عُـمَـان

الديمقراطية الإسلامية

تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث

1500 - 1970



د . حسين غباش






د . حسين غباش



عُمَــان

الديمقراطية الإسلامية

تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث

( 1500 - 1970)


نقل النص إلى العربية

د . أنطوان حمصي



جزيل الشكر
إلى الأستاذ موريس روبان ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة نانتير - باريس العاشرة - جزيل شكري على ما أبداه من ملاحظات قيمة ونصائح يدين لها هذا البحث ببلوغه صورته النهائية . إلى الدكتورة معضمي لما تفضلت به من تشجيع ودعم معنوي كبير ، كما يذهب عرفاني بالجميل إلى المرحومة سماح غانم غباش التي كان لدعمها الروحي إيّاي أكبر الأثر في نفسي .
وأزجي شكري ، أيضا ، إلى الشيخ الجليل أحمد بن حمد الخليلي ، مفتي سلطنة عُمان ، وإلى صديقي الشيخ الفاضل أحمد بن سعود السيابي ، على ملاحظاتهما وآرائهما النيرة .
كما أخص بشكري الأخ الدكتور علي الشرهان الذي ساهم بآرائه وملاحظاته الهامة في بلورة بعض جوانب هذا البحث ، وأتوجه بالشكر إلى جميع أصدقائي وبشكل خاص جان دومنيك ميلو ، علي عنون ، علي عمران ، علي الخلافي ، وليليان غانم على مساعداتهم المختلفة .
وأشكر ، أخيراً كل من شجعني على خوض غمار هذا المشروع وأعانني على إنجازه .

المؤلف


مقدمة عامة
ينمُ تاريخ عُمان وثقافتها ، وهما في الأكثر مجهولان ، عن صنوفٍ من الأصالة ويفتحان على أبوابٍ من الخصائص المميزة . فلقد التصق هذا التاريخ منذ القرن الثاني للهجرة ( الثامن الميلادي ) ، ولفترة تزيد على ألف عام ، في جوهره ، بتاريخ حركة فريدة نشأت وازدهرت على خلفية مذهب إسلامي أقلّي هو المذهب الإباضي . وانطبعت هذه الحقبة بالسعي إلى تشييد إمامة عادلة وناجحة وفق النموذج الإباضي للدولة الإسلامية .
ولقد وجدت الحركة الإباضية هويتها العقائدية والفكرية في زمن مبكر . ومن خلال محافظتها على مبدأي الشورى والإنتخاب الحر للأئمة ، مبدأ الإجماع والتعاقد ، يُمكن أن تُعَدَّ نفسها الوريث الحقيقي لتقاليد نظام الخلفاء الراشدين ( 11 هـ / 632 م - 40 هـ / 661 م ) ، وبشكل خاص الفترة الأولى منه ، فترة أبي بكر
وعمر بن الخطاب .
تُعَدّ دولة الخلافة هذه الفترة المثالية والنموذجية للدولة الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم . وتُمثّل هذه الفترة ، بالنسبة للإباضيين وغيرهم ، المرجعية الإسلامية الوحيدة ، ومنها استمدت الحركة الإباضية رؤيتها وشرعيتها ومبادئها وقوانينها الدستورية وكل ذلك في سبيل إقامة الدولة والمجتمع الإسلاميين المثاليين من خلال تشييد نظام الإمامة .

ومنذ الإمامة الأولى ، إمامة الجلندى بن مسعود (135 هـ / 751 م ) ، قام التاريخ والثقافة العُمانيان على ثلاثة مبادئ أساسية ثابتة :
مبدأ السلطة ، أي نظام الإمامة القائم على مبدأ الإجماع والتعاقد ، ومبدأ الإنتخاب الحر للإمام المبني على مبدأ الشورى . وهذا المبدأ هو بحق القاعدة الأساسية لـ " الديمقراطية العُمانية " ، الديمقراطية ذات النفحة الروحية والأخلاقية والتي تستأهل أن توصف بـ " الديمقراطية الإسلامية العُمانية " .
مفهوم الوطن ، حيث أنه بعد انتقال الحركة الإباضية وعلمائها من البصرة إلى عُمان ، وانتقال جزء من المركز الفكري الإسلامي إليها ، مع نهاية القرن الهجري الأول ، تحولت عُمان إلى " الوطن الروحي " للإباضيين كما أصبحت ملاذاً للفارين من اضطهاد السلطات العباسية . من هنا فإن مفهوم الوطن لدى العُمانيين تكوّن مبكراً .
مبدأ الإستقلال والسيادة . ولقد ثُبَّت هذا المبدأ عملياً مع انفصال عُمان عن الدولة الأموية ، أولاً ، ثم عن الدولة العباسية في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري . ولقد جاء هذا المبدأ ليكمل المبدأ الثاني .
لقد صنعت هذه المبادئ الثلاثة - خلال اثني عشر قرناً من الممارسة والتطبيق - التاريخ والثقافة العُمانيين ، وصاغت الثقافة السياسية للبلاد . كذلك تميّزت عُمان بتاريخها المكتوب . فقد أخذ مؤرخون عُمانيون ، منذ وقت مبكر جداً ، على عاتقهم مسؤولية تدوين الأحداث والمنجزات المتعلقة بوطنهم . وكل ذلك في خدمة المبادئ والمثل العليا الخاصة بهذا الوطن وبهذه ( الديمقراطية العُمانية ) : الشورى والإمامة والسيادة .
كذلك ، سوف تمثل " الديمقراطية الإسلامية العُمانية " أحد أهم محاور التاريخ العُماني وخاصيةً ميّزت الثقافة السياسية العُمانية . ولذلك سوف تقتضي معالجتها الموسعة إعادة تعريف مفهوم الديمقراطية ذاته .

الديمقراطية والشورى
عندما تذكر الديمقراطية ، غالباً ما يتبادر إلى الذهن نموذج الديمقراطية الغربية ، الديمقراطية البرلمانية . نموذج ديمقراطية تضمن بمؤسساتها الحديثة ودساتيرها الحريات المدنية والسياسية والحريات الفردية بصورة أخصّ .
إلّا أن مفهوم الديمقراطية هذا لا يردّنا في معظم الأحوال إلّا إلى فلسفة سياسية خاصة بالدولة الغربية الحديثة . وعند ذلك ، ما وراء الإطار الدقيق للنظرية السياسية الحديثة ، ينشأ السؤال التالي : أهناك ديمقراطية من نوع آخر ؟ ديمقراطية تختلف عن النموذج الغربي ؟ أهناك مجتمعات أخرى أو تجارب إنسانية أخرى حقّقت مقتضيات العدالة والحقّ في إطار ديمقراطية خاصة بها ؟
ليس من ظاهرة سياسية اقتضت من الجهد في التعيين والتعريف مثل ما اقتضت الديمقراطية . ففي
إطار النظرية السياسية ، عُرِّفت الديمقراطية ، أساساً ، بأنها جملة سيرورات ترمي إلى تحقيق العدالة السياسية والإجتماعية والإقتصادية . وعُرِّفت بأنها نظام برلماني انتخابي يضمن حقوق المواطن من خلال المشاركة المباشرة أو غير المباشرة لهذا الأخير في الانتخاب بما يحافظ على المصلحة المشتركة للأمة .
وهكذا عُرِّفت نظرياً بوصفها " حكومة الشعب بالشعب ومن أجل الشعب " . ورأى آخرون ، أيضاً ، في هذه الديمقراطية ، حكم الأغلبية للأقلية . إلّا أن هذا التعريف التبسيطي دُحض بصورة حازمة ، لأن الأمر الذي لا يمكن إنكاره هو أن أغلبية الشعب لا تحكم الأقلية أبداً ، حتى في النظم الديمقراطية الحديثة . وبهذا الخصوص يقول جان جاك روسو ( Jean-Jacques Rousseau ) :
" إذا أخذنا المصطلح بمعناه الدقيق ، فإنه لم توجد قط ديمقراطية حقيقية ولن توجد مثل هذه الديمقراطية أبداً . إنه لأمر مخالف للطبيعة أن يحكم العدد الكبير وأن يكون العدد الصغير محكوما " (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Rousseau (Jean-Jacques) .Du contrat social . Paris, Flammarion, 1966, p.107.
ولكن التعريف الأنسب ، في نظرنا ، هو تعريف توكفيل ( Tocqueville ) القائل إنها " تبعاً لمقول الكلمات الحقيقي : حكومة يشارك فيها الشعب بنصيب متفاوت ، مضيفاً أن : " معناها مرتبط ارتباطاً حميماً بفكرة الحرية السياسية " ، غير أن توكفيل يعود ليؤكد أن " الحرية ليست الحالة العامة والدائمة . فالشعوب التي تعيش وضعاً اجتماعياً تسوده الديمقراطية لا تنزع دوماً وعلى وجه الإطلاق إلى الحرية ؛ فمطلب الشعوب الأبدي هو المساواة " (2) .
وإذا اعتبرنا الديمقراطية مجموعة من القوانين الموضوعة في كل بلد حسب خصوصيته الثقافية وتقاليده وقيمه ، فإننا نستطيع أن نقول إن ذلك هو جوهر وأساس الديمقراطية مهما كان نظامها . ويلاحظ مونتسكيو ( Montesquieu ) بهذا الصدد ما يلي :
" القانون عامّة ، هو العقل الإنساني من حيث إنه يحكم كل شعوب الأرض ولا ينبغي للقوانين السياسية والمدنية لكلّ أمة إلا أن تكون أوجه تطبيق خاصة لما يُمليه العقل الإنساني . هذا ولا بد لهذه القوانين أن تكون مناسبة للشعب الذي وضعت من أجله ، بحيث لا يحدث إلّا على سبيل الصدفة المحضة أن تصلح قوانين أمة لأمة أخرى " (3) .
وإذا كان لكل مجتمع خصوصيته ، وتقاليده ، وقناعاته ، وقيمه ، وثقافة خاصة به ، فإن هذا يعني أن كل مجتمع يملك ، أيضاً ، رؤية خاصة لتحقيق ذاته في العدالة والمساواة والأمن لكل أعضائه . ويجب أن نستخلص من ذلك ، في الحالة التي سننكبّ عليها ، أن المجتمعات عربية ومسلمة كانت - كل منها حسب ظروفه الخاصة وخصوصياته التاريخية والثقافية - قابلة لإفراز " ديمقراطيتها " الخاصة وبنائها ، بل ومَسوقة إلى ذلك بقوة الأشياء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) . Prelot (M) & Lescuyer (G) ,Histoire des idees politiques, Paris,Dolloz,1990,p.561
(3) Montesquieu (Ch.de Secondat de ),De lesprit des lois ,Paris,Flammarion,1979,tome I ,P.128 .


وفي نهاية التحليل ، وبقليل من التحرر من التعريفات الدقيقة ، يمكننا القول إن الديمقراطية الغربية لا تقدم ، بالضرورة ، بديلاً نموذجياً يصلح في سائر المجتمعات الأخرى . وبطبيعة الحال لا يعني هذا أنه لا ينبغي الاستفاة من إيجابيات التجارب الغربية وسلبياتها قدر الإمكان بقدر ما تتجاوب ومعطيات كل بلد ، فمن النافل أن التجارب والثقافات المتنوعة تراث للإنسانية بكاملها .
من جانب آخر ، فإن طرح الديمقراطية غالباً ما ارتبط بالعلمانية ، ومن هنا يبرز السؤال التالي : ألا تستدعي الديمقراطية ، بحكم الواقع ، نظاماً علمانياً ؟ وأليست العلمانية شرطاً لازماً لسيادة الشعب ، لسلطته وحريته ؟
إن مفهوم العلمانية ليس أحادي المعنى ، وهو ، فيما يتعلق بالسياسة ، يُردّ ، بشكل خاصّ ، إلى الإنفصال بين الزمني والروحي ، بين الكنيسة والدولة . فَتَفْرض العلمانية إذ ذاك ، لكي يصحّ أن توصف دولة بها ، ألّا تقوم المصادر التشريعية على قانون إلهي ، بل أن تقوم على قانون زمني ( وضعي ) وأّلا يتاح بالتالي ، لأية مؤسسة دينية التأثير على إدارة الدولة .
وهذا المفهوم للعلمانية ، كما هو عليه ، لم يظهر إلّا متأخراً في أوروبا الغربية حيث كانت المَلَكية ، ( المسماة أحياناً ، مَلَكيَّة الحقّ الإلهي ) ، في كلّ أُمّة ، تشرف مباشرة على الكنيسة ، إلى أن جعلت الثورة الفرنسية من العلمانية ، ( الحياد الدينيّ ) ، أحد أُسس المواطنة ، ثم أقامت علمانية السلطة بالفصل بين الكنيسة والدولة . وفي هذه الأثناء ، أخْلّت القيم الدينية والروحية ، في الغرب الحديث ، المكانَ الأول للعقل ، لـ " القانون الطبيعي " وللنمو المادّي للإنسان . وعلى هذا النحو ، ومن هذا المنطلق وبإخضاع العلاقات الإنسانية للعقل ، افْتُرِض أن الإنسان يصبح مالك أمره و " سيّد مصيره " وما الإنسانية والعالم ، بالنسبة إليه ، سوى مشروع تاريخي (4) .
إن الـعلمـانـيـة إنتــــاج تـــاريـــخ وثــقـافــة مـسـيـحيـيـن أوروبـيـين . وإذا كـانـت الــعــلمانيـة شـرطــاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) أنظر : فرغوت (أنطوان) ، " الدين والعلمانية في أوروبا الغربية " ، العلاقات بين الحضارات العربية والأوروبية ، ( مؤتمر هامبورغ ، أبريل 1983 ) ، الدار التونسية ، 1985 .

للديمقراطية الأوروبية ، فهي ليست بالضرورة شرطاً لـ " الديمقراطية " العربية الإسلامية . وليست - حتماً - شرطاً للديمقراطية العُمانية التي نقدمها هنا . كما أن مسيرة التاريخ الإسلامي ليست مماثلة لمسيرة أوروبا ، وليس للإسلام التعريفُ المُؤَسَّسيُ نفسه الذي للمسيحية والذي جسدته الكنيسة وملاكاتها . فلم يعرف الإسلام سلطة كهنوتية ، ومن أجل ذلك ، لم تطرح مسألة العلمانية على الثقافة الإسلامية . على هذا فإن موضوع فصل السلطات في الدولة الإسلامية موضوع أساسي .
فالدولة الإسلامية ليست " ثيوقراطية "، ( حكومة دينية ) ، ومنصب الخليفة ليس منصباً إلهياً ، بل إن الخليفة ، بموجب السنّة ، يجب أن يُنتخب انتخاباً حرّاً من الأمّة ، من الشعب . والعلاقة بين الخليفة والشعب مُعَرّفة ومُحدّدة بعقد يتّصف بالبيعة . فشرعية الخليفة ، بل الخليفة نفسه ، من الشعب والشعب الذي يمنح الشرعية يستطيع ، أيضاً ، أن يسحبها . الأُمّة ، إذاً،هي مصـدر السلطة الشرعية في الإسلام .
وفضلاً عن ذلك ، فإن تفويض السلطة في الإسلام منصوص عليه بوضوح :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } (5) . إلّا أنه إذا كان على المؤمنين إطاعة وليّ الأمر ، فإن على هذا الأخير ، قبل أيّ شيء آخر ، أن يستشير الأمة : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } (6) . فتعاليم القرآن تعطي الشرعية لسلطة الأمة مجتمعة ، أي أنّها تَكِلُ الأمر لسيادة الأمة على نفسها ولحريتها .
كما أن قاعدة أطيعوا أولي الأمر منكم ، مقيدة بشرط أساسي ، هو التزام أولي الأمر جانب الشرع ، أي العدل والفضيلة . والعدالة هي أحد الشروط المطلوبة ، مبدئياً ، من الخليفة . ومن وجهة النظر هذه ، يُؤسّس العدلُ المعتبرُ مراعاةٌ للتعاليم القرآنية ، الممارسةَ المشروعةَ للسلطة (7) .
كــذلــك يــشــيــر الــمــفــكــر الإســلامــي رشــيــد رضــا ، إلـى أن الإسـلام يـعتـرف بسلطـة تشـريع
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(5) سورة النساء : 59 .
(6) سورة آل عمران : 159 .
(7) Gardet (L),La Cite musulmane ,vie sociale et politique,Paris.Librairie philosophique J. Vrin, 1981, P.34.

بشرية . وقد أجاز الله هذه السلطة وعهد بها إلى الأمة . وهذه السلطة تمارس بشرط الشورى ، من قبل الذين فوّضوا أنفسهم بعلمهم وحكمتهم ونفوذهم . ولكن السلطة تعود ، في الواقع ، إلى الأمة ، لأن لقراراتها قوة التنفيذ في كلّ مسألة يمكن أن تستشار فيها وتتبنّى بصددها حلّاً جماعياً (8) .
عليه ، ليس في الإسلام ، كما يقول محمد عبده ، من سلطة دينية خلافّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتلك السلطة فوّضها الله إلى كل مسلم . ذلك أن كل إنسان خليفة لله على الأرض (9) . والله توجّه إلى رسوله قائلاً : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } (10) . والخطبة الشهيرة التي ألقاها أبو بكر بعد أن وُلّي ذات دلالة خاصّة ، من وجهة النظر هذه ، إذ قال : " أما بعد ، فقد وُلّيت عليكم ولست بخيركم . فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني " (11) .
فالنظرية السياسية الإسلامية تستبعد ، إذاً ، كل شكل " ثيوقراطي " سواء جسّدته جماعة ذات طابع كهنوتي أم ملك يتذرع بـ " حقّ إلهي " . وعلى العكس من ذلك ، فإن الصفة الزمنية والنسبية والتعاقدية للسلطة معينة بوضوح : السلطة الزمنية ، ولكنها ليست ، لهذا السبب ، " علمانية " - ولكنها مسؤولة من حيث المبدأ ، أمام أمّة من المؤمنين ، وهذه المسؤولية أمام شعب يتّصف بانتمائه الديني هي التي تستطيع الانفتاح على إدارة ديمقراطية وهي في الحقيقة جوهر الديمقراطية .
انطلاقاً من ذلك ، فإن المسألة عند هذا الحد هي مسألة معرفة ما إذا كان الدين قادراً على إثارة مسؤولية المواطن المؤمن إلى درجة تكفي لأن تكون هناك ، حقّاً ، حياة سياسية وديــمــقــراطــيــة . ورداً عــلــى هــذا الــســؤال أعــطــت نــظــريــة الــســياسـة الإسلامية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(8) Laiust (H.),Le Califat dans la doctrine de Rashid Rida, Traducation annotee d'al-Khilafa au al-Imama al-'uzma (Le Califat ou I'Imama superme), Paris, Librairie d'Amerique et d'Orient,1986,P.156 .

(9) عبده (محمد) ، الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية ، الجزائر ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، 1988 ، ص53 .
(10) سورة فاطر : 23 . ، (11) . Laoust (H.),op.cit,p.23
والتجربة الديمقراطية الإسلامية العُمانية ردّاً إيجابياً . ومن ثم يمكن القول إن التجربة العُمانية تجسيد حيَّ للديمقراطية الإسلامية .
وفضلاً عن الدور الهامّ الذي يلعبه مبدأ الشورى والإجماع في السلام الاجتماعي ووحدة الشعب ، فإن ممارسة الشورى في ذاتها ، توطّد مكانة المواطن في مجتمعه وتمنحه قيمته الصحيحة كما تمنحها لممثّله : الإمام . فكلاهما يجد في الشورى المسؤولية والكرامة الإنسانية ، وهما مدلولان رئيسيان لوحدة الأمة واستقرارها .
إن حضور الإسلام ودوره في المجتمع أساسيان ، وليس ذلك للسهر على شؤون المجتمع والدولة فحسب ، بل بوصفهما ، أيضاً ، المصدر الرئيسي للقيم الاجتماعية والأخلاقية (12) .
وبالفعل ، وعلى عكس المنظور المألوف للفكر الغربي ، فإن مدلول الإنسان الحرّ في الإسلام هو مدلول حقوقي غير ميتافيزيقي . وأرضيّته هي الشعور القويّ جدّاً بمساواة مطلقة في الحقوق بين سائر أعضاء الأُمّة الإسلامية . فكل المؤمنين متساوون أمام القانون لأنهم إخوة (13) .
وهكذا فإن قيم الفضيلة ومبادئ العدالة والمساواة والشورى والإجماع هي أساس السلطة في الإسلام . وإن شعباً يتمتّع بهذه المثل العليا لا يمكن أن يكون شعباً دون سيادة ودون حرية ودون توق ديمقراطي ؛ أوَليست مبادئ العدالة والمساواة هي خصائص الديمقراطية وأسسها ؟ من جهة أخرى لا تغفل أن المساواة الاجتماعية أحد أسس الرسالة الإسلامية ، تمثّل القاعدة الأولية للمساواة السياسية : { وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } (14) .


ــــــــــــــــــــــــــ
(12) يلاحظ غارديه (Gardet) في كتابه الإسلام ، دين وأمة ، أن للقيم الإسلامية خصوصيتها وأن اللغات الأوروبية لا تؤدي هذه القيم إلّا على نحو تقريبي . وهو يرى ، بالمقابل أن الغرب ، حتى ولو تخلى عن مسيّحيته ، يُرجع المفاهيم الدينية التي يستخدمها إلى القيم المسيحية .
(13) Gardet (L.) L'Islam, Religion et Communaute,Paris,Desclee de Bouwer,1967.p.29.
. Gardet (L.), La Cite musulmane,op.cit,p.51
(14) سورة النساء : 58 .
يبقى الاعتقاد القائل إن السلطة ذات الوحي الديني غير متوافقة مع الديمقراطية . أي : هل يمكن للديمقراطية ، بمعناها العامّ ، أن تتماهى مع المبادئ الإسلامية ، لا سيّما الشورى ؟ إن الدين الإسلامي يقدّم حول هذه النقطة عدّة إجابات واضحة بينها الآية الكريمة { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } (15) . ومن المعروف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ، كان حريصاً على تطبيق مبدأ الشورى . ويلاحظ رشيد رضا ، عام 1922 ، أن النبيّ جعل من مبدأ الشورى أساساً حقوقياً لمصلحة الشعب العامّة (16) ، والنبيّ يقول عن الشورى : ( أما إن الله ورسوله لغنيّان عنها ، ولكن لقد جعلها الله رحمة لأُمّتي فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ، ومن تركها لم يعدم غيّاً ) (17) .
هي ، إذاً ، شرط لإرتقاء الأُمّة ، شرط لكي يكون المجتمع راشداً ، وهي فضلاً عن ذلك إحدى قيم العدالة والمساواة ، وشرط مُلْزِم للسلطة السياسية في الإسلام . لذلك ، فهي رحمة وضرورة ليعيش الناس بسلام وكرامة : " هي رحمة لأُمّتي " . إلى ما سبق فإن النبيّ قد حدّد بشكل واضح مسؤولية الأمّة في إدارة شؤونها حيث قال : ( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) (18) . ونذكر ، أيضاً ، ما توجّه به إلى أبي بكر وعمر ، حين قال لهما : ( لو اجتمعتما ما عصيتكما ) (19) . إن جوهر هذا الحديث هو أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، نفسه يقبل برأي الأغلبية : ( إنما أنا بشر مثلكم ) (20) .
ولـكـن ، أيّــة حكـمـة هي التي جعلت النبـي صـلـى الله عليه وآلـــه وسلم يشـــدد علــــى مبـدأ
الشورى دون أن يحدّد له قاعدة واضحة ؟ يرى رشـيـد رضـا أن على الشــــورى أن تتطوّر لتتكيّف مع تطوّر الأُمّة في مختلف وجوهها الاجتماعية وضمن مصالحها العامّة عبـــــر الزمن . ولو كان النبيّ ، كما يـــقـــــول رشــيـــد رضـا ، قــد وضــع قـــواعـــد دائـــمــــــة ، لـــكـــان مــن شــأن الـمـسـلــمــيــن أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(15) سورة الشورى : 38 .
(16) مجلة المنار ، ج 10 ، م 23 ،1922 ، ص 750 .
(17) المرجع السابق ، ص 750 .
(18) المرجع السابق ، ص 750 .
(19) المرجع السابق ، ص 751 . ، (20) المرجع السابق ، ص 750 .
يطبّقوها حتى ولو ضدّ المصلحة العامّة نفسها (21) .
وفي السياق التاريخي الإسلامي نجد أن تطبيق مبدأَي الإجماع والتعاقد قد عُلّق واقعاً ، منذ نهاية الدولة الراشدة ، وبداية الدولة الأموية . وبالفعل ، فإن الخلفاء العرب أنفسهم عُيِّنوا ، في بعض الحقب ، من قبل عسكريين عثمانيين ، في حين طَبّق العُمانيون هذين المبدأين على مستوى الإمامة وعلى مستوى الدولة والمجتمع ، بل وفي كلّ الأمور ، وذلك منذ القرن الثاني الهجري ، ( القرن الثامن الميلادي ) . بعبارة أخرى ، امتدّت هذه التجربة العمانية ، مع بعض الانقطاع ، اثني عشر قرناً .
وإذا سلّمنا بأن التطبيق الكامل لمبدأي الشورى والانتخاب الحرّ لزعيم الأُمّة - أي الإجماع والتعاقد - هو جوهر الديمقراطية ، فإن الإمامة الإباضية العُمانية يمكن أن تُعَدّ أطول تجربة ديمقراطية في تاريخ الإنسانية . وتلك واقعة يزيد في جدارتها بالملاحظة كونها قد مثلت للعُمانيين مثلاً أعلى خلال القسم الأكبر من تاريخهم إلى حدّ التماهي مع هذا التاريخ نفسه .
إن الفرق الأساسي بين الشرق والغرب إنما هو فرق ثقافي ، ويمكن أن يُرَدّ ، بالدرجة الأولى ، إلى مسألة ذات طبيعة أخلاقيّة قيمية . فالمفروض في الإنسان ، في الغرب ، أن يحقّق ذاته بتأكيد فرديته وأفعاله ، وكذلك من خلال البحث عن السعادة الشخصية وبلوغها . وهذا ما تضمنه له الديمقراطية الحديثة . أمّا في الشرق فإن تحقيق ذات الإنسان غير ممكن التصوّر إلّا من خلال تحقيق أهداف الجماعة أو الأُمّة التي ينتمي إليها وتوفير مقتضياتها (22) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) المرجع السابق ، ص 750 .
(22) منذ 1930 رأى الفيلسوف الإسلامي محمد إقبال أن الإنسانية تحتاج إلى ثلاثة أمور : تفسير روحي للكون ، وتحرير روحي للفرد ، ومبادئ أساسية ذات مدى كوني توجه تطور المجتمع البشري على أساس روحي . ويرى أن مثالية أوروبا تصبح ، يوماً ، عاملاً حياً في حياتها ، والنتيجة هي نشوء (Ego) " أناءُ " ، "ذات" فاسد (فاسدة) يبحث عن ذاته من خلال ديمقراطيات متعصبة ، تقوم وظيفتها الوحيدة على استغلال الفقراء لصالح الأغنياء . وأوروبا اليوم ، كما يقول ، أكبر عقبة تعترض تقدم الإنسان الأخلاقي .

يسود في الوقت الحاضر شبه إجماع على الفكرة القائلة إنه لا أهمّية لأن نعرف ما إذا كان يمكن تطبيق الديمقراطية الغربية في البلدان العربية الإسلامية ، بل إن المهمّ ، بالأحرى ، هو معرفة أقرب الأشكال الديمقراطية لهذه المجتمعات وأوفقها لها . إذ لا ينبغي أن تقتصر على الديمقراطية على آلية انتخابية تبدأ وتنتهي ضمن حدود سياسية محضة لا تعبّر عن الإنسان كجوهر وروح . وبعبارة أخرى ، يجب أن تكون الديمقراطية أخلاقية أيضاً ، ديمقراطية قيمية . والنموذج العُماني المستقلّ - على ما سيتبدى لنا من عرض نشأته - يمثّل تجسيداً مبكراً لهذا الشكل من الديمقراطية .
إلّا أنه يجدر بنا ، قبل الدخول في عرض تطوّر هذه التجربة بخطوطها الكبرى ، أن نشير إلى أن هذا البحث لا يرمي إلى اختزال نظام الإمامة الإباضية إلى حدود المقارنة مع الديمقراطية الغربية . فالإمامة الإباضية لا تستجيب للمعايير والمقتضيات نفسها التي تستجيب لها سابقاتها اليونانية
والرومانية أو الأنظمة الغربية التي تلتها . ومثل هذه المحاولة ليست اختزالية فحسب ولكنها مغالطة تاريخية بكل ما للكلمة من معنى . فقيمة التجربة الإباضية هي ، على وجه الدقّة ، في أصالتها قياساً على زمانها . ولهذا السبب أيضاً فمن المستحسن استعادة ( الفعل التأسيسي ) للديمقراطية الإسلامية العُمانية في السياق الإسلامي الذي شهد ولادتها وألهم صعودها .








الديمقراطية الإسلامية العُمانية :
إن الديمقراطية الإسلامية العُمانية ، التي نقدمها في هذا العمل ، تأخذ على عاتقها أن تلتزم ، إلى حد كبير من الوفاء ، بقيم إسلام معتدل سمح ، وتقاليد عربية نبيلة ، وهي تنهض في سبيل ذلك ، وفي إطار الإمامة ، على سبعة أعمدة أساسية :
مبدأ الإجماع والتعاقد ( الشورى والبيعة ) .
مبدأ الانتخاب الحرّ للإمام .
الدستور .
مؤسسات الإمامة : المجالس .
مبدأ استقلال القانون والمساواة أمام القانون .
قانون الزكاة .
إلغاء الجيش في زمن السلم .
كما أن لها ، إلى هذه القواعد الأساسية ، نقاط استناد هامّة أخرى . فهناك أوّلاً ، التركيبة القبيلة للمجتمع العُماني ، المؤسّسة السياسية ، التي لعبت دوراً إيجابياً في تدعيم نظام الإمامة واستمراره . وهناك ، ثانياً ، مسألة الاستقلال الإداري والقضائي للمناطق والمحافظات التي لا تخضع لحكومة الإمامة المركزية إلّا في نهاية المطاف ، أي في الأمور العليا ، أو في الشؤون المتعلّقة بالبلد بكامله . وقد رسمت جملة هذه المبادئ حدود " إرادة عامة " في ثقافة المجتمع العُماني وقيمه ، كما صاغت إطار الثقافة الوطنية السياسية العُمانية .
يستند نظام الإمامة ، في إدارة شؤون الدولة والمجتمع ، إلى مبدأ الشورى الذي يؤلّف قانوناً ثابتاً وإلزامياً . وهذا المبدأ - مبدأ العدل والمساواة - الذي يمثّل روح السلطة السياسية في الإسلام ، يرمي ، أساساً ، إلى توحيد الأُمّة وتوحيد المجتمع ، من خلال المشاركة الفعلية للمواطنين ؛ كما يهدف إلى تحقيق مبدأ الإجماع .
إن نــظــام الإمــامــة يــقــوم عــلــى الانــتــخــاب الــحــرّ لــلإمــام . ولا ينــصّ الدستــور الإباضي على أن ينتمي الإمام إلى جماعـة العــلمــاء ، وإن كــان ذلك مفضّلاً ولكنــه فــي المــقــابــل يقــتــضــي
أن يكون الإمام نزيهاً ، مستقيماً دينياً وأخلاقياً وحاملاً للفضائل بصرف النظر عن لون جلده أو انتمائه القبلي أو الأسري أو الاجتماعي . تلك هي شروط البيعة . وتمثل البيعة التعاقد الرسمي المكتوب بين
الإمام والأُمّة ، ممّثلةً بالعلماء أهل الحلّ والعقد . فالبيعة ، إذاً هي نص دستوري تعاقدي مُلزم للإمام ومُجَسّد لإرادة الأُمّة .
الدستور الإباضي هو الأول من نوعه في العالم العربي والإسلامي ، بل ومن الأوائل في العالم كله ؛ فالأسس الأولى لهذا الدستور وضعت في النصف الثاني من القرن الهجري الأول ، ( السابع الميلادي ) . ويُعتقد أنه كُتب ثمّ أُغني أكثر في القرنين الخامس والسادس للهجرة .
لقد مثّل هذا الدستور الإطار العامّ للإمامة ومؤسساتها كما نَظَّم مسيرتها عبر الزمن . ولقد لبّى ، على بساطته ، فضلاً عن ذلك مقتضيات المجتمع ، الإمامة والوطن ، وشكّل التعبير الحقيقي لروح الديمقراطية الإسلامية العُمانية .
وأمّا مجالس الإمامة ، فهي الأولى من نوعها التي أُنشئت في العالم العربي والإسلامي منذ النصف الثاني للقرن الهجري الأول ، ( السابع الميلادي ) . وتتألف هذه المجالس من " مجلس العلماء " ، ( مجلس الشيوخ ) ، عرف ، أيضاً ، باسم " المجلس الأعلى " ، ثم " المجلس العامّ " ومن مجالس تقليدية محلّية في المناطق والمدن . ويعود الدور الرئيسي في هذه المؤسسات إلى العلماء المعروفين تاريخياً باسم " أهل الحلّ والعقد " ، الذين يشكّلون مجلساً دائماً ذا سلطة تشريعية تسري على عموم البلاد . ويجدر بنا أن نشير إلى أن هذه الجماعة لعبت دوراً رائداً في دولة الخلافة ، إلّا أن عملها شُلّ ، بعد ذلك ، بحلول الدولة الأموية ثم العبّاسية . ولكن جماعة " أهل الحلّ والعقد " التي أخذت على عاتقها ، في عُمان ، توطيد الإمامة ونشر إشعاعها ، واصلت لعب دور حاسم خلال ما يقارب اثني عشر قرناً . إذ كان هؤلاء العلماء قادة المجتمع وضميره .
لــن نــرجّــح ، فــي عــرضــنــا للمــؤسّــســات الــعُــمــانــيــة ، طبيعتها القانــونية أو الدستــورية ، بل سنهتمّ أكثر بعمــلــها الفاعــل والأدوار المختلفة التي تولّتها . فلقد أثبتت هذه المؤسّســات على الــرغم مــن انــعــدام الأطــــر واللوائــح الدســتوريــة المحدّدة والمفــصّلة الــتي تــنظّم عملهــا ، تماسكــاً ومــرونــــة وفــعــالــيــــة لا شــــك فــيهــا وأوجــــدت مــــع الــزمــن نــمــوذج حــــيــاة مــشــتــركــة

ووضعت ، كذلك ، الشروط الضرورية للمشاركة السياسية في السلطة . وأخيراً ، ضمنت الانسجام بين القيادة والقاعدة . وضمنت تالياً شرعية الإمام واستمرار النظام السياسي : نظام الإمامة . وبفضل وجودها ووظيفتها ، مثلت أحد أسس الديمقراطية العُمانية .
لقد استند نظام الإمامة ، بشكل ملفت للانتباه ، على التركيبة القبلية للمجتمع العُماني . ومن المهمّ الإشارة إلى أن هذه المؤسّسة القبلية ، التي غالباً ما أُسيء فهمها من جانب المثقّفين ، لا سيما العرب منهم ، هي المؤسسة السياسية الأولى ، المؤسسة الأكثر توقاً للحرّية وتعلقاً بها . ولذلك استجابت لمبدأ " الإجماع والتعاقد " . مبدأ الشورى والانتخاب الحرّ للإمام . هذا فضلاً عن كون المؤسسة القبلية المصدر الأول لقـوانين العرف العربية ، وكونها ، كذلك ، مستودع قيم ديمقراطية تمارسها حتى في أدق الشؤون اليومية .
إن الإطار القبلي هو أول مكان تعبّر فيه خصائص المجتمع السياسي عن نفسها . فالمرحلة القبلية هي التي تبدأ فيها كلّ الأفراد تقريباً الاشتراكَ في ممارسة الشورى - التشاور- واتخاذَ القرار الجماعي في الشؤون التي تخصهم . وهذا الواقع ينسجم تماماً مع منطق الفكر الإباضي الذي لا يقتضي المركزية ، إلّا في ظروف خاصّة . على أنه يجدر بنا أن نشير ، أيضاً ، إلى أن القبيلة ، في حال انعدام التوازن القبلي في الإمامة ، غالباً ما تفرز ، إذ ذاك ، " عصبيتها القبلية " التي يمكن أن تسهم في إسقاط الإمامة نفسها .
أما بالنسبة لنظام الإمامة الذي مثّل ، على مدى أكثر من ألف عام ، التعبيرَ عن دولة الخلافة ، فقد كان يقدّم مثلاً أعلى للدولة الإسلامية كما كانت الشريعة المصدرَ الرئيسيَّ لتشريعه . وكان التطبيق الدقيق لمبادئ الإجماع والتعاقد الضامن للفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، من جوهر الثقافة السياسية العُمانية كما كان العلماء ، عبر التاريخ ، المجلس التشريعي الدائم للدولة .
الخــــــلاصـــــــة ، هـــي أن المسؤولية السياسية للإنسان تجاه أُمّته ، في إطار الإمامة ، ذات دلالة هامّة ؛ فخضوع الـفــرد الــطــوعــي وشــبــه الــكــامــل لأُمّتــه لا يُــنقــص ، ألبــتة ، مــن
مــكــانــتــه


بوصفه مواطناً حراّ . بل إن هذا الخضوع للمثل الأعلى السامي هو ، على النقيض ، تأكيد لمواطنته ولفرديته كشخص كامل الحقوق في مجتمع يقيس تكامُلّهُ بميزان مشاركة أفراده فيه .
بل إن الإنسان يستطيع بهذا الخضوع وضمن هذا المنطق بلوغ صورة عليا للإنسانية ، لإنسانيته . وهكذا فإن هذا الخضوع لا يستلزم نفي الحرية الفردية ، بل يستلزم ، بالأحرى ، تأكيدها . ذلك أن الحرية الفردية لا يمكن أن تُحقّق ، هنا ، إلّا من خلال تحقيق الحرية الجماعية .
وكل مسّ بهذا الفرد المواطن الإنسان هو مسّ بأُمّته وبمجتمعه . والمواطن يجد في نكران الذات الطوعي لمصلحة الأُمّة نوعاً من التشريف لشخصه ، فبمقدار ما يُعطي ، يُحقّق ذاته . ولا يمكن فهم القيم الديمقراطية ، موضوعياً ، وهي التي خلقها التاريخ وطوّرها المجتمع العُماني ، إذا لم نقف على ارتباطها بالقيم الاجتماعية والأخلاقية والثقافية ، بل والروحية ، التي استنبطها مختلف أعضاء الجسم الاجتماعي نفسه .
لقد دخلت الديمقراطية إلى عُمان ، مع المذهب الإباضي أي مع الدين . وهذا الشكل من الديمقراطية ، الأوّل من نوعه في العالم ، تجسّد في نظام الإمامة الدستوري المعتدل والقادر ، بفضل دستوره ، على ضمان استمرار الديمقراطية وتجذّرها التدريجي . كما أن هذا الشكل من الديمقراطية ضمن ، بدوره ، استمرار الإمامة خلال مدّة تزيد على اثنيْ عشر قرناً لم تَخْلُ ، تبعاً للظروف من بعض الانقطاعات .
غالباً ما تُحدِّدُ الجغرافيا السياسةَ وتَطْبَعُ التاريخَ بطابعها . فعلى مدى التاريخين القديم والحديث ، فرض الوضع الاستراتيجي لعُمان على شعبها أدواراً ، بل وأعباءً ، تاريخية مختلفة . وإذا كان العُمانيون قد لعبوا ، منذ العصور القديمة ، دور الوسيط بامتياز بين حضارات بلاد ما بين النهرين
وآسيا وإفريقيا ، فإن عُمان لم تلبث أن أصبحت ، خلال الفترة الاستعمارية ، أحد أكثر البلدان إثارة للأطماع ، ولم يلبث أن فُرِضَ على العُمانيين مواجهة ضروب التوسّع والتحدّيات الإمبريالية .




وفي فجر القرن السادس عشر ، وبعد تفكّك البلاد الذي امتدّ ما يقارب أربعة قرون وعبّر عن نفسه بانعدام إمامة موحّدة ، جرى أول اتّصال بين عُمان والقوى الإمبريالية الأوروبية مع وصول البرتغاليين إلى منطقة الخليج . فلقد وجد البرتغاليون المدفوعون ، على حدّ اعترافهم ، بروح الحروب الصليبية وفكرة " إعادة غزو الشرق " - وجدوا في عُمان بسبب موقعها الجغرافي الفريد ، المحور الأمثل لسيطرتهم على الخليج ولاستراتيجيتهم الموجّهة نحو الشرق . وقد تكفل خطاب سياسي - ديني تبرير ما لحق بعمان - البلد العربي الإسلامي - من أعمال عسكرية برتغالية وحشية ومن احتلال دام قرناً ونصف القرن .
أمّا الحركة الإباضية التي كانت تتخذ من دولة الخلافة المثل الأعلى في سعيها إلى بناء إمامة نموذجية لدولة إسلامية ، فلقد بذلت جهدها ، خلال قرن ، دفاعاً عن تلاحمها فنجحت ، فعلاً ، بمثابة مدهشة ، في المحافظة على ممارسة انتخاب الأئمة داخل البلاد ، وتوّجت جهودها ، أخيراً ، في بداية القرن السابع عشر ، بإقامة الإمامة اليعربية ( 1624 - 1741 ) في عُمان . وكان لهذه الإمامة الفضل في إنهاء الاحتلال البرتغالي وتحرير منطقة شرق أفريقيا وتأسيس الدولة العُمانية - الإفريقية .
انطلاقاً من بداية القرن السابع عشر ، تعاقبت على منطقة الخليج عدّة موجات استعمارية : هولندية ، فرنسية ، وإنكليزية . وكان التوسع العسكري والسياسي - الاقتصادي يستلهم استراتيجية طويلة الأمد تستند إلى أيديولوجية استعمارية ترى في الحضور الأوروبي مكسباً وضرورة للقوى الاستعمارية ،
وترى فيه ، أيضاً ، رسالة حضارية ، تمدّنية ، إلى الشعوب المحتلّة . ولم تكن هذه الأيديولوجية تفترض ، مسبقاً ، عدم الاعتراف باختلاف ثقافات هذه الشعوب وحضاراتها واستقلالها ، بل كانت تنكره بصورة جازمة .
أمــــا بالـــنسبة لـــلإنكليـــز الذين لم يكـــونوا ، هم أنفسهـــم ، قـــد كوّنوا هويتهـــم الوطنية - القومية بعد ، فإنهـــم لـــم يكونوا قـــادرين على فهـــم مدلـــول استقـــلال الشعوب الأخرى ومقتضيـــاتـــه ، كـــما لـــم يكونوا قادرين ، بالتـــالي ، عـــلى الاعتـــراف بقيم تـــلك الشعـــوب وعـــلى احترامها . وكانت شعـــوب الخليـــج ، بـــالنســـبـــة إليـــهـــم ، كـــالـــشـــعـــوب التـــي تـــســـمّـــى ، الـــيـــوم ،


شعوب " العالم الثالث " ومثلهم في ذلك مثل الإمبراطوريات الاستعمارية الأخرى - كانت شعوباً متأخّرة ، قبل كلّ شيء ، ولا تستحقّ ، بالتالي ، سوى السيطرة عليها .
وكان على عُمان ، منذ منتصف القرن الثامن عشر ، أن تعيش فترة حاسمة : مرحلة الانتقال من نظام الإمامة إلى نظام السّلطنة . وفي أثناء هذه التحوّلات في النظام السياسي العُماني وعلى خلفية تشكيل هوية وطنية جديدة ، كان على عُمان أيضاً أن تدفع ثمن التنافس الاستعماري بين فرنسا وإنكلترا . وكانت معاهدة 1798 م ، وهي أوّل اتفاق بين بلد عربي وإنكلترا ، إحدى نتائج حملة نابليون بونابرت على مصر .
وإذ بدا مطلع القرن التاسع عشر حاسماً بالنسبة للاستراتيجية البريطانية حيث توصّلت بريطانيا إلى الإشراف ، كلّياً تقربياً ، على الخطوط البحرية للمحيط الهندي والخليج ، واستطاعت بسط سيطرتها على مرافئ الهند وجزء كبير من شرق آسيا ، واستطاعت بالتالي إنهاء الدولة العُمانية - الإفريقية ، فقد أثّرت هذه التطوّرات ، بالنسبة لعُمان ، على دخولها مرحلة انحدار بارزة ، فلقد تحددت في هذه الأثناء أول معادلة استراتيجية بريطانية . فمن أجل المحافظة على الهند وشرق آسيا ، لم يعد من شك
في ضرورة وضع اليد على الخليج لأنه نقطة مرور استراتيجية . علماً أن منطقة الخليج لم تَحْظَ بالأولوية في الرهانات الاستعمارية إلّا مع اكتشاف النفط في مطلع القرن العشرين .
وكانت الحركة الإباضية القوّة الوحيدة القادرة على مواجهة الإمبراطورية المتنامية . وكانت الإرادة العامّة للعُمانيين ، كلما تبدّى مأزق في السلطة القائمة ، تعبّر عن نفسها بالالتفاف حول الحركة الإباضية التي كانت توفّر بديلاً تاريخياً ثابتاً . ومن أجل إصلاح حال البلاد ، ظهرت في هذا الاتجاه محاولات جدّية ، تمثلت بشكل بارز بثورة عزان ( 1869 - 1871 ) ، وثورة الخروصي ( 1913 - 1920 ) .
ولقد تمكّنت بريطانيا من إفشال الثورة الأُولى واحتواء الثانية بتوقيع معاهدة السيب (1920) التي قُسِّمتِ البلاد بموجبها إلى قسمين : " إمامة عُمان " في الداخل و " سلطنة عُمان " على الساحل . وعلى الرغم من اعتراف المعاهدة بحكومة الإمامة شبه المستقلّة في الداخل ، فإنها كانت تنزع ، مع ذلك ، إلى عزلها وإزالتها مع الزمن .


إذا كانت الديمقراطية العُمانية هي أحد الوجوه الأساسية في عملنا ، فإنها لن تستأثر ، وحدها ،بانتباهنا . إذ سنعنى ، بصورة أخصّ ، بدراسة منبت هذه الديمقراطية ، أي الحضارة العُمانية ، متوقّفين ، بشكل خاصّ ، عند دراسة جذور الفكر الإباضي وأسسه . وسوف يرتكز بحثنا ، أيضاً ، على منجزات الحركة الإباضية ، ( الإمامات ) ، وتطوّرها والتحديات والمحن التي واجهتها . كما سنعالج ظروف استمرارها لفترة غير مألوفة وأسباب سقوطها المتأخرة .
وبما أن التاريخ العُماني ، في القسم الأكبر منه ، وهو تاريخ الحركة الإباضية في إطار الإمامة ، فلن يسعنا إهمال التاريخ السياسي العُماني في جملته بل سنعمل على استقرائه وعرضه من أجل إعادة رسم مسيرة هذه الحركة عبر مختلف المراحل التاريخية .
أخيراً لا بد من الإشارة إلى أن ما كرس من كتابات لعُمان اقتصر في الغالب على معالجة مراحل
معينة أو وجوه خاصّة للتاريخ العُماني ، مثل الحركة الإباضية ، تاريخ السلطنة ، أو العلاقات العُمانية - البريطانية.. إلخ . وفضلاً عن ذلك ، فقد كُتب كثير من هذه المؤلفات بقلم مؤرخين استعماريين ، مثل لوريمر (Lorimer) وكيلي (Kelly) وغيرهما ، ومن منظور استعماري . وقد اجتهدنا ، دون أن نهمل مساهماتهم ، في تقديم وجهة نظر أخرى ، متكاملة ، للتاريخ العُماني ككلّ ، أكثر علمية وموضوعية .
ولا يسعنا في هذا السياق إلّا ان نلاحظ أن المؤرّخين العرب ، وعلى الأخصّ الذين عالجوا التاريخ الإسلامي منهم ، لم ينوِّهوا ، إمّا عن جهل وإما عن قصد ، بأهمّية التجربة العُمانية ، ومن توقَّف عندها لم يتمكَّث . كذلك سوف يعود إلينا أن نركز ، بين أمور أخرى ، على كون هذه التجربة الرائدة تقدم تراثاً نادراً للفكر والثقافة الإسلاميين .
إن خصوصية هذا العمل ومقتضيات المنهج والموضوعية قد حملتنا على الرجوع إلى مصادر متنوعة وغير مُسْتَثْمَرَة ، بل وغير معروفة في معظمها ، ومنها الأرشفيات الفرنسية والإنكليزية التي تستعمل ، في غالبيتها ، لأوّل مرّة .
أمّــــا الإســهــام الأدبــي لـلــحــركــة الإبــاضــيــة فـلـقـد بقي حتى عصــر قـريـب ، مجـهـولاّ ، حتــى


من جانب المختصّين العرب والأجانب . إلّا أنه يبدو ، اليوم ، أن الحركة الإباضية كانت من أغنى الحركات الإسلامية وأخصبها من حيث الإنتاج الفكري ، سواء على مستوى التشريع والفقه ، أو على مستوى تاريخ دولة الخلافة والمدارس والفِرق التي تولّدت عنها أو ، أيضاً ، على مستوى الشهادات الخاصة بسيرورة الإمامة في عُمان وبتاريخ الإباضية في بعض المناطق العربية . كلّ ذلك تدين به للعلماء العُمانيين .
إلى هذا تولي دراستنا التاريخ العُماني الحديث ، منذ بداية القرن السادس عشر وحتى بداية السبعينات
من هذا القرن ( حتى مجيء السلطان قابوس عام 1970 ) ، المحلَّ الأثيرّ ، كما تتوسع في تتبع العلاقات الدولية ، وبصورة أدقّ النزاع الفرنسي - الإنكليزي . وتلقي الضوء على العلاقات الإنكليزية - العُمانية والفرنسية - العُمانية .
وأخيراً ، لا بد من التذكير بأن الهدف الأساسي من هذا العمل هو تقديم دراسة معمّقة عن التجربة الإسلامية في عمان ، كنظام حكم وكتراث ديمقراطي عربي إسلامي . وفي هذا السياق سنعرض آراء الإباضيين المتعلّقة بمسألة التحكيم في صفّين (37 هـ / 657 م ) وخروج الخوارج ، التي تختلف مع آراء المذاهب الأخرى ، السنّية والشيعية ، على حد سواء . لكن هذه الآراء ، مثل غيرها من مسائل الخلاف المذهبية الثانوية ، يجب أن لا تحجب رؤيتنا لأهمّية التجربة الإسلامية العمانية ، من حيث هي تجربة رائدة بكلّ المقاييس ، ومن حيث هي أيضاً ملك لكلّ مسلم .


{وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ }
سورة النساء ، الآية 59






دولة الإمامة من أوّل نشأتها
إلى استتباب الاستعمار البريطاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الباب الأول

ومنذ ذلك العهد ، وحتى منتصف القرن التسع عشر ، رمت الاستراتيجية البريطانية إلى ثلاثة أهداف رئيسية :
توحيد سيطرتها الكلّية على الخطوط البحرية ، إضعاف عُمان بانتظار التمكّن من إخضاع البلاد فيما بعد بصورة مؤكّدة ، وأخيراً ضرب أسطول القواسم للنجاح في إقامة سيطرة سياسية وعسكريــة على منطقة ( ساحل عُمان ) ومنطقة الخليج ، بفرضها المعاهدات الإستعمارية .















الفصل الأول
المذهب الإباضي : الأصول ، الفكر ، التقاليد
{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}
(آل عمران :158 )

تقاليد الإمامة والدستور الإباضي
الفكر الإباضي عميق الجذور في التاريخ الإسلامي ، إذ يعود إلى دولة الخلفاء في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة ، ( راجع الفصل التمهيدي ) . وخلافاً للمذهبين الرئيسيين ، السنّي والشيعي ، فإن الإباضية هي المذهب الوحيد ، الذي حافظ بإصرار ، عبر القرون ، وعن طريق نظام الإمامة ، على تطبيق مبدأ الإجماع والتعاقد .
يستعرض هذا الفصل أصول الفكر الإباضي وخصوصياته ، ويتناول كذلك المسائل الأساسية المتّصلة بدستور الإمامة ومؤسّساتها .

القسم الأول :
الأصول الإباضية
لــــم يُحدّد الإسلام نظاماً معيّناً للخلافــــــة أو للدولــــة الإسلامية ، بل عهد بهذا الأمـــر إلى الإنســــــان نفسه ، مؤكداً على أن يكون الأمر شــورى . وهكذا كـــانت دولـــة الخـلفــــاء الراشـــدين ( 11 هـ / 632 م - 40 هـ 661 م ) ، مرجع الدولة الإسلامـيـة ونموذجهــا . إلّا
أنـهــا عرفت ، بعد اثنتي عشرة سنة من وفاة النبي صلى الله علـــــــيه وآله وسلـــــــــــم ( 11 هـ / 632 م ) ، في النصـف الثانــي مـــن خلافــــة عثـــمــان بـن عفـــــان (23 هـ / 644 م - 35 هـ / 656 م ) ، الخــليـفـة الــثــــــالــث ،
الإنحرافات الأولى عن التقاليد الإسلامية والأزمات الحقيقية الأولى . وفي هذا السياق ، قُتل عثمان . ثم حدث في بداية عهد رابع الخلفاء الراشدين وآخرهم ، عليّ بن أبي طالب ( 36 هـ / 656 م - 40 هـ / 660 م ) ابن عمّ النبي وصهره ، ( زوج فاطمة ) ، أن نازعه على السلطة معاوية بن أبي سفيان الذي كان قد حصل على بيعة أهل الشام . وخاض المعسكران حروباً دامية ، انتهت مؤقتاً ، باللجوء إلى التحكيم في صفين ( 37 هـ / 657 م ) . وقد قبل عليّ فكرة هذا التحكيم مدفوعاً بنواياه الطيبة لحقن دماء المسلمين والمحافظة على وحدتهم .

