة أشهر أبدى خلالها الجبور و بنو هلال الكثير من الصبر و الجلد و لكن القائد شدد عليهم الحصار و لم يمل أو يكل عن ذلك حتى أضطر سيف بن محمد على مفاوضة القائد بتسليمه الحصن الأول من دولة البوكرك ، و وجد الإمام منفذا إلى البحر ، فلم يعد بالإمكان محاصرته معاشيا و التضييق عليه و على شعبه و عاد القائد إلى نزوى بعد أن عين بها أحد مساعديه الشيخ محمد بن علي و هو من الرستاق ، ثم إستبدله بحافظ بن سيف إذ أن الجيش الذي لا يقف كفاحه في حاجة إليه.

أما مانع بن سنان فقد لجأ إلى دبا بشمال عمان هاربا إلى أبعد مركز يحميه عن الإمام و لكن مكائده كانت تظهر و لو من بعيد ، فتقدم مداد بن هلوان و هو أحد رجال الإمام في حصن بهلا مستأذنا الإمام في تدبير حيلة لقتل مانع بحكم صلات بين الشخصين ، فوكل الإمام إليه ذلك و قام هذا بالإتصال بمانع في أن يسلمه حصن لوى و يهيئ له كل أمر فإنخدع مانع بذلك و قدم إلى صحار ، و في ليلة عينها الصديقان تسلل مانع مع بعض رجاله إلى لوى فأحاط به عسس الإمام و حاصروه و قبيل الفجر كانت جثته توارى في التراب.


2- رأس الخيمة

كان ناصر بن قطن الهلالي يرأس قبائل الظاهرة و يعيث في البلاد الفساد خلال سيطرة النباهنة ، و حاول جهده أن يزعزع نفوذ الإمام في تلك المنطقة و لكنه لم ينجح ، و كان آخر أمل له في لوى فواجهه هذا بالفشل أيضا ، و بعد ذلك ذهب إلى شمال عمان و منها إلى الأحساء ، فأخذ يجمع البدو من حوله و يفد إلى عمان يشيع فيها النهب و السلب و يسبي النساء و يزاول تجارة الرقيق ، فوجد الإمام أن الذي يشجع ناصرا على ذلك هو وجود ثغر قوي للبرتغال و الفرس في رأس الخيمة و أن هذه المدينة هي المنفذ إلى الظاهرة ، و بواسطة مراكز العدو فيها يتزود ناصر للقيام بأعماله ، فعلى الإمام أولا حماية المواطنين و عليه ثانيا أن يستأصل نفوذ أعدائه من عمان ، فقرر أن يضرب ضربته الحازمة في رأس الخيمة و أن يخلصها من سيطرة الفرس و البرتغال ، و كانت تحكم من قبل ناصر الدين ، و للبرتغال مستودع للأسلحة و مركز كبير للتجارة و تموين السفن.

أعد الإمام ناصر جيشا كبيرا و عين علي بن أحمد قائدا له و أحاطه برجال من خيرة قادته ، فحاصر الجيش المدينة ، و تمكن من الوصول إلى مدخل قلعتها و كانت هذه القلعة متصلة بأبراج عديدة ليسهل تموينها و يتعزز موقف المتمركزين بها ، فحاصرها القائد علي و إستبسل الفرس في الدفاع ، و كان البرتغال يناصرونهم من البحر فأخذت سفنهم تقصف بقذائف مدافعها جيش الإمام و لكن جنود العرب ثبتوا مستميتين رغم الخسائر الهائلة التي تكبدوها في النفوس ، و لكن الصبر على الشدة و الإستعداد للتضحية كفيلان بتحقيق النصر ، فتمكن علي من دخول حصن المدينة و منه نفذ إلى باقي الأبراج و دانت له جلفار أو رأس الخيمة ، و أقبل أهلها يعلنون إبتهاجهم و تأييدهم و يهنئون أنفسهم بلقاء إخوانهم ، و قد رأى هؤلاء أن النصر لا يتم إلا بالقضاء المبرم على القوة البحرية للبرتغال ، و أعلنوا إستعدادهم لأخذ نصيبهم من النضال و تحرير الوطن فعين القائد أحدا من أهالي المدينة قائدا على الحملة و هو خميس ين مخزوم الدهشمي ، و كان للبرتغال حصن على ساحل البحر إعتصموا به و أخذوا يطلقون الرصاص و يقذفون بالنيران على العرب الهاجمين ، و لم يجد هؤلاء وسيلة إلا إستمرار محاصرة الحصن فأمرهم خميس ببناء حصن مقابل له كي يستطيعوا إتقاء رصاص البرتغال به ، و بعد معركة طويلة ضارية طلب البرتغال الصلح و تم ذلك على أساس تسليمهم الحصن و خروجهم من رأس الخيمة و عدم بقاء أي سفينة من سفنهم على شاطئها و هذه هي الهزيمة الثانية للبرتغال ، و قد فرض الإمام عليهم بعد إجلائهم من رأس الخيمة أن يدفعوا جزية سنوية مقابل وجودهم في الموانئ العربية ، فوافقوا على ذلك.

3 ـ إلى صحار

وجد الإمام أن المركز الثالث من المراكز البرتغالية الذي يجب أن يكون بيده هو مركز صحار ، و صحار هي عاصمة عمان قديما و ثغر هام على بحرها و منفذ إلى عدد من مقاطعاتها و لا قوة تحول بينه و بين الإستيلاء عليها بعد سقوط رأس الخيمة خاصة ، فكتب إلى واليه بلوى حافظ بن سيف أن يعد العدة لإحتلال صحار ، فأضاف هذا إلى جيشه الموجود لديه قوة من رجال بني خالد و بني لام و العمور ، و قرر دخول صحار ليلا و المسافة بينها و بين لوى حوالي 30 كم ، فخرج ليلا دون تحديد إتجاه في التاسع و العشرين من شهر محرم عام 1043 هـ ، و أقبل بجيشه مع الفجر إلى صحار ففاجأ أهلها و حاميتها و خيم بحي يسمى البدعة ، و تبودل إطلاق النار بين البرتغال و العرب و عندما شعر القائد بقوة البرتغال و سيطرتهم على المكان الذي إختاره لجيشه أمر بالإنتقال منه إلى موضع آخر بعيد عن سيطرة الحصن و من هناك أمر بالإستماتة في الهجوم ، فدارت في شوارع تلك المدينة العريقة معارك كبيرة شهدت ما يناسب عراقتها من البطولة العربية ، و بعد معارك إستمرت سبعة أيام إضطر البرتغال إلى طلب التسليم ، و خرجوا في ما تبقى من سفنهم إلى مسقط ، و هكذا تخلصت صحار من سيطرة البرتغال و عادت إلى أبنائها.

و أمر الإمام ببناء حصن على ساحل الميناء ليراقب فيه حركات السفن البرتغالية في البحر خشية أن يباغتوه بهجوم و لكي يقطع دابر مكائدهم.

4 ـ ثم إلى مسقط


كان الإمام قد إتفق مع البرتغال بعد إنتصاره في رأس الخيمة أن يدفعوا جزية سنوية ، و لم يكن يقصد من ذلك تسليما بوجودهم أو رغبة في مهادنتهم ، و لكن إشعارا بضعفهم و زيادة في إغاظتهم ، و لكن البرتغال رفضوا بعد مرور عام دفع الجزية و زادهم حنقا هجوم الإمام على صحار ، فقد أخبره رسله إلى مسقط أنهم إستكفوا من الدفع و أنهم إعتبروا هجوم الإمام على صحار نقضا لشرط دفع الجزية و أن دفع الجزية يجب أن يكون نتيجة مصالحتهم و عدم التعرض لمراكزهم ، فأبى الرسل ذلك و رفضوا المساومة بالمال على تربة الوطن فعادوا بجوابهم إلى الإمام.

أعجب الإمام ناصر بموقف رسله ، و قرر إرسال جيش إلى مسقط بقيادة الشيخ خميس بن سعيد الشقصي ، و بينما كان الجيش في مدينة بوشر التي تبعد عن مسقط بعشرين كيلومترا إذا برسل البرتغال تطلب مقابلته فرفض الإجتماع بهم ، و إتجه إلى مطرح و تبعد عن مسـقط بخمسة كيلومترات ، و هنالك طلب كبراؤهم مقابلته فرضي بمفاوضتهم و إتفق و إياهم على الشروط التالية:

1. يدفع البرتغال الجزية في المستقبل بانتظام.
2. يسلم البرتغال للعمانيين بعض المراكز الحربية في مطرح.
3. السماح بحرية التجارة للعمانيين و عدم التعرض لتزودهم من مسقط و مطرح.
4. يمتنع البرتغال عن القيام بأي أعمال عدائية ضد الإمام.

و عاد القائد خميس إلى إمامه بالمعاهدة الجديدة ، فشكره الإمام على ذلك معاهدا الله على أن يسير قدما في إجلائهم عن البلاد.

لم تمنع هذه المعاهدة الإمام ناصر من أن يطهر وطنه من أحفاد الطاغية البوكرك ، فأرسل حملة إلى صور فإحتلها بعد معركة عنيفة ، ثم واصلت الحملة سيرها إلى قريات فعادت إلى أمها الرؤوم ، و وجد أبناء مجدعي الأنوف من أبنائها الطمأنينة الكبرى بخروج أعدائهم من البلاد.

عاد ناصـر بن قطن الهلالي إلى أعمال النهب و السلب ، فجمع له والي الظاهرة محمد بن سيف الحوقاني قوة كبيرة رابط بها قرب الظـفرة ، فإلتجأ ناصـر إلى حصـن الظفرة و معه جماعـة من بني ياس ، و أرسل ناصر رسولا يطلب الصلح و الأمان فتمكن من مخادعة الوالي ، فتم الصلح بينهما على أن يعيد ناصر كل ما نهبه و أن يغرم كل ما سلبه ، فوافق على ذلك ، و يقال أن نفاد الزاد هو الذي دفع الوالي على
الموافقة على الصلح ، و لكن ناصر كان يضمر الغدر ، فعاد إلى شمال عمان و جمع عددا كبيرا من البدو و شايعه بنو ياس أيضا فهجم على البريمي ، فإجتمع ولاة الإمام في الباطنة و الظاهرة و قرروا أن يشتركوا جميعا في محاربة ناصر ، و ما كاد يعلم بذلك حتى هرب و إلتجأ إلى البرتغال في صحار فوجد هنالك عميلا آخر إسمه عمير بن محمد العميري ثم هرب ناصر إلى الأحساء.

غزا ناصر عمان مرة أخرى فدخل الساحل و نهب و سلب ثم إتجه إلى لوى ، و كان الإمام قد علم به ، فأعد له العدة في جيش يقوده علي بن أحمد العلوي و يساعده في القيادة محمد بن الصلت الريامي و علي بن محمد العبري و أحمد بن بلحسن البوشري و هو من أد بن حام. و ما كاد ناصر يدنو من لوى حتى واجه جيش الإمام ، و بعد معركة قتل فيها كثير من جيش ناصر هرب ناصر فلحقت به كتائب من الجيش و وقف لهم ناصر بموضع يسمى "الخروسي" فدارت بينهم معركة قتل فيها أحمد بن بلحسن و مراد بن حسام و تمكن ناصر من الهرب إلى الأحساء.

و كانت نهاية ناصر عند عودته من الأحساء ، و أمر أصحابه بقطع الطرق فإستقبله جيش الإمام يقوده إثنان من أبناء عمه هما سيف بن مالك و سيف بن أبي العرب و معهما حزام بن عبدالله ، فكان على يد هؤلاء القضاء على هذا العدو اللدود في معركة كبيرة.

5 ـ ناصر المؤسس


و هكذا أسس الإمام ناصر دولة تحكمها راية واحدة و سيطر على كل مدنها و أصقاعها بحرا و برا من شمال عمان إلى أقصى الجنوب ، لا يخرج من حدودها شبر إلا وجود البرتغال في مسقط و مطرح إلى حين مقابل جزية يدفعونها سنويا ، و أنه لدور عظيم أداه الإمام ناصر لبلاده ، إذ سلمت إليه و هي مجزأة بين رؤساء القبائل يتحكمون فيها بما يشاؤون ، فجمعها كلها في نفوذ واحد رغم صعوبة ذلك في بلاد عاشت سنين طويلة في نظام فاسد و عصبية قبلية و أماكن مترامية شاسعة.

و توفى الإمام رحمه الله يوم الجمعة في العاشر من ربيع الثاني عام 1059 هـ (1649 م) بعد أن حكم ستا و عشرين سنة و كان عمرة ستة و أربعين عاما و دفن بنزوى مخلفا ابنة واحدة ، و أعمالا تشهد بعظمته .

6 ـ الإنكليز الأوائل
هنالك زيارات قام بها بعض الإنكليز إلى عمان و سائر بلدان الخليج العربي ، جدير بنا أن نطلع عليها منذ بدايتها و أن نرافق نشاطهم ببلادنا من حيث بدأ ، فيكون القارئ على بينه تعينه على تفهم ما سيطلع عليه من أدوارهم التي قاموا بها في تاريخ هذه المنطقة.

حاول الإنكليز أن ينالوا نصيبهم أيضا من تجارة الهند و السيطرة على الطرق البحرية ، و كانت أول محاولة لهم عام 1581 م عندما أرسلت إحدى الشركات وفد لجمع المعلومات و يبحث إمكانية منافسة البندقية و لشبونه في التجارة عبر البحار ، و صحب الوفد من التجار المستر نيوبري و المستر فيتش.

و في عام 1583 م كانت البعثة في سورية ثم إتجهت إلى بغداد و البصرة ، و من هنالك أبحرت إلى جزيرة هرمز و مرت بالبحرين و قلهات و مسقط ثم إتجهت إلى جوا و عادت إلى إنكلترا عام 1590 م.

و على ضوء المعلومات التي قدمتها هذه البعثة أرسلت ثلاث سفن عام 1591 م بقيادة الأميرال رايموند إلى شرقي الهند ، و قامت بنفس دور البعثة الأولى في الإستكشاف و العمل على ضوء التقارير السابقة فنجحت ، و أدى ذلك إلى إرسال قطع أخرى من السفن تمكنت إنكلترا على أثرها من شق طريقها نحو الهند.

و عندما أسست شركة الهند الشرقية عام 1600 م كان لابد لها من أن تتبع خطا من سبقها من الإنكليز في الشرق ، فأرسلت سفينة تجارية بقيادة هنري مدلتون عام 1610 م ، و الجدير بالذكر أن تلك السفينة كانت أكبر سفينة بنيت في إنكلترا حتى ذلك الوقت إذ بلغت حمولتها ألف طن ، و كان هدف مديلتون هو زيادة المتاجرة بالفلفل الأسود ، و دراسة الأحوال في تلك البلدان. و عندما وصل إلى مخا بالقرب من صور هاجمه بعض التجار العرب مستنكرين وجود سفينته ، فأخذ مديلتون ينهب السفن العربية في البحر العربي و يسلبها انتقاما ، فانقلب من تاجر إلى قرصان.

و في عام 1613 م خرجت سفن أخرى بقيادة الكابتن نيوبورت ، و في نفس العام خرج بصورة شخصية المستر ستيل و دخل الهند ، فأرسل إلى شركة الهند الشرقية مقترحا عليها أن تجد في فتح مركز تجاري لها بإيران ، فإنتدبت الشركة بعثة إستشارية عام 1614 هـ زارت سورت بالهند و بوشهر بإيران و مسقط بعمان و غيرها من الموانئ ، و جدت أن ميناء جاشك التابع حاليا لإيران و هو من مقاطعة بلوشستان هو خير ميناء لتأسيس معمل و تكوين مركز تجاري ، و حصلت البعثة على إذن بذلك من الحاكم . و شهدت إيران خاصة منافسة كبيرة في التجارة بين الإنكليز و الأسبان و البرتغال.

و كان الإنكليز في جاشك على أتم الإستعداد لصد أي عدوان يقوم به الإسطول البرتغالي المرابط في مسقط على منشآتهم في جاشك.

و في مارس عام 1620 م بدأ الإتصال الشخصي بين ملك إنكلترا جيمس و بين شاه إيران ، فقد شكره على التسهيلات التي يقدمها للبريطانيين.

و بعد أن ظهر توسع الإنكليز في التجارة بالهند و توثقت العلاقات بينها و بين إيران و صار لها مركز في جاشك ، بدأ الهولنديون يبذلون كل جهدهم لمقاومة الإنكليز ، فأرسلت حكومة هولندا تعليمات لممثيليها في الهند و إيران لعرقلة العمليات الإنكليزية في الهند ، و لكن إنكلترا كانت تستعد لذلك فهيأت عام 1620 م فرقة خاصة لحماية سفنها التجارية من الهولندييين و عينت السير توماس ديل قائدا لتلك الفرقة البحرية و جرت بين الطرفين معارك أشهرها تلك المعركة التي جرت في مدينة أمبوينا (Amboyna) بالهند ذبح الهولنديون فيها كثيرا من الإنكليز و ذلك عام 1622 م ، و بالنسبة للتنافس بين البرتغال و الإنكليز فقد ظهر أول أثر له عام 1620 م عندما إشتبكت سفن بريطانية في البحر العربي مع سفن برتغالية.

و في عام 1621 م نقل الإنكليز مركزهم من جاشك إلى بندر عباس جنوبي إيران ، و بذلك اقتربوا من عمان ، فهم الآن محاذاة المنطقة الشمالية منها (ساحل عمان) و في عام 1626 م حاولوا بناء قلعة لهم في هرمز و لكن حاكمها خشي معارضة البرتغال.

و في عام 1632 م ظهرت أول مكائد الإنكليز للتدخل في شؤون عمان و ذلك في عهد الإمام ناصر بن مرشد ، و لعلهم أدركوا مصير البرتغال ، إذ رأوا إجماع الشعب العربي في عمان على تأييد الإمام ناصر و بتقربهم قد يسـتعين بهم ناصـر على البرتغال ، و كانت علاقتهم بالفرس كما بينت وطـيدة ، فأوعزوا إلى حاكم شيراز أن يهجم على مسقط ، و لكن حاكم شيراز لم يتجاسر على ذلك ، و أعادوا عليه الكرة عام 1635 م فإعتذر لهم بإحراج موقفه إذا ما عرض عليه أصدقاؤه الهولنديون المساعدة ، ثم ما مصير الحاكم الفارسي لهرمز و غيرها إذا فشلت المحاولة ضد البرتغال.

و شهد عام 1641 م إنتصار الهولنديين على البرتغال في ملقا (جزر الهند الشرقية و تقع في خليج ملقا بماليزيا) إذ إنتزعوها من البرتغال ، و ذلك أصبحوا يحتلون المركز الأول في التجارة بأوروبا ، و إحتكروا تجارة التوابل و إستمرت قوة التجارة الهولندية في الذروة من السيطر مدة مائة عام.

و وجد الإنكليز أن إتصالهم بشاه إيران يتيح لهم مجال التدخل في المنطقة ، فوصل إلى البلاط الإيراني السير أنطوني شيري عام 1598 م يرافقه أخوه و معهما ستة و عشرون شخصا ، و قدم الأخوان نفسيهما كفارسين بريطانيين سمعا عن شهرته ، فجاءا يطلبان شرف الدخول في خدمته ، في حين كانت مهمتهما إقناع الشاه بمساعدتهم على الدولة العثمانية و فتح طريق تجاري لإنكلترا ، و قد إستقبل الشاه الفارسين بحفاوة و أصدر أمرا بمساعدة التجار الإنكليز ، و قد عاد شيري و لكن أخاه روبرت بقى ببلاط الشاه و عين قائدا للجيش الفارسي.

كان تأثير الأخوين كبيرا على الشاه ، فأرسل روبرت إلى لندن ليعلن للمسئولين فيها رغبة الشاه في تقويض الدولة العثمانية و التعهد بمساعدة الأوروبيين ، عاد روبرت من رحلته بعد أن وثق العلاقات بين بريطانيا و إيران ، و أوصى شركة الهند الشرقية بتأسيس مركز لها في جواذر ببلوشستان. و جواذر لها مكانة كبيرة في المواصلات بين منطقة الخليج العربي و السند و الهند.

و بعد ذلك أنشئت مراكز للإنكليز في شيراز عام 1617 م و أصفهان عام 1618 م و جاشك عام 1619 م ، و في عام 1618 م و قع الإنكليز إتفاقية مع إيران تتعهد بريطانيا فيها بشراء منتوجات إيران جميعها من الحرير.

و حدث أول إصطدام بين الإنكليز و البرتغال عام 1615 م ، وحدثت معركة ثانية على مياه جاشـك عام 1620 م عندما منع الأسطول البرتغالي سفينة إنكليزية من الدخول إليها ، و لكن السفينة عادت بحماية أسطول من الهند فدارت معركة إنتصر فيها الإنكليز .


7 ـ الإمام سلطان بن سيف

بعد فاة الإمام ناصر بن مرشد إجتمع زعماء عمان و قرروا مبايعة إبن عمه سلطان بن سيف بالإمامة و كان أحد أركان دولته ، برز في محاربة البرتغال بصور و قريات ، فخاض معارك هائلة إضطر طلائع الإستعمار الغربي أن ينسحبوا بعدها عن المدينتين.

و قد أسس الإمام ناصر الحكم الداخلي و وجه الشعور الشعبي نحو جلاء الأجنبي ، فوجد الإمام سلطان أن تحقيق هذا الهدف هو الواجب الأول الذي يجب أن يؤديه ، و لذلك زحف على مسقط فجمع جيشا كبيرا إمتد من المكان المعروف اليوم بسد روي إلى طوي الرولة بمطرح ، و تبلغ المسافة بين المكانيين نحو ثلاثة عشـر كيلومترا ، و أخذ يهاجم البرتغال في مسـقط صباحا و مسـاء و ليلا ، فكان يصل في هجومه إلى المكان المعروف بطوي الراوية في مسقط فيشتبك مع حماة القلاع بنيران المدافع و السلاح الأبيض. و كان البرتغال قد صـمموا على الإستماتة دون تسليم مســقط ، فبنوا على الجبال قلاعا صغيرة ملأوها بالجيش ، و أقاموا سلسلة ممتدة بالفضاء مرتبطة بقلعة إبن رزيق من جانب و قلعة المربع من الجانب الآخر ، و تحمل هذه السلسلة أسرة حديدية يجلس بها الرماة ليمنعوا توغل العرب إلى داخل مسقط ، كما إنهم إنتشروا في جبل السعالي و جبل المكلا ، فكانت الحرب سجالا بين الفريقين ، البرتغال متحصنون بهذه القلاع و الجبال و العرب يدخلون إلى المدينة يقتلون و يقتلون ، و يصرخ الناجون منهم مخاطبين البرتغال: "البراز البراز فليس الشجاع من يحتمي بمكانه فقط".

إستمرت الحال على هذا أياما و الإمام ثابت يشرف على المعركة بنفسه حتى قرر أن يهجم هجوما واحدا ، و في صباح أحد أيام الآحاد خطب الإمام في جيشه و تحفز نهار الهجوم ، و ألقى الأمر الى أبطاله فإنقضوا على البرتغال يتسلقون الجبال و يستهدفون السلسلة و القابعين بأسرتها ، و دارت بين الفريقين معارك ضارية تمكن الإمام من دخول القلاع الصغيرة و حصني مسقط الكبيرين و طرد البرتغال منها ، و لكن قائدا برتغاليا إسمه كبريتا ثبت للمعركة حتى قتل في سوق الأثواب (المتهدم الآن) و تقع في الطريق بين "الجريزة" و السوق الداخلي أو حوالي دائرة البلدية القديمة ، و مع ذلك فإن تبادل الرصاص لم ينته ، فقد و قفت بارجتان كبيرتان في مياه مطرح و وجهتا نيرانيهما إلى مسقط و كانت مدافع أحداهما تصل الى قرية سداب جنوبي مسقط ، فأمر الإمام جماعة من الفدائيين أن يخاطروا بمهاجمة المركبين ففي موتهم حياة لأبناء البلاد جميعا ، و لبى الفدائيون أمر الإمام و إستقلوا زوارق صغيرة متجهين إلى البارجتين ، فدارت على ظهرهما معارك ضارية إنتهت بوقف الرصاص و الإستيلاء على البارجتين. و بهذا سقطت آخر معاقل البرتغال في الأراضي العربية العمانية و كان ذلك في مستهل عام 1649 م.

و بعد هذا كله يقف بعض المؤرخين الغربيين و يشايعهم و يا للأسف المؤرخ العماني محمد بن رزيق فتنسج قصة خيالية أشاعها أعداء العرب في مدينة مسقط و خارجها ليقللوا من قوة العرب في هذا الإنتصار ، إذ يروون أن تاجرا هنديا إسمه نارنيتم و هو وكيل البرتغال العام في مسقط أراد قائد البرتغال باريرا أن يتزوج إبنته فلم يجد هذا مهربا من ذلك إلا أن يتفق مع العرب على إحتلال مسقط فأغرى القائد بوجوب إستبدال الذخيرة و البارود من الحصنين الجلالي و الميراني لأن العرب إن هجموا فلابد لهم من محاصرة الحصنين ، فالأفضل الاستعداد و تبديل الذخيرة. و عندما نفذ القائد رأي صهره المنتظر أخبر هذا الإمام سرا و بدأ الهجوم.

و لقد وافق ابن رزيق المؤرخين الغربيين رغم إن ابن رزيق هو صاحب الوصف الذي أخذت منه تفاصيل معركة مسقط التي خاضها العرب بكل بطولة و بسالة ، و أورد دلائل لنقض روايات هذه الإسطورة و إن نسبت للمصادر العربية فليس كاتبها إلا حاطب ليل و هذه دلائل نقضها:

1. أن العرب استعملوا تكتيكا في غاية من العبقرية الحربية و التخطيط السليم ، فإستغلوا كل جانب ضعف للوجود البرتغالي في عمان.
2. من المفهوم أن البرتغال يجددون الذخيرة بإعتبارهم جيشا منظما ، فلا حاجة للإشارة من قبل التاجر الهندي.
3. أن تبديل الذخيرة لا يتطلب أن تخلو الحاميتان من ذخيرة جديدة و ذخيرة قديمة ، فليس هنالك مانع أن تدخل الذخيرة الجديدة و ترمى القديمة في البحر الذي يطل عليه الحصنان.
4. المعروف أن مخازن الذخيرة موجودة في عهد البرتغال بالحصنين كليهما.
5. عندما إنتصر العرب على البرتغال في صحار و في لوى و في صور و في كل المدن التي إستولوا عليها لم يحتاج الأمر إلى مثل هذه الإسطورة و قد كانوا هنالك أقوياء و كان العمانيون في طريقهم إلى القوة.
6. أن الرواية تعود فتقول أن البرتغال إنشغلوا ليلة الهجوم بالسكر و ما إلى ذلك ، و لذلك تمكن العمانيون من دخول الحاميتين. فما العلاقة بين تجديد الذخيرة و بين تفرغهم للسكر ؟ ثم أن الهجوم على الحصن قد وقع ليلا و إستمر كما علم القارئ أياما.
7. أن ما وقعت عليه من مصادر تاريخية تشير إلى معركة كبيرة وقعت على أسوار المدينة بحيث تهدمت تلك الأسوار و أعاد الإمام بناءها من جديد ، فأين عنصر المفاجأة للحامية أو المكيدة و الإحتيال و قد بدأت المعارك في ضواحي المدينة ثم اقتربت شيئا و شيئا من الحاميتين في قلعتي الجلالي و الميراني.

و ليس هنالك من علاقة إلا الخلط في تعريض أسباب هذا النصر الكبير الذي خرج به جيش أول موجة للإستعمار في بلاد العرب و المسلمين ، و الواقع أن البرتغال لم يفاجأوا بهجوم العمانيين ، فقد إجتمع جيش الإمام قبل الهجوم في سيح الحرمل و هو مكان يبعد عن مسقط بستة كيلومترات ، أي على مسمع و مرآى من البرتغال. و لعل السبب الأكبر في هزيمة البرتغال هو وجود طرفين ، طرف يحارب عن وطنه و مبادئه و قداسته ، و طرف يحارب عن أطماعه و إستغلاله و طغيانه.

و مهما كان الحال ، فقد كان جيش الإمام أكثر نبلا و رأفة من البوكرك قائد البرتغال الأول الذي علم القارئ عما إرتكبه من فظائع في الخليج العربي.

لم يكتف الإمام بإخراج البرتغال من عمان ، بل أراد أن يمنع أي محاولة منهم للعودة و أن يقضي على نفوذهم في البحر العربي. فقد أرسل حملات بحرية لمحاربتهم ، فهاجم شاطئ (الكجرات) بالهند و عاد جيشة بكثير من الذخائر و الغنائم ، و أمن الخطر الخارجي.

و أرسـل سكان ممباسة بأفريقية الشـرقية إلى الامام سلطان يطلبون مسـاعدته للتخلص من البرتغال ، فأرسل الإمام جيشا حاصر ممباسة خمس سنوات حتى سلمت له الحامية البرتغالية ، و غادرت ممباسة و عين الإمام الشيخ محمد بن مبارك واليا ، غير أن البرتغال أعادوا الكرة ثانية فأجلوا العرب و إنتقموا من سكانها ، و لكن العمانيين عادوا بعد ذلك كما سيرى القارئ.

و بالإضافة إلى حملاته على البرتغال و إحتلاله لمراكزهم الواقعة على المحيط الهندي ، فقد إنضمت إلى حكمه منطقة ظفار الواقعة جنوبي شبه الجزيرة العربية ، و قد إنشغل في أواخر حكمه بالإصلاحات الداخلية ، فأمن الري في أجـزاء البلاد ، و من ذلك بناؤه جـدول البركة في ضـواحي مدينة إزكي ، كما بنى قلعة نزوى المشهورة التي قدرت تكاليفها 80 ألف دولار في ذلك الوقت ، و شجع التجارة و أرسل وكلاء تجاريين إلى الأقطار المختلفة ليحصلوا على السلاح و الخيول.

و في عهد الإمام سلطان نقف على أول خطوة من إتصال الإنكليز بمسقط ، ففي عام 1659 م وصل إلى مسقط الكولونيل ريتش فورد مندوبا عن شركة الهند الشرقية ليفاوض الإمام سلطان في إستفادة التجارة من حرية ميناء مسقط ، فتلجأ إليها سفنهم و تكون مخزنا لبضائعهم. و هنالك سببان لإنتباه الشركة إلى عمان أولهما تدهور شؤون شركة الهند الشـرقية في الهند بينما الهولنديون يتقدمون ، غير أن كرومول ساعدهم في تقوية نفوذهم المادي فحاول رئيس الشركة المستر وش أن يضمن له سوقا جديدة و مركزا هاما في الخليج ، و لم يكن ليستطيع ذلك و البرتغال تملأ قلاعهم مدينة مسقط ، فحالما إنسحب البرتغال حسب أن الجو صفا له فأرسل مندوبا إلى الامام و هذا هو السبب الثاني.

و قد جاء المستر فورد إلى مسقط فتطاول في عروضه ، إذ طلب إستئجار المدينة و قلاعها و تكفل بحمايتها عن الإمام بالإضافة إلى خزنه البضائع و إستفادته من حرية الميناء ، و لكن جواب الإمام كان حاسما ، إذ قال: ( لقد كانت للبرتغال هنا حامية فحاربناها ، فكيف نوافقكم على حامية أخرى أجنبية ، ثم أن من أخرج البرتغال بما يملكون من قوة كبيرة جدير بأن يحمي بلاده ، و عاد المندوب فاشلا حتى من ناحية حرية الميناء و خزن البضائع. و لكن الإنكليز تمكنوا من جعل بومبي مخزنا لبضائعهم في الخليج و بحر العرب و كانت تعرف عند العرب بكولابا.

و قد توفى الإمام سلطان بمدينة نزوى في 16 ذي القعدة عام 1091 هـ بعد أن حكم أربعين عاما بالفخر و الإصلاح و الإعتزاز ، فعم الإزدهار في عهده فإنتعشت التجارة و تفرغ الناس للتعمير.
8 ـ الإمام بلعرب (أبو العرب) بن سلطان

بويع بالإمامة أثر وفاة والده ، و قد كان همه الاستقرار الداخلي و نشر العلم في البلاد ، دفعه إلى ذلك وصول عالم مغربي هو الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي ، فنصح الإمام بفتح المدارس و تشجيع مجالس العلم ، فاندفع الإمام إلى ذلك بحيث أنه كان يزور الطلبة و يتفقد دراساتهم و يقدم الهدايا ، كما خصص لهم رواتب ، و قد بنى حصن جبرين على أطلال برج قديم و يقع في بهلا و فتح به مدرسة كبرى كان الطلبة يتلقون فيها دراساتهم العالية في الديانة و اللغة و الأدب. و أشهر الطلبة الذين تخرجوا في الأدب من هذا المعهد راشد بن خميس الحبسي و خلف بن سنان الغافري و سعيد بن محمد بن عبيدان. و حصن جبرين هو ثالث بناية يشيدها اليعاربة و بني بطريقة هندسية بارعة بحيث لو دخله غريب ما عـرف طريق الصـعود إلى أعلاه ، و قد نقشـت جـدرانه بزخارف منوعة ، وصفه أحد مشاهديه علي بن ناصر الريامي فقال: "إن نظرت إلى سـقفه قلت أنها خير من صنعة جدره ، و أن رأيت جدره قلت ههنا الصنائع العجيبة ، و فيه من النقوشات و التصاوير ما لا يحصى و لا يوصف ، و مكتوب فيه آيات من القرآن ، و يرى في بطن مشاكيه و في بطن الجدر سفتج (أي نفق) يدور في الجدار ما دار (أي حول) الحصن". و القول هذا على إيجازه دليل على معرفة العمانيين لفن العمارة و الهندسة ، و قد أدخل إليه نبع خاص ليكفل الماء عند الحصر. و قد سما الشعب الإمام أبا العرب لما عرف عنه من حسن خلق و حب للإصلاح.

غير أن الإمام بلعرب واجهته المشاكل من ناحية أخيه سيف الذي أخذ يدعو إلى خلعه و عدم صلاحيته للحكم ، و وجد كثيرا من المؤيدين و بالأخص في مدينة نزوى ، و لم تورد المصادر التاريخية أي سبب لذلك ، بل أن القارئ يفاجأ بهذا الخلاف و هو يتتبع عهد البناء و الإستقرار الذي إتسمت به فترة حكم بلعرب ، و إذا كان لي رأي أبديه حول الخلاف بين الأخوين هو أن نقل العاصمة من نزوى إلى جبرين هو سبب التأييد الذي حصل عليه سيف ، فإن بلعرب حالما أحس بالشقاق إتجه إلى نزوى و لكن أهلها منعوه من دخولها و صمدوا له ، فإضطر إلى الرجوع إلى جبرين ، و الظاهر أن بلعرب كان شخصا مسالما يكره الحرب ، فالباحث يستغرب أن يرتد عن نزوى و هو الإمام القوي ثم يفتح المجال لأخيه أن يسيطر على كل المدن و يبقى هو بحصنه في جبرين ، و لا أستبعد أن يكون الحال كثورة بغداد على المأمون عندما إختار مرة عاصمة له ، و كان سيف شخصية قوية بحيث إستطاع أن يرهب أعيان البلاد و يرغمهم على تأييده ، كما إستطاع أن يكسب تأييد كل المقاطعات عدا مدينة جبرين أو (يبرين) ، فإتجه إليها و أخذ يقصفها بالمدافع و أخوه الإمام صابر في حصنه ، و لكن الله إختار بلعرب فتوفى فجأة ، و أقبل رجال الحصـن إلى سـيف ينبئونه بوفاة أخيه فإتهمهم بقتله ، و لكنهم أقسـموا و طلبوا من سيف أن يفحص جثة الإمام ليتأكد من عدم وجود أثر يدل على ذلك ، فذهب سيف إلى الحصن و غسل أخاه و كفنه و دفنه داخل الحصن و ذلك عام 1104 هـ بعد أن حكم ثلاثة عشر عاما.

و كانت في جبرين إمرأة عالمة تسمى الشيخة بنت راشد ، وقفت في وجه سيف تحذره من عدم ممارسته سلطة الإمامة ، و الغريب أن سيف الذي قاوم أخاه و أجبر كل من خالفه على الإعتراف بإماميته عجز عن الوقوف في وجه هذه المرأة ، فذهب إليها يجادلها في ذلك ، و لكنها أصرت و جمعت علماء جبرين ، وكاد علماء الدين خاصة أن يرجعوا عن مبايعة سيف بل أنهم أعلنوا أن إنتخابه السابق باطل و لابد من إنتخاب إمام جديد.

و أخذت بنت راشد على عهدتها مهمة حل المشكلة ، فدعت العلماء و الأعيان الذين إجتمعوا في جبرين و شاورتهم في الأمر بعد أن تركت سيفا يتخلى عن الإمامة يومين ثم دعته إلى مجلس العلماء و عقد عليه المجتمعون الإمامة من جديد.

و لم يكن لسيف أن يتقبل هذا الإنتظار بعد أن حاصر أخاه و إحتل بعض الحصون بالقوة ، و لكن قوة العقيدة في أنه يجب أن يعقد له عقد الإمامة و أن لا يخرج عن رأي الجمهور جعله يتخلى وقتا قصيرا ريثما يتم حوله إتفاق و هذا ما حدث.

و المؤرخ ينظر إلى هذه الفترة و قد ملأ عينه بأحداث الماضي التي حرمت البلاد من الإستقرار ، فيرى حكم بلعرب واحة يستظل بها نشء الجهاد ضد المستعمر البرتغالي ، فيتعلمون و يزرعون و يبنون ، و أعتقد أنه لو إمتد حكم بلعرب لشهدت عمان نهضة علمية كبيرة ، و لكن مجيء سيف جعلهم حملة رسالة النور إلى أفريقية و حرمهم من التمتع بالإستقلال البناء في أرض الوطن.

9 ـ الإمام سيف بن سلطان (قيد الأرض)

دانت عمان جميعها لسيف و صحت إمامته لدى الجميع ، و كأنما كان يهدف إلى تخطيط موضوع سعى إلى الإمامة من أجله ، فهو مدرك أن الأعداء يحيطون به ، و هم لن يتركوا عمان تعيش في هدوئها و طمأنينتها التي أرادها أخوه بلعرب ما لم تكن حصينة الجانب تجابه الأعداء بمثل سلاحهم و تحمي حدودها بقوة و منعة ، فكان الهولنديون في بندر عباس و لنجة يتربصون بعمان ، و لم يكن الفرس أقل منهم رغبة في ذلك ، و كان البرتغال في الهند يرقبون الفرصة السانحة للإنتقام عن هزيمة مسقط و للعودة إلى الخليج العربي تتهادى فيه سفنهم سيدة مطاعة ، و كان الإنكليز ممثلين في شركة الهند الشرقية ببومبي و في مصنع الأسلحة في بندر عباس يرقبون الوضع كالثعلب المستضعف في جحره ، و عمان بين هؤلاء الأعداء جميعهم تعيش بشعب قليل العدد نسبة إلى أعدائه ، و ليس من ملجأ لهم للمناصرة إلا الدولة العثمانية التي أهملت هذا الجانب بعد هزائمها مع البرتغال ، فوجد الإمام أن عليه واجبا كبيرا و أن المهمة شاقة. و أن التعليم الذي إختطه بلعرب و الإصلاح الداخلي الذي بدأه لا يزدهر إلا إذا سدت الثغرات و قطع دابر العدو. و وجد أيضا أن حدود عمان البحرية مكشوفة لا يحفظها إلا إسطول كبير ، فصمم على بناء سفن ضخمة تنافس سفن البرتغال و يقابل به قراصنة الإنكليز الذين سلبوا إحدى سفنه في البحر الأحمر بقيادة القرصان أفوري.

إعتمد الإمام في بناء سفنه على الهنود في سورت و أهل ديكار ، و إشترط أن تحمل السفن الكبرى سبعين مدفعا ، و أن لا يقل ما تحمله أصغر سفينة من المدافع عن عشرين مدفعا.

و قد أطلق الإمام على كل من هذه السفن أسماء ، و كان أكبرالسفن الملك و الفلك و كعب الراس و الناصري و الوافي ، و قد زودت بالمدافع كما ذكرت طول المدفع 300 شبر و عرض قاعدته ثلاثة أذرع و علو المركب سبع قامات (14 متر) غير القل (السارية) ، و قد جمعها الشاعر محمد بن صالح المنتفقي الذي كان يسكن رأس الخيمة في مرثاته للإمام سيف:

الملك ثم الفلك ثم الناصـري *** مع كعب الراس كالجبال الراسية

و قد كان يعزز هذا الأسطول جيش بري من الفرسان و المشاة بلغ عدد فرسانه تسعين ألفا ، و صف ذلك الشاعر راشد بن خميس الحبسي في قصيدة له:


أن تسألني عن الخيل التي ملكت *** يداه سلني فإني عارف فهم
تسعون ألف حصان من كرائمها *** غير الرماك فما في قولنا وهم
فالكمت منهن و الشقر الكرام و منها *** الشهب و البلق و الغربيبة الدهم
كريمة عودت أمر الحـرب فـما *** يغبي عليهن إلا النطق و الكلم

و بعد أن أنهى الإمام سيف إستعداده إتجه إلى مطاردة البرتغال في الهند و أفريقية الشرقية ، فأرسل إسطوله إلى جوا غرب الهند و إحتل ميناء دامان ، ثم دخل سلسيت و عاد الإسطول بألف و أربعمائة أسير برتغالي ، و لكن البرتغال لم يمتنعوا عن الكيد للقوة العربية ، فأرسل الإمام إلى مراكزهم في بارسالور و ماتعالور بالهند إسطولا عام 1695 م قصف المينائين و عاد بعد حملته التأديبية هذه ، و لكن البرتغال لم يكفوا عن مكائدهم فقد علم الإمام أنهم يحاولون الهجوم على مسقط بالتحالف مع الفرس في بندر عباس و ذلك عام 1696 م ، فأرسل حملة لتدمير مصنع ماتعالور فنجحت في ذلك و قضيت على كل نشاط للبرتغال في هذه المدينة ، و أنذر الإمام بعد ذلك هولندا و البرتغال و الإنكليز أنه مستعد لتأديب كل دولة أوروبية تتفق ضده مع الفرس ، و قد أبلغه الإنكليز عن مسالمتهم في حين كان البرتغال يتلقون الضربات ، أما الهولنديون فقد قنعوا بمراكزهم في بندر عباس و التستر بالفرس.

صمم الإمام أن يضرب البرتغال في مستعمراتهم بأفريقية الشرقية ليقضي على قواهم و لينتقم للعمانيين عن الجرائم التي إقترفها البوكرك أثناء دخوله شواطئ عمان. تحرك إسطول الامام إلى ممباسة و هي ميناء كينيا – بلاد جوموكينياتا - فحاصرها مدة سنتين ثم سلمت حاميتها و دخل العرب أول ثغرة في شرقي أفريقية لينشئوا فيه نفوذا عربيا شاء الله له أن يصل إلى تلك الزوايا المظلمة من القارة الأفريقية في عهد ضعفت فيه كل العرب بمراكز قوتهم و أصبحوا أمة يستعمرها العثمانيون ، و لم يكتف قائد الإسطول بإحتلال ممباسا بل إتجه جنوبا ، فإحتل زنجبار و بيمبا و بته و كيلوا ، و قد إستقبله الأهالي إستقبال المنقذ من إستعمار البرتغال ، و عين الإمام لهذه المنطقة حاكما من قبله هو الشيخ ناصر بن عبدالله المزروعي ، و ترتب على ذلك أن هاجر كثير من عرب عمان إلى هذه السواحل و نشروا بها الدين الإسلامي الحنيف و أدخلوا عليها الطابع العربي.

بعد أن إستتب الأمر للإمام في شرقي أفريقية عادت بعض قطع الإسطول إلى مسقط ، فقرر قيد الأرض - و هذا لقب الامام بعد إنتصاره في أفريقية – أن يؤدب البرتغال و يقطع مؤامراتهم مع الفرس ، ففي عام 1699 م أرسل قطعا إلى سلسيت و أنزلوا قواتهم في برسونا ، فهرب البرتغال إلى بومبي طالبين مساعدة الإنكليز ، و لكن هؤلاء آثروا عدم التدخل مظهرين للإمام الصداقة و إكتفاءهم بملاحظة شؤونهم التجارية "ليس غير". و يذكر مايلز و هو مؤلف كتاب " قبائل و تاريخ الخليج العربي" واصفا عمان بعد إنتصارها في أفريقية الشرقية و الهند ما نصه: (في بداية القرن الثامن عشر كان الأسطول العماني سيد المحيط الهندي جميعه ، فمنذ أن طردوا البرتغال أصبح البحر العربي يدار من قبلهم ، و ما كان بإستطاعة أي سفينة أن تتحداهم فيه ، و قد تأذى البرتغال و الفرس خاصة مما وجهه العرب على تجارتهم من عرقلة أتت من تملكهم بجرأة للمحيط جميعه).

و نتيجة لظهور هذه القوة العربية في المنطقة إتصل ملك الفرس بالإنكليز عارضا عليهم عقد حلف بينه و بينهم ، كما أرسل مندوب منه إلى هولندا للإتفاق على مقاومة الإمام ، و أخبره أن هذا الإتفاق سيكون بمشاركة الإنكليز في القضاء على قوة العرب ، و أنه سيقوم بإرسال مندوب إلى إنكلترا ، على أن هذا التحالف لم يكتب له التوفيق نتيجة للتنافس بين الإنكليز و الهولنديين لإحتواء المنطقة و لنشوب الحرب في أوروبا ، كما أن الأسطول الإنكليزي سيقوم بدور المراقب المساند ، و نتيجة لذلك إمتنع الشاه عن إرسال رسوله (ميرزا ناصر) و قنع بإتفاقه مع الطرفين و إحتمائه بالهولنديين في بندر عباس جهرا و بالإنكليز سرا.

و لكن الإمام علم بهذه الإتصالات فأخذ يضايق الإنكليز خاصة في سفنهم بالخليج و المحيط ، فأخذ أسطوله يوقف السفن الإنكليزية و قبض على بعضها كسفينة الكابتن موريس التى صودرت و أقتيدت مع بحارتها و ربانها الى مسقط ، و كسفينة الكابتن مورفيل التي حاصرها العرب على مياه كلكتة و إقتادوها إلى مسقط مع مبلغ كبير من المال ، و أصروا على عدم إعادتها إلى شركة الهند الشرقية ، فلم يسع حاكم بومبي إلا السكوت و إنتظار إنتهاء الحرب في أوروبا ليقوم مع حليفيه إيران و هولندا لمحاربة إمامة عمان.

و بجانب هذه المنعة الخارجية للإمام سيف فإنه لم يهمل البلاد داخليا ، فكانت الحالة الإقتصادية في أوجها ، فتطورت تجارة عمان في عهده و إمتدت إلى سواحل الهند و مجاهل أفريقية و شواطئ البحر الأحمر و الخليج العربي ، و قد أجرى في عمان الينابيع ، فبلغ عدد ما شقه من ينابيع سبعة عشر ينبوعا (أو ما يسمى في عمان فلجا) أشهرها المسفاة بالرستاق و الحزم بمدينة الحزم و الصائفي و فلج الهوب و أفلاج جعلان ، و إهتم بالزراعة فجلب أشجار النارجيل (جوز الهند) من زنجبار ، و غرس في مدينة بركاء ثلاثين ألف نخلة ، و عمر مدينة المصنعة ، كما أنه عمر مدينة مسقط فزادت رقعتها في عهده ، و قد أشار ذلك تاجر إنكليزي إسمه لوكر جاء الى مسقط عام 1705 م فقال: ( أن العرب حسنوا حالة المدينة ، و حصنوا قلاعها بعد إستعادتها ، و كانوا مصدر الرعب لتجار الهند ، و كانت أوسع سفنهم تحمل سبعين مدفعا و ما بها واحدة تقل عن عشرين). و كانت الخزانة في عهده غنية بالذهب و الفضة و ذلك دليل على حيوية الإقتصاد رغم ما خاضه من معارك.

و توفى الإمام سيف عام 1123 هـ لثلاث ليال خلت من شهر رمضان بعد أن حكم تسعة عشر عاما ، و ذلك إستنادا إلى مرثاة الشاعر العراقي محمد بن صالح المنتفقي الذي كان يسكن بالصير في رأس الخيمة:

في الليلة الغرا و ثالث شهرنا *** رمضان غابت شمسه المتلالية
و من السنين ثلاث مع عشرين من *** بعد إنقضاء الألف يعفوها مايه

10 ـ الإمام سلطان بن سيف بن سلطان

عقد له بالإمامة بعد وفاة أبيه بعد أن إجتمع جماعة من أعيان البلاد منهم ناصر بن خميس و ناصر بن سليمان و سليمان بن محمد و سعيد بن بشير الصبحي و عدي بن سليمان.

تولى الحكم و البرتغال في وجل من الأسطول العماني ، و الإنكليز يتربصون في بومبي ، و الهولنديون يشدون أزر شاه إيران ، و الفرس أنفسهم يترقبون الفرصة للتخلص من كابوس عرب عمان ، و لذلك نجد الإمام سلطان يتجه إلى إيران خاصة و يعتبرها وكر المؤامرة ضد عمان ، فأرسل إسطولا كبيرا لإسترجاع البحرين و طرد الفرس منها ، و كان أبو الإمام سيف قد ضم هذه الجزائر إلى شقيقتها عمان ، و لكن الفرس إنتهزوا إنشغاله بمحاربة البرتغال في شرق أفريقية فإغتصبوها ، و سار الأسطول على ثبج البحر العربي تتقدمه بارجة تحمل 74 مدفعا و سفينتان تحمل كل منهما 60 مدفعا و سفينة بها 50 مدفعا و 18 سفينة يتراوح عدد المدافع فيها بين 32 و 12 مدفعا و زوارق جهزت بمدافع صغيرة ، فإحتل هذا الإسطول و هو في طريقه إلى البحرين القسم و لاك و هرمز ، و عندما وصل البحرين إشتبك مع الفرس في معركة ضارية تمكن خلالها من النزول إلى البر ، و هنالك دارت معركة كبيرة بين الفريقين ساعد العمانيين إخوانهم أبناء البلاد ، فإنهزم العجم شر هزيمة و رحلوا من تلك البقعة العربية من الوطن الكبير ، و يصف لنا الشاعر راشد بن خميس الحبسي معركة البحرين فيقول:

ألا فانظروا كيف الأعاجم صـاروا غدوا شجرات ما لهن قرار
طغوا و بغوا في الأرض حتى أصابهم عقاب أليم مهلك و بتـار
فـحلت بهم من مالك الأمر نقـمة و سوء عذاب دائم و دمار
و قد ضـربت أعـناقهم بمـناصل كما خربت دور لهم و ديار
فصـاروا بها رغـم الأنوف كأنهم سماجح وحش عافهن عشار
و ليلة سـعد مـزق الليث ثـوبها كأن دجاها بالسيوف نهـار
تزاحمـت الأبـطال فيـها كأنما بها القوم سفن و الدماء بحار
فما زالت البحرين في ملك سـيد كـريم زكا فرع له و نجـار

و قد أمر الإمام ببناء قلعة بالبحرين ، و مازالت أطلالها قائمة حتى اليوم في عراد ، و مازال أحد مدافعه موجودا بها.

و قد إشتبك إسطول الإمام مع البرتغال في معارك عديدة ، فتمكن من حرق مصنع لهم في كنج ، و كبح كبرياء دوم لوير دي فريس الحاكم البرتغالي في جوا بالهند عندما أمر قائد أسطوله دوم لو بودا ألميدا بعرقلة سير الأسطول العماني ، فكان جواب الإمام بقصف الديو و الدامان و ذلك عـام 1716 م.

و عاشت عمان في عهده بأمان و رفاه و إطمئنان ، و قد بنى مدينة سماها الحزم و إتخذها عاصمة له.

توفى الإمام سلطان بن سيف في اليوم الخامس من جمادى الآخرة عام 1131 هـ ، و بوفاته ينتهي ذلك التاريخ المشرق لعمان ، و ينتهي عهد المجد و الرخاء الذي شاده أئمة اليعاربة ، فها نحن نواجه حروبا و إستعانة بالأجنبي و زوال تلك الامبراطورية.

11 ـ الإمام مهنا بن سلطان

بعد وفاة الإمام سلطان بن سيف الثاني تعرضت هذه الدولة القوية على شواطئ الخليج العربي و مهامة المحيط الهندي لخطر التفرقة و ما يقود إليه ذلك ، فقد أصر اليعاربة و سكان مدينة الرستاق على أن يخلف سيف بن سلطان أباه و هو ما يزال صبيا لم يبلغ الحلم ، في حين إجتمع غيرهم من أعيان البلاد على مبايعة المهنا أخيه يقودهم في ذلك القاضي عدي بن سليمان الذهلي.

و قد خرج أهالي الرستاق في مظاهرة كبيرة مصرين على إمامة سيف ، فقام بينهم عدي بن سليمان قائلا: ( أمامكم سيف بن سلطان أي قدامكم) رغبة منه في فل جموعهم ، فعاد هؤلاء يطلقون المدافع إستبشارا للصبي الصغير في حين أدخل عدي الإمام المهنا إلى حصن الرستاق و أعلن إمامته ، و أصر الأهالي على مبايعة سيف. و من هنا ترتب الخطأ ، فقد كان على عدي أن يصمد للجمع ، و أن يعلنها صراحة أن أمر الإمامة لا يقر في الرستاق فقط بل على أولي الأمر من كل مدينة أن يجتمعوا و ينظروا في إنتخاب إبن الإمام الراحل أو أحد إخوته أو أي فرد من الشعب كما ينص على ذلك نظام الإمامة ، فعليهم إن لا يقحموا أنفسهم و يفرضوا رأيهم و يعرضوا البلاد للخطر و الأعداء بها متربصون. فكان لجوء عدي إلى الخديعة و المجاملة سببا كبيرا فيما حصل من بعد ، فقد تفرقت الكلمة و تدهور أمر الدولة و أدى الحال الى أن يدخل العجم عمان ، و كانوا يستعينون بالإنكليز و الهولنديين و البرتغال ليحموهم من عرب عمان.

و إلى القارئ الكريم الصفحات السوداء من تاريخ فترة حكم اليعاربة بعمان بعد ذلك الإشراق الوهاج و الصرح الشامخ بالعزة و المجد.

بويع الإمام المهنا أزاء حنق أهل الرستاق و إصرارهم على أخيه الصغير سيف ، و قد كان العام الأول من حكمه عام إستقرار حمد الناس فيه سياسته الرشيدة ، فإزدهرت التجارة و إنخفضت الأسعار ، و لكن حزب سيف إستمر في إستعداده و إحتيال الفرصة للإنتفاضة ، فوجد يعرب بن بلعرب بن سلطان إستعدادا للثورة ، فما أن وجد له بعض الإنصار في مسقط حتى أعلن الثورة على الإمام المهنا و أخرج منها الوالي مسعود بن رمضان الصارمي ، و عندما علم الإمام بالخبر عاد من جولته بالظاهرة مسرعا إلى الرستاق ، و لكن أهاليها حاصروا مقر الإمامة و أعلنوا إنضمامهم إلى يعرب ، و قدم هذا إلى المدينة فإستقبل إستقبالا حارا في حين لم يجد الإمام المهنا من يسانده ، و بعد طول حصار سلم الأمر على أن يكون له الأمان ، و لكن يعرب خان عهده ، فقيد و عذب المهنا و من كان معه ، ثم أوعز يعرب إلى بعض خدمه أن يهجموا على المهنا في سجنه و يقتلوه هو و من معه ، فكان ذلك بادرة الدم و لسان الشر و شرارة الفتنة.

أعلن يعرب بعد ذلك إمامة سيف بن سلطان ، و أعلن نفسه قائما مقام الإمام الصغير فدانت له عمان جميعها عام 1133 هـ الموافق عام 1721 م.

و عاد عدي بن سليمان يلعب دور الضعف من جديد مسلما بالأمر الواقع فإستتاب يعرب عن قتله الإمام المهنا و خروجه عليه ، و عقد له الإمامة عام 1134 هـ ، و قد غاب عن بال القاضي أن الحركة تقوم على أساس إمامة سيف و أنها لا تقاوم بالحلول الوسط بل إعلان الرأي الصريح ، فكان عليه و هو يضع نفسه موضع القائد أن يعلنها صريحة عند محاصرة المهنا أو بعد التغلب عليه و يتمسك بنظام الإمامة لا أن يترك للخارج على الإمام قطف الثمار ، و لذلك نرى الثورة تقوم من جديد ، و يهب أهل الرستاق مرة ثانية مطالبين بالإمامة لسيف ، فوجدوا يعرب آخر و هو بلعرب بن ناصر خال المؤمم الصغير و كان يقيم بنزوى مع يعرب ، فخرج منها في السادس من شهر شوال عام 1134 هـ و إتجه إلى بلاد سيت و هنالك أيده بنو هناه و عاهدهم على "أن يطلق لهم ما حجره الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله من البناء و حمل السلاح" ، و إتجه معهم إلى الرستاق فأعلنوا منها الحرب و حاصروا والي يعرب و أشعلوا النار في القلعة التي كان الوالي متحصنا بها ، فسبب ذلك وقوع حريق كبير ذهب ضحيته مائة و خمسون رجلا و كلف كثير من الكتب التاريخية و الدينية و اللغوية. و عندما علم يعرب بذلك أرسل جيشا بقيادة صالح بن محمد السليمي فوصل إلى العوابي و أحجم عن الوصول إلى الرستاق.

و الغريب إننا نجد الإتفاق للمرة الثانية بين مسقط و الرستاق ، فقد أيد والي مسقط حمير بن منير بن سليمان الريامي الثائر الجديد بلعرب بن ناصر و إنضم إليه و زحف على نخل و إحتلها بإسمه ، و ذهب قسم من جيشه بقيادة مالك بن سيف بن ماجد اليعربي إلى سمائل فإحتلها ، ثم إتجه الجيش إلى إزكي فإحتلها أيضا ، و على أثر ذلك خرج يعرب من نزوى و معه قاضيه عدي بن سليمان و دخل إزكي فإستقبله أهلها بالاكرام ، و طالب مالك بن سيف أن يترك حصن المدينة فأبى مالك ذلك و نشبت الحرب بين الفريقين ، و في اليوم الثاني من القتال جاءت النجدة لمالك من بني هناه و من أهالي الرستاق فتفرقت جيوش يعرب و عاد من إزكي إلى نزوى.

و مرة ثالثة يعود القاضي عدي بن سليمان إلى مجاملته فترك جيش يعرب و ذهب إلى الرستاق حيث يتمركز الثائرون ، و لم نجد ما يوضح سبب ذهابه أكان لنصحهم بعدم التفرقة أو لتدبير أمر نفسه و إن كان السبب الثاني هو أقرب إلى القبول ، إذ أن الظرف لم يكن مناسبا لأن يذهب مثله إلى الرستاق ، و مهما كان الأمر فقد قبض عليه الرستاقيون فصلبوه و القاضي سليمان بن خلفان ، ثم قتلا و سحبت جثتيهما في شوارع المدينة في اليوم التاسع من ذي الحجة.

أما جيش الثائرين فقد إتجه إلى العاصمة نزوى و حاصر جيش يعرب و أجبره على التسليم ، و وافقوه على الذهاب الى مدينة جبرين و الإقامة هناك على أن لا يسيئوا إليه ، و أعلن الثوار بقيادة زعيمهم علي بن محمد العنبوري (صاحب العنبور) من نزوى إمامة سيف بن سلطان.

إستقرت الحال لمدة شهرين إستجمعت البلاد خلالهما شيئا من الراحة و تنفست الصعداء بعد تلك الفتنة ، و لكن تلك الفترة في الواقع لم تكن إلا إستراحة المستجم و هرولة العداء ، فكان لطيش بلعرب بن ناصر (الوصي على سيف بن سلطان) فعل الشرارة في جو مشحون بالبارود. فقد دخل محمد بن ناصر بن عامر بن رمثة العطابي الشكيلي الغافري و هو من قادة القبائل المعروفين على بلعرب مهنئا و عارضا ولاءه ، و بدلا من أن يستقبله بحلم الحاكم تنكر له ، فأهانه بالتهديد و التعنيف و خرج محمد مغضبا و أزمع على الكيد لبلعرب ، فبدأ بمكاتبة يعرب (الإمام المخلوع) و أهل مدينة بهلا ثم رحل إلى الظاهرة ليتصل ببدوها و هنالك حالفته قبائلها.

تمكن محمد بن ناصر من إقناع يعرب بن بلعرب بالعودة إلى المطالبة بالإمامة و من جمع كثير من القبائل حوله ، في حين تمكن بلعرب بن ناصر (الوصي على سيف بن سلطان) من جمع عدد من القبائل أيضا و في طليعتهم بنو هناه ، فنشأ بذلك حزبان ، حزب محمد بن ناصر و سمي بالغافرية و حزب وصي الإمام و سمي بالهناوية ، و رئيس هؤلاء خلف بن مبارك الهنائي. و بذلك أصبحت عمان تعيش في ظل هذين الحزبين ، و إستمرت على ذلك ، و ما تزال قبائلها حتى اليوم مقسمة إلى "هناوي" و "غافري" ، و هي شبيهة "بعدنان" و "قحطان" عند أجدادهم العرب ، و لكن تختلف عن القديم بأنك تجد في حزب الغافرية مثلا قبائل قحطانية و عدنانية ، و هي كذلك في حزب الهناوية.

و من أشهر قبائل حزب الغافرية اليوم بنو ريام حيث يتزعم شيخ النبهانة رئاسة الحزب ، أما الهناويون فيترأس حزبهم شيخ قبيلة الحرث ، و يحسن أن نشير أن الظروف التي مرت بعمان بعد الحرب العالمية الثانية و حرب الجبل الأخضر قد آخت بين الحزبين و جمعتهما على الخير و الشر ، و جعلتهما يتناسيان الحزازات القبلية.

12 ـ و لنعد إلى الصفحة السوداء من تاريخ اليعاربة

هجم يعرب بن بلعرب على نزوى في حين كان وصي الإمام بالرستاق ، و تمكن من إحتلال قلعتها و تبع ذلك إشتباكات بين أنصار القطبين في مدن إزكي و بهلا و منح ، و أقبلت قبائل المقاطعة الشرقية تؤيد الوصي ، و جرت المعركة الكبرى بإزكي إنتصر فيها حزب الوصي ، و بعد ذلك دارت معركة كبرى على أسوار نزوى قتل فيها قائد جيش الوصي مالك بن ناصر ، و بينما كان بلعرب على وشك النصر اذ أقبل محمد بن ناصر بمدد من بدو الظاهرة فتمكن من اختراق جيش الوصي و دخل نزوى مؤيدا يعرب ، ثم إتجه إلى الرستاق ليضرب سيف بن سلطان في مكان منعته ، و على أبوابها دارت معركة كبيرة قتل فيها زعيم أنصار إمامة سيف بن سلطان علي بن محمد العنبوري. و بعد أن تأكد للغافرية النصر جاء الوصي طالبا مصالحة محمد بن ناصر غير أن هذا أمر بأن يقيد الوصي و إنشغل بإخضاع الحصون التي كانت مؤيدة للوصي و آخرها مسقط و بركا فنجح في إخضاعها و أقام بالرستاق.

