كتاب نهضة الأعيان بحرية عُمان


بقلم


أبي بشير محمد شيبة بن نور الدين عبدالله بن حُميْد السالمي
عفى الله عنهما


هنيئا لأهل الحق صدق انتصارهم***ويقظتهم في الله والدهر نائم

وفُّوا بوصايا الله في السخط والرضا***كراماً وأفعال الكرام كرائم

لقد وثبوا حياهم الله وثبة***رمى الكفر منها المخزيات القواصـم

وشدُّوا بعزم الرسل لله غيرة***على قدر أهل العزم تأتي العزائم


طبع على نفقة إبني المؤرخ :

سليمان وأحمد ابني محمد السالمي




سيرة المؤلف :
هو الشيخ العالم الأديب المؤرخ محمد بن عبدالله نور الدين بن حميد السالمي ويكنى أبو بشير واشتهر بلقبه "الشيبة" .
ولد في ولاية القابل (المنطقة الشرقية - سلطنة عمان)، عاش وترعرع في كنف والده العلامة الشيخ نور الدين السالمي .
عاش في سلطنة عمان و بالمنفى في كل من الكويت والسعودية بعد سقوط دولة الإمامة.
تلقى تعليمه في المدارس التقليدية، وخاصة مدارس تعليم القرآن الكريم والمساجد، متتلمذًا على والده. وقد تقلد منصب الوالي في عهد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله، وترك مكتبة ضخمة هامة في بدية ، ورثها عن والده ، يقصدها طلاب العلم والبحث والدراسة، وكان له خط جميل.
عرف باجتهاده ،وتعدد مواهبه ، فهو مؤرخ، وفقيه، وشاعر، ومصلح اجتماعي، وسياسي وطني .
وهو شاعر تقليدي الطابع، غلب على أغراض شعره الإخوانيات والغزل والوصف والرثاء، والهجاء، والحكمة، وله قصائد ساخرة، وله بعض الأراجيز، اتبع العروض الخليلي وتأثر بعدد من شعراء العربية السابقين، وله أرجوزة في رحلته إلى الهند.
تراوحت قصائده بين المقطوعات، والقصائد متوسطة الطول، واستمد كثيرًا من معجمه من العربية القديمة واللغة المعجمية. وله قصائد رائعه في مختلف الفنون الشعرية.
الإنتاج العلمي :
- من مؤلفاته " نهضة الأعيان بحرية عُمان" وهو كتاب يؤرخ لفترة هامه من تاريخ عمان ، ويعد تكملة لكتاب تحفة الأعيان الذي ألفه والده وله أيضا " عمان تاريخ يتكلم" .


- له قصائد نشرت في كتابه «الروض النضير»، جمع وترتيب محمد بن راشد الخصيبي - مطابع النهضة - مسقط 1993، وله مجموع شعري مخطوط في مكتبة السالمي بوادي بدية - سلطنة عمان..
- صدر له عدد من المؤلفات التاريخية والأدبية، منها: «الروض النضير» - مطابع النهضة - سلطنة عمان 1993- «نهضة الأعيان بحرية عمان» - دار الكتاب - القاهرة (د.ت) - «عمان تاريخ يتكلم» - المطبعة العمومية - دمشق 1963.
توفي سنة 1406هـ /1985م عن عمر 92 عاما في ولاية بدية (المنطقة الشرقية). عليه رحمة الله ونفع الله المسلمين بعلومه .


شكر مبرور :


سيدي الملك المعظم : سعود


حيَّاك بتحية الملك من أحيا بك دعوة الحق ، ورداك رداء الإعظام من أعلا بك لواء الإسلام ، تحية من أحد المهاجرين الذين تقطعت بهم الأسباب ، وسدت دونهم الأبواب ، فكانوا أنقاض الجلا لولا عطفك ، وأغراض الفناء لولا لطفك ،فالألسنة تعرب بالشكر لما أوليت ، والقلوب مطمئنة بالتقلب فيما أعطيت ، فلئن لفظتنا أرض ألفناها ، فقد آوانا مهدك ، ولئن هجرتنا بلاد فارقناها فقد أظلنا مجدك ،فنحمد حالاً آوتنا إليك ، وأياماً دفعتنا بين يديك ، فدينك جبر الكسير ، وفك الأسير ، وإغاثة المستجير .

فأنت الندى وابن الندى وأبو الندى:::حليف الندى ما للندى عنك مهربُ

فاكرم بأعراق سرت إليك ، وأعلام خفقت عليك ، وخلافة زفت إليك .


بنــــــوا فيصَل سهل لقاهـــم وإنما***لقاءهم يــــــوم الكريهة معضل

همُ منعوا الجار الدَّمار ولم يكن***لجــــــارهمُ إلا المجرة منــــــــزل

هم القوم إن كروا أبادوا وإن عطوا***أفادوا وإن قالوا أجادوا وأجملوا

توارث هذا المجد منهم عياَهل***سعود وتركي محمد فيصــــــــل

ملوك وأقيال تسَامى وسادة***نماها أسود من نزاروأشبــل

تَنقّل من شهم لأروع ماجد***وألقى عصاه حيث طــــــاب التنقــــــل

هم العين في آل السعود وإنماَ***"سعود" شعـــاع العين بل هو أكمل



محمد السالمي،،،،،،

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
سبحان الملك المتعال ، الذي لا يغيره تقلب الأحوال ، ولا يتطرق على ملكه الدائم الزوال ، ولا يتصف سلطانه القديم بالإدبار والإقبال ، فله الحمد تعالى شأنه على كل حال ، وصلى الله وسلم على سيد الخلق المبعوث بالحق لتمهيد قوانين العدل ، ووضع موازين القسط والفصل ، محمد النبيّ الهادي إلى سبيل الرشاد ، الداعي إلى حسم مادة الفساد ، واستئصال دائرة الشرك والإلحاد ، وقطع شأفة الشقـــاق والعناد ، وعلى آله وصحبه الأمجاد .
أما بعد : فقد عزب عن كثير حال العمانيين وأثرهم العظيم وحجب عنهم ما لهم من مقام كريم ، وخطر جسيم ، فحاولت أن أكتب ما استطعت عليهم مما وقع لهم في زماننا من المفاخر الحميدة والمآثر المجيدة التي استنار بها القطر العماني من سيرة الإمامين المرشدين ، سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبدالله الخليلي ، وما حظيت به عمان في أيامهم من الخيرات وما كان بزمانهم من النوازل والحوادث والفتوحات ، وإن كانت يدي قصيرة عن تناول الكل وهمتي ضئيلة عن نشر الجل ، ولكن يدعوني لحسر الباع خدمة الوطن العزيز الواجب على ابناءه الأحرار أن يتنافسوا في تشريفه أكثر من تنافسهم على الدرهم والدينار فكل ما كتبته مما شاهدته بعيني واطلعت عليه وما فاتني إلا نزر أخذته من الثقة فضمانه عليه ، اذ كنت العصا التي يتوكأ عليها سيادة والدي الكريم في جميع أسفاره ، وغيبة سره في ليله ونهاره وهو زعيم الثورة بلا جدال وبعده لزمت الإمام الخروصي في سراياه وفتوحاته وما تخلفت عن الخليلي إلا في بعض أوقاته ، ومنه تعالى استمد القبول والهداية والعون في البداية والنهاية ، وسميت هذا المجموع (نهضة الأعيان بحرية عُمان ) .



تعريف بعمان
عمان اقليم سلطاني على خليج فارس وهي كمفتاح للخليج العربي بالإضافة إلى الموانئ التي تقع على شواطئها وإلى ثروتها الزراعية وكنوزها الطبيعية وجنوبيها البحر الهندي والبحر العربي وشماليها الخليج الفارسي وهي جزء من جزيرة العرب تمتد من حدود قطر إلى حدود حضرموت وغير مضبوط عدد سكانها ولا يوجد بهاء إحصاء رسمي ولا اهتمام لأهلها بذلك وما يذكره المؤرخون إنما هو على التخمين أو النقل غير المعتبر . ولا يعرف أول من سكنها على الصحيح ، ذكر بعض المؤرخين أن قبائل العرب البائدة طسم وجديس كانوا بها والأخص العمالقة ولا يفهم أنهم انقرضوا أو أخرجهم الفرس منها وكتب أهل التاريخ القديم والحديث كثيراً عن أوصاف عمان وسكانها ولابن خلدون وابن الأثير قدم السبق وذكرها غيرهم كالطبري واليعقوبي والمسالك والممالك .
(( قال فلبي إن الأقسام الجنوبيَّة من شبه جزيرة العرب هي الوطن الأصليَّ للسَّاميين )) .
ذكر العوتبي المؤرخ العماني أنَّ حدود جزيرة العرب في الطول ما بين العذيب إلى عدن وسُئل الشعبي عن جزيرة العرب فقال ما بين العذيب إلى حضرموت قال أبو حاتم حدَّثنا أبو عبيدة معمر بن المثَّنى قال جزيرة العرب خمسة أقسَام : تَهامة . الحجاز . نجد . العروض . اليمن . وذلك أن جبل السَّراة هو أعظم جبال العرب يمتد من ثغرة اليمن حتى أطراف بوادي الشام فسمَّته العرب حجازاً لأنه حجز بين الغور وهو منخفض وبين نجد وهو مرتفع ثم صار ما خلف هذا الجبل من غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وفرسان كنانه وما حولها إلى ذات عرق والجحفة وما صاقبَها وما غار من أهلها غور تهامة . وتَهامة تجمع ذلك كلَّه وما صار شرقي هذا الجبل من الصَّحاري والنخل إلى أطراف العراق والسَّماوة وما يليها نجد . ونجد تجمع ذلك كلُّه وصار الجبل نفسه سراة وسمي جبل السراة لارتفاعه وهو الحجاز . والحرار وما احتجز به من الجبال مرد .




والحوراء إلى ناحية قبل وجَبل طي إلى المدينة من بلاد مذحج وهي متاخمة اليمن وما يليها وما دونَها إلى قيد حجاز والعرب تسمَّيه نجداً وجلساً وحجازاً والحجاز يجمع ذلك كله وصارت اليمامة وما والاها عروضاً وفيها تهائم ونجود لقربها من البحار وانخفاض مسائل الأودية وصار ما خلف التثليث إلى صنعاء إلى حضرموت والشحر وعمان يمناً وفيها التهائم والنجد ، واليمن يجمع ذلك كله فإذا وصلت ذلك فقد انتهيت إلى البحر وإذا عرضا لك الجزار وأنت بنجد فتلك الحجاز وإذا تصوبت فالحجاز مكة والمدينة .
قال أبو منذر هشام بن محمد إنما سميت بلاد العرب الجزيرة لإحاطة البحور والأنهار بها من أقطارها وأطرافها وصار الأمر منها في مثل جزيرة من جزائر البحور وذلك أنّ الفران أقبل من بلاد الرُّوم فظهر بناحية قنسرين ، ثم انحدر إلى أطراف الجزيرة وسواد العراق حتى دفع البحر من ناحية البصرة والأبُلَّه واتجه إلى عبَّادان وأخذ من ذلك الموضع مطيفاً ببلاد العرب منعطفاً عليها ، فأتى منها إلى صفوان وكاظمه ونفد إلى القطيف والهجر وأسياف وقطر وعمان والشحر ومال منه عنق إلى حضرموت وأبيل وعدن ودهلك واستطال ذلك العنق فطعن في تهائم اليمن بلاد فرسان وحكم والأشعريين وعك ومضى إلى جدة ساحل مكة المكرمة وجاز ساحل المدينة وساحل الطور وخليج أيله وساحل راية حتى بلغ قُلزم مصر وخالط بلادها وأقبل النيل من غربي هذا العنق من أعلا بلاد السودان مستطيلا معارضاً للبحر حتى دفع مصر والشام ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها حتى أتى صور ساحل الأردن وعلى بيروت وسواحل دمشق ثم نفد إلى سواحل حمص وسواحل قنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحدرا على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق .
وذكرت العرب هذه الأقسام الخمسة في أشعارها فصارت بلادهم هذه الجزيرة التي نزلوا بها على خمسة أقسام : تهامة ، والحجاز ، ونجد ، والعروض ، واليمن . انتهى كلامه



قال الكلبي لما تفرقوا من بابل أخذ قوم يميناً فسميت اليمن ، وأخذ قوم شمالا فسميت الشام فجعل الله تعالى لبني سام النبوة والكتاب والملك والجهاد والأدمة والبياض . فللعرب من المجدل ما دون هذه الخمسة ، تهامة ونجد والحجاز والعروض واليمن ، والعرب تسمَّي اليمامة والبحر العروض لأنّها كانت ناحية العرب معترضة . وأما السُّودان فسواد البُصرة وسواد الكوفة . فأمّا سَواد البُصرة .فالأهواز ودست ميسان وَفارس . وأمَّا سواد الكوفة فكسكر إلى الدَّاب وحلوان والكوفة والجزيرة هي ما بين دَجلة والفرات والموصل من الجزيرة إلى الجُودى . ا هـ .
وقد ساهمت عمان في الجهاد مع الخليفة الثاني ، كما ذكره العوتبي العماني في الأنساب أنَّ عمر بن الخطاب استعمل على عمان عثمان بن أبي العاص الثقفي سنة خمس عشرة فكتب إليه عمر أن يقطع البحر إلى ابن كسرى بفارس ، فندب عثمان العمانيين ، وانتدب إليه ثلاثة آلاف من بني راسب وناجية وعبدالقيس وأكثرهم من أزد (شنوءة) فعبر بهم عثمان من جلفار (راس الخيمة) إلى جزيرة كلوان ، وهي (القسم) ، وكان فيها قائد الفرس فسالم عثمان ، وكتب (يزدجرد) إلى أمير كرمان أن اقطع البحر إلى جزيرة كلوان فحُلْ بين العرب الذين بها وبين إخوانهم ففعَل وسار من هرمز إلى القَسِمْ فلقيه عثمان فقاتله ، فانتصر العمانيون عليه وهزم الفرس وقتل قائدهم ، وكان يدعى (شهرك) وفي ذلك يقول شاعرهم:
باب ابن ذي الحرة أردى شهركا والخيل تجتاب العجاج الأرمكا
ثم ساروا بعد الظفر بشهرك حتى قدمُوا العراق فنزلوا (توج) فشاركوا في تمصير مدينة البصرة ، وأمرهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يبنوا بها منازلهم كما أمر غيرهم من العرب ، ووفد إليه من الغزاة كعب بن سور فاستقضاه عمر على البصرة .
لم يحكم عمان أجنبي غير أهلها ، وقد صارعتْ في القديم دولاً عظاماً وكابدت أخطاراً جساماً ، وشوقت غصة بالمستعمرين ، وما كان ذلك عليها إلا من الخونة الذين همَّ بعضهم الاستبداد والرئاسة ، وبعضهم المنافسة والحقد على السَّاسة فلا تثبت قدم العدو الأجنبي عليها إلا بقدر ما يكون تاريخاً للمُسيطر وتأديباً للخائن فتشتد أعصابُ الوطنيين وينتشر فيهم دم الحرية فيهزم الغاصب ، ولم تلق عمان

من البطش والاضطهاد مثلما لقيت من العجم فقد نهبُوا ذخائرها وأحرقوا ما كان فيها من كتب شرعية وأدبية وفنية وتاريخية ، ومع هذا فهم لم يخضعوا لسيطرة البطش ولم يجزعوا لضغطة الإرهاب فبقيت نار الحقد تتأجج في صدور أبناء الشعب وتنفث بشررها حتى قضى الله لها بالنجاح .
غزى العجم عمان عام 1257 قبل الهجرة أي سنة 635 قبل الميلاد .
ثم غزوها مرة أخرى عام 663 هــ الموافق (1265 م ) .
ثم غزوها عام 1149 هــ .
ثم غزاها الخليفة العباسي عام 185 هـــ .
وغزاها محمد نور عامل المعتضد 284 هــ .
وغزاها القرامطة عام 318 هــ ، وبقوا حتى سنة 375 هـــ .
وغزاها البرتغال عام 913 هــ ، وبقوا على بعض ساحلها حتى عام 1062 هــ ، الموافق سنة 1650 ميلادي .



الغزو البرتغالي لعمان
البرتغال دولة أوروبية نظرت إلى الشرق بعين الطمع اتخذوا عاصمتهم في الخليج هرموز التي كانت في ذلك الوقت من أغنى مدن العالم ، واستولوا على بعض مداخل عمان عام 913 هـ (1507 م ) ، وبقوا إلى أن قام عليهم الإمام ناصر بن مرشد ، وسلطان بن سيف اليعربي بن اليعربي عام 1062 هــ (1650 م ) فأجلوهم من عمان .
كانت التجارة بين الشرق والغرب يسيطر عليها العرب ، ويسيطر العمانيون على بحر العرب أيضا ينقلون خيرات الشرق الأقصى إلى مصر ، ومن هنالك ينقلها الملاحون من العرب إلى تجار ( البندقية وجنوا ) وهاتان المدينتان أكثر الممالك الأوربية علاقة مع الشرق ، فرأى التجار الأوروبيين اتخاذ طريق آخر للهند على رأس الرجاء الصالح فرارا من الأتراك والمماليك بمصر ، وكان دليل سفن البرتغال على رأس الرجاء الصالح أحمد بن ماجد (مؤلف كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد ) الذي ظل يدرس في المدارس الأوروبية إلى أواخر القرن التاسع عشر ، فاعتمد فاسكودي غاما على الخرائط البحرية العربية التي تدرس في المدارس البحرية التي أنشأها هنري الملاح ، فقام فاسكودي غاما إلى الهند عام 1498 م عن طريق رأس الرجاء الصالح ، فكان لقيامه هذا تأثير كبير في القضاء على تجار البندقية الذين كانوا يحتكرون تجارة الشرق ويتمركزون في مصر ، وانحطت ثروة مصر لتحول الطريق عنها فسهل على العثمانيين غزوها ، فصارت هذه الخطوة الأولى لإنشاء الامبراطورية البرتغالية البحرية في الشرق ، وفي عام 1487 أرسل ملوك البرتغال بعثة إلى القاهرة وعدن وهرمز والعند ، فرفع قائد البعثة تفصيلا إلى مليكه عن رحلته ، وعاد إلى عدن ، فصمم البرتغاليون على القضاء على عرب اليمن وعمان الذين كانوا يديرون التجارة الشرقية التي تدر لهم أرباحاً جزيلة ، وكان ( فرسيسكودوا الميدا ) أول حاكم للممتلكات الهندية البرتغالية عام 1505 م في عهد الملك ( عمانويل الأول ) ، وفي عام 1506 م أبحر الأسطول البرتغالي إلى الشرق بقيادة ( كونها ) مع (البوقيرق ) ، وكان الأول يحمل أوامر بإنشاء قلعة في ( سومطرا ) لتكون مقرا للأسطول الذي سيحاصر البحرية المغربية والمصرية التابعة لحكومة البندقية في البحر الأحمر .


وقد نشب خلاف بين (كونها ) و (البوقيرق ) حول اتجاه الحملة فوضع الأول القسم الأعظم من الأسطول تحت قيادة الثاني فتابع البوقيرق سيره إلى الهند ، وأنه أضعف من أن يهاجم عدن وترك أحد قواده ( في سومطرا ) واتجه نحو هرمز ، وفي طريقه حرق حوالي (40) سفينة في (راس الحد ) ثم ألقى مراسيه في (قلهات) ثم إلى قريات ، فكانت بها بينه وبين العمانيين مجزرة رهيبة فدخلها عنوة ثم أبحر إلى مسقط ، فطلب من حاكمها مالا مقداره (625 ) جنيها استرلينيا يؤدى إلأيه قبل ظهر اليوم الثاني من وصوله ، وإلا أحرق المدينة ولم ينتظر انتهاء الموعد بل أحرق البلاد والمساجد والسفن الراسية في الميناء وأسر كثيرا من الرجال والنساء وبعد التمثيل بهم أطلق سراحهم .
ثم أبحر إلى صحار ثم إلى (خورفكان) فلقى مقاومة عنيفة فدمر البلد وأحرقها ومثل بأهلها ثم اتجه إلى هرمز مجتازا رأس أمسندم ، وعلم ملك هرمز فاستعد لملاقاة الغزاة ، وهيأ اسطوله للاصطدام ، وقد تريث القائد البرتغالي امام هرمز وبدأ يراوغ لأخذ سيف الدين ملك هرمز بالحيلة ، فلما فشل خداعه أنشب قتالا عنيفاً انتصرت فيه المعدات الحربية البرتغالية ، فكان من نتائجه أن أصبح ملك هرمز تابعا للبلاط البرتغالي على أن يدفع جزية سنوية حوالي (300 ) جنيه وغرامة حربية مقدارها ما قيمته ألف جنيه ، كما أرغم أن يوقع معاهدة تجارية تعهد فيها بتسهيل معاملة التجار البرتغاليين ، وأن لا يسمح لأي مركب بالملاحة في الخليج دون أن يحمل تصريحا من البرتغاليين ، وباستيلاءه على هرمز الواقعة على فم الخليج ضمن السيطرة على الملاحة فيه واضعا بذلك الأساس للاستعمار البرتغالي والسيطرة على شواطئ الخليج .
وقد بنى البرتغاليون في هرمز قلعة ضخمة عام 1507 م ، ليحتموا فيها أثناء غياب الأسطول في البحر الأحمر ، كما افتتح البوقيرق هناك وكالة تجارية فيها مختلف البضائع وأوعز إلى وكلائه بطرح البضائع في الأسواق وبيعها بأسعار رخيصة ليكسب ود الأهالي ، وكان ملك هرمز يدفع للشاة جزية سنوية ، فأشار إليه القائد البرتغالي بالامتناع عن أدائها .



ثم زار قلهات ، ولكنه استقبل بغير ما استقبل به من الترحيب أولا ، فأحرق المدينة ونهبها ، وظل البوقيرق يواصل مساعيه لدى الملك حتى عين عام 1509 م حاكما للهند وقائدا عاما فجعل (جو) مركزا للبرتغاليين فحصّنها ، ولكنه رأى أن مركزه سيظل حرجا ما لم يؤمن طرق المواصلات ، فخرج في عام 1513م ، وهاجم عدن ففشل في تلك المهاجمة .
وفي نهاية القرن السادس عشر ظهرت على مياه الشرق سفن أوروبية تقاسمهم الأرباح ، فقد وجه الهولنديون أنظاهرم إلى الشرق في عام 1592 م – 97 ، كما ظهر في الميدان في نفس الوقت تجار انكليز .
وكان العمانيون ينظرون إليهم نظرة غيظ لما عززوا قواتهم بمسقط وأقاموا بها الحصون المنيعة ، وأقاموا برأس الخيمة قلعة ضخمة فوجه اليعاربة عليهم الضربة القاضية وحصروهم بمسقط وفك الحصار عنهم بشرط منها ضمان حرية الملاحة للعرب ، وتعهد البرتغاليون بتدمير حصونهم .
وفي عام 1649 م أعاد العرب محاصرتهم ، وفي 23 كانون الثاني سنة 1650 م استسلمت مسقط لأهلها ، ولم يكتف اليعربي بإجلاءهم عن شواطئ عمان بل طاردهم حتى تعقبهم إلى سواحل الهند وأفريقيا الشرقية .



تسلل الإنكليز إلى الشرق
كان لاحتكار التجارة التي اتبعها البرتغاليون وتحكمهم في أسعار البضائع أثر سيء اكسبهم عداءً في البلاد . وكان الشاه عباس الأول ملك إيران ينظر إليهم بعين النقمة والحسد ، فجدد مطالبته لهرمز بالجزية التي انقطعت عنه ، وعندما رفض حاكم هرمز الدفع أصدر الشاه صداقة للتجار المسيحيين وتأمينهم ، وإعطائهم الحرية الدينية وحرية التنقل ، فكانت رسائل المبشرين الإنكليز إلى ذويهم تثير حماسة شديدة بين الناس وتسيل لعاب التجار .
وفي سنة 1587 وجدت أوراق مهمة في مركب برتغالي أسره (دريك) تبين منها مقدار الأرباح الطائلة التي كان يجنيها البرتغاليون من تجارة الشرق ، وفي سنة 1588 صمم الإنكليز على التوجه إلى الشرق بعد أن وثقوا بأنفسهم كسادة للبحر وبمقدرتهم على منافسة الأسبان والبرتغاليين ، بدأ الرواد الإنكليز يجولون في الشرق حاملين بضائعهم ورسائل الود والصداقة من ملكتهم إلى ملوك وحكام البلاد التي يحلون فيها وباشروا بإنشاء مراكز تجارية لهم في معارضة شديدة من البرتغاليين . أوجس البرتغاليون توسع الإنكليز ، فأصدروا منعا في الملاحة في الخليج لأي سفينة إلا بتصريح منهم ، وكانت المناوشات مستمرة بين البرتغال واليعاربة من جهة ، والفرس من جهة أخرى ، ففي سنة 1612 م احتلوا بندر عباس ، لكن طردوا منها سنة 1615 . وفي سنة 1616 قام العرب العمانيون بالقضاء عليهم في صحار بينما كانت شركة الهند الشرقية البريطانية تزيد قوتها ونفوذها وفي سنة 1620 م ، تمكن العمانيون من طردهم من رأس الخيمة .
وفي مطلع سنة 1622 م بدأ العجم بمحاصرة هرمز . فأصبحت هذه الجزيرة التي كانت تفوق لندن وامستردام معاً قفرا يبابا ، وعلى أثر ذلك تضعضع مركز البرتغاليين ، وبعد أن خسروا هرمزا أرادوا أن يعوضوا خسارتهم بتعزيز قواتهم في مسقط وأقاموا فيها الحصون المنيعة ، ولكنهم كانوا مهددين باستمرار الطعن من العرب العمانيين الذين كانوا ينظرون إلى المغتصبين نظرة غيظ واشمئزاز.
وقد حاول البرتغاليون استعادة هرمز مرتين ففشلوا .


وفي سنة 1625 قضى أسطول إنكليزي – هولندي على أسطولهم ، وبعد أن تخلص الإنكليز من البرتغاليين نافسهم الهولنديون فحاولوا الاتصال مباشرة بمنبع الثورة بالشرق وبدأوا يرودون المشرق راسمين الخرائط والمصورات والموانئ والممرات وسيروا عدة بعثات تجارية بحرية بين سنة 1598 – 1601 ، ولم تأت سنة 1620 حتى أصبحوا أخطر منافس للانكليز ، وفي سنة 1639 – 40 كانت تجارة الخليج كلها طوع أناملهم فاضطر الإنكليز إلى البحث عن مكان آخر لهم فاتجهوا نحو البصرة حيث سمح الباشا التركي بإنزال بضائعهم هناك وتريثوا متحينين الفرص على الهولنديين ، ثم سير الهولنديون سفنهم إلى البصرة حيث دمروا مركز الإنكليز التجاري ، وفي سنة 1649 وصل نفوذهم القمة وأخذوا يتقدمون بمطالب جديدة ، وقي سنة 1652 اشتعلت الحرب بين الإنكليز وهولندا لشدة تضارب المصالح بين الدولتين في الشرق ، وفي سنة 1664 ظهر في الأفق نجم منافس جديد وهو فرنسا متمثلة في شركة تجارة الهند الفرنسية ، وفي سنة 1688 اتحد الانكليز والهولنديون لمواجهة الخطر الفرنسي المتفاقم وأصبحت المصالح الهولندية تابعة للمصالح الانكليزية حتى أواخر القرن السابع عشر بدأت الأمور تسير في مصالح الانكليز ، فكانت شركة الهند الشرقية الانكليزية تجارية بحتة في بادئ الأمر إلا أنها في النصف الثاني من القرن السابع عشر رأت ضرورة التدخل السياسي لصيانة مصالحها فغيرت أساليبها . انتهى نقلا من الأمارات السبع لأحمد الوريني بتصرف في بعضه .

أول عُمان
من جهة المطلع رأس الحد بطرف البحر الهندي وهو رأي رمل له ذيل طويل في البحر منعطف قليلا إلى القطب تغوص به كثير من السفن الشراعية على الذين يجهلونه .
الحد : موضع على ساحل البحر الهندي به قلعة تحتها بيوت الأهالي يقال لهم أولاد حِمْدْ وبنو عامر وهم ثلاثة فخوذ أولاد الحربي وبنو عامر وبنو غزال كان رئيسهم في القديم سعيد بن حمد وكان عاقلا مدبراً كريماً توفى ولم ينجب فتفرق أمرهم ولم يجتمعوا على غيره بعده .
أحدثت الإنجليز بالحد محطة للطائرات عام 1951م ووضعت بها ما تحتاجه من اللوازم الحربية
خور جرامه :هو خور جميل جليل غزير العمق على فمه ثغرة ضيق المدخل تكتنفه من أوله إلى آخره جبال شاهقة تدخله البوارج الكبار والبواخر العظام وترسو به سفن أهالي صور وقت حاجتها لتحميل الأموال لأنه بمعزل عن الرياح فيساق منها وإلها الأموال والأمتعة على السفن الصغيرة وكثير منها تبقى في مكانها لتأمن العواصف واضطراب البحر ولا يكاد يوجد ميناء مثله فيما بلغنا ينتهي إلى فضاء صحصح من جهة الجنوب تسكنه بادية أولاد حمد شتاء وصيفاً وبالجملة فهذا الخور معتمد كبير عند أرباب السفن التجارية والشراعية .
ساحل صور : من أفخم المدن العمانية عريق في القدم فيعتبر تاريخها تاريخ أمة كاملة بل هو مبدأ لدراسة قطر أو أمة وعلى هذا الساحل تعيش مدينة صور فهي من أقدم المدن العمانية وأهمها وليست أهميتها التاريخية بأقل من أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية فهي تاريخياً إحدى المدن التي استوطنها الفينيقيون بالخليج العربي كما تدل التسمية فما أن انتقل الفينيقيون من الخليج وهاجروا إلى لبنان حتى أسسوا هناك مدينة سموها بإسم صور موطنهم في عمان كما سموا بعض المدن بأسماء مدنهم التي أقاموها في بلدان الخليج وهناك بعض الآثار التي


يعثر عليها الأهالي مصادفة تدل على شيه بين حياة الفينقيين وحياة أهالي صور القدماء وما يزال عمل الأهالي الوحيد هو التجارة في البحر والجزر والموانئ فهم يجوبون بسفنهم البحار في مواسم خاصة إلى المناطق التي يذهبون إليها وتجارتهم الآن محصورة بين سواحل الخليج العربي إلى البصرة والهند وسواحل أفريقيا الشرقية .
فمدينة صور ثانية مدينة بحرية بعمان وهي المدن التاريخية المهمة بل هي من المدن العالية القديمة بالنسبة للتاريخ العربي ذاته فقد كانت إحدى المدن التي مرت بها الهجرات العربية بعد هدم سد مأرب وقد شهدت إحدى المدن القريبة منها وهي مدينة قلهات معركة حاسمة بين امبراطور فارس وبين مالك بن فهم الأزدي عند هجرته إلى عمان فاستأصل نفوذهم الذي بسطوه عليها .
وأهميتها الاستراتيجية هي أنها طريق المواصلات إلى المنطقة الشرقية من عمان الداخلية واما أهميتها التجارية فيمكن أن يدركها القارئ مما تقدم إذا تصور مدينة تشرف على البحر ويتاجر اهلها بسفنهم فيه وتقود إلى قلب عمان هذه صور المدينة التاريخية العريقة اللامعة بين المدن العمانية المشهورة في سواحل الخليج جميعه وذات علاقات تجارية مع البصرة وشاطئ فارس وظفار وحضرموت وزنجبار ودار السلام وكينيا ومدغشقر وعدن والصومال وكانت تملك من السفن في عصر السيد سلطان بن أحمد بما يقدر أنه لا يقل عن مائة سفينة ومن الأسف أن البواخر لا ترسو على هذه العاصمة بل أكثر الوارد إليها من السفن الشراعية والمواتر البحرية ولذلك يكون دخل جمرك صور ضئيل مع كثرة الداخل إلى البلد فقد بلغ سنة 1373 هــ سبعة وعشرين ألف وثمانمائة وتسعون روبية هندية وأهالي صور من الركب الواعي وأنهم طليعة في العمانيين من قبيلة الجنبة من صميم العرب فهم بطن من مَذحج وهم أربعة فخوذ : العراما . الفوارس . المخانة . الغياليون ولهذه الأربعة فخوذ رشداء وعلى الرشداء رؤساء وهم المجاعلة وبهذا الساحل قبائل من العرب والبلوش تابعة لهم وهم أهل عدة وعدد وأهم مشكلة تواجه هذا الساحل مشكلة الماء فالمياه به قليلة ويعاني أهله من المشاق بسبب ذلك ولكن على مسافة غير بعيدة توجد منابع للماء لا يستفاد منها بشيء فيجلب اليها من السكيكرة وشامة ، وأعذب من هذا الماء المجلوب من آبار البلاد

المنسوب إليها هذا الساحل وهي بلدة صور التي تبعد ميلين من الساحل المذكور ويوجد بهذه البلاد النخيل والأشجار القليلة وفي هذا الوقت زادت عمارتها .
يتفرع من هذا الساحل الصوري طريقان أحدهما يخرج إلى الجبال والأودية التي تليها والبلدان التابعة لها وطريق آخر على ساحل البحر ينفذ إلى قريات ومسقط . أما الطريق الخارج إلى الجبال فيتفرع منه طريق إلى داخلية عمان مار بمرتفع يقال له "الرفصة" وهي درجة بين جبال مترادفة وهو أشبه بباب قد نقب جداره من الجهتين وجعل فيه سلسلة غليظة على هذا الباب عسكر لا يمر فيه إلا لمن أذن له يأخذون من القوافل رسماً ويقسمونه بعد جمعه .
وعلى هذا الباب من الجانب السهيلي قلعة مستديرة بها يقيم العسكر . من تحت هذه الدرجة واد كبير ينحدر من الجبال والهضاب من الجنوب جتى يفيض إلى بلدة صور ثم يصب في بحر الخليج ، وأهل الرفصة بادية من قبيلة المشارفة ولهم بلدان قريبة منها وأودية فيها مساكنهم وبها ماشيتهم والذي يأخذه أهل الرفصه رفضه الإمام محمد الخليلي سنة 1363 وأزال هذا المنكر بعد قهره لجعلان .
يتفرع من هذا الطريق إلى داخلية عمان طريق إلى الشرقية وأولها جعلان من الجهة الجنوبية وطريق آخر إلى بدية من جهة القبلة فأول ما يصادفك من الجهات الجنوبية من بلدان جعلان البويرد ثم الكامل وهما لقبيلة الهشم ثم الوافي وهي لبني راسب وبعدها بلاد بني بو حسن وهي أكبر بلاد في جعلان وأطيبها وبها الأنهار والمنازف قريبة الماء طيبة الهواء بها النخيل والأشجار وبها مركز للإمام .
يليها من الجهة الجنوبية بلاد بني بوعلي وهي بلدة كبيرة واسعه بها المياه القريبة التناول والغيول وبها النخيل الكثيرة ورياستها لأمرائها آل حموده ابن سلطان وهم مرجع لجماعتهم ويقرُّ لهم بالرئاسة في الشرقية على الغافرية بالتحزب بالباطل ولهم في الساحل والبادية جماعة كبيرة وأمراؤهم الآن خالد بن علي بن عبدالله وابن عمه ناصر بن محمد بن ناصر بن عبدالله آل حموده .


وبين الموضع المسمى الرفصة إلى الشرقية من الجهة الشمالية أودية وجبال في داخلها بلدان متفرقة منها وادي منقال لأولاد عبدالله بن محمد . ووادي حلم للصُّلوت . ووادي بني خالد . وبهذه البلدان النخيل والأشجار .

رأس الخيمة عاصمة القواسم
(رأس الخيمة) تقع غربي المدينة المعروفة في القديم (جلفار) التي اندثرت وبقي أطلالها وقامت رأس الخيمة بالقرب منها وهي ملجأ الأسطول القاسمي الكبير قبل التدمير هدمها الغزاة البرتغاليون عدة مرات في القرن السادس عشر ثم أعاد تهديمها المستعمرون الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر .
اتخذها القواسم مركزا لإمارتهم وحصناً لمغارتهم .
وأول من استقر بها على ما يذكره المؤرخون الشيخ رحمة بن مطر القاسمي الذي انضم إلى الإمام محمد بن ناصر الغافري في حروبه بعد تقلص دولة اليعاربة واعترف له الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي بالسيادة بعد معارك عنيفة دارت بينهم (والقواسم) قبيلة عربية عريقة نزحت من سواد العراق من بلاد سُرَّ من رأى وديار بني صالح .
وأول من هاجر منهم إلى عمان الشيخ كايد جد الحكومة القاسمية .
امتاز القواسم في الخليج الفارسي بالصلابة والشجاعة وحب المغامرة فأقلقوا بريطانيا في ذلك الوقت أكثر مما أقلقتها أي منطقة أخرى في الخليج العربي فكانوا يهاجمون كل سفينة تحمل العلم البريطاني سواء كانت للهنود أم للأنجليز فهم القوم تجل مناقبهم عن العد والإحصاء ولا يتعرض لهم بالاستيفاء والاستقصاء جمعوا ما بين البأس والندى وقمعوا من اعتدى العدا (زاحمت) أسطول شركة الهند البحرية وجيوش الانكليز البرية ولم تكن أعمال قرصنة كما حسدهم الخصم فوصفهم بذلك وإنما كانت حربا دفاعية لإجلاء الإنجليز من السواحل العربية لرفضهم دفع الضرائب والرسوم المتفق عليها من الشركة حين دخولهم الموانئ العربية.


(خاض) القواسم معارك عنيفة أسروا فيها السفن الإنكليزية وصادروها علانية ودمروا كثيرا منها ولم يكتفوا بطردهم من شواطئهم العربية بل طاردوهم في البحر الأحمر وسواحل الهند وأفريقيا حتى أن حاكم بومباي الإنجليزي استجار بحكومته لما هاجمت قوات القواسم لإحدى السفن الانجليزية على بعد ستين ميلا من بلاد مومباي نفسها في أوائل سنة (1805) فشكا إلى دولته قائلا (( إن سفن القواسم تلحق أحيانا السفن الانكليزية حتى شواطئ الهند ذاتها فتغلب عليها )) .
كان أول تفوق شمس الحكومة القاسمية في أواسط القرن الثامن عشر مسيحي وفي مستهل القرن التاسع عشر تميزت بالسيطرة على القبائل الأخرى لا في البحر فقط بل في المدن الساحلية وامتد نفوذها على منطقة ساحلية طولها أكثر من نحو 150 ميلا ((وذكر بعض المؤرخين الأوربيين أن قبيلة ياس التابعة لسلطان مسقط خضعت للقواسم ذلك الوقت قال وكانت إمارتهم ، يعني القواسم ، من حدود قطر إلى ما وراء خورفكان حتى أن شناص كانت تابعة لهم وقد حمى حصنها من المدفعية البريطانية موقعه الطبيعي )) ، قال : وفي ذلك بلغت قوتها البحرية الذروة حيث قدر أحد ضباط الأسطول الهندي المراكب التي يستخدمها القواسم بثلاث وستين من الحجم الكبير وثمانمائة من الحجم الصغير وكانت الأضرار التي حاقت بسلطنة مسقط من جراء القواسم أشد من الاضرار التي نزلت بأية دولة أخرى فهي لم تصب من سفنها التجارية فقط بل فقدت جزءاً كبيراً من أراضيها كما رأينا . وقد راح سلطان بن أحمد ضحية معاداته للقواسم إذ قتله هؤلاء أثناء مروره بسواحلهم في طريق عودته من البصرة سنة 1319 هـ - 1804 م انتهى كلامه . وقد كان قتل سلطان بت أحمد ( ب لنجه ) من أعمال فارس لما رجع من البصرة فأرسى مراكبه بها هجم القواسم عليه ليلا في مركبه ليلة 12 شعبان سنة 1219 هـ فقتلوه وبعد قتله قام عليهم السيد سعيد بن سلطان وعمه قيس بن أحمد حاكم صحار وقرروا الزحف عليهم (بخورفكان) عام 1222هـ فكانت الحملة التي فيها قيس من جهة البر وحملة سعيد من البحر فقابلهم القواسم حتى أصبح خورفكان بحيرة من الدم وقتل في هذه المعركة السيد قيس بن أحمد وكثير من جنودهم لا يقدر عددهم وأكثرهم مات بالغرق ، وبعد ذلك قرر السلطان الانتقام من القواسم بمساعدة الإنجليز كما ستقرأه على أثر هذا .


الحملة الأولى :
وقد هاجمت القواسم البحرين وطردوا جنود حاكم مسقط منها وبهذا أرجفت الإنكليز بالقواسم إنهم بدأوا يهاجمون إخوانهم العرب وأنهم آلة في يد الوهابيين وإن هذه أعمال مدفوعة من الحكام الذين بالرياض تعاونت مع سلطان مسقط وأنزلت بهم الخسائر الفادحة في سنة 1805م ولكنها لم تقض عليهم . بقيت المعارك مستمرة بينهم ثم وقَّع (سيتون) هدنة مع القواسم في فبراير عام 1806م فكان أول شرط فيها احترام راية الشركة وعدم التعرض لها ولكن احترام القواسم للهدنة لم يطل أكثر من سنة ففي سنة 1808م سجلت عدة اعتداءات على سفن بريطانية وللمرة الأولى استطاعت الاستيلاء على أحد الطرادين اللذين كانا يحرسان بعثة ملكولم إلى فارس .
الحملة الثانية :
وفي أواخر أكتوبر سنة 1809 خرجت (الحملة الثانية) من بومباي وكانت تتألف من ثلاث سفن حربية وثلاث أخرى لحمل المعدات وبعد توقف قصير بمسقط بدأت تهاجم مراكز القواسم ومن بينها رأس الخيمة وبقيت هذه الحملة تتردد في الخليج إلى أول يناير سنة 1810 فشدت رحالها عائدة إلى بومباي وفي سنة 1813م عادت القواسم إلى الجهاد فتجرأت على السفن جميعا إنجليزية كانت أو محلية ، وفي سنة 1814م (امتد نشاطها إلى ساحل كونش والسند) وردا على أعمال القواسم حاولت السلطات البريطانية انتهاج السياسة بالتفاهم عندهم أولا فقام (بروس) ممثل الشركة في أبو شهر بمفاوضات طوال سنتي 1815/1816م على أساس رد المسلوبات أو إعطاء تعهد باحترام السفن البريطانية ورغم إرسال مندوب عنها للمفاوضة فإن القواسم لم تظهر استعدادا لقبول الطلب الأول وعبر (وليم هنيد) أحد ضباط البحرية الذن زاروا الخليج في تلك الحقبة عن هذا الرأي بقوله : (( إن المفاوضات مع أمثال تلك العصابات خدش للكرامة البريطانية وتنازل عن السيادة المعترف بها على البحار )) وفي سبتمبرمن سنة 1818م قامت بريطانيا تضع الخطة في تدمير القواسم فقدمت عدة مشاريع أمام حاكم الولاية (إيفان نيبيان) لاختيار واحد من بينها وكانت هذه المشاريع تختلف أساسا


على مدى التدخل البريطاني في شئون الخليج فمن قائل بالاكتفاء بتدمير القرصنة وعدم التدخل في الشؤون السياسية إلى قائل بضرورة رسم خريطة الخليج السياسية على الوجه الذي يروق بريطانيا وكان ( نيبيان) أميل إلى الرأي الثاني فاختار مشروعا يؤيد مساعدة الدول المسالمة في منطقة الخليج للحلول محل القبيلة الماوئة وهكذا يوطد سلطان فارس على سواحل الخليج ويمد نفوذ السيد سعيد على رأس الخيمة ويشجع الأتراك على الاحتفاظ بالساحل الممتد من رأس الخيمة إلى ولاية بغداد ويوصي المشروع بإقامة قاعدة بريطانية ثابتة في رأس الخيمة على أن يتولى سلطان مسقط نفقات إقامة الحامية .
وعندما أرسل هذا المشروع للحكومة العامة في كلكتا للموافقه عليه رأت أنه أوسع مدى مما يجب ولكنها وافقت على مبدأ التدخل الحربي والسياسي وفي إبريل سنة 1819 استقر الرأي على المبادئ الآتية :
أولا : احترام الأوضاع السياسية الداخلية في الخليج فلا تتدخل بريطانيا
لصالح أحد الرؤساء إلا إذا طلب إليها ذلك وحينئذ تؤيد صاحب الحق المشروع وعلى هذا استبعد الرأي بتسليم جزر البحرين لحاكم مسقط .
ثانيا : لا يجب على الهند تشجيع الأتراك على بسط نفوذهم في منطقة الخليج بعد أن استولى ابراهيم باشا على نجد وجميع بلدان التابعة لها .
ثالثا : وضع أسس لحرية الملاحة في الخليج وحق تفتيش السفن بالاتفاق مع القبائل العربية وأخيراً أفضلية جزيرة القسم على رأس الخيمة لإقامة قاعدة بريطانية ثابتة وسنرى أن هذه المبادئ قد وجهت السياسة البريطانية في الخليج فترة طويلة .
الحملة الثالثة :
وعلى أساس هذه القرارات خرجت حملة بحرية كبرى من بومباي في 3 نوفمبر سنة 1819م تتألف من ست سفن حربية كبرى علاوة على السفن الصغيرة التابعة لها وعلى ظهرها ثلاثة آلاف بحار أكثرهم من الأوروبيين وقد عين


الجنرال ( وليام جرانت كير ) قائداً لها ووصلت الحملة إلى هدفها الأول في رأس الخيمة في أوائل ديسمبر سنة 1819 ، ورغم عدم تعادل القوات والتفاوت الكثير في الأسلحة التي يستخدمها كل من الخصمين فقد أظهرت القواسم بسالة فائقة في الدفاع عن رأس الخيمة فظل الأنجليز يضربونها سنة أيام من 3 إلى 9 ديسمبر قبل أن يستطيعوا النزول بها ، كما أقامت عدة حاميات كان أهمها يعسكر في رأس الخيمة وبعد إرهاقهم بالمحرقات وعجزهم نزلت جنود بريطانيا فنهبت البلاد وسلبت في يوم واحد كلما وصلت إليه أيديهم قال (ديمر) : إن كل واحد من الإنجليز زادت ثروته ذلك اليوم ما لا يقل (307) جنيها كما دمرت مائة سفينة حربية في الميناء فليأخذ العرب درساً من الاستعمار وأعماله الوحشية بعد انتصاراته وليعلم العمانيون ماذا وقع على آباءهم وفي بلادهم لما دخل الاستعمار وما وقع بعد هذا على بني بو علي وما وقع بعده على الجبل الأخضر في سنة 1376هــ . كل هذه بوساطة آل بوسعيد سلاطين مسقط هذا ليأخذوا درساً لهم إن كانوا يفقهون .
لم تنسحب القوات البريطانية بعد تدمير الموانئ العربية كما فعلت سنة 1809م . بل أنزلت الجنود على الشاطئ وأقامت عدة حاميات كان أهمها يعسكر في رأس الخيمة .
وفي نفس الوقت أخذ أسطول حكومة ممباي يمسح الجزء الجنوبي لشاطئ الخليج وقد عمد ( جرانت كير ) أولا إلى توقيع معاهدات منفردة مع معظم رؤساء القبائل الذين لهم سلطة مستقرة في المنطقة الواقعة ما بين قطر وحدود سلطنة عمان وتتناول هذه المعاهدة الإجراءات العملية المناسبة لكل مشيخة من هذه المشيخات ففي المعاهدة المعقودة مع صالح بن صقر شيخ القواسم وضع القائد البريطاني الشروط الآتية :
(أ) يتعهد شيخ القواسم بتسليم السفن الحربية الموجودة في رأس الخيمة أو في الشارقة أو في أبو ظبي ويحتفظ فقط بمراكب الصيد .



(ب) يتعهد الإنجليز بألا يدخلوا أحياء القبائل بغية تخريبها .
(ج) يرد العرب ما لديهم من أسرى الرعايا البريطانيين .
(د) بعد تنفيذ هذه الشروط تقبل القواسم في معاهدة الصلح عامة كبقية القبائل العربية المسالمة .
وهذان الشرطان الأخيران تجدهما في جميع المعاهدات الفردية مع رؤساء القبائل الآخرين ولكن بينما يتعهد الإنجليز للقواسم بعد احتلال أحيائهم يشترطون في المعاهدة الثانية المعقودة مع حسن بن رحمة احتلال موانئ رأس الحنين ومسهرة وجميع القلاع المشيدة في البلدان المجاورة لها ، ولما لم يكن لهذا الشيخ منطقة نفوذ محدودة فقد نصت المادة الثانية على الاستيلاء على جميع سفنه الموجودة في موانئ المشيخات الأخرى ولا تختلف المعاهدات الأخرى التي وقعت مع الثلاثة الآخرين من مشايخ المنطقة وهم مشايخ أبو ظبي وبني ياس ودبي عن المعاهدة الأولى الخاصة بالقواسم ،اللهم إلا في المعاهدة الموقعة مع شيخ دبي حيث وردت مادة تسترعي الانتباه وهي تقول "يمتنع الإنجليز عن الدخول لساحل المشيخة أو عن تحطيم أي حصن أو برج بها " . وذلك إحتراماً للسيد سعيد ويستنتج من هذا أن شيخ دبي كان يعترف بسيادة عمان على منطقته أو صداقة ودية ، وقعت هذه المعاهدات فيما بين السادس والحادي عشر من يناير سنة 1820م ) وفي الحادي والعشرين من الشهر نفسه عرض (كير) نص المعاهدة على المشايخ الخمس تاركا الباب مفتوحاً لغيرهم .
ونظراً لأهمية تلك المعاهدة في تاريخ الأمارات العربية بالخليج ندرج فيما يلي موادها مرتبة مع حذف قليل من التفصيل .
المادة رقم 1 : يمتنع الأطراف المتعاقدة عن جميع أعمال السلب والقرصنة في البر والبحر بصفة دائمة .
المادة رقم 2 : كل عمل من أعمال السلب أو القرصنة الذي يرتكب بصفة فردية يعتبر ضاراً بالإنسانية ما دامت لا توجد أي حرب رسمية بين الحكومات .



المادة رقم 3 : تلتزم السفن التابعة للعرب الأصدقاء (بحكم هذا النص) برفع علم أحمر يكون رمزاً عن جنسيتها ولا يجوز لها استعمال شعار آخر.
المادة رقم 4 : تسوي القبائل المسالمة علاقاتها الداخلية فيما بينها .
المادة رقم 5 : يجب على السفن العربية من الآن فصاعداً أن تكون مزودة بورقة موقعة من رئيس المنطقة التابعة لها ويسجل فيها اسم المالك وحجم السفينة وأسماء البحارة ويعين فيها ميناء الخروج وميناء الوصول وإذا قابلت إحدى هذه السفن سفينة بريطانية وطلبت إليها إظهار سجلاتها وجب عليها تنفيذ هذا الطلب .
المادة رقم 6 : إذا رغب رؤساء العرب في إرسال ممثل عنهم بهذه السجلات إلى المقيم العام البريطاني في الخليج لتوقيعها جاز لهم ذلك تسهيلا لدخولهم الموانئ البريطانية ولعمليات التفتيش ويشترط عرض السجلات على المقيم سنوياً .
المادة رقم 7 : إذا لم تكف قبيلة من القبائل عن القرصنة وجب على القبائل الأخرى أن تجتمع للتفاوض في عمل مشترك ضدها ويمكن اشتراك الحكومة البريطانية في التسوية النهائية بعد توقيع العقوبة على القبيلة المذنبة .
المادة رقم 8 : أن قتل الأسرى بعد تسليم أسلحتهم يعتبر عملا من أعمال القرصنة ولا يمكن اعتباره عملا من اعمال الحرب المشروعة فإذا ارتكبت إحدى القبائل هذه الجريمة اعتبر ذلك خرقاً لمعاهدة الصلح ويجب على القبائل الأخرى محاربتها بالاشتراك مع بريطانيا ولا يكف القتال إلا بعد تسليم المذنبين
المادة رقم 9 : أن خطف الرقيق من الساحل الشرقي لأفريقيا ونقلهم بعد ذلك فوق المراكب التجارية يعتبر عملا من أعمال القرصنة ويجب على العرب الكف عن ذلك .
المادة رقم 10 : تستطيع السفن العربية التي تحمل العلم الخاص بها الدخول إلى الموانئ البريطانية وكذلك موانئ حلفاء بريطانيا والتجارة فيها بكل حرية وإذا هوجمت إحدى هذه السفن فإن الحكومة البريطانية تأخذ ذلك بعين الاعتبار .
المادة رقم 11 : تعتبر جميع الشروط المذكورة عامة فيجوز لمن شاء من الرؤساء الآخرين دخولها بنفس الطريقة التي انضم بها الموقعون .


لم تتقبل حكومة ممباي إجراءات (كير) الدبلوماسية بعين الرضا لأنها كانت ترغب انتهاج وسيلة أعنف مع المنهزمين ، ومن أهم الاعتراضات التي وجهت إلى تصرفات القائد ( جرانت كير ) هو أنه أفرج عن المرضى من الذين وقعوا في الأسر وأبقى بعضهم في رئاسة قبيلته كما أنها انتقدت نصوص المعاهدة ووصفتها بالنقص لأنها لم تحتوي على تحديد العقوبات التي يجب فرضها على المخالفين لمبادئ الملاحة الجديدة كحمل الوثائق أو غيرها ، وكذلك لم تحدد عدد السفن التي يجوز لكل قبيلة امتلاكها والحجم الذي لا يجوز أن تزيد عليه هذه السفن وانتقدت تساهل " كير " في عدم تهديم القلاع وإدخال مادة تحرم بناء الجديد منها كما أبدت مومباي رغبتها في إضافة مواد أخرى تحرم استيراد أخشاب السفن من الهند . وأخيراً اعتبرت الشروط الإنسانية المتعلقة بتجارة الرقيق ، وعدم قتل الأسرى غير كافية ، ولا تتضمن رسائل عملية لتنفيذها ، وقد دافع (( كير )) عن معاهداته ببراعة فائقة واستطاع بعد وصوله إلى مومباي في مارس إقناع الحكومة بتوقيعها حتى لا تظهره في الأقل بمظهر غير الموثوق به في كلمته أمام العرب، ومما استخدمه من حجج لتنفيذ اعتراضات بومباي نستطيع اختيار النقط الآتية على سبيل التمثيل فقد ذكر كير :
أولا : إن القبض على جميع الرؤساء المسئولين كان بتطلب تتبعهم في داخل بلاد العرب حيث فرّ بعضهم ، وقد نصت العمليات الخاصة بالحملة على تجنب الابتعاد عن المنطقة الساحلية ، بينما كان العفو حافزا لهم على العودة إلى بلادهم وعلى خلق جو جديد من الثقة .
ثانيا : إن بقاء وحدات بحرية بريطانية بصفة دائمة في الخليج خير ضمان لتنفيذ الشروط وأشد أثرا من النصوص التي تكتب على ورق لتحديد العقوبات القانونية فضلا عن أن المقصود بالشروط الإنسانية في المعاهدة هو مساعدة سكان هذه المنطقة على فهم المبادئ العامة للعلاقات الدولية ، ولا ينتظر منهم تغيير عاداتهم دفعة واحدة بل يكون التحسن تدريجيا .



ثالثا : إن تحديد عدد السفن التي يجوز امتلاكها وكذلك أحجامها لا يفيد بشيء لأنه من الأفضل ترك المقدار اللازم من السفن التي تحمي به كل قبيلة نفسها، وليس أكبر السفن هو أصلح للقرصنة .
رابعا : من الأقرب إلى المنطق أن تقوم الهند بمنع تصدير الأخشاب للعرب لا أن تنص المعاهدة على أن يلتزم العرب أنفسهم بالامتناع عن استيرادها .
وقد ثبت فيما بعد أن آراء كير كانت أدعى لنجاح السياسة البريطانية وأصبحت هذه المعاهدة أصلا لمنع القرصنة ، ودعامة للنفوذ البريطاني في منطقة جنوب الخليج الفارسي وجعلت من أعداء بريطانيا السابقين أطوع حلفاءها انتهى نقلا من الاستعمار بالخليج الفارسي للدكتور صلاح عقاد .
وهذا نص الوثائق بعد مفاوضات الصلح بينهم والسيد سعيد بن سلطان بعد تلك الحوادث :
بسم الله الرحمن الرحيم
ليعلم من يقف على كتابي هذا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بأني قد أعطيت الشيخ سلطان بن صقر عهد الله وأمانه ، على يد أخيه صالح بن صقر ، بأن لا أتعرض لجماعته ولا أمد يدي على بلدانه وطوارفه من الخطم ومغرب مشمل إلى أطراف الظاهرة ولا أعين عليه خصم يخاصمه والحال بيننا واحد باتصال حبل الصداقة ما دام هو ثابت يمنع يده عن طوارفي ومن تعلق بي حتى لا يخفى والله شاهد ورقيب .
حرر في 27 من شهر رجب المرجب 1268 ، 17 مايو 1852 م .
صحيح سعيد
بن سلطان بيده
(الختم)



وبعد مضي عشرين سنة ولى أمر كلبا (وخورفكان) الشيخ حمد بن ماجد ابن سلطان القاسمي ، وكان الحاكم على مسقط السيد تركي بن سعيد سلطان فجدد اتفاقية عنها .
بسم الله الرحمن الرحيم
من الواثق بالله المنان تركي بن سعيد بن سلطان إلى كافة من يراه ، أما بعد فقد صار القرار بيننا والشيخ الأخ حمد بن ماجد بن سلطان بن صقر على ما جرى بين سيدنا الوالد سعيد بن سلطان والوالد الشيخ سلطان بن صقر بثبات الصحبة والصداقة كذا الحوز والإحرام من خطمة ملاحة مشمل هو للقواسم ما عدا بلد خصب بما حوته من الأطراف ، وإن لهم منا الحشمة التامة والكرامة العامة والنفع لا ينقطع كما حرى في زمن سيدنا الوالد سعيد وزيادة ، وعلى هذا عهد الله وأمانه ، لا حيلة ولا دغيلة اليوم ودوم كيلا يخفى على القاصي والداني والسلام )) ، كتبه مملوكه بأمره سليمان بن سالم في 15 صفر المظفر سنة 1288 ، 6 مايو سنة 1287 .
صحيح تركي بن
سعيد بيده
(الختم)
كان هم القواسم إبعاد الإنكليزي عن المناطق المهمة ، بل لم يكونوا أعداء لهذا النفوذ بالذات إنما حاربوا كل تدخل أجنبي آخر ، والدليل على ذلك أن فارس طلبت من الشيخ سلطان بن صقر في عام (1823م) المفاوضة معها في بندر عباس والاستعانة بأسطولهم فرفض ذلك .
وفي عام 1233هــ ، (1818م) بعث القواسم سبعة عشر مركبا بحريا فيها عدد كبير من رجالهم المقاتلة إلى القطيف مساعدة للدولة السعودية لما هاجم إبراهيم باشا الدرعية إلا أنها وصلت بعد الأوان .



والحقيقة أنهم لعبوا دورا مشرفاً في الوقوف أمام الغزاة والتاريخ أصدق شاهد .
أول حاكم من القواسم الشيخ رحمة بن مطر بن كايد .
ثم ابنه راشد بن رحمة .
ثم تولى الحكم بعده ابنه صقر بن راشد وهو أول من استجاب للدعوة السلفية وأصبح من جملة حلفائها على أمل أن يتقى بها غارات الانكليز من جهة وأن يعزز انفصاله عن سلطنة مسقط واستثنائه بالحكم من جهة أخرى فعقد عام 1214هــ معاهدة بينه والأمير إبراهيم بن سليمان بن عفيصان وهو أول أمير على البريمي من الحكومة السعودية واشتدت لهذه المعاهدة الحركة عليهم من الجهتين .
ثم حكم بعده ابنه سلطان بن صقر الأول وهو أشهر أمراء القواسم وكان أوحد عصره شهامة وصرامة وشجاعة قلب وحدّة نفس ، وكان أهم أعماله الانتقام من آل بوسعيد وقد انتصر عليهم في خورفكان كما قدمنا ذكره . وقد فصل ابنه ماجد وجعله أميراً على كلبا وخورفكان كما فصل ابنه أحمد على ساحل دبا وهو أول من اتخذ الشارقة عاصمة له وأقر عمه حسن بن رحمة في رأس الخيمة وحسن هذا هو الذي أسرته الحملة البريطانية على رأس الخيمة .
وفي أيامه خططت الحدود بينه وسلطان مسقط . وساعد مكتوم بن بطي على تثبيته بدبي ضد حكام أبو ظبي . وقد قام باحتلال جزيرة القسم ولنجه وبقى في الحكم إلى حد الشيخوخة .
ثم حكم بعده ابنه صقر بن سلطان بن صقر وصادف حكمه اليد الانكليزية اللاعبة بمملكة العرب وخمود كثير من قوة القواسم وتحطيم أسطولهم فاستقلت ولاتهم على أم القيوين وعجمان والفجيرة ، كل تفرد بما تحت يده وقتل هذا الشيخ في أثناء محاصرته أم القيوين . ثم تولى الحكم أخوه خالد بن سلطان . ثم سالم ابن سلطان ثم صقر بن خالد وهذا الشيخ جعل على رأس الخيمة واليا ، حميد بن عبدالله وبعد وفاته ولى عليها خالد بن صقر وبقى بها حتى توفي وتعاقب الولاة على رأس الخيمة في عهد صقر فوليها محمد بن سالم بن سلطان ثم سلطان بن سالم الذي اغتال أمير الجزيرة الحمراء وكانت هنالك مناوشات واختلاف كان الصلح على أن تكون رأس الخيمة لسالم وأن تكون الجزيرة الحمراء والجزر

البحرية تابعة للشارقة إلى أن توفي صقر بن خالد .ثم تولى الحكم من بعده خالد بن أحمد فطرد معظم أقاربه وصادر أموالهم فالتجأ كثير منهم إلى " دبي " واعترف باستقلال رأس الخيمة وأعاد إليها الجزيرة الحمراء وبقي في الحكم حتى كبر أولاد الشيخ صقر وكانوا ( بدبي ) من جملة المطرودين فهاجموا الشارقة ليلا وحصروه إثني عشر يوما وأرغموه على التسليم وطردوا كل من تعاون عنده وقهر الشيخ سلطان بن صقر البلاد وساعده إخوته على ذلك .
كان هذا الشيخ عاقلا أديبا يقول الشعر ويجيب عليه ، جوادا كريما ، سهلا في اللقاء لين العريكة .
وقد وقع اتفاقية بإستئجار مطار مدني بالشارقة بعد الحرب العالمية عام 1951م ثم اعتمدها الإنكليز على أنها قوة للساحل للقضاء على اللصوص الذين يعيثون في الأرض فسادا وما هو إلا التثبت التام لنفوذهم والتغلغل في البلاد .
توفي هذا الشيخ عام 1370 في لندن أثناء معالجته بعد أن أجريت له (18) عملية .
وتولى الحكم مؤقتا أخوه الشيخ محمد بن صقر الذي تنازل لابن أخيه الشيخ صقر بن سلطان الحالي .
تولى الحكم الشيخ صقر بن سلطان فأصبح يؤسس ملكا يقارعه عليه العدو وكان من أحسن الناس خلقا ارتقت فيه الحضارة الأدبية والعلمية فهو سهل الجانب كبير النفس محباً لأهل الفضل مكرما لهم جيد الشعر ينظمه بدون تكلف لذكاءه النادر ، جلب المدرسين إلى بلاده ونفخ روح التعليم في اتلامذة وحبب لهم الحركة وجرى في عروقهم ما فقدوه من روح الحياة ، وكان محبا للسياحة إلى الخارج ليتلقى السياسة الحاضرة وقد اجتمع له الحكم على كلبا وخورفكان وما تبعها من القرى بعدما كانت قد انفصلت عن الشارقة ويحاول إحياء بلاده بالعمارة والتجارة والزراعة والصناعة .
وطالما طالبت هذا الشيخ أن يتحفني بما أشرف به تاريخي هذا من مآثر آباءه الكرام لما أعلمه من جلالتهم ولماله عليّ من فضل ومنة وإخلاص مودة فلم يجبني وفهمت منه أن أحد علماء بلاده يحاول أن يكتب عنهم تاريخا مستقلا.


ما كان برأس الخيمة : حوالي عام 1330هـ في عهد سالم بن سلطان تولى الأمر أخوه محمد بن سالم الذي تنازل لأخيه سلطان ثم قام عليه بنو أخيه واستولوا على الأمر وعينوا أحدهم وهو الشيخ صقر بن محمد بن سالم حاكما وكان أمير الجزيرة الحمراء تمنع على القواسم فهاجم الشيخ صقر بن محمد برجا من أبراج الحراسة فصادف فيه ابن أمير الجزيرة الحمراء فقبضه رهنا لتسليم الحصن فاضطر إلى التسليم والتجأ إلى الشارقة .
دبي
هي جبهة عمان وباصرتها ووجهها وغرتها ، مرتع النواظر ومتنفس الخواطر ، طيبة البقعة ، واسعة الرقعة ، تقع على ساحل الخليج الفارسي قد مد البحر بها لسانه الطويل فهي أشبه شيء بمصر يتخللها النيل تفوق على كل بلاد عمان في التجارة والثروة والعمران ، تبوأها آل بو فلاسا القوية النفوذ وطنا بعدما تركت موطنها القديم ، فهاجرت إليها من أبو ظبي ، وتحملت إليها برمتها ، فجعلوا من أنفسهم زعماء مستقلين في ذلك الأوان ، وبقوا عليها حكاما إلى الآن .
وأول من فتحها من هذه العائلة مكتوم بن بطي بن سهيل في عام 1249هــ (1833م ) ، وذلك حينما دَبَّ الخلاف بين مشايخ آل بوظبي فقتل طحنون بن شخبوط ، واختلف من بعده إخوته خليفة وسلطان .
تمكن مكتوم بوحي البديهة لا بوحي التفكير وأح أن يكون له ولقومه ملجأ يأوون إليه ويمتنعون بحرية كاملة فيه ، فاستل الخاتم من يد سلطان بن شخبوط لما أردي قتيلا ، وختم باسمه كتابا إلى ( ابن زعل ) عامل سلطان على (دبي) ضمنه بأن يعجل المبادرة إلى حاكمه فما تلكأ العامل من إجابة سيده ، وما درى أنها المكيدة المدبرة .
فابتز مكتوم البلاد من يد الأسد ، وقهرها بكف من حديد وبمكره الأسدّ وحصنها بصقور لا بحبل من مسد ، وأحاطها بعزم وببأس وجلد ، فكر خليفة عليها بعد أن استوى على العرش وهاجمها مرارا ليردها تحت لوائه حسبما كانت فما نجحت عمليته بعد أن دامت الحرب بينهم سبع سنين حتى خارت عزيمته .


ولما تولى بطل الشمال زايد بن خليفة إمرة آل بو فلاح عاود الكرة إليها ، فشمر عن ساق الجد لإعادتها تحت قهره لكونها كانت من توابع مملكة آباءه فما قعد آل بو فلاسا مكتوفي الأيدي ولا نكصوا وجلين حتى بقى كل على ما تحت يده .
عمر الشيخ مكتوم طويلا وبقى في رياسته على دبي وتوابعها دهرا .
ثم ولى الأمر من بعده راشد بن مكتوم ، فبقي حاكما على دبي وتوابعها سبع سنين .
ثم ولى الأمر من بعده ابن أخيه مكتوم بن حشر بن مكتوم ، ولبث في الإمارة اثنتي عشرة سنة حتى توفي في شهر ذي الحجة سنة 1324هـــ .
ثم ولى من بعده ابن عمه بطي بن سهيل ، وكان رجلا سياسيا وقعت بينه والإنكليز فتنة عام 1328هــ بسبب أسلحة هربها ( سيف بن حمد المعولي راعي النجم ) فأخفاها في بيت من بيوت أحد الشيوخ بدبي ، وكان الإنكليز حريصين على منع الأسلحة ودخولها أرض العرب فأصبحت بمناوراتها على دبي وطلبت من الشيخ بطي السلاح فأنكر علمه بذلك فشددت الانكليز الطلب وأنزلت عساكرها في بيت الشيخ محمد بن أحمد بن دلموك وبعضهم بقي بالسفن البحرية فرمت بمدافعها بيت سالم بن العبد في ( ديره ) ورد عليها الوطنيون بمثل ذلك فأسفرت المناوشات عن قتل ضابط انجليزي وثمانية وعشرين من عساكرهم ومن أهل دبي على الصحيح أربعة أشخاص كما قيل أنهم سبعون شخصاً وتخلص الشيخ بطي من هذه الفتنة بأن دفع للانجليز على يد وكيلهم في الشارقة المسمى عبداللطيف خمسين ألف روبية هندية وأربعمائة بندقية وكثرت الأناشيد في هذه المعركة ووفد الشعراء يهنون بطيا بالظفر ، وكان تاريخاً جميلا وليت الخلف يفعل ما فعله السلف ، وبقى الشيخ بطيا حاكما ست سنين على دبي وتوابعها حتى توفي في عام 1330هــ .