1 - موقف المُحَكّمَة ( الخوارج )
إن قبول علي بالتحكيم ، بناء على طلب خصمه معاوية ، لوضع حدّ لنزاعهما على الخلافة شكّل منعطفاً كبيراً في التاريخ الإسلامي . فعلى أثر هذا القرار ، انفصلت عنه جماعة من أصحابه ، عرفوا باسم ( المُحَكّمَة ) أو ( الخوارج ) . وكانوا يرون في قرار التحكيم طعناً في شرعية الخليفة عليّ نفسه ، بل انحرافاً لدولة الخلافة . وكان " خروجهم " ، في رأيهم ، واجباً يقتضيه الدين ، واحتجاجاً على هذا الانحراف . ولكن الأمر لم يَدَّرّ ، مبدئياً في الأقل ، على انفصال لا رجعة عنه ، والمصادر الإباضية المذكورة تقدّم ، حول هذه النقطة ، توضيحاً هامّاً يستحقّ الذكر .
فقد بذل الخوارج ، كما تقول هذه المصادر ، جهدهم لإقناع عليّ بالعدول عن قراره . وللوهلة الأولى ، توصّلوا فعلياً ، إلى ثنيه عنه . فقد عدل عليّ عن فكرة التحكيم ونظير ذلك جدّد الخوارج دعمهم له واستعدادهم لقتال خصمه معاوية . ولكنّ عليّاً نقض اتّفاقه مع الخوارج ليتقيّد ، من جديد ، بقرار التحكيم . ويروي العالم العُماني القلهاتي بهذا الصدد :
" إنهم قد عاتبوه ومنعوه واحتجّوا عليه فتاب وأظهر لهم توبته ، فتابعوه بعد التوبة وآزروه وقبلوا منه .
ثمّ رجع عن قولهم إلى التحكيم بعد التوبة والرجعة ، وذلك أنهم أشاعوا أن عليّاً رجع عن التحكيم " (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القلهاتي ؛ ( محمد بن سعيد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 421 .

هذه الرواية للوقائع تعيد وضع مجموعة من كتابات مؤرّخين مسلمين غير إباضيين ، وعلى الأخصّ ما يدّعي منها أن الخوارج شجّعوا عليّا على قبول مبدأ التحكيم ، موضع المساءلة ، بل ويدحضها .
وفضلاً عن ذلك ، فعندما علم الخوارج بعودة عليّ إلى قرار التحكيم ، انفصلوا عنه متمسّكين بتحكيم الله مُحْتَجّين بأن ( لا حكم إلّا لله ) ، وهو ما ردّ عليه عليّ بقوله : " كلمة حق أُريد بها باطل " (2) . وقد ردّ على ذلك أبو عبيدة مسلم ، أحد أوائل مؤسسي الإباضية قائلاً : " إذا كان عليّ يعرف أن شعارهم يعبّر عن الحق ، فمن الذي أنبأه أن الباطل كان قصدهم " (3) .
وكانت جماعة الخوارج تضمّ بعضاً من قدامى الأنصار والمهاجرين وبعض الشخصيات العُمانية . وقد أقاموا في منطقة النهروان قرب الكوفة ، في العراق . وقد بلغ عددهم إذ ذاك ، كما يقول القلهاتي ، عشرة آلاف رجل (4) ، وانتخبوا إماماً لهم وهو العُماني عبدالله بن وهب الراسبي الأزدي .
يقول الشهرستاني ، بأنّ " كلّ من خرج على الإمام الحقّ الذي اتّفقت عليه الجماعة يسمّى خارجياً (1) " . لغوياً لا اعتراض على هذا التعريف ، ولكن المُحَكّمَة ، ( الخوارج ) ، كانوا يفضّلون تسمية أنفسهم بـ " الشراة " ، حسب المعنى الديني لهذه الكلمة ، على اعتبار أن الشُّراة هم الذين " خرجوا " لنصرة الإسلام والذين باعوا حياتهم الدنيا واشتروا الاخرة ، مع الرجوع إلى الآيتين القرآنيتين : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ } (6)
و { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ } (7) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) Ennami ( Amr Khalifah ),Studies in Ibadism , thesis ,University of Cambridge, 1971,p.13. (3) . Ibidem
(4) القلهاتي ( محمد بن سعيد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 239 .
(5) الشهرستاني ( محمد عبدالكريم ) ، مرجع سابق ، ص 114 .
(6) سورة النساء : 74 .
(7) سورة التوبة : 111 .
والخوارج ، كما يقول المستشرق الفرنسي لويس غارديه (Gardet) ، هم أولئك الذين رفضوا التحكيم في صفّين . فهم لم يغفروا لعليّ ، وكانوا من أنصاره في السابق ، إخضاعه السلطة التي خولها الله لتحكيم البشر (8) . ورفضوا ، كذلك ، إطاعة معاوية وانطووا على القيم الإسلامية المطلقة (....) . وسوف يقدّمهم مؤرخون غربيون بوصفهم " بيوريتانيي " (Puritains) الإسلام (9) . ومهما يكن من أمر ، فإن التحكيم ، كما رأينا في الفصل التمهيدي ، قد حدث بعد معركة صفّين ( 37 هـ / 657 م ) . إلّا أنه من المسلّم به أن هذا التحكيم لم يكن سوى خدعة كبيرة . فقد صرّح مندوب الإمام ، أبو موسى الأشعري ، أنّه اتّفق مع مندوب معاوية ، عمرو بن العاص ، على خلع الرجلين واللجوء إلى انتخاب جديد . ولكن هذا الأخير كذّب الواقعة وأعلن ، على العكس من ذلك ، أنه اتفق ، مع مندوب عليّ ، ولكن هذا الاتفاق كان على عزل عليّ وتثبيت معاوية (10) .
إلّا أن عليّاً ، كما يقول المؤلف الإباضي ، القلهاتي ، كتب ، إذ ذاك ، إلى أهل النهروان قائلاً :
" إن الحَكَمَيْن نبذا كتاب الله وراء ظهورهما ، وحكما بغير ما أنزل الله . فبرئ الله منهما ورسوله وأنا منهما بريء " (11) .
وفي هذا الخطاب الذي يورده القلهاتي في كتابه : الكشف والبيان . طلب عليّ من الخوارج العودة والانضمام إليه في معركة واحدة ضدّ معاوية ، كما سبق لهم وأن أظهروا سابقاً ، العزم على ذلك . وهذا ما ردّ عليه الراسبي ،
إمام الخوارج المنتخب قائلاً :
" من إمام المسلمين إلى عليّ بن أبي طالب الخالع نفسه :
" لــقــد بـلــغــنــا كــتـابــك ، تــذكــر فــيــه أن الـحَكَمَيْن نـبـــذا كـــتــاب الله وراء ظــهــورهــمـــا وحـكــما بــغـير ما أنزل الله (...........................................................) إن أمــرهــمــا كــان مــخــالــفـــــــــــــاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(8) . Gardet (L.),Les Hommes de L'Islam,Paris.Hachette,1977,pp.209-210
(9) . Ibid.,p.199
(10) معمر ( علي يحيى ) ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، سلطنة عُمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، 1986 ، الجزء الثاني ، ص 166 . أنظر أيضاً : القلهاتي ( محمد بن سعيد) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص240 .
(11) القلهاتي ( محمد بن سعيد) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص240 .
للحق من أوله (...) وذكرت أنك ترجع إلى الحق وتعطي الرضا وترجع إلى الأمر الأول . فلسنا نردّ عليك توبتك " (12) .
ومع ذلك ، فإن الراسبي الذي رأى أن في كتاب علي تراجعاً رفض عرض عليّ للعودة إليه ، بل طلب منه الالتحاق بالخوارج تحت إمامته مستنداً إلى أن عليّاً قد خلع نفسه بنفسه من خلافته ، ( وهو ما لا يمحوه ندمه ) ، وإلى أنّ إماماً جديداً ، ( الراسبي ) ، انتخب في هذه الأثناء من جانب " المُحَكِّمَة " الذين رفضوا الخضوع لمبدأ التحكيم . ولكن كيف لعليّ أن يقبل دعوة الراسبي وهو الذي كان ما يزال يرى نفسه الخليفة الشرعي وإمام الأمّة الإسلامية . وعن هذا الخلاف على مبدأ التحكيم خرج انشقاق مذهبي تبلور ، فيما بعد ، بين الخوارج والشيعة ، أنصار عليّ .
وعلى أثر جواب الإمام الراسبي ، أرسل الخليفة عليّ ابنه الحسين لمحاربة الخوارج . ويذكر العالم والمؤرّخ الإباضي الشماخي ، أنه عندما وصل الحسن بن عليّ على رأس جيش لمحاربتهم خرج إليه الراسبي وقال له :
" أتقاتلنا على أنا سمّينا أباك أمير المؤمنين خلع نفسه فأبينا أن نخلعه " (13) .
وكان هذا الجواب كافياً ، وفق الرواية الإباضية ، لثني الحسن عن عزمه ، فعاد إلى أبيه رافضاً قتال الخوارج . إلّا أن عليّاً قام في طريقه إلى محاربة معاوية في الشام بشنّ حملة على الخوارج . وأنزل بهم هزيمة نهائية في معركة النهروان ( 38 هـ / 658 م ) التي قتل فيها ، الآلاف من الرجال ، حتى لم يعد في وسع من نجا إلّا التفرّق . وفق بعض المصادر السنّية ، فإن عدد القتلى بلغ ألف رجل ، ذلك أن بعض " المُحَكِّمَة "قد سبق أن تراجعوا عن مواقفهم خلال المناظرات التي درات بينهم وبين عليّ (14) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(12) المرجع السابق ، ص241 .
(13) الشماخي ( أحمد بن سعيد ) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 51 .
(14) ابن كثير ( إسماعيل بن عمر ) ، البداية والنهاية ، الجزء الرابع ، دار ابن حيّان ، القاهرة ، 1996 ، ص 345 .
يبقى أن الخليفة عليّاً تأسف بمرارة كما يقول القلهاتي ، على محاربته للخوارج ، وندم على هذا الفعل وقال ، مكرّراً بعد المعركة : " بئس ما صنعنا ، قتلنا خيارنا وفقهائنا " (15) .
ويضيف القلهاتي ما معناه أنّ عدداً من أصحاب عليّ تركوه بعد هذه الواقعة . فبعضهم خاف ، وبعضهم ندم (16) . ولعل عليّاً أوصى أصحابه بعد هذه المعركة أن :
" لا تقاتلوا الخوارج بعدي ، فليس من طلب الحقّ فأخطّأه كمن طلب الباطل فأدركه " (17) .
وما يلفت النظر حقّاً ، هو أن عليّاً لم يعتبر المنشّقين عنه مشركين أو منافقين بل كما يقول : " إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم " (18) .
وهكذا انتهى التحكيم وانتهى معه عهد الخلفاء الراشدين الأربعة : أبي بكر الصديق ( 11 هـ / 632 م - 13 هـ /634 م ) ، عمر بن الخطاب ( 13 هـ / 634 م - 23 هـ / 644 م ) ، عثمان بن عفان
( 23 هـ / 644 م - 35 هـ / 656 م ) ، وعليّ بن أبي طالب ( 35 هـ / 656 م - 661 م ) . ونتيجةً للخلاف على فكرة التحكيم ونتائجها ، ولدت عدّة فرق ومدارس فكرية وثلاثة مذاهب رئيسية حدّد كلّ منها الإطار لعامّ لصيرورة التاريخ العربي - الإسلامي حتى أيامنا هذه المذهب السنّي والمذهب الشيعي ومذهب الخوارج .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(15) القلهاتي ( محمد بن سعيد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 353 . راجع أيضاً ، الشماخي ( أحمد بن سعيد ) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 53 .
(16) القلهاتي ( محمد بن سعيد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 353 .
(17) الإمام علي بن أبي طالب ، نهج البلاغــة ، الطبعة الثانية ، دار الكتاب المصري ، القاهـــــــــرة 1990 ، ص 398 .
(18) ابن كثير ( إسماعيل بن عمر ) ، مرجع سابق ، ص 347 .


2 - من الخوارج إلى الإباضيين
وهكذا ، نتيجة لتصفية الخوارج في واقعة النهروان ( 38 هـ / 658 م ) ، تفرّق من نجا منهم في بعض المناطق العربية والإسلامية . ويعتقد أن القسم الأكبر انتقل إلى البصرة . وفي عام ( 65 هـ / 685 م ) انقسم الخوارج ، ( أو من بقي من حزب المُحَكِّمَة ) . وانشقت منهم عدة جماعات : الأزارقة ، النجدات ، جماعة المسلمين أو أهل الدعوة . وقد عرفت هذه الأخيرة لاحقاً ، لأسباب خاصة ، باسم " الحركة الإباضية " ، نسبة إلى واحد من أوائل رموزها ، عبدالله بن إباض .
ومع ذلك ، نجد أحياناً أن الإباضية المُتَنَزِّلة من الخوارج ، ( حزب المُحَكِّمَة ) ، تحاول إبراز الفرق بينها وبينهم . ويقول بعض الإباضيين إن أصول حركتهم تعود إلى ما قبل التحكيم ، إلى
العهد الذي تكوّنت فيه المعارضة للخليفة الثالث عثمان ( 23 هـ / 644 م - 35 هـ / 656 م ) الذي اعتبر مسؤولاً عن انحراف الخلافة الراشدة ، وتعكس كتابات إباضية عديدة مآخذها على عثمان ؛ ( سوف يرد ، في مكان آخر ، كتاب عبدالله بن إباض إلى عبدالملك بن مروان ) .
ومهما يكن من أمر ، فإن الحركة اكتسبت ، خلال هذه المرحلة الطويلة من النضال العقائدي والسياسي ، السرّيّ والعلني ، كثيراً من النضج والخبرة . ووصلت إلى صياغة الأسس العقائدية والفكرية والتنظيمية لحركة مستقلّة عن كلّ الجماعات والتيّارات الأخرى ، من شيعة وسنّة . وهكذا ظهرت الإباضية كمذهب قائم بذاته ، في الوقت نفسه الذي تشكّل فيه المذهبان الرئيسيان إن لم يكن قبلهما .
قادت خمس شخصيات الحركة الإباضية وطبعت تاريخها بطابع خاصّ :
الشيخ أبو بلال بن أدية التميمي ، أحد الناجين من موقعة النهروان ، الذي انتقل إلى البصرة وبدأ فيها " دعوته " من أجل تنظيم أهل الدعوة فاعتبر أصل الحركة الإباضية . كان الرجل عالماً مجاهداً من الدرجة الأولى وإذ لا نعرف تاريخ ولادته ، فلقد كانت وفاته خلال ثورته على والي البصرة عام 61 للهجرة .


العالم أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العُماني ( 21 - 93 هـ ) (19) ، المولود في مدينة فرق القريبة من نزوى ، انضمّ إلى أهل الدعوة بعد وصولهم إلى البصرة بقليل ، وما لبث أن أصبح قائد جماعتهم . وقد انضوى الجميع تحت لوائه بمن فيهم أبو بلال نفسه (20) . وعلى الرغم من صغر سنة أصبح الأب الروحي للحركة وإمامها الأول . وإليه يرجع فضل الإسهام في إغناء الفقه الإسلامي وإنشاء مدرسة الفقه والتشريع الإباضي .
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة هو الشخصية البارزة الثالثة في الحركة . وكان أكبر إسهام هذا العالم ، الإمام الإباضي الثاني ، هو تأسيس المجالس وبشكل خاصّ مجالس حَمَلَة العلم
المكلّفين نشر المذهب الإباضي في البلدان العربية والإسلامية .
وعلى ما يقول النامي :
" إن تطوّر المذهب الإباضي ونمو التنظيم والتوسّع السريع للحركة في اليمن وعُمان وخراسان وشمال إفريقيا قد تمّت بشكل لا ينكر بفضل أبي عبيدة ومواهبه الفطرية كرجل علم ودولة " (21) .
وقد توفّي أبو عبيدة في عهد أبي جعفر المنصور .
عــبدالله بن إبـــاض المرّيّ التميمي الذي أطلق اسمه على المذهب هو الشخصية الرابعة . تتلمذ على جابـــــر بن زيـــد ، وكان عالماً وبرز كمدافع فاعـــــــل عن حركته . ولعلّ عبدالله بن إباض كان من أصــــل نجدي ، كـمـا يُرَجَّح أنه كـــــــان واحــــداً من الصـــحـــــابـة (22) . ويعـــــــود لـــــقــــب إمــــام الـــمـــسلـــميــن أو إمـــام القــــــوم الـــذي يطــلـــــق عـــلــيــه في
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(19) Al-Maamiry ( Ahmed Hamoud ),Oman and Ibadisme,New Delhi, India, Lsncer Booms, 1989, p.33 .
( ولد على الأرجح عام 18 هـ / 639 م ، ويلتبس تاريخ وفاته فيترجح بين 93 - 94 و 103 )
(20) خليفات ( عوض محمد ) ، الأصول التاريخية للفرق الإباضية ، الطبعة الثانية ، سلطنة عُمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، 1988 ، ص7 . راجع أيضاً : السمائلي ( سالم بن حمود ) ، مرجع سابق ، ص 13 - 39 .
(21) . Ennami ,op.cit,p.95 (22) . Ibid,p.2
الموسوعة الإسلامية ، إلى الفترة التي شارك فيها إبن إباض في الدفاع عن المدينة المنوّرة عام 64 هـ فقط ، على اعتبار أن حالة الكتمان التي أُرغم عليها الإباضيون بعد الانشقاق ( 65 هـ) ، تستبعد إمكانية وجود إمامة بالمعنى السياسي لهذه الكلمة . وعلينا لربما أن نرى في هذا اللقب أيضاً تلميحاً إلى الدور الرئيسي الذي لعبه ابن إباض في نوع من " حكومة ثيوقراطية " إباضية سرّيّة سمّيت
" جماعة المسلمين " (23) . وفضلاً عن ذلك فإن عبدالله بن إباض هو من تولّى ، إثر وفاة أبي بلال ( 61 هـ ) ، قيادة " المعتدلين " (24) . ويعتقد أنه توفّي في نهاية عهد الخليفة عبدالملك بن مروان ( 86 هـ / 707 م ) .
* شخصية أخيرة يجدر بنا ذكرها هنا ، هي شخصية العالم الربيع بن حبيب الأزدي العُماني ، المرجع المذهبي للحركة الإباضية . عاش الربيع معظم حياته في البصرة قبل أن يعود إلى بلده عُمان ويموت فيها ، في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني .
ولكن الحركة الإباضية ، أكثر الجماعات اعتدالاً ، اضطرّت ، إثر الانقسام الذي عرفه حزب المحكّمين ( 65 هـ / 685 م ) ، إلى تأكيد مواقفها المذهبية تجاه الجماعات الأخرى ، وعلى الأخصّ تجاه الأزارقة المتطرّفة . وقد كلّف عبدالله بن إباض الذي كان يتمتّع بحماية قبيلته القوية ، بهذه المهمّة ، في حين استمر جابر بن زيد ، إمام الحركة الحقيقي ، يعمل سرّاً ليتجنّب تعريض نفسه للخطر . وتلك هي الفترة التي سمّيت فيها الحركة بـ " الإباضية " .
3 - مرحلة البناء
خـــــــــــــــلال الــــمـــرحلة الطويلة للبناء المذهبي والتنظيمي والسياســـــــــي ، المرحــلــــة التي سبقت تشييد الإمامـــــــات ، تمّ تأسيس ثلاثة مجالس لتولّي أدوار ومهمات مختلـــفــــة : مـجـــــــلـس العلمـــــاء أو " مجلس الشيوخ " ، المجلس الـعامّ ومــجـــلس حَمَــلَة الـعــلــــــم (25) . ومـــن الـــمـفـيـد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(23) . Encyclopedie Islamique,op.cit.,tomeIII,p.670
(24) . Ibid,p.669
(25) . Ennami ,op.cit,p.104-109


أن يلاحظ أن هذه المجالس كانت ، وقتذاك ، سرّيّة وتعقد اجتماعاتها في المخابئ تجنّبا لاضطهاد الدولة . وكان على الإباضيين ، السرّيّين منذ بداية تاريخهم ، أن يبرهنوا على إحساس حادّ بالتنظيم وروح انضباط لا تشوبها شائبة .
أرست هذه المجالس ، الأولى من نوعها ، الأسس التنظيمية والعقائدية للحركة . ومن المنطقي الاعتقاد أن قسماً كبيراً من موادّ الدستور الإباضي صيغ أثناء مرحلة الكتمان هذه ، على الرغم من أن الدستور نفسه لم يظهر مكتوباً متكاملاً إلّا في القرن الثالث الهجري ، إثر سقوط إمامة الصلت بن مالك في عُمان (237 هـ / 851 م ) ، الذي أثار جدلاً دستورياً امتدّ قروناً . وكان وراء إنتاج العلماء الإباضيين بعض أفضل أعمالهم المذهبية والفقهية والتشريعية والدستورية .
ومن بين المبادئ الأساسية التي حدّدتها هذه الحركة وتميّزت بها ، نشير هنا إلى ثلاثة مبادئ هامة :
أوّلاً : أن الإباضية أكّدت على الاعتدال كمبدأ أساسي في محاكمتها للأمور ورفضت ، خلافاً لجماعات أخرى ، مبدأ الخروج . وبعبارة أخرى ، رفضت مهاجمة أية جماعة أخرى أو الدخول في حرب ضدّ أي طرف آخر ، إلّا في حال تعرّضها لاعتداء . كما أقرّت ، بالمقابل ، المبدأ المعروف ، في ذلك الحين ، باسم " القعود " وفضّلت العمل السلمي والسرّي ، غالباً ، لنشر المذهب الإباضي .
ثانياً : تمسّكت الحركة بعدم الثورة على الحكام القائمين ، شريطة أن يكونوا عادلين وأن يُراعوا الشرائع الإسلامية . وبالمقابل ، التزمت الحركة ، مذهبياً ، بإعلان إمامة الظهور لإسقاط حاكم مستبدّ وإحلال الإمامة محلّه .
ثالثاً : أقرّت الحركة ، مرحلة الكتمان كمرحلة هامّة للمحافظة على نقاء العقيدة وسلامة الحركة ضدّ الاضطهاد .
ويعتقد أنه خلال هذه الحقبة التي امتدّت أكثر من نصف قرن ، أقرّ العلماء الإباضيون مراحل الإمامة أو حالاتها الأربع : الكتمان ، الشراء ، الظهور ، والدفاع ، التي تعرف أيضاً بمسالك الدين والتي لم تلبث أن تحوّلت إلى قواعد ثابتة في الدستور الإباضي .


امتدت مرحلة البناء العقائدي والفكري والتنظيمي أكثر من نصف قرت ، وعلى هذا النحو ، تميّزت الحركة الإباضية ، منذ بداياتها ، بالتنظيم والتخطيط والانضباط ، وتميّزت أيضاّ ، دون شكّ ، بالمرونة والاعتدال ، وهما صفتان لازمتا الثقافة العُمانية حتى اليوم .
ويجب أن نشير إلى أن جابر بن زيد كان يتمتّع بمكانة بارزة بين علماء تلك الفترة ، وقد لعب دوراً أساسياً في تنظيم الحركة وبنائها العقائدي ، كما في انتشارها . ولدى وفاته ، علّق أنس بن مالك ، أحد أصحاب النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وأحد شيوخه قائلاً : " اليوم مات أعلم أهل الأرض" (26) .
كانت الدعوة الإباضية قد أصبحت ، منذ ما قبل وفاته ، حركة إسلامية هامّة . وكانت الولاءات القبلية والعرقية لمعظم أتباعها قد تركت مكانها للقناعات المذهبية . ولم تعد الحركة تقتصر على القبائل الأزدية أو التميمية ، بل دخلت بلداناً أخرى بفضل تبشير حَمَلَة العلم (27) الذين كانوا ، هم أنفسهم ، قد تعلّموا على أيدي علماء البصرة . ومن ذلك الحين بدأت عُمان تتحول إلى مركز لهذا النمو والإشعاع المذهبي لا سيّما أن الحركة الإباضية كانت قد بلغت نضجها في الولاء للمبادئ التي حدّدت خلال مرحلة البناء الفكري .
4 - كتاب عبدالله بن إباض إلى الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان (28)
خلال عهد عبدالملك بن مروان ، تبادل معه زعيم المدرسة الإباضية ، عبدالله بن إباض ، مراسلات وحوارات فكرية . وقد عالج مسائل خاصّة بالخلافة الإسلامية والموقف المذهبي والــفــلــســفي لــلحــركــة الإبــاضــيــة مــن هــذه الأزمــة . وتــتــمــيّــز هــذه الــمــرحــلة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(26). Ennami ,op.cit,p.85 ، راجـع أيضاً ،الشماخي ( أحمد بن سعـــــــيد ) ، مرجع سابق ، الـــجزء الأول ، ص 67 - 68 .
(27) خليفات ( عوض محمد ) ، الأصول التاريخية للفرق الإباضية ، مرجع سابق ، ص 24 - 25 .
(28) كتاب السير والجوابات ، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف ، سلطنة عُمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، الجزء الثاني ، ص 325 - 345 .
بجهد في البناء الفكري وبظهور الحركة الإباضية والصعود القويّ لمواقفها . وكان لا بدّ أن تخرج من ذلك رؤية جلية للدولة الإسلامية وأسسها .
يناقش الخطاب الطويل المعروض فيما يلي ، من بين أمور أخرى ، أربع نقاط رئيسية في الحوار الفكري الإسلامي في ذلك العصر ، وربّما اليوم أيضاً :
الموقف من خلافة عثمان ( 23 هـ / 644 م - 35 هـ / 656 م ) .
الموقف من التحكيم وظهور الدولة الأموية .
الموقف من الخوارج .
الموقف من الأزارقة ، ( أتباع ابن الأزرق ) .
والشهادة التي يقدمّها عبدالله بن إباض تحمل توضيحاً حيّاً للأحداث التي عاصرها .
يُذكّر عبدالله بن إباض ، في بداية هذا النصّ ، بعهد عثمان ين عفّان ويعرض ، بتعبيره ، مآخذ المسلمين عليه ، ومن بينها أن عثمان بن عفّان طرد بعض الشخصيات الإسلامية من مدينتي الكوفة والبصرة وصادر أراضي الفقراء وتصرّف ببيت المال ، وبمال الفقراء وأباحه لأقربائه ، وينهي عبدالله بن إباض حديثه كما يلي :
" وكان من عمل عثمان أنه حكم بغير ما أنزل الله وخالف سنّة نبي الله والخليفتين الصالحين أبي بكر
وعمر " (29) .
وفي مكان آخر يضيف بنبرة حازمة ، متوجّهاً إلى الخليفة الأموي نفسه :
" وإني أُبيّن لك يا عبدالملك بن مروان الذي أنكر المؤمنون على عثمان وفيما فارقناه عليه فيما استحل من المعاصي عسى أن تكون جاهلاً عنه غافلاً وأنت تسير على دينه وهواه ألّا يحملنك يا عبدالملك هوى عثمان أن تجحد بآيات الله " (30) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(29) كتاب السير والجوابات ، سبق ذكره، الجزء الثاني ، ص 333 . راجع أيضاً ،القلهاتي ( محمد بن سعيد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 207 .
(30) كتاب السير والجوابات ، مرجع سابق، الجزء الثاني ، ص 329 .
ويتوقّف عبدالله بن إباض ، هنا ، أمام مسألتين : الأولى ، هي موقف الإباضيين من انحراف عثمان ، الخليفة الثالث ، عن السبيل والمبادئ الإسلامية . وهو يوضح ، ثانياً ، الموقف الإباضي من الدولة الأموية التي لا تعترف الإباضية بشرعيتها . أمّا بالنسبة لموقف الإباضيين من الخوارج ، فإن قائد الحركة الإباضية نفسه يتابع ، متوجّهاً دائماً إلى عبدالملك بن مروان قائلاً :
" وكتبت إليّ تُعَرّض بالخوارج ، تزعم أنهم يغلون في دينهم ويفارقون أهل الإسلام وتزعم أنهم يتّبعون غير سبيل المؤمنين ، وإنني أبيّن لك سبيلهم . إنهم أصحاب عثمان ، والذين أنكروا عليه ما أحدث من تغيير السنّة وفارقوه حين أحدث وترك حكم الله ، وفارقوه حين عصى ربه ، وهم أصحاب عليّ بن أبي طالب حين حكّم عمرو بن العاص وترك حكم الله ، فأنكروه عليه ، وفارقوه فيه ، وأبوا أن يقرّوا لحكم البشر دون كتاب الله " (31) .
ويضيف قائلاً :
" وقد علم من عرفهم من النـــاس ورأى عملهم أنهم كانــوا أحسن الناس عملاً وأشدّ قـتــالاً في سبيــل الله " (32) .
أمّا بالنسبة لموقف الإباضيين من الخوارج ، فإن عبدالله بن إباض يحدّده كما يلي :
" إننا نُشْهد الله والملائكة إنّا لمن عاداهم أعداء وإنّا لمن والاهم أولياء ، بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا " (33) .
ويحسم عبدالله بن إباض بهذا الموقف الخلاف الحاصل بين المؤرخين في موضوع موقف الإباضية من الخوارج ، كما يحدّد موقفاً آخر للإباضيين ، من الأزارقة هذه المرّة ، وهي حركة انحرفت عن تعاليم الدين الإسلامي وحاول أعداء الخوارج مماهاتهم بها :
" إنـــــــا نــــبــــرأ إلــــى الله مـــن ابـــن الأزرق وأتــبـــاعــه مــن الــنـــاس . لـقــد كـانـوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(31) المرجع السابق ، ص 341 .
(32) المرجع السابق ، ص 342 .
(33) المرجع السابق ، ص 342 .
خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر لنا ، ولكنهم ارتدّوا عنه وكفروا بعد إيمانهم " (34) .
إن هذا الخطاب على أهميّة عظيمة من الوجهة التاريخية والمذهبية . وليس كاتبه مؤرخاً يكتب عن أحداث بعيدة ، إذ لم يعش هذه الأحداث فحسب ، بل شارك فيها مشاركة فاعلة . وهو ، فوق ذلك ، أحد مفكّري الحركة الإباضية . وفي ضوء هذا الخطاب يبدو أن نواة الحركة الإباضية قد تبنت وجهة نظرها المذهبية ، خلال خلافة عثمان بن عفّان (23 هـ / 644 م - 35 هـ 656 م ) . ولكنها أقرّت خلافة عليّ بن أبي طالب (35 هـ / 656 م - 40 هـ 661 م ) . ومع ذلك ، فقد اختلف رجالاتها مع عليّ حول قضية التحكيم في صفّين التي ستفتح الطريق لانشقاقات فادحة في نتائجها . ومن أجل ذلك يجدر بنا أن نتصدّى ، الآن ، للموقع الإباضي بالنسبة للمذاهب الإسلامية الأخرى .
5 - الإباضية في السياق المذهبي الإسلامي
الشيعة هم الجماعة التي تعلّقت بالإمام عليّ وشكّلت أتباعه بعد قضية تحكيم صفّين . وقد تميّزت هذه الجماعة بتعلّقها الشديد بخلافة وراثية . فلا ينبغي أن يكون الخليفة ، الإمام ، الّا من قريش ، من أهل البيت . ولا ينبغي أن تعود الخلافة إلّا لهذه القبيلة وحدها . ومنصب الإمام ، بالنسبة إليها ، إلهي ، وهي ترفض أن يكون موضع انتخاب ، وقد حدّد موقفها كما يلي : إن الإمام ، كالنبي ، يجب أن يكون معصوما عن الخطأ ليكون أهلاً لحمل أمانة العقيدة والشريعة بعده . وقد رأت الشيعة بعد موت النبي :
" أن عليّاً كان الوحيد المعصوم عن الخطأ ، لأنه لم تصدر عنه أية معصية ، ولم يكن يعبد الأصنام قبل الإسلام ، ولذلك كان يجب أن يكون الإمام . ويجب أن يكون الإمام أفضل علماً من غيره في زمانه . وقد كان علي كذلك ، فوجب ، إذاً ، أن يكون الإمام دون غيره " (35) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(34) المرجع السابق ، ص 342 .
(35) مروة ( حسين ) ، النزاعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، بيروت ، الفارابي ، الطبعة الرابعة ، 1981 ، الجزء الأول ، ص496 .

أما أهل السنّة ، أصحاب الأغلبية ، فقد أقرّوا ، كالشيعة ، أن خليفة الرسول يجب أن يكون من قريش شريطة أن لا يهمل مراعاة تعاليم الدين الإسلامي ، وأن توافق عليه أغلبية المسلمين .
ومن جهة أخرى ، رفضت السنّة الشروط الثلاثة المذكورة آنفاً ، والتي جعلها الشيعة دليلهم العقلي . فليس هناك ، بالنسبة للسنّة ، ما يثبت شرطي عصمة الإمام وكونه لم يرتكب معصية . أمّا بالنسبة للشرط الذي يقول إن الإمام يجب أن يكون أعلم أهل زمانه ، فإنه يكفي أن تكون لديه مؤّهلات كافية للقيام بمهمّات الخلافة ، وأن يكون أهل الحلّ والعقد هم الذين يختارونه (36) . فقد رفض أهل السنّة ، إذاً ، مبدأ الانتخاب ، وفضلاً عن ذلك ، فمن الثابت بالنسبة لهم ، أن وجود حاكم مستبدّ أفضل من
وقوع فتنة داخل الأمة .
في الواقع ، أن المؤرخين السنّيين أبدوا بادئَ الأمر ، قسوة حيال سياسة معاوية وبشكل خاصّ فيما يتعلّق بشخص ابنه يزيد المسؤول عن مقتل الحسين في كربلاء . ولكن الموقف السنيّ ، تجاه مطالب المنشقّين ، سوف يكون قبول الواقع ، مهما كان ، ما لم تُخالف التعاليم القرآنية (37) . إلّا أنه من المهمّ أن نشير إلى أن السنّة لم تتّخذ كيانها كمذهب إلّا مع مطلع القرن الهجري الثاني ، بعد سقوط الدولة الأموية (38) ، أي بعد أن نشأت الإباضية وتكونت كمذهب .
أمّا بالنسبة للخوارج ، فنحن نعلم أنهم رفضوا مبدأ التعيين ورفضوا أن تكون الإمامة حكراً على قريش ، أي وراثية ، وأن تكون إلهية . وأصرّوا ، في المقابل ، على مبدأ الانتخاب الحرّ للإمام مهما تكن طبقته وقبيلته " حتى ولو كان عبداً حبشياً " . والشرط الرئيسي المطلوب لهذا المنصب ، بالنسبة لهم ، هو وجوب أن يكون الإمام أتقى الناس . أمّا في حال عدم احترام الإمام للتعاليم الدينية أو عدم احترام الدولة لالـتـزامـها حـيـال الأمّـة الإسـلامـيـة ، فـإن الخـوارج كـانـوا أكـثـر النـاس حـزماً : لا بـدّ من خلع الإمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(36) المرجع السابق ، ص 497 .
(37) . Gardet (L.),Les Hommes de L'Islam,op,cit,p.246
(38) . Ibid,p.209

آنذاك ، بل يجوز في حال رفضه التنحي أن يُقتل :
" إن خليفة ظالماً ، أي غير شرعي بحكم ظلمه ، يستحق الموت . ذلك أن الخليفة أو الإمام لا يمارس السلطة باسمه الخاص (...) وربما كانت إحدى أبرز السمات العقلية للخوارج هي الالتزام بحرفية المدلولات والقيم القرآنية والمضي بها إلى نتائجها القصوى " (39) .



وبالنسبة للموقف الإباضي من مسألة الإمام فهو مماثل لموقف الخوارج الذين يرفضون مبدأي التعيين والوراثة . فمنصب الإمام ليس إلهياً ، بل هو زمني . ولقد بنى الإباضيون هذا الموقف على سوابق مستوحاة من فترة الخلافة الإسلامية واستندوا إليها بوصفها مرجعاً ثابتاً . وهم يرون أن تولية أوّل خليفة بعد وفاة النبيّ ، أبي بكر الصديق والخليفة الثاني ، عمر بن الخطاب ، لم تقمْ بالتعيين ، بل باستشارة أهل الحلّ والعقد . وهذا هو الوجه الأول فيما يتعلّق بمبدأ الانتخاب .
وفيما يتعلّق بالوجه الثاني ، أي ما إذا كان ينبغي أن يكون الخليفة من قريش ، فإن الإباضيين يرون أن تولية الخليفتين الأولين لم تتمّ لأنهما من قريش ، بل لأنهما حثَّا المهاجرين والأنصار على البيعة .
وأخيراً تتوجّب الإشارة إلى أن للإباضيين موقفاً متسامحاً تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى وبشكل خاصّ أهل السنّة . وعلى عكس بعض حركات الخوارج مثل الأزارقة ، فالزواج والتوارث من أفراد المذاهب الإسلامية الأخرى مقبول ومُحَلّل عند الإباضيين ، ويميّز هذا المبدأ الإباضيين عن بعض الفرق الأخرى من الخوارج . والواقع أن الإباضيين قد ميّزوا حركتهم إبّان صياغتهم الخطوط العريضة للمذهب الإباضي في مرحلة الكتمان .


ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(39) . Ibid,p.211


القسم الثاني
نظام الإمامة : من انتخاب الإمام إلى حالات الإمامة الأربع

ليست الإباضية فرقة بالمعنى الضيّق للكلمة ، بل هي ، بالأحرى ، مدرسة فكرية تستند إلى خمسة مصادر تشريعية : القرآن ، السنّة ، الإجماع ، القياس والاستدلال . وتوفّر هذه المصادر ، لدى الإباضيين ، الإلهام الروحي وقاعدة الدستور السياسي وروح الفلسفة الاجتماعية . ومسألة الإمامة هي عمود المذهب الإباضي . إنها واجب . ولكن هل الإمامة فرض حقّاً ؟ إن الجواب هو نعم ولا على حدّ سواء . نظرياً نعم : فالإمامة فرض في الكتاب والسنّة والإجماع . ولكن الإباضية ، على عكس الخوارج ، ترى أن الطاعة واجبة في حال وجود حاكم عادل حتى ولو لم يكن إماماً منتخباً :
" إمام المسلمين ، سواء جاء بطريق الشورى أو بغيره ، إذا كان عادلاً تجب طاعته والخروج عنه فسق . وإذا جار ، جاز البقاء تحت حكمه ولا يُطاع في معصية وجاز الخروج عنه " (40) .
فإذا وجد حاكم عادل ، فلا ضرورة ، إذاً ، لإقامة الإمامة ولا هي واجبة . إلّا أن هناك مبدأ آخر يقول إنه إذا تحوّل هذا الحاكم إلى مستبدّ فيجب ، بعد استيفاء الشروط المطلوبة ، كإجماع أربعين عالماً ، الخروج عن طاعته وإعلان إمامة الشراء ، وفي هذه الحالة تصبح الإمامة واجبة .
وتبقى هذه المسألة دقيقة جداً ، ولا يمكن ، على أية حال ، حسمها إلّا من جانب العلماء . وقد لخّص أحد العلماء الإباضيين ، نظرياً ، هذه المسألة ، فقال :
" الإمامة سنّة قبل أن يثبت العقد ، فإذا ثبت العقد كانت فريضة " (41) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(40) معمر ( علي يحيى ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص197 .
(41) الكندي ( أحمد بن عبدالله ) ، المصنف ، سلطنة عُمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، 1983 ، الجزء العاشر ، ص27 ؛ ( وممّا يذكر أن هذا الجزء من كتاب الكندي مخصص للدستور الإباضي ) .

وكذلك ، فإن الإمامة لدى بعض الفقهاء الإباضيين مثل الزواج :

" الزواج سنّة ، فإذا تم عقد الزواج كان فرضاً " (42) .

1 - حالات الإمامة أو مسالكها
لدى الإباضيين أربع حالات للإمامة تسمّى ، أيضاً ، المسالك الدينية الأربعة : الحالة الأولى هي حالة الكتمان ويعمل بها عندما تجد الحركة الإباضية نفسها في حالة تراجع أو سريّة . ويبدو أنه قد اعترف بهذه الحالة رسمياً ، للمرّة الأولى ، بعد فشل ثورة أبي بلال مرداس (61 هـ) . وغالباً ما تلت هذه الحالة سقوط إمامة . إذ هي تتيح تجنّب التعرّض لقمع السلطة أو اضطهادها . وليست لهذه الحالة إمامة ظاهرة ولا إمام . ومن نافل القول أن من خصائص هذه الحالة انحسار النشاط السياسي للحركة ، الذي يقتصر عندئذ على الشأن الديني حصراً . إلّا أن الكتمان لا يمنع العلماء من البقاء على صلة في ما بينهم لدراسة وضعهم ووضع البلد في انتظار الانتقال إلى مرحلة أخرى . وقد تدوم حالة ما سنوات طويلة قد تصل إلى القرن .
دخلت الحركة الإباضية ، أكثر من مرّة في التاريخ العُماني ، مرحلة الكتمان . فقد دخلتها ، للمرّة الأولى ، بعد سقوط إمامتها الأولى ، إمامة الجلندى بن مسعود بين 132 و 135 هـ . وامتدّت مرحلة الكتمان ، آنذاك ، حوالي أربعين سنة ، أي حتى 177 هـ / 793 م . وفي العصر الحديث عاشت الحركة في حالة كتمان بعد سقوط إمامة عزان بن قيس (1868 - 1881 ) حتى إعلان إمامة الخروصي (1913 - 1919) .
والحالة الثانية هي حالة الشراء أي التضحية . والمعنى الحرفي للشراء هو : " بيع الدنيا في سبيل الآخرة أو شراء الآخرة بالدنيا " . وبعبارة أخرى ، ليس إمام الشراء سوى تحقيق الإمــامــة أو الــتــضــحــيــة . ذلــك أن درب الــتــضــحــية ( الشــــراء ) هو درب الرجـال
ــــــــــــــــــــــــــــ

(42) المرجع السابق ، ص 27 .
" الذين أسلموا أرواحهم إلى الله تعالى في سبيل جنته . والذين لا يتوقفون إلّا بعد أن يصبح أمر الله ظاهراً ( بدرب الظهور ) . ولو ماتوا من أجل ذلك " (43) .
وهناك قضيّتان تُطرحان وترتبطان بهذه الحالة الاستثنائية . الأولى ، هي أن الحركة الإباضية لا تتّخذ قرار الانتقال إلى مرحلة الشراء ، أي ، بالفعل ، إلى إعلان الحرب على السلطة الّا عندما يبلغ استبداد هذه الأخيرة طوراً لا يمكن احتماله . وهذه الظروف تثقل ، إذ ذاك ، على ضمائر العلماء الذين يستدعي منهم واجبهم الديني والأخلاقي الالتزام بقضايا الأمّة والوطن .
إلّا أن هناك شرطاً أساسياً لاجتياز هذه المرحلة لا بدّ من استيفائه . إذ يجب أن يتّفق أربعون عالماً على ضرورة الانتقال إلى حالة الشراء وأن يكونوا مستعدّين ، بالتالي ، للإسهام في الثورة على السلطة . ولا يمكن ، في أيّ حال من الأحوال ، اتخاذ هذا القرار دون قبول أربعين منهم . لماذا أربعون ؟ لأن الرسول لم يجهر برسالته إلّا مصحوباً بأربعين رجلاً . وقد أكمل هذا العدد عمر بن الخطاب . وقرار الرسول هذا أصبح جزءاً من السنّة التي يستند إليها الإباضيون كمبدأ دستوري ثابت .
والقضية الثانية ، تتّصل بانتخاب إمام الشراء . إنه الإمام الذي لا يمكنه التراجع حتى لو تخلّت عنه جماعته . ويجب عليه أن يثابر على تحقيق الإمامة أو يموت . إنها حالة الجهاد الديني والسياسي المطلقة لدى الإباضيين .
والحالة الثالثة ، وهي حالة الظهور ، وتترجم أحياناً بحالة " النصر " (44) ، تأتي بطبيعة الحال ، بعد حالتَي الكتمان والشراء . وهذه الحالة هي التي تضع فيها الإمامةُ الأعرافَ ، وتشيد فيها الحركةُ الشرائعَ والقوانين الإباضية . وهي الوضع الطبيعي للحركة الإباضية .
فـــــي حــــــالــــــة الـــــظـهــــور يتـحــوّل إمــام الشــــراء إلى إمام الظهور . وتختلف إباضية شمــال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(43) . Gardet (L.),Les hommes de L'Islam ,op.cit,p.216
(44) . Ibid,p.215

إفريقيا ، مع ذلك ، عن أُمّها العُمانية ، في هذه النقطة لأنها تقتضي ، بعد حالة الشراء ، اللجوء إلى مراسم جديدة للبيعة يعاد فيها انتخابُ الإمام نفسه أو ينتخب إمام آخر .
وأخيراً ، فإن هناك حالة رابعة ، هي حالة الدفاع ، ويعمل بها عندما يظهر ، والحركة في السلطة ، تهديدٌ خارجي للبلد والإمامة . وربّما أعلنت حالة الدفاع ، أيضاً ، عندما لا تكون الحركة الإباضية في السلطة ، وتحسّ نفسها مهدّدة من جانب حكومة البلد .
وعند إعلان حالة الدفاع يُنتخب إمام .
والواقع ، أن الغرض المؤسّسي لهذه الحالات ، ومن بينها حالة الكتمان ، يرمي إلى استمرار الإمامة . فالحركة الإباضية تحرص على أن لا تبقى الأمة دون مرجع حاضر ، دون إمامة . وهكذا ، تكون الصلة بين الشعب وقادته الدينيين والروحيين ، العلماء - أهل الحلّ والعقد - دائمة في كلّ الحالات وعبر الزمــن .
2 - مراتب الإمامة وطرق المبايعة
{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } (45) . وفق الدستور الإباضي يجب على الإمام أن يكون عادلاً ، حكيماً ، شجاعاً ، شريفاً ، قادراً على نشر العدالة بين الناس والسهر على حقوقهم ومصالحهم ، وأن يحْكمهم بالعدل التامّ حسب الشرائع الدينية . ولا ينبغي للإمام أن يكون حسوداً ولا حقوداً ولا بخيلاً ولا متعجّلاً ولا مبذّراً ولا غدّاراً ، ويجب أن لا يكون ماكراً ولا مقعداً ولا أعمى ولا أبكم ولا أصمّ (46) . في التفكير السياسي الإباضي ، كما لاحظنا سابقاً ، نوعان من الأئمّة ، إمام شراء ، وإمام دفاع ، يتحوّلان ، بحكم الانتقالات ، إلى أئمة ظهور . وإلى جانب كل
الشروط المطلوبة والمذكورة سابقاً ، هناك خاصّيتان هامّتان يتوجّب التنويه بهما .
أولاً : يـــنـــبــغــي أن يـــكـــون الإمــام ، وكــقاعدة عــامّة ، أتـقى أهـل زمانـــــه وأعلمـهم في مـيــدان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(45) سورة السجدة : 24 .
(46) الكندي (أحمد بن عبدالله) ، المصنف ، مرجع سابق ، الجزء العاشر ، ص 39 ، 63 ، 65 .
الفقه . والإمام الذي يتمتّع بهذه الصفة يُعرف بوصفه إماماً عالماً ، أي الإمام " القوي " وليس هناك نصّ في بيعته يلزمه الرجوع إلى أهل الحلّ والعقد - العلماء - قبل أن يتّخذ قراراً ما .
ثانياً : إذا لم تتحقّق الصفة الأولى ، الأكثر قيمة ، فإنه يرجع ، حينئذ ، للذين يتمتّعون بمؤهّلات عسكرية مطلوبة للدفاع عن الإمامة المهدّدة بأخطار شبه دائمة . وقد يبدو من قبيل المفارقة أن يُعرف هذا الإمام بـ " الإمام الضعيف " . ولكن الواقع أن سبب ذلك ، على وجه الدقّة ، في المنطق الإباضي ، هو أنه لا ينتمي إلى العلماء ولا يتمتّع باعتبار ديني أو روحي بارز بين أهل الحلّ والعقد . ومن هنا تنصّ بيعته على ضرورة الرجوع إلى المؤسّسة التشريعية للإمامة ، أي إلى أهل الحلّ والعقد ، قبل أن يتّخذ أيّ قرار يتعلّق بالإمامة أو الأُمّة ، ( سواء أكان هذا القرار دينياً أم فقهياً أم سياسياً ) .
ينصّ الدستور على أن أقلّ الشروط التي تشترط على الإمام الضعيف ، ولا يجوز أقّل منها ، هي أنْ :
" لا يقبض مالاً ، ولا يأمر بإنفاقه ، ولا يُوَلّي والياً ، ولا يأمر بذلك ، ولا يُخرج جيشاً ولا يأمر بذلك ، ولا يحكم بحكم ولا يأمر بذلك ، إلّا بمشورة المسلمين أهل العلم والورع " (47) .
موقف الإباضيين من هذه المسألة واضح وجليّ ، وهو تابع لمبدأ الشورى الثابت . يشير الدستور إلى أن الشروط التي شرطها المسلمون على الإمام فرض واجب ، فإن تركها كفر وزالت إمامته وسقطت عن الرعية طاعته (48) .
وبصرف النظر عن طبيعة الإمام فإن مبدأ الشورى لدى الإباضيين غير قابل للتجاوز . فالإمام العالم والتّقي الذي لا تحمل بيعته شروط الرجوع إلى أهل الحلّ والعقد ، لا يستغني عن الرجوع إليهم . على العكس من ذلك ، فإن الأئمّة المنتمين إلى صفوف العلماء والـمـشـهـوريـن بـأنـهـم " أقــويـــاء " هـم أكــثــر حــرصـاً عـلـى تـطـبـيـق مـبــدأ الـشـورى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(47) المرجع السابق ، ص 80 .
(48) المرجع السابق ، ص 81 .

والرجوع إلى مجالسهم . ولا شكّ في أن القرار يعود ، في نهاية المطاف ، إلى الإمام القويّ ، ولكن مبدأ الشورى يبقى أساسياً في نمط إدارة الشؤون الدينية والسياسية للإمامة . وبالمقابل ، فإن أمكن وجود أئمّة موصوفين بالضعفاء فذلك لا يعني أن إماماتهم " ضعيفة " ، بل على العكس ، فهي راسية بثبات وحرص على مبدأ قويّ ، مبدأ الرجوع إلى الشورى . وهذا هو أساس المشاركة واللجوء إلى الإجماع .
وهكذا ، فإن مبدأ الشورى والمشاركة يبدو مركزياً في الفكر السياسي الإباضي ، بل إنه مميّز لروح المدرسة الإباضية . ويلخّص ذلك الدستور الإباضي حيث ينص على أنَّ :
" الشورى على الإمامِ فرضْ ، فإذا تركها كفر ، عالماً كان أم ضعيفاً " (49) .

3 - إجراءات انتخاب الأئمة
تقسم إجراءات انتخاب الإمامة ، في النظام الإباضي ، إلى ثلاث مراحل : ففي المرحلة الأولى ،.
تجري ، بعد وفاة الإمام أو خلعه ، مشاورات بين العلماء حول أسماء الشخصيات المقترح ترشيحها لهذا المنصب . وليس هناك فترة مُحدّدة لمرحلة المشاورات التي تستغرق زمناً متفاوتاً حسب الظروف . ويمكن لبعض القادة القبليين أن يشتركوا في المشاورات مع العلماء . إلّا أنه ليس مهم ، مبدئياً ، أيّ تأثير على القرار النهائي ، فهو يعود إلى العلماء وحدهم .
وفي مرحلة ثانية ، عندما تجتمع في شخصية واحدة كلّ الشروط المطلوبة السالفة الذكر ، يقدّم المرشح من جانب أحد العلماء ويجب أن يحصل ، كشرط أساسي ، على وافقة ستّة علماء آخرين على الأقلّ ، ودعمهم . ولا يتمّ الاتفاق على المرشّح لانتخابه ، ولا يقدم بالطبع ، إلى مراسم البيعة ما لم يكن حاصلاً على الحدّ الأدنى من الأصوات ، ( ستّة أصوات ) .
ولــكــــن مــــا هـــــو الأســــــاس الــتــشــريـعي الذي يستند إليـه مبدأ النصــاب الانتخــابـي ، نصـــاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(49) المرجع السابق ، ص 81 .