بينما كان محمد بن ناصر يقطف ثمار إنتصاره ، كانت المنون تنشب أظفارها في عنق إمامة يعرب بن بلعرب ، فتوفى في نزوى و أخفي نبأ موته ، و في هذه الأثناء كانت الإمدادات تتواصل من البدو لمحمد بن ناصر من بني قتب و النعيم و بني كعب ، و وصله أيضا من رأس الخيمة مطر بن إرحمة الهولي في خمسة آلاف مقاتل ، و لكي يدرك القارئ المأساة التي أدى إليها هذا الإنقسام أذكر له أن أهل الرستاق قد تفرقوا في الجبال خوفا و هلعا بعد إنتصار محمد بن ناصر ، و قد وجد بأحد الكهوف في جبال الرستاق مائة جثة لأطفال و نساء هربوا جميعا من ويلات المعارك ، فماتوا هنالك جوعا و عطشا.

13 ـ شخصية جديدة

ظهرت الآن شخصية جديدة كان لها أثرها في هذه المعارك ، فقد كان خلف بن مبارك الهنائي المعروف بالقصير واليا على بركاء من قبل بلعرب بن ناصر الذي كان بمسـقط عند إحتلال الرسـتاق ، فأرسل محمد بن ناصر أحد رجاله (علي بن مبارك الحراصي) لقبض بركا ، و لكن خلف عاد مسرعا و تمكن من إلقاء القبض على الحراصي و قتله.

غضب الغافري لذلك فزحف في جيش كبير إلى بركا ، و من قادته إرحمة بن مطر في كتيبة من أهالي رأس الخيمة و حمد بن حماد القليبي و راشد بن عبدالله الكعبي و أحمد بن راشد الغافري و عدي بن سليمان الذهلي و محمد بن ناصر الحراصي فعسكر الجيش في المصنعة . و بدأ الإشتباك مع قزع الدرمكي أحد أنصار خلف و من أعداء إرحمة بن مطر فقتل قزع و إنهزم صحبه ، ثم إتجه إرحمة إلى بركا ، فدخل الحفري إحدى ضواحيها ، و تبعه جيش الغافري ، و دارت معركة كبيرة بين الفريقين إنسحب خلالها خلف إلى الحصن ، و دخل أعداؤه المدينة ، كما حاصروا مدينة السيب و قطعوا طريق الهرب على خلف بأن حاصروا المنافذ إلى السيب و بوشر ، و لكن خلف خرج بحرا إلى مسقط. و عندما طال حصار الغافري و صحبه لحصني بركا و السيب دون جدوى مدة أربعة أشهر عاد إلى الرستاق حيث أصيب بالجدري ، و بعد أن عوفي خرج إلى الظاهرة تاركا حصن الرستاق في يد محمد بن ناصر الحراصي يناصره الجيش القادم من بهلا ، و إصطحب الغافري معه سيف بن سلطان و إستقر بمدينة مقنيات على مشارف الظاهرة و منها دعا القبائل لمقابلته ، فإجتمع منهم اثنا عشر ألفا و استجابت له قبيلة بني ياس ، ثم إتجه بالجميع إلى ينقل و إقتتل مع قبيلة بني بو علي ، و خسرت هذه القبيلة رئيسها سليمان بن سالم و خسر الغافري من كبار رجاله سالم بن زياد و سيف بن ناصر الشكيلي و محمد بن ناصر القيوضي ، و قد اضطرت قبيلة بني بو علي إلى التسليم بعد معارك حامية أدت إلى إستسلام السليف و تنعم و صالحته أيضا قبيلة المناذرة.

و بينما كان محمد بن ناصر مشغولا بحروب الظاهرة كان خصمه خلف يجمع عدته للإنتقام ، فهجم على الرستاق و دخلها بعد قتال شديد ، و واصل سيره إلى مدينة نخل فدخلها و طرد منها جاعد بن مرشد والي الغافري ، و دخل حليفه سباع العموري مدينة صحار و إتجه إلى الحزم ، و لكن واليها عمر بن مسعود الغافري قاوم بثبات بحيث إستطاع أن يشغل جيش خلف بمحاصرته ليعود محمد بن ناصر الغافري ثانية إلى الرستاق فيحتلها ، و إتجه منها إلى الحزم و أحاط بجيش خلف ، فتفرق الجيش و إختبأ خلف ثانية عند أحد أصدقاءه.

إتجه الغافري الآن إلى مركز بني هناه و هي مدينة بلاد سيت ، فطلب منهم المواجهة فرفضوا ، و جرى بينهم إشتباك قتل فيه كثير من رجال بني هناه ، ثم هجم الغافري على العارض و الغمر ، و عاد بعد ذلك إلى نزوى و أجبر أهل منح على طاعته و ذهب مرة ثانية إلى الظاهرة.

ظهر خلف الآن من جديد ، فهجم على نخل إنتقاما من أهلها لأنهم أخرجوا واليه و ساعدته قبيلة المعاول في ذلك.

وجد بني هناه أن الغافري تعقبهم ، و أن لابد لهم من تحالف مع إحدى القبائل ، فخرج سعيد بن جويد من الغافات إلى ينقل ليكسـب ود بني بو علي ، و إجتمعت القبائل اليمانية على محاربة الغافري ، و إلتقى الفريقان عند الغافات ، و دارت بينهم معركة كبيرة قتل فيها سعيد بن جويد و شدد الحصار على الغافات ، فصبر أهلها على الضر منتظرين نجدة خلف لهم ، و عندما أيسوا من ذلك صالحوا قائد الغافري مبارك بن سعيد ، و بعد هذا جاء دور المنطقة الشرقية التي لجأ إليها خلف و دارت بين قبائلها و بين الغافري معارك كبيرة أدت إلى إنتصار الغافري ، أما خلف فقد إتجه برا مستنجدا بقبيلة الحرث ، و لكن خصمه تبعه و أجبر الحرث على عدم إيوائه ، فذهب خلف إلى مسقط في حين ذهب الغافري إلى نزوى.

و في نزوى جمع رؤساء القبائل و طلب منهم أن يعذروه من تولي الأمر ، و أن يعينوا أحدا مكانه ليقوم كوصي على سيف بن سلطان ، الذي أمر أهل الرستاق أن يبقى إماما. و لكن الشيخ عبدالله بن محمد بن بشير بن مداد وجد أن الغافري هو الشخصية القوية بعمان ، و أن الإمامة يجب أن تكون له بعد ما مد نفوذه بكل أنحاء البلاد ، فأعلنت إمامته ليلة السبت في السابع من محرم عام 1137 هـ الموافق 1725 م ، و قيل أنه أكره الناس على بيعته ، و أرى ذلك صحيحا خاصة و أنه تجوز المبايعة بالإمامة لمن لا يكون أهلا لها إذا وجد أن في مبايعته دفعا لعدو ، و أن غيره لا يقوم مقامه و قد خاض حروبا داخلية عديدة.

و جدير بنا أن لا ننسى خلف بن مبارك الهنائي ، فما زال مرابطا بمسقط يتحين الفرص ليثور ضد خصمه ، و كان محتفظا بمراكزه في مسقط و مطرح و بركا و صحار و بلدان المعاول ، و كان محمد بن ناصر قد تمكن من الإستيلاء على صحار ، و خشي خلف بن مبارك أن يتسع نفوذه ، فلجأ إلى حيلة للتفريق بين أنصار الغافري ، حيث أوعز إلى أحد أهالي صحار بأن يدعي أن قوما من جند الغافري قد عاثوا بزرعه ، فحاول الغافري أن يعوضه عنه بدراهم ، فرفض إلا أن ينصف له ممن ظلموه ، و أنهم بذلك قبائل بني ياس و النعيم ( و القبيلة الأولى تحكم أبوظبي و دبي الآن و الثانية تحكم عجمان).

أرسل الغافري إلى شيوخ القبيلتين فصلبهم (أي و بخهم بقوة) ، ثم أمر بجلدهم و هم يذكرونه بما أدوه له من خدمات ، و لكن محمدا عرفت عنه الشدة فيما يتعلق بحقوق الناس. و بعد هذه الحادثة قررت القبيلتان و حلفائهما الإنفصال عن الغافري ، فخرجوا ليلا و بذلك خسر الجيش اللجب منهم.

و في صباح ذلك اليوم فاجأه غريمه خلف بهجوم عنيف ، و خرج الغافري ينازل خصمه فإصابته رصاصة أودت بحياته ، كما قتل خلف أيضا ، و بذلك لقي الغريمان مصرعهما في معركة حقيقة لا تقاس بما تقدمها من معارك.

و لم تنته أيها القارئ تلك الحال التي إعتورت عمان و شوهت تاريخها بعدما سطر اليعاربة بحروف من ذهب تاريخ مقاومتها للإستعمار الغربي ، أجل لم تنته هذه الحال ، فها نحن نجد يعربيا يسـتعين بالعجم ، و نجد عمان تعاني وطأة الإحتلال من جديد.

14ـ سيف بن سلطان كبيرا


كان سيف بن سلطان اليعربي يلازم محمد بن ناصر في كل تنقلاته ، و قد دخل حصن صحار بعد مقتل الغريمين ، ثم إتجه إلى معقل قوته الرستاق ، و إتجه منها إلى نزوى حيث بويع بالإمامة ، و عقد عليه ذلك الشيخ ناصر بن سليمان بن مداد الناعبي يوم الجمعة في أول رمضان عام 1140 هـ (1727 م) ، و عاد التنافس مرة ثانية بين بلعرب بن حمير اليعربي و الإمام الجديد ، و كان الأول بمدينة البزيلي في منطقة الظاهرة فبايعه أهل الظاهرة جميعا بالإمامة ، فإتجه إلى سمائل و طالب أهلها بالخضوع إليه فرفضوا ، و أخذ يحطم أشجارهم و يدمر ينابيعهم ، إلا أن سيف بن سلطان بعث أخاه بلعرب في جيش كبير لمساندة أهل سمائل ، و لكن بلعرب بن حمير تمكن من صده و الإستيلاء على المدينة ثم إتجه إلى بلاد سيت فإحتلها و منها إلى جبرين.

أدرك سـيف أن خصـمه قوي فقرر أن يعزز جيشـه ، و لكن الرأي أخـطأه إذ أنه إتجه إلى البلوش ، فأرسل مندوبا عنه إلى مكران لجلب جنود مرتزقة من البلوش ، و كان بلعرب قد وسع سلطته إلى مقاطعة الجو ، و على حدودها دارت معركة كبيرة إنهزم فيها سيف ، و لم يبق من جيش المرتزقة إلا القليل ، و عند هذا قرر سيف الإستعانة بالعجم ، و كانوا يترقبون ذلك فكيف يتركون الفرصة ، و إستقبل سيف مندوبهم في مدينة مسقط و إتفق معهم على إحضار الجيش الإيراني الذي وقف متربصا بأجداده عندما ظهرت قوتهم ، فأخرجوا المسـتعمر من بلادهم و طاردوه في كل مراكزه ، فكان حفيدهم لسوء الحظ صديق المتربص و حليف الحقود ليحارب بهم إبن عمه ، و يقتل بسلاحهم أبناء شعبه.

أقبل جيش العجم في سفنه و نزل خورفكان و منها واصل سيره إلى عمان الداخل ، و قد أثبت المؤرخ إبن رزيق وثيقة تعبر عن رأي الشعب العماني في ذلك و تحديه لهذا المؤمم الفاشل صغيرا كان أو كبيرا. فقد تلقى رسالة جاء فيها: (لقد صدرت أحاديث بإسناد عن أصحابنا بناحية الشمال فشق على المسلمين علينا و عليكم من يمين و شمال فقلوبهم لأجلها وجلة و أنفسهم منها معولة بأن بعض العجم وصلوا بمن معهم من سفهاء قومهم إلى فكان ، فزخرفت لهم نفوسهم ما زخرفت و زين الشيطان أعمالهم حتى هموا بما ينالوا) ... و تضيف الرسال: (فسبحان الله أنت نائم أم يقظان أم إستولى على قلبك الشيطان أم لك حجة على المسلمين أم سلطان ، أنى لك أن تتولى قوما غضب الله عليهم ، أجهلت أم علمت ففعلت بما حل منكم في جزيرة البحرين من قتل رجالهم و أخذ سفنهم قسرا و ما صنع بكبيرهم وأميرهم سلطان محراب و من معه من عجم و زعاب ، فبئس الرأي الذي رأيتم و الأمر الذي حاولتم و عليه عولتم ، فو الله لو كانت القلوب لها أبواب لوجدتم نيران العداوة و لظاها يخرج من خياشمهم).

علم بلعرب عن مجيء العجم و ملاقاة سيف المشؤوم لهم ، فخرج من نزوى في جيش كبير يزيد عددا و عدة كلما وصل إلى مدينة من عمان و هو في طريقه لمقابلة العدو ، فإلتقى بهم في السميني في الظاهرة ، و دارت حرب ضروس إنتصر فيها العجم ، فتوغلوا في عمان يتقدمهم حليفهم سيف ، و كانت المدن تقاوم و لكنهم سلكوا وسائل العنف فقد بلغ من قسوتهم أن ربطوا الأطفال في حبال و رموهم أحياء إلى قناطر المياه حيث يموتون صبرا ، و ذبحوا كثيرا من الأهالي و سبوا النساء حتى حملوهن سبايا إلى شيراز ، و يقدر بعض المؤرخين عدد من قتلوا من النساء و الأطفال في مدينة نزوى وحدها عشرة آلاف نفس.

حصل الآن تجمع شعبي من قبل الأهالي ، فلا ينكر أن العجم قوم دخلاء على الدار لا يعرفون طرقها و يصعب عليهم تموين أنفسهم بها ، فعمد العمانيون إلى الهجوم عليهم مدينة إثر مدينة كما حدث في بهلا بقيادة حمير بن منير ، و كما حدث في صحار اذ جاؤوا هاربين من مهاجمة العرب لهم مستجيرين بأحمد بن سعيد والي سيف بن سلطان في صحار ، فحجزهم هذا بالحصن و سجنهم ، فكان ذلك سبيلا لشهرته بين العمانيين ، و بعد هذه الهجمات إتخذ العجم رأس الخيمة مركزا لجيشهم و تركوا سيف بن سلطان يجالد نفسه.

و عندما وجد بلعرب بن حمير أن الخلاف بينه و سيف قد أدى إلى نتائج وخيمة إستقال من الإمامة مؤيدا ترك الحكم لسيف ، و قد أيد ذلك رؤساء القبائل و وجهاء البلاد ، أما علماء الدين الذين لهم السهم الأوفى في قضية الإمامة فلم يؤيدوا إعادة الإمامة لسيف و لكنهم نزلوا على حكم الأغلبية إتقاء للشر و صد العجم الذين تعهد سيف الآن بمقاومتهم و ندم على فعلته بإحضارهم ، و لا شك أنه لم يصل إلى هذا الرأي بدافع الغيرة ، و لكن العجم لم يقيموا له وزنا و سيطروا على الظاهرة و مسقط و مطرح و سائر المدن الخاضعة لسيف دون تقدير للرجل ، فإدرك بعد حين أن الخطر ليس موجها ضد بلعرب فحسب بل ضده شخصيا.

أما الموقف الآن فهو بيد سيف بن سلطان من جهة و بيد العجم من جهة أخرى و هم برأس الخيمة معسكرون و لصحار محاصرون و في مسقط و مطرح و بركاء متنفذون ، أي أنهم أجلوا من الداخل و بقوا في الساحل.

15 ـ الإمام سلطان بن مرشد

إنكشف قناع الخديعة الذي لبسه سيف بن سلطان ، فبعد أن تم له الأمر و دانت له عمان ظهر على حقيقته ، ففرض الضرائب على الأهالي ، و أخذ ينتقم من أعدائه و يهادن العجم ، فإجتمع بعض أعيان البلاد من مختلف مقاطعاتها ليدرسوا الحالة ، فقرروا خلع سيف و إنتخاب سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي إماما ، فعقدوا له الإمامة بجامع مدينة نخل عام 1154 هـ ( 1741 م) و سلمت له سمائل و إزكي و نزوى و بهلا و منطقة الشرقية ، و قرر مهاجمة سيف في وكره ، فإتجه إلى الرستاق و لكن سيفا إنهزم و إستقبلت الرستاق الإمام بحفاوة ، و بذلك خذلت سيفا تلك المدينة التي أيدته منذ أن كان غلاما و كافحت في سبيل بقائه في الحكم.

و خرج سيف إلى بركا بعد أن جمع أنصاره في مسقط و مطرح و السيب و إتجه بالجميع إلى الحزم و لكنه لم يلبث حتى عاد إلى مسـقط فهاجمه الإمام هنالك ، فهرب عن طريق البحر يرافقه سـوء الحظ ، فقد هبت عواصف أغرقت مراكبه ، و لجأ هو إلى حلفائه العجم في خور فكان ، و عاد يكاتب ملكهم ، فأمده بجيش كبير قوامه عشرون ألف جندي زحفوا إلى صحار لإتخاذ مركز هجوم على الإمام ، كما هجموا على مسقط و تمكنوا من إحتلالها بعد معركة كبيرة بسيح الحرمل بينهم و بين قائد الإمام سيف بن مهنا اليعربي إستشهد فيها القائد. أما حصن صحار فقد ظل صامدا لا يستسلم رغم قسوتهم في إطلاق مدافعهم عليه ، و بلغ ما أطلق من قذائف في يوم واحد على الحصن ألف و مائتي قذيفة ، غير أن الإمام قام بهجوم معاكس على العجم في مركز قوتهم بصحار و إشتبك الفريقان في معركة ضارية إنهزم فيها العجم و جرح الإمام جرحا بليغا لم يمهله إلا أياما حتى قضى عليه فتوفى بحصن صحار ، أما سـيف فقد كان متحصـنا بمدينة الحزم في حصـنها الكبير الذي بناه جده ، فأصابه إسهال قضى عليه أيضا و أراح البلاد و الأهالي من طالعه السيئ.

16 ـ أحمد بن سعيد

ظهر الآن اسم أحمد بن سعيد والي الإمام على صحار كبطل قاوم العجم في حصن صحار و صمد لمدافعهم ، و كعامل إئتمنه الإمام على حصونه و نفسه فمات بين يديه ، و كعماني صمد للعدو و سار حسب خطة محكمة للإنتقام منه ، فقد دعا عشرة من كبار قواد جيش العجم إلى الحصن و أعلن لهم أنه لن يعترض طريقهم إذا ما شاؤوا العودة إلى إيران هم و ما يحملونه ، فطلب منه هؤلاء معاملة إخوانهم في مسقط و مطرح مثل ذلك فوعدهم خيرا ، و ركب هؤلاء سفنا قاصدين بندر عباس ، و إتجه أحمد بعد ذلك إلى بركا فولى عليها خلفان بن محمد البوسعيدي و أمره أن يهيئ كل إمكانية لإستقبال البضائع التي ترد إلى عمان و غيرها في بركا و شحنها إلى الظاهرة و الداخل و ذلك لينصرف الناس عن مسقط و يتضايق العجم.

علم العجم عن وفاة سيف فقرروا إيجاد سيفا آخر ، فكتبوا إلى الحزم مقر أنصار سيف أن يرسلوا إليهم من يرشحونه للقيام مقام سيف ، فأرسل هؤلاء ماجد بن سلطان الذي أرسله العجم إلى شيراز مع رسالة خاصة للشاه.

أطاع ماجد الأمر و قابل الشاه و لقي من التكريم ما يكفي لترويضه على الخيانة ، و عاد إلى عمان برسائل إلى قادة الشاه في مسقط بوجوب مناصرته ، و لكن مركبه البحري الذي عاد به قادته رياحه إلى مدينة صحار معقل أحمد بن سعيد ، و هنالك إعتقل ماجد و أخذت رسائله.


لجأ أحمد بن سعيد إلى مخادعة العجم ، فأرسل خميس بن سالم البوسعيدي إلى مركزهم في مسقط يحمل رسالة الشاه إليهم حول مساعدة ماجد و تأييده و كأنه رسول له ، و زوده بخمسمائة مقاتل ، فإعتبره الضباط الإيرانيون رجلهم و نصيرهم ، ففتحوا له القلاع و حالما سيطر الرجل على المواقع أعلن ولاءه لأحمد بن سعيد و حمل قادة الفرس و جنودهم إلى مدينة بركا.

17 ـ بركا تنتقم لعمان

بعث أحمد بن سعيد إلى عامله بمسقط ألفي رجل و طلب منه إرسال جيش الفرس إلى بركا و أخبرهم خميس بذلك و أكد لهم إنهم سيعودون إلى بلادهم ، و عندما وصلوا برفقته إلى بركا أمر أحمد بإكرامهم ، فامتلأت بركا بالذبائح و إنشغل بائعو الحلوى بصنع الحلوى للضيوف ، و إنشغل الفلاحون بإطعام خيل العجم حتى غضب الأهالي لذلك ، و أعلنوا جهارا أن جزاء هؤلاء المعتدين السيف لا الإكرام.

و لكن أحمد كان يضمر الإنتقام فدعا كبارهم و كان عددهم خمسين إلى حصن بركا بحجة تناول الغداء ، و هنالك أعمل فيهم السيف إنتقاما لعدوانهم على الوطن ، و أعلن في بركا جميعها بأن من له ثأر للعجم فليأخذه ، و بقدر ما إمتلأت بركا بالذبائح و الحلوى و العلف إمتلأت الآن برؤوس العجم المتدحرجة على ترابها ، و بعد ساعات نادى المنادي بوقف القتل و بالأمان للباقين ، و أمر بتسفيرهم في سفنهم إلى بندر عباس ، و كان عدد الباقين مائتين ، و ما أن بلغت تلك السفن جبل السوادي في مياه بركا حتى خرقها الربابنة و غرق الباقون من تلك المذبحة ، وعاد من رافقهم من العرب إلى بركا.

و قد يجد القراء في هذه الطريقة الإنتقامية وحشية أو مبالغة في الإنتقام ، إلا إننا نسأل القارئ الكريم عن السبب الذي دعا العجم إلى دخول عمان و عن وسيلتهم للدخول و عن أعمالهم الوحشية بحيث إستنكر الأهالي تكريمهم و هم مهزومون ، ثم عن مصير المدينة التي ناصرتهم و إستقبلتهم مطيعة لأمر سيف بن سلطان و هي مدينة مسقط ، فقد هرب أهاليها من بيوتهم و تركوها للعجم خوفا من بطشهم أو أنفة من إستقبالهم ، و لم يتورع العجم من بعد أن يهدموا هذه البيوت ، و ها هي مصادر التاريخ تقول: ( إصطحب خميس بن سالم معه بعد الإنتقام من العجم أهالي مسقط و مطرح ، و كانوا جميعا قد هربوا خوفا من العجم ، فلما وصل خميس و من معه لم يعرف أهالي مسقط حدود بيوت حلتها الخارجة من السور لخرابها بمرابط العجم فإقتتلوا فكان عدد قتلاهم ستين رجلا ، ثم قسم بينهم خميس تلك الأمكنة بالتحدي و بارى بينهم في الدماء ، فصارت مسقط و مطرح في عمار بعد الخرب ..."ابن رزيق")

و بالإضافة إلى هذا ، فقد مهد العجم أنفسهم لهذا الانتقام و ذلك بمحاصرتهم حصن صحار تسعة أشهر ، كانوا خلالها يطلقون ثلاثة آلاف طلقة من مدافعهم على الحصن الصامد ، فماذا يتوقع المرء من قوم صمدوا لهذه الشدة بعد خروجهم منها ؟ و كيف يشفي الموتور غليله و قد أصيب في نفسه و أهله و وطنه و إستقلاله و دولته ؟

18 ـ بلعرب بن حمير يعود


عاد العمانيون إلى مبايعة بلعرب بن حمير و ذلك في أواخر عهد سيف بن سلطان ، و بعد أن إفتضح أمره لدى الجميع. و قد قنع بلعرب بحكم بعض الأجزاء الداخلية و ترك العجم ، و لذلك خلعه أعيان البلاد في صورة عرائض قدموها إليه ، و هم حبيب بن سالم و سالم بن راشد البهلوي و راشد بن سعيد الجهضمي و محمد بن ناصر الحراصي و محمد بن عامر و محمد بن خلف و غانم بن عامر و سجاد بن سالم. و أصبح بعد هذا من السهل على أحمد بن سعيد أن يضمن الإمامة لنفسه ، فقابله بمدينة فرق على أبواب نزوى ، و قتل بلعرب هنالك ، و بهذا تمت لأحمد بن سعيد السيطرة على عمان جميعها و بويع بالإمامة.

19 ـ من هو أحمد بن سعيد ؟

من زاوية ثانية لمتتبع تاريخ عمان ، يظهر أحمد بن سعيد بلا مقدمات و لا ذكر متسلسل ، فبينما نراه واليا بصحار ، إذا به مسيطرا على الباطنة ثم على مسقط و مطرح ، و إذا به بعد ذلك أماما على عمان.

و يلقي المؤرخ إبن رزيق أضواء متناثرة على أحمد بن سعيد ، و هو حقيق بذلك ، إذ أنه ألف كتابه ليؤرخ خاصة لحكم البوسعيد بطلب من حفيده سالم بن سلطان بن أحمد و ليؤلف عن (نسب الإمام أحمد بن سعيد و ما جرى في سيرته الجلية). و قد نسبه إلى الأزد. و لكن إبن رزيق في نسب الإمام أحمد لا يطيل في تعداد شجرة نسبه رغم أنه ألف كتابه "الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين" لهذا الغرض ، فلا يذكر أكثر من أنه أحمد بن سعيد بن محمد السعيدي ، فهل يكون السعيدي غير البوسعيدي ؟ ثم أنه يذكر أن أساس بلوغه الحظوة لدى سيف بن سلطان هو إرشاد أحد جلسـائه إليه ، و كان سيف في قرية روي قرب مسقط في طريقه إلى الرستاق ، فإلتقى هنالك مصادفة بأحمد فنزل سيف من صهوة جواده و نزل أحمد من ناقته و تعارفا ، ثم أن سيفا طلب من أحمد أن يراجعه بمسقط بعد عودته من الرسـتاق فبقى معه ثم ولاه صحار ، و كان أحمد حسـن المعاملة طموح النفس ، فجلب القبائل المحيطة بصحار و هي حينذاك واسطة العقد و مركز مقاطعتي الباطنة و الظاهرة ، و قد كان موقف أحمد من العجم مشرفا ، فإنضم كما علم القارئ إلى الإمام سلطان بن مرشد في فترة مكارب و شدة و مات الإمام سلطان بين يديه ، ثم قام بالمهمة الكبرى فطهر الوطن من الأعداء ، و وحد البلاد ، فكان لهذه المواقف أثرها الكبير في أن تدين له عمان و أن ينتخب إماما.

و قد شكك البعض في نسب أحمد ، فقالوا أن أباه بلوشي هاجر إلى عمان ، و شكك الكثيرون في إمامته ، فقالوا أنه لم يبايع مبايعة شرعية ، فإننا و نحن نؤرخ لا نستطيع أن نتجاهل وجود قبيلة آل بوسعيد في عمان الداخلية و وجود أماكن خاصة بها قرب نزوى.

و لكني و أنا أكتب هذا للتاريخ لا يسعني أن أتجاهل فضل أحمد بن سعيد في القضاء على العجم ، و لا أستطيع أن أتهمه في ذلك بغرض شخصي و هو حب السيطرة ، فالأمر الذي لا يختلف فيه إثنان هو أن أحمد بن سعيد البوسعيدي قد أنقذ عمان من العجم ، و قادها إلى إسـتعادة سـيرها في التاريخ ، و ليس هنالك من أحق منه في تولي حكمها خاصة و قد سار فيها سيرة صالحة ، أما قضية النسـب فذلك أمر أتركه لمن سيكتبون حول هذا الموضوع و المصادر لديهم قريبة و مجال البحث أشمل ، و التفكير في ذلك أهم من جمع شتات ، و إن كنت أستبعد أن يخضع العمانيون لأجنبي يحكمهم ، و قد سبق أن قضوا أعواما يقاتلون فيها حول أحقية حاكم دون حاكم.

و آل بوسعيد لا يمكن أن يكونوا جميعا من سلالة أحمد ، فهم اليوم يعدون في عمان ما لا يقل عن عشرين ألف مواطن ، و هذا العدد لا يمكن أن يكون سلالة رجل واحد خلال مائتي و خمسين عاما رغم ما مر على عمان منذ بداية عهد أحمد بن سعيد إلى اليوم من حروب سيعرفها القارئ خلال صفحات هذا الكتاب.

و أصل هذه القبيلة من بني هديف (و يسمونهم المهادفة) و هم شيوخ آل بوسعيد المعترف بهم من القبائل ، و ما تزال هذه القبيلة معروفة بسمائل و سمد الشأن و أدم. و الدليل الذي أستند عليه في دحض هذه الشبهة عن نسب آل بوسعيد هو ما ورد في تاريخ إبن رزيق أنه عند قيام إمامة الإمام ناصر بن مرشد و بعد دخوله نزوى ، قامت عليه قبيلة آل أبي سعيد في العقر فقضى على ثورتهم و أجلاهم إلى خارج نزوى ، بقول إبن رزيق ما نصه: ( فلما طال مقامه فيها (في نزوى) ملته من ملتهم الحسد و عرض الدنيا و إجتمعت آراء بني أبي سعيد و هم يومئذ رؤساء أهل "العقر" أن يخرجوه منها في جمعه إذا خرج إلى المسجد الجامع لصلاة الجمعة ، فأخبره أحد من أهل الصلاح بما عزموا عليه من الفساد ، فلما تحقق عنده ذلك أمر بإجلائهم من البلاد و نهى عن قتلهم و البطش بهم ، فتفرقوا في البلدان فلجأ بعضهم إلى مانع بن سنان العميري و بعضهم إستمال إلى سيف بن محمد الهنائي).

و قد أشار الشيخ السالمي في كتابه تحفة الأعيان إلى هذا الخبر ، و لكنه ذكر أن القبيلة المتآمرة على الامام إسمها بنو أمبو سعيد ، و هي أيضا قبيلة موجودة في عمان ، ولكننا نعتبرها و آل بو سعيد قبيلة واحدة ، و لما أوردت من استنتاجات و دليل لا يسعني و أنا أكتب للتاريخ إلا أن أعتمد في نسبهم على رواية إبن رزيق كسند في الإستدلال. و أضيف الى ذلك مخاطبا من يستند في حجة على عدم وجود نسب مسلسل لأحمد بن سعيد لأقول له أن للرجل نسبا هو أكثر من إسم أبيه و هو أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد بن خلف بن سعيد البوسعيدي ، و هذا ما كتب على قبره بالرستاق الذي كان مقره خلف جامعها.

و إذا أردنا أن نلقي ضوء على عروبة أحمد بن سعيد فليكن من إنتسابه إلى الأزد و سيلة إلى تسلسله من القائد العربي العماني المهلب بن أبي صفرة و يلقب بأبي سعيد ، و لا يستبعد أن تكون هذه القبيلة قد إنتسبت إليه ، و في عمان أشباه كذلك فلدينا قبيلة بني بو علي و بني بو حسن.

و على كل حال فان الأمر الذي لا يقبل المناقشة أن أحمد بن سعيد بطل من أبطال كفاح العمانيين ضد الدخلاء ، فحسبه أن ينقذ البلاد من العجم و قد سيطروا على كثير من أراضيها ليحتل مكانته في تاريخ هذا القطر العربي.

20 ـ دول الاستعمار في عهد اليعاربة


أما و قد إنتهينا من عهد اليعاربة ، وجب علينا أن نعود لإستعراض تحركات الدول الإستعمارية في الخليج العربي كي يسهل علينا معرفة نتائج ذلك في عهد آل بوسعيد الذي نبدأ فيه بإبتداء حكم جدهم الأكبر الإمام أحمد بن سعيد.

تركنا التنافس حادا بين الانكليز و البرتغال ، و وقفنا على أسس الصداقة بين إيران و بريطانيا ، و إحتكار الإنكليز لمنتوجات إيران من الحرير. و وقفنا في العرض السابق للإنكليز الأول بعام 1620 م حين تحدى الإنكليز البرتغال في جاشك و دخلوا إليها بعد معركة مع البرتغال ، و كانت وقفتنا عند تقدمهم للإمام سلطان بن سيف الأول لإستئجار ميناء مسقط ، و وضع حامية تتكون من مائة رجل في القلعتين الجلالي و الميراني ، و رفض الإمام ذلك إذ أنه لا يريد إستبدال دخيل بدخيل.

و لا شك أن حملات إيران التي شهدناها في الصفحات السابقة كانت من نتائج الصداقة بين الإنكليز و الفرس ، و لكن موقف أحمد بن سعيد قلب الموقف و خيب آمال الإنكليز.

و قد دخل المعركة الآن عنصر ثالث هو الإستعمار الهولندي ، ففي عام 1645 م هاجموا جزيرة القسم و تمكنوا من إحتلالها ، الا أن العمانيين أجلوهم منها عند سيطرتهم على قيقعة فارس ، و أدرك الإنكليز خطورة هذه المنافسة ففي عام 1650 م وصلت إحدى عشرة سفينة هولندية إلى بندر عباس منتهزة فرصة إخراج البرتغال من مسقط ، فأنزلت مؤنا وافرة ، و لم يستطع الإنكليز أن يتحدوهم في التسهيلات التجارية ، و قد توسع الخلاف بين الفريقين حتى أعلن أوليفر كرومويل الحرب على الهولنديين عام 1652 م ، و في عام 1654 م كان الهولنديون مستولين على تجارة الهند و إيران ، و رغم الحرب التي وقعت بين الطرفين عام 1665 م إلا أن الإنكليز لم يستطيعوا معالجة فشلهم.

ظهرت الآن قوة إستعمارية جديدة هي فرنسا ، فقد أسست شركة الهند الغربية عام 1683 م ، و أدى ذلك إلى الصلح بين العدوين إنكلترا و هولندا و التحالف بينهما على مراعاة كل منهما مصلحة الآخر في الهند و الخليج و إيران و ذلك عام 1688 م ، و لكن فرنسا لم يكن لها نشاط في الخليج إلا عام 1797 م ، و هذا ما سأفصله في حينه.


الفصل الرابع

دولة البوسعيد

1 ـ الإمام أحمد بن سعيد

لابد للإمام أحمد أن يمر بمشاكل تفرض عليه أن يحلها جميعا ليؤسس حكمه و يعود بالبلاد إلى ذلك الإستقرار الذي حمل أعباءه الإمام ناصر بن مرشد ، و قطف ثماره العمانيون جميعا بقيادة الإمام سلطان بن سيف ، فالقبائل الآن عادت إلى إستقلالها بالسلطة و رغبة رؤسائها في النفوذ ، و العدو يتربص فهو لا يمكن أن ينسى إجلاءه بالقوة و القسوة عن البلاد ، و أساطيل الإستعمار تتربص في جبن و حذر لتنشر الفوضى و الإضطراب ، و تجد بعد ذلك موضعا تثبت فيه أقدامها.

و قد بدأت الثورة في رأس الخيمة ، فإتجه جيش كبير منهم إلى صحار ، و لكن الإمام أحمد لقيهم في الطريق في مكان يسمى البثنة ، و إشتبك الفريقان في معركة كبيرة تمكن فيها من صد خصومه ، إلا أن رأس الخيمة بقيت منفصلة عن حكمه برئاسة الشيخ صقر بن إرحمة ، و كانت المشكلة الثانية تحالف قبائل اليعاقيب و بني غافر و النعيم و بني قتب و كلهم من قبائل الظاهرة على قتال أحمد ، و إستمالوا معهم بلعرب بن حمير اليعربي و بايعوه بالإمامة ، و إنقاد إليه النزارية (الغافرية) جميعا ، و رابط بجيشه في فرق قرب نزوى ، فكتب أحمد إلى واليه في سمد بالداخل أن يجمع الهنائية جميعا و يرابط بهم أيضا في فرق ، في حين إتجه هو بجيش كبير إلى سمائل فمنعه السيابيون –و هم غافرية– و تمكن من مواصلة سيره بعد معركة كبيرة ، و إشتبك مرة ثانية في سمائل بالمضمار مع النزارية ، فشق طريقه أيضا ، و في وادي بني رواحة وجد مناصرين له ، و إلتقى بواليه عبدالله. و تقابل الجيشان في فرق ، فدارت معركة كبيرة قتل فيها بلعرب و كثير من أكابر أتباعه.

كما ثار عليه اليعاربة بالحزم بقيادة زهران بن سيف ، و عانى الكثير من حربهم ، و طال حصاره لبلادهم ، و إنتهت المعركة بينهم بصلح أعطى أحمد فيه اليعاربة شيئا من الإمتياز مع خضوعهم له.

و وكل أحمد إلى صهره ناصر بن محمد الغافري (والي البحرين في عهد الامام سلطان بن سيف) بالحملة على قبائل الظاهرة المتحصنة بحصن الغبي ، فاستطاع الانتصار عليهم ، و ولى على الغبي محمد بن عمير البوسعيدي ، و كان لناصر في قلب الإمام المنزلة الكبرى ، و ذلك للمصاهرة و لعمله المثمر في تهدئة الظاهرة ، إلا أن الرجل طمح إلى الحكم فأمر قبائل الظاهرة ببناء حصون يلجأون إليها وقت الحرب ، و اتصل بعلي بن إرحمة في رأس الخيمة وجاء برجاله ، و عقد في مدبنة العينين مؤتمر بين قبائل الظاهرة و ناصر و إبن إرحمه ، و إتفقوا على مهاجمة حصن الغبي ، فلم يطق واليه محاربتهم و خرج إلى الرستاق حيث أخبر الإمام ، فأرسل ولده هلال بجيش كبير ضم أفرادا من قبائل عديدة ، و لأول مرة يرد إسم البلوش و الزدجال في تاريخ عمان ، فقد إستأجر أحمد كثيرا منهم و أرسلهم كجنود في هذا الجيش ، و كان في هذا الجيش أيضا محمد بن حمير اليعربي ، ثم لحق بهم الإمام بنفسه و اشتبكوا مع القوم في معركة كبيرة إنهزم فيها جيش الإمام بسبب الحر الشديد ، و لكن ناصرا عاد إليه رشده فإتفق مع صهره على أن يبقى نائبا عنه في الظاهرة و تعهد بالوفاء ، في حين كان الإمام يهيئ حملة أخرى. و بقى ناصرا بارا بوعده و بقى كذلك حتى مات ، و سلك من بعده ولده سيف بن ناصر.

وطمع ولدا الإمام سيف و سلطان في الحكم بتشجيع من الشيخ جبر بن محمد الجبري ، فدخلا مسقط و تظاهر سيف بالمرض فزاره والي أبيه في مسقط ، فأمر بتقييده و إتجه سيف على إثر ذلك إلى الحصن الشرقي (الجلالي) في حين صعد أخوه إلى الحصن الغربي (الميراني) ، و أعلنا إستيلاءهما على الحكم ، فقدم الأب الى مسقط و هم بمحاربة ولديه ، إلا أن المقربين لديه توسطوا و طلبوا إبقاء سلطان بالحصن على أن يكون سيف دائما مع أبيه ، و لكن ذلك لم يمنع إستمرارهما في مخالفة أبيهما مدة سنتين ، و قد أوصلا الخلاف ذروته عندما قبضا على أخيهما الأكبر سعيد و سجناه في مسقط فأقبل الإمام الأب بجيش و صمم على محاربتهما ، و بدأ القصف على الحصن الشرقي من البر و البحر فصبر الأخوان بشجاعة ، و قد تمكن أحد الجند المسمى ابن منح من إنقاذ سعيد ، إذ هرب به من سجنه بالحصن الشرقي و جاء به إلى أبيه.

أما محمد بن جبر فقد ذهب إلى رأس الخيمة حيث يرابط صقر بن إرحمة و يظهر إستعداده دائما للوثوب على أحمد ، فجاء بجيش بلغ ثلاثين ألفا إخترق به الظاهرة ، و كاد أن يدخل الرستاق عاصمة الإمام ، و عند ذلك وجد الأخوان أن الأمر أكبر من ولاية العهد ، و أن الحكم سيزول عن الجميع ، فأرسلا إلى أبيهما يطلبان العفو و واجهاه في الجريزة بمسقط ، و لم يكد إرحمة يعلم بذلك حتى عاد الأدراج ، و إنشغل الإمام بإعادة الإمور إلى نصابها في الظاهرة ، و قد أبقى أحمد ولديه في مدينة بركا.

و في عام 1170 هـ هجم الفرس على البصرة و إنتزعوها من العثمانيين و أنزلوا بها جنودهم ، فلم يجد أهلها العرب ملجأ إلا الإستعانة بأبناء أعمامهم في عمان ، فكتبوا إلى الإمام أحمد يطلبون النجدة و إنقاذهم من الفرس ، فهب أحمد لنجدتهم و خرجت سفنه الحربية و جندا بلغوا عشرة آلاف بقيادة ولده هلال إلى مياه الخليج العربي ملبيا دعوة الأهل و الأخوة.

علم الفرس بذلك فقاموا بمد طوق حديدي في شط العرب ، و ذلك لئلا تدخل السفن العمانية ، فما كان من القائد إلا أن يستخدم صفيحة حادة من الحديد على مقدمة السفينة "الرحماني" و جعلها تتقدم الإسطول بعد أن إطمأن إلى قوة الهواء ، فشقت "الرحماني" طوق الحديد و نفذت السفينة إلى الأبله و منها إلى ميناء البصرة ، فأنزلت الجنود و إشتبكت مع الفرس في معركة كبيرة عاد بعدها العجم إلى بلادهم و تركوا البصرة و أهلها.

أقبل العثمانيون بعد ذلك إلى البصرة و طلبوا من هلال الإنسحاب فرفض إلا بأمر أبيه ، و بقى أياما بين ترحيب أهل البصرة و حفاوتهم حتى رأى أبوه أن مهمته إنتهت ، فأجاب العثمانيين على طلبهم و كتب إلى هلال بالعودة بعد أن إتفق مع العثمانيين على تسليم أتاوة سنوية لعرب عمان ، و بقى الوالي العثماني بالبصرة يدفع الأتاوة إلى عهد سلطان بن أحمد بن سعيد.

و توفى الإمام أحمد في الخامس من شهر ذي القعدة سنة 1188 هـ الموافق 15 ديسمبر 1783 م تاركا من الأبناء هلال و سعيد و قيس و سيف و سلطان و طالب و محمد. و إتخذ الرستاق عاصمة له ، و كان يزور مسقط بين حين و حين فإذا ما زارها ألغى الرسـوم على البضائع الموجودة بالجمارك ، وكان يجلس للناس في الجريزة ، و هي الجامع الذي هدمه البوكرك ثم الكنيسة التي بناها البرتغال فيما بعد ، وما يزال مكانها باقيا الى اليوم أرضا يبابا (تم إعادة بناء و ترميم بيت الجريزة في عهد السلطان قابوس بن سعيد).

كانت العملة المستخدمة في عهده "المحمدية" و هي نفس عملة اليعاربة و هي فضة و "المشخص" و هو الذهب. و كان رئيس عسكره في مسقط خميس بن سالم البوسعيدي ، و ناظر السفن حسن الصرهنج و قاضيه محمد بن عامر بن عريق العدواني و المحاسب في الجمارك رزيق بن بخيت بن سعيد بن غسان كافأه على ذلك لأنه نبهه على مكيدة سيف بن سلطان اليعربي له ، و واليه في مسقط خلفان بن محمد الوكيل البوسعيدي باني مسجد الوكيل المعروف بمسقط ، و أشهر رجاله غير من ذكرت في سياق الحوادث راشد بن سعيد العبسي و هو شاعره و عبدالله بن صالح الرواحي. و قد جلب الإمام أحمد بن سعيد العبيد و جعلهم حرسا له و بعض الجند من السند و هم بلوش و زدجال.

و كان إذا جاء مطرح إستقبل أولا بني حسن ثم الحيدرأبادية و هم مجموعة التجار من أصل سندي و هذا يدل على عراقتهم في التجارة بمسقط و مطرح ثم بني زراف. و إذا دخل مسقط فضل دخولها عن طريق البحر تحف به السفن بمختلف أحجامها ، و قدر معدل مدخول جمرك مسقط بمليون روبية.

كان ولده سعيد واليا على نزوى ، و قد أحدث فيها ما أسخط أهلها عليه ، إذ حصر صبغ الأثواب برجل واحد تعهد أن يدفع إيجارا سنويا مقابل ذلك و حرم غيره من الناس ، فلم يرض أهلها على ذلك لإعتماد كثير منهم في الناحية المعيشية على هذه المهنة ، و عندما تضايق سعيد من أهل نزوى خاصة بعد أن أنذر أبيه سعيد الصايغي المستأجر بهدم مركزه ، ذهب إلى أبيه يشكوهم إليه ، فأدرك أبوه أنه أحدث أمرا ما لبث أن تأكد منه ، فأمر بأن لا يعود إلى نزوى و عين شخصا آخر محله و ذلك دليل على بعد نظر الإمام أحمد في معاملة أهل نزوى عاصمة الإمامة السابقة.


2 ـ القرصنة


لابد لنا و نحن ننتهي من عهد الإمام أحمد من أن نتعرض إلى القرصنة في الخليج ، و نمسك بأول ظهورها ، فنستطيع أن نساير الأحداث من بعد ، و لندفع التهمة التي ألصقتها الكتب الأوروبية بالخليج إذ سمت جزء منه ساحل القرصان و ملأت صفحاتها بأنباء القرصان في الخليج ، في حين لم يكن البحارة العرب إلا مدافعين عن أموالهم و أنفسهم و بلادهم.

و قد إخترت عهد الامام أحمد لأبدأ منه عرض القرصنة لسبب الحصار العنيف الذي فرضه القرصان في البحار العربية في عهده ، و هذا ما سنصل إليه في ختام العرض.

أول ما عرف القرصان في البحار العربية عام 1686 م ، إذ نهبت سفينة كانت قادمة إلى إحدى الموانئ في البحر الأحمر ، و بلغت قيمة المسلوب منها ما يعادل ستمائة ألف روبية ، و في عام 1691 م ظهر القرصان الإنكليزي كابتين جيمس في البحر العربي و قبض عليه فسجن في دلهي بالهند.

و في عام 1695 م كان هنري آفوري يخيف الطرق بين مسقط و عدن ، و قد نهب سفينة كانت متجهة إلى جدة تقل عددا من الحجاج. و كان آفوري يقيم في جزيرة بريم قرب باب المندب ، و في عام 1696 م أغتصبت سفينة خارجة من الهند و متجهة إلى عمان ، و كانت تحمل مائة وعشرة مدافع صنع معظمها لليعاربة في سيرت ، و كانت تحمل حجاجا و أتاوة ملك المغول لشريف مكة ، و تقدر قيمة ما نهب القرصان منها ربع مليون جنيه إسترليني ، و نهب من السفينة أيضا سيدة قادها إلى مخبئه الجديد في سانت ماري قرب مدغشقر ، جاء منها بولد سما ملا توتوم ، و كانت السيدة حفيدة أورنجريب ، و نهب رجاله حوالي مائة فتاة ، و يظهر من ذلك قوة هذا القرصان و أنه لم يكن في سفينة واحدة بل كان يستعين بقطع عديدة.

و صدى هذه الحادثة كبيرا في الهند و في عمان و بين العرب في الجنوب و الحجاز ، و قبض على رئيس مركز لشركة الهند الشرقية و كل موظفيها الانكليز ، و أوقفت التجارة شهورا عديدة ، و بعد هذه الغنيمة الكبرى عاد آفوري إلى إنكلترا و قبض على خمسة من رجاله فنفذ فيهم حكم الإعدام لتعريضهم مصالح دولتهم للخطر.

و من أشهر القرصان في المحيط الهندي و الخليج العربي و البحر الأحمر وليم كيد كان ، و عندما وجدت شركة الهند الشرقية الأضرار التي سببها هؤلاء القرصان و أن أعمالهم تعود بالويل لمصالح الشركة ، فقد أرسلت حملات للقبض عليه عام 1669 م.

3 ـ الإمام أحمد و الأوروبيين

حالما إستقرت الأمور للإمام أحمد كان الإنكليز أيضا بالمرصاد ، فأرسلوا إليه يطلبون إنشاء مركز لتجارتهم بمسقط ، و لكنه رفض و كان ذلك عام 1749 م.

و في هذا العام أيضا تبودل إطلاق النار بين الإسطول الفرنسي و الإسطول العربي في مسقط ، إذ جاء الفرنسيون للإقتراب من المرفأ دون سابق علم ، فأمر الوالي بإطلاق النار عليهم و هربت السفن الفرنسية ، و في عام 1761 م جاءت حملة فرنسية أخرى إلى مسقط بقيادة دي إيستنج فهاجمت سفينة إنكليزية كانت راسية بالمرفأ ، و لكن الأسطول العربي لم يسمح للفرنسيين بالرسو و تبودلت النار بين الأسطولين.

و قد زار مسقط عام 1764 م الرحالة الانكليزي المعروف كارستن نبيهر ، و لكنه خرج من مسقط كأول أوروبي ينشر خارطة لعمان.

و حصل نزاع بين الإمام و بين فرنسا عام 1781 م ، إذ قامت السفن الفرنسية بمصادرة البارجة "صالح" و كانت قيمة حمولتها تقدر بمليون و مائتي ألف روبية ، و لكن الإمام أحمد أمر بمصادرة كل سفينة فرنسية تدخل الشواطئ العمانية ، و أنذر فرنسا بوجوب إعادة "صالح" ، و تعويضه عن الخسائر ، فأعلنت فرنسا أسفها على الحادث ، و أعادت السفينة و دفعت التعويض.

4 ـ الإمام أحمد و رأس الخيمة

نظرا لما تعرضت له البلاد من فوضى و إحتلال في عهد الإمام سيف بن سلطان الثاني ، فقد إنفصلت رأس الخيمة بقيادة أمرائها القواسم ، و كان في طليعتهم الشيخ راشد بن مطر القاسمي ، فعندما إستولى الإمام أحمد على الحكم و استقرت له الأمور إتجه إلى خصب و منها كان يرمي الهجوم على رأس الخيمة ، و لكن قيام ثورة داخلية في الشرقية شغله عن المواصلة ، فعاد أدراجه إلى الرستاق و جهز حملة إلى الشرقية ، و في عام 1762 م و فد الشيخ صقر بن راشد و عمه عبدالله على الرستاق عاصمة الإمام أحمد ، و أعلنوا صداقتهم له و رغبتهم في إقرارهم على حالتهم مقابل تعهدهم بعدم التعرض له و مناصرته في خلافاته مع إيران.

5 ـ عودة القراصنة

و عاد القرصان يعرقلون تجارة عمان مع الهند ، فأخذوا يقفون لكل سفينة تتجه من الهند إلى مسقط فعزت الحبوب في البلاد ، و خاصة الأرز الذي كان يردها عم طريق ماتعالور ، و قطعا لدابر القرصان قرر الإمام أحمد إرسال وفدا إلى أمراء الهند للإتفاق معهم على خطط تكفل أمان الطريق. فخرج الوفد في البارجة الرحماني برئاسة أحد أعيان قبيلة الحرث ، فأظهر الأمراء عجزهم عن كف القراصنة ، و إنهم يعهدون بذلك إلى الإمام أحمد ، و لا إعتراض عليهم فيما سيقوم به من أعمال تقضي على اعتدءاتهم ، بل أنهم مستعدن إلى التعاون معه في إرشاده إلى مراكزهم ، فقرر الحارثي أن لا يعود إلى مسقط إلا و قد صفى الحساب بينه و بين القراصنة ، و بعد أن أرشده الهنود إلى مخابئ القراصنة ، كمن لهم ببارجته الرحماني ، و إشتبك و أياهم في معركة كبيرة قتل فيها أمير القرصان و تفرق كثير من رجالة ، و عاد الحارثي بالأرز تحمله سفن هندية و بالهدايا للإمام أحمد من أمراء الهند و أرسل أمير دلهي رسولا إلى الإمام لإقامة علاقات الصداقة و يسمح له ببناء بيت في مسقط يسمى بيت النواب و معناها بيت الأمير ، فسمح له ذلك ، و عقدت معاهدة صداقة بين أمير دلهي و بين الإمام أحمد.

و بعد هذا العرض للقرصنة في البحار العربية يتضح لنا بطلان التهمة التي ألصقها الأوروبيون بسكان الخليج ، فأبرزوهم كقطاع طرق و خاصة أهالي المدينة العمانية العريقة رأس الخيمة ، و يتضح لنا الأثر الكبير الذي خلفه إبراز هذه التهمه فسمى ساحل عمان بساحل القراصنة ، و رحم الله من قال: (رمتني بدائها و إنسلت).

6 ـ سعيد بن أحمد



تولى المنصب بعد أبيه و كان سابقا واليا على نزوى ، و لم يكن أكبر إخوانه فهنالك هلال الذي باشر أعمالا عديدة زمن أبيه ، إلا أنه أصيب بمرض الرمد الصديدي ، فذهب الى السند للعلاج و لاقى هناك منيته.

بقي سعيد في الرستاق التي اتخذها أبوه كعاصمة للدولة ، و تبع أيضا خط أبيه في ممالأة الحزب الهناوي و الإعتماد عليه ، فما يزال يذكر ثورة الظاهرة على أبيه و مناصرة الهناوية له.

و أشهر ولاته أخوه قيس والى صحار و أخوه طالب بالرستاق و أخوه محمد بالسويق و محمد بن خلفان البوسعيدي المعروف بالوكيل ولاه مسقط. و قد سبق أن أوضحت للقارئ سوء التفاهم بين سعيد و أهل نزوى ، فعندما تولى سعيد الحكم إستدعى النزوانيون الشيخ جاعد بن خميس الخروصي حفيد الإمام الخليل بن شاذان ، و طلبوا منه إعلان إمامة جديدة ، علم سعيد بذلك فقدم إلى نزوى بجيش كبير و أم سمد الكندي و نهب أهلها ، أما جاعد فقد عاد إلى مدينة العلياء و لم يستطع أن يناله بسوء.

كان أثر حملة سعيد على نزوى كبيرا في أفراد الشعب ، فكثر التشاور بينهم على عقد الإمامة لأخيه قيس ، و زاد الرغبة في ذلك ما إندفع فيه سعيد من نظر إلى المادة لا الحكم ، و إجتمع جمع كبير من العمانيين بالمصنعة و معهم أخوه قيس ، و إتجهوا إلى العاصمة الرستاق ، و رابطوا في قصرى و هي إحدى ضواحيها ، و طلبوا من سعيد أن يحضر إليهم فرفض ، و بدلا أن يعرف ما لديهم أو يتركهم يبدأونه بالعدوان أمر حامية الرستاق أن تطلق عليهم النار فلم يصطدموا و عاد كل منهم إلى بلاده.

أدرك ولده حمد أن تصرفات أبيه ستقود البلاد إلى الفتنة ، و ستقوض حكم البوسعيد ، فأخذ يتقرب إلى الناس ، و بدأ في معالجة تعسف أبيه ، و صمم على تولي الإدارة مع الإحتفاظ بالإعتبار الإسمي لأبيه ، و لكنه كيف يقنع أباه ؟

وجد حمد أن مسقط هي مركز الثقل في البلاد بسبب الحركة التجارية بها و ما تزود به الدوله من دخل ، و لأنها جسر بين عمان و الخارج ، فقرر أن يستعين بتلك المدينة لمعالجة مشكلة أسرته و حفظ حكمها الذي أوشك أن يزول.

و إلى مسقط إتجه حمد في إحداث الشق الذي ينفذ منه إلى العلاج ، فدبر خطة يسوء بها التفاهم بين أبيه و والي مسقط محمد بن خلفان ، و كان قد أسرف في الإنفاق و جمع المناصرين له في المدينة ، و نظرة سعيد المادية تفوق ذلك بلا شك ، فإستطاع حمد أن يصل بالخلاف إلى ذروته بين أبيه و واليه حيث أقدم الوالي على سجن أحمد بن الإمام سعيد ، في حين تقرب حمد إلى الوالي و كسب ثقته و إستطاع أن يدخل بحجة الصلح بين أبيه و بين واليه ، في حين أوعز إلى أبيه أن يكون عند طلبه بجيشه إذا ما إحتاجه إلى ذلك ، و قد هول أمر الوالي إلى أبيه و أهمية مسقط في تقوية نفوذه ، و كل ذلك ليأخذ منه السلطة الإدارية.

و ذهب حمد إلى مسقط فإستقبله صديقه الوالي بحفاوة بالغة و أنزله في قصر عرف "ببيت النواب" ، و ذهب حمد إلى والد الوالي مسلما عليه و شاكرا مواقف محمد و مذكرا بتمسكه في أن يصلح الأمر بين أبيه و الوالي.

و عند منتصف الليل إتجه حمد إلى حامية مسقط الشرقية (الجلالي) ، و طلب رئيس حرس الحصن حمد بن صبيح الضوياني ، و ما كاد حمد يرى نجل الإمام حتى ملكت الدهشة لسانه ، و لكن حمد أخذه باللطف و تمكن من التأثير عليه و الحصول على وعد منه بأن الحامية تدين بالولاء للإمام سعيد و ليس للوالي ، و بعد أن أدخل حمد بعض رجاله إلى الحامية ذهب إلى الحصن الغربي (الميراني) ، و هنالك لقي رئيس الحرس مسعود بن أحمد البارحي و قام معه بنفس الدور ، و عاد حمد الى الحصن الشرقي.

و قد لاحظ ماجد بن خلفان أخو الوالي نشاط حمد ليلا ، إذ لقيه صدفة على مدخل سوق مسقط من جهة البحر و هو يتجه متنكرا بمفرده إلى الحصن الغربي ، فذهب ينبه أخاه الذي إتجه فورا إلى بيت النواب فلم يجد حمد و لا رجاله ، و عند ذلك أيقن بالمكيدة ، و إن كان لم يتوصل إلى السبب الذي دعا حمد إلى التظاهر أولا بمخالفة أبيه.

مضى الوالي الى الحصن الشرقي و لكنه وجد في طريقه إليه الرصاص ، و ما كاد يهم بإختبار الحصن الغربي حتى أتاه النبأ اليقين ، فأدرك أن لا طاقة له بالحرب ، و أن من الخير عدم تعريض مصلحة المدينة للخطر فلزم بيته ، و هذا أمر يحمد عليه ، و إلا كان بإمكانه أن يهجم بمن معه و يغامر بالثبات لخصمه.

كان حمد قد أرسل الى أبيه يطلب حضوره حالما سيطر على الحاميتين ، فجاء الأب من الرستاق و دخل مسقط ، و أقيمت له الزينات ، و قابل أعيانها و منهم خلفان بن محمد و ولده الوالي و سائر الأبناء ، و إستقر الأمر على عزل محمد من الولاية و تولية أخيه سليمان محله ، على أن يبقى حمد بمسقط نائبا لأبيه في كل شؤون عمان. و عاد الإمام سعيد إلى الرستاق بعد ثلاثة أيام من بقائه بمسقط و من هنالك أمر سعيد ولاته و رجال دولته بتسليم الأمور كلها إلى ولده حمد ، و أخبرهم أن ليس له من الإمامة إلا النفوذ الأسمي. و لعل هذا التصرف لا يدع مجالا للقول بأن سعيد لم يعد إماما بالمعنى المفهوم من شروط الإمامة و تطلباتها ، و أن الحكم قد خرج الآن بدون شك من حكم إنتخاب إلى حكم وراثي.

7 ـ حمد بن سعيد

دانت لحمد البلاد جميعا ، و كانت أول مهامه إزالة ذلك الفتور الذي سببه أبوه في قلوب أفراد الشعب ، و بدأ عهده بتقريب أولي الرأي في البلاد ، فاتخذ له مستشارين هم مبارك بن عبدالله النزوي و سليمان بن ناصر المهللي و أحمد بن ناصر الحراصي و خميس بن سالم الهاشمي و فضل بن سيف اليحمدي و محمد العاتي و سالم بن محمد الدرمكي.

قضى حمد على الفتنة التي حصلت بين أهل نخل و أهل بلدان المعاول ، و بنى في مسقط قلعة ثالثة مقابل المكلا و هي القلعة التي توجد بها الآن المنارة التي ترشد السفن ، و ذلك ليراقب السفن الواردة إلى مسقط خشية خطر مفاجئ ، و بنى قلعة أخرى بقرية روى ليرقب أيضا نشاط القادمين إلى مسقط من جهة الداخل ، و هو باني القلعة المثمنة في بركا ، و أمر بصنع بوارج حربية في بورما و زنجبار.

واجه سعيد تمردا من أعمامه سيف و سلطان ، و إستطاع بدهائه و حنكته القضاء على هذا التمرد فأجبر عمه سيف على مغادرة البلاد و الإقامة في شرق أفريقية و هروب عمه سلطان إلى جواذر في عام 1784 م.

و قد سار حمد سيرة صالحة و جدت بها البلاد الطمأنينة و الإستقرار ، و كان يعالج أمور الدولة بصبر و حلم ، و جرت محاولات من بعض القبائل بأن يجعلوا عمه سلطان بن أحمد غريما له فنجحوا في ذلك ، و لكن حسن تصرف حمد جعل سلطان يثني عزمه كلما هم بالهجوم على مسقط.

و كان حمد يتجول في عمان مرتين في العام ، فيزور مقاطعاتها متفقدا أفراد الشعب و ناظرا مصالحهم.

و في عـهد حمد تقدمت شـركة الهند الشرقية بطلب تأسـيس مركز لها في مسـقط فرفض حمد ذلك ، فإستعانت بتاجر محلي يكون دلالا لها في ما تريد شراءه من مسقط. و قدمت فرنسا كذلك طلبا بإنشاء مركز فرفض.

و توفى حمد بمسقط بعد ثلاث سنوات من توليه شؤون البلاد أثر مرض الجدري في 8 رجب عام 1206 هـ (1792 م) ، و قد قدم أبوه لعيادته فشاء القدر أن يشيعه إلى مأواه بالوادي الأوسط بمسقط ، و قد إحترقت البارجة الكبرى الرحماني بثلاثة أيام من وفاته ، و كان حمد يئن و هو يسمع صياح الناس في البحر و يقول إني لأعرف من حرق البارجة ، و إذا سلمت من هذا المرض ستسمعن صنيعي بمن أحرق الرحماني.

و قد رثاه أبوه بأبيات مؤثرة عميقة قال فيها:

وافى حمامـك يا حبي بالعجـل *** نار تلهب ضميري تشتـعل
يا من له شرف و فضل في الورى *** أمسى وحيدا فريدا دون أهل
الله أكـبر من مصـاب عمـنا *** هما و غما لا يبيد و لا يفـل
حمد حوى المجد الشريف تغيرت *** أيامه قد كان يضـرب بالمثل
صبرا لأولاد الإمـام و من لهـم *** من أخـوة و أقارب فيما نزل
لا غرو هذا قد أتى خـير الورى *** لم تمنع الأموال عنه و لا الدول


8 ـ من الحاكم ؟

عين سعيد ولده الثاني أحمد خلفا لأخيه حمد ، و كان سلطان بن أحمد يطمح إلى هذا المركز في عهد ذلك البطل الداهية بخبرته و شجاعته و بعد نظره ، فكيف به الآن و أحمد ما يزال جديدا على الحكم. فذهب إلى علي بن هلال بن الإمام أحمد و كان واليا على بركا ، و عرض عليه أن يقنع عمه سعيد بتعيينه قائدا لجيوشه ، و له منه الإخلاص و الوفاء و يجعل له نصيبا من دخل مسقط ، و طلب منه الذهاب إلى الرستاق في حين يبقى خارج بركا بقرية إسمها الرسيل ، فإنخدع علي بذلك ، و ذهب إلى الرستاق ، و عندما كان في طريقه تسلل سلطان إلى بركا ، و دخل إلى الحصن خلسة ، فلم يضع وقتا في مجادلة البواب بل بادر بقتله بخنجره ، و دخل و فتح الباب لصحبه و كان عددهم إثنا عشر رجلا فقط منهم خميس بن راشد الهنائي و مصبح بن غريب القريني و محمد بن حمد الوهيبي (من آل وهيبة) و سالم بن ثاني الجابري ، أما الجند الموجودون بالحصن فقد فوجئوا عندما رأوا سلطان ، و لكنه أمنهم و أخرجهم من الحصـن عدا بني رواحة الذين تمسـكوا بقلعة الحامية و رفضوا التسـليم ، فأرسل إلى الشيخ ربيعة بن أحمد الرواحي و كان يسكن بركا ، فطلب منه نصح قومه و لهم أن يخرجوا بأمان و يأخذوا ما يشاؤون ، و بعد نقاش بين الوسيط و بين الجند أقنعهم بالتسليم ، و كان سلطان قد أتاه مقاتلون من الطو بعد إحتلال الحصن ، و أقبل الناس لمواجهته و إعلان ولائها له من السيب الى أقصى بركا (البلة) ، ثم أرسل إلى قبائل نخل و وادي المعاول و سمائل بأن يلاقوه في القرم و هي موضع يبعد عن مسقط نحو عشرين كيلومترا ، و ما كاد يصل الى الموضع المعين حتى وجد القبائل قد لبت طلبه ، و لعل القارئ لا يستغرب حصول التأييد لسلطان بهذه السرعة ، فقد كان له مؤيدوه أيام حمد ، و بينت ما وقع بينه و بين أخيه سعيد.