ثم ولى الأمر من بعده ابن عمه سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم عام 1330هــ وهو حاكمها الحالي وقد فوض الأمر آخر عمره إلى ابنه راشد بن سعيد فهو المدير شئونها المدبر لها وقد هاجر إلى هذه العاصمة كثير من رجال

داخلية عمان ومسقط ومن الخارج لما لقوه من تخفيف الوطأة عليهم وعلى رعايا البلاد فحصلوا على ربح واسع من هجرتهم وشاطر هذا الشيخ العمانيين قسطا وافراً من التموين الموزع لبلاده أوان الحرب العالمية الثانية توطن كثير من الناس بهذه البلاد لعد المضايقة وقلة الفحص بها والتفتيش في الجمارك والأمور المنفرة للعالم فتوسعت البلاد وكثر العمران ونشطت التجارة.
وفي عام 1357هــ نسجت الإنكليز فتنة بين سعيد بن مكتوم حاكم دبي ، وابن عمه مانع بن راشد لإنفاذ سهمها من الأمير سعيد حيث لم يوافق على إتمام مصالحها ، خسر بنو إياس في هذه الفتنة عشرة أبطال من أعيان رجالهم منهم الشيخ حشر بن راشد وابنه بطي بن حشر ، وحصر الشيخ مانع في بيته فلبث يدافعهم ثلاثة أيام وأبدى شهامة أقر لها أقرانه وتحصنت كريمتاه عنده فدافعن بين يديه دفاعا تتكعكع عنه الأبطال حتى أفرجن لأبيهن ، فاستطاع أبوهن بمساعدتهن التحيز إلى الشارقة بعد أن أحرقت منازله بالنار ، ونهبت أمواله وذخائره ، ولم يجد مساعداً من قومه ، وكانت الواقعة في يوم الأربعاء سابع صفر سنة 1357هــ ، وكان خروج مانع في تاسع صفر من العام نفسه ، وبسبب خروجه إلى الشارقة تأججت الفتنة بين أهلها وأهل دبي وبقيت اثني عشر يوما قتل فيها اثنان من أهل الشارقة ، وجرح عبدالعزيز بن القاضي سيف بن محمد .
وفي عام 1365هــ أيقظ قاسم الشيعي وكيل الإنجليز بالشارقة فتنة بين حاكم أبو ظبي وحاكم دبي بسبب موضع يسمى ( غناضة ) زعمت الشركة الانجليزية أن به عيون الزيت وأنها تطلبه ممن هو له فتنازع الشيوخ عليه كل يدعيه فقامت بسببه فتنة صماء خسر الكل فيها أموالا فادحة ورجالا كُمّلاً انتهت عن مائتين واثنين وثلاثين من القتلى عدا الجرحاء فقد بها من المناصير خمسة وثمانون شخصا والباقس من الفريقين وتحاملت الدولة على أهل دبي وألزمتهم رد الإبل المأخوذة في الحرب فدفع آل مكتوم مائتي ألف روبية غرامة عنها فأمضت بينهم صلحا بذلك ثم وقع بعده تناقض أدى إلى حركة عمان بإمامها لقمع هذه الفتنة صلحا أو قتال من بغى على الآخر إن أبى عن القبول على حسب الحكم القرآني بعد استفهام صدر من الإمام لوكيل الدولة بالشارقة . وكان قد صدر أمره إليّ بالمسير إليهم فخرجت بأمره وتكلمت عند

الشيخ سلطان بن صقر حاكم الشارقة بما أملاه الإمام وطلبت منه أن يعرف ما عند الضابط الإنكليزي وما رأي حكومته ، فلما رجع أرسل إليَّ في قصر الشيخ سعيد بن مكتوم بدبي ، وكان من جوابه يقولون أنهم لا يتدخلون في شئون العرب فرجعت بجوابه إلى الإمام ، فتحرك الإمام لأصلاحهم ووصل كثير من رجاله بلدة عبري ، فما كانت إلا أيام حتى وصل رسول الشيخ الرقيشي والي عبري من قِبَلِ الإمام يعرب أن الوكيل السياسي بالشارقة جمع المشايخ وأصلح شأنهم وحجز غناضه لآل بو فلاح .
وحصل من نتيجة هذه الحرب أن نفت الانكليز الشيخ جمعة بن مكتوم شقيق الشيخ سعيد بن مكتوم من دبي إلى البحرين باتهامه أنه يعاكس نفوذها وأن حماسته وشكيمته لابد من قمعها إذ كل الواقع بتدابيره لوم تسمح له بالرجوع إلا بعد مضي سنتين فبقي بالبحرين عاما كاملا ودفعوا له في مقابلة العام الثاني مالا .
وفي عام 1375هــ دبرت الإنجليز مكيدة بين آل مكتوم حكتم ( دبي ) فأفرغت في آذانهم الوحشية وشغلتهم بنزاع وفتنة فأتيحت لها الفرصة التي تحسب لها حسابا طويلا فوضعت يدها على البلاد وضعاً نهائياً .
ونفت الشيخ جمعة بن مكتوم وأولاده عبيد وحمد وأحمد ومكتوم فآووا إلى المملكة العربية فنزلوا على إكرام صاحب العظمة الملك سعود بن عبدالعزيز وبقوا في الدمام بجوار أمير المنطقة الشرقية سعود بن عبدالله الجلوي فغمرهم إحسانهم وإكرامهم كما أن الملك أمدهم براتب شهري وبعد أن انقطع الصويت وصفا العكر سمحت لهم بالرجوع في عام 1378 .
وفي العام نفسه نفي من أعيان دبي حمد بن ماجد فطيم وخليفة بن ماجد وسعيد بن ماجد ثم أذن لهم بالرجوع بعد رجوع الشيخ جمعة ولم يكن لابن فطيم موجب يبرر عملهم إلا سوء الظن والوحشة وبنزولهم تحت ظل الملك المعظم سعود حامي حمى الحرمين لم يفقدوا بما شملهم من إكرامه إلا التمسك بحب الوطن .



أبو ظبي
تقع على الطرف الذي يواجه البحر من جزيرة تفصلها عن البر مخاضة لا يمكن عبورها إلا عند الجزر وهي عاصمة آل بو فلاح وهي آخر الإمارات العربي تابعة لساحل الصلح البحري ، وأول امارتهم من حدود الشارقة إلى حدود قطر يقطن البدو منهم الظفرة وخنور وأماكن يطلقون عليها اسم محاظر تقع بين تلال من الرمل يقيم المحاربون منهم بنواحيها ، ويقيم قسم منهم في ناحية الجو وهم الظواهر وآل بومهير وهي قبيلة عربية ، ولم يخضع أحد منهم للآخر ، وقد اجتمعوا في القديم على رئيس السُّودان وولوه أمرهم ودانوا له بالطاعة ثم قتلوه بعد ذلك وبنو أياس قبائل عديدة منهم آل بو فلاسا . آل بومهير . السُّودان . الهوامل . محاربه . جمزان . مزاريع . رميثات . مرر . أولاد ياسر بن عامر وينتمون إلى سبيع بن عامر ، ولهم توابع كثيرة منهم القبيسات ينتمون إلى صخر ، وهم من المرر وآل بو حمير ينتمون إلى أبو الشعر من المناصير ، وأل بالخيل ينتمون إلى أبو رحمة من المناصير ، والكل عصبة بني ياس حرباً وسلما . والظواهر من توابعهم .
أمَّا آل بو فلاح فإنهم أمراء بني ياس وليسوا منهم يقال أنهم من بني هلال ويقال غير ذلك .
وانتخب الشيخ فلاح جدُّ العائلة الحاكمة الآن أميراً على بني ياس لأنه من خيار الرجال شجاعة وحزما وكرما ، فقطع دابر الشقاق وأحبه الجميع وصاروا له أطوع من بنانه وكان يسكن الظفرة ولم يمت أحد من بيت آل فلاح الذين مَلكوا أبو ظبي على فراشه إلا أربعة والباقون قتلوا اغتيالا في الحكم .
تأسست هذه العاصمة عام (1175 هــ 1762 م ) .
وأول من ولى أمارتها شخبوط بن ذياب عام 1210هــ وبقى حاكما على بني ياس غير منازع إلى أن أنزله من الزعامة محمد أكبر أبنائه في عام 1231 هــ.
ثم أكره محمد في عام 1233 على التنازل عن الحكم لأخيه طحنون بن شخبوط وكان أصغر سنا منه وبقي طحنون شاداً عضد أبيه ومساعداً له ، وقد

سعى سلطان ابن صقر حاكم الشارقة لاسترداد سيطرة محمد على أبو ظبي فلم ينجح .
وفي عام 1248 قتل طحنون بن شخبوط اغتاله أخواه خليفة وسلطان بضربة مسدس من أحدهما وطعنة من خنجر من الآخر ، وأدى الشيخان الطاعة والولاء لحاكم نجد وكتب حاكم نجد إلى شيخ القواسم بالشارنه لا يسمح له بالاعتداء عليهم ، ثم لم يسمح لهم الدهر بالألفة وتلك خليقته فافترقا الأخوان وبهذا السبب وقع الخلاف ودب الشقاق بينهم وقتل سلطان بن شخبوط فافترقت القبيلة وتحزب كل لفريق وانسحب آل بو فلاسا من أبو ظبي بعد قتل سلطان واستعمروا دبي في عام 1249هــ كما أسلفنا القول ثم انسحب القبيساتُ إلى العديد واستعمروها عام 1251 هــ ، وكان رئيسهم خادم بن نهيمان وخرجوا عن طاعة خليفه بسبب ما فرضه الإنكليز على حاكم أبو ظبي من الغرامة فإنهم أبوا دفع المفروض عليهم .
ثم قام عليهم الشيخ خليفه بن شخبوط بمساعدة الانكليز ، فهربوا قبل وصوله لاستشعارهم العجز عن مقابلة الإنكليز ، واضطر خادم بن نهيمان إلى الرجوع إلى أبو ظبي بعد العفو عنه وشروط التزم بها بل ألزم إياها .
وفي عام 1261هــ قتل الشيخ خليفة بن شخبوط اغتاله بنو عمه ، فبقيت الحكومة في يد امرأة من آل بوفلاح ولم يقبل الزعيم محمد بن حمد المري من قيلة المرر سيادتها عليهم ، فجمع أعيان بني ياس وكان مقبولا عندهم ولكونه مدبرا يحسن السياسة سمعوا له فأرسل إلى سعيد بن طحنون وكان يسكن بالظفره ، فاقبل إليهم وبمعيته اثنان من بني عمه فقدموه حاكما عليهم ، ولم تطل المرأة في الحكم فقيل أيامها أربعون يومت وقيل أربعة أشهر .
ولي سعيد بن طحنون الحكم على بني ياس وكان عالي الهمة بعيد النظر حازماً جمع الأوال واصطنه الرَّجال ونظم جيشاً بحريا وبنى له السُّفن الحربية وما تحتاجه من أدوات فأحبَّته حكومة مسقط وخطبت ودهُ ليكون لها عوناً على آل سعود فعسى أن يشغلهم عن التقدم إلى عُمان .
فقام إلى حكام الساحل وجمعهم على الصداقة والحلف على إبعاد أهل نجد من بلادهم وطَرْدهم من البريمي ، وفي أواخر عام 1264 اعتزم سعيد بن

طحنون أن يهاجم البريمي وكان أميرَها محمد بن سيف العجاجي من قبل الإمام فيصل بن تركي حاكم نجد فوافق هجومه ضعف الحامية بها للنزاع الواقع بين الأهالي ، فاحتل سعيد قصر الخندق وقصر الصبَّاره ، ولما وصل الخبر إلى حاكم الرياض الإمام فيصل أرسل سرية يقودها سعد بن مطلق المطيري ، فعلم سعيد بوصولها فكمن بالعانكة موضع غربي البريمي وهاجمها في ليلة مظلمة ، وقيل أنه كمن لها ولم يشعروا حتى وقعوا في الكمين ليلا فهزمت السرية هزيمة منكرة وقتل من قتل وفر الباقون وما أكثرهم ظمأ وأهلكتهم حرارة الشمس ، وكان من جملة القتلى الشيخ عبدالرحمن ابن عزّاز القاضي السعودي ، وركب سعد من هزيمته إلى دبي ثم إلى الشارقة واستعان بحكامها الشيخ سلطان بن صقر والشيخ مكتوم بن بطي ، فقام باسترداد البريمي من يد سعيد بن طحنون بعدما بقيت في يده ثمانية أشهر ، فعرض سعيد تسليمها في عام 1265هــ من دون حرب على أن يطوي الماضي في صحيفة النسيان ، وأن يكون على سابقته قبل نشوب هذه الحرب ، ثو توجه سعيد بن طحنون إلى الإمام فيصل يطلب إليه الصَّفح والعفو لما بلغه قدومه إلى البريمي فالتقى به قبل وصوله فعفى عنه .
طرد سعيد بن طحنون ابني أخيه زايد وذياب إلى دبي وبقيا عند الشيخ مكتوم ابني بطي فرباهما وأحسن إليهما .
وفي عام 1271هــ اقتتل اخوان من رجال القبيسات فقتل أحدهما الآخر ، وكان أبوهما مكفوفا وأمهما عجوزاً فانية ، فطلب الشيخ سعيد القاتل فاجتهد أبواه في طلب السماح له عن القتل وأنهما ضريران عاجزان عن القيام بأمرهما وأنهما قد أعفياه فأبى إلا قتله وكررا عليه فأعجزهما ثم أرسل إليه فقتله وبسبب ذلك داخله الرعب والفضل فتخلى عن الحكم وفرَّ إلى جزيرة قيس من أرض فارس .
ثم قام بنو ياس فأرسلوا إلى الشيخ زليد بن خليفة من دبي وولوه حكم البلاد عام 1271هــ ، فأصبحت أبو ظبي أهم دول هذه المنطقة على الساحل وذلك بفضل ما ألهم زايد من جود وبسالة وبقيت الشهرة له ولعقبه حكم زايد البلاد ولسان حاله يقول :


نبني كما كانت أوائلنا تبني***ونفعل مثلما فعلــــــــــوا

والحقيقة أنه فعل فوق ما فعلوا كان كريماً جواداً كبير الهمة لازمه الحظ من المهد إلى اللحد .
وفي شهر ذي الحجة سنة 1272 هــ خرج زايد لزيارة سلطان مسقط السيد ثويني بن سعيد فعزم سعيد بن طحنون أن يهاجم أبو ظبي ، وكان سعيد قد وصل في ذلك الوقت إلى الشارقة ، فخادعه مانع بن عجلان المهيري ومن عنده وأوعدوه المساعدة ، فنزل أبو ظبي فدانت له رغباً ورهباً وتحصن ذياب بن خليفة أخ زايد بحصنها فحصروه فانتهى الخبر إلى زايد فعاد مسرعا فنزل على ماء يقال له (غفر) ، وبعث رسولا إلى حاكم دبي سعيد بن بطي يستنصره فأرسل إليه قومه مع جماعة من بني عمه يقودهم حشر بن مكتوم فاحتلوا أبو ظبي بعد قتال شديد قتل فيه سعيد ابن طحنون شمالي الشعب يخوض البحر واختلفوا في قاتله قيل أنه القعود بن حنظل وقيل عبيد بن سعيد الهاملي وانتقم زايد من مانع بن عجلان الغادر به ، وبالجملة فإن سعيد بن طحنون خسر حياته في هذه الغزوة .
وفي عام 1286هــ خرج القبيسات مرة ثالثة إلى العديد واستقروا فيها فقام عليهم الشيخ زايد مراراً وفي عام 1294 ضغطهم الإنكليز بأن يرجعوا إلى زايد رغما وعرفوا أن لا طاقة لهم بالانكليز فغادروا بلادهم وتركوها بعدما دمروا الآبار وحربوا البلاد فالتجأ بطي بن خادم رئيس القبيسات وجماعته إلى الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني حاكم قطر ثم عادوا إلى أبو ظبي بعد ذلك .
ثم كانت حروب بين قاسم بن محمد حاكم قطر وزايد بن خليفة واستحرت عام 1297هــ .
وفي سنة 1309هــ وقع رئيس أبوظبي تعهدا على نفسه وورثته من بعده للانكليز يحتوي على الشروط الآتية (1) :
إني لا أدخل أبدا في قرار ما ولا محاورة مع أحد من الدول سوى الدولة البهيئة الانكليس بغير رضاء الدولة البهيئة الانكليس لا أقبل أن يسكن في حوزة ملكي وكيل من دولة غير البهيئة الانكليس أبدا لا أسلم ولا أبيع ولا أرهن ولا أعطي للتصرف أو للتبوؤ بنوع ما شيئا من ممالكي لأحد إلا الدولة البهيئة الانكليس .


توفي زايد عام 1324 في التسعين من عمره بعدما حكم خمسا وخمسين سنة وترك ثمانية أولاد خليفة ، سعيد ، حمدان ، هزاع ، سلطان ، صقر ، محمد .
ولم يقبل خليفة ابنه الأكبر أن يكون حاكما لأبو ظبي ولعله آنس أن الحاكم بها مؤيدا بالإضمحلال .
استولى طحنون الحكم بعده في ذلك اليوم وكان مصابا في رجليه بالخدر بسبب سقطة من ظهر جواده لما جمح به فأرداه وبقي أربع سنوات حاكما حتى توفي وفي عام 1330 هــ ارتقى حمدان منصب الحكم وكان أكفأ أبناء زايد نجح في حفظه المملكة إلى الذروة التي بلغها أبوه فحدث عنه في الكرم والجود والهمة ولا حرج ، سعى في عام 1331 بالصلح بين الإمام سالم بن راشد الخروصي والسلطان تيمور ابن فيصل وعقد اجتماعا بالسيب فلم يقدر الله النجاح على واسطته وفي عام 1340 قتل حمدان قتله أحب الناس إليه أخوه سلطان بن زايد وارتقى منصب الحكم وبقي مزعزعا غير ناجح في سلطانه ثم شرع أخوه صقر بن زايد في التماس الانتقام منه أخذا بثأر المقتول وانضم إليه ثلاثة من خدم حمدان واستعان بأحد أعيان البدو ليظاهروه فأطلق عليه الرصاص في صيف 1346 وارتقى منصب الحكم عاماً لا زيادة ونشبت بينه والمناصير منازعات يطلبون منه الأرزاق التي عودهم بها من كان قبله من الحكام وعزم صقر على اغتيال أخيه خليفة وابنه محمد فساعد المناصير خليفة على إسقاط صقر من الحكم والفتك به فاتحدوا مع عبد للشيوخ فكان أول من أطلق عليه النار ، ولكنه أخطأه فأرداه المناصير قتيلا بأمر خليفة وابنه محمد وأراد المناصير تقديم محمد بن خليفة حاكما بعده ، ولكنه آثر راحة نفسه ورفض الشرف فوقع الاختيار على شخبوط وهو أكبر أبناء سلطان ، وهو الحاكم على أبو ظبي ، ومتعلقاتها إلى يومنا هذا ، ويساعده أخوه زايد في أطراف البريمي .



قطر
على سيف الخط بعين عمان والعُقير والأسرة الحاكمة عليها المعاضيد وحاكمها الحالي الشيخ علي بن عبدالله بن قاسم بن محمد بن ثاني بن محمد أصل نسبهم من بني سعد بن عمر ابن تميم ويقال لهم آل ثامر ثم نسبوا إلى جدهم ثاني فيقال لهم الآن آل ثاني وكان نزولهم قطر قبل تمام اللف وكانوا قبل ذلك من بادية يبرين وأمكنة نجد فزاحموا عبدالقيس على قطر حتى استولوا عليها أخذت هذا من لسان الشيخ علي وطلبته الزيادة على ذلك وتحرج واعتذر وهذا الشيخ أحله أبوه عبدالله محله وأنزله بمكانته في عام 1368 هــ لما علم من كفايته فهو بالدوحة من البلاد والدوحة العليا من المكانة وأول من حكم قطر من هذه الأسرة الشيخ ثاني ثم ابنه محمد ثم ابنه قاسم ثم عبدالله ثم علي .
وفي عام 1354 منح الشيخ عبدالله بن قاسم شركة الزيت امتياز التنقيب .
وفي عام 1358 نجح العمل في الزيت وظهرت أول بئر منه فتوسعت البلاد وزاد العمران واستأنست الرعية وحصل الغنى لحاكمها وجاد على زوّاره وأكرم وافديه . وفي عام 1368 استقبلت قطر أول ممثل من الحكومة البريطانية وقبل ذلك كان يزورها ممثل البحرين .
الجبل الأخضر
هذا الجبل يملكه بنو ريام وأميره سليمان بن حمير النبهاني .
وهو جبل عظيم الارتفاع صعب الامتناع لا يتوصل إليه إلا من طرق مخصوصة تتشعب منه تسعة أودية بها قرى لبني ريام وبهذا الجبل يلجأ العمانيون عند الشدائد من قديم الزمان فقد لجأ إليه سليمان وسعيد ابني عباد بن الجلندى في وقت حروب عمال الحجاج بعمان وكانا قد هزما جيوشه عدة مرات وفلا جموعه ثم جهز إليهما القاسم بن شعوة من جهة البحر فأرسى سفنه بقريات فهزما جموعه وقتل القاسم في المعركة واستوليا على سواده ثم جهز إليهما أخاه مجاعة بن شعوه في ثلاثمائة سفينة من جهة البحر فأرسى سفنه بمسقط وفي عشرين ألف من جهة البر فهزماه هزيمة منكرة ببلدة سمايل وبأمكنة أخرى من عمان وغزا سليمان بن

عباد سفن القاسم بمسقط فأحرق منها نيفا وخمسين سفينة ثم جهز إليهما عبدالرحمن بن سليمان وقد أكلت الحرب الرجال وضعفت القوة فاستشعر سليمان وسعيد ابني عباد العجز فصعدا الجبل الأخضر بذراريهما وحاصرهما جند الحجاج فتخلصا منه وركبا البحر بالذراري إلى أرض الزنج وماتا بها وتغلب جند الحجاج على عمان بعد خروجهما منها .
وتحصن بهذا الجبل الإمام غالب بن علي الهنائي بمن عنده من المجاهدين لما حملت الإنجليز على عمان في عام 1376 – 77 فبقيت تقذفهم بشرر الطائرات ثمانية عشر شهرا وقد عجزت جنودها من الصعود إلى المجاهدين فاستعانت بالطيران وأملي أن أجمع لتلك الحوادث تاريخ مفرد .
بهذا الجبل الأنهار والآبار والفواكه الكثيرة بجميع أنواعها فالعنب بأنواعه العديدة والرمان بأنواعه والتفاح والخوخ والمشمش والجوز واللوز والسفرجل والليمون الحلو والحامض إلى غير ذلك كما يوجد به من الرياحين والزعفران والورد والنرجس والياسمين والفل وبه الزيتون والبوت والنمت والأبهل وهو شجر العلعلان الذي يؤخذ منه الصمغ المصطكى المعروف بالرومي وأكثر أشجاره عطرية ولو كتب وصفه وكل ما احتوى عليه لاحتاج إلى مجلد .
جبل الكور
هو جبل ضخم منيف أقرب أن يكون حوراء كأنما عليه غبار دائما وهو حوالي خمسمائة ميل مربع ، يسكنه قوم من بني هناة عرفوا بالصدق أحاطت به بلدانهم بل وفي سفحه بلدان لهم أيضاً .
وله خواص : ومن خواص ما فيه أنه حافظ بالطبع لجوهر ما يدخر به ولو طالت المدة ومن ذلك أن التمر إذا أخذ وقت حصاده خصوصاً من البلدان التي بسفحه وهي ( دَنِّ ) و ( معول ) و ( لميس ) وادّخر في المغارات بالجبل المذكور لا يتغير كعمه ولا لونه ولو بقي دهرا طويلا ويقال لو بقي إلى أعوام عديدة وكل الأطعمة والحبوب بهذه الصفة مع أن اللحم إذا ادخر طريا يبقى إلى شهر لا يتغير ولا يخثر بدون المثلجات .


ومن العجائب الموجودة فيه أن نهر ( دَنّ ) وهي البلد التي بسفحه إذا اغتسل الإنسان داخل النهر بأعلا البلد يصاب بداء لا يفتر ألمه حتى يتصدق أو يعمل معروفا وإذا اغتسل بأسفله حيث يغتسل الناس لم يصبه بأس .
ونهر ( دن ) ونهر ( معول ) يمتنعان من سقي الأرض في أيام معروفة ولا يدرى أين يذهب هذا الماء عند امتناعه ولا يرى أين يصب . فإذا طرقهم ضيف أو احتاجوا إلى تغسيل ميت خرج أحدهم إلى مكان معروف عندهم فينادي ( يا وضاح ) عندنا ضيوف أو ميت أو يخرج أحد الضيوف فينادي فيأتيهم بسرعة .
وبهذا الجبل بئر إذا اغتسل الجنب في جوفه نضب ماؤه ويصاب المغتسل بداء يبقى به لا يفارقه حتى يموت فإذا مات أصبح الماء طافحا على البئر .
وبه أنهار فمنها ما يزيد ماءه إن كان لأناس وينقص إن كا لآخرين على كل دور ومنها ما ينقطع من غير قحط ويزيد من غير مطر وفي حال انقطاعه إن حدث بالبلد حريق أو احتاجوا لغسل ميت أو طرقهم ضيف يستحق الإكرام خرج من مجراه نهرا فوق العادة وهذا مشاهد ومشهور.
ويقال أنه توجد في بعض كهوفه كمة من الجوخ الأحمر إذا وضعها الرجل الضخم على رأسه تبلغ منكبيه فإذا أراد إخراجها من موضعها ذهب بصره حتى يردها في محلها . وبه من الأشجار البرية ما لا يوجد بغيره .زرت مصر عاصمة الإسلام في شهر شعبان عام 1380 وتكلم
إلي صديق أن أهل الخارج يمنحون روايتك هذه السخف ويعدونها من الخرافات فهم يستبعدون ما تذكره من وصفك للانهار الموجودة بجبل الكور وحفظه الطبيعي للأطعمة بغير واسطة وخصوصا اللحم . والجواب : لا يهمني استنكارهم ما دمت صادقا وكان هذا شيء حاضر موجود بل لا يحتاج إلى مبرر فلعل الرواد الذين دخلوا البلاد بعد الاحتلال عرفوا صدق ذلك ونحن نستنكر ما يبلغنا عن القمر الروسي وهو من صنع البشر وقد أطبق العالم عليه ويستنكر البشر صنع الله أي الفريقين أهدى سبيلا .
ويوجد بعمان في وادي بني خالد بالشرقية جبل مجوف له مسلك من نقرة بأعلاه من جهة القطب تغطيها الرحى ثم تتوسع تلك النقرة شيئاً فشيئاً فيسلك

الداخل في غار حتى يتخلص إلى شرجة من الماء عظيمة تجري لا يدري من أين أقبل الماء ولا إلى أين يذهب وحوالي هذا الماء رمال وتراب وشجر .
أشهر قرى الداخلية
نزوى وهي عاصمة مملكتها . بُهلَا . مَنَح . ازكي ويقال لها في القديم جرنان . أدَمْ . وتسمى هذه القرى وما حواليها أرض الجوف وما كان شرقيها من جهة المطلع يقال لها الشرقية .
أفخم بلدان الشرقية : سناو . المضيبي . أبرا . بدية . جعلان .
أفخم بلاد في داخلية عمان : نزوى . الرستاق . سمائل . نخل . بهلا . منح . عبري
يوجد بنزوى من الأشجار والنخيل والفواكه ما لا يوجد بغيرها من عمان وبها الأنهار وعليها المعول والآبار وهي قليلة اتخذها الأئمة الأولون عاصمة ملكهم وكان أسطولهم في القديم قد بلغ مبلغاً عظيما فقهروا شطراً من الهند وأفريقيا فما رغبوا عنها فترى في تلك الآثار ما يدل على جلالتها والتاريخ شاهد عدل .
بل نزوى من جهة القبلة بلدان كثيرة هي من أعمالها وأفخمها بهلا كانت مركز أولاد راشد بن حميد ثم تليها الظاهره وهي المعروفة بأرض السر تقع بين جبال الحجر تقابلها اسما وحقيقة الباطنة في الجانب النعشي والظاهرة هضاب تشتمل على سهول كثيرة وعلى جبال صخرية وتمتد قبلة إلى جبل حفيت وشرقا إلى نجد المخاريم وتتألف الظاهرة من قرى متشابكة على أرض مستوية وعاصمتها عبري وهي زمام الظاهرة ومرجع البادية وسوقها كبيرة ورياستها تنتهي إلى اليعاقيب أولاد راشد بن عبدالله بن محمد .
ومن بلدان الظاهرة :
الدريز: وهي بلدة من أوسع بلدان الظاهرة بها بنو غافر ورئيسهم الشيخ علي بن سعيد الغافري وبيده حصن العينين ومن هذه القبيلة الشيخ خلف بن سنان الغافري أحد قضاة الإمام سلطان بن سيف اليعربي توفي رحمه الله وقد حوت

خزائنه من الكتب المخطوطة ما لم تحوه مكتبة علمية بعمان فإنه جمع سبعين وثلثمائة وتسعة آلاف كتاب وفي ذلك يقول :
لنا كتب من كل فن كأنها***جنان بها من كل ما تشتهي النفس

جرى حبها مني ومن كل عالم***ذكي الحجى والفهم حيث جرى النفس

فلا أبتغي ما عشت خلا مؤانساً***سواها فنعم الخل لي وهي الأنـــس

ولست أرجي أن يفوز بمثلها***على غابر الأيام جن ولا إنــــــس

ثلاث مئين ثم سبعون عدها***وتسعة آلاف لها ثمن بخـــــــس


ينقل : هي من أحصن بلدان الظاهرة ولها توابع ورئيسها الشيخ سيف بن عامر العلوي من الغصون ويقال أن أصلهم من نجد من بلد تسمى الحوطة أما جماعته فهم بنو علي بن سودة .
ضنك : على سفح جبل من الجانب الغربي تقع على فم الثغرة الضيقة وهي بلد خصبة يظهر واديها ممتداً إلى الربع الخالي وبها علاية وسفالة وبها رؤساء كل تفرد بجماعته ومرجع أمر العلاية فيها إلى رئيس النعيم صقر بن سلطان .
مقنيات : بلدة بين جبلين لبني كلبان وهي بلدة خصبة كثيرة المياه بها حصن في أعلا جبل لا يتوصل إليه إلا بمشقة ، وقد شيد بناه النباهنة لما كانوا على عمان وقد استولى عليه بنو كلبان من يد محمد بن جبر العميري عام 1212 هــ بسبب الاختلاف
الواقع بين السادة سعيد بن سلطان وعمه قيس بن أحمد حاكم الرستاق فإنها كانت تابعة لحاكم الرستاق فحاصرها بنو كلبان بتدبير من السيد سعيد واغتصبوها من يد العميري بعد حصار دام سبعة أشهر .
يلي أرض السر من عمان من الجهلة القبلية أرض الجو وأول ما يطالعك منها حفيت والسنينة ورؤساؤها محمد بن أحمد الصلف النعيمي ومحمد بن سالمين ابن

رحمة الشامسي وساكنوا البلدان جماعتهم وقد أطل على تلك البلدان من جهة القبلة الجبل المعروف بجبل حفيت .
البريمي
قاعدة أرض الجو وتسمى في القديم توام وتسميها الانجليز الجنة الصغيرة والواحة الغناء وتحتوي واحة البريمي على قرى وبساتين فمن قراها : البريمي ، حماسا ، صعرا ، العين ، المعترض ، القيمي ، القطاره ، هيلي ، المويقعي الجاهلي ،ويشمل البريمي من جانب الشمالي ديار بني كعب وبني قتب وزعيمهما الأكبر صقر بن سلطان بن محمد بن علي بن حمود بن خميس النعيمي ورئيس حماسا راشد بن حمد الشامسي وهم رؤساء على جماعتهم ويشاركهم اولاد الشيخ زايد بن خليفة آل فلاح .
فانهم رؤساء على بلدانهم في هذه الواحة وهي في محلها استراتيجية تقع عند ملتقى كثير من طرق المواصلات في شرق جزيرة العرب وتعد محورا بين صحار وسواحل الباطنة والجنوب والظاهرة ومناطق الحجر الداخلية وعمان الوسطى والشرقية فلذلك ترى كل من يهاجم عمان من الأجانب يختارها مركزا لأقامته فالجيش الذي جرده الرشيد الخليفة العباسي في القرن الثاني اتخذها قاعدة لهجومه وتبعه الخليفة المعتضد في القرن الثالث لما أرسل محمد نور إلى عمان وحذا حذوه العجم بقيادة ( تقي خان ) نزل بخورفكان وقصد بلدة الصير التي بالقرب من رأس الخيمة كان نزوله في 12 ذي الحجة عام 1149 ثم قصد البريمي ومنها سار إلى عمان ثم تلتهم الجنود السعودية عام 1210 .
في تاريخ الشيخ عبدالله المطوع
كان حكام البريمي قبل الجنود السعودية ( آل ابن زرعة ) ومن بعدهم آل أمر حماسا إلى آل سرور وأمر الحلة إلى العزازنة إلى أن قال ويطلق اسم آل خريبان على أولاد الشيخ علي بن حمود شيخ قبيلة النعيم لأن نعيم تنقسم قسمين شامسي وخريباني يقال أن شامس وخريبان واسمه محمد أخوة لأم وأبناء عم لأب ومنهما تفرعت القبيلتان وتنقسم كل واحدة إلى عدة بطون إلى أن قال :


أول حكم آل حود لضنك كان الشيخ علي بن حمود شيخ النعيم مسكنه السفينة من أرض الجو وكان كريماً شجاعاً اجتذب البدو بكرمه وكان الشيخ الفيلاني بلغ من الكبر عتياً فجعل الشيخ علي بن حمود وصياً على أولاده لقبض حصنهم ( المنيخ ) الذي له بضنك إلى أن يبلغوا رشدهم خوفاً عليهم من جيرانهم فقبل وصيته وبعد بلوغ الكبير رشده سلم إليه الحصن لتبرأ ذمته وأغرى الصغير بأخيه فقتله ثم دبر أن يقتل الصغير انتقاماً لجريمته واستأثر بالحصن فبقى في يده هذا أول حكمه بضنك قال ثم تطلع محمد بن علي إلى ما هو أبعد من ذلك ليلقي يده في زمام أفخم مما هو فيه ورأى أن البريمي عاصمة وأنها تليق بمنصب فخم وكان عليها ذلك الوقت الشيخ حمد بن عبدالله الملقب غبار وكان ضعيف التدبير وضايقه الشيخ زايد بن خليفه وكادت أن تسقط البلاد بيد زايد فتجمع النعيم ومن والاهم وعلى رأسهم الشيخ شامس بن حمد الشامسي فأبرموا صلحاً بين زايد وحمد ثم تنكر أهل الحلة وهم العزازنة للشيخ حمد غبار فغدروا به وقتلوه واجتمعوا على تقديم محمد بن علي أميراً لهم عليهم ويقال أن ذلك كان بسياسة منه فقهر البلاد عام 1290 هـــ وبقى بها ثم استولى على القصر السعودي من يد الأمير محبوب بن جوهر مولى الإمام السعودي سلمه له امانة قال ثم تطلع محمد إلى السيادة الكاملة على الجو فأبى جيرانه من الظواهر دفع الرسوم وكانوا يدفعونها للإمام السعودي فكانت بينه وبينهم وقائع فاستعانوا عليه بالشيخ زايد بن خليفة وآخر وقعة بينهم في بلدة القطارة كانت تاريخا انتهى كلامه بتصرف وبقيت رياسة البريمي في أبناء محمد بن علي سلطان وسالم ثم بيد سلطان بن محمد ثم بنيه محمد وصقر ثم بيد صقر الحالي .
جعلان
تقع جعلان عند الحد الخارجي للجزيرة العربية وهي من حدود الشرقية بعمان تتكون بين جنوب الشرقية والبحر يحدها رأس العرف شمالا والبحر العربي جنوبا تنحدر إلها مياه أودية الشرقية فتصب في قيعانها فيمكث الماء بها زمانا طويلا يستمد منه البدو الرحل وما فاض من القيعان يفضي إلى البحر الجنوبي .


وجعلان بأسرها الحدرية والعلوية بلاد خصبة لا تعرف الجفاف فضاء منبسط على جو فارغ ، عليها من جهة القبلة جبال من الرمل بها آبار من الماء العذب ، وتحتوي غضونها على تلال وكثبان رمل مبعثرة تقيم باديتها بهذه الرمال صيفا وشتاء فتشبع ماشيتهم من عشبها وأشجارها على قرب من سكانهم .
تحتوي قيعانها على غابات مظلمة من شجر الغاف الطويل المتكاثف .
وبها الغيول الجارية كساها شجر الإثل رونقا جميلا بخضرته .
وبها العيون والأنهار الجارية بعضها من القنوات وأكثرها من مياه الغيول الباقية في مجاري السيول ، وبها المنازف التي يستطيع العاجز أن ينشئ بستانا فيحرثه فيعيش عيشة المتوسط من أهلها .
بالقرب منها بحرهم وعليه تشرع سفنهم فيقف على ساحله ضعيفهم ويتحصل من خيراته بما يقنعهم وعلى ساحله عدة بنادر جميلة مخصوصة بهم ما عرفوا أجنبيا فيهم.
ومتى دخل فصل الربيع هاجر أهل البلدان إلى تلك الكثبان بذراريهم لاستنشاق الهواء النقي الطبيعي فيزدادون نشاطا فوق نشاطهم وقلما تجد فيهم مريضا أو أعوراً او أعمى إلا نادرا لصحة هواء بلادهم .
فهواء جعلان طري نقي قد غربلته الأشجار وشجرها عطري تفتحت به الأزهار وزهرها الورد والبهار وظلها ظليل ونسيمها عليل وماءها سلسبيل وحرها لطيف وبردها خفيف ، وبحرها قريب ، وسمكه لذيذ عجيب ، فهي لُبنان الشرق وبيت الرزق جوهرة بيد اعرابي يسكنها عدد عديد من الرجال عرفوا بالشجاعة إذا اختلط الدخان لا يقدرون للموت حقا ولا للحياة قيمة .
وجعلان قسمان قسم يتبع الحسون والقسم الآخر امارة آل حموده .
جعلان الحدرية امارة آل حمودة
والمؤسس لهذه الامارة سالم بن علي بن حموده في أوائل القرن الثاني عشر أثناء عودته من حج بيت الله الحرام ، وبعد وفاته كانت الرئاسة لأخيه محمد بن علي باحماع من الكل ، ومن عادتهم المبايعة للرئيس على السمع والطاعة

ولهم السيطرة والنفوذ التام في قومهم وبلادهم حرة في شئونها الداخلية كما أن لهم صرف قديم اعني – البرزات – واعداد معروفة بينهم عباسي ، محمدي ، غازي ، لاريه فهم يتعاملون به إلى الآن ولهم ميناء محتصة بهم في البحر الشرقي منها الأشخرة ، قميله ، الرويس ، فهي تحت تصرفهم وكانت بينهم وحكومة مسقط عداوة في أيام الأمير محمد بن علي ، ثم بعد ذلك تحولت إلى صداقة متينة يدلون بها على سلاطين مسقط بسبب دفاعهم عنها ومنون بذلك على حكامها ويعتقدون أن لولاهم لذهبت السلطنة هباء ، وليس لحكومة مسقط تدخل أو اشراف في حدودهم .
لاقى الأمير محمد بن علي أهوالا وصعوبة وتلقاها برباطة جأش لا يصبر عليها غيره وستحرت شدتها عام 1232هــ لما قام عليه السيد سعيد بن سلطان بالحامية الانجليزية وهذا نقل للحادثة من المصادر الأوروبية . ففي أواخر سنة 1820 م أعلنت قبيلة بني علي عصيانها للسيد سعيد ، ولما كانت هذه القبيلة من أقوى قبائل عمان الجنوبية وتسيطر على ميناء صور الهام ، فقد أصبح موقف الإمام حرجا ، لذلك أسرع بالاستنجاد بالحامية البريطانية في جزيرة القسم ، وقد رفض قائد الحامية أولا التدخل في هذه المنازعات الداخلية ، ولكن الظروف شاءت أن تنقذ السيد سعيد إذ قام بنو بو علي بمهاجمة إحدى السفن الانجليزية ، وعندما أرسل قائد الحامية احتجاجا إلى صور قتل هؤلاء المندوب البريطاني وحينئذ أسرع ( الميجر طوسون ) Major towson قائد الحامية بإرسال قوة صغيرة عمان فوصلت إلى ميناء صور في 24 نوفمبر ، ولحق بها السيد سعيد على رأس قوة كبيرة من جنده الدائمين الذين كانوا يجمعون بين العنصر البلوخستاني ، واتجهت القوة إلى أحياء بنو بو علي في إقليم جعلان ، ولكن على نحو خمسين ميلا من مدينة صور فوجئت الحملة الانجليزية العمانية بمقاتلي القبيلة فلم تستطع الصمود لهم وفرت بعد أن قتل نحو ثلثي الحملة البالغ عددهم سبعمائة جندي منهم سبعة ضباط انجليز ، أما الجنود فقد كانوا رعايا من الهند ، ولم تستطع حكومة الهند السكوت على هذه الهزيمة التي قد تطيح بسمعة بريطانيا في الشرق ، فتجاوزت على المبدأ السائد في سياستها نحو بلاد العرب الذي يقضي بعدم التدخل في الشئون الإقليمية .


وفي فبراير سنة 1829 أرسلت قوة كبيرة من الجند الأوربيين تحت قيادة الجنرال ( ليونيل سميث Lionel smith ) فاتجهت القوة مباشرة إلى أحياء قبيلة بني بو علي وقامت بأعمال تخريبية وبتقتيل الأهالي غير المحاربين دون تمييز ، ولم ينج من هذه القبيلة إلا من فر ، لوم يشترك السيد سعيد في هذه الحملة الانتقامية لأنه كان قد جرح أثناء الحملة الأولى فكافأه الحاكم بسيف مرصع رمزاً للزمالة في القتال على أن قبيلة بني بو علي لم تستأصل تماماً من الوجود انتهى كلامه . ومن غيرها أيضاً انهزم السيد سعيد مراراً عن بني بو علي حتى اضطر للاستعانة بالانجليز لما تكعكع العمانيون عنه فجاءت قوتهم من ناحية مدينة صور وهزموا هزيمة منكرة عام 1820 م أربكت هذه الهزيمة الحكومة الانكليزية في الهند واذلتها إلى درجة أن أصبح حاكم مسقط يشنع على الانجليز ويتهمهم بالجبن .
قال مؤرخ بيت الحاكم في مسقط عن هذه الحملة : (( فلما رأي السيد سعيد حاكم مسقط )) انفلال شوكة الانجليز ودقة عزائمهم وقلة من ثبت معه من قومه أمر جنوده بالمسير إلى مسقط وهذه الهزيمة شتت أعوان سلطان مسقط وبعثت فيهم الخوف والذل كما أنها أجبرت الانجليز على الاعتراف بالهزيمة يقول اللفتننت هنري أورمسببي ، لدى حكومة الهند عن هذه الهزيمة : (( أبديت دهشة غير ضئيلة في الهند لدى وصول معلومات عن حدوث هذه الكارثة ، إن احداث حروبنا الهندية ليس فيها مثل هذه الكارثة كلا فلو راجعنا تاريخ الحملات الهندية لوجدنا أن البريطانيين انتصروا في غالب الأحيان على قوات تفوقهم عدداً ، أما هنا فقواتنا التي أحضرت للعمل كانت تتساوى تقريباً في العدد مع القبيلة المعادية بالإضافة إلى مساعدات قوات الإمام )) .
ويصف مرة حملته فيقول : (( إشارة إلى اعتدائنا الذي لا مبرر له بحملة أقل ما يقال فيها أنها كانت مؤسفة وغير موفقة )) ا هــ . ولقد جاءت هذه الحامية بقوة فوق قواتهم الأولى ، فوضعوا المدافع صفاً تلو صف وأدخلوا السلاسل في أفواهها متصل بعضها ببعض فأثاروا النار عليها وقد قابلهم الأمير بجنوده صفوفاً ، وما سلاحهم إلا المشرفية والأسل فكانت المدافع ترميهم بسلاسلها فنأخذ ما يقابلها من الصف فيلتحمون ويهاجمون نيران المدافع آخذين بالثأر والشرف حتى أفناهم ذلك ووهت قوتهم وضعف جمعهم فكان النصر حليفه

فوفا له بما وعدوه وبعد عودته إلى جعلان كانت له حروب مهولة خضعت له في أثنائها بنو راسب .
ولما توفي الأمير محمد بن علي تولى الإمارة ابن أخيه راشد بن سالم بن علي فكان عوناً لسلاطين مسقط مخالفا لسنة آباءه ، فشد عضدهم وغزا معهم البحرين وأفريقيا وآزرهم على حروبهم العمانية حتى نهض معهم على جماعته الجنبه أهالي مدينة صور وفي ذلك يقول شاعر الجنبه :

ما لــوم الهناويين يــــوم خذوا مِلاك ثوينــــي
والا راشد اللــــــعين إيــــــش له وإيش عليـه

وقد راوغ بنو بو علي سلاطين مسقط ما استطاعوا فلم تخضع لهم القبيلة تماماً . بقيت جعلان ردحاً من الزمن تمشى على الأهواء الشيطانية حتى أذن الله بقيام الإمام عزان بن قيس فغزاها وأقام بها شعائر الإسلام ، وتوفي الأمير راشد بن سالم في سجت الإمام عزان بمسقط ، وصارت الإمارة من بعده لأخيه عبدالله بن سالم وكان في ريعان شبابه ، فتلقى كتاباً من الإمام عزان رحمه الله نصه بعد البسملة : (( من إمام المسلمين عزان بن قيس إلى عبيد العنيد ، إنك عتيت عن المواجهة وتكبرت فأذن بحرب من الله ورسوله ، فكان هذا الأمير أن لم تمض مدة يسيرة حتى أصبح يهاجم مسقط فكانت بينه والإمام معارك أسفرت عن قتل الإمام رحمه الله وكثير من أنصاره ، واستحل الأمير عاصمة مسقط ومطرح عام 1312 هـــ . وأرسل للسيد تركي بن سعيد وكان غائباً لم يحضر المعركة فقلده إياها .
ولما هاجم الشيخ عبدالله بن صالح الحارثي مسقط عام 1312 هــ كان الأمير عبدالله ابن سالم رأس المدافعين عن السلطان ، ولم يزل أمراء بنوا بو علي يناصرون سلاطين مسقط في كل موطن إلى أن دخلت مسقط تحت تصرف الإنجليز ، وعقد على الإمام الخروصي فزارهم الشيخ حمير بن ناصر النبهاني في أواخر شهر ذي القعدة سنة 1331 هــ وطلب منهم الكفاف عن مناصرة سلطان مسقط حينما كان عزم الإمام مهاجمة مسقط قبل أن يتحقق لديهم معارضة الانجليز لهم فوعدوه جميلا ووفوا بما وعدوه وبقوا اثنا عشر سنة ما طرقوا باب السلطان .


كانت بين الأمير عبدالله وجيرانه الحسون حروب ومهاجمات وملاحم يشيب لها الوليد وأشهر هذه الملاحم وقعة خويسة وهي بلدة صغيرة بجنوب بلاد الحسون صارت تاريخاً محفوظاً لما وقع فيها من القتال وما فقد من الأبطال وأعيان الرجال انجلت عن مائة وسبعين قتيلا من الفريقين بالسلاح الأبيض ، ويقال أكثر من ذلك سال الدم بالغيل حتى بلغ بلاد بني بو علي ، وكان هذا الأمير هو المهاجم ليستأصل جيرانه لكنه لم يفز في هذه المعركة إلا بالهزيمة وقتلٍ ذريع في قومه ، ولا زال يخوض حروباً صعبة ، وله مواقف عرف بها ، ولا زالت عادته هذه حتى توفي سنة 1328 هــ وعمره مائة وعسون سنة .
بويع بعد وفاته لابنه علي بن عبدالله وشاركه في الحكم ابن أخيه محمد بن ناصر ابن عبدالله ، ثم توفي محمد وبقي الأمير علي منفرداً بتدبير حكم بلاده ، وهو رجل سياسي حر في حركاه وسكناته عارف بالمورد والمصدر ساكن الطبع ، أما آباؤه فهم إلى طراز البداوة أقرب بل هي عادة العمانيين ، وكان بين هذا الأمير وجيرانه الحسون حروب قاسية وأكثر قتال أهل جعلان بالسلاح الأبيض فأمراء جعلان يأملون استئصال جيرانهم الحسون وخضوعهم لهم ولكنهم ثبتوا له في كل موقف ، وتكون الحرب سجالاً في أحيان ، وبقوا كذلك حتى دخلت بلاد الحسون تحت رعاية الإمام الخليلي في عام 1363 هــ فكانت بين الإمام الخليلي والأمير علي بن عبدالله معاهدات ووثائق من ضمنها أن يكون الأمير علي متكفلاً بالغافرية الذين بالشرقية فهو السائل والمسؤول وبقيت الصداقة والمودة متبادلة بينهما والمكاتبات متداولة ، زار الأمير علي في شبابه الحجاز ومصر وبعض الولايات المتحدة ، وكانت وفاته في يوم ثاني عشر من شهر صفر سنة 1366 هــ .
وولى الإمارة من بعده أخوه الشيخ سالم بن عبدالله بإجماع من رؤساء قومه ثم لم يشكروا سياسته لا سيرته فطلبوا اعتزاله فاعتزل ، ولم تكن إمارته إلا سنة وأشهراً ثم ولى الأمر من بعده خالد بن علي بن عبدالله ويعاضده ابن عمه ناصر ابن محمد بن ناصر بن عبدالله وبقيا في الإمارة إلى عام 1376 فدخل عليهم في ليلة مظلمة حمد بن خميس بن سعد السنيدي وخادمه ففتك بهما وعدد من أولادهما وأصيب بعض نسائهم بجراح فكانت معركة داخل القلعة ثم قتل حمد ابن خميس وخادمه وخرج أبوه خميس من بلاده إلى بلاد الحسون بعائلته

وأولاده ، وصحبه بعض بني عمه ، وتفصيل الحادثة يكون في الجزء الذي يلي هذا في إمامة الإمام غالب إن شاء الله .
ثم ولي الأمر خميس بن محمد بن ناصر وابن عمه صالح بن علي بن عبدالله .
ظفار
من مقاطعات عمان وتتعلق عليها توابع كثيرة تنازعها أئمة عمان وأئمة اليمن في القديم وانتهى بها الحال إلى ان صارت من أملاك عمان .
ومن حاصلات ظفار اللّبان . قال الأنطاكي : (( وقيل إنه لا يوجد في الدنيا إلا في جبلها )) وبع بادية كبيرة تعرف خطّة جنائه يضربونه بحديدة حتى يسيل لبنه فيتحجر فينزلون عنه ويبقون شهراً ثم يخرجون إليه فيضربون البشرة الخارجية ويقيمون عشرة أيام ، هذا عملهم ثم ينزلون إلى بيوتهم فيقيمون عشرة أيام اخرى ثم يرجعون إلى الجبل فيبقون خمسة أشهر في جنائه ولكل منهم محل محدود يتسلفون من التجار على هذا الجناء ، ومحلُّ هذا اللبان مخصوص بالإبل والغنم ويطلق عليه اسم ( سَدْح ) وهي من أعمال ظفار والأمطار بها قليلة في وقت تحجر اللّبان وحكمة الله اقتضت ذلك لأن المطر يفسد اللّبان إذا أصابه قبل أن يتحجر .
أما ( مرباط ) وهي من أعمال ظفار يكون بها اللّبان من جهة المطلع ويكون المطر عليها من دهة القبلة وهو الموسم المعروف عندهم بالخريف وهذا الموسم لا يتعدَّى ظفار ، وأوله طلوع سهيل فيحصل الدهن البقري في ذلك الفصل وهو الدرجة الثانية من حاصلات البلاد الصادرة إلى الخارج .
ومن حاصلاتها أيضاً النارجيل وهو الجوز الهندي .
والسمك الصغير المسمَّى ( قاشع ) .
والعُومة وهو نوع من القاشع أكبر منه .
والسمك الكبير المسمى الكنعد يصدرونه إلى كلومبو من بلاد الهند وغيره من أنواع الصَّيد .


ونوع من الصيد يسمى الصويلح يصدر إلى عدن ولا يوجد الصويلح إلا من رأس مرباط إلى رأس توس .
وبظفار من الماشية الإبل والبقر والغنم شيء كثير بحيث يملك الفرد من المئة إلى الألف وربما ملك بعضهم الآلاف ولكثرة ماشيتها نجد الجلود فيها كثيرة ولها تجار يجمعونها ويصدرونها للخارج .
والرقيق موجود عندهم ، ويملك بعضهم من الرقيق بقدر خمسين رأساً كلهم أسود اللون ومنع السلطان سعيد ابن تيمور بيعهم حتى في البلاد نفسها ، والتجارة لا بأس بها إلا موسم التصدير ليس بطويل الأمد لأن موسم أمطارها تابع للهند فمنذ الصيَّف إلى الخريف ، لا يقرب ظفار أحد من جهة البحر لشدة اضطرابه وعظم الموج وهي مشهورة بذلك ، ولها ميناء غير صالح لرسو السفن وأكثر ما ترسو بميناء مرباط وهي منها بقدر خمسة فراسخ والزراعة منتشرة بها وتربتها طيبة وحاصلاتها كثيرة وأكثر ما يزرع بعمان بها إلى ما شاء الله .
أما النخل فلا يجود بها لأن الهواء بارد والأمطار غزيرة فلا تكفيه الحرارة وقد قام بإصلاحها السلطان سعيد بن تيمور فأصبحت جنة غناء .
أهمية عمان الإستراتيجية والزراعية
تخترق عمان سلسلة جبال ترتفع أحيانا حتى تكون شاهقة وتنخفض تارة فهي بها كفقرات الصلب وإنها أعلا جبال بلاد العرب كلها وترتفع عن ساحل البحر عند رءوس الجبال حيث تنخرط إلى داخل البحر ،
وفي دبا وخورفكان ومسقط وقلهات فبين القريب والبعيد تتخللها أودية ومسالك من داخلية عمان إلى الساحل النعشي كوادي ضيقة ووادي طيوي ووادي مِنصَح ووادي العق ووادي الخوض ووادي القور وفي بعض هذه الجبال قرى ومزارع وأنهار لسقي الزراعة وبعمان سلاسل من الرمال الجبلية الطويلة ذات الرمل الأحمر وتتألف من رمال مرصوصة رصاً قويا يسهل السفر فوقها على ظهور الإبل وتحتوي هذه الرمال على عدد من الآبار ذات الماء العذب وتنقلب هذه الرمال إلى مراع ممتازة بعد هطول المطر فإن عائلات البدو

تنتجعها فتحط رحالها عند هذه الآبار فتقيم بها حتى تشبع ماشيتها تتخلل هذه الرمال فجاج تعرف بإسم شقاق مفردها شقة تكون هذه الشقاق مسالك للتخلص من الصعود والنزول .
لقد انسلخت عمان عن غيرها من الأقطار المجاورة لها بحكم موقعها الجغرافي فجبالها شاهقة وتنفصل عما جاورها من البلدان بواسطة الصحراء العربية حيث يقع الربع الخالي وعوضا عن أن تنحدر عمان بالتدرج نحو البحر كما هو الحال في الجهة الشمالية الشرقية ترى الساحل في أقصى الجنوب يرتفع إلى حد بعيد .
إقليمها : مناسب وترتفع بها الحرارة إذا دخلت الشمس برج الجوزاء ولقد أجمع المؤرخون والجغرافيون أن عمان بلاد حارة حتى قال بعضهم أن حرها محرق . أما كونها حارة فهذه ما لا خلاف فيه بدليل أن جميع الأشجار التي تتطلب البلاد الحرة تغرس بها فتطيب .
ولما كانت عمان قسم من بلاد العرب التي وصفوها بأنها حارة جداً في الصيف باردة جداً في الشتاء أخذت حكمها لكن لا نعلم بأن الحكم عام على جميع عمان وهي واسعة الأرجاء بعيدة ما بين الطرفين تمتد من حدود حضرموت إلى البحرين وفيها السهل والجبل والساحل ولكل حكمه ، وما وصفوه من الحر يصدق على بعض البلاد دون البعض بل إن بعض البلاد ليست حارة أصلا كالجبل الأخضر الذي يكون في الصيف باردا كالشتاء في غيره وكذلك جبل الكور حكمه كجبل الأخضر بل هو ألطف هواء ، وكذلك يقع في جبل حلّوت الذي بجنوب
طيوي في شرق مسقط . أما عمان الداخلية فلا يبلغ الحر فيها هذا الحد ويكون الهواء بها جافا ويتغير الحكم في أطراف عمان من جهة الجنوب وبمدينة ظفار وما يليها حيث تكون الأمطار الموسمية في الصيف كما هو الحال في بلاد الهند لأنها على سمتها في خط واحد .
أما داخلية عمان فما كان وراء الجبل الأخضر من جهة الشمال تجاه القطب فأقرب أن يكون حكمه حكم ساحل الباطنه

لأن الجبل يحجزه عن الهواء الجنوبي والبحر يمنعه فلا تجد في ذلك الطرف الهواء اللطيف إلا شاذاً بعد الساعة السادسة نهارا بمقدار ساعة ونصف ساعة وتهب الشمال في أوقات بسموم فيتغير بسببها كثير من أثمار الأشجار والنخيل .
وما وراء الجبل الأخضر من جهة الجنوب يختلف فيه الهواء .
أما جعلان فنسيمها عليل ولا يسكن إلا قليلا وبه نداوة ولا تطرقها الشمال الضارة إلا نادرا وقد أحاطت بها الأشجار الطويلة من الغاف والاثل وغيرها فهي تغربل الهواء وتنقيه فيخرج طريا نقيا .
وبدية : هواءها أرق من هواء جعلان لعدم النداوة وبه السموم لا تطرقها إلا نادراً والصبا تنتشر عليها وقت الصيف نفثات يرتاح لنسيمها الجسم فتبرد لها الأحضاء وكثيراً ما تطرقها من الساعة العاشرة نهاراً إلى الساعة الثانية من الليل وأحيانا تبقى لها الثالثة ثم يسكن ذلك الهواء اللطيف فيبقى برودة غضة ولا برودة الكهرباء وبدية قرى متصلة وأقرب أن تكون متشابكة على أرض منبسطة بين رمال متكاثفة مرتفعة وبعضها مبعثرة بين القرى يخطها وادي البطحاء ويهاجم بعض بلدانها أحيانا .
وأكثر الشرقية هواءها لطيف ليلا معتدل نهارا وكذلك أرض الجوف وأرض السر . وأما ناحية الجو فأخذت القسط الأوفر من ذلك . وشمال عمان على ساحل الخليج فالحر فيها لا يتجاوز مائة وعشر درجات ويندر أن يصل مائة وعشرين درجة وتختلف الأمكنة بعضها عن بعض فهواء صور يختلف بحيث أن الرياح تطرقها من الجهات الأربع في كل يوم وليلة وكثيراً ما يكون بها الأزيب الصوري وهو جاف منشف يطرد سموم الحرارة والحشرات ذوات السم وله عاوصف في بعض الأحيان وبقربها من جهة القبلة موضع يسمى الزمار لا تخفق رياحه في كل وقت وكل ساعة شتاء وصيفا .
أما مسقط فهواءها حار فيه رطوبة ونداوة وقد ضيقت الجبال المحيطة بها فلا يطرقها الهواء الجاف وأكثر هواءها من جهة البحر .


والباطنة مثلها إلا أن الجبال على مسافة بعيدة منها وهي بحبوحة عمان وجنتها تكون وقت الجفاف جُنتها يأوون إليها فتحضنهم فهي مقصد الوارد والصادر وملجأ الفقير الحائر بها النخل الكثير والماء الغزير رائقة البقاع والجهات كثيرة الشجر والجنات صحيحة الهواء لمجاورة البحر والبيداء تقع على ساحل الخليج الفارسي عمارات متصلة غير منفصلة في مقدار مائة وخمسون ميلا لا يحوطها سور ورأس الخيمة وأم القيوين ودبي وأبوظبي شبه جزائر يحيط بها البحر ولهذا يكون الحر بها شديدا ليلاً متى ما كان البحر مادا ولا تتراوح الهواء إلا عند الجزر بخلاف الشارقة التي لا يحيط بها البحر ويأتيها الهواء البري من مطلع العقرب مارَّا على رمال وأشجار فيكون لطيفاً ولذا اشتهرت بين جاراتها بلطافة الهواء .
يوجد بعمان المعادن الذهبية والفضية والقصديرية والكبريتية والنحاسية والملحية والمغر والسماد الطبيعي والزيت الذي هو قوام الطائرات والسيارات وقلّ أن يكون هناك معدن إلا ويوجد بها .
ذكر الدكتور فيليب حتى في كتابه المسمى تاريخ العرب المطول أن السومريين استحضروا النحاس ( وهو أول المعادن التي اكتشفها الإنسان واستعملها ) من مناجمه في عمان .وذكر غيره من المؤرخين أن ملكة على العمانيين تسمى شمسا استعانت بالرومان في جلب مصانع لعمان فاستخرجت النحاس وهو أو معدن استخرجه الإنسان .
كانت بعمان صناعات ولكنها في هذا الوقت تأخرت إلى قصى حد فلا يوجد فيها مصانع من المصانع الجديدة إلا ما كان موجودا من المصانع السابقة فأخذت في الإنحطاط بواسطة الوارد إليها من الخارج .
كانت تصنع كل ما تحتاج إليه من أوعية الخشب والفخار وتقوم كل بلد بما تحتاجه ويصدر منها إلى الخارج نوع من أباريق القهوة المسماة ( دَلَّة ) وكثيرما تُبنَى السفن الشراعية بسواحلها وقلما تضاف إلى المحركات الأوروبية تتراوح في حمولة عشرين طن إلى ثلاثين طنا .


اشتهرت عمان بحسن النسيج فالشارقة اختصت بنسيج البشوت وهي أفخرما نسج بعمان وهذه البشوت تسمى عند أهل الخارج عباءة . واختصت إبرا بنسيج العمايم المخططة الأطراف المسماة سباعية ونسيج الأوزرة على اختلاف أنواعها .
واختصت " بهلا " بنسيج المناسيل المتخذة من الصوف المتين ، واختص وادي سمايل بنسيج الخضرنج وهو من القطن الأحمر الموجود بعمان خاصة وكان يصدر كثير من هذه المنسوجات إلى الخارج .
ولما كثرت منسوجات أوربا وجلبت إلى عمان قصرت همة النساجين في عمان وراجت المنسوجات الأوربية .
الزراعة بعمان
تربتها طيبة قابلة للغرس والزراعة وزراعتها نامية جداً لأنها بلاد حارة ، وأكثرالأشجار التي تطلب البلاد الحارة تغرس بها فتنمو فتطيب ، ومن أراضيها القابلة للزراعة الباطنة وهي لو أتيح لها من يعتني بالزراعة لكفت أهل عمان ومثلها جعلان لو قام أهلها بالزراعة لأغنته بمحاصيلها عن الطلب من الخارج ، ومثلها وادي قريات وهو الذي نزله نبي الله سليمان بن داؤد عليه السلام حسب الروايا ، وتضعف
الزراعة أحيانا في بعض المناطق لقلة الماء إذا امتنع المطر وإن كان بها الآبار والأنهار لكنها لا تكفيها وقت الجدب ، وقد يشتد بها الغلاء وتضعف البلاد متى حرمت الغيث فيتجول أهلها وراء طلب الرزق إلى أفريقيا وعلى طول الخليج الفارسي ، ومع ذلك فإنهم يحتمون إلى بلادهم ويسعدون كلما تراءى لهم العودة إليها .
يغرس بعمان النخل وأنواعه كثيرة وأشهر أنواعه المبسلي وبسره أصفر اللون يؤخذ منه عند نضاجه بمعرفة أهله به فيغلى بالنار ثم ييبس بالشمس ويدخر زمانا يطلبه الهنود ويعرف عنده بإسم ( خارق ) ( وسلوق ) ومن النخيل نوع تمره أسود اللون يسمى الفرض يحبه الأمريكيون ويطلبونه ، ومن ذلك نوع آخر بالباطنة يسمى أمُّ السلا يجعلونه تمرا ولا يتجاوز الجوزة وكل الزراعة

بعمان ليست على أصول علمية ، ولو أتيح لها عالم بفنون الزراعة لتضاعفت فائدة البلاد.
حاصلات عمان
الصادرة إلى الخارج : اللؤلؤ والتمر والبسر المطبوخ والليمون وزراعته في المرتبة تلي زراعة النخل لأنه يُدِرّ أرباحاً كثيرة تطلبه البصرة وفارس وهو الدرجة الثانية من الصادرات والرمان والقطن الأبيض والأنبا المسمى المانغا وهو مما جلبه قيد الأرض لعمان من أرض الهند ، وقد أصبحت السيارات متصلة بين الساحل على الخليج الفارسي وبين الباطنه فتقطع تلك المسافة في عشر ساعات ، فاستعد تجار الساحل لتصديره إلى قطر والبحرين والكويت فصدعت قيمته الآن ، ومن جملة الصادرات سائر الفواكه والسمك بأنواعه والصدف والمحار وهو الصدف الصغار ، والعنبر بجميع أنواعه الأبيض والأصفر والبنفسجي ، وقد كثر وجوده في هذه السنين حتى أن القطعة منه تكون بمقدار مائتين وسبعين رطلا ، ويقدر الصادر من اللؤلؤ بخمسة عشر مليونا ، ويصدر من السمك نوع يسمى الكنعد إلى ( كلومبوا ) من أرض الهند ( والريش ) وهو ما يوجد على ظهر الجرجور المعروف عندهم بالآذاني يصدر إلى أرض اليابان ( واللخم ) وهو نوع من الصيد يصدر إلى أفريقيا ، هذه الحاصلات الرئيسية بعمان والتي تصدر إلى الخارج .
ومن الفواكه الموجودة بعمان ولا تصدر إلى الخارج العنب والتين والنارنج والأترج والمستعفل والزيتون والتفاح والسفرجل والخوخ والمشمش والبوت والنمت والجوز واللوز والموز والبيذام المسمى في القديم ( جلّوز ) والبرتقال ، وقد زرع كثيراً في هذا الوقت وستكون له فضلة تصدر قريبا إلى الخارج ، والفيفاي وهو مما جلب إلى عمان من أفريقيا والهند وهو في حجم البطيخ بل أشبه شيء به ، والبطيخ بأنواعه الأخضر والأصفر والحبحب .
يزرع بها الحمص والباقلا واللوبيا والفاصوليا وهو الغرغر والماش والسمسم والخردل والفلفل والكزبرة والجلجلان والبصل والثوم والفجل.
ويوجد بها من الخضروات الباذنجان والبطاطا والجزر بأنواعه والقرع


بنوعيه المدحرج والمخروط .
ومن الرياحين الزعفران وهو بالجبل خاصة والورد والياسمين والفل ويسمونه الرازقيا والريحان وكثير من سائر العطور والرياحين .
وبلاد عمان تنقسم إلى سهلية وجبلية ومما يلي الأرض السهلة من جهة الجنوب رمال كثيفة إلى محل الأحقاف .
وبهذه الجهة الجنوبية موضع يقال له أم السميم سباخ ملحية لا يجاوزها إلا من عرف موضع الطريق منها فإذا تعدى وغلط المار بها ابتلعته وهو فلا يستطيع انقاذه وقد ابتلعت الكثير من ذوات الخف والظلف بل والإنسان للينها وعدم كثافتها .
مذهب أهل عُمان
وأهل عمان على مذهب إمامهم عبدالله بن إباض رضي الله عنه وهو مذهب أئمتهم الأولين فيقال لهم إباضية وفي عمان من أهل السُّنة عدد كثير على اختلاف الأئمة في المذاهب .
إنقسام حكومة عمان
تنقسم حكومة عمان منذ سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف إلى قسمين فالداخلية عمان الإمامية وهي اليوم مملكة الإمام الخليلي بعد الإمام سالم بن راشد الخروصي وعاصمتها نزوى .
وعمان الساحل هي اليوم مملكة السلطان سعيد بن تيمور وعاصمتها مسقط .
أما الداخلية فيتمتع أهلها بالإستقلال التام والنفوذ المطلق فلا حق لغيرهم فيه ولا تدخل لحكومة أجنبية في شئونه .
نظام الحكم في الداخل الشريعة المحمدية يسير إمامهم بسيرة الخلفاء الراشدين المهديين ينظر أهل الحل والعقد من رجالها العلماء وقت استطاعتهم للظهور فيختارون من تتوفر فيه الكفاية والشروط المطلوبة ليبايعوه على طاعة الله وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم غير ناظرين في ذلك إلى بيت أو

قبيلة بل إلى ما في الشخص من الروح والمقدرة والكفاية ، والقصد من ذلك توجيه الأمة إلى الصلاح وإبعادهم من الشر ، والسير فيهم بأوامر دينهم ، ويستندون في ذلك إلى قاعدة وضعها القرآن الكريم : ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )) فإن قام بالشروط وسار على النهج ولم يخالف العلماء ولم يرتكب محظوراً فعليهم طاعته وكان ولياً مقدساً عندهم وإن خالف وتعدى خلع ورفض وقدموا غيره ، ولا يقبلون ولاية عهد يجعلها الأول لابنه وأخيه إذ ليس المسلمون قطيع غنم فيورث إنما عملهم وأسلوبهم على وفق الصدر الأول من الإسلام وهو الدستور الإسلامي منذ فجر التاريخ وهو نظام الإمامة المعهود في الشريعة الإسلامية الموجود بكتب الفقه ولا يبغون به بديلا .
ومجلسها يتألف من كبار رجال العلماء وعظماء الدولة ومتى حدث طارق مهم اجتمع معهم الزعماء والرؤساء من المقاطعات .
النظام الإداري تابع له سواء كان الأمر سياسياً أو مالياً كجباية الخراج والجندية والشرطة والعمال والقضاة .
نظام الجندية الشعب كله جند حربي بطبعه لا يبلغ الفرد منهم الحلم حتى يكون قد أتقن عن أبيه العمل بالسلاح لما كانوا عليه قبل ظهور الإمامة من الفتن والسعايات فصار مألوفاً عندهم حمل السلاح وَيُعَدُّ ناقصاً من أهمل حمله في كل ساعة اللهم إلا شيخ عِلْمٍ أو أعمى أو عاجز على أن شيخ العلم يحمله عند الحاجة بلا مراجعة .
يلقب حاكمهم بإمام المسلمين .
أما في إقليم الساحل حيث تقع سلطنة مسقط فإن نظام الحكم بين الخصوم ما يحكم به القاضي . ويتألف مجلس سلطنة مسقط من مستشار انجليزي ووزيري داخلية وخارجية .
ونظام السلطنة في السياسة وضبط المالية فنظام مدني مخالف لنظام الداخلية في عمان وإن كان مذهب القسمين في الديانة واحد .