الأصوات الستّة ؟ إن المدرسة والفكر الإباضيين يقومان ، كما أشرنا سابقاً ، على خمسة مصادر تشريعية ، من بينها السنّة والإجماع . وإذا كان الإباضيون يعتمدون قرارهم على مبدأ الأصوات الستّة ، فلذلك استناداً لما سمّوه سبيل الخليفة الثانية ، عمر بن الخطاب ، المطابق للسنّة وللإجماع . فقد كان على عمر أن يقدم ، وهو على سرير موته ، مرشحاً ليعقبه في الخلافة . فاختار ستة رجال (50) من بين أصحابه وعهد إليهم بأمر الإجتماع بعد وفاته بثلاثة أيام لانتخاب خليفة للمسلمين . وأملى عليهم عمر طريقة اختيار مفصّلة ودقيقة (51) . وبموجب هذه السّابقة ، أصبح نصاب الأصوات الستّة ، لدى الإباضيين ، مبدأً ثابتاً ، بل أحد بنودهم الدستورية .
على أنّ هناك رأياً آخر يقول بأن حصول المرشح على خمسة أصوات كافٍ للبيعة ، على أساس أن .
صوته يكمل العدد إلى ستّة . ولكن وجهة النظر هذه تدخل في إطار المُساجلات الدستورية الثانوية .
وفي حال تقديم عدّة مرشحين يتمتّعون كلّهم بالصفات والشروط المطلوبة ، يجب على العلماء أن يختاروا بين اثنين وفقاً للظروف التي تمرّ بها البلاد . فإذا كانت الإمامة والبلد يعيشان في الاستقرار ، فإن المرشّح المفضّل هو الأعلم والأعرف بالفقه والشريعة . أمّا إذا كانت الإمامة والبلد يجتازان فترة اضطرابات ، فإن المرشح المفضّل لهذه الفترة هو الذي يملك صفات القائد ومؤهّلات العسكري .
وإمكانية انتخاب قائدٍ غيرِ عالمٍ إماماً ، دليلٌ هامّ على مرونة المذهب الإباضي وتسامحه . وهكذا ، وهذه نقطة هامّة ، لا يمكن وصف نظام الإمامة بالنظام الثيوقراطي ( نظام الحكم الديني ) ، بل هو ، كما ظهر لنا ، ذو طبيعة زمنية أو دنيوية .
وفضـلاً عن ذلك ، فإن أهل الحلّ والعقد يؤكدون على ضرورة أن تكون الانتخابات غير خاضــعة ومــتحرّرة مــن كلّ التأثيــرات الــقــبلية والعشائرية . وذلك لضمان وصول المرشح إلى السلطــة مــن خــلال تــطــبــيــق مــبــدأ الانــتــخــاب الــحــر الــقــائــم عــلــى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(50) هم : سعد بن أبي وقاص ، علي بن أبي طالب ، عثمان بن عفان ، عبدالرحمن بن عوف ، الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيدالله .
(51) مروة ( حسين ) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 397 .
مبدأ الإجماع . بالمقابل ، لا يحقّ للمرشح ، بهد أن يتّم اختياره ، الاعتذار ، لأن ذلك قد يؤدي إلى الانقسام ، ليس بين العلماء فحسب ، بل وبين المسلمين ، أي بين الشعب العُماني . يعدّ المرشح المعتذر متمرّداً ولا يعود جديراً بثقة العلماء ، بل قد يواجه الموت أيضاً (52) .
وبعد المرحلتين الأولى والثانية ، ينتقل العلماء إلى إتمام المرحلة الثالثة والأخيرة . فيتقدّم المرشح المختار إلى أهل البلاد لإتمام البيعة التي تجري في حضور العلماء ورؤساء قبائل المنطقة . وعلى .
الرغم من أن صيغ البيعة تتّخذ شكلاً احتفالياً ، فإن البيعة ، نفسها ، تحمل قيمة استفتاء ، يؤدّي المرشح خلالها القسم . فيمسك أحد العلماء بيد المرشح تالياً نصّ البيعة . فإذا كان الإمام المقدّم ( إمام الشراء ) ، فيجب أن يعلن ذلك في البيعة وإلّا اعتبر إماماً " ضعيفاً " . وفيما يلي مثال على نصّ البيعة وفق نموذج بيعة الإمام عزان بن قيس (1869) :
" لقد بايعناك على شرط ألّا تعقد راية ولا تنفّذ حكماً ولا تقضي أمراً ، إلّا برأي المسلمين ومشورتهم ، وقد بايعناك على إنفاذ أحكام الله ، وإقامة حدوده وقبض الجبايات وإقامة الجمعات ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف ، وأن لا تأخذك في الله لومة لائم ، وأن تجعل القّوي ضعيفاً حتى تأخذ منه حقّ الله ، والعزيز ذليلاً حتى تنفّذ فيه أحكام الله ، وأن تمضي على سبيل الحق أو تفني روحك فيه " (53) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(52) تروي إحدى القصص ذات الدلالة أنه عندما قرّر العلماء برئاسة العالم عبدالله السالمي أن يعهدوا بالإمامة إلى سالم بن راشد الخروصي (1913 - 1919) سأل السالمي العلماء ، من إمامكم ؟ فأجابوا بصوت واحد : سالم بن راشد الخروصي . وعلى أثر سماعه القرار وقع المرشّح مغشياً عليه ، لا من الفرح ، بل من هول الأمر وحاول الاعتذار . ولكن العالم عبدالله بن حميد السالمي طلب من أحد تلاميذه أن يضرب عنق المرشح ، وعندما سأله الخروصي عن السبب ، أجابه قائلاً : إن رفضك سيؤدي إلى انشقاق المسلمين . فما كان من الخروصي إلّا أن وافق فتولّى الإمامة حتى مقتله عام 1919 .
(53) Rapport du comite' special de I'Oman,Assemblee Generale, Nations-Unies, New York,1964 - 1965 , document A /5846,p.39.
( نشر هذا التقرير الهامّ جداً باللغة العربية تحت عنوان ( عُمان في المحافل الدولية ) ، دمشق ، مكتب إمامة عُمان ، 1966 ) .
وفي نهاية المراسم ، يتسلّم الإمام مقاليد السلطة ، ولا يستطيع الشعب الّا أن يطيعه . وتنصّ القاعدة، فعلاً ، على أنه متى حظي الإمام بقبول أهل الحلّ والعقد ودعمهم ، لا يقبل أيّ اعتراض فيما بعد . فعلى سبيل المثال ، ليس للقبائل الحاضرة ، في حال إجماع العلماء على مرشّح ، الحقّ في الاعتراض على نتيجة البيعة . وعلى هذه القبائل ، كغيرها ، الخضوع لقرار العلماء الذين يمثّلون .
السلطة التشريعية والأخلاقية العليا .
وفضلاً عن ذلك ، يُعدّ غياب القبائل عن مراسم البيعة قبولاً ضمنياً بها . وفي حال قيام أيّة معارضة من جانب القبائل ، يتوجّب على الإمام الجديد إخضاعها بالقوة . ولدينا على استعمال القوة مثالان على الأقلّ : الأول في عهد الإمام ناصر بن مرشد ( 1624 - 1649 ) ، والثاني ، في عهد الإمام عزان بن قيس ( 1868 - 1871 ) .
" بالإضافة إلى أن الإمام يكون رئيس الدولة فإنه أيضاً الرئيس الشرعي لكلّ شيء ، وتشمل سلطته جميع الميادين الدينيّة والسياسيّة والتشريعيّة . ويمارسها حسب الشريعة الإسلاميّة " (54) .

4 - موانع الإمامة
لا يمكن لأيٍّ كان تَبوّؤ الإمامة . فهناك ، عدا الشروط المذكورة قبل قليل ، عددّ من موانع الإمامة . فالإباضية لا تقبل إمامة العبد ، وهي ترفض انتخابه لمنصب الإمام انطلاقاً من مبدأ بسيط ينص على أن من لا يملك حريته لا يملك أن يحكم الآخرين . فالدستور الإباضي في هذا الصدد يقول :
" من لا يملك التصرف في نفسه ، كيف يتصرف بغيره " (55) .
وإذا اجتمعت شروط الإمامة في رجل أسود ولكن حرّ ، فإن العلماء لا يعترضون على بيعته بسبـب لـونه :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(54) Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.39 .
(55) الكندي (أحمد بن عبدالله) ، المصنف ، مرجع سابق ، الجزء العاشر ، ص 58 .
" فإذا اجتمع رأيهم على رجل من أهل الصلاح والعلم . عقدوا له ولو كان أسود " (56) .

ولا تقبل إمامة ولد الزنا ، وكذلك الأمر في إمامة القاصر :
" إمامة الصبي لا تجوز على كلّ حال لأن إمامته لا تجوز في الصلاة ، فكيف يكون إماماً يتولّى الأحكام من لا يملك أمره " (57) .
ويضيف نصّ آخر ما يلي :
" من لم يكن عليه حساب ولا عقاب ، كيف يحاسب الناس ويعاقبهم " (58) .
وخلافاً للشيعة الذين يقبلون إمامة القاصر ، يبقى الإباضيون حازمين حول هذه النقطة . إلّا أن هذا الدستور لا يقدّم نصّا حاسماً لكلّ الحالات . ففيما يتعلّق بقبول انتخاب ابن الإمام وبيعته ، ( في حال استيفائه للشروط المطلوبة ) ، مثلاً ، لا يقدّم الدستور الإباضي نصّاً واضحاً .
وبسبب هذه الثغرة الدستورية ، انتخب بلعرب بن سلطان ، ابن الإمام والزعيم الوطني سلطان بن سيف الأول ( 1649 - 1688 ) ، إماماً عام 1688 . وأدى هذا الانتخاب ، عملياً ، إلى تبنّي نظام سلالي ، وكذلك إلى خرق التقاليد الإباضية . وعلى إثره دخلت عُمان حرباً أهلية طويلة ( 1718 - 1733 ) ستعرض تداعياتها وآثارها في الفصل الثالث المكرّس للدولة اليعربية .
5 - إمكانية خلع الإمام
ينصّ المبدأ الدستوري على أنّه :
" ليس للإمام أن يخلع نفسه بغير حدث ، ولا للرعية أن تخلع إمامها بغير حدث " (59) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(56) المرجع السابق ، ص 68 ، راجع أيضاً ، ص ص 23 ، و 57 .
(57) الأزكوي ( سرحان بن سعيد ) ، تاريخ عُمان : كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ، سلطنة عُمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، تحقيق عبدالمجيد حسيب القيسي ، أبو ظبي ، دار الدراسات الخليجية ، 1976 ، ص 111 .
(58) الكندي (أحمد بن عبدالله) ، المصنف ، مرجع سابق ، الجزء العاشر ، ص 58 .

(59) المرجع السابق ، ص 229 .
إن هذا المبدأ يحيل إلى الشورى والإجماع . ففي فترة الاستقرار السياسي واحترام الشرائع الإباضية ، لا يجري خلع الإمام الّا طبقا لقواعد إجماع العلماء . وبعبارة أخرى ، فإن المصدر الوحيد لشرعية الإمام وإمامته هو الإجماع .
ويفقد الإجماع منصبه ، مبدئياً عندما يصاب بعجز جسدي ، كالصمم والعمى والبكم والشيخوخة . ولا يتمّ خلعه تعسّفاً ، بل يجب أن يخضع الأمر لمشاورات بين العلماء . فإذا قرّر هؤلاء أن العجز لا يعيقه عن القيام بأعباء مهامه ، فإنه لا يبعد عن منصبه (60) .
والدستور الإباضي يقرّ ، في حال إصابة الإمامة بضعف السمع والبصر ، وموافقة العلماء على بقائه في المنصب ، أن يساعده رجل في مهامّ الإمامة العملية والتنفيذية (61) . وهكذا تقرر ، في القرن التاسع ، أن يستمر عبدالله بن حميد ( 208 هـ / 824 م - 226 هـ / 840 م ) في الإمامة على الرغم من شيخوخته .
وتكتسب مسألة خلع الإمام أهمّية بالغة في النظرية الإباضية ، ليس لأنه الإمام هو رئيس الدولة فحسب ، بل لأهمّية الدور الديني والروحي والأخلاقي الذي يمثله في المجتمع . وأيّ ضعف أو عجز ينعكسان على المجتمع وإمامته . ومن هنا ، كان الموقف الصارم للعلماء حيال هذه المسألة .
وهكذا ينصّ الدستور على أنه في حال عدم احترام الإمام للتعاليم الدينية في سلوكه العملي ، فيجب على العلماء العمل على ردّه عن ذلك وإقراره بالذنب :
" فإن تاب رجع إلى إمامته وولايته معهم (...) وإن أصرّ ولم يَتُبْ من حدثه ذلك ، كان للمسلمين عزله . فإن رفض التوبة والاعتزال ، حلّ لهم دمه وجهاده " (62) .
والتوبة هي ، على وجه الدقّة ، العودة إلى الإجماع ، أي إلى مصادر الشرعية العقائدية والسياسية . وهكذا تزداد سلطة الإمام حصانة وتعلو على المساءلة بقدر ما يكون ملتزماً بالدستور والقيم الإسلامية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(60) المرجع السابق ، ص 220 .
(61) المرجع السابق ، ص 223 و 234 .
(62) المرجع السابق ، ص 215 .
القسم الثالث
مؤسسات الإمامة
للدولة ، عموماً ، مفهومان متميّزان . الأول ، هو مفهوم الدولة التاريخي التقليدي ؛ والثاني ، هو مفهوم الدولة الحديثة بالمعنى الحقوقي والدستوري كما ظهرت مع بداية القرن السادس عشر. الدولة الإباضية ، دولة الإمامة ، تأخذ ، استثنائياً ، من المفهومين . فعلى الرغم من أن مؤسّساتها لات تعمل ، مثلاً ، بموجب نصوص دستورية ، أو قوانين مكتوبة ، فإنها مع ذلك ، تقوم وتعمل طبقاً لقواعد دستورية وأعراف تقليدية بل شبه مقدّسة لا يمكن تجاوزها أو اختراقها ، ولقد ضمنت هذه المؤسّسة ، كما هي ، عبر قرون ، الاستقرار والأمن الاجتماعي ، كما ضمنت علاقات انسجام وتعاون بين الشعب وحكامه . وأكثر من ذلك ، فقد ضمنت ، هذه المؤسّسات ، دوام نظام الإمامة واستمراره لأكثر من ألف عام .

1 - العلماء والمجلس
يستند نظام الإمامة إلى مؤسّسة أساسية ، هي مؤسّسة " أهل الحلّ والعقد " ، وهي مكوّنة من علماء إباضيين يمثلون السلطة التشريعية العليا والمرجع الحقوقي والمذهبي والسياسي . فتحت إشرافهم يتمّ انتخاب الإمام أو خلعه ، وهم المسؤولون عن إدارة كل شؤون الإمامة ، ويشرفون على تطبيق مبدأ الشورى ويسهرون على عدم الانحراف عنه . وهم ، أيضاً ، القضاة والمؤرّخون والمعلّمون ، ومن بينهم خرج بعض الشعراء المعروفين ، والقادة الثوريين . وأخيراً ، فإنهم المرجع الروحي والأخلاقي
للمجتمع وضميره .
ومن الأهمية أن نشير إلى أنه ، خلافاً للفرق الأخرى ، ( الشيعة مثلاً ) ، لا تراتب هيكلياً أو تدرّج محدّداً بين العلماء . وهكذا ، فإن الاعتراف بصفة العالم تقتضي ، عامّة ، أن تكون لدى الشخص معرفة جيدة بالفقه ، وهو ما يفترض أنه أكيد تلميذ علماء آخرين معترف بهم ، أو تخرّج من مدارس معينة .
يساعد الإمام في ممارسة سلطته مجلس شورى ، ( ويصــل عدد أفراد هذا المجلس إلى 15 عضواً تــقــريــبــاً ) ، يرأسه الإمـــام ، وأعـــضــاؤه إمّــــا وزراء أو مستـشــــارون ، ويــجــتــمــع هـــذا

المجلس عند اللزوم . أحياناً مرّة كلّ أسبوع ، وأحياناً مرّة كلّ شهر . ولا يقضي الإمام أمراً ما لم يأخذ رأي مجلس الشورى . ووصف الشيخ صالح الحارثي ، ( أحد قادة ثورة 1956 ) ، هذا النمط بأنه الديمقراطية الاستشارية . وتؤخذ القرارات بالأكثرية (63) .
وهناك المجلس العامّ الذي يضمّ أعضاء مجلس الشورى والولاة ورؤساء العشائر ، وينعقد هذا المجلس حسبما يرى الإمام ضرورة انعقاده ، ويتدارس هذا المجلس المواضيع التي يعرضها عليه الإمام . أمّا القرارات الهامّة فلا تؤخذ إلّا بعد أن يستشير رؤساء القبائل قبائلهم بها . وهكذا فإن الشعب يشترك بالمسؤولية في القرارات الهامّة مع قادته (64) .
2 - الولاة
إن الإمام يدير دفّة الحكم في البلاد بواسطة الولاة ورؤساء العشائر . أمّا الولاة فيسمّيهم الإمام بمشورة مجلس الشورى . وعندما يُسمّى الوالي فإن سكّان منطقته يوافقون على تسميته أو يرفضونها (65) .
نعم ، يحقّ لسكّان المنطقة رفض الوالي الذي يعين عليهم شريطة أن يكون الرفض معلَّلاً بأسباب
مناسبة ومقنعة للإمام ولمجلس الشورى . ويجري تعيين الولاة على نمط بيعة الإمام . وهذه الالتزامات توفّق بين مسؤوليات الوالي وواجبه حيال سكّان منطقته من جهة ، ومسؤوليات الإمام من الجهة الأخرى . وهذه الالتزامات تنصّ ، أيضاً ، على التطبيق العادل للقانون ، وتشير بوضوح الى وجود حقوق للمواطن وإلى ضرورة الحفاظ عليها (66) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(63) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.40 (وفق النص العربي من التقرير ، فإن القرارات تؤخذ بالإجماع )
(64) . Ibidem
(65) . Ibid
(66) في ما يلي نموذج مختصر لبيعة أبي الحسن ، والي الباطنة في عهد الوالي ناصر بن مرشد ( 1624 - 1649 ) :

ويُحاط الوالي بوجهاء محلّيين وعلماء ورؤساء قبائل . ويؤلّف مجلساً استشارياً تقليدياً ، ولكن لا صفة رسمية له . ومع ذلك ، فهذه الجماعة تلعب دوراً رائداً في إدارة شؤون المنطقة أو القرية وهي تساعد ، في معظم الأحوال ، الحكومة في مهمّاتها .
ففي كلّ منطقة يوجد " مجلس استشاري " مستقلّ . وهو شبيه إلى حدّ كبير بالمجلس المرتبط بشخص الإمام . وهذا المجلس مؤلَّف من وجهاء ورؤساء قبائل يمثلّون السلطة المحلّية ويمكن أن يعدّ ممثلّاً شرعياً للجماعة . ومهمّة هذا المجلس مساعدة الوالي والقاضي في مهماتهما ويمكن أن يتمتّع ، في بعض الحالات ، بسلطة تشريعية .

3 - القضاة

الــقاضي ، فـي عُمــان كمــا في البلــدان الإسلامية الأخـرى ، وهو " مرجع " مؤسّسي مـن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" أيا أبا الحسن إني قد ولّيتك على قرية لوى من الباطنة وما حولها (...) أن تأمر في هذه القرى والبلدان؛ باديهم وحاضرهم، وعبدهم وحرّهم، وصغيرهم وكبيرهم، غنيّهم وفقيرهم، بالعدل والمعروف، وتنهاهم عن المنكر المخوف، وأن تعمل فيهم بكتاب الله المستبين، وتحي فيهم سنّة النبي الأمين وآثار الأئمة المهتدين ، وسيرة القادة المخلصين الذين جعلهم الله منار الهدى ، وقادة الناس إلى التقوى، وأورثهم الكتاب والسنّة يدعون إلى طريق الجنّة، وأن توالي بالله وتعادي فيه، ولا تأخذك في ذلك رأفة ولا رحمة، ولا تخف في الله لومة لائم ولا عذل مجرم آثم، وأن تخلط الشدّة باللين، وأن تخفض جناحك لمن تبعك من المؤمنين؛ وأن تعرف لكلّ امرئ حقّه وتوفيه إياه كاملاً، وتؤتي ذا القربى حقّه والمسكين وابن السبيل، ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون، وأن تقبض زكاتهم من أغنيائهم بحقّها، وتجعلها في أهلها من فقرائهم وضعفائهم (...) فإن كثيراً من الفقراء يقصر عن المجيء إليك من حياء أو ضعف (....) وألزمت جميع أهل القرى طاعتك وحجرت عليهم معصيتك ما أطعت الله ورسوله فيهم، وقمت بما شرطته عليك في عهدي هذا إليك، فإن خالفت إلى غير ما أمرتك به، فأنا ومال المسلمين بريئان منك وأنت المأخوذ في نفسك ومالك. "
السالمي (عبدالله) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص27 . من أجل تفاصيل أكثر عن الولاة وبيعتهم ، أنظر ، الكندي ، مرجع سابق ، الجزء العاشر ، ص175 ، وأنظر أيضاً : السير والجوابات ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 184 .

الدرجة الأولى . يتمّ تعيين القضاة من جانب الإمام دون بيعة أو احتفال خاصّ . ومن المحتمل أن توصي جماعة من العلماء المحيطة بالإمام بفلان أو فلان قاضياً . ولكن القاضي ( واجتهاده ) ، يتمتّعان باستقلال واضح . لماذا؟ لأن القضاة يؤخذون غالباً من بين صفوف العلماء الذين يتمتّعون بسلطات تشريعية وقضائية مستقلّة . ويبقى الرجوع إلى الإمام بالتأكيد واجباً ، ولكن ذلك يكون في القضايا ذات الأهمّية الخاصة .
وتوزيع الصلاحية القضائية نسبي بين الإمام والقاضي . فالعلاقات بين الأفراد تنظر من جانب القضاة ،
أما الخلافات بين القبائل فهي من اختصاص الإمام . ويستطيع القضاة الحكم بالموت ، ولكن التنفيذ لا يمكن أن يتمّ إلّا بموافقة الإمام (67) .
وما يستحقّ في نهاية المطاف ، الإشارة إليه ، هو الاستقلال والنزاهة والتطبيق الحازم لمبدأ المساواة أمام القانون . فللمواطن الحقّ ، وفق هذا المبدأ ، بتقديم شكوى ضد الإمام نفسه وإرغامه على المثول أمام القضاء للبتّ في خلاف ما . وقصّة البدوي الذي أجبر الإمام الخليلي ( 1919 - 1953 ) على المثول أمام القضاء للبتّ في الخلاف المتعلّق بمسألة الجمل ذات دلالة ، لا سيّما أن البدوي ربح ، فعلاً ، هذه الدعوى .
4 - بيت المال
تتغذى خزينة الإمامة من ثلاثة مصادر رئيسية للدّخل :
المصدر الأول هو الرسوم على صادرات المنتجات العُمانية ، كالتمور والفواكه والأسماك والماشية . وكذلك الرسوم التجارية على الواردات من الهند وإفريقيا وفارس .
الــمــصــدر الــثــانــي هــو الــزكــاة ، الــتــي هــي إحــدى الــفــروض الأســاســيــة الــخــمــســة الــتــي نــصّ عــلــيــهــا الــقــرآن وهــي الــصَّدقــة الــمــفــروضــة شــرعــاً (68) . وإذا كــانــت الــزكــاة أحد الــوجوه الأساسية لفلسفة الإسلام الإجتماعية ، فهذا الفرض يُلبّي ، لدى الإباضيين ، مطلب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(67) .Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.40
(68) . Gardet (L.),Les Hommes de L'Islam ,op.cit,p.48
مساواة اجتماعية ويوكل الإشراف على حسن إدارة أموال الزكاة إلى العلماء .
المصدر الثالث ، هو ضريبة " تفرض " على التجّار غير المسلمين والأقليات غير العُمانية . وهذا التدبير المالي المتميّز حيال التجّار الأجانب الذين يمارسون تجارتهم في عُمان ليس وليد نزعة تمييزية
بل إن العكس هو الصحيح ، على اعتبار أن مقداره معادل لمقدار الرسوم التي يدفعها العُمانيون في بلدان هؤلاء التجار . ومرة أخرى ، فإن مبدأي العدالة والمساواة حاضران في القانون التجاري حضورهما في الثقافة العُمانية .
وأخيراً ، هناك الغنيمة التي يأتي بها الإمام من الحروب مع غير المسلمين ، ولا سيّما من الحروب ضدّ الغزاة والمستعمرين . والإمام هو المسؤول الوحيد عن هذه الأموال .
أمّا الإشراف على النفقات فمن صلاحيات الإمام نفسه وهو ، مبدئياً ، في طليعة اهتماماته . ولكن الإمام لا يستطيع التصرّف بها تصرّفاً كيفياً ، دون أخذ مشورة أهل الحلّ والعقد ، وبما أن هذا المال يعود إلى بيت المال ، إي أنه يؤلّف الملكية العامة للمسلمين ، للشعب بكامله ، فإن الإمام لا يستطيع التصرّف به دون الخضوع لرقابة دقيقة . وكل استعمال غير مبرر لهذه الأموال ، خارج المصلحة العامة ، يعد معصية ، ويعاقب من جانب الشريعة بوصفه كذلك .

5 - الجيش
التصوّر الإباضي لدور الجيش في نظام الإمامة جدير بالذكر . فقد رفض الإباضيون ، على الدوام ، وجود جيش محترف خشية أن تتجاوز الإمامة مهمّتها التقليدية ، وأن يتحول الإمام المنتخب إلى حاكم مستبدّ . وعلى الرغم من أن عُمان كانت موضع اعتداءات متكرّرة خلال تاريخها ، فإن الإباضيين حاولوا دائماً المحافظة على الطابع السلمي للإمامة . ومن هنا أهمّية مبدأ الاعتدال الذي تُغذّيه الشورى في نظامهم . وهنا يظهر وجه هامّ آخر من وجوه مبدأ الشورى الأساسي ، يساهم في ضمان القيم الديمقراطية للنظام الإباضي .
ولــلإمـــام أن يـطــلــب مــن القبائــل العُمانيــة ، إذا لم يمكن تجنّب الحــرب ، الإسهــام فـي

الدفاع عن الإمامة ، سواء تعلّق الأمر بخطر داخلي أم بعدوان خارجي . وهكذا يُعبأ جيش من المتطوّعين والمجنّدين من بين أبناء القبائل . وتلبية نداءات الإمام كقائد للجيش واجب وطني وفرض ديني في الوقت نفسه . وينصّ الدستور الإباضي على أنّه :
" إذا ثبتت الإمامة للإمام وقام بالحق ، فعليهم ( أي رعاياه ) إجابته إذا دعــاهم ، ونصرته إذا استنصرهم " (69) .
وفي مادة أخرى ، ينصّ الدستور نفسه على أن طاعة الإمام فرض على رعاياه وأن من عصى الإمام ركب كبيرة من الذنوب (70) .

6 - العلاقات الخارجية
هناك مبدأ مذهبي صيع في الدستور الإباضي في النصف الثاني من القرن الأول الهجري ، يُحدّد السياسة الخارجية للإمامة . وهو يقتضي أن تحترم الإمامة مبدأ الاعتدال وترفض مبدأ الخروج : فلا هجوم ولا حرب ضدّ طرف آخر ما لم تَتَعَرّض الإمامة للهجوم .
وقد عملت السياسة الخارجية للإمامة ، طيلة تاريخها ، على ثلاثة أبعاد أساسية : البعد الديني - المذهبي ، والبعدان : السياسي والتجاري . ويمكن الربط بين البعدين الأخيرين ، لأننا نجد تقليدياً ، أن العلاقات السياسية العُمانية مع بلدان الخليج ، من جهة ، والهند من جهة أخرى كانت منذورة ، بصور رئيسية ، للمصالح التجارية والإقتصادية .
أمّا بالنسبة للبعد العقائدي ، فإنه يبدو أكثر حضوراً في العلاقات العُمانية مع شرق إفريقيا ، وعلى الأخصّ مع منطقة زنجبار وتنزانيا ، ولكنه ليس غائباً عن العلاقات مع بلدان شمال إفــريــقــيا ، ولا ســيّــَمــا مــع الــجــزائــر ، بــفــضل وجــود تــجمّــعات إبــاضــية في هذه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(69) الكندي (أحمد بن عبدالله) ، المصنف ، مرجع سابق ، الجزء العاشر ، ص 127 .
(70) المرجع السابق ، ص 126 ، راجع أيضاً ، السير والجوابات ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 178 .
وبالفعل ، يمكن لشرق إفريقيا أن يُعدّ ، بالنسبة لعُمان ، امتداداً تاريخياً وسياسياً ومذهبياً ، بل وطنياً . فهذه المنطقة ، ( كما سترى في الفصل المكرّس لسلطنة مسقط وزنجبار ) ، وقعت تحت السيادة المباشرة لسلطات عُمان منذ عهد اليعاربة أواسط القرن السابع عشر . وقد أشرف العلماء العُمانيون مباشرة ، منذ ذلك الحين ، على التجمّعات الإباضية في هذه المنطقة التي عدّت جزءاً لا يتجزّأ من الحركة الإباضية .
وإذا عدنا إلى إباضية شمال إفريقيا ، فإنها تمثّل أيضاً الامتداد المذهبي والثقافي للإباضية العُمانية . إلّا أن صلتها بعُمان محدودة نسبياً بسبب العامل الجغرافي . ومع ذلك تمّت المحافظة على هذا الاتصال بفضل المراسلات بين علماء البلدين ، أو زيارات علماء شمال إفريقيا إلى عُمان التي ظلّت تمثّل ، في نظرهم ، المركز الفكري للحركة الإباضية . وفضلاً عن ذلك ، أقام علماء جزائريون مختلفون في منطقة نزوى . كما أنه من المألوف ، لدى انتخاب إمام جديد في عُمان ، أن يكتب العُمانيون إلى إخوانهم في شمال إفريقيا لإعلامهم بوضع الإمامة وتعريفهم بالإمام الجديد .
ومع بداية التاريخ العُماني الحديث ، فرضت عوامل سياسية واستراتيجية جديدة نفسها على سياسة عُمان الخارجية ، كالصراعات ذات القدر المتفاوت من المباشرة ، مع القوى الغربية : البرتغاليين والهولنديين أولاً والبريطانيين لاحقاً . ولا حاجة إلى القول بأن الصراع مع بريطانيا طبع التاريخ العُماني خلال القرون الثلاثة الأخيرة .
أمّا بالنسبة للعلاقات الإقليمية الأخرى ، وتحديداً مع الفرس والوهّابيين ، فقد انحصرت الصراعات مع الفرس غالباً على المستوى السياسي ، في حين أخذ الصراع مع الوهّابيين
بعداً مذهبياً وسياسياً مزدوجاً .
بصورة عامة ، كان المبدأ الثابت لدى الإباضيين هو الحدّ من التعاون مع القوى الأجنبية وعدم اللجوء إلى مساعدين من غير المسلمين . فالعلماء الإباضيون يرون أن التعاون مع الــقــوى الأجــنــبــية مـقـبــول شــريــطــة أن يـكــون محدّد الــتــعــريــف ومحدوداً . إلّا أنه
ليس للإمام الحقّ في اللجوء إلى غير المسلمين في إمامته أو قبول نفوذهم . وإذا فعل ذلك ، فعليه أن " يتوب " وإلّا استحقّ العزل وحتى القتال (71) .
تلك هي المبادئ والأفكار الأساسية التي تطبع النظام السياسي الإباضي ، الإمامة ، وتمدّه بالفرادة . وستتيح لنا دراسة التاريخ العُماني في الفصول التالية من هذا العمل الوقوف على طبيعة عمل سلطة الإمامة ومؤسساتها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(71) الكندي ( أحمد بن عبدالله ) ، المصنف ، مرجع سابق ، الجزء العاشر ، ص 219 .

الفصل الثاني

الحقبة البرتغالية ( 1500 - 1650 )

المرحلة الاستعمارية الأولى
تمثّل الفترة الممتدّة بين القرنيين الخامس عشر والسابع عشر بالنسبة لعُمان ومنطقة الخليج كلّها طور انحدار ، بل ظهور غياب شبه كامل . فالموقع الاستراتيجي والتجاري المميز الذي جلب لعُمان نجاحها وازدهارها ، تسبّب ، في عصر الاكتشافات والتنافس التجاري الدولي ، في ضعفها أمام الأطماع الأوروبية ، بحيث وجدت الإمامة نفسها ، في أعقاب مسيرة تحلل طويلة ، ضعيفة وضامرة . فالإمامة التي فّقدت قوتها منذ عام 1154 مع مجيء ملوك بني نبهان وتعاقبهم على السلطة ، كانت تحاول استعادة كيانها في منطقة محدودة من البلاد عندما وصلت طليعة الغزاة البرتغاليين إلى منطقة الخليج . ومع غياب الإمامة لم يستطع أحد صدّهم عن فرض سيطرتهم على البلاد وإدخالها في حقبة انحدار وانطواء سياسي واقتصادي طويلة . فلقد بدأت مرحلة الاستغلال الاستعمارية للمنطقة وكُتب
على العُمانيين المغلوبين على أمرهم ، خلال قرابة 150 سنة ، أن يشهدوا ، عاجزين ، صراع المستعمرين الأوروبيين على المنطقة .



القسم الأول
لمحة تاريخية
كانت تجارة الشرق قد رسمت ، منذ العصور القــديمة ، طريقين رئيسيين : طــريق

البحر الأحمر ومصر ، وطريق الخليج والشام ، ( سورية الكبرى ) ، وكلاهما واقع تحت سيادة العربية (1) ، عُمانية ويمنية ، في الخليج والبحر الأحمر وحوض المتوسط . وكان دوراهما ، آنذاك ، متوازيين ومتكاملين .
وكانت البندقية ، وهي أحدى نقاط الانطلاق الرئيسية للتجارة القديمة ، الوسيط الذي لا مفر من اللجوء إلى خدماته بين الشرق والغرب بفضل أسطولها البحري . وخلال القرون الوسطى بدأ هذا لاحتكار يتراجع ، لا سيّما أمام تقدّم الأتراك . وعندما احتلّ هؤلاء القسطنطينية عام 1452 (2) ، انحسر الدور التجاري والتاريخي لتجّار البندقية . فقد خسروا نهائياً ، مواقعهم وامتيازاتهم في الشرق ، وخاصّة في الهند . وفي مطلع القرن السادس عشر ، مع نجاح الاكتشافات ورحلات الاستكشاف البرتغالية ، انتقلت تجارة الحرير والبهارات - وكانت أصنافاً نادرة في أوروبا - إلى أيدي الملّاحين البرتغاليين ، وأخذ تاريخ التجارة الدولية الجديد طريقاً آخر .
ولم يمض المسار الجديد للتجارة العالمية دون أن يترك أثراً على منطقة الخليج . فقد أعيد طرح السيادة اليمنية والعُمانية على بساط المساءلة بسبب نشاط البرتغاليين الذين ما لبثوا أن انتزعوا
التجارة الإقليمية من أيدي العرب (3) ، وسيطروا عليها خلال ما يقرب من مائتي عام . فلا عجب إذاً ، أن يكون العُمانيون قد عانوا من التسلّل البرتغالي هذه المعاناة المريرة والمستمرّة . فقد كانوا أول ضحايا الضربة التي أنزلها فاسكو دي جاما ( Vasco de Gama) بمصالحهم التجارية وبحرّيتهم وسيادتهم .
إلّا أنه يجدر بنا ، قبل التطرّق إلى موضوع السيطرة البرتغالية وتأثيرها ، أن نستعيد السياق الذي تطوّر ضمنه التدخل البرتغالي ، والمعطيات الجغرافية - الاقتصادية .
إن هرمز " الثانية " وهي جزيرة صغيرة عُمّرت عام 1300 ، على مدخل الخليج بعد إبادة الغزاة المغـــول في القرن الثاني عشر لدولة هرمز القديمة الواقعة على جزيرة مجاورة - إن هرمز هذه كانت آنــــــــــذاك مــــــزدهـــــرة بــــفـــضــل دورهـا فـــــي الــــتــجـــارة الـــعــالــمــيــة بـــيــن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لوريمر (ج . ج) ، دليل الخليج ، ترجمة حكومة قطر ، الدوحة ، 1975 ، الجزء الأول ، ص 9 .
(2) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص145 .
(3) ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص64 .
الشرق والغرب (4) . وعلى الرغم من مساحة هذه الجزيرة المحدودة والانعدام الكلي للموارد الحياتية كالخضار والماء فيها ، فقد بلغ عدد سكانها في القرن الخامس عشر 40 ألف نسمــة ، ( من فرس وعرب ) ، وهو رقم كبير في ذلك العصر . وكان نشاطها التجاري آنذاك كما يقول مختصّون إنكليز أكبر حجماً من نشاط لندن وأمستردام حتى في أوجهما (5) . وهذه المقارنة العامّة تسمح بتكوين فكرة عن الأهمّية التجارية والاستراتيجية لجزيرة هرمز .
وبصورة موازية لذلك ، عاشت عُمان ، آنذاك ، عصراً مضطرباً من تاريخها تحت نير سلالة النبهانيين التي حكمت على البلاد بالفوضى والغزوات الأجنبية (6) .
ويجب أن نلاحظ ، فضلاً عن ذلك ، أن تاريخ عُمان في القرون الوسطى لم يُدوّن بشكل دقيق قطّ . والمصادر الرئيسية التي يرجع إليها ، مثل تحفة الأعيان للسالمي أو كشف الغمة للأزكوي لا توضح أحداث ذلك العصر توضيحاً كافياً . ومن المنطقي أن نفترض أن الاضطهاد الذي فُرض على علماء ذلك الزمن ، قد أدّى إلى صمت المؤرّخين .
كانت عُمان خلال هذه الفترة ، خاضعة لملوك بني نبهان الذي استولوا على السلطة من الإماميين عام 1154 م واحتفظوا بها على قسم كبير من البلاد ، حتى انتخاب الإمام ناصر بن مرشد اليعربي عام 1624 م ويفترض أن عهد هذه السلالة من بني نبهان قد دام ما يقرب من خمسمائة سنة . وقد وصف المؤرّخون العُمانيون هذه الفترة بأنها مرحلة مظلمة من تاريخ بلدهم ، على اعتبار أن العلماء عانوا فيها إضطهاداً مخيفاً ، فأُحرقت الكتب وضُيّقَ على النشاطات الدينية والتربوية . كذلك أُلغيت القوانين والشرائع الإباضية وانتشرت الفوضى الكاملة . وقــــــــد تعرّض العُمانيون لأشكال عديدة من القــمـــع ، وصـــودرت الممتلكات والأراضــــي ، مــــمّا أرغــــم بــعــض الـــقـــبـائـــل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) العقاد ( صلاح ) ، التيارات السياسية في الخليح العربي ، القاهرة ، مكتبة الأنجلو-مصرية ، 1974 ، ص 11 .
(5) ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص 114 .
(6) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص140 - 141 .

على الانتقال إلى داخل البلاد أو الهرب منها تماماً (7) . ولكن هذا الوضع لم يلبث أن أفرز تعبئة متزايدة ضد سلطة النبهانيين .
فشلت هذه المعارضة أولاً ، ثم استقام لها الأمر بعض الشيء بانتخاب الإمام الحواري بن مالك في فترة 1406 - 1435 . ورغم هزيمة الملوك النبهانيين في منطقة عُمان الداخلية ، لم تتوصّل هذه
المعارضة إلى الانتصار تماماً ؛ إذ تركزت مقاومة الملوك النبهانيين المنسحبين حول بهلاء التي جعلوها عاصمتهم . وبعد وفاة الإمام [ الحواري ] مالك بن علي الذي بقي اسمه مرتبطاً بـ " اليقظة الشرعية " عام 1435م، استطاعت عُمان انتخاب عدّة أئمّة : أبو الحسن بن خميس ( 1435 - 1451 ) ، عُمر بن الخطاب ( 1451 - 1490 ) ، وأخيراً عمر الشريف ، وأحمد بن محمد ، وأبو الحسن ، وهم الذين بقيت فترات إماماتهم الزمنية غير معروفة جيداً (8) .
بيد أن هؤلاء الأئمّة الأربعة الأخيرين المنتمين إلى قبيلة اليحمدي لم يقدروا على إخضاع القبائل المتمرّدة وإعادة توحيد عُمان واستعادة الاستقرار . إلّا أنهم نجحوا في تخفيف الحد من أضرار الفترة النبهانية والمحافظة على بداية عودة الشرعية . ولم تستطع عُمان أن تتمتّع ، من جديد ، بنوع من الاستقرار في قسمها الداخلي إلّا مع انتخاب الإمام محمّد بن إسماعيل عام 1500 م .
وعشية وصول البرتغاليين ، كانت خريطة عُمان السياسية ، ( باستثناء تقسيماتها الداخلية التي سنعود إليها لاحقاً ) ، مؤلفة من عدة مناطق جيو - سياسية متميزة : الإمامة في عُمان الداخلية ، آخر الملوك النبهانيين في منطقة بهلاء ؛ أمّا الساحل فقد بقي تحت سيطرة ملك هرمز ، مع نائبين له ، الأول في مدينة قلهات الساحلية ، والثاني في مسقط .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(7) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، 246 .
(8) Ibn Ruzayq (Humayd), AL fath al mubin fi sirat al bu sa'idiyin (d.1873),translated and edited " History of the Imams and seyyide of Oman" by G.P. Bager ,London, Draf Publishers Itd.1986,p.XXXV .

1 - طريق الحرير
قام البرتغاليون ، خلال ما يقرب من نصف قرن ، برحلات استكشافية لإيجاد طرق بحرية تسمح لهم بالتخلصّ من الوسيط ، ( أو العدّو ) ، التركي والوصول إلى الهند - إلى حريرها وبهاراتها ومعادنها

التي هي مفاتيح السوق الأوروبية - دون مقاومة تُذكر ولكن هذه الجهود لم تُؤتِ ثمارها ، إلّا في عهد دوم جواو ( Dom Joao) ( 1481 - 1495 ) (9) .
لم يكن لأحد أن يتنبّأ وقتذاك بأن هذه الحملات الاستكشافية المكرسة مبدئياً لفتح طرق تجارية سوف تعطي إشارة عصر جديد ، عصر الاستغلال الاستعماري للشرق .
وفي تموز ( يوليو ) 1497 غادر فاسكو دي جاما لشبونة ، ودار لأول مرّة حول رأس الرجاء الصالح ، ثم عاود الصعود ببطء ، من مرفأ إلى آخر بحثاً عن ملّاح يرشده إلى الهند . وفي مالندي (Malindi) ، وهو مرفأ هام على ساحل كينيا الحالية وأحد مراكز تبادل السلع الواردة من الهند والبحر الأحمر والخليج ، أقنع فاسكو دي جاما ، أحمد بن ماجد من جلفار ( رأس الخيمة ) ، وكان ملّاحاً عربياً شهيراً ، بأن يقوده إلى كلكتا (Calcutta) ثمّ إلى غوا (Goa) في الهند ، حيث وصلا عام 1498 (10) .
وبفضل أحمد بن ماجد ، الذي رأى في مساهمته تواصلاً للحضارات بين الشرق الذي كان يعرفه والغرب الذي يتوق إلى معرفته تُوِّجت حملة دي جاما الأولى بالنجاح . إلّا أن أحمد بن ماجد لم يكن ليتصوّر وقتذاك النتائج غير المنتظرة لعمله (11) .
وعــنــدمــا وصــل فاســكــو دي جــامــا إلــى الهنــد ، أمـر رجالـه بشراء كل ما يستطيعون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9) Wolpert (Stanley), A new history of India, second edition,Oxford University Press , New-York,1082,p.136 .
(10) . Al-Sabah (S.A.)op.cit.p.21
(11) يجب أن نشير إلى أن بعض المؤرّخين يرفضون الرأي القائل إن أحمد بن ماجد وافق على مساعدة فاسكو دي جاما في مهمته . كما أن آخرين يعتقدون بأن أحمد بن ماجد مات قبل هذا التاريخ .
شراءه من أصناف البهارت ، بأسعار مضاعفة ، رغم دهشة التجّار الهنود والعرب . ولدى عودة دي جاما إلى لشبونة ، باع سلعه تلك بما يفوق الأولي بستين ضعفاً وغطّى بذلك ستة أضعاف نفقات الرحـــلة . وعندما انتشر ، في المدينة ، خبر ربح بلغ 3000 بالمائة ، راح كلّ هاوٍ يجرّب المغامرة الشرقية نفسها (12) .
وحمل هذا النجاح الملك مانويل الأول ( Manuel 1) على إضافة لقب " سيّد غزو الملاحة وتجارة الهند وأثيوبيا وبلاد العرب وفارس " إلى ألقابه ، وبارك البابا هذا اللقب .
من المؤكد أن الهدف الاول كان ذا طابع تجاري . إلّا أنه تلون بلون " صليبي " لا يمكن إنكاره لدى فاسكو دي جاما وألفونسو دو البوكيرك (Alfonso de Albuquerque) وقادتهما العسكريين . ويبدو ، بشهادة مؤرخ برتغالي من القرن الثامن عشر ، هو جواو دو بارون (Joao de Barros) ، أن نشاطهم في هذه المنطقة من العالم كان من أكثر الأنشطة تهديماً :
" لقد حض الله البرتغال بنعمة أنْ كتب لهم أن يغزو الكفّار - وخاصّة العرب منهم - الذين غادروا بلادهم الواقعة في الشرق ، ووفدوا إلى بلادنا في الغرب . ويبدو أن الله تغاضى عن إنزال العرب الويلات بإسبانيا وتدمير أراضيها وإتلافها ، عقاباً لها على خطاياها . ثمّ قضت أرادته أن يمارس البرتغاليون حقّهم الطبيعي هذا ، بعد انقضاء قرون عديدة وبالطريقة ذاتها ، بحدّ السيف ليس فقط في الجزيرة العربية الجدباء ، حيث دمّروا مدنها وأحرقوا منازلها وسبوا نسائها وأطفالها ، واستولوا على الثروات وملكوا على مدنها . ولكن في بلاد الفرس أيضاً " (13) .
لا تـحـتـاج هـذه الأقـوال إلـى تـعـلـيـق ، وإذا أضـفـنـا إلـيـهـا الأربـاح الـتـجاريـة الـتـي بلغت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(12) Wolpert (S.),op.cit.p.136 .
(13) Barros ( Joao de ) , Da Asia , Lisboa,Regia officina Typografica,1781 ( reimpr.Paris,pp.1-2) . )



3000 % من بضائع الشرق ، فلن يصعب علينا أن نتخيّل الحمّى التي انقضّ بها البرتغاليون على المدن الهندية والإفريقية والعُمانية ، وكذلك على هرمز والبحرين فيما بعد .
وبالفعل ، فإن المنظور الاستراتيجي لبناء الإمبراطورية البرتغالية لم يتّضح جيداً إلّا بعد زيارة دو البوكرك للهند عام 1502 - 1503 . وقد ظهرت ، إذ ذاك ، خطّة من ثلاث نقاط : أولاً ، احتلال عدن التأمين باب المندب وإغلاق الملاحة في البحر الأحمر . ثانياً : احتلال هرمز والمرافئ العُمانية ، قلهات ومسقط وخورفكان وجلفار والسيطرة على التجارة في الخليج . ثالثاً ، احتلال منطقتي ديو (Dui) وغوا ، وبسط السيطرة على كلّ مناطق الهند .
وفي عام 1502 مضى فاسكو دي جاما ، ثانية ، إلى الهند على رأس أسطول صغير من خمس سفن . ولم يلبث الطابع العدائي لهذه الحملة أن كشف عن حقيقته . فقد بدأ فاسكو دي جاما في إغراق كلّ مركب صادفه في طريقه . وسرعان ما تحولّ المحيط الهندي الآمن ، حتى ذلك الحين ، إلى منطقة صراعات وقرصنة . ويدون ويلسون بأنه في عام 1505 ، سمّي دوم فرانشيسكو دو ألميــــــدا (Dem Francisco de Almeida) حاكماً عاماً ونائباً للملك دوم مانويل (Dom Manuel) ملك البرتغال ، في الـهـند (14) .

2 - الغزو البرتغالي
في عام 1508 وصل أسطول برتغالي آخر بقيادة البحّار الشهير ألفونسو دو البوكرك إلى جزيرة سقطرة اليمنية ، القريبة من مدخل الخليج . وكان البرتغاليون يعتقدون ، بناء على أسطورة يتناقلونها ، أن المسيح مرّ بهذا المكان في طريقه إلى الهند . وربّما كان هذا هو السبب الذي دفع البحّارة
البرتغاليين إلى أن يجعلوا منها نقطة انطلاق حملاتهم إلى الهند والخليج . ومن هذه النقطة ، اتخذ البوكرك ترتيباته لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطّة الاستعمارية في منطقة الخليج .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(14) ويلسون ( أ.ت) ، مرجع سابق ، ص 64 .
وفي 10 آب (أغسطس) 1508 ، انطلق الهجوم ، وفي أقلّ من عشرة أيام ، أحرقت أربع مدن عُمانية ونهبت ثمّ احتلت ، وهذه المدن هي : قلهات ، قريات ، مسقط ، خورفكان (15) . ولم يتردد الغزاة في اتباع أبشع الأساليب ، إذ نكلّت القوات البرتغالية تنكيلاً وحشياً بالمهزومين . فقد جدعت أنوف الأسرى وقطعت آذانهم ، تعبيراً عن الفرح بالإنتصار (16) ولكن أيضاً لردع كل محاولة مقاومة . وخلال الشهر نفسه ، تابع دو البوكرك حملته على هرمز . وعلى الرغم من وسائله المحدودة نسبياً فلقد تمكّن على أثر الهلع الذي انتشر في المنطقة من تصفية مقاومة 40 سفينة عُمانية وتوقيع أول اتفاق مع الحاكم سيف الدين المسمّى ملكاً على هرمز . وبموجب هذا الاتفاق ، أعلن إعفاء البضائع من الرسوم الجمركية ، وتعهّد الملك بدفع جزية سنوية للبرتغاليين وليس للفرس (17) .
بعد ذلك تابع دو البوكيرك البرنامج الاستعماري البرتغالي في أمكنة أخرى . ففي عام 1514 قاد حملة على عدن وحاول ، عبثاً ، احتلال منطقة المصوّع وإغلاق البحر الأحمر في وجه السفن المصرية (18) . ولو أمكن لملك البرتغال ، كما يقول ويلسون ، السيطرة على عدن كما سيطر على هرمز ومالاقة (Malaga) ، لكان لُقّب سيّد العالم كلّه على غرار الإسكندر الكبير لدى عبوره الجانجز (19) . وفي حملة ثانية ، عام 1515 أخضع الأميرال البرتغالي كلّ منطقة الخليج ، بل اندفع إلى أبعد من ذلك : فقد سقطت مومباسا ومالندي وبعض الجزر تحت سلطته .
وعلى وجه الإجمال ، وبعد بضع سنوات من معركة غير متكافئة لعب فيها تأثير المباغتة والإرهاب دوراً رئيسياً ، أصبح البرتغاليون ســـادة مــنطقة شـــاســـعــة ، مــن الــســواحــل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(15) . Barros (J.de ),op.cit.pp.3-5
(16) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص 154.
(17) ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص 70 .
(18) Bondarevsky (G.), Hegemonists and imperialists in the Persiam Gulf, Moscow, Novisti Press Agency Poblishing Home,1981,p.37 .
(19) ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص120 .
الشرقية لإفريقيا إلى السواحل الغربية للهند . وكانت عُمان ومضيق هرمز تتحكّمان ، في مركز هذا الجهاز ، بكلّ تجارتها في الخليج .
واعتباراً من عام 1542 وعلى أثر عجز حاكم هرمز عن دفع الجزية المفروضة ، قررّ البرتغاليون تعيين مراقبين لجمع الرسوم الجمركية . وبهذا الإجراء القمعي ، أصبحوا السادة الفعليين لهرمز (20) .
بقي عليهم أن يلتفّوا على القوة الفارسية ، وهنا أيضاً خدم السياق مصالحهم بصورة مدهشة : فقد كان الشاه إسماعيل ( 1499 - 1542 ) ، الذي جعل من تبريز في شمال بلاده عاصمة له ، يهتمّ بهذه المنطقة اكثر من اهتمامه بالجنوب . وفضلاً عن ذلك ، حاول محاربة العثمانيين الذين سحقوا جيشه في معركة تشالديران (Tchaldiran) عام 1514 واحتلوا عاصمته تبريز لبضع سنوات (21) .
ولم يَرَ الشاه الذي هدّده الاندفاع العثماني في منطقة لها منزلة خاصة في قلبه سوى أن يتراجع في الخليج أمام المستعمرين البرتغاليين . بل إنه قبل احتلال هرمز واعترف بتابعيته لملك البرتغال .
كيف نفسِّر هذا الموقف من جانب الشاه حيال تهديد كان يبدو ، إذا تأملّنا كل شيء ، في مثل جدية الخطر التركي على الأقلّ ؟ لنسمع ما يقوله المؤرّخ البرتغالي جواو دو باروس :
" غزا البرتغاليون الفرس ، وهم شعب ذاع صيته نظراً لقدم بلاده وأسلحتها وحضارتها . وقد دفع
الفرس ثمن إهانتهم لإسبانيا لأنهم اعتنقوا ديانة أولئك العرب المتخلّفين " (22) .
من ناحية ثانية ، فإن الشاه إسماعيل وجد نفسه ضعيفاً سياسياً باختياره المذهبي ، فقد كان أول من جعل من التشيّع المذهب الرســمي لمملكته ، ومن هنا كان عــداء الإمبراطورية الــعــثمــانــيــة الــشــرس حــيــالــه . وقــد كــان الــبــلــدان ، بــنــقــلــهــما هــذا الــنــزاع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(20) المرجع السابق ، ص 82 .
(21) . Al-Sabah (S.A.)op.cit.p.22
(22) . Barros (J.de ),op.cit.p. 2
المذهبي إلى المستوى الأول ، يفتحان الطريق أمام مناورات المستعمرين البرتغاليين (23) .
كان في إمكان الأتراك ، نظراً لمكانته الدينية في العالم الإسلامي ، كسب شاه الفرس والإمبراطور المغولي في الهند والتحالف معهم وطرد الأوروبيين من المحيط الهندي لسنوات طويلة . ولكن سليمان الكبير أخفق في استيعاب الأهمّية الحيوية لتعبئة كل القوى في سبيل بلوغ هذا الهدف (24) .
وإذا كانت القوى البرتغالية قد استفادت من التوتّر بين العثمانيين والصفويين فهي استفادت كذلك من الشقاق المحلّي : فقد جاء الانقسام المذهبي ، الشيعي السنّي الجديد ليضاف إلى الانقسامين الآخرين ، السياسي والقبلي ، اللذين كانا قد أضعفا المقاومة الوطنية ضد البرتغاليين (25) .
وعلى صعيد عُمان ، لا مبالغة في الاعتقاد أن الحركة الإباضية وإمامتها كانتا تستطيعان مواجهة العدوان البرتغالي لو لم تكونا قد هُمِّشتا من قبل النبهانيين ، أي لو كانت عُمان موحّدة . لماذا؟ لأن العُمانيين كانوا يملكون ، في إطار الإمامة ، مؤسّسة متينة ومتماسكة قادرة على مواجهة أيّ غزو . وكذلك لأن الحرب ضدّ الغازي والدم المراق دفاعاً عن الإمامة ، الوطن الروحي ، كانا لدى
الإباضيين قضية مقدّسة والتزاماً أخلاقياً لم يكن أحد يرى نفسه قادراً على التخلّي عنه .
لم تلبث شعوب المنطقة ، بعد انقضاء زمــن الــمــفاجــأة والــوجــوم ، أن اســتــعــادت أنــفــاســها ، وســرعــان مــا كــان عــلى الــبــرتــغاليــين أن يــواجهوا حــركــات تمرّد عام 1519 و 1521 . ثم اندلعت ثورة عامّة في 30 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1522 (26) . ولــم يــتــوصّل البــرتغاليون إلــى خــنــقها إلّا باســتــدعاء تــعــزيزات جــاءت خــصــيــصاً من الـهــنــد . ولــكــن الســكّــان العُــمـانيــين لــــم يــســتــســلــمــوا وقــــد هــزّت تــمــرّدات وثــورات عــدة الــــبــلاد لا ســيــمـا عـام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(23) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 12 .
(24) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص175 .
(25) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 12 .
(26) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص 164 - 168 .
1526 حيث اندلعت ثورة جديدة دامت سنة (27) ، ولكنها لم تغيّر ميزان القوى . وكان على عُمان أن تنتظر بزوغ الإمامة اليعربية .
لقد استوجبت هذه التحدّيات الداخلية والخارجية ، من البرتغاليين ، تدعيم مواقعهم في مسقط ، وهي نقطة استراتيجية هامّة ، وتحويلها إلى موقع عسكري متماسك على مدخل الخليج . وفي عام 1587 ، قام البرتغاليون ببناء قلعتين عملاقتين في مسقط ، الأولى هي قلعة القديس غوا التي أعاد العُمانيون تسميتها باسم الجلالي ، والثانية هي قلعة القبطان المعروفة باسم الميراني (28) وهما ما زالتا قائمتين في مسقط ، تذكّران بمرور البرتغاليين .