و وصل علي بن هلال إلى الرستاق ، و ما كاد ينفض أتعاب السفر حتى ورد رسول من مدينة المصنعة يخبر الإمام سعيد بالحادث ، و عند ذلك ودع سعيد هدوءه و ضعفه و عزلته مع نفسه فقرر أن يصمد للحوادث ، و أمر عليا بالذهاب إلى المصنعة و الإبحار منها إلى مسقط ، و مساعدة أحمد بن سعيد ، فوصل إلى مسقط في اليوم الذي وصل فيه سلطان إلى القرم ، كما أن سلطان أرسل كتبا إلى أعيان مسقط و أكابر تجارها بأنه لا طمع له في المال و أنه يؤمن الجميع.

و أقبل سلطان إلى مسقط بجنده في حين كان إبنا أخويه يعتصمان بسور المدينة ، و خلال ساعة واحدة تمكن من دخول المنطقة الخارجية من مسقط ، و بعد أن أطعم جنده ، قضى ليله يستعد للهجوم عليهم عند منتصف الليل على السور لإكمال إحتلال المدينة و الإستيلاء على المراكز الحكومية فيها ، و دار اشتباك بين الفريقين ، و كان المسؤول عن "الباب الصغير" و هو الباب الشمالي للمدينة علي بن عبدالله الوهيبي (من بني وهيب) فتسلل إلى سلطان و عرض عليه أن يدخله من مركزه بالباب الصغير و لا حاجة إلى القتال على أبواب الباب الكبير ، فأطاعه سلطان ، و سار بهم إلى الحي المعروف بميابين ثم تسلل الى المنطقة التي يقع فيها السوق الجديد اليوم ، فإلى الباب الصغير ، و هكذا دخل سلطان إلى داخل المدينة ، و نسى رئيس الحرس أن سلطان عم أحمد و علي و أنه في نظره خائن لأمانته ، فبينما كان الوهيبي في ذروة آماله إذا سلطان يطلب منه تسليم الباب إلى سرحان بن سليمان الجابري ، و إذا به يقرعه و صحبه ، و إتجه سلطان بعد ذلك إلى الجريزة مركز القوة في مسقط فدخلها من سوق الذهب قرب دكاني محمد حبيب الرمحي و عبدالغفور الصايغ مولى الحرث ، في حين تحصن أحمد بالحامية الشرقية و تحصن علي بالغربية ، و إلتجأ أهالي مسقط الى قرية يتي و مدينة قريات بعد أن رأوا تبادل الرصاص بين المدينة و الحاميتين ، و قام محمد بن خلفان الوكيل بدوره الكبير في مساعدة سلطان بمسقط.

أدرك سلطان أنه في الطريق الناجح لبلوغ آماله ، و لكنه خشي أن يحبط أخوه قيس خطته اذا ما إنضم إلى سعيد ، فكتب إليه: (إني قد دخلت مسقط لأخلصها لك ، فاذا أتاك كتابي هذا إمضي بمن معك من القوم و عسكر بهم في القاسم ، و إشغل أخي و أخاك سعيد عن الوثبة لمسقط).

و إطمأن قيس إلى الكتاب ، فنفذ أمر أخيه و كتب إلى سـعيد: ( إن سلطان ما دخل مسقط إلا بأمري ، فكن أنت مكانك بالرستاق ، و ذر سلطان و ولدك أحمد في شأنهما ، فإنك إذا مضيت إلى مسقط سأمضي أنا إلى الرستاق و من أنذر فقد أعذر و السلام).

و رأى سعيد أن ينفذ كلام قيس ، و أن يترك ولده و إبن أخيه و عمهم لنتائج المعركة.

تمسك أحمد و علي بالحاميتين في حين إحتل سلطان كل أحياء مسقط ، و طالت الأيام على ذلك و وقفت الحركة التجارية ، و أخيرا عرض سلطان صلحا كانت شروطه بعد مفاوضات على الأوجه التالية:

1. يحتفظ سعيد بن الإمام بالحصن الشرقي في حين يبقى الغربي في قبضة محمد بن خلفان ، فإن نقض أحد الجانبين بندا من بنود الصلح سلم محمد الحصن للمعتدى عليه.
2. لقيس ابن الإمام أحمد حصن مطرح و ولايتها و مدخولها.
3. يبقى سلطان ابن الإمام في مسقط و له من مدخولها على أن يصرفه على الجند و الأسطول و حاجيات الحصن الشرقي.
4. يكون محمد بن خلفان واليا على مسقط.
5. يقيم سلطان بالجريزة عند وجوده بمسقط (و هي المركز الرسمي للحكومة).

هدأت الأمور الآن ، و عاد الأهالي إلى مدينتهم ، و نزل أحمد من الحصن الشرقي و عين سعيد رئيسا للحصن محمد بن عبدالله الشقصي ، و قبض محمد بن خلفان الحصن الغربي. و بعد ذلك ذهب سلطان إلى بركا و بقى هناك.

كان سلطان يترقب هدوء الأحوال في مسقط ليقوم بتنفيذ مخططه ، فهو لم يقم بحركته ليستسلم لهذه القيود ، و بعد فترة من الهدوء أقبل إلى مسقط واضعا نصب عينه الإستيلاء على الحاميتين ، و على الحكم كما كان حمد بن سعيد ، فأقبل الناس يواجهونه ومنهم نائب سعيد في الحصن الشرقي ، و عندما أراد الإنصراف قال له سلطان: ( اذا أردت حياتك سلم الحصن لي) ، فأجابه الشقصي: (دعني أمضي لأخرج أصحابي منه) ، فرفض سلطان ذلك و أدرك ما إنطوت عليه نفسه ، فأمر بتقييد يديه و طلب منه أن يمضي معه إلى الحصن ، فلما وصل إلى حي ولجات حيث يقع الحصن ، طلب منه أن يأمر أصحابه بالخروج من الحصن ، فلبى هؤلاء الطلب ، و هكذا إحتل سلطان بالخديعة ما لم يستطع أن يحتله بالدم و الرصاص ، و عاد يكتب لأخيه قيس أن يكف سعيدا عنه اذا أراد إحتلال مسقط فإنه قد أخذ الحصن له.

أما الحصن الغربي فقد أخذ محمد بن خلفان يزيد من تحصينه و يزوده بالبارود و الرصاص ، و زاد جنده ، فكتب إلى خصيف بن مطر الهنائي ، فأتاه بمائة رجل. و كان سلطان يلاحظ ذلك و لكنه ترك الأمر لوقته ، فهو لن يترك الحصن الغربي في يد محمد رغم مساعدته له عند دخوله إلى مسقط ، و عاد إلى بركا ثم إتجه الى مسقط بحرا و دخل من بحر مغب حيث يشمخ الحصن الشرقي ، و منه دخل إلى الحصن و أشاع بين الناس أنه مصاب بالجدري و فضل أن ينعزل عن الناس.

لم يجد محمد بدا من زيارة الأمير المريض ، فعارضه أخوه ماجد و ذكره بقصة رئيس الحرس ، و أقنعة بمحاولة جرت من سلطان و معه محمد بن خلفان المحل في إحتلال الحصن الغربي خلسة فتقهقرا عندما وجدا أن الحراس يقظون فلم يقتنع محمد ، و ذهب و معه أبوه إلى الحصن حيث وجدا سلطان جالسا في غرفة الإستقبال و ليس به أي مرض. و بعد جلسة طويلة استأذن الزائران ، فأجابهما سلطان: (أما أنت أيها الوالد خلفان فمرخص لك بالخروج ، أما ولديك محمد و علي فلا رخصة لهما) ، فسأله الأب: (و ما تريد بذلك) ، فأجاب: (الحصن الغربي). ثم أشار سلطان إلى رفيقه محمد المحل بالقبض على صديقه و مساعده في الهجوم على مسقط محمد بن خلفان ، فقبض على محمد ثم ساقه إلى السجن. و غادر الأب الحصن و في قلبه لوعة على إبنيه.

علم ماجد بن خلفان بما حدث ، فبدأ يزود الحصن الغربي بالحبوب و أنواع الأطعمة ، و أعلن الحرب على سلطان ، و أمر سلطان بهدم كل مخازن محمد بن خلفان في مسقط ، و طلب من السفن أن تقصف الحصن الغربي ، و لكن أمين الجمارك بن رزيق أقنع سلطان بالعدول عن ذلك فالمخازن ليست لمحمد و لكنها ملك الدولة ، فلماذا لا توضع عليها الأقفال و تصادر ، ثم أن الحصن أعلى من السفن فكيف تضربه ، و إذا بدأ بالضرب فإن الحصن مسيطر عليها ، فاقتنع سلطان بذلك.

و تعهد ابن رزيق بإقناع محمد للكتابة إلى رئيس الحرس بتسليم الحصن الغربي ، فوافقه سلطان على ذلك ، و دخل على السجين فلم يقتنع لأول مرة و لكنه أخيرا وافق على أن يكتب إلى خصيف بن مطر رئيس الحرس بتسليم الحصن الغربي لسلطان ، و لكن خصيف أبى التسليم ، و قال أن الحصون لا تسلم بمداد و قرطاس ، فذهب بن رزيق إلى والد محمد و أقنعه بالمساعدة في إنهاء المشكلة ، فجاء خلفان و أخرج ولده ماجد من الحصن بعد أن فشل في إقناع خصيف الذي تمسك بأن يحضر محمد بن خلفان بنفسه لإستلام الحصن ، و طال تمسك الهنائي بالحصن ، حتى تدخل الشيخ ماجد بن سعيد البرواني في الصلح بين سلطان و خصيف على أن يخرج من الحصن و يأخذ ما شاء من مال و عتاد و على أن يطلق سراح محمد بن خلفان ، و عندما أطلق محمد إتجه إلى بيت الفلج و تحصن فيه مع صديقه الوفي خصيف.

و هكذا سيطر سلطان على مسقط و تحقق جزء كبير من آماله بالحيلة و العنف ، و بقى عليه أن يحتل مطرح ، فأنى له و قيس بن أحمد بها و هو قد أقنع قيسا بأنه يحارب من أجله ....... فقط.

عين سلطان خلفان بن ناصر البوسعيدي واليا على مسقط و عهد إليه بإحتلال مطرح ، فسار هذا إلى مطرح لقبض حصنها من جهة السور المعروف من ذلك العهد "بسور اللواتيا" ، و اللواتيا هم طائفة من التجار جاؤوا من حيدر آباد بالسند إلى مدينة مطرح و عاشوا مع أهلها بسلام ، و ما يزال أبناؤهم حتى اليوم مواطنين يتعاملون بالتجارة في مطرح خاصة.

دخل خلفان من جهة السور إلى سوق الحلوى ثم سار إلى شاطئ البحر ، و هنالك نصب كمينا حشده بالرجال و المدافع ، و عند منتصف الليل أخذ يقصف الحصن ، و لكن الحامية لم تسلم بل ظلت تدافع إثني عشر يوما إنتصر بعدها خلفان و دخل الحصن.

بعد هذا إتجه سلطان إلى بيت الفلج ، فليس من الممكن أن يترك محمد بن خلفان متحصنا بها بعد ما وقع بينهما ، و هي قرية تبعد عن مسقط بثمانية كيلومترات ، و تعتبر ضاحية لمدينة مطرح ، و هي اليوم مركز الجيش ، و لكن محمد ثبت ثبات الأبطال في اعتصامه ببيت الفلج ، فلم تؤثر فيه المدافع و لا الحصار ، و كان بإمكانه أن يهرب إلى الإمام سعيد أو إلى أي ملجأ أمين ، و إضطر سلطان أن يعقد مع محمد صلحا يدفع بموجبه محمد ما على القلاع من مدافع مقابل بقائه في بيت الفلج.

بقى محمد في بيت الفلج بينما تفرغ سلطان لتحصين مسقط ، فبنى قرب الراوية ثلاث قلاع في الحي المعروف بالطويان ، أما سعيد فقد بقى بالرستاق في حين تجزأ النفوذ بينه و بين أخيه سلطان.

و عادت الحرب عندما إتفق سعيد و قيس و محمد على الهجوم على سلطان في مسقط ، فجمع قيس قبائل الظاهرة و الباطنة ، و كان مركزه بصحار يجعله على إتصال بهم ، و وضع سعيد كل إمكانيات الجيش تحت تصرفهم ، و كان محمد يحتل بيت الفلج ، و هي الطريق إلى مسقط. أما سلطان فلم يعد بإمكانه جمع القبائل إذ أن سعيد مسيطر على الداخل و قيس على الباطنة و الظاهرة و الشمال ، و عندما أقبل الجيش المتحالف لم يكن عند سعيد من القبائل إلا مائة رجل من الحرث جاء بهم ماجد بن سعيد البرواني بالإضافة إلى جيشه في مسقط.

و مرة أخرى يلجأ سلطان إلى الحيلة ، فبينما كان أعداؤه مرابطين في القرم بعشرات الآلاف من الجنود ، أمر سلطان أن تشعل النار من أول جبال قرية روي إلى آخر جبال قرية دارسيت ، فظن أولئك أن لدى سلطان جيشا عظيما ، و أن لا طاقة لهم بحرب سلطان ، و عند ذلك بعث سلطان إلى قيس كتابا يأمره فيه بالتوجه إلى بدبد ، و أن يقيم بها حتى يأتي لتسليمه بدبد و سمائل و يقنع بذلك عن مسقط و مطرح ، رضي قيس بذلك و خرج عن حليفيه و إتجه إلى بدبد. و إنسحبت الجيوش من بعد إلى الرستاق و ذهب سلطان عن طريق وادي حطاط إلى سمائل ، و هنالك شن الحرب على أخيه قيس و هرب قيس إلى صحار ، و تم الأمر لسلطان بن أحمد إذ قابله شيوخ القبائل و تحقق أمله في أن يخلف حمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد. و مع ذلك لم يترفع سلطان عن الإنتقام فقد أمر خادمه سويلم بن سالمين و محمد بن عيسى الهنائي بالتربص بخصيف بن مطر الهنائي (الذي رفض تسليمه الحصن الغربي حتى يطلق سراح محمد بن خلفان) و القبض عليه و سجنه و منع الماء عنه حتى يموت ، و بينما كان الرجل قادما إلى مطرح آمنا مطمئنا إذ قبض عليه ، و بعد أن نفذت فيه الخطة ألقي به إلى اليم.

9 ـ خارج عمان

أصبح سلطان هو الحاكم الفعلي لعمان الآن ، فإتجه إلى إعادة نفوذ بلاده الخارجي ، و بدأ حملة قادها بنفسه إلى مكران بمنطقة بلوشستان التي تشكل الآن إقليما من أقاليم الباكستان ، فنزل بإسطوله في جواذر حيث إستقبله حاكمها ناصر خالد فأعلن له الولاء.

ثم إتجه إلى إحتلاال جزيرة القسم التي تعتبر الحصن المنيع ضد أي خطر يهدد عمان ، فتمكن من طرد الفرس و إلحاقها بنفوذه ، و بعد ذلك إتجه إلى هرمز التي عرف القارئ بوجود دولة فارسية فيها و إستطاعت أن تمد نفوذها إلى بعض سواحل عمان قبل اليعاربة ، فنجح في ضمها إلى نفوذه.

و في عام 1801 م أرسل حملة إلى البحرين ، و كان يحكمها آل خليفة و هي الأسرة الحاكمة في جزائر البحرين اليوم ، و بعد قتال عنيف دخلت قوات سلطان بن أحمد إلى البحرين ، فعين سيف بن علي بن محمد البوسعيدي واليا على البلاد ، ثم ولى عليها ولده سالم بن سلطان و كان صغيرا في السن لا يتجاوز الثانية عشر من عمره ، إلا أن سلطان عين محمد بن خلف البحراني مساعدا لولده ، فأثار هذا التعيين ضغينة آل خليفة و كثيرا من سكان البلاد لناحية طائفية ، و كان مع ولده سالم خادمه ومن كبار قادته سويلم بن سالمين ، و أمر سلطان ببناء قلعة بجزيرة المحرق بالبحرين تعرف الآن بقلعة عراد ، و ما تزال أطلالها باقية حتى اليوم.

كان حاكم البحرين عند دخول الحاكم العماني الشيخ سلمان بن أحمد آل خليفة ، و قد إتفق سلطان معه على أساس تسليم البلاد و إبقاء أمواله و أملاكه له ، و قد أثر بناء القلعة على أمل آل خليفة في إسترداد البحرين ، فذهبوا إلى الزبارة حيث كانوا يحكمون قبل مجيئهم إلى البحرين و إنتقلوا بعائلاتهم و ذويهم ، و من هناك أخذوا يستعدون للتحفز من جديد و لتكتيل قواتهم و جمع أنصارهم ، و كان سلطان قد إصطحب محمد بن أحمد الفاتح أخا الحاكم الخليفي إلى مسقط حيث أمره بالسكنى ضمانا لعدم ثورة آل خليفة ضده. و شاء القدر أن يموت محمد في مسقط و أن يكون آل خليفة قد إستكملوا إستعدادهم و ضمنوا تأييد سعود بن عبد العزيز حاكم نجد لهم ضد الحاكم العماني الذي سنبين إشتباكه مع سلطان في معارك عديدة.

أرسل حاكم نجد إلى البحرين جيشا بقيادة إبراهيم بن عفيصان ، و هجم آل خليفة بمن معهم و بهذا الجيش على قوات سلطان الذي كان في مأزق من تدخل النجديين في عمان ، و احتلالهم بعض المناطق ، فلم يستطع الصمود ، و ترك البحرين للقوات الخليفية و السعودية ، و لكن القائد النجدي إقتحم حكام البلاد و أصبح يفرض كلمته عليهم ، و قد إضطر كثير من أهل البحرين إلى الهجرة منها لما لاقوه من إنتقام وصفه المؤرخ العماني إبن رزيق: ( قتلوا من البحارنة خلقا كثيرا و حازوا أموالهم فتفرق جمعهم إلى البلدان النائية ، و عذبوا من بقى منهم بالبحرين عذابا شديدا ، و وضعوا عليهم النكال و الضرب ، و فعلوا بهم غير الجايز من هتك الحرم).

و رغبة من التخلص من نفوذ القائد النجدي توجه الشيخ عبدالرحمن بن راشد آل فاضل عام 1224 هـ و هو من أعيان البحرين و ممن يرتبطون بالمصاهرة مع حكامها آل خليفة إلى مسقط لمفاوضة حاكمها آنذاك السيد سعيد بن سلطان متظاهرا أنه خارج للتجارة في سفينته المسماه الجابري ، و لكن السيد سعيد إعتذر عن مده بجيش ، و قدم له مساعدة مادية و أهداه السيف المسمى (السلموني) ، و عاد فاضل من مسقط و أعلنها حربا على إبن عفيصان فأجلاه عن البحرين و عاد لآل خليفة حكمهم خالصا.

10 ـ حرب النعيم


حاولت قبيلة النعيم الإنفصال عن نفوذ سلطان و ساندتهم في ذلك قبائل الشمال و منهم بنو ياس و بنو قتب ، فهجموا على العوهي قرب صحار ، فطلب قيس بن أحمد من أخيه المساعدة لصدهم فأرسل جيشا قوامه قبائل الشرقية و جعلان و الظاهرة ، و إشتبك الفريقان في موضع يعرف بالدباغ و كانت النتيجة تفرق قبائل الشمال.

و قد ثارت عليه أيضا قبيلة الدروع فقضى على ثورتهم.

11 ـ الحرب السعودية السعيدية

كما يرى القارئ ليس هنالك من فرق بين الفريقين إلا في حرف واحد هو واو أو ياء ، و قد أوجدت اللغة مجالا أن يحل أحدهما محل الآخر ، فكان الإعلال و الإبدال ، و أوجدت القرابة أن تكون له مراعاة كبيرة ، فكانت العروبة ، و أوجب الدين أن يكون له إستجابه و المقياس فكان الإسلام ، و مع ذلك فإن هذين الإسمين لم يتفقا ، تشابها في الإسم ، و تدانيا في الأصل ، و ترابطا في الدين ، و رغم ذلك كله فقد إختلفا إختلافا كبيرا ، كانت ضحيته عمان في ماضيها و حاضرها.

فقد ظهرت الدعوة الوهابية زمن سلطان بن أحمد فلم تجد لها من تقاومه إلا الصرح القائم الذي كان من الممكن أن يكون عزا و سندا للحكم الجديد في نجد ، فتناست الخطر الكبير المحدق الذي لمس القارئ مظاهره عند تحليلنا للموجات الإستعمارية من برتغالية و فرنسية و هولندية و بريطانية ، و ما أشـبه الليلة بالبارحة ، فعاد التاريخ على لسـان الملك عبدالعزيز ليجري سـطورة على عمان أيضا ، جاءها بالأمس ينشر مذهبا فقاومته ، و إختلف الأخوان ففاز الثعلب المتربص ، و عاد إليها اليوم يمد نفوذا بحجة البريمي فخسر الإخوان و فاز الذئب الكامن أيضا ، و تصاعدت على إثر عوائه نيران الحرائق و رعود الصواريخ و أشلاء البشر ، فيالها من حكمة بالغة لمن قال: (التاريخ يعيد نفسه). و لا لوم في ذلك إلا على الجهل و لا عتب إلا على الهوى ، و في كلا الفرقتين لا نتحيز إلى فريق دون فريق ، و لكنا نقول ويلكم يا أبناء العم ، و حنانيكم يا أبناء البلاد الواحدة ، إذا كان التاريخ قد طبق عليكم حكمته ، فخذوا أنتم منه دروسـه ، و عيشـوا في مناطقكم إخوانا أصـفياء ، فوحوش الغابة تتوالى عليكم ، و زئيرها يتردد بين أجوائكم ، فليكن المستفيد من حدودكم و نفوذكم هو الشعب العربي وحده لا الإستعمار الغربي ، فإذا كان الموت و الدمار لأفراد هذا الشعب و التقويض لتاريخه ، فخير أن يبقى واقع الحدود كما هو ، فلن يسـتفيد إلا العدو اللدود ، و لن يهلك إلا الأخ القريب ، و هذا ما حدث من الخلاف المذهبي أمس و العائلي اليوم.

و مالي أنا و هذه المقدمة ؟ لا أستطيع أن أجيب فإني على ثقة بأن القارئ بعد أن يقرأ العرض القادم لما حدث في زمن سلطان بن أحمد و يقارنه من بعد بما حدث حول واحة البريمي سيشعر بنفس الشعور و سيقول نفس الكلمات ، و إن تجاوزت حدود المؤرخ فليعلم القارئ أن التاريخ جزء من الأمة ، و أنا لم أستطع أن أفصل شعوري نحو أمتي عن تاريخها ، و من هنا يكون عذري للقارئ الأجنبي.

بعد أن تمكن أتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب من ترسيخ أقدامهم في نجد و من نفوذهم في الإحساء و القطيف بعث جيشا إلى عمان يبرر المؤرخ السعودي الأستاذ صلاح المختار زحفه فيقول: ( لتعليم سكان هذا الإقليم فرائض الدين و الإطلاع على أحوالهم) ، و كأنهم كانوا يعيشون في عصر الجاهلية!

بدأ الهجوم على شمال عمان و إستطاعوا أن يستميلوا الشيخ صقر بن راشد القاسمي حاكم رأس الخيمة الذي عرف القارئ أنه استقل عن العاصمة و كون إمارة في رأس الخيمة ، فوجدت الحملة مقاومة من بني ياس و من النعيم و بني قتب و الظواهر و الشوامس ، و لكنهم رضخوا له بعد معارك عديدة ، و إتخذ الجيش العربي الوافد مقرا له في البريمي ، و منها أخذ يقلق أمن الباطنة ، و تم لهم ذلك عام 1800 م ، بعد أن جاءهم المدد من نجد بقيادة عبد يسمى الحريق.

و في هذا الوقت خرج سلطان بن أحمد إلى البصرة بحجة الحصول على الأتاوة السنوية التي درجت البصرة على دفعها لأبيه منذ حملته ضد الفرس ، فإتصل بالعثمانيين لمفاوضتهم في مقاومة الخطر الوهابي و ربما تم مؤتمر بينه و بين الإنكليز و العثمانيين في البصرة حول ذلك ، إذ أن المصادر تشير إلى أن المقيم البريطاني في البصرة قد توسط لدى الفريقين حول هذه الأتاوة ، و بشيء من التفكير يمكن نفي ذلك ، فلا حاجة لأن يذهب سلطان بنفسه لغرض الحصول على مبلغ من المال في حين أن مناطق هامة من بلاده يهددها سعود بن عبدالعزيز المعروف بالكبير ، و لكنه عالج ذلك بمهادنة صقر بن راشد عام 1798 م ، و في عام 1803 م ذهب إلى الحج فكان ذلك وسيلة للإجتماع بشريف مكة و الإتفاق معه على مقاومة الوهابيين ، و قد سلك طريق البحر فنزل في جدة محملا بأنواع الهدايا و أناب عنه في الحكم مجلسا يتكون من ولده سالم و نسيبه محمد بن ناصر الجبري و محمد بن خلفان البوسعيدي. و قد إتفق حاكما الحجاز و عمان على مقاومة حاكم نجد ، و عاد سلطان إلى مسقط و هو يتهيأ لإخراج الحريق من بلاده ، حري بنا هنا أن نقف وقفة قصيرة لندرك التطورات التي حدثت في هذه الفترة الحرجة ، فقد ظهر التنافس كبيرا بين الإنكليز و الفرنسيين بسبب حملة نابليون بونابرت على مصر ، و كانت خطة نابليون تهدف إلى اختراق طريق الهند ، فلابد له من أن يتفق مع حكام الطريق إلى الهند ، فأرسل بونابرت رسالة إلى سلطان عن طريق شريف مكة ، هذا نصها:

القاهرة في 25 يناير 1799 م

إلى إمام مسقط

أكتب اليك هذه الرسالة لأخبرك عن وصول الجيش الفرنسي إلى مصر ، و بما أنك كنت دائما صديقا لنا فعليك أن تقتنع برغبتنا حول حماية سفن التجارة التي يمكن أن ترسلها إلى السويس ، و أرجو أن تبلغ رسالتنا هذه إلى تيو صاحب.

توقيع/ بونابرت

و هذه هي رسالة بونابرت إلى تيو سلطان حاكم ميسور

القاهرة في 25 يناير 1799 م

إلى تيو صاحب

لقد علمت عن وصولنا في سواحل البحر الأحمر بجيش لا يحصى عدده ، و من أهدافه هو تخليصك من النطاق الحديدي الإنكليزي ، و إني أبادر بإخبارك برغبتي بأن أتلقى أخبارا حول الوضع السياسي الذي تختاره لنفسك ، و أرجو أن ترسل إلى السويس أحد الأشخاص الحاصلين على ثقتك و الذي يمكن التباحث معه.

توقيع/ بونابرت

و علينا الآن أن نركز البحث في هذه العقدة من التدخل الإستعماري في عمان لنرى كيف إستطاع الحكام العمانيون الصمود للمستعمر و معارضة مغرياته و كبح نزواته ، و مع ذلك فقد وجد المستعمر السبيل إلى التدخل و السيطرة بعد أن تنازع العرب فيما بينهم بتدبير منه ففاز بالثمرة الناضجة.

كان التنافس قويا بين بريطانيا و فرنسا حول الخليج ، و قد تمكنت بريطانيا من كسب إيران و النفاذ إلى الخليج عن طريقها و عن طريق شركتها في الهند ، و في عام 1798 م شعرت بالتقارب بين فرنسا و عمان ، فطلب المقيم البريطاني في بوشهر ويلزلي من أحد موظيفيه مهدي علي خان أن يذهب إلى مسقط لمباحثة سلطان حول علاقته بفرنسا فتمكن هذا من إقناعه بتوقيع معاهدة في 12 أكتوبر 1798 م تنص على ما يلي:

1. إبعاد فرنسا من حدود عمان و سفنها من شواطئها إذا وقعت حرب بين فرنسا و بريطانيا.
2. يسمح بتأسيس مصنع بريطاني في مسقط لشركة الهند الشرقية.
3. تؤسس حامية بريطانية في بندر عباس لا تزيد على 8000 جندي.
4. عدم الموافقة على قيام وكالة فرنسية أو هولندية في عمان أو توابعها.
5. طرد جميع الرعايا الفرنسيين من خدمة سلطان (وكان لديه طبيب فرنسي).
6. تساعد السفن العربية السفن البريطانية في حالة إشتباكها مع فرنسا في المياه الإقليمية لعمان.

و في هذ العام وصلت بعثة فرنسية إلى مسقط ، كما عرف القارئ عن الإتصال بين نابليون و سلطان بن أحمد الأمر الذي يدل أن سلطان كان يتحاشى شر الجانبين ، و قد إستعرضت بريطانيا عضلاتها بالنسبة للحاكم العماني بعد توقيعه المعاهده بمصادرتها سفينة فرنسية إسمها اللؤلؤ كانت تحمل هدايا لسلطان بن أحمد.

و كان هذا أول مظهر للنفوذ البريطاني في عمان ، فقد سبق أن رفض سلطان نفسه طلبا بريطانيا بتأسيس مركزا للشركة.

و رغم هذه المعاهدة كانت هنالك مكاتبات بين سلطان بن أحمد و بين "دنكان" الحاكم البريطاني لبومبي في الهند ، يلوم دنكان سلطان فيها على تعامله مع فرنسا في حين برر هذا موقفه ، و من أوجه هذا اللوم إمتناع الحاكم العماني من تسليم أملاك تيو صاحب في مسقط للإنكليز و ذلك بعد أن هاجمته بريطانيا و ضمت إمارة ميسور إليها ، و ذلك بعد عام من توقيع المعاهدة ، و لامه دنكان أيضا على المعاملة السيئة التي لقيها المستر بلانكيت عند مروره بزنجبار في أفريقية الشرقية و هي تابعة لعمان.

و من أوجه اللوم أيضا عدم قطع سلطان تجارته مع جزيرة موريسيش التابعة لفرنسا ، و شراؤه السفن البريطانية التي إغتصبها القراصنة الفرنسيون.

وجدت بريطانيا أن لابد لها من تعيين ممثل سياسي في مسقط ليرقب إتصالات سلطان عن كثب ، و وجدت خلافه مع النجديين هو الطريق إلى هذا الهدف ، فليس هنالك ظرف ملائم كهذا ، فأوعزت إلى الكابتن جون مالكولم أن يواصل سيره إلى مسقط بعد فراغه من زيارة شاه إيران ، و أن يجدد المعاهدة العمانية الإنكليزية ، و يفاوض في معاهدة أخرى تؤكد الأولى.

وصل المندوب إلى مسقط عام 1800 م فإستقبله الوالي سيف بن محمد ، فأخبره أن الحاكم ذهب على رأس حملة إلى البحرين و لا يعرف متى يعود ، فلم ينتظر هذا أو ييأس بل أقلع بسفنه تابعا سلطان أينما كان ، فلقيه في الطريق بين قسم و هنجام ، و إجتمع به على ظهر السفينة ، و دارت بينهما المفوضات ، و بدأ مندوبو بريطانيا يرفعون رؤوسهم و يعلون أصواتهم أمام الحاكم العربي الذي قضى أسلافه على أول غزو إستعماري ، و رفض أبوه كل المغريات و تحدى كل التهديدات أزاء تأجير مسقط لشركة الهند الشرقية ، ثم أمام الحاكم العربي نفسه الذي رفض حتى مجرد فتح مكتب للشركة ، و لكنه الشقاق بين أبناء العم ، و لست أرى ما يراه عدد من المؤرخين بأن سبب تسليم سلطان لمطالب الإنكليز هو إنتصار بريطانيا على فرنسا و إنفرادها بالنفوذ بالخليج و الهند ، فلم يكن سلطان حاكما ضعيفا لا يملك الرجال و السفن و العتاد ، و قد قال المقيم البريطاني في بوشهر تعليقا على معاهدة 1798 م: (لقد كسب لنا مهدي علي خان أكثر مما نؤمله) ، فماذا يعمل سلطان بن أحمد بن سعيد إزاء صلف المستعمر و جيش عربي يهدده في أرض عربية و يؤلب من حوله القبائل.

بدأ مندوب بريطانيا يرفع صوته لأول مرة و يلح في مطالبه ، فنال ما أراد إذ وافقه سلطان على فتح وكالة سياسية في مسقط ، و لم يلبث الإنكليز أن عينوا مالكوم نفسه أول وكيل سـياسي في مسـقط ، و قد قال سلطان عند إستقباله مالكولم إنه لا يتمنى إلا أن يكون حليفا لبريطانيا في تخلصها من أعدائها.

و على أثر توقيع المعاهدة أقبلت بعثة فرنسية إلى مسقط لتخبر سلطان عن رغبة فرنسا في إيجاد علاقات سياسية مع عمان ، و أن الممثل المرشح لمسقط موجود بالسفينة ، فرفض سلطان ذلك موضحا للفرنسيين عدم إستطاعته إستقبال قنصل فرنسي ، و أنه على ما يعهدونه في العلاقات التجارية.

و يبقى بعد هذا سؤال واحد ، هل كان من مصلحة عمان أن تقاتل الجيش النجدي في شمالها ، أو أن تستسلم للرغبات البريطانية ؟

إن المسافة الزمنية التي تفصل هذا الحادث و بين إلقاء النظرة التاريخية تشجع على القول بأنه كان في إمكان سلطان أن يفهم الجيش العربي الهاجم بإسم الدين أو يقاومه ، فلديه من القوة ما يستطيع أن يتحدى به سفن الإنكليز و زحف الحريق فيحتفظ من بعد بإستقلاله و كرامته التاريخية ، و الإتفاق مع الإنكليز لم يمنع الحرب ضد الوهابيين ، فسوف يرى القارئ أنه حاربهم بنفسه ، و سوف يرى القارئ أن ولده سعيد سيشترك مع الإنكليز في محاربتهم ، أفما كان من الأفضل أن ينجلي الموقف بدون لندن.
و في العام الذي كان الإنكليز فيه يفاوضون سلطان على إقامة علاقات سياسية معهم زحف الوهابيون على البريمي من شمال عمان فإحتلوها ، و ما أشبه الليلة بالبارحة ، و ما أوضح التاريخ بعد مرور عدد من السنين.

و في عام 1803 م قرر سلطان مهاجمة الوهابية بعد إتصال بينه و بين الحاكم العثماني في بغداد و بين شاه إيران ، و لكن حلفاءه لم يستطيعوا مساعدته و فشل في هجومه ، ثم أغار جيش الحريق على مدينة السويق بالباطنة فأرسل لهم سلطان جيشا بقيادة محمد بن حمد الوهيبي فإنسحب هؤلاء إلى وادي الحيملي و هنالك إشتبك الفريقان فقتل القائد العماني.

و على أثر ذلك كان سلطان يدعو العمانيين جميعا إلى عقد مؤتمر ، فترسل كل قبيلة مندوبا عنها ليجتمعوا في بركا ، فتواجد أعيان البلاد لتلبية الدعوة و ممن حضر أحمد بن سعيد ابن الإمام أحمد بن سعيد و عزان بن قيس ابن الامام و سيف بن على البوسعيدي و محمد بن خلفان البوسعيدي و ماجد بن خلفان البوسعيدي و طالب ابن الإمام و محمد ابن الإمام و ماجد بن سعيد البرواني و مهنا بن محمد بن سليمان اليعربي و حجي بن سعيد الحسني و سالم بن علي التمامي و عيسى بن صالح الحارثي و خادم بن محمد.

و بدأ سلطان إفتتاح المؤتمر بقوله:

"أيتها الجماعة و المشائخ و القبائل ، لقد علمتم بقتل أصحابي بوادي الحيملي فبقيت بعدهم ككف بلا أصابع و هذه الحرب متفاقمة علينا من كل مكان ، و من كان لي محبا صار لنا عدوا ، و من زعم لنا صديق فهو غير نافع في هذه الشدائد ، و بلغت القلوب الحناجر من الضيق فما رأيكم في هذا الشأن".

و أجابه سيف بن علي البوسعيدي بقوله: " إن كنت تزعم أن لا بقي أحد من عمان له شدة و سطوة على قتال الأعداء النجدية بعد مقتل محمد بن حمد الوهيبي و صحبه فليس زعمنا كزعمك ، إذ لا شك أن بعمان من هم أشد منه قوة و أكثر جمعا و أصبر جلادا على الحرب ، فما نحن بجازعين من الوهابية و غيرهم من الأعداء ، فإن قلوبنا التي نقصي بها الأعداء في صدورنا و السيوف التي نضربهم بهن على أكتافنا ، و ما خضاب الرجال إلا الدم فطعم الحرب لنا كالمن و السلوى ، و لاخيرة في معال لا تزكيه فعال و ليعلم الوهابيون و الأضداد و المجاهرون أي منقلب ينقلبون".

و أيد الجميع قول سيف و ردد البوسعيد: "كلامنا في هذا كلام سيف" و ردد مندوبو القبائل: " ما أحلى لنا حرب الطاغين ففي أعيننا كثيرهم قليل و في قلوبنا عزيزهم ذليل ، يأبى الكريم أن يكون لئيما جفولا ، و يأبى العزيز أن يعيش ذليلا".

و بينما كان مؤتمرهم يكاد ينفض بهذه الروح التي يلمسها القارئ من بياناتهم وردت رسالة من قيس بن الإمام أحمد والي صحار يشعر فيها أخاه أن الحريق يستعد للهجوم على صحار ، و أنه معسكر بقومه في العوهي ، و طلب منهم سلطان أن يعود كل منهم إلى منطقته و يأتوه بما عندهم من الرجال في الخابورة ، و تفرق الجمع بعد ذلك فمضى سلطان إلى مسقط و بدأ يعد أسطوله فزود السفن و في مقدمتها الفلك بالأسلحة و الحبوب و التمر ، ثم إتجه برا إلى الخابورة حيث موعد الجيوش ، و لحق به الأسطول ، فأرسى غربي حصن بركا و إجتمع له اثنا عشر ألف مقاتل.

علم القائد النجدي بأنباء الجيش فغادر العوهي ليلا و عاد أدراجه إلى مركزه في البريمي ، ثم عاد إلى نجد إذ علم بإغتيال عبدالعزيز بن محمد بن سعود إمام الوهابية خشية تطور الحوادث.

و هنا نورد حادثة سنعود إلى بطلها في فصول قادمة ، فعند ذهاب السيد سلطان إلى الحج عام 1218 هـ (و كان يرافقه نخبة من رجاله منهم محمد بن مطر الشرقي صاحب الفجيرة و مهنا بن محمد اليعربي و ربيعة بن أحمد الرواحي) ، حاول إبن أخيه بدر بن سيف ابن الإمام إغتصاب مسقط من واليها ، و كان يقيم بمدينة حبرا في وادي المعاول متفقا مع ماجد بن خلفان البوسعيدي ، فوصل خلسة إلى الحصن الشرقي بمسقط و معه حداد إسمه براكا العرملة . و كان رئيس حرس الحصن عبد لعمه يسمى كومبو. فنادى كومبو و أشرف عليه من كوة بالحصن و عرض عليه بدر أن يعطيه ألف ريال فضة مقابل دخوله الحصن ، فإدلى كومبو سلة كبيرة وضع فيها بدر المبلغ ، و لما تسلم المبلغ هتف به مهددا بالرجوع أو إطلاق النار و أخذ يرجمهم بالحجارة.

عند ذلك وجد بدر أن لا مكان له بمسقط فخرج إلى حبرا ، و منها إلى عجمان بشمال عمان حيث ظل ضيفا على شيخها راشد بن حميد النعيمي ، و بعد إقامة ثلاثة أيام بعجمان إتجه إلى الدرعية عاصمة نجد آنذاك.

أما كومبو فقد أعلم والي مسقط سيف بن حنظل البوسعيدي عن الموضوع ، فأمره بحفظ المبلغ لديه و كتمان الخبر حتى وصول السيد سلطان ، و أرسل سيف إلى الحداد فسجنه ، و قطع عنه الطعام و الشراب حتى مات ثم ألقى به إلى البحر ، و براكا هو أحد عبيد سيف ابن الإمام أحمد غرته الدوافع بطاعة مولاه بدر فكان جزاؤه أكبر منه و أفظع من غدر سيده ، و عند عودة سلطان عفا عن ماجد لأنه لم يغادر البلاد ، و توعد إبن أخيه بدر .... و نذكر هذه القصة لما سيتبعها من مشاكل على عمان سيكون بطلها بدر.

زار السيد سلطان بعد ذلك البصرة عام 1219 هـ لأخذ الأتاوة السنوية ، فإستقل سفينته المسماه (جنجا) و وصل إلى البصرة فواجهة أكابر المدينة و مكث بها أياما عاد بعدها إلى مسقط ، و بينما كان قرب لنجة بمنطقة فارس أراد أن يتنزه في البحر ، فترك جنجا و نزل إلى مركب صغير يسمى البدري و معه بعض خواصه ، و طلب من مرافقيه في الرحلة أن ترسى سفنهم مقابل جزيرة القسم ريثما يعود.

و بعد أن إبتعد عن قومه تصدت له ثلاث سفن من رأس الخيمة ، و ألقوا هذا السـؤال: ( لمن السفينة ؟ ) فأجابهم سلطان بنفسه: (سلطان ابن الإمام أحمد الذي يكلمكم) ، فقالوا: (نحن طلبة سلطان) ، فأجابهم: ( أرخوا شرع سفنكم و الحرب بيني و بينكم بعد صلاة الفجر إن شاء الله ). فوافقوا على ذلك ، و قد طلب رفاقه من أن يهبط من البدري إلى قاربها و هم يوصلونه بالركب فقال: (يأبى الله أن أفر من الرجال عن القتال).

و عند الفجر من يوم الخميس 13 شعبان 1219 هـ (1804 م) هتف سلطان بمطالبيه ، و دارت بين الفريقين معركة كبيرة أصيب فيها سلطان برصاص بندقية في فمه فمات في حينه ، و لم يقتل أحد من أصحابه ، فذهبوا بجثته إلى لنجة و أقبل رفاقه من القسم و دفن بلنجة.

تولى السيد سلطان الحكم بقوة كما علمنا فلم ينتخب كما جرت العادة و لم يعينه الحاكم المنتخب الذي إتخذ له مقرا بالرستاق ، و واجهت سلطان مشاكل جمة داخلية و خارجية ، و لكنه صمد لها جميعا ، و نخلص من عهد سلطان بالملاحظات التالية:

1. هدم سلطان نظام الإمامة فسيطر على السلطة بالقوة و تجاهل الحاكم المنتخب – و لو صوريا – الذي هو سعيد ابن الإمام أحمد.
2. لا ننكر لسلطان دهاءه و ذكاءه و تسييره دفة الأمور بمهارة.
3. يعتبر سلطان بن أحمد أول من دخل في معاهدات مع الإنكليز و فتح لهم الباب للدخول إلى البلاد ، و بذلك يكون أول حاكم أهان الكرامة العربية في عمان ، فقد كان بإمكانه أن يصمد لمؤامراتهم و منافستهم مع فرنسا ، و أن يحافظ على سياسة الحياد التي إنتهجها إبن أخيه حمد بن سعيد ابن الإمام أحمد و سياسة الآباء التي تميز بها أبوه الإمام أحمد.
4. مهما صادف سلطان من مشاكل بالعدوان الوهابي ، و مهما أثر عليه خروج رأس الخيمة من نفوذه ، فإن ذلك ما كان يليق أن يدفعه إلى مساومة الأجنبي ، و رغم هذا فهو لم يخرج الوهابية نهائيا من المناطق التي إحتلوها.
5. قام سلطان بأعمال الطغاة في التخلص من أعدائه ، و قد عرف القارئ معاملته لخصيف الهنائي ، تلك المعاملة التي كان لها أثر كبير لدى ولاته ، فعرفنا أن سيف بن حنظل والي مسقط قلده عندما قبض على براكا العرملة.

و قد توفى سلطان و كان أخوه الإمام سعيد حيا بالرستاق ، و لكنه مجرد من سلطة عدا نفوذه في مدينة الرستاق ، و كان أخوه قيس واليا على صحار و محمد في السويق ، أما اليعاربة فكان مركزهم نخل.

و في خارج عمان كانت لنجة و جزء من منطقة فارس تابعة لعمان ، و في أفريقية الشرقية بقيت التبعية لعمان إلا أن الولاة كانوا مستقلين في حكمهم و لا رابط بينهم و بين العاصمة مسقط إلا التبعية الإسمية ، و سنوضح ذلك في فصل قادم.

12 ـ سعيد بن سلطان
(1219 ـ 1273هـ) ـ (1804 ـ 1856م)

خلف السيد سلطان بن أحمد ولدين أحدهما سالم و عمره ثماني عشرة سنة و الثاني سعيد و كان في الثانية عشرة من عمره و مع ذلك فقد أمرت السيدة موزة بنت الإمام أحمد بأن يتولى سـعيد مركز أبيه ، و لعل ذلك عائدا إلى أن أم سالم هي ناجية بنت محمد بن خلفان البوسعيدي و أم سعيد هي غنية بنت سيف بن محمد بن سعيد بن محمد بن خلف البوسعيدي أي إبنة عم الإمام أحمد بن سعيد بن محمد بن سعيد البوسعيدي.

و ليذكر القارئ أن الإمام سعيد ما زال حيا ، فورث سعيد مركز أبيه في الشؤون الإدارية و السياسية ، و بطبيعة الحال لم يبق هنالك إعتبار لمركز سعيد ابن الإمام إلا إسميا فقط. و لأول مرة نجد أثر الأسرة واضحا في الحكم العماني ، فهذه هي بنت الإمام أحمد تقوم بدور كبير في تعيين الحاكم ثم تقتحم الأخ الأكبر لتولي الأخ الأصغر ، و تدع أمر الوصاية على الحكم بيد محمد بن ناصر الجبري الذي عرف القارئ أنه نسيب السيد سلطان.

على أن سالم كان عاقلا لبيبا ، فلم يخالف أخاه في شيء ، فعاش الأخوان كل منهما سندا للآخر يبت أحدهما ما يقرره الثاني.

و بدأت المؤامرات تظهر للحكم الجديد منذ البداية ، فقد إتجه محمد بن خلفان البوسعيدي إلى صحار حيث يقطن قيس ابن الإمام أحمد و أغراه بأخذ السلطة ، فأثار في نفسه ما فرضت عليه الظروف أن يخفيه زمن أخيه سلطان ، و عرض محمد على قيس أن يزوده بكل ما يحتاج إليه ، فإستطاع أن يجلب إلى جانبه رجال البوسعيد عدا محمد بن خلفان المحل و علي بن طالب بن مهنا و هلال بن حمد بن سعيد ابن الإمام أحمد و سيف بن علي خال سالم بن سلطان.

علم الأخوان بذلك ، فكتبوا إلى كبار أعيان البلاد بإرسـال رجال من قبائلهم للـوقوف أمام قيـس ، عرفنا منهم ماجد بن سعيد البرواني و مهنا بن محمد بن سليمان اليعربي (والي نخل) و سرحان بن سليمان الجابري و سالم بن ثاني بن مسعود الجابري (من الجيلة) و نجيم بن عبدالله السـيابي ، فوصلت أهالي سمائل بقيادة سرحان و رابطوا في سد روي قرب مطرح ، و بادر اليعربي بمناصرة السيد سعيد فجمع جيشا من بني ريام و العبريين و قبائل الظاهرة بقيادة حميد بن ناصر الغافري.

أما قيس فقد إنضم إليه أخوته سعيد ابن الإمام أحمد (الإمام الإسمي) و محمد بجيش كبير من قبائل الخضراء و السويق و أتاه علي بن هلال ابن الإمام أحمد بقبائل من الحدان. فإجتمع لديه جيش كبير بلغ عدده إثنا عشر ألفا ، فبدأ بالهجوم على الخابورة فإستلمها من الشيخ نبهان بن سيف الزاملي و في طريقه لم يتعرض للمصنعة و لا بركا ، و لكنه ذهب إلى السيب فإستلمها من واليها سيف بن حنظل البوسعيدي ، و منها إتجه إلى سد روي ففشلوا في زعزعة الجيوش ، فأمرهم قيس بسلوك طريق عقبة مراخ فإقتحموها ثم دخلوا بيت الفلج و هددوا مسقط و مطرح.

عند ذلك خرج سالم بن سلطان في سفينته التوكلي إلى بركا و طلب مددا من مهنا اليعربي والي نخل فأجابه في الحال ، و عاد سالم إلى مسقط و سلم حصون مسقط و مراكزها إلى حليفه اليعربي عدا الحصنين الشرقي و الغربي ، و قسم مهنا جيشه فقبض بنو جابر المكلا و المساكرة باب المثاعيب.

بقى جيش قيس يترقب في حين قرر الزعيمان ماجد بن سعيد البرواني و مهنا اليعربي أن يصلحا بين الطرفين فعرضا على قيس أن يدفع له ألفا ريال شهريا على أن يترك محاربة أبناء أخيه و كل ما استولى عليه من بلدان يبقى تحت إدارته ، فرفض قيس و أصر على الحرب ، و ليذكر القارئ التنافس الإستعماري القائم و المندوب السياسي المتربص.

و بعد هذا بدأت الحرب بين الفريقين بإطلاق النار بين الحصون فقط فلم يحدث إشتباك مباشر. و كان قيس قد سيطر سيطرة تامة على مدينة مطرح و حاصر حصنها.

رأت السيدة موزة بنت الإمام أن تستعين ببدر بن سيف (حليف الوهابية) في المسـاعدة في هذه الأزمة ، فأرسلت على بن فاضل البحراني ليشرح الأمر و يدعوه بأمرها للوصول حالا ، فإلتقى به الرسول في قطر و بادر بدر تلبية طلب عمته ، و إجتمع بها في مسقط ثم إتجه إلى بركا و هنالك قابل مالك بن راشد العبري و ناصر بن محمد الريامي ، فقدم بمن معهم من جنود إلى مسقط و عسكر بالوادي الصغير ، و أخذ ينظم خططه للهجوم على مطرح ، و في 28 رمضان 1219 هـ إشتبك الفريقان بمطرح في سوق الأثواب و إنهزمت جيوش قيس ، و للتاريخ أذكر أسماء من عرفت من القتلى دفاعا عن سعيد بن سلطان و هم سعيد بن راشد الجابري (من هيل) و سعيد الربخي و مسعود بن راشد السعيدي و مسعود التوبي.

و تبع هذا الإنتصار وصول حميد بن ناصر بن محمد الغافري و حمير بن محمد بن سليمان اليعربي والي بركا بسبعة آلاف مقاتل ، و ذهب إليهم سعيد بن سلطان فعاهدهم و خلع عليهم ، ثم أدرك محمد بن خلفان قوة أعدائه ، فإتصل بمهنا اليعربي ليقابله في إحدى قرى مسقط ، و هنالك أعلمه أنه جاء مفاوضا عن قيس على أن تكون مدن السيب و الخابورة و صحار تحت ولاية قيس و يترك قيس مطرح ، و معنى ذلك أن يكون حاكما في مقاطعة الباطنة منطقة القبائل القوية الشكيمة.

أدرك مهنا أن إنتصار بدر أولا خطر على أبناء سلطان بن أحمد و خطر على عمان كلها ، فلا شك أنه سيكون ذا ميول حريقية (نسبة الى الحريق قائد جيش الوهابية) ، و أدرك أيضا أن حميد بن ناصر الغافري لم يأت مؤيدا السلطان الا لغرض في نفسه ، و يخشى أن يفرض نفوذه من بعد على قبائل الظاهرة ، و هو رجل يخشى منه لعلاقته بالقواسم برأس الخيمة. فتعهد مهنا لمحمد بن خلفان بإتمام طلبه و أكد له أن يعتبر الحرب منتهية و الصلح قائما ، و أنه كفء لأن ينوب عن سعيد بن سلطان في ذلك ، و لم يخذل السلطان قائده ، بل أرسل إلى الغافري أربعين ألف ريال و شكره على مساعدته و أعلمه بالصلح بينه و بين عمه ، و هكذا ترك قيس مطرح ، و ذهب إلى صحار ، وحسب الإتفاقية إستلم السيب و الخابورة و صحار نائبا عن السلطان سعيد بن سلطان ، و دفع مهنا ثمن هذا الصلح روحه و دمه ، إذ أغاظ الصلح بدرا خاصة ، فأوعز الى مالك بن سيف بقتل مهنا ، فتمت المؤامرة بنخل بينما كان يتلو قرآن الفجر مع مسعود بن خميس المنذري.

على أن سالما و سعيد بن سلطان قد شعرا بما دبره إبن عمهما بدر ضد مهنا ، و أدركا أن أطماع بدر لا تنتهي ، كما أن قيس قد تأثر بقتل مهنا ، فأمر واليه بالسيب ناصر بن سعيد الحبسي – المعروف بالسمار – أن يقلق الأمن في الطرق المؤدية الى مسقط من بـدبـد إلى بوشر ، ثم أخـذ يجمع الجيوش ، فكتب إلى أخيه محمد ابن الامام أحمد ، و كان واليا من قبل مسقط على نزوى و بهلا و إزكي ، أن يشغل أنصار سعيد بن سلطان في سمائل بقيادة محمد بن ناصر الجبري ، فلبى هذا طلبه في حين هجم قيس على مسقط و هنالك إستقبله سالم بن سلطان و دارت بين الفريقين معركة بوادي العدي قتل فيها من أنصار سالم محمد بن ماجد أمير بني راسب و قتل أيضا أمير القواسم (غير قواسم الشمال) ، فتمكن قيس من إقتحام سد روي و إتجه إلى مسقط من جهة روي فإقتحم عقبة الوادي الكبير (و ما يزال هذا الطريق موجودا)و إنحدر إلى مسقط فدخلوا المدينة و نهبوا سوقها و قتلوا بعض أعيانها ، فمن حوادث النهب بيت خلف بن محمد البحراني (صديق سلطان بن أحمد) و نهب سوق الأثواب و سوق الذهب و قتل الصراف الهندي المسمى منشاه ، و أنا أفصل في الأشخاص تسجيلا لعراقة مسقط في التجارة ، و إنها فتحت صدرها للتجار من كل بلد ، و أذكر كضوء لمن أراد البحث في المستقبل في ناحية خاصة ، و قد عرفنا من قتلى جيش سعيد بن سلطان أحمد بن ربيعة الجابري فقتله بردان النوبي خادم محمد بن خلفان البوسعيدي الذي أخفى بعض المجرمين في بيته ، و نخلص من هذا أن مسقط سلمت لقيس و لم تبق إلا الحامية التي كان يسيطر عليها بدر بن سيف و منطقة الجريزة و المكلا ، و أما حليفه محمد ابن الإمام أحمد الذي هجم على سفالة (جنوب سمائل) سمائل فقد إنشغل قومه بقطع نخل محمد بناصر الجبري ثم تصدى له الشيخ سرحان بن سليمان الجابري فهزمه و قتل كثير من قومه و الحرب هنا أخذت طابعا حزبيا ، فالنزارية (الغافرية) كانوا مع سـعيد بن سلطان ، و اليمانية (الهناوية) كانوا مع قيس ابن الإمام أحمد.

بعد هذا النصر الذي كسبه قيس نادته أخته السيدة موزة بنت الإمام أحمد و ناشدته الله أن يخفف من غلوائه ، فإنه يقطع أوصاله و يقضي على دولته و يضعف أسرته ، فإتفقت معه على صلح هذه شروطه:

1. كل ما إستولى عليه قيس من حصون فهي تابعة لنفوذه ... كان لديه صحار و السيب و الخابورة ، تضاف اليها الآن مطرح ، و إنسحب من مسقط لأنه لم يستول على قلاعها.
2. يدفع له شهريا ألف ريال.

و قد عين قيس محمد بن خلفان واليا على مطرح ، و بنى هذا بها بروجا منها (لزم و حكم و عراف و برج الدوحة).

على أن السلم لم يكن نهائيا بين قيس و أبناء أخيه ، و أنى له أن يكون كذلك و بدر في الوجود يستحثه الحريقيون من جيشه و ربما إستحثه المستعمرون من جهة أخرى ، و لا نحمل على بدر و لكن ظاهر حياته يدل على ذلك ، فلجوءه إلى النجديين و هو يدرك أن الحاكمين هم أبناء عمه ، أما قيس فمن قبوله الصلح مرتين ، و قد كان في المرة الأخيرة منتصرا و مع ذلك سلم برأي أخته فإنسحب إلى مراكزه ، فلا نستطيع أن نصفه في تهمة التآمر ، و لكنه رجل حز في نفسه أن يحدد الحكم ميراثا فيناله من لم يبلغ الحلم ، و قد كان ينافس أخاه سلطان فكيف بأولاده الآن.

ظهرت الآن شخصية جديدة هي شخصية سيف بن على البوسعيدي الذي أخذ يحرض سعيدا و سالما و بدرا على قيس فنجح في ذلك ، فطلب من قبائل شمال عمان نصرة حاكم مسقط ، فأتاه هزاع الياسي بمقاتلين من المناصير و الظواهر ، و كتب بدر إلى إبن عبدالله قائد الوهابية الآن ، فأرسل له مائتي مقاتل ، و أقبلت قبائل الشرقية بقيادة ماجد بن سعيد البرواني و أتاهم سالم بن علي التمامي بخمسمائة مقاتل و خادم بن محمد الهاشمي بمائتين و لبته قبائل الظاهرة و بني علي و بني حسن و المقابيل و بني الريس و بني عمر و الحدان و بني سعيد و آل سعد و كندة ، كما أيدهم في الحملة عمهم سعيد بن أحمد. و جاء حميد بن ناصر الغافري بقبائله و كذلك محمد بن ناصر الجبري ، و هكذا أصبحت مسقط ثكنة عسكرية تموج بالمقاتلين.

بدأت نقض الشروط بقطع الراتب الشهري على قيس ، وكان قيس يريد سببا له يفرق به الجمع المعسكر بمسقط ، فأمر أنصاره بالهجوم و تفرقوا في الطرق المؤدية إلى مسقط ، فطالت الحرب بين الفريقين في المكلا التي صمد فيها أعوان بدر ، و في الوادي الصغير التي إنهزموا فيها ، فدخل قيس إلى محلة الطويان بمسقط ، و وقفوا عند بيت سالم بن عبدالله الوهيبي ، ثم إتجه قيس إلى قرية سداب و إحتلها. و بينما كان قيس يحتل قرى مسقط كان سعيد بن سلطان يستولي على مناطق نفوذه ، فأخذ السيب و فنجا و بدبد ، و أعلن محاصرة قيس بالقبائل في مسقط و بجيشه هو في السيب التي تبعد عن مسقط نحو ثلاثين كيلومترا.

طالت الحرب بين الفريقين ، و قرر بدر أن يهجم بقومه على النصر النهائي أو الهزيمة خاصة بعد أن إستفزه سعيد بن سلطان فكتب إليه يؤنبه ، و عند ذلك تدخل الشيخ خميس بن سالم الهاشمي و علي بن هلال ابن الإمام أحمد و طلبا منه التدخل في الصلح فهو يقاتل عمه ، و العم أب ففوضهما في ذلك. و سار علي بن هلال إلى قيس و قال له: (قد رأيت عند بدر أقواما كثيرة لا يدافعهم الجمع الذي معك ، و الجمع الذي معك ظاهرهم لك و باطنهم عليك ، و قد بلغك ما صنع إبن أخيك في السيب و فنجا و بدبد ، فهو الآن معسكر بجمعه في السيب ، و أنت الآن كمن صار بعد الطيران في شرك). و ساعد على تهيئة الجو بقبول الصلح محمد بن خلفان بن راشد بن سعيد المخاشلي ، فوافق قيس على الصلح ، و تم على هذه الشروط:

(أن يسلم قيس حصن مطرح و يعود إليه نفوذه في صحار و السيب و الخابورة) ، فوافق قيس على ذلك و تم الصلح بين الفريقين.

و ليس هذا هو العجب بعد تلك الإشتباكات بين أبناء الأسرة الواحدة و البلد الواحد ، و لكن الغريب أن يستقل قيس مركبا بريطانيا إلى صحار ، و لا تشير المصادر إلى سبب ذلك و لا تقدم له بأي شيء ، فقيس بطبيعة الحال يخشي طريق البر خشية الإغتيال لأن جند سعيد بن سلطان مرابطون بالسيب ، و قيس بعد ذلك يخشى ركوب البحر في سفينة عربية ، إذا اطمأن إلى بحارتها فإنه لا يطمئن إلى خطة محتملة في الهجوم عليه ، فليركب إذن مركب الأمان ، حيث لا يتجاسر أحد على الإساءة إليه. "و إذا إختلف الأخوان فالمصلحة للغربان".

13 ـ بدر يتحكم

إستراح أولاد سلطان بن أحمد من مشاحنات قيس ، و لكنهما عادا ليجدا بدرا يريد أن يقـطف الثمار ، فتقدم إلى السيد سعيد يطلب منه إخراج الجند البلوش الذين يقبضون الحصن الغربي (المـيراني) ، و أن يحل محلهم بلوش أيضا من (جماء) ، فرفض سعيد ذلك بحجة أن هؤلاء قدماء في الحصن عينهم جده الإمام أحمد ، و هو يرمي من ذلك إستيلاء أنصاره على الحصن الغربي بعد أن تمكن من الحصن الشرقي. كما أنه حصر نفوذ سالم في مدينة منح فقط و أحاطه بأنصاره من الولاة و إستبد بالأمر عن سعيد ، و قد سمح للوهابية بإنشاء قنصلية في مسقط و دفع لهم أتاوة سنوية.

عند ذلك إتجه بدر إلى بركا ، و جعل حصنها بيد من جاء مناصرا من الوهابية ، و عزل الوالي السابق و عين محله سليمان بن سيف بن سعيد الزاملي ، و زاد الأمر فورة أن سالم بن سلطان مر ببركا فلم يستقبله بدر ، و طلب بعض الزاد من الوالي فرفض إلا بأمر من بدر ، و عند ذلك هوى سالم بعصاه على الزاملي و شد رحاله عائدا إلى المصنعة بعد أن كان يقصد الذهاب إلى مسقط.

علم بدر بجلية الأمر ، فعزم الإعتذار لسالم فثبطه عن ذلك راشد بن حميد النعيمي ، و بهذا بعدت الشقة بين بدر و إبن عمه. و قد إنتهز ملا حسين شيخ القسم خلاف آلبوسعيد فأعلن استقلاله بالقسم و هرمز و لكن بدرا سير إليه قوة إعتقلته ، و جيء به إلى مسقط حيث أعلن عودة القسم و هرمز إلى عمان.