والإمام في عمان لا يقبل أخذ الأموال ولا يستحله إلا من النصاب الذي حده الشارع فما سقي بالنهر العشر ، وما سقي بالزجر نصف العشر ، وليس للإمام دخل سوى الزكاة وقعد الأسواق وغلة بيت المال .
أما حكومة مسقط فدخلها من الجمارك ولها دخل آخر على القوانين الجديدة والرسوم المستعملة .
ولم تكن لحكومة الإمام بعمان علاقة بالدول العربية والأجنبية لأن من شأنالعمانيين العزلة والانفراد فهم لا يحبون الاتصال بالعالم الخارجي خوفاً على استقلال بلادهم وتغيّر طباعهم ولم يسمحوا للأجانب بإنشاء سفارة مخافة أن يجر السماح إلى فتح الباب للدخلاء .
خضعت عمان في الزمن القديم للخلفاء الراشدين والأئمة الصالحين منذ ابتداءالدعوة الإسلامية إلى هذا الوقت وقد يحصل انقلاب فيقوم نظام غير نظام الإمامة ولكنه لا يلبث أن تعود الإمامة ويرى ذلك في سلسلة الأئمة الآتية :
ذكر المؤرخ في كتاب (( عمان )) لشركة الزيت الأمريكية ص 3 / 4
(( إن بلاد عمان المعروفة هنا بأنها تضم الجانب الأكبر من السلسلة الطويلة من الجبال التي يطلق عليها اسم الحجر ، والأراضي الواقعة بين هذه الجبال وبين الربع الخالي هي من أشد أجزاء الجزيرة العربية امتناعاً على الروّاد ولم يزرها أحد سوى عدد قليل جداً من الرواد الغربيين ، والسياسة الرسمية التي تتبعها حكومة الإمامة في ثني أهلها عن الاتصال بالعالم الخارجي تعزز هذه العزلة في أرضها فهذه الحكومة لم تنشئ علاقات سياسية مع أي دولة أجنبية والروابط الاقتصادية التي تربط الإمامة بأقطار خارج حدودها الطبيعية قليلة .
صاحب السلطة العليا في الإمامة هو الإمام محمد بن عبدالله الخليلي الذي يقيم في عاصمته نزوى بالقرب من السفح الجنوبي الغربي من الجبل الأخضر والإمام هو في المقام الأول ، رجل دين ، بيد أنك لا تجد حداً فاصلا في نظام الدولة بين شئون الدين وشئون الدنيا وفقاً للعرف الإسلامي القديم . ا هـــ كلامه .



فائدة في بيان أسماء أئمة عُمان :
الذي ملكوا بالعدل في القرن الثاني :
(1) الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى من بني الجلندى بن معولة ابن شمس وهو أول إمام بعمان .
(2) محمد بن أبي عفان من اليحمد .
(3) الوارث بن كعب الخروصي .
(4) غسَّان بن عبدالله الخروصي .
أئمة القرن الثالث :
(5) عبدالملك بن حميد من بني علي بن سودة .
(6) المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي .
(7) الصلت بن مالك الخروصي .
(8) راشد بن النظر اليحمدي الخروصي .
(9)عزان بن تميم الخروصي .
(10) محمد بن الحسن الخروصي من أهل فشخ من أودية الرستاق .
(11) الصَّلت بن القاسم الخروصي من أهالي نزوى .
(12) عزان بن الهزبر المالكي من كلب اليحمد .
(13) عبدالله بن محمد الحداني المعروف بأبي سعيد القرمطي .
(14) ثم عقد للصلت بن القاسم الخروصي مرة ثانية .
(15) الحسن بن سعيد السحتني النازل نزوى وهو من بني خروص
(16) الحواري بن مطرف الحدَّاني النازل نزوى .


(17) ثم عقد لابن أخيه عمر بن محمد بن مطرف .
(18) محمد بن يزيد الكندي النازل بسمد نزوى .
(19) الحكم بن الملا البحري النازل سعال من نزوى .
أئمة القرن الرابع :
(20) سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب القرشي .
(21) راشد بن الوليد الكندي .
أئمة القرن الخامس :
(22) الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي .
(23) راشد بن سعيد اليحمدي .
(24) ابنه حفص بن راشد بن سعيد .
(25) راشد بن علي الخروصي .
(26) عامر بن راشد بن الوليد الخروصي .
(27) محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي .
(28) الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن شاذان الخروصي
أئمة القرن السادس :
(29) محمد بن أبي غسان الخروصي من أهل منح .
(30) موسى بن أبي المعالي بن موسى بن نجاد .
(31) خنبش بن محمد بن هشام .
(32) ابنه محمد بن خنبش بن محمد .
أئمة القرن التاسع :


(33) الحواري بن مالك .
(34) مالك بن الحواري .
(35) أبو الحسن بن خميس بن عامر .
(36) عمر بن الخطاب بن محمد بن أحمد بن الصَّلت بن مالك الخرُوصي .
(37) محمد بن سليمان بن محمد بن مفرج .
(38) عمر الشريف .
(39) أحمد بن عمر بن محمد الرُّبخي .
(40) أبو الحسن بن عبدالسلام النزوي .
أئمة القرن العاشر :
(41) محمد بن اسماعيل بن عبدالله بن محمد الحاضري الخروصي .
(42) ابنه بركات بن محمد بن اسماعيل الخروصي .
(43) عمر بن القاسم .
(44) عبدالله بن محمد القرن المنحي.
أئمة القرن الحادي عشر :
(45) ناصر بن مرشد اليعربي
(46) سلطان بن سيف بن مالك اليعربي .
(47) ابنه بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي .
أئمة القرن الثاني عشر :
(48) سيف بن سلطان قيد الأرض اليعربي .
(49) ابنه سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي .
(50) المهنا بن سلطان اليعربي .


(51) يعرب بن بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي وهو ابن الإمام بلعرب .
(52) محمد بن ناصر بن عامر بن رمثه بن خميس الغافري .
(53) سيف بن سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي وهذا الابن الثاني لقيد الأرض .
(54) بلعرب بن حمير اليعربي .
(55) سلطان بن مرشد اليعربي .
(56) أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي .
(57) ابنه سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي .
أئمة القرن الثالث عشر :
(58) عزان بن قيس بن عزان بن قيس البُوسعيدي .
أئمة القرن الرابع عشر :
(59) سالم بن راشد بن سليمان الخروصي .
(60) محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي الخروصي .
(61) غالب بن علي الهنائي .


فائدة في بيان أسماء الأئمة من بني خروص وهم الذين ملكوا عمان بالعدل :
كان بني خروص بيت الإمامة في عمان وهم من اليحمد من الأزد ، وذلك لكثرة الفضل والعلم فيهم ولذلك يقول شاعر العرب أبو مسلم :
وأين قوّام أمر الناس قادتهم بنو خروص حماة الدين مذ كانوا
فلهم المحتد العالي والمنصب السامي وأولهم :
(1) محمد بن أبي عفان الخروصي .
(2) الوارث بن كعب الخروصي .
(3) غسان بن عبدالله الخروصي .
(4) المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي .
(5) الصلت بن مالك الخروصي .
(6) راشد بن النظر الخروصي .
(7) عزان بن تميم الخروصي .
(8) محمد بن الحسن الخروصي .
(9) الصلت بن القاسم الخروصي .
(10) الحسن بن سعيد السحتني الخروصي .
(11) الخليل بن شاذان الخروصي .
(12) راشد بن سعيد اليحمدي الخروصي .
(13) ابنه حفص بن راشد الخروصي .
(14) راشد بن علي الخروصي .
(15) عامر بن راشد بن الوليد الخروصي .


(16) محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي .
(17) الخليل بن عبدالله بن عمر الخروصي .
(18) محمد بن أبي غسان الخروصي .
(19) عمر بن الخطاب بن محمد الخروصي .
(20) محمد بن إسماعيل الخروصي .
(21) ابنه بركات بن محمد الخروصي .
(22) سالم بن راشد بن سليمان الخروصي .
(23) محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي الخروصي .
كتبناهم على الترتيب الذي ذكره نور الدين في تحفة الأعيان فعلى هذا
أن أكثر الأئمة بعمان من بني خروص فللّه ما أيمن نقيبتهم ، وأعظم بركتهم على المسلمين .

لا ينكر الناس ما للقوم من قدم***وكيف يلحق عين الشمس نكـران

أحسابهم ومعاليهم ودينـــــــهم***كواكــب وهدايـــــات واتـــــــقان


أن الملك بعد الإمام العادل عزان بن قيس رضي الله عنه ، صار إلى بني عمه من آل بو سعيد ، فلم يقسموا بالسوية ، ولم يسيروا بالعدل بين الرعية ، ففشا الظلم وكثر الجور ومرجت عمان ، وصارأهلها يتقاتلون بالتعصب الباطل هذا هناوي وهذا غافري بل كل بلدة فرقتين ، فكان السلطان يعين كل طائفة على الأخرى ، فبثوا بينهم الضغائن وغرسوا بذور الأحقاد وبذلوا الجهد في الإنتقام والأخذ بالحقد على فطاحل العلماء الساعين في دولة الإمام الشهيد عزان بن قيس ، فأوثقوا شيخ العلم سعيد بن خلفان الخليلي ودفنوه وابنه محمد حيين ولم تكن هناك جريمة سوى أنه بالحق لله قائم . وصفدوا العلامة الشيخ حمد بن سليمان اليحمدي بالحديد المثقل أربعة عشر شهراً لا يستطيع النهوض وما

أفلته منهم إلا طول الأجل ، ودسوا السم للعلامة الزاهد الشيخ محمد بن سليّم الغاربي في كتاب أرسله السلطان إليه فلما فتحه طار السم على خيشومه فانتفخت أوداجه فمات من ذلك رحمه الله ، وذلك لما منعه آل سعد منه فأعيته الحيلة وكانوا ذلك الوقت أهل منعة وحدة جاهروا السلطان فشد عليهم وأغلظ لهم في المقال والفعال ، فمن بعض كتبه لهم :
بسم الله الرحمن الرحيم
(( من تركي بن سعيد بن سلطان إلى المفسدين في الأرض ولا يصلحون كافة آل سعد يصلكم كتابي هذا أخمدوا نار الفتن ما ظهر منها وما بطن وإن لم تتبعوا سُبُلّْ الهدى واتبعتم سبيل الهوى أقسمت بالذي مكنني رقاب عباده وجعلني خليفة في الأرض لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً )) والسلام ختام 7 رجب سنة 1299 هــ .
(( الجـــــواب )) :
بسم الله الرحمن الرحيم
(( من المعتصمين بالله ورسوله كافة آل سعد إلى تركي بن سعيد بن سلطان ،وبعد والله لن نؤمن بك وإن جعلت نفسك فرعوناً لنكونن لك عصى موسى وانظر الغالب ، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ، والسلام على خير الأنام . )) يوم 12 ؤجب سنة 1299 هـــ .
طرف من أخبار الشيخ المحتسب صالح بن علي
ابن ناصر بن عيسى بن صالح بن عيسى بن راشد بن سعيد بن رجب الحارثي ، أول من أسس إمارتهم جدهم الخامس عيسى بن راشد وكان مركزه بسفالة إبرا ، وبعد أن أجرى نهر القابل انتقل إليها فجعلها مركزه الرئيسي وبقى أبناءه بها إلى الآن واتخذ وابنه محمد بن عيسى جد آل حميد بن عبدالله المضيرب وطناً فهم بها إلى الآن .


ولد بالقابل عام 1250 هــ خمسين ومائتين وألف ، ونشأ بها بعد ما قتل أبوه علي بن ناصر في معركة سيوي التي دارت بين السلطان سعيد بن سلطان والمزاريع .
كان هذا الشيخ أحد أقطاب الدولة الذين دارت عليهم شئون مملكة الإمام عزان بن قيس وقريناه في حمل أعباء الخلافة قدوة أهل عمان سعيد بن خلفان الخليلي والعلامة الزاهد محمد بن سليّم الغاربي ، وبعد انقراض تلك الدولة بقي هذا الشيخ محتسباً للمسلمين حابساً نفسه لجهاد البغاة والجبابرة ، ولصلابته وقوة جأشه وإخلاصه كان يقود الجيوش فيهاجم بها سلطنة مسقط في عاصمتهم ، وهاجمهم مراراً والوقائع والحروب التي دارت بينهم مشهورة عند العمانيين ، وأوتي حظاً عظيما وهيبة صدع بها قلوب المارقين ، وكان يحاول إعادة الإمامة في عمان ، وقد رشح لغرضه السيد سعود بن الإمام عزان بن قيس رضي الله عنهما فلم يكن يفارقه في غزواته رجاء أن ينال فرصة لأخذ البيعة له إذا فتح بعض المعاقل فما قدر الله .
كان أعلم أهل زمانه بالحلال والحرام وقد شهد له علماء عصره .
كان يقظاً حازما متواضعاً للحق سريع الرجوع إليه إذا نوقش .
كان رقيق القلب كثير الرحمة والشفقة على عباد الله مواسياً لهم ينفق في سبيل الله وعلى الأرملة والضعفاء واليتامى .
وقد هاجر إلى زنجبار في أيام السلطان ماجد بن سعيد فكان بينه وبين مهاجمات تعصب فيها للسيد برغش بن سعيد ، فآل الأمر إلى تكعكعه عن موقفه وخرج إلى أرض الصومال فأقام في ضيافة حاكمهم سنتين ، وقرأ هناك على أحد العلماء النحو والصرف والمعاني والبيان ، ثم رغب في الرجوع إلى زنجبار فركب سفينة شراعية في جماعة من رؤساء عمان مروا عليه فدخل على السلطان ماجد بدون شفاعة ولا واسطة وألقى نفسه عليه فعفى عنه .
شيوخه : أجل شيوخه الذين أخذ العلم عنهم العلامة المحقق الخليلي ولا نعلم له شيخاً غيره ، فإنه هاجر إليه وهو صبي لم يبلغ الحلم فأعطاه دروساً ورده إلى بلده ثم رجع إليه في العام القابل ولقنه دروساً أخرى ، وكانت عادة المحقق

الخليلي مع التلاميذ الاستخبار ، فلما رجع إليه ثالثاً قربه إليه لما توسم فيه من الصلاح .
تلاميذه : الذين أخذوا العلم عنه منهم العلامة نور الدين السالمي والعلامة الكبير أبو مالك عامر بن خميس وابنه الأمير عيسى بن صالح .
مؤلفاته : رسالة سماها علَم الرشاد في أحكام الجهاد أتقن فيها احكام البغي وما يجازى به فاعله وله رسائل ومجلد ضخم أجوبة مسائل فقهية ، رتبه شيخنا القاضي أبو الوليد ((سماه عين المصالح في أجوبة الشيخ صالح)).
غزواته : خرج في أواخر ذي القعدة سنة 1290 هــ تسعين ومائتين وألف على مسقط لما تقدم من بغي السلطان تركي على الإمام عزان ، وقتله لمشايخ العلم سعيد ابن خلفان الخليلي وابنه محمد بن سعيد ، ولم يقدر الله له الظفر.
ثم خرج ثانية على مسقط بمساعدة السيد عبدالعزيز بن سعيد أخ السلطان تركي ولم يتم له الفتح.ثم خرج إلى بلدة سرور من وادي سمائل لإغاثة الرحبيين وهم قوم من همدان بغى عليهم جيرانهم بنوا جابر فمكنهم من بلادهم وردهم إلى أوطانهم.
ثم خرج في أول سنة 1312 هــ اثنا عشر وثلثمائة وألف إلى وادي دما وهو واد لبني شهيم قد اظهر أهله البغي وطلب منهم الإذعان للحق فكابروه فأظهره الله عليهم .
ثم خرج إلى مسقط مرة ثالثة سنة 1312 هــ اثنا عشر وثلاثمائة وألف وعليها السلطان فيصل بن تركي وهي الواقعة التي هاجمه فيها الأمير الشاب عبدالله بن صالح قبل وصول أبيه ، ولم يقدر الله تمام هذا الأمر كله في كل الغزوات لقبول رؤساء القبائل الرشا وخذلانهم له .
ثم خرج إلى اللجيلة وهي مقر بني جابر ، وكان أهلها في ذلك الوقت أنصار السلطان وكانوا أشد نكاية عليه في مهاجمته لمسقط فحمل عليهم بجيشه في أول النهار من اليوم السادس من شهر ربيع الأول سنة 1314 فأصيب رحمه الله برمية في فخذه الأيسر عند أول الحملة فبقي جريحاً إلى قرب العصر من ذلك اليوم ، فهاجرت روحه الكريمة إلى ربها بعد ما أقر الله عينه في خصمه بدخول

بلادهم وحمل أعيانهم على الأصفاد ، وأمر ابنه الشيخ عيسى بحمل والده الشهيد فدفن رحمه الله بشرجة الإبراهيمية من علاية سمائل فرثاه الشعراء ، ولسيدي نور الدين فيه مراث حسان .
وكان له أولاد أربعة كلهم سادة أنجاب ، أكبرهم الأمير عيسى بن صالح وكان أكملهم عقلا ونجابة وعلماً ، الثاني ذلك الزعيم الباسل عبدالله بن صالح وقد نبغ في حياة والده واشتهر بين أهل عصره ، وقد توفي قبيل أبيه في ضحى السابع من ذي الحجة عام 1312 اثنا عشر وثلاثمائة وألف بعد رجوعه من غزوته لمسقط وهي الغزوة التي زلزل بها عاصمة السلطان وكاد أن ينصدع لها عرش المملكة البوسعيدية وعمره عشرون سنة يوم وفاته .
الثالث من أبناءه الشيخ أحمد بن صالح وكان سيداً مهاباً معيناً لوالده في حياته متحلياً بجميل الذكر في تصرفاته ، وكانت وفاته يوم ثاني من شهر المحرم سنة 1322 هــ اثنين وعشرين وثلاثمائة وألف وعمره خمس وعشرون سنة .
الرابع الشيخ الوجيه علي بن صالح ، فريد الطلعة ، ميمون النقيبة ، له القدح المعلى في سياسة الدولة أيام الإمام العدل سالم بن راشد الخروصي ومن أجل المعاضدين له وكان في مقدمة بعوث الإمام وسراياه ، أصيب الإسلام بموته يوم خامس من شهر شعبان عند طلوع الشمس عام 1337 هــ سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف ، وكان عمره خمس وثلاثون سنة .
إمارة الشيخ عيسى بن صالح رحمه الله تعالى :
قام الأمير عيسى بعبء الإمارة بعد أبيه الشهيد وسار في الناس سيرة أبيه الرضي وبدأ عهده بتخييب أمل السلطان فيصل في استغلال فرصة وفاة صالح فهاجمه في وادي بني رواحة الغربي وهزمه شر هزيمة ثم ان السلطان تلطف به وأكرمه وسالمه وأجرى له راتباً شهرياً فكانت أيامه أيام سكون واستراحة ، وكان وجيها عند الناس لحسن سيرته ، مقبولا عند الخاص والعام ، سخيُّ النفس جواداً كريماً مشهوراً بالفضل ، يؤمه المسترشد والمستنجد والمسترفد ، وجمع شعث المسلمين وحثهم على الاجتماع وخرج بهم إلى نزوى لمبايعة الإمام الخليلي بعد وفاة الإمام الخروصي ، فإنه عرف قدر الإمامة واستطاع إخضاع معانديه وإرهاقهم بقهرها بعد أن كان يحاذر من الدخول فيها .


فخير الناس ذو حسب قديــــم***أقام لنفسه حسباً جديداً

تراه إذا ادعى في الناس فخراً***تقيم له مكارمه الشهودا

كان يقول الحق لا يحترم الشريف أو العظيم إذا حاد عنه يرد الباطل في وجه قائله ، وغلّط المفتي بحضرة سائله .
كان ملازما للإعتكاف حتى توفي .
كان كريما مضيافاً لا يفقد بساطه الضيف ، يقدم له على حسب مراتبه ، ويوسعه إجلالاً وإكراماً ، يتكلف فوق الطاقة ، ويبذل فوق الوسع ، ومع حصر يده لم يكن في أيامه بعمان من يطعم الضيف خيراً من طعامه .
مؤلفاته : منها الرد العزيز على أحكام الدريز ، ومنها رسالة في منع الإسقاط بالجوايح ، ومنها رسالة في الرد على الإمام الخليلي فيما حكم به بين الحجريين وبين راسب . وله مجلد ضخم يحوي أجوبة مسائل في مختلف الفنون .
ولادته : ولد في أول الفجر من يوم الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1290هــ تسعين ومائتين والف ونشأ في حجر أبيه الصالح وأخذ مبادئ علوم النحو والمعاني والبيان عن الشيخ خميس بن حويسن الهنائي وأكب على التعليم ودرس على أبيه الصالح ثم على نور الدين السالمي .
وفاته : توفي ضحى اليوم السابع من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ببلد الظاهر حيث ظل مريضاً حتى ثقل ، ثم حمل على الأكتاف إلى بلده القابل ، وبها توفي ولم يزل يحوط المسلمين بغيرته وصلابته .
اعتراضه الأول :
وكانت له آراء تخالف الجمهور فمن ذلك لما حكم العلامة عامر بن خميس المالكي في عصر الإمام سالم بن راشد الخروصي عام 1333 هــ باستغراق أموال الشيخ راشد ابن عزيز وإدخالها في بيت المال عكر عليه الشيخ عيسى

وأخذ يشنع عليه في كثير من رسائله له وأغلظ له المقال لما اجتمع به في فلج مسعود حتى قال له لذد سبقت لك منزلة عندنا ولا ينبغي أن تحوّلها وامتنع من الأكل من غلة الموال فوقع في قلب بعضهم ريب وشك وانبثق أصحاب المقالات وأطلقوا ألسنتهم بالطعن على الدولة لكن العلامة المالكي لم يقف موقف المتقهقر كشف النقاب ورفع الحجاب فكتب أرجوزة طويلة سماها غاية التحقيق في أحكام التغريق ، بسط فيها كل البسط وبين الحق فيما رآه وجمع الأدلة وحقق ودقق .
إعتراضه الثاني :
وفي عام 1363 كانت جوائح سماوية افسدت الثمار وكان من رأي الإمام الخليلي رضي الله عنه الإسقاط بالجوائح السماوية إذا بيعت بعد الدراك عملا بحديث رواه مسلم أقر صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح فعمل برأيه هذا في نزوى وكتب لعماله بذلك فأعترض الشيخ عيسى وكتب رسالة تحامل فيها على القاضي منصور الفارسي ولكن الإمام بقي على رأيه ولم يرى الرجوع عنه .
إعتراضه الثالث :
كانت حروب قديمة بين الحجريين وبني راسب وقع فيها سلب ونهب وسفك دماء فألزمهم الإمام الحضور للفصل بينهم وقطع شآفة الحنانات الشيطانية ، فاجتمعوا بين بدية والمنترب من بدية فتكلم كل بدعواه وبعد أن فهم ما عندهم فصل الحكم بينهم قائلا إن ما كان قبل اليوم من قتل وسلب ونهب فهو هدر لإستحلالهم ذلك من بعضهم بعضا أخذا بما حكم به الإمام علي يوم الجمل ومن تعدى بعد اليوم نؤاخذه بتعديه وأعلن ذلك الفصل بمحضر من الخصمين واستثنى قائلا إلا إن كان الشيخ عيسى يرى غير ذلك فليقل والشيخ حاظر بجنبه أجاب الشيخ لا نرى غير ذلك والقول قولك فسجلت بينهم الوثائق وانفض المجلس وانتهت المشكلة ورجع كلا إلى بلاده .
بعد ذلك بأيام كتب الشيخ للإمام أنه لم ير لذلك الحكم وجها وطلب منه الرجوع عنه .
أجاب الإمام أنه لم يتبين لي باطله ولا يجوز الرجوع عن الحق .


فنشأ من ذلك خلاف عريض تعصب بعض القضاة كالرقيشي والخروصي وسفيان وبعضهم للشيخ كالأغبري وسالم الحارثي وكثرت الرسائل والأجوبة والأدلة وكادت أن ترجع الحرب ضروس بين الخصمين لولا لطف الله .
وكتبت المسألة بخط الإمام وأرسل بها القاضي سفيان بن محمد إلى علماء الحرم بمكة المشرفة .
فكان من جوابهم عليها ، أن هذا السائل أعظم من أن يعترض عليه آخر جواب صدر من الإمام أن ذلك رأي رأيته وعندي انه حق ولا يجوز لي الرجوع عنه ما لم أر باطله وإن كان الشيخ يرى أن ذلك باطلا فليرده ولا يحل له السكوت على الباطل ولا معارضة مني لئلا تكون فتنة بين العلماء وأنا سببها . فبقيت الأمور على حالها معلقة وكلا الخصمين قابل لقول الإمام مُصَّر على قبول حكمه والتمسك به عاض عليه بنواجذه . ولا يحب نقضه فراراً من الفتنة ولما كابدوه فيها من المكروه طوال السنين الماضية ، وببركة الإمام لم يكن في الحكم نقض من الطرفين إلى الآن .
وفي عام 1364 حدث تنافس بين الأميرين عيسى بن صالح الحارثي وعلي بن عبدالله آل حموده . سببه قبيلة الهشم فإنهم ضجروا من رئاسة أميرهم العلوي وأحبوا الإستبدال به .
ترددت رسائل الهشم ورسلهم إلى الإمام يطلبونه والياً على بلادهم الكامل وما اشتمل عليها واكثر رسائلهم على يد سالم بن الشيخ اليحمدي .
فلم ير الإمام إسعافهم في ذلك الأوان لما يعلمه من غدرهم ولما يحاذره من مكرهم لأنهم أبناء الذيب كذا يطلق عليهم عند العمانيين ولكونهم لا يصبرون على طعام واحد فهو يحاذر الفتنة ويراعي الذمة السابقة بينه والأمير العلوي إذ من الشروط فيها أن مرجع غافرية الشرقية إليه وأنه المسئول عنهم فيما يحدثونه والهشم كانوا من حزبه .
آيس الهشم من قبول الإمام لهم واستماعه لقولهم ، وعرفوا أن أميرهم العلوي تنكر عليهم بهذه المخابرة وحاذروا انتقامه منهم فرجعوا في تدبير خطة أخرى فأرسلوا واردهم سالم اليحمدي إلى الشيخ عيسى فقبل قولهم ورحب بهم ، ورسم

الخطة في قهر بلادهم فأرسل إبنه محمد بن عيسى وإبن أخيه صالح بن أحمد لمناصرتهم فنزلوا المنترب من بدية .
فكانت بينهم وبعض أصدقائهم منافسة وعدم قبول لما عزموا عليه وجاءوا به فجاهروهم ولما يثن المشايخ الهرير والهدير عن تصميمهم فدخلوا الكامل واستولوا عليها فكانت مزاحمة جيوش بين الطرفين إذ كان جيش العلوي ( بالوافي والجديد ) يقوده ابنه خالد بن علي . وخرج من أعيان جنبة صور لتسديد الأمر والصلح بينهم ولكن الواقع الموجب للكفاف عن الشر تحامل سلطان مسقط على الأمير العلوي .
في أثناء ذلك وصلت دعوة من سلطان مسقط سعيد بن تيمور للأميرين عيسى وعلي بالوصول إليه وكان عيسى بالقابل وعلي بصور وأبنائهم في الرباط فسارعا إلى إجابته فأصلح أمرهما وتسلم الكامل واردفها وادي بني خالد وكان الوادي تبع للهشم ثم كان ولاة الإمام الخليلي عليه ثم تركوه فكان عمال العلوي عليه ثم أرسل الشيخ عيسى أبناءه المذكورين فأخرجوا خدم الأمير العلوي منه وجعلوا فيه علماً للإمام وعاملا من قبله وبالجملة فإن السلطان تسلم الوادي والكامل لقمة هنيئة سائغة من غير تعب فأرسل عماله لقبض المراكز بعد ما كان علم الإمامة على الوادي أصبح العلم السلطاني عليها وعلى الكامل وتوابعهن ولم يكن لحكومة مسقط علم في داخلية عمان قبل هذا العلم ولا وقت الإمامة القديمة ولا لسطنة مسقط بمثل هذه تطورت المور وطمع فينا السلطان سعيد بن تيمور .
خروج الشيخ عيسى إلى مسقط :
كان الشيخ عيسى يرى أن له من الحق في النظر لصالح الإمامة ما ليس للعمانيين وأنه أطول نظراً وأعلا كعباً وأغزر علماً . فهو يحب أن يكون قوله مقدماً على أقوال العلماء وأمره نافذ على الرؤساء لما يراه لنفسه من المزية ولما فيه من الأريحية ، ويهوى أن من تعلق به ، أو طلب شيئاً على يده أو أتم أمراً بان لا تكون فيه مراجعة ، ولا يرضى إلا إتمامه والتوفير لما دخل فيه .
والإمام يرى أنفة العمانيين ونفوذهم من ذلك وأنه لا يلزم أن يكون عيسى موفقاً مسدداً في أقواله وأعماله إنما العصمة للأنبياء .



كان من رأي الشيخ عيسى أن يقطع مطامع العمانيين من جهة السلطان وأن يكون الحاجز بينهم وليكون نفوذه على الكل فتبادل الرسل مع السلطان سعيد ابن تيمور وكان رسوله حمد بن سليمان الحارثي من بني عمه وابن اخته ، وقد منحه السلطان لقب ( المخلص ) في جميع رسائله .
خرج الشيخ عيسى أول مرة إلى مسقط في شهر شعبان من سنة 1352 هــ على طريق قريات بواسطة السيد سعود بت علي بن بدر البوسعيدي لمقابلة السلطان سعيد ابن تيمور ، وما كان السلطان يطمع في وصوله إليه ، ولا يتحقق ذلك حتى وافاه فأكرم نزله وأعلا منزله فرجع بجوائز وافرت واحترام كامل ، فشجى ذلك رؤساء عمان وغاظهم ، فتنكروا للإمام : وعاتبوه بأن هذا باب قد سد ، وأن في فتحه خلل عليكم ، فأجاب الإمام إنا لا نتهم عيسى فربما أن يعمل لمصلحة الكل ، فلم يقنعهم جوابه ، هنالك عملت الأيدي الباطلة والألسن الفاسدة فحركت الساكن ، فأخذ الرؤساء يتسللون .
وجاهر الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري فوفد إلى السلطان مراراً فأحسن له الجوائز واستقضاه على صحار .
حَرِصَ الشيخ عيسى على منعه وحرّض الإمام على ذلك وطولب إبراهيم بالتأخير عن الخروج إلى السلطان ، وبعد أخذ ورد وطول معاودة .
أجاب إبراهيم : لِمَ يؤذن لعيسى ونمنع فإن كان رئيساً فعلى قومه ونحن مثله رؤساء قومنا وإن كان عالماً فعندنا من العلم ما يحجزنا عن التهور ، وإن كان مناصراً فالسبق لنا في المناصرة وهذا حالنا لم يزل ولا يزال وكيف نتهم مع العلم بنا في المواقف الحرجة ، ليس هذا من الإنصاف في شيء .
بقي إبراهيم قاضياً للسلطان على صحار ثم بعد ذلك تبعه القضاة فسارع منهم جماعة ومن أعيانهم المشايخ خلفان بن جميل السيابّي تقلد القضاء بصور وسيف بن حمد الأغبري أصبح رئيس القضاة بمحكمة مسقط وعبدالله بن محمد الخروصي تكفل بقضاء مطرح وسعيد بن احمد تولى قضاء ظفار وحمد بن عبيد تقلد التدريس بمسقط وغيرهم من الطبقة الثانية كثير .


ولما عنفوا أجاب بعضهم ان السلطان محتاج إلى القضاة الشرعيين فنحن إلى القيام بالواجب الديني نسارع وقد فتح عيسى باب الدخول على السلطان فلأي شيء نمنع ولا يمنع .
ثم قامت دعاة السلطان تمد حبائل الطمع إلى الشيخ سليمان بن حمير النبهاني فاستنفروه واستفزوه فاستأذن الإمام في الإتصال بالسلطان فمنعه في بادئ الأمر فامتثل على شرط أن يمتنع مشايخ عمان وإلا فلا يمكن نمنع ويؤذن لغيرنا ويأكل غيرنا ونحن جياع ويصانع غيرنا على بلاده وجماعته ولا نصانع ، يعني بذلك عيسى .
وانتشرت كتب وزير الداخلية أحمد بن إبراهيم إلى أعيان عمان يدعوهم إليه بهذه الأسباب أيقن الإمام أنها فتنة دخلت عليه فكتب للشيخ عيسى ولأعيان عمان كتبا بلفظ واحد ونص كتابه للشيخ عيسى :
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى الشيخ الأكرم المحترم الأخ عيسى بن صالح وكافة آل حجر سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإني أحمد الله إليكم إعلامنا خير وسرور أما بعد فإنه ربما يبلغكم إيفاد أهل عمان إلى مسكة ودعوة أهل مسكة القبائل إليهم غير منقطعة بثوا الرسل والكتب إلى كل أحد والناس يقولون ان فتح الباب وسده من الشرقية وانه لا يمكن أحد يفد مستجديا ويرجع ملأ الجقائب والآخر إذ سار عنف وسيء به الظن إما أن يحسن الظن بالكل أو يساء الظن بالكل وذلك أمر منعنا عن القول وقد تجرأ الوافدون بذلك والموفود إليهم ولا نرى إلا المنع فمن كان مع المسلمين وثابتاً على البيعة وغير خائس بعهده فلا يمكن مسيره إليهم مستجديا وقد حجرت عليهم ذلك إلا من كان ناقضا لبعته وعهده فذلك نظره إلى المسلمين ولا يعجز الله واعلموا أيها الناس أن أولئك لا يعطونكم شيئا من دنياهم إلا وأخذوا به شيئا من دينكم هذا قولي واستغفر الله لي ولكم والسلام وحررته يوم 22 من شهر شعبان 1357 .
ثم ترأس من بعده ابنه الشيخ أبو الفضل محمد بن عيسى بإجماع من إخوته وبني عمه وكان يوم وفاة أبيه بمسقط خرج إلى أرض الهند للعلاج فلما رجع من سفره

قلدوه أمرهم ، وكان أسنّ إخوته وأذكاهم فساس أمر قومه وقام بحقهم وله شأن في الأدب يقول الشعر ويجيب عليه .
وكانت بينه والسلطان سعيد بن تيمور مواصلات وصلات . كما كانت لأبيه من قبله وكان من أعز الأصدقاء إليه ، وقد فوض إليه التموين العماني في الحرب العالمية الثانية فاستأثر به لنفسه ولم ير لغيره حقاص فيه فكانت في العمانيين ضجة المجاعة وشكوه حتى أن جماعته الحرث اجتمعوا إلى أبيه الأمير فتكلم ناصر بن سالم بن عمير المعمري وعبدالله بن راشد الطوقي وشكى الناس إلى الإمام فلم يسوّغ الإمام لنفسه الدخول في هذا التموين لعدم معرفته به وللشبهة الحاصلة أنه مال التجار أخذ منهم بالتسعير والنهي عنه غير منكور فخرجت خارجة من وهيبة على أثر زيارة محمد للسلطان لقبض تموين عام 1362 ، فأخذت إبل السلطان من الوطية بقرب مسقط فباعوها وأكلوا ثمنها انتقاماً لفعلة محمد ، فطلب السلطان من الشيخ عيسى الإبل المأخوذة وسعى الشيخ في ردها بكل جهد فما حصل على مفيد ، واستعان بالإمام على ذلك فتساهل وتغافل لما ينكره من عمل ابنه فدفع الشيخ للسلطان دراهماً عوضاً عن الذاهب منها .
ثم خرجت خارجة أخرى من وهيبة أيضاً فأخذت قافلة للرحبيين تحمل تمراً قرب الروضة وكانوا حلفاء للأمير عيسى ، ووقع شقاق بين المساكرة والحرث في فلج بو منخرين بإبرا ، فقام أخونا أبو حميد بن نورالدين وكشف القناع للأمير وأبدى لهما آنسه وان المنافقين وسعوا النطاق ولابد إن لم يتدارك الأمر تكون العاقبة غير حميدة ، فأذن له بالسعي فأجتمع أبو حميد بالإمام في سمايل بعد رجوعه من غزوة الطوّ وتكلم عنده بحرج الموقف فأصغى الإمام رحمه الله لقوله وقبل وساطته فأقبل الإمام من حينه إلى الشرقية ، فأصلح الخصام الناشئ بين المساكرة والحرث في نهرهم وخرج أبو حميد إلى بلد الفتح واستعان باخواله الحبوس في رد الإبل والتمر الذي أخذته وهيبة فساعدوه فرده منهم ، ودعى الإمام برؤساء وهيبة فأجابوه وتحسنت الحالة مؤقتة .
وفي العام الذي فيه تولى هذا الشيخ أمر قومه حجز زكاة سفالة إبرا ، ومنع سيف بن محمد العيسري جابي الإمام عليها من صرفها في أمر الإمام ، فاستعفى سيف من قبضها وسلم له ما بيده ، وفي شهر ربيع الاخر من العام نفسه حركه السلطان على مشاغبة أمير جعلان على بن عبدالله آل حموده لكون هذا الأمير حريص

على ما تحت يده من المراكز الساحلية بأن لا يكون للسلطان فيها نفوذ ، وكانت بينه والإمام وثائق وأنه المسؤل عن طارفته فيما يحدثونه ، أوْجَسَ الأمير العلوي الحركة فأرسل للإمام يبحث عن رأيه إذا قام السلطان عليه فكان من جواب الإمام :
(( للأمير الخيار إما أن يكون تحت الرعاية وسندافع عنه وإما أن يكتفي بمنع رعايانا من مساعدة السلطان ومن تحرك منهم نكفيه امره ، أما إذا قام السلطان بمساعدة الإنجليز فيجب علينا القيام شرعاً ، وذلك دفاع عن المصر وعمان جزؤ لا يتجزء )) وكتب الإمام للشيخ محمد بالكف عن التعرض للأمير العلوي ومن كان تحت رعايته ، فقام وقعد إلا أن المنية عاجلته قبل أن يعرف ما عنده .
وقد زار هذا الشيخ البحرين والهند وأفريقيا ، ولم تكن إمرته أكثر من عام فإنه توفي في اليوم الثامن شهر جمادى الأولى سنة 1366 هــ بمرض أصابه في إحدى رجليه فأحضر له الطبيب فعجز عن علاجه ، وكانت ولادته عام 1316 هــ .
ثم ترأس من بعده اخوه الشيخ صالح بن عيسى وكان القائم بامره ابن عمه الشيخ صالح بن أحمد لأنه أوسعهم علماً وفضلاً وأكبرهم سناً .
ولما تسلّم هذا الشيخ منصب إمارتهم خرج إلى الإمام الخليلي بنزوى وتكلم إليه أن السلطان عوَّدهم عند رجوعه من رحلاته أن يتحفهم بكتاب إشعاراص برجوعه وأنهم عودوه في مقابلة ذلك بالمسارعة للتسليم عليه والتهنئة له ، فهو لا يتربص بعد علمه إلى طلب الإذن من الإمام .
وأنهم تعهدوا للسلطان بحماية وادي بني خالد وبلد الكامل لكونهما حدثتا إليه قريباً بواسطة أبيهم الأمير عيسى وأنه لا ينتظر سماح الإمام له متى دعت الحاجة إلى ذلك .
وفّى هذا الشيخ المودة حقها في أحكام روابط الصداقة بينه والسلطان سعيد ابن تيمور ، ولم يسلّم له ابن أخيه احمد بن محمد بن عيسى الرياسة ، فتزاحما على باب السلطان وظلت الطريق مشغولة بهم من القابل إلى مسقط ، فمن جفاه السلطان انحاز بجنب الإمام ليغيظ سلطانه ، فأحمد بعد موت أبيه غضب لترشيح

عمه المنصب فَوَلّى للإمام جعلان الحسون وتوابعها ، ولما فتح له السلطان باب الرضا ترك الإمارة التي تقلدها من الإمام وانقطع إلى السلطان حتى قلَّده رياسة قومه بعد احتلال عمان ، وكتب السلطان للحرث كتاباً يخلع صالح من افمارة ومنح إخوتهم جايزة الولاية على نزوى وسمايل وجعلان ثم عزلهم ، فكان هذا العمل في مقابلة ما يعمله آباءهم مِنْ قَبلُ في جنب السلطنة .
أما الشيخ صالح فإنه قام بواجبه في حق توفير الصداقة السلطانية لما كانت مشكلة وادي بني خالد حينما كان العلامة الأغبري عاملها من قبل السلطان ، فإنه تقدم إلى بلدة الظاهر بمن معه فاعترضه ابن أخيه أحمد بن محمد ، وكان ذلك الوقت في جفاء من السلطان محتجاً عليه أنها بلاد السلطان وهو أولى بإصلاح شؤنها وأنت من رعايا الإمام ولا دخل لك في هذا فأرغمه على الرجوع .
وفي ضحى يوم خامس من شهر ذي القعدة لسنة 1368 هــ أصدر هذا الشيخ على مسعود بن حميد خادم الحرث هجوما يرأسه بنفسه ، ومسعود هذا شقيق القاضي أبو الوليد سعود ابن حميد عامل الإمام على المضيبي فدخلوا عليه وهو منفرد في بيته بالمضيرب فأطلق بعضهم عليه مسدساً فأصيب في فخذه وطعنه بعضهم بخنجر فعوفي من جراحته وأصيب بعض المهاجمين بجراح خفيف .
فتحرك أبو الوليد من المضيبي للواقع بأخيه وتوجه إلى المضيرب وقلبه يحمل حنقاص وأسنته علقاً ، وصحبه أعيان الحبوس وآل شبيب فبلغ الخبر الإمام وأرسل الجميع بالوصول إليه فامتثلوا امره ، قدمت القضية على بساط البحث وعرضت على القضاة فكان من رأي الإمام الصلح بينهم وان يسمح أبو الوليد من الدعوى وأن يسلم الأرش لمسعود بعد برئه ، فعفى أبو الوليد وانتثل أمر سيده الإمام وسمح من دعواه .
ثم قدّم الشيخ صالح إلى الإمام طلباً بعزل أبي الوليد من ولايته على الحبوس لما يعتقده فيه من موالاته لابن أخيه الشيخ أحمد ، فلم يرى الإمام إسعافه للهوى ولم يقف من طلبه ذلك على موجب يوجب عزله فخرج الشيخ مغاضباً واستفز آل حبس فكان من رأي بعضهم موافقته ليكدروا عيش القاضي فعسى أن يستعفي بنفسه ، رفع أبو الوليد الخبر إلى سيده الإمام ففتش الإمام عن حقيقته فلما تيقن صحته كتب للشيخين صالح بن أحمد وصالح بن بن عيسى كتابا ما نصه :


بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بيده إلى صالح وصالح اما بعد فإن الدين النصيحة ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين العباد ولم ينصحك من يداهنك .
أقول خرجتم من نزوى ونحن قد نصحنا سعود بن حميد ولم يكفنا تاخيره بل قلنا له يجب عليك يا يعود أن تسعى لمّ شعث أولا صالح لأن ذلك شكراً للسلف ولا يكفي منك ان تقول قمت فلم أسعف حتى تبالغ في المسألة وتستعين ويظهر عذرك مع اجتهادك فاسعف فلم نشعر ولم نعلم إلا وكل يسعى في إفساد أمر صاحبه وكما ان على سعود حقاً فله عليكم أن راعيتم الحقوق وآخر الأمر أن حمد بن سليمان فيما بلغنا أنه دعى ابن عزيّز وسليمان بن راشد بالوصول أظهر الرجلان أن الدعوة من قبل أموال اولاد سالم بن خلفان قلنا هذا معنى ووجه ثم انهما رجعا وأرجفا وقالا يقول لا نعتقد صحته عنكم .ثم لما وصل أكابر الحبوس قالوا بلغنا رسول من المشايخ ونحن بالمخترع فأجبناهم أنا قاصدون لحضرة الإمام لامتثال أمره ، ولم نبحثهم عن الخطاب ولا عن الجواب . ثم بلغنا أنكم دعوتموهم بالوصول قائلين أنا نرجوكم لنصلح ذات بينكم فرأينا ان هذه الدعوة ما المراد منها الا جمعهم على أهل الحق وكان الواجب أن لا تصغوا لقول علي وسليمان . بل تنفون قولهم وإن الأمر أمر الإمام وهو الناظر لنفسه وللمسلمين ، وقد قال الله عز وجل وما كنت متخذ المضلين عضدا ولم يبلغنا ما بين هذين الرجلين ، وجماعتهم أمر ولو كان هناك أمر يردون إلى الوالي والقاضي ومن كانت الشكاية منه فمرد أمره إلينا وهو وغيره في الحق سواء ، وأعلموا أنا بحمد الله لا نتبع إلا الحق ، ويجب علينا أن لا نقر سعوداً على باطل ولا نخذله مع الحق ولا نكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أحد من الخلفاء الشك مني لما سمع رجلا يطعن في صاحبه . هل غزوت الروم وفارس ، فقال الرجل لا فقال سلم منك هؤلاء ولم يسلم منك عرض اخيك المسلم ما بالنا نجادل عن البغاة وأهل الفساد ، وإذا قيل في أهل العلم بقول بادرنا على القدح فيهم ونريد ان قيل في أهل الفساد البينة العادلة . قالت كذبت او حملت على الرعونة والله هذه هي المصيبة العظمى . فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله أصلح ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين العباد فهذا هو الميزان ، ويا صالح إبن أحمد عرفتك من قبل حق علينا الأحمد بن محمد من قبل مثارة

من المسلمين أن ندفع إليه ثلاثة أبهر من الزكاة أو يعطى حقه فأعرضت عن الأمرين ، وما إعراضك إلا لأمر في النفس وما أرى ذلك إلا نزغة من نزغات الشيطان لتقع العداوة والبغضاء وإفساد ذات البين هي الحالقة . فأقول المؤمن واه راقع . يا آل صالح لكم حقوق من قبل الآباء جميعاً وأنتم وإخوانكم نراعيكم بها مع الإستقامة . مع أنا لا نولي أمرنا الرجال إلا إن بان لنا الحق فنحن إن تمسكنا به لا نبالي ، وإن ظهر من الضعف عندنا ركن شديد إلا إن أعوججنا ولم نسلك المحجة المستقيمة . نسأل الله التسديد والتأييد واستغفر الله لي ولأخواننا المسليمن ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم . حررته يوم 25 من شهر المحرم سنة 1369 .
بعد ان كتب الإمام هذا بلغه أن بعض الحبوس عزموا على إنفاذ الخطة الموجهة إلى القاضي أبي الوليد ، وكان الإمام قد عزل القاضي قديماً عنهم . فرده عليهم قبل هذه الحادثة ، وكتب لهم ما نصه .
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله . بيده إلى المشايخ العزاز الجماعة الحبوس سلام عليكم ورحمة الله . وبعد فأنا نعلمكم أن سعود بن حميد . توفي الشيخ السالمي وهو عنه راض . ثم جعلناه في المضيبي . ثم جعلناه في سمد بأمر الشيخ عيسى ونظره وما عذرناه عنها لأمر نعده عليه ولو كان لأمر نعده عليه في دينه لقومناه وعزلناه إلا لم تحب للمسلمين إلا التوسعة والرفق لا جلباً للمال مع علمنا أن سعوداً قد مارس الأمر وحنكته التجارب ، وفيه من العلم والحزم والعزم فاخترناه أن يكون بداركم والياً وقاضيا ونعلم يقيناً ان كثيراص من الناس لا يحب ذلك ، وليس من يكره الحق يعطى سوله نحن علينا مناصرة الحق ، ولا نصرنا الله إن لم ننصر الحق والله لم يضيع المسلمين في موطن نصرهم في مواطن ضعفهم فنحن على يقين أ ن الله ينصر من ينصره وما النصر إلا من عند الله . إن ينصركم الله فلا غالب لكم ، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وإن جندنا لهم الغالبون اللهم اجعلنا من جندك الموقنين بوعدك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . حررته بيدي في رابع في صفر الخير سنة 1369 ، وكتب للقاضي ما نصه :


بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله بيده . إلى الشيخ المحترم العزيز ابن خليفين . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وإني أحمد الله ولا خبر هنا إلا الخير أما بعد :فكتابك وصل يا سعود ينبغي للعاقل أن يكون في الزلازل وقوراً وعند الخراء شكورا ونوصيكم أن تتمسكوا بالكتاب والسنة . فمن تسمك بهما فقد هدي إلى صراط مستقيم ولا تهولنكم الأمور إن كنتم متبعين الحق . فإنه لا يمكن للإنسان أن لا يبتلى ، وقد مضت سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا ، وكفى بالقرآن حيث قال : إن تنصروا الله ينصركم ، وقال والعاقبة للمتقين وإن جندنا لهم الغالبون فهذا وعد لن يخلف ولكن القصور والتقصير يكون من العبيد والسلام على الأولاد 11 محرم سنة 1369 .
وفي عام 1372 خرج هذا الشيخ بأمر من السلطان سعيد بن تيمور لمصادمة ابن عطيشان بالبريمي وزوده أربعين كيسة عيش وعشرين صندوقا من الرصاص وشيئا من القروش فأنزلها ببيت زهران العزري بنزوى ، وكان الإمام في ذلك الوقت مريضاً مدنفاً ، وقد لعب المغرضين بالأمور لعباً غير منكور حتى أنهم كتبوا على لسانه كتباً وختمت بختمه . سار هذا الشيخ ببني عمه وجنده الذي جمعه حتى وصل بهلا فلما أفاق الإمام من علته ورفع إليه الخبر كتب إليه بالرجوع عن قصده وكتب لمن صحبه من الأعيان يلزمهم بالرجوع إن امتنع من ذلك فلما وصلهم رسوله بقوا بين إقدام وإحجام فكان من حظهم ان وصل رسول السلطان إليهم تلك الليلة بأن الانكليز تكفلت بالمشكلة وكفى الله المؤمنين القتال فرجع بمن عنده إلى نزوى ، وحمل سعيد وسالم ابني حمد بن سليمان الحارثيين الرصاص والعيش الباقى إلى الدريز بالظاهرة ثم منها إلى الخابورة ثم إلى مسقط على طريق البحر .
وفي عام 1372 هــ خرج هذا الشيخ من داخلية عمان لشد الروابط الودية بينه والهناوية فكان نزوله على بني هناة أولا . ثم على بني غافر بالدريز من الظاهرة ثم توجه إلى الشيخ زايد بن سلطان الفلاحي بالبريمي . وصادف وصوله النزاع بين السعودية والانجليز في واحة البريمي ثم قصد الشارقة وركب إلى البحرين واجتهد في منع دخول جوازات الإمام بها وزار الكويت وسأل حكامها الموافقة على ذلك فما أسعفوا وزار في رحلته هذه مصر واجتمع برجال دولتها وأقام

بجوار الأستاذ العلامة أبي إسحاق إبراهيم أطفيش وتلقى منه دروساً دينية وسياسية وأدركه موسم الحج وبعد قضاء المناسك الحجية زار ولي عهد المملكة العربية السعودية سعود بن عبدالعزيز بمركز جدة . وبقي في ضيافة ولي العهد وزوده من الإكرام ماهم أهله . ثم رجع إلى الكويت . ثم إلى البحرين ومنها إلى الشارقة . ثم إلى عُمان .
وبعد احتلال الانجليز لبلدة عبري خرج هذا الشيخ إلى السلطان سعيد بن تيمور كان بظفار ويقول أنه وقع بينهما كلام في مادة عبري وأنه أغلظ على السلطان في المقال . فاجابه اعتمدوا على من شئتم ولو بالروس وزوده كرماً جزيلاً .
ولما تحقق الهجوم الثاني على نزوى كتب إليه الإمام غالب يستنجده فتلكأ عن إجابته وخرج للقنص بجبال بسيتين وهو واد غربي بلدة الظاهر فأدركه خبر احتلال نزوى بعد رجوعه إلى القابل فصمم عزمه على المسير إلى الظاهر فصحبه فتية من رجالها إلى صور فنزل على ضيافة ماجد بن تيمور وقصد ظفار فنزل بدار الضيافة وعليها بشيراً الغافري فأبرق بشير للسلطان سعيد بخبر قدومه فكان من جواب السلطان إن كان بالبحر فلا ينزل وإن كان بالبر فأخرجوه حالا وليذهب حيث شاء فازعج إلى ركوب سفينته التي نزل منها حتى ناخت به في حمى الملك المعظم سعود بن عبدالعزيز حامي حمى الحرمين ، فأكرمه بما هو أهله وأنزله بجوار أمير المنطقة الشرقية سعود بن عبدالله الجلوي وزوده وبني عمه راتباً شهرياً فوق الإكرام ثم توجه إلى مصر .
وقد نشرت جريدة آخر ساعة في عدد 1259 / 10 / ديسمبر 1958 م مقالة عن هذا الشيخ منها : زأخذت أجمع الرجال ودارت معركة بيننا والإنكليز ، خسر الإنجليز فيها أكثر من 450 قتيلا غير الجرحى إلى آخر ما ذكرته الجريدة عنه ، فيا سبحان الله إن نزوى في ذلك الوقت سلمت الأمر بدون إطلاق رصاصة واحدة ، وحصلت العملية للمهاجمين دون إراقة قطرة دم ، وانسحب الإمام إلى بلاده لما خذله هؤلاء الأمراء ولم ينسحب إلى الجبل الأخضر كما ذكرته الجريدة أما الآن فلا يزال أبقاه الله ينشر الخطب في الإذاعة والصحف ضد السلطنة ويدعو مناصرة الإمام كما أنه عاضده على ذلك زملاؤه .

إني أخاً لك بعد الموت تندبني :: وفي حياتي ما زودتني زادا


وتحصل من هذه الدعاية على مساعدات ومعونات جزيلة قدمتها الدول والحكومات العربية والصينية للمسلمين المجاهدين ولما طالبه الإمام غالب بتسليمها وكانت المطالبة بحضرة إخوانه امتنع من أدائها إليه فكان هذا الطلب سبباً لشق العصى بينهم واستأثر فيما يقال عقاراً بزنجبار ويا للأسف أن جعلوا دعايتهم أحبولة للطمع وسمحوا برياستهم وبلادهم لعدوهم إنا لله وإنا إليه راجعون ، وكتب العلامة أبو إسحاق أطفيش جواباً لسؤال صدر إليه في ذلك .
الجواب : أما بعد فالسلام عليك أيها السائل المسترشد وأقول جواباً لهذا السؤال اعلم حفظك الله أن صالح بن عيسى ومن معه قد بلغ بهم الأمر ما يستوجب البراءة بل يستوجب منهم ما هو أكبر من البراءة إن صح أنهم امتنعوا من تسليم ما جمعوه من الموال بإسم الإمام وإسم المجاهدين في سبيل الله والدفاع عن حوزة عمان والإمامة التي هي بيضة المسلمين إذ الواجب الذي دعى الله عباده المؤمنين إلى طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم هو اتباع سبيل المؤمنين وطاعة الإمام العادل إذ يقول سبحانه وتعالى : (( ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً )) وقال تعالى : (( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً )) وقال سبحانه وتعالى : (( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )) وهؤلاء هم أئمة العدل وولاية البيضة من الواجبات والبيضة هي الإمام العدل ومن انتحل لنفسه اسم العامل ببيضة المسلمين فقد دلس والتدليس موجب للبراءة ومن جمع مالا بإسم إمام المسلمين أو إسم الجهاد أو الرباط وجب عليه تسليم ذلك المــــال لإمام المسلمين وإن لم يسلمه للإمام مع وجوده اعتبر خائناً لله ولرسوله وللمؤمنين والله يقول : (( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون )) والخيانة الغدر وإخفاء الشيء قال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئس البطانة ) رواه النسائي .
اعلم حفظك الله أن إمام المسلمين موجود والحمد لله وبيعته ثابتة في الأعناق ولو هاجر من بلاده لغلبة العدو عليها فغن ذلك يوجب على جميع المسلمين الانضواء تحت لوائه والجهاد تحت رايته ولا يسع أحداً من المسلمين أن يتخلف عن الدخول في بيعته بعد ان بايعه أهل الحل والعقد من جميع المسلمين الذين هم تحت لوائه ومن تخلف عنه فإنه طاعن مارق من الدين لأن الله تعالى أمر بطاعة إمام

المسلمين العدل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : ( أطيعوا ولاة أموركم ) وقال ( وإن تأمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوه ) وذلك كله فيما كان من طاعة الله والإمام غالب هو إمام المسلمين بالبيعة العامة الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين ومن أنكر هذا فقد أنكر الحق وإنكار الحق مروق من الدين والخروج عنه مروق من الدين ومحاربته مروق من الدين ومفارقة لما عليه المسلمون واتباع لغير سبيل المؤمنين ومن امتنع من تسليم ما جاء مدداً للمجاهدين من مال أو سلاح فقد امتنع عن أداء الحق وهذا مما قال فيه المسلمون أنه منع الحق ومانع الحق إن لم يتب ويرد الحق إلى أهله وجب القضاء فيه بما قاله العلامة عمروس ابن فتح رحمه الله لأبي منصور إلياس بن منصور عامل الإمام عبدالوهاب على جبل نفوسه رحمهم الله أذن لي في ثلاث وإلا خذ عني خاتمك وكان قاضياً على نفوسه مانع الحق يقتل والطاعن في الدين يقتل ، والدال على عورات المسلمين يقتل هذه المسائل الثلاث يستتاب صاحبها فإن لم يتب فإنه ينفذ فيه حكم الله.
أما من حارب إمام المسلمين ولو بشيء من سوء القول فقد أعان على هدم الإسلام وهو كفر إذ توهين إمام المسلمين توهين للدين والقول السيء في إمام المسلمين أو جيشهم أو قوتهم هدم لكيان المسلمين وعون للعدو على المسلمين وهذا من الخيانة لله ولرسوله وكذلك من فر من صفوف المجاهدين : فإنه قال الله سبحانه فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ، والذين يكتبون ما يضعف شأن المسلمين أو يمكن العدو من المسلمين خائنون لله ولرسوله إن لم يفيئوا وجبت البراءة منهم وذلك تفريق لكلمة المسلمين وهو كفر ، والخروج عن افجماع كفر وقد أجمع المسلمون على بيعة إمام المسلمين فمن تخلف عن البيعة او ناوئ الإمام فقد كفر وجب عليه الإنابة إلى الحق إن كان مسلماً قبل أن يحل به الموت وهو على براءة المسلمين فنعوذ بالله من سوء الخاتمة ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله .
(أبو إسحاق)


ترجمة الرئيس الحميري
حاكم الجبل الأخضر :
هو الرئيس المعظم والهمام المكرم القائم بحرية الوطن الشيخ الزعيم حمير بن ناصر ابن سيف بن سليمان بن حمير بن محمد بن عبدالله بن سليمان بن بلعرب بن سليمان ابن محمد بن صلت بن راشد بن إحياء بن حمد بن محمد بن صلت بن حمير بن نبهان ابن حافظ بن سليمان بن سليمان بن مظفر بن سليمان بن نبهان بن كهلان بن نبهان ابن محمد بن نبهان بن عمرو بن نبهان بن كهلان بن نبهان بن محمد بن عمر بن ذهل ابن نبهان بن عثمان بن أحمد بن زياد بن محمد بن المغيرة بن زياد بن البحتري بن ذهل بن زيد ابن الكعب بن الكبيد بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن مزيقيا بن عامر ماء السماء بن الحارث الغطريف بن امرؤا القيس البطريق بن ثعلبة البهلول ابن مازن زاد الراكب بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زياد ابن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن النبي هود عليه السلام .
هذا الأمير الجليل هو الذي أحيى رسم الإمامة بعمان بعد إندراسه وقام لإستعادة مجدها الباذخ بعد ذهابه وآوى نور الدين السالمي وزميله العلامة المالكي ومن عندهما من المسلمين والألسنة والأقلام شاهدة بمقامه .
ولد هذا الأمير في عام 1291 هــ وتوفي أبوه الشيخ ناصر بن سيف يوم 19 والإثنين من ذي القعدة عام 1294 وهو ابن ثلاث سنين فنشأ واخوته محمد وامراش وحارب في حجر عمهم الشيخ سليمان بن سيف النبهاني وكان حمير أصغر إخوته سنا وكلن للشيخ سليمان أولاد ثلاثة سيف وحمدان وسعود فسعى ذوو الإرادة بينهم فوقعت البغضاء وثارت الشحناء وما زال الإخوة يحسد بعضهم بعضاً حتى أوقع بهم عمهم الشيخ سليمان في عام 1306 بحصن تنـوف فقتـل في تلك المـــعركة محمد وامــــــراش ووالدتهم وبقي حارب وحمير فسقي حارب السم فمات وبقي حمير منفرداً فعملوا المكيدة للغدر به فتلقى خبر ذلك من المأمورين بالفتك به وأزعجوه إما أن ننفذ فيك ما أمرنا به وإما أن تعاجلهم فرأى أن لا محيص من ارتكاب إحدى المشقتين ولما كانت ليلة ثاني من ذي الحجة عام السادس عشر وثلاثمائة وألف سنة 1316هـ خرج الشيخ سليمان وبنوه الثلاثة

للسمر بعد المغرب كعادتهم في مجلس قدام باب الحصن وقد كمن لهم حمير ومن عنده فرموهم بالرصاص من أعلاهم فأصيب الشيخ سليمان وابنه سيف وهرب الشيخان حمدان وسعود إلى بيت السليط بنزوى وإلى بيت البركة فقبض عليهما وبقي الشيخ حمير رئيساً على تنوف والجبل وما تعلق بهما وكل يلتمس غرة الآخر حتى خرج الشيخ حمير إلى بلد الحمراء للتعزية في الفقيد الشيخ حمد بن محسن أمير العبريين وقد نصب له بنو عمه مكيدة ارسلوا جامودياً من وقمهم فأثار عليه الرصاص في نجد المصلى بين تنوف والحمراء فأصابته في كتفه ولم تؤثر فيه تأثيراً قوياً فأخذه الحنق فقام على بلد البركة وحصر حصنها وكان فيه الشيخ محمد بن سالم الرقيشي بالنيابة عن الشيخين فخرج من الحصن بعد حصار شديد وبعدما أثير عليه من البارود وبإفتراق الأمراء أختل نظام ريام فافترقوا وعاثوا في عمان ونهبوا أموال العباد واتجروا بالأحرار حتى أنهم قبضوا على جندي من جنود السلطان فيصل الذين بحصن أزكي وباعوه فطالبهم السلطان بالإذعان لأمره فأبوا من الإنقياد له .

هزهم بأس نزاري متى :: بردت نار الخصومات وقد

فجهز السلطان فيصل جيشا جعل القائد فيه خادمه ( الوالي سليمان ابن سويلم ) ورئيسه الشيخ عبدالله بن سعيد وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة السلطان فيصل وأقبل الشيخ حمير إلى أزكي وقت زحمة الجيش شادا لعضد قومه مخاطباً للوال في ترويج صلح يتفق عليه الكل فغدر بنو توبة وهم فرقة من ( ريام ) فخرجت خارجة منهم إلى الشيخ سعود بن سليمان وكان بالجبل الأخضر فأتوا به واستحلوا بيت البركة من عسكر الشيخ حمير فما شعر الشيخ إلا والبركة قد خرجت من يده فكان من حظ السلطان أن استشاط غضباً وخرج بمن معه إلى تنوف وترك مناصرتهم وخلى بينهم والسلطان فقام الحرب على على ريام ونهض الشيخ سعود بواجب قومه وتقدم إلى إزكي لمقاومة الوال فدس السم له فما لبث أن مرض سريعا فحمل إلى البركة فمات فيها وأقيمت حرب أخرى من جانب السلطان على سمد نزوى وبها الشيخ حمدان بن سليمان شقيق سعود المسموم وإبن عم الشيخ حمير فانتزعت منه سمد نزوى وأخرج من بيت السليط فرجع إلى البركة أما الشيخ حمير فبقي على إمارته حاكما على ما تحت يده . حتى منَّ الله على العمانيين بمناصرته لعلمائها واستقلال البلاد على يديه .


توفي الشيخ حمير بعدما ترك المآثر الحميدة والشرف الخالد يوم الجمعة السابع من شهر جمادى الثانية ودفن بتنوف بجوار العلامة نور الدين السَّالمي . وترك إبنه الشيخ سليمان صغيراً وعمره يومئذ 13 سنة ولم يكن له في العقب سواه . وسليمان هو الذي قام بمناصرة الإمام الخليلي فكان أحد أقطاب الدولة وأحد الزعماء الأركان المؤسسة لحياة الشعب ونظام الوطن ولسان حاله ينشد :

وإذا إفتخرت بأعظم مقبـورة***فالناس بين مكذب ومصدق
فأقم بنفسك من فعالك شاهداً***بحديث مجد للقديم محـــقق


قام هذا الشيخ أحسن قيام بأحسن نظام في مناصرة الإمام فشكرته الأمة والأئمة لما بذله من إجلاء الغمة في كل موقف وكشفه لكل محمة تحدث . ولما بذل وشخص فانه طمحت نفسه ورمقت عينه إلى ما هو أكبر من هذا ولا ريب فإنه من بني نبهان فرأى في نفسه الطموح للرئاسة ووسوس إليه شياطين الإنس الذين يحبون صدع العصا واتباع الهوى شبها تعكر الجو فبقي يرغم نفسه فيقرعها ويتبعها حينا آخر وعلى كل حال فما تخلف عن نصرة إمامه في كل موطن إلا في واقعة نخل فإن المتعصبين للباطل ثبطوه وأوهموه في قتل الشيخين أحمد وخلفان ابني ثنيان حتى ظفروا ببغيتهم فلم يتحرك في تلك الثورة وتدارك أمره بعد إنتهاءها فأقــــبل إلى إمامه بجنوده وأدركه بنخل فقرب إليه البغات الخارجين عليه كما ستجده
أيها القارئ في محله إن شاء الله.
ولما انتشرت الدعاية لسلطنة مسقط بعمان وبث وزير الخارجية كتبه إلى العمانيين في عام 1357 هــ كان هذا الأمير ممن إستنفروه واستفزوه فرغب في الدخول فيما دخل فيه الشيخ عيسى فاستأذن الإمام فرأى منعه فامتنع في أول مرة ثم كررت مسقط الطلب فاستأذن ثانية فحجر الإمام عليه فامتثل وفي نفسه ما فيها فأشترط أن يكون المنع شاملا للعمانيين وإلا فلا لوم عليه بعد ذلك فلبث متأخراً إلى شهر جمادى الآخرة عام 1363هــ.
ثم خرج إلى الشرقية ثم إلى جعلان ثم إلى ضنك وفي صحبته إبنه سلطان ابن سليمان وياسر بن حمود المجعلي وأعيان قومه فاجتمع بالأمير علي بن عبدالله آل حموده وتبادلا الآراء بينهما في مقابلة السلطان فلبث بصور سبعين يوما ،

والسلطان ذلك الوقت بظفار ، وقد بلغه الخبر فتريث مكانه ليفهم الناس حالة الزائر وما يتطلبه ، وفي اثناء تلك المدة اتصل السلطان بجزيرة مصيرة قريباً من صور ثم رجع منها إلى ظفار مرة اخرى وأرسل للشيخين من مصيرة بواسطة سفيرهم خميس بن سعيد السنيدي معاشا وأن يكونوا مكانهم حتى يرجع ، ولما رجع من ظفار اجتمع بهم في ساحل صور ثم توجه إلى مسقط وأرسل إليهم الوالي إسماعيل الرصاصي ، مرحِّباً بهم فخرجوا في صحبته وصحبتهم أعيان ساحل صور فأجازهم واكرم نزلهم .
على أثر هذه سرى في العمانيين التنافس والتحزب بالباطل والتعصب لغير الحق فكان الشيخ سليمان يجمع أعيان الغافرية ومن تبعهم مرة بنخل ومرة بإمطي وامكنة أخرى ليكونوا عنده وقت الحاجة والشيخ محمد بن عيسى داعية للسلطان يمهد له الأسباب ويفتح له الأبواب وبعده قام أخوه صالح بذلك ، وخرج إلى الظاهرة وأرض الشمال ليكونوا حزبه عند الضرورة .
وجاء الشيخ سليمان بسيارات وهي أول ما دخل عمان الداخلية فطلب مشايخ الحرث من الإمام منعها فلم ير الإمام ذلك فحركوا وهيبة لصدعها من دخول سيوحهم وقرروا مؤتمراً ببلدة سناو يرأسه الشيخ أحمد بن محمد بن عيسى ، وجاء سفيرهم محمد بن سلطان بن منصور الغفيلي إلى الإمام ببهلا ، وقت الفتنة بين بني شكيل وبني هناه فلم يجبه الإمام على طلبه ولم ير وجها لمنعها ومثل هذا كثير أصبح كل يعمل ضد صاحبه ويهدم بناء الثاني ، وبهذا حصل الإنحلال والتفاقم وتضعضع ركن الدولة وطمح فيها الغافل وعين الخصم لا تنام .
ترجمة اولاد الشيخ هلال بن زاهر الهنائي
هو هلال بن زاهر بن سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن خميس ابن خلف بن مبارك الهنائي ينتمون إلى هناة بن مالك بن فهم .
نذكر أسماء المساعدين على النهضة العمانية منهم :
محمد وعبدالله وعلي وخالد بني هلال بن زاهر وزاهر بن غصن بن هلال وسالم وسعود ابني بدر بن هلال .