القسم الثاني
السيطرة البرتغالية على محك المنافسة
خلال هذا الوقت ، كانت موازين القوة السياسية تنقلب في منطقة الخليج ، فمع توقيع معاهدة سلام بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية عام 1555 ، تخلّت فارس عن مطالبها في منطقة ما بين النهرين وانتقل اهتمامها إلى الجنوب نحو منطقة هرمز (29) . ثمّ عرفت فارس ، مع مجيء الشاه عبّاس الأول ( 1586 - 1629 ) ، اندفاعة قوية ، داخلية وخارجية فشرعت ، من جديد ، في لعب دور إقليمي هامّ .
وهكذا وجد التفوق البرتغالي نفسه مهدداً أولاً بسبب اليقظة الفارسية في نهاية القرن السادس عشر وثانياً بسبب صعود إمبرياليات أوروبية منافسة مطلع القرن السابع عشر إذ كانت بريطانيا وهولندا في طريقهما لأن تصبحا اللاعبين الرئيسيين على مسرح الخليج .
في انتظار ذلك ، كان الوجود البرتغالي قد أصاب البلاد وبُناها التحتية بأضرار بالغة . وكان الأسطول التجاري العربي قد تلقّى ضربة قاصمة أعدمت نشاط المنطقة اقتصادياً وامتد تأثيرها السلبي إلى كل القطاعات المرتبطة بالتجارة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(27) المرجع السابق ، ص 168 .
(28) المرجع السابق ، ص 182 . (29) . Bondarevsky (G.),op.cit.,p.39
وعلى وجه الإجمال ، وبسبب السيطرة البرتغالية الدائمة على الخطوط البحرية للخليج ، كانت الثقافة الوطنية المحلّية قد تفتّتت ، إن صحّ هذا القول ، بحيث كانت المنطقة ، لدى وصول الإنكليز والهولنديين ، شبه مهيّأة لمرحلة استعمارية جديدة دون أن تستطيع مواجهتها بأدنى مقاومة .

1 - المرحلة الهولندية والبريطانية
وضع البريطانيون قدمهم في منطقة الخليج بفضل اتصالاتهم مع فارس . وقد جرى أول اتصال بين
بريطانيا وفارس بمبادرة شخصيات شبه رسمية ، لا سيّما مبادرة البريطاني روبرت تشارلي (Robert Charly) . ثمّ جاء زمن العلاقات الأكثر رسمية ، زمن الاتفاق المتين ، وأخيراً زمن تحالف بين البلدين . وهكذا توصّل البريطانيون ، في الخليج ، إلى إيجاد مكان لهم تحت الشمس ، على حدّ تعبير مؤرّخيهم .
كان على الإنكليز ، أوّلاً ، أن يفرضوا أنفسهم على مزاحميهم الهولنديين الذين كانوا قد أسّسوا عام 1602 ، شركتهم الشرقية ، المنافسة لشركة الهند الشرقية التي أسّسها البريطانيون بمرسوم 31 كانون الأول (ديسمبر) عام 1600 (30) والتي نشطت في منطقتي إندونيسيا والهند الشرقية . وبسرعة ، دخلت هاتان الشركتان في منافسة حادّة على مناطق النفوذ . وامتدّ المشهد من السواحل الإندونيسية والهند الشرقية حتى الخليج . وفيما بعد ، وبفضل التحالف الفارسي - البريطاني ، استطاعت شركة الهند البريطانية اتخاذ موقع في ميناء جسك ( بندر جسك ) ، الواقع على ما يقرب من 150 كم من ميناء هرمز . وهكذا سجّل الإنكليز نقطتهم الأولى .
بصورة موازية لذلك ، بدأت السياسة الفارسية تنشط بصورة غير مباشرة أوّلاً ثم بصورة مباشرة ، لصالح السياسة البريطانية . ففي عام 1602 أنزل الشاه عباس الأول ضربة قاسية أولــى بالبرتغــــاليــيـن في مــنــطــقــة الــبــحــريــن . ثـم عبّر الشاه ، في وقت لاحق ، عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(30) لوريمر ( ج.ج) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 23 ،راجع أيضا ، ويلسون ، مرجع سابق ، ص94 .
رغبته في التحالف مع الإنكليز . وفي 1618 ، حصلت شركة الهند الشرقية البريطانية ، بهذه الطريقة ، على امتياز لشراء كل أنواع الحرير الفارسي (31) . وهذا الاحتكار ، وهو الأول من نوعه ، أعطى دفعاً ملموساً للعلاقات التجارية بين البلدين وعزّز الحضور الإنكليزي في الخليج .
وهكذا تحوّل اتجاه الرياح ، ووجد التفوّق البرتغالي نفسه منذ ذلك الحين منافساً من جانب جبهة مصالح قويّة . وفي عام 1610 قرّر الشاه عبّاس تحويل منطقة غمبرون
(Gamberun) المقابلة لجزيرة هرمز ، إلى مرفأ رئيسي سمّاه بندر عباس (32) . وقد ظلّل هذا الميناء الجديد على إشعاع هرمز ، ممّا انعكس سلباً على النشاط التجاري البرتغالي . وردّ البرتغاليون على هذا التحدّي بمهاجمة بندر عباس واحتلالها عام 1612 وبقيت تحت سيطرتهم حتى أخرجهم الفرس منها عام 1615 .
وقد جرى أول اشتباك بين القوات البريطانية والبرتغالية عام 1612 ، تبعته اشتباكات أخرى عام 1615 . وقد هزم الأسطول البرتغالي على سواحل سورات (Surat) ، وهو ما سمح للإنكليز بالحصول على امتيازات أخرى في الهند . وفي عام 1613 ، أسّسوا في سروات فرعاً لشركة الهند الشرقية .
واستطاع سكّان الساحل العربي ، وقد شاهدوا الهيمنة البرتغالية ، البدء في التعبير عن استيائهم والمراهنة على مساعدة من الجار الفارسي . وبالفعل ، حاول الشاه في البدء الاستفادة من هذه الحركة فتعاون مع السكّان لطرد البرتغاليين من منطقة جلفار (33) . ولكن الفرس لم يلبثوا أن أصبحوا المحتلين الجدد للساحل العربي . وفضلاً عن ذلك ، عُقِدَ في مناخ التصالح الذي أعقب رحيل القوات من هرمز ، اتفاق بين الفرس والبرتغاليين . فأعــــاد هؤلاء محاصرة المنطقة وبنــــــوا فيها قلعة جديدة قريبة من تلك التي احتلتها القوات الفارسية (34) في جلفــــــــار . أمـا بالنـسبة للـشـــاه ، فــقــد بــقـــي يـــحــتــفــظ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(31) ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص102 - 104 .
(32) . Bondarevsky (G.), op.cit,p.41
(33) Ibid,p.41.
(34) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص 191 .
برأس جسر على الساحل ، وهكذا رأى سكّان البلاد المخذولون أن أراضيهم محتلّة من جانب دولتين أجنبيتين ، بدلاً من دولة واحدة .
لم يكن وارداً أن تبقى الأمور عند هذا الحد بالنسبة لأّي طرف من الأطراف . فأتفق الفرس والبريطانيون على التخلّص ، في مرحلة أولى ، من خصومهم البرتغاليين في هرمز . وعُقِدْ اتفاق ، وهو الأول من نوعه هو أيضاً ، من بين بنود أخرى ، على اقتسام الموارد الجمركية لهرمز مستقبلاً ، بالتساوي مع الإنكليز وإعفاء التجارة الإنكليزية من الرسوم (35) .
كانت المطامح الإنكليزية ، واضحة . كما كان وهماً أن ما يسعى إليه القادة الإنكليز من وراء الأهداف التجارية ، هو تنمية مصالحهم في المنطقة ، ومراقبة نقاطها الاستراتيجية لتأمين سيطرة واضحة ودائمة على الشرق وثرواته وطرق مواصلاته . وفعلاً امتدت هذه السيطرة كما سنرى ، لأكثر من 300 سنة .
حاصرت القوّات المتحالفة ، الفرس والإنكليز ، موقع هرمز بعد أن احتلّت منطقة قشْم وهي مصدر تموين هرمز بالماء والغذاء . وفي 21 نيسان ( أبريل) 1622 ، سقطت هرمز في أيدي القوات الفارسية والإنكليزية بعد تدمير المدينة واستسلام البرتغاليين . وقد عقد اتفاق لنقل ما بقي من القوات على سفن إنكليزية إلى قلعتهم في مسقط (36) .
وانتهت السيطرة البرتغالية على هرمز ، وانتهى معها ازدهار المدينة التي تُرِكت للخراب والدمار . وقد أفاد هذا التخلّي ميناء بندر عباس الذي جعلت منه الشركة الهندية مركزها الرئيسي . وعلى الرغم من هذه الضربة القاسية ، ومن الأفول المطرد لإمبراطورية البرتغاليين ، أستطاع هؤلاء أن يحافظوا ، لفترة أخرى ، على مواقعهم حول عُمان ، خاصّة مسقط .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(35) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 43 - 44 .
(36) المرجع السابق ، ص 47 .


وفي هذه الأثناء ، ومع وفاة الشاه عبّاس ، فقدت بريطانيا صديقاً وحليفاً . وقد اجتازت فارس فترة انطواء نسبي حتى مجيء ، نادر شاه . واستفاد الهولنديون من هذا الانكفاء لينمّوا مصالحهم الاستعمارية . فأحرزوا انتصاراً على البرتغاليين في منطقة الساحل الهندية ووطّدوا حضورهم في إندونيسيا .
وهكذا أُسست الشركة الهولندية باتافيا (Batavia) ، ( جاكرتا لاحقاً ) ، عام 1619 ، ونجحت في طرد البرتغاليين من مالاقة (Malaga) عام 1641 ، ومن أفضل أسواقهم في الهند . وقد عرفت الشركة المذكورة طيلة القرن السابع عشر ازدهاراً كبيراً ، وضــمــنــت احتكار تجـــارة البهارات في إندونيسيا (37) .
وقد أدّى تعاون الهولنديين مع الإنكليز ضدّ الأسطول البرتغالي ، إلى الحصول على امتيازات هولندية في فارس مماثلة للامتيازات التي كان يتمتّع بها الإنكليز . وعلى غرار الشركة الإنكليزية تبنّت الشركة الهولندية بندر عباس مركزاً رئيسياً لها . وبالتدريج وصلت النشاطات التجارية الهولندية إلى ذروتها في الخليج خلال النصف الأول من القرن السابع عشر . بل وصل بها الأمر إلى حد تهديد النشاطات البريطانية بالاختناق . فقد كانت كل تجارة الاستيراد والتصدير لفارس بين أيدي تجّار هولنديين ، وكانت سفنهم تمخر المنطقة ، ولم يتردّدوا في استعمال العنف لضمان احتكار التجارة المحلية على حساب المصالح الإنكليزية .
وهكذا بدأت القوى البحرية والتجارية لبريطانيا وهولندا ترى مصالحها ، في الشرق كما في أوروبا ، تتعارض إلى درجة لا يمكن إلّا أن تؤدّي إلى مواجهة عسكرية . وفي أقل من عشرين سنة ، من 1652 إلى 1667 ، اندلعت أربعة نزاعات إنكليزية - هولندية في أوروبا وفي المناطق المستعمرة ، ( وخاصة حول بندر عباس 1654 ) (38) . وإذا كانت هذه الحروب لم تغير شيئاً من موقع الهولنديين في الخليج ، فإنها سمحت للبريطانيين بإرساء التفوّق المؤكّد لإمبراطورتيهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(37) Al-Sabah (S.A.)op.cit.p.23 .
(38) ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص 135 - 136 .

2 - من وصول الفرنسيين إلى حل الصراعات الاستعمارية
غيَّر الظهور المتأخّر للمصالح الفرنسية في لعبة الشرق الاستعمارية ، لفترة ما ، ميزان القوى . فقد أسس لويس الرابع عشر (Louis XIV) ، بدوره ، بامتياز 1664 ، شركة الهند الفرنسية الشرقية ، التي ما لبثت أن دخلت هي أيضاً منطقة الخليج واتخذت ، كوصيفتيها الإنكليزية ، والهولندية ، من بندر عباس مركزاً رسمياً (39) . وقد دشّن هذا الطموح الجديد فترة منازعات أخرى في المنطقة .
بدأ لويس الرابع عشر ، أولاً ، بالقضاء على القوة التجارية الهولندية ، وتمكَّن بعد معارك في المتوسط من تدمير أسطول الحلف الهولندي - الإسباني (40) .
ورأت بريطانيا في ذلك فرصة لوضع حدّ نهائي للتوسع الهولندي فعقدت في البداية حلفاً مع فرنسا . ثمّ ، ما إن اكتملت هزيمة الهولنديين حتى قلب الإنكليز تحالفهم تحت ضغط الرأي العام الإنكليزي المعادي لفرنسا ، ووقّعوا صلحاً منفصلاً مع هولندا عام 1674 (41) .
وبهذا الحلف ، اضطربت موازين القوى من جديد ، كما اضطربت اللعبة السياسية . وشهد عام 1688 انعقاد حلف إنكليزي - هولندي يرمي إلى سدّ الطريق أمام الهيمنة الفرنسة . ومنذ ذلك العهد ، نَسَّقَت هولندا مصالحها مع مصالح شركائها البريطانيين ، وذلك حتى ما بعد صلح رسويك ( Rijswijk )الذي لجم المطامع الفرنسية ( 1697 ) (42) .
بدءاً من النصف الثاني من القرن السابع عشر ، استهدف الإنكليز والهولنديون الالتفاف على خصومهم السابقين ، البرتغاليين الذين بدأت قواهم تخور ، رغم أنهم تحرروا منذ عام 1640 من وصاية أسرة الهابسبورغ (Habsbourg) في إسبانيا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(39) . Al-Sabah (S.A.) op.cit.p.24
(40) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 80 .
(42) المرجع السابق ، ص 81 .
(42) ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص138 .
في عام 1661 ، آلت ملكية جزيرة بومباي ومينائها من البرتغال إلى التاج البريطاني كجزء من هديّة الزواج التي قدّمتها الأميرة البرتغالية لزوجها شارل الثاني ، ملك إنكلترا ، وكجزء الإنكليز بموجبها بضمان سلامة أملاك البرتغال في جزر الهند الشرقية (43) .
وهكذا فإن بريطانيا التي تحالفت ، على التعاقب ، وفقاً لمصالحها ، مع الفرس والهولنديين ، وأخيراً مع البرتغاليين ، كانت الرابحة الوحيدة من هذا الصراع الاستعماري ومن هذا السباق الدبلوماسي الذي كان رهانه كلّ مستقبل إمبراطورتيها في الشرق . وقد حافظ البرتغاليون المهزومون في هرمز على وجودهم في عُمان ، ولكن سياستهم الاستعمارية في المنطقة ، انقادت منذ ذلك الحين ، كغيرها ، لسياسة الإنكليز . وكذلك الأمر بالنسبة للهولنديين الذين ارتبط مستقبلهم الاستعماري منذ تصفية نفوذهم ، بمستقبل بريطانيا . وكان على الفرنسيين - الحلفاء المؤقّتين ( ضدّ الهولنديين ) - أن يستسلموا هم أيضاً ، للبراغماتية البريطانية . وهكذا وجدت فرنسا لويس الرابع عشر ثم لويس الخامس عشر التي كانت حريصة ، على الاحتفاظ بامتيازاتها في القارة الأوروبية - وجدت نفسها تترك التوسع الإمبراطوري الإنكليزي يسبقها ، خاصة في الشرق .
ومنذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر ، وجدت بريطانيا نفسها في موقع قوة كافٍ لإرساء أسس حضور دائم في الشرق ، وخاصّة لتنظيم ساحتها الاستعمارية في المنطقة . وقسّمت شركة الهند الشرقية الإنكليزية الهند إلى ثلاثة كيانات جغرافية هي ، على التوالي ، حكومات البنغال ومدارس وبومباي . وهكذا وقعت منطقة الخليج تحت مسؤولية حكومة بومباي (44) .
وبعبارة أخرى ، لم يتوقّف الأمر عند فقدان منطقة الخليج كل سيادتها ، بل تعدّاه إل أن وجدت نفسها أيضاً غارقة في التفكك من وجهة النظر التاريخية والثقافية والعرقية . إن
وصــــــول مــــنــطـــقـــة الـــخــلــيـــج إلـــى هــذه الـــحـــال يعبر بوضوح عن الخطة التي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(43) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الأول، ص 83 .
(44) Al-Sabah (S.A.)op.cit.p.24 – 25 .

سار عليها التوسع الإستعماري ؛ وبطبيعة الحال لم يكن لعُمان أن تكون في منأى عن هذا المصير سواء تحت نير البرتغاليين أم الفرس أم الإنكليز . ولا شكّ أن توجّس التحلل والضياع هو ما وقف وراء تلك الانتفاضة الوطنية التي أعادت الإمامة في عُمان إلى أيدي اليعاربة .


الفصل الثالث

المثال الإباضي للدولة الإسلامية في التاريخ الحديث
" بــــمـــا أنه ليس للإنسان سلطة طبيعية على شبيهه ، وبما أن القوة
لا تنتج أي حق ، تبقى التعاقدات ، إذاً ، أساس كل سلطة شرعية " .
ج . ج . روسو ، حول العقد الاجتماعي

الدولة اليعربية ( 1624 - 1741 )
من أجل مصلحة الأُمّة والوطن ، ومن أجل إعادة توحيد البلاد وتحريرها من الاحتلال الأجنبي ، تمّ التوصّل عام 1624 إلى اتفاق بين مدرستي نزوى والرستاق ، أعقبه انتخاب ناصر بن مرشد ( 1624 - 1649 ) . وقد دخلت عثمان ، حينئذٍ ، حقبة استثنائية من تاريخها الحديث ، وهي حقبة استعادت
فيها الإمامة بناء ذاتها وتحقّقت خلالها وحدة البلاد الاجتماعية .
ثم خلف سلطان بن سيف ( 1649 - 1688 ) وهو رجل بارع واستراتيجي نادر ، ناصر بن مرشد ، وحرّر عُمان ، وطرد البرتغاليين من شرق إفريقيا وأنشأ الدولة العُمانية " العربية - الإفريقية " . وقد شهدت هذه الفترة تشييد النموذج الإباضي للدولة الإسلامية .
إلّا أن الدولة اليعربية بدأت ، مع نهاية القرن السابع عشر ، في التحول إلى نظام سلالي . ورغم الإبقاء على تقليد انتخاب الأئمة فإن انتماء هؤلاء إلى الأسرة نفسها أفرغ هذا التقليد من محتواه الديمقراطي إلى أن أطاح به . وهكذا تعرّضت هذه التجربة الفريدة إلى أخطار داخليّة أدّت بها إلى حرب أهليّة محتومة . في هذا الفصل نعالج هذه التجربة ، نجاحها وخاتمتها .


القسم الأول
الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ( 1624 - 1649 )
خلال خمسة قرون تقريباً ، منذ سقوط الإمامة الأولى في القرن الثالث للهجرة ، ( التاسع الميلادي ) ، وفي عهد الملوك النبهانيين ، كان المجتمع العُماني قد خرج من الإطار الذي رسمته له قيمه وثقافته وقوانينه وشرائعه وتقاليده الإباضية . وقد عرف هذا المجتمع حالة من التمزّق والفوضى الكلّية ومرحلة طويلة موسومة بضروب الفشل على الصعيدين الوطني والمعنوي . وقد شهد ، فوق ذلك ، احتلال دولة هرمز للمدن الساحلية في منتصف القرن الثالث عشر . وتلا ذلك وصول البرتغاليين الذين احتلوا هذه المناطق ، بما فيها هرمز عام 1508 .
قُسِّمت عُمان ، وقتذاك ، إلى أكثر من عشر مقاطعات ومناطق شبه مستقلّة بعضها عن البعض الآخر ، تحميها سلطات قبليّة مستقلة ذاتياً : مالك بن أبي العرب في الرستاق ، سلطان بن أبي العرب في نخل ، مانع بن سنان العميري في سمائل ، علي بن قطان الهلالي في سمد الشان ومـحـمد بن جـفـير
فـي عـبري (1) . كما سقطت ستّ قلاع واقعة في ستّ مناطق مختلفة تحت سيطرة قبائل متنوعة ، في حين كانت مسقط ومطرح وصور وقريات ، كما رأينا ، تحت سيطرة البرتغاليين منذ 1508 ، وكانت جلفار خاضعة للسيطرة البرتغالية والفارسية المزدوجة . تلك كانت الخريطة السياسيّة لعُمان .
ولم يبدُ ، إذ ذاك ، أن عُمان مقبلة على أيّ شكل من أشكال الوحدة . وكان الحلّ الوحيد لإنقاذ البلاد وإخراجها من هذه المحنة ، هو الانخراط في طريق الوحدة الوطنية والالتفاف حول الحركة الإباضية التي كانت تُعِدُّ لتقديم مرشحها ، رجل الإجماع والخلاص الوطني ، ناصر بن مرشد اليعربي .
وبفضل الشيخ العلّامة خميس بن سعيد الشقصي ، مؤلّف كتاب منهج الطالبين وبـــلاغ الراغــبــيــن ، قُدّم اســـم نــاصـــر بن مــرشــــد الــيـــعــربي كمرشّح إبّان التشاور التقليدي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. Ibn Ruzayq (H,),op.cit,p.54

الأول بين العلماء الإباضيين . وقد انعقد اجتماع مجلس عامّ ضمّ 70 رجلاً من نخبة العلماء والوجهاء في قرية قصرى ، في منطقة الرستاق ، وانتهى استثنائياً إلى الإجماع على اسم المرشّح الجديد . وهكذا انتخب ناصر بن مرشد اليعربي البالغ من العمر 21 عاماً تقريبـــاً ، عـــــام 1624 وجرى إبلاغه القرار (2) .
لم يكن في استطاعة ناصر بن مرشد ، كما لم يكن في استطاعة الأئمّة الآخرين ، رفض الواجب الوطني والديني ، ولكن الإمام اشترط على نحو غير مألوف شرطاً وحيداً : الولاء التامّ ، فأدّى العلماء القَسَم (3) . وتمّ انتخابه " إمام الشراء " (4) .
يقول مايلز :
" لم يقلّد هذا الانتخاب مراسم الإمامة لأسرة جديدة فحسب ، ولكنه فتح عهداً جديداً في تاريخ عُمان
التي تقدّمت خلاله إلى درجة كبيرة من الرفاهية . كان يقود البلاد ، ناصر بن مرشد ، ذلك الرجل الذي اتّسم بذكاء غير عادي وقوة نادرة . حتى أنه يمكن أن يُعَدّ أحد أشهر أمراء عُمان " (5) .
كان على الإمامة الجديدة تحمّل مهمّات تاريخيّة . ذلك أن روح العصبية القبلية تجذّرت ، طيلة المرحلة النبهانية ، تجذراً عميقاً في المجتمع كما جاء العامل الخارجي البرتغالي ليتوّج انهيار التلاحم الداخلي . وهكذا لم يكن من سبيل إلى تحرر البلاد إلّا بإعادة بناء التلاحـــم الاجتماعي وإعادة توطيد الوحدة الوطنية .
وخلال الأعوام الثمانية الأولى من عهده ، طبّق الإمام ناصر بن مرشد ، وبصورة شبه منظّمة ، سياسة ثابتة وحازمة وقوية حيال القبائل المتمرّدة . وقد أخضعها إخضاعاً صارماً ، كما أخضع الممالك الصغيرة الشكلية القائمة في المقاطعات والمناطق .
كـــان التــســامــح والــعــفــو عن الخـصــوم يسيـــران جنـباً إلى جنب مع حزم الإمام ، وهو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) Ibn Ruzayq (H,),op.cit.p.53. (3) Ibid,p.54 .
(4) راجع الفصل الأول ، القسم الثاني . (5) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص198 .
ما دعم موقعه الروحي والسياسي في أذهان العُمانيين . وقد نتج عن هذه السياسة تعاظم في قوّة الإمام ، أيّدتها عدالته التي ذاعت الأخبار عنها وانتشرت . أمّا عفوه عن المتآمرين عليه ، فأدى ، من ناحية أخرى ، إلى قدوم مزيد من الوفود من المناطق المجاورة للاستظلال بحمايته والتنعّم بعدله (6) .
سقطت المدن الواحدة بعد الأخرى ، كما لو كانت متأهّبة لمحو آثار الفترة النبهانية إلى الأبد ، وإخراج عُمان من الظلمات التي كانت غارقة فيها . وترافق هذا التغيير مع إلغاء " الأعراف الإقطاعية " التي كانت القبائل والممالك العُمانية قد فرضتها . وهكذا حقّقت ثورة الإمامة مرحلة حاسمة من السيرورة التي سوف تُخرج البلاد من الفوضى .
لقد أثبت هذا الحاكم العُماني ، بصورة مطلقة ، أنه من أقوى وأكفأ الحكّام على الإطلاق . وتمكّن في وقت قصير من السيطرة على الأمور وتحقيق الاستقرار ، ثمّ حوّل اهتمامه وإمكاناته لطرد المستعمرين الذين كانوا يسيطرون على المناطق الساحلية ، وخاض معهم حرباً طويلة أدت إلى دحرهم (7) .
وفضلاً عن ذلك ، أرسل الإمام جيشه إلى الجنوب لإخضاع ناصر بن قطان الهلالي ، والتقى الجيش هناك بقبائل بني ياس التي قتل رئيسها صقر بن عيسى . ولقي أخوه في محاولته الثأر له نفس المصـــــير (8) . وهكذا خضعت له قبائل ساحل عُمان أيضاً . ومنذ ذلك الزمن ، وحتى وصول البوسعيدي إلى السلطة ، ( منتصف القرن الثامن عشر ) ، خضعت هذه القبائل لسلطة دولة اليعاربة .
كانت السنوات الثماني الأولى من الإمامة الجديدة كافية لإعادة توطــيد المجتـــمــع العُـمــــاني ووضــــع حــدّ لــحالــة التشتّت والتصدّع . ودخــل المجتمع إلى النظام الجــديـــد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(6) السيار ( عائشة ) ، دولة اليعاربة في شرق افريقيا 1624 - 1714 ، بيروت ، دار القدس ، 1975 ، ص 50 .
(7) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص 190 .
(8) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 16 ، راجع أيضاً : الأزكوي ، مرجع سابق ، ص 104 - 105.
(9) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 13 .

وتخلّى عن سيطرة روح العصبية القبلية . وهكذا وجدت عُمان نفسها من جديد واستردّت السلام الداخلي ، وتهيّأ الشعب العُماني لتحرير المدن العُمانية الساحلية من نير البرتغاليين .
1 - تصفية الوجود البرتغالي
يجدر بنا أن نشير إلى أن العلاقات الإنكليزية - البرتغالية كانت ، خلال كل هذه الفترة ، علاقات تحالف . أمّا العلاقات الفارسية - البرتغالية فكانت تقوم على الاتفاق الحسن . وهكذا كان على العُمانيين مواجهة المحتلّ البرتغالي ولا سند لهم إلّا قواهم الذاتية . بل إنه كان عليهم ، في منطقة جلفار ، محاربة القوّات البرتغالية والفارسية معاً .
هيّأ الإمام جيشاً عهد به إلى علي بن أحمد ، مدعوماً بأحد أقربائه من اليعاربة (9) .
وبعد يومين من المعارك ، أحرزت قوّات الإمامة نصراً واقتلعت البرتغاليين والفرس من منطقة جلفار في آب ( أغسطس ) 1633 . وكان ذلك أول انتصار عسكري على القوات الأجنبية .
وبعد سنة ، في عام 1634 ، وقعت منطقة صور وقريات في قبضة الإمامة (10) ، في حين ظلّت صحار ومسقط خاضعتين للقوات البرتغالية . وفي عام 1644 ، دخلت قوّات الإمامة حروباً متقطّعة مع القوة البرتغالية ، ولكنها لم تكن قادرة على اختراق السور المحيط بمسقط الذي كان البرتغاليون قد بنوه في الوقت الذي كانوا قد بنوا فيه قلعتي الميراني والجلالي .
ومن جديد ، في عام 1648 ، جرّدت القوات العُمانية حملة بقيادة مسعود بن رمضان ، وخميس بن سعيد لفرض الحصار على مسقط وتحريرها . وفي 16 آب ( أغسطس ) ضرب حــصــار دام حــتى 11 أيــلــول ( ســبــتــمبر ) أرغــم الــعُــمانــيــون الــبــرتــغاليـين فــي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10) Le Cour Grandmaison (C.) " Presentation du Sultanat d'Oman", in : la Peninsule arabique d'aujourd'hui, sous la direction de Paul Bonnenfant , Paris,C.N.R.S., 1982, tome II,p.276. . (11) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص 192 .

نهايته على قبول الشروط التي حدّدها الإمام . وفي 31 تشرين الأول ( أكتوبر ) وقّع اتفاق (12) من خمسة بنود ، ينصّ واحد منها على إلغاء القانون المتعلّق بالضريبة المفروضة على العُمانيين من قبل البرتغاليين .
كان هذا أوّل اتفاق فرضته قوة وطنية على مستعمرين . كان نصراً سياسياً للعُمانيين بقدر ما كان نصراً معنوياً . لكن البرتغاليين لم ييأسوا ، فقد طلبوا من قادتهم في الهند نجدات جديدة . فلم يكونوا يجهلون أنهم إذا فقدوا مواقعهم في مسقط ، فسوف يفقدون نهائياً كلّ مواقع منطقة الخليج .
لقد مالت كفّة الصراع بوضوح . فلم يعد صراعاً بين مستعمرين يَنْصّبُّ على اقتسام مناطق نفوذ ، بل أصبح صراعاً بين قوة وطنية صاعدة ومستعمرين مكروهين من كلّ الشرق . ولكن الإمام لم يَرَ في التحرير خاتمة لمشروعه . ففي نيسان ( أبريل ) 1649 ، وبعد 26 سنة من الحكم ، توفّي ناصر بن مرشد ، في السابعة والأربعين من عمره تقريباً ، ودفن في مدينة نزوى (13) .
كانت إنجازات الإمام ناصر بن مرشد ملحمية وتاريخية . فقد حقّق توحيد عُمان ومحا آثار خمسة قرون من المرارة الوطنية . وقد أعاد الاعتبار للكرامة العُمانية واستعاد تقاليد الإمامة وأرجع تراثها ، كما أعاد مكانتها إلى أذهان العُمانيين . وقد أرسى أسس الدولة اليعربية وعناصرها الرئيسية . وبفضله أيضاً ، استطاعت عُمان دخول التاريخ الحديث مُوَحَّدة ومُزَوَّدة برسالة روحية وهوية وطنية وثقافية واضحة .

2 - سلطان بن سيف اليعربي ( 1649 - 1688 )
يوم وفاة الإمام ناصر بن مرشد ، عقد العلماء مجلساً عامّاً لانتخاب إمام جديد طبقاً للإجراءات التقليدية . ووقع الإجماع على شخص سيف بن سلطان قريب الإمام المتوفّى وأحد قادته العسكريين . وكان سلطان قد شارك في المرحلة الأولى من بناء الدولة اليعربية . كما كان مشهوراً بحكمته وإرادته . وتدوّن المؤرّخة الفرنسية ، لوكور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(12) راجع السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 17 .
(13) . Le Cour Grandmaison (C.) " Presentation du Sultanat d'Oman " ,op.cit.,p.267
غرانميزون (Le Cour Grandmaison) ، التالي :
" إن سلطان بن سيف الأول ، الذي خلف ابن عمّه ناصراً هو الذي يعود إليه مجد إعادة الفتح هذا وقد بذل الاستراتيجي الفذّ . نشاطاً كثيفاً على امتداد البلاد التي كانت تعيش حالة سلام مؤقت (....) كما زوّد البلاد ببحرية قوية كانت كفيلة بتأمين انتصاره على البرتغاليين " (13) .
كان الإمام الجديد واعياً للمهمّات الملقاة على عاتقه ولقدرات العُمانيين على إنجازها وكان قادراً على رسم مستقبل الدولة العُمانية ، مع الاستفادة من الميراث السياسي للإمام المتوفّى . وهكذا يمكن اعتبار سلطان بن سيف الأول ، امتداداً لعهد مؤسّس الدولة اليعربية ، فكان هذا العهد المرحلة الثانية للبناء الإباضي للدولة الإسلامية العُمانية .
ولكن البرتغاليين انتهزوا مناسبة وفاة ناصر بن مرشد لينقُصوا الاتفاق المعقود مع الإمامة ويخرقوا بنوده ، وعلى الأخصّ فيما يتعلق بالضرائب التي كان ينوء تحتها العُمانيون الذين يسكنون الساحل . وقد أعلن سلطان بن سيف الحرب عليهم وأشرف بنفسه على العمليات العسكرية حتى النصر ، في أجّلٍ لم يتجاوز ستّة أشهر . وقد أُرغم الحاكم البرتغالي العامّ على التخلّي عن القلعتين للقوّات العُمانية في 23 كانون الثاني ( يناير ) 1650 (14) .
وفـــي أقلّ من سنة من بدايـــة عهده ، حقّق سلطـــان الانتصار وحرّر عُمان وأنهى بناء الدولة العُمانية . وبفضل هذه المرحلة ، استعادت عُمان موقعها كأقوى دولة بحرية في المحيط الهندي ، باسطة سلطتها ونفوذها من الخليج إلى شرق إفريقيا . ولم يكتفِ الإمام بهذا النصر ، بل أخذ أيضاً في مطاردة البرتغاليين خارج الحدود العُمانية . وفي الوقت نفسه ، كانت التجمّعات العُمانية والعربية في شرق إفريقيا قد طلبت من الإمام تحريرها من السلطة البرتغالية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(14) . Ibid,p.270
(15) . Ibid,p.276


تقول لوكور غرانميزون :
" وقد لاحقوا غزاتهم في البحر ، خائضين ضدّهم سلسلة من المعارك ومهاجمين إيّاهم حتى في ممتلكاتهم في إفريقيا الشرقية . وقد توّج سقوط ممباسا عام 1665 الاستسلام البرتغالي وأعلن نهاية مئة وخمسين سنة من الهيمنة على الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي " (16) .
وقد أحرز سلطان بن سيف انتصاراً على البرتغاليين بتحريره جزر كلوه وبابتا وزنجبار ومومباسا ، وبوضعه هذه المناطق تحت السلطة العُمانية . وقد عيَّن فيها شخصيات عُمانية لإدارة شؤونها . وقد غدت كل هذه المنطقة ، رسمياً ، جزءاً من الدولة العُمانية .
وخلال هذه الفترة تدعّمت العلاقات التجارية والثقافية العُمانية - الإفريقية ، وكذلك الحضور العربي في شرق إفريقيا . ولقد لعبت الجماعة العُمانية ، منذ ذلك الحين ، دوراً أساسياً في إدارة اقتصاد هذه المنطقة وتجارتها . وسادت فيها الثقافة العُمانية حتى لو بقيت اللغة السواحلية هي اللغة المتداولة في حين اقتصر استعمال العربية على نخبة من الوجهاء الدينيين وعلى بضعة رجال من الحكومة والتجّار (17) .
وفي عام 1670 ، شنّ العُمانيون هجوماً على منطقة ديو قرب خليج مومباي ، أحد أقطاب الاستعمار البرتغالي . كما هاجم العُمانيون لاحقاً ، حوالي 1674 ، منطقة بيسان ( Bessin) ، وهي مستعمرة برتغالية أخرى (18) . وقد أوقعت هذه الضربات الاضطراب في توازن البرتغاليين في منطقة السواحل الهندية وأضعفت فيها نفوذهم مؤقّتاً (19) .
وكرمز للانتصارات العُمانية ، قام الإمام ببناء قلعة نزوى الشهيرة التي مَوّل بناءها من الغنائم التي حملتها القوات العُمانية من معركة ديو . وقد دامت فترة بناء هذا المشـــــــــروع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(16) سوف نخصّص الفصل السادس لدراسة تطوّر القطب العُماني - الإفريقي .
(17) عُمان ، دمشق ، منشورات مكتب " سلسلة أبحاث عربية " ، 1964 ، 67 .
(18) بقيت منطقة غوا (Goa) وديو (Diu) تحت السيطرة البرتغالية حتى عام 1961 .
(19) عُمان ، مرجع سابق ، ص 52 .
أكثر من اثنتي عشرة سنة . وتعتبر هذه القلعة إحدى معالم تاريخ عُمان الوطني .
مثّلت هذه الفترة عهد تطوّر ونهضة لعُمان على كّل الأصعدة ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . وبفضل الأسطول البحري نشطت التجارة ، وعادت مسقط ، التي حلّت محلّ هرمز ، أهمّ موقع تجاري وميناء ترانزيت لكلّ الخليج ، وبلغ الإنتاج الزراعي كذلك أعلى مستوياته . كما عرفت عُمان نهضة ملحوظة على الصعيد التربوي والثقافي ، وقد لعب فيها رجال الدين والعلماء الإباضيون دور المحرّك . ولكن الفضل الأول في هذه النهضة يعود إلى مناخ العدالة والحرية الذي بدأت عُمان تتمتّع به في ظلّ نظام الإمامة .
وإذ رعى سلطان بن سيف استمرار هذا النهوض ، فلقد اهتمّ على الأخصّ بدعم مؤسّسات الإمامة ، وكان يراقب باستمرار ، وبالتفصيل ، عمل القضاة والولاة الذين لعبوا ، هم أيضاً ، دوراً كبيراً في إدارة مختلف مناطق الإمامة .
وعلى وجه الإجمال فإن ما أمكن أن يتحقق في ظل هذين الإمامين ، كان ، إضافة إلى إعادة اكتشاف الهوية ، إعادة بناء حقيقية للدولة والمجتمع العُمانيين .ذلك أنه من العدل أن نقول أن عُمان التي وجدت نفسها من جديد في عصر ناصر بن مرشد ، تمكّنت مع الإمام سلطان بن سيف الأول ، من تحقيق
قسم كبير من طاقاتها . ومع وفاة الإمام سلطان بن سيف الأول عام 1688 ، كان النموذج الإباضي للدولة الإسلامية قد اكتمل تشييده . وهكذا فإن الإمام أدى مهمته على أكمل وجه .

3 - الانتخاب الخلافي : بلعرب بن سلطان ( 1688 - 1711 ) :
بعد وفاة الإمام سلطان انتخب ابنه بلعرب بن سلطان بالإجماع . كان بلعرب يتمتّع بكلّ الصفات المطلوبة لهذا المنصب ، بل وكان مشهوراً بسخائه وكرمه إلى حد لقب معه بـ " أبي العرب " . وقد عاصر العمل الذي شرع فيه سلفاه ، وإليه يعود بشكل خاصّ الفضل في خلق مؤسّسات للتعليم الرسمي تقدّم فيها كلّ التسهيلات للطلّاب ، بما في ذلك الطعام . وقد خرّجت هذه المدارس صفوة من القضاة والأدباء ، منهم الشاعر راشد بن خميس الحبسي .

في الأساس ، لم يكن في انتخاب بلعرب بن سلطان أيّ عيب ولا أيّ خرق للدستور أو للأعراف الإباضية ، لا سيّما أن المنتخب الجديد كان قريباً من معظم التطّورات والمنجزات الكبيرة في عهد والده ، بل إنه أسهم فيها شخصياً .
لكن هذا الانتخاب ، على الرغم من شرعيّته ، أعطى مؤشراً لبداية تغيير طبيعة الإمامة في التاريخ الحديث . وكانت تلك سابقة وبداية لتقليد جديد في الثقافة السياسية العُمانية الإباضية . فقد فتح هذا الانتخاب الطريق أمام أنواع من الطموح بالسلطة ونشدانها . وعلى وجه الإجمال ، لا نُبالغ إذا قلنا إن السلطة الروحية للإمامة قد حُرّفت منذ ذلك الحين ، وإن وظيفتها تحوّلت إلى مجرّد سلطة قابلة لأن تقلب بالسلاح .
" وهكذا فَقَدَ الانتخاب . لأوّل مرّة . قيمته الحقيقيّة بِضَرْبه صفحاً عن أحد أهم شروطه ... ولئن كان ذلك الانتخاب مصدر قوّة في أوّل عهد إمامة اليعربيّين ، فإنه تحوّل إلى نقطة ضعف خطيرة في آخر عهدهم " .
وفعلاً أثبت تعاقب " الانتخابات " اللاحقة أن ثغرة قد فُتحت في التقاليد الإباضية . فقد توالى على الحكم سبعة أئمّة ينتمون إلى الأسرة نفسها ، لكن الأخيرين منهم لم يتمتّعوا بشرعية كلّية . فسيف بن سلطان الثاني أعيد انتخابه ثلاث مرات ، وربّما أربعاً ، في الأعوام 1718 و 1722 وأخيراً في عام 1728 دون أن يتمتّع بالشرعية المطلوبة . وعليه تقع مسؤولية إنهاء التجربة اليعربية بصورة فاجعة ومؤسفة ، ومسؤولية إهانة وطنه بطلبه مساعدة من الفرس في محاولة يائسة لتوطيد إمامته غير الشرعية .
وما إن حدث الخرق السلالي لمبدأ السيادة الانتخابية حتى دشّن نوع آخر من النزاع ؛ فقد تحدّى سيف بن سلطان أخاه بلعرب وخاض الاثنان حرباً دامية ، إلى أن توفّي بلعرب ، الإمام الشرعي ، بعد سبع سنوات من الحكم (20) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(20) هناك تداخل بين عهدي بلعرب بن سلطان وأخيه سيف بن سلطان . وربّما نجم ذلك عن كون الأخير قد حاز اعتراف بعض القبائل بعد حوالي أربع سنوات من عهد أخيه بلعرب ( 1688 - 1711 ) أي عام 1692 . وبعبارة أخرى ، كان هناك ، حتى 1711 إمامان في عُمان . ولكن تبقى شكوك حول هذه الفترة ويصعب التدقيق فيها . ويلاحظ أيضاً أن بلعرب عام 1711 ، وهذا العام يتزامن مع نهاية عهد سلطان بن سيف . ممّا يعني أن الإمامين قد توفّيا في التاريخ نفسه .

استطاع سيف بن سلطان الأول ( 1692 - 1711 ) أن يكسب جملة قبائل بايعته على الرغم من رفض علماء الحركة الإباضية ذلك واعتبارهم بيعته اغتصاباً . ولكن العلماء لم يصيغوا أيّ اعتراض صريح خوفاً من تنكيلات سيف بن سلطان المشهور بقوّته .
ونتيجة لذلك أُفرغَ المنصب من محتواه الانتخابي ، وكفّ عن أن يكون ممارسة ديمقراطية فعلية ، ولم يعد أكثر من شكليات احتفالية يقيمها رؤساء قبائل لفرض مرشّحيهم . وكان على العُمانيين أن يُطيعوا تحت طائلة إثارة حرب أهلية .
ومهما يكن من أمر ، فإن الإمام سيف بن سلطان الأول قام بأعمال كبيرة على صعيدي الشؤون الداخلية والخارجية . فعلى الصعيد الخارجي ، تزايدت القوة العُمانية توطداً في عهده وازدهر
الأسطول التجاري . واستطاع كذلك ، أن يرسل ثلاثة آلاف رجل ، عام 1696 ، إلى شرق إفريقيا لاستعادة جزيرة ممباسا التي سقطت في أيدي البرتغاليين وإعادتها إلى النفوذ العُماني (21) .
يقول لاندن :
" وهكذا ، ما إن بدأ القرن الثامن عشر حتى كان اليعاربة يحكمون دولة يمتدّ نفوذها السياسي عبر منطقة الخليج كلّه إلى سواحل إفريقيا الشرقية والجنوب العربي غرباً ، وإلى مشارف وادي الأندلس في الشرق . كما كان نفوذها الاقتصادي يمتدّ عبر شواطئ الخليج إلى داخل إيران والعراق والجزيرة العربية ، أما على الجهة الغربية فقد وصل هذا النفوذ إلى البحيرات الوسطى في إفريقيا بينما وصل على الجانب الشرقي إلى دلتا نهر الجانج " (22) .
أمّـا عـلـى الـصـعـيد الـداخـلي ، فـيعـود إلى الإمـام فـضـل تطوير الاقتصاد الشرقي الزراعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) عُمان ، مرجع سابق ، ص 67 .
(22) لاندن ، (ر.ج) ، مرجع سابق ، ص 51 .
(23) . Ibn Ruzayq (H,),op.cit.p.93

تطويراً واسعاً بإدخاله نباتات جديدة لم تكن معروفة من قبل ، أهمّها الزعفران والقهوة ، وبشروعه أيضاً في إصلاح الريّ وتنظيمه (23) .
ومهما يكن من أمر اللّاشرعية التي دمغت انتخاب الإمام سيف بن سلطان الأول ، فقد بقي شخصيّة قوية ، هي الأخيرة بين أهمّ شخصيات الدولة اليعربية . لم يعتبر سيف بن سلطان الأول نفسه عالماً ، ولكنه كان ، مع ذلك ، رجل دولة من الطراز الأول . والمأخذ الآخر الذي يُؤخذ عليه هو أنه أصبح من كبار التجّار والملّاكين في عُمان ، وأن أسلوب حياته لم يكن ليماشي ما له من موقع روحي لدى العُمانيين ، لا
سيّما لجهة تباينه مع صورة الإمام ناصر بن مرشد ، الرجل الزاهد الذي بقي حاضراً في أذانهم .
وعلى وجه الإجمال ، فإن حصيلة تلك الفترة بعيدة عن أن تكون سلبيّة ، إلّا أنه لا بُدّ من الملاحظة أن تطوّر الدولة والمجتمع المادّي لم يواكبه تطور مماثل على الصعيد الروحي . فقد أفرغت الإمامة من قسم من محتواها وبفقدان الإمامة مضمونها المعنوي والروحي ، لم تعد مؤهّلة لتبرير وجودها كمؤسّسة .
وبعد وفاة الإمام سيف بن سلطان الأول في 16 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1711 ، تمّ انتخاب ابنه سلطان بن سيف الثاني إماماً . وقد استعرض المؤرّخين مسألة انتخاب الإمام الجديد ، ولكنهم لم يعطوا أيّ تفصيل حول موقف الحركة الإباضية من هذا الانتخاب . وهذا يعني إمّا أن يكون الإمام انتخب بالإجماع وإمّا لموقف وقفه منه المؤرخون العُمانيون . وهذه الفرضية الأخيرة غير مستبعدة لأن المؤرّخين العُمانيين قد يتجاهلون عمداً التأريخ لنظام غير شرعي في نظرهم ، ( الأئمة " الجبابرة " أي اللادستوريين ) . هكذا يُحكم عليهم بالنسيان .
من جهة أخرى ، كان سلطان بن سيف الثاني معروفاً ، كوالده ، بشخصيته القوية . وقد انتقد المؤرّخون العُمانيــــــون ، بوضوح ، تبذيــــره واستخدامه التعسّفي للأموال العامة . فقــــــــد أنــفـــق كلّ الـــثـــروة الــتـــي تــركــهـــا أبـــوه واســـتـــدان كـــثـــيـــــرا مــــــن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(24) . Ibid,p.94

أموال المساجد والأوقاف . ألّا أن العُمانيين لم يحتجّوا عليه خوفاً منه (24) .
وخلال هذه الفترة ، توصّلت عُمان ، إلى تحرير البحرين من الفرس ، واحتلّ العُمانيون مواقع على الساحل الفارسي مثل قشم ، لارك وهرمز . وهكذا تمّ إرساء السيطرة على منطقة الخليج والتي سوف تستمرّ حتى القرن التاسع عشر .