و قد حاول بدر نقض الصلح مع قيس بن أحمد طمعا في الاستيلاء على الخابورة ليسهل عليه الإتصال بقبائل الظاهرة عن طريقها ، و لكنه لم يجد تأييدا من أصحابه.

على أن سعيد بن سلطان ما كان يطمئن إلى بدر ، فمعاملته لسالم و إبقاء جند الوهابية معه بالجيش و سيطرته التامة على مناطق عمان زادت من هواجس سعيد ، و خشي أن يتمكن بدر من تسهيل الطرق للوهابيين فيحققوا في عهد سالم و سعيد ما عجزوا عن تحقيقه في عهد أبيهم. و لكن أنى له أن يتخلص من بدر الآن ؟
أخذ سعيد يهييء للأمر عدته ، فلابد من حيلة تعينه على التخلص ، فأسر إلى وصيه محمد بن ناصر الجبري بجلية الأمر ، و إتفقا أن يوكل إلى بدر أخذ الخابورة من قيس ، و ذلك ما سيصادف هوى في نفس بدر ، على أن يشترط عليه عدم إرسال أحد من الوهابية و لا من قبائل الظاهرة ، فيكون قوام الجيش من قبائل الشرقية ، و هم يمثلون الحزب اليماني ، و من سمائل و هم يمثلون الحزب النزاري. فوافق بدر على على ذلك و كتب إلى القبائل المعنية بذلك ، فإجتمعوا بجيوشهم في بركا ، و عسكر محمد بن ناصر بمحلة نعمان في بركا و معه من رؤساء القبائل سرحان بن سليمان الجابري و نجيم بن عبدالله السيابي.

إقترح سعيد على إبن عمه بدر أن يزورا محمد بن ناصر تقديرا له فأجابه بدر ، فساروا و معهما عشرة رجال ، و بعد أن إستقبلهما محمد دخلا إلى حصن النعمان و معهما خدم الجبور و خلفان بن محسن و صحبه ، و لم يدخل محمد بن ناصر بل ظل منتظرا و مانعا غيره من الدخول.

و بدأ الحديث ببحث الخناجر و السيوف ، فهب خلفان بن محسن فسل خنجر بدر من قرابها بحجة إختبارها ، و عند ذلك سل سعيد بن سلطان سيفه و هب قائما ، و في لحظة من غفلة بدر هوى به عليه ، فشقت الضربة كتفه و تعدت إلى عظام الظهر ، فهرب و ألقى بنفسه من كوة الحصن و أخذ يستصرخ القوم بأعلى صوته ، و لكن محمد بن ناصر كان حاضرا و مستعدا لكل التطورات ، فزجر القوم عن التدخل: ( ذروا أولاد الإمام يصنعون ما أرادوا في بعضهم بعض). و ركب بدر خيله و الدم ينزف من الجرح فوقع في طريقه إلى بركا ، و هنالك تبعه سعيد بن سلطان و صحبه فأجهزوا عليه ، ثم ذهبوا إلى الجيش المرابط ببركا يستصرخونهم أن يدركوا بدرا فإن محمد بن ناصر قد أحاط به ، و عندما دخل حصن بركا صرخ بأنصار بدر من الوهابية: ( أن إدركوا بدرا فإن محمد بن ناصر و قومه قد أحاطوا به) ، و ذهب الجميع فوجدوا بدرا ميتا و علموا الحقيقة ، و عاد الوهابية إلى الحصن فوجدوا سعيد بن سلطان قد سيطر عليه و هددهم باطلاق النار إذا حاولوا الدخول ، فلم يجدوا ملجأ إلا أن يعودوا إلى قائدهم الذي عسكر بالبريمي. و قتل بدر عام 1807 م.

و بعد أن سلم سعيد حصن بركا إلى ثقاته ، فرق الجيش الذي طلب للخابورة و ذهب إلى مطرح و إستلم حصنها من مندوب بدر ، و كان اسمه (السكسكي) ، و سلمه الى أبناء دريه بن جمعة البلوشـي ، و كان واليا على مسقط في أواخر عهد سلطان بن أحمد. و دفن بدر في موضع يقال له الطارود ببركا ، و بمقتل بدر إصطلح قيس و سعيد بن سلطان صلحا نهائيا.

14 ـ إتفاقية مع فرنسا

أصبح سعيد بن سلطان الآن مسيطرا على الموقف ، أخوه سالم يؤيده في كل شيء ، عمه قيس يسنده بكل ما أوتي من قوة ، و لم تكن هنالك ثغرة داخلية إلا ما بدأ يدب في النفس بينه و بين وصيه و نصيره الجبري.

و قد تفرغ للعلاقات الخارجية ، فأرسل وفدا إلى جزيرة موريشس برئاسة ماجد بن خلفان البوسعيدي ليفاوض فرنسا في شؤون سياسية و تجارية ، و قد بينت سابقا الصلات التي تربط بين السيد سلطان و بين فرنسا ، ثم التسهيلات التي تقدمها فرنسا للتجارة بالنسبة للسفن العربية ، و قد يكون سعيد لاحظ أن إنفراد بريطانيا بنفسها في فتح وكالة سياسية بمسقط يكسبها كثيرا من الميزات و يسهل لها التدخل إذا أرادت ذلك.

نجح الوفد العربي في مهمته ، فوقعت معاهدة بين عمان و بين فرنسا في 15 يونيو عام 1807 م ، و تعهدت فيها فرنسا بالتبادل التجاري ، و سمح لها بفتح مكتب سياسي في مسقط و عين المسيو دالونسي كقنصل عام ، و لم تستمر الإتفاقية لإصرار العرب على التجارة مع الهند و التي تسيطر عليها إنكترا و التنافس بين إنكلترا و فرنسا للسيطرة على التجارة و خطوط الملاحة في المحيط الهندي.

15 ـ الاشتباك مع القواسم

تولى حكم رأس الخيمة في عهد السيد سعيد ، سلطان بن صقر القاسمي ، و كان سعيد ينظر إلى نشاط القواسم كنشاط معاد ضده بل ورد حين طلب من عمه قيس مساعدته في محاربتهم قوله " أن سلطان بن صقر قد صار عدوا لنا و لك ، و قد أفسد طريق البحر علينا فلم يزل يأخذ كل سفينة من سفن رعيتنا و رعيتك غصبا ، و كل سفينة من سفنه إذا نفذ على أصحابها الماء و أصابها الطوفان لاذت بفكان – (وهو اسم مدينة تبعد عن رأس الخيمة بثلاثين كيلومترا و هي تابعة اليوم لحكومة الشارقة و تسمى خور فكان) لما صارت إليه ، فتحمل منها الماء و تسعى إذا أصابها الطوفان منها إلى فساد البحر بالنهب و القتل ، و قد بنى سلطان بن صقر في فكان برجا شاهقا بالجص و الحجر فإحشد قومك و أنا لأحشد قومي إليها و الموعد بيني و بينك فيها".

و كان قيس عليه إستئصال نفوذ الوهابية من عمان ، و يرى أن لتأمين طريق البحر عاملا كبيرا في القضاء على نفوذهم ، فأجاب إبن أخيه إلى طلبه.

أما السيد سعيد بن سلطان فقد أخذ بعد موافقة قيس بحشد الجيوش ، فإتصل بجميع القبائل ، فحين تم له ذلك خرج من مسقط بأسطوله و خرج قيس و من معه عن طريق البر ، فأحاطوا بخور فكان و تمكنوا من إحتلالها ، و لم يترددوا في الفتك بأهلها.

و عندما علم سلطان بن صقر بذلك أخذ يجمع جيشه و أشاع ما قام به جيش البوسعيد من قسوة و تنكيل ، فإجتمع لديه جيش بلغ إثنى عشر ألف مقاتل ، في حين كان البوسعيد قد جمعوا في فكان نصف هذا العدد.

وجد سلطان أن قيسا و من معه مرابطون في مرتفع بالمدينة يعرف بالعقبة ، و أنهم مسيطرون على كل مداخلها ، فلم يجد من السياسة أن يهجم لأنه يعرض جيشه لخطر كبير فور المرابطة على مداخل المدينة فلعل أعداءه يتركون مواقعهم.

كان ظن سلطان في محله ، فقد أصاب قيس الغرور و حب الإنتقام ، فعندما علم بوصول القواسم و أنصارهم و بإمتناعهم عن الهجوم قرر أن يهجم عليهم "فإننا نريد أن نقاتلهم لنشفي غيظ قلوبنا منهم فإن رجعوا عنا بغير قتال لم يحصل لنا منهم المطلوب".

و بذلك ترك البوسعيد و أنصارهم موقعهم المهم حبا في الإنتقام من القواسم ، و لم يقدروا ما قدره سلطان بن صقر بأن قوتهم تتركز بوجودهم في ذلك المرتفع. شاهد جيش سلطان خلو العقبة من قابضيها ، فأمر قومه بالهجوم و دارت معركة بالبنادق و السيوف و الرماح و الخناجر. فبدأت الهزيمة تتسرب إلى قوم قيس ، و كان فيهم محمد بن مطر شيخ الفجيرة ، ثم تفرق جمع البوسعيد و لم يبق منهم إلا آل وهيبة و الحجريين و مواليهم ، في حين إشتد هجوم القواسم ، فقتل محمد بن خلفان المحل و هو من أكبر أنصار سعيد ، و قتل كثير من آل وهيبة و الحجريين و لكنهم مع ذلك ثبتوا حتى كبرت الهزيمة بقتل قيس ابن الإمام أحمد ، فوجد سعيد بن سلطان أن الموقف يتطلب الإنسحاب و إلا فنوا عن آخرهم ، فركب سفنه و عاد إلى مسقط تاركا القواسم و شأنهم.

أصبح سلطان بن صقر الآن في أوج قوته ، فتحالف مع البحار المتجول المشهور محمد بن جابر الجلاهمة فأخذا يهاجمان سفن سعيد بن سلطان في البحر ، كما أخذ يغزو مناطق نفوذه في البحر حتى صحار ، و قد حل عزان بن قيس محل أبيه فكان يدفعهم عن التوسع.

16 ـ حروب فاستعمار

حمل سعيد بن سلطان ما ينوء به كاهله و ما لا يطيقه عمره ، فهذا الفتى لم يبلغ العشرين من عمره تألبت عليه المشاكل ، ما يكاد يخوض واحدة و يخرج منها بالنصر أو الهزيمة حتى تفد إليه أخرى ، و ربما لو مات والده على فراشه لما أورثه و أخاه حكما ، إذ أنه هو نفسه عانى من الحكم كثيرا من المشاكل ، و لقى الموت و هو يعلم أن أعداءه يحيطون به بحرا و برا ، و لكننا لن نؤكد هذا الرأي في نفوسنا ، فسلطان سعى إلى الحكم مع وجود إبن أخيه و مع وجود إمام هو إخوه سعيد ، ثم حارب أخاه قيسا في سبيل ذلك ، و هو بطبيعة الحال لم يكن يسعى للحكم لنفسه فحسب بل كان يريد حصره في ذريته ، فليس هو بالشخص الذي يهرب بأولاده عن المسئولية و ما لنا و للرجال ، و ها هي أخته توجه الفتيين و ترسم لهما سياسة الإحتفاظ بالحكم ، و تقف إلى جانبهما في كل معضلة ، و لعل القارئ يذكر إنها السيدة موزة بنت أحمد بن سعيد.

حصر سلطان الحكم في ذريته ، فخاض ولداه حروبا عرفنا بعضها ، خاضاها مع الأعمام ، و خاضاها مع أبناء الوطن الصغير من القواسم و غيرهم ، و خاضاها مع أبناء الوطن الكبير من الوهابية ، و ها هما الآن سيخوضانها مع الوصي الذي ألقى إليه أبوهما لحفظ الأمانة و مساعدتهما في كل ملمة ، و كانت الضحية في كل ذلك عمان ، و كانت الضحية صفحة وضاءة من تاريخ العرب ، فإذا إحتفظ سلطان بالحكم في ذريته فإنه و يا للأسف قد أضاعه بالنسبة إلى وطنه و قومه ، فسوف يخرج وطنه من هذه الحروب و قد وجد المستعمر أكثر من باب للتدخل بعد أن كان أحمد بن سعيد يرفض بأباء و إصرار السماح له بمركز أو حتى علاقات.

و لنأت لمحاربة سعيد بن سلطان لوصيه محمد بن ناصر الجبري تاركين الوهابية محتلين البريمي ، و رأس الخيمة يحكمها الشيخ سلطان بن صقر حكما مناوئا لسلطان عمان.

إرتاح سعيد إلى خطته في إبن عمه بدر بن سيف و وجدها خير وسيلة للتخلص من المنافسين ، و قد لعب الناس دورهم في إشباع هذا الميل في سعيد و سبب ذلك ميل الجبري إلى بني رواحة و هي قبيلة يمانية(من حزب الهناوي) ، فقام النزارية (الغافرية) بدورهم ضد محمد و في طليعتهم سرحان بن سليمان الجابري ، فأرسل سعيد يطلب إليه أن يحضر إلى بركا فلبى محمد الطلب ، و عندما دخل الحصن كان لدى جند سعيد أمر بقبضه ، فإعتقلوه و صفدوه بالحديد ، و صحبه في الحال إلى بدبد ثم سار معه إلى كل المدن التي يقبض رجال محمد على حصونها ، فكان سعيد يستلمها بأمر من محمد لأتباعه و هي بدبد و سرور و سمائل.

و في ذلك الوقت كانت السيدة موزة بنت الإمام أحمد تستضيف زوجة محمد بن ناصر فعتبت هذه عليها و أقنعتها بالذهاب إلى سمائل و التوسط بين سعيد و محمد ، قبل سعيد إطلاق خصمه على أن يسكن أحد المكانيين أما في بركا أو في مسقط ، فإختار الأولى ، و لكن محمد طلب مهلة عشرة أيام يذهب فيها إلى قرية الحاجر بسمائل ليؤدي إلى الناس أماناتهم ، فوافقه سعيد ، و عندما قضى محمد أماناته خرج من سمائل و سلك طريق العق ثم وصل الظاهرة و نزل العينين عند حميد بن ناصر الغافري و منها سار في طريقه إلى الدرعية بنجد عاصمة الوهابية و ذلك عام 1228 هـ.

رحب به سعود بن عبدالعزيز ، و شكا إليه الجبري ما أصابه و طلب منه المساعدة لمقاتلة سعيد بن سلطان ، فأرسل سعود معه جيشا بقيادة مطلق المطيري و ذلك بالإضافة إلى قواته الموجودة في البريمـي ، فزحف محمد و مطلق إلى الباطنة ، و إستولوا على مدينة شناص ثم إتجهوا الى صحار و هنالك قابلهم عزان بن قيس بن أحمد ، و رغم كثرة جيشهم و إصابة القائد العماني عزان بن قيس بالجدري ، إلا أنهم لم يستطيعوا إحتلال حصن صحار ، ففكوا الحصار و عادوا عن طريق البحر ، و اتجهوا نحو المصنعة ثم دخلوا وادي المعاول ، و في مدينة أفي إستقبلهم مالك بن سيف بجيش كبير ، و لكنهم تمكنوا من دخول مدن المعاول و نخل بسبب إغرائهم لمالك. و تركهم بعد ذلك محمد بن ناصر متجها إلى بلاده سمائل فدخلها و لكنه لم يستطع الإستيلاء على الحصن رغم محاصرته من كل جهة.

إستعان سعيد الآن بابن عمه عزان بن قيس ، فأتى من صحار و سيره في جيش إلى المعاول فاستعادها و اتجه إلى نخل فاستعادها أيضا ، و دفعه هذا النصر إلى جمع الجيوش و الهجوم على محمد بن ناصر في سمائل ، فزحف الجيش ، و كان أكثر رجال تلك المنطقة قد انضموا إلى محمد بن ناصر بدافع الحزبية فاحتل سعيد بن سلطان سرور و واجهه شيوخ النزارية (الغافرية) من بني جابر و السيابيين فعفا عنهم و لكنه مع ذلك لم يستطع أن يكسر شوكة الجبري و في نفس الوقت لم يستطع الجبري أن يقتحم حصن سمائل ، فكان جند سعيد بن سلطان مستميتين في الاحتفاظ بالحصن.

أرسل السلطان سعيد الآن وفدا إلى محمد بن ناصر يتألف من سليمان بن سيف الزاملي و سليمان بن هلال العلوي و سعيد بن ماجد الحارثي للصلح بينه و بين الجبري ، فقبض عليهم أنصار الجبري من قبيلتي الجنبة و الدروع و قتلوا سليمان بن هلال و أسروا الباقين ، فعرض عليهما الجبري إطلاق سراحهما مقابل تسليم حصن سمائل ، فكتب سليمان بن سيف إلى حرس الحصن عن لسان السيد سعيد بتسليم الحصن إلى الجبري ، و كان هذا إستجابة للإقتراح نجيم بن عبدالله السيابي.

و لكن حرس الحصن رفضوا التسليم قائلين: (إن الحصون لا تخلص بقرطاس و مداد بل بالسيف ما عندنا لمحمد إلا الحرب) ، و في هذا الموقف أذكر أن قائد الحرس كان من البلوش و اسمه إسماعيل و هو من أسرة دريه جمعة والي مسقط زمن السيد سلطان بن أحمد.

و لم ينجح العرض إلا في ناحية واحدة هي أن يكف الجبري عن إحتلال مدن أخرى مقابل سكوت سعيد عنه ، و لكن حصن سمائل إضطر إلى التسليم لإنعدام المؤونه لديهم ، و عادوا إلى مسقط فسجن إسماعيل و سجن قائد العبيد و اسمه الموسكو فماتا في السجن.

حار سعيد في كيفية القضاء على الجبري ، فقرر سلوك طريق شائن لا يختلف عن طريقة سيف بن سلطان الثاني اليعربي ، وذلك بالإتصال بالفرس و طلب مساعدتهم ، و لا شك أنه طلب مساعدة الإنكليز ففضلوا الإبتعاد و أشاروا عليه بطلب العون من أصدقائهم الفرس ، فهم يرقبون ما تتمخض عنه حرب القرم بين الدولة العثمانية و بين روسيا. و هم على كل حال قد كسبوا المعركة ، و ضعف عمان ثغرة كبيرة لتدخلهم في الخليج و في السيطرة على البحر العربي.

أرسل سعيد أخاه سالم إلى شيراز ليقابل شاه العجم و يطلب منه المساعدة فنجح في مهمته و زوده الشاه بثلاثة آلاف جندي مع عتادهم و سار بهم إلى بركا. ثم تحرك سعيد بن سلطان بمن معه إلى نخل فنجحوا في أخذها بعد معارك كبيرة ، ثم سار الجيش إلى سمائل فدخلوها عنوة في حين كان محمد بن ناصر الجبري يحشد الجيوش من الجبل الأخضر ، و ما أن علم بفقدانه نخل و سمائل و ما بينهما من بلاد حتى ذهب إلى مقاطعة البريمي يستنجد بمطلق المطيري ، و لكن مطلق كان قد غادرها فلحق به و خوفه بالذهاب الدرعية و إخبار الأمير أنه خشي جيوش العجم ، فإضطر مطلق إلى مرافقة الجبري و عادا يحشـدان الجيوش ، و دخلوا مدينة إزكي و هي تبعد عن سـمائل سـبعة و عشـرين كيلومترا ، فإشتبكوا مع الجبري في معركة إنهزم فيها سالم بن سلطان و من معه ، عند ذلك إتجه الجبري و مطلق إلى سـمائل فدخلوا وادي بني رواحـة ، و بقى الجبري مسيطرا على سمائل و إزكي و نزوى ، فبنى في نزوى البيت المشهور ببيت سليط الذي نسفه الإنكليز أثناء ثورة الإمامة في عمان في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين و عادت جيوش سالم و سعيد إلى بركا.

وصل بعد هذه الإشتباكات إلى البريمي تركي و فيصل إبنا سعود بن عبدالعزيز و معهما جيش قوامه من الإحساء و القصيم ، فإنضم إليهما راشد بن حميد النعيمي شيخ عجمان ، ثم زحفوا إلى داخل عمان و إشتبكوا مع سعيد بن سلطان ، و تمكنوا من دخول مطرح و نهبوا سوقها و لم يكفهم ذلك بل أحرقوا المكان المعروف بسور اللواتيا و دخلوا قرية غربق أوأربق و نهبوها أيضا.

و طفق جيش مطلق و الجبري يعيث في المدن فسادا ، فذهب إلى حيل الغاف فنهبها ثم إلى صياء فنهبها و هدموا حي الجرادنة و قتلوا كثيرا من أهلها. و هدموا حي بني أخزم ثم دخلوا دغمر و منها إلى طيوي فنهبوها ، و عند دخولهم صور صالحهم أهلها على بعض المال ، و من هناك إتجهوا إلى جعلان فقاومهم بني حسن و لكنهم عادوا فصالحوهم ببعض المال ، و بعد ذلك عرض سالم بن علي التمامي على مطلق الذهاب إلى رأس الحد فهدموا حصنها و أحرقوا سفنها ثم عادوا إلى إزكي و منها ذهب مطلق إلى البريمي محملا بالأموال و الذخائر.

و بهذا أصبحت البلاد مجزأة ، قسم بيد الجبري و أنصاره و الوهابية و قسم بيد سالم و سعيد.

شعر الشيخ سلطان بن صقر القاسمي بتدخل الوهابية في عمان ، و باعتمادهم على محمد بن ناصر الجبري و تركهم أصدقاءهم القدامى ، و كان سلطان قد استقر بالشارقة و ترك رأس الخيمة لعمه حسن بن إرحمه ، و من الشارقة إتصل بسعيد بن سـلطان عارضا عليه الصـلح بينه و بين القواسـم ، فعلم عمه و كتب إلى سعود بن عبدالعزيز بذلك ، فطلب سعود من سلطان أن يصل إلى الدرعية ، و لكن سلطان تظاهر بالخروج إلى نجد ، و من نجد استطاع أن يذهب إلى مصر حيث إجتمع بإبراهيم باشا طالبا حمايته ، فأرسله إبراهيم وسيطا بينه و بين سالم و سعيد على التحالف ضد الوهابية. و قد رحب سعيد بذلك و كتب إلى إبراهيم بتنفيذ التحالف ، و كان سعيد بن سلطان قد إنتهز فرصة الخلاف بين سلطان و عمه فدخل دبا و خور فكان ، و كان يحكم الأولى ولده أحمد و الثانية ماجد.

و لكن الأمور إتخذت طابعا آخر من الخلاف ، فأصبح هم سعيد الآن القضاء على القواسم ، و لعله قصد بذلك الإستيلاء على الطرق البحرية و سهولة حصر الوهابية على أثر ذلك ، فبدأ في عام 1806 م يهاجم سفن القواسم يساعده في ذلك العجم في بوشهر ، و قدمت حينذاك السفينة الانكليزية كورتفليس و معها سفن صغيرة ، و رست قرب مسندم و أخذت تشارك في التحرش بالقواسم بل إنها إقتادت بعض سفنهم إلى بومبي ، و لم يقف القواسم مكتوفي الأيدي ، ففي خلال عام 1806 م هاجموا ثماني سفن حربية إنكليزية إنتقاما من أذى الانكليز لهم.

و في شهر مايو من ذلك العام أعلن الإنكليز أن عليهم حماية مسقط من الوهابية و القواسم ، و عند فشل إجراءات قطع الطريق أمر اللورد منيتو نائب الملك في الهند حكومة بومبي أن تعد حملة تتألف من البارجة شيفون و تسع سفن أخرى لشركة الهند الشرقية و خمس و ستين سفينة نقل ، و تحوي شيفون 36 مدفعا.

خرجت الحملة عام 1809 م بقيادة الكولونيل سميث و رافقها الكابتن سنتيون كضابط ليساهم بمعلوماته عن عمان ، و دخل الأسطول الإنكليزي إلى مرافئ اليعاربة و أحمد بن سعيد حيث كانت ترسوا البوارج الفلك و الملـك و الرحماني و غيرها من السـفن العربية لتـحمي حماها و تجابه عداها ، دخلت السفن الإنكليزية حامية مسقط لأول مرة في التاريخ ، و كانت سفن عمان قبل أعوام مضت تجوب شواطئ أفريقية الشرقية و تطارد إستعمار البرتغال أينما كان ...... و ما لنا نقول أعوام مضت فإنها ما زالت في عام 1809 م تفرض سيطرتها على أفريقية الشرقية بقيادة العرب العمانيين في زنجبار و ممباسة.

بحثت القيادة خطة الحملة مع سالم و سعيد ثم إتجه الإسطول إلى رأس الخيمة و معهم سعيد بن سلطان بقوته أيضا ، و كان حسن بن إرحمه قد بنى قلعة كبيرة بموضع يقال له سدروه ، فوصل الجيش الإستعماري إلى المدينة العمانية يوم 12 نوفمبر 1809 م ، فلنع أيها القارئ هذا التاريخ و لنجعله ملء قلوبنا و حواسنا ، إذ أنه أول عدوان مسلح و تدخل إستعماري سافر على وطننا عمان.

أخذ الأسطول يقصف قلعة سدروه قصفا عنيفا ، و لكنها ظلت ثابتة في حين هجم حسن بن إرحمه و قومه متحدين المستعمر مستميتين دفاعا عن بلادهم ، هجموا على السفن المعادية فتتابع عليهم الرصاص ، و إضطروا على العودة إلى البر، ثم تمكن الإنكليز من هدم القلعة بعد قصف طويل و نزلوا إلى رأس الخيمة ، و يصف المؤرخ ابن رزيق نزولهم فيقول: ( إنشغل الإنكليز بنهب بيوت البلاد و تحريق سفائنهم و حملوا من جلفار – رأس الخيمة – أموالا كثيرة و دمروا البلاد بالنيران تدميرا ثم رجعوا منها بعدما تركوها قاعا صفصفا).

و أورد هنا متعمدا وصف مؤرخ عاصر القضية و ألف كتابه ليمدح آل بوسعيد خاصة ، و لكنه لم يملك إلا أن ينطق بالحق ، لئلا يقال إننا نغالي في وصف التدخل الأول ، فهذا رجل من المعاصرين كتب كتابه ، و هو لا يحمل ما يحمله جيل اليوم من إنطباعات عن المستعمرين.

و عادت السفن البريطانية و تحمل معها الشيخ حسن بن إرحمة أسيرا و توفى في السجن ، "و مات حسين بن إرحمة في سجن الإنكليز" كما أورد إبن رزيق ، و معنى هذا أنهم حملوه إلى الهند لا إلى مسقط.

أخذ مطلق قائد الوهابية يغير الآن غارات متتالية على صحار ، كما تعاظم ظلم محمد بن أحمد الطنيجي المستولي على شناص ، فأخذ يذبح أهلها ذبح النعاج و يصادر أموالهم ، و عاد سعيد بن سلطان للإستعانة بالإنكليز ، فبدأ هجومهم على شناص يصحبهم هو و أخوه السيد سالم و إبن عمهما السيد عزان بن قيس ، فأخذوا يقصفون حصن شناص ، فذهب محمد بن أحمد إلى مطلق في البريمي فأمده برجال و لكن الجيوش العربية و الإنكليزية قطعت عليه الطريق ، فلم يستطع الوصول إلى شناص ، و لسوء حظه مات لديغا فعاد الجيش إدراجه إلى البريمي ، و بقيت حامية شناص تدافع و لكن الإنكليز شددوا عليه القصف ، فسلمت الحامية بعد معركة عنيفة قتل فيها جميع المدافعين عن الحصن.

ما كاد سعيد بن سلطان يدخل حصن شناص حتى أقبل مطلق في جيش عظيم ، و لعل الإنكليز كانوا يدركون أن مطلق قادم ، إذ إنسحب إسطولهم عصرا و وصل مطلق بعد المغرب .... و لعلهم لم تكن من خطتهم الإصطدام بمطلق. عادت الحرب إلى شناص ، فإنهزم سعيد بن سلطان و إحتل مطلق حصن شناص.

أخذ مطلق الآن يجمع الجيوش بمساعدة محمد بن ناصر الجبري و حميد بن ناصر الغافري ، فهجم على صحار و إحتلها ثم إحتل المصنعة ، و كاد أن يهدد مسقط نفسها ، عند ذلك إتجه سعيد بن سلطان بنفسه إلى المصنعة فخشى الجنود أن يتعرضوا له لأنه أظهر أنه جاء مسالما و إتجه الى خيمة مطلق و هنالك تفاوض معه على نقاط غامضة عرف منها أن السيد سعيد رجا من مطلق أن يقبل هدية منه سيرسلها إليه. و عندما عاد إلى مركبة أرسل إليه أربعين ألف ريال ، فإنسحب مطلق من الباطنة جميعها و عاد إلى البريمي و سرح من حوله من أعوان و إتجه منها إلى الرياض عاصمة نجد ، و كانت هذه المفاوضات نصيحة من القنصل الفرنسي في مسقط لسعيد بن سلطان ، و لعل القنصل الفرنسي مهد الجو لدى مطلق عندما رأى سيطرة بريطانيا و نجاحها في التدخل و ما سيترتب على ذلك من جنيها ثمار الخلاف ، و لا شك أن إحدى الثمار هو تراجع فرنسا عن منطقة الخليج.

بعد عودة مطلق أرسل سعود بن عبدالعزيز قائدا جديدا يعرف بإبن غردقه ، و لكن بني ياس (وهي القبيلة الحاكمة الآن في إمارتي أبوظبي و دبي) قطعوا عليه الطريق فلم يسمحوا له بدخول البريمي و قتلوه هو و من معه إلا من فر بموضع أسمه الظفراء (و تعرف بالظفرة الآن و تقع بإمارة أبوظبي بساحل عمان).

عندئذ وجد إبن سعود أن مطلق هو رجله في عمان ، فأمره بالرحيل من جديد فوصل منطقة البريمي سالما ، إلا أنه وجد القبائل منفضة عنه ، فأخذ يغريهم و يستميلهم إليه ، فنجح في ذلك ، و لكن بني كلبان إستنكفوا و خرجوا إلى منطقة الظاهرة و تمركزوا في مقنيات فحمل عليهم فلم يتمكن من كسر شوكتهم و عاد إلى البريمي.

ثم إتجه إلى ضنك و عبري و منها إتجه الى المنطقة الشرقية و دخل مدينة الواصل و فرق جيشه لإحتلال مدن الشرقية ، و ترك على الواصل قائدا إسمه بتال المطيري ، و لكن الحجريين هجموا على البتال فإحتلوا مراكزه و أصابوه برصاصة في ساعده الأيمن ، و أسرع هذا هاربا إلى مطلق فلحق به الحجريون و إشتبكوا مع مطلق و جيشه ، فتمكنوا من قتل مطلق و تفرق باقي الجيش في الصـحاري ، و تمكن بتال مـن الوصول إلى البريمي و منها عاد إلى الرياض ، و أبلغ سيـده بالخـبر ، فقرر سعود بن عبدالعزيز إرسال قائد إسمه إبن مزروع الذي ما إن دخل البريمي حتى جمع جيشا سار به إلى الشرقية لينتقم من الحجريين ، و عند ذلك تدخل سعيد بن سلطان فذهب إلى الشرقية و معه آل وهيبة و الحجريين و الحبوس ، و لكن السيد سعيد إنشغل بحرب نخل و ما تلاها من مشاكل ، و لا أحب أن أطيل على القارئ فأصف له تلك المذابح الدموية و أشتت فكره في مذابح قبلية ، فقد توفى إبن عمه عزان بن قيس بينما كان عائدا من الحج عام 1813 م ، فما إن سمع سعيد بن سلطان بموته حتى إعتبر الإستيلاء على صحار أهم من مساعدة شعبه في الشرقية و صد عدوان إبن مزروع عنهم ، فذهب إلى صحار ، و كان عزان قد أمر نائبه سالم بن سعيد بتسليم السيد سعيد حصن صحار في حالة عدم عودته من الحج و عدم إثارة المشاكل ، و بعد هذا واجهته حرب نخل فإنشغل بها ، إلا أن عرب الشرقية الأشاوس كانوا أهلا لحماية بلادهم ، فكبحوا عدوان إبن مزروع و صدوه عن بلادهم بل منعوا تقدمه في داخل عمان ، فعاد إلى المدينة العمانية و مدخل عمان الصحراوي ، عاد إلى البريمي و منها ذهب إلى الرياض و أبقى بتال المطيري.

و قد توفى في هذه الأثناء القطب الأول للوهابية في عمان الشيخ حميد بن ناصر الغافري ، أما محمد بن ناصر الجبري فإصطلح هو و سعيد بن سلطان. و لعل هزيمة الوهابية على يد محمد علي في مصر أثر كبير في تقهقرهم هذا بعمان ، أما بتال فقد إنتهى أمره بهدم حصن البريمي ، و بقى هو بها حتى مات عام 1244 هـ .

17 ـ محاولات على البحرين

جرت من سعيد بن سلطان محاولات لأخذ البحرين كانت أولها عام 1816 م ، فنزل بأسطوله في عراد و ساعده في ذلك أصدقاؤه الفرس ، و لكن آل خليفة جمعوا جيشا كبيرا تمكنوا من دحر سعيد بن سلطان ، و تروي بعض المصادر أن سعيدا إكتشف خباثة العجم له و سعيهم لأخذه أسيرا إلى شيراز ، فقد كان معه ألف و خمسمائة جندي منهم ، و الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد في ذلك أن بعض جنودهم مازالوا في مسقط و هم الذين إستعان بهم أخوه سالم في محاربة الوهابية ، و من المصادفات العجيبة أن يكون المقيم البريطاني في بوشهر ، فقد زار البحرين قبل أيام من وصول سفن سعيد بن سلطان ، كما أن الوهابية قد إنتهى أمرهم تقريبا ، فلا يستبعد أن يكون هنالك تدبير لأن ينتهز العجم الفرصة للإستيلاء على عمان.

و عاد سعيد بن سلطان إلى الهجوم على البحرين عام 1828 م ، و لكنه فشل و عاد إلى عاصمته جريحا.

و قد قتل في معارك البحرين أحمد بن سلطان أخو السيد سعيد و الشيخ سعيد بن ماجد الحارثي و نبهان بن سيف بن سعيد الزاملي و محمد بن سالم العبودي و سليمان بن أحمد الحراصي و علي بن حبيب الصلتي و جميعهم وجوه عمان.


18 ـ خطوات أخرى مع الإنكليز

في عام 1819 م وصل الكابتن سادلر إلى مسقط و عرض على السيد سعيد التدخل للقضاء على القواسم خاصة بعد هزيمة الوهابية و عدم وجود من يساعدهم.

أما القواسم فقد أصبحوا فريقين ، فريق سلطان بن صقر الذي علمنا أن محمد علي قد توسط له لدى سعيد بن سلطان و عاد إلى الشارقة مكرما. و بقى حسن بن إرحمه في رأس الخيمة ، و لكن الحاكمين عاشا في تفاهم تام ، فلم تكن ممارأه سلطان للسيد سعيد إلا سبيلا للوصول إلى شمال عمان.

ما كانت حملة الإنكليز التي سبق أن وصفتها لتقل من عزم القواسم على الإحتفاظ بحقوقهم و حماية وطنهم ، فقد أخذوا ينظمون أسطولهم من جديد ، و بدأ ذلك بإنتقامهم من سفن هندية كانت تحمل بضائع للإنكليز و تحمل علما بريطانيا ، فقد قابلها أسطول القواسم في كايتوار عام 1814 م ، و تكررت من بعد هجماتهم على سفن الإنكليز و سفن السيد سعيد بن سلطان ، فإتفق الطرفان على الهجوم من جديد ، فحوصرت رأس الخيمة عام 1816 م لمدة أربعة أشهر و لكن الحصار لم يؤد إلى شيء.
و عندما لم يستسلم حسن بن إرحمة للحصار خرجت سفن أخرى تتقدمها البارجة تشالنجر و بها 18 مدفعا ، و رست بساحل رأس الخيمة تطلب التعويض عن سفن صادر بضاعتها القواسم في سورت و في مضيق باب المندب. و لكن حسن بن إرحمه رفض الإستجابة لطلبهم مذكرا بنهب رأس الخيمة سابقا و إنه لا يستطيع أن يمنع رعاياه من الثأر لأموالهم و أرواحهم ، و في عام 1819 م أصبح في حوزة القواسم ثماني و ستون بارجة حربية محصنة بالمدافع.

و عند هذا الإستعداد و ذلك و صل سادلر إلى مسقط و إختلف هو و سعيد بن سلطان حول طلب مساعدة الدولة العثمانية ، إذ رفض سعيد ذلك ، فتوجه سادلر بنفسه إلى القطيف ومنها دخل نجد و قابل إبراهيم باشا و عرض عليه محاربة القواسم على أساس إنهم يناصرون الوهابية ، و إن إبقاءهم على قوتهم هو إبقاء لقوة الوهابية في منطقة هامة ، وجد محمد علي و إبراهيم باشا وجوب الإمتناع عن الإشتراك مع الإنكليز في الحملة على رأس الخيمة ، فوجد الإنكليز أنه يجب عليهم أن يواجهوا القواسم بأنفسهم ، فوضعوا كل إمكانياتهم ضد ميناء عربي صغير يقع شمالي عمان يعيش أهله على صيد السمك ، و يسيطر حكامه على البحر العربي جميعه و تسود سفنهم من البحر الأحمر حتى المحيط الهندي ، فأنى لهم أن يستقروا و هذه القوة العربية شوكة في أعينهم.

و نظموا لهذه الغاية حملة بقيادة السير جرانت كير يتألف أسطولها مما يلي:

• البارجة ليفربول و عدد مدافعها خمسون.
• البارجة أيدن و عدد مدافعها ستة و عشرون.
• البارجة كرلو و عدد مدافعها ثمانية عشر.

و ترافق هذه البوارج ست سفن و قوة برية منظمة عدد أفرادها 1600 جندي إنكليزي و 1400 جندي هندي.

خرجت الحملة من بومبي في 20 نوفمبر 1819 م و رست بجزيرة القسم ، و لكن قائد الحملة ذهب إلى مسقط ، و هدد سعيد بن سـلطان من ترك بريطانيا تحارب لوحدها فاسـتكان السيد سـعيد للأمر ، استكان السلطان الذي يحتاج إلى ثلاثة آلاف جندي من شاه إيران ، فخرج بنفسه في سفن عديدة تحمل أربعة آلاف جندي (عربي).

وصلت الجيوش إلى رأس الخيمة في 20 ديسمبر و شعر أهالي البلاد بالقوة الهائلة القادمة ، فأخلوا الميناء حفظا للأرواح ، و إضطر الشيخ حسن إلى الخضوع ، و لكن سفنه لجأت كلها إلى خور شعم قرب رأس الخيمة.

فعرض القائد الإنجليزي معاهدات على كل من الشيخ حسن (شيخ رأس الخيمة) و الشيخ سلطان (شيخ الشارقة) ، و الشيخ شخبوط بن ذياب (شـيخ أبوظبي) و الشيخ (مكتوم بن بطي) (شـيخ دبي) ، تعهد فيها هؤلاء المشائخ بالمحافظة على صداقتهم مع بريطانيا ، و بقى السير جرانت في رأس الخيمة إلى شهر مارس من عام 1820 م ، ثم عاد إلى بومبي في حين بقى الأسطول مرابطا إلى شهر يوليو من نفس العام. و سنورد نصوص هذ المعاهدات في فصل آخر.

يبدو لنا من هذا الإجراء خوف الإنكليز من أي تطورات يقوم بها حاكم رأس الخيمة و أهاليها ، كما يبدو لنا خف حنين الذي عاد به السيد سعيد بن سلطان إلى مسقط و هو في عمره العشرين.

طلب السيد سعيد من حلفائه أن يساعدوه في محاربة قبيلة بني بو علي التي إتبعت المذهب الوهابي الإسلامي بتوجيه من شيخهم محمد بن علي و هي قبيلة تسكن منطقة جعلان من عمان ، و كان بعض أفراد هذه القبيلة قد قاموا بمصادرة بضائع باخرة إنكليزية لجأت إلى ميناء الأشخرة التابع لهم ، فإنتهز الإنكليز هذه الفرصة و إستجابوا لطلبه. و أرسلوا حملة بقيادة الكابتن ثومسون قنصلهم في مسقط و ساعدهم سعيد بن سلطان بألف جندي ، فإتجهت سفنهم إلى صور و كان ذلك عام 1820 م ، و دخلت مع القبيلة في معركة هائلة فقد فيها الإنكليز ثمانية ضباط و 270 جنديا ، و كان من جرحى المعارك سعيد بن سلطان نفسه ، و قتل فيها عدد من أعمدة دولته منهم: علي بن طالب بن مهنا البوسعيدي و سعيد بن سيف الزاملي و ناصر بن سيف المعولي و ناصر بن محمد الرواحي و أحد أنجال الشيخ عيسى بن صالح الحارثي و عدد كبير من الحجريين ، و قد شارك السيد سعيد في هذه الحملة غريمه محمد بن ناصر الجبري.

و في عام 1821 م أعاد الإنكليز الكرة على بني بو علي ، و هدموا قلعتهم و أخذوا بعض رؤسائهم إلى بومبي حيث سجنوهم سنتين ، و لم يسمح لهم السيد سعيد أول الأمر بإعاده الهجوم ، و لكنه كموقفه بالنسبة للقواسم عاد فصحب الجيش. و بينما كان سعيد في هذه الحمله إذ جاءه نبأ وفاة أخيه سالم بن سلطان بالفالج الذي شاركه الحلو و المر ، و خاض معه كل المعارك الداخلية.

و في هذا العام أيضا قدم إلى مسقط الدكتور جوكس ليقدم إلى سلطانها سعيد بن سلطان نيابة عن نائب الملك في الهند سيف الشرف (تقديرا لخدماته). و قد أعاد التاريخ نفسه في مكافأة حفيده السيد سعيد بن تيمور أثناء إحراق الجبل الأخضر بالقنابل و قصف المدن العمانية خلال الثورة الأخيرة (1957 م – 1958 م) مع فارق بسيط أن الحفيد ذهب إلى لندن و إستلم السيف ، في حين أن الجد كان أكبر من أن يذهب ، و من يدري ربما كان الأمر بسبب فرق المواصلات.

و لنتبع خطوات الإنجليز في بلادنا فإنه تاريخ ، و هكذا سـنسير أيها القارئ في فصول هذا الـكتاب ، فهم إبتداء من عهد سلطان بن أحمد قد دخلوا معنا في تاريخ عمان:

و إحتمال الأذى و رؤية جانبه غذاء تضوى به الأجسام

و ليعذرنا إخواننا في رأس الخيمة و في صور و في البريمي و في جعلان و في بقية المدن العمانية ، فإن خطواتهم التي سنذكرها حسب و قتها سوف تشرك الجميع ، جميع من في ذلك الجزء من الوطن العربي الكبير ، و معذرة في هذه الوقفة التي أشبه أن تكون خطابية فإن هذا أول الشر منهم ، و الشعاع الأول منا.

في عام 1820 م واصل الإنكليز فرض سيطرتهم على الموانئ العمانية ، فأمسكت البارجتان ديسكفري و سيتش الجانب الغربي من رأس مسندم لتراقب ساحل عمان جميعه ، و إستمرت دراسة الساحل حتى عرفوا عام 1829 م كل شيء عنه ، و مسح مسحا تاما ، عرفوا عن رأس مسندم و عن خور شعم كخير ملجأ للسـفن ، و عن ليما ، و عن دبا و خـور فكان ، ثم تقدموا إلى الجـنوب ، إلى صحار و كل موانئ الباطنة ، ثم إلى مطرح و مسقط و قريات و صور و أخيرا جاءت البارجة بينارس فعرفت مخابيء البحر العربي جميعه حتى عدن.

أما السيد سعيد بن سلطان فقد بدأ يدفع الثمن ، و ما أسرع الدفع في الصفقات السياسية و العدوانية ، و لكنه في الحقيقة لم يكن فردا فنفرح لدفعه الثمن ، أنه كان حاكم بـلادنا ، إنه عـربي منا ، إن بلادنا عمان و إن أمتنا العربية ، و بالتالي وطـننا العربي جميعه بدأ يدفع الثمن ، ثم توالى الدفع ، و نحن سنكون معه لنرى ثمن الدفع.

كان القسط الأول معاهدة مع السيد سعيد حول بيع الرقيق تعهد بموجبها بإعتاق كل عبد من عبيده يطلب العتق ، و تقدر خسارته من ذلك من خمسين إلى ستين ألف جنيه سنويا ، و لم يكن القصد من هذه المعاهدة عتق العبيد و لكن انفضاض الأنصار و الأتباع من الحاكم ليبقى ضعيفا ، فنحن ضد الرق و إستعباد البشر. فخدم الملوك يعيشون في نعمة سيدهم ، و يكسبون عزته و نفوذه في تلك الأزمان بالذات ..... و في تلك الأزمان نتساءل أين موقف بريطانيا من حقوق الإنسان عندما كان الأوروبيون يتاجرون بالعبيد في أمريكا و من استنزافها لخيرات الشعوب و البلدان التي إستعمرتها ؟

و كان القسط الثاني عندما أرسل عام 1826 م إسطولا لمحاصرة بوشهر ، و ذلك لإجبار حاكمها الشيخ عبدالرسول من الخضوع له ، و لكن المقيم البريطاني في بوشهر منعه من مهاجمة المدينة و طلب منه إعتقال شيخها الذي كان مسافرا عند عودته و هو في طريقه إلى بوشهر ، و قد قبض على الشيخ و دفع الشيخ الإيراني ثمانين ألف دولار كفدية له ، و كان السيد سعيد قد خطب أميرة إيرانية حفيدة فتح علي شاه و أخت رضا كولا ميرزا فحجزها عبدالرسول في بوشهر ، و لكنه عاد فسلم الأميرة لسعيد بن سلطان ، أما بوشهر و خضوعها فذلك أمر يعود إلى جهة أخرى الآن.

و في عام 1839 م وقع السيد سعيد بن سلطان معاهدة تجارية مع بريطانيا جاء فيها: ( أن رعايا صاحبة الجلالة البريطانية يمنحون الحرية الكاملة في الدخول و الإقامة و المتاجرة و المرور مع بضائعهم في جميع أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط).

و في عام 1854 م (1270 هـ) تنازل للملكة فيكتوريا عن جزائر كوريا موريا (الحلانيات) بدون مقابل منه للملكة لتصبح لها و لورثتها أو لمن يخلفها ، و تقع هذه الجزر شرقي الساحل العماني و لها أهميتها الإستراتيجية في السيطرة على مداخل عمان البحرية.

19 ـ حوادث أخرى

أما فرنسا فقد دخل معها السيد سعيد في معاهدة تجارية عام 1817 م عن طريق حاكم جزيرة بوربون ، فوقعت الإتفاقية في 30 مارس و استمر العمل بها حتى عام 1844 م.

و ما دمنا بصدد المعاهدات فلنقتحم السنين ذاكرين معاهدته مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 1833 م ، إذ وصلت سفينة أمريكية حربية تقل المستر أدمون روبرتس ليعقد معاهدة تجارية مع سلطان عمان بعد أن أصبح يسيطر على أفريقية الشرقية ، و أصبحت للولايات المتحدة مصالح تجارية في مناطق نفوذه ، و سمح لأمريكا بموجبها أن تقيم مصانع حيث تشاء في أفريقية الشرقية مقابل إعطائه أسلحة ، و قد جاء في هذه المعاهدة ما نصه: ( لسكان بلدان الأمريكية رخصة الدخول في أي بندر كان من بنادر جناب العالي الجاه السيد سعيد بن سلطان حامي مسقط و أن أهل يونايتد ستيتس سكان بلدان الأمريكية إذا أرادوا أن يصلوا إلى أحد بلدان السلطان لأجل البيع و الشراء فهم مرخوصين ، و في تنزيل أموالهم ليسوا بمعارضين ، و إذا أرادوا أن يسكنوا فلا عليهم من جهة السكون شيء و لا تسلوم شيء* ، بل يكونون مثل الطائفة التي هي أقرب في المودة ، و أن الكبير الذي في يونايتد ستيتس ربما يجعل إنسانا وكيلا في إحدى بلدان السلطان الذي فيها البيع و الشراء).

و قد حج السيد سعيد بن سلطان عام 1824 م ، و عين إبن أخيه محمد بن سالم نائبا عنه في العاصمة و أبحر إلى جدة في السفينة الإنكليزية ليفربول ، فأرسل محمد علي مندوبين لإستقباله.

و في نوفمبر عام 1826 م تلكأ الأتراك في تسليم الأتاوة السنوية التي يؤديها أهل البصرة لحاكم عمان منذ عهد الإمام أحمد بن سعيد ، فخرج السيد سعيد بإسطوله إلى البصرة بعد أن طلب مساعدته فيصل بن حمود بن ناصر بن ثامر بن سعدون إثر عزل والده من ولاية المنتفك ، فإنتهز السيد سعيد تلك الفرصة ليجبر العثمانيين على إعادة الأتاوة التي درجوا على دفعها لعمان منذ عهد الإمام أحمد بن سعيد ، و إستمر الحصار شهرين إذ ساعد الوهابيون بالزبير متصرف البصرة ، ثم إضطر المتصرف إلى الإذعان ، فصالح سعيد بن سلطان على دفع الأتاوة ، و إنهزم فيصل بن حمود بن ثامر و أخوه ماجد.

و في عام 1829 م قتل شيخ ظفار محمد عقل في مرباط فساء سعيد بن سلطان ذلك ، و أرسل جيشا للقضاء على القتلة.

و في أوائل عهد سعيد بن سلطان وفـد إلى مسقط السيد محمد الزواوي لاجئا سـياسيا من الحـجاز ، فرحب به أهل المدينة و نزل في حي ولجات حيث ما يزال يقطنها من بقى في مسقط من ذريته ، فأصبحوا من أشرافها و كرام عائلاتها ، و قد كان السيد سالم بن سلطان يأنس بملاقاة الزواوي و يزوره في منزله مع عدد من رواد مجلسه.

*تسلوم كما وردفي الترجمة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق ، أي: تسليم.

20 ـ أفريقية الشرقية

لا يكمل تاريخ عمان بل الحديث عن عمان إلا بالكتابة عن أفريقية الشرقية ، فهنالك ارتباط بين المنطقتين ، بل هنالك شعبا عربيا من عمان ينتشر في قلب أفريقية الشرقية فرض نفسه على تاريخها و إقتصادها و سياستها ، فلابد لنا إذن أن نقف بالقارئ لنعرفه بالصلات العريقة بين العمانيين و بين أفريقية الشرقية ، و نختار عهد السيد سعيد بن سلطان بالذات لأن هذه الصلات قد أينعت ثمارها و أزهى رواؤها على يديه.

و لدى القارئ الآن بعض الحقائق عن علاقات العمانيين بأفريقية ، أعود فأذكر:

1. خروج سليمان و سعيد ابني عبد بن عباد بن الجلندى إلى أفريقية الشرقية بعد أن انهزما أمام جيوش الحجاج بن يوسف.
2. أمر نبهان بن فلاح النبهاني خصومه مخزوم بن فلاح و سلطان بن حمير السفر إلى أفريقية الشرقية و ذلك بهدف إبعادهم عن البلاد.
3. تواجد أسد البحار و الرحالة العماني أحمد بن ماجد في أفريقية الشرقية و معرفته للطرق البحرية في أفريقية و الهند كغيره من البحارة العرب ، الأمر الذي أدى إلى إستعانة الرحالة البرتغالي فاسكودغاما به لمعرفة الطريق إلى الهند.
4. ملاحقة الإمام سيف بن سلطان اليعربي (قيد الأرض) للبرتغال في موانئ أفريقية الشرقية ، و اعتبار ذلك تطهيرا لها من الإستعمار البرتغالي ، و تكملة لإخراجهم من عمان.
5. احتفاظ العمانيين بنفوذهم في أفريقية إلى آخر عهد اليعاربة.
6. هرب سيف ابن الإمام أحمد إلى أفريقية الشرقية و إقامته إمارة في لامو بعد خلافه مع حمد بن سعيد ابن الإمام ثم لحق به حمد.

و قد وقفت بالقارئ بالنسبة لأفريقية الشرقية عند ملاحقة حمد بن سعيد لعمه سيف تاركا الكتابة عنها في عهد آل بوسعيد إلى مكانها المناسب ، و ذلك في عهد سعيد بن سلطان.

و نبدأ الحديث عن أفريقية الشرقية منذ البداية ، فذلك أفضل و أعم ، و بالنسبة لعمان فالحديث عن جزيرة زنجبار هو مفتاح الحديث عن المنطقة جميعها فلابد أن نعرف القارئ أولا بهذه الجزيرة الخضراء في أفريقية الشرقية ، هذه الجزيرة التي تضم دولة عربية لا نعرف عنها شيئا .

21 ـ زنجبار

عرفت زنجبار لدى قدماء الإغريق و الرومان باسم "منوثياس" ، و كانت لها صلات تجارية مع بلدان الحضارة الأولى فقد أكتشف فيها بعض الآثار تدل على التبادل التجاري بينها و بين الفراعنة في مـصر ، الأمر الذي يدل أن سفنها كانت تمخر المحيطات و تصل إلى البحر الأحمر فتجلب البضائع من مصر لتبيعها في شواطئ أفريقية. كما وصلها تجار الصين و الملايو.

و أول ذكر لزنجبار كان في كتاب ألف باليونانية يسمى "قاموس المحيط الهندي" و لا يعرف إسم مؤلف هذا الكتاب ، إلا أنه مصري من أصل يوناني سكن ميناء برنس (Berenice) على شاطئ البحر الأحمر و يعتقد أنه كتبه في عام 60 بعد الميلاد ، و قد عدد فيها الموانئ التي طاف بها في رحلته من البحر الأحمر فالخليج العربي و الهند فزنجبار.

و شهدت زنجبار هجرة فارسية كبيرة إثر معركة نهاوند التي تم النصر فيها للعرب على الفرس و قوض بعدها عرش يزدجرد ، فهاجر إليها الشيرازيون هاربين بدينهم ، و لكنهم بسبب الموجات العربية التي تدفقت على زنجبار رضخوا للأمر الواقع و إتبعوا الدين الإسلامي الحنيف ، فقد كان عرب عمان نشيطين في نشر الدين بتلك المنطقة من العالم ، و في أواخر القرن العاشر الميلادي أسس العجم الشيرازيون إمارات على السواحل الأفريقية الشرقية و أشهرها إمارات كيلوا و زنجبار و بمبا و ممباسة ، و كان يربطها تحالف جعل سياساتها واحدة.

و عندما جاء البرتغال إلى أفريقية الشرقية دخلوا أولا كيلوا عام 1505 م ، فوجدوا هنالك كتابا يؤرخ للفترة الواقعة بين عامي 32 م – 1497 م يسمى بتاريخ العرب في كيلوا ، و توجد نسخة من هذا الكتاب في المتحف البريطاني أهداها إليه السير جون ليرك الذي كان معتمدا سياسيا مفوضا لبريطانيا في زنجبار عام 1873 م ، أي بعد عهد السيد سعيد بن سلطان.

خضعت زنجبار للحكم البرتغالي عام 1503 م ، و أخذ البرتغال يستوطنونها و لم يتعرضوا لحكمها الداخلي ، و في عام 1528 م إستولت إمارة زنجبار على ممباسة ، و بعد ذلك دخلت في إتحاد مع البرتغال كسبت فيه إعفاءها من المكوس.

و تبدأ علاقات الإنكليز بزنجبار عام 1591 م عندما زارها إدوارد بونا فنتشر ، فأخذ عنها معلومات وافية إلى المسؤولين في لندن و أطرى مناخها و عذوبة مائها و فواكهها.

و قد كانت الروابط قوية بين عمان و زنجبار للهجرة العربية إليها من عمان و للتجارة المتبادلة ، و لكن هذه الروابط زادت متانتها عندما أجلى العمانيون البرتغال من بلادهم عام 1650 م بقيادة الإمام سلطان بن سيف ، و بعد سنتين وصل العرب المنتصرون إلى أفريقية الشرقية ، فإشتبكوا مع البرتغال و تمكنوا من إجلائهم و سيطروا بعد معارك كبيرة على الساحل الأفريقي الشرقي جميعه ، و عاشوا مع أهله في سلام و وئام ، و ما تزال للبرتغال آثار في زنجبار ، فلغتهم التي تسمى السواحلية و التي تحوي الكثير من الكلمات العربية تحمل أيضا كثيرا من كلمات اللغة البرتغالية ، و لهم حصن قديم في مدينة زنجبار ، و مدافعهم البحرية مـنتشرة في الموانئ ، و حتى ألعابهم الموسمية نقلوها إلـيهم ، فما تزال مناطحة الثيران إحدى الإحتفالات التي يجتمع عليها الأهالي في جزيرة بمبا الجزء المكمل لجزيرة زنجبار.

و أصبحت زنجبار بعد دخول العمانيين إليها مركز الإشعاع لمجاهل أفريقية ، فقد كانت العامل الأول لنشر الدين الإسلامي في تلك الأصقاع ، و العرين الذي يخرج منه أسود الجزيرة العربية منتشرين في مجاهل أفريقية يعمرون أرضا و يتعاونون مع أهلها ، و ليس بجديد أن نذكر أن الرحالة الأوروبيين الذين إدعوا لأنفسهم فضل الإستكشافات قد كانوا يسترشدون بأدلائهم العرب و في طليعتهم الملاح العماني أحمد بن ماجد بن محمد بن عمر بن فضل بن دويك بن يوسف بن حسن بن حسين بن أبي معلق السعدي الذي أرشد فاسكوداجاما طريق الهند ، و قد ولد بالميناء العماني رأس الخيمة و ألف عددا كبيرا من الكتب تعتبر مراجع هامة في علم البحر ، و ندم إبن ماجد بعد فترة قصيرة من إرشاده لجاما لا حسدا و لكن تألما للتنكر الذي ظهر له ، فإدعى فاسكوداجاما أنه المكتشف في حين كانت تلك الطرق يعرفها العرب المقيمون بأفريقية.

و زنجبار أكبر جزر أفريقية الشرقية يبلغ معدل طولها 80 كيلومترا و عرضها 36 كيلومترا و مساحتها 2880 كيلومترا مربعا ، و عدد سكانها ربع مليون نسمة. و تقع جزيرة بمبا التي يسميها العرب "الجزيرة الخضراء" في الشمال الشرقي منها على بعد37 كيلومترا و يبلغ طولها 63 كيلومترا و عرضها 21 كيلومترا و مساحتها 1323 كيلومترا مربعا ، و سكانها خمسة عشر ألفا.

و قد بقيت زنجبار موالية للعرب حتى أيام الفتنة في أواخر عهد اليعاربة ، فبقى ولاة أئمة عمان يحكمون تلك الموانئ حكما مستقلا عن العاصمة الرستاق ، و بقيت كذلك حتى جرد لها سلطان بن أحمد حملة عام 1748 م عاد بها نفوذ عمان المباشر.

و بعد هذا العرض علينا أن نتبع تاريخ زنجبار بإجمال منذ أن أجلى اليعاربة عنها البرتغال.

كان أول وال عين من قبل اليعاربة في ممباسا هو محمد بن مبارك ثم عين ناصر بن عبدالله المزروعي و ذلك عام 1711 م ، و في عهد سلطان بن مرشـد عين محمد بن عثمان المزروعي و ذلك عام 1738 م ، و في عام 1746 م خلفه أخوه علي بن عثـمان و ذلك في عهـد الإمام أحمد بن سـعيد ، فأعلن عدم ولائه للإمام ، و لكن أحمد بن سعيد أجبره على إعلان إرتباطه بعمان و ذلك أثر حملة كبيرة قادها الإمام على ممباسة.

و في عام 1824 م طلب سليمان بن علي المزروعي حاكم ممباسة الحماية البريطانية من قائد البارجة ليفن (Leven) ، و تظاهرت حكومة بريطانيا آنذاك بعدم تأييدها هذه الحماية و لكنها تركت لبوارجها أمر الرسو بالمنطقة التي يرفع فيها العلم ، و التي أصبحت من بعد مقر إدارة الشركة الأفريقية الشرقية المعروفة بفروعها التجارية في أنحاء العالم.

و لكن سعيد بن سلطان قرر أن يقضي على نفوذ المزروعيين في أفريقية الشرقية فخرج من مسقط في قوة حربية كبيرة عام 1828 م ، و تمكن من السيطرة عليها من رأس كارديف في الشمال الى رأس دلجاد في الجنوب ، و كان آخر حاكم مزروعي هو راشد بن سالم بن حمد.

و زنجبار بلاد جميلة متحضرة يعرف أهلها برقة الشمائل و طراوة الحديث ، و تشتهر نساؤها بجودة الطبخ و حسن الحديث ، فكأن الشاعر عني البيض منهن و السود:

من الخفرات البيض ود جليسها إذا ما انقضت أحداثه لو تفيدها

و زنجبار تختلف عن منطقة الخليج العربي تماما في المناخ بقدر ما تتصل بها في التاريخ ، فهي في الأشهر التي نعاني نحن فيها وهج الصيف تزداد فيها البرودة و ذلك من شهر يونيو إلى أواخر أكتوبر ، و يشتد حرها من ديسمبر إلى مارس و مناخها إجماليا معتدل و معدل إنهمار المطر فيها ثمان و خمسون بوصة و أقل من ذلك في الجزيرة الخضراء.

و تشتهر جزائر زنجبار بزراعة القرنفل و هي تصدر للعالم أربعة أخماس الحاجة إليه ، و يأتي في الدرجة الثانية من منتوجاتها النارجيل أو جوز الهند و تقدر أشجاره بها بأربعة ملايين شجرة كما أنها تشتهر بالمانجا أو الهمبا و الأناناس ، و تصدر في زنجبار جريدة عربية بإسم الفلق عن الجمعية العربية ، و كانت تصدر بها جريدة بإسم النهضة توقفت الآن بسبب وفاة صاحبها السيد سيف بن حمود بن فيصل البوسعيدي ، كما أن هنالك صحف تصدر باللغة الانكليزية ، و لأهلها لغة خاصة بهم تسمى السواحلية بها الكثير من الكلمات العربية و تصدر بها صحف أيضا.

و أنت اذا زرت زنجبار فستجد فيها معالم الحياة العربية الخالصة ، فدلة القهوة يدار بها في الشوارع و الخناجر العربية ما تزال ذات مكانة في أسواقها و اللباس العربي يرتديه حاكمها و كثير من أهلها ، و لذلك فلا غرابة أن تدخل البلاد و تسمع أن قصر الحاكم اسمه بيت العجائب و أن التقاليد العربية فيها مراعاة و أن لأبناء الخليج العربي هنالك آثارا و أهلا.

و من الجميل أن نذكر أن الجنوب العربي يشارك الخليج العربي في ذلك ، ففي زنجبار كثير من أبناء حضرموت جاؤوها للتجارة ، فاستقروا و سنعرف أنه كان لأجدادهم دور عريض في تاريخها.

و بعد هذا التعريف بالبلاد علينا أن نكتشف دور أهل عمان و الخليج العربي في هذه المنطقة لندرك بالتالي عظمة الأمة العربية في تسطير تاريخها و رفع بنودها و قوميتها على ثبج البحر و قمم الجبال و مجاري الوديان.