كانت لآبائهم سابقة بعمان فقد ذكر أهل السير ما كان لأبيهم مالك بن فهم من المآثر وما كان لبنيه من بعده وما كان من الأهيف بن حمحام في حروبه وما كان من سيف بن محمد في أيام الإمام ناصر بن مرشد . وخلف بن مبارك المعروف بالقصّير في حال إمامة محمد بن ناصر إلى غير ذلك وأذكر الآن طرفاً من مآثر الشيخ هلال بن زاهر ليتمتع بها القارئ .
كان هلال في أيامه قد فاق الأقران وطار صيته بالبلدان حتى غنه ابتز قلعة نزوى من يد السيد حمد بن سيف البوسعيدي وبقى بها حاكما أرعة عشر سنة وكانت له حروب لاقى فيها الأهوال وزاحم بها الأبطال وما أشبهه بالمهلب بن أبي صفرة في الصبر وعدم الضجر وقلة السآمة وكان بنوه كالحلقة المفرغة لا يدرى أي طرفاها وهم محمد وبدر وعبدالله وعلي وغصن وخالد .
وقعت بينه ، وجيرانه العبريين حروب أسبابها أن الشيخ هلال على ما هو عليه من الإقدام والشجاعة أخذ يكابر ابن عمه سعيد بن محمد بن سعيد وكان سعيد هذا أمير في بني هناة ذلك الوقت فاستقل هلال ببلد العارض من كدم فاستعان عليه سعيد بالشيخ محسن بن زهران العبري أمير العبريين . فقام عليه فأحاطوا بهلال ، ومن معه في برج العارض فخرج منها على واسطة الشيخ سليمان بن سيف النبهاني في شهر محرم 1276 هــ وما زالت حالته وابن عمه على ذلك حتى توفي الأمير سعيد في حادي شوال سنة 1282 فاشتد ساعد هلال وعظم أمره فوقع الشقاق بينه وأولاد الشيخ سعيد فاستعان أولاد سعيد بالشيخ محسن كما كان يستعين به أبوهم من قبل فاجابهم إلى ذلك قياماً بالصحبة ولانه يحاذر من هلال متى استفحل أمره وقد كان منهم ما كان في جانبه فدخلوا بلاد سيت عاصمة بني هناة يوم الأثنين 11 صفر سنة 1283 وأخذوا البرج الذي فيه الشيخ هلال وإخوته وأخرجوهم من البلد فتحيزوا بوادي سيفم ، واستولى الشيخ محسن على غمر وهي بليدة صغيرة لبني هناة قريبة من الحمراء وبها محلة مانعة وفاض إلى وادي العلا وهو واد لبني هناة . فوقعت بينه وهلال ملحمة قتل فيها كثير من العبريين وانهزموا عن الوادي فبقى الوادي بيد أهله وظن الشيخ محسن أن هلال لا يستطيع شيئاً بعد تتابع هذه الحوادث عليه فاهمل الحزم ، وإذا رفع له عنه شيء لم يلق له بالا وبينما هلال يلتمس الفرصة ويظهر لبني شكيل الصداقة واللين فواثقوه على ذلك لما بينهم والشيخ محسن من التنافس على بهلا واستبداده

في تولي أمر أولاد راشد بن حميد فإنه أبقى لهم الإسم وله السيطرة فاجتمع هلال وبنو شكيل وخدام اولاد راشد بن حميد بيبرين وكانوا يدا واحدة وخرج الشيخ فأجتمع محسن بجيشه وأقام ببهلا ، ولما قدم هلال بمن معه خرج لملاقاتهم المقدام حمود بن الشيخ محسن فتصادم الجمعان خارج سور بهلا سهيلي اللجيلة فكانت وقعة يشهد لها التاريخ قتل فيها الشيخ حمود بن محسن وقتل معه من صناديد الرجال ومشاهير الأبطال قسور بن خلفان العبري وسالم بن سيف بن خميس وصقر بن محمد بن سالم وخميس بن مفتاح وجملة أناس من العبريين وأهل بهلا من أولئك كذلك وما طالت الأيام حتى قام الشيخ هلال لإسترجاع بلدة غمر من يد الشيخ محسن وعنده حروة ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فدخلها ليلة 12 جمادي الثانية سنة 1283 فجاء الصريخ إلى الحمرا فخرج الشيخ محسن وأخوه محمد وجماعتهم لمقاومة بجنود هائلة وجروا المدافع إليه ورموا المحلة بمدافعهم فتفجرت وتكسرت وبقي الحصار إلى ليلة 12 من الشهر المذكور فهجم العبريون على المحلة وأطلق المحصورون عليهم البنادق ورموهم بالحجارة من تلك السرادق وهم لا ينكصون . فلما طال الأمر ظن هلال أنّ رصاصهم لم يعمل شيئاً في عدوهم فنزل من حصنه ، ودخل في المهاجمين فعرف أن الرماة لم تعمل شيئاً فما أمكنه السكوت حتى يرجع إليهم فناداهم وهو في وسط عدوه إن واطوا الضرب فعرفوا أنه هلال فتصادم القوم عليه والتقى الشيخان هلال ومحسن فتجللا بالسيوف فجرح الشيخ محسن واحتوش هلال ستة رجال من صناديد حكم فأفلت منهم فخارت العزيمة لما جرح الشيخ محسن وكانت الهزيمة على قومه وانجلت الملحمة عن عدد كبير من القتلى في العبريين وعلى أثرها وقع الصلح بين العبريين وبني هناة بواسطة الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري على أن تعود غمر وبلاد سيت إلى بني هناة وفي تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين للشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري : قال إن المقتولين ستون رجلا والجرحى نحو ذلك ، ومن بني هناة وبني شكيل عشرون رجلا قال وإنما لم يقتل منهم أكثر من ذلك لأنهم كانوا محتجبين وراء الجدر في أسوار المحلة قال وبهذه الهزيمة ضعفت قوة الوالد محسن وكانت أيامه أيام إقبال ولم تعاكسه الأحوال إلى أن قتل ولده حمود ببهلا ثم وقعت هزيمة بلد غمر انتهى كلامه . وبعد حادثة غمر استرد هلال الوادي كله ، وأخذ يسعى في رقي قومه وعمارة بلدانهم ولم يقتصر على ذلك بل أخذ يفكر في ما هو أعظم من ادخال نزوى تحت سيطرته فحالت دونه

الأيام بظهور الإمام عزان بن قيس رحمه الله ، وهذا هو السبب الذي حمله أن لا يتساعد مع الإمام رحمه الله بإخلاص ونصح ، وبعد موت الإمام حوّل فكرته إليها مرة ثانية فدبر حيلة فوصل نزوى بمن عنده ليساعد حاكمها على الأعراب الذين تجبروا على أهلها ، وفي الباطن يبرم حيلة فرأى حاكمها السيد حمد بن سيف بن هلال النصح فقدمه في أموره شيئاً فشيئاً حتى قلده زمام قلعة نزوى ، وكان حمد يسكن ببيت الصاروج وبعد مدة مع هلال حمداً من دخول القلعة فاستيقظ حمد من غفلته ودبر المكيدة بقتل هلال ففشلت ، وعلم هلال بذلك فأرسل إليه أن القيام بنزوى ليس من مصالحك فخرج إلى مسقط فصفى الجو لهلال .
وكانت بين هلال والشيخ سليمان بن سيف النبهاني حروب بنزوى إذ كان هلال أميراً على السفالة وبيده قلعتها ، والشيخ النبهاني أمير على سمد وهي علاية نزوى وبيده بيت السليط فوقعت بينهم وقائع عظيمة ولا يقل من فقد بها عن ثلثمائة قتيل .
كانت أعمال هلال أفعال الأبطال فإنه عمر الحصون وأجرى الأنهار وغرس الأشجار فمن الأنهار التي أجراها فلج بلاد سيت . حيالة العقبة . فلج وحشا . فلج الغافات . فلج النطالة . فلج العقيصي . فلج القرى وأجرى بوادي العلا فلج الحديث ، وحفر بنزوى فلج ضوت المعروف بالقبة . فهذه النهار احد عشر نهراً ، وبنى من الحصون ستة وثلاثون حصنا أعظمها جامع سمد الذي هدمه الإمام سالم بن راشد الخروصي . قلعة السويق . قلعتان بفرق نزوى وببلد الغافات ، الحصن الغربي ، وبيت الزّامه . إلى غير ذلك : غرس من النخيل غحدى وعشرين الف نخلة سبعة آلاف بنزوى ، وثمانية آلاف بالغافات وسبعة الآف ببلاد سيت وكانت وفاة الشيخ هلال بن زاهر بالقتل على يد سيف بن حمد البوسعيدي بنزوى سنة 1312هـ ثم ولي الأمر من بعده إبنه بدر بن هلال وأقام سنتين حتى قتله بنوا شكيل ، وبعد قتل بدر ضعف أمر إخوته والدنيا أضداد فجهر السلطان فيصل بن تركي خادمه الوالي سليمان بن سويلمْ ، وأحاط ببلد الغافات وعنده الغافرية وقام أمير بهلا ناصر بن حميد لتدمير فلج بلاد سيت وأحاط أهل سفالة نزوى ، ومن عندهم بقلعة نزوى فحصرهم بها وكل ذلك في وقت واحد ، وكان الشيخ عبدالله بن هلال وإخوته صغاراً فسلموا القلعة لينقذوا بلادهم .



ترجمة رئيس النهضة العمانية
هو والدنا السيد العميد المحقق المجتهد المطلق الولي نور الدين عبدالله بن حُمَيْد بن سُلُومْ بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي من بني ضبة وبقية النسب معروف عند أهل الأنساب .
ولد ببلد الحوقين بلدة من أعمال الرستاق وبها منازل قومه وأهله ونشأ بها وقرأ القرآن العظيم عند والده رضي الله عنهما .
كف بصره رحمه الله وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، وكان في صباه حافظا قوي الذاكرة لا يكاد يسمع شيئاً إلا وعاه وهي خاصية أودعها الله فيه وقد ذكر محدثاً بنعمة الله هذه انه يحفظ وهو ابن أربعة أشهر أو دونها تحريا .
ثم خرج من الحوقين لطلب العلم المحمود إلى الرستاق فتتلمذ للشيخ راشد بن سيف اللمكي عالم الرستاق ونواحيها في ذلك الزمان وأدرك الشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي وأخذ عنه فهو أحد شيوخه الفضلاء .
نبغ في علم المعقول والمنقول واشتهر عند أهل عمان بالطلب وجودة الذكاء والحفظ النادرين حتى كان في مبدأ أمره أكبر من أشياخه الذين حمل العلم عنهم .
شرع في التأليف بالرستاق عام سنة 1305 هــ ونظم أرجوزة في الجمل وشرحها وهي أول ما صنفه ، وكان سنه ذلك الوقت سبعة عشر سنة ، وشرع في التدريس في سائر الفنون العلمية .
ثم هاجر إلى الشرقية سنة 1308 هــ ثمان وثلثمائة وألف لما يسمعه من أخبار الشيخ صالح علو صيته ، وما يحاوله من إعادة الإمامة بالقطر العماني ثم عزم عليه الشيخ الصالح أن يستوطن القابل فأمتثل أمره ولبث عنده معاضداً له يلتقط من فوائده ويستخرج من فرائده . فكان الشيخ صالح أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم وأوتي حظا وشهرة في العلم فضربت إليه أكباد الإبل ووفد إليه الأخيار من سائر النواحي ودرس في سائر فنون العلم كالتفسير والحديث وأصول الفقه وأصول الدين والنحو والمعاني والبيان والمنطق ودام على ذلك الحال إلى أن توفي الشيخ صالح ثم عاضد بعده إبنه الأمير عيسى بن صالح وساعده في تدبير

أمور عمان وسياسة الإمارة وأبدى في ذلك من حسن السياسة وعلو الهمة كل عجيب .
أخلاقه وشمائله : كان رضي الله عنه شديد الغيرة في ذات الله تعالى لا تأخذه قيه لومة لائم يقول الحق وينطق بالصدق مشهور بالبسالة والصلابة كثير الرد على من خالف ملة الإسلام مشغول البال بأمته يفرح بما ينفعها ويحزن لما يضرها وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين .
لا تخلو مشاهده الكريمة من فائدة دينية او عائدة دنيوية او شارد أدبية مشتغلا بتدريس العلم والتأليف والفصل بين الخصوم بالحكم الشرعي .
كان خطيباً منطقياً يرتجل الخطب الطوال في المجامع والمحافل حسب ما يقتضيه المقام من السعي في إصلاح المة وجمع الشمل يرغب ويرهب بأبلغ بيان وأفصح لسان .
كان جوادا سخياً قلّ ما أكل طعاماً وحده لإزدحام الضيوف بناديه وكثر ملازميه المغترفين من فيض أياديه يقدم للضيف ما حضره بلا تكلف ولا بطر كثير التفقد والتعرف على حاجة اخوانه وتلامذته ليواسيهم .
كان قد ظلف نفسه عن التوسع في الدنيا والسكون إليها قليل التعلق بتبعاها وشواغلها العائقة عن طريق الآخرة .
كان عظيم الهيبة لا ينطق أحد في مجلسه إلا أن يكون سائلا أو متعلماً أو ذا حاجة جدية ولقد رأى ذات مرة خصما يتعنت خصمه ، وقد قهره بفضول منطقه وكان الشيخ يحاول الصلح بينهما فلما رأى ذلك المتعنت زجرهما ، وقال هلما إلى الحكم وضرب بعصاه أمامه ، وكانت سوداء من حطب الأبنوس فما هو إلا أن سلم ذلك المتعنت المر وصالح خصمه فعوتب بعد ذلك فقال إني خفت من تلك العصا السوداء ومناقبه كثيرة العد .
كان رضي الله عنه الركن الأعظم في إعادة الإمامة إلى عمان ونيلها المرتبة العليا شديد الحرص على النهوض بالأمة العمانية ، وإستعادة مجدها الباذخ الذي أباده التحزب والإختلاف دهراً طويلا وذلك دأب العلماء العاملين في كل حين .


كان يكثر من تلاوة هذه الآية في المحافل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) الآية وغيرها من الآيات المشوقة للجهاد المرغبة لدار المعاد .
كان عفى الله عنه كثير التضرع إلى الله فتراه في بعض الأحيان في مجلسه او في الطريق أو في مصلاه ، وقد رفع يديه إلى السماء قائلا : لبيك اللهم لبيك ثم يبسط يديه ويقول اللهم اجمع الشمل وألف بين القلوب وأيد الكلمة ، ونحو ذلك من الأدعية التي يرجو بها نظام المسلمين ، وتجد ذلك في أجوبة المسائل عنه إذا ما تاملتها .
كان كثيراً ما يقول : اختبرنا الله فوجدنا كاذبين .
يتأوه كثيراً لما يراه في الناس من الإختلاف ، وعد الجد فيما يعود على حياتهم بالسعادة ، ولما يراه من الفساد في البلاد فتراه قد قطع حديثه وتنفس الصعداء قائلاً : ذهب الوفاء . ذهب الدين . ذهبت المروءة . ذهبت الغيرة . ذهبت الحمية طبع فينا الخصم طلبنا بالمكائد . نصب لنا الحبائل فإنا لله وإنا إليه راجعون . ومن قوله :

حرب النصارى اليوم بالدواهي***والكل منا غافل ولاهي
فيأخذون الــدار بالخدايــــــــــع***وإنها أقوى من المدافع

وكثيراً ما يتمثل بقول دعبل .

ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم***الله يـعلـم إنـي لـم أقــل فــندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها***على كثير ولكن لا أرى أحدا



ويكرر قوله ولكن لا أرى أحداً لما يجيش في صدره من المور التي لم يجد من يساعده على القيام بها ويكثر الدعاء على النصارى والمستعمرين في اكثر مجالسه ومن أدعيته الجامعة اللهم خذ أعداء الدين وارددهم على أعقابهم خاسرين خاسئين .
منزلته في العلم والأمة : كان رحمه الله أحد أقطاب الأمة المجتهدين محققاً جليلا جامعاً للمنقول والمعقول معروفا بغزارة العلم والإجتهاد . إليه انتهت رئاسة العلم

لعمان في زمانه ويظهر ذلك من تآليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية وكانت بينه وبين علماء المغرب وبعض علماء مصر مراسلات ومواصلات وأبحاث حسنة ولا سيما الإمام القطب محمد يوسف أطفيش رحمه الله ؛ فإن بينهما من المراسلات والإتصال ما لا يخفى ، ودرّس القطب رضي الله عنه تلاميذه مؤلفاته وأعجب بها واثنى على مؤلفها ودعى له بصالح الدعاء .
ويحسن هنا أن نذكر سؤالاً وجواباً صدر إليه من حضرة الباشا سليمان إبن عبدالله الباروني لما كان بمجلس الأعيان وهذا نصه :
المرجو من حضرتكم أيها الإستاذ الذي سنعتمد على أقواله وأقوال أمثاله ممن تمسك بالمذهب المحترم إمعان المقالة المحررة تحت عنوان الجامعة الإسلامية في جريدة الأسد الإسلامي الآتية إليكم مع هذا .
ثم بعد إطلاق الفر بحثا وراء عين الحقيقة نطلب ابداء ما اقتضاه نظركم السامي عن الجواب عن الأسئلة الآتية بإيجاز غير مخل بالمراد خدمة للجامعة والدين ولحضرتكم الثواب والشكر ويكون الإمضاء هكذا حرره فلان البالغ من العمر كذا سنة في البلدة الفلانية شهر كذا سنة كذا .
هل توافقون على أن من أقوى أسباب إختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها .
على فرض عدم الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق .
على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها والجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الإتحاد من كل شيء .
على فرض عدم إمكان التوحيد فما المر القوي المانع منه في نظركم وهل لإزالته من وجه .
على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر في كم سنة ينتج . كم يلزم له من مال تقريباً .
كيف يكون ترتيب العمل فيه . وعلى كل حال ما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعا وسياسة مصلح أم مفسد .


ما الدليل القاطع على منع الصور التي لا ظل لها مما يرسم على الورق مثلا من صور الملوك والجيوش لحسن المقصد .
أجابه نور الدين بما نصه :
الجواب : قد نظرنا في الجامعة الإسلامية فإذا فيها كشف الغطاء من حقيقة الواقع فلله ذلك الفكر المبدئ لتلك الحقائق .
نعم نوافق على ان منشأ التشتت هو إختلاف المذاهب وتشعب الأراء هو السبب العظم في إفتراق الأمة كما اقتضاه نظرك الواسع في بيان الجامعة الإسلامية وللتفرق أسباب أخرى منها التحاسد والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة ومنها طلب الرئاسة والإستبداد بالأمر ، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية ؛ ثم نشأ عنه الإختلاف في المذاهب ، وجمع المة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا مستحيل عادة ، وإذا أراد الله أمراً كان (( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) والساعي في الجمع مصلح لا محالة وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك اللقاب المذهبية ويحثهم على التسمي بالإسلام فإن الدين عند الله الإسلام فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال ثم يظهر شيئاً فشيئاً فيصير الناس إخوانا ومن ضل فإنما يضل على نفسه ولو إستجاب الملوك والمراء إلى ذلك لأسرع في الناس قبوله وكفيتم مؤنة المغرم وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسر والمغرم ثقيل ، وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة ومقصد الخاص والعام حرم الله الآمن لأنه مرجع الكل ، وليس لنا مذهب الإ الإسلام فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً ونرد الباطل على من جاء به ، وإن كان حبيباً ، ونعرف الرجال بالحق فالكبير معنا من وافقه ، والصغير من خالفه لم يشرع لنا ابن أباض مذهباً وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق . أما الدين فهو عندنا لم يتغير ولله الحمد .
أما التصوير لذي الروح فإنه حرام . كان للمصور ظل أو لم يكن له لحديث النمرقة عند الربيع ومالك ، والبخاري ومسلم وفيه إن أصحاب هذه الصور

يعذبون يوم القيامة يقال لهم إحيوا ما خلقتم ، وكانت الصورة في النمرقة ومن المعلوم إنه لا ظل لها وفي حديث ابن مسعود عند أحمد . إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون وهو عام يتناول ما كان له ظل وما لم يكن ، ولا خلاف في منع ذلك ، وإنما الخلاف في استعماله . إذا كان رقما في ثوب او استعمل للامتهان دون تصويره ، ومحل المنع صورة ذي الروح فقط والله أعلم . من عبدالله بن حميد السالمي البالغ ثلاثا وأربعين 43 سنة تقريباً الساكن القابل من شرقي عمان سنة 1326 هــ .
وإنما نقلنا هذا الكلام بأسره لما فيه من الفوائد ولتعرف ما عليه هذا الشيخ من التيقظ لمراعاة الإسلام وأهله . فإنه كان عميد المسلمين وقدوتهم في عمان وزهرت في أيامه بالعلم والعلماء والمتعلمين .
تلاميذه : ومن حمل عنه العلم : قال الشيخ أبو إسحاق غبراهيم أطفيش أبقاه الله تلاميذه كثير ولا نبالغ إذا قلنا أن رجال العلم اليوم بعمان كلهم من تلاميذه وقد نبغ منهم كثير وفي مقدمتهم الأفخم المؤيد امام عُمان أبو عبدالله محمد بن عبدالله ابن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي بويع بعد وفاة شيخه . قال وبقية العلماء من تلاميذه كثيرون وحسبك أن صفوة المة هنالك والذين قامت عليهم الإمامة والملك هم تلاميذه ، وهذه الروح التي نفخها فيهم حتى كانوا حمى الدين والأمة من اكبر الشواهد على إخلاصه وعلو شأنه ومكانته رحمه الله . انتهى كلامه وهي شهادة من عالم عامل . ومشاهير تلاميذه كثير :
منهم الإمام العادل الزاهد سالم بن راشد الخروصي فقد كان ملازماً له منذ راهق الحلم إلى أن عقد عليه الإمامة العظمى .
ومنهم العلامة الأمير عيسى بن صالح أحد علماء عمان وله الفخر الكبير في تأييد النهضة الحالية .
ومنهم العلامة الجليل رئيس القضاة بعمان أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود الذي هو من بني مالك : كان معاضداً لشيخه في حلو الزمان ومره وله التآليف الضخمة .


ومنهم الزعيم الباسل العلامة أبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي الأزكوي عامل الإمامين الخروصي والخليلي على بهلا . كان يكتب عن شيخه مسودات التآليف .
ومنهم الشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي شقيق الإمام سالم وقاضيه وعامله على الرستاق والعوابي وتوابعهن كما أنه عمل للإمام الخليلي وهو عالم مجاهد غيور .
ومنهم أبو الخير عبدالله بن غابش النوفلي بالولاء . كان عالماً عاملا ورعا فاضلا ولي القضاء للإمامين الخروصي والخليلي . واستعفى آخر عمره شفقة على نفسه من تحمل ذلك . توفي رضي الله عنه والمسلمون عنه راضون .
ومنهم الشيخ سليمان بن سيف الحميري من حمير . كان أعلم أهل مصره بعلم الآلة طلبه أهل زنجبار من شيخه أن يكون مدرساً لهم فأسعفهم شيخه وأرسله إليهم .
ومنهم العلامة أبو عبيد حمد بن عبيد السليمي السمائلي وهو من أجل علماء عمان اليوم دراكة وفهامة ، وقد أصيب آخر عمره بالعمى . عمل للإمامين الخروصي والخليلي وتقلد القضاء بسمائل وبدبد وفنجاء وتوابعهن .
ومنهم الشيخ العلامة سيف بن حمد بن شيخان الأغبري جمع علماً كثيراً وعمل للإمامين على منح وإزكي ودما والطائيين ونواحيها .
ومنهم الشيخ العالم سعيد بن احمد الراشدي . كان مسارعا للخيرات معروفا بالسكينة والوقار تاركا لحظوظ النفس ومتصفا بالكمالات الإنسانية مجداً في تحصيل العلم النافع وفي الإستفادة والإفادة فيه ومهر في العلم مع صغر سنه ومات بعد أن شرع في التصنيف وقد توفي سنة 1314 هــ في حياة شيخه وهو ابن نيف وعشرين سنة .
ومنهم الشيخ الضرير سالم بن حمد البراشدي من علماء الآخرة ولياً تقياً تقلد القضاء للإمامين على بلدة سناو وما حواليها .
ومنهم أبو شيذان عامر بن عُلَيْ الشيذاني مشمر في العلم فقيها ورعا حصورا لم يقبل أن يتقلد شيئا من الأعمال لزهده .


ومنهم ملك الفصاحة بعمان شيخ البيان محمد بن شيخان السالمي ابن عم نور الدين كان نابغة زمانه إليه مرجع المشكلات في علوم الآلة من النحو والمعاني والبيان والمنطق تشهد بذلك عبقريته الشعرية وقد كان سخياً كريماً .
ومنهم سليمان ابن حامد البراشدي وهو من قضاة الإمامين عمل لهما على أبرا ووادي بني معولة بن شمس .
ومنهم قسور بن حمود الراشدي من أهل القريتين وقد استعمله الإمام الخروصي على منح فقلد الولاية والوقضاء وفي عصر الإمام الخليلي خرج إلى أفريقيا .
ومنهم القاضي الجليل أبو الوليد سعود بن حمد بن خليفين كناه الإمام الخليلي شمس القراء وداهية العلماء عمل للإمامين الخروصي والخليلي وتقلد القضاء نحواً من خمس وثلاثين سنة جمع علماً ودهاء وذكاء .
هؤلاء مشاهير تلاميذه والذين تحت طبقتهم كثير بل لا تجد عمانياً له ادنى مسكة من العلم إلا وقد إغترف من ذلك البحر والتقط من ذلك الدر بحسب ما قسم له الواهب من المواهب ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
تآليفه :
منها أنوار العقول أرجوزة في أصول الدين .
ومنها بهجة الأنوار شرح على هذه الأرجوزة وهو مختصر طبع بهامش الجزء الأول من طلعة الشمس .
ومنها مشارق أنوار العقول شرح آخر عليها وهو مطول كافل بالمقصود من أحسن كتب الأصول تحقيقاً وتحريراً وتنسيقاً قال القطب رحمه الله لما وقف عليه لقد أمعن صاحب المشارق .
ومنها غاية المراد أرجوزة في نظم الإعتقاد شرحها العلامة سليمان بن محمد الكندي شرحا مفيداً .
ومنها شمس الأنوار ألفية في أصول الفقه شرحها شرحاً نفيسا سماه طلعة الشمس جزآن طبعا بمصر أنفس ما ألف في أصول الفقه وقد درس فيه قطب الأئمة تلاميذه .


ومنها شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري من أئمة القرن الثاني وهو في ثلاثة أجزاء طبع الأول والثاني بمطبعة الأزهار البارونية .
ومنها مدارج الكمال نظم مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي وهي أرجوزة مفيدة جداً تربو على ألفي بيت في الفقه .
ومنها معارج الآمال شرح على هذه الأرجوزة في أسلوب غريب يحمل معنى الأبيات في مبادئ الشرح ثم يعقبه بالمسائل المتعلقة بذلك من الأثر ويقرنها بالأدلة ثم يذكر تفاريع المسألة ويردها إلى أصولها ثم ينبه على ما اقتضاه المقام من الفوائد ويرد إليها ما كان من تلك القواعد بعبارت رائعة حتى أن المسألة تصلح أن تكون رسالة مستقلة لو أفردت ومحاسن هذا الكتاب لا يعرفها إلا من وقف عليه كمل منه ثمانية أجزاء ضخام آخرها الصوم والإعتكاف وكان يحرزه أن ينوف على عشرين جزءا قطعته العلائق عن إتمامه والكمال عزيز .
ومنها جوهر النظام أرجوزة في الأديان والحكام والأخلاق والحكم تزيد على أربعة ألف بيت في أربعة أجزاء طبع بمصر مرتين وشهرته كافية عن التعريف به .
ومنها تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان وهو تاريخ تكفل ببعض أحوال أهل عمان منذ أنتقال العرب إليها إلى وقت إمامة الخروصي سالم بن راشد .
ومنها الفتاوى عن نوازل عمان وغيرها في مختلف الفنون وقد بلغت سبعة أجزاء ضخام والثامن لم يكمل وهي مسائل منثورة غير مرتبة أسأل الله أن يمن عليَّ بالإعانة على ترتيبها .
ومن هذه الفتاوى كتاب حل المشكلات وهو الرابع من أجزاء الجوابات حل فيها ما أشكل على تلميذه الكبير أبا زيد عبدالله ابن محمد الريامي وذلك أنه أشكلت عليه مسائل في الأثر فجمعها وطلب من شيخه نور الدين الجواب عنها فأجابه بما يشفي الغليل من واضح الدليل وهذا الجزء قد رتبه حال الجواب على الأسئلة .
ومنها المنهل الصافي في العروض والقوافي أرجوزة رائقة تنوف على ثلاثمائة بيت أولها :


حمدا لمانح العطا الجزيل :: وفاتح العروض للخليل

وقد شرحها شرحاً لطيفاً مقنعاً .
أما الرسائل فكثيرة نذكر ما شهر :
منها تلقين الصبيان وهي رسالة مفيدة فيما يجب على الإنسان من الإعتقاد بالجنان والعمل بالأركان وهي أول ما يقرأها أهل عمان أولادهم وقد أشتهرت شهرة كافية .
وله في النحو رسالة بلوغ الأمل في الجمل الثلاث رجز مفيد جدا شرحه شرحاً مختصراً وهو أول ما ألفه هذا الشيخ .
ومنها شرحه على العمريطيه أرجوزة ليحيى العمريطي شرحا موجزاً كافلا.
وله رسالة الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة طبع بهامش الجزء الثاني من طلعة الشمس .
وله رسالة الحجة الواضحة في الرد على التلفيقات الفاضحة ردّ فيها على من أدعى العلم ومن تعاطى منزلة الإجتهاد من أهل زمانه .
وله رسالة بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود حذر فيها من التشبه بالمشركين من أهل الكتاب وذكر فيها من دسائس العدو ما يوجب النفرة كل من له ادنى إلمام بملة الإسلام وذلك لما بلغه تهافت المسلمين على لباس النصارى والتخلق بأخلاقهم وهيآتهم أولها : (( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما )) .
وله رسالة اللمعة المرضية في أشعة الأباضية رد فيها على من قال أن الفرقة الأباضية حدثت بعد المذاهب الأربعة وانهم لا تأليف لهم أبدى فيها فصل الخطاب والوقوف على محجة الصواب .
وله رسالة الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي بيَّن فيها منزلة ذلك السيد بين أهل الإسلام وله كشف الحقيقة في الرد لمن جهل الطريقة أرجوزة كشف فيها عن حقيقة المذهب .


وله شرح على فيض المنان قصيدة للشيخ سعيد بن أحمد الراشدي
وله ديوان شعر في غاية البلاغة والفصاحة كله حماسه وتحريض على القيام بما يعز الإسلام .
وله كتاب مجموع المناظيم على قاعدة المتون جمع فيه أراجيز فنون العلم أنتخبها وقصائد من أشعار العرب اختارها انتهى ما استحضرنا ذكره من الكتب وهي كافية في معرفة ما كان عليه ذلك الإمام من عظيم المنزلة بين الأعلام
وفاته رضي الله عنه
في اليوم الثامن عشر من شهر صفر من سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة وألف شخص نور الدين رضي الله عنه إلى بلد الحمرا لمناظرة الشيخ ماجد بن خميس العبري رجاء أن يفهم الحجة في مسألة أوقاف القبور وملخص ذلك أن القدوة نور الدين رأى ما أحدثه الناس من بدعة الوصية للقراءة على القور وتهافت طغام العوام على هذا الأمر المحجور بنص الخبر المشهور فصارت المقابر بالذكر معمورة والمساجد من ذلك مهجورة خلاف ما أمر الله ورسوله فحكم أن الوصية بذلك باطلة من أصلها ومرجع تلك الأموال لورثة الموصي إن وجدوا وإلا وهم مجهولون يتعذر الوقوف عليهم فقضى أن المجهول لبيت المال على أشهر ما فيه من الأقوال وأمر الإمام سالم بإمضاء ذلك الحكم وإنفاذه إذ لا ينفع قول بحق لا نفاذ له فامضاه الإمام سالم وأدخل تلك الموال العتيقة في بيت مال المسلمين لعز دولتهم فشرع في بيع بعضها في حاجة الدولة فلما بلغ ذلك العلامة ماجد وكان من مشايخ العلم في عمان له سن وفضل كتب إلى الإمام ونور الدين بإنكار ذلك الحكم قائلا أنه لا يجوز تبديل الوقاف عن سنتها التي جعلت لها فأجابه نور الدين بالحجج المقتضية لبطلان تلك الأوقاف المؤسسة على غير ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين له بيانا شافيا فلم يكن من العلامة ماجد إلا الإعتراضوأخذ يشنع عليهم وأظهر التخطئة لهم فخشي نور الدين أن تقع بذلك فرقة وتنتج المسألة ضررا يئول إلى تفرق كلمة المسلمين وكان عظيم الشفقة في الإسلام كثير التحرزمما يؤدي إلى الإختلاف والتناقض فشخص بنفسه إلى مناظرة الشيخ ليفهمه الحجة شفاها ويوقفه على المحجة لما رأى أن الرسائل من بعيد لم تغن شيئا بل كانت أقرب إلى التبعيد وإجلالا للشيخ وهو أحد شيوخه الذين

أخذ عنهم العلم فكان من قضاء الله وقدره أنه لما وصل ومن معه من الأعيان إلى قرية بني صبح عند غروب الشمس عزموا على المبيت بها فتوجهوا إلى المحلة السفى منها فصدعه غصن شجرة امبا معترضا على الطريق وهو على راحلته ولم يبصره لكونه ضريرا ولم ينبهه أصحابه لأمر أراده الله فألقاه على ظهره وهي القوى ولبث بها مريضا إلى اليوم السادس والعشرين من شهر صفر لا يستطيع الحركة ولا زال في تلك الأيام يراجعه الشيخ ماجد فتكلم عنده فيما جاء له من المذاكرة فاعترضهم التلامذة والأعيان وطلبوا من نور الدين أرجاء الخوض في المسألة رجاء عافيته ثم يتباحثان بعد فيما اختلفا فيه فأجابهم نور الدين إني أخشى المعاجلة قبل أن يفهم الشيخ ما عندي فافترقا على أن الشيخ ماجد راجع عن تخطيته وأن المسألة من مسائل الإجتهاد وسنذكر تمام ذلك في ترجمة الشيخ ماجد ثم إنه طلب أن يحمل إلى نزوى فأمر الشيخ الحميري قومه بحمله على الأكتاف فحمل إلى تنوف وشق عليه الخروج منها وجاء الإمام سالم لعيادته ليلة التاسع والعشرين من الشهر المذكور وكان تلك الليلة في خفة من مرضه فرجع الإمام مسرورا بعافيته ثم تزايد به المرض فتوفاه الله بعد العتمة من ليلة الخامس من شهر ربيع الول من سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة وألف بعدما ترك للجباه العاتية صيحة الحق وللقلوب الغلف نداء الواجب وللضمائر الواعية طريق العمل وللهمم المتوانية شد العزيمة فرحم الله تلك الأوصال واوصلها إلى رضوانه وفسيح جنانه وقبر ببلدة تنوف تحت سفح الجبل الأخضر بعدما صلى عليه تلميذه الكبير أبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي فأصيبت عمان بموته مصابا عظيما أنساهم ما كان قبله من عظيم المصائب وجسيم النوائب إذ كان ذلك في صدر الدولة وغبطة العمانيين بالظهور وهو إذ ذاك عميدهم وقدوتهم في سياسة الدنيا والدين وما أشبه قضية وفاته بقضية سيبويه في محاورة الكسائي :

والغبن في العلم أشجى محنة علمت :: واعظم الناس شجواً عالم هضما

لما فتحت سمائل وأقيم الحد على المعترفة بالزنا تنفس الصعدا وقال خشيت معجلة الموت قبل اجتماع العمانيين على إمام يجمع الشمل ويقيم العدل فلما تم ذلك خشيت الموت قبل أن يكون لهم مأوى يرجعون إليه ومركزا يأوون فيه ثم خشيت أن أموت قبل أن أشاهد الإمام يصلي الجمعة بالمسلمين ثم خشيت أن

أموت قبل أن أرى الإمام يقيم حداً من الحدود الواجبة اما الآن فقد كان ذلك كله فالحمد لله على تمام النعمة ثم تمثل بقول بن مقرب العيوني :

طبت يا موت فإن شئت فزر

ولم يزل يردد هذا الشطر في حال قيامه وقعوده حتى فارقت نفسه المطمئنة جسده الطاهر في تلك الأشهر من صدر الدولة فإنه عاش في تسديدها بعد ظهورها ثمانية أشهر وسبعة عشر يوما .
وكان عمره رضي الله عنه ثمانية وأربعين سنة وأشهرا في رضاء الله وابتغاء ما عنده .
كان ضريرا يحتاج إلى قائد يهديه السبيل فأصبح يهدي الشعب السبيل .
كان لا جد له إلا التقوى وكفى بها فأصبح يؤلف من الشعب جندا .
كان فقيرا لا مال له فأصبح يجر الجيوش الضخمة ويبتز المعاقل من أيدي الجبابرة والظلمة :

ما فقــــدناك هماما مفردا :: بل فقدنا الخير في كل محل

صفته رضي الله عنه كان ربع القامة تعلوه سمرة ليس بالسمين المفرط ولا بنحيف الجسم مكفوف البصر نير البصيرة مدور اللحية سبط الشعر به أثر جدري أصابه في بندر جده على أثر عودته من حج بيت الله الحرام فعاقه عن زيارة قبر المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وقد أشرف في مرضه على الموت سمعته يقول انه رأى عزرائيل عليه السلام في مرضه ذلك مرتين فسأله هل جئت قابضا أم زائرا فأجاب ما جئت إلا زائرا وقال مسلما وقد رثاه شعراء عصره بمراث طنانة وحسبنا ما رثا به شاعر العرب أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي فإنه لم يترك لقائل مقالا ولا لشاعر مجالا وقد أبرزها قالب الطبع :

نكسى الأعلام يا خير الملل***رزيء الاسلام بالخطب الجلل
وانتثر يا دمع أجفان التقى***قد أصيب العلم واغتيل العمل
وانفطر يا قلب واستقص الأسى***ان حبل الدين بالأمس انبتل
أشعل البرق علينا جذوة***فانطفا واتقدت فينا الشعل

حمل البرق مصابا فادحا***ليته أعياه حملا ما حمل
يا رجال الدين هل جاءكم***ان بدر الدين في الارض افل
رجال الدين لا تهنأ لكم***فرصة ان مصاب الدهر حل
يا رجال الدين لم ينزل بنا***فادح أعظم مما قد نزل
يا رجال الدين أهلا بالقضا***غاض هذا البحر واندك الجبل
يا رجال الدين ما هذا الأسى***والأسى بالعقل والعقل ذهل
يا رجال الدين ما حسن العزا***عن فقيد في السما والأرض جل
ربما اعقب فقد بدلا***وفقيد العلم ما عنه بدل
ان موتا وحياة حتما***قبل هذا الخلق في لوح الأزل
والتماثيل التي نهذي بها***صور يخلقها سحر الأمل
كل ما نهفو اليه عبر***لو فقهنا الشأن أو ضرب المثل
ما يريد الحتف من أرواحنا***يتقاضاه بكورا وأصل
انها مستودعات أقتت***لا يزاد العمر شيئا ان كمل
يا لعمر ناصبته آفة***تهدم المحيا وتزري بالحبل
بئس عمر حتم استرجاعه***ريثما حل رأيناه قفل
وحياة وعدت ريب الردى***كيف يغتر عليها من عقل
وهي في برهتها مرذولة***حشوها لو فكر المرء العلل
خلق العقل لدرك المنتهى***فتناسى وتلاهى وغفل
ليس من يجهل منا حاله***لمحة تمضي وعيش يختزل
انما الشأن اغترار حاكم***سلب الألباب واستدعى الأمل
ونفوس راقها من سوئها***رنق العيش وفي العيش الغيل
هذه الدنيا وهذا أمرها***تندف الأعمار ندفا لم تزل
كشفت عن قبحها في حسنها***وراتنا السم في هذا العسل
لم تغادرنا على مشتبه***في التفاصيل ولا طي الجمل
أيها العاقل لا تحفل بها***سوف ترمي بك من رأس جبل
قد بلوناها ولكن سحرها***ينزل الأعصم من أعلى القلل
هكذا تخبطنا فتنتها***بينما نأنس منها بالحيل
كل ما يحسن منها عطب***وهو من لا شيء في القدر أقل
أصدق الأنباء عن خستها***ليس ما ينقل عنها مفتعل

لم تسالم جاهلا في غيه***لا ولا عالمها الحر الأجل
كل حي السعته حمة***أعيت الراقي فيها والحيل
رقمت آياتها في عبر***بقرون طحنتهم ودول
لا تبالي بك في بطشتها***كنت رب التاج أو كنت خول
يا رجال العلم اودى قطبكم***بل جميع العلم اودى والعمل
فتكت بالسالمي المرتضى***غارة شعواء ما عنها حول
فتكة أورثت الأرض البكا***والسموات وما فيها استقل
فتكة لم يحم منها جيشه***لا ولا دافعها وقع الأسل
عجبا من نعشه تحمله***فتية وهو على الكون اشتمل
جمع العالم في حيزومه***أترى العلم في القبر نزل
يا ولي الله اذ ودعتنا***فمن الآن عليه المتكل
من يحل المشكلات المرتجى***حيث لا ينفع من دق وجل
من يجلي ظلم الجهل ومن***ينصر الدين اضطلاعا للجلل
من يهد الخطب من فورته***من يقيم الوزن من يشفي العلل
من يقود الأرعن الجرار في***نصرة الله على عزم الرسل
من يدير الحرب عن رأي له***سعة البحر اذا ضاق المحل
من على المعروف وقف نفسه***وبه النكر تولى واضمحل
من لبذل العدل والإحسان من***يحمل الكل ومن يعطي النفل
كلـــها خلفتـــــها ثاكلـــــة***يا عميد الدين تبكي من كفل
قمت لله بأمر عجزت***همـم الأبطال عنه فاستقل
فأتت معجزة خارقة***جدها الرعب وأنواع الفشل
فدعاك الله منه دعوة***ليكافيك على هذا العمل
قمت في خدمته محتسبا***آخذا بالحق في أي محل
درجات الخلد قد بلغتها***وسمات المجد في الدهر مثل
غير أنا في زمان حالك***ضل فيه أغلب الناس وزل
كنت فيه الشمس نورا وهدى***وارتفاعا وانتفاعا بل أجل
كنت فيه خلفا للمصطفى***خير من قاد الى الحق ودل
كنت للناس ربيعا وحيا***كنت للأكون غوثا وبدل
مجهدا للنفس في نشر الهدى***خير من وفي وأندى من بذل

صابرا في منشط أو مكره***ثابت العزم شديد المكتهل
احمـس الصفحة موهوب السطى***باهر العزمة مأمون الزلل
شاسع النظرة لا يقصرها***زخرف الدنيا وجاه وخول
راجح الايمان معصوم الخطى***قوله الفصل وان قال فعل
سائر بالجد حتى نلته***" كل من سار على الدرب وصل"
في سبيل الله انفقت العنا***في مراد الله أنفقت العمل
في سبيل الله لم تحفل بها***أسقيت الصاب أو كأس العسل
في سبيل الله تدعو جاهدا***لتقيم القسط أو تلقى الأجل
في سبيل الله أجهدت القوى***لم تحد ان جد خطب أو هزل
رافعا ألوية العلم الى***ان دنا كيوان عنها وزحل
ونصرت الله حتى أنه***لك من أهل السما الجند نزل
ولقد يجدر من أهل السما***نصرة القائم في خير النحل
تلك بدر نزلوها مددا***وعلى بدر قياس يحتمل
هم وجبريل على حيزومه***بالتسابيح لهم فيها زجل
نصروا الله بجيش المصطفى***فانثنى بالخزي أشياع هبل
وفتوحاتك سر مدهش***ظهرت فيها الكرامات الأول
يا ولي الله اني نادب***لك ما دار بكور وطفل
طالما أملت ان يجمعني***بك هذا الدهر فانسد الأمل
لهف نفسي ما الذي أقعدني***عنكم غير الذي أعيا الحيل
كلما أزمعت ترحالا قضى***لي بالتثبيط دهر مهتبل
والى أين ارتحالي بعدما***أظلم الجو وأوحشت الطلل
كنت أرجو نظرة في حالتي***منك فالآن رجائي معتقل
كنت في قيد شديد حله***ضوعف اليوم بغل وكبل
يا أبا شيبة من أرجو لها***حسبي الله اذا عز وجل
يا أبا شيبة عز الملتقى***وقطين الرمس مقطوع النقل
يا أبا شيبة عزت حيلة***عن دفاع الموت أو وصل الأجل
لو فرضنا ان ميتا يفتدى***لغدت روحي أدنى مبتذل
غير ان الخلق فيه أسوة***أجل يأتي على اثر أجل
تقتضي الموت حياة حددت***ولو استعلت على برج الحمل

يا فقيد الفضل عندي اسف***سل عن النار وعنه لا تسل
ذهب الصبر ولو حاولته***وجميل الصبر أحرى بالرجل
ما نعاك الكون حتى نعيت***غضبة الاسلام والكفر بجل
ما حميد العيش من بعدك في***هذه الدنيا وما معنى الجذل
والبكاء المر لا يشفي الجوى***لو طفقت الدهر استمري المقل
كل فقد دخلت فيه عسى***وهي في الموت محال كلعل
ما فقدناك هماما مفردا***بل فقدنا الخير في كل محل
ما فقدناك وعرفانك في***صفحات الكون ضوء يشتعل
ان رب العلم حي خالد***ولو ان الذات بالموت انتقل
ما تركت الكون حتى تركت***خطة الحمد لك الحمد الجلل
سيد العرفان دهري مأتم***فيك ما أشرق نجم أو أفل
اخرس الهول لساني في الرثا***ولساني حده يفري الجبل
ما هنئت العيش مذ فارقته***وهنيئا ً لك عيشا لا يثل
ما هناء المؤمن الحق على***صدعة الدين وما برد الغلل
انا لا أعلم رزأ فادحا***كمصاب الدين أو نقض الكمل
يرفع العلم برفع العلما***وارتفاع العلم هلك وخبل
يا رمى الله يد الموت على***أخذ عبدالله رميا بالشلل
ويلتاه استأثر الله به***وبقي العلم على ظهر أزل
أكرم الله به أمتنا***برهة ثم دعاه فرحل
يا لها من رحلة ما تركت***خلفها من كرم الا انتقل
يا لها من رحلة صحت بها***غربة الإسلام في أزكى محل
أمة الخير لكم حسن العزا***انها داهية أم الغيل
بعد عبد الله يبقى أمل***للهدى هيهات قد شط الأمل
خلها يا ابن حميد تلتوى***فتنة عمياء كالليل المضل
ليس يغني عنك فيها أحد***طمست اذ ذهب النور السبل
وهنئيا لك بالفردوس في***جيرة الله على خير نزل
ان عاما نابك الحتف به***عام سوء وبلاء ووجل
فأتى تاريخه بحزن***نكسي الأعلام يا خير الملل

المرثية الثانية لأبي مسلم أيضاً :

ريب المنون مقارض الأعمار***وحياتنا تعدو الى المضمار
والنفس تلهو فوق تيار الردى***يا ليتها حذرت من التيار
قرت على رنق وزخرف باطل***مثل القرار على شفير هار
ماذا يغر المرء من محياه في***دنياه وهي قرارة الاكدار
يتساقط المغرور في لهواتها***تفريه بالانياب والاظفار
كشفت سرائرها ونادت جهرة***بعيوبها في سائر الاعصار
لم يبق شيء من شئون صروفها***في نحت اثلتنا على الاضمار
نفقت تجارتها وما باعت على***غرر ولا كذبت على التجار
يتهافت العمار في هلكاتها***فعل الفراش على لهيب النار
تجري الى شهواتها سعيا على***أنقاض ما هدمت من الأعمار
نصبت حبالتها وأنذرت الردى***وكأننا صمم عن الانذار
صدعت بما جبلت عليه ولم تدع***ذكرى ولا عظة وراء ستار
شر الغرور سكون ذي بصر الى***عيش تمزقه يد الأخطار
عبر تلونها الصروف وأنفس***تفنى وآثار على آثار
هل زاد عيشك ذرة عن هذه***لو كنت في الدنيا على استبصار
هلا اعتبرت وفي حياتك عبرة***مما تصرفه يد المقدار
لا تستمر لك السلامة لمحة***وغوائل الأيام في استمرار
ما بالنا نبكي الفقيد ونحن من***حب الذي أرداه في استهتار
شغف النفوس بما يراقبه الفنا***أثر الهوى ومحبة الأوطار
جسر المنون أمام وجهك عابر***ولسوف تعبره مع السفار
شمر لتعبره مخفا سالما***من ثقل ما أوقرت من أوزار
ليس العظات بما يقول مذكر***مثل العظات بمصرع الأعمار
كم للمنون لو اعتبرنا من يد***في سلبها الأرواح بالتذكار
ما الحزن الفتنا لمقصود الردى***يغتال في الايراد والأصدار
اترى يجد البين فينا هازلا***ويريحنا بمصارع الأخيار
كلا ولكن الحياة بهيمة***تجري عليها مدية الجزار
خلقت لما خلقت له من حكمة***وتعود تتبع دعوة الجبار
مزمومة نير القضاء يقودها***مربوبة لمشيئة المختار
كتب البقاء لنفسه مستأثرا***بإماتة الأحياء والإنشار


واذا اعتبرت حياتك الدنيا تجد***ان الحياة مظنة الأعذار
ما بين معركة وأخرى يبتغي***أملا لباقية ذوو الأبصار
لو كان يشترك البقاء لغادرت***غيل المنيه أنفس الأبرار
يا صرعة الموت انتقرت خيارنا***وتركت أمتنا بغير خيار
ناهيك من اطفاء أنوار الهدى***غشى الظلام وضل فيه الساري
ناهيك من إعدام أحبار التقى***فالدين لا يبقى بلا أحبار
ناهيك من قعص السراة فانهم***سور لدين المصطفى وسواري
ناهيك من هلك الكرام فما بقي***رسم الكرام ولا حماة الجار
ويلاه أوحشت الديار من الألى***كانوا خلائف سنة المختار
أو كلما نجمت فضيلة سيد***قدرتها وترا من الأوتار
أسرعت في الاغواث والاقطاب***والاعلام والابدال والاخيار
مهلا فما أبقيت ثم بقية***نزح القطين وجف روض الدار
ما زلت تعتقرين كل أعزتي***فالجو خاو والديار عواري
افقدتني شهب الفضائل كلهم***ويلاه من شهبي ومن أقماري
ويلاه أين سماؤها ونجومها***وشموسها ذهبوا كأمس الجاري
من كل أروع لوذعي كامل***يهتز عرفا كالقنا الخطار
عمد الديانة قطبها قوامها***سحب المكارم أبحر الأنوار
تلألأ الأكوان من عرفانهم***كالشمس تملأ هيكل الأقطار
أنضاهم التسبيح والترتيل***والتهجيد بين جوانح الأسحار
خبت اذا جن الظلام رايتهم***طاروا الى الملكوت بالأسرار
غر اذا سجد الظلام على الفضا***سجدوا على الثفنات كالأحجار
قطع النحيب صدورهم وكأنما***وضعوا السحائب موضع الأشفار
قربانهم أرواحهم ونعيمهم***دأب على السبحات والاذكار
حصروا الشريعة والحقيقة والمعا***رف والكمال بانفس الأطهار
فهم غياث الكائنات وسرهم***مدد النفوس ومنبع الأنوار
نقلتهم الآجال من دار الفنا***وتبؤوا سعداء عقبى الدار
سلكوا بمحياهم وبعد مماتهم***اذ وفقوا بمسالك الأبرار
درجوا وأصبحت العراص عقيبهم***من فقدهم مغبرة الآثار
يا موت أفنيت الأعزة فاقتصد***ان كنت ترحم عبرة الأحرار
بأولئك الأبرار كنت معززا***بأولئك الأبرار كنت أباري
أزرى اذا ضاق الخناق بحادث***وهم اذا انطمس الطريق مناري
يا موت وقعك فيهم سلب الهنا***وأقامني للنوح والتذكار
ترك الحمام النوح اذ ناوحته***واستبردت كبدي لهيب النار

لم اسلهم حتى رزئت بصدعة***أخذت بقية سالف الأكدار
أخذت بكظم الدين وانتحت السما***فبكت لها بالمدمع المدرار
واستأثرت بقلوب حزب محمد***لله فجعة ذاك الاستئثار
ما الهول في يوم النشور أشد من***هول النعى بسيد الأبرار
العالم القطب المجدد عمدة العـ***ـلماء طرا كعبة الأسرار
ليث المعارك مربع الفضل الذي***رفع المنار ولات حين منار
غوث البسيطة معلم الدنيا***أبي الضيم مولانا عزيز الجار
حامي حمى الاسلام حجته***معز الدين سيف الملة البتار
بحر المعارف والكمال مسدد الأ***عمال في الاقبال والادبار
السالمي أبي محمد المنيـ***ـف الذكر طود المجد بدر الساري
تمضي وترسلها العراك مروعة***والليل داج والذئاب ضواري
مهلا همام الاستقامة ما الذي***غادرت من هول ومن اذعار
قومتها فتقومت فهجرتها***يا هجرة طالت على السفار
ارجع اليها حيث قل حماتها***ارجع فديتك يا غريب الدار
ارجع الى الاسلام تمم نصره***فالعز تحت عزائم الأنصار
ارجع فان الاستقامة أرملت***ارحم يتيمك وهو دين الباري
ارجع تشاهد كيف دمع السيف***والعسال والأقلام والأسفار
ارجع وما ظني بأنك مشتر***بجوار ربك جيرة الأشرار
أدعوك للجلى وأنت عظيمها***عهدي وأنت لها شديد الغار
أدعوك للأمر الذي تدعى له***شيم الرجال وهمة الأحرار
أدعوك للخطب الذي أعيا على***رأي الفحول وأنفذ الأنظار
أدعوك اذ فرغت يدي من كل من***يدعى لنائبة وحفظ ذمار
أدعوك ان كنت السميع لدعوتي***لخطابة التبشير والإنذار
أدعوك للحرب العوان وكنت في***لهواتها تكفي كفاء الغار
أدعوك للقرآن تكشف سره***وتبين منه غوامض الأسرار
أدعوك للسنن المنيرة انها افتـ***ـتقرت مقاصدها الى الأبصار
أدعوك للاجماع والأحكام والـ***اديان والتذكير والتذكار
هيهات يا أسفاه لا رجعى وقد***جثمت عليك صحائف الأحجار
يسلون بالآثار بعد صحابها***ومثار حزني فيك بالآثار
"ياطلعة الشمس" استري عنا الضيا***وخذي الحداد "مشارق الأنوار"
سفران ان هديا لرشد ارشدا***من فجعتي قلبي لغير وقار
كنت النصير وكان لي صبر الحصا***فاصبت في صبري وفي أنصاري
اقدرت لي جلدا يقاوم نكبتي***فاليوم لا جلدي ولا أقداري

ناهيك من جلدي يقيني بالرضا***والسخط في أن المقدر جاري
وبأن هذا المرء عرضة طارف الـ***ـحدثان تحت مخالب الأقدار
ما غاض من عيني رأيت عديله***من طرف داجية وطرف نهار
لم تصغ نادبة لندبة جارها***هي تستعد لندبة في الدار
سول لنفسك أن تعيش معمرا***لكنه أمد الى مضمار
تلك المصائب مدركات صيدها***سيان في فر وفي استقرار
أمعنت في هذي الصروف بصيرتي***وسبرت ما تقضيه بالمسبار
فرأيت برد العيش احسان العزا***والاطمنانة تحت حكم الباري
يا من أذاب الصخر حر مصابه***من ذا تركت لدولة الأحرار
وزعت بين الدين والوطن الأسى***توزيعك الطاعات في الأطوار
ودعوت في الاسلام دعوة مخلص***ثابت إليك بها ذوو الأبصار
ثابت اليك عصائب وهبيه***من أسد ذي يمن وأسد نزار
عشقوا المنايا واستماتوا في الهدى***من قبل "صفين" ويوم الدار
حنيت ضلوعهم على جمر الغضى***من حب ربهم وخوف النار
غضبوا لربهم فشدوا شدة***متكاتفين على هدى عمار
ملأ اليقين صدورهم فاستصغروا***عند اليقين عظائم الأخطار
لعزائم الأعيان فيهم وازع***دينا وحاشاهم لزوم العار
باعوا لمرضاة الاله نفوسهم***اربح ببيعتهم ونعم الشاري
ورضوا لأعباء الخلافة كفأها***سبط النجاد موفق الأنظار
فلك الجلالة والنبالة والتقى***بيدي الحيا عن ضياء نهار
ورث المهنا وابن كعب وارثا***"والصلت " من أجداده الأطهار
أخذ الامامة كابرا عن كابر***أخذ الثمار جواهر الأشجار
عرفته عاهلها ومفرق تاجها***ولطالما لغبت من الانكار
عاذت به فأعاذها واقامها***عمرية الميزان والمعيار
رقبته حتى أمكنتها نظرة***ازلية من نجمة السيار
فاقتادها عزما وحزما آتيا***بمعاجز طمست عن الأبصار
زهراء بين "السالمي" وسالم***نشأت وبين حماتها الأخيار
لم توف حق الشكر حتى استرجعت***صبرا بفقد الصابر الشكار
صبرا امام المسلمين فانه***حكم على كل البرية جاري
صبرا فعنك الصبر والتأساء يؤ***خذ بل وكل فضائل الأحرار
ما دامت الدنيا على أحد ولا***دامت على السراء والأضرار
عارية هذي النفوس ولازم***ان يسترد العدل كل معار
ومواهب الأيام حرص كلها***اذ سوف تنزعها بغير خيار

ولبئس عيش ريثما استحليته***كرت عليه غارة الأغيار
لا يستقر له اللبيب لأنه***وقف شعوب له بباب الدار
رأت البصائر ما يعاقب عيشنا***فالرأي ان نحيا على استبصار
يا شعر أجمل في الرثاء فان لي***قلبا من الأحزان كالأعشار
هل زاد في " الخنساء" الا كربها***شعر تردده ولبس صدار
يا صبر ان قر الأحبة في الثرى***فاثبت لدي ولا تمل قراري
لا خل الا الصبر بعد فراقهم***ان لم يزله نازل الأقدار
رحم الاله أحبة غادرتهم***ولزمت صحبة دهري الغدار
ما كان في أملي التخلف بعدهم***والعيش في الأشجان والتذكار
لكنه الحدثان يطلب وقته***ومنية تأتي على مقدار
عرجوا عن الدنيا وأعرج في الهوى***شتان بين قرارهم وقراري
تبكيهم الحسنى الى من أحسنوا***ويضاحكون الحور في الأجبار
آليت لا أنفك أندب أثرهم***ما دام تذرف أعين الأحجار
آسي واجرح ما تكن خواطري***بنوازع الأحزان والأكدار
مددي بهم وشفاء قلبي ذكرهم***وبحبهم يطفى لهيب اواري
بحياتهم ومماتهم أسرارهم***توحي مواهبها الى أسراري
درجوا وجاء السالمي عقيبهم***يحيي الرسوم بسيبه المدرار
حتى تدافعت الرياض نضارة***بالسنة الزهراء لا الأزهار
حتم المصير له الى دار البقا***ولنعم دار بدلت من دار
حيا الاله ضريحه بالروح والـ***ـريحان بالآصال والابكار
يا عام أزهقت النفوس بفقده***واطرت روح الدين أي مطار
يا عام لا يبعد فقيد الدين طـ***ـلاع الثنايا معقد الابكار
حزن على حزن وهول مدهش***يمضي المدى والغم في تكرار
يا عام لا عادت لبطشك دعوة***كافيك منها بطشة الجبار
ارحم عيال الله قد حزبتهم***أخطار ملتهم على أخطار
يا عام ازهقت الديانة خطة***كالنار ذات ذوائب وشرار
اطفأت أزهر كوكب ملأ الفضا***ضوء ا وجئت بظلمة الاكدار
ختمت له الحسنى ووافى ربه***متقبلا لمزية الاطهار
عفا عن الدنيا خميصا بطنه***منها سوى ما كان سهم الباري
يا من أجاب الدعوتين لربه***لم لا تلبي دعوتي وجواري
لمعاهد الاسلام بعدك رنة***وعهود فضلك كالنجوم سواري
قدست من غوث وقدس مشهدا***غبطته فيك عوالم الأنوار
شط المزار مع الحياة وويلتا***بعد الممات متى يكون مزاري

ومن السعادة أن أمرغ جبهتي***بعبير تلك التربة المعطار
يا وافد الرحمن أي كرامة***لقيت في عدن وأي جوار
بمنازل الشهداء ترتع آمنا***حتى رضيت لخوفنا الكرار
حلقت للطاعات خطفة طائر***فحللت مسرح جعفر الطيار
بعت الحياة فنلت أربح بيعة***لكنها رجعت لنا بخسار
لله ما سنة لك البشرى بها***ولنا بها كالنار في اعصار
تأريخها ما طال ما لحب الردى***الصبر أحرى يا أولى الأبصار

أسباب النهضة العمانية
لا يزال الصراع بين الملكية والإمامية فالملكية تحب السيطرة والعلو والإستبداد والإمامة مشربة بروح النظم الشرعية التي يجري علها الأئمة وهي الحكومة المبنية على الشورى وإنتخاب الإمام العدل والعمل بالشريعة.
قام العلماء وأهل البصيرة يقدمون النصايح العلمية والعملية إلى السلطان فيصل ويطلبون منه إجراء الأحكام الشرعية ويرغبونه في إظهار العدل ونشر الٍأمان والإطمئنان وأن العدل هو زمام القهر وأساس الملك ويحذرونه غوائل الإستعمار ويسألونه العدول عن معاهدة بريطانيا والكف عن الفتن التي أيقظها ببني عمان والتأخر عن إغراء بعضهم على بعض وإنفاقه الأموال ذلك أخذا بقول القائل ( فرق تسد ) فلما لم يجدوا بغيتهم منه وأعارهم أذنا صماء وأيقنوا عدم موافقته لهم خرج نور الدين إلى حج بيت الله الحرام فنزل على ضيافة السلطان سنة 1323 هــ وبعد رجوعه من سفره إجتمع به ثانية فطلب منه الخلوة ليقطع عذره ويقيم الحجة عليه فكلمه في جمع العمانيين تحت راية واحدة وأبدى له ثمرة الإجتماع وما يخشى من التفرق وأوضح له حال العمانيين وما وقع بسببه من الشعابث والفتن المؤدية إلى الضرر بالوطن فأعتذر بأعذار لم يسوغها نور الدين له ولم يقبلها منه ثم ألحّ عليه فأعرض عنه وقال أنكم إذا حصل لكم ذلك يقول عمي نريد غيره وأراد بعمه عبدالعزيز إبن سعيد ومعناه إنكم إذا اجتمعتم على هذا الحال تقولون لا نريدك بل نريد عمك وانشد السلطان بعد خروجهما من الخلوة تهكما لمطلبه .


نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

فلم يثنه ذلك عنه وكرر إليه النصائح الدينية والمراشد القرآنية وما زال يحثه على إتباع أوامر السنة النبوية ويناشده الله في الوطن والرعية والسلطان يلطف له الجواب ولا يقبل منه الخطاب فلما ثقل عليه تكرار نصائحه دسَّ إليه الدسائس الخفية كما هي عادة الملوك إذا عاكستهم الرعية ولا زال ذوو السلطان يأخذ منهم الجبروت فلا يحبون أن يكون لأحد من رعيتهم فوق كلمتهم فيتجهمون لمن يبدي لهم نصيحة أو يعرفهم واجبا فحاربونهم لقصد إذلالهم وحط درجتهم ومن كان يريد الله واليوم الآخر فلا يضره شيء من ذلك .
حركة رئيس النهضة العمانية
كان سيدي الوالد نور الدين بجوار الشيخ عيسى بن صالح وكان يرجو منه القيام بالحق والتصلب على الجبابرة لما كان عليه أبوه الولي صالح بن علي والأمير يعتذر له ولا يساعفه فهو يخشى أن يتقدم في هذا الأمر فيخذله الناس ويسلموه إلى عدوه وكان من رأي نور الدين أن يكون الشيخ عيسى رأسا في الأمر وأن تكون الناس تبعاً له فلم يقدر الله ذلك فلما ثقل اعتذاره عليه عزم نور الدين أن يخرج إلى حج بيت الله الحرام وكان قد حج حجة الفريضة وله أمل أن يجتمع بعلماء أصحابنا من أهل المغرب بمكة زادها الله شرفا وتكريماً فيصحبهم لزيارة الإمام القطب محمد بن يوسف ليكشف له حقيقة مطلبه ويستعين منه ومن أهل المذهب الذين بالمغرب بما يجده عندهم من مال وجاه أو فائدة يرجو بها نجاح مطلبه العزيز وقد كتب قبل ذلك للقطب فرحب بزيارته ولأهل المغرب ميل عظيم إلى محبته وقبول مراشده فطمع بذلك أن يتسنى له مراده مع ان في السفر ترويج للنفس وتجميم لها مما يعانيه من مقاساة تلك المطالب الجسيمة الصعبة وكتم ما عزم عليه من النية إلا على من انتخبه لمصاحبته فوعدهم في السابع من شوال سنة 1329 هـ أن يوافوه بمطرح فلما كان يوم عيد الفطر وصلّوا صلاة العيد وانتهت الخطبة قام نور الدين وارتجل خطبة بليغة حاصلها أن يطلب من إخوانه والشيخ عيسى أن لا يمنعوه الخروج إلى الموسم وأن لا يتعرضوا له وأقسم عليهم وألح إلحاحاً كبيراً فأجابه الكل أنهم لا يرضون خروقه وأن قيامه بين ظهرانيهم

لنشر المعارف الإسلامية أفضل من حج نافلة وأبى إلا التصميم على عزمه واستشهد في خطبته بهذا البيت :

وإن ساءكم يوما مسيري فإنه :: يسركم يوم الرجوع إيابي

فانفض الجميع على غير جزم بمسير أو منع كلى فلما رجع كل إلى وكره دخل الشيخ عيسى على نور الدين في بيته وتلطف به وأقسم عليه في العدول عن طلبه واظهر له من الشفقة والحاجة العامة إلى قيامه بينهم وأخيراً قال له إن خرجت من عمان فسأخرج منها على أثرك ولا أقعد بها بعدك فثنى كلامه من عزمه وبعد أشهر عزم أن يخرج مهاجراً فيجس نبض العمانيين هل فيهم من يؤيد قصده ويعينه على مراده فكانت له رحلات كثيرة عرض فيها دعايته على من يرجو منه الوفاء والوفاق فنتجت البركة رحلته الأخيرة في شوال سنة 1330 هــ لما خرج إلى داخلية عُمان لزيارة الشيخ حمير بن ناصر النبهاني أمير الجبل الأخضر رئيس بني ريام ومن تابعهم ومشايخ بني هناءة أولاد هلال بن زاهر وكانوا مطاعون في قومهم وقد شدد السلطان الوطأة عليهم وضيق المسالك فهم يودون لو يجدون الظهر فيستندون إليه والمساعد فيقوون به لما يرون من الإضطهاد فلما اجتمع بالشيخ حمير النبهاني كلمه فيما يخفيه عن نفسه فصادف السهم مرماه والسيل مجراه فأجابه بلا تلعثم ولا توان بما يثلج الصدر وينعش القلب وسأله الشيخ الحميري عن مسائل دينية فأجابه نور الدين عليها فأظهر التنصل والتوبة وشرع في الخلص من المظالم وبعد أن انتهى حق الزيارة رجع إلى وطنه وأنشده تلميذه الشيخ القاضي سعود بن حميد قصيدة يهنئه بالقدوم والظفر منها قوله
:
فرح الورى بطلوع كوكب سعدكا***وقدت نفوسهم النفيسة نفســـكا
واستبشرت بكم البسيطة كلها فتزينت***وتزخرفت لقدومـــــــــــكا
هذا هو السفر الوحيد وذا هو العــ***ـــيش الحميد فغظ به أعداءكا

وبعد الإستراحة من السفر عرض على الأمير عيسى ما اتفق له من المصالح التي يأملها وحصوله على نجاح بغيته في سفره هذا وأنه خرج على موعد سرى مع زملاءه تقرر أن يجتمع فيه العلماء والفضلاء من كل ناحية بتنوف في يوم 12 ربيع الآخر من عام 1331 هــ وفي أول شهر ربيع الآخر من العام نفسه جمع

الأمير عيسى أعيان جماعته الحرث منهم المشايخ حمدون بن حميد وحمد بن حميد وسالم بن عمير المعمري ومحسن بن عامر الخنجري وسعيد بن مسعود البرواني وفيهم سيف بن بشير الحبسي وهو صديق حميم لنور الدين فوفدوا إليه ببلدة الظاهر واجتمعوا إليه مطبقين على تفنيد رأيه وعذله عن قصده وأنهم يحاذرون عليه أن لا يحصل على وفاء من المشايخ الذين تكفلوا بمعاضدته وربما أن يكون لهم غرض شخصي أو يسلموه لسلطنة مسقط وأن هذا الوقت غير صالح لبث الدعاية ولعدم توفر الأسباب ولأمور يروها وقد جربوها فلما أضجروه سكت سكوت إبهام وفي نفسه ما فيها .
وبعد ذلك أرسل لزميله شيخنا العلامة المالكي رحمه الله والشيخ عامر بن سيف الحجري الزاهد فقص عليهما القصص واستشارهما قائلا لعلي عاشق لأمري فافتياني وأصدقاني رأيكما فأيّداه وثبتاه فقوى عزمه واتفق مع زميله ابي مالك أن يوافيه ببلدان الحبوس وأن يكتم كل أمره .
دعاية رئيس النهضة العمانية
إن الدعاية بين الأمم ترافقها العناية إلى أن تبلغ ما تشاءه الهمم وتثبت في القلوب اليقين وتؤجج في النفس العزة وتزين أمام العيون القصد وتقرب من الرجاء الفوز في كل أمة أفراد خلقهم الله لينبهوا من حولهم من غفلتهم ويرشدوهم بعلم وحكمة وخلق ولقد كان سيدي نور الدين من هذه الصفوة المختارة بث رحمه الله الدعاية في هذا القطر وتكرم عن فتنة أهل العصر وتوجه ى خبر بلغ كلفه به خبر مبلغ فكان لا يألو فيه جهداً ولا يرى منه بداً وصار يشعر بلذة لا يحظى بها من هم على لهوهم عاكفون وبباطلهم لاهون ضرب أكباد الإبل وصرخ في العمانيين أن الإستقلال والحرّية لا تنالان بالمنى ولا تبنيان إلا بالجماجم وأجساد القتلى ولا جبلان إلا بالدموع والدماء وأن الخوف هو لعنة الحياة وأن الشك في الإنتصار هو الهزيمة العابسة واسمع إلى قوله في بعض أصواته :

المجدُ يُدرك بالقَنا الحسَّاسِ***في كَفِّ مِقدامٍ شديدِ الباسِ
يرمي بهِ نحرَ العدوِّ فلا تَرى***إلا الكَمي يخِرُّ بين الناسِ
وبقاضبٍ عَضبٍ إذا حَكَّمتَهُ***في قسمةِ الشُّجعان والأفرَاسِ
أيقنتَ أن السيفَ عدلٌ في القضا***وبه أساسُ الدين أي أساسِ
وإذا تضايقت الأمورُ رأيتَه***حلاَّلُ مُشكلها بلا إلباسِ


لا مجدَ إلا إن شحذتَ حدودَه***بعظامِ مَن عاداكَ والأضراسِ
قَضتِ المعالي بالبَعادِ عنِ الذي***تُخطا مضاربُهُ أعالي الرَّاسِ
ما أبعدَ المجدَ الشريفَ منارُهُ***عن منزلِ العجَّازِ والأنكاسِ
لا تحسبنَّ سلامةً موجودةً***إن لم تكُن في قطعِ رأسِ الآسي
إن العدو لَعِلَّةٌ إن لم تُداوى***أهلكت والسيفُ فهْو الآسي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لم أجد للعلا طريقا قريبا***مثل طعن اللهى وجز الغلاصم
فأشبع الوحش من لحوم الأعا***دي واروِ من دمهم ظما كل هائم
واطلب المجد بالمهند إذ فيـ***ـه لباغي العلا والمكارم
وامض في الأمر إن أردت فلاحا***عازما فالفلاح عند العزائم
والبس الحزم في الشجاعة واعلم***أنه لا يضيع في المجد حازم
وإذا لم يكن لك المجد مسعى***ومقاما فأنت مثل البهائم
قد تفكرت في عواقب أمري***فرأيت النجا ارتكاب العظائم
كيف يرحو الحسان في الخلد قوم***ألفوا الذل بين غيد نواعم
قل لأهل الهوى عن المجد بعدا***وعن الفوز بالحسان النواعم
أنا عبد أحرض الناس واللـ***ـه تعالى أرجو بحسن الخواتم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أسعد الأقوام في الحرب البطل***الذي لم يدر أصلا ما الفشل
وأعز الناس من ليس يرى***مكسبا غير المعالي بالأسل
اسلـــوٌ والعـــــلا تطــلبنا***حقها والسيف سيف لم يفل
أم رقاد والهدى قد طمست***أثره ما بيننا أيدي السفل
أم قعود والمعاصي ظهرت***وأهيل الدين كل في وجل
أم خمول والورى قد أحدثت***بدعا خالفت الشرع الأجل
ليت شعري هل أنا مدرك ما***رمته يوما فأطفي ذي الشعل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هو المجد فاطلبه وإن عز طالبه***وجد وإن ضاقت عليك مذاهبه
وسارع إلى تشييد أركانه فلا***قرار لنا والعدل هدت جوانبه
ومن تحت ظل السيف فالتمس البقا***إذا حكمته في المعادي مضاربه
وإن لقا الأقران في الحرب زينة الـ***ـكمي إذا ما الوهن جلت مآربه
وأنت إذا فكرت أيقنت أنه***بخوض المنايا يدرك العز خاطبه

ألا فاتخذ أعلى الأمور شهامة***وخلف حليف العجز مع ما يراقبه
وإن فتى لم يطلب المجد عمره***فقد خسر المسعى وضلت مطالبه
فهل مبلغ عني بني المجد أنني***على العهد لا أنفك عما أطالبه
وإن صوبت نحوي الليالي سهامها***ودق عظامي من زماني نوائبه
ما هو إلا صوت القدر يجلجل فيهدي الراكب إذا ظل والحادي إذا تنكب فاستهوى رحمه الله بأصواته عقول العاملين واسترق رضي الله عنه بأخلاقه قلوب الشامخين .
فر رحمه الله من ظلمة غشيت الناس إلى حيث يلقى السكينة والفرار إلى الله مشكور والخروج في سبيل الحق مبرور .
هاجر عفى الله عنه في الدارين بما يرومه من نفخ الروح في هذا القطر فأنتعشت قواه وهبّت ريحه وأضاءت مصابيحه فأشربت القلوب حب الحق فهبوا يدافعون عنه وهل شيء أبقى أثراً من إنسان يخلف إنساناً فيعمر الأرض بالقسط ويكون أهلاً لخلافة الله .
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
فثابت إليه عصابة من كبار الفقهاء والعلماء يقدمهم ذلك العلامة الجليل أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود الذي هو من بني مالك سيد فطاحل عمان رضي الله عنه وأرضاه .
لبى دعوته الرئيس المعظم الزعيم المقدم حمير بن ناصر بن سيف النبهاني أحد ملوك عمان تسلسل إليه الملك من آبائه الكرام الأمجاد الذين وطنوا البلاد وملكوا السهل والحزن ملوك حمير ملوك اليمن .