القسم الثاني
سقوط الدولة اليعربية
مع وفاة الإمام سلطان بن سيف الثاني ، دخلت عُمان طوراً جديداً من الصراع العنيف على السلطة . وعلى الرغم من أن انتخاب بلعرب بن سلطان ( 1688 - 1711 ) كان شرعياً ، فإنه أعطى نظام الإمامة طابعاً وراثياً ، إلّا أن مؤرّخا ومرجعاً فقهياً هاماً ، هو السالمي ، يؤكد أن الإمام لم يكن ، حتى في نهاية عهد اليعاربة ، يرث السلطة آلياً ، بل يتولّاها بالبـيـعة والانتخـاب من جـانـب أهـل الحلّ والعـقـد (25) .
ومهما يكن من أمر ، فإن انطلاق هذا " التقليد السلالي " قد سبّب ، في غياب الخليفة المقبول ، صراعاً شرساً على السلطة وأدّى إلى تفجّر الموقف السياسي والقبلي في البلاد .
ترك سلطان بن سيف الثاني عدّة أبناء كان أكبرهم ، سيف ، في الثانية عشرة من عمره . وعلى الرغم من كونه قاصراً ، فإن مجموعة من القبائل المرتبطة بأسرة اليعاربة اقترحت ترشيحه للإمامة خلفاً لأبيه . وكانت هذه الطريقة في التصرّف تعود ، مرّة أخرى ، في الأساس إلى آلية وراثية لا علاقة لها بنظام الإمامة المذهبي والروحي .
إلّا أن أهل الحل والعقد اعترضوا على هذا الترشيح الذي يهدّد بتغيير روح مؤسّساتهم وتقليدهم . ولنذكّر بأن الدستور الإباضي قاطِعٌ حول هذا الموضــــــــوع : فإمامة القاصر غير مقبولة لأن إمامته ممــنــوعـــــــــــــــة عــــنــــد الــــــصــــــلاة فــــكـــيــــف يـــمــــكــــــن ، إذ ذاك ، لــلـــقـــاصـــر أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(25) السيار ( عائشة ) ، مرجع سابق ، ص 162 .
(26) الأزكوي ( سرحان بن سعيد ) ، مرجع سابق ، ص 111 .
يصبح إماماً مقبولاً ؟ (26) وكيف يمكن لمن لا حساب عليه ولا عقاب أن يحاسب الناس ويعاقبهم ؟ (27) .
حيال هذه الأزمة الدستورية والسياسية لم يكن أمام العلماء إلّا محاولة حسم الأمر . وهكذا تقدّم الشيخ عدي بن سليمان بمرشّحٍ آخر من الأسرة نفسها ، هو مهنا بن سلطان ، قريب سيف . وبطريقة غير
مألوفة ، وباتفاق منفصل ومحصور ، تمّ انتخاب مهنا بن سلطان إماماً جديداً في قلعة نزوى في أيار (مايو) 1719 (28) .
إلّا أن هذا الانتخاب لك يَحْظَ بإجماع قبلي أو أغلبية تضمن نجاح المحاولة . ولا شكّ في أن هذا الإجراء السريع يخرج نسبياً عن الإجراء العادي . ولكن المسألة الرئيسية هي معرفة ما إذا كان يمكن الحصول على إجماع قبلي في مثل هذه الظروف . والجواب هو بالتأكيد لا . ومن هنا نستطيع أن نتفهّم موقف أهل الحلّ والعقد ، ونحكم على هذا الإجراء كإجراء استثنائي وضروري .
وعلى كلّ حال ، يمكن أن يقال بأن أهل الحلّ والعقد قد كفّوا ، نظراً للمنهج المتّبع ظاهراً في هذا الانتخاب ، عن أن يكونوا الفاعلين الرئيسيين على المسرح السياسي العُماني . فقد خسروا ، إلى حدٍّ ما ، نفوذهم لصالح السلطة القبلية . وسوف نرى العلماء، لاحقاً ، يفقدون كامل سلطتهم وحقهم بالقرار . ومن الواضح أن القرار كان قد كفّ منذ ذلك الحين عن العودة إلى الشورى والإجماع ، وأصبح رهن القوة . وهكذا شنَّ يعرب بن بلعرب ، قريب مهنا ، قبل انقضاء سنة ، هجوماً على الإمام الجديد في الرستاق وأرغمه على التخلّي عن الإمامة (29) .
كـــــــان مــــهـــنا قــــــد طلب قبل الاستسلام الحماية مــــن يعرب الذي منحه إيّاها . ولــكن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(27) الكندي (أحمد بن عبدالله) ، المصنف ، مرجع سابق ، الجزء العاشر ، ص 58 ، راجع : الفصل الأول ، القسم الثاني .
(28) Bathurst (R.D.), "Maritime trade and imamate government : tow principal themes in the history of Oman to 1728 ", in:Hopwood (Dereck) ed et alii, The Arabian Peninsula:Society and Politics , London, George Allen And Unwin , 1972,p.104 .
(29) الأزكوي ( سرحان بن سعيد ) ، مرجع سابق ، ص 113 .
(30) المرجع السابق ، ص 113 .
يعرب نكث بعهده بعد وصوله إلى السلطة ، وقيّد مهنا بالسلاسل ، وألقى به في السجن (30) ،
وقد آثار هذا العمل الأحقاد وروح العصبية القبلية وفتح الأبواب لمناخ عنف شديد .
نصب يعرب نفسه وصيّاً على سيف بن سلطان ، حتى يبلغ سنّ الرشد فيصبح " إمام المستقبل " ، وهذه سابقة فريدة في التاريخ العُماني ، وهي مسألة مرفوضة عقائدياً ودستورياً . إلّا أن الوصيّ يعرب بن بلعرب الذي أغرته السلطة عدل عن الوصاية واستطاع أن يقنع بعض العلماء بتوليته الإمامة . وقد أمكن للمؤرّخ العُماني ابن رزيق أن يقول حول هذا الموضوع إن القاضي عدي بن سليمان منحه العفو عن أفعاله وقتله لمهنا . وانتهى بحصوله على البيعة . ولكن ما يبينه ابن رزيق والمؤرخون العُمانيون الآخرون هو ، مع الأسف ، كيف ولماذا جرى ذلك . لقد اكتفوا بالقول إنه تاب عن أفعاله وإنه نال على هذه الصورة العفو . ووفق هذا القرار فإن قتل مهنا كان مشروعاً ، وبالتالي مقبولاً (31) .
ولكن التروي يُظهرنا على استبعاد أن تكون هذه البيعة قد لاقت دعماً شرعيّاً كافياً ، لا سيّما أن من أعطى البيعة ليعرب وبرّر قتل الإمام مهنا لم يكن سوى القاضي عدي بن سليمان ، الذي سبق له أن أعطى البيعة لمهنا ذاته . إلّا أن رؤية أخرى للأمور يمكن أن تفرض نفسها ، إذا سلّمنا أن قبولَ هذا العالم البارز تسمية يعرب بن بلعرب إماماً ، انطلق من روح مصالحة وتسامح ومن أجل حقن الدماء .
ولكن سكّان الرستاق لم يقبلوا إمامة يعرب وطالبوا بالإبقاء على سيف . ومن أجل ذلك تقدّموا إلى أحد أكثر الشخصيات القبلية نفوذاً ، بلعرب بن ناصر ، خال سيف ، من أجل أن يتدخّل لاستعادة إمامة سيف . وقد لجأ بلعرب بن ناصر بدوره إلى إعداد العدة وتحالف مع قبيلة بني هناه ، ورفع الحجز الذي ضربه على ممتلكاتها أوّلُ إمام يعربي ، ناصر بن مرشد ، كما سمح لها باللجوء إلى السلاح ، الأمر الذي كان ممنوعاً عليها (32) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(31) . Ibn Ruzayq (H,),op.cit.p.102
(32) الأزكوي ( سرحان بن سعيد ) ، مرجع سابق ، ص 114 .
(33) المرجع السابق ، ص 116 .


وخاض بلعرب بن ناصر حرباً شرسة ضدّ يعرب امتدّت سنة كاملة . ونتيجة ذلك ولما تعرّض له من ضغوط من جانب القبائل ، انتهى يعرب إلى التخلّي عن منصبه لسيف الذي فُرض كإمام سنة 1722 ، دون أن يكون قد بلغ الثامنة عشرة من عمره بعد . وبالمقابل طلب سيف من خاله المنتصر أن يكون وصيّاً عليه وأعطاه لقب " القائم بأعمال الدولة " (34) وهو منصب استثنائي لوضع استثنائي .
ولكن يعرب لم يكن قد سلَّم بالأمر الواقع كلياً إذ استأنف القتال ضدّ خصومه الجدد ، ومات في السنة نفسها . أما القاضي عدي بن سليمان الذي كان قد سانده ، فقد انتهى مصلوباً مع سليمان بن خلفان وأنصاره في منطقة الرستاق (35) . وهكذا دخلت عُمان مرحلة حادّة من الفوضى والانحدار .
1 - الحرب الأهلية ( 1718 - 1737 )
لم تُثمر محاولةَ الحفاظ على السلام المفقود بالخضوع لسلطة القبائل وبتغليب روح المصالحة تهدئة للأوضاع . فالنزاع اشتعل بين بلعرب بن ناصر والقبائل الغافرية التي لم تقبل الأمر الواقع وأنكرت على الخال الوصيّ لقب " القائم بأعمال الدولة " . وفي غياب سلطة مركزية حازمة ومستقرّة ، اختلّ التوازن الاجتماعي وانخرطت عُمان في حرب أهلية مفترسة أرجعت البلاد إلى حالة فوضى شبيهة بتلك التي سادت قبل مجيء ناصر بن مرشد عام 1624 . فقد ثارت القبائل بقيادة خلف بن مبارك شيخ بني هناه ومحمّد بن ناصر شيخ بني غافر ونشأ محور " هناوي - غافري " انضوت تحــت لواءيه قــبـائـــل البــلاد (36) .
ليس من تقديرات عُمانية دقيقة لضحايا هذه الحرب . إلّا أن تقرير شيفالييه بوديري (Chevalier Podery) المقيم بندر عباس ، إلى الكاردينال دوبوا (Dubois) ، وزير الخارجية الفرنسية ، في 26 أيلول ( سبتمبر ) 1723 ، يلاحظ :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(34) المرجع السابق ، ص 115 .
(35) . Le Cour Grandmaison (C.) " Presentation du Sultanat d'Oman " ,op.cit.,p.276
(36) l,Oman es la France - qualpues elemants d,hiataive actinvties et ducomentanition , Paris ,

"إن حروب مسقط الأهلية ما زالت مستمرّة بين الإمامين السيف بن سلطان ويعرب بن بلعرب . وقد سقط أكثر من أربعين ألف قتيل من الجانبين خلال السنتين التين قضياهما في الحرب " (37) .
لقد أجهزت هذه الحرب نوعاً ما على نظام الإمامة . وبالتدرج سقطت الإمامة كمؤسّسة . وكما يحدث غالباً في هذه الحالة من الفراغ والنزاع ، التفّ العُمانيون حول قبائلهم . وبدأت هذه الأخيرة تلعب دوراً سياسياً متنامياً ، على حساب الإمامة والوحدة الاجتماعية ، وكذلك على حساب السلام الداخلي . كما أفرغت هذه الحرب منصب الإمام من محتواه الروحي .
" إن مدّة النزاع ، وكذلك طابعه ، حوّلا مكانة الإمامة ودورها تحويلاً عميقاً في الحياة العُمانية فقد هبطت بالمنصب وتحوّلت إلى غنيمة يجري كسبها بقوة السلاح . كما حملت الازدراء للطهارة المطلوبة للمرشح الفائز " (38) .
ولوضع حدّ للنزيف ، ولإنقاذ عُمان من الدمار الكلّي ، اتفقت شخصيات تنتمي إلى سلك العلماء على ترشيح شخصية من خارج الأسرة اليعربية ، هو محمد بن ناصر الغافري ، الذي انتخب إماماً عام 1724 على الرغم من تردّده في القبول (39) .
وللمرّة الأولى ، وبعد مئة سنة تماماً ، أخرج هذا الانتخاب الإمامة مؤقتاً من بين أيدي اليعاربة . ورأى عدد من العُمانيين في هذا التغيير الأمل في إخراج عُمان من الأزمة . ولكن هذا الانتخاب لم يحقّق ، مرّة أخرى أيضاً ، الأمل الذي وعد به . ذلك أن قبائل بني ريام ، في الجبل الأخضر ، وبني بوعلي في جعلان تجمّعت ، كردّ فعل على ذلك ، وشكّلت جبهة واسعة ضدّ الإمام .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Ministere des Affaires etrangeres ,1989,p.3 .
(37) Kelly, " A Prevalence of furies : tribes,polities,and religion in Oman and Trucial Omans,in:Hopwood (Derek) ed, et alii, The Arabian Peninsula : Society and Politles,London,George Allen and Unwin,1972,p.108 (Studies on Modern Asia, No.8 ) .

(38) الأزكوي ( سرحان بن سعيد ) ، مرجع سابق ، ص 127 .
(39) . Bathurst (R.D.),op.cit.,p.105
ومع ذلك ، فقد تبين أن الإمام الجديد رجل كفؤ . فقد جابه القبائل الثائرة وفرض نفسه عليها . ولكن الخصمين المتعاديين منذ خمس سنوات سقطا بسخرية من القدر ، وقتلا في معركة واحدة (40) . وقد جرى ذلك في صحار ، عام 1728 .
ولدى وفاة محمّد بن ناصر ، ثبتت قبيلة بني غافر إعادة انتخاب سيف بن سلطان وقادت هذا الأخير إلى نزوى ، عاصمة الإباضيين وطلبت ، بصورة استثنائية ، إعلان بيعته . إلّا أن إمامة سيف لم تدم طويلاً ، ذلك أنه عزل من جانب العلماء بسبب حياته الخاصّة ، حسب تعبير المؤرّخين الإباضيين ، وأنيطت الإمامة عام 1721 بيعرب بن بلعرب (41) .
2 - الغزو الفارسي ( 1727 - 1741 )
رفض سيف وحلفاؤه من قبائل بني رواحة بدورهم هذه التجديدات ووقعت اشتباكات بينهم وبين الإمام الجديد وأنصاره . وبما أن سيفاً لم يكن يستطيع تدبّر أمره بنفسه ، فقد اقترف خطيئة طلب مساعدة نادر شاه الذي لم يكن يحلم بفرصة أفضل ليبسط النفوذ الفارسي عبر الخليج حتى السواحل العُمانية .
وفي عام 1739 غزا نادر شاه عُمان على رأس 30 سفينة وقوّات كثير (42) . وقد أُنزلت القوات الفارسية في منطقة خورفكان الساحلية ومن هناك تسلّلت وانتشرت في المدن الساحلية العُمانية حتى نزوى التي كان عليها أن تعاني تنكيل الغزاة . ولكن وجود الفرس على الأراضي العُمانية حوّل الصراع الداخلي مؤقتاً إلى صراع ثانوي ، وانتقل الصراع الوطني ضدّ الفرس إلى المستوى الأول . وتبنّى العُمانيون ، على الرغم من خلافاتهم ، موقفاً صلباً ، مسهمين في إعادة توحيد البيت العُماني وتسريع نزع فتيل حرب أهلية كانت قد دامت حوالي عشرين سنة .
ومـن جـهـة أخـرى فـإن سـيـفـاً الـذي أدرك مـتـأخّـراً أن مـصـلـحـتـه الخـاصـة لـم تـؤخذ في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(40) السالمي ( عبدالله ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 118 ، والأزكوي ( سرحان بن سعيد ) ، مرجع سابق ، ص 113 .
(41) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 48 .
(42) المرجع سابق ، ص 49 .
الحسبان من جانب الفرس اختار ، تحت ضغط بعض القبائل ، التخلّي عن الإمامة ، لمصلحة بلعرب بن حمير . وبفضل هذه المصالحة ، توصّل العُمانيون إلى تحرير معظم المناطق من أيدي الفرس باستثناء صحار التي كان يديرها أحمد بن سعيد البوسعيدي (43) .
ولإصلاح الوضع وإيجاد صيغة تفاهم ، اجتمعت القبائل الرئيسية ، قبائل بني غافر من الظاهرة ووادي سمائل وقبائل المعاول ، مع جماعة من العلماء ، وقررت أن تعهد بالإمامة إلى رجل آخر ، هو سلطان بن مرشد اليعربي ، وتمّت بيعته عام 1738 . وللمرة الأولى منذ الحرب الأهلية ، حصلت هذه البيعة على أغلبية واسعة وكانت نتيجة اتفاق بين المعسكرين المتنازعين ، الغافري والهناوي .
أسهم هذا الاتفاق فعلياً في تحقيق وحدة البلاد . إلّا أن سيف بن سلطان كان على رغبته في استرداد الإمامة على الرغم من رفض العلماء وغالبية العُمانيين ، وأسهم في تحريك الجروح وهيّأ القبائل المرتبطة به لمقاتلة الإمام الجديد . والأكثر من ذلك هو أنه جدّد نداءه لطلب مساعدة الشاه الذي أسرع ، دون تردّد ، إلى إرسال قوات كبيرة إليه .
ويُدوّن مايلز ، بأنه في أيلول ( سبتمبر ) 1740 ، جُهِّزت ثلاث حملات فارسية عمادها ستّة آلاف جندي ويقودها ميرزا محمّد تقي خان . وقد تحركت من بوشهر ونزلت في جلفار بعد شهر تقريباً . وبنى تقي خان ، لدى وصوله ، قلعة وأزاح قبيلة الهولة التي كانت تسيطر على منطقة خصب وانضمت إلى جانب سلطان بن مرشد (44) .
لقد أعطى الإمام سلطان بن مرشد لقضية تحرير عُمان أولوية مطلقة . وخاض ، طيلة عهده ، معارك
ضدّ الفرس الذين حاول مقاومتهم . وفي عام 1740 ، مات والسلاح في يده وقد كتب الصفحة الأخيرة من كتاب الدولة اليعربية (45) ، فبوفاته انتهى العهد اليعربي .
وفــــي هـــــــذه الأثنــــاء ، قرّر سيف بن سلطان الذي كان أصل الحرب الأهلية وحـــلــيـف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(43) أنظر : السيار ( عائشة ) ، مرجع سابق ، ص 199 .
(44) المرجع سابق ، ص 200 .
(45) أنظر : السيار ( عائشة ) ، مرجع سابق ، ص 202 .
الفرس على شعبه ، قرّر الانسحابَ خائباً ، واللجوء إلى الرستاق حيث مات ، وقد أهمل المؤرّخون العُمانيون حتى تدوين تاريخ وفاته ، ( الذي ربما كان عام 1740 ) .

3 - نهاية الوجود الفارسي .
في عام 1728 ، التقى سيف بن سلطان الثاني وأحمد بن سعيد البوسعيدي ، وكان من نتائج هذا اللقاء تعيين الأخير كأول والٍ لمنطقة صحار الساحلية ، التي هي إحدى أهم المناطق للتجارة .
وسرعان ما أمنت شخصيةُ أحمد بن سعيد المتميزة وطموحُهُ شهرَتَه وأهّلته لأن يلعب دوراً فعالاً لا على نطاق صحار فحسب ، بل على نطاق كلّ عُمان . ولكنه لم يلبث أن أثار قلق سيف بن سلطان الذي لم يتردّد في القيام بمحاولات عدّة فاشلة للتخلص منه . في المختصر لمع اسم أحمد بن سعيد سريعاً على الرقعة السياسية ، وتوفّرت له فرص مناسبة ليلعب دوراً كبيراً في التاريخ العُماني وهذا ما سنعرض له .
في هذ الأثناء ، كانت القوات الفارسية قد احتلّت مسقط وبعض المناطق الساحلية ، بما فيها صحار . وقد جابهتها مقاومة العُمانيين ، وبصورة أخصّ في منطقة صحار التي كانت في يد أحمد بن سعيد . دامت هذه المقاومة سبعة أشهر دون انقطاع وخسر فيها أحمد بن سعيد ثلاثة آلاف رجل (46) . ولكن هذه المقاومة أنهكت القوات الفارسية ، بموجبه ، الانسحاب من منطقة صحار وبركا لمصلحة قوات أحمد بن سعيد . إلّا أن مسقط بقيت تحت السيطرة الفارسـية ، وكـان عـلى أحمـد أن يدفع جـزية سنـوية لنـادر شـاه (47) .
ولم يكن قبول هذا الاتفاق الذي لم ينصّ على التحرير الكلّي لعُمان سوى مناورة من جانب أحمد بن سعيد .
وصل أحمد إلى بركا كمحرّر وعَيَّن فيها خلفان بن محمد البوسعيدي والياً (48) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(46) المرجع السابق ، ص 202 .
(47) . Ibn Ruzayq (H,),op.cit.p.151
(48) Kajare (F.), Le Sultanat d'Oman - etude d'histoire diplomatique ey de droit international
واعتباراً من ذلك الحين ، رمى إلى خنق حيوية الفرس بحرمانه مسقط من دورها الإقتصادي . فقد توصل إلى تحويل كل الخطوط البحرية والتجارية نحو ميناء بركا ناقلاً بذلك الغنى إلى المرفأ المحرر ، ومهمّشاً مرفأ مسقط الذي يحتلّه الفرس .
أضعفت هذه الحرب الاقتصادية المواقع الفارسية إضعافاً كبيراً . فغدت قوات الغزو غير قادرة على الاستمرار أكثر من ذلك في احتلال مسقط . وفضلاً عن هذا ، جاء نبأ موت سيف بن سلطان أيضاً ليضعف موقعهم ، وفشلت أحلام نادر شاه الاستعمارية فقرر الفرس الانسحاب بسرعة من مسقط . ولكنهم قرّروا عدم الانسحاب إلّا بعد زرع شقاق قد يساعد على عودتهم مرة أخرى ، وذلك من خلال تسليمهم مسقط إلى حلفاء سيف وليس إلى أحمد بن سعيد .
أرسلت القوات الفارسية إلى الشاه ، أحد أقرباء سيف ، مـاجد بن سـلـطـان ، يطلـب الإذن بتسليـمه مـسقط (49) . ولكن أحمد بن سعيد الذي كان يريد توجيه ضربة نهائية للفرس اغتنم هذه الفرصة ليردّ على الحيلة بالحيلة فاحتجز الجواب واستخدمه ليخدع الفرس الذي سلموه مسقط فأقام لهم احتفالاً قبل رحيلهم في بركا انتهى بمذبحة عامّة ، ولم يقتصر الأمر على المذبحة البرية بل أُتْبِعَتْ بمذبحة بحرية إذ كُوّمَ الناجون على متن سفن ما إن وصلت إلى عرض البحر حتى أشعل فيها طواقمُها النارَ وغادروها مولين الأدبار سباحةً (50) .
وهكذا شهد عام 1741 نهاية الوجود الفارسي في عُمان . وإذ لم يكن في الإمكان تجاوز هذه المحنة إلّا بنهوض الشعور الوطني ، فإن الانتصار العُماني لم يكن انتصاراً على غازٍ أجنبي فقط ، بل كان انتصاراً للوحدة الوطنية على الانشقاقات ، وانتصاراً لإرادة إعادة إمامة ستمثّل ، دون أن تدّعي العودة إلى إزدهار المرحلة الأولى من الدولة اليعربية وإشعاعها ، استمراراً لمثل سياسي ووطني أعلى بالنسبة للعمانيين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Paris, A Pedone, 1914, p.66 .
(50) . Ibidem : Voir aussi , Ibn Ruzayq (H,),op.cit.p.155 ، والسالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 128 .

الفصل الرابع

دولة البوسعيدي : أصول نظام السلطنة

* المرحلة الانتقالية : من نظام الإمامة إلى نظام السلطنة
* العلاقة العُمانية - الفرنسية وبريطانيا
يمكن تقسيم التاريخ العُماني إلى مرحلتين متداخلتين تداخلاً شديداً : المرحلة الأولى ، نظام الإمامة الذي انتهى مع الدولة اليعربية إبان الحرب الأهلية ( 1728 - 1737 ) ، والمرحلة الثانية ، نظام السلطنة الذي بدأ مع عهد الإمام أحمد بن سعيد ( 1741 - 1783 ) . وخلال
هذا العهد ، أخذ أول انفصال ضمني بين النظامين السياسيين يرى النور . إلّا أن الحركة الإباضية استمرت في إضفاء طابعها على تاريخ المنطقة الداخلية من البلاد ، علماً بأن الثقافة الإباضية ظلّت سائدة على البلاد ككلّ .
وفي هذه الأثناء ، جرى شيء من التغيير على المشهد الدبلوماسي . ففي فرنسا كانت حكومة الثورة ثم حكومة الإمبراطورية تسعيان إلى إعادة توجيه السياسة الخارجية . وجرت اتصالات من أجل إقامة علاقات صداقة بين عُمان وفرنسا . ولمّا كانت حملة نابليون على مصر ( 1798 - 1799 ) تشكّل تهديداً للنظام الاستعماري البريطاني في الشرق ، لم يكن لدى إنكلترا ما هو أكثر إلحاحاً من السعي لانتهاز الفرص بتوقيع معاهدة أولى مع عُمان . ولكن فرنسا استمرت في علاقتها مع العُمانيين مسهمة ، على هذا النحو ، في التأثير على الرقعة السياسية الاستعمارية للمنطقة .

القسم الأول
الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي ( 1741 - 1783 )
كان أحمد بن سعيد (1) ، مؤسّس دولة البوسعيدي ، قد دخل المسرح السياسي ، كما رأينا ، منذ تعيينه والياً في عهد سيف بن سلطان الثاني . إلّا أن اسمه ارتبط بتحرير عُمان من الوجود الفارسي ، بإسهامه في المقاومة الوطنية وبقيادته إيّاها في منطقة صحار . وكان ، وقد حنّكته تلك السنوات الظلماء ، الرجل القادر على إخراج عُمان من حالة الحرب الأهلية وترميم مكانتها على الساحة الأفرو - آسيوية البحرية ، والإسهام بصورة حاسمة في تشكيل تاريخها الحديث ، تاريخ نظام السلطنة كبديل لنظام الإمامة .
ولكن وصول أحمد إلى السلطة لم يكن أمراً بديهياً . فعلى الرغم من مصداقيته السياسية الوطنية ، فقد اقتضى تثبيت حكمه صراعاً عنيفاً حيث إن آثار الحرب الأهلية ( 1718 - 1737 ) بقيت ماثلة من جهة ، كما أن نظامه كان محروماً ، من جهة الإجماع المطلوب ، وهو أول شرط للاستقرار . ولنتذكّر
بأن أحج الأسباب الرئيسية لنشوب الحرب الأهلية كان على وجه الدقية ، غياب هذا الإجماع .
وكان مدار الأمر بالنسبة لأحمد ، هو إبعاد منافسه المباشر بلعرب بن حمير المفترض أنه انتخب مرّتين في الرستاق ، مرّة قبل موت سيف بن سلطان ، ومرة أخرى بعده . ومن المحتمل أن يكون بلعرب قد ترشح من جديد كإمام بعد وفاة سيف ، وفقاً لبيعته الأولى . ولكن هذه المسألة لم تحسم من جانب المؤرّخين العُمانيين وبقيت محاطة بالشكّ . يبقى أيضاً أن عدداً كبيراً من العلماء رفضوا ترشيحه الثاني ، وقد مثّل ذلك موقفاً مبدئياً للعلماء من هذا الترشيح .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ وصول أحمد إلى السلطة غير محدّد جيداً . فبعضهم يقول إنه حصل على البيعة بعد طرده للفرس عام 1741 ، ويسجل آخرون أنه حصل عليها عام 1744 أي بعد أن تمكن من فرض النظام في الداخل وصفّى المعارضة . وتبدو لنا هذه الفرضية أرجح من الأولى . على هذا تبقى مدّة حكمة صعبة التحديد بدقة . ومن العجيب أن نرى السالمي يقول إنها دامت 29 سنة ( تحفة الأعيان ، سبق ذكره ، الجزء الثاني ، ص 139 ) . لكن إذا وافقنا على التاريخ أعلاه ، نجد أن حكمه دام 39 سنة .


ويروى أن بلعرب تردّد في تقديم ترشيحه الثاني ، لكنه غيّر رأيه بعد أن ضمن دعم القواسم . وبالفعل فعندما جابه بلعرب خصمه أحمد بن سعيد ، كان على رأس قوة تضم 5 آلاف رجل (2) . ومن دون شكّ يمثّل هذا الرقم دليلاً هامّاً على مشاركة القواسم الفاعلة في الواقع السياسي . ومهما يكن من أمر ، فإن ذلك لم يمنع أحمد من الخروج منتصراً من هذه المعركة التي قتل فيها بلعرب . ونتيجة لذلك ، فإن أحمد جمع حوله القبائل التي تبعته وطلب إليها مبايعته ، وفعلاً عُهد إليه بالإمامة .
وتبقى مسألة هذه البيعة موضع نقاش بين المؤرّخين . فهناك نقطتان ، في الواقع ، تثيران التحفّظ . الأولى تعود إلى نقص مصداقية الرجلَيْن اللذين بايعاه ، وهو ما سبّب عدم إجماع العلماء عليه . والثانية تنصبّ على غياب الإجماع القبلي ، أي الانقسام الوطني نتيجة لغياب إجماع العلماء من جهة ، ونتيجة لتركة الحرب الأهلية من جهة ثانية .
ذكر السالمي اعتراضات بعض العلماء على هذه البيعة ، وخلص منها إلى أن البيعة قد تمّت دون استشارة المسلمين ، ( وهو يعني هنا العلماء وأهل البلاد أيضاً ) . فالرجلان اللذان عقدا البيعة ، حبيب بن سالم البوسعيدي ، وابن عُريق ، ليسا باللذين يُلزمان المسلمين ببيعتهما ، لا سيَّما وأن هذه البيعة عقدت بعد فتنة (3) .
وربما تُبيّن هذه الشهادة أن حبيب بن سالم وابن عُريق لم يكونا من العلماء ولا يُمثّلان ، بعبارة أخرى ، مرجعية دينية ، ولا يتمتّعان بالتالي بالسلطة التي يعطيها القانون الإباضي ، أي السلطة المنصوص عليها في الدستور . ولهذا لا يُلْزِم قرارهما العلماء ، أهل الحلّ والعقد ، ولا " أهل البلاد " ( المواطنين ) . فالبيعة يجب ، كي تكون شرعية بموجب الدستور الإباضي ، أن تحصل على موافقة ستّة علماء على الأقل ، وهذا الشرط أساسي . ولهذا السبب لربما لم يلتزم العلماء الإباضيون بهذه البيعة ، ولذلك لم تحصل هذه البيعة على القبول العام من جانب الشعب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) أنظر عبدالله ( محمد مرسي ) ، إمارات الساحل وعُمان والدولة السعودية الأولى ( 1793 - 1918 ) ، القاهرة ، المكتبة المصرية ، 1978 ، الجزء الأول ، ص 91 - 93 .
(3) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 137 .

وعلى ما يقول المؤرخ البريطاني لوريمر ، كان انتخاب أحمد للإمامة في الرستاق ، على ما يبدو ، أمراّ دُبّر بعناية . ونحن نشكّ في كونه انتُخب بالإجماع . ويدل اعتراض بعض القبائل الغافرية لاحقاً ، على أنه وصل إلى الإمامة بفضل بيعة الهناويين الذين ينتمون إلى قبيلة البوسعيدي (4) . وقد لاحظ العقاد ، من جانبه ، أنه استطاع أن ينسب فضل تحرير عُمان إليه ، وهذا هو السبب الذي حصل من أجله على البيعة للإمامة عام 1741 (5) . ويشير السالمي ، تكملة لحديثه الأول ، إلى أن الشيخ سعيد بن أحمد الكندي ، ( أحد أشهر العلماء والمؤرّخين ) ، كان قد حدثه عن الإمـامـة وعن كون أغلـبية النـاس قـد عهـدت بها إليه (6) . وقد سمي بصورة تقليدية إماماً .
ومهما يكن من امر ، فمن الثابت أن أحمد بن سعيد لم يحصل على الإجماع المطلوب . إلّا أن وضعه قد
اعتبر حالة خاصّة . فقد استفاد ، بفضل صفته كرجل دولة ، من رصيده السياسي الوطني للوصول إلى السلطة أي إلى الإمامة . وهكذا ، وبطريقة استثنائية ، أخضع التقاليد للسياسة وليس العكس . وفضلاً عن ذلك ، فإن طموحه كان يحمله إلى أن يكون قائداً سياسياً اكثر منه قائداً روحياً .

1 - عُمان في عهد أحمد بن سعيد
لم يكن الحسّ السياسي ينقص أحمد ، وكان عليه أن يستعمله أكثر من مرة خلال عهده الطويل ( 1741 - 1783 ) ، الذي لم تنعدم فيه عوامل الشقاق . ويمكن على الصعيد الداخلي ، تقسيم عهده إلى مرحلتين . الأولى شهدت ولادة النزاع مع القبائل الغافرية المعارضة ، في حين طُبعت المرحلة الثانية بتمرّد ولديه ، سيف وسلطان ، عليه في نهاية عهده .
كـان عـلـى أحـمـد ، بـعـد أن وضـع حـدّاً لـخـلافـه مـع ابن حـمـيـر ، أن يـواجـه خـصماً آخر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 644 .
(5) العقاد ( صلاح ) ، مرجع سابق ، ص 50 .
(6) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 137 .

هو ناصر بن محمد ، رئيس الغوافر (7) وصهر الإمام أحمد نفسه . وقد تآمر ناصر ، وهو رجل بارع ومحنّك سياسياً ، ضدّ أحمد . وعبّأ هذا الأخير ، الذي تنامى إليه ما كان يُحاك ضدّه ، جيشاً قوياً من 30 ألف رجل ، وحصلت المواجهة في منطقة الظاهرة ، وعلى الرغم من قوة جيشه ، فقد انهزم فيها أحمد أمام خصمه ناصر . ويعتقد أن أحمد جنّد القبائل بالقسر ، ومن هنا جاء مضضها وعجزها أمام تصميم القوات التي تقدّم بها ناصر . وناور أحمد مستفيداً من درس هذه الهزيمة ، ليحدّ من نتائجها ويعقد صلحاً مع خصمه ، وقد ترك أحمد لناصر بن محمّد استقلالاً شبه كامــل مع اعتراف شـكـلي بالسلـطـة المركزية " (8) .
وبغضّ النظر عن أساليب حكمه ، يعود الفضل لأحمد في إنهاء الحرب الأهلية وإخراج عُمان من أزماتها . وقد توصّل ، فوق ذلك ، إلى تطوير إدارة البلاد . كما بنى أسطولاً بحرياً وتجارياً ووطّد موقع دولته كقوة إقليمية في المحيط الهندي والخليج العربي . ومن جهة أخرى ، قام بإعادة تثبيت سلطة عُمان على الممتلكات العُمانية في منطقة شرق إفريقيا التي كانت خاضعة للدولة اليعربية قبل الحرب الأهلية . إلّا أنّه في حين كان حكّام زنجبار ، وبمبا وباتا ، يعلنون ولاءهم للسلطة في مسقط ، رفضت عائلة المزروعي ، الحاكمة في مومباسا الاعتراف بسيادة أحمد (9) .
أمّا على صعيد العلاقات الخارجية فكانت أجواء التبعية الاستعمارية تنزع إلى التراجع مع استعادة سلطة الحكم العُماني . فعلى الرغم من الاتجاهات المعتدلة لسياسة الإمام أحمد بن سعيد ، وعلى الأخص في عصر النهوض التجاري وانفتاح عُمان على الخارج ، لم تقم علاقات رسمية أو خاصّة مع بريطانيا . بـــل إن الإمـــــام رفــض طــلــب شــركــة الــهـنـد الشــرقــية إقامـة مــركز لهـا فـي مسـقط (10) . ويعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(7) ناصر بن محمد ، هو ابن محمد بن ناصر الغافري الذي كان طرفاً في انقسام عُمان الكبير بن غافري وهناوي .
(8) . Kajare (F.),op.cit.p.69
(9) سوف نعالج هذه المسألة لاحقاً ، في الفصل السادس الخاص بسلطنة مسقط وزنجبار .
(10) أنظر : ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص 162 .

الإباضيون موقف أحمد من السيطرة الاستعمارية واحداً من مزاياه .
وفي المحيط الهندي لعب الإمام الورقة الفرنسية ، لا سيّما في علاقاته مع جزيرة موريس (Maurice) ، جزيرة فرنسا (II de France) سابقاً ، وجزيرة الريونيون (Reunion) جزيرة بوربون (Bourbon) سابقاً ، ومع الهند ، وعلى الأخص مع تيبو (Tibu) ، زعيم منطقة ميسور (Mysore) ، خصم بريطانيا الشهير ، ( سنعود إلى ذلك بمزيد من التفصيل ) .
وما إن جرت استعادة النفوذ العُماني التقليدي في منطقة الخليج ، حتى طلب السلطان العثماني من عُمان التحالف معه في نزاعه ضدّ فارس التي كانت قد فرضت ، آنذاك حصاراً على البصرة ( 1775 - 1776 ) . وقد سارع الإمام إلى تلبية طلب النجدة فأرسل قوة بحرية من عشر سفن ، تحمل عشرة آلاف رجل على رأسها ابنه هلال (11) . وقد فرض العُمانيون أنفسهم بشكل حاسم لدى المواجهات مع القوات الفارسية ورفعوا الحصار المفروض على البصرة . وهكذا أحرزوا انتصاراً جديداً على الجار الفارسي ووطدوا ، في الوقت نفسه ، علاقاتهم بالدولة العثمانية ، وكعربون على العرفان بالجميل ، منح السلطان العثماني حكّام عُمان مبلغاً من المال ظلّ يُدفع لهم حتى نهاية القرن التاسع عشر (12) .
وبعد ذلك بقليل أرسل الإمام أحمد ، للتعبير عن خصوصية الصداقة العُمانية - الهندية ، سفينة الرحماني التي كانت قد خاضت معركة شطّ العرب ضدّ الفرس هدية للسلطان تيبو في ميسور . وقد حظيت ميسور في ظل النظام الجديد لتحالفات القوة العُمانية المستعادة ، بمكانة خاصّة وقد اتخذت نتيجة لذلك مركزاً لممثلها السياسي في عُمان أُسمي " بيت النواب " (13) .
وعلى وجـــه الإجمال ، كان إشعــاع الإمــامــة المتزايــد قد أعــطــى عُمـــان ، في بــضـــع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) السيابي ( سالم بن حمود بن شامس ) ، عُمان عبر التاريخ ، سلطنة عُمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، 1986 ، الجزء الرابع ص 154 .
(12) . Kajare (F.),op.cit.p.68
(13) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص 228 .

سنوات ، مكانة عظيمة على المسرح الإقليمي ووطّد التحالفات التقليدية للبلاد . كل ذلك على الرغم من استمرار الحضور الاستعماري في تربص اللحظة المناسبة .
ولكن النظام القوي في الخارج لم يكن في مأمن من الأخطار الداخلية . فلقد قام ولدا الإمام ، سيف
وسلطان ، بمحاولتي تمرّد ضدّ أبيهما . ففي شباط ( فبراير ) 1781 ، قام الإخوان باحتلال بركا ، وقتلا والي الإمام ، وبسرعة استعاد الإمام بركا وعفا عن ولديه . ولكنّ تمرّداً آخر حدث في كانون الأول ( ديسمبر ) من السنة نفسها إذ احتلّ سيف وسلطان قلعتي الجلالي القريبة من مقر والدهما والميراني في مسقط ، وسجنا في هذه أخاهما سعيداً . فشنّ الإمام هجوماً مضاداً واسعاً لاستعادة هذه الأخيرة وتحرير سعيد . وفي هذه الأثناء ، قام ابن رحمة ، أحد مشايخ قواسم جلفار باحتلال الرستاق مستفيداً من البلبلة . واستطاع الإمام أحمد ، هذه المرة أيضاً ، تقويم الوضع ورفع الحصار المضروب على القلعتين ، وعفا من جديد ، عن ولديه ، كما استعاد الرستاق التي تركها ابن رحمة (14) .
وقد فسّر بغض المؤرّخين تمرّد سيف وسلطان كاحتجاج على التفضيل الذي أبداه والدهما حيال أخيهما سعيد المولود من أم أخرى . وهذا الدافع لا يدخله ، في رأينا ، أيّ شكّ . وفضلاً عن ذلك ، فلا يمكن إلّا أن نشير أيضاً إلى دور القواسم ، خصوم أحمد ، الذين لم يتردّدوا في دعم تمرد ولديه ضدّه (15) .
شهد عهدُ الإمام أحمد بن سعيد الطويلُ ، ( 39 سنة تقريباً ) ، بصرف النظر عن الهزات التي استطاعت إرباكه في الداخل وتعاظم قوة عُمان في الخارج ، تجلّي تحولات واتجاهات جديدة في المجتمع العُماني . فهذا العهد لم يصنع رؤية جديدة لنظام سياسي فحسب ، بل أسهم ، خاصة ، في إرساء أسس هوية سياسية وطنية وثقافية جديدة .
ولأسباب مختلفة ، وبــخــاصــة لشخصيّة الإمــــام القويـــة ودوره السياســي والاقـتصـادي ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(14) راجع لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 645 ، 647.
(15) هذا الموضوع سيعالج بشكل مفصّل في الفصل الخامس المكرّس لـ " ساحل عُمان " .


يمكن اعتبار عصر أحمد بن سعيد المرحلة الانتقالية من نظام الإمامة إلى نظام السلطنة . ففي ظل هذه السلطة ذات الطابع الجديد ، أمكن أن ينمو ما اتفق على تسميته ، لدى المؤرخين غير العُمانيين ، الجناح " المعتدل " للإباضيين . وقد وجد هذا الجناح نفسه مدعوماً بالواقع العُماني الجديد . لماذا ؟ لأنه تميّز
بإرادة الاعتدال في تطبيق بعض القوانين والشرائع المذهبية الإباضية . وأصبحت الاتجاهات المعتدلة ، تدريجياً ، أحد وجوه الثقافة العُمانية في المنطقة الساحلية ، خلافاً لداخل البلاد حيث جرى التمسك بالمواقف المسمّاة " محافظة " .
سجّل مجيء أحمد بداية تغيير في بنية السلطة . وبما أنه ابتعد عن النموذج التقليدي للإمامة ، فإنه لم يعد يستند إلى العلماء وحدهم ، وفضّل إحاطة نفسه بالأقارب والأبناء للمشورة ولإدارة شؤون الإمامة . كما عيّن ولاة وقضاة دون الرجوع إلى العلماء ودون الحصول على موافقتهم . وقد تعرضت الأعراف في السلطة السياسية إلى بعض التغيير . وهكذا وجدت التقاليد السياسية نفسها ، أيضاً ، تتغير بالضرورة والتدريج .
وبصورة موازية لذلك ، ضعف نفوذ العلماء الإباضيين ضعفاً ملموساً على مستوى القرار السياسي والسلطة ، أي ، بعبارة أخرى ، وجدت الحركة الإباضية نفسها معزولة شيئاً فشيئاً ، على الرقعة السياسية ، الأمر الذي قلّل من تأثيرها في السيرورة التاريخية العُمانية الحديثة . إلّا أن نفوذ الحركة الإباضية بقي ، في المقابل ، راجحاً داخل البلاد .
ومن جهة أخرى ، تكوّنت ، خلال فترة السلام والاستقرار النسبي التي شهدتها عُمان ، طبقة تجاريّة واسعة ونافذة ساهمت في حَمْل هذه المرحلة إلى ذروتها على المستوى الاقتصادي والتجاري . وسوف تساهم هذه الطبقة الجديدة بدورها في إرساء أُسس النظم السياسي القادم .
إنّ أحد التساؤلات الرئيسية التي يطرحها هذا السياق الجديد يتعلق بمسألة تطوّر النظام القبلي وسيرورته . والجواب لا يمكن إلّا أن يكون محدوداً . فبعض القبائل كانت قد قويت مراكزها خلال الحرب الأهلية الطويلة وتوصّلت إلى تشكيل معارضة .


لبعض الأئمّة . وقد وجدت في النظام الجديد ، بديلاً يلبّي مصالحها العشائرية المتناقضة مع المقتضيات التقليدية لنظام الإمامة السياسي .
ومهما يكن من أمر ، فغالباً ما دعمت القبائل نظام الإمامة ، وأعطت ، على مرّ الزمن ، علماء عديدين
وقضاة وأئمة للبلاد . وكانت أهمية بعض القبائل تقوم تاريخياً على كونها قدمت للتاريخ والثقافة العُمانيين رموزاً ونماذج وشخصيات من الدرجة الأولى . إلّا أن هذا الواقع الهامّ والخاصّ بالمجتمع العُماني يجب أن لا يخفي واقعاً آخر . ذلك أنه يمكن للخلافات القبلية ، في غياب إمام قوي ، أن تسهم في تراجع ممارسة مبدأ الشورى وإضعاف نظام الإمامة وانحرافه ، بل وتحطيمه .
ومن جانب آخر ، فقد هيّأ الإمام أحمد أبناءه لخلافته في الحكم ومنحهم لقب " السادة " ، وليس لذلك أيّة علاقة بالطبع بلقب " السادة " الذي يحمله المنتسبون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وهنا أيضاً ، وضعت مسألةُ " الخلافة " الوريثَ ، في ظل النظام السياسي الجديد ، على المحكّ . كما كان على هذه المعطيات أن توجّه التاريخ العُماني إلى طريق جديدة ، خاصة وأن الحركة الإباضية لن تلبث أن تستبعد وأن يتضاءل تأثيرها في النظام السياسي .

2 - الانقسام : عُمان الداخل وعُمان الساحل ( مسقط )
كانت الفترة التي تلت وفاة أحمد بن سعيد عام 1783 حاسمة في التاريخ العُماني الحديث ، إذ ظهرت خلالها خريطة سياسية وطنية جديدة ، ومن ثمّ ثقافة سياسية وطنية متباينة بين النظامين : نظام الإمامة ، ونظام السادة ؛ وسوف يعرف هذا النظام الأخير ، لاحقاً ، باسم السلطنة .
بعد وفاة أحمد بن سعيد ، انتخب ابنه الرابع سعيد إماماً . وكان هلال ، الابن البكر ، الأكثر شعبية لدى العُمانيين قد فقد بصره في شبابه ، وذهب إلى الهند ليتابع فيها علاجاً وتوفّي هـنــــاك . أمّــــا بـــالـنـــســبــة للـــثـانـــي ، ســلــطــان ، ولـلـثـالـث ، سـيـف ، فقد كَـفّا فـي


ذلك الوقت ، نتيجة لتحدّياتهما لأبيهما عن أن يكونا مقبولين من جانب العُمانيين . إلّا أن سلطان كان مدعوّاً لأن يلعب فيما بعد دوراً تاريخياً .
في الواقع ، لم تكن خلافة أحمد محسومة لدى وفاته . فلم يكن سعيد قد حصل على بيعة الإمامة . وقد سمى سعيد نفسه إماماً ، كما يقول المؤرّخ العُماني الشيخ السيابي ، دون الحصول على بيعة أهل الحلّ والعقد (16) . إن التاريخ لا يذكر لقب سعيد بعد أبيه . ومن هنا التساؤل : هل كانت " إمامته " بموجب إرث أم بموافقة " استثنائية " من العلماء ؟ وليس في هذا ما يعطيه شرعيةً (17) .
لقد سبق للسالمي أن أجاب على هذا السؤال بقوله : لقد عرف سعيد باسم الإمام وخاطبه أبو نبهان بهذا اللقب (18) . والمعروف أن أبا نبهان كان أحد أبرز علماء ذلك العصر . لكن هذا لا يعني أن سعيداً كان إماماً دستورياً ، أو أنه حصل على إجماع العلماء أو البيعة .
وعلى كلّ حال ، فإن القائد الجديد ، سعيد بن أحمد ، لم يكن رجل دولة ، لا سيمّا وأن عُمان كانت تجتاز ، إذ ذاك ، مرحلة هامّة من تطورها . والواقع أن سعيداً لم يكن ، منذ عهد والده ، مقبولاُ من العُمانيين خاصّة منذ عهد إليه والده ببعض المهمات الرسمية . وكان أحد أبرز المآخذ عليه أنه أعطى سلطات كبيرة لابنه حمد ممثّله في المنطقة الساحلية حيث كان يمارس سلطة حاكم بمجرّد كونه ينتمي إلى أسرة البوسعيدي .
وفي عام 1792 ، وبعد تسع سنوات من عهده ، ثار عليه أخواه قيس وسلطان ، وأُرغم سعيد على التنازل عن الحكم لصالح ابنه حمد بن سعيد . وكان هذا الأخير يتمتّع بشخصية قوية ، وقد كشف مبكراً عن طموحاته للسلطة .
ونلاحظ هنا صمت المصادر حول أحداث هذه الفترة : فعلماء الحركة الإباضية كانوا قد هُمِّشوا تدريجياً ، وتأثّر بذلك دورهم كمؤرّخين وكمركز ثقل سياسي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(16) السيابي ( سالم بن حمود ) ، مرجع سابق ، الجزء الرابع ، ص 182 .
(17) المرجع السابق ، ص 184 .
(18) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 140 .
وهكذا تعمق أكثر فأكثر الانفصال بين الحركة الإباضية والسلطة السياسية .
إننا نجهل مواقف وآراء علماء ذلك العصر ، ولكن من المؤكّد أن الإمام سعيداً لم يتخلَّ عن لقبه كإمام ، بل تنازل بالأحرى عن السلطة السياسية لابنه السيّد حمد . وإذا كان سعيد قد احتفظ بلقبه كـ " إمام رسمي " وبقي في الرستاق ، فإن ابنه حمد - الذي أصبح بعد ذلك الحين صاحب السلطة الفعليّة - اتخذ القرار التاريخي بنقل عاصمته السياسية إلى مسقط .
وقد أثّر هذا القرار التاريخي والاستراتيجي تأثيراً كبيراً على التطور اللاحق للتاريخ العُماني . فهو لم يُكرّس فقط أول انفصال بنيوي بين النظام السياسي والنظام الديني ، بل عرّض أيضاً العاصمة الساحلية الجديدة ، والبلاد كلّها ، للنفوذ السياسي والعسكري والثقافي الأجنبي ، البريطاني خاصّة . فكان لعُمان ، إذاً ، عاصمتان : نزوى ، العاصمة التقليدية ، والمركز الديني والروحي للداخل ، ومسقط ، العاصمة التجارية والسياسية للساحل .
يجب أن نرى في هذا التدبير ، كما يقول المؤرّخ الروسي بوندارفسكي ، نجاحاً لشركة الهند الشرقية البريطانية التي توصّلت ، على هذا النحو ، إلى زرع أول وتدٍ لها في عُمان ، على الرغم من عدم وجود علاقات رسمية بين عُمان وبريطانيا . فنَقْل العاصمة إلى مسقط تقرّر فعلاً باقتراح من التاجر الهندي رام شاندار رادجي ( Ram Chandar Raadji ) وكيل شركة الهند الشرقية في مسقط (19) .
كان ذلك عصر انعطاف ، ولكن عهد حمد بن سعيد لم يطل ، إذ توفّي القائد الجديد في السنة نفسها التي تولى فيها السلطة رسمياً . ونتيجة لذلك ، تجدّد الصراع على السلطة بين " الإمام الرسمي " سعيد الذي بقي وحيداً في الرستاق وأخويه قيس وسلطان .ولكن الفرص لم تؤاتِ سعيداً لاستعادة سيطرته على البلاد ، في حين بدأ سلطان ، بشخصيته القوية ، في البروز كالبديل وكرجل الدولة الكفء .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(19) . Bondarevsky (G.), op.cit,p.59



وخلال اللقاء بين ورثة السلطة ، في ميناء بركا الصغير ، عقد اتفاق يتعلّق بتقسيم عُمان ، تضمن ثلاث نقاط رئيسية . فسعيد ، " الإمام الرئيسي " ، بقي في الرستاق ، في حين استولى سلطان على السلطة في منطقة مسقط ، واتخذ قيس منطقة صحار القريبة من مضيق هرمز مركزاً لسلطته . وهكذا ، بالمساعدة الفعلية للبريطانيين ، خرجت دولة عُمان الإسلامية الموحَّدة التي كانت موجودة منذ أكثر من 1500 سنة من المسرح السياسي (20) .
لم يمثّل هذا الاتفاق بداية تاريخ سياسي وثقافي جديد ، بل عنى نفياً تدريجياً لتقاليد الإمامة . وقد عاشت عُمان فترة اضطرابات وتحوّلات سياسية وثقافية . وخرجت مسقط من ذلك بصيغة سياسية وثقافية واستراتيجية جديدة ، وبعبارة أخرة ، بهوية وطنية جديدة .
وقد لعب المحيط الجغرافي ، بدوره ، دوراً هاماً في تثبيت الصيغة الاجتماعية - السياسية الجديدة في عُمان . ووجدت البلاد نفسها " مقسومة " ، بشكل دائم إلى منطقتين شبه " منفصلتين " ، أو بشكل أدق متمايزتين ، على الرغم من عدم وجود حدود جغرافية واضحة . فبقيت الحركة الإباضية قائمة في القسم الداخلي ، مع عاصمة لها هي نزوى أو الرستاق . وأشرف السلاطين على منطقة الساحل ، التي كانت تمثل صور وصحار وجعلان ومسقط ومطرح وساحل الباطنة ، وجعلوا من مسقط ، عاصمتهم الدائمة .
ولأن هناك ، لا ريب ، علاقة حاسمة بين المحيط الجغرافي وطبيعة النظام السياسي فقد تبلور هذا التقسيم تدريجياً إذ مضى الساحل في الانفتاح وبدا جلياً أنه مقبل على مزيد من الانفتاح بقدر ما يلتزم ، بالشروط الخارجية ويوفق بين مصالحه ومصالح شركائه الجدد ، في حين كان على الداخل ، من جانبه ، أن يعاني العزلة موطداً في الوقت نفسه قيمه المحافظة .
وعــلــى هــــذا الــنــحـــو ، تــعــمّــقــت الهــوة الثـقافـية شـيـئاً فـشـيئاً بـيـن مــا يـسـمى بــ " محـافظة "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(20) . Ibid,p.60



الداخل وما يُسمّى " انفتاح " الساحل واندسّت بريطانيا في هذه الهوّة ، واتجهت إلى تحويلها ، فيما بعد ، إلى انقسام وطني وسياسي وثقافي .

القسم الثاني
العلاقة العُمانية - الفرنسة
1 - من عصر الأنوار إلى حملة مصر
تاريخياً ، كانت عُمان المُمَوِّن الرئيسي لجزيرتي مـــوريــــــــــس ، ( جزيرة فرنسا ) ، والزيونيــون ، ( بوربون ) ، الواقعتين في الزاوية الجنوبية للمحيط الهندي . كما كانت ، من جهة أخرى ، الحليف التاريخي والتقليدي للهند ، وكان من الطبيعي أن تكون هذه المعادلة الجغرافية - السياسية مدعوّة لأن تكتمل ، وأن تكون عُمان الحليف الاستراتيجي لفرنسا في شرق إفريقيا والمحيط الهندي . لا سيّما أن بريطانيا كانت قد بدأت ، آنذاك ، في الظهور كخطر يهدّد عُمان والهند وكل بلدان الخليج .
ومع ذلك ، فإن فرنسا لم تتّصور أهميّة هذه المعادلة إلّا متأخّرة . وقد أدركت نتائج ذلك ، أولاً خلال الفترة الثورية عام 1796 ، ثم في عهد القنصلية عام 1803 ، عند إرسال ممثّليها إلى عُمان . إلّا أن هاتين المحاولتين الآيلتين لخلق اتجاه جديد في تاريخ المنطقة أخفقتا ، لظروف مستقلة عن إرادة الطرفين ، دون أن تضعا حدّاً نهائياً لعلاقة على مستوى عال بين البلدين .
ومن جهة أخرى ، كان للحروب الدائمة بين فرنسا وبريطانيا ، وعلى الأخصّ حرب السنوات السـبــــع ( 1756 - 1763 ) ، انعكاسات على النشاط البحري والتجارة بشكل عامّ في المنطقة . وكان النزاع الفرنسي - البريطاني ، قد وضع عُمان في موقف غير مريح تماماً . فبقدر ما كان الموقع الفرنسي
يضعف حيال بريطانيا ، بقدر ما كانت عُمان تجد نفسها قوة إقليمية مقيّدة . وبالمقابل فكلما كان الموقع الفرنسي يقوى أمام بريطانيا ، كان الموقع العُماني يزدهر ويتعزز .