أما صلات العرب بأفريقية الشرقية كبيرة و عريقة ، فقد سبق إتصال العرب بها ظهور مملكة سبأ في اليمن ، فيذكر كتاب بربيلوس البحر الأرتيري الذي ألفه باليونانية في منتصف القرن الميلادي مؤلف يوناني لم يعرف إسمه ، فيسمي ساحل أفريقية الشرقية بالساحل الأوساني و هي تسمية تشير إلى أوسان و كانت مملكة من ممالك جنوب الجزيرة العربية قبل الميلاد بقرون ، و يشير إلى ذلك بقوله: (يحكم هذا الساحل الكبير الشيخ المعفري بمقتضى حق يجعل الساحل تحت سلطان الدولة المنقلبة في بلاد العرب) ، و ورثت مملكة سبأ نفوذ هذه الدولة فيقول المؤلف اليوناني: (و أن سوقطرة كانت خاضعة لحضرموت مثلما كان ساحل أزانيا أي ساحل الزنج ، و هو عينه ساحل أوسان ، خاضعا لكبير المعافرة ملك سبأ).

و تظهر علاقة زنجبار بالخليج العربي في صفحة من صفحات التاريخ ، فعندما انتصر الحجاج بن يوسف الثقفي على العمانيين لجأ أميراها سليمان وسعيد ابني عبد بن الجلندى إلى أفريقية الشرقية ، و هنالك إستقرا و إطمأنا ، و في هذا الخبر مدخل إلى فهم الصلة العريقة بين زنجبار و بلدان الخليج العربي ، فإن هذين الأميرين لم يذهبا إلى زنجبار إلا لإطمئنانهما إلى أن لهما هنالك قوما و أنصارا.

و الواقع أن طبيعة موقع زنجبار و بلدان الخليج العربي تحتم أن يكون هنالك ترابط قديم بينهما ، فإن التجارة التي يمارسها أهل الخليج العربي كانت تعتمد على النقل البحري ، فتخرج سفنهم من البصرة و الكويت و البحرين و موانئ عمان و تشق طريقها حاملة اللؤلؤ و البخور و التمر و القطن ، و تعود من زنجبار بالقرنفل و النارجيل و حطب الكندل و الأخشاب ، و إستمرت هذه التجارة في سيطرتها على المحيط الهندي ثم سواحل أفريقية الشرقية أزمنة طويلة حتى إلتقى بها المستر مانستي وكيل شركة الهند الشرقية البريطانية بالبصرة عام 1798 م و تضايق من نشاط العرب و خبرتهم و إستعداداتهم فكتب يقول: ( تجارتنا تكاد تكون لا وجود لها في الخليج ، فان الأساطيل التجارية للكويت و البحرين و الزبارة و مسقط تحتكر تجارة الخليج إحتكارا كليا ، و الأفضل أن نغلق وكالتنا بالبصرة لأنه لم يعد لنا أي فائدة تجارية).

و من هذا يتضح لنا عراقة التجارة العربية و إمتدادها و أصالتها و نستدل منه على الروابط التاريخية بين زنجبار و بلدان الخليج العربي.

و لقد إستمرت هذه الروابط حتى إصطدام العرب هناك بإمبراطورية البرتغال و تعاونوا على مقاومتها و تكفل العرب في أفريقية الشرقية بحفظ كيانهم من هذا الغزو الأجنبي ، فتـمكنوا أن يحتفظوا بطابعهم ، و عندما طرد أبناء عمان البرتغال من بلادهم لاحقوهم إلى زنجبار و هنالك تعاون معهم أهلها فقضوا على نفوذ البرتغال نهائيا و إمتد نفوذ العرب إلى جزيرة مـدغشقر و إلى أواسـط أفريقيا ، كذلك شاركوا أهلها في مواجهة الألمان عندما إمتدت مطامعهم إلى أفريقية الشرقية ، و قاوموا القراصنة عندما جمع الأوربيون سفنهم لمقاومة سفن الخليج ، و سيرة الملاح العربي إرحمة بن جابر الجلاهمة خير دليل على ذلك ، و لعل قارئ الصحف العربية لا ينسى ما نشرته مجلة المصور القاهرية من تصريح للزعيم لومومبا عندما أشاد في مقابلة بفضل العرب على الكونغو في الجانب القديم من تاريخها ، و كان للعرب الباع الكبير في تأسيس المدن في أفريقية الشرقية ، و إهتموا بهذه المدن و طوروها و عربوها ، فقد أنشؤوا براوة و لامو و مالندي و زنجبار و كلوة و موزنبيق و بمبا.

22 ـ أسرة عربية تحكم زنجبار

و يسأل القارئ بعد هذا عن سبب وجود أسرة عربية على كرسي الحكم في زنجبار حتى 12 يناير 1964 م و لعله وعي أكثر مراحل الجواب من الأحداث التي وردت في هذا الكتاب ، فزنجبار سايرت التاريخ العربي جميعه منذ أن حكمت من قبل الدولة الآسانية بحضرموت ثم السبئية باليمن ، و منذ شاركت العرب في الدفاع عن مصالحهم و كيانهم بالنفس و النفيس.

أما الأسرة العربية التي حكمت زنجبار هي جزء من وجود الحقيقة في حياة ذلك الجزء ، فقد كانت تحكم من عاصمة الإمبراطورية العمانية ، و عندما أوشكت الإمبراطورية على التفكك حفظ العرب كيان البلاد فحكمتها قييلة المزاريع العمانية ثم عاد إليها حكم مسقط في عهد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي ، و شهدت زنجبار عصرها الذهبي في عهد حفيده السلطان سعيد بن سلطان بن أحمد الذي إتخذها عاصمتة الثانية عام 1832 م و مركزا لنفوذه في أفريقية ، فقال صاحب المثل: ( إذا زمر أحد في زنجبار رقصت لأنغامه كل أفريقية حتى البحيرات).

و قد تناقلت الأنباء نبأ إستقلال زنجبار في العصـر الحديث في العاشر من شهر ديسـمبر عام 1963 م ، و إحتفلت زنجبار بهذه المناسبة السعيدة ، و نحن نذكر تاريخ إستقلال زنجبار تطوف أمامنا مواكب من الذكريات و إشعاعات من المفاخر نظرا للعلاقة الكبرى بين عمان و بلدان الخليج و بين هذه الدولة في شرقي أفريقية ، و الحكم في زنجبار حتى عام 1964 م يرأسه حاكم من الأسر الحاكمة في الخليج العربي كما ذكرنا سابقا.

فقد إتجه السيد سعيد بن سلطان إتجاها كليا إلى زنجبار ، فإتخذها عاصمة ثانية له عام 1832 م مصطحبا معه آلاف العائلات العربية ، ومهد لهم سبل الإستيطان ، و أهتم الحاكم العربي الوافد إلى أفريقية بالتجارة و ساهم مساهمة كبيرة و شجع العرب على التوغل في مجاهل أفريقية ، و أكثر من الزراعة ، و من ذلك عمله على زراعة أشجار القرنفل التي تعتبر أكبر مورد إقتصادي لزنجبار ، و أصبحت زنجبار بتوجيهه المدينة الرئيسية في أفريقية الشرقية سياسيا و إقتصاديا ، و سيطر العرب على كل طرق التجارة بالسواحل الأفريقية و على القوافل التجارية التي تخوض مجاهل أفريقية.

كان السلطان سعبد يتردد بين عمان و زنجبار ، و لقى حتفه و هو في طريقه إلى زنجبار عائدا من زيارة له إلى عمان وذلك عام 1856 م على ظهر بارجته البحرية التي سماها فيكتوريا ، و كما إنتقلت زنجبار من حكم أسرة عربية إلى أخرى ، إنتقلت أيضا من حكم عمان لتحكم نفسها. فقد إختلف الأخوان ثويني بن سعيد بن سلطان و ماجد ، فإدعى كل منهما بالعرش ، و كان أن وجد الحاكم البريطاني في الهند سبيلا للتدخل ، فأتى بحل تصدعت على أثره قوة تلك الإمبراطورية التي شيدها العرب على البحر ، فقسم الحكم بين الأخوين و ذلك بأن يكون ثويني حاكما على عمان ، و أن يكون ماجد حاكما على زنجبار و أن يدفع أربعين ألف ريال أتاوة سنوية بالإضافة إلى ثمانين ألف ريال عن السنتين الماضيتين. و بهذا الحل الذي أتى به اللورد "كاتنج" و مندوبه السير "وليام كوغلان" سلم الأخوان دون أن يفكر كل منهما في عاقبة ذلك ، فبدأت سيطرة عمان تضعف و بدأ التدخل الأجنبي في كل من الجانبين.

تولى ماجد الحكم في زنجبار عام 1862 م ، و في عهده تم إنشاء قناة السويس ، و لم يتمتع بالحكم إذ توفى و عمره ستة و ثلاثون عاما.

لم ينجب ماجد ولدا ذكرا ، و لذلك تولى الحكم أخوه برغش فإهتم بالناحية العمرانية ، و زود زنجبار بالماء العذب و قد عقد برغش معاهدة مع بريطانيا بمنع حمل العبيد من أفريقية الشرقية و إغلاق سوق بيعهم في زنجبار ، و أقيمت مكان هذا السوق كنيسة إنجليزية ، و زار لندن عام 1875 م بدعوة رسمية و تنازل عن جزيرة بيو لشركة التلغراف ، و إشتبك مع الألمان في نزاع ، فقد أخذوا يرسلون وكلاءهم و يستحدثون طرقا جديدة في داخل أفريقية ، و في عام 1885 م أعلنت ألمانيا ضمها ما يقارب ستين ألف كيلومتر مربع من ممتلكات السلطان برغش ، و تسليما بالأمر الواقع وافق السلطان على ذلك ، و صدر تصريح ثلاثي من ألمانيا و فرنسا و بريطانيا لتحديد ممتلكات سلطان زنجبار عام 1886 م ، و على أثر ذلك سلم السلطان برغش إدارة بلاده إلى جمعية شرق أفريقية البريطانية. و لم يعمر بعد ذلك طويلا فقد مات عام 1888 م و خلفه أخوه خليفة بن سعيد بن سلطان فسيطر الألمان في عهده على طريق القوافل و حكم مدة سنتين ، فخلفه بعد وفاته أخوه علي بن سعيد بن سلطان.

و في عهد السلطان علي بن سعيد نشهد تمثيلية أخرى من تآمر الإستعمار الأوربي ، فقد أقرت فرنسا و ألمانيا الحماية البريطانية على زنجبار و توابعها في تصريح مشترك ، فنودي بها محمية بريطانية في اليوم الرابع من نوفمبر عام 1890 م مقابل تنازل بريطانيا عن إمتيازاتها في مدغشقر لفرنسا و عن هلجولانده لألمانيا ، و أيضا عن البلاد الواقعة بين نهري روفوما و أومبا بما فيها جزيرة مافيا على أن تدفع ألمانيا أربعة ملايين فرنك لبريطانيا.

و توفى السلطان علي عام 1893 م ، فخلفه السيد حمد نجل السلطان ثويني بن سعيد بن سلطان الذي نازعه أخوه ماجد بن سعيد على الحكم ، و توفى حمد عام 1896 م ، و حاول السيد خالد بن برغش الإستيلاء على الحكم إلا أن مدافع البوارج البريطانية قصفت القصر فإلتجأ خالد إلى القنصلية الألمانية ، و نودي بحمود بن محمد سلطانا على زنجبار و هو حفيد السيد سعيد بن سلطان و توفى عام 1902 م ، فخلفه و لده علي بن حمود و الذي توفى عام 1918 م ، و كان تنازل عن الحكم عام 1911 م ، فنودي بالسيد خليفة بن حارب بن ثويني بن سعيد بن سلطان سلطانا على زنجبار ، و أعلنت بريطانيا نقل شؤون زنجبار إلى وزارة المستعمرات بدلا من وزارة الخارجية.

و السلطان خليفة بن حارب جد السلطان جمشيد وهو آخر حاكم من سلالة آل سعيد اذ قامت حركة تمرد في 12 يناير عام 1964 م أنهت به الحركة الحكم العماني و آلبوسعيدي في زنجبار.

و قد شهدت زنجبار في عهد السلطان خليفة بن حارب تطورا ، و تولى الحكم من بعده ولده عبدالله الذي توفى إثر عملية جراحية عام 1963 م فخلفه على الحكم ولده جمشيد بن عبدالله بن خليفة بن حارب آلبوسعيدي الذي لم تطل فترة حكمه كما أسلفنا.

هذه هي زنجبار كدولة كانت تحكمها أسرة عربية بدأت باليعاربة و سايرت مطامع الغرب ، و إستسلمت للتفرقة و الضعف حتى سارت في طريقها للإستقلال و إنهاء الحكم العربي فيها.

23 ـ السيد ثويني بن سعيد بن سلطان
(1273 ـ 1282 هـ) ـ (1856 ـ 1865 م)

كما ورد في الفصل السابق و على إثر وفاة السيد سعيد بن سلطان تنازع ولداه ثويني و ماجد على السلطة و خلافته ، و بعد عامين من وفاته أي في سنة 1275 هـ قدم الحاكم البريطاني في الهند نص بنود الإتفاق التى وضعوها بينه و أخيه السيد ماجد ، و في الواقع أنه لم يرض بها إلا على مضض و أن الظروف أجبرته على قبولها ، على عكس أخيه ماجد الذي كان مسرورا بتقبل هذا الحل الذي أدى إلى تصدع الإمبراطورية العمانية و دخول عمان في دوامة الإستعمار الإنكليزي ، و من خلال هذا الحل نشهد التآمر البريطاني على وحدة و كيان هذه الدولة العربية التي إمتد مجدها من سواحل بحر العرب إلى موانئ شرق أفريقية في المحيط الهندي. و بعد هذا التقسيم و التآمر الإنكليزي قرر نائب الملك البريطاني في الهند إطلاق على كلا الحاكمين لقب "سلطان" و بهذا تكون الحكومة البريطانية وافقت رسميا على لقب "سلطان عمان".

في عام 1278 هـ (1861 م) أراد والي صحار السيد تركي بن سعيد بن سلطان الإستقلال عن حكم أخيه ، و لكن المفوض البريطاني في مسقط توسط بينهما مما زاد من شدة الخلاف بين الأخويين و ذلك لسوء تقدير المفوض البريطاني المستر بنجيلي و نكثه بوعده ، الأمر الذي أدى إلى غضب السلطان ثويني و من ثم إعتقال السيد تركي و سجنه في مسقط. ثار أهل صحار إثر سماعهم بالخبر فجهز السلطان ثويني حملة عليها برفقة المفوض البريطاني الذي كان يحرض قبائل بني ياس في دبي و أبوظبي لنصرة السلطان و تم تعيين إبن السلطان السيد سالم بن ثويني واليا عليها. في هذه الفترة تم إستبدال المفوض البريطاني في مسقط المستر بنجلي و عين الميجور جرين بدلا منه ، و على الفور أطلق سراح السيد تركي و تم إنهاء ثورة أهل صحار.

و في عام 1278 هـ (1861 م) حشد حاكم الرستاق السيد قيس بن عزان بن قيس ابن الإمام قاصدا مدينة السويق و كان واليها إبن عمه السيد هلال بن محمد ابن الإمام بهدف ضـم هلالا إلى جانبه ضد السـلطان ثويني ، و كان ضمن جيش قيس جمع كبير من رجال قبيلة آل سعد ، فلما علم هلال بقدومه سار لملاقاته منفردا ممتطيا فرسه ، و إلتقيا ببستان يبعد قليلا عن حصن السويق ، و بعد المصافحة إنفردا في ناحية ، فتحدث قيس فيما قصد إليه فلم يوافقه هلال فيما أراد ، و بعد أخذ و رد قام قيس و إنتضى سيفه و ضرب هلالا في صدغه الأيسر فنفذ السيف من الصدغ الأخر ، إلا أن الضربة كانت ببادرة السيف ، فثار هلال و إستل خنجره فحز بها عنق قيس الذي خر صريعا. إتجه هلال إلى فرسه فإعترضه رجال آل سعد و أرسلوا اليه رماحهم فكان يتلقفها و يرسلها إلى صدورهم فقتل منهم تسعة رجال ثم خر صريعا ، و لهذه الحادثة قصة طويلة تتداولها الألسن إلى يومنا هذا لما فيها من بطولة هلال و شجاعته.

في سنة 1864 م وقع السلطان ثويني إتفاقية مع شركة التلغراف الإنكليزية يسمح لها بموجبها مد أسلاك التلغراف في مناطق نفوذ السلطان العماني بما فيها المناطق التي يسيطر عليها في الساحل الإيراني. و في عام 1865 م تم إضافة ساحل مكران إلى بنود الإتفاقية.

و قد وقعت كل من بريطانيا و فرنسا في 10 مارس 1862 م معاهدة لم تشركا فيها الأطراف المعنية و بالأخص سلطان عمان ، فقد أصدرتا بيانا مشتركا من باريس بأنهما وقعتا إتفاقية مشتركة تقضي بإحترام إستقلال كل من سلطان مسقط و سلطان زنجبار ، و قد وقعت الحكومة البريطانية الإتفاقية مباشرة دون الرجوع إلى حكومتها في الهند التي لم تعرف بأمر هذه الإتفاقية إلا في عام 1871 م.

24 ـ عودة للنجديين

اختلفت الروايات في الشخص الذي جاء بالنجديين في هذه المرة ، فبعض الروايات تقول أنه الشيخ سعيد بن طحنون شيخ أبوظبي ، أما الشيخ السالمي في كتابه تحفة الأعيان فيذكر إسم ناصر بن علي شيخ آل وهيبة و لم يذكر سعيد بن طحنون ، و على كل فالشخصان قد اشتركا في الأمر كما تدل عليه الأحداث.

جاء النجديون تحت قيادة السديري كما هي العادة بطلب زعيم من زعماء عمان ، و قد إنضمت إليهم قبائل حزب الغافري ، و نزلوا مدينة صحم و نهبوا سوقها و قتلوا إثنين من التجار الهنود ، ثم توجهوا بطلب من "بني بو علي" إلى جعلان و انضموا اليهم هناك ، و قصدوا مدينة صور و نهبوا سوقها و قتلوا تاجرا هنديا أيضا. و قد جاء في مقدمة باجر على ترجمة كتاب المؤرخ العماني إبن رزيق "الفتح المبين" أن الحكومة البريطانية أرسلت كتاب احتجاج إثر هذه الحادثة إلى حكومة نجد عام 1866 م ، و لما لم يردها أي رد من الحكومة النجدية هجمت البارجة "هاي فلاير" بقيادة الكابتن باسلي على القطيف و دمر حصنها و أحرق بعض السفن.

إثر الهجوم على صور جهز السلطان ثويني طرادا حربيا تحت قيادة أخيه السيد تركي ، أما هو فقد خرج برا من مسقط إلى المنطقة الشرقية ، و هناك اجتمع بالشيخ صالح بن علي الحارثي مع بقية شيوخ الهناوية (حزب الهناوي) و زحف على صور ، فلما وصل إليها لم يجد فيها أحدا من النجديين و السبب في ذلك أن ناصر بن علي الوهيبي (من آل وهيبة) سار إلى السديري و أبلغه أنه لا يقدر على مساعدته "لأن قبائل الهناوية كلها مع السلطان و هي زاحفة عليك" فإضطرب السديري و خرج من صور متوجها إلى مدينة منح ، و هنالك علم بأنه لا سبيل له بالرجـوع على الطـريق التي جـاء فيها ، فإتجه إلى الجبل الأخضر ، و نزل منه على وادي بني خروص ، وقد ماتت أكثر خيله من الصعوبات التي لاقاها في فراره إلى أن وصل البريمي.

تركزت فلول النجديين بعد انهزامهم في منطقة البريمي ، و بما أن البلاد مهددة من وقت لآخر بهم و يسـتغل وجودهم هناك شيوخ عمان ، فقد عزم السـلطان ثـويني على حربهم و إجلائهم من البريمي ، فقصد إلى صحار لكي يستعد لهذه الحرب ، و لكن المقدر حال دون ذلك ، ففي منتصف نهار يوم الإربعاء الثامن من شهر رمضان سنة 1282 هـ أطلق عليه ولده السيد سالم الرصاص فخر صريعا ، ثم زج بعمه السيد تركي بن سعيد في سجن صحار و ركب قاصدا مسقط ، أما السيد تركي فقد جاءت بارجة إنكليزية و أخرجته من السجن.

25 ـ السيد سالم بن ثويني بن سعيد
(1282 ـ 1285 هـ) ـ (1865 ـ 1868 م)

استولى على الحكم بعد قتله لوالده في عام 1282 هـ ، و تحالف مع الوهابية ، و قد إعترف به الانكليز حاكما بينما ثار عـليه بنو قومه العـمانيون ، و قد أمن المقيم البريطاني سلامة الرعايا البريطانيين من هنود و خوجا و غيرهم و ممتلكاتهم و ثروتهم قبل أن يعترف بسالم سلطانا ، و قد إضـطربت تجاه هذا السـلطان المشـاعر و نـفرت منه القلوب ، فأصبحت الهواجس المقلقة تصطدم في قلبه و فكره.

و من أهم الحوادث التي تخللت عهده هجوم السيد تركي بن سعيد بن سلطان على مدينة صحار بمساعدة قبيلة بني علي ، و كان الوالي عليها بدر بن سيف البوسعيدي الذي كان على غير إستعداد لمواجهة مثل هذا الهجوم المفاجئ.

حاصر السيد تركي بن سعيد قلعة صحار ، و أرسل إلى بدر بن سيف ينصحه بعدم المقاومة ، و في اللحظة التي تراءت بشائر النصر للسيد تركي و لخلف بن سنان شيخ بني علي وجه سلطان بن سعيد البوسعيدي أحد مدافع القلعة نحو المسجد الذي إجتمع فيه السيد تركي و رجاله ، فإنطلقت قذيفة أصابت رجل خلف بن سنان فقطعتها فحمله قومه و توجهوا إلى مدينة ينقل لكنه توفى في الطريق.

خرج السيد تركي من صحار و الأسف ملؤ قلبه على موت أكبر أنصاره ، و ظل يرتحل في عمان إلى أن توجه إلى مسقط عن طريق البحر ، و نزل خلف قلعتها الشرقية (الجلالي) و تسلق عليها مع بعض رجاله ، و قبض على قائدها و سجنه في إحدى الغرف و أخذ منه مفاتيح الأبواب.

كان السيد تركي يعلم أن السلطان السيد سالم يخرج في كل يوم بعد صلاة الفجر يتفقد خيله ، و لذلك لم يحدث أي حركة تثير الشبهة. و عند الفجر نزل إلى البلدة و كان حسن الحظ بجانب السيد تركي ، فلم يخرج السلطان السيد سالم ذلك اليوم كعادته ، فتجول السـيد تركي حول "بيت الجريزة" ، و إذا به يفاجأ بوجود عبدالله بن مشاري بن سعد بن مطلق ، و هو من قادة الوهابية إذ كان السلطان السيد سالم على تحالف معهم ، فضربه بسيفه و قتله و عاد إلى القلعة و أشعل نار الحرب و لكنه لم يجد فيها من المؤونة ما يكفل له البقاء ، فنزل منها بعد أيام ثم توجه إلى المنطقة الشرقية و طلب من أكابر شيوخها مناصرته و القيام معه فأجابوه لما في قلوبهم من حقد و بغض على السلطان السيد سالم. زحف جيش السيد تركي على مطرح و دخلها فتوسطت الحكومة البريطانية بينه و بين السلطان سالم ، فإتفق على أن يستلم السيد تركي في كل عام سبعة آلاف ريال بشرط أن يقيم في الهند ، فقبل هذا الصلح ثم غادر عمان إلى بومبي في 11 سبتمبر 1867 م. و تجدر الإشارة هنا أن الإنكليز هددوا السيد تركي في حالة إستيلائه على مسقط بأنهم لن يعترفوا به و إن سفنهم ستدك قلاعها.

26 ـ الدعوة للإمامة من جديد

إثر تتابع الأحداث و تأثير الهيمنة الإنكليزية على البلاد ، ثارت عمان تنادي بوجوب تنصيب إمام لإقامة العدل و إعادة الأمور إلى نصابها ، و كان الداعي لهذه الحركة الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي و الشيخ صالح بن علي الحارثي ، فنجحت الدعوة و رشحا لمنصب الإمامة السيد عزان بن قيس بن عزان بن قيس ابن الإمام أحمد ، و الحق يقال أن هذا الإختيار وقع في محله ، فالسيد عزان في فقهه و زهده و شجاعته جدير بالإمامة ، ثم أنه إبن عم السلطان السيد سالم و الدعوة بإسمه لها تأثير كبير في نفوس العمانيين ، فخرج الشيخ صالح بن علي بمن معه من المنطقة الشـرقية و سـار حتى نزل في علاية سمائل ، و إجتمع بالشيخ العلامة سعيد بن خلفان ، ثم تحرك معهم قاصدين مسقط ، و خرج السيد عزان بن قيس من مدينة الرستاق فإستولى على بركا ، و إتجه إلى مسقط و إلتقى الجمع في السويح بالقرب من مطرح ، و في منتصف الليل هجموا عليها و إقتحموا أسوارها ، كل هذا و السلطان السيد سالم كالمأخود على ما عرف عنه من شجاعة و إقدام. و بعد السيطرة على مطرح زحف الجمع علي مسقط ، و بعد قتال إقتحموا أسوارها و إستولوا على أبراجها ، أما السلطان فقد تحصن في القلعة الغربية (الميراني) ، و بما أنه لم يعد العدة لمثل هذا الخطب فلم يتمكن من البقاء في القلعة سوى سبعة أيام ، و بعدها نزل و ركب إحدى سفنه و توجه إلى جزيرة "القسم" و إستولى المهاجمون على قلاع مسقط و تم لهم الأمر ، و كان ذلك عام 1285 هـ (1868 م). و كانت وفاته في الهند عام 1294 هـ (1877 م).


27 ـ الإمام عزان بن قيس بن عزان
(1285 ـ 1287 هـ) ـ (1868 ـ 1871 م)

في اليوم الثاني و العشرين من جمادى الآخرى عصر يوم الجمعة تمت المبايعة لهذا الإمام في قصر الشجر بمسقط ، و إطلقت المدافع و رفعت الراية البيضاء على قلاع مسقط و ربوع عمان ، لم يتجاوز الإمام عزان بن قيس السابعة و العشرين من العمر فهو شاب في مقتبل العمر ذو شجاعة و عفة و تقى و زهد باع نفسه لدينه و أمته ، إتبع في إدارة شؤون البلاد مبدأ الشورى ، إلا أن الأمور العملية فكانت تدار برأي العلامة الشيخ سعيد بن خلفان و الشيخ صالح بن علي. و قد قلق الإنكليز من إنتخاب الإمام عزان خوفا من أن الأمر سيفلت من آل بوسعيد فأخذوا يستثيرون القبائل البدوية و يغرونها لمقاتلة الإمام عزان.

و قد امتنعت القبائل الغافرية عن القدوم إلى مسقط لمبايعة الإمام لإعتقادهم من أن إختيار الإمام تم على رأي زعماء القبائل الهناوية ، و من هذه القبائل بنو ريام و الدروع و الجنبة و عموم قبائل وادي سمائل ، إلا أن هذا الإمتناع لم يؤثر على توطيد دعائم الدولة.

و بعد ستة أشهر من تولي الإمام عزان بن قيس بن عزان بن قيس ابن الإمام أحمد و تأسيس دولة الإمامة الجديدة صدر الحكم بمصادرة أموال آل بوسعيد و الجبور ، و هذا نص الحكم:

"هذا ما حكم به سيدنا إمام المسلمين الولد عزان بن قيس بن عزان في الأموال التي خلفها الإمام أحمد بن سعيد و ولده الإمام سعيد ابن الإمام و أولاده قيس و سلطان و محمد بنو الإمام أحمد بن سعيد ، و الأموال التي خلفها هلال بن محمد ابن الإمام و سعود بن علي بن سيف , و أموال السيد سعيد بن سلطان و إبنه ثويني بن سعيد و سالم بن ثويني و عماله سيف بن سليمان بن حمد و سعيد بن محمد بن سعيد و أموال بنت سيف بن محمد أم السيد سعيد بن سلطان و أموال عزا بنت سيف زوجة السيد سعيد و أموال محمد بن ناصر الجبري قد حكم بهذه الأموال كلها لبيت مال المسلمين لإستغراقها في الجبايات و المظالم المجهولة أربابها فكان مرجعها لبيت المال ، و قد حكم بذلك الإمام".

سبق أن ذكرنا عن إمتناع القبائل الغافرية من أهل وادي سمائل عن مبايعة الإمام ، و ها هم السيابيون يعلنون عصيانهم و يرفضون المحاكمة عند الإمام في دماء بينهم و إحدى القبائل.

في شهر شوال من عام 1285 هـ قرر الإمام الزحف على نفعا ، فخرج من مسقط بجمع كبير حتى نزل في فنجا ، و هناك إعترضه السيابيون و قاتلوه و أسفر القتال عن هزيمتهم ، و عادوا إلى نفعا و تحصنوا فيها ، فسار الإمام بجيشه و نزل في بدبد و أرسل يدعوهم للتسليم و الطاعة فأبوا ، فزحف عليهم و دارت بين الطرفين معركة عنيفة إنهزم بعدها السيابيون شر هزيمة ، فدخل الجيش بلدة نفعا و نهبها و هدم حصونها و أبراجها ، ثم قبض الإمام على شيوخ السيابيين و غيرهم من قبائل الغافرية و أرسلهم الى مسقط و زج بهم في السجن ، و بعد هذا هدأ تمرد الغافريين و خضعت القبائل كلها و إستتب الأمن في ربوع عمان.

مما لاشك فيه أن تمركز الوهابيين في البريمي له تأثير كبير في قلوب الرجال المخلصين لوطنهم ، كما أنه لا يوجد فرد واحد من أفراد القبائل الهناوية من هو راض عن هذه الحالة ، إلا أن جلاء النجديين ليس بالأمر الهين و هناك جموع الغافرية تريدهم و تتفانى في نصرتهم و أغلبهم من البدو. أما الآن و قد عمت دعوة الإمام بأسرها سواء من فيها من الغافرية أو الهناوية ، فلا عذر لهم من تطهير البلاد من أعدائها. و قد خرج محمد بن علي شيخ النعيم من البريمي قاصدا الإمام طالبا منه إخراج الوهابيين منها ، و كان الإمام يومئذ في بركا.

28 ـ قبيلة النعيم

يمتاز رجال هذه القبيلة بالشجاعة و الإقدام ، و هي أيضا من أكبر أنصار الوهابيين ، و هي أول من رحب بهم و مكنهم من حصن البريمي ، و ها نحن نرى الآن شيخها محمد بن علي يقصد إلى الإمام و يطلب منه إخراجهم من البريمي ، و لا نعرف السبب الداعي لهذا الإنقلاب و لا كيف نعلله إلا ما كان من إستبداد الوهابيين و تعسفهم و ظلمهم و رغبة القبائل في دعم الوحدة الوطنية و إنقاذ الوطن من الظلم و التعسف و النهب و السلب. رحب الإمام بمقدم الشيخ محمد بن علي ، و جمع العلماء و أكابر رجال الدولة و أتفقت الآراء على القيام بواجب الوطن.

ركب الإمام و من معه قاصدين مدينة صحار ، و كتب لرؤساء القبائل يدعوهم ، فلما تكاملت الجموع خرج بهم و سار على طريق وادي الجزي حتى بلغ منازل بني كعب ، فتلقاه شيوخها بالترحاب و إنضموا تحت رايته و منها زحف على البريمي ، فلما أشرقت طلائع جيشه عليها خرجت لقتاله خيل الوهابية تحت قيادة "مدغم" ، فإندفعت خيل الإمام نحوها تحت قيادة شامس بن حسن العامري ، و إلتقى الطرفان و دارت بينهما معركة قصيرة إنجلت عن قتل القائد الوهابي و إنهزام رجاله و تحصنهم في حصن البريمي ، فحاصرهم الإمام مدة خمسة أيام و بعدها طلبوا الأمان فأمنهم و خرجوا قاصدين بلادهم.

و قد شهد عهد الإمام عزان بن قيس الكثير من الأحداث و الوقائع منها محاولات السيد تركي بن سعيد و السيد سالم بن ثويني إلا إنهما لم ينجحا فيما قاما به.

و عندما تمت مبايعة الإمام عزان بن قيس قام السيد نصر بن ثويني بركوب إحدى السفن الشراعية و توجه إلى "جواذر" و إستولى عليها ، فقاومه البلوش إلا إنه انتصر عليهم بشجاعة ثم استولى أيضا على بلدة "شهبار" بمساعدة بعض من ناصره من البلوش.

و بعد أن تم للإمام عزان بن قيس التمكن و الاستيلاء على البريمي و استرجاعها ، و بعد توطيد الأمن في الظاهرة ، توجه قاصدا إلى الرستاق و منها بعث سراياه للإستيلاء على ما تبقى من حصون عمان ، فقبض أولا حصن بهلا و كان بيد بني غافر و بني شكيل ، ثم قبض على إزكي و كانت تحت سيطرة علي بن جبر الجبري ، ثم توجه بعد ذلك بنفسه إلى نزوى و إستولى على قلعتها ، و منها خرج لحرب بني بو علي في جعلان.

29 ـ جعلان

تقع منطقة جعلان في الجهة الجنوبية من عمان و في منطقة الشرقية منها ، و هي من أخصب مناطق عمان و تمتاز بجودة مناخها و شجاعة رجالها ، و تنقسم إلى قسـمين قسـم تقطنه قبيلة بني بوعلي و من جاورها من القبائل الغافرية ، و قسم تقطنه قبيلة بني بوحسن و من جاورها من القبائل الهناوية.

إعتنق بنو بوعلي المذهب الوهابي عند أول غزو للوهابيين على عمان ، لهذا فقد نبذوا أحكام الإمام و لم يروا وجوب طاعته ، فسار إليهم الإمام بجمع كبير من رجال القبائل الهناوية ، و نزل في "إبرا" حيث تجمعت القبائل فيها و منها تحرك قاصدا جعلان و نزل في بلاد بني بوحسن ، و أرسل إلى أكابر بني بوعلي يخيرهم بين أمرين أما الطاعة و إلا الحرب.

إضطرب بنو بوعلي و خافوا عاقبة الأمر لثقتهم أنهم غير قادرين على مواجهة ذلك الجيش الضخم الذي يقاتل عن عقيدة دينية و حماسة قبلية فإنقادوا مذعنين ، فأخذ الامام أكابرهم و أكابر من ناصرهم من الهشم و بني راسب و أرسلهم إلى مسقط و زج بهم في قلعتها الجلالي.

تمكن المسجونين من الهروب بعد حوالي أربعة أشهر من سجنهم في قلعة الجلالي ، وذلك بعد أن وضع لهم بعض أعوانهم حبلا في جراب تمر ، و في آخر الليل ربطوا الحبل في مدفع و نزلوا به واحدا بعد الآخر ، و كانت هناك سفينة شراعية في إنتظارهم فركبوا فيها و توجهوا إلى صور ومنها إلى جعلان.

30 ـ نهاية دولة إمامة الإمام عزان بن قيس

أول فشل أصاب دولة الإمام عزان بن قيس هو إنهزامه عند هجومه على مدينة ضنك ، و قد حطمت هذه الهزيمة معنويات الدولة التي أخضعت عمان في أقل من عامين بتلك الإنتصارات المتتالية التي حازتها في كل خطوة من خطواتها.

ذكرنا فيما مضى عن محاولات السيد تركي بن سعيد لاسترجاع عرش آبائه ، و الآن نعود إلى نتائجها ، و هي أن السيد تركي بن سعيد عاد مرة أخرى من الهند و نزل في خور فكان ، و منها إتجه إلى البريمي عن طريق الفجيرة و وادي حم و إنضمت إليه قبيلتا بنو قتب و بنو نعيم كما إنضم إليه شيوخ دبي و عجمان و رأس الخيمة ، و أعلن شيوخ أبوظبي الذين كانوا يسيطرون على قلعة البريمي تأييدهم للإمام عزان ، و كان السـيد التركي استطاع السـيطرة على مناطق مهمة في منطقة الظاهرة ، و التقى الجيشان في ضنك و أسفرت المعركة عن إنتصار السيد تركي و تقدمه إلى منطقة الشرقية يستنهض رجال آل وهيبة و غيرهم من البدو ، كما أرسل قائده سيف بن سليمان البوسعيدي إلى جعلان يستنهض شيوخ بني بوعلي الذي سبق ذكر فرارهم من سجن مسقط بينما تراجع الإمام عزان و أخو السيد إبراهيم بن قيس إلى صحار.

نجح سيف بن سليمان في إثارة كوامن حقد بني بوعلي ، و خرج من جعلان يقود فرقة صغيرة لا يزيد عدد رجالها على ثلاثمائة رجل حتى نزل في السويح المحاذي لبيت الفلج. ذكر الشيخ نورالدين السالمي في كتابه تحفة الأعيان: (لم يكن ببال المسلمين أن سرية جعلان نصيب غرضها لقلة عددهم ، و لكن يقضي الله أمرا كان مفعولا) ، و يذكر السيد هلال بن بدر في كتابه تاريخ عمان المختصر: (و أنا أعقب على هذا القول و أقول أن حامية مطرح لم تكن قليلة العدد و لا تنقصها عدة ، إنما تنقصها صدق النية و الإخلاص و لا أكون مخطئا إذا قلت أن الحاشية التي تحيط بالإمام و بأكابر العلماء رضوان الله عليهم جميعا كانت حاشية ملوثة بوفير الأطماع ، فقد نفرت قلوب الرجال عن حب الإمام و الخاصة من العلماء لجشعهم و بطشهم و تعسفهم تحت ستار من الدين ، مما جعل الأيدي عنهم قصيرة و هكذا شأنهم في كل زمان).

عندما سمع الإمام بأمـر تلك الفرقة الصغيرة المهاجمة لم يـتهاون بأمرها و هذا شأن الشـجاع الحازم ، فتوجه حالا إلى مطرح لتحصين سورها و الإشراف على إستحكاماتها ، كما أنه وجه فرقة من الرجال لمناوشتها فكان من أمرها ما ذكره الشيخ السالمي في التحفة أيضا مما أدى إلى استشهاد الإمام.

قسم سيف بن سليمان رجاله إلى قسمين ، قسم وجهه إلى الباب الكبير ، و قسم قاده بنفسه و سار به إلى جهة جبروه ، و عندما حاول اقتحام سور جبروه مع رجاله أصابته قذيفة مـدفع فـخر صـريعا ، إلا أن رجاله و بالأخص عبيده إندفعوا في هجومهم و لم يثنهم قتل سـيدهم فدخلوا البلدة ، و القسم الثاني تسلق السور من جهة الباب الكبير فإلتقى بهم الإمام فرماه أحدهم بطلق ناري فخر صريعا رحمه الله ، و تم الإستيلاء على مطرح و كان ذلك في 30 يناير 1871 م.

سارت الرسل إلى السيد تركي تبشره بالنصر و كان في الشرقية ، فركب حالا و ركب معه آل وهيبة و غيرهم حتى وصل إلى مطرح و منها زحف على مسقط و إستولى عليها و تم له الأمر.


31 ـ السلطان تركي بن سعيد بن سلطان
(1287 ـ 1305 هـ) ـ (1871 ـ 1888 م)


من المعروف أن من يستولي على مسقط يكون له النفوذ و السلطان المطلق على عمان ، لهذا نرى أن السلطان تركي لما تم له الإستيلاء على مسقط إنقادت له عمان و من فيها. و قد كان لعلاقته الجيدة بالإنكليز و لإقامته في بومبي لمدة سنتين قريبا من المسؤولين البريطانيين هناك الدافع في إعتراف الحكومة البريطانية به كسـلطان على عمان و تم تعزيز هذا الإعتراف بواسطة مجلس الوزراء البريطاني في يونيو 1871 م و تم إبلاغ السيد تركي بذلك 8 أغسطس من نفس العام.

و من الحوادث التي شهدها عهده عودة السيد سالم بن ثويني إلى عمان محاولا استرجاع ملكه إلا أنه لم يجد له ناصرا فعاد إلى الهند و بقى فيها إلى أن توفى في سنة 1294 هـ.

كما عاد إلى مسقط أخوه السيد عبدالعزيز بن سعيد بن سلطان الذي كان مقيما في الهند حيث عاش مكرما و كان ينوب عنه في فترات غيابه و أظهر خلالها الحنكة و الدراية في إدارة أمور الدولة ، و قد كانت للسيد عبدالعزيز علاقة جيدة مع الشيخ زايد بن خليفة شيخ أبوظبي الذي زار مسقط و مكث فيها ثلاثة أسابيع في ضيافة السيد عبدالعزيز ، إلا أن علاقة التفاهم بين السلطان تركي و السيد عبدالعزيز لم تستمر إذ أن ذوي الأغراض تدخلوا بالوشاية بينهما ، كما أن العلاقة بين السيد عبدالعزيز و الممثل البريطاني في مسقط لم تكن جيدة الأمر الذي سبب متاعب مالية و إدارية لنائب السلطان. و نتيجة لهذا التوتر توجه عبدالعزيز إلى منطقة الشرقية و منها خرج بجمع كبير من قبائل متفرقة و هاجم مسقط الا أنه إنهزم عنها ، و تم الاتفاق بينه و بين أخيه على أن يعود إلى الهند فسمح له بذلك فسافر إليها و بقى فيها إلى أن توفاه الله.

و في يونيو 1871 م إستعاد صحار من السيد إبراهيم بن قيس و أغلب ساحل الباطنة ، إلا أن الصراع حول السيطرة على مناطق ساحل الباطنة إستمر حتي النصف الثاني من عام 1873 م ، و كانت الحكومة البريطانية تدعم السلطان تركي يؤيده بذلك قبيلة بني نعيم و شيخ دبي.

في عام 1879 م شهدت جواذر إضطرابات إستطاع جيش السلطان السيطرة عليها ، كما إستطاع السلطان تركي إستعادة بسط نفوذه على مقاطعة ظفار في نفس العام.

و شهد عهد السلطان تركي بعض الإنتفاضات القبلية كتمرد قبائل وادي سمائل من بني نداب و الرحبيين و وادي المعاول في نوفمبرعام 1883 م ، و تمرد بني بطاش عام 1885 م - 1886 م.

كانت علاقة السلطان تركي بالحكومة البريطانية علاقات متميزة و أبرم معها عدة إتفاقيات ، و كانت حكومته حريصة على حماية مصالح و أموال الرعايا البريطانيين في مسقط و سائر الأراضي العمانية و عدم تعرضها للنهب. و قد بادر السلطان تركي بمفاتحة شيوخ إمارات ساحل عمان في عام 1886 م لضم هذه الأقاليم الشمالية إلى مناطق حكمه إثر إقتراح بريطاني و لكنه آثر أن يمنحهم نوع من الحكم الذاتي و الإستقلالية في النفوذ و ذلك تجنبا لمزيد من التوتر و المشاحنات القبلية.

و زار السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار مسقط في مارس عام 1888 م و إستقبله أخوه السلطان تركي بحفاوة ، و تتحدث مصادر التاريخ أن السلطان تركي إقترح أن يتنازل عن الحكم للسيد برغش ، و لكن الأجل المحتوم لم يمهل الأخوين من تحقيق ذلك ، فقد توفيا بعد نحو ثلاثة أشهر من لقائهما في مسقط.

فرض السلطان تركي ضرائب على البضاعة الواردة إلى مينائي مسقط و مطرح بواقع 5% من قيمة البضاعة التي تنقلها السفن عدا تلك التي لم يتم إنزالها في الموانئ ، و قد حصلت شركة الهند البريطانية عن إعفاءات ضريبية و كان ذلك عام 1876 م. كما تم فرض ضريبة على البضائع الواردة من المناطق الداخلية و كان ذلك عام 1879 م ، و في عام 1886 م حددت هذه الضريبة بواقع 5% من قيمة البضاعة.
و قد أبرمت في عهد السلطان تركي بن سعيد عدة معاهدات ، و هي:

1. معاهدة مع الحكومة الإنكليزية بتأكيد القضاء على تجارة الرقيق عام 1873م. و سانده الإنكليز في القضاء على معارضيه. كما وافق السلطان تركي أن يعامل الرعايا الهنود من تجار و عمال المقيمين في عمان معاملة الرعايا البريطانيين و أن تسري عليهم القوانين البريطانية وكان أغلب هؤلاء من التجار البانيان و طائفة اللواتيا المقيمين في مسقط و مطرح.
2. في عام 1880 م وافق على تعيين قنصل للولايات المتحدة الأمريكية بمسقط ، و قد عينت الولايات المتحدة الأمريكية بالنيابة عنها تاجرا إنكليزيا و يدعى المستر ماجيور.
3. في عام 1881 م وافق على تعيين قنصل للجمهورية الفرنسية ، و قد عينت فرنسا نفس التاجر الإنكليزي الذي عينته أمريكا.

أما تاريخ حياة السلطان تركي بن سعيد فهي حافلة بالمعارك و بالحوادث الجسام ، و حسبنا أن نعرف أنه أول سلطان في دولة آل بوسعيد استرد عرشه بحد السيف ، و كما كان معروف عنه أنه كان على جانب كبير من اللطف و السماحة و الكرم ، إلا إن به شيئا من الحدة أحيانا إذا ضاق صدره بأمر ، و لكنه سرعان ما يعود إلى لطفه ، و ليست تلك الحدة إلا بقية من أثر الانفعالات النفسية مما لاقاه من المحن و الشدائد في حياته المملوءة بالمغامرات.

32 ـ السلطان فيصل بن تركي بن سعيد
(1305 هـ ـ 1331 هـ) ـ (1888 ـ 1913 م)

هو ثاني أنجال السلطان تركي بن سعيد الا أنه مرموق الجانب من الخاصة و العامة ، مع العلم أن لا وصية يومئذ لولاية العهد ، و انما الأمر متروك للكفء عادة و للقوي الغالب أحيانا ، و السلطان فيصل يتحلى في حياة أبيه بصفات ممتازة علاوة على ما عرف عنه من اللطف و السـماحة و الشـجاعة ، لهذا فأخواه السيدان محمد و فهد يقدمانه في حياة والدهما نظرا لميل الشعب إليه و تطلعهم إلى جانبه. و قد تلكأ الإنكليز بالإعتراف به حتى عام 1890 م ، و عندما إعترفوا به سلطانا للبلاد أبرموا معه معاهدات تجارية كبلته فيها بقيود شديدة فمنعوه من إستيراد و تصدير أي سلعة إلا عن طريقهم ، كما منع من إبرام أي معاهدة مع غير بريطانيا ، و بذلك ربط إبنه و أحفاده من السلاطين بالإنكليز في سياساتهم الخارجية و التنموية مما أدى إلى دخول عمان في دوامات جديدة من الحروب الداخلية و الفتن. و من هذه المعاهدات معاهدة تجارية في عام 1890 م مدتها إثنى عشر عاما و معاهدة 1898 م تقضي بمنع بيع الأسلحة. و قد نفرت من السلطان فيصل بن تركي القبائل المؤيدة و الموالية لحكم السلطان نتيجة إلى إهماله في معالجة شئون البلاد أكثر من كفاءته حسب ما ذكر لوريمير في كتابه دليل الخليج.

في عام 1306 هـ (1889 م) زحف السلطان فيصل بجيش كبير على مدينة الرستاق ، و كان عليها السيد إبراهيم بن قيس البوسعيدي إلا أنه عاد عنها بسبب خيانة بعض أكابر الشيوخ. و كان عمه السيد عبدالعزيز الذي كان يزور صديقه شيخ أبوظبي قد حشد بعض القبائل إستعدادا للهجوم على مسقط ، و لكن القبائل المناصرة للسلطان تمكنت من صدهم. عاد بعدها السيد عبدالعزيز إلى أبوظبي و منها إلى بوشهر حيث إلتقى بالمقيم البريطاني هناك و من ثم غادر إلى بومبي حيث عاش بقية حياته هناك و توفى عام 1907 م.

و في عام 1312 هـ (1895 م) جاء إلى مسقط الشيخ عبدالله بن صالح الحارثي زائرا و معزيا له في أخيه السيد فهد إلا أنه كان يضمر شرا ، فمكث أياما في رعاية و تكريم و هو مع هذا يراقب وصول العدد الكافي من رجال الهناوية ، فلما بلغ عددهم حوالي سبعمائة مقاتل هجم بهم ليلا على القصر فقاتلهم السلطان بنفسه منفردا و قتل منهم رجالا معروفين و جرح الكثير منهم ، و كان موقفه في تلك الليلة موقفا يضرب به المثل في الثبات و الشجاعة ، فلما كان الصباح خرج من قصره و تحصن في القلعة الشرقية "الجلالي" ، أما أخوه السيد محمد فقد تحصن في القلعة الغربية "الميراني" ، و بعد أيام جاء الشيخ صالح بن علي الحارثي بجمع كبير لنجدة ولده ، كما جاء لنجدة السلطان عدد غفير من الغافرية من أهل وادي سمائل يقودهم العلامة الشـيخ راشد بن عزيز و سعود بن علي الجبري ، و جاء بعد ذلك الشيخ عبدالله بن سالم العلوي بعدد كبير من رجال بني بوعلي ، عند ذلك تراجع الشيخ صالح بن علي و ولده عبدالله و يأسوا من النصر و قبلا الصلح الذي أشار به بعض أكابر الرجال و دفع لهم السلطان إثنى عشر ألف ريال و خرجا من مسقط بعد قتال دام شهر.
و قد شارك في هذه الحادثة بالدعم المالي و التشجيع (1312 هـ - 1895 م) سلطان زنجبار السيد حمد بن ثويني بن سعيد الذي حاول القضاء على السلطان فيصل و لكن السلطان فيصل دافع دفاعا شديدا و أغرى الغزاة بالمال ، كما تمكن في نفس العام من السيطرة على نزوى و إزكي. و قد كان للسلطان حمد بن ثويني مصالح كثيرة في مسقط رأسه و صداقات و أنصار ، و مع كثرة المهاجرين من عمان إلى زنجبار و خصوصا إبتداء من عام 1894 م ، و من هؤلاء كان الشيخ عبدالله بن صالح الحارثي و الشيخ محسن بن عمر الحارثي و حمود بن سعيد الجحافي الذين أغروا صدر السلطان حمد بن ثويني في القضاء على السلطان فيصل بن تركي.

و في عام 1314 هـ (1895 م) جهز جيشا لإخضاع بني رواحة ، إلا أنه لم يوفق التوفيق الكلي. و في عام 1325 هـ جـهز جيشـا تحت قيادة ولديه السـيدين تيمور و نادر لقتال قبيلة السـيابيين ، فأذعن شيوخهم بالطاعة قبل الهجوم ، فعفى عنهم بعد أن سجنهم في قلعة مسقط لمدة عام واحد ثم أطلقهم و أنعم عليهم و أعادهم إلى بلادهم.

في عام 1320 هـ (1903 م) وجهت الحكومة البريطانية دعوة للسلطان فيصل لحضور حفل تتويج الملك إدوارد السابع ، فأرسل نجله السيد تيمور بن فيصل نيابة عنه يرافقه عدد من كبار الأعيان العمانيين منهم السيد يوسف الزواوي أحد أصدقاء السلطان و مستشاريه المقربين و أحمد بن ناصر والي مطرح ، و رافق السيد تيمور من الجانب البريطاني الميجور بيرسي كوكس كمسؤول سياسي . و قد إحتفل السلطان بالتتويج في مسقط بإطلاق 101 طلقة تحية للملك الإنكليزي و قام بزيارة مقر الممثل البريطاني في مسقط. و إلتقى السيد تيمور بن فيصل بعمه السيد عبدالعزيز أثناء هذه الزيارة المقيم هناك.

و في 18 نوفمبر من نفس العام قام اللورد جورج ناثليان كرزون نائب الملك في الهند بزيارة لمسقط و ذلك ضمن الجولة التي قام بها في الخليج العربي حيث إستقبله السلطان فيصل إستقبالا حافلا.

33 ـ الصراع الإنكليزي الفرنسي على مسقط


حاول السلطان فيصل بن تركي تحرير نفسه من القيود التي فرضتها عليه المعاهدات التي وقعها مع الانكليز ، فأقام علاقات ودية مع المبعوثين الفرنسيين الذين أقنعوه بمنحهم حق إمتياز محطة للفحم في منطقة الجصة بالقرب من مسقط الأمر الذي أثار غضب بريطانيا ، و لكنه رفض أن يتراجع عن إلتزامه ، فوافقت بريطانيا نظير تعنت السلطان على تزويد السفن الفرنسية بالفحم من محطات بريطانية خارج الموانئ العمانية.

بدأ إهتمام فرنسا بمسقط عام 1893 م عندما عينت لها نائب قنصل ، و في عام 1898 م رفعته إلى قنصل ، و كانت بريطانيا قد أعلنت الحرب على تجارة الرقيق و الأسلحة ، فقامت القنصلية الفرنسية بتوزيع العلم الفرنسي على السفن العربية لتنجو من ملاحقة و مراقبة السفن الإنكليزية. و قد قامت حكومة لندن بتقديم إحتجاجات إلى حكومتي باريس و مسقط و لكن دون جدوى.

لجأ الانكليز إلى خطة أخرى إذ وجهت إلى السلطان فيصل إنذارا شديدا تطالبه بعدم رفع السفن العربية العلم الفرنسي و إنصاع السلطان إلى ذلك ، و لكن الفرنسيين لم يعيروا الأمر إهتماما و إستمروا بتوزيع إعلامهم على السفن العربية.

إستمر التوتر حتى عام 1903 م ، و بلغت الأزمة ذروتها حين صادر السلطان سفنا تحمل العلم الفرنسي مما أثار غضب فرنسا التي أرسلت بارجة حربية لتجد أمامها بوارج حربية بريطانية الأمر الذي كاد يهدد بإنفجار الموقف.

جرت مفاوضات ثنائية بين باريس و لندن لتطويق الموضوع و عرضه على لجنة التحكيم الدولية ، و خصوصا عند ظهور طرف آخر على المسرح ألا و هو الطرف الألماني ، حيث أعلنت بريطانيا أنها ليس لديها مانع من إستمرار السفن العربية في رفع العلم الفرنسي حتى إشعار آخر.

34 ـ الإمامة من جديد
الإمام سالم بن راشد الخروصي

في عام 1331 هـ (1913 م) ظهرت حركة يقودها العلامة الشيخ عبدالله بن حميد السالمي وذلك بعد جهد قام به حوالي ثمان سنوات ، و قد أيده و ساعده الشيخ حمير بن ناصر النبهاني ، فقد عقدا البيعة للشيخ سالم بن راشد الخروصي إماما جديدا لعمان في تنوف و منها خرجوا إلى نزوى ، وكانت حامية القلعة من قبيلة الحضارمة و قد إختارهم السلطان فيصل لإعتقاده فيهم الشجاعة والامانة ، و قد سلم الحراس القلعة بغير قتال ، و بعد سقوط القلعة إنتحر والي نزوى السيد سيف بن حمد البوسعيدي.

و بعد سقوط نزوى توجه أنصار الامام إلى إزكي حيث إستقبلهم بكل حفاوة واليها السيد سعود بن حمد بن هلال البوسعيدي الذي كان رجلا متدينا و مناصرا لنظام الإمامة و سلم لهم المدينة و حصنها و إنضم اليهم ، و بعد ذلك زحفوا على سمائل وحاصروا حصنها و كان فيه السيد نادر بن فيصل الذي قاومهم لمدة شهر حتى نفذت ذخيرته فسلم الحصن للشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي ، و عاد إلى مسقط. زحف جيش الإمام سالم بن راشد على مسقط و لكنهم إصطدموا بوجود قوات للإنكليز في بيت الفلج بالقرب من مسقط.

كان الإنـكليز يبثون بـذور الفرقة و الخلافات و تـشجيع التـحزب القـبلي بين الغافرية و الهناوية ، فكانوا يتبعون سياسة فرق تسد و هو النهج الذي إستخدموه في إدارة مستعمراتهم ، و لكن العمانيين بالقيادة الجديدة سعوا إلى توحيد الصف و الكلمة نافرين الأحقاد و التفرقة القبلية ، فإنصهر الجميع يحدوهم أمل واحد هو التخلص من الانجليز و العيش بأمان و حرية تكفل السيادة و الكرامة للجميع. و نتيجة لذلك و لضعف الموقف الإنكليزي و لإنشغالهم في الحرب العالمية الأولى ضد الخطر الألماني و لضعف موقف السلطان ، أوعز الإنكليز إلى السلطان بأهمية إصلاح الشأن الداخلي ، و أن يعقد صلحا مع الإمام و أنصاره و بالفعل تمت عدة مفاوضات بين الطرفين أدت إلى توقيع إتفاقية عام 1339 هـ الموافق 1920 م عرفت بإتفاقية السيب و سوف نتحدث عنها في موضوع لاحق.

دانت عمان جميعها للإمام الجديد ، و كان السلطان فيصل في ذلك الوقت عليلا فلم يتمكن من قتال أنصار الامام ، إضافة إلى خذل الإنكليز له و إنشغالهم في الحرب العالمية الأولى ، و لم تمهله ارادة الله في ذلك فإنتقل الى رحمة الله في عام 1331 هـ.

35 ـ السلطان تيمور بن فيصل بن تركي
(1331 ـ 1350 هـ) ـ (1913 ـ 1932 م)

إستلم زمام الأمور في هذه السلطنة و أهل عمان في نشوة الانتصارات التي حازوها إثر تولي الإمام سالم بن راشد الخروصي الإمامة الجديدة و تأييد جميع القبائل العمانية له ، و قد حاول السلطان تيمور استمالة جانبهم بكل الوسائل الممكنة إلا أنها لم تؤثر عليهم. و بما أننا بصدد التعريف بعهد السلطان تيمور بن فيصل لا يسعنا إلا أن نذكر محاسن خلقه ، و إحترامه و تقديره لرجال العلم و الأدب و رعايته للفقير و المحتاج بحيث أن الكثير من أفراد الشعب أطلقوا عليه لقب "السلطان المحسن".

في عام 1331 هـ سعي الشيخ حمدان بن زايد الفلاحي زعيم قبائل بني ياس و شيخ أبوظبي بالصلح بين السلطان تيمور و الإمام سالم بن راشد الخروصي وذلك رغبة منه في لم الشمل و رأب الصدع في البيت العماني الواحد ، و لكن هذه الوساطة باءت بالفشل لعدم قبول الطرفين ببنود الاتفاق خاصة من جانب جماعة الإمام الذين رأوا أن تسليم الحصون إلى السلطان تعني تسليمها للإنكليز.

كما عقد اجتماع آخر بين الطرفين في السيب أيضا بترتيب من الشيخ سلطان بن محمد بن علي النعيمي شيخ البريمي ، و لكن كان مصير هذا الاجتماع مثل سابقه.

في عام 1332 هـ هاجم العمانيون حصن نخل و إستولوا عليه و على حوالي تسعين من حصون داخلية عمان ، ثم قصدوا بركا إلا إنهم إنهزموا بعد قتال كبير فيها ، و في نفس هذا العام انتقل إلى رحمة الله العلامة الشيخ عبدالله بن حميد السالمي المؤسس لهذه الثورة و الداعي لدولة الإمامة الجديدة و دفن في مدينة تنوف.

في عام 1333 هـ هاجم العمانيون معسكر بيت الفلج إلا إنهم انهزموا عنه بعد أن ضحوا بعدد كبير من رجال الهناوية و على الأخص من قبائل الشرقية ، و في عام 1334 هـ هجموا على مدينة الرستاق و حاصروا السيد أحمد بن ابراهيم البوسعيدي في قلعتها بعد أن خذله أهل البلد.

صمم السلطان تيمور على نصرة السيد أحمد فتوجه إلى مدينة المصنعة و منها قصد بلدة الحزم ، و تحت رايته شيخان و هما الشيخ سلطان بن محمد النعيمي و الشيخ خلف بن سنان العلوي ، و قد كادت هذه الحركة أن تحدث أكبر إنتصار ضد الثورة و رجالها ، إلا أن بعض الرجال الذين يعدون أكبر رجال دولة السلطان و في الواقع هم من أنصار الثورة في الباطن قاموا ببث الدسائس بين هذين الشيخين و إيغار صدر كل منهما ضد الآخر ، فحصل الخلاف و تفرقت الكلمة. و لم ير السلطان بعد هذا إلا أن يسرح تلك الجموع و يعود إلى المصنعة و منها إلى مسقط.

أما السيد أحمد بن ابراهيم فقد قاوم الثوار و اشتدت المقاومة ، و دام الحصار مدة أربعة أشهر ، و أخيرا بعد أن نفذ آخر ما عنده من ذخيرة و مؤونة اضطر إلى التسليم.

و في عام 1338 هـ توفى الشيخ حمير بن ناصر النبهاني ، و في نفس هذا العام قتل الإمام سالم بن راشد الخروصي و قاتله أحد رجال آل وهيبة ، فبايع العمانيون الشيخ محمد بن عبدالله الخليلي إماما على عمان مباشرة بعد مقتل الإمام سالم بن راشد الخروصي.

حسبنا من تاريخ هذا السلطان أن نقول أن جميع المحاولات التي قام بها كانت كبيرة في ذاتها لو صادفها شيء من التوفيق إلا أن الأقدار لها حكمها.

في يوم الثاني من شهر شوال من عام 1350 هـ الموافق 11 من فبراير 1932 م تنازل السلطان عن الحكم لنجله الأكبر السيد سعيد بن تيمور بن فيصل ، و قد بين رغبته في التنازل لنجله وفق الخطاب الذي أرسله إلى قنصل الدولة البريطانية العظمى و كيل سياستها بمسقط ، و المرجع الذي حصلنا منه على نص الرسالة مكتوب بخط اليد و موقع من قبل السلطان من سجلات عمان الجزء الثالث من الأرشيف العالمي ، إلا أن المصادر الانكليزية التي صدرت فيما بعد تبين أن تنحي السلطان تيمور كان بضغط من الحكومة البريطانية التي رأت عدم صلاحيته للحكم و عدم خدمته لمصالحها ، و فيما يلي نص الرسالة التي يبدي فيها رغبته بالتنحي:


"""
بسم الله الرحمن الرحيم

من تيمور بن فيصل الى جناب المود ميجر مرفي قنصل الدولة البريطانية العظمى وكيل سياستها بمسقط المحترم

غب التحيات الفائقة ، كتاب جنابك المؤرخ عاشر جولائي سنة 1929 من كراجي ، وافانا بتاريخ سادس عشر جولائي سنة 1929 بدهره دون ، و فهم محبك ما تضمنه في خصوص إستفهامك من موجب ما طلب منك حضرة الكرنل بيرت ، عن إرادتنا و قصدنا عن التنازل عن أريكة سلطنتنا في السنة المقبلة و هي سنة 1930.

نعم هذا العزم و القصد كما علمتم أننا ثابتون عليه ، و كان القصد منذ نيف و ثمان سنوات و لم يتغير فكرنا ، و إنما أجلناه تكلفا نظرا لمصلحة الطرفين ، و ليس سبب التنازل هذا ناشئ من سوء سلوك حكومة الهند و معاملتها لنا و لحكومتنا ، كلا ، بل أننا لا نقدر أن ننكر مننها بالمساعدات لحكومتنا و إلتفاتها لمصالحنا كما نأمل منها ، و لا شك أننا واثقون أن تلك المساعدات لخلفنا و حكومتنا ستدوم و لو أن شخصنا تنازل عن السلطنة ، فنرجو من جنابك تؤكد لصديقنا حضرة الكرنل بيرت عن عزمنا الثابت عن التنازل من سلطنة حكومتنا ، كما فهمه المذكور شفاها منا في أثناء زيارته لنا هذه السنة بمسقط ، و قد بينا الأسباب الناشئة من الأمراض التي تقعدنا عن القيام بالواجبات كما هي اللازمة علينا في حق حكومتنا.