أبقى له السؤدد الأعلا كواهله***مظفر وسليمان وكهلان
هود عرار فلاح محسن ملكوا***فنبهوا الملك حينا وهو نعسان

أجاب نداءه السادة العباهل بنو هناءة أولاد الشيخ هلال بن زاهر

بنوا هناءة ما دينوا وكم دانوا


إنها لشيمة رجالنا الأحرار إذا رأوا الدين كاد أن ينهار ما أعظم تلك العصابة الذي أشربت قلوبهم الطمأنينة بوعد الله إن الله ناصر من ينصره كان حقاً علينا نصر المؤمنين . أحبوا الحق فهبوا يدافعون عنه هادين من زاغ عن المنهج رادّين من أدبر عنه لا يأملون ثواباً ولا يخشون عقاباً يقاتلون لله يؤنبون في سبيل الله تغلغل في قلوبهم الإيمان وخالط دماءهم وجرى ي عروقهم علموا أن الإسلام دين الرحمة ودين النور فيه نعيم الآخرة وفيه تهذيب النفس وصقل الروح وإلى ذلك أشار العلامة شاعر العرب في نونيته حيث يقول :

أمنية رقب الاسلام طلعتها***أتاحها الله لم يضرب لها آن
وللأماني أوقات اذا قدرت***وللأماني آيات وايذان
تمنعت في خدور الغيب آونة***ثم انجلت فانجلى عدل واحسان
ما ساورتها صروف الدهر اذ نجمت***وما لرد مراد الله امكان
وحكمة الله في التدبير قاهرة***وقائد العقل في المقدار حيران
يقضي بما يشاء والأسباب جامدة***ويحكم الأمر والأفكار عميان
يختص من شاء بالرحمى ويصرفها***عمن يشاء وفي الحكمين رحمن
ان الذي يتعاطاه الذكاء لدى***حكم المقادير تخمين وبهتان
ما حيلة الظن والأوهام في قدر***الا قصور وعجز ثم اذعان
لابد أن تربط الأفهام وحدته***ولو تطاول تقريب وامعان
خذ ما أتاك وسلمها لخالقها***فالشأن لا غير للاكوان ديان
انظر الى دولة أعيت معاجزها***رأى الفحول ففيها ثم برهان
أرادها الله فاحتلت مناصبها***والعقل في نصب والكون اسجان
بأسهم الله ترمي من يقاومها***ولا يقوم لسيف الحق بطلان

إلى آخره وهو كلام قد اخذ بمجامع البلاغة فهو يعرض بهذا التأنيب الدقيق إلى ما وقع بين العلامة نور الدين وجماعة من إخوانه العمانيين لما استنهضهم لهذا الأمر فلم يطاوعوه واستشارهم فلم يوافقوه لما يحاذرونه ولما يرونه من الآراء العقلية بأن الأمر جلل وأنهم أهل تجربة ونور في كل ذلك يأبى إلا السعي في إنقاذ الوطن من مخالب الإستعمار وتمزيق راية الإستبداد والإجتهاد في كل ما يعز الإسلام لما انتهكت محارمه واضيعت شعائره مقتد بالخلفاء الراشدين والقواد الصالحين الذين جروا على الخطط التي وضعها صاحب الشريعة الإسلامية فوافقوا في جميع أعمالهم ونشروا راية الإسلام أينما حلّوا لا مستعمرين بل منصفين معلمين أخذوا دروس القيادة عن قائدهم النبي الأمي محمد بن عبدالله

صلى الله عليه وسلم فتبعهم السلف الصالح المأثور عنهم نقيم الحق بالغداة ولو غليت لحومنا بالمراجل في العشي ولسان الحال يردد قول أبي مسلم :
سياسة الله في القرآن كافية وما يزيد على القرآن نقصان
خروج رئيس النهضة
إلى ذلك يشير شاعر العرب أبو مسلم في نونيته حيث يقول :

يا ناقل العيس من عليا (بدية) حـ***ــيث اليحمد الحائزون المجد قطان
خلف وراءك (عزا)(والمضيرب) والـ***ــدريز "والقابل" الراسي بها الشان
وخل (ابراء أعلاها وأسفلها )***حيث القطين ملوك الناس قحطان
(وخذ) بأوجهها عن ساحتي (سمد)***مياسر (الفتح حيث الحي كهلان)
ودع وراءك ان غربت (أخشبة)***تجري المجرة فيها وهي (سدران)
(ويا من(الدوح)(والخضراء) منتحيا***افناء حلفين حيث السوح جرنان)
واعمد الى (الجوف) واستظهر أسافلها***أرض لعامر أهل الفضل أوطان

إن هذه الأمكنة التي ذكرها أبو مسلم هي الطريق التي سلكها رئيس النهضة وسنذكرها مفصلة .
في اليوم السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1331 هــ إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف خرج سيدي نور الدين من بيته بالظاهر من الشرقية وأقام بقية الشهر ببيته الذي بالقابل ثم خرج منه في اليوم الثاني من شهر جمادى الثانية ، فقال بفلج مسعود ذلك اليوم وفي صحبته الشيخ سالم بن راشد الخروصي والشيخ عبدالله ابن راشد الهاشمي وحمود بن ناصر المعولي وسالم بن ناصر الحبيشي وابنه محمد شيبة ثم راح عصر ذلك اليوم من فلج مسعود فكان مبيته في المكان المعروف ( أبو ظلما ) وقال في اليوم الثالث بقابل آل بو سعيد فأجتمع فيها بأحد أصدقاءه من العراب حمد بن البليدي القناص الجحافيْ فأسرَّ إليه أن يأتيه بإبل تحمله إلى تنوف دار هجرته وأن يلاقيه بها في بلد خشبة العزور فخرج حمد لإحضار الإبل وتوجه نور الدين إلى المضيبي وقد سبق وعد بينه والعلامة أبو مالك عاكر بن خميس الذي هو من بني مالك فوافاه بالشارق وهي بلدة من أعمال المضيبي وبها وافاه صاحبه الخصوصي أبو هشمة سعيد بن عبدالله الهاشمي وهو رسوله السرّي ومن المساعدين له على غرضه وجاسوسه المنتخب ثم خرجوا


جميعاً غرة يوم السادس من الشهر المذكور فقالوا ببلدة الأخشبة وفي ذلك اليوم أتاهم حمد القناص بالركاب فكان جملة من إجتمع في رفقته ثلاثة عشر رجلا :
1 - زعيم الأمة العمانية وهو رئيسهم عبدالله بن حميد السالمي .
2 - الشيخ سالم بن راشد بن سليمان الخروصي الذي عقدت عليه الإمامة .
3 - شيخنا العلامة الجليل أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود الذي هو من بني مالك .
4 - الشيخ العلامة عبداللله بن راشد بن صالح الهاشمي .
5 - الشيخ العالم عامر بن عُلى بن راشد الشيذاني الحبسي .
6 - الشيخ العارف حمدي بن مُسَلَّم بن عبيد الحجري .
7 - الشيخ الفقيه حمود بن ناصر المعولي .
8 - الشيخ الورع سالم بن ناصر الحبيشي .
9 - سعيد بن عبدالله بن خادم الهاشمي .
10 - حمد بن البليدي القنّاص الجحافي الوهيبي .
11 - سيف بن حمد ولد الصويّغ الهاشمي .
12 - خادمه خويطر بن زايد مولى الجحاحيف .
13 - إعرابي طناف الركاب لا يحضرني إسمه .
14 - محمد شيبه بن نور الدين السالمي .
عددهم عدد حروف النور عدد ما ناف على المائة من السور خرجوا فرادى مستخفين يتسللون تسلل القطا خوف ان يشعر بهم الظلمة فإنه شاع في الناس إعتراض الأمير عيسى لنور الدين أن يعدل عن هذا الطلب فخرج مستخفياً وأسرَّ إلى إخوانه المذكورين أن يجتمعوا ببلد الأخشبة فوافوه بها وقبيل الفجر خرجوا منها فقالو يوم سابع من الشهر المذكور ببلد العاقل من بلدان العوامر من أرض

الجوف وراحوا منها بعد العصر فعرّسوا بزكيت بلدة صغيرة سهيل أزكي ومنذ وصل العاقل أرسل إلى تلميذه الكبير أبي زيد عبدالله بن محمد الريامي الأزكوي وكان يسكن أزكي أن يوافيه بمن عنده من الأعلام والمطاوعة وفي غرة اليوم الثامن خرج من زكيت وقال بالبركة فوافاه أبو زيد عصر ذلك اليوم وعنده من الشراة ستون رجلا كلهم شار بايع نفسه لله وأنشد أمير الشراة الشيخ محمد بن سالم الرقيشي قصيدة منها هذين البيتين :

وكم جمل قد راعني بهديره***فلما تهادرت أهدأت شاشقه
على أنني السيف الذي إن سللته***على الدهر ما دارت عليك بوائقه

كانت ضيافتهم واجتماعهم ببلد البركة عند الشيخ حمدان بن سليمان النبهاني ابن عمّ الشيخ حمير وقد علم الشيخ حمدان ما عندهم وما يحاوله نور الدين خرجوا من البركة قبيل الفجر مشاة وركبانا ليلة تاسع وقد أرسلوا أمامهم رهط من ريام يرصدون لهم عقبة الرحبة خوفاً من عمال السلطان الذين بنزوى فصلّوا الغداة تحتها وأصبحوا فوقها ونزلوا ظهيرة ذلك اليوم فقالوا ببلدة ( كَمَهْ ) من بلدان بني ريام بسفح الجبل الأخضر وقبيل المغرب خرجوا منها وباتوا ليلة عاشر شرقي تنوف عند بئر تسمى الظليعة فأصبحوا أول النهار بتنوف .


إجتماع أعيان النهضة

( بتنوف وتشاورهم فيمن يقدمونه إماما )

هاجر مشايخ العلم من أوطانهم إلى تنوف عاصمة الشيخ حمير يعرضون عليه أمرهم ويسألونه نصرتهم لما خذلهم القادر واستخف بهم الجاهل وأستهزأ بهم السفيه ولا بدع فقد هاجر من هو خير منهم فآواهم الهزبر الضاري وأكرم مثواهم فأعلنوا دعوتهم ونشروا رايتهم وعاضده على ذلك مشايخ بني هناة أولاد الشيخ هلال بن زاهر فأجتمعوا بتنوف ضحى يوم العاشر من شهر جمادى الثانية سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف وجالت الآراء بينهم فيما يرمونه من الظهور

ولكون المسألة حرجة والسلطان فيصل على الكرسي قد قهر الدائرة العمانية وجعلها تحت سيطرته القوية واستظهر بمساعدة الإنجليز له ولتغلب جبابرة عمان على المعاقل الداخلية فنظروا فيما هم بصدده من الأمر الذي يحاولونه فأستشعروا العجز لكثرة من حولهم من الأعادي وقوة شوكة الجبابرة وزادهم فشلا إن نور الدين أرسل العلامة أبا مالك إلى الشيخ العلامة ماجد ابن خميس العبري والشيخ مهنا بن حمد رئيس العبريين وجماعتهم وكانوا قد وعدوه جميلا في أول الأمر فرجع إليه بإعتذارهم في هذا الوقت للمحاذرات التي يحاذرها جُلُّ أهل عمان وكاد أن يتلاشى ذلك الإجتماع فخلصوا نجيا وكثر القيل والقال وبقي الرأي يجول وهم بين إقدام وإحجام قد هوّل عليهم الأمر ازبُّ العقبة فكان نتيجة ذلك الموقف أن سلّم العلماء والأمراء والخاصة والعامة أرواحهم ومهجهم إلى رئيس النهضة العمانية وقلدوه أمرهم لعلمهم أن يستسهل الصعاب من الأمور اعتماداً على ربه وثقة بمولاه وتوكلا عليه فلما كانت الساعة الثانية عشر من يوم الإثنين من شهر جمادى الثانية قال لهم اختاروا زعيما تقدمونه للمسلمين أميناً على حمل الأمانة والدين يحمل الناس على احترام الشريعة المحمدية فوقع نظر الجميع إنا نرى ذلك الشخص وأشاروا إلى الشيخ سالم بن راشد الخروصي فكلمه فأبى وأمتنع فألح عليه العلماء والأمراء والأعيان فأجابهم إني ما خرجت لتبايعوني بل لأبايع من تبايعونه ولست اطيق بمؤامكم حملا ولم أكن له أهلا بأبوا عليه إلا القبول وأبى إلا الإمتناع ورووا له ما جاء في المأثور عن السلف الصالح من جواز قتل الممتنع من قبول الإمامة إذا وقع عليه اختيار المسلمين فلما أعياهم أمَرهم نور الدين بحمله وتقريبه إليه وكان قد قعد في أخريات الناس هضماً للنفس فحمل قسرا ثم تعلل بأمور وشرط شروطاً فأجابه نور الدين إنا لا نقبل هذه الشروط منك فإن أبيت قتلناك إذ بامتناعك متى وقع عليك اختيار المسلمين تتفرق الكلمة وينحل النظام وتتعطل الحدود وأمر نور الدين تلميذه الكبير أبا زيد بقتله متى أصر على الإمتناع فسلَّ حسامه وصحّ عند الحاضرين إنه قاتله لا محالة فسألهم إن قتلتموني هل أنا عندكم في الولاية فصرخ الجمهور ( لا ) وملأوا بها أفواههم فعقدوا عليه البيعة غصباً والدموع على وجهه وما ذلك منه رحمه الله جبناً ولكنه مخافة التقصير بما سيتحمله لعلمه إن الأمر جلل وإن الخطة صعبة المرتقى وحمل الناس على الجادّة ليس بالهوينا ولسان الحال ينشد :

(يا سالم ) الدين والدنيا ابن راشد خذ***أمانة الله والأقدار أعوان
أنت الضليع بها حملا وتأديـــــــــــــة***إذ كل أمرك تدبير وإتقان

ثم تعلق أن يسمح له بأداء فرض الحج عند الإستطاعة . وزيارة والدته لأنها عجوز ومحلها شاسع . أجابه نور الدين متى وجدنا الكفو عند عزمك الخروج للحج أذنا لك . وزيارة والدتك أمر سهل ننظر فيه وقت طلبك أما بقية شروطك فلا نقبلها منك .

سئل نور الدين عن إباحته لقتله حال امتناعه .
أجاب إني سبقت إلى هذا أفتى أبو عبيدة الكبير تلاميذه لما استشاروه فيمن يقدمونه إماماً متى استطاعوا فأشار إلى أبي الخطاب المعافري وقال لهم إن أبى فاقتلوه .
إشترط الشيخ الحميري قبل وقوع عقد البيعة شروطاً .
منها أن لا يتعرض الإمام للمعاقل التي بيده وهي بيت تنوف . وبيت سيق بالجبل الأخضر وبيت المال الذي عنده .
في مقابلة ما تعهد به الحميري للإمام إذا دعت الحاجة أن يجهز ألف مقاتل على


نفقته لمساعدة الإمام : وكان هذا الإتفاق بخط شيخنا العلامة المالكي وتوقيع الإمام والشيخ الحميري عليه بعد العقد .
وكان هذا الرسم محفوظاً عندنا ولم يحضرني وقت التاريخ بل كتبت معنى ذلك .
تنبيه
ليست الإمامة أمراً مخترعا في الوقت الجديد بل هي سلطة دينية سياسية جرى عليها الخلفاء الراشدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت بعمان منذ القرن

الثاني من الهجرة وهو القرن الذي عقد فيه على الجلندى بن مسعود أول إمام بعمان إلى القرن السادس الذي كان آخر إمام فيه محمد بن خنبش ثم حصلت فترة في القرن السابع والثامن حتى عقد على الحواري بن مالك في القرن التاسع ولم يخل قرن من بعده إلى هذا الوقت إلا وفيه إمام يجمع شملهم ويلم شعثهم إما شارياً أو مدافعاً أو إمام ظهور
ومتى صحت البيعة بإتفاق العلماء كان حقاً على العامة من الرعية أن يسمعوا ويطيعوا للإمام وإن يسلموا الأمر لأهل العلم وليس لحاضر أن يأبى منها ولا لغائب أن يتخلف عنها ولا لمختار أن (( يختار إن العلماء حكام على الملوك والملوك حكام على الرعية )) .
وأساء الأوربيون في تفسير ظهور الإمامة أنها منشأ إعتداء وتمرد على السلطان وإعتراض في ملكه وإنه لا حق للأمة في ذلك . وما فقهوا أن الحاجز خبين الإمامة والسلطنة هو حاجز ديني في طبيعته فالإمامة هي الحكومة المبنية على الشورى وإنتخاب رجل أمين في نفسه ودينه وعلى رعيته قادر على العمل بالشريعة ورد كل شيء إلى حكم الدين فهي سياسة من غير محاباة ولا حيف حسبما كان عليه الخلفاء .
والملكية هي حب السيطرة والإستبداد كما هو معروف من حال المتغلبين على الأمر وإذا ضعف أسلوب الإمامة عن الحكم برزت الملكية إلى الميدان وهو كالصراع بين الملكية والجمهورية في الديار الغربية . ولعل الوهم سرى إليهم بعدم التوالي على ذروة المنصب ولا عبرة به عندنا فإنا نحرص على الإجتماع والإتفاق على توالي الأئمة توالياً غير منقطع متى وجد المرشح الصالح له كما سبق في عصر بني خروص واليعاربة . ومن درس التاريخ العربي والإفرنجي عرف انا لا نتمسك بطاعة قوم يعصون الله فإن الله لم يأذن لأحد من خلقه أن يعطى عهده من يعصي أمره فلا نخضع لأوامر السلطنة متى حادت عن الجادة كما نخضع في جانب الإمامة المحقة ديناً وطبعاً فتجد العمانيين مع ملوك آل نبهان وآل قحطان متى سنحت الفرصة وسَاعفتهم الأقدار عززوا النية إلى البيعة لمن يختارونه فانتزعوا السلطة من أيدي المتغلبين إذ لا حق لهم فيها .


وأضطرت الأمة الإسلامية إلى انتزاع السلطة من عبدالحميد الخاقان العثماني في عام 1327 هــ الموافق ((1909م)) فأزعجوه من منصبه وأسلموه إلى هواه .
وأخفق إخواننا المصريون في عام 1371 هـ الموافق (1952) فاروق الأول من ذروته أخذوا برأينا والعمل لما حاد الملوك عن الجادة .
وفي كتاب عمان لشركة الزيت الأمريكية ص / 14 :
(( الإمامة منشأة قديمة في عمان ترتد إلى القرن الثاني من العصر الهجري الموافق للقرن الثامن المسيحي وقد أنشأ الأباضيون من المسلمين هذه المنشأة وصانوها هناك وهم فرع من الخوارج الذين قاموا بحركة عصيانية دينية محافظة وانفصلوا عن الكيان الرئيسي لأتباع الإسلام في أيام علب بن أبي طالب وقد قصد بعضهم إلى شرق الجزيرة العربية واستقروا في جبال عمان حيث نشروا عقائدهم التي تعرضت لتغييرات يسيرة في القرون المتتالية ويمكن اعتبار إمامة الإباضيين في عمان من المخلفات الحيّة للخلافة الإسلامية الأولى في القرن الهجري الأول وليس مما يغفل شأنه أن تعرف أن لقب الإمام نفسه كان يطلق على الخليفة أحياناً في تلك الأيام )) .
وكتب أيضاً في ص 3 / 4 :
(( إمامة عمان دولة أباضية مستقلة تشغل الجانب الأكبر من أرض عمان في شرق الجزيرة العربية وقل ما يعرفه العالم عن هذه الدولة حتى الثقات في الشئون العربية بغير استثناء قريباً ليسوا على معرفة وثيقة بها أما الحكومتان البريطانية والإمريكية فتعترف كلتاهما بحاكم مسقط على أنه سلطان مسقط وعمان فكأنهما تعنيان أن بلاد عمان خاضعة لسلطة السلطان والحقيقة أن سلطان مسقط لم يكن له شيء يذكر من السيطرة الفعالة على عمان منذ أكثر من قرن وأما الإمامة نفسها فلها تاريخ يرتد إلى ما يزيد على ألف سنة وهي لم تزل تستمتع بوضعها الحاضر كحكومة مستقلة مستقرة في عمان منذ نحو أربعين سنة )) . ا هــ .
ولم يزل أهل عمان مع ملوك آل سعيد في معارضة منذ السلطان سعيد بن سلطان مع عظمته وقيامه بحقوقهم في جانب آخر فقد اعترضوه في عدة مواطن .


منها لما أسعف الإنجليز بقعود نائب لهم بمسقط عام 1214 وهي أول قدم إستعمارية ثبتت بها .
واعترضوه عام 1237 هــ لما وقع اتفاقية مع المسيحيين في القضاء على تجارة الأرقاء .
واعترضوه عام 1270 لما تنازل للإنكليز عن جزائر المسلمين جزيرتي خوريا موريا بدون سبب ولا مقابلة .
اما اول معاهد رسمية بين حاكم عربي ودولة افرنجية فهي الإتفاق الواقع من السلطان سلطان بن أحمد عام 1213 هـ وقد انجزه البريطاني المقيم في أبو شهر وهو رجل إيراني من موظفي الشركة اسمه مهدي علي خان في مقابل 2820 روبية وبهذا الإتفاق التزمت بريطانيا أن تؤيد حكام مسقط ضد الشعب العماني وكان وصول علي خان مسقط في 3 أكتوبر سنة 1798 م وبعد مفاوضات استمرت عشرة أيام وقع في الثاني عشر منه أول معاهدة سياسية ربطت بين سلطان عمان وبين بريطانيا ويبدو من نصوصها إن الإحتياط ضد فرنسا كان مقصوداً .
واعترضوا السلطان ثويني في مواطن كثيرة .
واعترضوا ابنه السلطان سالم بن ثويني فأزعجوه من مركزه عام 1285 هــ وقلدوا الإمام عزان رضي الله عنه مكانه قائماً بالعدل .
ولا زالت حركات الشيخ صالح بن علي متوالية على السلطان تركي وابنه السلطان فيصل .
وفي عام 1330 هــ اشتدت حركة العمانيين على السلطان فيصل لما وافق الإنجليز على منع الأسلحة من دخولها عمان وقبوله المكافآة من البريطانيين بمبلغ مائة ألف روبيه لإصداره ذلك وكتبوا إليه يخوفونه العاقبة فضرب عنهم صفحا وقد كتب بعض المسيحيين ما نصه :
إن الأسباب التي من أجلها زحف أهالي عمان مرة أخرى على سلطان مسقط قد سردتها المس جرنز وديل الرحالة والمستشرقة البريطانية في مقال كتبته في (

نشرة الشئون العربية ) السرية في نهاية عام 1334 هــ ( 16 أكتوبر سنة 1916 م ) عندما كانت تعمل مع نهاية عام 1334 هــ ( السربرسي كوكس في العراق ) .
( أصبح حكام مسقط معرضين للنفوذ الأجنبي الأمر الذي أفقدهم عطف القبائل في الداخل ويعود سبب القلاقل الأخيرة إلى هذا النفوذ الأجنبي وإلى اعتماد سلاطين مسقط على القوة البحرية العسكرية الجنبية وكذلك إلى خضوعهم مرغمين للمطالب الأجنبية فيما يتعلق بأمور المتاجرة بالرقيق والسلاح وقد رأى السلطان الراحل السيد فيصل بن تركي في قيام الحكومة البريطانية بالقضاء على تجارة الأسلحة فائدة جلية لنفسه حيث أصبح رعاياه الثائرون عاجزين عن التزود بالأسلحة لإستعمالها ضده ألا أن عدم ارتياح القبائل لذلك قد وصل إلى ذروته قبل وفاته ا هــ . )
واعترضوا السلطان فيصل في أواخر رجب عام 1319 هــ لما خرج كوكس الوكيل السياسي بمسقط عن إذنه على طريق صور لتفقد مناجم الفحم الحجري بجبال المشارفة فإنه خرج وفي صحبته السيد تيمور بن السلطان فيصل فأحس سيدي نور الدين إن القصد من ذلك التوغل في البلاد ودخولها بالسياسة واجتهد أن يوصد الباب في وجهه حتى ينزع عن رأيه فأعرب عن إحساسه هذا إلى أعيان العمانيين واستنهضم على منعه وحضهم على صدعه وحيث أن منزلته غير مجهولة ونصحه غير مستنكر هاج الشعب العماني لذلك واتفقت الكلمة على صده بكل ممكن وأول من أدرك صدق مقاله وصوب رأيه الشيخ عيسى بن صالح فكان في جبهة الشعب العماني وجاهر السلطان فألتقى بهم بالموضع المعروف ( أم اللخم ) وكاد أن تسمى أم اللحم كانت فيها مناوشات بينهم عثر فيها جواد ( الجيولوجي ) زميل القنصل برصاصة أثارها عليه أحد الأعراب فغضب السلطان لذلك وكتب بعض جلساء الملك شعراً انتقص فيه الثوار وتحامل على نور الدين تحاملا فاحشا عاب عليه تحريفه وقيامه بحق الوطن ومعاكسة السلطان فكتب نور الدين على ذلك جوابا ونصيحة للسلطان في شعر أعرب فيه عن إحساسه وشعوره .


كتب نور الدين نصيحة للملك فيصل بن تركي وجواباً على قصيدة شاعره :

الصدق قل وذر الكذب***فالصدق ينجي في العقب
والحــــــق فانشره ولا***تخــــــشى الدوائر تنقلب
ما قد مضى سيكون إن***هبت الفنا أو لــــم تهب
قل للــــــذي في زعمه***أبدى النصائح ويك هب
إن الذي خوفتني***إيـــــــــــــاه أمر لم يهب
خوفتني ما ليس عنـ***ـه مهرب ممن هرب
الموت أخشى وهو في***كل الورى حقا وجب
الموت أولى من حيا***ة في المذلة والتعب
الموت عند الحر أحلـ***ـى من دني يرتكب
فاركب من العلياء بالـ***ـعزمات أعلى مرتكب
فإذا استويت على الذي***تهوى فقد نلت الأرب
وإذا المنايا عاجلتـ***ـك فقد عذرت لذي الطلب
قد خاب ذو علم إذا***لم يبد لله الغضب
أخذ الإله عهودنا***ألا نزين مخشلب
ربح التجارة من وفى***بالعهد يوما واحتسب
فالله قد ضمن الوفا***ء لمن وفى ولمن ندب
فالنفس تفدي ديننا***لا نشري بالدين الذهب
والنفس أكرم عندنا***من أن تهان وأن تسب
فارجع لنفسك وانهها***عن ذا التعرض للعطب
واسمع أحاديث العلا***تملى عليك وتكتتب
إن الذي أوضحته***وذكرت من شيم العرب
عز يغادر كل قلب***في الأعادي مضطرب
عز يذكرهم بما***وجدوه عنا في الكتب
عز يريهم أننا***عن حالنا لم نقلـــب
عز يريهم أننا***والمجد أهل و الحسب
وبه يكون العذر للـ***ـسلطان من أقوى سبب
إذ لم يكن عن رأيه***ما كان منا وانتسب
لكننا قوم خشينا***الخدع منه حين دب
أتكون ذمتكم لمن***بالخدع أيانا حرب
والله يأمرنا بأن***ننبذ إليهم إي نهب
فانبذ إليهم عن سواء***إن تخف خدعا تصب
والخصم لا يخفى عليكم***حاله حيث انقلب

سلب الممالك باحتيا***ل قد علمتم ما سلب
وأتى يخادعكم فقلـ***ـتم إنه الخل المحب
بتم وبات ينوشكم***بمكائد لم تحتسب
شعواء دس إليكم***تحت الليالي والحجب
من هم أن يصطاد من***لم يخشه مكرا وقب
أيبركم ولديه أخـ***ـبار الأوائل تكتتب
كم وقعة تركت جما***جمهم هشيما محتطب
كم عرصة تركت ملو***كهم عبيدا للعرب
كم غزوة تركت ذخا***ئرهم غنائم تنتهب
أيكون مع هذا ودا***د أو صفاء مرتقب
أيبرخصم خصمه***وله الأمور كما نحب
ما خلفت أسلافكم***إلا الكتائب والكتب
وسياسة تذر البعيـ***ـد من المعالي مقترب
وبسالة يهتز منـ***ـها الخصم رعبا مضطرب
لا بالخدائع حربهم***والمكر ماكان السبب
لكنه ضرب المدافع يطيـ***ـر الهام طيران السحب
وترى الأكف به تسا***قط مثل أوراق تجب
وترى الدماء به تصـ***ـب كمثل غيث ينسكب
وترى المهند فيه يلـ***ـمع مثل برق من كثب
مع قلة منهم وخصمـ***ـهم كأرمال الكتب
فغدوا نجوما يهتدى***بهم من العليا طلب
من ينصر الرحمن ينـ***ـصره ومن يخذل يتب
والله يبلو خلقه***ليثيب منهم من أحب
وهو القدير فلو يشا***نصر العباد بلا سبب
لكنــــــــــــه أعطـــــاهم***عمرا له حدا ضرب
لا ينقصن ولا يزيـ***ـد على الذي منه كتب
وإذا مضى في طاعة***فازوا بحسن المنقلب
وإذا مضى في غيرها***كان الهلاك مدى الحقب
والعمر حتما ذاهب***إن لم تداركه ذهب
ولمن عصى نهج المتا***ب له سبيل فليتب
فأنا النصيح وإن يكن***قولي عليكم قد صعب
وأنا الشفيق وإن حسبـ***ـتم أنني الخصم الحرب
وأنا المحب وإن ظننـ***ـتم أنني أعمى أدب

ما كان نصحي للبريـ***ـة بالدراهم مجتلب
لكنه طبع طبعـ***ـت عليه والمولى يهب
بئس المجالس للملو***ك فتى به للدين جب
ما همه إلا امتلا***ء البطن أو نيل النشب
أو كلمة من سيد***يعلو بها وهو الذنب
يا رب ألهم رب دو***لتنا المليك بأن يذب
واكشف له رتب الرجا***ل على اختلافهم رتب
لا يستوي من يطلب الـ***ـعليا ومن يبغي الذهب
فأخو الدراهم عينه***حيث الدراهم تجتلب
وأخو المعالي همه***يعلو الثواقب والشهب
ما كل من خطب المعا***لي نالها لما خطب
مثل الكريمة لا تز***وج ذا الحكاية والريب
تأبى العلا ينزو عليـ***ها كل قاص مجتنب
لكنه من ليس يقـ***ـرع أنفه مهما وثب
ما المال والدنيا وإن***جاء فليسا بالحسب
با إنما تقوى الإلـ***ـه عي العلا المكتسب
فإذا رزقت مع التقى***نسبا فأكرم بالنسب
من كان ذا نسب شريـ***ـف للمروة يصطحب
تأبى عليه نفسه***رعي الوخيم وإن عشب
والكامل الرجل الذي***حاز المعالي واكتسب
دارت به العلياء من***كل الجوانب والرتب
فنشا تربيه السعا***دة والعناية منذ شب
ذو أنفة لا تستطا***ع وعزة لا تستلب
شهم ترى في وجهه***أثر البسالة يلتهب
ندب يرى الأمر العظـ***ـيم عليه سهلا لو صعب
ذمر يرى القاصي من الـ***أشياء منه قد قرب
حر يرى فعل الدنيـ***ـة كالحرام المرتكب
جلد لدى نوب الزما***ن فلا تحركه النوب
صلد يساور عزمه***صرف الخطوب إذا نشب
يلقى المنون كأنه***يلقى الحبيب المحتجب
لا يثنه إلا مخا***فة ربه عما طلب
لا جازع يوما ولا***أسف إذا شام العطب
ماض على حلو القضا***ء ومره لا يضطرب

راض بما قسم الإ***له بفضله ربما وهب
فـــإذا دعـــي لمــلمــة***تلقاه أمضى من عضب
وإذا يسام الخسف وا***ثب من يسوم على العضب
لا يصغ مهما زور الـ***ـواشون قولا بالكذب
متأمل ما يعرضن***له بفكر منتخب
كشفت له محض التجا***رب عن أمور ترتقب
فهو الفتى فإذا ظفر***ت به فكفك قد ترب
ربحت يداك إذا غدو***ت لمثل هذا مصطحب
هذا الذي يدنيه من***شاء العلا أن تنتصب
لا ينصح السلطان إلا***من له رأي ثقب
وعزيمة ونصيحة***وسياسة لا تقتضب
وشجاعــــــة وبســـالة***منه الأعادي ترتهب
أما الذي من ظله***يخشى فلا يقضي أرب
يا أيها الملك الذي***حاز المعالي والرتب
أنظر هداك الله في***أهل المشورة وانتخب
ما قام عز في البريـ***ـة والرعاع له سبب
كالطود ليس يطيقه***بيت يسقف من خشب
فابن العلا بجبال عـ***ـز لا يزعزعها الرهب
وارم العلا بسهام من***ترمي به حالا تصب
بأماجد شم لهم***في الناس سابقة الحسب
لا يرهبون من المنو***ن إذا الكمي لها رهب
لا يهربون إذا تو***جهت الكماة إلى الهرب
تلقاهم وكأنهم***في البأس نار تلتهب
بهم الممالك ترتسي***حين الزلازل تضطرب
فاصلح هداك الله قو***مك تلق منهم ما تحب
ما فيهم من يبغ غيـ***ـرك لو نهضت بما يجب
فاجمعهم واصلح أمور***هم وشمر واحتسب
فالعدل يكسو الملك إجـ***ـلالا على مر الحقب
ما كان أول دولة***إلا به كان السبب
فإذا تولى عدلها***فالملك عنها قد ذهب
يا رب أظهر دينك الـ***ـمرضي بالسيف العضب
وانصره يا رباه نصـ***ـرا يكشفن عنا الكرب
نصرا به تمسي النصا***رى مثلما كانوا ذنب

والحمد لله الذي***قد ألهم النصح المحب
لا زالت العلماء تنـ***ـصح للملوك وتحتسب
من قام فينا ناصحا***فهو الوفي بما يجب
نصح الملوك على الرعـ***ـية واجب لا مستحب
فإذا تقبله فقد***ربحت يداه بما كسب
أولا فقد أعذرت إذ***أديت شرعا ما وجب
ثم الصلاة مع السلام***على النبي المنتخب
السيد المبعوث بالسيـ***ـف الحسام وقد حرب
والآل والصحب الألى***سادوا الأعاجم والعرب

وكتب المؤرخ المسيحي كاتب سيرة كوكس على أثر هذه الحادثة ( نقلا عن كتاب شركة الزيت الأمريكية ص 68 ) " أن المتحمسين من جماعة الأباضيين كانوا يرون أن فرض الرسوم الجمركية عمل من أعمال الكفر لأنه لم يحظ بموافقة النبي ويعتقدون أن الرَّق دعامة مشروعة تسند نظامهم الإجتماعي والإقتصادي وقد اعترضوا على فرض أية رقابة على حركة تهريب الأسلحة واعترضوا كذلك على المعاهدات المعقودة مع الدولة الكافرة التي منعت الحكومة من التدخل في بيع التبغ والخمر وكأن هؤلاء المتحمسون للأوربيين بوجه عام وللإنكليز بوجه خاص ذلك لأن الإنكليز كانوا يتصدون لتجار الرقيق ومهربي الأسلحة ، ولأن التجار الهندوس الذين كانوا يقيمون في موانيهم كانوا تحت حماية الإنكليز ومن تلك اللحظة راح كوكس وهو ذو العين النافذة في شؤون العرب يتتبع أعمال عيسى بانتباه شديد " ا هـ
وكان كوكس المذكور هو الوكيل السياسي في ذلك الوقت بمسقط .


بيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي

جاءته ما كان بدعا من أئمتها***من جده ابن تميم المجد(عزان)
في ضئضئ العزة القسعاء محتده***اذا تفاخر قحطان وعدنان
بذروة اليحمد الصيد الملوك له***اعراق مجد وأساس وبنيان

بويع الإمام سالم بن راشد الخروصي في السَّاعة الثانية عشر من يوم الإثنين الثاني عشر من شهر جمادى الثانية من سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف بمسجد الشرع من بلد تنوف .
وأول من بَايعه شيخنا العلامة سيَّد فطاحل عمان عامر بن خميس بن مسعود المالكي وألبسه الكمة والخاتم ثم تلاه الشيخ الباسل العلامة أبو زيد عبدالله ابن محمد بن رزيق الريَّامي الأزكوي وهو الذي أمسك العَلم الأبيض بحذاء الإمام .
خطب كل واحد من الشيخين أبي مالك وأبي زيد خطبة بليغة تحريضاً للناس وحثاً لهم على البيعة لإمامهم والمناصرة له.
ثم بايعه الأعلام يرأسهم الشيخ العلامة عبدالله بن راشد بن صالح الهاشمي.
ثم الشيخ العلامة ناصر بن عامر الريَّامي .
ثم الشيخ العلامة عامر بن علي الشيذاني الحَبسي .
ثم الشيخ العالم محمد بن سَالم بن زاهر الرقيشي .
ثم الشيخ العارف حمد بن مسلّم بن عبيد الحجري .
ثم بايعه الأمراء والرؤساء ، يقدمهم الأمجد الأفخم ، الأمير حمير بن ناصر ابن سيف النَّبهاني .
ثم المشايخ العباَهل أولاد هلال بن زاهر الهنائي .
ثم ازدحم الناس أفواجاً الخاصة فالعامة . ولما انتهى الناس من مبايعته زحف نور الدَّين إلى الشيخ حمير بن ناصر حتى أسند ركبتيه إلى ركبتيه وقبض على يديه

وأملأ عليه عهوداً مؤكدة وشرائط موثقة وأيماناً مغلظة ليناصرن الإمام ولا يخونه ولا يخذله ولا يعين عليه ولا يغشه ، وأن يكون معه على الحق ، ما دام حياً ونحو ذلك من التأكيدات البليغة فأعطاه ذلك من نفسه بصدق وإخلاص ورَباطة جَأش .
ثم زحف إلى المشايخ أولاد هلال وأخذ منهم مثل ما أخذ من الشيخ الحميري من العهود والشرائط والأيمان والتأكيدات الموثقة على مناصرة الإمام وحرب الجبابرة والبغاة ولو لم يقم معهم أحد من أهل عمان فأعطوه ذلك .
ثم قام منتصباً في ذلك المحفل العظيم ورفع يديه إلى السَّماء مبتهلاً إلى ربه بصوت أجش رعب منه الحاضرون أن يعاقب من نكث أو تخلف أو نقض البيعة والكل يؤمن على دعائه قائلا : اللهم هذا مبلغ الجهد
وعليك التكلان فإن نكثوا فانتقم منهم كما فعلت بثمود وعاد . فكان لهذا الدُّعاء أثر عظيم في القلوب وذلك لشدة تصلبه جزاه الله عن الإسلام وأهله خيرا .
نص البيعة ( قد بايعناك على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وأن لا تقدم على أمر إلا برأي العُلماء وقد بايعناك على إنفاذ أحكام الله تعالى وإقامة الحدود وقبض الجبايات وإقامة الجمعات ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف ) .
لما تقم العقد خطبت الخطب وأطلقت المدافع في تلك السَّاعة إعلاماً بالظهور ورفعت الراية البيضَاء وهي علم الإمامة عند العمانيين .
فأقاموا حكومة شعبية مستندة على الشريعة الإلهية يديرهَا ولي أمر منتخب مقيد في سلطته بمشورة العُلماء . خضعت لها عُمان وعشقَها الباقون وكان يعَاصره بالمملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن وبالمملكة المتوكلية اليمنية الإمام يحيى حميد الدين .
سئل نور الدين عن حكم هذه البيعة فأجاب أنَّ حكمها حكم إمامة الخليفتين وأني لم أعقدهَا على القوم شراء .

وسئل العلامة أبو مالك فأجاب أنَّ حكمها حكم إمامة الخليفتين رضوان الله وسلامه عليهما . والمراد أنها إمَامة ظهور وهل ظهور أعظم من ظهور الخليفتين رضي الله عنهما .
بعدما تمت البيعة وصفق الكل على الرضى قام شيخنا العلامة أبو مالك رحمه الله وغفر له خطيباً على رأس الإمام .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على أنواره الزاهرة وأدلته الظاهرة وبراهينه القاهرة وعلى ما أولى وأنعم وهدى إليه وفهَّم من النور الواضح الأبهج والطريق اللائج الأبلج وصلى الله على من ختم به الرسل وأوضح به السبل محمد المصطفى وأمينه المجتبى وعلى آله وكفى .
أما بعد : فإن من أفضل ما أنعم الله به على العباد واختصهم به يوم المعاد نعمتين إحداهما الرسول الهادي الذي لا يُصاب علم الدين إلا من قِبلِهْ والأخرى الإمام العادل الذي لا تصلح الدنيا إلا على يده قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) وقال لإبراهيم عليه السلام ( ِإنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) تنزيهاً للإمامة ورفعاً لقدرها وتعظيماً لخطرها أن ينالها عات ظالم أو يتحلى بإسمَها باغ غاشم وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله في ظله وذكر منهم الإمام العادل وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات ولم يعرف إمام زمَانه مَات ميتة جاهلية ، قيل لبعضهم جاهلية كفر قال بل جاهلية ضلال ، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من بات ليلة ليس عليه إمام إن مات فميتته جاهليه ، وهذا مع القدرة ، وقيل النظر إلى الإمام العدل عبادة ، وقيل إقامة دين الله يوماً واحداً أفضل من إنفاق ملء الأرض ذهباً صدقة على الفقراء وقيل عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة وقيل للإمام إذا عدل يوصل الله بركة عدله إلى الأرض كلها ويبقى عليه ملكه ويقال العدل يديم الدولة والشكير يزيد النعمة وإذا جار السلطان خرب العمران ألا وأن الله تعالى قد من عليكم بالإجتماع بعد التشتت وبالألفة بعد التفرق ففتح بصَائركم بنور الهدى وبصركم من العمى وأيقظ هممكم إلى طلب العلا وبعث عزائمكم بعد طول الثوى

فمنّض عليكم بهذه النعم العظيمة والمنن الجسيمة وأنقذكم من الضلالة وأخركم من الجهالة فجمع على هذا الخير آراءكم فاشكروا نعم الله عليكم فإنَّ الشكر قيد النعم وأوفوا بعد الله يوف الله بعهدكم وانصروا الله ينصركم الله ويثبت أقدامكم ألا وأنكم قد دخلتم في أمر ما هو بالهوينا فيجب عليكم أن تعرفوا حقه وأن تؤدوا واجباته ألا وأنب أعرفكم حق ما دخلتم فيه بايعتم هذا الإمام وأعطيتموه صفقة أيديكم على السمع والطاعة ما أقام فيكم كتاب الله وأحيا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسار سيرة العدل واتبع آثار السَّلف من أهل الفضل فيجب عليكم أن تعطوه ثمرة قلوبكم وتبذلوا له النصيحة وتنصُروه إذا استنصركم وتعينوه إذا استعان بكم وتجيبُوه إذا دعاكم ويحرم عليكم غشه وغيبته وخذلانه والمظاهرة عليه والتقاعد عن نصرته فإن قمتم بما وجب عليكم من حقه وحق غيره فلكم فضل المجاهدين الصَّابرين وأجر الصَّادقين الموفين وكنتم خلفاً لخير سلف أعز الله كلمتكم وقوَّى دعوتكم ورد عليكم نعمتكم وأبلج حجتكم وكثر أموالكم وكثر على الحق رجالكم وصدق مقالكم وشكر أعمالكم ورضى آمالكم ورتق الله بكم الفتوق وأعطى بكم الحقوق وأحيا بكم سنة الصادق الصّدوق وأخمد بكم أهل الفتن وكان الله معكم وجعلكم معه وكان لكم وجعلكم له ودفع بكم الأسواء وداوى بكم الأدواء وأوضح بكم سبل الهدى أدام الله سيرتكم وأعز نصركم وقوى قلوبكم وطهر عيوبكم ومكن الله بكم الإسلام ووصل بكم الأرحام وجلى بكم الظلام شد الله أزركم ووضع وزركم أنار الله بكم الشرع وأطفأ بكم البدع سكن الله بكم الرَّوعات وأذهب بكم الفزعات وحقن بكم الدِّماء وجلى بكم العمى لا أراكم الله سوءا ولا شمت بكم عدواً حمد الله أمركم ومدح أثركم ورفع قدركم وقوى صبركم وشكر شكركم وأعاذكم جور المسالك ومحل المهالك أدخلنا وإياكم دار السَّلام مع الحور في تلك الخيام مع النبيين والصديقيين والشهداء والصَّالحين وحسن أولاءك رفيقاً في مقعد صدق عند مليك مقتدر ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما وفعل ذلك لنا ولجميع المسلمين أين كانوا آمين يا رب العالمين مكر الله بأعداءكم وكادهم بكيده المتين وأتى قواعدهم من حيث لا يشعرون وفعل ذلك بأعدائنا وأعداء المسلمين حيث كانوا إن ربنا سميع قريب ولدعائنا مجيب والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آلاه وصحبه والتابعين وعلى الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقربين وعلى صالح المؤمنين وختم لنا على خير يرضاه والحمد لله رب العالمين .

( ثم قام الإمام سالم خطيباً بالخطبة المأثورة عن أبي بكر الصَّديق رضي الله عنه ) .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأومن به وأتوكل عليه وأستهدي الله بالهدى وأعوذ به من الضلالة والردى ومن الشك والعمى من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون إلى الناس كافة رحمة لهم وحجة عليهم والناس حينئذ على شر حال في ظلمات الجاهلية دينهم البدعة ودعوتهم فرية فأعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه وسلم وألف بين قلوبكم أيُّها المؤمنون فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لك آياته لعلكم تهتدون فأطيعوا الله ورسوله فإنَّه قال عز وجل من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً أما بعد أيُّها الناس أوصيكم بتقوى الله العظيم في كل أمر وعلى كل حال ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم فإنه ليس فيما دون الصّدق من الحديث خير من يكذب يفجر ومن يفجر يهلك وإياكم والفخر وما فخر من خلق من تراب وإلى تراب يعود هو اليوم حي وغدا ميت فأعملوا وأعدوا أنفسكم في الموتى وما أشكل عليكم فردوا أمره إلى الله وقدموا لأنفسكم خيراً تجدوه عند الله محضراً فإنه قال عز وجل ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ ) فأتقوا الله عباد الله وارقبوه فاعتبروا بمن مضى من قبلكم واعلموا أنه لابد من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم صغيرها وكبيرها إلا ما غفر الله إنه غفور رحيم فأنفسكم أنفسكم والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيُّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما اللهم صل على محمد عبدك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك ، وزكنا بالصَّلاة عليه وألحقنا به واحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه اللهم أعنا على طاعتك وانصرنا على عدوك .


( ثم قام أبو زيد يخطب في العسكر يحرضهم على الجهاد وسلوك منهج الرشاد ) فقال :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان ورحمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهدانا به من الضلالة وجمعنا به من الشتات وألف بين قلوبنا ونصرنا على عدونا ومكن لنا في البلاد وجعلنا إخواناً متحابين فأحمدوا الله على هذه النعم وأسألوه المزيد فيها والشكر عليهَا فإنَّ الله قد صدقكم الوعد بالنصر على من خالفكم وإياكم والعمل بالمعاصي وكفر النعمة فقلما كفر قوم نعمة ولم يسرعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم .
أيُّها الناس إن الله قد أعز دعوة هذه الأمة وجمع كلمتها وأظهر فلجها ونصرها وشرفها فأحمدوه عباد الله على نعمه واشكروه على آلائه جعلنا الله وإياكم من الشاكرين أيُّها الناس إن الله سبحانه وتعالى قد أمركم بالجهاد وحثكم عليه في كثير من آيات الكتاب العزيز وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومدح المجاهدين في سبيله بما لم يمدح به غيرهم وفضلهم على القاعدين فقال ( لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) وقال (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِه مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) . فهذه الآيات ونحوها مرغبة في الجهاد أي ترغيب وناهيك بخصلة أخبرنا تعالى عنها بأنه يحب صاحبها فعلى العاقل أن يطلب محبة ربه وأن يتبع مراشده التي أرشد إليها ودله عليها وقد أخبرنا تعالى أن الصَّبر والمصابرة والمرابطة سبب للفلاح وأن الجهاد بالأنفس والأموال هي التجارة المنجية من العذاب الأليم وموصلة إلى جنات النعيم وهي السَّبب لنصر الله والفتح القريب وأخبرنا تعالى أنّض الشهداء أحياءَ عند ربهم في قوله عز من قائل (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ) وقوله عز من قائل (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) ويقال إنَّ الشهيد لا يجد من ألم الموت إلا كقرصة قملة وفي رواية كقرصة نملة وأنه يجار من عذاب القبر ومن فتنة القبر ويقال إنَّ الناس من هول الموقف والشهداء على مَوائد تحت العرش يقولن امضوا بنا ننظر كيف يحاسب ربنا عبَاده وما من أحد يحب الرجوع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يحب أن يرجع إليها ليقاتل فيقتل مرة أخرى وذلك لما رأى من سهولة الموت وكثرة الأجر ولو لم يكن في الجهاد إلا فضل الشهادة لكفى فكيف وفيه خير الدنيا والآخرة فيه الظفر على العدو وبه إقامة كتاب الله وإنفاذ أحكام الله وقهر أعداء الله يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل حسنات ابن آدم تحصيها الملائكة الكرام الكاتبون إلا حسنات المجاهد فإن جميع الملائكة الذين خلقهم الله يعجزون عن إحصاء حسناته ولو زيد أضعافهم وتعدل حسناتهم أدناهم رجلا حسنات جميع العابدين من أول الدنيا إلى انقطاعها ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الجهاد في سبيل الله خاتمة كل عمل وكفارة كل ذنب وقيل من حرض رجلا على الجهاد في سبيل الله كان له مثل أجره وآتاه الله ثواب نبي بلغ رسَالات ربه ومن ثبط رجلا عن الجهاد فلو يفتدي يوم القيامة بملء الأرض ذهباً لم يقبل منه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس فلهذه الفضائل ونحوها كان السَّلف الصالح من الصَّحابة ومن بعدهم يبذلون الأنفس والأموال في

الجهاد ويرون ذلك من أفضل الزاد وحديث حميد الطويل عن أبي حمزة المختار بن عوف قال أدركنا الناس وإن الرجل منهم لما يزداد من صلاة وصياَم وأنواع العبادة لكن لا تكون له رغبة في الشراء يعني المبايعة على الموت فيسقط من أعينهم يعني أنهم لا يرون له منزلة عالية بسبب رغبته عن الشراء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يجاهدون المشركين على الدخول في الإسلام فيستحلون قتل مقاتلهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم إلا من أدى الجزية من أهل الجزية وهم صَاغرون فدخل الناس في دين الله وبعد أن ظهر الإسلام في العرب أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الروم حتى قبضه الله إليه واختار له ما عنده بعد أن بلغ رسَالة ربه فلم يترك المسلمون دين الله سدى بل استخلفوا على أمرهم من رأوه أهلا لذلك واعترفوا بفضله بإشارات فهموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وهو ابو بكر الصِّديق رضي الله عنه فقام بحث الخلافة وقاتل المرتدين من العرب حتى ردهم بالرغم إلى الباب الذي خرجُوا منه وهو الإسلام ثم أخذ في قتال الروم من جهة والفرس من جهة ثم اختار الله له ما عنده فقبضه الله إليه بعد أن استخلف على المُسلمين عن رضى منهم من رجى أن يقوم بالأمر بعده وهو ثاني الوزيرين لرسُول الله صلى الله عليه وسلم ألا وهو عمر الفاروق فقام عمر مجتهداً وجاهد الروم والفرس وغيرهم من الأمم وفتحت لهم الفتوح وانتشر الإسلام في زمانه كل الإنتشار ثم اختار الله له ما عنده فقبضه إليه شهيداً ثم استخلف المسلمون عثمان فكملت له فتوحات الدنيا إلا ما شاء الله ثم وقعت الفتنة في المسلمين وبغى بعضهم على بعض ورجع بعضهم يضرب رقاب بعض فصَار القتال يومئذ في الفئة الباغية حقاً لازماً وفرضاً واجباً لقوله تعالى ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) فقتال الفئة الباغية من واجبات القرآن وإنما يقصد بقتالهم إفاءتهم إلى أمر الله وهو الحكم الذي حكم به في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فإن قتالهم على ذلك كقتال الكفار على الدخول في الإسلام فهؤلاء يقاتلون على ترك الحكم وأولئك يقاتلون على ترك الإقرار غير أنَّ هؤلاء عصموا أموالهم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تغنم اموالهم ولا تسسبى ذراريهم لحرمة الإسلام الذي أقروا به ودخلوا فيه وإنما حل قتالهم لأجل ردهم إلى ما تركوه من حكم الإسلام فقد أبقى لهم الإقرار بالإسلام بعض الإحترام فلا يقتل أسيرهم لأنه صار مأسوراً موثوقاً عن البغي قد أمن شره وكذلك من تاب منهم إذا أمنت عودته فإنه يخلى سبيله وإن

خيفت معاودته إلى البغي فإنه يحبس إلى أن يؤمن ولا يجهز على جريحهم أي لا يوفى بالقتل وذلك من حبسته جراحته عن بغيه وأما إن كان الجريح مقيماً على الظلم والبغي أو كانت جراحته خفيفة غير حابسة له عن بغيه فسَبيله سبيل أصحَابه ولا يتبع مدبرهم إذا كانوا منهزمين إلى غير فئة يلتجئون إليها ولا يتراجعُون إلى الحرب المسلمين ويعودون إلى بغيهم وظلمهم تبعهم المسلمون وأخذوهم وحبسوهم وأسروهم إلَّا أن يأمنوا منهم وشاوروا فيهم الإمام إن كان لهم إمام وإلَّا شاورُوا أهل العلم ومن صح عليه أنه قتل أحداً من المسلمين قتل وأجاز بعضهم أن يتبعُوا ويقتلوا عشرة أيام وقول ما دام أهل البغي على بغيهم فإنهم يقتلون مقبلين ومدبرين إلى أن يفيئوا إلى أمر الله ولا سبيل لهم على أموالهم معناه ليس للمُسلمين أخذهَا على وجه الغنيمة وجاز للمسلمين حبس ما كان آلة لحربهم ومعونة لهم على بغيهم ويجوز للمُسلمين أن يستعينوا على البغاة بسلاحهم وبخفهم وكراعهم حتى تضع الحرب أوزارهَا وما تلف منهَا في الحرب فلا غرم فيه وما بقي منها فمردود إلى اهله إذا أمن بغيهم وتعديهم وانكسرت شوكة ظلمهم ولا يجوز أن يقتل صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا الشيخ الفاني يعني الشيبة الكبير إلا من قاتل من هؤلاء فإنه يدافع فإن قتل في الدفاع فلا شيء فيه ولا تخشى أموال أهل القبلة ولا تحرق منازلهم ولا تنسف دورهم إلا ما كان لهم قوة على بغيهم فلا بأس بتخريب ذلك عند المقاومة في الحرب فإذا ألقوا بأيديهم وفاءوا إلى الحق امتنع التعرض لأموالهم إلا ما كان من حق الله فيها ولا امان دون الإمام بمعنى أنه ليسَ لأحد أن يؤمن أحداً من أهل الحرب إلا بإذن الإمام فمن شاء أن يؤمن أحداً فليأخذ في ذلك إذناً من الإمام ولا يجوز التعازي بالقَبائل فلا تقولوا يا آل فلان ويا بني فلان فإنَّها دعوة جَاهلية وعصبية وحمية لغير الحق وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولكن تداعوا بيا أنصَار الحق ويا أهل الإيمان ويا أهل القرآن ويا للمُسلمين ، لتكون حميتكم للإسلام وعصبيتكم للحق لا للآباء وبذلك تنالون فضل المجاهدين ودرجة الشهداء وهللوا لله وكبروه كثيراً واذكروه كثيراً فبذكر الله تطمئن القلوب وبالتهليل والتكبير وملازمة الحق ترزقون الظفر بالعدو والنصر على الخصم والهيبة في قلوب المعاندين والمحبة في قلوب المؤمنين ، واعلموا أن الإجتماع رحمة والفرقة عذاب وأن قسمة القبائل التي اقتسم إليهَا أهل عمان إلى غافري وهناوي هي من عمل الشيطان ومكائد العدو وهي من أعظم مكائد إبليس فالله تعالى يقول إخوانكم في الدّين والشيطان يقول

وإخوانكم في الشف الغافري والهناوي ، ألا فاتبعُوا أوامر الله واجتنبوا مكائد الشيطان واحذروا غروره فإنَّ الشيطان يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير واعتصمُوا بحبل الله جميعا واذكروا نعمة الله عليكم واعلموا أنَّ التقوى هي العروة الوثقى وهي باب كل خير ومفتاح كل مغلق وهي المخرج من كل ضيق وهي القوة على العدو فبها تمسكوا وبحبل الله اعتصمُوا وعلى الله توكلوا إن كنتم مؤمنين واحذروا التنازع في الأمور فإنه أصل الفشل ومفتاح كل شر ولا تنازعوا فتفشلوا ، ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً وفي الخير أنصاراً وأعواناً فيد الله مع الجماعة وتعَاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واطلبوا النصر من الله واستعينوا به وتوكلوا عليه إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده هذه وصيتي لكم فاحفظوهَا واعملوا بها وتواصُوا بالحق وتواصُوا بالصَّبر ومن عرف قدر ما يطلب هان عليه ما يبذل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لا ملجأ من الله إلا إليه ما شاء الله لا قوة إلا بالله .
اللهم يا من بيده ملكوت كل شيء ويا من عنده خزائن كل شيء يا من له ما في السماوات ومَا في الأرض ومَا بينهمَا ومَا تحت الثرى ألف بين قلوب المسلمين وأجمع شملهم وأظهر دعوتهم وقوي شوكتهم وارفع رايتهم وأيَّد دولتهم وقوّ سلطانهم وعز أمرهم وأخذل عدوهم واجعل كلمتك هي العلياء وكلمة الذين كفروا السُّفلى آمين يا رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وآله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقربين وعلى صالح المؤمنين ختم الله لنا على خير يرضاه والحمد لله رب العالمين .
وهذا ما قيل من الشعر بعد البيعَة وقد أحسن شيخنا العلامة أبو مالك وأجاد حيث يقول :

حازت الفخر تنوف***ولها الفخر المنيف
آوت الأخيار جهراً***وبها اليوم صفوف
نصبُوا فيهَا إماماً***لا تدانيه الشفـوف
في جمادى الثاني عصراً***عام لا غش يطوف
يوم ثاني عشر هذا الشــ***ـــــهر قد تم الوقوف


من خروص اجتبوه***إنه العدل العفيف
سَالم من كل شين***برعاياه رؤوف
هب له اللهم نصراً***إنك الرب اللطيف
أظهر الحق شموساً***ليس يعروها كسوف
عجل اللهم فتحاً***أنت مولانا الرؤوف
تعلم السِّر وأخفى***قصدنا الدين الحنيف
وهو أقصى الجهد منّا***رب لا الأمر المخوف
وعلى المختار صلى***ربنا رب لطيف

وقد ذكر المر بن سالم الحضرمي شاعر الجوف صحة إجتماع المُسلمين بتنوف في قصيدته اللامية حيث يقول :

جنود الله قد سبقت تنوف***إلى الفضل المؤبد والمعالي
إذِ انتدبت لأمر ساَلمي***به يبيض مسود القذال
فحار له أولوا الألباب حتى***رآه بعضهم مثل المحَال
فتمم ما أراد وشايعته***جبَال زلزلت شم الجبَال
بهَا عقدوا الإمامة واستعدوا***وهم نفر كرهط أبي بلال
أقامُوا سالماً لهم إماماً***سُلالة راشد زاكي الخصَال
من القوم الكرام بني خروص***مآثر فخرهم عدد الرِّمال
فسَالم سَالم من كل عيب***وراشد راشد في كل حَال
وناصرهُ ابن ناصر حمير في***دواهي الحرب والنوب العضال
فتى من آل حمير شمري***بعيد الصّيت منقطع المثال
ولبّت من هناة بنو هلال***وكل منهم مثل الهلال
أقاموا سبعة الأيام فيها***يديروا الرأي والسبع الليالي
مناصحة وانذاراً لنزوى***ولم يجدوا بنزوى من يوالي

ا هــ المراد منها وهي قصيدة غراء سنذكرها مستوفاة في محلها وإلى هذا الإجتماع أشار شيخ البيان نابغة عمان العلامة محمد بن شيخان في قصيدته البائية

وهي قصيدة فريدة تكاد تسيل عذوبة ورقة وانسجاماً وستأتي القصيدة في محلها ونذكر منها المقصود حيث يقول :

نحن من قمنا على السلطان إذ***جار لا نتركه أن ينكبا
نحن قوَّمنا ومكنّا بما***فيهما المعوج والمضطربا
نعشت فينا قلوب للهُدى***وجسوم فيه تشكو النصَبا
جذبتنا نفحة وهبية***تجعل المنكر والجور هبَا
خرجت في الأرض تمحو باطلا***وترد الظلم ممن ركبا
دولة غراء كالشمس بها***تشرق الدنيا وتسمُو رتباَ
سهلة بيضاء لم تلف بها***حرجاً أو كدراً أو متعبَا
وهب الله لها من لطفه***سالماً ذاك الإمام المجتبى
سله الله حساماً لامعاً***يقطع الكفر ويجلو الغيهبَا
بايعته العُلما والأُمرا***والبرايا فترقى منصَبا
فهو فتاح الصياصي والقرى***وهو وضاح الصَّحاري والرُّبا
زهت الدُّنيا به كالعيد في***أهله وافق دهراً طيباً
أمره شورى فلا خلف لما***يرتضيه العلماء النقبا

ومن ذلك قصيدة النحرير المبرز جمعة بن سليم بن هاشل الخنجري الحارثي قال :

بشر جميع المسلمين بالنصر والفتح المبين
فالله أعلن للهدى :: صبحاً لعين المبصرين
فجلت أشعته الدُّجى :: والليل مسود الجَبين
بأخ الهدى واليمن وا :: التقوى أمير المؤمنين
الطاهر الشيم الإما :: العدل سالم ن الأمين
من لا يزال كأسمه :: عمراً واخلاقا ودين
من يمينه أوحى على :: الباغين وحيا بالمنون
متأنق غض الحَيا :: متألق للعارفين

متعاظم متواضع :: للمعتدي والمهتدين
الدافع الذمر الذي :: يعلو الوغى وهي الزبون
خفقت لدعوته المعا :: قل مسرعات والحصون
وانحط من فيها له :: بالرغم منهم سَاجدين
من كل مصطلم المسَا :: مع زاهق واهي الوتين
بمدافع هزت روا :: جفَها السّهولة والحزون
وزوابع لفحت وجو :: ه أولي الضلال الملحدين
وأزب بحر غصص :: الأرض فلم تبد الأنين
فاءت له أجبَالها :: منفوشة نفش العمون
عفر السماء بعيثر :: ترك الكواكب وهي جون
صك الضلال وأهله :: فغدوا حصيداً خامدين
فإذا المسمى كاسمه :: ابداً مهين لا يبين
يردى بأنجم رجمه :: أهل الضلال المارقين
بسوابق تطأ الملا :: غم والأخادع والجفون
تجري فلم يعلق بها :: لرجائها لحظ العيون
ما كان علم البرق فيهـ :: ــا أذ جرت إلا ظنون
تعدوا بأُسد مَالها :: إلا صوارمها عرين
من آل نبهان الجحا :: جحة الكماة المعلمين
فهم الملوك بنو الملو :: ك الأكرمين الأفضلون