كان لفرنسا ممثّلون في البصرة منذ عام 1755 ، ثم أقامت فيها قنصلية عام 1765 . وفي الوقت نفسه تقريباً ، ظهر في بغداد أسقف كاثوليكي فرنسي قام أيضاً بوظيفة قنصل لفرنسا . ومع الثورة ، في 1796 - 1797 كفّ الممثّل الفرنسي عن تمثيل الكنيسة ، وحصل على لقب " مبعوث العلاقات الخارجية " ، المماثل للقب القنصل (21) .
أمّا الاتصالات العُمانية - الفرنسية فتعود المباشرة إلى ما قبل مرحلة أحمد بن سعيد . وقد عبر الإمام أحمد ، منذ بداية عهده ، عن أهمية صداقته مع فرنسا ، على الرغم من أن العلاقة بين البلدين لم تكن قد بدأت في أحسن الظروف . علماً أن الإمام أحمد كان قد رفض ، في الوقت ذاته ، أي اتـصال مع بريطانيا .
في أثناء حرب السنوات السبع ، حجز أسطولُ الأميرال ديستان (D'estaing) عام 1759 ، في الخليج سفينةً لمسقط ، " المنودي " (22) ( ربما كانت المحمودي ) ، فاحتجّ أحمد رسمياً إلّا أن فرنسا على ما يبدو لم تأخذ الاحتجاج بعين الاعتبار . وقد تكرر هذا الحادث عام 1781 ، فاحتجزت البحرية الفرنسية ، مركباً عمانياً آخر ( الصالحي ) ، في عملية دامية قتل خلالها القبطان العُماني وبعض البحارة . فاحتجّ أحمد ، من جديد ، لدى السلطات الفرنسية وطالب بتعويضات ، وقرر ، فوق ذلك ، فرض الحظر على بعض المواد الغذائيّة المتوجّهة إلى المستعمرات الفرنسية .
وقد وجدت هذه الاحتجاجات ، إذ ذاك ، صدى لدى السيد دو سوياك (De Souillac) حاكم جزيرة فرنسا والسيد روسو (Rousseau) ، القنصل الفرنسي في بغداد . وأيّد هذان المسؤولان مطالب أحمد لدى السلطات الفرنسية ، وعملا على حثّ هذه الأخيرة على تقديم التعويضات المطلوبة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 246 .
(22) . Kajare (F.),op.cit.p.74



إذا كان مسؤولو جزيرة فرنسا قد حاولوا التخفيف من شأن العدوان وعملية القرصنة المقترَفَيْن ضد السفن العُمانية وحصرها في إطار قانوني بحت ، فلقد تبنّى المسؤولون الفرنسيون ، في تقريرهم إلى السلطة المركزية ، وجهة نظر روسو وأكدوا على قيمة الصداقة العُمانية الفرنسية وطلبوا فتح قنصلية في مسقط .
وفي هذه الأثناء ، أرسلت فرنسا سفينة فينوس (Venus) التي كان يقودها روزيلي (Rosily) في رحلة علمية . وجاء هذا الأخير إلى مسقط ، ووُجّهت إليه شكاوى جديدة من طرف الإمام أحمد الذي أكّد على صداقته مع الفرنسيين بل وقدّم لهم ، فوق ذلك ، وكالة تجارية في مسقط - الأمر الذي كان قد رفضه بالنسبة لإنكلترا (23) .
وتشير هذه المبادرة من الإمام إلى أهمّية العلاقة العُمانية - الفرنسية وإلى شعوره بضرورة إيجاد حلف جديد ، من شأنه ، أن يحدّ من النفوذ البريطاني . ومع ذلك ، تأخرت حكومة لويس السادس عشر (Louis XVI) في الرد على هذه المبادرة الطيبة وكان هذا التأخير ضدّ مصلحة البلدين ، لا سيّما أن الوجود البريطاني كان يزداد توطداً في المحيط الهندي .
ويقول كاجار إن الكونت دو كودراي (De Coureay) ، خليفة السيد دو سوياك (De Souillac) في منصب حاكم جزيرة فرنسا ، لم يستطع شراء مركب يحلّ محلّ الصالحي الذي حجز من قبل ذلك بتسع سنوات إلّا بعد أربع سنوات من تولّيه هذا المنصب ولم يصل المركب إلى وجهته إلّا في 10 آذار ( مارس ) 1790 ، وقد سلم في احتفال كبير (24) .
وهكذا تبيّن أن هذا المركب - عربون المصالحة - لم يصل إلى وجهته في حياة الإمام أحمد بن سعيد ، بل بالأحرى في عهد ابنه سعيد الذي رأى فيه كسباً لعُمان وتجديداً للصداقة بين البلدين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(23) . Ibid,p.75
(24) . Ibidem


من جهة أخرى ، بدأت مسقط ، مع وصول السيّد سلطان بن أحمد إلى الحكم ، عام 1792 ، باستعادة مكانتها الإقليمية ، كما كانت في عهد أبيه . وقد قام السيد سلطان بعمليتين عسكريتين وسياسيتين كبيرتين ناجحتين ، فاحتلّ منطقة جوادر ، ( جزء من باكستان الحالية ) ، وشنَّ في الوقت نفسه ، حملة بحرية ضد مشايخ قبيلة معان العربية المقيمة في جزيرتي هرمز وقشم . ثمّ طلب عام 1794 من حاكم فارس الجديد ، آغا محمد ، استئجار ميناء بندر عباس . ويشير المؤرّخ بوندارفسكي ، معلقّاً على هذه المكتسبات ، على أنها قد تحقّقت بفضل دعم شركة الهند الشرقية البريطانية (25) .
لا شكّ في أنه قد جرى تعاون بين السيد سلطان وشركة الهند الشرقية . ومع ذلك ، فلا شيء يثبت أن النجاحات السياسية - العسكرية العُمانية قد تحقّقت ، أو حتى قد شجّعت من جانب الإنكليز كما يحاول بوندارفسكي التلميح . وفضلاً عن ذلك ، فإن سلطان بن أحمد كان بعيداً عن أن يكون على علاقات طيبة مع بريطانيا ، والأمر لم يتحسّن حتى بعد توقيع المعاهدة البريطانية - العُمانية لعام 1798 التي سنأتي على ذكرها لاحقاً .
على الجهة الأخرى للخليج ، كانت لفرنسا أغراض سياسية واسعة . وقد أرسلت الحكومة الثورية عالِمَي طبيعة شهيرين هما بروغيير (Bruguiere) وأوليفييه (Olivier) في مهمّة إلى تركيا والشام ومصر وفارس . ودامت رحلتهما خمس سنوات ، ( من 1793 حتى 1798 ) . وفضلاً عن الملاحظات العملية التي جمعها هذان العالمان ، ساهمت البعثة في التحضير لحملة نابليون بونابرت (Napoleon Bonaparte)
على مصر عام 1798 (26) . وكان من أهداف هذه البعثة ، أيضاً ، إقناع الدولة العثمانية وفارس بعقد تحالف مع فرنسا ضد روسيا ، العدوّ التقليدي لهاتين الدولتين الإسلاميتين وعضو تحالف " الملكيات الأوروبية " آنذاك ، ضدّ الثورة الفرنسية (27) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(25) . Bondarevsky (G.), op.cit,p.60 - 61
(26) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 247 - 249 .
راجع أيضاً : . Bondarevsky (G.), op.cit,p.57
(27) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 63 .

في 4 شباط ( فبراير ) (28) 1796 ، أنشَأَتْ اللجنة المسماة " لجنة السلامة العامة " (Le Comite de Salut Public) قنصليةً في مسقط وعيّنت لإدارتها المواطن بوشان (Beauchamp) الذي اختاره عمّه دوم ميرودو دو بورغ (Dom Miroudot du Bourg) ، أسقف بغداد ، معاوناً دينياً له : " وسوف يثبت المواطن بوشان ، بعنايته وحماسته ونشاطه ، حسن اختيار الحكومة له ، وسوف يبذل كلّ جهده من أجل أن تصبح نفقات القنصلية الجديدة مفيدة للجمهورية " (29) . ويذكر أن بوشان معروف كذلك كعالم ورحّالة وفلكي .
فضلاً عن شخصية المبعوث البارزة ، فقد كانت أهمية هذه البعثة تعبر عن نفسها بالتعليمات المعطاة لبوشان في المذكرة التي سُلّمت إليه . فقد كانت مهمته ، في الوقت نفسه ، سياسية واستراتيجية واقتصادية وثقافية . وقد عهدت هذه المذكرة إلى المبعوث بدراسة طباع الشعب العُماني الذي وصف في المذكرة بأنه أول " شعب في العالم " وأعرقه . وبالفعل ، فإن هذا النصّ يكشف الخطوط الكبرى للسياسة الفرنسية ومراميها الاستراتيجية الطويلة الأمد في المنطقة ، تقول المذكرة :
إن مؤسسات فرنسية في مسقط ستكون مفيدة جداً لمستعمراتنا في جزيرتي موريس والريونيون . فمثل هذه المؤسسات ستؤمن لمستعمراتنا ما تحتاج إليه من مدد ومؤن غالباً ما تفتقد في زمن الحرب ، وقد أثبتت ذلك الحرب الحالية . ففي أيلول ( سبتمبر ) 1794 كانت هاتان الجزيرتان في حالة مجاعة ،
تقريباً ، ولم تكونا لتعانيا ذلك لو كان لنا ، في ذلك الحين ، وكيل في مسقط (30) .
وكـــانــــت الـــتــعــلــيــمــات الـثــانــيـة تتّصل بتقصّي المعلومـــات عن القوى السياسية في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(28) 4 شباط ( فبراير ) 1796 : هذا هو التاريخ الذي تذكره الوثيقة الديبلوماسية لوزارة الخارجية الفرنسية . إلّا أن لجنة السلامة العامة (Le Comite de Salut Public) التي انبثقت عنه ، انحلت في تشرين الأول 1795 .
(29) . Aff.Etr.N.S.Mascate, vol.37,p.168
(30) Aff.Etr.N.S.Mascate, vol.37,p.171 .


المنطقة العربية وعلى الرقعة الهندية ، ولا سيّما عن القوّات البريطانية ، تقول المذكّرة :
" يجب على المواطن بوشان أن لا ينسى أنه في مسقط بقصد إعلام الحكومة بكل ما سوف يمكنه أن يعرفه عن الوضع السياسي لكل قوى الهندستان وعن كل عمليات الإنكليز في هذه المناطق والبحار التي تحيط بها . ويجب أن لا يفلت أي شيء من انتباهه ويجب أن يكون منضبطاً كل الانضباط في تعريف الحكومة بكل أنر هام سوف يعرفه " (31) .
وتنصّ المذكّرة نفسها على أن على المواطن بوشان أن يبذل جهده ليخدم أيضاً العلوم والأدب . وعليه أيضاً أن يحاول العثور على مخطوطات لمكتبة باريس الوطنية . ولم تهمل هذه المذكرة أيضاً أن تطلب من المبعوث دراسة الخيول العربية وطبيعة الأمراض التي يمكن أن تصيبها ، وكذلك طرق العلاج المتبعة عند العرب (32) .
كانت المهمّة محدّدة ودقيقة ، إلّا أن الأمور لم تسر في المجرى المتوقع . فالمواطن بوشان الذي أُعيد توجيهه ، في اللحظة الأخيرة ، لم يصل أبداً إلى مقر بعثته . فبدلاً من جعله يلتحق مباشرة بمركزه ، كُلّف بالتعرّف على مختلف طرق آسيا الصغرى . وعندما وصل بونابرت إلى مصر وجد بوشان مريضاً ، دون موارد (33) .
ووفقَ العقاد فإن بوشان اعتذر عن مواصلة مهمّته نتيجة لحملة نابليون التي أثارت شعوراً قوياً معادياً لفرنسا (34) .
وهكذا انتهت أول محاولة لإرساء علاقات فرنسية عُمانية متينة . وجاءت ، بعد ذلك ، حملة نابليون بونابرت ، لتغيّر المعطيات السياسية والاستراتيجية ، بل والتاريخية للمنطقة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(31) . Ibid,p.172
(32) بشأن تفاصيل التعليمات المعطاة لبوشان ، راجع المذكرة في :
. Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.37,pp.168 a 176
(33) Auzoux (A.), " La France et Mascate, aux XVIIIe et XIXe siecles ", Revue d'histoire diplomatique, 1910, p. 235.
(34) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 63 .
2 - حملة نابليون بونابرت على مصر
سجلت حملة نابليون بونابرت (Napoleon Bonaparte) على مصر بداية مرحلة جديدة غيرت السيرورة التاريخية في مجموع المنطقة ، بما فيها المحيط الهندي والخليج . وقد تغيّر بسببها توازن القوى . ولكن بريطانيا التي هُدِّدت في البدء مصالحُها تمكّنت من تجاوز المحنة .
وقد أرسل الجنرال بونابرت ، الذي كان قد أدرك الأهمية الخاصة لعُمان ، بعد وصوله إلى مصر ، رسالة إلى سلطان مسقط يعيد فيها تأكيد الصداقة الفرنسية - العُمانية القديمة ، ويطمئن السلطان إلى أن وجود القوات الفرنسية في مصر لن يضرّ بالحركة التجارية والبحرية العُمانية نحو السويس . وممّا ورد في الرسالة :
" إلى إمام مسقط ،
أكتب إليك هذا الكتاب لأخبرك بما قد علمته ، دون شكّ ، عن وصول الجيش الفرنسي إلى مصر . وبما أنك كنت ، دائماً ، صديقنا ، فيجب أن تكون على قناعة برغبتي في حماية كل سفن أمتكم التي سوف تبعثون بها إلى السويس للتجارة . وأرجوك ، أيضاً إبلاغ هذه الرسالة إلى تيبو صاحب في أول مناسبة
تسنح لذلك " (35) .
إلّا أن الإنكليز احتجزوا هذه الرسالة التي لم تصل إلى السيد سلطان إلّا بعد سنة . ولم تألُ بريطانيا جهداً خلال هذه السنة في إعاقة أيّة اتصالات بين عُمان وفرنسا . عاملة في الوقت نفسه على تحييد عُمان كقوة إقليمية فاعلة .
2 - معاهدة عام 1798 ونتائجها
عـــلـــى امـــتـــداد مـــرحــلـــة الثورة الفــرنــســيـة ، عــاشــت بريطانيا حالة خوف من احتمال قيام حلف فرنسي - عُماني - ميسوري ، ( ولاية في الهند معـــارضة للنفــــوذ الإنكليـــزي ) . والواقع أن هذا الحلف كان قائماً عملـــياً ، وذلـــك بســـبــب الصداقــــة التقلــيديـــة بــيــن الأطــــــراف المعنــيــة ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(35) Graz (Liesl), Les Omanais: nouveaux gardiens du Golfe, Paris, Albin Michel, 1981, p.22 .
( كانت فرنسا ممثلة بجزيرتي فرنسا - موريس لاحقاً - والريونيون ) . وقد كان هذا التعاون المستمرّ ، يعرقل المشاريع الاستعمارية البريطانية في منطقة المحيط الهندي وشبه القارة الهندية وشرق آسيا . وهذا ما كانت بريطانيا تريد تجنّبه بأيّ ثمن .
وفي هذه الأثناء ، انتشرت موجة سخط ضدّ فرنسا من جانب البلدان العربية والإسلامية ، وكانت تلك إحدى نتائج حملة نابليون بونابرت على مصر . واستفادت إنكلترا التي لم تكن تنتظر سوى هذه الفرصة لتقلب الوضع لصالحها . وكانت إحدى المبادرات الأولى إجراء اتصالات وإرسال بعثات دبلوماسية وسياسية فعّالة وهامة إلى المنطقة ، بما فيها فارس وجدة وعُمان .
ويقول العقاد بأن السياسة البريطانية رمت ، حتى ذلك الحين ، إلى تجنّب التوسع أو التدخل الحربي ما أمكن حتى لا تتكلف نفقات لا تعود عليها بربح مؤكّد . إلّا أن هذه السياسة تغيّرت عند وصول حاكم جديد هو الماركيز ويلسلي (Wilssly) إلى كلكتا في نيسان (أبريل) 1798 . وكان هذا الرجل من أتباع سياسة التوسّع وعدم التقيّد بالاعتبارات المالية البحتة . وبدافع منه أعادت حكومة بمومباي التفكير في
سياستها في الخليج (36) .
وبموجب هذه المبادرات البريطانية ، كلّف مهدي علي خان أحد ممثلي شركة الهند الشرقية في بوشهر ، وهو من الجنسية الفارسية ، الاتصال بالسيّد سلطان بن أحمد ومحاولة عقد اتفاق معه . وعلى عكس كلّ توقع ، نجح هذا المبعوث ، بعد عشرة أيام من المحادثات ، في إقناع السيد سلطان بضرورة عقد اتفاق أول مع بريطانيا ؛ وفعلاً تم هذا الاتفاق في 12 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1798 .
كانت المعاهدة تنطوي على سبعة بنود وتهدف بصورة رئيسية إلى تحييد عُمان وقطع العلاقة العُمانية - الفرنسية عن طريق استرجاع المقرّ الذي أعطي للوكالة الفرنسية في مسقط والتسهيلات الممنوحة للسفن الفرنــســـية أو الهولندية التي هي في حالة حرب مع إنكلترا خاصة . وأكثر مــن ذلــك ، فـــإن الـــفــقــرة الأخـــيـــــرة مـــــن الـــمــــادة الــــثـــانـــيـــة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(36) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 66 .

نصّت على أن : " يصبح صديق أحدنا صديق الآخر وعدوّه عدوّه " . وكانت المادة السابعة والأخيرة تنصّ ، بصورة موازية لذلك ، على منح تسهيلات عسكرية للبحرية البريطانية في ميناء بندر عبّاس في فارس ، الخاضع لسلطة مسقط منذ عهد السيد سلطان كما رأينا من قبل (37) .
ونظراً للظروف التي وُقّعت فيها هذه المعاهدة ، فقد شكّلت نجاحاً من الدرجة الأولى للسياسة البريطانية . وكانت ، فضلاً عن ذلك ، المعاهدة الأولى بين بلد عربي وبريطانيا . كما أعطت نوعاً من الغطاء " الشرعي " للوجود البريطاني في المنطقة . واستطاع دنكان (Duncan) حاكم بومباي ، أن يكتب إلى ويلسلي ، الحاكم العام للهند ، قائلاً :
" لقد حصل مهدي علي خان بهذا الاتفاق على أكثر ممّا كنا نأمله " (38) .
والواقع أن هذه الوثيقة توّجت بالنجاح سيرورة كاملة من التوسّع الاستعماري تصوّرها البرتغاليون ،
وسار بها الإنكليز إلى غايتها ، بمزيد من النجاح ؛ يقول النقيب :
" بين عام 1688 وعام 1839 نجحت بريطانيا في تحقيق الخطّة الإمبريالية العظمى التي وضع البرتغاليون أول تصور لها ، ولكنهم فشلوا في تحقيقها . ففي عام 1688 ، استطاع الإنكليز انتزاع السيطرة من الهولنديين على مضيق هرمز وتحكموا بالتجارة الشرقية مع الصين وجزر الهند الشرقية . وقد اقتلعوا الهولنديين من مواقعهم في الخليج العربي عام 1765 ونجحوا في تثبيت أول موقع قدم لهم في مسقط عام 1798 . وبذلك استطاعوا التحكّم بالتجارة عن طريق مضيق هرمز . وإن حلقــــــات هذه الخطة العظمى التي وضع أول تصور لها البوكرك عام 1513 قد اكتملت أخــيــراً ، واحدة بعد أخرى " (39) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(37) Aitchison (C.U.), Collection of Treaties, Engagements and Sanads relating to India and Neighbouring Countries , Delhi, Manager of Publications. 1933, vol.XI,pp.287-288 .
(38) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 68 ، 69 .
(39) النقيب ( خلدون حسن ) ، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1987 ، ص 83 .
تبين هذه اللمحة جيداً النقطة التي وصلت إليها السيطرة البريطانية على الخطوط البحرية للمحيط الهندي وعلى الموانئ الشرقية الرئيسية ، وكذلك التحكّم ، فيما بعد ، بتجارة الشرق ، وهي تبيّن الأسباب الفعلية التي كانت وراء توقيع السيّد سلطان بن أحمد للمعاهدة .
وفضلاً عن ذلك ، فإن المناخ السياسي العامّ المعادي لفرنسا دفع ، آنذاك ، بعض الدول العربية والإسلامية ، وإن على شيء من التردد ، إلى تبنّي فكرة الانفتاح على النفوذ البريطاني ، وهكذا فإن شريف مكّة استقبل مثلاً المندوب البريطاني ويلسون (Wilson) في جدّة واستلم منه الرسالة التي أرسلها نابليون بونابرت إلى سلطان بن أحمد وتيبو صاحب واحتجزها الإنكليز (40) .

أمّا بالنسبة لعُمان ، وعلى عكس كل توقّع ، فلم تتمكّن هذه المعاهدة المُقَيّدة أن تؤثر في سياساتها . علماً بأنه لو طبقت حرفياً ، لكان من شأنها أن تنتقص ، تدريجياً ، من استقلال قرار عُمان السياسي كدولة ، وأن تحدّ من دورها كقوة إقليمية تقليدية . ولكن عُمان حافظت ، خلافاً لذلك ، على استقلال قرارها السياسي والاستراتيجي . وبقيت البلاد ملتزمة بالعلاقات المعقودة سابقاً مع جزيرتي فرنسا والريونيون .
وبالفعل ، فسرعان ما سعى السيِّد سلطان إلى التخلّص من عبء هذا الاتفاق . ويروي المؤرّخ البريطاني ويلسون ما مفاده أن سلطان رفض رفضاً قاطعاً السماج بإقامة مركز بريطاني في مسقط بذريعة أن ذلك سيورّطه في حرب مع الفرنسيين والهولنديين ؛ وعلى الرغم من أنه قبل في البداية تعيين سفير بريطاني في مسقط ، إلا أنه عاد وسحب هذه الموافقة (41) .
وخشيت بريطانيا من جهتها أن تبقى المعاهدة مع عُمان مجرّد حبر على ورق فاتخذت حكومة بومباي مبادرة إرسال مبعوثها الشهير الكابتن جون مالكولم (Malcolm) ليقابل من جديد السيّد سلطان ويذكّره بالتزاماته حيال اتفاق 1798 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(40) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 69 .
(41) ويلسون ( أ.ت ) ، مرجع سابق ، ص 169 .


ولم يكن السيّد سلطان يرغب في استقبال المبعوث البريطاني . فغادر مسقط على ظهر سفينته الخاصّة إلى جزيرة قشم الواقعة عند مدخل الخليج . إلّا أن مالكولم لم يتردّد في اللحاق به على متن سفينته واستعمال التهديدات لإرغامه على توقيع اتفاق جديد وطّد معاهدة 1798 . وقد ذكّر المبعوث البريطاني السيِّد سلطان بطرد الفرنسيين شبه الكلّي من الهند ، كما صوّر له تفوق إنكلترا على كل الدول . وأكثر من ذلك فقد هدده بإغلاق موانئ الهند في وجه السفن العُمانية . وبهذه الطريقة حصل على توقيع (42) اتفاق جديد من نقطتين ( كانون الثاني - يناير 1800 ) : الأولى تعيد تأكيد التزام 1798 وتصفه بأنه " ثابت وساري المفعول " (43) .
والثانية تُسمّي الدكتور بوغل (Bogle) وكيلاً سياسياً بريطانياً . وبما أنه كان جرّاحاً ، فقد أصبح أيضاً طبيب السيّد سلطان الخاصّ ، ( " ومن شأن مهنته أن تزيد من نفوذه وتسهّل استماع الأمير له " (44) ) . وفضلاً عن ذلك ، فإن كاتب سيرة حياة السير مالكولم ، يختتم روايته لهذه الحملة الدبلوماسية بعبارة مالكولم التالية :
" إن إمبراطورتينا في الهند مَدينة ، في الواقع ، للتجارة والطبّ " (45) .
كان ذلك ثاني نجاح استراتيجي حاسم لبريطانيا في أقلّ من سنتين . فقد توصل هذا المبعوث السياسي و " الطبي " فعلاً ، إلى لعب دور سياسي هام والتأثير في الموقف الشخصي للسيّد سلطان . بل يمكن القول إنه أحدث انقلاباً في سياسة السلطان حيال الفرنسيين ، مع أن إقامته في هذا البلد كانت قصيرة ، إذ قضى نحبه في نهاية 1800 (46) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(42) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 77 .
(43) . Aitchisom (C.U), op.cit.,p.288
(44) . Auzoux (A.),op.cit.,p.240
(45) . Ibid,p.239
(46) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 77 .


القسم الثالث
إعادة النظر بمعاهدة 1798 وظهور الوهابيين
في بداية العام 1801 احتدّ الصراع الذي كان قد اندلع بين الوهابيين وباشا بغداد من جهة ، وبين الوهابيين والعُمانيين من الجهة الأخرى ، وأخذ العُمانيون يبحثون عن دعم لدى " حلفائهم " الجدد ، الإنكليز . ولكن هؤلاء رغبوا في البقاء على علاقات طيّبة بالحركة الوهابية الحديثة المولد ولم يلبّوا نداءهم .
ومنذ ذلك الحين دخلت المسألة الوهابية بصورة مستمرّة في التاريخ العُماني .
وقد ألغى هذا الموقف السلبي من جانب بريطانيا حيال " حلفائها "العُمانيين قيمة معاهدة 1798 ضمنياً . ووجدت عُمان في ذلك فرصة للتخلصّ من هذا الالتزام الثقيل ، ولإعادة تنشيط العلاقات العُمانية - الفرنسية . وكانت فرنسا بدورها مستعدة لردّ مباشر ، ولكن حدث ، على ما يقول أوزو (Auzoux) في مقالة تعود إلى العام 1910 :
" أن القراصنة ( الفرنسيين ) استولوا على ثلاثة مراكب مسقطية : الأحمدية والمصطفى والفيدلم ورفض ماغالون (Magallon) ( حاكم جزيرة فرنسا ) الاعتراف بشرعية هذه الاستيلاءات واعتبرها انتهاكاً لحقوق الناس . وكلف ضابط السفينة شاتوفيل (Chateauville) إعادة المراكب الثلاثة إلى الهند ، لردّها إلى الأمير الذي كان يفكّر في التحالف معه " (47) .
وأعاد السيد لافيت ( Laffite ) هذه السفن مع اعتذارات رسمية من حاكم جزيرة فرنسا . وأكثر من ذلك ، واستجابة لطلب سلطان بن أحمد ، أرسل الفرنسيّون جزءاً من أسطولهم ليساعده في حربه ضدّ الوهابيين والعتوب . وسرعان ما عبّر لهم السيّد عن امتنانه بالتعبيرات التالية :
" يـــســرنــا أن نــعــلــمــكــم ، فـــي هــذا الــكــتــاب ، بــوصــول صديــقــنــا الـــسيد لافــيــت ، وكـــــذلــــك الـــهـــدايـــا التــي تكرمتم بإرسالهــا إليــنــا ويــســتحـيل عــلــيـنــــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(47) . Auzoux (A.),op.cit.,p.240

أن نعبر لم عن الفرح الذي شعرنا به لدى وصلها . وخاصة وصول القوات التي تكرمتم بإرسالها إلينا والتي استقبلناها بأذرع مفتوحة والتي سنعتبر أفرادها أخوة لنا وأصدقاء ... " (48) .
قضت القوّات البحرية الفرنسية حوالي سنة ونصف تحت قيادة السلطات العُمانية وساعدت سلطان بن أحمد على إنزال ضربة قوية بقوات العتوب والوهابيين ، وفي احتلال جزر البحرين التي عهد سلطان
بحكمها إلى ابنه سالم عام 1801 . ولم يقتصر الأمر على عودة العلاقات العُمانية - الفرنسية ، بل إنها بدت بعد ذلك الحبن في أفضل مظاهرها .
ويشهد على ذلك قائد المركب شاتوفيل الذي رافق السلطان العربي طوال خمسة عشر شهراً ، حيـث يقول :
" خلال إقامتي في مسقط عوملت بكلّ الاعتبار وأُعفيت من كلّ نفقاتي . وكلّفني الأمير ، عندما رحلت ، أن أنقل للجنرال بأنه يعرض عليه خدماته لتموين المستعمرة " (49) .
وبطبيعة الحال ، لم تنظر بريطانيا بعين الرضا إلى الوجهة التي سارت عليها الأحداث . وقد بلغت العلاقات العُمانية - البريطانية ، في ذلك العصر ، حالة توتّر كاملة . واتخذت إنكلترا ، للرد على ذلك ، تدابير واستخدمت ضغوطاً اقتصادية قاسية ترمي إلى خنق الاقتصاد العُماني ، ورُبّما إلى إضعاف موقف سلطان بن أحمد نهائياً فألغت حكومة الهند الامتيازات الممنوحة لعُمان بعد معاهدة 1798 وكذلك الامتيازات التجارية بين عُمان والهند (50) .
والواقع أن هذه الامتيازات التي كان يتمتّع بها العُمانيون والهنود كانت قائمة قبل توقيع المعاهدة مع إنكلترا وكانت تدخل في إطار العلاقة العُمانية - الهندية التي رأت النور قبل وضع بريطانيا يدها على الشرق بزمن بعيد .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(48) . Ibid,p.240
(49) Ibid,p.241 .
(50) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 78 .

وللردّ على هذه التدابير الانتقامية البريطانية ، اتخذ السيّد سلطان مبادرة تمّثلت بإرسال ممثّله الشيخ علي ، الذي يسمّيه المؤرّخون سفير عُمان ، إلى ماغالون (Magallon) حاكم جزيرة فرنسا ، وكان هذا الشيخ معروفاً بعدائه لإنكلترا وبمواقفه المؤيدة لتوطيد العلاقات الفرنسية - العُمانية . ويشير ماغالون ،
في رسالة إلى وزير البحيرة في 19 شباط ( فبراير ) 1803 ، إلى أهمية هذه الزيارة فيقول :
" ..... إن الهدف السياسي هامّ جداً . ومن المهمّ لمصلحة هذا الأمير أن يبقيها سراً وأن يطلب صداقة الجمهورية الفرنسية وحمايتها الخاصة . ويبدو أن لدى هذا الأمير الكثير من الشكوى من كيد الحكومة الإنكليزية ... " (51) .
لقد عبّر ماغالون عن سعادته بطبيعة الحال بالمبادرة العُمانية . ولكن وضع استراتيجية مشتركة ضدّ التهديد البريطاني تأخّر ولم يتم اتخاذ تدبير عملي إلّا بعد سنتين من طلب سلطان ، أي عام 1803 ، عندما قرر القنصل الأول (52) ، مدركاً لأهمية عُمان الإقليمية ، إرسال مبعوثه كافانياك (Cavaignac) قنصلاً لفرنسا في عُمان . ولكن هذا الاختيار لم يكن موفقاً ، إذ لم تكن لدى كافانياك لا المرونة ولا اللباقة الضروريتان لمثل هذه المهمة (53) .
وفضلاً عن ذلك فإن وصول بعثة كافانياك ، في تشرين الأول ( أكتوبر ) 1803 ، تزامنت مع خرق معاهدة أميان (Amiens) وعودة القتال بين فرنسا وإنكلترا . عندها لم يعد أمام سلطان بن أحمد إلّا الاعتذار عن استقبال البعثة خشية أن تستغلّ بريطانيا ضدّ عُمان نصوص معاهدة 1798 ، وخاصة المادة الخامسة التي تنصّ على حياد مسقط في حالة الحرب بين فرنسا وإنكلترا . ذلك أن إنكلترا كانت تستطيع في هذه الحالة ، تعليق تصدير المواد الغذائية الرئيسية ، كالأرزّ الهندي إلى عُمان ، أي فرض حصار اقتصادي على البلاد .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(51) . Auzoux (A.),op.cit.,p.242 -243
(52) Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.37,p.162 .
(53) . Kajare (F.),op.cit.p.80

لذلك توجه خلفان ، الموفد الشخصي لسلطان بن أحمد ، لاستقبال البعثة الفرنسية وليعرض على كافانياك موقف حكومته الجديد :
" كان من المرغوب فيه أن تأتوا أثناء السلم وحينها كان السلطان يستقبلكم بحفاوة . أمّا الآن وقد أعلنت الحرب بينكم وبين الإنكليز فسوف يستاؤون من استقبال سيّدي لكم . إن لدينا عشرين سفين كبيرة في موانئهم ، في البنغال أو على ساحل مالابار ، ولا شكّ في أنهم سيستولون عليها حالما يعلمون باستقباله إيّاكم . " (54) .
لقد فشلت المحاولة الثانية إذاً . ولكن هذا الفشل لم يضع طبيعة العلاقات بين عُمان وفرنسا موضع مساءلة . وأظهر كافانياك تفهّمه للموقف الحرج الذي تجد فيه الحكومة العُمانية نفسها وحيادها الصعب .
وفي عام 1804 تجدّد الصراع الإقليمي بين الوهابيين وعُمان . ومضى سلطان بن أحمد ، هذه المرة ، يسعى إلى الحصول على دعم باشا بغداد ، خصم الوهابيين . ولكن هذا المسعى باء بالفشل . وفي طريقه إلى مسقط ، اصطدم اصطداماً قاسياً بالأسطول البحري للقواسم ، حلفاء الوهابيين الأقوياء ، الذين سدّوا عليه الطريق . وفي معركة بحرية قريبة من لنجة ، لاقى سلطان بن أحمد حتفه (1804) .

1 - المسألة الوهابية
على أثر نداء محمد بن عبدالوهّاب ، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، ولدت الحركة الوهّابية في نجد ، وسط الجزيرة العربية . وخلال أربعين سنة تقريباً . توصّلت هذه الحركة التي تبنّاها الأمير ابن سعود مذهباً ، إلى توحيد قبائل المنطقة فأقامت الدولة السعودية الأولى ( 1793 - 1818 ) .
وشـهـدت الـمـرحـلـة الـثـانـيـة الـتـوسّــع الإقــلـيــمي للــــمـذهب الـــوهّابي وانـتــشــاره فــي عدّة مـناطـــق مجـــاورة . وقــد اهتزّت عُمان نفســـها بــصـــراع مــذهــبـي وسـيــاسـي . فـالحـركة الوهابية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(54) . Auzoux (A.),op.cit.,p.252

التي كانت تقدم نفسها بوصفها موحّدة ، لم تتردّد في استعمال كل الوسائل لفرض مذهبها ومدّ نفوذها ،
وهو ما يؤكّده المؤرّخون السعوديون أنفسهم . وبالفعل فإن المؤرخين الوهابيين ، ( مثل ابن بشر ) ، ذكروا الهجمات السعودية التي شنّت ضد مدن الخليج والعراق الثرية . ووصفوا ، بروح الفخر ، الغنائم التي استولوا عليها في هذه الغزوات (55) .
لن نتطرّق هنا لمسألة الخلافات العقائدية بين الإباضية ، وهي مدرسة فكرية خاصة ولدت في حضن الدولة الإسلامية الأولى ، وذات تقاليد عريقة ، وبين الوهابية ، وهي فرقة حديثة ، فذلك لا يدخل في إطار هذا العمل . ولكننا سنعمل على إيضاح الوجه السياسي الإقليمي لهذه الحركة وتأثيرها على الأخصّ في عُمان وفي منطقة جلفار ، التي ستعرف لاحقاً باسم " ساحل عُمان " .
ففي سياق هذا التوسّع ، حوالي نهاية القرن الثامن عشر تبنّت الوهّابية بعضُ قبائل هذه المنطقة من " ساحل عُمان " ، كقبائل النعيم وبني كعب وبني جتب ، وبسبب وجود هذه القبائل في واحة البريمي ، أحد أهمّ التجمعّات العُمانية على حدود الدولة السعودية ، فإن النفوذ الوهّابي أثّر ، منذ ذلك الحين ، في تاريخ تلك المنطقة ثم في تاريخ عُمان (56) .
بعد ذلك احتلّت قوّة وهّابية ، على رأسها القائد المعروف الحارق ، واحة البريمي وأخضعت قلاعها وقبيلة النعيم والظواهر . واستخدم الوهّابيون هذه الواحة خلال السنوات الثماني عشرة التالية ، كقاعدة هجوم ضدّ عُمان وفرضوا جزية على سلاطين البوسعيدي (57) .
ويــروي الــمــؤرّخ الــســالــمــي أن عــهـد مـطـلـق الــمطيــري ، ( وهــو قـائـد وهّابي شـنّ هــجــمات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(55) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 58 .
(56) تضمّ واحة البريمي تسع قرى ، ستّ منها ، بينها العين ، تابعة لأبو ظبي ، وترتبط الثلاث الأخرى ، صعراء وحماسة وقرية البريمي بسلطنة عُمان . وسنورد فيما بعد معالجة قضيّة البريمي .
(57) كيلي ( ج.ب) ، الحدود الشرقية لشبه الجزيرة العربية ، ترجمة خيري حماد ، بيروت ، دار الحياة ، 1971 ، ص 85 .

ضدّ عُمان ) ، كان " كارثة وبلاء فقد استحلّ دماء المسلمين واتهمهم بالشّرك وقتل كلْ من لم يعتنق مذهبه وأرغم الزعماء العُمانيين على دفع الجزية " (58) .
ومع تبنّي القواسم ، وهم قوة بحرية في منطقة رأس الخيمة والشارقة ، المذهب الوهّابي ، حوالي نهاية القرن الثامن عشر ، بلغت الدولة الوهّابية أوجها تقريباً . وعندما تبنّت قبيلة بني بو علي المذهب الوهّابي في مطلع القرن التاسع عشر ، استطاعت الحركة الوصول حتى جعلان في المنطقة الشرقية من عُمان .
واعتباراً من بداية القرن التاسع عشر ، وكما سنرى شيئاً فشيئاً ، رمى النفوذ الوهّابي الفعّال بكل ثقله على الساحة العُمانية وقد تُرجم ذلك بتدخلات دائمة في الشؤون الداخلية العُمانية ، وعلى الأخصّ إبان ثورة الإمام عزان في فترة 1866 - 1871 ومع قضية البريمي في منتصف القرن العشرين .

2 - سعيد بن سلطان البوسعيدي ( 1806 - 1856 )
خلال السنتين اللتين تلتا وفاة سلطان بن أحمد ، دخلت عُمان من جديد طور صراع مستميت على الحكم بين ولدي السيّد سلطان القاصرين ، سالم وسعيد ، وولدي عمّهما ، قيس وبدر . وبفضل النفوذ الوهّابي الذي كان قد تسلّل إلى الأسرة ، وبعد حرب دامية ، انتصر بدر . ولكن الوهّابيين فرضوا على الحاكم الجديد اتفاقاً ينص على دفع جزية سنوية تبلغ 50 ألف دولار ، ( دولارات ماريا تيريزا ) ، لعاصمتهم الدرعية . وللسهر على تنفيذ هذا الاتفاق ، وضع الوهابيون 400 فارس سعودي في بركا (59) . ولكن بدراً لم يبقَ في مكانه طويلاً إذ سقط بمناسبة صراع عائلي جديد على الحكم الذي استولى عليه سعيد .
وصــل سـعـيـد بـن سـلـطـان إلــى الحــكــم عــام 1806 . وكــان عــمــره آنــذاك سـبــع عــشــرة سـنة ، وحــكـــم طـــوال نــصــف قــرن ، حــتـــى وفــاتـــه 1856 . وكــان أول ســيّــد لــعُــمــان يُــلــَقَّــب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(58) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 157 .
(59) . Maurizi (Vicenzo), History of Sa'id Cambridge, Oleander Press, 1954, p. 5 - 6


بـ " السلطان" ، ثمّ دُعي فيما بعد ، " الكبير" (60) ، وكان قوياً وطموحاً ، فوطد مؤسسة السلطنة التي ستعرفها عُمان حتى أيامنا هذه .
وحاول سعيد ، منذ وصوله ، تجنّب النزاع مع الوهّابيين ، وأبدى استعداده لإعادة دفع الجزية السنوية التي كان يدفعها بدر . ولكن السعوديين لم يغيِّروا ، من أجل ذلك ، مواقفهم وأطماعهم حيال عُمان . وهكذا كانت علاقتهم بعُمان مطبوعة ، خلال قرن ونصف القرن ، بتوتّر وعنف دائمين . ويقول كاجار في هذا الصدد :
" (....) كانت الدولتان الأوروبيتان الكبيرتان ، فرنسا وإنكلترا ، ضدّ سعيد . فإنكلترا كانت تسعى إلى إرضاء الوهّابيين وتؤيّد طموحهم وفرنسا بسبب فشل مهمة كافانياك عام 1802 " (61) .
وكان السلطان الجديد المعجب بنابليون قد أدرك جيداً أهمية علاقة بلده بفرنسا ، فأبدى ، على غرار أبيه سلطان وجدّه الإمام أحمد ، استعداده لفكرة توطيد علاقة الصداقة والتعاون التقليدية مع فرنسا ، لا سيما وأن موقف بريطانيا من النزاع العُماني - الوهابي كان ضدّ المصالح العُمانية . ولكن البريطانيين كانوا يرمون إلى إفشال انفتاحات الحاكم الجديد هذه . " وفي تموز ( يوليو ) 1806 أُسرت سفين فرنسية هي لوفيجيلان (Le Vigilant) ، من جـانــب الفرقـاطة الإنكليزية كونكورد (Concorde) في ميناء مسقط (62) .
وقد أثارت هذه الإساءة استياء الفرنسيين والعُمانيين . وفوراً اتخذ سعيد مبادرة إرسال رسالة إلى حاكم جزيرة فرنسا دوكان (Decaen) الذي كان قد خلف ماغالون ، جاء فيها :
" مــن الــمــؤكّــد أن ســعــادتــكــم لا تــجــهــلــون وقــاحــة الأمــة الإنــكــلــيزية وغــرورهــا ، وكــذلــك قــوتــهــا فــي الــهــنــد ....... إن تــصــرف تــلــك الــفــرقــاطــة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(60) السيد سعيد ، السلطان ، كان يخاطب أحياناً بلقب الإمام . ونجد هذا الاستعمال ، بشكل خاص ، في وثائق الخارجية الفرنسية .
(62) . Kajare (F.),op.cit.p.85
(62) . Ibidem
الإنكليزية أثار استياءنا إلى درجة أرسلنا معها إلى بومباي ، إحدى سفننا مع رسائل إلى الجنرال تتعلّق بهذه القضية ونأمل ، بعون الله ، أن نستطيع تحرير السفينة الفرنسية من أيديهم " (63) .
ولم يكتف السلطان بذلك ، بل أرسل إلى السلطات الفرنسية مبلغاً من المال كتعويض . وأراد أن يدلّل في الوقت نفسه ، على أسفه للحادث وإخلاصه لفرنسا فكتب ، دون أن يخلو ذلك من مبالغـة في المجامـلة :
" .... وآمل أن تتفضّلوا سعادتكم باعتبار بلدنا بلدكم وتثقوا باستعداده الدائم لطاعتكم " (64) .
لحسن الحظّ ، لم يُفسّر الجنرال دوكان ، هذا الكرم والمبالغة من العربيين حرفياً . ولكن ، وعلى الرغم من تصرّف السلطان الإيجابي ، حجز دوكان سفينته ومبعوثه وحاول الاستفادة من الوضع . وطلب من السلطان أن يرسل إليه ممثّليه مزوّداً بصلاحيات كاملة . فأرسل سعيدّ ماجدَ بن خلفان وعهد إليه بالصلاحيات السياسية القانونية المطلوبة .
كان هذا المبعوث من أبرز الشخصيات العُمانية . وفي تموز (يوليو) 1807 ، وقّع مع دوكان اتفاقاً هامّاً من أربع نقاط رئيسية ، نصّ بشكل خاصّ على السماح لأهالي عُمان بالذهاب إلى موانئ الخصم البريطاني ، ومن هناك إلى ميناء محايد قبل الاتصال بالموانئ الفرنسية ، كما ألزم عُمان باستقبال وكيل فرنسي (65) .
وبقدر ما كان هذا الاتفاق يدخل في الاستراتيجية الفرنسية ، فهو كذلك كان يخدم الأهداف العُمانية التي ترمي ، بصورة متزايدة الوضوح ، إلى التعاون بل والتحالف بين عُمان وفرنسا . ومهما يكن من أمر ، فقد اعتبر العُمانيون هذا الاتفاق المتأخّر ، والحاصل في ظروف صعبة ، مكسباً للعلاقة بين البلدين . إلّا أنه اصطدم بعائق قانوني إذ لم تُصادق حكومة الإمبراطورية على الاتفاق بحجّة أنه ضدّ التشريع البحري الذي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(63) Auzoux (A.),op.cit.,p.258 .
(64) . Kajare (F.),op.cit.p.86
(65) أنظر النص في : Al-Wasmi, (Khalid), Oman entre I'independance et I'occupation coloniale, Geneve, Labor et Fides; Paris, Publications orientalistes de France, 1986, p.39 .
نصّ عليه مرسوما 1806 و1807 حول الحصار القاري (1808) " (66) .
وعلى غرار المَشروعات الهامة الأخرى فشل هذا المشروع أيضاً . ولكن الوقت كان يضغط ، لا سيّما وأن ميزان القوى في المحيط الهندي كان يميل بوضوح لصالح بريطانيا . وبالفعل فإن هذه الأخيرة فرضت ، في السنوات التي تلت ، حصاراً قاسياً على جزيرة فرنسا . وعلى الرغم من الدور التاريخي الذي لعبه العُمانيون ، وعلى الرغم من قدرتهم على كسر الحصار الاقتصادي على هذه الجزيرة وإنقاذ سكّانها من المجاعة ، فقد سقطت جزيرة فرنسا ، في كانون الأول ( ديسمبر ) 1810 في أيدي الإنكليز ، وأعيدت تسميتها باسم جزيرة موريس .
كان يمكن للصداقة الفرنسية - العُمانية أن تعدّل ميزان القوى في المنطقة وتوازن التفوق البريطاني فيها . إلّا أن هذه الصداقة التي أساءت السهرَ عليها الملكية كما الحكومة الثورية كما الحكومة الإمبراطورية ، اقتصرت بسبب ذلك على علاقة بين عُمان والجزر الفرنسية قريبة منها . وهو نصف تدبير لم يؤدِّ في نهاية المطاف إلّا إلى تقوية النفوذ البريطاني وتوفير نقطة استناد جديدة له .
ولكن عُمان شهدت ، مع أفول الصداقة الفرنسية ، تلاشي علاقة بديلة ربّما كان من شأنها أن تسمح لها بضمان سيادتها تجاه التوسع الإمبريالي الإنكليزي ونفوذ الوهّابيين المتزايد . فقد ترك الانسحاب الفرنسي النظامَ السُّلطاني الجديد يواجه وحده التهديدات الجديدة التي تحدق بعُمان .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(66) . Kajare (F.),op.cit.p.87


الفصل الخامس

" ساحل عُمان " : التاريخ المشترك ( 1750 - 1850 )

جلفار / " ساحل عُمان "
تُعرف المنطقة الواقعة شمال غرب عُمان ، تاريخياً ، باسم " جلفار " ، المسماة أحياناً " الصير " وعموماً " ساحل عُمان " . ومنذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر شهدت هذه المنطقة ظهور تشكيلات عرقية وسياسية خاصة .
وعندما وقفت هذه المنطقة في وجهة إنكلترا ، أطلقت هذه الأخيرة عليها اسم " ساحل القراصنة " ولكن عندما أخضعتها بالقوة بعد أن وقعت القبائل " معاهدة الهدنة البحرية " عام 1853 ، أعادت تسميتها باسم " الساحل المهادن " أو " الساحل المتصالح " . سوف يعالج هذا الفصل تشكُّل الهوية الوطنية لهذه المنطقة ، وكذلك حدودها السياسية . كما سيلقي الضوء أيضاً على خصوصية التاريخ المشترك بين عُمان و " ساحل عُمان " .

القسم الأول
تذكير تاريخي
تــمــتــد هــذه الــمــنــطــقــة ، ذات الأســمــاء الــمــتــعــددة والــتــي لــكــل مــنــهــا تــعــبــيره التــاريــخــي الــيــوم ، عــلى 500 كــم عــلى طــول الساحــل الجنوبي للخليــج ، مــن شبــه جــزيــرة مُسَنْدَم ، شــمــال شــرق مــديــنة رأس الــخــيــمــة حــتــى قــطــر غــربــاً . كــما تــملــــك ، أيــضــاً

75 كم من السواحل على خليج عُمان (1) .
ترافق ظهور سلالة البوسعيدي في منتصف القرن الثامن عشر في عُمان مع ظهور كيانين قبليين سياسيين مستقلين في منطقة " ساحل عُمان " . الأول ، هو اتحاد قبيلة بني ياس وحلفائها ، وكان يؤلف قوة برية تسيطر عليها أسرة آل نهيان التي أقامت أولاً في الظفرة ثم في جزيرة أبو ظبي . والثاني القواسم ، وهو قوة بحرية هامة ، وقد اتخذ مدينة رأس الخيمة مركزاً رئيسياً (2) .
وإذا أولينا هذه الظاهرة التاريخية انتباهنا ، نلاحظ أن هذين الكيانين بدآ بالظهور بعد سقوط الإمامة اليعربية والحرب الأهلية العُمانية الطويلة ( 1718 - 1737 ) التي تلت ذلك . كما أن الخصوصيات القبلية التي لُجمت في زمن الإمامة استيقظت مجدداً بسبب انتعاش روح العصبية القبلية ، وظهرت القوتان الاجتماعيتان اللتان ستؤثران في تاريخ عُمان و " ساحل عُمان " : الغافرية والهناوية .
كانت أعظم التحولات ، الجغرافية - السياسية ، قد بدأت ، آنذاك ، في هذه المنطقة . فمع ظهور البوسعيدي في عُمان والقواسم وبني ياس في منطقة " ساحل عُمان " ، وجد هذا الواقع الجديد تعبيره السياسي - الإقليمي ووضع حداً للحدود التاريخية القديمة لتظهر محلها حدود سياسية جديدة ومستقلة .

1 - القواسم
لقد لعب القواسم مبكّراً دوراً رائداً في تاريخ " ساحل عُمان " ، بل في تاريخ عُمان ومنطقة الخليج ككل .
وكان أحد أجدادهم ، قاسم الكبير ، قد جاء ليقيم في جلفار منذ القرن السابع عشر . وبفضله أصبحت هذه المدينة المركز الرئيسي للقواسم وعرفت منذ ذلك الحين باسمها الجديد " رأس الخيمة " .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Heard-Bey (Fronke), " Le developpement d'un Etat-Cite maritime dans Ie Golfe : L'exemple du Dubay ", in : La peninsule araboque d'aujourd'hui, sous la direction de Paul Bonnenfant, Paris, C.N.R.S., 1982, tome II, p.523 .
(2) . Al-Sabah (Salem Al-Jabir),op.cit., p.61

إلّا أن المؤرخين يختلفون على مسألتين : أصول القواسم وتاريخ مجيئهم إلى جلفار . فالمؤرّخ البريطاني كيلي يعتقد أنَ القواسم كانوا يؤلفون فرعاً من بني غافر الذين هاجروا من نجد الواقعة وسط شبه الجزيرة العربية إلى عُمان في القرن السابع عشر تقريباً (3) . وبالمقابل ، فإن المؤرخ المصري سيد نوفل ، يقول بأنها قبائل عربية يعود أصلها إلى عدنان وكان مسكنها الأول سامراء في العراق . وربما تكون وطنها الجديد حوالي النصف الأول من القرن الثامن عشر (4) .
ولكن إذا كان من الصعب تأكيد أحد الرأيين ، فمن الممكن التدقيق في تاريخ الوصول . وهذا الأمر لا يخلو من الأهمية ، لتعلقه بتحديد بداية ظهور القواسم وبروز دورهم في المنطقة . فمما يلاحظ أنه عندما تم تحرير جلفار من الاحتلال البرتغالي والفارسي عام 1633 على يد أحمد بن علي ، أحد قادة الإمام اليعربي ناصر بن مرشد ، لم ترد لدى المؤرّخين أيّة إشارة إلى القواسم . ومع ذلك يبدو جيداً أن القواسم كانوا قد سكنوا المنطقة قبل التاريخ الذي يذكره نوفل ، عام 1723 .
والواقع أنه في هذا التاريخ بالذات ، عام 1723 ، اشترك القواسم ، بشكل فاعل ، إلى جانب بني الغوافر ، في الحرب الأهلية العُمانية . وقد لعبوا دوراً رائداً خلال حرب التحرير العُمانية ضد الفرس ( 1737 - 1741 ) . ولذلك فمن المنطقي الاعتقاد بأن وصول القواسم تلا تحرير جلفار من الفرس في المرّة الأولى عام 1633 ، وسبق اندلاع الحرب الأهلية العُمانية ( 1718 - 1737 ) ، أي أنه جرى في الفترة ما بين الحدثين التاريخيّين العُمانيين .