و ذكر جنابك تخمينا أن كدرنا ربما واقع من جهة منع رجال سياسة حكومة الهند في مسألة بيتنا بدهره دون لأ ، بل أفكارنا سابقة عرفتموها من قبل أن نشتري البيت في دهره دون ، و لا شك أننا نعلم أن الدولة ستعاملنا في مسألة بيت دهره دون و غيره كما هي أهل له في حق شخصنا.

و في الختام نرجو دوام المحبة و الصداقة بين حكومة مسقط و الدولة البريطانية ،

حرر يوم رابع عشر صفر سنة1348 موافق 22 جولائي سنة 1929



تيمور فيصل """

و في عهده قدم إلى عمان الزعيم و المجاهد الليبي الشيخ سليمان الباروني الذي هاجر من بلاده هربا من بطش الإستعمار الإيطالي ، فرحب به العمانيون أجمل ترحيب و دعوه إلى المـشاركة في نهضة البـلاد ، فكان التفاعل مع وجوده و كان الصدى الطيب و استنهاض الهمم في جميع مناطق عمان من دبي و نزوى و سمائل و مسقط ، و أسند له مهام تطوير الأجهزة الإدارية للدولة في عهدي السلطان تيمور بن فيصل و نجله السلطان سعيد بن تيمور ، كما كانت له اتصالات طيبة مع دولة الإمامة في عهد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي. و قد أسس الشيخ الباروني مدرسة في سمائل عرفت بمدرسة الباروني ، و تركت فترة تواجد الزعيم الليبي في عمان الأثر الطيب لدى الأجيال المتعاقبة في عمان. و قد زار السلطان تيمور مسقط في أواسط الأربعينيات و توفى في الهند عام 1961 م.


36 ـ الإمامة قائمة
الإمام محمد بن عبدالله الخليلي


إثر مقتل الإمام سالم بن راشد الخروصي رأى الإنكليز أن الفرصة حانت للتدخل و ضرب إستقلال عمان الداخلية ، و حاولوا بث الفرقة و إثارة النعرات ، و لكن العمانيين فوتوا عليهم الفرصة بإنتخاب الشيخ محمد بن عبدالله الخليلي إماما جديدا.

تولى الإمام محمد بن عبدالله الخليلي الإمامة عام 1338 هـ ، و في عهده وقعت معاهدة السيب و ذلك في شهر محرم عام 1339 هـ الموافق 1920 م. كان ممثل الإمام الأمير عيسى بن صالح الحارثي ، و كان مفوض السلطان تيمور بن فيصل المستر ونكيت باليوز قنصل بريطانيا لدى مسـقط بحضور العلامة الشيخ سعيد بن ناصر بن عبدالله الكندي وسيطا بين الجانبين حيث كان العلامة الشيخ الكندي يحظى بثقة الإمام و تقدير السلطان ، و المعاهدة نصت على البنود التالية:
"
1. أن يكون كل وارد من عمان من جميع الأجناس إلى مسقط ومطرح و صور و سائر بلدان الساحل لا يؤخذ منه زيادة عن خمسة بالمائة.
2. أن يكون لجميع العمانيين الأمن و الحرية في جميع بلدان الساحل.
3. ترفع جميع التحجيرات على جميع الداخلين والخارجين في مسقط و مطرح و جميع بلدان الساحل.
4. أن لا تأوي حكومة السلطان مذنبا يهرب من إنصاف العمانيين و أن ترجعه إليهم إذا طلبوه و أن لا تتدخل في داخليتهم.

و هذه الشروط المذكورة أعلاه لصالح الإمامة و إعترافا بإستقلالها التام ، أما الشروط التي بصالح السلطنة فهي:

1. كل القبائل و المشايخ يكونون بالأمن والصلح مع حكومة السلطان ، و أن لا يهاجموا بلاد الساحل و أن لا يتداخلوا في حكومته.
2. كل المسافرين إلى عمان في مشاغلهم الجائزة و الأموال التجارية يكونون أحرارا و لا تكون تحجيرات على تجارتهم و لهم الأمن.
3. كل محدث و مذنب يهرب إليهم يطردونه و لا يأوونه.
4. أن تكون دعاوى التجار و غيرهم من العمانيين تسمع و تفصل على موجب ما هو الإنصاف بالحكم الشرعي.

حرر هذا في بلدة السيب يوم الحادي عشر من شهر محرم 1339 هـ الموافق 25 سبتمبر 1920 م.

هذا نقل المكتوب في القرطاسة التي فيها تصحيح العمانيين و كتبه عيسى بن صالح بيده.

نعم و صحيح و ثابت أن هذا هو نقل الإتفاق الذي وقع ما بين حكومة سمو المعظم السلطان السيد تيمور بن فيصل و العمانيين بواسطتي و حضوري كتبه بأمره إحتشام المنش بيده. حرر بمسقط في 12 سبتمبر 1920 م الموافق 27 محرم 1939 هـ.

صحيح المستر ونكيت (سي أي سي) باليوز قنصل الدولة البريطانية بمسقط. "

و قد حافظ الطرفان على بنود المعاهدة حتى عام 1954 م حيث إرتأى الإمام الخليلي الإبتعاد عن الإنكليز و مؤامراتهم و الإنصراف الى تقوية الجبهة الداخلية ، أما الإنكليز فقد حافظوا عليها بسبب إنهاك دولتهم في الحرب العالمية الأولى و الثانية ، و أما السلطان فقد حافظ عليها لعجزه للتصدي للعمانيين منفردا دون مساعدة حليفه الأكبر بريطانيا.

إنتقل الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى رحمة الله في عام 1373 هـ الموافق 1954 م ، و إنتخب العمانيون من بعده الإمام غالب بن علي الهنائي إماما الذي كان يرى أن الوقت قد حان للخروج من العزلة السياسية التي جرى عليها الأئمة من قبله ، و عزم أن يضع مخططا جديدا ليسير بموجبه ليصل الشعب العماني ببقية الشعوب العربية.

37 ـ الصراع على النفط

إتضح بالواقع و بعد تتابع الأحداث التي عاصرناها في بلادنا عمان ، أن أسباب وجود الدول الإستعمارية في منطقة الخليج العربي ليس من أجل عيون أهلها و حكامها و علاقات وطيدة تربـطنا بها ، بل هي مصالح إقتصادية و أمنية و إستراتيجية حتمتها الثروات الطبيعية و الموقع الجغرافي الهام اللذين تتمتع بهما المنطقة و عمان بالذات. و لا نستغرب إذا عرفنا أن الصراع بين الأخوة في عمان ونجد و الذي تحدثنا عنه في فصول سابقة أدارته في الخفاء أيدي الدول العظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا العظمي.

يقول الصحفي الإنكليزي جيمس موريس (تحول الى امرأة عام 1970 م و أصبح إسمه جان موريس) في كتابه "سلطان في عمان":

"الحقيقة هي أن مستقبل حقول النفط في منطقة الخليج يتحكم في مصير بريطانيا العظمى. أن الحقول الشمالية في منطقة الخليج أصبحت مستقرا لمنطقة الستيرلنج ، و أنه بات من المهم أن تكون أي استكشافات نفطية جديدة تحت سيطرة منطقة الستيرلنج. و في الواقع و حسب مقال نشر في جريدة النيويورك تايمز أن من يتحكم في المصادر الجديدة للنفط سيتحكم بمصادر الطاقة العالمية إلى أن يتم توفير الطاقة عن طريق القدرة النووية. و لتحقيق ذلك أن البريطانيين مستعدون بالمغامرة على إثارة الأمريكان ، و أن الوايت هول تآزر السلطان و رجال النفط البريطانيين بقوة و قرارات غير واضحة المعالم".

إن عمان و جميع دول الخليج العربي ضرورية لبريطانيا الاستعمارية و ذلك لتأمين طرق الملاحة و التجارة و للدفاع عن مصالحها في الهند التي كانت تعتبر مصدرا للمواد الخام التي تعتمد عليها بريطانيا في صناعاتها و اقتصادياتها ، فكانت خطة بريطانيا هي تأمين الملاحة و بسط نفوذ الهيمنة على جميع الموانئ المهمة على طريق الملاحة و التجارة البحرية و اغلاق هذه الموانئ في وجه كل من يحاول مشاركتها في استغلال موارد الهند و الاستفادة من موقع هذه الموانئ البحرية.

و الموانئ العمانية ، التي تمثل القلعة الشرقية للعالم العربي و منها مسقط و رأس مسندم الذي يقع على مضيق هرمز و المتحكم في مدخل الخليج العربي من خليج عمان ، كانت من الموانئ التي اعتبرها الإنكليز ذات طابع إستراتيجي ومهم ، فكان أن أبرمت الاتفاقيات مع سلاطين مسقط لاستغلالهم لهذه الموانئ و الحد من وجود منافس لهم عليها.

و قد نجحت الخطة البريطانية في مد نفوذها إلى جميع الموانئ العربية إبتداء من عمان و استطاعوا السيطرة على العراق و مصر و فلسطين ليكون خط الملاحة إلى الهند قد أمن و إكتمل.

و قد اكتفت بريطانيا بالنسبة لعمان بعقد المعاهدات مع السلاطين لاستغلال الشريط الضيق من السواحل و كبلتهم بها كما أوردنا في فصول سابقة. أما بالنسبة للمناطق العمانية الأخرى و التي سيطرت عليها دولة الإمامة الجديدة فقد تجنب الإنكليز المغامرة و الدخول مع العمانيين في حروب و خلافات لا تضمن نتائجها.

و لكن الإنكليز ظلوا بين الفترة و الأخرى يرسلون مبعوثيهم للإمام مطالبينه بتحسين العلاقات معهم و تهديده إن لم يمتثل لذلك. ففي عام 1919 م كتب الميجر هاورث القنصل البريطاني في مسقط إلى نائب الإمام محمد بن عبدالله الخليلي الخطاب التالي:

"اني أرغب في الاجتماع بكم لنتباحث فيما يجب عمله لتحسين العلاقات ، و نحن نعتقد أن المباحثات هي الوسيلة الوحيدة في مثل هذه الأحوال لتسوية النزاع.

أنه لدينا خمسة آلاف جندي مدربين على الحروب ومعسكرين الآن في العراق ، لقد أنجزوا عملياتهم الحربية و لا عمل لديهم الآن ، و أن بضعة آلاف منهم تكفي لاحتلال عمان ، و أنتم تعرفون كذلك بأننا سادة البحر ، فإذا كنتم تريدون عدواننا فإننا سوف نمنع ورود الأرز و الحبوب و الأقمشة إلى عمان. و سنمنعكم من بيع منتجاتكم حيث أن جميع طرق التجارة هي في أيدينا ، و أن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذه الحالة مما يحتم علينا أن نجتمع و نتخاطب بالأمر".

وفي عام 1920 م تم توقيع معاهدة السيب و بها هدأ التوتر قليلا ، و في عام 1922 م دلت التنقيبات عن وجود النفط بوفرة في جميع الأراضي العمانية ، فكتب القنصل البريطاني في مسقط إلى السلطان تيمور بن فيصل يخبره بأنه بات من المؤكد وجود النفط في الأراضي العمانية و أفهمه بأن استخراجه لن يسمح به إلا لبريطانيا.

و في عام 1925 م حصلت شركة "دارسي" البريطانية على حق إمتياز لأعمال البحث و التنقيب عن النفط في عمان ، و لكن إمتيازها انتهى عام 1929 م و لم تقم بأي عملية تذكر خلال فترة امتيازها.

و في عام 1937 م إستطاعت شركة "عمان و ظفار" التابعة لشركة بترول العراق الحصول على حق امتياز إنتاج البترول و نقله ، و لم تقم الشركة بعمل أي تنقيب و ذلك تحرزا من الشركة حالة حدوث أي تغيير في السياسة النفطية في العراق و رغبة منها في جعل النفط العماني بمثابة احتياط للمستقبل فيما لو تم تأميمها في العراق كما كان يتوقع البريطانيون.

38 ـ السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل
(1350 ـ 1390 هـ) ـ (1932 ـ 1970 م)
أ-

تولى الحكم إثر تنحي والده السلطان تيمور بن فيصل ، و قد استبشر مواطنوه خيرا بتوليه مقاليد الحكم لما يتمتع به من سمعة طيبة في التعامل و التواصل مع الرعية. تلقى تعليمه في كلية مايو (Mayo College) المعروفة بالهند و التي تخضع لنظام التعليم الإنكليزي.

شهد بداية عهده نوعا من التنمية في المجالات الخدماتية و ذلك بإنشاء المدرسة السعيدية بمسقط عام 1940 م و المدرسة السعيدية بصلالة و ابتعاثه لأول مجموعة من الطلبة في بعثة دراسية إلى بغداد ، و فتح بعض العيادات الطبية في مسقط و مطرح ، و رصف بعض الطرق في مسقط ، و حاول جاهدا تحسين الاقتصاد و تجاوز العجز في مالية الدولة التي أرهقها ما أنفق على تعزيز القوة العسكرية و القضاء على الثورات و الفتن الداخلية و ذلك باتباع سياسة التقشف المالي كانت نتائجها عكسية على عهد هذا السلطان في كل نواحي الحياة في البلاد ، فتوقفت عملية البناء ، و تدنت النواحي الخدماتية ، و ندرت المشاريع التنموية نتيجة لتلك السياسات.

و كان للموظفين الإنكليز الدور الكبير في سياسة الانغلاق و الحرمان و القيود و الجمود التي فرضت على جميع نواحي الحياة في البلاد. و أصبح عهد السلطان سعيد بن تيمور رهينة في يد هؤلاء الموظفين الإنكليز الذين لم يريدوا خيرا لعمان منذ عهد جده الإمام أحمد بن سعيد.

و قد وقع في العشرين من ربيع الأول 1371 هـ الموافق 20 من ديسمبر 1951 م معاهدة الصداقة و التجارة و الملاحة مع حكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العـظمى و أيرلندا الشـمالية سارية المفعول لمدة عـشرين عاما (أي حتى ديـسمبر 1971 م) ، و قد عنوت الإتفاقية بالآتي:

" مسقط رقم: 1 (1951)

معاهدة الصداقة و التجارة و الملاحة بين صاحب الجلالة نيابة عن المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى و إيرلندا الشمالية و صاحب الجلالة سلطان مسقط و عمان.
(مع الرسائل المتبادلة) التي توضح إستفسارات حول بعض بنود المعاهدة.
مسقط – 20 من ديسمبر 1951 م
و قد وقعها عن الجانب الإنكليزي:
(Lieutenant-Colonel Sir William Rupert Hay) المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي.

و عن الجانب العماني: السلطان سعيد بن تيمور سلطان مسقط و عمان و توابعها.

باللغتين العربية و الإنكليزية ، و في حالة ورود أي خلاف أو شك فتكون النسخة الإنكليزية هي الحاسمة.

و يشار في المعاهدة إلى صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى و أيرلندة و الدومينيون البريطانية لما وراء البحار بصاحب الجلالة ، و إلى سلطان مسقط و عمان و توابعها بالسلطان.
و أهم ما نصت عليه المعاهدة من بنود الآتي:

البند الأول: التعريفات لهذه المعاهدة
1. مصطلح "مقاطعات صاحب الجلالة" تعني المملكة المتحدة و شمال إيرلندا و يشار إليها في المعاهدة بالمملكة المتحدة و أي مناطق تنطبق عليها الإتفاقية بسبب التوسع في النفوذ كما هو مذكور في البند (15) من المعاهدة ، و مصطلح مناطق السلطان تعني مناطق نفوذ السلطان و توابعها.
2. مصطلح "مواطنو صاحب الجلالة" يعني جميع مواطني المملكة المتحدة و مستعمراتها و مواطنو جنوب روديسيا و كل الأشخاص المحميين من قبل بريطانيا عدا مواطني الكويت و البحرين و قطر و أبوظبي و دبي و الشارقة و عجمان و أم القيوين و رأس الخيمة و كلبا ، و "مواطنو السلطان" يعني جميع المواطنين التابعين للسلطان حيثما تواجدوا و سكنوا و بالنسبة للبنود (3 و 5 و 6و 7) المصطلح "مواطنو" سوف يعمل به ليشمل أجهز المؤسسات المنشأة وفق قانون مقاطعات الطرف المتعاقد العالي.
3. مصطلح "السفن البريطانية" أو ما يشار إليها تعني السفن المسجلة في المملكة المتحدة للطرف المتعاقد العالي أو أي المناطق التي تنطبق عليها هذه الإتفاقية بسبب التوسع في النفوذ كما هو مذكور في البند (15) ، و مصطلح "السفن العمانية" أو ما يشار إليها تعني السفن المسجلة تحت قوانين حكومة السلطان و التابعة للطرف المتعاقد العالي ذو العلاقة بالسلطان.
4. مصطلح "الطائرات البريطانية" أو ما يشار إليها تعني الطائرات المسجلة للطرف المتعاقد العالي تحت قانون المملكة المتحدة أو أي المناطق التي تنطبق عليها هذه المعاهدة بسبب التوسع في النفوذ كما هو مذكور في البند (15) ، و مصطلح "الطائرات العمانية أو ما يشار إليها تعني الطائرات المسجلة تحت قوانين حكومة السلطان و التابعة للطرف المتعاقد العالي ذو العلاقة بالسلطان.
5. مصطلح "الدولة الأجنبية" تعني بالنسبة لصاحب الجلالة أي دولة أو مقاطعة بخلاف المملكة المتحدة و كندا و الكمنولث الأسترالي و نيوزلنده و إتحاد جنوب أفريقيا و الهند و الباكستان و سيلان وجمهورية إيرلنده و أي مقاطعة حسب العلاقات الدولية يكون صاحب الجلالة مسؤولا عنها من خلال حكومته في تاريخ توقيع هذه الإتفاقية و بالنسبة للبند (6) تشمل بورما ، أما بخصوص السلطان أي بلد أو مقاطعة ليست جزء من عمان أو توابعها.

البند الثاني:
مواطنو كل طرف متعـاقد عال يتمتعون بحرية التجارة و الملاحة في مقاطعات الأطراف المتعاقدة العالية ، و على كل طرف متعاقد عال يسمح لمواطني الطرف الآخر بدخول الموانئ و المضائق و الأنهار بسفنهم و ما تحملة من بضائع وأيضا حرية التنقل و الإقامة و التجارة و المتاجرة بالقطع أو الجملة بشرط أن يحترموا و يعملوا بالشروط و القوانين المعمول بها بهذا الشأن.
البند الثالث:
1. مواطنو كل طرف متعاقد عال يتمتعون بكافة التسهيلات و الإمتيازات و الحصانة و الفائدة و الحماية مهما كانت طبيعتها و ذلك للتجارة و الشحن و نقل البضائع و ممارسة التجارة كما يتمتع بها مواطنو الطرف الآخر العالي أو مواطنو أي بلد أجنبي ، و بالخصوص يسمح كل طرف متعاقد عال لمواطني الطرف الآخر بحرية التعامل و التصرف و عقد الصفقات و الشراء و البيع و التوريد و التصدير و المقايضة لكافة أنواع البضائع بنفس الشروط التي تطبق على مواطني الطرف المتعاقد الأعلى الآخر أو مواطني أي دولة أجنبية أخرى.
2. مواطنو كل طرف متعاقد عال لا يخضعون للضرائب و الجمارك و الرسوم و الضوابط و التعهدات و الإلتزامات و الإعفاءات مهما كان شكلها و يعاملون بنفس المعاملة التي تطبق على مواطني الطرف المتعاقد العالي الآخر أو مواطني أي دولة أجنبية أخرى بشرط أن لا يكون في هذا البند ما يفسر بخصوص إلتزام كلا الطرفين المتعاقدين العاليين بمنح مواطني الطرف المتعاقد العالي الآخر و الغير مقيمين بهدف الضريبة في تلك المقاطعة نفس المخصصات و الإلتزامات و الإعفاءات و الخصومات كما هو معمول به لمواطنيه.
البند الرابع:
1. بما يخص الملاحة و معاملة الشحن بالسفن يقوم الطرف المتعاقد العالي بالتعامل في أي مناطق نفوذه مع سفن الطرف الآخر بما فيها الركاب و البضاعة المحمولة بنفس معاملة سفنه أو سفن أي دولة أجنبية أخرى بما فيها الركاب و البضاعة المحمولة.
2. ما ورد في الفقرة السابقة من هذا البند لا ينطبق على التجارة الساحلية أو الملاحة الداخلية.
البند الخامس:
يسمح لمواطني صاحب الجلالة في مناطق نفوذ السلطان لإستئجار و شراء - بأي شكل قانوني - ممتلكات بكل الصفات و إمتلاكها و التخلي عنها بأي شكل قانوني و بخصوص الممتلكات الثابته بنفس الشروط مثل الإلزام أو كما هو معمول به مع مواطني أقرب دولة أجنبية مفضلة و بخصوص الممتلكات المتنقلة بنفس الشروط مثل الإلزام أو كما هو معمول به مع مواطني السلطان أو أقرب دولة أجنبية مفضلة.
البند السادس:
1. البضاعة التي تزرع و تنتج في مناطق نفوذ أي طرف متعاقد العال و تورد إلى مناطق نفوذ الطرف المتعاقد العالي الآخر من أي مكان الذي تصل منه لا تخضع لضريبة الجمارك أو رسوم أو إعفاءات إضافية مثلها مثل تلك التي تزرع و تنتج و تصنع في أي بلد أجنبي.
2. البضاعة التي تصدر إلى مناطق نفوذ أي طرف متعاقد عال لا يطبق عليها في مناطق نفوذ الطرف المتعاقد العالي الآخر لضريبة الجمارك أو رسوم أو إعفاءات إضافية بغير تلك التي تدفع لتصدير نفس البضاعة إلى أي دولة أجنبية.
3. ضريبة الجمارك المستحقة في مناطق نفوذ السلطان على البضائع المزروعة و المنتجة و المصنعة في مناطق نفوذ صاحب الجلالة و على البضائع الموردة من قبل مواطني صاحب الجلالة يجب أن تدفع في الميناء أو في أي مكان من مناطق نفوذ السلطان الذي تم توريد البضاعة منها أولا و عند إتمام الدفع تكون هذه البضاعة معفية من بقية الضرائب الجمركية.
4. البضاعة التي تزرع و تنتج و تصنع في مناطق نفوذ صاحب الجلالة أو تورد من قبل مواطني صاحب الجلالة في مناطق نفوذ السلطان تعفى من الضريبة الجمركية في الحالات التالية:

أ‌. البضاعة التي يتضح أنها تشحن إلى بلد أجنبي و التي يتم نقلها إلى سفينة أو طائرة إلى أي الموانئ و المطارات التابعة للسلطان أو التي لهذا السبب هبطت مؤقتا و دفعت رسومها في أي مكتب لجمارك السلطان بقصد إنتظار وصول السفينة أو الطائرة التي سوف يعاد التحميل بها لشحنها إلى الخارج ، و لكن البضاعة التي تم إنزالها تعفى فقط إذا كان الشاحن أو وكيله لديه ما يثبت أن البضاعة يجب أن توضع تحت إشراف و ختم الجمارك و يعلن عن البضاعة أنها لإعادة الشحن مع البيان في نفس الوقت المكان الأجنبي الذي سوف تشحن له البضاعة عند وصول السفينة أو الطائرة فقط ، و في حالة مرور فترة لا تزيد عن ثلاثة أشهر لوصولها الأول تكون البضاعة مشحونة واقعيا للبلد الأجنبي المذكور كما هو معلن بالأصل و بدون وجود فترة لتغيير الملاك و أن تكون كافة الرسوم الجمركية مدفوعة قبل إعادة شحنها.
ب‌. البضاعة التي لا يعلن عن جهة شحنها و غير مبينة التفاصيل إلى مناطق نفوذ السلطان و التي تنزل بغير قصد شريطة أن هذه البضاعة وضعت تحت إشراف الجمارك و السلطات و يتم إعادة شحنها إلى جهة خارجية خلال شهرين من إنزالها و أن تكون كافة الرسوم الجمركية مدفوعة قبل إعادة شحنها.
ت‌. الفحم و الوقود و النفط و معدات القوات البحرية و الجوية و المخازن و المستلزمات المملوكة لصاحب الجلالة و التي تنزل في مناطق نفوذ السلطان لإستخدام سفن و قوة صاحب الجلالة البحرية و طائرات قوة صاحب الجلالة الجوية تدفع رسومها الجمركية و لكن في حالة أن هذه البضاعة المعفية يتم بيعها أو الإستغناء عنها في الأسواق المحلية.
ث‌. البضاعة التي يتم إعادة شحنها أو يتم إنزالها ريثما يتم تصليح أي ضرر للسفينة أو الطائرة بسبب عوامل الطقس أو الكوارث في البحر أو الجو شريطة أن هذه البضاعة تبقى تحت حفظ الجمارك و يتم إعادة شحنها إلى الخارج خلال فترة ثلاثة أشهر من تاريخ وصولها الأصلي و أن كافة الرسوم الجمركية المستحقة مدفوعة.

5. في الحالات المذكورة في الفقرة (4) من هذا البند يتم مراعاة الإجراءات الجمركية بخصوص النزول و الفحص و التخليص و الشحن للبضائع.
6. جميع البضائع التي تبقى غير مخلصة بعد أربعة أشهر من تاريخ وصولها الأصلي في أماكن جمارك السلطان يمكن طرحها بواسطة سلطات جمارك السلطان في مزاد عام علني بعد إبلاغ وكلاء السفينة و أو الطائرة المعنيين. و تكون إجراءات البيع لهذه البضاعة بعد دفع رسوم المزاد و ضريبة و رسوم الجمارك التي تودع لمدة عام و تعاد للمالك إذا أثبت أحقية مطالبته بها خلال تلك الفترة بعد تلك الفترة تسقط المطالبة بالبضاعة و لا تقبل بالإعتبار.
7. في هذا البند تعني عبارة "الرسوم الجمركية" الرسوم بخلاف ضريبة الجمارك و تشمل رسوم النزول و العبور و الوزن و الإستعمال الأرصفة البحرية و إيجار الأرضية و الإشراف و مبالغ الوقت الإضافي.
البند السابع:
1. كل الضرائب الجمركية التي يتوجب جبايتها في مناطق نفوذ السلطان يجب أن تدفع نقدا و ليس بالصنف.
2. قيمة البضائع التي يتم فرض عليها جباية الضرائب الجمركية تكون مثبته وفق أسعارها في السوق و إتباعا لإستخدامها التجاري المعتاد في مسقط.
3. أي خلاف ينشأ بين مواطن من رعايا صاحب الجلالة و سلطات الجمارك العمانية حول قيمة أي بضاعة سوف يحدد بالرجوع إلى خبيرين (كل طرف يسمي واحدا) الذي تكون قراراتهما بشأن القيمة ملزمة للطرفين. و إذا لم يتمكن الخبيران من الإتفاق يختاران حكما يكون قراره نهائيا.
البند الثامن:
الضرائب الداخلية و الرسوم الداخلية التي يتم جبايتها لأي صنف في مناطق نفوذ أي طرف متعاقد عال و لمصلحة الدولة أو أي أجهزة حكومية محلية أو بلدية بما يتعلق بالبضائع المزروعة و المنتجة و المصنعة في مناطق نفوذ الطرف المتعاقد العالي الآخر يجب أن لا تكون مغايرة أو أكثر من تلك التي يتم جبايتها في ظروف مشابهة بما يتعلق بالبضائع المزروعة و المنتجة و المصنعة في مناطق نفوذ الطرف المتعاقد العالي الآخر أو في أي بلد أجنبي آخر.
البند التاسع:
1. لا يتم فرض أو إبقاء منع أو حظر على التوريد للبضائع من أي مكان إلى مناطق نفوذ السلطان لأي بضاعة مزروعة أو منتجة أو مصنعة في مناطق نفوذ صاحب الجلالة و التي سوف لن يتم التعامل بالمثل لتوريد البضائع المماثلة المزروعة و المنتجة و المصنعة في أي بلد أجنبي.
2. لا يتم فرض أو إبقاء منع أو حظر لتصدير أي بضائع من مناطق نفوذ السلطان إلى مناطق نفوذ صاحب الجلالة و التي سوف لن تعامل بالمثل لتصدير للبضائع المشابهة إلى أي بلد أجنبي آخر.
3. إستثناءات للقوانين العامة التي تم ذكرها في الفقرات السابقة من هذا البند يمكن أن تطبق في الحالات التالية:
أ‌- المنع و الحظر المفروضان لما يخدم الأمن العام.
ب‌- المنع و الحظر المفروضان بما يتعلق الحركة في الأسلحة أو الذخيرة أو تنفيذ الحروب أو في الظروف الإستثنائية للتمويل العسكري.
ت‌- المنع و الحظر المفروضان لحماية الصحة العامة.
ث‌- المنع و الحظر المفروضان لحماية الحيوانات أو النبات بما فيها الحماية ضد الأوبئة و الإنحلال و الإنقراض و كذلك البذور و النباتات و الحيوانات المؤذية.
البند العاشر:
سيكون السلطان و من خلال هذه المعاهدة مسؤولا أن حركة البضائع العابرة غير معاقة أو يتم تأخيرها من خلال إجراءات و أنظمة جمركية غير ضرورية و أن تكون كل السبل اللازمة لنقلها موفرة دون عائق.

البند الحادي عشر:
1. يمكن لكل من الطرفين المتعاقدين العاليين تعيين قناصل للإقامة في مناطق نفوذ الطرف الآخرشريطة أن تخضع لموافقة و رضاء الطرف الأعلى الآخربالنسبة للأشخاص الذين يتم تعيينهم و أماكن إقامتهم.كل طرف متعاقد عال عليه إضافة إلى ذلك الموافقة على السماح لمواطنيه ليتم تعيينهم في المكاتب القنصلية للطرف المتعاقد الآخر شريطة أن يكون الشخص المعين لا يبدأ بالتصرف بأي حال من الأحوال بدون الموافقة المسبقة للطرف المتعاقد بصرف النظر عن جنسيته.
2. سوف يسمح لهؤلاء القناصل للعمل بالمهام القنصلية و سوف يتمتعون بالإمتيازات و الحصانة وفق قوانين العلاقات الدولية الخاصة بالقناصل كما هو مطبق في المناطق التي يقيم فيها.

البند الثاني عشر:
1. السفن و الطائرات البريطانية التي تأتي إلى مناطق نفوذ السلطان في حالات الطوارئ سوف تقدم لها من السلطات المحلية كل المساعدة الممكنة لتمكينها من إعادة التموين بالمواد الغذائية و الوقود و الصيانة حتى تتمكن من مواصلة رحلاتها البحرية أو الجوية.
2. في حالة تعطل أو تدمير سفينة بريطانية في ساحل قريب لمناطق نفوذ السلطان أو تدمير طائرة بريطانية أو تهبط هبوطا إضطراريا في مناطق نفوذ السلطان تقوم سلطات السلطان بتقديم كافة وسائل العون لإنقاذ هذه السفن و الطائرات و شحناتها و كل من عليها من ركاب و طاقم ، كما أن على سلطات السلطان تقديم كافة العون و الحماية للإشخاص الذين يتم إنقاذهم و عليها كذلك مساعدتهم للوصول إلى أقرب قنصلية بريطانية ، و عليهم أيضا أخذ كل حيطة ممكنة أن تكون هذه السفن و الطائرات و شحنتها و مخزونها و معداتها و مستلزماتها و المواد الحمولة أو التي تشكل جزءا من هذه السفن و الطائرات أو ما تبع ذلك في حالة البيع و الأوراق التي يتم العثور عليهافي هذه السفن أو الطائرات و تسليمها إلى الملاك أو وكلائهم في حالة طلبها أو إلى القنصلية البريطانية.
3. تقوم سلطات السلطان بالنظر فيما إذا كانت القنصلية البريطانية تم إشعارها فورا كما هو مذكور في الفقرة السابقة من هذا البند.
4. و بالمثل إذا تعرضت سفينة عمانية إلى حالة طارئة أو تعطلت أو دمرت في ساحل قريب لمناطق نفوذ صاحب الجلالة أو تعرضت طائرة عمانية للتدمير أو لهبوط إضطراري في مناطق نفوذ صاحب الجلالة تقدم السلطات البريطانية في هذه المناطق كافة وسائل المساعدة و العون.
البند الثالث عشر:
سوف يتمتع مواطنو الطرف المتعاقد العالي في مناطق نفوذ الطرف المتعاقد العالي الآخر بحرية الضمير و التسامح الديني و حرية الممارسة العامة لكل أِشكال الديانات شريطة أن لا تكون هذه الممارسات تخدش أو تجرح القيم الدينية للبلد الذي يزمع ممارسة فيه هذه التصرفات ، و لكن لا يتم بناء صروح دينية للعبادة إلا في الأماكن التي يتم تحديدها من السلطات المحلية و بعد أخذ الموافقة اللازمة لذلك. لا يتم عمل أي إجراء لأماكن العبادة المتواجدة حاليا الخاصة بمواطني الطرف المتعاقد العالي من قبل الطرف المتعاقد العالي الأخر.
البند الرابع عشر:
كل ما سبق ذكره في هذه المعاهده ينطبق على البلد الأجنبي المفضل و تفسر بالمعنى المذكور و أن هذه المعاهده سيتم التعامل بها و تفسيرها بالمثل فورا و من غير شروط.
البند الخامس عشر:
1. يمكن لصاحب الجلالة في وقت تبادل التصديق على المعاهدة أو في أي وقت آخر و من خلال موظفي قنصليته في مسقط الإشعار برغبته بأن تكون هذه المعاهدة سارية بهدف العلاقات الدولية في المناطق التي يسري عليها نفوذه من خلال حكومته في المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى و إيرلندا الشمالية عدا الكويت و البحرين و قطر و أبوظبي و دبي و الشارقة و عجمان و أم القيوين و رأس الخيمة و و كلبا و أن تكون هذه المعاهدة سارية لأي منطقة مذكورة في مثل هذا الإشعار من تاريخ إستلامه من قبل السلطان.
2. في أي وقت و بعد إنقضاء فترة عامين من الوقت المحدد لسريان مفعول هذه المعاهدة يمكن منح أي طرف متعاقد أعلى فترة إثنى عشرة شهرا إشعارا لإنهاء التطبيق لهذه المعاهدة في أي المناطق التي سرى مفعولها وفق ما تم ذكره في الفقرة السابقة.
البند السادس عشر:
1. يصادق على هذه المعاهدة من قبل كل طرف متعاقد و أن سندات التصديق على الإتفاقية يتم تبادلها في مسقط في أقرب وقت ممكن.
2. تدخل هذه المعاهدة إلى حيز التطبيق بشكل مؤقت في الأول من يناير 1952 م و بشكل قاطع عند تبادل سندات التصديق.
3. إذا لم يتم تبادل سندات التصديق بعد خمسة أشهر من السريان المؤقت للمعاهدة فإن العمل بها يجب أن يتوقف.
البند السابع عشر:
1. يسري العمل بهذه المعاهدة خمسة عشر عاما بدأ من تاريخ سريانها الفعلي كما هو مذكور في البند السادس عشر(2) ، إلا إذا أشعر أحد الطرفين المتعاقدين العاليين الطرف الأعلى الآخر رغبته بإنهائها في مدة قبل سنة واحدة من تاريخ إنتهائها المحدد بخمسة عشر عاما و تكون هذه المعاهدة سارية المفعول حتى نهاية عام واحد من تاريخ هذا الإشعار.
2. أي إشعار يبلغ وفق ما ورد في الفقرة (1) من هذا البند يطبق على جميع المناطق وفق الإشعار المعمول به للمناطق المذكورة في البند الخامس عشر.

المقدم (ليتونانت كولينيل) السير وليام رابورت هيي شاهدا و بالنيابة عن صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى و إيرلندا و الدومينيوز البريطاني لما وراء البحار و السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل سلطان مسقط و عمان و توابعها نيابة عن نفسه وقعا هذه المعاهدة وضمنا ختمهما إثباتا بذلك.

حررت بنسختين في مسقط في العشرين من ديسمبر 1951 م الموافق العشرين من ربيع الأول 1371 هـ باللغتين العربية و الإنجليزية ، و ستكون اللغة الإنجليزية هي لغة الحسم في حالة ورود شك في التفسير.

سعيد بن تيمور ..................... دبليو. آر. هيي "

(ترجمة: مازن بن عبدالله الطائي عن النسخة الإنجليزية الأصلية المرفقة مع مخطوطة كتاب تاريخ عمان السياسي)


38 ـ السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل
(1350 ـ 1390 هـ) (1932 ـ 1970 م)
ب-


و قد أبدى السلطان سعيد بن تيمور تحفظه على تجديد هذه المعاهدة مع الإنكليز قبيل إنتهائها في ديسمبر عام 1971 م ، و مع تباطئه في تنفيذ مشاريع الخطط التنموية الموضوعة بعد الإعلان عن البدء في تصدير النفط من الأراضي العمانية عام 1967 م ، و تردي الأوضاع على جميع الأصعدة في البلاد كما سنذكر في الفصول القادمة ، و إعلان بريطانيا إنسحاب قواتها من منطقة الخليج العربي بحلول نهاية عام 1971 م ، شرع المستشارون الأجانب من الإنكليز بالإعداد لخطة عزل السلطان و استبداله بسلطان جديد يكون مقبولا من كافة أطياف الشعب العماني لاسيما و أن الوضع السياسي في البلاد أصبح في حاجة إلى تغيير بعد ظهور حركات تمرد وهجوم على معسكرات للجيش في داخلية عمان منها هجوم على معسكر الجيش في إزكي بتاريخ 12 يونيو 1970 م ، و إستيلاء جبهة تحرير ظفار على مايعادل 75% من مناطق جنوب عمان أو ما يعرف بإقليم ظفار.

و قد كان لقيام الثورة العمانية في منتصف الخمسينات من القرن العشرين ، و انطلاقة عمان مادة يد العون إلى شقيقاتها الدول العربية ، نافضة العزلة و التخلف ، أوجب الكثير من العمانيين أن يساهموا في المعركة التي يخوضها أبناء الوطن ضد أصفاد نظام ظالم و هيمنة أجنبي مستبد ، ليسجل الشعب العماني دوره في تاريخ بلده و ليكتب عن يقظته و الدعوة و العمل لمستقبل زاهر مجيد للوطن.

إن المجتمع العماني في عهد السلطان سعيد بن تيمور يكاد ينطق كله بعدوان الإنكليز على بلادنا ، و بتعمد السلطان سعيد بن تيمور في قتل كل جوانب الحياة في بلادنا ، فكل ما ذكر و روي و كتب عن عهد السلطان سعيد بن تيمور لم يرد مبالغة فيه. و قضايا الإرهاب البريطاني معروفة و عهد السلطان قبل الثورة العمانية و بعدها قد استنكرته طليعة الشباب في العاصمة مسقط و منهم جماعة من أفراد أسرته ، أذكر منهم البطل السجين شاكر بن محمود ، و أخاه طارق بن تيمور ، و إبن عمه فيصل بن علي ، الذين استنكروا تخلف الوطن ، و انسياق حكومة مسقط في طريق لا يعود بالخير على كلا الجانبين: الحكومة و الشعب.

شهدت البلاد في عهد السلطان سعيد بن تيمور هجرة جماعية من المواطنين الذين ارتحلوا إلى البلدان المجاورة طلبا للقمة العيش و لو بأبخس الأثمان و أوضع الوظائف. و ليس من اليسير على المرء أن يترك بلاده و يقطع الصلة بينه و بين أهله و عشيرته و قومه ، و ينأى عن وطنه ، و لهذا فقد صمد كل حسب طاقته في الصبر ، و قاوم حتى غلب على أمره ، أو أحس بالخطر ، و كدليل على مقاومة الشباب أذكر حركة عام 1941 م التي كانت مظهرا كبيرا للتضامن الاجتماعي.

و كانت حكومة مسقط الممثلة في السلطان وحده ، تصم أذنيها عن كل دعوة. فقد قابلنا نحن الشباب ذلك السلطان ، و عرضنا عليه مشاكل بلادنا ، و قد حاولنا اسـتدراجه بالقول و الرسـائل ، بل و حتى بالشعر ، أملا في أن نستثير فيه حوافز الغيرة على الوطن ، و ذلك أبان الحرب العالمية الثانية ، و لكن جهدنا كان يضيع سدى. مدرستنا الإبتدائية في مسقط ، مازالت عام 1966 م كما كانت منذ عام 1940 م مدرسة ذات ستة صفوف ، ليس القصد منها إلا إخراج كتبة بسيطين للدوائر ، علما بأن الأوقاف التي أوقفها العمانيون للتعليم تكفي لنشر المدارس في كل أنحاء عمان. و قد عرضت حكومة الكويت إستعدادها للمساهمة في التعليم بمسقط تكملة لما تؤديه من بذل لمساعدة أشـقائها العرب ، و ذلك عام 1953 م فكان الجـواب منع مدير معارفها من الدخول ، و اعادته من الحدود ، و رفض الطلب. و تلك هي الكويت اليوم تسهم مساهمة فعالة نامية في ساحل عمان. أما سلطنة مسقط و عمان ، فتمنع الخير و تقطع دابر الإحسان ، دون أن تعمل هي شيئا من ذلك بحجة عدم الإمكانيات. و نحن نعرف الكثير عن توفر هذه الإمكانيات.

البناء ممنوع علينا منعا باتا ، كي لا يرتفع مستوى الشعب. و زاد الطين بلة أن بيوتنا في العامين الأخيرين ، أخذت تشب فيها الحرائق ، و لا يمكن أن يعاد بناؤها من جديد. و لهذا فقد لزم المواطنون سفوح الجبال و حفر المقابر. هذا هو الحاصل في مدينتي مسقط و مطرح و بعض مدن الباطنة.

و بعد هذا أيها القارئ ، أيها الإنسان ، هذه لمحة بسيطة جدا عن الأحوال التي إعتورت بلادنا العربية عمان في عهد السلطان سعيد بن تيمور ، و هذا هو الحكم الذي تحميه بريطانيا عضو هيئة الأمم المتحدة ، و المساهمة في لجان كثيرة من مؤسسات اليونسكو ، و المتشدقة بأنها تعمل جاهدة لرفع مستوى البلدان المتأخره.

قام السلطان سعيد في عام 1958 بزيارة المملكة المتحدة إثر دعوة رسمية من الملكة إليزابيث الثانية ملكة المملكة المتحدة و إيرلندا الشمالية و دول الكمنولث ، و كانت هذه الزيارة بهدف توثيق وتقديم المساعدات المالية و العسكرية التي طلبها السلطان لاستعادة السيطرة على مناطق عمان الداخل و القضاء على دولة الإمام غالب بن على الهنائي و ما عرف بحرب الجبل الأخضر ، و قد وقع السلطان سعيد معاهدة جديدة مع بريطانيا تهدف إلى حماية سلطنة مسقط و عمان من أي تمرد داخلي ، و قد شملت هذه الإتفاقية بيع مقاطعة جواذر لحكومة الباكستان و التي تقع في إقليم بلوشستان و قد كانت جزءا من الإمبراطورية العمانية التي إمتدت من سواحل بحر العرب إلى موانئ المحيط الهندى في شبه القارة الهندية و بعض مناطق إيران و إلى شرقي أفريقية ، بلغت قيمة الصفقة 40 مليون روبية ، و إشترط السلطان في الإتفاقية أن تكون له حصة في البترول و المعادن الأخرى التي تستخرج من أرض جواذر ، و بهذه الصفقة سلمت عمان آخر معقل لها خارج أراضيها. و منحت ملكة بريطانيا السلطان سعيد بن تيمور في هذه الزيارة وسام فارس تقديرا لخدماته المتميزة للتاج البريطاني و جهوده في تعزيز الصداقة بين بريطانيا و سلطنة مسقط و عمان. و هنا نلاحظ أن العلاقات الخارجية لحكومة السلطان سعيد متروكة بيد حلفائه الإنكليز حيث تركهم يتفاوضون نيابة عنه لحل المشاكل العالقة مع جيرانه و منها تلك مع شاه إيران و حكومة الباكستان.

38 ـ السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل
(1350 ـ 1390 هـ) ـ (1932 ـ 1970 م)
ج-

و قد تم الإعلان عن إكتشاف النفط في الأراضي العمانية في أواخر شهر أكتوبر عام 1964 م ، و قام السلطان سعيد بن تيمور سلطان مسقط و عمان في (شوال 1387 هـ - يناير 1968 م) بإصدار كلمة مطبوعة عن تاريخ الوضع المالي في السلطنة في الماضي و ما يؤمل أن يكون عليه الحال في المستقبل بعد تصدير النفط:



""" بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على ما أنعم و تفضل حمدا كثيرا يوافي نعمه و يكافي مزيده و الصلاة و السلام على سيدنا محمد النبي الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

أما بعد. فمنذ أن تتحقق وجود النفط في وطننا العزيز عمان في أواخر شهر أكتوبر من سنة 1964 بكميات تجارية ، و إبتدأت شركة النفط تمد خط الأنابيب من حقلي فهود و ناطح ألقيت علينا أسئلة كثيرة من الأصدقاء و متمني الخير لبلادنا للوقوف على مدى التفاعل في أفكارنا تجاه هذا الحدث السار الذي يؤمن للبلاد بعون الله موردا ماليا ثابتا ، لمعرفة نوع المشاريع التي سنبدأ بها ، و الطريق الذي سنسلكه في سبيل تنفيذها. فرغبة منا في إطلاع الجميع نقول:

الآن و قد مضت ستة شهور على إبتداء تصدير النفط من عمان بتوفيق الله تعالى ، و بجهود شركة نفط عمان المحدودة أرى أنه من الواجب علينا جميعا تقديم فروضا لشكر لله تعالى على ما أنعم علينا جل شأنه من فيض الخيرات و عميم البركات ، و لولا ظهور النفط لما إستطعت أن أتحدث إليكم بخصوص ما سنحقق من مشاريع أو ما يجول في أفكارنا من آمال حيث كما تعلمون بأن المال هو عماد الآمال.

و يحسن بنا قبل أن نتحدث عن المشاريع الجديدة أن نقف قليلا و نلتفت إلى الماضي القريب لنعيد إلى الأذهان حقيقة الحالة المالية في السلطنة و ما كانت عليه في ذلك الأوان ، و لا شك أن كل من له أي إلمام بأحوال البلاد يعلم أن عمان ليس بالبلد الغني و أن الحالة المالية لم تكن تساعدنا على السير قدما بخطوات أوسع مما كنا نخطو ، و لذا خطونا وئيدا.

و اذا أردنا أن نقف على حقيقة الحالة المالية في السلطنة في الماضي القريب كما ذكرنا يجمل بنا أن نستعرض الوضع المالي في فترات ثلاث تعاقبت على البلاد في المدة الواقعة قبل سنة 1331 هـ الموافق لسنة 1913 م إلى يومنا هذا.

فالفترة الأولى نقدرها من قبل سنة 1913 م إلى سنة 1920 م حيث كانت الحكومة في عهد جدنا السلطان فيصل بن تركي و ما قبله تنتهج نهجا عاديا بسيطا في تصريف جميع شؤونها و علاقاتها فلا ميزانية و لا تخطيط و لا تنظيم ، فالإرتجال كان الأساس لكل ما يعمل أو يقال ، و هو الحال الذي كان سائدا في ذلك العهد في معظم البلاد العربية ، و بعد وفاة السلطان فيصل تولى الحكم والدنا المحبوب السلطان تيمور بن فيصل و كان ذلك في سنة 1331 هـ 1913 م ، و قد ورث عن حكومة سلفه ديونا كثيرة فوجد أمامه حكومة مثقلة بالديون المستحقة التسديد لتجار البلاد ، و قد إستمر الحال على ما كان عليه و الديون آخذه في الإزدياد حتى عام 1920 م حيث رأى أنه ليس من السهل إدارة دفة الحكم و مالية الحكومة على ما هي عليه من العجز و الإنحلال عندها قرر المبادرة لتحسين الحالة المالية للحكومة بإدخال الأنظمة الحديثة لإصلاحها لتسير على نهج قويم ، و أخيرا إتضح أن حكومته لا تستطيع السير قدما بخطى واسعة وراء أي إصلاح منشود قبل أن تتخلص من تلك الديون التي كانت تثقل كاهلها ، و كما ذكرنا أن هذه الديون كانت لعدد من التجار في البلاد فرأى أنه من الأفضل توحيد مصدر الدين بحيث يستطيع تسديد الديون القديمة مع الإستحصال على زيادة تصلح للمساعدة على القيام بالإصلاحات المرجوة ، عندها لم يجد أمامه من يمكن أن يقوم بتلبية طلبه هذا غير حكومة الهند الإنكليزية التي وافقت على رغبته بإقراضه المال اللازم على أن يتم تسديده في خلال 10 سنوات و في نفس الوقت قر الرأي على أن يطلب من الحكومة المصرية آنذاك موظفين لتنظيم الجمارك فلبت طلبه بإرسال ثلاثة من الموظفين المختصين في شؤون الجمارك قاموا بعملهم خير قيام ، و إستخدم أيضا موظفا إنكليزيا (دي . في . مكلم) ليشرف على تنظيم الإدارة المالية ، و بعد ذلك دب الإنتعاش في مالية الحكومة حيث أصبحت مع التنظيم ترتب ميزانيتها سنويا بدون عجز مع إستطاعة مواصلة تسديد الأقساط في مواعيدها أما الموظف الانكليزي الذي إستخدم في سنة 1920 كما أسلفنا لم يستمر في عمله أكثر من ستة أشهر ، و نظرا لعدم وجود من يخلفه إتجه النظر إلى محمد بن أحمد الغشام الذي كان واليا لمطرح في ذلك الوقت فجرى تعيينه وزيرا للسلطان سلمت إليه مقاليد الإدارة المالية و صار مسؤولا عنها ، و إستمر الحال حتى أواخر 1924 حيث ظهر العجز في المالية بسبب إهمال المسؤول و سوء تصرف ضابط الخزينة ، و نتيجة لذلك تزعزعت مالية الحكومة لدرجة لم تستطع معها مواصلة تسديد أقساط الدين في موعدها.

أما الفترة الثانية فتبدأ من سنة 1925 حيث رآى السلطان تيمور بن فيصل ما وصلت إليه الحالة المالية من السوء و الإنهيار ، فكر في أن يستخدم موظفا جديدا ليقوم بتنظيم مالية الحكومة فقرر إستخدام مستر برترام طومس الإنكليزي فعينه وزيرا للمالية بعقد لمدة خمس سنوات رغبة منه في تحسين الوضع المالي للحكومة ( و طومس هذا هو أول غربي أقدم على قطع الربع الخالي من ظفار إلى قطر في 54 يوما) و قد بذل في بادئ الأمر جهدا لا بأس به كان أثره أن ظهرت بوادر التحسن في الشؤون المالية غير أن هذا التحسن مع الأسف لم يدم لأكثر من ثلاث سنوات فقط ، ساءت بعدها الحالة المالية ثانية فتوقفت الحكومة عن دفع الأقساط لتسديد الدين و كان ذلك بسبب سوء إدارة الموظف المشار إليه في المدة الأخيرة حيث توسع في الإنفاق في الشؤون الحكومية دون التقيد بالميزانية المقررة الأمر الذي أدى الى العجز و الإضطراب في مالية الحكومة فإختل ميزان المدفوعات فتراكمت الأقساط مع مواصلة الصرف في الوجوه المختلفة حتى أصبحت المبالغ المطلوبة من الحكومة تشكل دينا جديدا علاوة على المتبقي من الدين السابق ، و في سنة 1930 شملت العالم ضائقة إقتصادية أثرت على التوازن التجاري في البلاد ، فنتج عن ذلك هبوط كبير في إيراد الجمارك (و هو المصدر الوحيد تقريبا لموازنة الحكومة) و بينما كانت الآمال معقودة على مستر طومس ليصلح ما أفسده غيره ، فإذا به يصل إلى الحضيض حتى تركها في أتعس حال ، و بعد ذلك إتجه نظر السلطان تيمور بن فيصل إلى إستخدام أحد الخبراء في الشؤون المالية لإصلاح ما فسد ، فقر الرأي على أن يستخدم (مستر هجكوك الإنكليزي) مستشارا للمالية و ذلك في سنة 1931 و هذا الرجل كان من كبار موظفي وزارة المالية في حكومة العراق وقتئذ ، و قد باشر عمله بكل نشاط و مثابرة إلى أن إنتشل المالية مما وصلت إليه بسبب سوء تصرف مستر برترام طومس ، ثم خفض المرتبات و إقتصد في النفقات حتى استطاع أخيرا أن يرتب سجلات المالية و ينظم ميزانيتها على أحسن الأساليب ، و لا نذيع سرا إذا قلنا أن ميزانية الحكومة آنذاك لم تكن تزيد عن 700 ألف روبية أو ما يعادل 50 ألف جنيه إسترليني فقط و على هذا المقدار من المال كانت السلطنة قائمة بجميع أجهزتها ، و من هذا عليها أن تسـدد ما كان متبقيا من الدين علاوة على ما كانت مكلفة به من أبـواب الإنفاق المتنوعة ، و من جملتها ما كان يدفع للعطايا و الهبات المعتادة لشيوخ القبائل و الوفود حيث كانت الحكومة تظهر بمظهر الغني الواسع الثروة ، و أما ما قام به مستر هجكوك من التنظيم لمالية السلطنة فإنه يستحق الإعجاب و التقدير ، غير أنه مع الأسف لم تطل مدته فلم يبق في عمله أكثر من ثمانية أشهر إستقال بعدها لأسباب خاصة.

و كنا آنذاك رئيسا للوزراء مع الإشراف على الشؤون المالية للسلطنة ، و بعد مضي مدة وجيزة على إستقالة مستر هجكوك ، تقرر تعيين آر . جي . أولبن الإنكليزي مستشارا للمالية ، و في اليوم الثاني من شهر شوال لعام 1350 هـ الموافق 11 من شهر فبراير 1932 م و بعد تنازل والدنا المحبوب السلطان تيمور بن فيصل لنا لأسباب صحية ، فبعون الله تعالى تولينا الحكم منذ ذلك التاريخ و أولينا الناحية المالية إهتماما خاصا ، و لكن نظرا للضغط الإقتصادي الذي أثر على ميزان التجارة العالمي في ذلك التاريخ وجدنا أنفسنا في حالة نضطر معها إلى ضغط مختلف أبواب الصرف ، و الإقتصاد في النفقات ، و كان أول عمل نفذناه في سبيل الإقتصاد تخفيض مخصصات السلطان حيث أجرينا تخفيضها إلى نصف ما كانت عليه في السابق ، و قد يستغرب القارئ لو علم بأن خزينة السلطنة عندما تسلمنا زمام الحكم كانت خالية خاوية تماما ، و لا شك أن الكثير من المعاصرين من أهل البلاد يذكرون كيف كان الوضع المالي في تلك الآونة.

و لكن بفضل الإهتمام الذي بذل ، و العناية الخاصة التي وجهت للناحية المالية ظهرت دلائل التحسن للعيان ، فما أن وافت سنة 1933 على نهايتها حتى كانت الديون و فيت و المبالغ المستحقة للتجار قد دفعت ، و في أواخر سنة 1933 إستقال مستشار المالية و عندها قمنا بالإشراف الكامل شخصيا على مالية السلطنة و تنظيم ميزانيتها سنويا و قد إستمر التحسن في إيرادات الجمارك (التي لم يكن للسلطنة من إيراد يذكر غيرها) و بفضل هذا التحسن في الإيراد إستطعنا أن نرفع رواتب الموظفين مع توجيه العناية لمختلف مرافق السلطنة و إجراء الإصلاحات الممكنة ، و قد إستمر الوضع المالي في تحسن مستمر إلى يومنا هذا.

و أما الفترة الثالثة فقد كانت بدايتها منذ سنة 1939 يوم نشبت الحرب العالمية الثانية إلى سنة 1945 حيث توالى إرتفاع أسعار السلع و الحاجيات فتحسن دخل السلطنة من الجمارك فأدخلنا زيادات أخرى على رواتب الموظفين و قمنا ببعض الإصلاحات الضرورية في أنحاء السلطنة ، و منذ سنة 1933 إلى يومنا هذا لم يطرأ على ميزانية الحكومة أي عجز مالي و لله الحمد. و إستطاعت الحكومة أن تحتفظ بإحتياطي من المال لا بأس به للطوارئ هذا مع ما كانت ملزمة به من مختلف أبواب الصرف لا سيما ما كان مخصـصا للدفاع و هو الباب الذي كان يستنزف نصف الميزانية تقريبا ، و كنا نتطلع إلى إدخال مختلف الإصلاحات إلى الكثير من مرافق البلاد التي كانت في حاجة ماسة لذلك غير إننا لم نجد لا في مالية الحكومة و لا في الإحتياطي ما يشجع على القيام بأي نوع من المشاريع و في ذات الوقت لم نشأ أن نرهق مالية السلطنة فنثقلها ثانية بديون جديدة بعد أن سددنا الديون السابقة جميعها ، و لا شك أنه كان يتيسر لنا أن نجد المال من مختلف الجهات و هذا لا يكون إلا بالدين و بفائدة بنسبة مئوية معينة ، و هذا هو الربا بعينه فلم نوافق عليه إطلاقا ، و تحريمه الديني غير مجهول.

أما الآن و قد إتضح لكم ما كان عليه الوضع المالي للسلطنة بما بسطنا لكم من الحقائق التي تؤكد عدم إستطاعة الحكومة آنذاك المضي بالإصلاحات التي تتلائم و العصر الحديث ، و أن ما تحتاجه البلاد من الإصلاح كثير و نحن نعلمه غير أن العين كانت بصـيرة و اليد في ذات الوقت كانت قصيرة ، و لكننا مع هذا كله لم ندخر وسعا للقيام بأي عمل يعود على البلاد بالنفغ العام كلما وجدنا إلى ذلك سبيلا. و من قبيل المثال نذكر إننا بادرنا عندما سنحت الفرصة في سنة 1940 في أبان الحرب فأقمنا بناء المدرسة السعيدية بالعاصمة مسقط و قد كان أول بناء حكومي أنشأناه بعد أن إجتزنا تلك الظروف القاسية التي مرت بنا ، و كذلك قمنا بعد هذا بعدد من الإصلاحات لمراكز الحكومة و الحصون في مختلف الولايات.
و في سنة 1958 عرضت علينا الصديقة الحكومة البريطانية مساعدات مالية لتصرف في سبيل تقوية جبش السلطنة و إدخال التحسينات على التعليم و إقامة المستوصفات الصحية في مختلف ولايات الساحل و الداخل و إنشاء الحقول النموذجية التجريبية لتحسين حالة الزراعة في البلاد و لرفع مستواها ، و لشق طرق المواصلات و ما إلى ذلك من الإصلاحات الأخرى ، فقبلنا منها هذه المساعدة شاكرين لها هذا العون ، و قد كانت هذه المساعدات موقوته بحيث تستمر حتى يتحسن الوضع المالي في السلطنة و قد إستمرت هذه المساعدات حتى أواخر مارش من السنة الماضية أي قبل الشروع في تصدير النفط من البلاد إلى الخارج بأربعة أشهر و كان ذلك في أواخر جولاي 1967 حيث إعتمدنا في هذه المدة على ما لدينا من إحتياطي في مالية السلطنة و لولا الإقتصاد في النفقات و ما كان لدينا من الإحتياطي لما إستطعنا أن نتحمل عبء ما أنفقنا في خلال هذه الأشهر و على الأخص ما صرف من المخصصات الباهضة لجيش السلطنة بالنسبة لوضعنا المالي قبل أن تتحصل الحكومة على حصتها من إيراد النفط.

و الآن و النفط يجري في أنابيبه إلى خزانات ميناء الفحل في سيح المالح (الذي يحق أن يسمى سيح الحلو) من حقلي (فهود و ناطح) و ما سيتبع ذلك من حقل آخر في منطقة (جبال) قرب فهود حيث سيندفع إنتاجه متدفقا عبر الأنابيب بإذن الله لينضم إلى ناتج الحقلين السابقين لتزويد الخزانات العامة في سيح الحلو حيث يواصل النفط تدفقه مندفعا إلى الناقلات الراسية في ميناء الفحل إستعدادا لشحنه مصدرا إلى الخارج و بذلك تصبح بلادنا العزيزة في عداد الأقطار المصدرة للنفط و لله الحمد.

و يكون بعد ذلك في إستطاعتنا أن نجعل في ميزانيتنا بابا خاصا (لإيرادات النفط) نعم الآن فقط نستطيع أن نقدر ، و نفكر ، و نخطط ، لتنفيذ مختلف المشاريع التي تحتاج إليها البلاد حيث نعلم أن الإيراد من النفط سيكون متصلا بعون الله ، و الأمل ما زال قائما بأن هذه الإيرادات ستستمر في تصاعد نسبي سنويا.
و بعد كل ما تقدم نرى أن نأتي على ذكر العلاقة القائمة فيما بين السلطنة و بين شركة النفط حيث أن أول اتفاقية عقدت فيما بينهما كانت في منتصف سنة 1937 ، و قد كانت الشركة تدفع مبلغا من المال كإيجار لقاء ما كانت تقوم به من التحري للكشف على النفط في أراضي السلطنة و قد ساعد هذا على تقوية الميزانية نوعا ما. و في سنة 1964 عندما أكتشف وجود النفط في أراضي السلطنة بكميات تجارية إقترحت الشركة الحالية تعديل الإتفاقية المعقودة من قبل فيما بين السلطنة و شركة النفط السابقة حتى تصبح الإتفاقية الجديدة مشابهة لمثيلاتها من الإتفاقيات المعقودة حديثا بين شركات النفط المختلفة و الحكومات المصدرة للنفط في بلاد الشرق الأوسط ، فوافقت السلطنة على ذلك و طلبت من الشركة أن تبدأ بعرض ما لديها من الإقتراحات في موضوع التعديل على الحكومة لتقوم بدراستها.

و في 7 مارش 1967 و بعد الإنتهاء من البحث و المخاطبات فيما بين السلطنة و الشركة تم الإتفاق على أن تكون حصة الحكومة من صافي إيرادات النفط 50% و بعده جرى إتفاق آخر إشترط فيه أن يخصص للسلطنة 12,50% من مجموع صادرات النفط و ذلك وفقا لما أقرته منظمة (أوبيك) المكونة من بعض دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط ، و الإتفاقية تحتوي على الكثير من المواد الأخرى و النفع العميم على البلاد.

و قد تم هذا كله في الوقت الذي كان فيه مستر اف . هيوز مديرا عاما و ممثلا للشركة لدى الحكومة و قد عين من قبل الشركة للبحث في نقاط تعديل الإتفاقية التي أبرمت بين الطرفين و قد وجدنا من جانبه تفهما تاما للوضع ، و قد تم الإتفاق على الشروط بكل سهولة و يسر بفضل الهمة التي بذلها لتعود الإتفاقية بالنفع و الخير على الجانبين المتعاقدين.