وهمُ همُ الأعلون في علياءهم والناس دون
السابقون الأولون السابقون الأولون
وبنوا هناة الغالبون على البرايا السامقون
أصل الفخار وفرعه والمجد والعز المتين
قست الورى بهم فميز ت الشمال من اليمين
نهضوا وحمير ينشر ون الحق عن رأي رزين
كشفوا جميعاً للنهى عن واضح الحق اليقين
عن دولة سحَّ الزمَا ن بهَا وكان بها ضنين
من بعدما هدأت دوا عيها واخلفت الظنون
كانت ولا عجب فما شاء الآله له يكون
فأتوا بها مشحوذة تبري رقاب الناكبين
تعمي عيون أولي العمى تهدي الهداة الراشدين
تختال من سكر الصبا تهتز من طرب ولين
يزهو بها الدر المفــ ــصل والأسور والبرين
عن سعي من بالعلم والإ يمان يعلو العَالمين
علم الأئمة كلها خير البرية أجمعين
الزاهد الأواه عبـ ــد الله زين العابدين
السالمي المحتوي للفضل وهو به قمين
صبح المؤمل كعبــ ــة الإحسان خير المحسنين


الواهب الأبريز للــ ـعـافين والدر الثمين
بحر الندى حتف العدى وحياً ملاذ اللائذين
عف المناقب والمكا سب والمصاحب والخدين
بصري ونور بصيرتي سهمي المسدد والمعين
هو عمدتي بل عدتي بل ملجأي في كل حين
مدحي له ومودتي عن خالص السر المصون
في الله لا في غيره والله خير الشاهدين
نعم الفتى أجلى لنا عن نهج خير المرسلين
والمالكي المالك الخـ ــيرات منقطع القرين
شد أزره ومن استوى ببطان هديهما الوضين
فالله يشكر سعيهم والمسلمون الصالحون
يا مسلمون تنظموا في سلك نصرته الوصين
صبراً لديه ورابطوا فالصبر عنوان اليقين
صدق الطوية بالوفا والسر تبرزه العيُون
فالله يعلم منكم ما تكتمون وتعلنون
والله ينصر من وفا والله يخذل من يخون
والله ينصركم على اعدائكم قولوا آمين
ثم الصلاة على النبي وآله والتابعين


( نسب الإمام سالم وولادته ونشأته )
هو الليث الهصور والبطل الغيور الإمام سالم بن راشد بن سليمان بن عامر بن مسعود من نسل الشيخ عزان بن محمد بن مسعود بن الإمام عزان بن تميم الخروصي ( نقلا من خط الشيخ خلفان بن عثمان الخروصي ) ثم وجدت بعد ذلك بخط الشيخ محمد بن راشد أخ الإمام المذكور مما نصه .
سالم بن راشد بن سليمان بن عامر بن عبدالله بن مسعود بن سالم بن محمد بن سعيد بن سالم الخروصي والله أعلم أي أصح .
ولد رحمة الله ببلدة مشايق من قرى الباطنة في سنة واحد وثلاثمائة وألف سنة 1301 .
ونشأ في جحر والده الزاهد راشد بن سليمان وعليه قرأ القرآن وقرأ مبادئ العلوم ببلده ثم خرج إلى العوابي وهي دار قومه بني خروص لتلقي العلوم .
ثم هاجر إلى الشرقية لطلب العلم وهو مراهق الحلم واقام بالقابل من الشرقية فقرأ على سيدي نور الدين وما فارقه منذ راهق الحلم إلى أن أرتقى عرش الإمامة إلا وقت زيارته لأبويه وأقاربه . توفي أبوه قبل عقد الإمامة عليه .
صفته وأخلاقه : كان مربع القامة نحيف الجسم أنهكته العبادة أبيض اللون بهي الطلعة أزج الحاجبين تبين على وجهه سيَما الصلاح أعبد أهل زمانه وأورعهم وأشدهم غيرة على محارم الله عرف بذلك منذ صغره ضرب به المثل في عمان قبل الإمامة وبعدَها زهداً وورعاً وعفافاً ترى يده اليمنى ترتعش إذا دخل في الصلاة وتسمع لصدره وجيب لا يحس بما يتحدث به الناس به إذا دخل صلاته حتى أن يغيب عن الكون إلى الجذب لا تراه طول عمره إلا راكعاً أو سَاجداً .
كان قوته كفافا كان يقعد على البسَاط والأرض المبسوطة بالحصبا كان لا يحتجب عن الناس يباسط إخوانه ويحضرهم ما يحضره من الطعام وأكثر ما يحضره القهوة البنية والتمر أو الرطب في أوانيه وإذا حضرته فاكهة أحضرها لا يدخر الموجود ولا يطلب المفقود ولما تولى أمر المسلمين كانت حالته التعفف عن الأخذ


من بيت المال جهده إلا قوته وقوت من يعوله بالمعروف فمن ورعه أدركته فطرة الأبدان بعد فتح سمائل فلم يجد شيئاً يملكه لأدائها وأبى أن يقترض من بيت المال أو من الناس فباع عباءته ( المنسول ) في عرف العمانيين وانفق ثمنَها فيما وجب عليه .
ومن ورعه أن النفقة المقدرة له من بيت المال كان الخادم يأخذها من الشيخ إبراهيم بن محمد السيفي يومياً فكان من قدر الله أن أصابه إسهال ولم يشكه لأحد وانقطع بسببه عن الخروج إلى الناس فذكرت زوجته ذلك للنساء فوصفن لها هريسة الدجاج فجعلت تقصر من النفقة لشراء ذلك فعملتها له فلما قربتها إليه قال من أين هذا لكم فأخبرته فأمر الخازن الشيخ إبراهيم أن يقصر بقدره من النفقة إلى غير مما هو معروف وغير مستنكر ولا مجهول .
قام الإمام سالم بن راشد بما تَحلَ به من إظهار العدل أحسن قيام وأجرى الأمور على أحسن وجه واتقن نظام فأظهر الحق وعمل به واستبشر المسلمون بطلوع شمس الهدى بعد أفولها وأخذ في نزع الدولة من أيدي المتغلبين وبالحال في ليلة الثالث من شهر الإمامة أرسل الكتب بالدعوة وإقامة الحجة على عامل السلطان بنزوى السيد سيف بن حمد بن سيف البوسعيدي وكتب إلى أهل نزوى محلة محلة ومعقلا معقلا ولم يترك أحداً من اعيانها ووجوهها ومن عليه أي اعتماد في أمرها إلا كتب غليه أن يجيب غلى مناصرة الحق وأن يتقوا الله وأن لا يعينوا الظلمة إلى غير ذلك من النصايح الناجحة .
وكتب للسلطان فيصل يخبره بما قام به المسلمون من العدل ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون وإلى الإنقياد لازمة الشرع الشريف وإن له ما لهم وعليه ما عليهم وأرسل إلى سائر آفاق عمان ورؤسائها واعيانها بمثل ذلك من الخطابات النافعة ولبث بتنوف بعد عقد الإمامة سبعة أيام يدبر الأمر ويراسل القبائل من أهل عمان إعلاماً وإعلاناً وحجة وكتب أيضاً إلى الشيخ ماجد بن خميس العبري ما نصه :


بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين المعتصم بالله سالم بن راشد الخروصي ومن معـه مـن المسلمين .
إلى حضرة المشايخ الكرام الوالد ماجد بن خميس ومهنا بن حمد ومن معهما من المسلمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد : ففي آخر ساعة من يوم اثني عشر من شهر الحال وقعت البيعة من جماهة المسلمين بعد أن أستوثقوا لأنفسهم من الرؤساء بالعهود والمواثيق وقد تم الأمر ونرجوا من الله النصر ونحب وصول من خف من المطاوعة وأنت أيها الوالد ماجد لابد من وصولك إلينا بتنوف وقد ألزمناك ذلك بالبيعة التي سبقت على يد الشيخ عبدالله بن حميد السالمي ندعوكم إلى إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ندعوكم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ندعوكم لإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ندعوكم إلى التجارة التي دلكم الله تعالى عليها في كتابه العزيز في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ يا قومنا أجيبوا داعي الله والسلام كتبه عن أمرهم عامر بن خميس المالكي في ليلة 13 من جماد الأخرى سنة 1331 صحيح هذا كتبه إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي بيده .
فحين وافاه الكتاب لم يتباطأ الشيخ حتى شد رحله فكان أول قادم رحمه الله وعنده بعض أعيان قومه وكان هذا الشيخ عالماً جليلا ذا سن وفضل وكان ممن أدرك دولة الإمام عزان بن قيس رضي الله عنه وعمل له على بهلا وفرح بإجتماع المسلمين وبايع الإمام وكتب إلى والي نزوى لأنه كان يراسله ويقبل نصايحه وهذا نص ما كتبه إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى جناب سيدنا وعزيزنا المحب الناصح سيف بن حمد بن سيف ، سلام عليك ورحمة الله وبركاته .. وبعد فكتابك الأول والثاني الذين نسبتهما إلينا والشيخ مهنا أشرف عليهما المحب وعلم ما تضمناه من المعاني بداية ونهاية ومع وصولهما كان الشيخ مهنا ببلد بَهلا فتأجل الجواب لأجل ذلك ، وأراد طارشاك الرجوع إليك


فلم أر أشفى وأنجع لبلوغ المراد إلا وصولي لإمام المسلمين ومن معه من المشايخ لكشف المراد فوصلت وعرفت مرادهم وما فيه وعليه فوجدتهم على جادة الصواب بلا شك ولا ارتياب وليس الأمر كما تصور في قلوبكم أن الشأن لكي يبلغ الخصم مراده فإن الأمر الذي هم عليه هو الجد وما عداه هو الهزل ، فمن وافقهم على ما هم عليه فقد وافق أمر الله ومن خالفهم وعاداهم فقد عرض نفسه لسخط الله لأنه على كل عبد من عبيد الله أن يطيع الله ورسوله وأولو الأمر أئمة العدل وعلماء المسلمين والآن إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي والمشايخ الذين بايعوه ، وإني أحب لك ما احبه لنفسي أن تطيع الله ، ومن أطاع الله فإن حزب الله هم الغالبون ، وإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين . وهو من ماجد بن خميس بن راشد العبري .
محرراً يوم 16 من جمادى الآخرة سنة 1331 ببلد تنوف .
وكتب أيضاً إلى مشايخ العلاية من نزوى ما نصه :
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى جناب المحبين الكرام الحشام الأولاد علي بن ناصر وسليمان بن عبدالله ومحمد بن سليمان ومن معهم من الجماعة الكنود سلام عليكم ورحمة الله وبركاته : وبعد فكتابكم الشريف أشرف عليه المحب وعلم ما حواه بداية ونهاية ، وقد أوجب النظر خروجنا إلى بلد تنوف لنتعرف حقيقة ما عند إمام المسلمين ومن معه من المشايخ المسلمين فوجدناهم مشمرين لإجابة مولاهم رب العالمين فمن اطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله وتعرض لغضبه ومقته في الدنيا والآخرة وأوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعة عبده إمام المسلمين ، فإن الله يقول : ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، وهذا الإمام ومن معه من علماء المسلمين هم حجة الله وهم أولوا الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ولا يرغب عن ذلك إلا من سفه نفسَه وأطاع هواه وكفر بنعمة مولاه الذي سواه ونحن قد بايعناه طلباً لمرضاة الله . والله نسأله الإعانة والتوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل . وأقول أن التخييل الذي ورد في القلوب والتعلل بما لا فائدة فيه لا يسوغ فإن الأمر ليس كما تظنون ا هــ . وهو من المحب ماجد بن خميس بن راشد العبري ، حرر ليلة 17 جمادى الاخرة سنة 1331 .


إجتمع للإمام بتنوف جيش جرار وخميس كرار ، وذلك بأن الشيخ الحميري أرسل بعد البيعة إلى قومه من السهل والجبل أن يجتمعوا فسَال الجبل الأخضر برجال بني ريام فشدوا عضد الإمام وخرج المشايخ بني هلال لجمع قومهم من هناة ووعدوا الإمام أن يوافوه ليلة التاسع عشر على سفالة نزوى وقويت لذلك شوكة المسلمين ، وإذ مهدوا أمرهم وقرروا رأيهم وكانت نزوى هي أقرب المعاقل إليهم وهي بيضة الإسلام ووطن الأئمة في كل زمان عزموا على الخروج إليها لإخراج عمال السلطان والإستيلاء عليها ونشر العدل فيها وكان الإمام قد كتب غلى واليها فرجع جوابه بما لا يفيد ولا يذعن للحق ولا للناصح الرشيد وحاصل ما في جوابه أنه أمين على نزوى للسلطان ولا يمكنه أن يترك رعايته إلا أن يستلبها الحرب العوان فذلك الذي دعى الإمام رحمه الله على الهجوم عليها مستعيناً بالملك الديّان فخرج الإمام ومن عنده من المسلمين والجيش كله من بني ريام يؤمهم ذلك البطل الضرغام الشيخ الأمير حمير بن ناصر وكان خروجهم عصر يوم الإثنين التاسع عشر من شهر جمادى الاخرة وهو شهر الإمامة فكان طريقهم على بلد كَمْه فصلوا بها العشائين واستراح الجيش قرب العلاية ينتظرون النزار وأهل البركة فوصلوهم قبيل الفجر وعندهم الكتب التي أرسلها السلطان فيصل إلى عامله بنزوى ذكر له فيها أنه لم يصله كتاب منه بالواقع من نهضة المسلمين وعقدهم للإمام وأن الخبر بلغه من غيره يوبخه ويلومه على ذلك فقبض عليه بنو ريام القائمين بطريق السَّحامة بأمر الإمام فأتوا بالكتب إلى الإمام وكان العامل قد أرسل إليه رسولا يخبره بالواقع فقبض الشيخ حمدان ابن سليمان على الرسول بالبركة وأرسلها أي الكتب مع رسول إلى الإمام فكانت كتب السُّلطان لا تصل الوالي وكتب الوالي لا تصل السُّلطان وذلك من أعظم البرهان لظهور الحق إذ اطلع من كتبهم على الخلل الذي بالحصون فقوى لذلك عزم المسلمين وكان في أيديهم لما هاجموا نزوى ثلاثمائة فـسْكه أي ( رمية ) بلغة أهل عمان وإنما عدتهم التقوى وقد تحمل الشيخ حمير وأولاد هلال بما يحتاجه قومهم إلى الفراغ من حرب نزوى اما الذي حمله سيدي نور الدين عند خروجه هذا ثلاثمائة قرش فضة أخذها بالقرض من مطر بن حمودة الحجري ورددناه إليه بعد وفاته بعنا لها ماله الذي ببلد الزاهب من بلدان الحبُوس بقي منها في أيديهم لما هاجموا نزوى عشرون قرشاً فضة .

فتح نزوى
تقع هذه العاصمة العمانية في قلب عمان داخل النطاق الصخري للحجر في سهل ضيق تتخللها أودية تنحدر غامرة بسيولها تقسمها نصفين فتمتد عيون البلاد من عروق هذه الأودية فهي كالوريد في بدن الإنسان ، وقد اكتنفتها الجبال من كل الجهات ، فهي كسور أحاط بها لا يتوصل إلى داخلها إلا من طرق مخصوصة فتكون تلك المنافذ كأبواب عليها ، تفجرت بها الأنهار فبعضها من قنوات وبعضها من الغيول الجارية بها وبسقت بها النخيل وزهرت بها الأشجار تأوي إليها فواكه الجبل كل غداة ، وتمشي بها أغذية البحر ، وهي المركز الرئيسي لإمامة الأباضية ، وديانتهم وفقههم وعلمهم ، وبها تتركز القوى الأدبية والدينية ، ومنها تنطلق أوامر الإمام لتنتشر بين شعبه .
اتخذها الأئمة الأولون عاصمة ملكهم وقد انتد أسطولهم إلى الخارج وقهروا شطراً من الهند وأفريقيا فما رغبُوا عنها ، وأول من رغب عنها إلى مسقط السيد حمد ابن سعيد بن أحمد لما ولي أمر أبيه عام 1198 هــ وكتب في ذلك المؤرخ لوريمو البريطاني في مجلد 1 ص 19 مقالا هذا نصه :
( أخرجت حكام عمان من موقف كانوا يستطيعون فيه أن يحتفظوا بمنزلتهم بوسائل القدرة العسكرية والسياسية فقط ووضعت في متناولهم دخلا مضموناً سهلا من الرسوم الجمركية ومكنتهم من أن يحتفظوا بسلطة شكلية بالرشوة وحدها وعرضتهم بعد ذلك لتأثير حضارة أجنبية أبعدتهم عن قبائل الداخل وقللت من شعبيتهم بين رعاياهم ولو بقيت العاصمة في الرستاق لكان من الممكن أن تتمتع عمان في القرن التالي بمزايا حكومة أكثر استقامة ونشاطاً وكان يمكن أن يكون الفساد الخلقي للأسرة الحاكمة أقل سرعة ا هـ كلامه ) .
فنزوى عند العمانيين هي أرجح من غيرها وتدلك على ذلك الآثار الموجودة بها وهي متوسطة بعمان وتسمى بيضة الإسلام واسمع إلى قول شاعر العرب أبي مسلم في ذكره لها :

وافرق بها البيد حتى يستبين لها ( فرق) على "بيضة الاسلام" عنوان
فان تيامنت الحوراء شاخصة لها مع السحب أكناف وأحضان


فحط رجلك عنها انها بلغت "نزوى" وطافت بها للمجد أركان
فطالما وخدت تبغي لبانتها كأنهن مع الانضاء عقبان
انزل فديتك عنها ان حاجتها عدل وفضل وانصاف واحسان
انزل فديتك عنها ان وجهتها تخت الأئمة مذ كانت ومذ كانوا
هنالك انزل وقبل تربة نبتت بها الخلافة والأيمان ايمان
انزل على عرصات كلها قدس للحق فيهن أزهار وأفنان
انزل على عذبات النور حيث حوت أئمة الدين بطنان وظهران
حيث الملائكة احتلت مشاهدهم لها على الحل والتعريج ادمان
أرض مقدسةقد بوركت وزكت تنصب فيهامن الأنوار معنان
ما طار طائرها لله محتسبا له جناحان ايقان وعرفان
إلا وقام يمين الله ساعده والفتح والنصر والتأييد أعوان
ميمونة بركات الله تنفحها واليمن يثمره علم وإيمان
رست بها هضبة الاسلام من حقب وان قضت باستتار العدل أحيان
قديمة الذكر عاذ الدين عائذها من يوم أصبح توحيد وقرآن
قامت بها قبة الاسلام شامخة حتى تواضع بهرام وكيوان
ولم تزل عرصة للعدل عاصمة للاستقامة فيها الدهر سلطان
كم أشهر الله فيها من حسام هدى كأنها لسيوف الله أجفان
كنانة لهام الله ما فرغت مذ كان للجور سلطان وشيطان

زحف الإمام بجنود الله يحفهم النصر ويؤمهم الظفر فأقام الحرب على نزوى أسبوعاً .


كان دخول الإمام والشيخ الحميري من قبل العلاية وكان الموعد بينهم واولاد هلال أن يقدم بنوا هناة بجمعهم على السَّفالة في تلك الليلة حتى يشغل كل بجهة وتندفع ثورة الخصم فمن قدر الله أن تأخر مشايخ هناة عن الوعد لفتنة وقعت بين جماعتهم فرتق الله فتقها فأصبحوا غرة ذلك اليوم وما فاتهم إلا ليلة واحدة وعندهم زحف من جماعتهم يؤمهم الغضنفر الباسل زاهر بن غصن وأعمامه محمد وعبدالله وسالم ابن بدر وإخوانهم ، وقد احدق الجيش الأول بالعلاية وضيقوا على محلاتها ومقابضها فهجم مشايخ هناة على السَّفالة من طريق العلاية وغنها لتقر بهم بالرياسة لأن أباهم هلالا كان اميراً عليها فسلمت لهم الأمر ونزلوا في بيت السيد سيف بن حمد لأن الله أخرجه منه إلى العلاية لما سوّلت له نفسه أن يرد جنود الله من هناك فكان من قدر الله وغريب الحظ انه أول جريح اصيب بالمدة فخرج بجراحته وتحصَّن بالجامع ودانت لهم قلاع فرق قبل فتح نزوى ودانت لهم السَّفالة إلا القلعة فإنها سلمت الأمر بعد ذلك وكان أنصار الإمام قد استقل كل منهم بحرب محلة من محلات نزوى فالشيخان أبو زيد ومحمد بن سالم الرقيشي تكفلا بالمدة وهي أحصن محلة بعلاية نزوى وكان الوالي سيف بن حمد قد جعل فيها وزيره الشيخ ناصر ابن خميس السيفي محامياً في عدة قوية من أهل السَّفالة لما يخشاه من خيانة أهل العلاية إذا أتاهم جماعتهم بنو ريام وكذلك فعل في جميع المقابض لأنه كان شجاعاً باسلا مجرباً للحروب وبقي بمن معه من أهل السَّفالة متأهباً لأول صارخ وعسكر بجامع العلاية وكان مسجد الجامع من أعظم معاقل العلاية وفيه بنيان قوي أعدّه الشيخ هلال بن زاهر رئيس بني هناة في عصر السلطان تركي بن سعيد لأنه يحاذر من بني ريام لكونهم خصمه فأعده هنالك لهم مقبضاً عظيماً وصيره حصناً حصيناً بعد ما كان عامراً برجال العلم غاصاً بحلقات الذكر ولضعف حظ العامل أخرج من السفالة أهلها فقاتل بهم في العلاية أما الإمام ومن معه فنزلوا بالمرفع من أعلا نزوى فكان فألا لعلوهم ورفعتهم وكان هجومهم عليها سحر يوم العشرين وعند الفجر الأول كانت الزحفة العظيمة فلا تسمع إلا دوي البنادق وهيعة الأبطال ، وعظم الخطب والنزال وتحصن السيد سيف بالجامع لما أثخنته الجراحة واتخذوا نفقاً للبيت الكبير بالمدة فنزل الشيخ ناصر السيفي قبل تمام النفق وكان السيد حارب بن حمد أخ العامل سيف بن حمد قد تحصن بالحارة المعروفة بحارة الحديثة وعنده جماهة من قومه ثم طلب النزول منها على العفو عنه ومن معه وأن يسمح له ولخمسة أنفار من

أعيان قومه بحمل السلاح عند نزولهم فأجابه الإمام أن تنزل على حكم الله فيك ومن معك ولا سبيل إلى حمل السلاح عند نزولك ولا بأس بالخناجر لك وللخمسة الذين عندك إكراماً لكم أما بقية أصحابكم فليكن سلاحهم عند أميننا ، وسيرد إليهم بعد الإذعان والإطمئنان ، وطلب السيد حارب من الإمام أن يرسلني إليه وأن نفسه لا تطمئن إلا بذلك فخرجت بأمر الإمام يصحبني سليمان بن ناصر العزري المعروف بزايد شر وخويطر مولى الجحاحيف ، فنزل السيد حارب ومن معه وحمل كتارة زيادة على الخنجر المسموح له بحملها فوبخني شيخنا المالكي إذ لم امنعه من حملها ولم يقل الإمام شيئاً طلب السيد حارب من الإمام العفو عنهم فأستشار الإمام العلماء فرأوا الصفح عنه وإلزامه بالقيد حتى يتم فتح نزوى فأمر بإلزامه واثنين من أعيان قومه معه وهم سليمان الوالي وراشد بن جمعة القسيمي فقام إلى القيد ولسان حاله ينشد :

خذاني فجرَّاني ببردي إليكما :: فقد كان قبل اليوم صعباً قياديا

وانشد بعدما لبس حلق الحديد ببيتين عن أبي العتاهية :

يا أيها الزمن المذل لأهله :: ومغيَّر الدولات عن حالاتها
إن كان عندك يا زمان بقية :: مما تهين به الكرام فهاتها

وبعد تمام فتح نزوى أطلق السيد حارب وسلم للمأسورين سلاحهم ولم يفقدوا منه شيئاً مع تكاثف الجموع العظيمة .
ثم سلم بيت السليط وأذع من فيه وسلم الجامع الأمر وسلم عقيد القلعة وكان تسليم القلعة والجامع وقتل السيد سيف نفسه في يوم واحد ولما فرغ الإمام من امر العلاية وكفى الله شرَّ الوالي سيف بن حمد أتاه الداعي من هناة أن السفالة تم أمرها وأنّها سلّمت القياد وألقت الزمام بمهاجمة الأبطال الذين حنكتهم التجارب ، القائل أبوهم بأفصح لسان :

جلبت الخيل من برهوت شعثاً :: إلى قلهات من أرضي عمان
قتلت بها سراة بني قبـــــــــاذ :: وحاميت المعالي غير وانــــي


وكان عقيد القلعة حضرمياً وعساكر بيت السليط حضارم واختار السلطان عساكر نزوى أيضاً من الحضارم لجراءتهم ولكونهم أجانب لا يحترمون الوطنيين ولأنه يخشى استبداد عامله السيد سيف بن حمد إن ترك أزمة المر بيده لأنه يدعيها فقد كانت بيد أبيه قبل الإمام عزان بن قيس .
في أثناء الحرب بنزوى وصل كتاب من أمير العبريين لما بلغهم جراح سيف واستيصال الإمام لأكثر معاقل نزوى انه سيصلهم بجيشه فأجابه الإمام إن من دخل نزوى وقت الحرب فهو حرب لنا فكفوا عن الوصول فكفّ وبعد ذلك قام إلى العوابي وسيأتي ذكر ذلك في محله .
لما أيقن عامل نزوى بفتحها للإمام انتحر غيظاً وحنقاً في الحصن المسمى بجامع سمد نزوى يوم الرابع والعشرين من شهر الإمامة وكتب في ذلك كتابا بخط يده .
" إن الموت خير من الحياة ولا يظن أن أحداً فتك بي بل قتلت نفسي بيدي والنار ولا العار " .
وكان قبل ذلك قد طلب من الإمام أن ينزل على يد شيخنا العلامة المالكي وله العفو فأرسل الإمام العلامة أبا مالك إليه وكان ممن شدد الحصار عليه إذ كان بنفسه رحمه الله يغدو ويروح لمرابطة الجامع ولما دخل عليه تكلم سيف عنده وشرط شروطاً منها أن يكون الجامع لي منزلا وأن تكون الرويشية بيدي وهي بستان لبيت المال وأن ما حواه الجامع من مال وآلة حرب هو لي إلى غير ذلك فما رأى العلامة له وجهاً وعده به على رأي الإمام وما لا وجه له رده عليه ثم سأله عن آلة الحرب والذخائر التي عنده لبيت المال فقر بها إليه وأحصاها العلامة ضبطاً فخرجوا عنه ووعدهم أن يأتوه غرة غد المقبل بعد استفهام الإمام فيما يسمح له به وتقدم أنه جرح أول هجوم الجيش إلى نزوى برصاصة في صدره خرجت من الجانب الآخر وقد أثخنه الجراح وأكثر ما يحاذر سيف من أبناء الشيخ هلال بن زاهر لما تقدم من قتله لأبيهم هلال فلما رجع العلامة أبو مالك إلى الإمام وأخبره بخر سيف أحضر نور الدين الأنصار وتكلم عن لسان الإمام وأخبرهم بما جاء به العلامة أبو مالك أن سيف بن حمد عزم على النزول وأن لكم عليه دماً وبينكم وإياه ضغائن ونحن قد عولنا على العفو عنه لأنه طلب منا ذلك ولكونه جريح لا نرى أن نجهز عليه بعد الإذعان وإنا لا نرى الغدر بعد

الأمان فماذا ترون فتقدم في الجواب الهزبر الباسل زاهر بن غصن وكان زعيم هناة فقال كأنك بهذا الخطاب تريدنا فقال أجل قال إنا لم نتأخر عن سيف هذه المدة الطويلة إلا عجزاً وقد مددنا الوسائط المتلفة والحبايل الموصلة لحتفه فأعجزنا القدر من بلوغ الأمل وليس من شيمتنا قتل الأسير ولا نرى الغدر به أخذاً بالثأر ولو فعلناه فلا تخش من قبلنا محذورا إنما نحن نطلب من الإمام العفو عنه والأمان له وهو رجل منا له ما لنا وعليه ما علينا فسرَّ المسلمون بجوابهم الجميل وخرج الشيخ زاهر بصحبة العلامة أبو مالك ليطمئن قلب سيف وكان في صحبتهم الشيخ العلامة عبدالله بن راشد الهاشمي فلما وصلوا الجامع على الوعد السابق تلقاهم العسكر وأدخلوهم الجامع وأعطوهم كتاب السيد سيف وأروهم إياه طريحاً منتحراً والبندقية في رجله قد وضع على مثار النار حطبة مروحة فكان حتفه على يده آخذ بقول الزباء بيدي لا بيد عمرو وما كانوا ليغدروا به ولا يرون إلا استبقاءه ولكن قلم القضاء سبق بما كان وما سيكون ولله في عباده أمر هو بالغه . وجاء أصهاره آل سعد الله يستفتون في الصلاة عليه وأجابهم نور الدين أن في الصلاة عليه قولان ولما رجع أبو مالك وأخبر الإمام بالواقع من أمر سيف وذلك قبل تمام فتح نزوى حكم نور الدين أن أموال سيف بن حمد صافية فأمضى الإمام حكمه وأدخلها في حكم بيت المال .
كتاب الإمام لعقيد القلعة بنزوى :
بسم الله الرحمن الرحيم من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي إلى العقيد عبدالله بن أحمد الحضرمي سلام على من أتبع الهدى أما بعد فأنزل من معقل المسلمين وإلا فأذن بحرب من الله ورسوله . حرر لسلة 13 جمادي الثانية سنة 1331 .
لما نزل العقيد واطمأن به المجلس سأله بعض الحاضرين كيف خرجتم من القلعة مع ما لكم من العدة والقوة والمنعة فأخبر أنهم رأوا اضطراباً في أركان القلعة وأدهشني من أول وهلة كتاب الإمام وأخذني الرعب حين قرأته ما هو إلا كتاب سليمان غلى بلقيس وها أنا أخرج به إلى حضرموت حتى أريه أهلها .


يذكر أهل المعاقل والمقاتلة بنزوى أنهم رأوا ما أدهش عقولهم من الأهوال وإلى ذلك اشار شاعر العرب :

ونصرت الله حتى انه :: لك من أهل السما الجند نزل
ولقد يجدر من أهل السما :: نصرة القائم في خير النحل
تلك بدر نزلوها مددا :: وعلى بدر قياس يحتمل
وفتوحاتك سر مدهش :: ظهرت فيها الكرامات الأول

ويقول شاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي:

أبادتهم جنود لم يروها :: ومنها ما ترى مثل السعالي
وخيلت الأفاكل في المهامي :: لهم وقع الفوارس والبغال
ومن يعصي اليقين حبال إفك :: فأبطل للعصي وللحبال

جملة من قتل من البغاة بنزوى خمسة وأربعين رجلا والأسارى فوق الألف واستشهد من أصحاب الإمام خمسة رجال .
بعد تمام فتح نزوى واستقرار الإمام بها حكم نور الدين بهدم ما بها من القلاع والحصون والبروج التي أحدثت ايام الجور فأمر الإمام بإنفاذ الحكم فهدمت .
لما حضرت أول صلاة جمعة بنزوى واجتمع الناس بجامعها حضر نور الدين المسجد فسمع ضجيج الناس بتلاوة القرآن والصلاة والدعاء فقال الحمد لله الذ ردّ إلينا جمعتنا لو لم يكن لنا من هذا السعي إلا إقامة الجمعة لكفانا .


وفود القبايل إلى الإمام ومبايعتهم له
بعد استقرار الإمام بنزوى يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويميت البدع ويحيي السنن هرع إليه المسلمون من كل النواحي ولأنه لم يلبث بها بعد الفتح إلا سبعة أيام حتى خرج للجهاد فكل من الوفود أدركه بمكان .
فأول من وصله لما كان بتنوف قبل فتح نزوى العلامة ماجد بن خميس العبري حسبما ذكرناه وعنده بعض أعيان جماعته وكان الشيخ مطاعاً في قومه محترماً مقبول القول عن رأيه تصدر الأوامر والمناهي عظمه الناس لمنزلته في العلم والسن ولما وقر في قلبه من الإيمان .
ثم وفد إليه الشيخ حمد بن خليفين الدرعي رئيس النجادا من الدروع فبايع وتكفل عن الدروع أجمع .
ثم وفد إليه بنزوى الحجريون وفيهم جمع غفير من أفاضلهم وأعيانهم ومعهم عدة من المال إعانة للدولة وكان وصولهم يوم الجمعة الثاني من شهر رجب الفرد من تاريخ الإمامة فبايعوا الإمام بالجامع بعد صلاة الجمعة فقويت شبكة المسلمين وسرَّ بوصولهم الأنصار لكونهم في ذلك الوقت قبيلة واسعة عامرة بالمال والرجال ورأيهم إلى أفاضلهم .
وقدم إليه رئيس عبري الشيخ سلطان بن راشد اليعقوبي فبايعه وأذعن لما يراد منه ووعد وعداً جميلا إذا كان هو عمدة الظاهرة وما اشتمل عليها ولأن عبري كرسيها .
ووفد إليه المجاعلة سعد بن سعيد ناصر وإخوته وهم شيوخ الجنبة بطن من مذحج فبايعوا وقاموا بالواجب عليهم .
ثم وفد عليه شيوخ المحاريق من آدم فبايعوا وترادفت الوفود من أهل الجوف والسر واضطربت عمان بأسرها وصار لذكر الإمام في ذلك الوقت صيت عظيم وكتب نور الدين إلى الأمير عيسى يستحثه بالقدوم إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون كتاباً طويلا منه إلى متى ثم إلى متى ثم إلى متى وكان قد كتب إليه منذ يوم العقد وكتب إليه عند خروجهم إلى نزوى فلما وصل جيرانه آل حجر قبل وصوله كتب ذلك إليه إزعاجاً .


وعند ذلك شدد السلطان على عمان وقطع المدد عنها فغلت الأسعار الإقتصادية وأخذ العمانيون في إستجلاب حوايجهم بالحيلة فلم يكن لقطع الميرة عنهم كبير فايدة لخصمهم .
فتح منح
وهي كورة واسعة من أفخم بلدان عمان سهيلي نزوى بينها ونزوى ثلاثة فراسخ تجمع قرى كثيرة يردها الوارد من جميع جهاتها .
في أثناء قيام الإمام بنزوى بعد فتحها وهو اليوم الثالث من شهر رجب من التاريخ المتقدم وصل نزوى سيف بن سلطان البوسعيدي عامل السلطان على منح في جمع من قومه وأهل بلده وفي صحبته أخوه شيخ البلد حمود بن سلطان وأذعنوا للإمام وبايعوه وكان ابن الشيخ حمود ممن قام بمن عنده لمناصرة عامل نزوى وقت الحرب فقتل وقتل جماعة من حزبه ولما فتحت نزوى ولم يكن من أهل منح إلا الطاعة والتسليم للإمام من غير حرب فسلم والي منح ما بيده من بيت المال ونزل من الحصن والقلعة التي بالفيقين ورفع يده عن كل شيء وسأل العفو عما مضى منهم فعفى عنه كما هي عادته وأرسل إليهم بعد خروجهم الشيخ سالم بن بدر بن هلال الهنائي لقبض المعاقل من يد الوالي فسلموها له .
فتح إزكي
وهي المعروفة عن أهل عمان بجرنان وكانت من أقدم قرى عمان وفي التاريخ أن عمارتها قبل نزوى بسنين عديدة ويقال أنها سميت جرنان بإسم صنم كان بها ويذكر أهلها أن بها سفتجابة تمثالٍ ولطول الدهر امتنع دخوله لأهوال يصادفها من أراد ذلك وفي المثل العماني ما وقعت فتنة بعمان إلا وأصلها من جرنان وبها محلتان متقابلتان تسمى إحداهن اليمن يسكنها اليمانية والثانية النزار يسكنها النزارية وفي ذلك يقول شاعر العرب أبو مسلم :
وأين إزكي وطيس الحرب ما فعلت فإن عمدة هذا الأمر جرنان
كان بإزكي عاملا للسلطان السيد سعود بن حمد بن هلال رحمه الله وكام مؤمنا ورعاً صادقاً محب للمسلمين ولما بلغه إجتماع المسلمين سُرَّ بذلك سروراً عظيماً فأرسل للإمام سراً وأوعدهم بتسليم إزكي لهم وغنه لا يمنعه من الإعلان بأمرهم

والدعاء إليه إلا العسكر الذين معه فإنه يخشى منهم المعاجلة والتيقظ فيصعب الأمر لأن عسكره من اهالي حضرموت فهم أشد نكاية على المسلمين وأكثر مناصحة للسلطان فأرسل إليه الإمام سريّة يقدمها العلامة ابو مالك عامر بن خميس وعنده الحجريون ومن أنضم إليهم وقد بلغهم أن السيد حمود بن حمد أخ العامل سعود بن حمد وصل إزكي لضبطها وسد ثغورها وكان حمود شهماً جريا من أجل اَجِلّ قواد السلطان فيأتيه بالعدة والعدد وما يحتاج إليه من القابلات فخرج حمود وهو على ثقة من اخيه فوافق خروجه من البلاد ودخول أبي مالك لها فأحكم ثغورها وأحدق بالحصن فكان وصوله عوناً للسيد سعود فأجتمع به بمسجد الجامع من حارة اليمن وأخبره بما جاء به من قبل الإمام فأظهر السرور وأجابهم غني ما قعدت هنا إلا رجاء لقيام دولة تلم الشعث وتجمع الشمل وما أمسكت هذا المعقل إلا للمسلمين وإني واحد منكم فسرهم ما أبداه لسانه الصادق من النصح فكتب للإمام بذلك ورجع السيد لحصنه ودبر الحيلة لإخراج العسكر منه وفي ليلة التاسع من شهر رجب من سنة الإمامة وقت صلاة العصر بعد صلاة جمعتين بنزوى خرج الإمام وصحبته القواد والأنصار والعلماء والأخيار وقد استخلف على نزوى الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري فصلى العشائين بفرق وبات بالبركة ليلة عاشر ووصل إزكي نصف النهار من يوم عاشر وقبل وصول الإمام وصل السيد حمود بن حمد راجعاً من حضرة السلطان بما أحب فتعجل القدوم إلى بلد سدي وهي من أعمال إزكي وما ظن أنه أخرج خدعة فلما وصل الإمام كتب إليه صحيفة صغيرة لا بياض بها .
بسم الله الرحمن الرحيم من إمام المسلمين وحجة رب العالمين سالم بن راشد الخروصي إلى حمود بن حمد بن هلال أما بعد فإذا وصلك كتابي هذا فأرتحل من سدي وإلا فإن الشريعة أباحة دمك ا هــ . 10 رجب سنة 1331 .
فلم ير السيد حمود مجالا للقيام ولا مقابلة عنده لخذلان الرعايا لهم فرجع إلى سمايل وفي اليوم الثاني عشر من الشهر المذكور نزل السيد سعود من الحصن وتقدم إلى الإمام بمسجد الحبيب من إزكي وبايعه وسلم الحصن من غير حرب بل رغبة منه فرأى الحضارم وعقيدهم عوض إن لا طاقة لهم بالحرب وقد قهر الحصن عليهم بنوا راشد أهل القريتين فإن السيد سعوداً دخلهم مستعيناً بهم في الظاهر فأنزلهم بالقلاع المشرفة على مراصد الحصن وبعد خروجه أمرهم

بإطلاق النار على الحضارم إن لم يرضوا بالخروج وإن المسلمين من وراءهم فما شعروا إلا والبنادق على رؤسهم فخرجوا كرهاً وتحملوا بمن عندهم .
وفي اليوم الخامس عشر دخل الإمام الحصن واستولى على البلاد ودانت له حواشيها وأصدر الأوامر بالرشاد والنهي عن الفساد ثم وجه الخطاب لبني رواحة ان يدخلوا فيما دخل فيه المسلمين وكان الشيخ حامد بن سيف بن أحمد الرواحي قد أمسك بيت القاروت والقلاع التي بناها الوالي سليمان بن سويلم خادم السلطان لحرب ريام وقد تجمع عند الشيخ حامد في ذلك الوقت جماعة كبيرة من سراة عبس فخرج إليهم العلامة أبو مالك مخاطباً أما الإذعان أو الحرب فتأجلوا إلى وصول الشيخ عيسى وسيد الوادي عبدالله بن سعيد الخليلي وإنهم لا يقطعون أمراً دونهم فأعطاهم ذلك .
قدوم الشيخ عيسى
في اليوم السابع عشر من شهر رجب من السنة المذكورة وصل إزكي الشيخ عيسى بن صالح وفي صحبته أخوه المجاهد علي بن صالح وأبناء عمه حمدون وحمد ابني حميد بن عبدالله وأعيان جماعته الشيخ سالم بن عمير والشيخ محسن بن عامر ملبياً دعوة الإمام فسّر به الصديق وبوصوله أنثنى كثيراً من الأعداء عن التعرض للدولة بالمكايد فتلقاه الأنصار خارج البلد وكان نزوله محلة اليمن من إزكي .
وبعد الإستراحة والمفاوضة بينه ونور الدين والعلامة أبي مالك رحمهم الله برحمته الواسعة أجابهم إلى البيعة .

بيعة الشيخ عيسى :
بايعناك على طاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبايع أعيان قومه على مثل ما بايع الأمير ثم بايع بقية قومه ولما انتهت البيعة أرتجل سيدي نور الدين خطبة فايقة أظهر فيها النصح للمسلمين وحضهم على التمسك بسيرة الصالحين ولم تكن الخطبة محفوظة ولا مأثورة فنذكرها .


وبعد ذلك شرع الأمير عيسى في التوسط بالصلح بين السلطنة والإمام على أن لا يتعدى الإمام جوزته التي هو فيها إلى سمائل وشرط في الوفاق على ذلك وكادت أن تكون مشكلة فتؤدي إلى التخاذل لرغبة الأنصار في الجهاد ودفع سوق البغي إلى الكساد فقيض الله آل حجر جيران الأمير فجاهروه بعدم القبول .
وفي اليوم التاسع عشر من شهر رجب من التاريخ الأول قدم الشيخ حامد ابن سيف الرواحي لمقابلة الإمام بواسطة الشيخ عيسى فبايع الإمام وسلّم له بيت القاروت من إزكي والقلاع التي بنيت على طريق المسلمين للتضييق على النزار من غير حرب ودخل كثير من بني رواحة تحت طاعتهم فصارت بيعتهم من أقوى الأسباب لفقود دولة الإمام إلى سمايل وما يليها ولا طريق إلى سمايل إلا في واديهم المعروف بوادي الغربي .
أما بيت القاروت كان لبني ريام فسلبوا إياه فأتخذه الشيخ حامد مركزاً وأقام به إلى هذا التاريخ .
وأما القلاع فبناها سليمان بن سويلم مولى السلطان فيصل على أفلاج بني ريام وطرقهم لسد المنافذ عنهم وكان سليمان فاتكا ذا بسالة وتجربة للحروب يجر الجيوش السلطانية ويقودها على من ناواه وخالفه وقد ضيق على بني ريام ودمّر أنهارهم وأعانه على ذلك بنو رواحة لأن رياماً خصمهم في القسمة الشيطانية التي أهلكت عمان هذا غافري وهذا هناوي .
بعد أن استقر الأمر بإزكي حكم الإمام سالم بفتوى نور الدين أن تهدم القلاع المبنية بالبغي على طرق المسلمين فهدمت وأن يرد بيت القاروت الذي أغتصبه الشيخ حامد إلى أربابه وطلب الشيخ حامد ما انفق فيه للعمارة وما دفعه في زيادة البناء فلم ير له نور الدين ذلك وأجابه أن لا عناء لغاصب .
عين الإمام سالم واليا لإزكي الشيخ حمدان بن سليمان النبهاني والشيخ أبو زيد عبدالله بن محمد قاضياً وحجر على حمدان ان لا يقدم على أمر إلا بإذن أبي زيد .
واستراب بعض الفقهاء من تولية الشيخ حمدان وتلك مصلحة رآها الإمام في ذلك الوقت ثم عزله بعد ذلك .


أثناء هذه الحركة أرسل الإنكليز بطلب من السلطان شرذمة من عساكرهم الهنود لحماية عاصمة مسقط فقعدوا ببيت الفلج على ثغر مطرح .
فتح العوابي
( وهي المعروفة في الكتب القديمة بسوني القديمة وكان حصنها تحت سلطنة مسقط ) أحسَّ الشيخ السياسي مهنا بن حمد العبري بإنتصارات الإمام وأعوانه في جميع المواقف فهاله قيامهم بحقوق الشعب وأزعجه استنقاذهم الممالك من أيدي المتغلبين في أسرع وقت وغبطهم في إنشاء حكومة شرعية أضاء لها المصر وفرح بها الشعب ولا نصيب فيها له فأسف لتأخره ولام نفسه على تلكأه من الإنضمام في السلك الذي جروا فيه فحاول أن يقوم بنفوذ جديد يجعله قطباً في دائرة الجمهور وأمتاز بمهاجمة العوابي لكونها لم تفتح بعد .
سحب هذا الرئيس كتائبه إليها وزحف بنفسه عليها فطبق أفقها رمياً ملحاً كشهب الرجم هاج بها إرتماء فما كان عاملها الشريف ليطيق ذلك وقد أخذ الأهالي الذين خضعوا لحكمه في السابق بالضغط عليه والإنتقام منه واضطروه للخروج من المعقل الذي جعله وكراً له غير أسفاً على فقده فما قرّت عينه ولا هنأت حياته حتى سلم الحصن وفي مقدمة المحاصرين صنو الإمام الشيخ ناصر بن راشد الخروصي واتخذوا للحصن سرداباً كاد أن يحرق البارود لولا خضوع من فيه وفي اليوم السابع عشر من شهر رجب من سنة الفتح خرج الشريف عبدالله بن سالم الحضرمي من أهالي حضرموت من حصن سوني وهو بيت العوابي .
تبرع الشيخ مهنا بن حمد بقيامه هذا وجعله كفارة تأخره عن الدخول أول وهلة فيما اجتمع عليه المسلمون ويعدها التاريخ له منقبة كبرى قدمها بين يدي نجواه فإنه قدم بعد فتحها وسلمها للإمام بسمايل وبايع هو ومن بمعيته من بني عمه فشكر المسلمون صنيعه وفرحوا بدخوله عندهم .
ومما قاله شاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي في فتح نزوى وإزكي ومنح والعَوابي :


جنود الله هبُّوا للقتال***فثم تشم رائحة الغوالي
جنود الله هبُّوا واستعدوا***بأنفسكم لنصرة ذي الجلالِ
جنود الله في الجنات حور***أعدت للمجاهد والموالي
جنود الله إن بها قصوراً***مفاتحهنّ أطراف العوالي
جنود الله إنَّ القتل فيه***كإري النحل شيب بمَا الزلالِ
جنود الله لـــــولاه بماذا***يبين على النسا فضل الرِّجال
جنود الله قد سبقت تنوف***إلى الفضل المؤثل والمعالي
علت قدراً ومقداراً وفخراً***وتاهت بالمحاسن والجمالِ
إذِ انتدبت لأمر ساَلمي***به يبيض مسود القذال
فحار له أولوا الألباب حتى***رآه بعضهم مثل المحَال
فتمم ما أراد وشايعته***جبَال زلزلت شم الجبَال
بهَا عقدوا الإمامة واستعدوا***وهم نفر كرهط أبي بلال
أقامُوا سالماً لهم إماماً***سُلالة راشد زاكي الخصَال
من القوم الكرام بني خروص***مآثر فخرهم عدد الرِّمال
فسَالم سَالم من كل عيب***وراشد راشد في كل حَال
وناصرهُ ابن ناصر حمير في***دواهي الحرب والنوب العضال
فتى من آل حمير شمري***بعيد الصّيت منقطع المثال
ولبّت من هناة بنو هلال***وكل منهم مثل الهلال
أقاموا سبعة الأيام فيها***يديروا الرأي والسبع الليالي
مناصحة وانذاراً لنزوى***ولم يجدوا بنزوى من يوالي
فما نفعتهم الإنذار إلا***ليعتدوا على الحرب السِّجالِ
فأمهمِ الإمام بأسد غاب***مصاليت أعدت للقتال
ومدَّ لأخذ مدتهم يميناً***وأحرز ما تبقى بالشمال
ولما استفتحوا سمداً أفاضوا***على نزوى السفالة من سفَال
فدانت عقرهم من بعد عقر***رأت أبطالها يوم النزال
أبادتهم جنود لم يروهَا***ومنهَا ما يرى مثل السعالي
وخيلت الأفاكل في المهامي***لهم وقع الفوارس والبغال
فكم من آية ظهرت عياناً***ونادرت رأوها كالخيال
رمى بعض اليفين خيال إفك***فأبطل للعصي وللحبال
أتته من أقاصي الشرق قوم***تبايعه ومن أقصى الشمال
ولما استفتحوا نزوى وقرَّت***به عيناً وطابت بالوصال
سرت منه إلى منح سرايا***ترى سفك الدما منح النوال
وفتحت القلاع لهم وحازوا***ذرى الحصن المشيد بلا قتال

وبالركب الزكي سرى لإزكي***مشيجاً بالنجائب والعرال
أتاها بالسعود لأنَّ فيهَا***فتى حمد سعود فتى هلال
غدى لهم لفتح الحصن عوناً***بتفريق العساكر والرجال
فثم لهم بها نصر وفتح***وتم لهم بها حسن المآل
وخلص حصن قاروت ودانت***له القلع المشيد في الجبَال
وبايعه بنو عبس فكفوا***وبال الحرب منه إلى وبال
وقام بنوا خروص للعوابي***ذووا العليا وسادات الشمال
وأيدهم فتى حمد مهنَّا***بجيش من بني عم وخال
فأذعن حصنها وغدى ذليلاً***شريفهُم بذل وارتذال
أدام الله نصرك يا إمام***وأظهركم على أهل الضلال
وأبقى الدولة الغرا بسعد***وإقبال وأرغم كل قال

فتح سمايل الفيحاء

سميت الفيحاء لكثرة فوران الماء بها وطفوحه على وجهها ، تقع هذه العاصمة في إقليم بهي كبير سري به ثغور جليلة وبلدان جميلة ، آهلة بالرجال ، تحدق بها الجبال عن اليمين والشمال ، فهي حمى لا يراع ، ومعقل لا يستطاع ، تجمع طرق المواصلات ، لكثير من الجهات ، محور تدور عليه رحلة الشتاء والصيف بين مسقط والباطنة والشرقية والجوف ، حلقوم عمان الذي تتنفس منه ، وبلعومها الذي تغص به ، يصفها شاعر العرب فيقول :

وأين حلقوم ذاك الملك معصمه :: سمايل فهي للسلطان سلطان
وأين عن اجربيها منع بيضتها :: والأجربان بنو عبس وذبيان

فبنو عبس وذبيان القبيلة التي تتكأ عليهما هذه العاصمة ذات الأسواق الرائجة ، والحصون المشيدة والعيون الجارية ، تدخل دورهم ، فيتصرفون بها في قصورهم ، تحف بهذه المياه بساتين ملتفة بها الأشجـار ، كــأن الحــور أعارتـــها


قدودها وكستها برودها ، تحمل ضروباً من الفاكهة تهش لها النفس ، ويجتمع بها الأنس ، ولا ترى بها الشمس كأنما عناها الشاعر بقوله :

تفرح بالشمس إذا ما بدت :: كفرح الذمي بالسبت

هي أول بلد بعمان دخلها الإيمان هي بلاد مازن بن غضوبة العماني الصحابي الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأسلم على يديه وقصته مشهورة ، استوفى ذكرها سيدي نور الدين بتحفة الأعيان .
لما كان عصر اليوم السادس والعشرين من شهر رجب من سنة الإمامة خرج الإمام سالم بن راشد الخروصي من إزكي مع جنوده إلى سمائل وباتوا بالقاروت وأقالوا بالعين من وادي بني رواحة وباتوا ببلدة هيل ليلة الثامن والعشرين وأقاموا بها وباتوا بها إلى آخر ليلة التاسع والعشرين فخرج الجيش من هيل ودخل سمايل من جميع جهَاتها . كان دخول الإمام وأمير الشرق وبني هناة ومن معهم من جهة العلاية فنزل الإمام بمحلة الجبيلات من السفالة وأمير الشرق بالإبراهيمية في العلاية وكان دخول الشيخ الحميري ومن عنده من جهة اللجيلة ونزل بالجبيليات من السفالة فأقاموا محاصرين لحصنها وفي أثناء هذه الثورة تقدم إلى سمايل السيد نادر بن السلطان فيصل بأمر أبيع لمقاومة الثائرين ودفعهم فأجتمع إليه جمع عظيم من العمانيين وضبط ثغورها فجعل أمراء بنو بوعلي ومن عندهم على باب العق وهو الطريق الخارج إلى الشرقية والداخل من الشرقية إلى مسقط وأمر الشحوح ومن عندهم أن يكونوا ببديد وترك بقية قومه من البدو والحضر عنده بسمايل وأكثرهم من آل وهيبة وأقسموا لن أنهم يموتون أمامه ويقاتلون قدامه يستجلبون بذلك العطا ويبطنون لهم الخطا فأخذوا كثير من النفقات العظيمة والجوايز الجسيمة حتى أمتلأت عيابهم وفاضت أوطابهم فلما تحقق عندهم عزم الإمام العادل هرب أولئك المتوكلون تحت ظلام الليل وركنوا إلى الفرار وركبوا العار ولم يفد فيهم بذل الدرهم والدينار وأسلموا أسادتهم بعد أن أفرغوا مادتهم وتفرقوا أيدي أيادي سبأ .

وكل صداقة في غير دين :: تصير عداوة عما قريب

فحاول السيد نادر أن يجمع كتائبه الحائرة الفارة فلم يستطع فأوجب الأمر أن يغلق


باب الحصن ويدافع جهده بمن عنده ومن عنده من بني عمه وكانوا اثنا عشر سيداً وغيرهم من الرؤساء أهل الثبات حين لم يجد من يثق بهم فيهاجم الثوار خارج الحصن وكان دخول الإمام ضحى النهار والحصن يقذفهم بوابل الأمطار الرصاصية فلا تسمع إلا دوي المدافع الهايلة وقواصف البنادق القاتلة فأظلمت الأفاق واحتجب نور الشمس من الإشراق وأدى بكثير من النفوس إلى الإزهاق وقتل في تلك الوقفة من أصحاب الإمام ثلاثة أو أربعة وجرح أناس ولا يعرف من أصيب بالحصن ولم يزل الحصار مستمراً وجعل للحصن نفقا وضعُوا البارود فيه وأضرموا عليه النار فتزلزل كثير منه وانكسر جانب من جدران السور المُحيط به ولم ير القائد زاهر بن غصن الوثوب عليه عند مثار البارود كما هي العادة لن ما بقي منه القوي المانع ولأن من فيه أسود تحفزت للوثوب فبقيت بنهم المراماة وبسبب إنهدام السور وقع فيهم تضعضع وسئموا الإقامة وأيسوا من المناصرة فدخل عليهم سيّد الوادي الشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي وأبدى لهم النصح الواجب فأدرك السيد نادر ضرورة القضاء إلى التخلي عن الحصن والخروج منه حين لم يغن عنهم الدفاع المجيد شيئا وتعهد الشيخ الخليلي أن يكون الحصن بيده إلى انقضاء خمسة عشر يوماً من يوم خروجهم فإن صحت للسلطان استطاعة إلى إرسَال نايب يقهره وإلا فلا لوم عليه بعد ذلك إن سلّمه للإمام وأن يحملوا ما بقي عندهم من العدة واستأذن في هذا التعهد الإمام وطلب الإجازة منه فاسعفه بما أراد لما رأوه من قدرتهم في ذلك الوقت وتضعضع أمر السُّلطان .
غادر السيد نادر حصن سمايل ليلة الثامن والعشرين من شهر شعبان من عام الفتح بعد بلاء عظيم وجهد كبير وقتال عنيف ورمي بالمدافع وكسر جانب من الحصن بإثارة البارود فمكث بعض تلك الليلة بسحراء محل الشيخ الخليلي وفي آخرها خرج على طريق وادي بني جابر وصحبه الشيخ الخليلي إلى بلد الخوض وابنه الشيخ علي بن عبدالله إلى مسقط .
أحتاجت هذه الغزوة من النفقة خمسين ألف قرش فضة صرف عمان وخمسين ألف فشقة وبالعبارة العمانية ( رميه ) ولسمايل أهمية خاصة فهي المنفذ الوحيد الفاصل بين الساحل والداخلية وقد أدى سقوط وادي سمايل إلى زعزعة مركز السلطان وفي كتاب عمان لشركة الزيت الإمريكية ص 82 وكتب برسي كوكس الوكيل السَّياسي بمسقط قديماً أن السلطان بغير سمايل لن يكون أكثر من شيخ

بمسقط ص 86 كتاب عمان وقد صرح الإنكليز بأنهم لم يسمحوا بالهجوم على مسقط ومطرح وكتبوا للإمام كتابا نذكره في آخر الفصل فأرسلوا شرذمة من الجنود الهنود إلى بيت الفلج ثغر مطرح وفي شهر شوال من السنة المذكورة ضاعف الإنكليز حاميتهم ببيت الفلج خارج مسقط وعرض الوكيل السَّياسي البريطاني على السلطان في نصيحته له لهذه العبارة ص 22 ( قبل الحرب العالمين ) : " لقد كان الثوار قابضين على زمام الموقف بإحتلالهم وادي سمائل وحصن سمائل اللذين كانا ضرورين لإزدهار مسقط التجاري " .
فتح بدبد
هي بلدة واسعة كانت كلها بيت مال للمسلمين وهي ثغر وادي سمايل والشرقية من جهة مسقط فتكون أيضاً ثغر الباطنة من الشرقية وهي البلد التي اجتاحها السَّيل العارم عام إحدى وخمسين ومأتين هجرية فعمرت بعد ذلك .
في يوم ثاني من شهر شعبان سنة 1331 شرح الشيخ عيسى بن صالح من سمائل وفي صحبته السيد سعود بن حمد بن هلال ممتثلا أمر الإمام لحصار حصن بدبد وكان فيه الحضارم عسكر السُّلطان فيصل فأقام الحصار عليها ثم بلغه أن السيد تيمور بن فيصل قدم إلى بلدة الخوض وعنده جمع وأن قصده الهجوم على بدبد وكتب إليه أهل الخوض أنا لا نقدر على منعه ولا على الإمتناع من أمره متى أراد منا أن نقوم عنده ونحب وصولكم فأرسل الأمير إلى الإمام بالواقع وأن يرسل إليه من يقوم بحصار الحصن فأرسل الإمام طائفة من الجيش يقدمهم الباسل العفيف الشيخ علي بن هلال بن زاهر الهنائي وأفيهم مطاوعة الحجريين وآخرون من ريام وعبس وأجمع رأي الأمير ومن عنده على مصّادمة السيد تيمور قبل دخوله وادي سمائل فركبوا من ليلتهم ووصلوا فنجا بعد العتمة فنزلوا بالتصاوير وهو مكان آخر من فنجا من الجانب النعشي وأصبحوا هناك إلى بعد الظهر يستفسرون الأخبار ويطلعون ما عند السلطان ثم زحفوا إلى بلدة الخوض وقد خرج السَّيد تيمور منها فكانت ضيافتهم ذلك اليوم عند الشيخ حميَّد بن عمير الهنائي لأنه كبير أهل البلد ثم انتقلوا عنه بعد تناول الغداء وأقاموا بالجانب النعشي منها مرابطين والسيَّد تيمور مقيم بالسِّيب في مقابلتهم في أثناء حصار حصني سمائل وبدبد وصل السَّيد حمد بن السلطان فيصل لبلد اللجيلة بمن عنده

من جنود مناصراً لأخيه السيد نادر فما تيسر له دخولها ثم عزم أن يهاجم بدبد ومن فيها لأن عساكرهم بحصنها فعطف عليها وعطف معه أصحابه وقد شدد المرابطون الخنادق على من بها فوصلهم الخبر قبل وصوله فتلقاه أمير المرابطين الشيخ علي بن هلال عند بلد الوغله وغربي وادي الضبعون فصدقوهم القتال حتى ردوهم إلى مكانهم الذي خرجوا منه فرجع السَّيد حمد بغير طائل لا من بدبد ولا من سمائل كتب الإمام إلى بني جابر أما أن يخرجوا السيَّد حمد من بلادهم أو يتهياؤا للحرب فأخذوا ثلاثة أيام أجلا يدبرون الحيله لإخراجه بوجه حسن حتى خرج وتوجه إلى مسقط وفي السَّاعة التي انهزم السَّيد فيها كر الشيخ المجاهد علي بن هلال بمن معه على الحصن وهو يمطر عليهم بوابل من الرصاص ويحرقهم بالمدافع وكان الوقت عصراً فكان من قدر الله أن قهروا البرج المنهدم سهيلي الباب وهو مشرف على الماء الذي يحتاج إليه القابضون فأوسعوهم مقاومة وأشبعوهم مصادمة فما لبثوا إلا قليلا حتى طلبوا الأمان وعزموا على الإذعان فأعطوهم ذلك وأخرجوهم وقتل في تلك الوثبة خادم للشيخ علي فكان فتح حصن بدبد يوم الخامس والعشرين من شهر شعبان من سنة الإمامة وتم أمرها قبل فتح حصن سمائل بثلاثة أيام .
بقي الشيخ عيسى مرابطا بالخوض إلى يوم سادس من شهر رمضان من السنة المذكورة .


ما قيل من الشعر في فتح سمائل وبدبد
قال الشيخ عيسى بن صالح بن عامر الطيواني وقد أرسلها سراً من مسقط وهي كلمة حر غيور ونفثة ليث مصدور وكان هذا الشيخ قاضي القضاة بمسقط :

للحق نور سناه مشرق أبدا***لو أنكرته عيون ملؤها الرمدا
وإن غدا برهة بالحجب مستترا***فإنما نحن لم نمدد إليه يدا
تبارك الله نور الحق منبلج***فأشرقت بسناه الأرض حين بدا
فالحق في جذل والبطل في وجل***والبر في سعد والبحر قد ركدا
قامت عمان على ساق النجاح ولو***تأخرت ردحا ما استيقظت أبدا
قامت تدافع عن دين الإله ولم***يجد مراما سوى من جد واجتهدا
فالغرب في دهش مما تحاوله***والشرق في فرح لا يعرف الكمدا
قد كدتُ أقسم لولا أن ذا سرف***بأن نهضتها قد زحزحت أعدا
يا أيها القوم هبوا من سباتكم***وجاهدوا باطلا قد زادكم أودا
لا خير في عمر يمتد في رهق***فلتبذلوا النفس في العلياء والتلدا
لا خير في العيش إلا أن يكون به***عز وما عيش قوم عزهم فقدا
فثم جنات عدن قد أعدَّ بها***مولاي حوراً لمن للحق قد رشدا
دعوا التحزب فالإسلام يجمعكم***إن التفرق ليل والجميع هدى
بالإئتلاف ونبذ الإختلاف سمت***فوق السماكين صحب المصطفى أبدا
أكرم بقوم غدت لله نهضتهم***وصيروا الدهر عدلاً بعدما فسدا
من كالفتى ابن حميد ذي الأناة فتى***قد عاش يجمع شمل الدين مجتهدا
حتى أتى حميرا زاكي الخصال وقد***أسر في النفس أمرا طالما نشدا
لبى لدعوته لله محتسبا***لم يستمع في العلا عذلا ولا فندا
لما غدا حمير في الأمر مشتركا***جاء النجاح مجداً بعدما بعدا
صارت عصى الدين سيفا قاطعا فغدا***يقد هامة من للحق قد جحدا
هل كالفتى الحميري اليوم من رجل***فاقت مناقبه الإحصاء والعددا
لقد حمى الدين بالهندي منصلتا***وجاد بالمال في إعلائه مددا
وشايعته ليوث من هناة هم***بنوا هلال مصاليت بحور ندى
فبايعوا سالما لما رواه لها***إمام صدق غدا في الله مجتهدا
أمست تنوف بلا ريب تنوف على*** كل البلاد بهم أكرم بها بلدا

وبعد ذا استفتحوا نزوى فسال بها***ماء الهدى فأزاح الجور والكمدا
وأحرزت منحاً عظمى بهم منح***وبدلت بعد خوف عيشة رغدا
وبعد ذاك أفاضوا بالجنود على***إزكي فمدت إليهم بالسلام يدا
وكان فيها سعود حاكما فغدا***للحق سيفا يقد الهام والجسدا
وبايعته بنوا عبس بأجمعهم***والكل منهم تراه في الوغى أسدا
رامت سمائل أن تحضى بهم فاتوا***كالسيل مندفقاً فاستفتحوا البلدا
وجاء يسعى من الرستاق نحوهم***مليكها أحمد طوعاً بغير ندا
وصاحبته ليوث من بني حكم***رسم المنية في اسيافهم وجدا
فعانقوا الحق إذ نارت أشعته***أسود غاب سراهم في العلا حمدا
وبايعته شيوخ السر يقدمهم***أمير بهلا فتى كالليث حين بدا
هنيت بالنصر والفتح المبين أيا***إمامنا إذ نصرت الواحد الأحدا
شيدت للحق أركانا دعائمها***فوق السماك وصيرت القنا عمدا
إذا ذكرتكم اهتز من طرب***كأنني صائم في راحتيك غذا
صارت سيوف الأعادي غير قاطعة***لما جعلت هواكم في الوغى زردا
رام العذول أرعوائي عن محبتكم***وما درى ان صبري عنكم نفدا
وكيف أترك تياراً يمج هدى***آليت لا أرد الضحضاح والثمدا
يا رب نصراً لأهل الحق قاطبة***واجعل ملاكك في الهيجا لهم مددا

ولشاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي :

رجاء الإله لنا شامل وما هو عن نصرنا غال
نعد صوارمنا للعدى وسيف افله هو الفاصل
يظن العدو بنا أننا قتلناهم وهو القاتل
رمينا ولكنه قد رمى ونفعل لكن هو الفاعل
نسوس الأمور بتدبيره ومهما نقل فهو القائل
نقوم بحق إله السمَّا ولا يستوي الحق والباطل
ومن حارب الله مستنكفاً فإن الإله له خاذل


ومن كان بالله مستعصماً فإن الإله له كافل
فبالشرع قام فتى شارع وبالعدل قام فتى عادل
أيا صاح بلغ إمام الهدى إذا كان يبلغه الناقل
فثم سرادق من هيبة وتلك مقام له هائل
فمهما بلغت إلى داره فبشره لو كره العاذل
أتتك البشائر يا سالم ويا السالمي الفتى الفاضل
بشائر قد ضاق منه الفضا ويشجع من ذكرها الخامل
وتجزع منها قلوب العدى ففي كل قلب بها واجل
فتحت سمائل يا سالم وفي حصنها البطل الباسل
بها نادر نادر في الوغى له يشهد البأس والنائل
تؤيده من مثله سادة كرام لهم شرف كامل
وفيه مدافع صمع لدى صواعقهَا ضرم شاعل
فحاصرتموه بلا شدة كأن الزمان لكم عامل
فما تم شهراً إلى إن أتى مطيعاً وأعلاهم السافل
ومن كان ناركم فوقه غداً تحته وهو النازل
وخيَر الفتوح الفتوح التي أعد لها السيف والذابل
وبدبد لابدَّ من ذكرها لأن الفتوح لها شامل
أتت بالبشائر من قبل أن تبشركم أمها الثاكل
فصار صداقهما عاجلا وخير صداقيهما الآجل


لك النصر والفتح يا سالم يدومان والشرف الطائل
ومجدك ليس له غاية وبحرك ليس له ساحل
أمدك ربك من فضله عطا ما تأمله آمل
ووالاك من فضله سادة غطارفة طلها وابل
هموا كالأساطين يوم الوغى وهم في الندى عارض هاطل
وهم فتية كنجوم السما ونجم عدوهم الأفل
ولم نسم أسماءهم إنما بأفعاله يعرف الفاعل
وصلى الإله على المصطفى نبي الهدى ما سرى راحل

بقى الإمام سالم بعد فتح سمائل مقيماً بها لتكويد أمورها والرؤساء تفد إليه البيعة .
وبقى الشيخ عيسى مرابطاً بالخوض إلى اليوم السادس من شهر رمضان من سنة الفتح ثم قصد الرستاق وكان الحاكم عليها ذلك الوقت السيد أحمد إبن إبراهيم فخاطبه في الدخول فيما دخل فيه المسلمون وأن يقدم إلى مبايعة الإمام فأسعفه وكان هذا السيد من أعظم دهاة عمان وأدراهم بأمور الرجال فكان وصولهم سمائل يوم التاسع عشر من شهر رمضان من السنة المذكورة وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان بايع هذا السيد الإمام وبعد إنتهاء الزيارة رجع إلى وطنه الرستاق وبقي بها إلى أن كان بينه والشيخ ناصر بن راشد الخروصي سوء تفاهم حصل منه شقاق أوجب قيام الإمام عليه وسيأتي في محله إن شاء الله .
وفي اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة وصل الشيخ الرئيس أمير بهلا ناصر بن حميد بن راشد الغافري حصن سمائل مذعناً للإمام ممتثلا طلبه وفي صحبته الشيخان حمير بن ناصر النبهاني وعبدالله ابن هلال بن زاهر فبايع الإمام مع أعيان قومه ثم رجع غلى وطنه بهلا ولم يزل بها حتى أحدث أحداثاً ناقضة للبيعة فقام الإمام عليه وسنذكره في محله إن شاء الله .