2 - رأس الخيمة ومسقط
انــطــبعت إعــادة الصياغة الجــغــرافية - الســياســيــة لهذه المنطــقــة ، خلال القــرن الثامــن عــشر ، بــصــراع بــيــن قــوتــيــن رئــيــســيــتــين هــما الــقــواسم والــبــوسعــيدي وعَبَّرَ هــذا الــتــنازع عـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3) كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 35 .
(4) نوفل ( السيد ) ، الخليج العربي والحدود الشرقية للجزيرة العربية ، بيروت ، دار الطليعة ، 1969 ، ص 253 .

نفسه على أكثر من مستوى : القبلي والعقائدي . وهذا المستوى الأخير كشف عن تباين واضح بين القواسم ، " الغوافر" السنّيين حتى تبنّيهم المذهب الوهابي ، والبوسعيدي الهناويين ، الإباضيين .
وخلال الحرب الأهلية ( 1718 - 1737 ) وقف القواسم إلى جانب زعيم الغوافر محمد بن ناصر الغافري ، في حين قاد المعسكر الآخر رئيس الهناويين خلفان بن محمد الهناوي . وفي عام 1723 أي بعد خمس سنوات من اندلاع الحرب الأهلية ، شـارك الشيـخ رحمة بن مطر القاسمي ( 1722 - 1760 ) ، فعلاً ، بقوة مؤلفة من 6500 رجل تنتمي غالبيتهم إلى " شحوح" (5) رؤوس الجبال (6) .
وبعد وفاة الزعيم الغافري محمد بن ناصر عاد القواسم إلى مواقعهم الأصلية في رأس الخيمة . ومع وصول الحملة الفارسية إلى عُمان عام 1737 وضع العُمانيون حداً لخلافاتهم ليتصدّوا للفرس . ووقف القواسم إذ ذاك إلى جانب تكتل القبائل العُمانية التي شنت حرب التحرير الوطنية . وانضموا إلى أحمد بن سعيد الذي كان يحاصر القوات الفارسية في صحار ، وساعدوه على الانتصار عليهم . ثم اشتبك القواسم مع الفرس في معسكرهم الخاص في ميناء بندر عباس على الساحل الإيراني (7) .
وبـفـضـل هـذه الـحـرب أُعـيـد تـكـويـن وحـدة الـقـبـائـل الـعُـمـانـيـة . إلّا أن إعـادة الـتـوحـيـد هـذه بـدت
قـصـيـرة الأجـل بـل كـانـت الـمرّة الأخـيـرة الـتـي اسـتـعادت فـيـهـا الـقـبائـل وحـدتـهـا فـيـهـا وأكـد فـيـها سـكـان " سـاحـل عُـمـان " تـضـامـنـهـم مـع بـقـيـة الـقـبائـل الأخـرى . ولـكـن بـعـد تـحـريـر عُـمـان عـام 1741 ، تـصـدّعـت الـمـصـالـحـة الـقـبلية ومـعـها الـوحـدة الـوطـنـية . وعـلـى الـرغـم مـن أن الـحـرب الأهـلـيـة كـانـــــت قـد انـتـهـت وحـلّـت مـحـلّـهـا ، أوّل الأمــر ، روح الـتـضـامـن فـإن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(5) الشّحوح قبائل تسكن منطقة رؤوس الجبال الواقعة بين عُمان والإمارات ، ويتميّز الشّحوح بلهجتهم المحلّية الخاصة بهم والصعبة على الفهم . ( وقد دُهش العُمانيون لدى وصولهم ، إذ اعتقد البعض أنهم ليسوا عرباً ) .
(6) . Voir Ibn Ruzayq (H,),op.cit.p.111
(7) عبدالله ( محمد مرسي ) ، مرجع سابق ، ص 93 .


العصبية القبلية الغافرية والهناوية سرعان ما برزت ثانية ومعها مسألة الإمامة .
وعلى ما رأينا في الفصل الرابع ، عاد بلعرب بن حمير إلى الظهور على المسرح السياسي بعد تحرير البلاد ، وذلك بفضل القواسم الذي لم يتردّدوا في دعمه . وعلى رغم هذه المعارضة القوية ، تمكّن أحمد بن سعيد البوسعيدي من الانتصار على مرشح القواسم والقبائل الغافرية ، بلعرب بن حمير ، الذي توفي فاستولى أحمد على السلطة السياسية في عُمان ، بَيْدَ أنه لم يستطع ، بطبيعة احال ، الحصول على بيعة القواسم ، ولا أن يفرض عليهم - فضلاً عن ذلك - سلطته بصورة نهائية فاحتفظوا منذ ذلك الحين بشبه استقلال ذاتي في منطقة رأس الخيمة .
وعلى هذا النحو ، ومع بروز منطقة رأس الخيمة ، بدأت ترتسم الحدود السياسية لكيان " ساحل عُمان " أكثر فأكثر . ويجدر بنا أن نلاحظ هنا ، أن سيرورة ظهور هذه المنطقة لم تبدأ إلّا بعد سقوط الدولة اليعربية الذي أسهم بدوره في ظهور كيان البوسعيدي في عُمان . وبعبارة أخرى ، ترافق ظهور منطقة " ساحل عُمان " مع ظهور البوسعيدي . وهكذا فإن هذه المنطقة لم تخضع ، في ذلك الحين ، لسيطرة مسقط المباشرة ، أي لسيادة البوسعيدي ، وخاصة بعد مرحلة الإمام أحمد بن سعيد ( 1741 - 1783 )
في حين كانت قد خضعت ، قبل ذلك ، للإمامة اليعربية ( 1624 - 1714 ) .
ومهما يكن من أمر ، فبسبب الصلات القبلية ظلت بعض القبائل الهناوي ، ( بني ياس وآل بو فلاسا ) ، في منطقة " ساحل عُمان " على علاقة عُرفيّة تقليدية مع البوسعيدي في عُمان حتى عصر قريب .
ولأن الجغرافية غالباً ما تحكم السياسة ، فقد أفرز هذا الواقع الجغرافي - السياسي الجديد نتائج سياسية وعسكرية . ففي فترة 1758 - 1759 ، وقعت الثورات الأولى ، المسماة ثورات اليعاربة ، على الإمام أحمد ، في صور وجعلان وأعقب ذلك تمرد القواسم في رأس الخيمة . وقد أرسل الإمام أحمد إلى المنطقة أسطولاً استطاع قمع هذه الانتفاضات وَوَضْع حدّ مؤقتٍ لها (8) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(8) مايلز ( س.ب) ، مرجع سابق ، ص 225 .


لم يكن لهذا الخلاف إلّا أن يدوم . وهكذا ، عندما ثار ابنا الإمام أحمد بن سعيد ضد والدهما ، عام 1787 ، ساند القواسم هذه الثورة بناء على طلب الابنين . وتجدد هذه المشهد لاحقاً ، بعد وفاة الإمام أحمد وتسمية ابنه سعيد خلفاً به ، فقد طلب سيف وسلطان مجدداً دعم القواسم ضد أخيهما هذه المرة .
وعلى عكس المظاهر ، لم يكن الأمر صراع أشخاص ، بل بالأحرى ، كان صراعاً جغرافياً - سياسياً . فبعد استيلاء سلطان بن أحمد على الحكم في مسقط ( 1793 - 1804 ) ، وبعد استنجاده بالقواسم مرّتين على أبيه وعلى أخيه سعيد ، نشب نزاع بينه وبين حلفائه القدامى ، أي بينه وبين رأس الخيمة التي كانت تريد الاستفادة من الصراعات على السلطة في عُمان لتوطيد استقلالها . وفعلاً توفي سلطان بن أحمد عام 1804 ، في مواجهة بحرية مع القواسم . ولكن الصراع بين مسقط التي في تأكيد سلطتها ، ورأس الخيمة مقر القوة النافذة الرئيسية ، استمرّ حتى وقوع هذه الأخيرة بين أيدي البريطانيين عام 1820 .

القسم الثاني
الصراع بين القواسم وبريطانيا
إذا كان القواسم قد مثّلوا ، خلال كلّ هذه الفترة ، قوة بحرية من الدرجة الأولى ، ( قدرت بـ 750 سفينة و 18 ألف بحار ) ، فإن كفاءتهم العسكرية البرية ، لم تكن بنفس المستوى . وعلى الرغم مما بسطوه من نفوذ على معظم القبائل الغافرية في منطقة " ساحل عُمان " ، فإنهم لم يستطيعوا أن يقاوموا طويلاً ضغط الوهابيين الذين تحالفوا مع النعيم ، وهي قبيلة أخرى في المنطقة .
وشـنّ الـوهـابـيـون ، بـمـسـاعـدة حـلـفـائـهـم ، حـوالـي نـهـايـة الـقـرن الـثـامـن عـشـر ، هـجـومـيـن عـلـى الـقـواسـم فـي رأس الـخـيـمـة . وبـعـد فـشـل الـهـجـمـة الأولـى نـجـح أربـعـة آلاف رجـل بـقـيـادة مـطـلــق الـمــطـيـري ، فـي مـحـاصــرة مـديـنـة رأس الـخـيمـة (9) . ولـم تـلـبـث الـمـديـنة المحاصرة أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9) إبراهيم ( عبدالعزيز عبدالغني ) ، صراع الأمراء ، دار الساقي ، 1990 ، ص 36 .

استسلمت ، وخضع رئيس القواسم صقر بن راشد القاسمي ( 1722 - 1760 ) لسلطة الوهابيين .
كان على القواسم ، بعد هذه الهزيمة ، تبنّي المذهب الوهابي الذي كانوا أوّل الأمر قد عارضوه بقوة ، وقد دفع خضوعهم هذا بالدولة الوهابية إلى أوجها . ويجدر بنا ، على كل حال ، أن نشير إلى أن سكّان رأس الخيمة احتفوا بالمذهبيين السنّيين السائدين بينهم ، ( المالكي والحنبلي ) ، وحافظوا عليهما حتى أيامنا هذه .
ولكن القواسم ، بدلاً من أن يضعفهم هذا الوضع ، كسبوا من تبنّيهم المذهب الوهابي ورقة سياسية رابحة . فقد قوّى تحالفهم مع القوة الوهابية الصاعدة في المنطقة موقفهم السياسي ضد البوسعيدي في مسقط ، الخصوم التقليديين للوهابيين ، كما توطدت سيادتهم على " ساحل عُمان " . ولكن تبنّيهم للوهابية لم يدعم موقفهم حيال التوسع الاستعماري البريطاني .
فقد بدأ التوطُّد التدريجي لقوة القواسم التجارية والعسكرية يقلق الوجود البريطاني فعلاً . ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، بَلَغَ أسطول القواسم المرتبة الثانية في الخليج بعد أسطول مسقط ، وكان في نمو متزايد . وفي مطلع القرن التاسع ، ضمّ هذا الأسطول 73 سفينة كبيرة الحمولة و810 سفن صغيرة واستخدم ما يتراوح بين 18 و 25 ألف رجل (10) .
وهكذا لم يكن القواسم يشكلون قوة اقتصادية وتجارية منافسة للأسطول البريطاني فقط . بل كانوا يعيقون أيضاً سياسة الهيمنة الاستعمارية الإنكليزية في منطقة الخليج .

1 - المواجهات الأولى مع البريطانيين
فــي عــام 1805 ، تــحالــف الإنكليــز مــع بــدر ، ســلــطــان مــسقــط آنذاك ، الــذي كــان يسعى إلــى أن يــســتــعــيد مــن الــقــواسم مــيــناء بنــدر عبــاس الــذي احــتــلوه لــدى وفــاة ســلــطــان بــن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10) العابد ( فؤاد سعيد )، سياسة بريطانيا في الخليج العربي ، الكويت ، دار ذات السلاسل ، (بدون تاريخ) ، ص 43 .

أحمد أثناء حملة بحرية . هزم المتحالفون القواسم ، وتلت ذلك معاهدة بين إنكلترا والقواسم نصّت على الصلح بين شركة الهند الشرقية من جهة وسلطان بن صقر القاسمي وكل رعاياه من جهة أخرى .
وما يلفت الانتباه أن بريطانيا لم تفرض أي تنازل على القواسم المهزومين عسكرياً . والأكثر من ذلك هو أن هذه المعاهدة اعترفت بسيادة القواسم وقوتهم البحرية . ولكن هذه المراعاة المفاجئة من جانب الإنكليز لم تكن منزّهة من المصلحة . فقد كانوا يهدفون إلى كسب الوقت ، آنذاك ، في هذه المنطقة ، لانشغالهم بالصراع الذي عاد إلى الاشتعال بينهم وبين الفرنسيين في أوروبا .
وتأثرت اللعبة السياسية - الدبلوماسية في المنطقة بهذه المعاهدة غير المتوقعة التي شكّ الوهابيون في أن
يكون وراءها تحول في موقف القواسم من بريطانيا . ونتيجة لذلك ، قرر الحكم الوهابي التخلص من رئيس القواسم سلطان بن صقر . وفي عام 1808 استدعى سلطان إلى الدرعية ، عاصمة الوهابيين ، ليلام على عصيانه تعليمات الوهابيين واستبدل به ، مؤقتاً ، ابـن عمـه حسين بن علي ( 1808 - 1814 ) ، ثم حسن بن رحمة حتى حملة 1819 - 1820 الإنكليزية (11) .
وعلى الرغم من ريبة الوهابيين ، لم تعتبر بريطانيا معاهدتها مع القواسم إلّا مجرد تدبير تأجيلي . فقد كان الاصطدام بين قوتي هذه المنطقة البحريتين محتوماً إذ لم يكن للقطع البحرية التجارية والعسكرية الإنكليزية الموجودة في الخليج إلّا أن تعيق نشاطات الأسطول المحلّي .
ولم يكن لدى القواسم من بديل عن التهيؤ لاحتمال نـشوب نزاع مسلح . وكدلالة على استيائهم من الوجود المتزايد للبريطانيين ، احتجزوا السفينة الإنكليزية منيرفا (Minerva) . ثم قرروا عام 1809 أن يطلبوا من حكومة بومباي دفع رسوم مرور لعبور المراكب الإنكليزية في مياه الخليج ولضمانة سلامتها (12) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) . Al-Sabah (S.A.)op.cit.p. 65
(12) أنظر ، العابد (فؤاد سعيد) ، مرجع سابق، ص 42 - 43 .


كان القصد من وراء هذا الإجراء تأكيد سيادتهم واستقلال الأسطول التجاري العربي في الخليج . إلّا أن بريطانيا رأت في ذلك تحدياً لمصالحها وقررت القيام بحملة ضد رأس الخيمة . ولم تتردد بنعت القواسم بالقراصنة وحتى بـ " أعداء الإنسانية " . وبما أن ذريعة الحملة قد توفرت ، فقد قصفت المدفعيّة البريطانية الثقيلة رأس الخيمة دون هوادة . وحسب المؤرّخ بوندارفسكي أُحرِقت خمسون سفينة عربية راسية في الميناء كانت وسيلة الارتزاق الوحيدة للسكان المحليين . واجتازت البعثة " الإنسانية " بعد ذلك الخليج وأحرقت ميناء لنجة الذي كان ، وقتذاك ، تحت سيطرة حكام رأس الخيمة (13) .
على أن دفاع سكان رأس الخيمة عن أنفسهم كان موضع إعجاب البريطانيين ودهشتهم . وفق شهادة أحد
رسمييهم ، سميث (Smith)
" لا يمكن أن نتخيل تصميماً أكبر من هذا التصميم من جانب أعدائنا ( القواسم ) . لقد واجهنا مقاومة شرسة لأنهم قرروا الدفاع عن مواقعهم حتى آخر رجل " (14) .
وتستحق هذه الواقعة أن نتوقف عندها بعض الشيء لأنها تطرح بوضوح طبيعة علاقة المُسْتَعْمِر بالمُسْتَعْمَر . ففي غياب أية قوة منافسة ترك البريطانيون لأنفسهم أن يفسروا الوقائع بما يخدم مصالحهم . وهكذا فلقد عدّوا احتجاز مينرفا ضرب قرصنة وذريعة للحرب .
وكما رأينا فإن الذي أدخل القرصنة في المنطقة لأول مرة هم البحارة البرتغاليون ، منذ أن غزوا عُمان ومناطق أخرى من الخليج ( 1508 - 1658 ) واحتلوها ؛ إذ كانت هذه الممارسة قبل ذلك غريبة على المنطقة .
ومـن الـصـعـب ، عـلـى كـل حـال ، الـحـديـث عـن قـرصـنـة ، عـنـدمـا يـُـبدي بـلـد رفـضـه حـيال وجـود أجـنـبـي . ويُـعـيـد الـمـؤرخ الــروســـي بـونـدارفـسـكـي وضـع هــــذه الـقـضـية فــي سـيـاقها الـــسـياسـي الأدق ، ويـؤكـد أن هــــذا الــدفــاع كـــــان بــالـفـــعـل أحــــد أشـــــكــال الــنـضـــال ضـــد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(13) Bondarevsky (G.), op.cit,p.75 .
(14) العابد (فؤاد سعيد) ، مرجع سابق، ص 500 .

المستعمرين البريطانيين الذين حرموا السكان المحليين من مواردهم الحياتية ذات الصلة الوثيقة بالبحر (15) . إن ما يسميه البريطانيون قرصنة ليس كذلك ، بل ممارسة شرعية لسيادة وطنية ، وممارسة واجب وطني مقدس .
وفضلاً عن ذلك ، فعندما احتجزت قوات القواسم السفن الإنكليزية ، قام القواسم بإخضاعها لنوع من " طقوس التطهير " إذ نظف البحارة السفن وطهروها وبخروها قبل أن يقتادوها إلى رأس الخيمة كغنيمة
حرب . والغرض من " طقوس التطهير " هذه ، على حد تعبير بنودارفسكي ، إزالة "الرجس الأوروبي" منها . ويؤكد بأنه لا يوجد في كل تاريخ القرصنة الذي يمتد ألوف السنين شبيهاً لهذه الطقوس . وهذا دليل على أنه لا ينبغي أن نرى فيه قرصنة . فلم تكن هذه الممارسة ترمي إلى الثورة بقدر ما كانت تطهيراً لها بالمعنى الحقيقي والمجازي للكلمة ، من مستعمرين أجانب نجسين (16) .
ويلاحظ كذلك أن القواسم الذين أسروا ، عند استيلائهم على السفينة مينرفا ، زوجة القبطان ، السيدة تايلور (Taylor) التزموا حيالها أكبر قدر من الاحترام (17) . وذلك بشهادتها هي نفسها ، وهذا موقف يتباين تبايناً كبيراً مع مواقف القراصنة الحقيقيين المعروفة حيال النساء . والتناقض الأخير هو أن بريطانيا لم تردد في أن توقع قبل ذلك مع القواسم اتفاقيات ومعاهدات متنوعة . فهل يعقل أن يفاوض " حماة الحضارة " قراصنة وأن يعقدوا معهم الاتفاقيات ؟ (18) .
مــن جانب آخـــر ، كانــت هذه العمــليــة ، سيــاسياً ودبلوماسياً من أفضــل العمليــات تحضيراً . فقد عملت بريطانيا ، قبل حملة 1809 على رأس الخيمة ، بالالتفــاف على الــوهابــيــين . ففــي رسالة وجهها البريطانيون إلى حكــام الدرعــية ، أشــعــروهم بأن هــدف حملتــهــم علــى رأس الخــيــمة هو إنــزال ضربــة بالــقــرصــنة المحلــيــة . ولــدى تلقــي هــذه الرســــالــة ، عــقــد عــلــمــاء الــــدرعــية اجــتــمــاعــاً قــــرروا خــلالــــه أن الإنــــكــليــز " أهــل كــــتــاب وجــهــادهــم غــــيــر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(15) . Bondarevsky (G.), op.cit,p.75
(16) . Ibid,pp.73-74
(17) . Maurizi (V.), op,cit., p.52
(18) Bondarevsky (G.), op.cit,p.75 .
واجب " وتلقفت السلطة السياسية رأي العلماء (19)
وأعادت صياغة سياستها حيال البريطانيين .
وإنه لمن قبيل المفارقة أن يتبنى الوهابيون هذا الموقف بعد اعتدائهم على القواسم وأسر قائدهم بذريعة عقده ، منفرداً ، اتفاقية عدم اعتداء مع شركة الهند الشرقية كما أشرنا من قبل .
إن الوضع السياسي المستجد في المنطقة هو الذي يفسر ، دون أدنى شك ، هذا التغيّر المفاجئ في موقف الوهابيين . فبريطانيا كانت قد تمكنت ، آنذاك ، من تهميش الخصم الفرنسي في المحيط الهندي ، ( بعد سقوط جزيرة موريس عام 1810 ) ، وبصورة موازية لذلك ، توصلت إلى خنق الحركات الوطنية في الهند . فلم يبق أمام بريطانيا من حاجز في وجه طموحاتها في المنطقة سوى القواسم ورأس الخيمة . أما الوهابيون المدركون للتغيير في ميزان القوى فلم يتردّدوا في تغيير موقفهم من حلفائهم .
ولكن الشيخ سلطان بن صقر ، الحاكم السابق لرأس الخيمة الذي خلع وسجن حتى عام 1808 ، استطاع الهرب ، في هذه الأثناء ، من الدرعية وتمكن من اللجوء إلى محمد علي ، حاكم مصر ، الذي أرسله إلى عُمان ليهيئ حلفاً مع سلطان مسقط ضـد الوهابيين . وقد لاقـت المبادرة المصـرية قبولاً حسنـاً في مسقـط (20) .
من جانب آخر ، أعادت الضربة الإنكليزية إطلاق النشاط السياسي - العسكري للقوى الإقليمية . وهكذا شن سلطان عُمان حملتين متعاقبتين على رأس الخيمة الأولى عام 1813 ، والثانية عام 1814 . وقد فشلتا كلتاهما عسكرياً ، ولكنهما أسهمتا ، على كل حال ، في توطيد موقع حليف مسقط الجديد الشيخ سلطان بن صقر القاسمي ، حاكم رأس الخيمة السابق ، الذي ولّي على منطقة الشارقة بدعم من سلطان عُمان . وهكذا أصبحت إمارة الشارقة شبه مستقلة سياسياً وإدارياً عن رأس الخيمة على الرغم من خضوعها لأسرة القواسم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(19) إبراهيم ، ( عبدالعزيز عبدالغني ) ، صراع الأمراء ، مرجع سابق ، ص 65 .
(20) راجع : لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 695 .



2 - حملتا 1816 - 1819 وسقوط رأس الخيمة
لمّا كان التفوق البريطاني ما يزال يصطدم بمقاومة القواسم فلقد شنت القوات البحرية البريطانية عام 1816 حملة على رأس الخيمة آملة أن تنزل بها الضربة القاضية ، ولكن هذه الحملة ، وعلى خلاف توقعات المسؤولين البريطانيين ، كان من نتائجها ، على عكس ما كان يريده المسؤولون الإنكليز ، تثبيت حكم القواسم في المنطقة . ولكن البريطانيين لم ييأسوا ، وكانوا على يقين بأنهم لن ينجحوا في مشروعهم الاستعماري في المنطقة ، ما دام الأسطول العربي لم يدمر تدميراً كاملاً في رأس الخيمة .
وما هو جدير بالملاحظة هنا ، ليس فقط قدرة السكان على الدفاع عن أنفسهم بل هو أيضاً قدرتهم على إعادة تكوين أسطولهم البحري ، وبعث مدينة رأس الخيمة من دمارها بعد كل حملة مدمرة . وبعد فشل حملة 1816 ، وخلال ثلاث سنوات تقريباً ، ضاعفت حكومة الهند البريطانية المبادرات والتحضيرات من أجل القضاء على القواسم ، خصمهم الأخير في المنطقة ، وعلى رأس الخيمة ، رمز مقاومة التسلل الاستعماري . ونظراً للمقاومة التي أبديت حتى ذلك الحين ، لم تكن الدبلوماسية الإنكليزية تريد ترك أي وسيلة دون سبر .
وهكذا نراها تعمد إلى جسّ نبض الدولة العثمانية وفارس ومسقط ، وإلى الاتصال أيضاً بباشا مصر . ولقد أبدى شاه فارس رغبته في الاشتراك إلى جانب القوات البريطانية في حملة ضد قوات القواسم المقيمين على الساحل الفارسي ، مغتنماً الفرصة لطرد العرب نهائياً منه . وكان القرار الأكثر انتظاراً هو قرار مسقط التي كانت ، حتى ذلك الحين ، أكثر ميلاً إلى معارضة المصالح الإنكليزية ، ولكنها كانت معنية برد رأس الخيمة إلى عُمان . فأعطى السلطان موافقته الكاملة على التحالف الذي يقوده البريطانيون ، بل واستعد لأن يلعب فيه دوراً متقدماً .

وفي 2 كانون الأول (ديسمبر) 1819 ، أبحر الأسطول البريطاني نحـو رأس الخيمة مصحـوباً بسفيـنـتين حربيـتيـن قادمـتين مـن مسقـط عـلى متن إحـداهـمـا السـيد سـعـيـد نـفـسه


يواكبه 600 رجل من رجال القبائل العُمانية (21) . وكانت هذه القوة البحرية ، إلى جانب الأسطول الذي عينت حكومة الهند البريطانية الجنرال كير (Keir) على رأسه وضمّ حوالي 3500 جندي وضابط (22) ، أكبر قوّة بحرية تجتمع في الخليج إلى ذلك الحين .
في 3 كانون الأول (ديسمبر) ، بدأ حصار رأس الخيمة ، وبعد ستة أيام من المقاومة الشرسة والمعارك الضارية ، سقطت المدينة بين أيدي المتحالفين ، وأبيدت غالبية سكانها . كما أحرقت 202 سفينة عربية كان معظمها يمارس الصيد والتجارة (23) .
ومع الاستيلاء على رأس الخيمة ، طويت صفحة نصف قرن من المقاومة الوطنية للقوة الاستعمارية الغربية ، وتحطم آخر حاجز كان يصطدم به الضغط البريطاني في الخليج ولم تعد منطقة " ساحل عُمان " بعد ذلك تشكل عقبة في وجه الهيمنة الاستعمارية . وفضلاً عن ذلك تمكن الإنكليز من أسر رئيس القواسم ، الشيخ حسن بن رحمة وبعض شخصيات المنطقة .
وفي عام 1820 ، فرضت بريطانيا على حكام الساحل ، الشيخ شخبوط بن ذبيان ممثل حاكم أبو ظبي ، ومحمد بن هزاع بن زعل ، ممثل حاكم دبي ، المعاهدة المسماة " تعهداً أولياً " (Preliminary Engagement) والتي كان من شأنها أن تُهيّئ لتوقيع " معاهدة عامة " (General Treaty) نهائية . وقد وقع حسن بن رحمة التعهد الأول عن رأس الخيمة (24) . ولكن ينبغي أن نسجل أنه قد أضيفت إلى النسخة التي وقعتها حكومة رأس الخيمة مادة إضافية ، ( المادة الأولى ) ، تقتضي أن تكون مدينة رأس الخيمة بين يدي الحكومة البريطانية (25) . بعبارة أخرى ، أن يخضع سكان رأس الخيمة لسلطات الهند البريطانية المباشر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) العابد (فؤاد سعيد) ، مرجع سابق، ص 73 .
(22) . Bondarevsky (G.), op.cit,p.77
(23) . Ibidem

(24) يجب أن نشير هنا إلى أن عجمان وأم القيوين لم تُوَقِّعا هذا التعهد نظراً لخضوعهما لسلطة القواسم . إلّا أن الوضع سيتغير لاحقاً لينسجم مع الاستراتيجية البريطانية الرامية لتجزئة هذه المنطقة .
(25) . Aitchisom (C.U), op.cit.,p.241
ووقع الشيخ سلطان بن صقر ، حاكم الشارقة ، تعهداً مماثلاً ، لكن تعهده تضمن مواد استثنائية حول استسلام القواسم وأعوانهم للسلطات البريطانية في منطقة الشارقة . كما فرض هذا التعهد تسليم القلاع والسفن والمدافع الموجودة في الشارقة وعجمان وأم القيوين إلى الجنرال كير .
وقد أُلحق بالتعهد الأولي ملحق هو بحق أهم ما في متن التعهد نفسه . فقد نص هذا الملحق على أن :
" حالة الحرب بين الجنرال وسلطان بن صقر قد توقفت بموجب هذا التعهد ، ولكن ( وذلك هو الأهم ) سفنهم ( أي سفن القواسم ) تمنع ، استثنائياً ، من الملاحة " (26) .
كان هدف هذه المادة الإضافية خطيراً ، إذ إنها تجعل من الحصار الاقتصادي حلقة رئيسية في الاستراتيجية البريطانية ، وحق سفن القواسم في الملاحة المقدمة هنا كملحق كان ، منذ البدء ، رهان الحرب وسببها . وكان الحصار الدائم يعني بوضوح أن مصير المنطقة قد قرر وأنه لن يكون ، بعد ذلك الحين ، قابلاً للفصل عن مصير بريطانيا فيها .

3 - المعاهدة العامة مع شيوخ العرب (1820) ونتائجها
على أنقاض رأس الخيمة ، استدعى الجنرال كير من جديد ، شيوخ الساحل وفرض عليهم توقيع المعاهدة العامة . وقد أطلق عليها اسم " المعاهدة العامة مع قبائل الخليج العربية " (27) .
ودون الدخول في التفاصيل ، يمكن القول إن هذه المعاهدة كرست سيادة بريطانيا على المنطقة وعلى سكانها كما على حكامها . وبذريعة محاربة القرصنة ، ( على ما يرد في المادة الأولى ) ، أعـطـت بريـطانـيا نـفسها حــق مــراقبـة السـفـــن التـجارية في كـل
مـنطـقـة الـخـليـج ، وحـق الــتـدخـل فـي الشـــؤون الـــداخـلـــيـة للـقـــبـائـل مــن أجــل حــل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(26) . Ibidem
(27) أنظر النص في : . Ibid .p. 240

الخلافات الناشبة بينها . والخلاصة أن بريطانيا أصبحت السلطة التشريعية والتنفيذية العليا في المنطقة . ومن هنا يمكن القول بأن سقوط رأس الخيمة فتح عصر هيمنة - دون منازع - للقوة الاستعمارية البريطانية في الخليج .
ومع ذلك ، وجدت حكومة الهند البريطانية ما يقال في هذه المعاهدة . إذ انتقدت الجنرال كير بسبب قلة حزمه حيال سكان " ساحل عُمان " . فقد حرر حسن بن رحمة وحسن بن علي ، ولم يحدد عدد المراكب التي تستطيع القبائل امتلاكها ولا حجمها وحمولتها (28) . ولكن الجنرال لم يجد مشقة في الدفاع عن موقفه وعن نصوص المعاهدة أمام حكومة الهند . وهكذا يتبين لنا إلى أي حد كانت شروط السيطرة البريطانية متشددة وقاسية .
وتعتبر هذه المعاهدة علامة فارقة في تاريخ الحماية البريطانية على " ساحل عُمان " ، الذي سُمِّي منذ ذلك الحين رسمياً على الخرائط البريطانية ، ثم على بقية الخرائط العالمية " ساحل القراصنة " (29) . وذلك لما سيكون لسقوط رأس الخيمة وتحطيم الأسطول العربي من نتائج سلبية حادة على تاريخ المـنطقة .
فقبل كل شيء ، ثبتت هذه المعاهدة على الصعيد الجغرافي - السياسي ، وبصورة رسمية ، الحدود السياسية المستقلة لكيان " ساحل عُمان " ، وكرست الأمرّ الواقع (De facto) . أما بالنسبة لسلطان عُمان الذي رمى بكل وزنه السياسي والعسكري باشتراكه في حملة 1819 إلى جانب بريطانيا ، فإن طموحاته لم تتحقق . فبعد سقوط رأس الخيمة كان على السلطان العودة إلى عُمان والاهتمام بشؤونها
الداخلية وعدم التدخل في شؤون منطقة " ساحل عُمان " التي تركت على عاتق بريطانيا وحدها .
وبصورة أدق ، أدت الضربة القاسية التي نزلت بأسطول القواسـم العربي إلى انهيار الاقتصاد المحلـي ، إذ كان قـوام هذا الاقتصـاد التجـارة الخارجيـة التي نمـت نمـواً مـلحـوظـاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(28) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 107 .
(29) . Bondarevsky (G.), op.cit,p.78

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . وكانت المصادر الأخرى ، من صيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ تبدو بالمقارنة مع هذه التجارة محدودةً جداً . ومن هنا الطابع المأساوي الذي طبع حياة المنطقة بعد تحطيم أسطولها وتحييد ما تبقى منه .
وإذا أضفنا إلى ذلك إغلاق الخطوط التجارية العربية من الخليج إلى الهند وإلى إفريقيا وبالعكس ، توضحت صورة الحصار الاقتصادي الذي ضرب على المنطقة . وأخيراً ، فإن التدابير الجائرة لـ"المعاهدة العامة" قد عرّضت نشاط الصيد والملاحة المحلية لخطر الانطواء الاقتصادي . خاصة وأن المراكب الصغيرة نفسها كانت مقصودة ، هي أيضاً ، بتدابير المنع . وهكذا يمكن القول إن المنطقة وسكانها عاشوا لمدة قرن ونصف القرن تحت وطأة معاهدة 1820 .
ولقد كان لهذا الانهيار الاقتصادي انعكاس حادٌّ على التطور الاجتماعي . فقد أعاق النمو الطبيعي للمجتمع . ونتيجة لخنق النشاطات التجارية والاقتصادية وشبه الصناعية ، ( بناء السفن وصيانتها مثلاً ) ، نكب جزء كبير من السكان العاملين أو المنتجين .
ونتيجة لذلك أيضاً أُجهض ظهور " طبقة متوسطة " ضرورية لسيرورة النمو الاجتماعي ، فاضطربت لوقت طويل حركة المجتمع إن من حيث نموه أو من حيث تجانسه ، أو حتى من حيث سعيه إلى بلورة هويته الوطنية والثقافية .
وأخيراً ، وفي غياب نمو اقتصادي طبيعي ، كرست المعاهدات المعقودة بين القبائل الوضع القبلي المتبعثر . ومنذ ذلك الحين ، ومع غياب إطار مركزي وطني موحد لهذه المنطقة ، تقمّصت بريطانيا دور السلطة المركزية العليا وتحولت التجمعات القبلية الصغيرة المتناثرة إلى قوى شبه سياسية لم تستطع المحافظة على نفسها كوحدات اجتماعية - سياسية ، شبه مستقلة ، إلّا من خلال ارتباطها بالوجود البريطاني .
ولم يبقَ على بريطانيا إلّا أن تغذي هذا الوضع الذي ثبتته وأطَّرَتْه بصبغة " المحميات البريطانية " ، التي مثلت الهوية السياسية الرسمية الوحيدة لهذه المنطقة حتى عصر قريب . فإلى جانب الثقافة القبلية المفككة ، كان البديل الوحيد ثقافة التبعية لبريطانيا في إطار المحميات .

القسم الثالث
تطور الأوضاع في عُمان و " ساحل عُمان " وصولاً إلى نظام المحميات
1 - تطور الأوضاع في عُمان
لم يكن ممكناً لاشتراك السلطان في حملة ضد رأس الخيمة أن يمرّ دون انعكاسات سياسية على الوضع الداخلي العُماني ، لا سيما وأن مسقط لم تحصل على أي من النتائج المنتظرة من هذا التحالف غير الطبيعي مع الإنكليز . فبعد تلك الحملة ، عاد السلطان إلى بلده صفر اليدين ، في حين سقطت المنطقة نهائياً تحت السيطرة المباشرة للإنكليز .
وفي بداية العشرينات من القرن التاسع عشر ، وبعد سقوط رأس الخيمة مباشرة ، عرفت منطقة جعلان الواقعة في الشرق عصياناً مسلحاً واسعاً احتجاجاً على موقف السلطان من رأس الخيمة ... وجمعت هذه الثورة قبائل متنوعة على رأسها قبيلة بني بو علي الوهابية . ولمجابهتها طَلَبَ السلطانُ دعم إنكلترا التي رفضت ذلك أوّل الأمر . إلا أن واقعة طارئة جعلت بريطانيا تغيرّ موقفها . فقد وقع أحد المراكب الإنكليزية بين أيدي بني بو علي وأُرسل مبعوث ليطلب تفسيراً لهذا العمل فمات في الطريق ، وهو ما جر بريطانيا إلى الحرب (30) .


منذ ذلك الحين أخذ قمع عصيان بني بو علي يهم الإنكليز بقدر ما يهم السلطان إن لم يكن أكثر . فجرّدت حملتان على الثوار لم يشترك السلطان إلّا في الأولى منهما حيث كاد يقضي نحبه عندما حاول نجدة أحد الضباط البريطانيين (31) .
ولـم تكــن بريـطـانـيا تستطيع أن تـقـبل هـزيـمة مــن شأنــها أن تنـعـكـس عــلى مـوقـعـهـا وعـلى مكانـتها العسكــرية بعــد انتـصـارها على القـواســـم . فجمعـت حكومة الهـنـد البـــريطانـيـة كـل قواتـهـا ، وقــررت أن تـدفـع الثـمـن مهـما بهـــظ ، وتهــيأت لـحــمـلة جـديدة سـميـت " الحمـلـة التأديـبـية " . ولـتجـنـب هــزيـمـــة أخــــرى جــــمـعــت حــكـومــة بـومــبـاي جــيــشـــاً يـضــم أكـــثـر مـن 3000
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(30) عبدالله ( محمد مرسي ) ، مرجع سابق ، ص 260 .
(31) كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 287 .
جندي بينهم 1263 أوروبياً و1686 هندياً عهد بقيادته إلى الكولونيل سميث (32) .
في بداية شباط (فبراير) 1821 ، اصطدمت القوات البريطانية بقوات جعلان وكان ميزان القوى لصالح الإنكليز . ورغم فداحة الخسائر في المعسكرين ، فلقد انتهى الاصطدام بهزيمة منكرة لجعلان وأسر 151 رجلاً في المنطقة الشرقية منهم 59 رجلاً ينتمون إلى قبيلة البوعلي . وعلى حد قول أعضاء مجلس شركة الهند الشرقية ، فإن قبائل بني بو علي حازت بدفاعها البطولي عن أراضيها وسكانها ، الاحترام العام على الأقل (33) . وقد نُفي بعض القادة الأسرى إلى الهند حتى نهاية حياتهم .
لقد كشف هذا العصيان عن أزمة سياسية داخلية سوف تصبح إحدى ثوابت المجتمع العُماني وتعبر عن نفسها بصورة شبه مستمرة . ولكن هذه الحادثة حسّنت ، في الوقت نفسه ، العلاقة بين مسقط وبريطانيا ، وهي العلاقة التي كانت قد اجتازت طوراً " بارداً " بعد سقوط رأس الخيمة . وقد سمح تنشيط العلاقة لإنكلترا أن توطد حضورها بتوقيعها مع السلطان سلسلة من المعاهدات تلحظ في عداد ما تلحظ الحدّ من تجارة الرقيق .
يذكر أن عُمان كانت قد وقعت تعهداً مع بريطانيا عام 1820 تُعتبر تجارة الرقيق بموجبه فعل قرصنة ، بالتزامن مع دخول إنكلترا إلى جانب السلطان في قمع عصيان جعلان . وبعد ذلك وقعت إنكلترا ، التي
خرجت عام 1822 منتصرة من هذه الحرب مع السلطان ، تعهداً ثانياً ينص على منع تصدير الرقيق إلى كل الممتلكات البريطانية أو الأوروبية ، بل ومنع نقله على سفن عربية نحو ممتلكات أوروبية . كما نص هذا التعهد أيضاً على تعيين موظف بريطاني مكلف بالإشراف على تطبيق هذا الاتفاق في ممتلكات السيد سعيد في شرق إفريقيا (34) .
وغــني عن القول هنا بأن تطبيق هذه التعهدات المتعلقة بتجارة الرقيق أدت إلى عرقلة النشاطـــات الاقتــصاديــة لبلــدان الخـليــج . وبـالفـعـل قـامـت الـسفـن البـريطـانيــة بـأعـمال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(32) المرجع السابق ، ص 292 .
(33) المرجع السابق ، ص 296 - 298 .
(34) العابد (فؤاد سعيد) ، مرجع سابق، ص 96 .
بوليسية ، فأوقفت المراكب العربية للتفتيش وصادرتها مع حمولتها عندما كانت تكتشف فيها عبيداً ؛ ( سوف نعالج هذا الموضوع بصورة مفصلة أكثر في الفصل التالي ) .

2 - تطور الأوضاع في " ساحل عُمان "
أما في منطقة " ساحل عُمان " فسرعان ما أدى هذا الشكل من الحصار إلى ترّدي المناخ الاقتصادي والاجتماعي . فتعمّقت الخلافات القبلية من جراء الأزمة وخاصة بين بني ياس والقواسم . واتخذت هذه الخلافات بدورها صبغة عدائية بين الغوافر والهناوية الذين طبعوا من قبل حرب عُمان الأهلية ( 1718 - 1737 ) بطابعهم .
وقد عزّز هذا السياق الركود الاقتصادي . فتأثر صيد اللؤلؤ ، الذي أصبح ، بعد انهيار النشاطات التجارية الأخرى ، مصدر الارتزاق الرئيسي إلى جانب الصيد ، تأثراً محسوساً . وقد عانى المستوى المعيشي من جراء ذلك معاناة كبيرة . ومثّل هذا الواقع أحد الأسباب الرئيسية لاتفاق الهدنة البحرية
الموقعة في 11 أيار (مايو) 1835 .
وفعلاً لجأت الأطراف المتنازعة إلى بريطانيا لحلّ خلافاتها ، وعقد شيوخ من المنطقة ، أو ممثلون عنهم ، اجتماعاً مع نائب المقيم البريطاني في بوشهر . وفي عام 1836 وقع أول اتفاق بين القبائل وسمي اتفاق الصلح البحري . وهو لم يُغَطِّ ، ( في البدء ) إلّا فترة موسم صيد اللؤلؤ ، أي مدّة ستة أشهر . وجدد في السنة التالية ثم أعلن قابلاً للتجديد سنوياً بموافقة المقيم العام حتى عام 1842 . ومن ثم اقترحت حكومة بومباي أن يصبح تعهد الصلح دائماً (35).
ولكن ، ما هو المكسب السياسي الفعلي للبريطانيين من هذا الاتفاق ؟ لقد كسبت حكومة بومباي منه حقّ الإشراف على تنفيذ هذه الهدنة ، وهو ما كان يبرر لها ممارسة دورها العسكري في المنطقة ، من جهة ، ويمنحها ، من ناحية أخرى ، شرعية تخدم استراتيجيتها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(35) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 112 .

وبصورة موازية لذلك ، وقعت بريطانيا عام 1839 مع سلطان بن صقر زعيم القواسم في الشارقة تعهداً أولياً يحرّم استيراد الرقيق . وكان زعماء قبليون آخرون قد فعلوا الشيء نفسه .
إن قراءة سياسية لهذه المسألة تكشف عن كون هذا التعهد يدخل ، هو أيضاً ، ضمن المصالح البريطانية ، بمعنى أنه يعطي ، مرة أخرى ، صفة رسمية لـ " حق " الأسطول البريطاني في المراقبة والتضييق على ما بقي من الملاحة البحرية العربية بل وفي إعاقتها .

(أ) معاهدة السلام البحري الدائم (1853)
بموجب المنطق الذي سارت عليه بريطانيا ، حتى ذلك الحين ، وانسجاماً مع استراتيجيتها ، عقد عام 1853 اتفاق السلام البحري الدائم مع القبائل ، وهو المسمى أيضاً " الهدنة الدائمة " . وقد نصّت إحدى هذه المواد على أن تشرف إنكلترا على تطبيقه بين القبائل العربية . وهكذا نرى الحضور البريطاني يقوم
من جديد كضامن للتوازن السياسي القبلي في المنطقة . وقد أصبح إصرارها على الاحتفاظ بهذا الشكل من الحضور واحداً من أهم ثوابت استراتيجيتها .
ويشير العقّاد إلى أنه يجب اعتبار اتفاق 1853 بمثابة نهاية عهد في تاريخ " ساحل عُمان " . فهذا الاتفاق لم يمنع الاشتباكات البحرية ، بل ساعد على المحافظة على الوضع القبلي القائم ، علماً بأن بعض المَشْيَخات يبلغ من الصغر حداً يصعب معه استمرارها كوحدة سياسية قائمة بذاتها . ومن جهة أخرى مكّن هذا الاتفاق بريطانيا أن تصبح حَكَماً مُستديماً يفرض الغرامات على المشيخات التي تهاجم سفنها - أو سفن أية دولة أو مشيخة أخرى - أو التي لا يروق لها منها تصرّف سياسي معين (36) .
وتجدر الملاحظة إلى أنه عندما تمّ التوقيع على مــا سمّي المعاهدة التمهيدية عام 1820 ، بعـد سقــــــوط رأس الخـــيــمة ، لــم تـــوقعها عجــمـان وأم القـيويــن عـلى اعــتــبــار أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(36) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 114 .

هاتين المنطقتين كانتا خاضعتين في ذلك الحين لسلطة القواسم . ولكن بريطانيا ، في جهدها لتفتيت قوة القواسم ، فصلت هاتين المدينتين وثبتت انفصالها بضمّهما إلى توقيع " المعاهدة العامة للقبائل العربية " .
إن معاهدة 1853 هذه ، التي حكمت على مناطق الخليج بالانقسام والتبعية ، كان لها ، على الأقل ، بفضل إزالة اسم " ساحل القراصنة " المهين الذي كانت إنكلترا انتحلته لهذه المنطقة في بداية صراعها مع القواسم ، وأعيدت تسميتها باسم " الساحل المهادن " . وهذه التسمية الجديدة عبّرت ، بشكل أفضل ، عن الوضع في المنطقة حيال بريطانيا . وقد بقي معمولاً به خلال كل الفترة الاستعمارية البريطانية ، وعلى الأخص في المفردات الإدارية لحكومة الهند ، في حين بقي اسم " ساحل عُمان " مستعملاً ، على صعيد شعبي حتى الستينيات من القرن العشرين .

(ب) التعهد المتعلق بالتخلي عن أراض (1892)

في عام 1892 ، فرضت إنكلترا على هذه المنطقة تعهداً جديداً ، عُرف باسم " التعهد المانع " وهو يرغم الشيوخ ، من بين أمور أخرى ، على أن لا يتخلّوا أو يبيعوا أو يرهنوا أراضيهم أو يتركوها تُحتلّ بأية صورة من طرف غير الحكومة البريطانية ، وأن يلتزموا بذلك هم وورثتهم وخلفاؤهم ، وعلى أن يصبح أصدقاء الإنكليز منذ ذلك الحين أصدقاء الشيوخ وأعداء الإنكليز أعداءهم . وبالمقابل ، تتعهد بريطانيا بحماية المنطقة من كل تدخّل أجنبي . وهذا التعهد في غنى عن أي تعليق (37) .
وكان تعهّد مماثل قد وُقّع مع عُمان عام 1891 ، في عهد السلطان فيصل بن تركي ( 1888 - 1891 ) . ولكن السلطان لم يقرر التوقيع إلّا بعد أن هددت بريطانيا بإعلان الحماية الرسمية البريطانية على عُمان مثلما حدث لزنجبار بعد فصلها عن عُمان عام 1861 ؛ ( وسوف نعود إلى ذلك لاحقاً ) .
وهكذا تحول الساحل الــعربي إلى محميات بريطانية . فــقد تمــكنت بريطانيا ، طـــوال 150 سنة من الاحتلال ، مـن عـــزل هذه المنطـــقة كلـــياً وحـــرمانهـــا مـــن كــل اتصــال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(37) أنظر نص التعهد في : . Aitchisom (C.U), op.cit.,p.256
تجاري وثقافي مع العالم الخارجي . وكان على الساحل أن يعيش حالة فقر اقتصادي وانغلاق اجتماعي وضمور ثقافي . ويكفي دلالة على ما نقول أنه لم يكن هناك أي مستشفى حتى منتصف القرن العشرين . وهذا ليس سوى مثال ، من أمثلة عديدة ، على حالة التخلف التي لم تتغير إلّا مع بداية تصدير النفط وتكوين اتحاد الإمارات العربية المتحدة عام 1971 م .


















ـــــــــــــــــــــــــــــــــ خاتمة الباب الأول ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

يستخلص من دراستنا لهذا الجزء عدد من التجارب والدروس السياسية الخاصّة بعُمان . فنظام الإمامة القائم على الدستور وقوانين إباضية أصيلة ، والذي هو ثمرة بناء دؤوب ، لم
يكن في منأى من الأخطار ومن الاختلال الداخلي ، على غرار ما كان مع سقوط إمامة الصلت بن مالك في القرن الهجري الثالث ، ( التاسع الميلادي ) ، أولاً ثم مع انحراف الدولة اليعربية ( 1624 - 1741 ) ، وسقوط نظام الإمامة وتصدّع الوحدة الوطنية وظهور العصبية القبلية بالإضافة إلى سلسلة من الحروب الطويلة والمنهكة .
وعلى الرغم ممّا يعتري نظام الإمامة من قصور في بعض النواحي ، ومن ضروب الشقاق التي يمكن أن تنجم عنه ، فلقد بقي بالنسبة للعُمانيين مرجعاً أساسياً للتوازن وللوحدة ، قائماً على مبدأ الشورى والإجماع . وبعبارة أخرى ، قائماً على قيمٍ ديمقراطيةٍ أصيلة .
بالمقابل فإن سقوط نظام الإمامة والانقسامات التي ظهرت بالتزامن مع ذلك ، أدت دائماً إلى تقسيمات جغرافية مختلفة . وهكذا تحولت عُمان ، بعد سقوط إمامة الصلت ، إلى ممالك ومقاطعات شبه " مستقلّة " . كما حدث أيضاً ، بعد سقوط الدولة اليعربية ، أن تشكلت كيانات جغرافية - سياسية جديدة .
كانت كل فترة ضعف تمر بها الإمامة تعرّض البلاد لاعتداءات خارجية . ولهذا لم

يجد البرتغاليون في مواجهتهم ، بعد سقوط إمامة الصلت ، أية مقاومة منظمة وتوصلوا ، على هذا النحو ، إلى احتلال السواحل العُمانية لمدة قرن ونصف القرن .
فليس من قبيل الصدفة إذاً أن يكون التاريخ العُماني قد كفّ ، بعد زوال الدولة اليعربية وانحدار البلاد ، عن أن يكون تاريخ الحركة الإباضية وحدها . فلقد أعقب التخلّي عن الإمامة تصدّع في الهوية الوطنية والثقافية طيلة العصر الحديث .
هل كانت نهاية نموذج عُمان الإباضي محتومة ؟ الجواب هو النفي بالتأكيد إذا نظرنا إلى التجربة الماضية ، لأن الإباضية كانت حتى ذلك الحين بمثابة بوصلة البلاد . ولكن
المعطيات الجغرافية - السياسية كانت تبدّلت تبدّلاً جذرياً . وكانت بريطانيا قد أخذت تلعب دوراً أساسياً في كل هذه المنطقة وكان لها مصلحة في أن تغذّي فيها الضعف والانقسامات .
ونتيجة لمجموعة من العوامل ، كانسحاب فرنسا وسقوط الهند الحليفة التقليدية لعُمان بين أيدي الإنكليز ، وكذلك سيطرة الإنكليز على موانئ وخطوط الشرق والمحيط الهندي ، تمّ تهميش الأسطول العُماني تدريجياً ، وإضعاف موقع البلاد كقوة إقليمية .
وأخيراً ، أنزل انهيار أسطول القواسم وتدمير رأس الخيمة على يد الإنكليز ضربة قاضية على النموّ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، لا على منطقة عُمان و " ساحل عُمان " وحدهما بل أيضاً في كل الخليج .
إن القوة البريطانية التي استهانت أكبر الاستهانة بالتجربة وبالثقافة السياسية المتراكمة في هذه البلدان وخاصة في عُمان ، مستودع التراث الإباضي العريق ، هذه القوة لم تفرض على المنطقة بكاملها ، بنىً ومصالح غربية عن بناها ومصالحها فحسب ، بل فرضت عليها ، أيضاً ، تاريخاً استعمارياً قاسياً .