و نأمل أن تكون سنة 1968 بعون الله تعالى فاتحة عهد جديد للبلاد حيث تبدأ ببدايتها بعض المشاريع التي سيتولى تنفيذها و الإشراف عليها فنيون و خبراء من ذوي الإختصاص فنبدأ أولا بإقامة المكاتب الحكومية لمختلف الدوائر ثم المساكن للموظفين القادمين من الخارج ثم تتوالى المشاريع المختلفة تدريجيا كالمستشفيات و المدارس و طرق المواصلات و غيرها من المنشآت و المشاريع التي تستدعيها حالة البلاد مع الإهتمام بتنمية الثروات السمكية و الحيوانية و الزراعية ، و ما إلى ذلك من متطلبات البلاد بحيث تعم المنشآت الحديثة جميع بلاد السلطنة حسبما تتطلبه حاجة كل منطقة ، و هكذا ما دام فيض النفط يتدفق غزيرا فنحن بعون الله سنواكبه في جريانه بحيث يكون نشاط الحكومة في إقامة المشاريع التي تعود على البلاد بالخير العميم متواصلا و معادلا لقوة جـريان النـفط في تدفقه ، و بالطبع فإن المشاريع تحتاج إلى جهود جبارة يكون حليفها العمل الشاق و الكفاح المضني. و لا شك أن ما نشاهده من تقدم و عمران في البلدان الأخرى لم يكن صنع يومه بل نتيجة جهود بذلت في سنين طوال ، و مشاريع الإصلاح تحتاج إلى وقت لكي تظهر نتائجها و الأمر الذي لا مفر منه و نراه في منتهى الوضوح ، هو وجود الفترة الكائنة بين إستلام الإيرادات من النفط و الوقت الذي تبدأ فيه منفعة السكان. و نحن بعون الله ساعون لتحسين أحوال البلاد بصفة عامة و من جميع النواحي.

و سيكون من بعض ما نفتتح به أعمالنا هو مشروع مساعدة موظفي الحكومة لتحسين رواتبهم التي يرى أنها قد تكون في حاجة إلى زيادة ، و إيجاد كادر لضبط نظام ترقيتهم ، و سندعم الجهاز الحكومي بتزويده بعدد من الخبراء و الفنيين مع مراعات ما تقتضيه الحال من إدخال التعديلات على الجهاز الحكومي الحالي. و هناك مشاريع مستعجلة ملحة نرى لزاما علينا أن نبادر بإتخاذ الإجراءات للبدء بها بحيث تكون لها الأولوية و هي:

1. الماء – إن العمل يجري بكل نشاط في هذا المشروع و سيتم التعاقد لإنجازه بحيث نأمل أن يمتد خط أنابيب الماء لمسقط و مطرح في غضون 21 شهرا من تاريخ التعاقد ليكون الماء العذب في متناول الجميع إن شاء الله.
2. الكهرباء – لقد تمت جميع الإجراءات الأولية بشأنها و العمل يجري الآن بهمة و الأمل أن تبدأ الشركة التي أسند إليها المشروع لتوزيع القوة الكهربية في مسقط و مطرح على المستهلكين للإستعمال في الصيف القادم.
3. ميناء مطرح – و نظرا لما تتمتع به مطرح من موقع طبيعي ممتاز و وضع تجاري سليم ، و إتصال وثيق بمختلف بلدان السلطنة حيث تعتبر مطرح العاصمة التجارية للبلاد ، فلذا رأينا أن نشرع مبادرين لإنشاء ما يساعد على تسهيل أعمال الميناء في المستقبل القريب ، بحيث تنتقل إليها الجمارك العامة ، فترسو فيها البواخر و المراكب الشراعية ، و السفن الآلية للشحن و التفريغ ، مع الإهتمام لإيجاد مستودعات كافية لخزن و حفظ البضائع الواردة و الصادرة.
4. النقد السعيدي - و من جملة المشاريع التي ستعطى الأولوية أيضا مشروع (النقد السعيدي) الذي سيوجه له الإهتمام الخاص ، فمشروع إيجاد عملة موحدة للبلاد هو من أهم المشاريع. و النقد السعيدي سيكون أساسه (الريال السعيدي) ، و أما كسوره فهي نصف ريال ، ربع ريال و البيسات التي سيسك منها ما يفي بحاجة السكان للإستعمال بمختلف الفئات و هي: 25 ، 20 ، 10 و 5 ثم بيسة واحدة ، ستعلن البيانات اللازمة بشأنها في الوقت المناسب إن شاء الله.

و عندما نتحدث عن المشاريع يجب أن لا ننسى المنطقة التي ظهر فيها النفط و قبيلة الدروع التي تقطنها حيث يجب أن ينالوا عناية خاصة لتأمين ما يحتاجون إليه من المشاريع التي تلائمهم.

و أما المشاريع الأخرى فستبقى متتابعة متتالية ، مقدمين الأهم على المهم مستمدين العون من الله تعالى ، و يجب أن لا ننسى بأن مساحة السلطنة تزيد عن 100 ألف ميل مربع ، و أن طول سواحلها لا يقل عن 1000 ميل ، و أما السكان فإنهم يزيدون عن نصف مليون بحسب أقرب التقديرات.

و سنعين هيئة لتقوم بتنفيذ ما سنقرره من المشاريع و ستعرف هذه الهيئة بإسم – مجلس الاعمار – حيث يتولى هذا المجلس ترتيب الميزانية اللازمة لكل مشروع و الإتصال بالخبراء و الفنيين و غيرهم ممن يكون هناك ضرورة للتشاور معهم بخصوص أي مشروع يراد تنفيذه.

و سنعين أيضا مجلسا خاصا يتولى الإهتمام بمشروعي الماء و الكهرباء بحيث يشرف على سير العمل في المشروعين ليكون قائما و متمشيا مع ما أقرته الحكومة من الأنظمة لتأمين حاجة السكان.

و نحن الآن نمر بمرحلة الإستعداد و الإعداد لتنظيم المشاريع التي تحتل الأولوية من حيث النفع العام و نتطلع الى مسـتقبل زاهر مشرق نضمن معه مستوى المعيشة بين سكان السلطنة ، و زيادة دخل الفرد ، حتى نرتقي بالبلاد لتواكب ركب الحضارة المعاصرة و نتقدم حتى نؤمن للسكان كل نافع و مفيد ، و نتطور تطورا يصل بنا إلى ما هو أحسن و أفضل ، بحيث يتفق ذلك مع ما لأمتنا من ماض تليد و تاريخ عريق مجيد ، و نحن مهما تقدمنا و إرتقينا فلابد أن نجعل نصب أعيننا ديننا الحنيف الذي عليه إعتمادنا و تقاليدنا التي هي تراثنا ، فهناك محرمات و هذه محرمة إلى الأبد ، و هناك عادات و هذه قابلة للتصرف فيها دون المساس بتقاليد البـلاد الأسـاسية التي تعتبر من أمجاد السـلف الصالح ، حيث نعتز بها ، و تحفظ علينا كياننا ، و قد قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز (و قل اعملوا فسيرى الله عملكم) ، و نسـأله تعالى جل شأنه أن يلهمنا الصواب و يكلل مسـاعينا بالنجاح ، و أن يكتب لنا التوفيق فيما نحاول ، و أن يتيح لنا الفوز فيما نريد ، و نضرع إليه جلت قدرته أن يوفقنا لما فيه خير أمتنا العمانية و بلادنا. """


38 ـ السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل
(1350 ـ 1390 هـ) ـ (1932 ـ 1970 م)
د-

و قد التقى السلطان سعيد بن تيمور بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي في 1 أبريل 1968 م في مدينة صلالة التي إتخذها مقرا لإقامته في النصف الثاني من سنوات حكمه و إنغلاقه و عزلته ، و هذا نص البيان الذي أذاعته إذاعة صوت الساحل التي كانت تبث من القاعدة العسكرية البريطانية في إمارة الشارقة:

""" صوت الساحل – 45 :8 مساء – 1 – 4 – 1968

بسم الله الرحمن الرحيم
(بيان مشترك)

بناء على الدعوة التي وجهها السلطان سعيد بن تيمور سلطان مسقط و عمان إلى أخيه سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي قام الأمير زايد بن سلطان آل نهيان بزيارة القطر الشقيق في صبيحة الثلاثين من مارس 1968 فاستقبله في مطار صلالة السلطان سعيد بن تيمور و نجله السيد قابوس و الحاشية و عدد كبير من شيوخ عمان و أعيانها ، و قد ابتهجت مدينة صلالة بهذه الزيارة الميمونة بالتهليل و الترحيب على طول الطريق التي مر بها إلى مقر الضيافة حيث حل سمو الأمير زايد بن سلطان و الوفد المرافق له ، و قد عقد العاهلان عدة إجتماعات ودية و إستعرضا التطورات في المنطقة و تبادلا وجهات النظر في كل ما تقتضيه مصلحة شعبيهما لإسعاد مواطني بلديهما. و في صبيحة اليوم الأول من محرم 1388 هجرية الموافق 31 مارس 1968 م عقد الإجتماع النهائي و تم الإتفاق على عدة مواضيع منها ما يلي:

1. مشروع توحيد العملة في البلدين و ستكون قضية تنفيذ هذا المشروع موضع دراسة.
2. الاتصال التلفوني اللاسلكي المباشر بين البلدين.
3. تعاون ثقافي و فني و إقتصادي بين البلدين.
4. و قد أكد العاهلان ما سبق أن إتفقا عليه من جهة الحدود بين البلدين.
5. تبادل الزيارات في المستقبل و تنسيق الجهود في سبيل تحقيق الرفاهية و السعادة لشعبيهما.

و في نهاية الجلسة الختامية وجه سمو الشيخ زايد الدعوة إلى السلطان سعيد بن تيمور بزيارة بلده الثاني أبوظبي فرحب السلطان بالدعوة على أن يحدد موعدها فيما بعد.

و الله ولي التوفيق.

حرر بالقصر السلطاني بصلالة من ولاية ظفار في أول محرم 1388 هـ الموافق 31 مارس 1968 م.

التوقيع

السلطان سعيد بن تيمور .................. الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
سلطان مسقط و عمان .................... حاكم أبوظبي """



و قد توفى السلطان سعيد بن تيمور إثر نوبة قلبية تعرض لها و هو على ظهر سفينة سياحية في 19 أكتوبر 1972 م ، أي بعد نحو عام وثلاثة أشهر من عزله عن مقاليد الحكم إثر انقلاب أبيض قاده نجله السيد قابوس بن سعيد بن تيمور. و دفن السلطان سعيد في منطقة سيري بوسط المملكة المتحدة في مدفن للمسلمين بالقرب من أول مسجد بني في بريطانيا في عهد الملكة فيكتوريا.

39 ـ الخلاف على البريمي

في عام 1949 م تنازع الأشقاء النفوذ على واحة البريمي ، هذه الواحة التي تمتاز بموقعها المهم ، فهي مدخل عمان من قديم الزمان و كانت تمر قوافلها ، نفذت منها إلى داخل عمان جيوش الفرس في القديم و جيوش بني بويه في العصر العباسي ، كما دخل منها عمرو بن العاص رسول رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فما أشبهه و هو يخوض مهامة الطريق متجها إلى المقوقص في مصر بسيره إلى عمان و هو يقطع الصحراء المؤدية إلى البريمي ليبلغ رسالة رسول الله عليه السلام إلى ملكيها. و عرفت البريمي قديما بأنها قاعدة أرض الجو (منطقة الظاهرة) و عرفت قديما "توام" ، ومن قراها البريمي و حماسه و صعرا و العين و المعترض و الجيمي و القطارة و الهيلي و الجاهلي و المويقعي ، و من قبائلها في الشمال بني كعب و بني قتب و بني نعيم و زعيمها الأكبر الشيخ صقر بن سلطان بن محمد النعيمي ، أما الشيخ راشد بن حمد الشامسي فهو زعيم حماسة و يشاركهم في ذلك أولاد الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان الفلاحي. كما تسكن البريمي قبائل الظواهر و هم مجموعة قبلية تتكون من قبائل النجادات و الكويتات و المطاوعة و النواصر. و يستقر في العين الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الرجل الذي ذاع صيته بالخير و العمران و النماء إثر توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في 2 أغسطس من عام 1966 م.

فقد طالبت حكومة المملكة العربية السعودية بسيادتها على منطقة تضم البريمي ، بينما طالب سلطان مسقط السيد سعيد بن تيمور و حاكم إمارة ابوظبي الشيخ شخبوط بن سلطان بحقوقهما في المناطق التابعة لهما تسندهما في ذلك المملكة المتحدة. و قد جرت مباحثات بين المملكة العربية السعودية و المملكة المتحدة التي كانت تمثل سلطان مسقط و عمان و حاكم أبوظبي لإيجاد حل يجنب الصراع العسكري بين الأطراف المعنية خصوصا أن المملكة المتحدة لا تود الدخول في خلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت شركاتها النفطية تعمل في المملكة العربية السعودية بإسم شركة النفط العربية الأمريكية (أرامكو) ، و قد كان نشاط شركة أرامكو موجها بقوة بالسياسة الخارجية للملكة العربية السعودية.

قامت المملكة العربية السعودية عام 1952 م بإحتلال جزءا من البريمي حيث أرسلت حملة عسكرية بتمويل من شركة أرامكو في 31 أغسطس من ذلك العام توجسا من أن يطول الخلاف و أن يقف البريطانيون لصالح سلطان مسقط و شيخ أبوظبي عند الوصول إلى إتفاق ، و جرت مفاوضات نتج عنها في عام 1954 م سعي الأطراف المتنازعة إلى التحكيم الدولي. و كان رأي الوطنيين العمانيين في هذا الموضوع أنه ما هو إلا عبارة عن مؤامرة أثارها البريطانيون و الأمريكان لخلق نزاعات إنفصالية و خلافات بين الأشقاء سـواء كانوا في عمان أو في المملكة العربية السـعودية ، و إن تدخل القوى الأجنبية سواء كان البريطانيين أو الأمريكان سببه النفط حيث أن المنطقة المتنازع عليها يوجد بها مخزون نفطي بكميات كبيرة.

و قد سعى السعوديون الحصول على موافقة الإمام الخليلي لهذا الإحتلال و مساعدتهم على طرد القوات الأجنبية من عمان ، و لكن الإمام رفض ذلك و سعى لمساندة السلطان و لم شمل القبائل تحت راية الوطن الواحد و طرد المحتلين من الأراضي العمانية المحتله. تجاوب السلطان مع عرض الإمام و أرسل الدعم و العتاد و السلاح لقوات الإمام.

جهز السلطان قوة من رجال القبائل بلغ تعدادها نحو ثمانية آلاف مقاتل ، و تجمع الجيش في صحار إستعدادا للتوجه إلى البريمي ، و كان الحدث وسيلة لتوحيد الصف بين السلطان و الإمام و شيخ أبوظبي و القبائل العمانية.

في 7 أكتوبر 1952 م كانت القوة جاهزة لطرد السعوديين من واحة البريمي ، و لكن حدث ما لم يكن في حسبان الجميع ، إذ تبدل موقف الإنكليز بتأثير من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على القرار الإنكليزي في لندن خصوصا بما يتعلق بالسياسة الخارجية ، و تجنبهم حدوث أي خسائر بشرية بين الموظفين الأمريكان العاملين في أرامكو ، كذلك توجس السعوديين من تضامن الأطراف العمانية و وقوفها صفا واحدا في هذا النزاع ، فقد غادر مسقط القنصل البريطاني الميجر تشونسي بشكل مفاجئ متجها إلى صحار لمقابلة السلطان و أقنعه بالتخلي عن خطته بالهجوم على البريمي ، و تم تسريح رجال القبائل ، و أعطت الحكومة البريطانية ضمانات للوصول إلى حل سلمي للقضية ، الأمر الذي أضر بمصداقية و قوة السلطان لدى رجال القبائل.

في 26 أكتوبر من عام 1955 م تم القضاء على الإحتلال السعودي للبريمي بواسطة كتيبة كشافة ساحل عمان التي تتكون قيادتها من ضباط إنكليز و تتمركز هذه الكتيبة في إمارة أبوظبي ، و قامت قوات السلطان المسلحة بتعزيز هذا الهجوم.

و كان لسياسة إزدواجية المعايير البريطانية و التلكؤ في حسم الأمور الأثر الكبير في نشـوب حرب أهلية أخرى في عـمان ، عرفت فيما بعد بحرب الجبل الأخضر. فقد وجد رجال القبائل أن موقف السلطان سعيد و إنصياعه لأوامر الإنكليز بوقف زحفه من صحار إلى البريمي أفقده مصداقيته و استقلاليته في صناعة القرار و قيادة البلاد.

40 ـ الإمام غالب بن علي الهنائي
1373 هـ ـ 1954 م

انتخب إماما إثر وفاة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي عام 1373 هـ (1954 م) ، و قد كان انتخابة من بين ثلاثة مرشحين هو و نجل الإمام سالم بن راشد الخروصي و ابن أخ الإمام الراحل . كان الشيخ غالب بن على يمثل التيار المتشدد للإمامة الذي يتمثل في عدم التفريط في الحقوق و السيادة الوطنية و الذي يرى كذلك أن الوقت قد حان أن تخرج دولة الإمامة من سياسة العزلة التقليدية التي جرى عليها الأئمة السابقين ، و أنه من الأهمية أن تمد جسور التعاون إلى الدول العربية الشقيقة. و قد كان للإنكليز رأي آخر في إنتخاب الإمام غالب ، إذ رأوا أن العمانيين إختاروا الخط و التيار المتشدد من أنصار دولة الإمامة ، و أن خططهم و مصالحهم و مطامعهم في عمان و منطقة الخليج العربي بذلك ستواجه بالرفض و الصمود من قبل العمانيين و ستكون سياساتهم و خططهم في المنطقة على محك ، فعمان بالنسبة لهم هي الدولة المحورية في المنطقة و هي البوابة الشرقية لجزيرة العرب و هي التي تتحكم في خط الملاحة و ناقلات النفط في الخليج العربي و بحر العرب ، و هي المركز و الموقع الإسـتراتيجي لهذا الخط الملاحي و الشريان الحيوي للإقتصاد العالمي و التجارة الدولية ، و هي التي تسيطر على مضيق هرمز و رأس مسندم ، و أن نجاح دولة الإمامة و استمراريتها و امتداد علاقاتها مع الدول العربية و حركات التحرر في المنطقة التي قادتها مصر في النصف الأخير من القرن العشرين له تهديد خطير للمصالح الإستعمارية ، لاسيما أن بريطانيا فقدت الكثير من مستعمراتها و نفوذها في شبه القارة الهندية و مصر و جنوب شرقي آسيا ... فكان العدوان على الشعب العربي الآمن في عمان ، و كان تقسيم البلاد إلى مشيخات و إمارات و فرض القيود و الأغلال ، و كان أن شجع التعصب القبلي و الإنحياز المذهبي ، و كان أن شنت بريطانيا العظمى حربها على هذا الشعب العربي الآمن ، و كان قصف طائرات السلاح الجوي الملكي البريطاني بطائراته الحربية النفاثة لأول المرة في السماء العربية العمانية للقرى و المدن الآمنة في منطقة الداخلية في مدن نزوى و بركة الموز و إزكي و قرى و سفوح الجبل الأخضر.

41 ـ حرب الجبل الأخضر

أ-


و نحن نستعرض هذه الحقبة من تاريخ بلادنا و التي ازدانت بالكرامة و الفخر و الكبرياء و التضحية و الإصرار على مقاومة الإحتلال و الغزو و التعسف البريطاني ، و التي صاحبها كذلك أحوال من الشقاء و التشرد و الذل لأبناء الوطن العماني بسبب سياسات حكومة السلطان سعيد بن تيمور التي فرضت القيود و الأصفاد على أبناء الشعب ، لابد أن نسرد بعض الوقائع و الأحداث التي سبقت و تزامنت مع أحداثها ، و التي كان فيها إسم البلاد يقارن بالجهاد و الكفاح و النضال ضد السياسات الاستعمارية و الأطماع الأجنبية ، و بإمكانيات محدودة و تأييد عربي استطاع العمانيون الصمود ضد هذا الهجوم البريطاني ، و هذه الأحداث هي:

1. وصول الضابط الإنكليزي الميجر ماك جل إلى مسقط في صيف 1953 م يحمل تعليمات من السلطان سعيد بن تيمور المقيم في ظفار قي جنوب الوطن العماني بتكوين جيش سلطاني جديد ، و تم اختيار بلدة فلج القبائل الواقعة بالقرب من صحار في ساحل الباطنة ، و التي تتمتع بالموقع الجغرافي الهام حيث يمكن الوصول منها إلى شـمال عمان و البريمي و عبري و الرستاق و مسقط ، لتكون مركزا لهذا الجيش و تدريبه و تجهيزه ، و قد تشكل أفراد الجيش من سكان الباطنة و مسقط و مطرح ، و لم يسمح بقبول أي فرد من داخلية عمان للانخراط فيه. و كان لنشاط المسئولين الإنكليز في مسقط أمثال الميجر تشونسي القنصل العام البريطاني في مسقط و وزير خارجية السلطان المستر نيل إنيس و وزير دفاع السلطان و رئيس أركانه الكولونيل ووترفيلد و ممثل شركة البترول في مسقط السير وليم لندزي الدور الفاعل في أعداد هذا الجيش. و تحقيقا لهدف إنشاء الجيش السلطاني الجديد تتابع وصول البواخر و السفن الحربية البريطانية إلى مسقط محملة بالأسلحة و الذخائر و العتاد.

2. في أوائل عام 1954 م أصدرت الأوامر بانتقال جيش السلطان من مركزه في منطقة الباطنة إلى منطقة الدقم لتكون المركز الرئيسي للجيش ، و تقع الدقم في الجنوب الأوسط من البلاد و تطل على بحر العرب ، و أصبحت طائرات السلاح الجوي الملكي البريطاني تهبط في مطارها تحمل العتاد و الجند و الذخيرة. و في صيف نفس العام قام السلطان سعيد بن تيمور بتفقد هذا الجيش قادما من ظفار.

3. في أكتوبر من عام 1954 م تحرك جيش السلطان و قادته الإنكليز من الدقم و سيطر على مدينة عبري و هي مدينة تقع في منطقة الظاهرة و تعتبر منفذا إلى منطقة عمان الداخل و البريمي و ساحل الباطنة ، و كانت عبري في تلك الفترة تخضع تحت سيطرة دولة الإمامة و تم اعتقال ممثل الإمام فيها الشيخ سفيان الراشدي و زج به في سجن الجلالي حيث توفى هناك.

4. في فجر يوم 15 ديسمبر من عام 1955 م احتل جيش السلطان مدينة نزوى عاصمة الإمامة بمشاركة طائرات السلاح الجوي الملكي البريطاني ، فدكت قلعة نزوى و احتل الإنكليز ساحتها. و انسحب الإمام و قادته إلى مدينة بلاد سيت القريبة من سفوح الجبل الأخضر و المركز القوي لقبيلته بني هناة ، و أوفد الإمام الزعيم الشيخ صالح بن عيسى الحارثي موفدا من قبله و نائبا عنه إلى السلطان سعيد بن تيمور للتباحث معه ، و لكن السلطان سعيد كان قد غادر ظفار برا متوجها إلى شمال عمان و إلى نزوى بالذات ليبارك لجيشه بالنصر و يشكر الضباط الإنكليز على هذا النصر الذي حقق عن طريقهم و بفضلهم. أما الشيخ صالح بن عيسى الحارثي و عندما علم بأن السلطان غير متواجد في ظفار غير إتجاه السفينة التي كانت تقله و اتجه إلى الدمام بالمملكة العربية السعودية حيث استقبل استقبالا رسميا ، و قابله الملك سعود بصفته نائبا للإمام و شيخا لأكبر قبيلة مؤثرة في عمان. و كان الإمام أوفد أخوه و قائد جيشه الشيخ طالب بن علي الهنائي إلى المملكة العربية السعودية طالبا الدعم العربي ، و اجتمع الزعيمان الشيخ صالح بن عيسى و الشيخ طالب بن علي في الدمام و تباحثا في الوضع و المستجدات و قررا أن يتوجه نائب الإمام الشيخ صالح بن عيسى الحارثي إلى القاهرة لمقابلة الزعيم جمال عبدالناصر حيث تم في يونيو من عام 1956 م فتح مكـتب للإمامة في القاهرة أشرف عليه الشيخ حمير بن سليمان بن حمير النبهاني و الشـيخ محمد بن حمد الحارثي ، كما أنشيء مكتب مماثل في دمشق أشرف عليه الشيخ أحمد بن محمد النبهاني ، و تبعها بعد ذلك فتح مكاتب للإمامة في بغداد و الجزائر و الكويت و بيروت. و بقى الشيخ سليمان بن حمير النبهاني مع الإمام يشرف على الإعداد للمرحلة المقبلة ، و كانت تقع عليه مسؤولية الإعداد الداخلي لتنظيم المقاومة و الاتصالات الشخصية. و عندما علم الإنكليز بوجود الإمام غالب في بلاد سيت قاموا بالطلب من أبناء عم الإمام و هم أبناء الشيخ زاهر بن غصن الهنائي و الذين تربطهم علاقات وثيقة بالسلطان سعيد التعهد كتابيا بأن يكونوا مسـؤولين عن نشاط الإمام و تحركاته ، و لكن هؤلاء رفضوا ذلك و أن الإمام حر في تنقلاته. و مكث الإمام في بلاد سيت حتى شهر يوليو من عام 1957 م ، حيث بدأت مرحلة جديدة من حرب الجبل الأخضر.

5. بتسلسل هذه الأحداث نجد أن السلطان سعيد بن تيمور و نظام حكمه بقي معزولا عن أفراد شعبه و عن أشقائه حكام الدول العربية ، لا رابط إلا من خلال الضباط الإنكليز و المقيم السامي البريطاني في الخليج والذي يتمركز في البحرين و نائب الملك في الهند ، و أن أركان دولة الإمامة قاموا بالإتصال بإخوانهم الحكام العرب و أسسوا مكاتب لتمثيل دولة الإمام فيها ، فقد تأسست مكاتب لدولة الإمامة في القاهرة و دمشق و بيروت و بغداد و الكويت و إستضافت المملكة العربية السعودية في مدينة الدمام أركان دولة الإمامة و قيادات ثورة الجبل الأخضر فيما بعد ، و لا نستغرب أن تقوم جامعة الدول العربية و مندوبو الدول العربية في هيئة الأمم المتحدة التحدث بإسم عمان في المحافل الدولية و عرض القضية العمانية و معاناة الشعب العربي العماني من سطوة الإستعمار و التحكم البريطاني و قيود و أصفاد السلطان سعيد بن تيمور و هذا ما سنذكره لاحقا.

6. عاد الشيخ طالب بن علي الهنائي إلى عمان في أوائل شهر يوليو من عام 1957 م بعد أن استطاع أن يحشد التأييد العربي خصوصا من الجمهورية العربية المتحدة (مصر) و من المملكة العربية السعودية ، وعند وصوله إلى نزوى أعلن الإمام غالب "الجهاد و التصميم على استرداد أرض الوطن" ، و كان ذلك في يوم 19 يوليو 1957 م ، و على ضوء ذلك كتب السلطان سعيد بن تيمور الرسالة التالية إلى القنصل العام الريطاني في مسقط: "إنكم تعلمون علم اليقين بالحالة التي تطورت الآن في نزوى ، و أني أشعر بأن الوقت قد حان لكي أطلب أقصى حد ممكن من المساعدة العسكرية و الجوية التي تستطيع صديقتنا حكومة صاحبة الجلالة إعطائنا إياها في هذه الظـروف كما حدث في الفترات السـابقة التي دعمت صداقتنا ، و إني من أجلها أحمل الامتنان و الشكر الدائم ، و سأكون جد شاكرا إذا كان في الإمكان تقديم مثل هذه المساعدات لإعادة الحالة و تجنب خسارة أخرى في الأرواح. إن الأحداث تسير الآن بسرعة بحيث أجد من الضروري أن أذكر لكم أن السرعة التي سيتم بها تقديم المساعدة ستكون ذات أثر فعال ، و عليه سأكون شاكرا جدا لو بحثتم هذا الموضوع مع حكومة صاحبة الجلالة البريطانية." و فور استلام الرسالة ، أعلن سلوين لويد وزير خارجية المملكة المتحدة في مجلس العموم أن حكومة صاحبة الجلالة قد وافقت على طلب السلطان. و في 23 يوليو من عام 1957 م أعلن نفس الوزير أن الأوامر صدرت لسلاح الطيران الملكي البريطاني بالقيام بعمليات ضد المتمردين في وسط عمان.

7. و في 24 تموز (يوليو) عام 1957 أخذت القوات البريطانية بضرب المدن و الحصون و المعاقل التي تمركزت فيها قوات الإمام ، و رغم الإستنكار الشديد الذي أبداه الرأي العام فقد إستمرت بريطانيا بعملها الإجرامي. و كانت القوات البريطانية تنقل من قبرص و كينيا و البحرين و عدن و القاعدة الجوية البريطانية في الشارقة إلى داخلية عمان ، و لكن هذا لم يؤثر في معنويات الثوار العمانيين مطلقا بل تقدمت قوات الإمام و استولت على حصني بهلا و نزوى و على منطقة فهود المهمة و الغنية بالنفط ، و لكن الإنكليز أخذوا يقصفون مختلف المعاقل العمانية بعنف شديد.

41 ـ حرب الجبل الأخضر

ب-

و قد أورد الباحث السوري ناجي عساف في (كتاب "عمان ... تاريخ يتكلم" في الصفحة (238 – 240) من تأليف المؤرخ العماني الشيخ محمد بن عبدالله السالمي و ناجي عساف بعض ما أوردته الصحف العالمية حول دور الإنكليز في حرب الجبل الأخضر و الحرب على دولة الإمام غالب بن علي الهنائي ومطامعهم في منطقة الخليج العربي ، كما أورد ذلك السيد فيصل بن علي بن فيصل ابن عم السلطان في كتابيه "سلطان و استعمار" و "القضية العمانية" و اللذين ألفهما في منفاه متنقلا بين القاهرة و بيروت ، نذكر بعضا من هذه المقتطفات لنبين للقارئ أن ما قيل عن دور بريطانيا العظمى في منطقة عمان و الخليج العربي ليس من جهة عروبية فقط بل هنالك رأي عام عالمي يراقب و يستمع للأحداث.

"""فقد فضحت الجرائد العالمية مقاصد بريطانيا و تولت الكشف عنها فكتبت صحيفة "نيورك تايمز" في 23 يوليو 1957 م مقالا بعنوان "ثورة جديدة في الجزيرة العربية" استهلته بالهجوم على القومية العربية باعتبارها السبب المباشر لهذه الثورة: "إن عزل سلطان مسقط و عمان سيؤدي إلى زعزعة مركز بريطانيا في المنطقة البترولية بل سيفتح الباب لخلع بقية حكام المنطقة الساحلية و ينذر محمية عدن بالخطر".

و نشرت جريدة الديلي تلغراف اللندنية في عددها الصادر يوم 24 يوليو 1957 م تصريحا للكونت ستانجيت الذي أدلى به في مجلس العموم البريطاني أثر مناقشة المسألة العمانية في مجلس العموم و التبريرات التي أدلى بها وزير الخارجية البريطاني سلوين لويد للتدخل في عمان قائلا: "أنه لواضح بأننا غزونا عمان"

كما كتبت نفس الصحيفة في 27 يوليو 1957 تحت عنوان "الحاكم الذي يريد البترول "سعيد بن تيمور" ، مايلي:
"في الشرق الأوسط نوعان من الحكام ، الأغنياء بالبترول و أولئك الذين يريدون الاغتناء بالبترول و السلطان سعيد بن تيمور من الفريق الثاني ، و الحقيقة أن آماله هذه تقاسمه بها الحكومة البريطانية و شركات البترول الأمريكية و الإنكليزية مما جعل حياته معقدة و مشاكلة خطيرة ، و هذا الذي دفعه لأن يطلب المدد من أصـدقائه المقربين من رجال سـلاح الطيران الملكي و الهجوم على حصون عمان ، و منذ عامين و رجال شركة بترول العراق من البريطانيين ينقبون في عمان و لكن الإمام و أتباعه يهددون السلطان فيضطر للجوء إلى البريطانيين من وقت لآخر لحصر الإمام في منطقته ، و إذا ما نجح هذه المرة فإن السلطان قد يفقد البترول و كذلك تفقده شركة بترول العراق.

السلطان سعيد بن تيمور ليس غبيا لينسى هذه الحقيقة ، بل هو يعي هذا و يعرفه و يتعاون معهم على هذا الأساس ، فثقافته غربية و هو يقرأ الصحف الإنكليزية و الأمريكية بإنتظام ، و هو يعلم أنه إذا فقد عمان فسيفقدها الإنكليز معه بل سيفقدون معها البريمي ، و إذا فقدوا البريمي يفقدون المشيخات التي تسيطر عليها بريطانيا و التي تجاور السلطان من الشمال ، و ستكون السيطرة البريطانية على الكويت و البحرين معرضة للخطر و التهديد و يمكن أن تقع منطقة الخليج كلها في أيدي العرب."

كما كتب المستر شالمر روبرتس في جريدة "واشنطن بوست" بتاريخ 27 يوليو 1957 م: "أنه لو فقدت مسقط و عمان فستحدث نكسة تهز النفوذ البريطاني في كل مشيخات ساحل عمان و قطر و البحرين و الكويت ، و كذلك ستتعرض عدن للتهديد ، و طبعا كل ما تخشاه بريطانيا هو القومية العربية."

أما جريدة "لوموند" الفرنسية فقد شرحت خطة بريطانيا في عددها الصـادر بتاريخ 28 يوليو 1957 م بما يلي:

"أولا: تركيز عمليات السلاح الجوي البريطاني على قوات الوطنيين العمانيين.
ثانيا: تحصين واحة البريمي حتى لا تتسرب إليها قوات المواطنين.
ثالثا: احتلال عمان الداخلية بعد أن يكون سلاح الطيران قد شتت شمل الوطنيين.
رابعا: قيام الأسطول البريطاني بحصار الشواطئ و غلق الخليج العربي لمنع تسرب الأسلحة للوطنيين.
و بعد أن إفتضح أمر بريطانيا و تدخلها أمام الرأي العام العالمي وقف سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا يقول:

"أن القوات البريطانية قد تحركت و إن سلطان مسقط قد طلب المعونة منا فأجبنا إلى طلبه."

و أعلن الوزير البريطاني: "أن سلاح الطيران الملكي قد بدأ عملياته."

و كان سلاح الطيران لا يفرق بين المعاقل و المدن الآمنة بل أخذ يقصف العاصمة نزوى و إزكي و بهلا و تنوف و بركة الموز و سفوح الجبل الأخضر ، مما أدى إلى مقتل عدد كبير من النساء و الأطفال الأبرياء. و مع إزدياد وتيرة القصف الجوي البريطاني ، بدأت القوات البرية البريطانية مساندة لجيش السلطان البري بالزحف على مدن منطقة الداخلية ، و كانت آليات و أفراد هذا الجيش يجلبون رأسا عن طريق الجو من عدن إلى منطقة العمليات (صحيفة "نيورك تايمز" الصادرة في 4 أغسطس 1957 م) . و إزاء هذا القصف و ذاك الزحف اضطرت قوات الإمام للجوء إلى سفوح الجبل الأخضر و التحصن في مخابئه.

41 ـ حرب الجبل الأخضر

ج-

و من الحوادث التي صاحبت حرب الجبل الأخضر و خروج قادة ثورة الإمامة خارج عمان نذكر الآتي:

1. في مطلع عام 1958 م و قعت حادثة إغتيال الشيخ خالد بن علي بن عبدالله آل حمودة و مجموعة من أبناء عمه و أفراد أسرته و هم أمراء قبيلة بني بو علي في جعلان و الذين تحدثنا عنهم في فصول سابقة ، إذ دخل عليهم حمد بن خميس السنيدي و خادما له و أخذ بقتل كل من يصادفه إلى أن تصدى له حمود بن علي الأخ الأصغر للشيخ خالد و الذي كان مختبأ وراء حائط فقـتله و خادمه ببندقـيته. ثار رجال بني بو علي مطالبين بالثأر للأمير الوطني و إخوته ، و لكن والد القاتل خميس السنيدي إلتجأ إلى مسقط طالبا الحماية ، فأرسل السلطان سعيد بن تيمور أخاه ماجد بن تيمور على رأس قوة عسكرية تنقلها بارجة حربية بريطانية إلى ميناء صور في منطقة الشرقية و منها قصدوا مدينة جعلان لإرغام قبيلة بني بو علي على الخضوع و الاستسلام و استرداد أموال خميس السنيدي ، و لكن قبيلة بني بو علي رفضت الخضوع و عادت القوة مدحورة. و إثر هذه الحركة تكشفت لعبة الإنكليز الجديدة ألا و هي تسليم جميع القبائل للأسلحة التي بحوزتها بهدف نزع الأسلحة من الأهالي ، و لكن الأهالي رفضوا التسليم بذلك. و تراجعت حكومة السلطان عن هذا القرار تجنبا لاستثارة رجال القبائل ضدها و خصوصا أن رجال القبائل العمانية معتدون بسلاحهم.

2. حاولت بريطانيا التفاوض مع الإمام للخروج من الحرب بأبسط الخسائر ، فكان جواب الإمام:
أ‌. أن تكون المفاوضات تحت إشراف لجنة دولية محايدة.
ب‌. أن تنسحب جميع القوات البريطانية من الأراضي التابعة لدولة الإمامة التي احتلتها منذ عام 1955 م.
ت‌. أن يخلي جميع الولاه الذين عينتهم السلطات البريطانية مراكزهم في بعض المناطق العمانية.
لم يقبل الإنكليز بهذه الشروط ، فعادت المناوشات العسكرية بين الطرفين.

3. في 30 من إبريل 1958 م تم نسف مقر وزارة خارجية حكومة مسقط ، و أحدث الحادث هلعا في نفوس الإنكليز ، كما هاجم العمانيون مركزا للقوات البريطانية في سيح المالح الذي يبعد نحو 10 كم عن مسقط ، و يوجد فيه مقر شركة البترول ، و قد تم إشعال النار في براميل النفط والديزل و غيرها من معدات و أدوات الجيش البريطاني و شركة البترول البريطانية ، و تم تدمير قصر السلطان الذي يتخذه الضباط الإنكليز مقرا لهم ، و وقع إنفجار آخر في منطقة العذيبة في مخازن شركة النفط.

4. و في شهر سبتمبر 1958 م اشتبك جيش الإمام مع قوة إنكليزية بقيادة الميجر بيكر فقتل مع جميع أفراد كتيبته.

5. في شهر نوفمبر من عام 1958 م أرسل السلطان سعيد بن تيمور مبعوثه الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري للتفاوض مع الإمام و لكن الإمام أصر على شروطه السابقة ، و على ضوء ذلك بدأ الإنكليز و السلطان بوضع إستراتيجية جديدة تمهيدا لعمليات جديدة للهجوم على الجبل الأخضر.

6. في مطلع شهر يناير من عام 1959 م غادر السلطان سعيد بن تيمور إلى لندن في رحلة علاجية كما أعلن عنها ، و تم تشكيل مجلس للوصاية في مسقط يتكون من ستة أشخاص ثلاثة من العائلة المالكة و ثلاثة من الضباط الإنكليز.

7. في الفترة من 8 إلى 25 يناير 1959 م كثفت القوات البريطانية عملياتها في منطقة الجبل الأخضر و استطاعت أن تتعرف على ممر سري عن طريق العوابي القريبة من الرستاق كان الثوار يستخدمونه في تنقلاتهم إلى القرى المحيطة ، و استطاعوا أن يكتشفوا ذلك بواسطة شخص عماني مدسوس و لكن الميجر توني هارت من كتيبة مسقط نسب اكتشاف هذا الممر لنفسه ، و شنت طائرات السلاح الجوي الملكي البريطاني غارات وحشية مكثفة على معاقل الثوار استطاعت من خلالها التحكم و السيطرة على الموقف ، و كان آخر معاقل الثوار في قرية الشريجة ، و باستسلام الشريجة كانت نهاية حرب الجبل الأخضر. و برغم سيطرة القوات البريطانية على المنطقة لم تتمكن من اعتقال قادة ثورة الجبل الأخضر الذين اختاروا المنفى ، و نتيجة لذلك خرج الإمام غالب و من معه من القادة و شيوخ القبائل التي آزرته تاركين موطنهم إلى المملكة العربية السعودية مستقرين فيها و في الجمهورية العربية المتحدة (مصر) و سوريا لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الوطن العماني. و من القادة الذين إجبروا على ترك ديارهم حفظا لكرامتهم و كرامة موطنهم بدلا من أن يمدوا أيديهم للذي قصف مدنهم و قراههم و منازلهم شقيق الإمام الشيخ غالب بن علي الهنائي و الشيخ سليمان بن حمير النبهاني و الشيخ عيسى بن صالح الحارثي و الشيخ محمد بن عبدالله السالمي. و بخروج هؤلاء من عمان إنتهت حرب الجبل الأخضر و بدأت معاناة الشعب العربي العماني من قيود الذل و الهوان و مرارة الظلم و الإضـطهاد كما بينا ذلك في عهد السـلطان سعيد بن تيمور ، و بخروجهم من أرض الوطن ركدت قلوب زعماء دولة الإمامة الذين أطلقوا نداء الجهاد ، و أظهروا عمان في الخارج إباء لا يتردد ، و صبرا لا ينفذ و مجدا ناطقا بامتداد العروبة و معبرا عن كفاح العرب على مشارف المحيط الهندي حيث بقوا كما هم ، يرى العدو أنهم يعيشون في المنفى ، و يرى المجاهدون إنهم لم يعودوا يتحفزون للضربة القاضية ، و يرى فيهم جمرة من الشباب نوعا من الجمود فيدعونهم ملحين للحركة و العمل.

8. نذكر من الضباط الإنكليز الذين شاركوا في حرب الجبل الأخضر و الذين كان لهم الدور في تشكيل قوات السلطان المسلحة في فترة لاحقة من التاريخ العماني الحديث ، و لتعلم الأجيال العمانية القادمة من هم: لوتينانت كولونيل كولن ماكسويل و كولونيل دافيد سمايلي و كولونيل هيو بوستيد و ماجور مالكولم دينيسون و ليتونانت أنثوني دين-درموند و الميجور جوني وات و البريجدير ووترفيلد وقد كان من المرتزقة و ليس من الجيش النظامي البريطاني.
ولمزيد من الإطلاع على هذه الفترة من تاريخ الوطن العربي العماني ومعاناة وكفاح شعبه الأبي من عام 1954 م إلى 1970 م يمكن للقارئ الرجوع إلى كتب مؤلف هذا الكتاب التالية :

1. رواية " ملائكة الجبل الأخضر " .
2. ديوان شعر " الفجر الزاحف " .
3. قصة " المغلغل " .

42 ـ القضية العمانية في الأمم المتحدة

أ-

إثر انتخابه إماما على عمان في عام 1954 م ، توجه الإمام غالـب توجها مغايرا لإسـلافه من الأئمة ، لربما كان ذلك بسـبب الوضع الذي شهدته الساحة العربية و العالمية بعد الحرب العالمية الثانية ، إذ قرر الإمام إجراء اتصالات مع الدول العربية و إخراج عمان من عزلتها و السير في ركب الدول العربية التي قطعت شوطا من التقدم و التنمية ، و أرسل مندوبين إلى الدول العربية و إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية طالبا مساندة عمان في اللحاق بالركب العربي و المساعدة على طرح القضية العمانية في المحافل الدولية. و قد حمل الشيخ طالب بن علي الهنائي رسالة الإمام إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية ، و كان أن اتخذ مجلس الجامعة عدة قرارات بهذا الشأن في جلساته خلال الفترة من 11 يناير 1954 م إلى 12 سبتمبر 1957 م ، و تتلخص هذه القرارات بالآتي:

1. إحالة الطلب "إمامة عمان" إلى اللجنة السياسية بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية مع تأجيل طلب إمامة عمان بالانضمام إلى جامعة الدول العربية حتى تستكمل دراسة كافة العناصر و المعطيات.
2. تشكيل بعثة ثلاثية من الدول الأعضاء لتقصي الحقائق في منطقة عمان بما فيها الإمارات و المناطق المسماه بالمحميات لدراسة أحوالها و تقديم تقرير مفصل عنها.
3. أن تقوم الدول العربية الأعضاء في الجامعة بتوجيه مندوبيها لدى الأمم المتحدة إلى الإشارة للقضية العمانية و ما تعانيه إمامة عمان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
4. استنكار العدوان البريطاني على الأراضي العمانية ، و قيام الدول الأعضاء بعمل جماعي مشترك و ذلك بطلب عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن للنظر في هذه القضية و وقف تدخل القوات العسكرية البريطانية ضد إمامة عمان بوصفه مهددا للسلم و الأمن في الشرق الأوسط ، و مخالفا لأحكام القانون الدولي و ميثاق الأمم المتحدة.

و قد تلقت إمامة عمان دعوة للاشتراك في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في دور إنعقاده العادي السابع و الثلاثين بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية في 31 مارس من عام 1962 م ، و حضر الوفد العماني ممثلا بالإمام غالب بن علي الهنائي حيث ألقى الإمام غالب كلمة شرح فيها القضية العمانية. و اتخذ مجلس الجامعة القرار التالي بشأن مساندة القضية العمانية:

أ‌. قضية إمامة عمان: يقرر المجلس الموافقة على توصية اللجنة السياسية الآتية: نظرت اللجنة السياسية قضية إمامة عمان و ما جد عليها من تطورات ، و استمعت إلى ما أدلى به سيادة الإمام غالب بن علي من بيانات و تقرر ما يأتي:
1. أن تؤيد الدول الأعضاء بكافة الوسائل كفاح الشعب العماني للتمتع باستقلاله و تحرير أراضيه.
2. حث الدول الأعضاء على المبادرة إلى تقديم المعونات المالية و المادية إلى المكافحين العمانيين طبقا لقرار مجلس الجامعة رقم 1555 بتاريخ 3 من مارس 1959 م ، و أن تقوم الأمانة العامة بالاتصال بالدول الأعضاء لوضع هذا القرار موضع التنفيذ.
3. تأييد عرض القضية على لجنة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان و الشعوب غير المستقلة.

ب‌. ممثل الإمامة: طلب إمام عمان حضور ممثل الإمامة إجتماع مجلس الجامعة مراقبا: يقرر المجلس الموافقة على توصية اللجنة السياسية الآتية:
"أحاطت اللجنة السياسية بطلب سيادة إمام عمان حضور ممثل الإمامة اجتماعات الجامعة بوصفه مراقبا ، و توصي بحضور ممثل إمامة عمان عند مناقشة القضية."

و قد سبق للدول العربية أن تقدمت في 10 من أغسطس من عام 1957 م بمذكرة مشتركة و قعتها الدول العربية الإحدى عشرة إلى مجلس الأمن تطلب فيها دراسة القضية العمانية و العدوان البريطاني على الأراضي العمانية. و مع تحرك المندوب البريطاني في الأمم المتحدة ، أخفقت الدول العربية في إدراج القضية العمانية على جدول أعمال مجلس الأمن لكنها عادت من جديد و أثارت القضية في مذكرة بعثت بها إلى مجلس الأمن في 21 من أكتوبر 1957 م و لكن مرة أخرى كان موقف مجلس الأمن سلبيا من عرض القضية العمانية.

و في مطلع عام 1959 م صرح الأمين العام للأمم المتحدة و وسيط السلام الدولي المستر داج همرشولد: "إن قضية عمان لم تعد مشكلة تهم العرب وحدهم ، بل تهم الإنسانية كلها بسبب أعمال القتل و التدمير التي تحدث هناك."

و في الدورة السادسة عشرة للأمم المتحدة استطاعت وفود الدول العربية حشد التأييد للسماح للوفد العماني لحضور جلسة مناقشة القضية العمانية في اللجنة السياسية الخاصة حيث طرح الاقتراح على الاقتراع ففاز بأربعين صوتا مقابل ستة و عشرين و امتناع ثلاثة و عشرين. و لكن عند طرح الموضوع و مشروع قرار قدم من اللجنة السياسية الخاصة على إجتماع الجمعية العامة لم يحظ مشروع القرار بأغلبية الثلثين المطلوبة ، و بذلك لم يدرج ضمن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

في الفترة بين عام 1957 و عام 1960 م دارت مفاوضات بين الجانب العماني و الجانب البريطاني حيث طلبت بريطانيا من العمانيين تحديد مطالبهم ، فكان أن قام ممثلو الإمام بتحديد المطالب التالية:

1. عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل بدء المعارك و العدوان البريطاني.
2. الإعتراف باستقلال عمان و سيادتها.
3. جلاء القوات البريطانية عن الأراضي العمانية.
4. التعويض عما أتلفته الحرب.
5. إطلاق سراح السجناء السياسيين.

و جرت اتصالات لعقد إجتماع بين الطرفين أسفرت عن عقد اجتماع في بيروت في 17 من يوليو 1960 م ، و مثل الجانب الإنكليزي المستر نورمان المعتمد السياسي البريطاني في البحرين و الجانب العماني الشيخ سليمان بن حمير النبهاني ، و انفض الاجتماع دون تحقيق إي نتائج. و في يناير من نفس العام أبدى الإنكليز رغبة باجتماع آخر و البدء بالمفاوضات على أساس وقف إطلاق النار و سحب الشكوى العمانية من جدول أعمال الأمم المتحدة ، و أصر الإمام على موقفه مما أدى إلى فشل آخر للمفاوضات.

عقد اجتماع آخر بين الجانبين في بيروت في 14 من يناير 1961 م ، و ترأس الجانب الإنكليزي فيه المستر جون دي سيلفا رئيس القسم السياسي في دائرة المعتمد السياسي البريطاني في البحرين ، و كان مصير الاجتماع كسابقيه. و في شهر فبراير من نفس العام عقد اجتماع آخر في بلدة شتورا بلبنان و لم يسفر عن أي نتيجة بسبب إصرار بريطانيا على إبرام معاهدات غير متوازنة و شعور الجانب العماني بأن ما يقدمه الإنكليز ما هو إلا تقوية لنفوذهم.

42 ـ القضية العمانية في الأمم المتحدة

ب-

في 11 ديسمبر 1963 م شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدةاللجنة الخاصة بقضية عمان وفق القرار رقم 1948 (الوثيقة الرسمية للجمعية العامة في دورتها الثامنة عشرة – ملحق المادة 78 من جدول الأعمال رقم الوثيقة 5562) الذي نص على الآتي:

"أن الجمعية العامة بعد أن درست قضية عمان و استمعت إلى الشكوى المقدمة لها ، و بما أنها تهتم إهتماما أكيدا بالحالة القائمة في عمان.

و بعد أن تسلمت التقرير المقدم من قبل الممثل الشخصي للأمين العام و مع تقديرها للمجهودات التي بذلها.

آخذة بعين الاعتبار ما ورد في هذا التقرير من أن الممثل الشخصي لم يكن لديه الوقت الكافي لتقدير مشاكل الحدود و القضايا السياسية و التاريخية التي تثيرها هذه المشكلة ، و لأنه اعتبر نفسه غير ذي صلاحية للبت بها. فقد قررت:

1. أن تشكل لجنة خاصة مؤلفة من خمسة ممثلين لدول أعضاء يسميهم رئيس الجمعية العامة لدراسة قضية عمان.
2. و أن تدعو كافة الأطراف ذات العلاقة للتعاون بجميع الطرق الممكنة مع اللجنة الخاصة و بصورة خاصة تسهيل أمر زيارتها للمنطقة.
3. و هي ترجو اللجنة الخاصة أن تقدم تقريرا للجمعية العامة عند انعقاد الدورة التاسعة عشرة.
4. و تدعو الأمين العام ليقدم للجنة الخاصة كل المساعدات اللازمة."

و بموجب هذا القرار شكلت هذه اللجنة من الدول التالية: أفغانستان و كوستاريكا و النيبال و السنغال دولا أعضاء في اللجنة الخاصة للنظر في قضية عمان.

و قد قامت اللجنة بزيارة المنطقة و الإطلاع على الأحداث و الوقائع التاريخية لوضع
القضية في إطارها الحقيقي مستعرضة في تقريرها النهائي لمحة على
تاريخية عن القضية العمانية في الأمم المتحدة و عن تاريخ عمان المعاصر و تسلسل الأحداث المؤثرة. وأوردت اللجنة في تقريرها إنها لم تتمكن من السفر إلى عمان ، و لكن هيئت الظروف لأحد أعضائها لمقابلة سلطان مسقط و عمان في لندن في 31 أغسطس و 3 سبتمبر 1964 م ، بينماجرت محادثات بين أعضاء اللجنة و موظفي وزارة الخارجية البريطانية في لندن بتاريخ 3 سبتمبر 1964 م. كما أن اللجنة قابلت الإمام غالب في مقر إقامته بالدمام مع أعضاء مجلسه الأعلى و أعضاء مجلس الثورة و عدد من اللاجئين العمانيين خلال الفترة من 5 إلى 9 سبتمبر 1964 م ، و أن اللجنة قررت السفر إلى الشارقة و الكويت و القاهرة حيث كان يقيم عدد من الأشخاص الذين بوسعهم مساعدتها على القيام بمهامها ، و لكن و كما ذكر في التقرير لم يتيسر لها السفر إلى الشارقة و لكنها ذهبت إلى الكويت و القاهرة (13 – 19 سبتمبر 1964 م) ، و لم تبين اللجنة سبب عدم تمكنها من الذهاب إلى الشارقة ، إلا أن سياق سرد الوقائع في التقرير يبدي أن السلطات البريطانية و التي تمثل حكام مشيخات ساحل عمان في العلاقات الخارجية لم تبد التعاون و الترحيب بزيارة اللجنة.

و قد قامت اللجنة بتضمين و دراسة الطلبات المقدمة إليها من جميع الأطراف ذات العلاقة ، كما أنها أجرت محادثات مع 175 شخصا قدموا من عمان و تلقت رسائل من عدد كبير من الأشخاص حول الموضوع نفسه ، و قد بين التقرير المناطق التي قدم منها هؤلاء الأشخاص الذين تم مقابلتهم في الدمام و الكويت.

ففي الدمام عقدت اللجنة سبعة اجتماعات و حـققت مع 52 شخصا ، و هؤلاء الأشـخاص كلهم ، ما عدا أربعة منهم ، غادروا عمان فيما بين عام 1955 و عام 1962 م بينما خمسة أشخاص أعلنوا أنهم عادوا إلى عمان خلال إقامتهم خارجها و اشتركوا في المعارك ، و أكثر هؤلاء الأشخاص من منطقة الجبل الأخضر ، بينما آخرون أتوا من الظاهرة و الشرقية أو من ظفار ، و لم يكن أحد من بينهم من مسقط أو من المناطق الساحلية.

أما في الكويت فقد عقدت اللجنة 9 اجتماعات و حققت مع 94 شخصا أغلبهم بين 21 و 30 سنة ، و من أصل 74 حددوا سنة مغادرتهم لعمان ، 14 منهم قالوا أنهم غادروا عمان قبل عام 1955 م و إثنان فقط بعد عام 1962 م ، و كما هو الحال في الدمام فإن أغلب هؤلاء الأشخاص من منطقة الجبل الأخضر و هنالك عدد منهم من مناطق الظاهرة و الشرقية و جعلان ، و يوجد أيضا 12 شخصا من بينهم أتوا من المناطق الساحلية من مشيخات ساحل عمان.

أما في القاهرة فقد عقدت اللجنة خمسة اجتماعات . اجتماعان مع الشيخ صالح بن عيسى الحارثي و هو عضو من أعضاء المجلس الأعلى للإمام. أما الاجتماعات الثلاثة الأخرى فقد حققت اللجنة مع 29 شخصا أكثرهم من الطلاب و لم تبلغ أعمارهم الواحد و العشرين سنة. و هؤلاء الطلاب قدموا من مسقط و صور و السيب و من مقاطعة ظفار و الباقي من مدن الداخلية. و قد حققت اللجنة مع ممثل الإمام في القاهرة و عضو المجلس المكلف بالإشراف على التعليم الشبابي الشيخ محمد بن حمد الحارثي ، كما حققت مع ممثلين لمنظمات طلابية في القاهرة و في أوروبا الشرقية و ممثل لمنظمة عمانية في أفريقيا الشرقية.

و لم تتمكن اللجنة من استكمال محادثاتها مع السلطان و ذلك بسبب مغادرته لندن و عدم تواجده في لندن في نفس الوقت من العام المقبل (1965 م) ، و أنه يستحيل عليه قبول زيارة لجان منظمة الأمم المتحدة مجددا إلى بلاده كما أنه غير مستعد للمراسلة حول الموضوع كما سبق و أكد ذلك.

و قد خصصت اللجنة بابا كاملا في تقريرها عن المعلومات التي جمعتها شملت ما يلي:

1. فيما يتعلق بالمسميات و تعريف كلمة عمان ، إذ رأت اللجنة أن هذه التسمية أخذت معاني مختلفة و ذلك حسب الأشخاص الذين يستعملونها أو حسب النصوص ، فالبعض يعتبرها تسمية جغرافية و آخرون كيانا سياسيا و البعض الآخر يعتبرها كيانا سياسيا و جغرافيا من البلاد العربية الجنوبية واقعا بين البحر و الصحراء من حدود حضرموت جنوبا و حتى شاطئ الخليج العربي شمالا ممتدا إلى حدود قطر ، و أن إحدى الصعوبات الرئيسية التي يتعرض إليها وضع التقرير هو تعريف كلمة "عمان".
2. جغرافية عمان و حددت فيها التوزيع الجغرافي لعمان و المناطق الجبلية و الساحلية و السهول و الهضاب مع ذكر تعداد السكان و المساحة و المدن الرئيسية ، و لم يذكر مصدر المعلومات المستقاه و المذكورة في التقرير.

3. باب الناحية الإقتصادية ( المعلومات و الأرقام مسـتقاه من كتاب السـتايتمان لعام 1962 م).

4. وجهات نظر عامة حول قضية عمان قدمت إلى اللجنة من قبل الدول الأعضاء (المملكة المتحدة - الدول العربية – يوغوسلافيا – بلغاريا) و من قبل السلطان و الإمام و مواطنين عمانيين من مختلف الفئات مع استعراض وقائع و أحداث تاريخية عن عمان من القرن الثامن ميلادي وحتى عام 1965 م ، و قد ذكرنا معظم هذه الوقائع ضمن صفحات هذا الكتاب معززة بالمصادر و الوثائق.

5. المعاهدات و الاتفاقات المبرمة بين السلطنة و الدول الأجنبية من عام 1798 م و حتى عام 1958 م: قامت اللجنة بحصر و دراسة المعاهدات و الإتفاقات التي أبرمت بين سلاطين مسقط و عمان و جواذر و زنجبار و الدول الأجنبية ، و قيل أن المعاهدات الموقعة من قبل المملكة المتحدة و سلاطين مسقط تفرض على السلطنة أعباء ثقيلة و غير معقولة و في هذا ظاهرة إستعمارية في عمان ، و قيل من جهة أخرى أن المعاهدات المبرمة من قبل السلاطين مع المملكة المتحدة و بلاد أخرى دليلا عن معاهدات دولية تثبت استقلال السلطنة. و جدير بنا ذكر هذه المعاهدات و تاريخها بالسنة الميلادية و نحن نسرد تاريخ الوطن العماني :


• 1798 - معاهدة الدفاع و الهجوم بين مسقط و شركة الهند الشرقية.
• 1800- الاتفاق بين إمام عمان و الكابتن جون مالكوم بهادر.
• 1822 – المعاهدة بين الحاكم فركوهار و الإمام و المتعلقة بمنع الإتجار بالرقيق.
• 1833 – معاهدة صداقة و تجارة بين مسقط و الولايات المتحدة الأمريكية.
• 1839 – إتفاق تجارة و ملاحة بين بريطانيا العظمى و مسقط.
• 1844 – معاهدة تجارية بين فرنسا و مسقط.
• 1845 – اتفاق بين المملكة المتحدة و السلطان بخصوص إيقاف تصدير الرق.
• 1854 – الصك الذي أصدره سلطان مسقط بالتنازل عن جزر كوريا موريا للتاج البريطاني.
• 1862 – التصريح البريطاني الفرنسي الذي بموجبه تتعهد الدولتان باحترام إستقلال سلطان مسقط و سلطان زنجبار.
• 1873 – المعاهدة بين بريطانيا العظمى و مسقط من أجل إلغاء التجارة بالرقيق.
• 1877 – التصريح الهولندي و مسقط لتطوير و تنمية العلاقات التجارية بين البلدين.
• 1891 – معاهدة الصداقة و التجارة و الملاحة بين بريطانيا العظمي و مسقط.
• 1891 – الاتفاق المتعلق بالتنازل عن المناطق الذي أبرمه سلطان مسقط و عمان في 20 آذار 1891 م.
• 1902 - تعهد سلطان مسقط و عمان تجاه العميد السياسي البريطاني في مسقط فيما يتعلق بحوض البترول في صور.
• 1905 - الاتفاق بين سلطان مسقط و شركة سونج إيكسلوراسيون سنديكان ليمتد.
• 1923 - الالتزام الخاص بالبترول الذي اتخذه السلطان على نفسه.
• 1937 - العقد المبرم بين البتروليوم كونسسيون و سلطنة مسقط و عمان.
• 1937 – معاهدة التجارة و الملاحة بين صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمي و سلطان مسقط و عمان.
• 1951 - معاهدة صداقة و تجارة و ملاحة بين صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمي و إيرلندا الشمالية و سلطان مسقط و عمان المرفقة برسائل متبادلة.
• 1953 - معاهدة صداقة و تجارة و ملاحة بين الهند و مسقط.
• 1958 - معاهدة صداقة و تجارة و رسوم قنصلية بين الولايات المتحدة الأمريكية و مسقط.
• 1958 - تبادل رسائل بين المملكة المتحدة و سلطان مسقط و عمان المتعلقة بقوى السلطان المسلحة و بالطيران المدني و بتوطيد القوى الجوية الإنكليزية و بالتنمية الإقتصادية في مسقط و عمان و منح التسهيلات للقوات البريطانية لاستخدام القواعد الجوية و البحرية و العسكرية.
• 1964 المراسلات المتبادلة بين رئيس اللجنة الخاصة بقضية عمان و سلطان مسقط و عمان.

و خلصت اللجنة في تقريرها النقاط التالية:

1. تعتبر اللجنة أن قضية عمان مشكلة دولية خطيرة يتوجب على الهيئة العامة للأمم المتحدة أن تمنحها إهتماما خاصا.
2. أن اللجنة تعتبر أن قضية عمان تحيطها مطامع استعمارية و أن مسقط و عمان معرضة للتدخل الأجنبي.
3. و تعتبر اللجنة أن القضية تثير قلقا لربما تزداد خطرا ، و إن إيجاد حل لها ضرورة محتومة للحفاظ على السلام. و من دون هذا السلام فلا سبيل لأي تقدم اقتصادي بغير هذا السلام. أنه يتوجب على جميع المهتمين بهذه القضية و أصحاب العلاقة (دون أن يقع ضرر جراء المرافق المتخذه من الأطراف فيما سبق) تجنب كل عمل من شأنه أن يعرقل الحلول السلمية.
4. و تعتبر اللجنة أنه يقع على عاتق منظمة الأمم المتحدة أن تساعد على حل القضية بتدخلها لتسهيل المفاوضات بين جميع الأطراف. و ذلك بتشكيل لجنة تقوم بالمساعي الحميدة. إن أي تدبير تتخذه الهيئة العامة يجب أن يكون لتأمين رغبات شعب مسقط و عمان الشرعية.
5. و تعتبر اللجنة أنه يتوجب على الهيئة العامة أن تحض الإمام و السلطان لأن يعملا كل ما في وسعهما لحل القضية باللجوء إلى لجنة المساعي الحميدة.
6. و تعتبر اللجنة أنه يتوجب على الهيئة العامة أن تحض حكومة المملكة المتحدة على تسهيل قيام المفاوضات و على أن تستفيد من العلاقات الوثيقة و الصديقة القائمة فيما بينها و بين السلطان للتشجيع على تبني هذا الحل.
7. أن اللجنة تعتبر أنه يتوجب على الهيئة العامة أن تحض الدول العربية لتعمل كل ما باستطاعتها للتشجيع على قبول حل مرضي عن طريق المفاوضات.