في أيام حصار سمائل وصلت كتب من قنصل الإنكليز بمسقط إلى الإمام سالم هذا نصها :
حرر يوم سادس شعبان 1331 هــ بمسقط .
من الميجر نكس نائب الدولة البهية القيصرية الإنكليزية في مسقط إلى جناب الشيخ سالم بن راشد الخروصي .
بعد السلام عليك لا بل أنت خبير يقينا بالفتنة الواقعة بعمان سنة 1331 هــ بينكم وبين حضرة سلطانكم المعظم فيصل بن تركي في تاريخ جمادى الثانية سنة 1313 .
حضرة سلطانكم نشر لكم إعلاناً كما سيأتي .
إلى كافة من يراه وبعد تعرفكم بأنا وصلنا كتاب من أمير الخليج بهذا المضمون أنه يلي المصالح المهمة رعايا الدولة البريطانية في مسقط ومطرح وقد عزمت الدولة على إصدار وغنذار كافة مشايخ عمان أن فيما بعد مهما يقع من الخصومات في حضرة السيد فيصل بن تركي لا تترك الدولة المذكورة أحداً يهجم على هاتين البلدتين فتنذركم بهذا الأشتهار فإياكم والتعدي على مسقط ومطرح وكفى إخباركم بذلك ومن حيث بين بعض منكم نسوي هذه النصيحة والإنذار أكرر لكم ذلك ليصير عندكم والسلام .
صحيح الميجر ناكس نائب الدولة البريطانية البهية القيصرية الإنكليزية بمسقط .
جواب الإمام لهذا الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .
من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي .
إلى حضرة الميجر ناكس نائب الدولة البهية الإنكليزية السلام على من إتبع الهدى وخشي عواقب الردى أما بعد فقد وصلني كتابك المؤرخ سادس شعبان من هذا العام وذكرتم فـيه ما ذكـرتم وأنت تعلمـون إن أمـر عمان عنـد علمائـها مـن قـديـم


الزمان وإن كل ملك خالف العلماء فهو خليع عند الدولة الإسلامية النبوية منبوذ عن أمر المسلمين لا تصرف له في دولتهم ولا نفاذ لحكمه وإن فيصلا قد قامت عليه الحجة مراراً عديدة بعد خلعه وعزله فأبى أن يعتزل وإنه قعد هذه المدة بسبيل الغلبة والقهر والمسلمون لم يرضوا سلطنته ولا أفعاله وانتم معشر هذه الدولة يجب عليكم أن تكفوا عن أمر المسلمين ويلزمكم ان لا تعتدوا علينا ومن أعتدى علينا فالله يعيننا عليه وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل ومن كان مع الله كان الله معه ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لك شيء قدراً وإن ينصركم الله فلا غالب لكم .
حرر تاسع شعبان سنة 1331 صحيح إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي .
وهذا كتاب آخر منه :
حرر في مسقط 8 أكتوبر سنة 1913 7 ذي القعدة سنة 1331 من الميجر نكس نائب الدولة البهية الإنكليزية في مسقط إلى جناب الأجل الأكرم الشيخ سالم ابن راشد الخروصي المحترم السلام عليكم أما بعد فوصلاني كتابان المودة منكم مضمونها أحوال أهل عمان وسنعرضهما على حكومتنا العلية ولا شك أنها سوف تتأمل فيها بحكمتها العظيمة لكن لا شك أنه قد بلغكم في هذه الأثناء خبر وفاة صديقنا السيد فيصل بن تركي وهو الآن حاضر أمام القاضي الأعظم الذي هو أكبر منكم ومنا والجميع فغير مستحسن من واحد منا أن نحكم في حسنات وسيئات حياته الماضية وأنتم فصدقتم في قولكم أن الدولة البريطانية العظمى تحب العدالة والأمنية بين حكام عمان ورعاياهم ومما سرني هو علمي من الخطابات الودادية التي أعرضها لنا صديقنا السيد تيمور بأن عماد المذهب الإباضي الشيخ عبدالله بن حميد السالمي لم يزل يقدم إليهم النصائح الحكمية والإنسانية وبهذا لنا الأمل بأن الغمام الناشئة غير مسعود بين أهل عمان وحاكمهم في أواخر عمره سترتفع والقبائل ستبلغ إلى أحسن الصلة مع خليفته عن قريب هذا والسلام .
صحيح الميجر ناكس نائب الدولة البريطانية البهية القيصرية الإنكليزية بمسقط .


حد المعترفة بالزنا عند الإمام
في اليوم الثامن عشر من شهر شوال من سنة واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف في حصن سمائل أقرت سعده بنت مسلم العامرية وهي محصنة بزوج أنها زنت اقرارا أكثر من أربع مرات إقراراً بعد إقرار في مجلس واحد وذلك في حضرة إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي والسيد سعود بن حمد والشيخ حامد بن سيف الرواحي ومحمد ابن سالم الرقيشي وثنيان بن عديم البرطماني ومحمد بن حمود الصوافي وخميس بن حمد الرواحي ومحمد بن عبدالله الخروصي وسيف ابن سليمان الخروصي ورهين بن سالم الريامي في جملة من جماعة المسلمين من الشراة وأهل البلد والمذكورون بأسمائهم تحملوا على إقرارها الشهادة المذكورة كتبه محمد بن عبدالله السالمي عن إملاء سيده الوالد نور الدين عبدالله السالمي بحضرة الجماعة المذكورين وفي اليوم الثاني وهو اليوم التاسع عشر احضرناها مرة أخرى فأقرت بالزنا مرة أخرى وأقرت بالإحصان بزوجين رجل توبي جاءت منه بولد والثاني حراصي طلقها ثم مات وذلك في حضرة إمام المسلمين والسيد سعود بن حمد ومحمد بن سالم الرقيشي ومحمد بن حمود الصوافي ومحضر كبير من الشراة وغيرهم والمذكورون تحملوا الشهادة كتبه عن إملاء والده محمد السالمي في يوم 19 شوال سنة 1331 هــ .
بعد هذا الإقرار الثاني خرج الإمام والشهود والشراة وطائفة من أهل البلد إلى موضع الرجم وكان قد هيىء منذ أمس بين السوق والحصن ففعلوا فيها أمراً لله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وأقاموا عليها الحد على وفق السنة فرماها أولا الإمام ثم السيد سعود ثم محمد بن سالم ثم محمد بن حمود ثم رمى الناس أجمع من كل جهة وهم يكبرون على كل رمية وكانوا قد لقنوها التوبة فتابت وهي في الحضرة فأمر الإمام بها أن تخرج من حفرتها أخر اليوم وتغسل وتكفن ويصلى عليها وتقبر ففعل لها ذلك والله يتقبل من المسلمين التائبين .
وكان في أيامه يأمر بتعزيز من يشرب الدخان من عشر ضربات إلى عشرين جلده ولما كان الإمام الخليلي بعده ترك التعزيز ورأى أن يودعهم الحبس .


وجيء إليه بإمرأة قد أتت بولد من غير زوج فأمر بجلدها أربعين جلدة وانكر عليه الشيخ عيسى أمره بجلدها يقول أنها شبهة فلعلها غصبت أو غير ذلك من الإحتمالات ولم ير قبول ذلك الإعتراض وكان قد حضر مجلسه الشيخ عبدالله العزري وعبدالله بن غابش فقام من مجلسه وقال أنى أجلدها فمن كان له قول فليقل فسكت المشايخ عن إعتراضه .
وفاة السلطان فيصل
في خلال ذلك الإضطراب ، وحدوث تلك الزلازل توفي السلطان فيصل ابن تركي بن سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي وكانت وفاته بمسقط عاصمة ملكه في اليوم الرابع من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1321 إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف .
كان السلطان فيصل جليلا مهاباً باسلا جواداً حليما متيقظاً للمكائد وقد أخذ حماية من الإنكليز في شهر جمادى الثانية عام 1313 هــ على مسقط ومطرح وفي كتاب عمان لشركة الزيت الإمريكة ص / 60 (( لم يعترف الإنكليز بفيصل سلطاناً على مسقط حتى عام 1307 - 1308 هــ الموافق 1890 م وفي عام 1308 هــ الموافق 1891 عقد الفريقان معاهدة صداقة وتجارة وملاحة حلت محل المعاهدة المعقودة في عام 1255 هــ الموافق 1839 م . ومن بين شروط المعاهدة الجديدة ما يلي )) :
(( لا تمنع أي سلعة من الدخول إلى أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط أو الخروج منها وان تفرض رسوم جمركية على البضايع التي تصدر من تلك الأراضي دون موافقة حكومة صاحبة الجلالة البريطانية .
يستمتع رعايا صاحبة الجلالة البريطانية ، فيما يتعلق بأشخاصهم وممتلكاتهم في داخل أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط بإمتيازات خارج النطاق )) وفي ص 318 مجلد 11 / 1 يتشيسون (المعاهدات) .
بعد توقيع هذه المعاهدة بيوم واحد وقع السلطان تعهداً .


(( إن السيد فيصل بن تركي بن سعيد سلطان مسقط وعمان يعد ويتعهد على نفسه وورثته وخلفائه بعدم التخلي عن ممتلكات مسقط وعمان أو أي من ملحقاتها أو بيعها أو رهنها أو السماح بإحتلالها لغير الحكومة البريطانية )) .
( وهذا هو التعهد السري الواقع عام 1308 هــ 20 مارس 1891 م ) .
ويتكلم الصحفي البريطاني لوفاة فريزر في كتاب نشره عام 1329 هــ (1911 م) عن زيارة قام بها لمسقط فيقول :
وحتى داخل دولة مسقط لم تكن سلطة السلطان تكاد تمارس بأمان خارج البلدتين المتجاورتين مسقط ومطرح وفي اليوم السابق لزيارتي مطرح كانت البلدة محصورة ومهددة من جانب عصابة من قطاع الطريق في الجبال والسلطان فيصل ابن تركي رجل رقيق وقور يحب التصوير ولديه اهتمام شديد بالسفن الحربية ولكن حكمه يمتد إلى مرمى بصره ، ولا شيء أبعد من ذلك ولا يمكن لمثل هذا الوضع أن يدوم ) ا هــ كلامه نقلا من كتاب التحكيم لعبدالرحمن عزام .
وكتب لوريمر مجلد 1 / ص 521 :
( لقد كانت سياسته ( أي فيصل ) بليدة جعلت أكثر القبائل ميلا له تنفر عنه ومرد ذلك إلى إهماله أكثر منه إلى عدم كفائته ) .
وفي عام 1312 هــ الموافق عام 1894 م ( كانت منافسة شديدة بين الإنكليز والفرنسيين على مسقط عاصمة السلطان وكانت للفرنسيين معاهدة تربط السلطان اتفق الفرنسيون والإنكليز على إصدار تعهد استقلال حاكم مسقط وزنجبار .
وفي عام 1315 هــ الموافق عام 1898 م ) منح السلطان فيصل الفرنسيين استخدام ( الجصة ) لشحن السفن بالفحم الحجري ( والجصه موضع على شاطئ البحر شرقي مسقط فقام الإنكليز بعنف على إكراه السلطان فيصل بإلغاء هذا العقد فألغى المنحة فوراً وكتب عن ذلك فيليب جريفز ( حياة السر برسي كوكس ) 1941 م ص 62 ) ، لقد غضبت الجكومة الفرنسية كما غضب اللورد سالزبري وفرض تقرير حكومة الهند ( بأنه يجب أن لا يلزم الوكيل البريطاني نفسه في


مكاتبة رسمية بإقتراح يتعلق بمسألة قائمة بين حكومة جلالتها لول مرة بهذا الذي كتبه الوكيل عن طريق السفير الفرنسي فكان في هذه المعارضة ما يوشك أن يؤدي إلى خطر فادح لولا إنتهاء المشكلة بالتحكيم على وجه رضيه الإنكليز وقام بهذه الخطوة الوكيل السياسي الكابتن برسي كوكس في 8 إبريل سنة 1904 وتم التفاهم على تسوية المشكلة في 25 مايو من نفس السنة وقد نهج بسياسته في الخليج الفارسي كله على صورة لم يسبقه إليها غربي مثله ، وقد ساعدت فرنسا العمانيين في تهريب الأسلحة والرقيق وكانت لها أعلام على سفن بعض أهالي صور ولا زال الإنكليز يحاولون قمعها لأن ذلك يمس بمصالحهم وفي ص 66 شركة الزيت الإمريكية .
وعلى أثر ذلك يقول ( تلفت اللورد كرزون ) نائب الملك بالهند وهو الذي اختار كوكس : (( أننا نمد حاكمها بالإعانة ونملي سياستها ، ولهذا فعلينا ألّا نسمح بأي تدخل أجنبي في شئونها )) يعني بذلك حاكم مسقط .
كانت بين السلطان فيصل وقطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش المغربي رحمه الله مراسلات وكتب إليه نصائح دينية ودنيوية .
طالت أيام هذا السلطان فبقي في الملك نحو خمس وعشرين عاماً تقريباً كانت بينه والقبائل الداخلية حروب هائلة ، فجرد خادمه سليما ابن سويلم قائداً للجيش السلطاني لقمع من خالف أمره لعلمه أن هذا القائد جريء جسور عارف بالحروب على النسق العماني .
فمن ذلك قيامه على أهالي صور لما أزعجوا عامله من حصنه وأنفذوه إليه فندب إليهم هذا الوالي فسلموا له الأمر وأذعنوا له فبنى القلاع في رؤوس الروابي المشرفة على البلاد احتياطاً منهم وإذلالا لهم في منع الماء عن الساحل .
وقيامه على بني غافر أهل الدريز من الظاهرة في أيام الشيخ محمد بن سليمان الغافري ولكنه لم يفز بالظفر بل انهزم الوالي وأصيب بجراحة في أحد ساقيه .
وقيامه على إزكي وتضييقه على بني ريام وكبسه لفلج الملكي وذلك أنهم خالفوا أمر السلطان وجاهروه وأقاموا الحرب على عامله بحص إزكي حتى أنهم في أثناء الخصومة قهروا شرطيا من شرطة السلطان فباعوه ببلدة عبري .


وقيامه على سمد نزوى في شهر ربيع الآخر عام 1323 هــ والقائد لهذه الثورة السيد سيف بن حمد وكان ذلك في وقت حصار الوالي سليمان لإزكي وكان أمير سمد نزوى الشيخ حمدان بن سليمان بن سيف النبهاني ورث إمارتها عن آباءه وأجداده واستبدّ بها لما كانت الحادثة عليهم من ابن عمه الشيخ حمير بن ناصر ، وقد كثر ظلم هذا الأمير وعظم غشمه وتغلبه على الأهالي والأوقاف والأنهار ولم يجرْ على الطريقة المثلى وعادة الإستبداد ذلك فسأمت الرعية جوره وغشمه فتقهقروا عنه عند نزول البلاء ولم يساعده ابن عمه الشيخ حمير الذي كانت دولة الإمام سالم على يديه .
أوقد السيد سيف بن حمد نار الحرب بنزوى وأيده السلطان بقائد جيوشه الوالي سليمان واستنهض آل حكم لمساعدته فأضطروا حمدان إلى النزول من بيت السليط وهو حصن سمد نزوى فتخلى عنه وعما تحت سيطرته من علاية نزوى وقد ذكر هذه الفتوح الشيخ الرئيس عبدالله بن سعيد الخليلي والد إمامنا الحالي في قصيدته الدالية وأولها :

أخا الحرب إياك أن ترقدا * ومن ترك الحزم لن يحمدا
ولا تحقرن العدو فكم * ضعيف رأى فرصة فأعتدا
وإياك والبغي كم رفعة * بناها فهدّم ما شيدا
ألم ترى أن رياماً علت * ومدت إلى من أرادت يدا
فكم سفكت من دم واعتدت * فكانت نزار لهم مرصدا
تقسم كالفيء مال الورى * وتجعل أحرارهم أعبدا
رأت عدداً ورأت عدة * وكابرت الملك الأصيدا

إلى أن قال :

وسيف هو السيف أنصاره * بنوا حكم إن سطا أو عدا
هم دوخوا أرض نزوى فلا * أسود الشراء ولا سؤددا
ولم يرض حمدان لكنه * رأى الموت فأختار أن يخلدا


فسلّم بيت السليط وما * حوى من بناء وما شيدا

وهي قصيدة طويلة .

ولشيخ البيان محمد بن شيخان قصيدة في هذا الفتح استوفى بها الأمر الموجب للقيام فنذكر منها طرفاً فيه ذكر القضية وأولها :

رفرفت بالنصر أعلام الرَشدْ***فهنيئاً للعُلا في ذي الجُدَدْ
قرَع الأقلامَ صدراً للعُلا***فغدا باليُمن مفتوحَ السُّدَد
دُرْ كذا يا دهر إن درت فقد***هزَّتِ الأفراحُ أعطاف البَلَدْ
ولهذا الدهر كَفّانِ فذي***تُكْمِد الأحشا وذي تُطفي الكمدْ
أيُّ قوم ثبتوا في جمعهم***غِبطةً إلاّ وقد راحُوا بَدَدْ
كيف يلتذ بملك الدهر من***هو والملكُ جميعاً يُفتقَدْ
إنَّ للدهر لألوانا فما أبي***ضَ في يومك يسودُّ بغَدْ
والفتى في تعب من دهره***من يعش يلقَ من الدهر النكدْ
غرّة الدنيا فلا يعرفها***صادق إلا الذي فيها زهدْ
إنَّ سجنَ المؤمن الدنيا وقد***خُلقَ الانسان منها في كَبَد
من يُرِدْ أوسعَ عيش صافياً***فعلى نهر رضا المولى يَرِدْ
ولَعمري إنما الرّبحِ لمن***ترك الفانيَ واستبقى الأبدْ
كلهُّم للرزق ذو كدح فذا***جاءه عفواً وهذاك بكَدّ
والذي في اللوح باقٍ والذي***قضتِ الأقدار حكمٌ لا يُردّ
سحبت حْمِير أذيالَ العُلا***فغدت تمتدُّ في كل بلدْ
أسلفوا العِزّ وأعلوا هامَهُ***فحَوَوْهُ بطَريفٍ وتَلَدْ
ورِثوا أرديةَ العَلياء عن***كُبَراءٍ عن شديد عن أشدَ


ولقد كانوا ملوكاً بسَبا***وبصنعاءَ وطالوا في سَمَدْ
ثم حاز الملكَ نبهان الذي***حلَّ في ملك عُمان وعَقَدْ
نزلوا بالجبل الأخضر من***عِزّهم أمنعَ من بُرج الأسَدْ
جبلٌ ممتلئ الخير لهُ***شرف طار وللنجم صعدْ
كيف أهجو حِمْيراً وهي التي***حازت المجد بِجِدٍّ وبجَدّ
غيرَ أني ذاكِرٌ أسبابَ مَا***بذروا من حَبِهّمُ حتى انحصدْ
استطالوا يومهم أمناً ول***يشكروا المولى على العيش الرَغَدْ
نشروا الظلم وبثوا جَورهم***في البرايا وتعدَّوا كل حَدّ
إن أتت قافلةٌ من بلد***نهبُوها كسراحين الجَرَدْ
تَجَرُوا بالحُرّ بيعاً والرِّبا***ولَبيعُ الحُرِّ مِن ذاكَ أشَدّ
كثر الجَورُ وقلَّ العدلُ من***أمراءٍ خرّبوا سُبْل الرَشَدْ
أفسدوا مذ فسدوا جهراً ولا***يَصلح الفرع إذا الأصل فسدْ
وإذا أُتْخِم بَطنُ المرء من***قلّةِ الأكل فمن ضَعف المِعَدْ
ما كفاهُم ما جرى حتى عَدَوْا***لحِمى من لا يكافوهُ بَردّ
فدعاهم مَلِكُ العصر إلى***أن يؤدّوا ما عليهم قد وَكَدْ
لم يُرِد حربهم عمداً إذا***أذعنوا للحق واختاروا السَّدَدْ
فاستخفوا أمرهُ وامتلؤوا***أنَفَةً منهُ وكلٌّ قد جحدْ
هزَّهم بأسُ نزاري إذا***بردت نار الخصومات اتّقَدْ
جرَّد السلطانُ فيهم صارماً***من سُليمان إذا هزَّ قصَدْ
أي شيطان من الجــــــنة وا***لإنـــــس إلا من سليمـــان ارتعد
علمُوا إنَّ النزار احتجبت*** بأسُود لم يقاومها أحَدْ

إنَّ في حَدِّ ريام شوكةً***منهم اليومَ فإن تَنْبُ تُحد
فمضَوا كالطيرِ والوالي على***مُقْدِم الجيش كريبالٍ وردْ
فأتوا إزكي بَغياً شَمخت***سكن الجورُ عليها ووَلَدْ
والنزار اليوم مذ ضاعت فشا***كلُّ ضعف في ريامٍ واطّردْ
وتنوف ربحت عيشتها***باهتدَا صاحبها الرأيَ الأسَدّ
صالحَ السلطانَ فاعْتَزّ وما***كاد يختلّ ومن كاد يُكَدْ
هدأت إزكي وشاعت خبَراً***وغدت نزوى كحُبلى بَولَدْ
قام للحرب بنزوى ذِمْرُها***ذلك الصنديد سيف بن حمدْ
حكَّم السيف عليهم عادلاً***وبحكم السيف تقويم الأوَدْ
واستماج الجيش بحراً زاخراً***وغدا يقذف بالنبل الزَبدْ
فتلقت سمد طُوفَانَه***برجال قابلتهم مِثل سَدّ
وبهم حمدان محمود اللقا***من سُليمان ونبهانَ استمدّ
فالتقى الجمعَان ثم افترقا***إذ علا بينهُم بالصُّمع حَدّ
فرأت حِمْيرُ أَنْ حلَّ القَضَا***فيهم مما جنوا والأمر جِدّ
فتخلّوا عن صَياصيهم ومن***غالبَ الغالبَ يُغلَبْ ويُرَدّ
حَمِدَ البركة حمدان متى***سمدٌ زُفّت لسلطان البلدْ
نادتِ العلياءُ في ذروتها***بارك الله لِنزوى في سمدْ
ويَراعي طاب جرياً في الهَنا***قلْت أرِخّ فَتحها خير يُودّ
عَتَبَ السلطان في صَمْتي ولم***أتفرّسْ لمدى هذا المَدَدْ
قلتُ سوقُ الشعراء كاسِدٌ***والأديب اليومَ ممضوض الكَبِدْ
يُخرج الجوهرَ من لُجَّتِه***وإذا ما سامهُ بيعاً كَسَدْ

وإذا لم يُبْدِه من لُجِّه***أجَّجت فكرتَه نارُ الكَمَدْ
وإذا ما تُليت آياته***محكماتٍ عَابَها من لا يُعَدّ
كل غَمر ليس يدري الفرق من***جلس العالم معنى وقعدْ
هل زمان من بني برمك أو***من بني حمدان فينا يُستردّ
يشرق الشعر إذا ما ذُكرت***حضرةُ الصاحب والملك العضُدْ
حشر الكُهّان ذا الفتحُ وما***ساحر في الشِعر إلاَّ ووَرَدْ
وتلاقَوا زُمَراً في جمعهم***بين خُلاّس ونُفَّاث العُقَدْ
كلُّ ذي سحرٍ بيانُ لفظِه***يأخذ الفهم ويجتاح الخَلَدْ
ورمَوا من صنعهم أسبَابهَم***فسعت تمتد تَمتاح المَدَدْ
ثم ألقيتُ عصا شِعري فما***شاعر إلاَّ وطوعاً قد سجدْ

وفي شهر جمادى الثانية سنة 1323 خرج الوالي سليمان على المقابيل أهل الحلتي لما هاجموا المركز السلطاني فأستحلوه فبعث الوالي إليهم سرية فاستردته منهم فأصابوا غرة من صحبه بعد انقيادهم لأمره وإذعانهم له فجهز جيشاً وخرج إليهم فاسترد ما أخذوه وعاقب من نكث ولشيخ البيان في هذه الغزوة قصيدة استوفى القضية بأسرها في أولها :

نفح النصر فميلوا طربا *** هكذا تبدي الليالي عجبا
وإذا السعد بدا كوكبه *** ليس تثنيه العوالي والظبا
ولمن قام على المجد فلا *** لوم أن يعلوا الثريا مركبا

وفي شهر ربيع الآخر سنة 1327 جهز السلطان جيشاً على آل المسيّب أهل نفعا عقد لواءه على ابنه السيد نادر بن فيصل والسبب الداعي إلى ذلك أن الوالي سليمان ابن سويلم يتهم حمد بن سليم السيابي بتهريب الأطعمة لبني ريام في أوان


حصاره لبلادهم إزكي وتضييقه عليهم في عام 1323 فقبض على قافلته فأعتذر حمد أن المتاع حمل لنزوى وكان الوالي حرداً لجوجاً فأنتهر حمد وكذب لحيته البيضا وأشار إليها وكان حمد شيخاً مسناً فخرج قابضاً على لحيته وهو يكتم صيحة العار ، ويمزق حديد النار لما كان يراه العمانيون للحية من قدر وعظمة يود أحدهم أن يقضى عليه ولا تذكر لحيته فأقسم على أبناءه أن يأخذوا بثار لحيته فحذره قومه أن يعكر صفوهم وأن تصبح لحيته لهيب فتنة فتحرق صفوفهم فكتم رأيه إلى أواخر ذي الحجة من عام 1324 هــ .
كمن أبناء حمد برأس جبل من جبال وادي العق الشاهقة يرقبون رجوع الوالي من زيارته للشرقية وقد بلغهم أنه استصحب أعيان القبائل وفيهم إمامنا الخليلي قبل العقد عليه ورؤساء الحرث وشيخ بني جابر بالطو سيف بن سليمان وغيرهم وقد دخلوا هذا الوادي ضحوة النهار فبينما هم في وسطه أثار أبناء حمد النار فنثروا مخايل الرصاص على صدر الوالي العنيد فسقط من ظهر جمله قتيلا وأردفوه خادمه صريعا ولم يعتبروا من عنده ولا ما يكون بعد امتثالا لأمر أبيهم وبراً لِقَسمه وانتقاماً للحيته الشايبة قامت قيامة الأوتاد الذين صحبوه لكونه في خفارتهم وأصروا على الأخذ بثاره والقيام على آل المسيب فمنعهم نور الدين السالمي قائلا أنه قائد البغاة ويد الجبار ولا سبيل لكم عليهم بل لا يحل لكم أن تخفروه بقي الرؤساء بين أمرين وكلاهما مُرَّين إما اقتحام الأخطار أو الوقوف على العار وَحُمَّى الحقد وموجة الإنتقام تقذف بشررها لما يرونه من انتهاك حرمتهم وإهانة كرامتهم فكتبوا لقطب الأئمة المغربي أبحاثاً في الموضوع فكان جوابه كجواب نور الدين هنا كان الحاجز دينياً لا يستطاع انتهاكه ، أما الشيخ الجابري لكونه من العتاة أبى إلا التعصب بالباطل فقتل من السيابيين رجلين يسدد بهما خطاه من العار العربي ولم يلتفت لما وراء ذلك لكونه من العتاة .
دبر السلطان الأخذ بثأر واليه بواسطة رجلين معمري وهنائي ففتكوا بالشيخ سيف بن محسن رئيس آل المسيب وقنع في الظاهر بذلك ولكن جمرة الحقد لم تطفأ من الجانبين فبقيت نارها في الصدور حتى خرج السلطان متفقداً مملكته فعسكر ببلدة نخل وفي الليلة الثانية من وصوله عند السحر كان دوي البنادق على رأس الشيخين سالم بن مرهون وخليفة بن عبيد المعمريين من أعيان أصحاب السلطان ورؤساء جماعتهم تقرر عند السلطان أن آل المسيب أخذوا بثأر رئيسهم الشيخ

سيف بن محسن فغضب لذلك وجهز ابنه نادر لحربهم فخرج بجيشه وأقام ( ببدبد ) واستعد آل المسيب استعداد ضعيف لقوي وقد تجمعت للسلطان قوة فوق العادة فأشفق عليهم جيرانهم بنو جابر فتوسطوا على أنهم يؤدون الطاعة وأن يقبل السلطان إلزام رئيسهم محسن ابن زهران فقبض عليه وأرسل مكبلا بالحديد إلى مسقط وهدم بنيانهم الشامخ .

ما قيل من الشعر في مدح السلطان فيصل

قد مدح السلطان فيصل شعراء عصره وأكثروا بيد أنه أحرز قصبة الرهان شيخ البيان محمد بن شيخان فإنه له ديوان ضخم فيه من المدائح الفائقة وذكر حروبه ودح أنجاله الكرم ما قصر دونه البلغاء فمن معلقاته البليغة هذه القصيدة الفريدة التي أودعها كثيراً من التورية :
شمس من الأنس صار الحسن هيكلها***ألقت إليها النُهى طوعاً معوَّلَها
رمحية القدّ بَطّاشية خُلُقاً***صُبحيَّة الخَدّ تعنو النيِّرات لَها
أُمنيَّةٌ شرعُها سفك الدماء على***أهل الغرام ولا ذنبٌ فيحملَها
ما فوَّقت لحظَها في الناس راميةً***إلا أصابت من الألباب مقتلها
ولا سرى نَشْرُها المسكيّ في رِمَم***تَبْلى بحكم الهَوى إلاَّ وقُمن لها
يا بانة في رياض الحسن قد نشأت***سُقِيتِ من صفوة اللذاتِ سلسلَها
نسيم عتبيَ يا سمرَاءُ مرَّ بكم***والسُّمر أعدلُها ما كان أعدَ لها
هل آن ميلُك نحوي يا نسيمُ فمن***عاداته للعوالي أن يميّلَها
ما قيّدت مهجتي حُسنَى حديثِكم***إلاَّ رَوتْ مقلتي بالدمعِ مُرْسَلَها
يا نِعَم أيامنا بالرَّقمَتْين بكم***وخَيرُ أيامنا ما كان أوَلَها
من يشتري مهجتي دهراً بيومِكم***لله ما كان أغلاه وأسهلَها
أتت صروفٌ وحالت دونكم دولٌ***وأرسلتْ نُوَبُ الأيام جحفَلها
والدهرُ من طبعه لم تصفُ منزلةٌ***للمرء لم يرضَ إلا أن يبدلها
لمّا نَبت بي أحوالُ الزمان ولم***يكن بَكَفي ما قدْ بَلَّ أنُملها

وأحدقت بي ديون أثقلت عُنْقي***لم أُلْفِ مَنْ فَضلْهُ عني تحملها
والناسُ صنفان إما حاسد نعمى***أو مستهين بنفسي إذ تخلَّلَها
نَفسُ التقيّ وإن هانت على سَفِل***لا تُستهان لأنَّ الله فضّلَها
إنَّ الأفاضل محسودون نعمتَهم***وبالأراذل تدري الناس أفضلَها
وقادني دعوة ممن مكارمه***تحلُّ من عنق المأسور أكبُلَها
كساني الله رأياً أن أجشمه***مصاعب الأمر كي أرتاد أسهلَها
عمدتُ عمدة عُقبانِ مُعمّمة***بالسّحب أجبلُها تغتال أجدلَها
نعالها الصخرة العُظمى وهامتها***الشِعّري وإكليلُها بالتاج كلَّلَها
كأننا في تعالينا بذروتها***على المجرة أوردناك جدولَها
قد جُبْت عقبانَها المستشرفاتِ على***عقبانِ عزمٍ يُقّوي الله أرجلَها
ومن يَجُب أوعر الأشياء في طلب الع***لياء لا بدَّ أن يجتاح أسهلها
وصفو دنياك مسبوق بأكدرها***لم تحلُ إلاَّ إذا جرعتَ حنظلَها
حتى أناخت بيَ الآمال كارعة***في لُجِّها ضارباتٍ فيه كلكلها
يا من لِمسقطَ قد طارت به هِمم***بشراك بَّوأتَ للحاجات منزلَها
إن رمتَ للحاجة السوداء فيصلَها***فَيمّمَنْ ذا اليدِ البيضاءِ فيصلها
مَلْكٌ به شيمُ الإِحسَان مجملةٌ***لكن يشنُّ على الدنيا مُفصَّلَها
والسَيل إن فتحت أبواب مخرجه***عمّ النواحي أعلاها وأسفلَها
إني لأرحم هاتيك البحورَ على***دَأمائها إذ ندى كفَّيْهِ أخجلَها
وأرحم الأنفس الهَلكى بصارمه***لمَّا أثارت شهودُ الموت جحفلها
ما استقبلت هامةٌ للفقر في جهةٍ***إلاَّ بماضي النّدى في الحال جند لَها
شديد بطش تقود الأُسدَ سطوتُه***ولو سرى ذكرهُ في الشم زلزلَها
كبير حلمٍ بلا ذلٍّ ولو نشرت***دنياهُ نكبتها فيه تحمَّلَها

ما جاءهُ أحد يوماً بمعذرة***من زلَّةٍ زلَّها إلا تقبلَها
ومن ترقى بمرقى الحلم ما عرضت***في قصده حاجة إلا وحصَّلَها
ميسور سَعْي تُرى الآمالُ واقفةً***له فيلبسُ منها فيه أجملَها
إذا سواري العُلاَ مالت أعدَّ لها***تمكينَ عزٍّ فسوّاها وعدَّلَها
يقي عُمانَ بألطاف السياسة من***زلازل الشرِك أن تجتاحَ معقلَها
قويُّ عزمٍ إذا خطبٌ ألمَّ على***أملاكها رَدَّه قسراً وثقلَها
سهران طرف على تدبير دولتهم***وهم نيامٌ فما أغفى وأغفلَها
يقظان قلب يسوس الملك مجتهداً***في حفظه بمقامات تأهّلَها
مدبّر ما رمي يوماً بداهية***دهياء إلا رمى بالكشف معضِلَها
عُبّاد عيسى النبي صاغوا مُحاولةً***في ملكه فانثنوا يبرون أنملَها
أهل الطواشي صبيح راعهم بحمى***دار ابن لقمان لمَّا شد أرجلَها
لا بُوركُوا في مساعيهم ولا نهضت***قناتهم لا ولا لاقَوا مُؤمَّلَها
يا أيُّها الملك المعمورُ دولته***شكراً لمن عزّز الأشيا وذلّلها
أولاكها الله أنعاماً تجلُّ فقيِّ***دْها بشكر طويل تُعْط أطولها
ما كان من دأبي الأشعارُ ممتدحاً***لكن فتحتم لنا بالجود مُقفَلَها
إذا كُلَيب القوافي أهلكته ضبا***عُ البخل إني بكم أغدو مُهلهلها
خذها بديعة حسن قبلةً لمل***وك الشعر والله أدعوه ليقبلها
حازت من الحسن أقصاهُ وغايته***وحُزت من رُتب العلياء أكملَها

إرتقاء السلطان تيمور بن فيصل سلطنة مسقط :
ولي الحكم في اليوم الذي توفي فيه أبوه السلطان فيصل وكان قد رشحه في حياته لمهمات الأمور وجعله من بعده ولي عهده لكونه أسن أخوته ولما يتخيله فيه من الصلاح لتوقد ألمعيته وعلو همته فقام بالأمر وأحكم ثغور مسقط ومطرح والباطنة ، حذراً من مهاجمة العمانيين فوجد الإنكليز لهذا التحزب غرة وافقت مرادهم فأظهروا العصبية للسلطان والحماية له والمدافعة عنه والقتال دونه على شروط أخذوها منه فكانت منهم تعديات برميهم المسلمين في بركا وقريات والوطية فرأى المسلمون التأخر ذلك الوقت عن القيام على السلطان حذراً من إتساع الخرق وأن يجد الخصم بغيته فبقيت المنافسات المجاذبات كما هو مفهوم من حال الضدين حتى وقعت بينهم المعاهدة المعروفة بمعاهدة السيب في عصر الإمام الخليلي وسنذكرها في محلها ز (( وفي ص 93 كتاب شركة الزيت الإمريكية )) .
وقد زار اللورد هاردنق ( نائب الملك في الهند مدينة مسقط من خلال شهري ربيع الأول وربيه الثاني عام 1333 هــ ) الموافقين لفبراير ( 1915 م ) ونصح السلطان بمسالمة شعب الداخل ، لأن الإنكليز لن يستطيعوا أن يظلوه بحمايتهم إلى أجل غير محدود وقد بسط الوكيل السياسي في مسقط العقبات التي تقف في سبيل الوصول إلى إنفاق يرضاه السلطان وهي :
1 - أن العصاة قابضون على مفتاح الموقف فإنهم يحتلون وادي سمائل وحصنه اللذين كانا لا غنى عنهما لإزدهار التجارة في مسقط .
2 - إن الثورة قد اتسمت بطابع ديني وأن الإمام يدعو إلى الجهاد وأكثر من هذا فإن كثيرين من الثوار لقوا حتفهم على يد قوات الإنكليز في الهجوم الفاشل الذي شنوه في شهر يناير ، وفضلا عن هذا فإن شعور السخط قد بلغ مبلغاً أصبح من العسير إزالته .
3 - إن التعرض الخاص بمنح إعانات للقبائل ليس خليقاً أن يكون وسيلة مغرية لإقناعها ، وذلك لأن الإمام قد يحرم من قبول الإعانات بوازع ديني ، وأن

الزعيمين الآخرين ينعمان بدخل كبير من مركزيهما الحاليين ومن أراضي الدولة التي قد قبضا عليها في الداخل .
4 - إن خفض عدد رجال الحامية إلى العدد العادي سيترك السلطان دون مساعدة يعتمد عليها ، ذلك لأن السفن البريطانية في زمن الحرب يغلب أن تكون على بعد غير يسير من مسقط بخلاف ما تكون عليه الحال في زمن السلم .
وذكرت هذه (( الحرب العربية ص 22 )) .
وكتب المؤرخ المسيحي في كتابه المسمى عمان لشركة الزيت الإمريكية ص 94 في الفترة الواقعة بين أواخر شهر جمادي الأولى وشهر شعبان عام 1333 هــ أي بين إبريل ويونية 1915 م ، ظلت الرسائل والمباحثات متصلة بين زعماء الإمامة وممثليهم من ناحية وبين الوكيل السياسي البريطاني بوصفه وسيطاً من ناحية أخرى ، وقد تمحضت هذه المباحثات عن الأسباب الجوهرية للعداوة التي يحس بها أتباع الإمامة حيال السلطان هي :
1 - إن قمع تجارة الرقيق يعد أمراً غير مشروع لأن هذه التجارة تسمح بها أحكام الإسلام .
2 - إن تجارة الأسلحة والذخيرة ينبغي ألا يسمح بالتدخل فيها .
3 - إن السلطان كان فاشلا في تطبيق شريعة الإسلام فيما يختص بكل القضايا المدنية والجنائية .
4 - كان السلطان يسمح بإستيراد التبغ والخمور وهذا مما تحرمه أحكام الإسلام .
5 - كان السلطان يعتمد على تأييد جنود الإنكليز ، مع أن الواجب يقضي بإقصائهم .
6 - كان السلطان يفرض حصاراً على الداخل ، بأن يقطع عنه تيار الواردات المألوف .
7 - إدعى الإنكليز سيطرتهم على البحر مع أنه ينبغي أن يكون مشاعاً للجميع .
ثم كتب بعد ذلك في ص 95 .


وقد بعث الإمام بكتاب إلى الوكيل السياسي أكَّدَ فيه أنه لن يستطيع أن يجري أي إجراء يهدف إلى عقد صلح دون استشارة نواب شعبه الذي يقطن أفراده المنطقة الممتدة من الشرقية إلى نزوى كلها .
وفي شهر شوال عام 1334 هــ ( الموافق لأغسطس 1915 م ) تلقى الوكيل السياسي كتابا بتوقيع الإمام وعيسى بن صالح وحمير بن ناصر وقاضي الإمام وقد طلبوا إليه فيه أن يجتمع بعيسى بوصفه ممثلا للإمام على مقربة من السيب على الساحل . واستصحب عيسى قاضي الإمام إلى هذا الإجتماع الذي تم في شهر محرم عام 1334 هــ ( الموافق لسبتمبر 1915 م ) وإذا تقدمت المباحثات ، أحس الوكيل السياسي إنه بات ممكنا الوصول إلى حل وسط ، وكانت النقطة الرئيسية مثار الخلاف إصرار السلطان عل أن تجلو قوات الإمامة لمصلحته عن الإستحكامات القائمة عند سمائل ويبدو أن عيسى كان يوشك أن يقبل هذا لولا أن تدخل القاضي مؤكدا أن الإستحكامات المذكورة لن تخلى ما دام الإمام حياً . ا هــ كلامه .
وفي أيام هذا السلطان كثرت الشعابث واضطربت الأحوال وعاث اللصوص في الباطنة والشميلية حتى أن الفرد لا يستطيع الخروج من بلد إلى بلد آخر إلا بجماعة تحميه وتناولت أيدي المردة كل من صادفته وبلغ الأمر أنه في عام 1344 هــ خرج من صحار السيدان خالد ومحمد ابني محمد بن تركي ابنا عم السلطان تيمور بن فيصل بن تركي فقبض عليهما الحراسيس وخليفة بن الحبل القتبي في سيح السميني فباعوا أحدهما على سيف بن راشد النايلي بالبريمي والآخر على العوامر فجلبوهما إلى ضنك ففكهما الشيخ حمد بن أحمد اليحيائي عن ألف وستمائة قرش فأرسل بخالد إلى والي صحار يعرب بن قحطان فاستلمه منه وبقي محمد عند الشيخ اليحيائي ثمان سنوات وبعد ذلك أرسل به ابنه خليفة إلى السيد حمد بن فيصل فسلمه إليه وما سبب هذا كله إلا الإهمال وإختيار السلطان للعزلة والسياحة بأرض الهند وتركه سياسة الأمر إلى الوزارة بالنيابة عنه .


خروج سيدي نور الدين من سمائل إلى الشرقية
في شهر ذي القعدة من عام 1331 بعد وفاة السلطان فيصل خرج سيدي نور الدين من سمائل وفي صحبته السيد سعود بن حمد بن هلال والتقى بالرئيس المطاع حمير بن ناصر بإزكي لوعد سبق بينهم في معارفة قبائل الشرقية والإجتماع بهم في مهمات الدولة ومناصرة الإمام واطفاء الفتن القديمة بينهم وقد فوض الإمام سالم الأمور في يد سيدي الوالد تفويضا مطلقا فيما يراه من المصالح العامة فهو يمضيها بإسمه ورسمه .
فلما نزلوا بالخضرا من وادي عندام أصلحوا ما بين أهلها من الرواشد والشروج وكانت بينهم حروب منذ بضعة وثلاثين سنة .
فكان من رأي نور الدين أن ما سفك من الدماء ونهب من الأموال بين القبائل في الحرب الماضية قبل دخولهم تحت طاعة الإمام وبيعتهم له يسكت عنه ومن تعدى بعد ذلك يؤاخذ بجنايته إذ لا يتهيأ الحكم بينهم لعدم الحجة العادلة على الباغي بل أكثر حروب أهل عمان بغي بعضهم على بعض فأعلن للرواشد والشروج عن ذلك فقبلوا قوله وامتثلوا لأمره ففتحت طرقهم بعد أن كانت مسدودة وقامت سوقهم بعدما كانت عاطلة ودخل بعضهم عند بعض وأعلن لبني رواحة وبني ريام والحرث والمساكرة بذلك ثم خرجوا من الخضرا إلى سمد الشان وأصلح ما بين اهلها وأمر أن يرفع علم الإمام بحصنها وترك الشيخ سالم بن سيف بن سعيد البوسعيدي واليا وقلده القضاء عليها ثم انتقلوا إلى إبرا وأصلح شأن المساكرة والحرث وانحسمت المخاوف القديمة بينهم وببركة العدل صار هذا الصلح هادما لما قبله من الضغائن والأحقاد التي ورثها الأبناء عن الأجداد وتلقاهم الشيخ عيسى بإبرا . ثم توجهوا لزيارته بمعيته إلى مركزه بالقابل فقابلهم بالبشر والحفاوة والتقوا ببعض آل حجر وطلبوا زيارتهم وكانوا في ذلك الوقت أهل فضل ودين فأسعفوهم وفي بدية وافاهم أعيان الهشم الكرام وأخذ منهم نور الدين البيعة للإمام وبعد انتهاء الزيارة لبدية خرج الشيخ حمير إلى جعلان زائراً أمراءها علي بن عبدالله ومحمد ابن أخيه بن ناصر ابن عبدالله آل حمده فأستقبلوه


بحفاوة وإحتشام وقابلوه بما هو أهله من الإحترام فأبدى لهم بعد تمام الزيارة ما جاء به من الكلام وليعرف رأيهم بعدما طلب منهم أن يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون من النظام فتأجلوا في الدخول نظرا للمستقبل والمستقبل كفيل ووعدوه في حاضر الوقت لزوم الحياد وأن يكفوا عن مناصرة السلطان فقبل ذلك واكتفى به أمراء بني بو علي رؤساء على غافرية الشرقية يقر لهم يقر لهم قومهم بذلك ويرون لهم حقا عظيما وخطرا جسيما يقفون عند إشارتهم ولكونهم أنصار السلطان من قديم الزمان وتحت قيادتهم جمهور كبير كان من رأي الإمام وأنصاره مسير الشيخ حمير إليهم لإستفسار حالهم وأداء النصيحة الواجبة على المسلم لأخيه وإن للتحزب الباطل بعمان أثر عميق فلكونهم يعتقدون أن الشيخ الحميري من ملوك الغافرية كان ذلك أرجى للقبول منهم .
فوفوا بما وعدوه به وأتموا ما تعهدوه له فلم يطرقوا باب السلطان اثنا عشر عاما حتى طرقه أعيان عمان وكانت كتب السلطان غليهم متوالية ولكنهم رأوا الوفاء من شيم الأحرار .
تدخل الشيخ حمدان بن زايد الفلاحي
بالصلح بين الإمام والسلطان والإجتماع بالسيب
في أيام عيد الأضحى من سنة 1331 وصلت كتب من الشيخ حمدان ابن زايد آل خليفة الفلاحي الياسي حاكم أبو ظبي للشيخ عيسى بن صالح والعلامة نور الدين إذ كان نور الدين ذلك الأوان بالشرقية ذكر أنه مخيم ببلد السيب من الباطنة ويحب وصولهم إليه فهو يأمل التوسط بالصُّلح بين الإمام سالم والسلطان تيمور لأنها كانت بين بني ياس وملوك مسقط مواصلة ومعاضدة فلما رأوا تفاقم الأمر بين العمانيين أحبوا أن يدخلوا بينهم بالصلح لحسم مادة الشقاق فخرج الشيخان ومن عندهم من الأعيان فكان وصولهم سمد الشان في اليوم السادس عشر من ذي الحجة عام 1331 هــ على طريق وادي العق ولما أن خرجوا من الوادي توجه الشيخ عيسى ومن معه إلى السَّيب للإجتماع بالشيخ حمدان وقصد نور الدين والعلامة أبو مالك ومن معهما إلى سمائل وكان الإمام سالم بها فعرضا عليه ما


كتبه لهم الشيخ حمدان وما خرج به الأمير الشيخ عيسى فكان من رأيه عدم قبول الصلح ورضاءه به إذ كان رحمه الله لا يرى إلا المنابذة حتى يحكم الله بينه وبينهم فأجمع رأيهم أن يرسلوا للأنصار بأن يحضروا ليعرفوا رأيهم فلما اجتمعُوا أجمعوا على عدمِ القبوُل فأرسّل الإمَام شيخنا العلامة أبو مالك إلى السَّيب ليخبر الأمير بما اقتضاه نظر العمانيينَ .
وكان من رأي الشيخ عيسى اطفاء ثائرة السُّلطان واستبقائهم وتركهم وما بأيديهم شفقة على العمانيينَ من التضييق فهو يخشى أن يشتدَّ على العُمانيين البلاء فيكون منهم الخذلان للإمام فبقي الأمير مصراً على رأيه ولم يثنه عن قصده ومراده ووصول العلامة أبو مالك ويرى أن له النظر المطلق في مصَالح الإمام والإسلام .
ثم طلب الشيخ حمدان من الشيخ عيسى ومن معه من الأعيان الوصول إلى بيت السُّلطان بمسقط لإتمام المعارفة وتجديد الصَّداقة فسَاعفه الأمير ولكن أهل الرأي لم يروا للأمير ذلك خوف غوائل الملوك وما يؤثر من خداعهم ودهائهم فلم ير الشيخ عيسَى إلا إتمام ما أجابهم إليه .
فركبوا ( نور البحر ) باخرة السُّلطان ومع الشيخ حمدان اخوانه الذين كانوا بصحبته وذلك في شهر المحرم في سنة 1332 هــ فما أن وصلوا مسقط حتى تلقاهم السُّلطان وقابلهم بالحفاوة والإكرام وضروب الجوائز فلبثوا إلى عصر ذلك اليوم ثم رجعوا إلى السَّيب ومنهَا إلى سمائل فعرض الشيخ عيسى على الإمام ما جاء به من الصُّلح وهذا نصَّه اشترط الشيخ حمدان بن زايد على الأمير شروطاً واشترط له شروطاً :
الأول : أن لا يتعدى الإمام الحوزة التي هو فيها وملكه على عمان الداخلية وأن يرد للسَّادة حصني بدبد وسمائل فيكونا تبعاً لحصون الباطنة وأن لا يضر بعضهم بعضاً وأنَّ الداخل من الطرفين آمن .
الثاني : أن لا يسلم السلطان شيئاً من المملكة العمانية للإنجليز .


الثالث : أن لا يأوي السلطان محدثاً على الإمَام ورعاياه .
الرابع : أن لا يسعى لهم بضر ظاهر ولا باطن .
الخامس : أن السلطان يقيم العدل على منهج الشريعة ويامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويرفع المظالم .
السَّادس : إن العشور بالجمارك السُّلطانية في المائة خمسة على القاعدة ويرفع ما زاد .
السَّابع : أنَّ الصَّناديق النازلة بجمرك صور لا تفتش أصلاً .
الثامن : أن يرفع العشور عن الرُّمان النازل بالجمارك السُّلطانية .
أجابه الأمير أن يرد الحصون متعذر ولا يجوز لنا أن نساعفكم على ذلك وليس للإمام أن يرد معاقل المسلمين إلى الجبابرة أما بقية الشروط فنعرضها على الإمام فبيده الحل والعقد .
عرض هذا الصلح على الإمام فرفضه وأبى من قبوله وكثرت الأنظار مع الأنصار وخافوا الفرقة في بدئ الأمر إذا ردَّ على الأمير ما جاء به وسعى فيه وهو يراه من أعظم المصالح .
فرءوا أن يسكتَ الإمام في الحال وأن يتأجل في الإتمام إلى مناظرة أنصَاره لأنهم تفرقوا قبل رجوع الأمير وأن يرسلوا إليه بالجواب بعد مفاهمة الأنصار وبعد وصولهم نزوى أرسلوا إليه الشيخ حامد بن سيف الرُّوَاحي فوافاه ببلد الظاهر وأخبره أن الأنصار أبوا من قبول الصلح وأن الإمام لا يرى إلى موافقتهم ولا يرى إلا المنابذة .
وفي وقت هذا الإجتماع بالسَّيب اتفق الشيخ عيسى بالشيخ العالم الفقيه راشد بن عُزيَّز الخصيبي الرجل الماهر الداهية الذي كان عظيم المدبرين للدولة السلطانية والمناضل عنها بسياسته وتدابيره وهو ممن له في العلم القدح المعلى بين أهل عمان وقد عرف هذا الشيخ بالكرم والجود وشُهر بالسخاء والبذل وزاده كرمه

نفوذاً في تمثيله أوامر السلطان ولم ير بداً من ملازمة الملوك لأنه نشأ في بساط فضلهم وتربى في مهد جودهم ولما ظهر العدل وعقدت الإمامة لم يكتب التوفيق له تجاه دولة المسلمين فأظهر للناس أن هذه فتنة صماء عند أهل عمان وأنهم ليسوا على الحق وبث كتبه في أقطار الأرض وشنع على المسلمين وأرجف بهم فعاتبه الأمير على ذلك فأعتذر أنه في تقية ولا يمكنه إلا ذلك وأن مقامه عند السلطان هو لإرشاده من ذهاب المملكة بيد الإنكليز ونحو ذلك من الأعذار وأنه لو دخل مع المسلمين لم يقبلوه لما بلغه بأنهم أهدروا دمه وأعترف أن الإمام محق وأن دولة المسلمين على هدى فقال له الأمير ألم تقل أنها فتنة ؟ فأجابه أن الله يقول ولنبلونكم بالشر والخير فتنة فتخلص بها وكان منطقياً داهية عنقفيراً وطالت المحاورات بينه وإياه فأحسن التخلص منها وأجاد الجواب عنها ثم صار اجتماع آخر بالسِّيب بعد الإجتماع الأول كان دائرة عقده الشيخ سلطان بن محمد بن علي النعيمي حاكم البريمي حضره جم غفير من رؤساء العمانيين ورام هذا الشيخ أن يعقد صلحاً بين السلطان والإمام فما تم فيه أمر ورجع كل إلى وطنه .
وفي ذلك الوقت وصل أعيان معولة بن شمس يرأسهم سيف بن سالم بن سيف وعنده حمد بن سعيد وسعيد بن خلفان الشاعر وسعود بن حمد بن سيف وراشد بن نبهان ورهط من جماعتهم فواجهوا الإمام سالم بسمائل وبايعوه وطلبوا منه أن يتصل بهم لقهر واديهم فوعدهم وسيأتي ذلك إن شاء الله .
جعل الإمام والياً على سمائل الشهم الفيصل الزاهد سعود بن حمد بن هلال البوسعيدي .

وفي اليوم الثلاثين من شهر المحرم سنة 1332 هــ خرج الإمام من سمائل على طريق وادي الغربي وفي صحبته الأمير عيسى وهذا كتاب الإمام ونو الدين لإخوانهم بنواحي تبوره من أفريقيا يتضمن الفتوحات .
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي وعبدالله بن حميد السَّالمي إلى حضرة المشايخ الكرام الإخوة ناصر بن سالم ومحمد بن سالم وسيف بن خميس وسالم بن ساعد وسالم بن جمعة وكافة الإخوان العمانيين وغيرهم من كافة المُسلمين النازلين بنواحي تبورة ، سلام عليكم فإنا نحمد الله إليكم ونشكره على ما مَّن به علينا من إقامة كتاب الله وإظهار دين الله فقد أتم الله علينا نعمته وجمع شتاتنا وألّف بين قلوبنا وقام أكابر عمان ورّعاياهم قومة واحدة على نية واحدة فمنحهم الله الفتح المبين والنصر العزيز عقد الإمامة بتنوف آخر اليوم الثاني عشر والأثنين من جمادي الثانية في ساعة الشمس وانتقلنا إلى نزوى في تلك الساعلة من الإثنين القابلة من يوم 19 ودخلناها وْقت السَّحر وهي في أمنع ما يكون عدة وعدداً وبأساً وشهامة فمنحنا الله أكتافهم للأسر ودمائهم للقتل بنصر من الله وإعانة وآتاهم الله من حيث لا يحتسوبن وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم فأنزلهم الله منها وواجه والي منح وسلم البلد وواجه سلطان عبري وبايع وواجه شيوخ الجنبة وشيوخ أدم وبايعوا وانتقلنا إلى إزكي يوم تاسع رجب بعد صلاة جمعتين بنزوى ففتحها الله لنا ببركة واليها الحميد سعود بن حمد وإنتقلنا منها إلى سمائل في يوم 26 رجب عصيراً وأحطنا بحصن سمائل صبح 29 بعد احتجاج ونصائح وفيه نادر بن فيصل وحمود بن حمد بن هلال وحمود بن الإمام عزان بن قيس وغيرهم من سادة القوم عشرة وهو في أتم عدة فقام الحصار عليه سبعة وعشرين يوماً ونزلوا ليلة 28 وكان الشيخ عيسى ومن معه قد نزل بالخوض لمرابطة فيصل وأولادهم وهم بالسيِّب وطائفة أخرى من الجيش فيهم علي بن هلال بن زاهر ومطاوعة الحجريين وآخرون من ريام وعبس وقد حاصرت حصن بدبد وفتح يوم 25 شعبان وها نحن منذ فتح الحصن لم نفارقهما أقمنا لإظهار العدل

في البلدين وتوابعها مرابطين للعدو ومنظرين لفرصة النهضة على مسقط وقريباً إن شاء الله نزحف إليها ونسأل الله وصول كتابنا هذا إلى حضرتكم وأنتم في أتم نعمة وعرفونا بوصوله إذا وصل . كتابك أيها الأخ ناصر وصل وإعانتكم الأولى لم تصل والثانية لم يأتنا فيها بيان ولعله لإنقطاع الطريق والسلام .
كتبه عن إملاء والده محمد بن عبدالله بيده يوم ثاني ذي القعدة سنة 1331 هــ . وحينما نحن مقيمون بإزكي ثار بنو خروص والعبريون على حصن العوابي فخلص يوم 17 من شهر رجب ا هــ .

وفد معولة بن شمس إلى الإمام بسمائل

ولما أراد الله أن تنتظم بلادهم في سلك الإمامة ألقى الله في قلوب معولة حب الإيمان فخالفوا رئيسهم الشيخ سليمان بن ناصر بن محمد إذ كان هواه مع السُّلطان فخرج قسم منهم إلى الإمام على طريق عقبة القت إلى سمائل بعد فتحها وكان خروجهم في شهر المحرَّم سنة 1332 هــ فأجتمعوا بالإمام وأخبروه بما جاءوا إليه من استعدادهم للمناصرة وفرارهم من أئمة الجور وطلبوا منهُ المساعدة على خصمهم وحماية بلادهم فوعدهم جميلاً وجعل لذلك أجلا يوافيهم عليه وأكثر الخارجين من أهل مسلمات وكان أمير القوم سيف بن سالم وهم نيف وأربعون رجلا فناداهم نور الدين يا آل شمس هل من مبايع فأجاب القوم ما جئنا إلا لذلك وتقدم أبو البركات سعود بن حمد بن سيف فمد يده للبيعة وهو يتلو الآية الكريمة ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ) ثم بايع بقية القوم وأقاموا سبعة عشر يوماً في ضيافة الإمام وبعد انقضاء لوازم الزيارة استأذنوا الإمام في الرجوع فأذن لهم فرجعوا ملتزمين بالأمر والنهي في بلادهم وبالقيام على كل من لم يدخل في طاعة الإمام من قومهم وعلى أن يقوموا مع الإمام لحرب نخل فلما وصلوا همُّو بما كانوا أمَّلوُا به وعارضهم رئيسهم الشيخ سليمان بن ناصر فكتبوا للإمام بما كان من أمره فأجابهم أن لا تعجلوا وهمَّ سليمان أن يشرّد ببني خروص واتباعهم من وادي معولة عناداً للحق فمنعه المقدام سيف بن سالم وكان مناصحاً للإمام مجتهداً ولما شق عليه الأمر خرج مرة ثانية إلى الإمام في اثني عشر رجلاً من قومه واقتحم الجبل الأخضر طالباً من الإمام المساعدة على أمره والوفاء بالوعد الأول .


فتح نخل
في اليوم السَّابع من شهر ربيع الأول سنة 1332 هـ وصل الأمير الشيخ عيسى ابن صالح نزوى ملبياً دعوة الإمام وقبل وصوله وصل شيخنا العلامه أبو خليل محمد بن عبدالله الخليلي فتناظروا فيمن يخلف نور الدين السالمي فأجمع رأيهم على أن يكون العالم العلامة عامر بن خميس المالكي مديراً لشئون الإمامة كما كان عليه نور الدين السالمي فهو خليفته في العلم والعمل وتشاوروا في أمر نخل فاجمع رأيهم أيضاً في الخروج على أهلها والوفاء بالوعد السَّابق للمعاول فخرج الإمام وفي صحبته أبو خليل عن طريق الجبل وصحبهم الأمير عيسى بن صالح إلى تنوف مشيعاً وزائراً للشيخ حمير بن ناصر فنزل الإمام بلد العوابي وركب منها إلى بلد المعاول واستخلف الإمام على نزوى العلامة المالكي وكان قواد هذه الغزوة الرئيس المناصر حمير بن ناصر والشيخ سعود ابن بدر بن هلال الهنائي والشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي في جماعته فنزلوا بمسلمات من بلدان المعاول وتصدى الشيخ حمد بن سعيد بن أحمد المعولي لنفقة الجيش ومدد الإمام وقام بالواجب خير قيام .
أما الشيخ سليمان بن ناصر أمير معولة فقد امتنع عن الإنقياد في أول الأمر فقام عليه جماعته فلم ير بداً من موافقتهم فأنقاد وأذعن وبايع وسلمت معولة الأمر للإمام .
وكان رئيس نخل في ذلك الوقت الشيخ أحمد بن ثنيان الحرَّاصي وقد أقرَّه السلطان تيمور بن فيصل والياً على حصنها وملكه أزمة أمرها فخاطب الشيخ الحميري أعيان نخل في الإنقياد للحق والإذعان للإمام لأنَّ أهل نخل ميلهم إلى الحميريِّ وبها كثير من قومه فأجابوه بما يجمل ويحسن فخرج إليهم ليلا وأصبح بجامعها وواجهه أهلها إلا الشيخ أحمد بن ثنيان فإنه قد ترفع بحصنها المانع ومعه السيد حارب بن حمد البوسعيدي أخ سيف بن حمد الذي قتل نفسه بنزوى فأرسل الأمير الحميري إلى الشيخ أحمد أما أن تنزل على ذمتي أو تكون مخالفاً فطلب أحمد مهلة إلى أن يكتب للسلطان في قبض أمانته وإلا فلا تبعة عليه فأعطاه إلى

وصول جواب كتابه وبعد أيام وجيزة وصل الجواب من السلطان لأحمد بن ثنيان إن لم تكن لك قوة على الحرب فأعمل ما شئت . فأذعن أحمد بن ثنيان من غير حرب وطلب أن يسمح له بذخائر الحصن فأعطاه الحميري ذلك ولما عرف السيد حارب عزم الشيخ أحمد وما أنطوى عليه خرج ليلا وتوجه السلطان ببركا ودخل الإمام حصن نخل وأقام به وأصلح الفاسد وأدب المعاند وجعل الشيخ العلامة سيف بن أحمد الكندي قاضياً عليها والشيخ العالم علي بن ناصر اليحمدي قاضياً بوادي المعاول .
هذا وقد أمر الإمام سالم بقبض أموال السّيد الغشَّام التي هي بوادي المعاول لإستغراقها في المظالم فهو لأهله المظلومين وهم مجهولون يعتذر الوقوف عليهم وحكم المجهول لبيت المال وبهذا حكم الإمام المحقق رحمه الله في عصر الإمام عزان بن قيس .
صفة حكم الإمام
حكم الإمام سالم بن راشد الخروصي بإشارة العلماء الذين معه كالشيخ عامر بن خميس المالكي والشيخ العالم ناصر بن راشد الخروصي ومن عندهم في أموال السيد محمد بن أحمد بن ناصر الغشَّام والشيخ العالم راشد بن عزيز بأنها صافية لكونهما علملين للجبابرة يجبيان لهما الخراج ويقودان لهما جيوش البغي على المسلمين وأن أموالهما مستغرقة في مظالمها وإن الإمام حوزها وجعلها في عز الدولة اقتفاء لما مشى عليه الأئمة رضوان الله عليهم من عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه9 إلى عهد عمر بن الخطاب الخروصي إلى الإمام عزان بن قيس رضي الله عنهم فأمر الإمام سالم بحوز هذه الأموال وانفاقها في عز دولة المسلمين .
ولما بويع الإمام الخليلي نظر إلى حال العمانيين واضطراب كلمتهم وضعف هممهم التي كان عليها الأولون وأن سلاطين مسقط كثر ظلمهم وعظم عسفهم وغشمهم فصالحهم على الكفاف وتأمين البلاد وعلى أن يسكت عن تلك الأموال لا رداً لحكم الحاكمين ولا إبطالا وإنما سكوته لمصلحة رآها وحضرت مجلسه ذات

يوم وقد باحث القاضي سفيان بن محمد الراشدي في القضية فأجاب أن الحكم صحيح وإن تلك الأموال بيت مال وإنما سكوتنا عنها لمصلحة تحريناها وهي تخفيف الظلم وتأمين البلاد فكتب ذلك عنه القاضي سفيان بغرفة الإمام من حصن نزوى .
بقي الإمام سالم بوادي المعاول ونخل لتسكين حوادثهما وقد كثر بها الرهج والغيلة وفشا بهَا قتل الصلحاء فقتل من المعَاول جملة رجَال غيلة ومن جملتهم الزاهد الشيخ عبدالرحمن بن خميس بن أبي نبهان الخروصي وابنه وقتل من الفضلاء بنخل العلامة الولي سيف بن أحمد الكندي وهو شيخ كبير يناهز التسعين قتل ببيته هو وزوجته نائمين والشيخ العالم محمد بن عبدالله السَّلامي والثقة الفاضل ناصر بن سعيد الخروصي والشيخ الزاهد سيف بن محمد السَّلامي والشيخ العارف سعيد بن سالم العرفاتي وابنه وغيرهم من الأفاضل كثيرون ومن العامة جم غفير أما الواقع بنخل فالسَّبب فيه أنَ الإمام أمر بقتل شيخ أهل نخل أحمد بن ثنيان الحراصي لما حدثت منه أحداثاً تخالف الشرع فقبض عليه الإمام وصفَّده بالحديد وأرسله إلى مطمورة نزوى فلبث بهَا طويلاً ثم أطلق بشفاعة أنه نادم وتائب فما هو إلا أن رجع إلى ما كان عليه فأمر الإمام بقتله فقتل في مجلسه أمام المسجد الجامع بنخل وقت صلاة العصر فقام أخوه خلفان بن ثنيان وابن أخيه حمود بن سَالم بن ثنيان يطلبون بثأره أمَّا خلفان فجمع اللصَّوص والمقاطيع وأقام بالرميس من الباطنة وكانت حكومة مسقط ظهراً له فشنَّ الغارات على نخل وقتل أنفساً كثيرة ظلماً وعدواناً وأكثر المصابين بالقتل السَّلاميون وبنو خروص لكون قاتل أخيه سَلامياً وبنو خروص جماعة الإمام رحمه الله .
وأما حمود فبقي عيناً لهم بنخل يدلهم على عورات المسلمين وفي اليوم التاسع من ذي الحجة أمر الإمام بالقبض على حمود ابن سالم فهرب إلى جماعته بجَّما فأمر بهدم بيوته وحرق منازله التي هي مأوى البغي .
وخلفان بقي بالرمّيس على تلك الحالة دهراً حتى رجع إلى نخل في عصر الإمام الخليلي ظناً منه الخير في استيلافه وأنه رئيس فلعل المروءة تقوده فما كان إلا كقوم موسى اختار منهم سبعين فعبدوا العجل واختار رسول الله صلى الله عليه

وسلَّم ابن أبي سرج كاتباً فأرتد . وكاد خلفان أن يتغلب على البلد وعاملها فأرسل الإمام الخليلي عصَابة من عسكره إلى عامله بنخل وأمره بالفتك فيه بعد إقامة الحجة عليه فأستخف بهم وأعارهم أذناً صماء ففتكوا به ضحى في مجلسه بحضرة قومه وقتل عنده خادمه ولم يصب أحد من عسكر الإمام ببأس ولا أذى وسيأتي بيان ذلك في سيرة الإمام الخليلي إن شاء الله .
ثم رأى الإمام سالم أن بقاء مثل هؤلاء الرؤساء من الجبابرة والبغاة داعية الفساد في الأرض فأمر بقتل رئيس المعاول وهو الشيخ سليمان بن ناصر المعولي وكان أيضاً ممن كثر عسفه وغشمه وقد تمنع عن الإمام بعد رجوعهم من بركاء فهو ممن يبطن الصَّداقة لحكومة مسقط ويترقب الدوائر بالمسلمين فهجم عليه العسكر في بيته ليلاً بين عائلته وعسكره واخوته فأصبح قتيلا وقام بعد ذلك إخوته للأخذ بثأره لكنه قيام أعرج لأن جماعتهم خذلوهم فبقيت دسَائس ضاعت بسببها البلاد وخاف البري واستمرت أمورهم على هذا ردحاً من الزمن حتى ولى الأمر الإمام الخليلي فضغط عليهم إلى أن نكصُوا عن سفسفتهم فنصب في المعاول أميراً الشيخ خلف بن ناصر المعولي أخ المقتول سليمان لأنهم بيت رياستهم وكا هذا الشيخ عاقلا حصيفاً أريباً عارفاً بالأمور .

ذكر خروج الإمام إلى بركاء

وذلك على أثر فتح نخل وكان عامل السلطان عليهَا السَّيد هلال بن حمد السَّمار وقد جمع السلطان جيشاً عظيماً وتقدم إلى بكاء مناصراً لعامله مخافة المهاجمة عليها وقد أحضر القوات السلطانية فكانت مهاجمات بين الفريقين إذ كال منهم قريب من الآخر فرأى الإمام أن تكون بنوا هناة وبنو خروص ببلد حبرى من وادي المعاول للمرابطة بها وبقي الإمام بمن عنده ببلد نخل فخرجت خارجة من قوم السلطان وعليهَا السادة محمد بن حمد راعي طيبة ومحمد بن أحمد الغشَّام وهلال بن حمد السَّمار ولا يخلوا القوم من عين تغريهم فوصلوا إلى بليدة العريق من أعمال حبرى فكانت بينهم وبين البادية الذين كانوا حولها مرامات فأنهزم الخارجون من غير مفيد ثم جاء الخبر إلى الإمام أن السلطان وصل وادي المعاول ولكن بعد ذلك تبين للإمام أن الخبر عارياً من الصحة وإنما ذلك هو أن


الشيخ حمد بن هلال السَّعدي رئيس آل سعد جاء ليتوسط بالصُّلح بين الإمام والسلطان فتواصل الصَّريخ قبل استكشاف صحة الخبر فما وقف الجيش حتى هجم على بركاء فتفوق جيش السُّلطان الذي جمعه لأن أكثرهم لم يخرجوا إلا طمعاً وما لهم بالقتال من حاجة وكان نزول الإمام بمحلة نعمان من الثرامد والتجأ السلطان ومن معه من السَّادة وأهل الثبات بحصن بركاء للمُحاماة فكانوا يخرجون لمقاتلة الثوار ويرجعون إلى حصنهم ووقع بينهم ذات يوم قتال عنيف على ( البنك ) وهو بيت الوالي سُليمان بن سويلم واستشهد في تلم المعركة من أصحاب الإمام الشيخ سيف بن سالم المعولي وهو المقدام الذي استعان بالإمام سليمان بن حمدان المعَولي وجرح كثيرون ولا نعلم من أصيب من جند السلطان وأعوانه .
وفي أثناء هذا الحصار طلب السُّلطان تيمور من الإنجليز الدفاع عنه لما رأى أن العمانيين خذلوه فأقبلت بارجة حربية إنجليزية وجعلت ترمي بنيران مدافعها جيش الإمام وثكناته فلما رأى الإمام ومن معه أن الأجنبي قد تدخل في القضية أجمع رأيهم على الرجوع إلى وادي المعاول وهناك عسكر الإمام وأصلح سئون البلاد والعباد أثناء قيامه بها .
خروج الإمام سالم بن راشد إلى الوطية
في منتصف شهر صفر سنة ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة وألف سنة 1333 هــ خرج الإمام سالم بن راشد الخروصي لحرب مسقط بمن معه من الأمراء وفيهم الأميرين الحميري والحارثي والعلامة أبو مالك .
كان من رأى الإمام عدم التأخير عنها إذ لا ينتظم ملك عمان إلا بقهر العاصمة لإختلاف أهواء العمانيين أما رأي الشيخ عيسى بن صالح الحارثي فهو عدم التعرض للسلطان فيما بقي بيده من المراكز والبلدان ولكنه لا يرى مخالفة الإمام .
وما كانت مسقط لتنجو من السقوط لولا قوات بريطانيا .
اجتمع الإمام رحمه الله ومن معه من الأمراء بفنجاء فخرجوا منها وقصد الإمام


بمن عنده طريق بوشر وقصد الشيخ عيسى ومن عنده عن طريق الخوير واجتمع الكل بالوطية في اليوم الثالث والعشرين من شهر صفر .
من خبر الشيخ الأمير عيسى لما وصل بلدة سرور كتب للسلطان كتاباً يتضمن نقض الذمة بينهم وإياه وأنه لا يرى إلا امتثال أوامر الإمام .
فأجابه السلطان بكتاب وأنشد فيه قول أبي الطيب المتنبي :
ولابدَّ من يوم أغر محجل * يطول استماعي بعده للنوادب
ولما تحيز المسلمون عن الوطية ورد كتاب آخر من السلطان للأمير أيضاً كتب فيه .
وربَّ مريد ضره ضر نفسه * وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى
إن من خبر هذه الغزوة لما وصل الجيش العماني الوطية قبيل المغرب من مساء يوم الثالث والعشرين عزموا على الهجوم على العساكر الإنكليزية الذين هم برؤوس الجبال فوثبوا عليهم واستحلوها وكان مقدمة جيش السرية الزعيم المجاهد علي بن صالح .
فأصبح الزعيم بمن عنده قاهراً لتلك الجبال وحيث أنه لم يكمل وصول الجيش وإنما وصلت بوادره ولم يكن عند المسلمين شيء من أمر الحرب على النظام الجديد ولا شيء من السلاح الجديد وإنما هم على العادة العربية ورأوا أنهم قد أجلوهم في أسرع وقت داخلتهم النخوة العربية وبادرة الطيش وما عرفوا أنه الداء العضال الذي نهى الله عنه ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فما لبثوا إلا ليلتهم تلك وحين أصبح النهار أقبل الجيش النظامي من بيت الفلج الذي أعده السلطان معسركاً وفيه ضباط الإنكليز بمدافعهم الرشاشة والبنادق الجديدة فجعلت ترميهم من وجوههم والسلطان يرميهم بالقنابل من البحر فما لبث المسلمون على هذا الحال إلا يسيراً حتى أنجلوا من الجبال وانجلى الناس وثبت الزعيم المجاهد علي بن صالح بمن معه فلما رأى الإمام ذلك سل سيفه وتقدم متعرضاً للشهادة وعنده السيد سعود بن حمد والشيـخ عيـسى والعلامـة المالــكي وغيرهم من أفاضـــل

المسلمين فتبعوه ساعة يقفون أثره على الموت ولحقهم جماعة من المسلمين فأمسكوا الإمام وقالوا لا نرى فائدة في إلقائك لنفسك وهذه العصابة القليلة إلى العدو فإن في ذلك وهنا للإسلام فأجابهم إني لا أرجع إلا أن يفتح الله لي أو أموت والرجوع لا يجوز والفرار لا يحل .
وردت الفتوى إلى أهل العلم ثم رجعت إلى أبي مالك وكان مرجع العلماء في وقته فأفتاه أنك متحيز إلى فئة المسلمين وليس هذا هو الفرار من الزحف لأن أصحابهم انحازوا تحت جبل السليعة فأحبوا أن يتداركوهم ويدبروا رأيهم ويجتمع جيشهم ويصل بقية أصحابهم وبقي جماعة من المسلمين في رؤوس الجبال لم يعلموا بالواقع فقاتلوا إلى الليل حتى نفد ما عندهم من قوة وقتل أكثرهم واستولي على بعضهم فكان جملة من قتل وفقد من المسلمين نيفاً وخمسون رجلا ولا نعرف القتلى من جيش السُّلطان والناقل بين مقلل ومكثر وحمل الجيش السُّلطاني من وجدوه جريحا وداووه حتى شفي وردوه إلى أهله وكان فيمن أصيبَ من المسلمين الشيخ الغيور محمد بن سليمان بن حميد الحارثي .
حوادث سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف 1333 هـ
ثم أنه تحرك السيد محمد بن هلال البوسعيدي المعروف بصاحب المدفع وهو عامل السيد تيمور على بلد السيب فجمع اللصوص وآوى قطاع الطرق من أهل الطو وغيرهم فكانت الطو مأوى للبغاة لعجز أعيانها من طردهم فسفكوا الدماء وأخافوا السبل ونهبوا الأموال وتجمع إليهم كثير من السفهاء فأغتروا بجمعهم فعزموا على مهاجمة بلدة الآجال وهي بلدة تسكنها قبيلة النعب تابعة لوادي المعاول فأرسل الإمام سرية من آل معولة بن شمس يقودها الشاعر سعيد بن خلفان المعولي للمحافظة على الآجال وتثبيت أهلها وأن يكون رباطهم بها حتى يأتيهم أمره فحينما نزلوا بها وثبتت أقدامهم على منافذها وكان وصولهم قبيل الفجر أقبل البغاة عند طلوع الشمس بقضهم وقضيضهم وخيلهم ورجلهم فكانت بينهم مناوشات من بعيد فولى جيش البغاة منهزما ثم عزموا على الكرة فثبت القائد سعيد ثباتا لائقا بمقامه فأنهزم البغاة مرة ثانية بعد قتل ذريع وجراح فاحش


وما كان بأصحاب الإمام إلا جراح خفيف في بعضهم فنمى الخبر إلى الإمام وكان بوادي معولة فلم ير بدا من حسم هذه المادة وإستئصال هذه الجرثومة الفاسدة المقيمة بالطو فخرج إليهم بجيشه فأستشعروا العجز عن المقاومة وأخرجوا السيد محمد من بين ظهرانيهم وسلموا الأمر للإمام على واسطة الأمير الحميري وأقبل أعيانهم إلى الإمام مذعنين سالم بن زاهر وناصر بن سالم وحامد بن حمد فعفى الإمام عنهم وألحقهم بإمارة والي نخل .
حكم الإمام في أموال قائد البغاة السيد محمد بن هلال أنها صافية لما اقترفه من ظلم العباد وما عاث في الأرض من الفساد من إزهاق الأنفس وإتلاف الأموال فأدخلت هذه الأموال في جملة بيت المال ثم بيعت في مصالح الدولة .
ثم كثرت الأراجيف بعد هذه الحادثة واضطربت الأمور ونجم النفاق فأجتمع كثير من زعماء وادي سمائل ورغبوا السُّلطان في قبض بدبد وسمائل وأملوه بذلك وأغروه فأغّروه فأرسل الإمام إلى الزعيم المجاهد علي بن صالح الحارثي فكان وصوله مسلمات في أوائل شهر شعبان من سنة 1333 هــ فجهزه إلى سمائل لتركيز أمورها وتسكين حركتها إذ كان يعرف وادي سمائل بإسم الرقاص فخرج الزعيم علي وصحبه السيد الفاضل سعود بن حمد وعنده نزر قليل من المؤمنين فأختاروا أن يكون رباطهم بالتصاوير من فنجا وهو أول مدخلها من جهة النعش وأيدهم بالشيخ سلطان بن سالم الرحبي الهمداني في رجال من قومه وكان هذا الشيخ مؤمنا مناصحا للمسلمين .
وفي شهر شوال من السنة المذكورة خرج الإمام سالم من وادي المعاول إلى وادي سمائل لقمع المنافقين والمفسدين وأقبل الرئيس الحميري بجنوده فأقام الحميري ببدبد وأمر بقبض نجد الورس المعروف بنجد السيابيين فخرجت من أعوان السلطان خارجة يقودهم الشيخ العلامة راشد ابن عزيز فنزلوا بالرسيل فأرسلوا رائدهم الصنديد سعيد بن أحمد الجابري الملقب بالعفريت وكان كسمه ليتجسس لهم الأخَبار ويرصد النجد فقبض عليه أصحاب الشيخ الحميري وأوثقوه بالحديد فلما بلغ الشيخ راشد رباط الحميري ومن معه ببدبد وقبضهم للنجد وأسرهم للعفريت رجع بمن عنده من غير حرب .
أمر الإمام بقطع عنق العفريت فأخرج إلى وادي الضبعون وأنفذ الحكم فيه .

ثم وصل الشيخ عيسى ملبيا دعوة الإمام وبعد أن حضر جيشهم وجه الإمام الخطاب لبني جابر وآل المسيب بالإذعان أو الحرب لأنهم جرثومة الفساد وبيت العناد فلم يروا إلا الإذعان والتسليم وانقادوا بواسطة أعيان المساكرة سعيد بن نصير وناصر بن سليمان وجماعتهم وسلموا لأمره فحملوا على الأصفاد وأرسل بهم إلى سجن نزوى وهرب أمير آل المسيب إلى مسقط عاصمة السلطان وكان كرسي ذلك الجمع بلدة سرور .
وبعد ذلك توجه الإمام إلى الشرقية وفي صحبته الشيخ عيسى فكان طريقهم على وادي الغربي ثم على عقبة الصفرية ثم على وادي عندام وبالعلية من وادي عندام قبض الإمام على محمد بن بخيت السلمي أحد رؤساء قطاع الطرق فأمر بإنفاذ الحكم فيه فقتل .
وفي أوائل ذي القعدة من السنة المذكورة وافاهم ببلد العلية من عندام رسول من كرنل الدولة الإنكليزية بمسقط يطلب الصلح بين الإمام والسلطان تيمور فأرسل الإمام الشيخ عيسى فخرج إليه وكان قد اجتمع به قبل هذه المرة بالسيب فلم تكن نتيجة وحضر الإجتماع الثاني الشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكندي فأجتمعوا بالكرنل الإنكليزي بالسيب ورجع الأمير للعمانيين بشروط وافرة فعرضها على الإمام فرفضها الإمام لحدته على السلاطين .
جعل الإمام في غزوته هذه والياً على سمد الشان الشيخ أحمد بن سليم بن المر العريمي الجنيبي وعلى سناو الشيخ سلطان بن محمد بن رشيد الحبسي وفي يوم ثاني من ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة أقبلت وهيبة بأفلاذ كبدها يقدمهم المشايخ سلطان بن منصور وعلي بن سلطان وسعود بن حمد آل بو غفيلة وسعيد بن راشد ووني بن سلطان وسالم بن حمود الجحاحيف وغيرهم من الرشداء في أربعمائة راكب وأذعنوا للإمام ودخلوا تحت طاعته وبايعوه على السمع والطاعة .
ثم خرج الإمام إلى بدية وهي بلدان آل حجر وأقام بالمنترب لنشر العدل والإنصاف وتأديب أهل الجرائم .
جعل الإمام والياً على بدية السيد محمد بن سليمان البوسعيدي المعروف بالكرّاخ وعنده الشيخ أبا الخير عبدالله بن غابش قاضياً ثم رجع إلى نزوى .

وفاة الشيخ اللمكي
وفي سنة 1333 توفي بالرستاق الشيخ العالم مدار الفتيا بالديار الرستاقية ورئيس قضاتها راشد بن سيف بن سعيد اللمكي رحمه الله ، وكان له من العمر إحدى وسبعون سنة .
حوى هذا الشيخ من العلوم النقلية والعقلية ما سبق به أقرانه وكان ممن عاصر السادة العباهلة حكام الرستاق إبراهيم بن قيس ثم سعود بن الإمام عزان رضي الله عنهم ثم حمود بن عزان ثم سعيد بن إبراهيم ثم أحمد بن إبراهيم وكانت وفاته في عصر السيد أحمد بن إبراهيم لما كان حاكما على الرستاق .
ولد رحمه الله عام اثنين وستين ومائتين وألف بمحلة قصرى من الرستاق فنشأ بها وتعلم العلوم وكان ملازماً للسيد الزاهد فيصل بن حمود بن عزان والشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري وبقي مدرساً في فنون العلم بمسجد قصرى من الرستاق حتى كان جملة من اجتمع إليه من التلامذة يسرج لهم في مسجد قصرى بسبعة مصابيح .
تخرج عنه جملة من العلماء منهم أخاه الشيخ سالم بن سيف والعلامة نور الدين السالمي والشيخ العلامة الزاهد محمد بن شامس الرواحي وغيرهم كثير ولم يزل رحمه الله يحرض الأغنياء على المسابقة إلى الخيرات وببركته تبرع كثير منهم بحبس الأموال على المتعلمين وأبواب البر .
تأليفه : مجموع مسائل في مختلف الدعاوي والأحكام والديانات ، وله منظومة في السلوك وأخرى في التحريض على نشر الحق ، ومنظومة في فضائل العلم ، وغيرها من المواعظ والحكم : وله خطب وأوراد ورسالة سماها المسالك في علم المناسك .
وكان هذا العلامة من أعظم النصحاء لدولة الإمام سالم رحمهم الله .
كان بنو لمك بوادي السحتن من أودية الرستاق ولهم بهذا الوادي البلدتين طباقة

والخضراء وكانوا أهل صولة وقوة حتى أنهم تجرءوا فقتلوا الشيخ محمد بن علي ابن مسعود العبري أحد ولاة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي أرسله الإمام ليقبض على أحد البغاة منهم فغدروا به ليلة وصوله فقام عليهم الإمام فلما رأوا عجزهم عن المقاومة انقادوا من غير قيد ولا شرط بواسطة أعيان اليحمد فصفد الإمام من شاء من أعيانهم وأودعهم السجون وأنفذ فيهم الحق وهدم حصونهم التي أشادوها بذلك الوادي وقد ذكر القضية الشيخ عبدالله بن خلفان بن قيصر الصحاري في سيرته وتعقبها بهذه الأبيات .
لقد ظفر الإمام على الأعادي * بهدم حصونهم في كل نادي
فذلــــت بعد عز استكانـــــــت * وقد كانـــت لها خير البـــــلاد
مضى اللمكي مأسوراً بقصرى * قصير الخطو من سوء العناد
فـــكان قراهم قتــــلا فسحقــــاً * لقوم خـــالفـــوا سبل الرشــــاد

وفي هذه السنة 1333 توفي بنزوى الشيخ العلامة محمد بن خميس بن محمد السيفي أحد علماء الأسرار كانت له اليد الطولى في ذلك يقصده الوفود من كل جهة للإستفادة منه فيعطي كلا طريقة على قدر حاله .
وكان عليه مدار القضاء بنزوى في زمن الشيخ هلال بن زاهر والسيد سيف ابن حمد .
وكان هذا الشيخ قد جمع أجوبة الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي في سبعة أجزاء وسماه العقد الثمين وجمع أجوبة المحقق الخليلي في أربعة أجزاء وسماه التمهيد في أجوبة الشيخ سعيد . وله شرح على قصيدة الشيخ أبي نبهان والغشري في سير الأئمة . توفي وله من العمر اثنان وتسعون سنة بعد أن كف بصره .

خبر بني بطاش
بنو بطاش بطن من طيء وهم قبيلة واسعة عرفوا بالسخاء والكرم والبسالة وأثنى عليهم الشعراء ويقول أبو مسلم في نونيته :
وأين عنها بنو بطاش أين هم * من لي بهم وهم للحرب أخدان
طال الرقاد بكم هبوا فديتكم * فالشمس طالعة والسيل ارعان
عادات طيء تخضيب السيوف وار * واء المثقف وهو اليوم عطشان
أن من خبر بني باطش لما بلعهم خروج الإمام إلى بركاء دبت فيهم الروح بحب العدل وتشوقت نفوسهم إلى الإنضمام في سلك الإجتماع وأحبوا السعي إلى الجهاد والدفاع عن الوطن فوثبوا على قريات من ممالك السلطان وكانت بجوارهم فحاصروا حصنها تسعة أيام فأرسل إليهم السلطان باخرة حربية مملوءة رجالا وأسلحة فكمنوا له حذاء جبل دغمر فكانت المراماة بينهم من طلوع الشمي إلى منتصف النهار فجاءهم في أثناء تلك المقاتلة جنود إنكليز فجعل يرميهم بقنابله الضخمه ومافعه العظيمة فنزلوا من الجبل وتحيزوا إلى بلدانهم فما آنس المحصورون بالحصن أن القوم خرجت من البلاد فتحوا حصنهم وخرجوا فخربوا البلاد ونهبوا البيوت التي جعلوا لحمايتها فصار رعاتها ذئابها وهرب الأهالي من قريات كل هلى وجهه لما وقع بهم فبقيت قريات وعفا خاليتين عليهما العفا وعند ذلك طلب بنوا بطاش من الإمام والياً يقوم بأمرهم ويتحمل أعباء مهماتهم فأنتخب لهم الشيخ أحمد بن سليم العريمي الجنيبي فكان قيامه ببلد حبل الغاف فأظهر فيهم العدل والإنصاف فأشتدت وطأة السلطان عليهم فبقي الحرب بينهم سنتين وهجم قوم السلطان على دغمر مرتين فتقهقروا منهزمين ورجع أحد قواد الجيش الشيخ حارب بن محمد الهشامي بمن عنده بعد أن أصيب بجراح انصلمت منه إحدى يديه وبقي السادة في حصن قريات ورباط بني بطاش في دغمر وشرذمة منهم بمنزيف وبعضهم بالقحمة .
ولما تحقق عند السلطــان عزم الإمــام على مهاجمـة عاصمتــه مسقط خرج من

قريات في أوائل سنة 1333 وزحف بنو بطاش على أثره مناصرين للإمام فلما وصلوا حاجر الخفيجي بلغهم رجوع الإمام فرجعوا إلى أوطانهم وبقي أمرهم نافذ من حدود الحاجر إلى دغمر وجبل الغاف وما تعلق بذلك وكلها تؤدي الطاعة لعامل الإمام .
وفي أثناء هذه المدة أغار بنو بطاش على الجنود الإنجليزية الذين بجبال الوطية حامية السلطان فقتلوا رجالا وأخذوا سلاحاً ورصاصاً .
وذلك بعد واقعة الوطية ثم أكثروا شن الغارات وضيقوا المسالك على رعايا السلطان فجمع جموعه ممن كان تحن طاعته من القبائل وسار إليهم وكان في جيشه الشيخ خلف بن سنان العلوي وبنو أبو حسن وبنو عمر وبنو أبو علي وأكثر جنوده من الغافرية فأجتمع الجيش بقريات وأرسل بنو بطاش للشيخ عيسى يستنجدون به وقد تجلدوا للحرب وأظهروا التصلب فلما رأى الشيخ خلف بن سنان الجد من الفريقين وخاف على بني بطاش كثرة جنود السلطان وكان ميل خلف إليهم ولم يبلغه وصول نجدة من الشيخ عيسى ولا قيام الإمام وحاذر المعاجلة كلم السلطان فيهم فأبى عليه فأجتهد في مناصحته عن حربهم فلما أكثر عليه فوَّضه فخرج إليهم وجاء برئيسهم سلطان بن محمد بن شماس ومن عنده من الأعيان فسامحهم السلطان وعفى عنهم ووقع بعد ذلك الأمان من الطرفين وكان ذلك في سنة 1334 هــ .
وبعد تمام هذا الصلح استعفى الوالي الشيخ أحمد بن سليم العريمي من ولاية بلادهم فسألوا الإمام والياً فأرسل إليهم الشيخ القاضي قسور بن حمود الراشدي فبقي عندهم زمانا .
ثم حدثت بعد ذلك ثورة عليهم من السيد نادر بن فيصل وكان أحد أعضاء المجلس الرسمي بالنيابة عن أخيه السلطان تيمور والسبب أن ابنة راشد بن محمد القاسمية تطلب من الشيخ حبيب بن سليم الضنكي مالها الذي باعه ابن عمها عبدالله بن علي القاسمي وهو تركة أبيها لما كانت يتيمة فطلبت منه الحكم الشرعي وامتنع حبيب من ذلك واستغاثت بحكومة مسقط فمـا أسعفتـــها فوصــلت

المرأة إلى الشيخ سلطان بن محمد البطاشي مستجيرة وطلبت منه أن يقوم بحقها فرأى ذلك من الواجب عليه مع قدرته على إغاثتها فخاطب الضنكي فامتنع وتغلب وبعد أن قامت الحجة عليه بتغلبه قبض عليه الشيخ سلطان من بلد الحيل وكبله بالحديد وأرسله إلى بلدة المزارع مربوط على ظهر جمل من رأسه إلى عنقه حيث أنه أمتنع من الركوب وأبى من الإمتثال فلما طال سجنه أرسل إلى الشيخ عيسى أنه مذعن للشرع على يديه فأمرني الأمير عيسى أن أقوم بالصلح بينه والمرأة وأن يفكه من سجن الشيخ سلطان فطلبت من الشيخ أن يفكه قبل كل شيء ففكه ساعة وصولي ثم شرعت في الصلح فأصلحت بينهم على تسليم خمسة الآف قرش يدفعها حبيب للمرأة المدعية صلحاً لا حكما قطعا للخصام وبراءة لحبيب من الشبهة في شراءه لمال اليتيمة ورضي الخصمان بذلك وجعلت لحبيب أجلا في أداء الحق وكتبت بينهم صكا فيه صفة الدعوى وصورة الصلح ليكون وثيقة محفوظة بينهم وأعطيت كل واحد وثيقته فلما رجع حبيب إلى مسقط ذهب إلى بيت القنصل مستجيراً وربط نفسه بعصابة العلم الإنجليزي يقول إنه مكره وما اذعن للصلح إلا جبرا فطولب بإحضار الوثيقة المتضمنة صفة الصلح فعرضت على العلامة الكبير سعيد بن ناصر الكندي فرأى ثبوت ذلك الصلح وصدق عليه ثم لم يستكف حبيب فأرسل القنصل إلى الشيخ عيسى بالصك فرأى إثباته فلم تلتفت القنصلانية إلى قوله بعد ذلك ورفضت دعواه فبقيت مراجل حقده تغلي فشكا إلى السيد نادر بن فيصل ودلس عليه فرأى مناصرته فجمع جنوده وركب البحر حتى نزل قريات وقصد منها في وقت الظهيرة جبل الغاف بتاريخ يوم عاشر ذي القعدة سنة 1334 هــ وقد بلغ بنو بطاش خبره فالتقوه بالقحمة موضع بين جبل العاف وقريات فكانت بينهم صدمة وقتال ثبت كلا لصاحبه إلى بعد صلاة العصر من ذلك اليوم فأنهزم السيد نادر إلى قريات وقد خلف بالمعركة صناديق الرصاص والأثاث وثمانية جمال وأربعة رجال من قومه قتلى وثمانية جرحى وجرح من بني بطاش الشيخ عبيد بن محمد وآخر توفي بعد ذلك فأرسل السيد نادر إلى مسقط يطلب المدد فلم يصله أحد وأقام بقريات وفي رابع يوم من وصوله أتت باخرة انكليزية فحملته إلى مسقط .
وفي اليوم الخامس عشر من شهر المحرم سنة 1335 هــ وصل رسولا من الإنكليز إلى بني بطاش يستفهم صفة الواقع بينهم والسيد نادر ويطلب وصولهم

إليه للصلح بينهم فأجابوه بالقبول ووصلهم نائب الدولة يوم سادس صفر من العام المذكور بقريات وخاطب الشيخ سلطان بن محمد وبعد طول كلام أبى النائب من إتمام الصلح إلا بوصولهم مسقط فوعده الشيخ بذلك ثم أرسل الشيخ محمد بن عمرو البطاشي نائبا عنه واعتذر من الوصول وكان هذا الصلح بسفارة خان بهادر نصيب ابن محمد البلوشي أكبر تاجر بمسقط على أن يرد بنو بطاش ما بقي بأيديهم مما أخذوه في تلك المعركة وانتهت المشكلة .
وفي شهر شعبان سنة 1334 هــ حضر أهل سفالة بهلا عند الإمام فأدعوا بادة ماء من فلج كيد لمسجد الجامع وأظهروا ما بأيديهم من النسخ القديمة والحجج القوية فأحضر الإمام القضاة ليعرف رأيهم وجمع الحكام للفصل فلم ير الإمام ومن عنده من القضاة بعد إجالة النظر ردها للجامع لطول العهد ولأن من قبلهم من أئمة المسلمين من لدن الإمام ناصر بن مرشد فمن بعده إلى الإمام الجليل عزان بن قيس رضي الله عنهم ولم ينقل عن أحد منهم انهم تعرضوا لها ولا حكموا بردها للجامع وكفى بهم حجة لمن جاء بعدهم وانه يسع من بعدهم ما وسعهم ولا تكون الوراق القديمة التي خلا لها أكثر من ثلاثمائة عام أقوى من اليد وما كان فيه محتمل فلا يحول وإن كانت هنالك ظلامة فعلى من ارتكبها .
والأصل في هذه البادة ما ذكره بعض المتقدمين أن بادة ماء فلج كيد كانت لجامع بهلا وأنهم لا يعلمون ما حولها من ذلك وفي بعض الكتب أن الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل حكم بهذه البادة لهذا الفلج ثم لم تترك له بعد ذلك وقد جهل الأمر الذي منعها وحولها عن كونها وقفا وبقيت منذ ذلك الزمان لفلج الجزيين أحد أفلاج بهلا مع جملة ماء ذلك الفلج فترك المسلمون المكاتبة في ماء فلج كيداً لهذه الشبهة .
ترجمة الشيخ ناصر بن حميد الغافري أمير بهلا
هو الشيخ ناصر بن حميد بن راشد بن حميد الغافري نسبة إلى غافر جدّ لهم وهو من نسل الإمام محمد بن ناصر بن عامر بن رمثة بن خميس من بني سامة بن لؤي . توفي جده راشد في حياة أبيه ولم يكن لراشد عند موته إلا أحفاده أولاد ابنه

حميد وهم برغش وراشد وناصر فصار الأمر بعد ذلك إلى برغش لأنه أكبر إخوته ولم يراهق الحلم فصار يدبر الأمر خادمه عبيد بن سرور ويرجع في المهمات إلى الشيخ محسن بن زهران العبري فبقيت الحالة كذلك إلى سنة 1283 هــ ثم تغلب بنو شكيل وأعانهم الشيخ هلال بن زاهر لكن الرئاسة لأولاد حميد بن راشد إلا أن التدبير انصرف عن الشيخ محسن وبقيت كذلك حتى استولى على بهلا إمام المسلمين عزان ابن قيس لما قبض على الشيخين هلال بن زاهر ومحمد بن علي بن سمح الشكيلي حتى أذعنا وسلما له حصن بهلا وبقي بها إلى أن قتله أخوه ناصر بن حميد ثم أردفه بأخيه راشد بن حميد بعد الإمام عزان وبقي بها إلى أن أخرجه الإمام سالم بن راشد الخروصي .
فتح بهلا
وهي من أشهر قرى الجوف بعمان وكان أميرها الشيخ ناصر بن حميد الغافري المتقدم ذكره وكان فتحها في اليوم الثالث من شهر شعبان من سنة 1334 هــ .
صدرت من أمير بهلا احوالا مناقضة لبيعته التي بايعها الإمام بسمائل ونقمت عليه أمور أغاره رؤساء قومه بها حتى أخذ يبحث عن وسيلة يتدخل بها في نقض الإمامة وانحلال المملكة فولى وجهه شطر بيضة الإسلام نزوى وأخذ يرتب كيفية الهجوم عليها ويحاول إن نبا عزمه عنها أن يتناول قلعة منح وحصنها فنجم من هذه أحقاداً ومنافسات أوجبت إشعال حرب عليه حتى قامت فكانت سبباً لسقوط إمارته وكان الإمام في ذلك الوقت بوادي المعاول فعجل إرسال رابطة إلى منح لقطع عرى الآمال عنها وأبصر قوام الدولة النيات الخفية من المتهمين بمخابرة أمير بهلا عن أسرار المسلمين ففكروا في إحباط ما ترمي إليه أهدافهم وكان الذي يعالج المسائل الإدارية متفقاً عليه العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي فأمر بسجن ثلاثة من أعيان نزوى ناصر ابن خميس السيفي وحمود بن سالم العفيفي ومحسن بن سالم آل صباحيه وأرسل الإمام إلى أنصاره بالشرقية وكان على رأسهم الشيخ عيسى بن صالح فقدمت إليه عصابة من آل حجر .
شعر أمير بهلا أن الروح الديـنيـة هبت في الفواد والعنـــاية الإلـهية ساعدتـهـــــم

فأستنهض أتباعه من أهل الحجر وأعوانه من الظاهرة وعلل نفسه بالأماني ليدرك بها نشاطه فكتب إلى سلطان مسقط يستنجده فهاج السلطان نبأ القيام على هذا الأمير فسلح خادمه الوالي مظفر بن سليمان وجهزه بالعدة والعدد وأمره بجمع أهل السر من الظاهرة وأن يقوم بما يحقق الآمال وأصيب السابقون إلى الجهاد من أهل الشرقية بأمراض من وخم نزوى لأن دارهم كالبادية وسئموا الإقامة بنزوى في انتظار الشيخ عيسى فاستأذنوا الإمام في الرجوع فأذن لهم وبسبب رجوعهم أيقن أمير بهلا بتفرق جيش الإمام فأذن لأكثر جموعه وبقي أعيانهم عنده وهم نفر قليل أقاموا لقهر الحصن وثغور البلد خوف مهاجمة الإمام ولم يمض وقت قصير حتى خرج الإمام في اليوم الثالث عشر من شهر رجب سنة 1334 هــ بالكتائب عليها الشيخ الرئيس حمير بن ناصر فغشيهم غيم سحاب في الطريق وعصر ذلك اليوم وصلوا نهر المحمود من ناحية بهلا واستراحوا فيه قليلا فوافتهم هناة بجموعها وقت المغرب من ذلك اليوم وخرج الأعلام من المحمود بعد العتمة من تلك الليلة تحت شآبيب المطر المؤذن لهم بنيل الوطر وحصول الظفر يسوقهم الرعد ويدلهم البرق وقد أعدوا حملة هائلة لإصطدام من قابلهم واقتحام سور بهلا حينما خبروا بسالة من بها ومن الكرامات التي تزين التاريخ خفة المطر عند المجاهدين المهاجمين وغزارته على البغاة حتى أنزلهم من صياصيهم فأدركوا أن لا يقدر الثوار على مهاجمتهم في ذلك الوقت وتركوا الحرس ولم يعجز المسلمون ذلك فأقتحموا سور البلد فوجدوه خالياً فلم يقفوا عند حد ما اكتسحوه حتى فتحوا أبوابا جديدة فأقتحموا جميع العوائق وقطعوا كل العلائق فهجموا على حرس الأمير ناصر وهزموه إلى وراءه فحمله الأمر على طلب النجاة وأن يتحصن وأعيان قومه بالطماح وهو قصر بهلا وكان أحد قواد الجيش شيخنا العلامة أبو مالك فأصيب بجراحة في فخذه فعافاه الله منها بعد مدة .
وبعد مضي أيام والحصن محصور لا يدخل عليه أحد ولا يخرج منه خارج أقبل الشيخ عيسى بجموعه فبصر بما حاق بالبلد من الأخطار وكان يفضل التمتع بالسلم مع إستعداده لمقاتلة أعدائه فاستأذن الإمام رحمه الله لمخابرة الأمير المحصور فأذن له واختار أن يكون رسوله أبو هشمة سعيد بن عبدالله الهاشمي لعلمه به إنه باقعة داهية وأمرني أن أكون عنده فشاهدته وقد جرى فــي داخلــيتهم

بدهاء ورشاء حمل أبو هشمة من الأمير عيسى كتاباً للشيخ ناصر وآخر للوالي مظفر بن سليمان خادم السلطان فأبدى لمظفر كتاب ناصر وستر عن ناصر كتاب مظفر ولما حصلت له الخلوة بمظفر أعجله في أخذ الأمان له ولمن عنده ودلس عليه أن ناصراً قد أخذ وجهاً على يدي وهذا جواب الشيخ عيسى له وإني اخشى أن يغدر بك ويسلمك إليهم إن كان لم يخبرك بذلك فحمس قلبه وأوغر صدره حتى تشوش فكره فتأثر من ذلك وخالطه الوهم وتبين الغضب في وجهه ثم تريث فما لبث أن كتب كتاباً إلى الشيخ عيسى يطلب الأمان من الإمام له ولمن معه فرجع أبو هشمة جذلا يحمل كتاب مظفر إلى ناصر فأسر إليه أن مظفراً عزم على الخروج عنكم وهذا كتابه فأستشاط ناصر غيظاً وقال إن فعل لأوقعن به فنشأ من ذلك شحناء بسببها تفاقم الأمر ختى تعصب المحصورون بالحصن كل لفريق فكان أبو هشمة شؤماً على أهل القصر إذ كان هذا الإنقسام بسببه والحرب خدعة وأدرك من هذه السياسة التي نسجها أن خدع مظفراً حتى بقي عاطلا من انتصاراته فذهبت هباء وأصبح أمله وزبده جفاء فأستسلم لينقذ حياته وانصرف قانطا لا يلوي على شيء بعد أن سمح له الإمام بالأمان وأمرني أن أصحبه إلى يبرين خوفاً عليه من معرة الجيش ، فصحبته ولم ينلهم سوء والحمد لله وبقي ناصر وبقية قومه بالحصن ينتظرون الشيخ محمد بن ناصر بجيشه الذي جمعه لينقذهم من ضيق الحصر .
وفي ضحوة النهار زحف الشيخ محمد بن أمير بهلا قادم بجنوده الذين جمعهم من أرض الظاهرة للإفراج عن أبيه رجاء أن يخلصه من ضيق الحصر فألتقت بهم طائفة من جيش الإمام سهيلي سور بهلا فدارت بينهم أشد المعارك حتى خانهم الحظ فهزمت كتائبهم شر هزيمة فرجعوا إلى جماح ومنها إلى يبرين .
كان من رأي الشيخ عيسى ان يكرر النصيحة إلى الأمير المحصور شفقة عليه من مغبة العناد فأرسل إليه ثانية الشيخ سليمان بن سنان العلوي فعرض عليه ما أملاه الأمير فلم يصغ لقوله في أول الأمر فدبَّ الشيخ العلوي إلى تفريق الرؤساء الذين حصروا عنده ومشى فيهم بخداع ومكر وتعهد لهم بجزيل العطاء وما هوَ إلا الرشا فتطرق الوهم إلى أذهانهم وطمعوا في وعده ورفضوا أميرهم وتنـافسوا

في إكراهه فألزموه الإعتراف بالخضوع فخرج ليلة الثالث والعشرين من شهر شعبان من سنة 1334 هــ وتوجه إلى حصن يبرين وطلب أن يبقى هذا الحصن بيده والبلد وفلج الأجرد ما دام تحت الطاعة وما لم يحدث حدثاً فأسعف الإمام بذلك بعد مشورة العلماء فبقي به ولم يحدث من ضرر أيام حياته حتى كان بعد موته تخالف أبنائه في عصر الإمام الخليلي فأجتهد في إصلاح ذات بينهم فما قدر الله أن يقفوا فأمر بقبض الحصن منهم وإخراجهم عنه وتوسلن إليه أمهم ابنة الشيخ الجبري أن يردهم فيه فما رأى الإمام ذلك وأجاب أن من صلاحهم وإبقاءهم على أنفسهم النزول منه وأن تكون مساكنهم خارج الحصن وأبقى لهم البلد وفلج الأجرد وكانت مدة الحصار لحصن بهلا تسعة عشر يوماً .
ولما استقر الأمر ردت المظالم والغصوب وأجري الأمر والنهي .
حكم شيخنا العلامة أبو مالك في أموال سليمان بن عبدالله المحروقي المعروف بإبن شَيخَه أنها صافية لما صح من معاملته بالربا وجمعه المال من الحرام وأكثرها من مظالم العباد التي عاضده عليها الشيخ ناصر من تغريم الناس الذين تحت رعايتهم بغير حق وغصبه لأموالهم وحيازتها عليهم قسراً وكان سليمان هذا صهر الشيخ ناصر ابن حميد ووزيره وكان موسراً كثير الأموال بنزوى وبهلا ووادي بسيا وأمضى الإمام ذلك الحكم وفي ذلك يقول شيخنا العلامة المفضال أبو مالك :
قد حكم الإمام بالتغريق * لمال ابن شَيخَة المحروقي
وهو سليمان بن عبدالله * مسكنه بَهلا بلا اشتباه
لكونه قد وازر الجبارا * فتى حميد تاصراً جهاراً
غرّقه بكونه جبـــاية * بكل ماله من الحماية
وبيعه أكثره بالسود * وهو الربا في عرفنا المعهود
قضت بذلك شهرة لا تنكر * وأمره في عصرنا مشتهر
في عام دغشل بعدِّ الجمل * والحق في ذلك ظاهر جلي

جعل الإمام ببهلا عند خروجه منها والياً ذلك الهزبر الضاري أبو زيد عبدالله ابن محمد بن رزيق الريامي الأزكوي تحمل بوظيفتي الولاية والقضاء فأجرى فيها العدل والمعارف الإسلامية وردَّ شوارد القلوب الخائفة من إضطهاد الظلمة إلى أوكارها فهو واليها في عصر الإمام سالم ثم في عصر الإمام الخليلي إلى أن توفي رحمه الله في عصر الإمام الخليلي والمسلمون عنه راضون .
خروج الشيخ عيسى للرستاق
وبعد فتح بهلا خرج الشيخ عيسى إلى الرستاق وكان حاكمها ذلك الوقت السيد أحمد بن إبراهيم وقد ذكرنا آنفاً بيعته للإمام بسمائل وأن الإمام رده إلى مملكته وأقره عليها آمراً ناهياً ثم رفع للإمام عنه أشياء نكرها عليه كما هو دأب الملوك فرغب الشيخ في عتابه وإلقاء النصح إليه للصداقة السالفة بين آباءهم وبينه وإياه ، فلما وصل الرستاق قابله السيد أحمد بالإكرام والإحترام وأظهر السرور والإبتهاج لوصوله وقبول ما جاء به ، وكان هذا السيد حولا عنقفيراً نهاية في الذكاء والفطنة والدهاء .
فمن دهائه لما نزل الشيخ بعقوته فوَّض إليه الأمور الرستاقية وخلع في يده جميع الوظائف الدينية والدنيوية ورفع يده عن المالية فكان لا يبرم أمراً دونه ولا يستبد عنه برأي مدة قيامه في دار ضيافته .
ولا ريب فإنه تتبع سياستهم فيه ويحذر من نكايتهم عليه ويحوطهم بعين اللاعب المازح ويتفقدهم في القريب والنازح وفي شهر شوال سنة 1334 هــ خرجت من قصره خارجة من ذويه شقيقته السيدة ذات الحسب والحشم أصيلة بنت إبراهيم وهي أحزم من كاد ومكر فقهرت حصن الحزم من تحت أجنحة العقبان وابتزت الفريسة من ثم الثعبان إذ خافت أن يصبح ملكهم دعوى وعافيتهم بلوى وبقيت فيه ولما حوصر أخوها أحمد طلبت النجدة من سلطان مسقط فأسعفها بجيش يرأسه حمد بن فيصل كما سيأتي في محله وكان برفقته الشيخ عيسى الشيخ اللسن الفصيح سيف بن علي المسكري . ولما عزم الشيخ على الرجوع إلى وطنه في أواخر شوال رأى أن يخرج السيد أحمد بصحبتهم إلى الإمام بوادي بني معــــولة

فأسعفهم وامتثل ورافقه أمير العبريين الشيخ مهنا بن حمد فأجتمعوا بالإمام سالم واعترف السيد أحمد بجميع ما طلبه الإمام من الشروط وسلم زمام ما بيده إلى الإمام في الظاهر والغيب لله ثم رجع إلى الرستاق وكان ذلك في شهر ذي القعدة الحرام سنة 1334 هــ .
قيام الإمام مرة ثانية على البغاة من أهل الطوّ
ةفي ذي القعدة من سنة 1334 تحرك بنو جابر أهل الطوّ وشنو الغارات وقطعوا السبل وجعلوا مغارتهم الموضع المعروف ( الكثيب ) غربي بلدة الخوض وقريبا من بلادهم وقواهم على افعالهم السيد محمد بن هلال والي السلطان على بلد السيب لرجوعه الأول خائبا من سعيه بمهاجمة الآجال فنكث القوم العهود ورأى الإمام القيام عليهم من الواجب فضيق عليهم المنافذ وحصر بلادهم وكتب للشيخ المجاهد علي بن صالح أن يقوم على جماعتهم المساعدين لهم من أهل اللجيلة فيشغلهم عن مناصرتهم حتى يذعنوا للحق فخرج الشيخ علي بمن معه ونزل بالفلجات بلدة بواديهم وضيق عليهم من الجهة الشرقية فكانزا يترامون بالبنادق من بعيد وما المراد إلا اشغالهم فلما خشيت بنو جابر أن تدور عليهم الدائرة وأن يقتحم المسلمون عليهم بلادهم المنيعة بالجبال المتحصنة بالرجال فكروا لهذه الحادثة الوشيكة الوقوع فأجمع رأيهم أن يذعنوا للإمام وأن يسلموا أمرهم إليه فعسى أن يعطف عايهم بحنوه فيعفو عن إساءتهم قبل قدرته عليهم كما هي عادته فأقبلوا إليه بواسطة قائد الجيش الشيخ حمير بن ناصر النبهاني فقبل الإمام إذعانهم وعفا عن مجرمهم ودخل بلادهم فركد أمرها وأنفذ الأوامر الشرعية فيها وجعل أمرهم تحت نظارة عامله بنــخل .
فتح الرستاق
هي كورة تشتمل على بلدان جمة من أفخر بلدان عمان بسفح الجبل الأخضر من جهة النعش إحتوشتها الجبال من كل الجهات وتتخللها الأودية بحيث تجتمع إلى أن يظهر واديها ممتداً إلى الباطنة ولها توابع وسوقها كبيرة وأنهارها غزيرة فمنها حمامات لا يستطاع دخولها ، ومنها باردة مثلها ، ومنها متوسطة .

تجلب إليها الفواكه البرية والبحرية والجبلية في كل غداة ، تتصل بها السيارات من ساحل دبي وعاصمة مسقط .
كان الحاكم عليها السيد أحمد بن إبراهيم بن قيس .
سبب الثورة
ثقل على الإمام تردد الشعب الرستاقي يستصرخه ويستنهضه لكشف الإضطهاد والتضييق الواقع عليهم من حاكمهم السيد أحمد بن إبراهيم وأنهم يسامون الخسف ودخلوا عليه بمهارة أتقنوا فيها العبارة قدموها إلى صنوه الشيخ ناصر بن راشد الخروصي فأوغروا صدره ورأى أن لا محيص عن القيام بحقهم وكان إذا دهمه الأمر لا يبرمه قبل مشورة المسلمين ، فجمع العلماء وأعيان دولته واستشارهم فكلهم رأوا إجابة صوتهم وتلبية دعائهم والناس تبع ما أخذ به الإمام من رأي أُولي الرأي فخرج من نزوى يوم ثاني جمادي الثانية سنة 1335 هــ وتسنم ذروة الجبل الأخضر بمن خف معه داعياً أتباعه إلى إتباعه راجياً من الأهالي الرستاقيين أن يضحوا بأنفسهم شفاءَ لما في صدورهم من حرص وحقد فخيم معسكره بالعوابي وكتب للسيد أحمد يشعره بنتيجة ما قام لأجله وأن يتنازل عن أمارته التي ورثها من آبائه ومجده الذي رضع ألبانه وبساطه الذي مشى فيه وقصره الذي نشأ به فصعب على الهزبر إتباعه وإمتثال أمره وشق عليه تأخره عن تلك المنزلة السامية التي هو بها ولا يدري ماذا يكون حاله بعد ذلك وفسح له المجال شبه وجدها أمامه حسنت له الإمتناع فأبدى حزماً فائقاً وعزوفاً عن الترف والزخرف وأيقن خذلان قومه له وركون رعاياه إلى الإمام ولم تتفق له حَامية للصراع خارج البلد حين باعته المسلمون وخاب رجاءه في القبائل الذين أعدهم في السلم للحاجة فلبس درع الصبر وشرب حميا الوطيس وأرغم أن يوصد باب الحصن والقلعة المشهورة بقلعة كسرى وهما في غاية المنعة وصعوبة المرتقى يقال ان القلعة من بناء كسرى أنو شروان في زمن الفترة .
اختار من الرماة أربعين رجلا يكونوا عنده واحب منادمة البحر الأسود الشيخ عبيد بن فرحان صاحب السر فأجتباه إليه تقدم الإمام إلى الرستاق وعســكر جيشه

ببرج المزارعة وتمكن من تخومها وسد الجيش منافذها واقتحم عسكره سور الحوش الذي دار بالحصن بعدما غيمت السماء بدخان البارود وصمت الآذان بصعقات المدافع ولم تزل جموع الإمام في زيادة ونشاط وجلد خارق للعادة مناف لما يحصل من الضجر والتعب وفوقوا المدافع على الحصن لهدم ما قوى من بنيانه وهو يدافعهم بأعظم مما يراه حتى أنه هاجمهم خارج الحصن مراراً واختلس البارود الذي وضع لهدم الحصن حيث أنه قابله بنفق مثله من داخل . واختلف النصحاء إلى السيد أحمد يسألونه الرفق بنفسه وبالمسلمين ومع إختلاف الأهواء لم يجد في بدء الأمر قبول النصح وأنشدني شيخ البيان بيت شعر في حالة صواعق حضرتها وقت الحصار
ضربوني عمداً ليستنطقوني * وجدوني على البلاء صبورا
وأنفذ العون إليه إبن عمه سلطان مسقط خميساً جراراً زوده العدة القوية وجعل أميره أخاه السيد حمد بن فيصل وعضده بأعيان دولته السيد محمد بن حمد راعي ظبيه وخادمه مظفر بن سليمان والشيخين سلطان بن محمد النعيمي وخلف بن سنان العلوي فعسكر جمعهم بحصن الحزم ووجهوا إلى مختلف الأنحاء كتائب مفرزة لتستولي على أهم المدن فندب الإمام لفض جمعهم سرية أكثرها بنو حراص والتقى الجمعان بفلج الشراة وطال الصراع وكثر القتل وأثخن الجراح ثم شد المجاهدون شدة صدقوا فيها الحملة فأنكشف الجيش السلطاني وانتهى الفوز لجند الإمام ولم تكن بعدها إلا مناوشات أسفرت عن فجر النصر للإمام وجنده .
لبث الهزبر في الحصار خمسة أشهر إلا خمسة أيام نفذ فيها ما ادخره من عدة الحرب ومادة الأكل ولم يكن ليسلم القصر إلا رغماً فأرغمه الإضطرار إلى تسليمه في اليوم الثالث والعشرين من شهر شوال من سنة 1335 هــ وألقى مقاليد الأمر بواسطة الأمير حمير بن ناصر على أن تترك له الحزم مأكلة واستطاع أن يأخذ معه ذخائره وأمواله التي حواها القصر ، فذهب مع حاشيته ليقيم بها وكان يطمع في وصول الشيخ عيسى ليخلصه من الإمام فيفوز بأوفر السهام للصداقة الودية بين آبائه الكرام وبينه وإياه في الوقت القريب فما قدر الله نجاح ذلك الأمل.

قام بمصرف هذه الغزوة الشيخ محمد بن طالب بن محمد الحراصي إلى مدة شهرين ودفع فيها ما احتاجت إليه من نفقة ورصاص كل ذلك صدقة من ماله ولابد أن تكون هنالك موجدة أسرها ودأب العمانيين ذلك .
ومن العجيب أن هذا الشيخ بعد تمام الفتح خرج مودعاً للإمام قافلا إلى وطنه جما وحينما وضع إحدى رجليه على الراحلة لم تساعفه الأخرى فسقط ميتاً ولم يكن به مرض من قبل .
فقد المسلمون في أيام الحصار خمسة عشر رجلا مضوا شهداء إلى ربهم وجرح كثيرون ومن جملة الشهداء الزاهد الفاضل عبدالله بن محمد بن علي الذهلي ولا تعلم من أصيب بداخل الحصن وفي وقت الحصار أنشد ابن شيخان الشاعر قائلا :

هذي هي الرستاق أبدت لكم * أسرارها كاشفة البرقع
جيوش حق قد أحاطت بها * إحاطة الخاتم بالإصبع

ما قيل من الشعر في فتح الرستاق

قد أكثر الشعراء من التهاني بفتح الرستاق كما أكثروا في غيرها ومن ذلك ما قاله شيخ البيان شاعر عمان محمد بن شيخان السالمي .

كسَا الأكوانَ هذا الفتحُ بُشرى***وعطّر مسكهُ براً وبحرا
أيا فلكاً جرى بالخير هذا***زمانك فاجرِ قد صادفت مَجْرى
وفي الدنيا عجائبُ ليسَ تفنى***إذا إحدى مضت جاءتك أخرى
تؤلف هذه الأيامُ فينا***صحائفَ عِبرةٍ بالقلب تُقرا
وفي طيّ القضاء بديع سِرِّ***تبوح به عوادي الدهر جهرا
إذا اشتدت أمور الدهر فاصبر***فإنّ الدهر لا يسطيع صبرا

ولا تستبطِ فالأيام تُوفي***وتأخذ حقّها المبخوسَ وَفرا
ومن طلب القرار بأرض قوم***يُطابِع دهرهم حُلْواً ومُرّا
وذو التقوى وإن ضعف ابتداءً***فإن مقامه يزداد وِقرا
وذو الدنيا وإن طالت يداه***فإنَ أموره ترتد خسرا
لواء الملك معقود بمالٍ***وجندٍ دوّخوا سهلاً ووعرا
فلا جند بغير المال يُغني***ولا بالعكس نيلُ الملك يُدْرَى
ومن يَستغن عن جند بمال***يعش في الذل ممقوتاً مُعرَّى
ومن قطع القبائل عنه لاقى***بيومٍ مّا هواناً مُستمرّا
ومن ينقض عُرى الحزم اتكالاً***قضى أسفاً إذا المحذورُ كرَّا
ومن في الناس سيرته بمكر***يلاقي منهم خَدْعاً ومَكرا
ومن في الناس سار مدى بعنف***ذراعاً منه لم يقفوه شبرا
وذو الوجهين لا يصفو لخلق***ولا يُحسَنْ به ظن فيَبْرَا
ومن سلك الطريق بلا دليل***تخبّط هُوّةً واشتال شرَّا
زمام الأرض نشر العدل فيها***وقائد أهلها للخير دهرا
تفانى الناس في الفاني ضلالا***وما خُلقوا له ولَّوْه ظهرا
بهم حبٌّ لزَهرته مضرٌّ***محبة عُروةَ العذريِّ عَفرا
وصار البغي بين الناس طبعاً***فبعضهم على بعض تجرَّا
أليس الأمر بالمعروف فرضاً***فيدرأ عنهم بغضاً وضرا
تعالى الله صار العلم جهلا***وصار العدل والإِحسان نكرا
مضى زمن بعزّان بن قيس***إماماً مرتضى عدلا وبِرا

لقد زهرت به الدنيا وطابت***شمائلها به زمناً وقُطرا
ومرَّت بعده سنوات جور***فَرَتْ أبناءَها ناباً وظفرا
إلى أن بان فجر الحق ممن***تبدَّى في سماء العدل بدرا
وكان بغابر الأزمان سرّاً***فنقَّله القضاء فصار جهرا
امام عادل غوث البرايا***خروصّيٌ علا شرقاً وقدرا
كأنَّ بني خروص في البرايَا***جبال قد رست براً وبحرا
وسالم الإِمام من الدنايا***وناصر الهمامُ الدينِ نصرا
كريمِ أريحيُّ البذل أسخى***بفيض ندىً من المُنْهَلَ قَطرا
شديد للأعادي ليِّنٌ للأ***صادق بحر علم سال دُرّا
وسالم الإِمام بدا بعصر***نتيه به على الأزمان فخرا
لقد فتح المعاقل من عمان***وقام بحقها عدلاً وبرا
وما استكفى بملك العرب حتى***تسنم صهوة من ملك كسرى
وما الرستاق إلا عرش ملك***عليه يستوي المسعود قهرا
دعته لنفسها الرستاق كفئاً***وكانت في حمى الماضين بكرا
فصدّقها بما تشكو إليه***وأصدقها رضاء الله مهرا
ولبَّاها بجيش لو يلاقي***صروف الدهر ولَّت عنه حسرى
بمنبثٍّ تغصّ الأرض منه***يؤجج جانباه الماءَ جمرا
يطمُّ كأنه طوفان نوح***تُصَادف أينما يممتَ بحرا
تلوحُ على بوادره المنايا***فتوردهم حياض الموت حُمرا
رجالٌ كُمَّلٌ لله باعوا***نفوسهم بها الجنات تشرى

فكم سمعوا الامام وكم أطاعوا***وكم نصحوا لهُ سِرّاً وجهرا
فما أصباهم عنه لجين***ولا ذهب ولا نظروه شزرا
دعاهم وعمّوا فأتوه شُعثاً***كأمطار حدتها الريح عصرا
فجاؤوا مثل سدّ من حديد***تحف به العناية أين مرا
عليه رفرفت رايات عدل***بها كتب الإِله النصر سطرا
وبالرستاق قد نزلوا وسَدُّوا***منافذها وعموا الطرق حجرا
وأحمد نجل إبراهيم فيهَا***هزبر فارس لاقى هزبرا
عريق المجد منفرد المزايا***عظيم الشأن أدهى الناس خبرا
أشد الناس صبراً في البلايا***وأوسع فيهم كفّاً وصدرا
وأصحاب له كبروق خطف***يصبُّون القضا خيراً وشرَّا
أُسود الحرب ورّادو المنايا***رماة يفقؤُون الطرف نقرا
كثيرون الفعالَ ندى وبأساً***وكانوا عندنا في العدل نزرا
ولمَّا لم يروْا قَبِلاً لديهم***مبارزةً أصاروا الحصن ظهرا
وكم خيرٍ يجر إليك ضيراً***وبعض الشر يدفع عنك شرَّا
فأحدقت الجيوش به وصارت***جنود الله نحو الحصن تترى
كأنَّ القلعة الشهباء لمَّا***أحيط بها وشاح ضمَّ خصرا
كمعصم ذات حسن حل يسراً***أحاط به سوار ضاق عسرا
وشبت نارَها الحربُ اضطراباً***وأبدت نابَها الهيجاءُ كشرا
بروق القلعة اهتزت دلالاً***وزاد كلامها الأسماع وقرا
إذا برج الحديث أضاء برقاً***فبرج الريح أبدى الرعد جهرا

وفي برج الشياطين المنايا***سحاب تمطر الذيفان قطرا
وكسرى من عوائدها إذا ما***أتى جيش العدا أولته كَسرا
وذا شيءٌ أتى يربو عليها***وذات الشيء بالأقدار أدرْى
تباعدت الرُّبى عنها وأبدت***منافذ تقرع الأرجاء قطرا
فكم قد أنفقوا نفقاً ملياً***من البارود فاختلسته قسرا
وألسِنة المدافع كلَّمتها***بهدي وهي تعلو ذاك كِبرا
فبان الخطب عن قتلى وجرحى***من الرصدين كلٌّ غالَ شطرا
وفي فلج الشُّراة شُراةُ موتٍ***لقوم أحدثوا في الحزم أمرا
ففاض من الامام خضمُّ جيش***فشرَّد جمعهم عقلاً وعقرا
وعاق الصبر جمعاً واستمرا***وضاق الأمر ذرعاً واستحرَّا
وقد يئس ابن إبراهيم ممن***ترجى في الحمى نفعاً وضرَّا
وأيقن أنَّ أمر الله جار***به أجرى لأهل الأرض أجرا
وكيف يغالب الغَلاّبَ قومٌ***وسِرُّ الله يعلو الخلقَ طُرَّا
وقد بلغتهم الآيات منه***وأنَّ له من الرحمن سِرَّا
وحالت حالُهم شيئاً فشيئاً***وطال أولو الهدى جِسراً فجسرا
فمالوا للخروج لِما رأوهُ***وقد نفِد الذي عدُّوه ذخرا
وأحمد صار أحمد لِلَّيالي***وأرجى لإشتداد الأمر يُسرا
واقبل آخذاً بالحزم يسعى***لحصن الحزم وهناً فاستقرا
وخمسة أشهر إلا قليلاً***قضى حقاً لكسرى صار عذرا
وآخر شهر شوال فتوح***بعام طيب الرّستاق بِشرا

لقد فتح المغالق مطلقاً من***نهى وقرى بها وهلمَّ جرا
امام المسلمين أتتك طوعاً***ملبية فصُغْ لله شكرا
به الرستاق قد مالت دلالاً***كخود أقبلت في القصر سَكرى
لقد نلت السَّعادة في المغازي***تدين لك القرى براً وبحرا
ولا زلت الدليل لكل خير***يغاث بك الورى دنيا وأُخرى

انتهت القصيدة الغرا وقد أوفت بالمقصود وحصرت الغزوة المباركة ونكتفي بها عن الزيادة من ذكر الأشعار .

وفي عام 1347 هــ نشرت الصحف أن السيد أحمد بن إبراهيم كتب على أبواب حصنه بالحزم وباب ولايته بالسويق من الباطنة إنّ من كانت له مظلمة عنده فليحضر للخلاص منه والتخلص من التبعات الموبقة وأبدى التوبة والرجوع إلى الحق وزار الشيخ عيسى بالقابل في هذا العام فسر الجميع بذلك وتفائل الناس بالخير وبهذا كان في رأي بعضهم أن يستبدلونه إماما وبعد خروجه عنه عزم المشايخ صالح بن حمد وحمد ابن عيسى ومن معهم وكنت في صحبتهم فتوجهوا إلى الإمام بسمائل فأدركهم الخبر بالطريق أنه قدم إلى نزوى فعرجوا إليه ولما نزلنا بمسجد السنود بنزوى وصلني رسول سري من الإمام وقد بلغه خبرنا وما نرمق إليه فسألني ماذا عندكم فأخبرته وأصدقته فأحضرنا صبح يوم الثاني من وصولنا وقد أحضر الباشا الباروني والعلامة سعيد بن ناصر الكندي بغرفة الصلاة من حصن نزوى سألنا لماذا جئتم وماذا عندكم وماذا تريدون قالوا إنه صدر عدم إهتمام بشؤون الدولة وإهمال في الأمور وتساهلا أدى إلى إنتهاك الحرمات وحدث من الفساق تجرؤ لا يطاق وهذا شيء لا يمكن السكوت عنه فأما وإما . فأجاب رضي الله عنه سمعنا مقالتكم فهل عندكم غير ذلك أجابــوه إن هــذا

الشيخ صالح وصل إليك لعذر إلى ربه وليكون قد أبلغك ما عنده فقال أعذر صالح إلى ربه فماذا بعد فأفحمهم وعرض لهم عن مقصدهم ثم بين لهم مرامهم فرجعنا بخفي حنين ورضينا من الغنيمة بالإياب .
حوادث سنة 1336 هــ
وفي ليلة الخامس من شهر ربيع الثاني من سنة 1336 هــ توفي الشيخ العلامة ناصر بن عامر بن سليمان بن محمد بن خلف بن حسن بن سليمان بن محمد بن خلف الريامي وكان عالما فاضلاً أديباً شهماً آمراً بالمعروف نته عن المنكر يسكن حارة النزار من بلد إزكي وهو أحد العلماء الذين قاموا ببيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي وخرج للجهاد عنده وهو شيخ كبير ابن ست وستين سنة وولي له القضاء وكان أديباً محباً للشعر وله ديوان كبير مزقه في حياته إلا ما بقي من القصائد التي فاتته بأيدي الناس وكان له من العمر يوم وفاته سبعون سنة .
وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر جمادى الثانية من السنة المذكورة قتل الشيخ أحمد بن سليم بن المر العريمي الجنيبي عامل الإمام على سمد والمضيبي وتوابعهن وكان قد عمل قبل ذلك له على بلدان بني بطاش ، ولما بلغه انتقال الإمام على بني جابر والإجتماع ببلدة سرور وفد إلى الإمام رغبة في الجهاد وعنده رئيس بني بطاش سلطان بن محمد البطاشي وبعد فراغهم من تلك الغزوة طلب أهل سمد من الإمام أن يولي عليهم الشيخ أحمد وكانت سمد وبلدان الحبوس من أجل مراكز الشرقية فأسعفهم على ذلك وأكد المساعفة رفق الإمام ببني بطاشُ لما أصابهم من الإضطهاد من حكام مسقط بسبب قيام العامل عندهم وكان أحمد من أعظم قواد دولة الإمام سالم وأمضى سيوفها بطلا غيوراً شهماً لا تلين قناته وهو من بلدة ( واد ) من بلدان وادي منقال وجماعته وقومه هم أهل ساحل صور وقد خالف مذهبهم ورغب في مذهب أهل الإستقامة هو وأولاده وحاشيته وقومه على مذهب الإمام الشافعي وكان قبل الإمامة يزور الشيخين عيسى ونور الدين ويتردد إليهم للتعليم .
خرج رحمه الله إلى صور لبعض لوازمه الخاصة وحذره الإمام وأعيان الدولة ما

يخشون عليه من عامل السلطان على صور فلم يلتفت إلى قولهم لأنه يظن عجز الوالي عنه بإستطالته جماعته وقوة قومه في بلادهم وإذا نزل القدر عمي السمع والبصر فخرج وفي رفقته ابن عمه الفاتك المشهور علي بن ناصر العريمي فنزلوا في بيت صهره الشيخ القاضي ناصر بن جمعه الشعيبي وقد سمع الوالي حمود بن حمد بمقدمه قبل وصوله فتهيأ للفتك به وفي الساعة التي نزل فيها أرسل إليه الوالي جماعه من عسكره يدعوه بالوصول إليه فأمتنع من صحبتهم ثم عززهم بمائة جندي فما شعر أحمد ومن عنده إلا وقد أحيط بهم من كل جانب وهجموا عليهم وهم في حالة استهانة بهم واستخفاف بأمرهم فأثاروا الرصاص على أحمد أول الأمر ثم على علي بن ناصر بعد أن قتل علي منهم عقيد العسكر وآخر غيره وجرح كثير من عسكرهم ووقع جراح في أصهار أحمد بن سليم ازوجته وما كان من جماعة أحمد الذين يرجو منهم النفع شيئاً لا في بدأ الأمر ولا في آخره ولله الأمر من قبل ومن بعد .
حوادث سنة 1337
في هذه السنة نزل وباء بعمان وأمراض فأجتاح جم غفير من الناس وفيهم جماعة من أفاضل العمانيين وفقهائهم .
منهم السيد الفاضل المقدام سعود بن حمد بن هلال وكان هذا السيد من أقوى أركان الدولة وتقد ذكر نصحه في فتح إزكي وإنها كانت في يده للسلطان فسلمها للمسلمين وما فتئ رحمه الله ملازماً للإمام معاضداً له في جميع الأحوال وانتقل بعد فتح إزكي إلى نزوى وسكن بمحلة العقر منها وأبى أن يتقلد شيئاً من الأعمال والتزم بمؤازرة الإمام وطاعته ومناصرته إلى أن توفي رحمه الله والمسلمون عنه راضون وكانت وفاته في ليلة الرابع عشر من شهر صفر سنة 1337 هــ .
ومنهم العلامة الزاهد الشيخ القاضي سليمان بن محمد بن أحمد بن عبدالله الكندي كان قاضياً للإمام على نزوى وما حولها وهو ابن عم الشيخ سعيد بن ناصر الكندي علامة ذلك الوقت وابن أخته كان سليمان هذا يسكن مسقط ولما كانت الإمامة بعمان الداخلية أصابهم تضييق من قبل السلطـان بإتهامه ميلـهم إلى دولــة

المسلمين فخرج هذا الشيخ إلى نزوى مع رجال من بني عمه وإخوته فكانوا في رجال الدولة وأنصارها فبقي سليما قاضياً على نزوى وأعمالها حتى توفي ليلة 14 صفر من عام 1337 هــ كان رحمه الله عالماً جليلاً ناسكاً ورعاً غيوراً وآثاره جميلة في حال قيامه بنزوى وقد شرع في التأليف وله شرح مبهج سماه (( بداية الإمداد على غاية المراد )) في نظم الإعتقاد وهي أرجوزة جليلة لسيدي الوالد نور الدين وله أجوبة مسائل نظماً ونثراً وكانت وفاته والسيد سعود بن حمد في ليلة واحدة .
ولد هذا الشيخ سنة 1298 هــ فيكون عمره تسعة وثلاثون سنة رحمه الله .
محاصرة الإمام لحصن الحزم
وفي شهر شعبان من عام 1338 هــ أمر الإمام سالم بن راشد أخاه العلامة ناصر ابن راشد الخروصي بحصار حصن الحزم وكان فيه السيد أحمد بن إبراهيم آل بو سعيد لما صدرت منه أحداث أوجبت ذلك .
والسبب في ذلك أتخاذ الشيخ ناصر بن راشد الغافري وجماعته عند السيد أحمد ابن إبراهيم وتضغُنهم من الشيخ ناصر الخروصي في أحكام أجراها بينهم وجيرانهم الشراينة وظنوا أنه شطّ في حكمه عليهم وكانوا في أيام ملوك الرستاق لهم اليد الطولى في تناول رعاياها والتدخل في شئونهم فلما صارت في يد الإمام وأجرى العدل فيها كفت أيديهم وذهب ما ألفوه من التمكن والظلم فيها فأضمروا الكيد والخبث للشيخ الخروصي وكان هذا الشيخ صعب الشكيمة شديد الغيرة لا يرى المداهنة في الأمور فأنقلب هواء بني غافر إلى السيد أحمد وغرهم جراءتهم وسطوتهم فأنتهز السيد احمد هذه الفرصة بإنحرافهم وهمّ بحرب الإمام وظهرت منه بوادر الخلاف وتعلق بالإنكليز وصدرت مكاتباته بذلك فهجم ذات يوم وقت الظهيرة على المسفاة بلدة قريبة منه كانت معقل لرباط المسلمين جعل الإمام عليها السادة علي بن بدر وإبنه هلال بن علي وعندهم نزر قليل من خدمهم فوقع بينهم القتال ساعات من النهار أبلى السادة في ذلك الموقف بلاء حسناً وثبت كل لقرنه ولا شـيء يقيهـم حرارة الشمس والوقـت حــرارة القـيـض والأرض رمــال

وزحف كل على صاحبه بل زحم فما كان إلا ان خاف السيد أحمد زيادة القوة لبني عمه لقرب الإمام منهم فترك موقفه ورجع إلى الحزم وكان الإمام سالم بالرستاق وعنده الجيش فنمى الصريخ إليهم فزحفوا عليه وحاصروه بحصن الحزم وضيقوا عليه ونضبت آبار الحصن حتى خرج بنفسه بين الرصد يستقي الماء من الباطنة على جواده مراراً وأدخله عليهم واستعان ببني غافر فتراخوا عنه وأستنجد بآل سعد فخذلوه وأستظهر بالإنكليز فما حصل منهم على طائل .
وبعد طول المدة وكما هو الحصار توسط مشايخ بني هناة على أن يترك الإمام حصن الحزم لأولاد السيد سعيد بن إبراهيم أبني أخ السيد أحمد وأن يخرجوا عمهم منه ويمنعوه من دخوله فرضى الكل .
ثم دخلوا مرة ثانية بالصلح بين الإمام والشيخ ناصر الغافري وجماعته على أن يكفوا عن مناصرة السيد أحمد وعداوة المسلمين ولا يخيفوا آمنا وأن يتأخر الإمام عن حربهم فقبلوا وأتموا ما وعدوا به .
وهذا كتاب من الإمام لبعض إخوانه بعد حذف أوله .
( سلام عليكم ورحمة الله وبركاته إني أحمد الله إليك لازلت في أتم الخير والذي نعرفك به اعلم أن المسلمين توجهوا على حرب أحمد بن ابراهيم بعدما طغى وبغى وعزم على أن يقوم الإنكليز على حرب أهل عمان ويدخل في حمايتهم قاتله الله فقد دمرنا فلج الحزم حتى لا تندي منه قطرة فها هو متحصن في حصنه والمسلمون محدقون بالحصن من كل جهة والله نسأله النصر والتمكين وأن يقصم رقاب الطغاة الباغين بمنه وكرمه ) والغافري الآن يخطابه الأنصار يطلبون منه الإذعان لحكم كتاب الله والكفاف عن حرب المسلمين إن تيسر منه وإلا فلابد من حربه والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل والسلام في 19 شعبان سنة 1338 هـــ