إلا أن الجهود العربية و الدولية لحل القضية العمانية لم يكتب لها النجاح بسبب تعنت الجانب البريطاني و مماطلته في المفاوضات و فرضه لشروط لم يقبل بها العمانيون ، كما أن جمود زعماء دولة الإمامة و انحسار حماسهم لمواصلة مسيرة النضال و التحرر و إخراج الشعب العربي العماني من براثن الظلم و الاضطهاد و الجهل سببا لركود حركة التحرير و الثورة. إلا أن هذا لم يمنع من ظهور تنظيمات مقامة داخل البلاد و خارجها ممثلة بجبهة تحرير عمان و جبهة تحرير ظفار ذات التوجهات اليسارية مدعومة من تيار المعسكر الشرقي العالمي.

43 ـ السلطان قابوس بن سعيد
28 ربيع الثاني 1390 هـ ـ 23 يوليو 1970 م

أ-

هل يدور في حسبان إمرئ واجه الظلمات و كابد المصاعب و عانى المشاكل أنه سيسمع بالفرج فجأة؟ هل يدور في حسبان هذا الإنسان أن سنوات البعد عن الوطن و الغربة عن الأهل يمكن أن يبزغ أمام عينه فجر يبدد ظلماءها و يرفع أثقالها؟

لا أعتقد أن الإنسان يتوقع الفرج صدفة دون أن تكون له مقدمات مشهودة أو مسموعة يدفعه إلى هذا التوقع كثرة ما عانى من مصائب ، فهو يجيب زوال مسببها كالعملية الجراحية لابد أن تكون لها مقدمات!

و لكن ذلك ما حدث ، ففي صباح يوم السبت 25 يوليو 1970 م كنت أطلب الصديق محمد الغماري للتحدث معه و هو في البحرين و أنا في مكتبي بوزارة الإعلام و السياحة في أبوظبي ، و كانت للغماري فتاتان تدرسان بالقاهرة فأردت أن أحثه لإرسال أوراقهما لقبولهما في الدراسة على حسـاب أبوظبي إذ مد حاكمها الشـيخ زايد بن سـلطان آل نهيان يديه لمسـاعدة الطلبة العمانيين ، فتقبل الرجل المكالمة و لكنه أضاف بعدها: "هل عندكم خبر ما حدث ؟" ، و أجبته: "لا نعرف بشيء جديد" ، قال: "ستسمعون خيرا" ، و أنهى المكالمة كأنه يتحاشى التفاصيل. و أدركت أن شيئا ما قد حدث في مسقط ، فقد كانت في الواقع توقعات و إرهاصات ، و لكنا لكثرة ما سمعنا و تطاول المدة قد يئسنا.

و بعد قليل دخل علي أخي المرحوم نصر و الصديق حارب طالب و هما في غاية الإبتهاج و يهتفان "بشرى يا أبا مازن لقد خلع سعيد بن تيمور و أعلن ولده قابوس ذلك ، و تم الأمر للسلطان الجديد و سيصل إلى مسقط قريبا. كما أن السلطان السابق قد نقل إلى لندن على متن طائرة حربية و هو مثخن بالجراح و مر بالبحرين في طريقه إلى منفاه".

و تواترت الأنباء بعد ذلك ، و وقفت على البيان الذي وزعه السلطان الجديد على شعبه و أعلنته وكالة رويتر ، و هذا نصه:

"""
بسم الله الرحمن الرحيم

إني أعدكم أول ما أفرضه على نفسي أن أبدأ بأسرع ما يمكن أن أجعل الحكومة عصرية و أول هدفي أن أزيل الأوامر غير الضرورية التي ترزحون تحت وطأتها.

أيها الشعب ... سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل و على كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب.

كان وطننا في الماضي ذا شهرة و قوة و إن عملنا بإتحاد و تعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى و سيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي ، و إني متخذ الخطوات القانونية لتلقي الاعتراف من الدول الخارجية الصديقة و إني أتطلع الى التأييد العاجل و التعاون الودي مع جيراننا و أن يكون مفعوله لزمن طويل و التشاور فيما بيننا لمستقبل منطقتنا.

إني أستحثكم الاستمرار في معيشتكم المعتادة و إني سأصل إلى مسقط خلال الأيام القليلة القادمة و هدفي الرئيسي ما سأخبركم به.

شعبي ... إني و حكومتي الجديدة نهدف لإنجاز هدفنا العام ... كان بالأمس ظلام و لكن بعون الله غدا سيشرق الفجر على عمان و على أهلها ، حفظنا الله و كلل مسعانا بالنجاح و التوفيق. """

43 ـ السلطان قابوس بن سعيد
28 ربيع الثاني 1390 هـ ـ 23 يوليو 1970 م

ب-
عهد السلطان إلى عمه السيد طارق بن تيمور رئاسة أول حكومة في العهد الجديد ، و كان طارق يعيش في المنفى متنقلا بين مختلف البلدان خاصة لبنان و ألمانيا بعد أن انشق عن أخيه السلطان السابق إثر تردي الأوضاع في البلاد و دعوته مع ثلة من أفراد الأسرة المالكة إلى الإصلاح و تخفيف القيود عن كاهل الشعب كما أوردت مسبقا.

كنت على مـوعد سـابق مع السيد طارق بن تيمور لمقابلته في بيروت يوم الأثنين 27 يوليو 1970 م ، و كنا نجتمع بين حين و آخر للتداول في شؤون الوطن. و سافرت إلى بيروت ، و هنالك كان السيد طارق يستعد للعودة إلى مسقط ، فقد تلقى دعوة من السلطان قابوس ، أما السيد فهر بن تيمور فقد سافر فعلا ، و هنالك كان عدد من أعيان العمانيين المغتربين منهم السيد فيصل بن علي و الشيخ طالب بن علي الهنائي و الشيخ سليمان بن حمير النبهاني و يحيى بن عبدالله النبهاني و محمد الحارثي و إبراهيم الحارثي. و كان السيد طارق قد بدأ يتحدث كمسؤول ، بل أنه أبلغنا أنه عائد إلى مسقط و بدأ يعلن بعض تخطيطاته ، فتفاءل الجميع بالعهد الجديد الذي هل على عمان. أما طالب بن علي فقد كان يبدو عليه بعض التحفظ رغم ما ذكره السيد طارق أن طالبا سيعود إلى الوطن ، و أنه عرض عليه منصبا وزاريا خصصه بوزارة الإقتصاد (الزراعة و التجارة و الصناعة) ، و لكنه فضل أن يقوم بأعمال حرة.

و بعد يومين كان طارق في مسقط حيث استقبل استقبالا حافلا ، و كان جلالة السلطان قد حضر إلى مسقط بين ترحيب الشعب و تهليله بمحو عهد استمر أربعين عاما ذاق فيها الشعب الإضطهاد ، و عانى ما و صفه السلطان في البيان الذي وجهه إلى شعبه في أول مؤتمر صحفي يعقد في عمان في 27 يوليو 1970 م ، و هذا نصه:

"""
بسم الله الرحمن الرحيم

نشكركم على استقبالكم الحار لنا باسم العائلة و باسم الشعب العماني.

إننا نأمل أن يكون هذا اليوم فاتحة عهد جديد لمستقبل عظيم لنا جميعا. إننا نعاهدكم بأننا سنقوم بواجبنا تجاه شعب وطننا العزيز. كما أننا نأمل أن يقوم كل فرد منكم بواجبه لمساعدتنا على بناء المستقبل السعيد المنشود لهذا الوطن. لأنه كما تعلمون أنه بدون التعاون بين الحكومة و الشعب لن نستطيع أن نبني بلادنا بالسرعة الضرورية للخروج بها من التخلف الذي عانت منه هذه المدة الطويلة.

إن الحكومة و الشعب كالجسد الواحد ، إذا لم يقم عضو منه بواجبه إختلت بقية الأجزاء في ذلك الجسد. إننا نأمل أن نكون عند حسن ظنكم كما نأمل كذلك و في نفس الوقت أن تكونوا عند حسن ظننا.

نسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير و الصلاح ، و السلام عليكم. """
43 ـ السلطان قابوس بن سعيد
28 ربيع الثاني 1390 هـ ـ 23 يوليو 1970 م

ج-


و في 9 أغسطس 1970 م وجه السلطان خطابا إلى الشعب ، و هذا نصه:


"""
بسم الله الرحمن الرحيم

شعبي العزيز ،

أنه لمن دواعي سروري أن أتحدث إليكم هذا المساء عبر إذاعتنا العمانية ، و قصدنا أن نتأكد من أنكم تعرفون عن كثب خطط الحكومة للمستقبل ، و الخطوات التي تتخذها لتحقيق الاطمئنان و التقدم لشعبنا ، و الازدهار و الأمن لبلدنا العزيز. و على هذا الأسـاس ، يمكنكم أن تثقوا أن حـديثنا الليلة ، يحدد اتجاه المستقبل ، و ستتبعه أحاديث مماثلة أما منا شخصيا أو من المسؤولين الكبار في الحكومة.

فكما سمعتم من الإذاعة ، لقد عينا عمنا السيد طارق بن تيمور رئيسا للوزراء. إن سرعته في العودة إلى البلاد نقدرها عظيم التقدير ، و وجوده بيننا مع أخيه السيد فهر يلقى منا كل ترحيب. إنهما سيتركاننا لفترة وجيزة لترتيب أمورهما الخاصة ، لكننا تأكدنا من حقيقة أساسية ، و هي أن آراءنا حول مستقبل البلاد متفقة جدا. و لقد أمرنا رئيس الوزراء أن يتخذ الخطوات الفورية لتشكيل حكومة على أساس إسناد المناصب للموظفين العمانيين اللائقين حيثما وجدوا ، في الداخل و الخارج. و حيث أن بلادنا قد حـرمت ، لفترة طويلة جدا ، من التعليم الذي هو أسـاس الكفاءة و الإخلاص ، في تدريب و إعداد شعبنا لمسؤولياته في المستقبل. و من هنا تنشأ الحقيقة بأن تعليم شعبنا و تدريبه يجب أن يبدأ بأسرع وقت ممكن لكي يصبح في الامكان ، في المدى الأبعد حكم البلاد بالعمانيين للعمانيين.

و من بين الأمور التي سنتعرض لها الليلة ، أمرا بالغ الأهمية ، ألا وهو قرارنا بتغيير اسم البلاد. فمن الآن و صاعدا ستعرف أرضنا العزيزة باسم - سلطنة عمان – إن إعتقادنا بأن هذا التغيير بداية لعهد جديد متنور و رمز لعزمنا أن يكون شعبنا موحدا في مسيرتنا نحو التقدم. فلا فرق بعد الآن بين الساحل و الداخل ، و بينهما و بين المقاطعة الجنوبية ، فالكل شعب واحد ، مستقبلا و مصيرا. و لقد بدأنا فعلا في دراسة تصاميم لعلم وطني ، يكون شعاره و ألوانه شهودا على عزمنا على توحيد بلدنا. فلنقف جميعا أمام الله ، مطيعين ، مخلصين ، مجتهدين ، مساعدين بعضنا بعضا ، و مساعدين حكومتنا لتحقيق أهدافنا ، نابذين من يدعو إلى الكفر بالله ، و إلى الشيوعية الملحدة.

تتجه أفكارنا الآن ، الى أخوتنا الذين أجبرتهم ظروف الماضي التعس إلى النزوح إلى خارج الوطن. فلأولئك الذين بقوا على ولائهم لوطنهم و لكنهم اختاروا البقاء في الخارج نقول سنتمكن في وقت قريب من دعوتكم لخدمة وطنكم ، أما الذين لم يكونوا موالين لوالدي في الماضي ، أقول: (عفى الله عما سلف ، و ندعو من فقد منكم جنسيته العمانية أن تعود الى صفوف الوحدة في سلطنة عمان. لقد أصدرت أمرا في هذا الصدد ، أن يعاد النظر فورا في نظم الهجرة و الجوازات ، كما أمرت رئيس الوزراء أن يقدم توصياته حول كيفية إعادة الجنسية لاخواننا المبعدين. فنأمل أن تتمكنوا سريعا من العودة الى وطنكم بحرية و أن تجتمعوا بأحبائكم في سلام ، و في ولاء لبلدكم العزيز. كما نعلمكم بأن خطة تطوير الحكومة و تنظيمها ستستوعب مواردنا البشـرية الضـئيلة من رجال البلاد المؤهلين ، لذا سندعوكم قريبا للعودة بطريقة منظمة لخدمة وطنكم. و لقد أمرنا رئيس الوزراء أن ينشئ وكالة في إحدى بلدان الخليج ، ستعين فيما بعد ليستطيع أولئك الراغبون في العمل في السلطنة أن يستفسروا عن الوظائف الموجودة. و لكن عليكم أن تتحلوا بالصـبر و الاطمئنان في الوقت الحاضـر ، إنكم لن تكونوا غرباء عن وطنكم.

إن الإعلان الذي أصدرنا عند تولينا الحكم ، بأنه في ظل حكومة قوية و عادلة سنبدأ فورا في رفع الممنوعات الغير الضرورية و في اعلان الخطط الفورية لتطوير البلاد. و من الأمور التي تهم سكان العاصمة ، نستطيع الآن إبلاغكم قرارا مهما ، و هو إتاحة رقعة كبيرة من الأرض ليبني عليها الشعب بيوتا أفضل ، و لتأسيس مشاريع تجارية و صناعات خفيفة. ففي نيتنا نقل مقر القوات المسلحة من وادي بيت الفلج في خطة مداها ثلاث سنوات إلى مكان جديد أنسب لاحتياجات القوات المسلحة الإستراتيجية و التكتيكية. و يحتمل أن يكون المقر الجديد للقيادة العامة للقوات المسلحة و إحتياطيها و وحداتها الإدارية عند ملتقى الطرق إلى نزوى و الباطنة التي يجري مسحها حاليا. و في العذيبة سيكون مطارنا المدني الأول و ستتقاسم قواتنا الجوية التسهيلات التي ستتوفر فيه. و قد أمرنا إجراء مسح لتحقيق ذلك.

و نتيجة لهذا القرار ستتاح الأراضي الخالية للبناء فورا ، و سيكون الوادي كله إمتدادا كبيرا لمدينة مطرح في المستقبل ، و ستتحول مباني القوات المسلحة الموجودة حاليا للاستعمال المدني الأفضل.

و في نيتنا أن تقوم السلطنة بمشاريع الطرق و الماء و المجاري. و بهذا نضمن أن أولئك الذين يتطلب أن يسكنوا هناك سيجدون أفضل في الحال ، كما في نيتنا أن تكون منطقة مطرح منطقة تضم مباني تجارية و تسهيلات تحتاجها الإدارة الكفء لميناء نشيط.

أما الآن ، فإليكم أولى الممنوعات التي أمرنا برفعها. انني أرغب أن يكون مواطنو هذا البلاد و أفراد عائلاتهم أحـرارا في التنقل في داخل البلاد و السـفر إلى الخارج بدون قيـود. فاعتبارا من هذا اليوم ، ترفع جميع القيود على التنقل و السفر. و لكن بطبيعة الحال على المسافرين الاستمرار في التقيد بنظم الجوازات و الصحة المعتادة. و قد يتطلب الأمر قيودا خاصة من وقت لآخر ، حسب مقتضيات الأمن. و أن رفع قيود التنقل يتيح لكل فرد حرية التنقل داخل البلاد و داخل المدن ليلا و نهارا. إلا أنه من الضروري الاستمرار في منع التنقل بالسيارات بين صور و جعلان و في التقيد بالأنظمة الحالية المتعلقة بالتنقل في منطقة البريمي و عبور الحدود إلى أن يتم وضع تنظيم للجمارك هناك. أما نظام التجول داخل سور مسقط فسيبقى ساري المفعول لكننا أمرنا أن يبسط هذا النظام. أما حمل القنديل فليس مطلوبا.

إن الزراعة ذات أهمية أساسية لمستقبل بلادنا ، و تشجيع الزراعة و المساعدة على التوسع فيها من الأولويات الرئيسية لحكومتنا. فاعتبارا من هذا اليوم ترفع القيود المفروضة على استيراد و امتلاك جميع الآلات الزراعية. و لقد أمرت أن تعاد تشغيل المزرعتين التجريبيتين في نزوى و صحار بأسرع وقت ممكن لكي يقوما بدورهما كاملا للإسراع في تقدم الزراعة. كما أمرت أن تنشأ مزرعة تجريبية ثالثة في صلالة. و ستتضمن برامج التنمية الأخرى في صلالة مسحا لمصادر المياه في السهول و يتبع ذلك مشروعا للري و توسعا كبيرا في الأرض المتاحة للزراعة. كما سينشأ مرفأ صغير بأسرع وقت ممكن لسد الإحتياجات المدنية و العسكرية.

إننا نعلم أن هناك نقصا في المياه في أنحاء بلدنا العزيز ، و قد أمرت أن تستأجر المعدات فورا لحفر الآبار. و بالإضافة إلى تلبية الاحتياجات الفورية من المياه ، فإن برنامج حفر الآبار سيوسع ليشمل مسحا كاملا لمصادر المياه في البلاد.

لقد سمعتم عن التغيرات في نظام جباية الرسوم الجمركية على واردات البلاد من البضائع. إن أثر هذه الإجراءات بالإضافة إلى تشجيع التجارة سيكون انخفاض أسعار جميع البضائع في جميع أنحاء السلطنة. كذلك أمرت أن يعاد النظر في نظام جباية الزكاة.

إننا نقدر تقديرا كاملا مسؤوليات شيوخ القبائل في بلادنا في رعاية جماعاتهم و أمنهم و حسن سلوكهم ، و في نيتنا أن نجعلهم يحصلون على رواتب نظير قيامهم بتلك الواجبات و المسؤوليات. فأمرت أن تدرس الحكومة هذه المسألة فورا. كما أمرنا أن يعاد النظر في الرواتب التي تدفع لموظفي السلطنة.

و في مجالات التطوير فإن احتياجات البلد كثيرة. فالصحة و التعليم و المواصلات و الطرق كلها تحتاج إلى عناية عاجلة ، و كلها ستلقى تلك العناية. و لقد أمرنا بوجه خاص أن تحسن الخدمات الصحية الحالية فورا ، و بدراسة عاجلة لخطط التعليم.

و سيستمر مسح طريقي نزوى و صحار ، كما أمرنا أن يعاد النظر في مشروع ميناء مطرح بقصد إجراء توسيع فوري له.

و إذا كان على بلادنا أن تتخذ وحدة حقيقية ، يجب أن يكون لدينا نظاما عصريا للمواصلات. و لقد أمرنا بإجراء مسح شامل لشبكة مواصلات برقية تغطي أرجاء البلاد كافة.

كذلك في نيتنا إيجاد نظام للمواصلات العامة بأسرع وقت ممكن للاتصالات البرية و البريدية إلى جميع أنحاء البلاد. و لكن بالنظر إلى حالة الطرق في السلطنة ، فمن الضروري الحفاظ على السلامة العامة بتجنب ازدحام السير و ذلك بفرض رقابة في الوقت الحاضر على إصدار رخص السيارات. فاعتبارا من أول رجب القادم تقدم طلبات ترخيص السيارات إلى قسم ترخيص السيارات بدائرة الشرطة عن طريق الوالي في كل منطقة. و لمصلحة السلامة العامة فمن الضروري التأكد من المحافظة على السيارات و صيانتها و تفتيشها دوريا بواسطة قسم تفتيش السيارات الذي سينشأ في دائرة الشرطة. و سيوسع تنظيم المرور لتمكينه من مراقبة وسائل النقل الآلية في جميع أنحاء البلاد ، كما سيعاد النظر في نظام تسجيل السيارات و إستيفاء الرسوم عنها.

إن لدينا الآن محطة إذاعة ، و هي التي أتحدث إليكم منها هذه الليلة. و لقد أمرت الحكومة أن تجري مسحا لاحتياجات البلاد من إذاعات الراديو و التلفزيون لا لمواجهة الاحتياجات الترفيهية المشروعة فحسب ، بل لما هو أهم ، ألا و هو أن نجلب لشعبنا فوائد التعليم العام.

و الكهرباء إحدى المتطلبات الحيوية للكثير من برامج التنمية ، و إننا نعتبر وجود إدارة شركة الكهرباء في الخارج أمرا غير مقبول. و لقد أمرنا أن يدرس الوضع المالي لشركة كهرباء مسـقط برمته ، لكي تعود الرقابة عليها إلى الحكومة في المستقبل.

هذه هي خططنا الأولى. و هناك مجالات كثيرة تحتاج إلى دراسـة. و عندما تتخذ فيها قرارات مـهمة ، ثقوا بأنكم ستطلعون عليها.

نود الآن أن نذكركم بما قلناه لكم عند وصولنا إلى مسـقط. أن الحكومة و الشعب كالجسـد الواحد ، إذا اختل عضو فيه اختل الجسد كله. لذلك أدعوكم إلى العمل معنا لمستقبل بلدنا و بعون الله سوف ننجح.

و أخيرا يجب علينا أن نعرب لكم عن امتناننا لإخوتنا حكام و رؤساء الدول في الوطن العربي ، الذين شجعونا برسائل تهانيهم و تمنياتهم الطيبة ، و أخص بالذكر منهم صاحب الجلالة الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية ، و صاحب الجلالة الملك حسين ملك الأردن ، و إخواني حكام إمارات الخليج العربي ، إني أشكرهم جميعا باسم بلادي و باسم شعبي ، على تمنياتهم الطيبة و أعدهم بأن نيتنا و نية حكومتنا و بلادنا أن نعمل جنبا إلى جنب مع جميع إخواننا العرب لمستقبل الأمة العربية كلها.
و الله نسال أن يوفقنا و يسدد خطانا الى ما فيه الخير و الصلاح. """


43 ـ السلطان قابوس بن سعيد
28 ربيع الثاني 1390 هـ ـ 23 يوليو 1970 م

د-


عهد السلطان إلى طارق بتشكيل وزارة جديدة ، فبدأ يعلن الأسماء كأفراد لا الوزارة كمجموعة ، و حجته في ذلك أنه يصعب وجود وزارة كاملة في البلاد نظرا لإنعدام الوسط الوزاري الموجود في البلدان التي تقدمتنا في النهضة ، فعين السيد بدر بن سعود وزيرا للداخلية و هو رجل صلب في آرائه أنف أن يعمل في جهاز السلطان السابق و بقى ملازما بيته أكثر من عشرين عاما ، و عين السيد محمد بن أحمد وزيرا للعدل ، و الوزيران يلتقيان بالأسرة الحاكمة في الجد الأكبر الأمام أحمد بن سعيد آلبوسعيدي ، كما عين الشيخ سعود بن علي الخليلي وزيرا للتربية و هو ابن أخي الإمام الأسبق محمد بن عبدالله الخليلي و أحد مشايخ القبائل ، و عين بعد ذلك الدكتور عاصم علي محمد الجمالي وزيرا للصحة و كان مساعدا صحيا لمدير مجلس التطوير لإمارات ساحل عمان – الإمارات العربية المتحدة الآن. بعد ذلك توالت التعيينات الوزارية في الحكومة و الشروع بإنشاء الأجهزة الإدارية للدولة و التشريعات و القوانين المنظمة لها.

استمرت وزارة السيد طارق بن تيمور نحو عام ونصف ، إذ أجرى السلطان قابوس تعديلا وزاريا في يناير عام 1972 م ، و من أهم إنجازات حكومة السيد طارق بالإضافة الى وضع اللبنات الاساسية للجهاز الاداري للحكومة هو قبول إنضمام سلطنة عمان إلى جامعة الدول العربية في 9 شعبان 1391 هـ الموافق 29 سبتمبر 1971 م و كان هذا بمجهود وفد الصداقة العماني* الذي بعثه السلطان قابوس إلى الدول العربية مادا يد التعاون العربي و مؤكدا عروبة سلطنة عمان و حكومة سلطنة عمان ، و قد ضم وفد الصداقة العماني عددا من الوزراء في حكومة السيد طارق و بعض أعيان البلاد المعروفين في الدول العربية و الذين كان لهم الدور الكبير في تفعيل القضية العمانية في جامعة الدول العربية و الأمم المتحدة. أعقب انضمام سلطنة عمان إلى جامعة الدول العربية انضمامها إلى هيئة الامم المتحدة في 17 شعبان 1391 هـ الموافق 7 أكتوبر 1971 م ، و قد رفع العلم العماني الجديد مرفرفا إلى جانب أعلام الدول الأعضاء في المنظمة الدولية بحضور رئيس الوزراء السيد طارق بن تيمور.

من أهم أسباب عدم استمرارية وزارة السيد طارق بن تيمور هو تدخل المستشارين الأجانب من تركة العهد الماضي الذين لا يريدون لعمان إلا ما نطق به التاريخ منذ عهد الإمام أحمد بن سعيد إلى آخر العهد البغيض للسلطان سعيد بن تيمور و الذين قادوا حملة في الأشهر الأخيرة من عام 1971 م للتشكيك في العناصر الطيبة بالوزارة و العائلة و أفراد الشعب.

و قد واجهت حكومة السلطان قابوس تمردا في المقاطعة الجنوبية في ظفار تقوده جبهة تحرير ظفار و ذلك بسبب الوضع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي الذي خلفه عهد السلطان سعيد بن تيمور و الصراع بين القوى العظمى للسيطرة على هذه المنطقة الهامة من الوطن العربي ، كما كانت هناك بعض التنظيمات السرية لجبهة تحرير عمان و الخليج العربي ، و استطاعت قوات السلطان المسلحة بمساعدة ضباط و جنود من المملكة المتحدة و إيران و المملكة الأردنية الهاشمية من السيطرة على الوضع الأمني في أماكن عمل ثورة ظفار ، و استمالة بعض قادة الثورة إلى جانب حكومة السلطان.

و نحن في بداية عهد جلالة السلطان قابوس ، جدير بنا الإشارة إلى أن العهد الجديد خفف الكثير من القيود عن كاهل أبناء الشعب العماني الذي ظل يكابد سطوة الظلم و البطش و الاستبداد و الانغلاق و التفرقة و الفقر و العوز في عهد السلطان سعيد بن تيمور ، و أن الأمور تتجه إلى بناء دولة عصرية منفتحة على شقيقاتها الدول العربية و سائر دول العالم. كما أن مستقبل البلاد سيشهد بإذن الله تطورا في جميع المجالات التنموية بما فيها التعليم و الخدمات الصحية و التنمية الإجتماعية ، و الرقي بالمستوى المعيشي للمواطن العماني.


*تشكل وفد الصداقة العماني من الشخصيات التالية:
1. سعود بن علي الخليلي وزير المعارف.
2. عبدالله بن محمد الطائي وزير الإعلام و الشؤون الاجتماعية و العمل.
3. هلال بن علي الخليلي.
4. محمد بن حمد الحارثي.
5. أحمد بن محمد النبهاني.
6. يوسف بن علوي بن عبدالله. بالإضافة إلى شخصيات عمانية أخرى.
الفصل الخامس ... إمارات ساحل عمان
و قيام دولة الامارات العربية المتحدة

1- ساحل عمان

في منطقة الخليج العربي – شماله و جنوبه – اليوم حركة فوارة للتقدم و الرقي و رفع مستوى المنطقة و فتح المجال لإخواننا من أبناء العروبة هناك للحاق بركب النهضة ، فجدير بنا إذن أن نعرف هذه المنطقة بوضوح.

فقد كان لتحرير عمان من الاستعمار البرتغالي سببا في حدوث الاستقرار و بسط يد الأمان في ربوعها و مناطق الخليج العربي المختلفة ، إلا أن الصراعات التي نشبت في أواخر عهد اليعاربة أدت إلى بروز عدة تحالفات ، و قد تحدثنا عن هذه الأحداث و النزاعات في فصول متعدده من هذا الكتاب.

و في ساحل عمان برزت قوتان سياسيتان جديدتان ، القوة الأولى بحرية تتألف من حلف من القبائل يتزعمه القواسم و مقرهم رأس الخيمة الذين أقلقوا الأسطول البريطاني و خاضوا ضدهم معارك عنيفة في منطاق نفوذهم على الساحل العماني ، ولم يكتف القواسم بذلك بل أقلقوا الأسطول البريطاني و هاجموه في البحر الأحمر و سواحل الهند و أفريقيا. أما القوة الثانية فهي تحالف قبلي بري و هو تحالف بني ياس و حلفائهم و كان يتزعمهم قبيلة آل بو فلاح و يمتد نفوذهم حتى خور العديد.

تكون هذه المنطقة (منطقة ساحل عمان) القسم الشمالي من عمان ، و بها سبع إمارات أقدمها في التكون إمارة رأس الخيمة التي كان لنشوب الحرب بين اليعاربة بداخل عمان في القرن الثامن عشر الميلادي أثره الكبير في انفرادها بالحكم ، كما كان للحروب القبلية و النزاعات الداخلية و التدخل الأجنبي سواء الإنكليزي أو المد الوهابي الأثر الكبير في انفصال هذه الإمارات و قيام مشيخات عرفت بإمارات ساحل عمان أو إمارات ساحل عمان المتصالحة أو عمان المتصالحة أو الإمارات المتصالحة و ساحل الهدنة أو كما سماها الإنكليز ساحل القراصنة.

و لمزيد من السرد التاريخي للعوامل المؤثرة في تشكل هذه الإمارات و الوثائق و المراسلات المتبادله بينهم و بين سلاطين مسقط و الإنكليز يمكن الرجوع إلى كتاب الشيخ أبي البشير محمد شيبة بن نور الدين عبدالله بن حميد السالمي "نهضة الأعيان بحرية عمان" المطبوع في مطابع دار الكتاب العربي بمصر. و قد أوردنا هذه الملاحظة ردا على ما ذكره لوريمر في كتابه "دليل الخليج - القسم التاريخي – الجزء الثاني":

" إن تاريخ المنطقة التي تعرف اليوم بإسم عمان المتصالحة لا نكاد نعرف عنه شيئا قبل منتصف القرن الثامن عشر".

كما نود أن نضيف أن تاريخ ساحل عمان هو جزء مكمل لتارخ الوطن العماني و مكتمل به كما بينا عبر صفحات هذا الكتاب.

و الإمارات اليوم سبع و هي: أبوظبي و دبي و الشارقة و عجمان و أم القيوين و الفجيرة و رأس الخيمة ، و لو نظرنا إلى الخارطة لوجدنا أن هذه الإمارات تقع على ضلعي مثلث تلاقي قمته مضيق هرمز و بها توجد مدينة خصب و تابعة لسلطنة مسقط (سلطنة عمان بعد عام 1970 م) ، و تقع رأس الخيمة و الشارقة و دبي و أبوظبي و عجمان و أم القيوين على الضلع الغربي للمثلث ، أما الضلع الشرقي فهناك تقع المنطقة الشرقية من إمارة الشارقة و تجتمع في خور فكان و كلبا و إلى الشمال من الضلع الشرقي تقع مدينة دبا و تعتبر من أعرق المدن العمانية في القدم و تقسم إلى ثلاثة أقسام قسم للشارقة و قسم للفجيرة و قسم لسلطنة مسقط ، و جنوبي كلبا تقع منطقة الباطنة التي تتعدد فيها القرى و تمتد الخضرة و هي الجزء الساحلي لسلطنة مسقط. هذه هي الإمارات العمانية التي سنتعرف عليها و قد علمنا أن خمسا منها تقع على الجانب الغربي و واحدة مع توابع الأخر تقع على الجانب الشرقي ، و أدركنا أيضا أنها لا تقع على ساحل واحد بل على ساحلين ، و إن إنفصالها عن الوطن الأم كان بسبب التدخل الأجنبي و النزاعات القبلية و حب السيطرة و عدم التفكير في مستقبل الوطن ... فكان الوطن ضحية هذه النزاعات و الفتن و التدخل الأجنبي ، إلا أن إرادة الله فاقت كل هذه الأحوال ، و ها نحن نشهد الكثير من مشاريع التنمية و الإزدهار ، و ننلمس في النفوس الرغبة بالسير قدما نحو الإصلاح و التنمية و لم الشمل و ما إعلان قيام دولة الامارات العربية المتحدة في 14 شوال 1391 هـ الموافق 2 ديسمبر 1971 م و ما تبعته من أحداث و تنمية إلا برهانا على صدق النفوس و الإخلاص لحب الوطن.

كانت المنطقة خلال المائة و الخمسين عاما التي سبقت قيام دولة الإمارات العربية المتحدة تحت الإنتداب البريطاني ، و ربطت بريطانيا حكام إمارات الساحل بإتفاقيات تقضي بتولي بريطانيا مسؤولية الشؤون الخارجية و الدفاعية مقابل أن يدير حكام الإمارات شؤونهم الداخلية. و حتى منتصف الخمسينات من القرن العشرين لم تشهد إمارات الساحل أي تطور نوعي في مجالات التنمية و الإقتصاد ، و كان الحكام بأنفسهم يشقون الطريق نحو إرساء أسس التنمية بتشجيع و تمويل من بعض الدول العربية كدولة الكويت و إمارة قطر التي ظهر فيها النفط في بداية الخمسينات ، و كذلك الجمهورية العربية المتحدة (مصر جمال عبدالناصر).

و فيما يلي نورد نموذجين من الإتفاقيات التي أبرمتها الحكومة البريطانية مع شيوخ هذه الإمارات:

"أولا: الإتفاقية المتبادلة بين شيوخ عمان المتصالحة في 24 يونيو 1879 م

تمهيد: حيث أن من مصلحتنا جميعا أن نتفق فيما بيننا على منع هرب الرعايا و ترك ديونهم وراءهم من إقليم و اللجوء لإقليم آخر ، و يسري ذلك بشكل خاص على الغواصين و البحارة ، فإننا نحن الموقعين بإمضاءاتنا و أختامنا على هذه الوثيقة ، نوافق و نتعهد في وجود حاجي عبد القاسم وكيل المقيمية المبعوث خصيصا لهذا الغرض ، و حاجي عبدالرحمن وكيل الحكومة ، على أن نعمل بكل الطرق الممكنة لمنع هؤلاء الهاربين من أن يجدوا العون أو المأوى في بلادنا.

و على ذلك ، و تمشيا مع هذه الإتفاقية ، فإننا نوافق على ما يلي:

أولا: إذا حاول هارب أن يلجأ إلى بلادنا ، سواء عن طريق البر أو البحر ، فمن واجبنا أن نرده إلى الشيخ الذي هرب من بلاده.

ثانيا: و إذا ثبت أن أحد الشيوخ قد آوى واحدا من هؤلاء الهاربين أو رفض تسليمه في حالة طلب ذلك من جانب وكيل الحكومة ، فإن على هذا الشيخ أن يدفع غرامة قدرها 50 ريالا بالإضافة إلى كل ما يثبت من ديون على الرجل الهارب.

ثالثا: و مرة أخرى إذا رفض هذا الشيخ تسليم الرجل الهارب بعد طلب ذلك من جانب وكيل الحكومة ، و سمح له بالسير إلى شواطئ اللؤلؤ لمواصلة عمله رغم ذلك ، فإن هذا الشيخ يدفع غرامة قدرها 100 ريال بالإضافة إلى جميع الديون التي تثبت على هذا الرجل الهارب.

رابعا: و إذا وقع خلاف حول هذه الحقائق يعقد مجلس للتحكيم يحضره وكيل الحكومة ، و يرسل طرفا النزاع ، و كل الشيوخ المتصالحين مندوبين عنهم إذا لم يتيسر لهم الحضور بأنفسهم ، و لا يصبح القرار الذي يتخذه المجلس ملزما بالنفاذ إلا بعد أن يصدق عليه المقيم السياسي لصاحب الجلالة البريطانية في الخليج.

خامسا: تفرض هذه الغرامات فقط بعد أن يتأكد المقيم السياسي لصاحب الجلالة البريطانية في الخليج من أن هذا الشيخ المعني مذنبا بالفعل و يستحق الغرامة.

و على هذا ، فنحن نضع توقيعاتنا و أختامنا أسفل هذه الوثيقة ، ملتزمين بتنفيذ ما جاء فيها دون معارضة ، فعلى هذا تم الإتفاق.

صحيح ، و على هذا أوقع: سالم بن سلطان بن صقر القاسمي (خاتم)
صحيح ، و على هذا أوقع: راشد بن حميد بن راشد النعيمي (خاتم)
صحيح ، و على هذا أوقع: حشر بن مكتوم (خاتم)
صحيح ، و على هذا أوقع: أحمد بن عيدالله بن راشد (خاتم)
صحيح ، و على هذا أوقع: زايد بن خليفة (خاتم)
صحيح ، و على هذا أوقع: حميد بن عبدالله بن سلطان القاسمي (وقع بخط يده)

ثانيا: الإتفاقية الإستثنائية بين شيوخ عمان المتصالحة و الحكومة البريطانية ، مارس 1892 م

أنا الموقع على هذا ، زايد بن خليفة شيخ أبوظبي في حضرة الليفتاننت كولونيل أ.س. تالبوت (Lieut Colon. A. C. Talbot) المقيم السياسي في الخليج - أعتمد و أوافق – بإسمي و إسم ورثتي و من يخلفني على ما يلي:

أولا: ألا أوقع أية إتفاقيات أو أدخل في أي علاقات مع أي دولة بإستثناء بريطانيا العظمى.

ثانيا: ألا أسمح بإقامة أي ممثل لأية حكومة أخرى في أرضي دون موافقة مسبقة من الحكومة البريطانية.

ثالثا: إلا أؤجر أو أبيع أو أرهن أو أتنازل أو أسمح بأية صورة أخرى من الصور بإحتلال أي جزء من أراضي لدولة أخرى غير بريطانيا العظمى.

تم هذا الإتفاق و جرى توقيعه في أبوظبي يوم 6 مارس سنة 1892 م ، الموافق 5 شعبان سنة 1309 هجرية.

توقيع: زايد بن خليفة
شيخ أبوظبي

لنزدون نائب الحاكم العام في الهند
ليفتينانت كولونيل أ. س. تالبوت المقيم السياسي في الخليج

تم التصديق على هذه الإتفاقية من قبل سعادة نائب الحاكم العام في الهند بسملا في 12 مايو 1892.

هـ. م. دوراند
سكرتير وزارة الخارجية بحكومة الهند

و قد تم التوقيع على الإتفاقية من قبل الشيوخ المتصالحين الآخرين ، بمعني شيوخ كل من دبي و عجمان و الشارقة الذين وقعوا بتاريخ 7 مارس و كذلك راس الخيمة و أم القيوين الذين وقعوا في 8 مارس."

""المصدر" دليل الخليج – القسم التاريخي – الجزء الثاني – ج. ج. لوريمر – ترجمة مكتب الترجمة بديوان حاكم قطر.""

2 ـ دولة الإمارات العربية المتحدة

في عام 1968 م أعلنت بريطانيا عزمها على مغادرة المنطقة بحلول نهاية عام 1971 م ، و أن تتولى إمارات الساحل إدارة شؤونها و بهذا سعى حكام إمارات منطقة الخليج بما فيها إمارات ساحل عمان و قطر و البحرين إلى لم الشمل و تكتيف جهود الوحدة ، و في 14 شوال 1391 هـ الموافق 2 ديسمبر 1971 م أعلن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة إتحادا كونفيدراليا يضم إمارات أبوظبي و دبي و الشارقة و عجمان و أم القيوين و تخلف عن ركب الدولة الإتحادية البحرين و قطر و رأس الخيمة الني انضمت إلى ركب الاتحاد في 25 ذو الحجة 1391 هـ الموافق 10 فبراير 1972 م.

و قد جاء في بيان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971 م:

" يزف المجلس الأعلى هذه البشرى السعيدة إلى شعب الإمارات العربية المتحدة و كل الدول العربية الشقيقة و الدول الصديقة و العالم أجمع معلنا قيام دولة الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة و جزء من الوطن العربي الكبير ، تستهدف الحفاظ على استقلالها و سيادتها و أمنها و استقرارها ، و دفع كل عدوان على كيانها أو كيان الأعضاء الإمارات فيها و حماية حقوق و حريات شعبها و تحقيق التعاون الوثيق فيها بين إماراتها لصالحها المشترك من أجل هذه الأغراض و تحقيق الازدهار و التقدم في كل المجالات ، و من أجل توفير الحياة الأفضل لجميع المواطنين ، و نصرة القضايا و المصالح العربية و ميثاق الأمم المتحدة و الأخلاق الدولية".

و في هذا اليوم من نفس العام قامت القوات الإيرانية باحتلال ثلاث جزر عمانية عربية في الخليج العربي ، و هذه الجزر هي جزيرة "أبو موسى" التابعة لإمارة الشارقة و "طمب الصغرى" و "طمب الكبرى" التابعتين لإمارة رأس الخيمة.

و قد تم انتخاب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيسا للكيان الجديد و الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائبا للرئيس. و قد انضـمت الدولة الجديدة إلى جامعة الدول العربية في 6 ديـسمبر 1971 م ، كما انضمت إلى عضوية الأمم المتحدة في 9 ديسمبر 1971 م. و فور إعلان قيام دولة الإتحاد تم رفع علم الدولة الجديدة ، و كذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة نحو تبسيط التنقل بين هذه الإمارات بإزالة المراكز الحدودية التي كانت تتطلب التنقل بجواز السفر لاسيما بين إمارتي أبوظبي و دبي و بين مدينة أبوظبي و مدينة العين التابعتين لإمارة أبوظبي ، كما تم إصدار عملة موحدة و كذلك توحيد جوازات السفر بإصدار جواز سفر موحد للدولة الإتحادية الجديدة ، و فيما يلي تعريفا موجزا بهذه الإمارات.

3 ـ أبوظبي

تقع هذه الإمارة في الساحل الغربي من الخليج ، و هي شبه جزيرة تنفصل عن اليابسة عندما يرتفع البحر و لها حدود مترامية برية و بحرية و تعود إليها ما يقارب من خمس و ثلاثين جزيرة أشهرها جزيرة داس التي تعتبر اليوم من أكبر المراكز النفطية في الخليج العربي ، و يحكم أبوظبي شيوخ آل نهيان و هم من قبيلة آل بو فلاح المنتمية لحلف قبائل بني ياس و من أشهر حكامها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي شاع صيته في بلاده و في جميع الدول العربية لما قام به من تنمية و تشجيع للعلم و سماحة و حنكة في الحكم ، و لابد لنا من وقفة عند الحديث عن الشيخ زايد لما قام به من فتح المجالات لأبناء عمان جميعها عند تسلمه مقاليد الحكم في 19 ربيع الثاني 1386 هـ الموافق 2 أغسطس 1966 م فشجع التعليم و نمى الخدمات الصحية و الاجتماعية في إمارة أبو ظبي و قدم التسهيلات لجميع المواطنين في سبيل تحسين أوضاعهم المعيشية. و يقطن أبوظبي قبائل عربية معروفة بأصالتها شأن القبائل العربية القاطنة في جميع هذه الإمارات ، و كان أهلها يعتمدون على صيد السمك و العمل في الغوص و الأسفار ، إلا أن خيرات النفط قد تدفقت و أصبحت أبوظبي اليوم من مصادر الثروة النفطية الكبيرة ، فقد شحنت في أواسط عام 1962 م أول شحنة من النفط من آبارها ، و سيشهد الوطن العربي خلال سنوات قصيرة تقدما ملحوظا لهذه الإمارة في العلم و الإقتصاد و التنظيم.

و في سـرده للأحداث في تأسيس إمارة أبوظبي يذكر المؤرخ الشـيخ محمد الشيبة بن عبدالله السالمي في كتابه "نهضة الأعيان بحرية عمان أن " أما آل بو فلاح فإنهم أمراء بني ياس و ليسـوا منهم ، يقال أنهم من بني هلال و يقال غير ذلك" ، و أن أبوظبي " تأسست هذه العاصمة (و يقصد أبوظبي المدينة) عام 1175 هـ 1762 م ، و أول من ولي أمارتها شخبوط بن ذياب عام 1210 هـ و بقى حاكما على بني ياس غير منازع إلى أن أنزله من الزعامه محمد أكبر أبنائه في عام 1231 هـ.

4 ـ دبي

تتكون من مدينتين كبيرتين بينهما مضيق صغير يسمى "خور" عرضه يقارب مائتي متر و تسمى المدينة الأولى دبي و الثانية ديرة ، و المكانة في القديم للأولى و ما تزال مقر الحاكم ، أما الثانية فهي المركز التجاري و بها مكاتب التجارة الكبرى و العمارات الحديثة ، و وجود الخور بين المدينتين يكسبهما جمالا فريدا يذكر السياح بالبندقية بل سماها البعض "بندقية الخليج" ، و من قرى دبي جميرة و أم سقيم و الشندغة و أم مهيبر و زعبيل و حتى ، و يسكن دبي القبائل العربية بنو ياس و السودان و المزاريع و بنو مرة أو المرر و آل بو مهير ، و يرجع نسب حاكم البلاد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم إلى بني ياس ، و هم من الأزد الذين هاجروا إلى عمان أيام انهدام سد مأرب ، و أول حاكم لدبي من آل مكتوم هو الشيخ مكتوم بن بطي بن سهيل في عام 1249 هـ (1833 م) حيث استولى على الحكم حينما دب الخلاف بين مشايخ أبوظبي فقتل طحنون بن شخبوط ، و إختلف من بعده أخويه خليفة و سلطان .
و في استعراضه لتاريخ دبي من عام 1249 هـ (1833 م) حتى عام 1378 هـ (1962 م) ذكر المؤرخ الشيخ محمد الشيبة بن عبدالله السالمي في كتابه "نهضة الأعيان بحرية عمان" النهج الذي اتبعه حكام دبي من انفتاح و تسامح مما أدى إلى ازدهار عمراني و تجاري في هذه الإماره: " ثم ولي الأمر من بعده عمه سعيد بن مكتوم عام 1230 هـ و هو حاكمها الحالي و قد فوض الأمر آخر عمره إلى أبنه راشد بن سعيد فهو المدير شئونها المدبر لها ، و قد هاجر إلى هذه العاصمة كثير من رجال عمان و مسقط و من الخارج لما لقوه من تخفيف الوطأة عليهم و على البلاد ، فحصلوا على ربح واسع من هجرتهم و شاطر هذا الشيخ العمانيين قسطا وافرا من التموين الموزع لبلاده أبان الحرب العالمية الثانية و توطن كثير من الناس بهذه البلاد لعدم المضايقة و قلة الفحص بها و التفتيش في الجمارك و الأمور المنفرة للعالم فتوسعت البلاد و كثر العمران و نشطت التجارة".

و لقد كان لمجهود الشيخ راشد بن سعيد الأثر الواضح في نهضة البلاد ، فهو وراء كل نشاط دراسي أو صحي أو عمراني أو تجاري ، و يمتاز ميناء دبي بأنه مورد كبير لتجارة عمان ، فإليه تفد البواخر و منه تنقل البضائع إلى شتى أرجائها ، و إلى دبي أيضا ترد الخضروات و الفواكه عن طريق البر و البحر من الباطنة و الهند و إيران ، و المدينة اليوم عصرية بفضل التجارة و تسـهيل الكهرباء و الماء و الهاتف ، أما الماء فقد إكتشف في موضع إسمه "عوير" فعم ماؤه الآن دبي جميعها.

5- الشارقة


يحكمها القواسم الذين ذكرنا سيرتهم في فصول سابقة ، و من حكامها في العصر الحديث الشيخ صقر بن سلطان القاسمي أحد شعراء الخليج العربي و العرب المعروفين و قد عزلته السلطات الإستعمارية البريطانية ، و هي ذات منطقتين ، الغربية و بها الشارقة و هي مدينة عامرة ، بدأت اليوم تتسع و تتجه إلى التخطيط الحديث و من قراها اللية و الحيرة و الفلج.

و كانت الشارقة ذات مركز تجاري هام و مركزا من المراكز الكبرى لتجارة اللؤلؤ في الخليج و لكن الكساد الذي طرأ على اللؤلؤ أثر على الشارقة كثيرا ، و زائرها اليوم يرى آثار غناها القديم ... من أدبائها الشيخ صقر بن سلطان القاسمي و سلطان بن علي بن عويس و سالم بن علي العويس و خلفان بن مصبح.

أما المنطقة الشرقية فأشهر مدنها خور فكان و يسلك إليها زائروها طريق السيارات بين سلسلة الجبال عن طريق وادي حام ، و على المرء أن يقطع أكثر من مائة و خمسـين كيلومترا ليصل إلى هذه المنطقة ، و مدينة خور فكان خصبة جميلة ، و تعتبر بمثابة ميناء ممتاز تنفذ به المنطقة إلى الخارج ، و من القرى التابعة لخورفكان الولية و زبارة و سكحة ، و المدينة الثانية في هذه المنطقة هي كلبا و تبعد إثنين و ثلاثين كيلومترا جنوبي خور فكان ، و بها كثير من المزارع و المياه العذبة فيها متوفرة ، و تكثر بخورفكان و كلبا اليوم زراعة البرتقال و الخضروات ، و يصدر برتقال الأولى الى البلدان المجاورة لها و إلى الشارقة و دبي.

6 ـ عجمان


تقع بالشمال الشرقي من الشارقة و يحكمها الشيخ راشد بن حميد النعيمي و هو من قبيلة النعيم الذين تم ذكرهم في أحداث سابقة و هو كذلك صادق الرغبة في تقدم بلاده ، كثير السعي لذلك و قد توسع التعليم فيها ، و يعتمد أهلها على صيد السمك و السفر و العمل ببلدان الخليج ، و تمتاز برمالها و من قراها المنامة و هي ذات نخل و مياه.

7- أم القيوين


موقعها بالشمال الشرقي من عجمان و تمتاز بمناظرها البحرية الرائعة ، يحكمها الشيخ أحمد بن راشد المعلا ، و يعيش أهلها على صيد الأسماك و الأسفار و تعسر فيها المياه و من توابعها فلج المعلا و هي قرية يكثر فيها النخيل و قد حظي التعليم فيها الإهتمام و تطور إسوة بالتطورات التي شملت النواحي الإجتماعية و التعليمية و الصحية في الإمارات الأخرى.


8 ـ رأس الخيمة

مدينة التاريخ البحري في الخليج جميعه ، فهي المعقل الذي تحدى قراصـنة البحار في كل أدوار التاريخ ، و هي المدينة التي أنجبت أحمد بن ماجد الملاح العربي الذي أرشد فاسكوداجاما إلى طريق الهند و الذي يعود إليه الفضل في كل الإكتشافات الجغرافية الأوروبية.

يحكم رأس الخيمة الشيخ صقر بن محمد القاسمي ، و كانت تعرف بجلفار و عرف مرفؤها بالصير ، إلا أن أحد أمراء القواسم نصب خيمة في موضع المدينة اليوم و وضع عليها مصباحا يستهدي به القادمون على السفن ، فكانوا يقولون إذا رأوه (ذلك رأس الخيمة) فجرى الإسم على الألسن حتى غلب من بعد على إسم جلفار ، و جلفار اليوم مدينة أثرية ما تزال تضم بعض الأكام ، و هناك حصن يسمى حصن الزباء ، و هو اسم إمرأة حكمت جلفار و يقال أنها حفرت قناة قرب قصرها لترسو السفن و تنزل شحناتها ، و أهم قرى جلفار (رأس الخيمة) اليوم المعيرض و الرمس و الفحلين و شعم ، و عند مدخلها من البر تقع جزيرة الزعاب أو الجزيرة الحمراء التابعة لها ، و على هذا المدخل تنتشر المناظر البحرية و البرية و الجبلية ، و تتكاتف أشجار الأثل العالية فتكاد أن تكون شبه غابة.

و تذكر مصادر التاريخ أن الشيخ إرحمة بن مطر القاسمي هو أول من إستقر بجلفار الذي إنضم إلى الشيخ محمد بن ناصر الغافري في حروبة في الفـترة المضـطربة و الأخيرة من فترة حكم دولة اليعاربة ، كما اعترف له بالسيادة الإمام أحمد بن سعيد بعد معارك عنيفة. و يذكر المؤرخ العماني الشيخ محمد الشيبة بن عبدالله السالمي في كتابه نهضة الأعيان بحرية عمان أن "القواسم قبيلة عربية أصيلة من سواد العراق من بلاد سر من رآى و ديار بني صالح و أن أول من هاجر منهم إلى عمان الشيخ كايد جد الحكومة القاسمية".

و يذكر الشيخ السالمي أيضا " أن الحكومة القاسمية بلغت ذروة قوتها في القـرن الثامن عشـر ميلادي ، و في القرن التاسع عشر تميزت بالسيطرة على القبائل الأخرى لا في البحر فقط بل في المدن الساحلية ، و امتد نفوذها على منطقة ساحلية طولها أكثر من نحو 150 ميلا" ، و ذكر أيضا " أن بعض المؤرخين الأوربيين ذكروا أن قبيلة بني ياس التابعة لحكومة مسقط خضعت للقواسم ذلك الوقت و كانت إمارتهم ، يعني القواسم ، من حدود قطر إلى ما وراء خورفكان حتى شناص و قد حمى حصنها من المدفعية البريطانية موقعه الطبيعي".

و رأس الخيمة منطقة زراعية يشجع حاكمها الشيخ صقر بن محمد القاسمي أهلها على الزراعة و يمنح الأراضي مقابل قيامهم بتنمية هذا الجانب الإقتصادي ، و بها عين معدنية تسمى الخت ، و يعيش أهلها على الأسفار و صيد الأسماك و التجارة و النهضة التعليمية فيها تسير بنجاح.


9 ـ الفجيرة


تقع بين كلبا و خور فكان التابعتين لحكومة الشارقة ، و يحكمها الشيخ محمد بن حمد الشرقي و تربط العائلة الحاكمة بأئمة اليعاربة رابطة النسب ، و يعيش أهلها على صيد السمك و الزراعة و تشتهر بسباقها السنوي بين الأبل الذي يحضره أهالي البلدان المجاورة ، و لأهلها ولع بالقنص و قد بدأت تتخذ طريقها من النهضة ففتحت بها المدارس و ما تزال حاكما و سكانا تطمح إلى أن تسير نحو التقدم.

******************



تم بحمد الله و توفيقه


مصادر الكتاب

1. تاريخ إبن الأثير (كتاب الكامل لإبن الأثير).
2. الفتح المبين في سيرة السادة الآبوسعيديين لإبن رزيق.
3. مقدمة باجر لترجمة كتاب الفتح المبين لإبن رزيق.
4. دليل الخليج ... (القسم التاريخي و الجغرافي) ج.ج. لوريمر.
5. تاريخ عمان المختصر ... مخطوط تأليف السيد هلال بن بدر بن سيف البوسعيدي (1370 هـ - 1951 م).
6. تاريخ عمان للصف السادس (المدرسة السعيدية بمسقط) مخطوط بقلم و تأليف عبدالله بن محمد الطائي (1361 هـ - 1942 م).
7. دراسات عن الخليج العربي ... عبدالله بن محمد الطائي.
8. رواية الشراع الكبير ... عبدالله بن محمد الطائي.
9. قصة ملائكة الجبل الأخضر ... عبدالله بن محمد الطائي.
10. مجموعة قصص المغلغل ... عبدالله بن محمد الطائي.
11. تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان ... نور الدين عبدالله بن حميد السالمي.
12. نهضة الأعيان بحرية عمان... أبو بشيرمحمد شيبة بن نور الدين عبدالله السالمي.
13. عمان تاريخ يتكلم ... محمد بن عبدالله السالمي و ناجي عساف.
14. دولة بوسعيد في عمان و شرق أفريقيا (1741-1861) – الدكتور جمال زكريا قاسم (1968 م).
15. السيد سعيد بن سلطان (1791-1856) سيرته و دوره في تاريخ عمان و زنجبار – تأليف رودولف سعيد روث ترجمة عبدالمجيد حسيب القيسي.
16. عمان منذ 1856 م مسيرا و مصيرا – تأليف روبرت جيران لاندن – ترجمة محمد أمين عبدالله (1970).
17. حياة الشرق ... محمد لطفي جمعة.
18. حديث السندباد ... الأستاذ حسين فوزي.
19. قبائل و تاريخ الخليج العربي ...مايلز.
20. سلطان في عمان لجان (جيمس) موريس - ترجمة و إدار و إصدار الكتاب العربي للتأليف و الترجمة.
21. الخليج العربي أو الحدود الشرقية للوطن العربي – الدكتور سيد نوفل دار الطليعة – بيروت 1969 م.
22. الخليج العربي _ السير أرنولد تي. ويلسون – نقله إلى العربية الدكتور عبدالقادر يوسف.


23. الخليج العربي – جان جاك بيربيز
24. أضواء على الخليج العربي و مسقط و عمان منذ ظهور الإسلام حتى إكتشاف الذهب الأسود – الدكتور إبراهيم الشريقي (1968 م).
25. إتحاد الإمارات العربية – جان نانو (1971 م) - مراجعة صديق بطرس.
26. أبوظبي و ساحل عمان في موكب التطور ترجمة محمد أمين عبدالله.
27. أبوظبي – ولادة مشيخة نفطية تأليف كلارنس سي. مان (1969 م).
28. إمارة الشارقة – محمود بهجت سنان – و زارة الثقافة و الإرشاد – بغداد 1967 م.
29. سلطان و إستعمار بقلم فيصل بن علي بن فيصل (من أحرار مسقط).
30. القضية العمانية ... فيصل علي فيصل.
31. عمان في المحافل الدولية و في مختلف مراحلها ... – دار اليقظة العربية للتأليف و الترجمة و النشر.
32. محاضرات عن التطور السياسي الحديث لقضية عمان – الدكتور محمود علي الداود – معهد الدراسات العربية العالية – جامعة الدول العربية.
33. عمان في الحافل الدولية – ترجم و نشر الكتاب بإشراف سليمان و إبراهيم أبناء الشيخ حمد الحارثي (1966 م).
34. قضية عمان في الأمم المتحدة (1964 م) – ترجمة محمد أمين عبدالله.
35. قضية عمان في الجمعية العامة للأمم المتحدة إصدار مكتب إمامة عمان بالقاهرة (1961 م).
36. خواطر من الخليج العربي ... عبدالرزاق الخالدي.
37. عمان في معركة الحرية ... عبدالله الشيتي.
38. المسألة العمانية ... بقلم إسماعيل البوهلال الملحق الصحفي في مكتب إمامة عمان ببغداد إصدار مكتب غمامة عمان ببغداد – 1962 م.
39. قضية عمان في المجال الدولي ... محمد علي الزرقا _ مكتب إمامة عمان – دمشق.
40. ملخص تقرير لجنة الأمم المتحدة و تقييمها للوضع في عمان إصدار مكتب دولة عمان بالقاهرة.
41. عمان أرض البطولات و مقبرة الغزاة ... زكي السمان و محمد خير حصرية _ مكتب سلسلة البحوث العربية للصحافة و النشر – دمشق.
42. مجلد مجلة المعارض.
43. مجموعة جرائد و نشرات: مجلة المصور –آخر ساعة – صوت البحرين – مجلة الكويت ...إلخ.
44. إتفاقية الصداقة و التجارة و الملاحة الموقعة بين ملك بريطانيا و السلطان سعيد بن تيمور سلطان مسقط و عمان (20/12/1951 م). – النسخة الإنجليزية.

45. كلمة السلطان سعيد بن تيمور سلطان مسقط و عمان عن تاريخ الوضع المالي في السلطنة في الماضي و ما يؤمل أن يكون عليه الحال في المستقبل بعد تصدير النفط – شوال 1387 هـ / يناير 1968 م)-النسخة العربية.
46. كلمة السلطان قابوس بن سعيد عبر الإذاعة العمانية (9 أغسطس 1970 م).
#^

* *******

الفهرست (المحتوى)

الفصل الأول - المهاد التاريخي و الجغرافي لعمان:

1. عمان
2. عمان قديما
3. عمان و الفرس
4. عمان و الحضارة
5. عمان و الإسلام
6. عمان في العهد الأموي

الفصل الثاني - الإمامة:

1. الإمامة الأولى في عمان
2. حملة عباسية على عمان
3. حملة عباسية ثالثة على عمان
4. إتصال الإمامة
5. الفترة ما بين الإمام الصلت و قيام دولة اليعاربة
6. الإمام عزان
7. ثورة مركزها البريمي
8. وفد إلى بغداد
9. عودة محمد بن نور
10. دخول القرامطة إلى عمان
11. الإمام الجديد
12. راشد بن النظر
13. يوسف بن وجيه
14. عودة إلى راشد
15. بعد عضد الدولة
16. الإمامة قائمة
17. الإمام راشد بن سعيد اليحمدي
18. النباهنه
19. عودة الإمامة
20. توزيع مناطق القبائل بعد وفاة عمير بن حمير النبهاني (جدول)
21. البرتغال في البحار العربية


الفصل الثالث - دولة اليعاربة:

1. مبايعة الشيخ ناصر بن مرشد بالإمامة
2. رأس الخيمة
3. إلى صحار
4. ثم إلى مسقط
5. ناصر المؤسس
6. الإنكليز الأوائل
7. الإمام سلطان بن سيف
8. الإمام بلعرب (أبا العرب) بن سلطان
9. الإمام سيف بن سلطان (قيد الأرض)
10. الإمام سلطان بن سيف بن سلطان
11. الإمام المهنا بن سلطان
12. و لنعد إلى الصفحة السوداء من تاريخ اليعاربة
13. شخصية جديدة
14. سيف بن سلطان كبيرا
#^
15. الإمام سلطان بن مرشد
16. أحمد بن سعيد
17. بركا تنتقم لعمان
18. بلعرب بن حمير يعود
19. من هو أحمد بن سعيد
20. دول الإستعمار في عهد اليعاربة



الفصل الرابع – دولة آلبوسعيد:

1. الإمام أحمد بن سعيد
2. القرصنة
3. الإمام أحمد و الأوروبيين
4. الإمام أحمد و رأس الخيمة
5. عودة القراصنة
6. سعيد بن أحمد
7. حمد بن سعيد
8. من الحاكم ؟
9. خارج عمان
10. حرب النعيم
11. الحرب السعودية السعيدية
12. سعيد بن سلطان
13. بدر يتحكم
14. إتفاقية مع فرنسا
15. الإشتباك مع القواسم
16. حروب فإستعمار
17. محاولات على البحرين
18. خطوات أخرى مع الإنكليز
19. حوادث أخرى
20. أفريقية الشرقية
21. زنجبار
22. أسرة عربية تحكم زنجبار
23. السيد ثويني بن سعيد بن سلطان
24. عودة للنجديين
25. السيد سالم بن ثويني بن سعيد
26. الدعوة للإمامة من جديد
27. الإمام عزان بن قيس
28. قبيلة النعيم
29. جعلان
30. نهاية دولة الإمام عزان بن قيس
31. السلطان تركي بن سعيد بن سلطان
32. السلطان فيصل بن تركي بن سعيد
33. الصراع الإنكليزي الفرنسي على مسقط
34. الإمامة من جديد (الإمام سالم بن راشد الخروصي)
35. السلطان تيمور بن فيصل بن تركي
36. الإمامة قائمة (الإمام محمد بن عبدالله الخليلي)
37. الصراع على النفط
38. السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل
39. الخلاف على البريمي
40. الإمام غالب بن علي الهنائي
41. حرب الجبل الأخضر
42. القضية العمانية في الأمم المتحدة
43. السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور

#^
الفصل الخامس – إمارات ساحل عمان و قيام دولة الإمارات العربية المتحدة:

1. ساحل عمان
2. دولة الإمارات العربية المتحدة
3. أبوظبي
4. دبي
5. الشارقة
6. عجمان
7. أم القيوين
8. رأس الخيمة
9. الفجيرة

الصور و الوثائق

مصادر الكتاب

#^
#^