" إن مصائر بلدان الخليج أصبحت تقرر من
على بعد آلاف الأميال عن أصحابها الأصليين "
اللورد سالسبوي ، رئيس وزراء بريطانيا
( 1830 - 1903 )







التحدي الاستعماري والإجابة الإماميّة :
مــن تفــكـيك الإمبراطورية الـعُمانــية
إلى العصر الحديث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباب الثاني

ــــــــــــــــــــــ مدخل إلى الباب الثاني ــــــــــــــــــــــ
كانت استراتيجية بريطانيا ، بعد تحقيقها لأهدافها الرئيسية في فترة أولى ، ( من نهاية القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر ) ، ترمي ، في طورها الاستعماري الثاني إلى تقسيم الدولة العُمانية - الإفريقية ، أي فصل زنجبار عن عُمان (1861) .
وكان خضوع عُمان أحد الشروط اللازمة لإكمال توطيد المواقع البريطانية في منطقة الخليج ، بهدف تأمين السيطرة على طريق الهند . ومع تزايد النفوذ البريطاني في عُمان ، بلغ التدهور الاقتصادي درجة لم يعد معها من مخرج سوى البديل الإمامي . وعلى هذا النحو ، كان على الحركة الإباضية التي كانت تتابع تطورات البلاد عن كثب أن تقرر ، عن وعي بالوضع ، القيام بالثورة .
وإنه لممّا يدلّ دلالة خاصة على قوة الحركة الإمامية وشعبيتها ، إبان ثورة 1869 - 1871 ، أن العاصمة سقطت بعد أقلّ من شهر فقط واضعة حداً مؤقتاً لنظام السلطنة . وكان عزان بن قيس ، أحد قادة الثورة ، قد انتُخب إذ ذاك إماماً ، ونجحت الحركة الإباضية في إعادة نظام الإمامة بعد انقطاع دام نصف قرن تقريباً . ولكن بريطانيا تمكنت ، في نهاية المطاف ، من خنق إمامة عزان اقتصادياً وإسقاطها .
كذلك الأمر ، فالسلطان تركي ( 1871 - 1888 ) الذي يرجع إليه فضل إعادة نظام السلطنة ، لن يتوصّل إلى حل مشاكل عُمان وسوف يتّسم عهده وعهد خليفته ،

ابنه فيصل ( 1888 - 1913 ) ، بالاضطرابات القبلية والتدهور الاقتصادي وتزايد النفوذ البريطاني .
وفي عام 1913 ، أعلنت الحركة الإباضية ثورتها من جديد . وعلى غرار ثورة ( 1869 - 1871 ) تميّزت هذه الثورة بحماسة وحِدّة بالغتين . ويمكن القول إنّه لولا الدور البريطاني لكان من شأن نظام السلطنة أن يسقط . ولكن هذه الثورة أيضاً
لم يكتب لها النجاح وأُرغم الإماميون على توقيع معاهدة السيب (1920) الشهيرة التي قُسِّمت عُمان بموجبها إلى قسمين متمايزين : " إمامة عُمان " و " سلطنة مسقط " .
وقد بقي هذا التقسيم حتى وقت قريب . وحتى هذا التاريخ ، عاشت البلاد حالة ركود وشلل كليين . ومع دخول المنطقة في العصر النفطي ، لم يكن للنزاع بين بريطانيا ورموز الإمامة إلّا أن يتجدّد .
وعلى الرغم من أن ثورة 1955 - 1964 قد جعلت عُمان تجتاز مرحلة جديدة من تطورها السياسي ، وعلى الرغم من أنّ القضية العُمانية استطاعت أن تجد لها مكاناً على المسرح الدولي ، في أطار حركة التحرير العالمية ، فإن الثورة نفسها لم تُؤدِّ إلى أية نتيجة هامة بصورة مباشرة . إلّا أنها أسهمت ، على كل حال ، في تأكيد الوعي السياسي الوطني العُماني وإنعاشه ورسمت منعطفاً تاريخياً . ولكن عُمان وقضيتها بقيتا ، مع ذلك ، مجهولتين إلى حدّ بعيد .



الفصل السادس

الدولة العُمانية - الإفريقية ( 1650 - 1860 )

سلطنة عُمان وزنجبار
أولت الدولة العُمانية - اليعربية التي ارتبطت ، منذ أصولها ، بالجماعات العربية - العُمانية - الإسلامية القاطنة شرق إفريقيا ، ( ساحل زنجبار ) ، عناية خاصة بهذه الصلة ، خاصة بعد تحريرها من النير البرتغالي بدايةَ القرن السابع عشر . وكان يُنظر إلى الساحل الإفريقي الذي رقي إلى مرتبة القطب الثاني في الأهمية الاقتصادية للقوة العُمانية ، شيئاً فشيئاً ، كامتداد لعُمان حتى أصبح ، في القرن التاسع عشر ، المركز الحقيقي للدولة العُمانية المهدّدة بالاختناق على يد التوسّع البريطاني ، حتى أن السلطان نقل عاصمته إلى زنجبار . وبالإضافة إلى الروابط التاريخية البعيدة ، تميزت هذه العلاقة بوضع استثنائي في العصر الحديث .
يناقش هذا الفصل تطور هذه الصلات من بدايتها حتى وقوع الانفصال في النصف الثاني من القرن الثامن عشر .

القسم الأول
الصلات العُمانية - الإفريقية حتى نهاية القرن الثامن عشر
تشمل منطقة إفريقيا الشرقية مجموعة جزر ومدن ساحلية أهمها زنجبار وبمبا (Pemba) وكيلوه (Kilwa) وممباســــا (Mombasa) . وهـــذا الــمـجــــمــوع الساحــــــــلـي الــذي


يبلغ طوله 1500 كم تقريباً هو الذي عرف باسم منطقة زنجبار .
يعود الوجود العربي ، وخاصة العُماني ، في هذه المنطقة إلى القرن الثاني الهجري ، التاسع الميلادي ، رغم أنه من المحقّق أن صلاتٍ قامت قبل هذا التاريخ بكثير . على هذا فإن بداية التواجد العُماني
والرسمي والفاعل ، لا يرقى إلّا إلى النصف الثاني من القرن السابع عشر .
ما من شك في أن وراء هذه الاتصالات المبكرة أسباب ذات طابع تجاري . إلّا أنّ إلى جانبها دوافع ذات طبيعة سياسية - دينية . فبعد سقوط دولة الخلافة الإسلامية ، في النصف الثاني من القرن الأول وبسبب صراعات دينية داخلية ، أُرغمت بعض القبائل والجماعات العربية على ترك منطقة البصرة ، التي كانت إذ ذاك مركزاً إسلامياً وثقافياً كبيراً ، والالتجاء إلى عُمان والبحرين ومنطقة شبه الجزيرة العربية . وفيما بعد ، هاجر عدد من هذه الجماعات إلى منطقة شرق إفريقيا . ولكن الهجرة العُمانية إلى هذه المنطقة تسارعت ، بصورة أوضح ، بعد سقوط إمامة عُمان الأولى ، إمامة الجلندى بن مسعود ( 135 هـ / 751 م ) تحت ضربات العبّاسيين وبعد القمع الدموي الذي عقب ذلك وطال العلماء .
توصّل العُمانيون إلى إقامة إمارات عربية عدّة في هذه المنطقة . فقد أنشأت قبيلة الحرث مدينتي مقديشو (Magadesho) وبرافا (Brava) حوالي عام 924 م (1) . وتمتّع مجموع هذه الإمارات ، بعيداً عن خصومات الدولة العربية الإسلامية وصراعاتها الداخلية ، وبفضل غنى هذه المنطقة ، باستقرار سياسي واقتصاد مزدهر دام أكثر من سبعة قرون ، ولم يضطرب إلّا مع وصول البرتغاليين مطلعَ القرن السادس عشر .
فواقع الحال أن هذه المنطقة لم تدخل فترة عنف وتوتر ولم يُلجم فيها الازدهار المحلي إلّا مع وصـــول دو البوكـــرك عام 1501 ، الذي كان في طريقه إلى غزو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنظر ، القاسمي ( سلطان بن محمد ) ، تقسيم الإمبراطورية العُمانية : 1856 - 1862 ، دبي ، البيان ، 1989 ، ص 14 . ( الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي هو الحاكم الحالي لإمارة الشارقة ) .


الشرق . وعبثاً حاول السكّان حمل الأسلحة ضدّ الغازي ولكن القوة العسكرية البرتغالية والإرهاب
الذي بسطته على كل هذه المنطقة تفوّقا عليهم تفوقاً واضحاً . فانتقل مسرح الحرب الصليبية ، في القرن السادس عشر ، حسب شهادات الرحالة الغربيين ، من المتوسط إلى المحيط الهندي (2) .
وهكذا وجدت منطقة إفريقيا الشرقية نفسها خاضعة كلّياً للسيطرة البرتغالية ، واعترف سكّان زنجبار عام 1503 ، كما يقول القاسمي ، بسلطة البرتغال على جزيرة زنجبار ، ووافقوا على دفع جزية سنوية . وبعد ذلك بمدّة قصيرة ، تمّ للغزاة البرتغاليين احتلال المدن الساحلية وتدمير تجارتها حيث دخلت المنطقة بعد ذلك حالة من التخلف لم تتخلّص منها أبداً (3) .
وقد أعادت السيدة لوكور غران ميزون رسم مراحل الوجود العُماني كما يلي :
" عرف التوسع العُماني على الساحل السواحلي ثلاث مراحل نمو : مرحلة أولى كان فيها التوسع مدفوعاً بقوة عُمان السياسية المستعادة ، ومرحلة ثانية انعكست فيها اضطرابات عُمان ، حيث تصدّعت الوحدة الداخلية ، على الممتلكات الإفريقية ، وأخيراً مرحلة ثالثة وطّدت خلالها الجماعة المنتصرة في عُمان سلطتها في إفريقيا الشرقية . وكانت تلك بداية أكثر الفترات ازدهاراً للوجود العُماني على الساحل الشرقي الذي عرف ذروته منتصف القرن التاسع عشر ونهايته " (4) .
وهكذا ، في القرن السابع عشر ، قام الإمام سلطان بن سيف الأول ( 1644 - 1688 ) ، بطلب من التجمّعات العُمانية الإفريقية ، بتحرير مناطقها من المحتلّ البرتغالي . وبفضل هذا التدخّل ، تَدَعَّمَ الوجود العُماني في هذه المنطقة التي لعبت فيها عُمان . بعد ذلك حين ، دوراً سياسياً راجحاً . والأكثر من ذلك هو أن واجهة إفريقيا الشرقية غدت ، منذ ذلك الوقت ، تابعة رسمياً لعُمان .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) السيار ( عائشة ) ، مرجع سابق ، ص 82 .
(3) القاسمي ( سلطان بن محمد ) ، تقسيم الإمبراطورية العُمانية ، مرجع سابق ، ص 15 .
(4) . Le Cour Grandmaison (C.) " Presentation du Sultanat d'Oman " ,op.cit.,p.278


وقد عَيّنَ الإمامُ سلطان بن سيف الأول ، محرِّرُ هذه الأراضي ، ولاةً من الشخصيات العُمانية عهد إليهم إدارة جزر زنجبار وبامبا وممباسا . وهكذا استقبلت هذه الأخيرة ، وهي ذات أهمية استراتيجية واقتصادية مساوية لأهمية زنجبار ، أسرة المزروعي العُمانية على رأسها . وهكذا رأت " الدولة العُمانية الإفريقية " .
اهتمّت الدولة اليعربية بتوطيد الصلات التجارية والثقافية القائمة مع القطب الإفريقي ، وثبتت فيه ، خاصّة ، القوانين والشرائع الإسلامية الإباضية . ولكن المنطقة احتفظت بطابع أصيل . فكان من امتزاج الدم العربي بالدم الإفريقي أن نشأت ثقافة عُمانية - إفريقية ، وأن نشأ نموذج اجتماعيٌّ عرقي خاصّ عرف ، فيما بعد ، باسم " السواحلي " . وقد اقتصر استعمال اللغة العربية ، في هذه المنطقة ، على العلماء والنخبة ، في حين ظلّت اللغة السواحلية هذه السائدة .
وفي أثناء الحرب الأهلية العُمانية ( 1718 - 1837 ) انقطعت العلاقات الرسمية بين عُمان ومنطقة شرق إفريقيا أي ، في الواقع ، بين الولاة وحكومتهم المركزية . إلّا أن هذا الوضع ، على الرغم من تمتع الولاة بشيء من الاستقلال التقليدي ، لم يؤدِّ إلى حالة انفصال ولو أن الحرب الأهلية لم تخلُ من انعكاسات على القسم الإفريقي . إلّا أنه مع تدهور الوضع في عُمان مع نهاية الحرب الأهلية وانهيار الدولة اليعربية ( 1624 - 1741 ) ، كان على سيف بن سلطان اليعربي الثاني أن يعيّن الشيخ محمد بن عثمان المزروعي والياً لمدينة ممباسا ، وأن يعهد إليه بسلطة كاملة على هذه الجزيرة مقابل ضد ضريبة سنوية . ولكن هذا التدبير غير المألوف وضع الجزيرة أمام وضع ملتبس .
ولدى وصول الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (1741 - 1783) إلى الحكم ، اعطى جميعُ ولاة منطقة إفريقيا الشرقية بيعتهم وأعلنوا ولاءهم للإمام الجديد ، ما عدا والي ممباسا الذي رفض سلطة أحمد وتوقّف عن دفع الضريبة السنوية لعُمان . وحيال هذا الوضع الانفصالي ، لم يتردّد الإمام أحمد في اتخاذ تدابير حاسمة ، فحاولت قواته مرّات عدّة ، عبثاً ، استعادة جزيرة ممباسا التي بقي وضعها ، في نهاية المطاف غامضاً حتى مجيء السلطان سعيد بن سلطان (1806 - 1856) .



1 - فترة سعيد بن سلطان
في النصف الأول من القرن التاسع عشر أبدى السلطان اهتماماً خاصاً بجزيرة زنجبار ، وكان من منجزاته أن شجّع إدخال زراعة القرنفل المستورد من جزيرة موريشيس 1818 ، وهي زراعة سرعان ما أصبحت الثروة الرئيسية لهذه المنطقة ، جاعلة من زنجبار أول مصدر عالمي للقرنفل (5) .
ترافق هذا النجاح من هجرة كبيرة للتجّار العُمانيين الذين أقاموا بصورة شبه دائمة في شرق إفريقيا . وتنامت زراعة القرنفل في هذه الأثناء ، فبلغ عدد أشجاره مليوناً في جزيرة زنجبار (6) . وفي حين اكتسب الموقع الاستراتيجي والاقتصادي لهذه المنطقة أهمية متزايدة ، فإن الوجود العُماني توطّد فيها توطّداً كبيراً هو الآخر (7) .
ومنذ 1830 ، كان السلطان يقيم في زنجبار أكثر منه في مسقط ، ثم جعل منها عاصمته الإفريقية بين عام 1837 ، 1840 . وخلال سبع سنوات ، أصبحت هذه المدينة مقرَّ تجارة مزدهرة . وقد بلغت حركة مرفأ زنجبار عام 1843 ، من حيث الواردات والصادرات مجتمعة ، مليون ومائتي ألف قرش إسباني ، أي أكثر من ستة ملايين فرنك (8) .
بـل إن زنـجـبـار انـتـهـت إلـى أن تـصـبـح ، إذا ذاك ، الشـاغـل الأول للـدولة الـعُمـانـية على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(5) Phillips (Wendell),Oman - A History, Beyrouth,Librairie du Liban,1971, p.101.
(6) المغيري ( سعيد بن علي ) ، جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار ، سلطنة عُمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، الطبعة الثانية ، 1986 ، ص 80 .
(7) وتصف جريدة (Le Debat) الفرنسية غنى زنجبار وقتذاك كما يلي :
" إن السلطان نفسه يعمل على أن يضيف إليها ( إلى زراعة القرنفل ) السكر والقطن والبهارات والبنّ . وهذا التنوع في المنتجات مميز . إن بعضها من أصل إفريقي خالص ، ولبعضها الآخر مثيله في الجزيرة العربية والهند . وتبدو " زراعات " أخرى ، مجلوبة من المستعمرات الأوروبية في أمريكا الجنوبية وحتى من جزر المحيط الهادي . تلك صورة أمينة لبلد يجمع وحده صفات عدة بلدان أخرى ، فيه شيء من إفريقيا من حيث موقعه ومناخه وفي الوقت نفسه شيء من الشرق المسلم من حيث جواره والمسيطرون عليه ، ومن الهند من حيث بعض نباتاته ومن أمريكيا اللاتينية من حيث زراعاته الوليدة " راجع : Journal des Debats, in : Aff.Etr.M.A.Afrique,vol.149 .
(8) . Journal des Debats, in : Aff.Etr.M.A.Afrique,vol.149
حساب عاصمتها الآسيوية ، مسقط . وكان هذا الاهتمام بالساحة الإفريقية يزيد على حساب عُمان التي أُخِذَ في إهمالها تدريجياً ، وبدأت تفقد أهميتها السياسية والتجارية على حدّ سواء . إلّا أن مسقط بقيت ، من منظور جغرافي - سياسي ، مركز الاهتمامات الاستراتيجية البريطانية .
وفضلاً عن ذلك ، فإن قدوم السلطان إلى المنطقة وإقامته في جزيرة زنجبار لم يتمّا بسلام . فقد كان عليه أن يواجه معارضة قوية من قادة منطقة ممباسا ، أسرة المزروعي ، الذين رفضوا حكم البوسعيدي ورفضوا دفع الضرائب السنوية . فكان على السلطان أن يُجرّد الحملات عليهم .
لم يكن خضوع ممباسا سوى أمر مؤقّت . فقد عارضت المدينة التي عادت إلى أسرة المزروعي مشاريع الإمام عام 1834 . ولم يستطع سعيد الاستيلاء عليها نهائياً وأسر حكّامها وقتلهم إلّا في حملته الرابعة التي امتدت من تشرين الثاني (نوفمبر) 1836 حتى أيلول (سبتمبر) 1839 (9) .
وهكذا تمّت استعادة السيطرة على منطقة أصبحت ، اقتصادياً ، حيوية بالنسبة للدولة العُمانية . ومنذ ذلك الحين ، أُضيفت مهمة إعادة تحديد التوازنات الدبلوماسية الإقليمية إلى جدول الأعمال . وقد كثف السلطان ، من موقعه الجديد في زنجبار ، علاقاته مع بريطانيا وفرنسا وكذلك مع الولايات المتحدة . بل إن بعض السفن العُمانية بدأت في رفع العلم الفرنسي(10) ، ولا سيّما منها سفن المناطق الشرقية من عُمان وصور وجعلان ولكن رفع العلم الفرنسي لم يلبث أن استحال أزمة فرنسية - إنكليزية عُرضت على محكمة لاهاي عام 1904 .
2 - العلاقات العُمانية - الفرنسية - البريطانية
شهدت بداية القرن التاسع عشر توطّد السيطـــرة البريطانــــية على منطـــقة الخلــيج ، وهــو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9) Miege (J.L), " Oman et I'Afrique Centrale au XIXe siecle ", in: La peninsula arabique d'aujourd'hui, sous la direction de Paul Bonnenfant, Paris, ed. CNRS, 1982, tome II, p.294 .
(10) . Ibid,p.301
أنظر أيضاً : لاندن (ر.ج) ، عُمان منذ 1856 ، ترجمة محمد أمين عبدالله ، بيروت ، 1970 ، ص 219 .
الأمر الذي سبقت الإشارة إليه . ولم يكن هذا التطوّر غير ذي تأثير على الشق الإفريقي من الدولة العُمانية . لذلك باشر السلطان ، الحريص على الاحتفاظ بهامش مناورة على الرغم من الوجود الإنكليزي المربك ، تقارباً مع فرنسا التي عادت إلى المحيط الهندي بعد أن استردّت جزيرة بوربون ، التي عُرفت باسم الريونيون ، بموجب معاهدة باريس ، ( آذار 1814 ) (11) . وقد حدا هذا التطور بالسلطان إلى تنشيط التحالف التقليدي مع الممتلكات الفرنسية في المنطقة بقدر المستطاع .
وفي الأول من نيسان (أبريل) 1822 وفي أيار (مايو) 1829 وقعت سلطات جزيرة بوربون قرارين يُعيّنان بنود تفاهم تجاري مع الإمامة (السلطنة) . ولكن فرنسا لم تحصل على حقّ تعيين قنصل في مسقط إلّا عام 1837 ، وحصلت على حقّ تعيين قنصل في زنجبار بموجب معاهدة التجارة والصداقة عام 1844 (12) .
بطبيعة الحال لم تنظر إنكلترا بعين الرضا إلى التقارب الفرنسي - العُماني الذي قد يضع اتفاقية 1798 موضع مساءلة ، ولأن هذا التعهّد ، كما يقول كيلي ، كفيل بجرّ إنكلترا على المدى الطويل إلى حرب مع فرنسا (13) .
وعلى حد قول كاجار ، فإن السيّد سعيد ، الذي كان ما يزال يخشى الطموح البريطاني ويفهم أن موقع مسقط لا يوفّر له ضمانات الاستقلال المرغوب به ، قرر الاعتماد أكثر فأكثر على ساحل إفريقيا (14) .
وتنامى هذا الوضع عندما نقل السيِّد سعيد ، في هذه السنة نفسها (1840) ، بناء على نصيحة الممثّلين الفرنسيين ، عاصمته إلى زنجبار بحيث يصبح أكثر استقلالاً عن القوة الإنكليزية وأقرب من ممتلكات صديقته فرنسا (15) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) . Kajare (F.),op.cit.p.95
(12) .Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.37,pp.162 – 167
(13) راجع : كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 118 .
(14) . Kajare (F.),op.cit.p.93
(15) . Ibid,p.97
وفي سعيه وراء توازنات جديدة تلطِّف السيطرة الإنكليزية ، التفت السلطان ، كذلك ، نحو الدبلوماسية الأمريكية . فوقع عام 1833 أول اتفاقية مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية . وكانت تلك ، بالنسبة لهذه الأخيرة ، ثاني اتفاقية مع بلد عربي ، ( وقعت الاتفاقية الأولى مع المملكة المغربية ) . وصرح المبعوث الأمريكي روبرتس (Roberts) بهذه المناسبة ، بأنه سعيد لرؤية الولايات المتحدة مرتبطة بصداقة مع أسطولٍ أكبر من أسطول الولايات المتحدة . وبالفعل ، لم يكن هذا الأسطول يضمّ أقل من خمس وسبعين سفينة (16) .
في عام 1839 ، أبدت فرنسا رغبتها في تنمية علاقاتها بعُمان وفي إرسال مبعوث رسمي إليها لكي يعقد معاهدة مماثلة لتلك التي وقّعها السلطان مع الولايات المتحدة عام 1833 .
ولكن ، وعلى الرغم من العلاقات المتوتّرة بين عُمان وإنكلترا ، وجد السلطان من الأنسب استشارتهم . فوجّه كتابين إلى حكومة الهند البريطانية يسألها رأيها من النوايا الفرنسية وما ينبغي اعتماده من سياسة
حيال فرنسا . وقد أوصى الردّ ، بطبيعة الحال ، بعدم توقيع أي اتفاق مع هذه الأخيرة . ولم تنسَ حكومة الهند ، تذكير السلطان ببنود اتفاقية 1798 (17) .
وتشير نسـخة من التـعليـمات التـي سلّمها السـيد دو هيـيل (De Hiel) ، حــاكــم بـوربـون ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(16) ستيفنسون (رتشارد) ، " لمحة حول بدايات العلاقة التجارية القنصلية الأمريكية مع سلطنة عُمان (1833 - 1856) " ، (مجلة) : دراسات الخليج وشبه الجزيرة العربية ، جامعة الكويت ، العدد 11 ، السنة الثانية ، تموز (يوليو) 1977 ، ص 125 - 126 . في محاولة لتنمية العلاقات العُمانية - الأمريكية ، أرسل السلطانُ أحمد بن علي بن نعُمان مبعوثاً إلى الولايات المتحدة عام 1840 على متن سفينته سلطانة " وكانت تلك أول رحلة رسمية لمبعوث عربي وأول سفينة عربية ترسو في ميناء نيويورك . وأثار وصولها ضجة في الصحافة الأمريكية إلى درجة تراجعت معها أخبار الانتخابات الأمريكية إلى المرتبة الثانية " ( صادف وصول هذه السفينة مع انتهاء ولاية الرئيس مارتن فان بورن ) ، راجع : إيبتس ، سلطانة في نيويورك ، سلطنة عُمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، أرشيفات العرب ، القاهرة ، 1980 .
(17) راجـع : القاســمي (سلطــان بن مــحــمد) ، تقسيم الإمبراطورية العُمانية 1856 - 1862 ، مرجع سابق ، ص 49 - 50 .

إلى الكابتن باج (Page) ، قائد لافافوريت (La Favorite) بتاريخ 31 آب (أغسطس) 1851 ، إلى أن فرنسا أرسلت مبعوثها ، الكابتن غيان (Guillain) ، لزيارة السلطان للبحث في موضوع إقامة السيِّد نويل (Noel) بصفة وكيل قنصلي لفرنسا في زنجبار وإقامة السيِّد خلفان ، بالصفة نفسها ، في مسقط . ويضيف السيد دو هييل :
" منذ مرور السيد غيان بمسقط ، أوشك ظرف جديد أن يفقدنا المزيد من استعدادات الإمام الطيبة . فلقد وجّه إليّ اعتراضاً على احتلال فرنسا لجزيرة نسيبه (Nossi-Be) ولما كان لا أساس لهذا الاعتراض فلقد بادرت إلى رفضه " (18) .
وشرح السيِّد دو هيل أنه إذا أتى السلطان ، في محادثات مقبلة ، على ذكر موضوع جزيرة نسيبه أو
قضية مايوت (Mayotte) ، فيجب أن تكون سياسة فرنسا واضحة وحازمة . إذ قال :
" لا أعترف لأية قوة بحقوق في مدغشقر (Madagascar) وتوابعها ، من طبيعتها أن تتقدم على مصالح فرنسا وحقوقها . أما فيما يتعلّق بالجزر ، فإني أعتبرها بلداناً مستقلّة ، وأعتبر أن لكل منها أن تسعى إلى ما يتيح لها تأمين رفاه سكّانها على أفضل وجه ممكن " (19) .
وبالفعل ، وخلاف كلّ توقّع ، لم يذكر موضوع الجزر قطّ ، وما إن اطمأن السلطان إلى موقف فرنسا من استقلال مسقط وزنجبار وسيادتها حتى تغير موقفه جذرياً . وفي عام 1844 ، وُقّعت معاهدة فرنسية - عُمانية تمت المصادقة عليها في 4 شباط (فبراير) 1846 . وكانت المادّة الخامسة من هذا الاتفاق تعترف اعترافاً قاطعاً بالحق المتبادل للطرفين المتعاقدين بتعيين قناصل ووكلاء قنصليين في بلديهما . ووفقاً لهذه المعاهدة أقامت فرنسا وكلاء في مسقط كما في زنجبار (20) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(18) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.149,p.6
(19) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.149,p.6,7
(20) أنظر نص المعاهدة في :
. Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.37,p.167. Al-Wasmi (K.),op.cit.,p.230

مثّلت هذه المعاهدة ، بالتأكيد مكسباً كبيراً للبلدين حتى ولو جرى توقيعها متأخّراً جداً . وساهمت ، على كل حال ، في تسعير المنافسة بين فرنسا وبريطانيا في هذه المنطقة . وقد نوقش بعض هذه الموادّ لاحقاً في عهد السلطان فيصل بن تركي ( 1888 - 1913) .
وفي باريس لخَّصت جريدة لو ديبا مضمون النص كما يلي :
" جرى تصوّر المعاهدة مع السلطان بروح ليبرالية تشرّف ذكاء هذا الأمير ونيّته الحسنة . وسوف يستطيع الفرنسيون في المستقبل أن يدخلوا بحرية كاملة إلى بلاده ، وأن يقيموا فيها ويتجوّلوا ، وسوف يتمتّعون بكلّ الحصانات المعطاة أو التي قد تعطى لرعايا الأمم الأكثر أفضلية " .
وتضيف الجريدة المذكورة :
" وقد أعطى السلطان ، فوق ذلك ، أوامر من أجل أن تقبل في المستقبل قطــعة الخمسة فرنــكات ، التي كانت قيمتها ، حتى ذلك اليوم ، تعني هبوطاً كبيراً في ممـــتلكــاته ، في كل الأســواق ، بقيمتها الــحقيقية " (21) .
وقد زادت هذه التطوّرات الهامّة ، ذات الدلالة في تاريخ عُمان السياسي ، من الخلافات العُمانية - البريطانية ، وكذلك من الخلافات الفرنسية - البريطانية . وفي عام 1854 ، أرسلت فرنسا الكابتن فريستال (Firstal) إلى السلطان سعيد ليحصل على موافقة لشراء جزر كوريا موريا (Kuria - Muria) ، إلّا أن السلطان ، تحت ضغط إنكلترا اضطر أن يرفض الطلب ويقدّم هذه الجزر هديّة للملكة فيكتوريا عام 1854 (22) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) . Le Journal des Debats, in : Aff.Etr.M.D.Afrique,vol.149
(22) مايلز (س.ب) ، الخليج بلدانه وقبائله ، مرجع سابق ، ص 246 . جزر كوريا موريا ، الواقعة في بحر العرب ، على بضعة كيلومترات من الحدود العُمانية - اليمنية ، لها " تاريخ " ملفت للانتباه . فخلال حكم سعيد بن سلطان (1804 - 1856 ) ، وفي أوج الصراع البريطاني - الفرنسي ، عبّرت فرنسا عن رغبتها في استئجارها إلّا أنه ، وبترتيبات من عمل البريطانيين ، قدّمت هذه الجزر هدية للملكة فكتوريا . ولاحقاً ، في
وفي الوقت نفسه ، وحيال الازدهار الاقتصادي الذي عاشته إفريقيا الشرقية منذ 1840 وحتى عام 1870 ، ( أي إلى ما بعد رحيل السيِّد سعيد ) ، تراجع دور عُمان كقوة بحرية تراجعاً ملموساً إلى
درجة أن " المتروبول " العُماني لم يعد ، بعد ذلك الحين ، قادراً على الدفاع عن سيادته الوطنية .
ويُسجّل كيلي أن عدد القطع البحرية العُمانية هبط عام 1856 إلى خمس قطع ، بل وإنها لم تكن كلّها صالحة للإبحار . ويُسجّل أيضاً أنه لم يعد لدى السلطان ضبّاط بحرية أو بحّارة (23) . وهكذا لم يعد للسلطنة ، بعد تجريدها من مسقط على أيدي البريطانيين ، حضور فعلي إلّا في شقّها الإفريقي . والحق أن قادتها قد أخذوا هذا الاعتبار في الحسبان ويشهد على ذلك نقل العاصمة إلى زنجبار . ولكن إلى كم من الوقت كان في استطاعة ملاذ الازدهار في إفريقيا الشرقية أن يصمد وأن يبقى في مأمن من الطموحات الاستعمارية الإنكليزية ؟

3 - مشكلة تجارة الرقيق
على الرغم من مناداة الإسلام بتحرير العبيد وتشجيعه على ذلك ، فإن تجارة الرقيق ظلّت قائمة في هذه المناطق الإسلامية ، بل وكانت تشكل مصدر دخل هاماً للساحل السواحلي . وإذ تمثل هذه التجارة صفحة قاتمة في تاريخ هذه المنطقة فإن المطالبة البريطانية بوضع حدّ لها كانت محمولة على أهداف سياسية واستراتيجية بالدرجة الأولى . ومن أجل ذلك ، يجب النظر إلى سياسة بريطانيا الهادفة إلى إلغاء الرقّ ، بكثير من التمعّن .
من جانب آخر ، فقد ساهمت " الجمــعـية الفــرنسـية لأصــدقـــاء الســـود " ، مــنــذ القـــرن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عهد سعيد بن تيمور ، ( 1932 - 1970 ) ، عندما رأت بريطانيا بأن لا أهمية استراتيجية لهذه الجزر ، أعادتها إليه دون أن يطلب ذلك . ولكن بالمقابل استأجرت منه بريطانيا جزيرة جوادر . وتفيد التقارير البريطانية الصادرة عن الــ Public Record Office أن إعادة جزر كوريا موريا كان كفيلاً بتغطية قرار السلطان المتعلّق بجوادر وبإظهاره على حدّ قولها ، كشخصية وطنية .
(23) كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الثاني، ص 334 .

الثامن عشر ، في لفت اهتمام الرأي العامّ تدريجياً إلى هذه القضيّة وفي تجييشه ضدها . ويعود فضل تبنّي هذه القضية إلى بعض المفكّرين الأوروبيين ، من رجال الدين وحتى من السياسيين . ولكن القادة البريطانيين وجدوا في هذه القضية الإنسانية والنبيلة غطاء شرعياً وأخلاقياً طالما حلموا به ، بعد حربهم على " القرصنة " المزعومة لاستكمال تطبيق الاستراتيجية الاستعمارية .
ألم يكن من قبيل المفارقة ، فعلاً ، أن نرى بريطانيا التي قضت أكثر من قرنين في تدخّلات واعتداءات استعمارية ضدّ شعوب المنطقة ، مدمِّرةً اقتصادها وحضارتها ، ترفع راية الدفاع عن حقوق الإنسان ؟
لقد دخل منع تجارة الرقيق حيّز التنفيذ بموجب الاتفاقين الموقعين مع إنكلترا عام 1820 أولاً ، ثم بعد ثورة جعلان عام 1822 (24) . وقد وضعت إجراءات قانونية وعسكرية ضربت النهوض التجاري العربي ضربة مؤثّرة . كما لجأت السفن البريطانية إلى أعمال بوليسية بالمعنى لحرفي ، وحجزت مراكب عربية مفتّشة إياها ومصادرة حمولاتها عندما كانت تكتشف أنها تحمل عبيداً .
والواقع أن إجراءات المصادرة لم تقتصر على القطع التي تحمل عبيداً بل أصابت بعض السفن التجارية ، وهو ما أثار احتجاجات وشكاوى إلى حكومة الهند البريطانية التي أنكرت دائماً مسؤوليتها عن الأحداث . وهكذا فقد المراكب التجارية العربية حرّية الملاحة وسلامتها . وانتهى استياء العُمانيين بممارسة ضغط على السلطان الذي اجتهد ، من جانبه ، في إيجاد مخرج للأزمة من خلال تنمية علاقاته بفرنسا على الرغم من تردّد أوّلي قويّ . ومن هنا كان عقد اتفاقية الصداقة العُمانية - الفرنسية عام 1844 والتي أثارت بريطانيا حولها ضجّة حقيقية (25) .
لاستعادة السيطرة على الموقف ، عملت بريطانيا على توقيع اتفاقية ثالثة لمـنع تــجارة الرقيق ، إنما ، هذه المرة ، في منــطــقة زنجـــبار ، نــواة السيــادة الاقتصاديــة والسياســيـة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(24) راجع الفصل الخامس ، القسم الثالث .
(25) راجع نص المعاهدة في : . Al-Wasmi (K.),op.cit.,p.230

بريطانيا بعين الرّضا إلى ولديه السيّد خالد والسيِّد ثويني " . ولم تكن بريطانيا تستطيع أن تأمل بما هو أكثر من ذلك . وفعلاً فسّرت هذا "الشرط" كطلب من السلطان لأن تضمن الحكومة البريطانية الخلافة في الحكم لولديه ، أحدهما في مسقط والثاني في زنجبار . وبعبارة أخرى ، كان ذلك مدخلاً لتقسيم السلطنة ، وللفصل بين مسقط وزنجبار ، أي مدخلاً لنهاية الدولة العربية - الإفريقية . كان هذا "الشرط" ، من وجهة النظر البريطانية ، يمثّل " وصيّة " السلطان السياسية ، وهي وصيّة كانت تخدم مصالحها بصورة مدهشة ولذلك حرصت ، على تنفيذها .
ومن هنا جاء الإهمال النسبي الذي مرّت به على الشروط الأخرى التي طرحها سعيد . إلّا أنّها لم تلبث أن أجبرته على توقيع الاتفاق ، مهملة كلّ الشروط التي تقدّم بها . ويروي كاجار بهذا الصدد أن إنكلترا توصّلت ، غداة المعاهدة بين فرنسا وسلطان مسقط ، إلى عقد اتفاق مع هذا الأخير ، بتاريخ 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1845 نص على التالي :
يتعهّد سلطان مسقط بمنع تصدير العبيد إلى خارج ممتلكاته الإفريقية تحت طائلة أقسى العقوبات .
يتعهّد ، كذلك ، بمنع استيراد عبيد من أصل إفريقي إلى مملكته في آسيا وباستعمال نفوذه ، لدى كلّ رؤساء الجزيرة العربية للهدف نفسه .
تُمنح سفنُ صاحبة الجلالة البريطانية الحربية وسفن حكومة الهند الحقّ في تفتيش كلّ السفن التي تمارس تجارة العبيد ، سواء أكانت ملك سموّ السلطان أم ملك رعاياه ، باستثناء تلك التي تنقل عبيداً بين مختلف ممتلكاته الإفريقية ، أي بين خطّ العرض 1,57 وخطّ العرض 9,2 جنوباً ، بما في ذلك زنجبار وبمبا ، إلخ ....
يدخل هذا الاتفاق حيّز التنفيذ في أول كانون الثاني (يناير) 1847 .
عقد في زنجبار ، في 3 تشرين الأول (أكتوبر) 1845 (27) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(27) . Kajare (F.),op.cit.pp.108 - 109


أثار محتوى هذا الاتفاق ، كما هو ، تساؤلاً لم يتوانَ المؤرّخ البريطاني الرسمي كيلي عن طرحه : كيف استطاع السلطان سعيد قبول محتوى اتفاق 1845 ؟ أسباب ذلك تبقى غامضة ومجهولة (28) .
والحقيقة أن هذه الأسباب لم تكن على هذا القدر من الالتباس ، خاصّة بالنسبة لمؤرّخ مثل كيلي ، لأن الردّ البريطاني على السلطان بمثابة ردّ فعل على تقارب عُمان مع فرنسا في إطار اتفاقية 1844 .
وعلى كّل حال ، فإن هذا الاتفاق الذي كانت تأمل إنكلترا منه موازنة معاهدة 17 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1844 الفرنسية ، ببسط سيطرتها على كلّ سفن السلطان ورعاياه ، لم ينتهِ إلى النتائج التي كانت تتوقّعها منه بسبب موقف فرنسا (29) . وهكذا أصبح دور فرنسا حيال العُمانيين متزايد الحيوية لحماية عُمان وزنجبار .
القسم الثاني
من انفصال زنجبار إلى إعلان 1862 الفرنسي - الإنكليزي
لدى وفاة السيّد سعيد في 30 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1856 ، خلال سفره من مسقط إلى زنجبار ، أُعلن ثويني ، ثالث أبناء السلطان المتوفّى (30) ، الوريث الوحيد للسلطة في عُمان وبتلك الصفة عاهل كلّ توابعها . ذلك أن وحدة الإمبراطورية بقيت سليمة ، إذ قسّم والده الإدارة فقط ، وليس السيادة التي افترض أن تبقى ، كما في الماضي ، خاصّة بسلطان المتروبول الآسيوي (31) .
كــانت الظروف تعــمل ضـدّ مبــدأ الوحــدة هذا . فقد أعلــن ماجـــد نــفـسه ، بعــد وفــاة أبيه مباشرة ، بــدعم مــن بـعـــض الوجـــهاء ، سلـــطاناً على زنــجبــار . وهــو مــا كــان يعـــــني بديـــهياً ، انفصــال القسم الإفريقي من عُمـــان . رفـض ثويني من جانبه قبول قرار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(28) كيلي (ج.ب) ، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 333 .
(29 ) . Kajare (F.),op.cit.p.109
(30) كان البِكْر ، خالد ، قد توفّي قبل والده ، عام 1854 ، في حين استبعد الثاني ، هلال ، من جانب أبيه .
(31) . Kajare (F.),op.cit.p.112
ماجد وأرسل إلى زنجبار مبعوثه ، محمّد بن سالم الذي نجح في التوصل إلى اتفاق ودّي بين الأخوين . فقد وافق ماجد على دفع إتاوة لثويني تبلغ قيمتها 40 ألف كورون ، أي قيمة ما كان يقتطعه أبوه من دخل زنجبار لميزانية مسقط (32) . إلّا أن هذا الحلّ لم يكن يحسم شيئاً فيما يتعلّق بوضع زنجبار السيادي . فقد رأى ثويني في الجزية المدفوعة علامة تبعية زنجبار ، ولكنّ ماجداً لم يكن يرى ذلك . وبعد سنة ، انقطع عن دفع مساهمته ملغياً بذلك الاتفاق .
ولم يستطع ثويني الذي كان يواجه أزمات داخلية وإقليمية أن يرد إلّا بعد سنة من قرار أخيه . فجمع ، إذ ذاك ، حوالي خمسة عشر ألف رجل وأبحر نحو زنجبار . ولكنه أوقف ، على مسافة بضعة أميال من مسقط ، من قبل الأسطول الإنكليزي الذي أعاد سفن السيّد ثويني إلى الميناء بموجب السيادة المطلقة التي ادّعاها لنفسه دائماً في هذه البحار (33) . ودخلت قضية زنجبار طورها الحاسم .
وبضغط الظروف الجديدة ، قبل السلطان ثويني وساطة الملك وتحكيمه ولكنه عبر عن حقّه في التحفّظ ، وهو ما رفضته بريطانيا بدورها رفضاً قاطعاً . بل ونجحت نهاية الأمر في الحصول على وثيقة أولية تعهّد ثويني بموجبها بقبول قرار التحكيم دون أيّ شرط مسبق . وفي كتاب مؤرخ في 31 أيلول (سبتمبر) 1859 ، أقر ثويني بما يلي :
" أنا الموقع أدناه ، السيّد ثويني ، أصرّح بأني وقد رجتني حكومة الهند العليا أن لا أقوم بأي عمل ضدّ زنجبار ، أمتنع عن ذلك نزولاً عند رغبتها وكما أُحكِّم في كل خلافاتي مع أخي ماجد الحكومة البريطانية بوساطة الكولونيــل روســل (Russel) العطوف . والآن ، ومــهــما كـــان الـقــــرار المحــتـــوم لسعـــادة الحـــاكم الـعـــام فــــي تــحـــكــيـــمه بــيــني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(32) راجع أيضا : القاسمي ( سلطان بن محمد ) ، تقسيم الإمبراطورية العُمانية : 1856 - 1862 ، مرجع سابق ، ص 81 ؛ ولوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 628 - 631 .
كذلك : . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.53
(33) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.53

وبين أخي ماجد ومهما جرى ، فإني أتعهّد بالخضوع له . وأنا مصمّم على الخضوع لقراره مهما يكن هذا القرار " (34) .
بعبارة أخرى ، وقّع ثويني ، دون حذر ، نوعاً من شيك على بياض حول مصير عُمان ومصيره . وطلب السّيد ماجد بدوره ، غير آبه إلّا بمصالحه الشخصية ، إلى إنكلترا أن تكون " محاميه " ضدّ أخيه وضدّ عُمان . وقد ألزم نفسه كما يلي :
" .... لقد عهدت بحل الخلاف وتهدئة الشقاق المذكور إلى سيادة الحاكم العامّ ، نائب صاحب الجلالة السامية في حكومة الهند . ومهما يكن من قرار الحاكم المذكور ، فإني أقبله وأوافق على كل حال ما سيحكم به فيما يتعلق بي " (35) .
كان الحَكَم ، في تلك المناسبة ، قاضياً وطرفاً . فبنفس روح اتفاقية تقسيم عُمان الموقّعة في بركا عام 1793 بين الأخوة الثلاثة ، سعيد وسلطان وقيس ، كانت بريطانيا تعمل على تفكيك ، بل على تفسيخ ، الدولة العُمانية (36) . وكان انفصال القسم الإفريقي من عُمان يدخل في هذا المسار الاستراتيجي بوصفه المرحلة المقبلة الأكثر منطقية .
وما تبقّى هو أن تعطى هذه الخطوة شكلاً شرعياً لإنقاذ المظاهر ، أقلّه على الصعيد الدولي ، أمام المنافس الاستعماري الفرنسي . وهكذا أخرجت بريطانيا رسالة السيد سعيد الموجهة إليها خلال المفاوضات على معاهدة تشرين الأول (أكتوبر) 1845 والذي يقول فيها : " نحن نأمل ونرجو من
بريطانيا رعاية ولدينا السيّد خالد والسيّد ثويني " وتظاهرت بأنها تعتبر هذا الكتاب " وصية " السلطان . ولكن هذا الكتاب ، ولو اعتبر كذلك ، لم يكن يشير مطلقاً إلى أن السلطان يتمنّى تقسيم الدولة العُمانية بعد وفاته ، بين الأخوين !
والـــحـقـيقة أنــه لــم يـكــن فــي هــذه " الــوصية " شيء يمكن أن يسمح لبريطانيا بالتصرف ، شرعياً وقانونياً ، بإمبراطورية السيّد ســعيد . ولكنه لم يكــن علــى بريـطانيا في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(34) Al-Wasmi (K.), op. cit., p.238 .
(35) . Ibidem(36) أنظر القسم المتعلق بالتقسيم ؛ الفصل الرابع ، القسم 1 .
هذه المرحلة من توسّعها الاستعماري ، أن تبرّر أعمالها وقراراتها قطّ . وقد فسّرت الكتاب المذكور كـ "وصية" وفق مقتضيات مصالحها السياسية والاستراتيجية ، وكلّفت الجنرال كوغلان (Coghlan) السهر على تنفيذ هذه " الوصية " ، أي تنفيذ هذه الخطّة المقرر مسبقاً .

1 - " التحكيم " : تقرير الجنرال كوغلان ونتائجه
كما كان متوقّعاً ، ألحّ التقرير الذي أرسلته اللجنة المنتدبة من حكومة الهند التي تولّى رئاستها الجنرال كوغلان على ضرورة التقسيم مستندة إلى النقاط التالية :
أولاً ، المحافظة على الأمن . فقد ذكر التقرير أن سعيداً ، رغم الهيبة التي يتمتع بها ، لم يستطع تجنيب السلطنة القلاقل والثورات الداخلية . فكان كلّما ذهب إلى زنجبار اشتعلت ثورة في عُمان ، وإذا انتقل لإخمادها تعرّضت إفريقيا للاضطرابات .
ثانياً ، إن المستعمرات العربية في إفريقيا - في بداية عهد سعيد - كانت مجرد "حضانات" لتربية الرقيق . أما الآن فقد أصبحت مدناً كبيرة تفوق في أهميتها عُمان نفسها .
ثالثاً ، تسهيل مكافحة الرقيق .
رابعاً ، الاعتراف الدولي الذي حصل عليه ماجد من الدول الكبرى بما في ذلك فرنسا .
خامساً ، مصلحة بريطانيا ، وهو الأهم ، في ألّا تقوم دولة محلّية كبيرة في المحيط الهندي .
وأضاف التقرير أن سياسة التقسيم من شأنها أن تجعل من القسمين محتاجاً إلى بريطانيا ، القسـم الآسيوي الذي سيتلقّى الإعانة المالية بضـمان من بريطانـيا ، والقسم الإفريقي الذي سيــصبح مديناً لهـا باستقلاله (37) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(37) قاسم ( جمال زكريا ) ، دراسة في تاريخ الإمارات العربية ( 1840 - 1915 ) ، الكويت ، دار الدراسات العلمية ، 1974 ، ص 86 .
ولقد وعدت الحكومة البريطانية ، في الوقت نفسه ، بحلّ " منصف " للخلاف بين الأخوين اللذين التزما ، على هذا النحو ، بقبول تحكيم نائب ملك الهند . وقرّر اللورد كاننغ (Canning) أن يدفعَ سلاطينُ زنجبار لسلاطين مسقط مبلغ 40 ألف إيكو سنوياً (38) ، ( حوالي 80 ألف روبية هندية ) دون أن يتضمّن ذلك أية فكرة ارتباط أو تبعية .
كذلك وقد أشار نصّ التحكيم ، بوضوح ، إلى أن الدفعات السنوية لا تتضمّن أبداً ارتباط زنجبار بمسقط ، بل تتضمّن ، بالأحرى ، التخلّي والتنازل الكلّي عن المطالبة العُمانية . وكان يضمن أيضاً عدم تدخّل عُمان في شؤون زنجبار ، وهكذا أصبح الطرفان ، نتيجة لهذا التحكيم ، منفصلين سياسياً بعضهما عن بعض . ومنذ ذلك الحين ، منحت بريطانيا لقب السلطان للأخوين : السلطان ثويني والسلطان ماجد .
ومن البديهي أن هذا الارتهان المفروض من جانب السياسة الجائرة لدولة أجنبية على مستقبل وطن الأخوين اللذين رقيا إلى مرتبة رئيسَيْ دولة مقابل تفكيك إمبراطورتيهما لم يتمّ دون أن يترك أثاراً عظيمة . وقد جرت مساجلة طويلة بين ممثلي الطرفين المعنيَّين حول الأسس الشرعية والحقوقية ، وحتى الدينية ، لهذا التقسيم . أي حول معرفة ما إذا كان من حقّ السلطان المتوفّى ، من وجهة نظر الشريعة ، أن يقسم " الإمبراطورية العُمانية " .
ولكن المسألة الأساسية كانت تقع في كون التقسيم لم يخضع لوصية السلطان بل ، بالأحرى ، لمقتضيات
الاستراتيجية البريطانية وحدها .
يقول كاجار :
" لم يكن التحكيم ، كالعادة ، طوعياً ، بل فُرض على الطرفين . وبريطانيا هذ التي تدخّلت ، لمصلحتها الخاصة ، بين المطالبين بخلافة السيِّد سعيد ، وفرضت الالتزام بقبول وساطتها والالتزام بالخضوع لنتائج هذه الوساطة " (39) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(38) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.53 et 54
(39) . Kajare (F.),op.cit.p.115

كان نجاح السياسة الاستعمارية الإنجليزيّة عظيماً . وقد اعتبر حاكم بمبي التقسيمَ مساوياً من حيث الأهمية لاستعمار الهند (40) .
وواقع الحال أنه لم كين هناك ، على حدّ قول بيلي (Pelly) ، المقيم البريطاني في الخليج - الذي يورده لاندن - ما يعادل هذا الانفصال أهمية سوى إدخال الطرق البحرية الحديثة في المنطقة (41) .
أمّا المؤرّخ الأمريكي لاندن ، فيصف ، بصورة مستغربة جداً ، هذا القرار بأنه "حلّ" ، مع إضافته أن هذا "الحل" الذي فرضته حكومة الهند كان أسوأ من المشكلة ذاتها . لقد جزّأ هذا التقسيم دولة موحّدة عرفت بوصفها " الدولة البحرية الأولي " ، وفكّك اقتصادها ووحدتها السياسية والاجتماعية كما أسهم في إضعاف النشاط التجاري البحري .
وإذا كانت اتفاقية بركا لعام 1797 قد قسّمت عُمان ووضعت حدّاً لإمامتها الموحّدة ، فإن هذه الاتفاقية الأخيرة أزاحتها ، نهائياً ، عن المسرح السياسي (42) ، مدّمرة موقعَ السلطنة القويَّ والنافذ . وهكذا ارتدّت الدولة العُمانية ، وقد خنقتها الوصاية الاستعمارية بسبب وضعها الملتبس ، دولةً مُسْتَعْمَرَةً بصفة غير رسمية .
وكي نختم حديثنا عن طبيعة هذا التحكيم الذي ناء بثقله جداً على مصير الإمبراطورية العُمانية ، لا بأس من إيراد التعليق المتذمّر الذي ختم به كاجار تحليله :
" ..... إن ما جرى - على الرغم من اسم التحكيم الذي أطلق عليه - لم يكن تحكيماً حقيقياً ولا حتى وساطة ، بل كان تدخلاً . وهو تدخل غريب جداً ، لأنه لم يعتمد على القسوة والتعسّف بل على القانون ظاهراً على الأقل " (43) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(40) أنظر : القاسمي ( سلطان بن محمد ) ، تقسيم الإمبراطورية العُمانية 1856 - 1862، مرجع سابق ، ص 8 .
(41) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 101 .
(42) راجع الفصل الرابع ، من الباب الأول .
(43) . Kajare (F.),op.cit.p.116

والحق أن هذا التدخل ل يخدع أحداً في ذلك العصر، وخاصة الدبلوماسية الفرنسية ، فهذا التحكيم المزعوم لم يكن سوى ضربة مدبّرة ، تستدعي الردّ عليها .

2 - إعلان 1862 الفرنسي - الإنكليزي
أثار الاحتجاج الفرنسي على التحكيم البريطاني أزمة دبلوماسية جديدة اقترحت بريطانيا تهدئتها بالعمل على أن تتعهّد الدولتان المتنافستان تعهّداً قاطعاً بإحترام استقلال زنجبار . ولكن فرنسا التي ظهرت ضعيفة ، إبان قضية التحكيم ، أرادت المضيّ أبعد من ذلك ، وطالبت بأن يشمل التعهّد أيضاً سلطنة مسقط . وهكذا نصّ " الاتفاق الثنائي " الموقّع في 10 آذار (مارس) 1862 على الحكومتين الفرنسية والإنكليزية تتعهّدان باحترام استقلال سلطنتي مسقط وزنجبار . وقد ورد النصّ أنه :
" نظراً لأهميّة المحافظة على استقلال صاحب سموّ سلطان مسقط وسموّ سلطان زنجبار ، وجدت فرنسا
وبريطانيا من المناسب التعهّد ، بصورة متبادلة ، باحترام استقلال هذين العاهلين " (44) .
كان إعلان " الاتفاق الثنائي " - الذي يبدو مجرّد إعلان سياسي - حاسماً في مجرى التاريخ السياسي العُماني . إذ كان من شأن هذا الإعلان أن يمنع بريطانيا من إعلان استعمارها الرسمي . وهو ما يعلّق عليه لوريمر بالقول :
" وكان ذلك البيان الذي لم يثر اهتمام أحد أو ملاحظته وقت توقيعه ، حيث لم تعرف حكومة الهند عنه شيئاً حتى عام 1871 ، قيداً غير ملائم لحركة الموقّعين عليه " (45) .
والواقع أن الأمر لم يُشَكِّل ، بالنسبة لفرنسا ، أي تضييق بل كان بالأحرى مكسباً لسياستها الخارجية . أمّا إنكلترا فقد شعرت بهذه الاتفاقية كقيد ، ولذلك لم تلبث أن خرقتها بإصرار ، مراراً متكررة ، وبقيت على المدى الطويل المستفيدة الرئيسية من تطور اللعبة السياسية سواء في منطقة الخليج أم في المحيط الهندي وشرق إفريقيا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(44) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.27
(45) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 389 .
وهكذا نرى أن عهد الذروة الاستعمارية في القرن التاسع عشر كان السابقة الثالثة التي يسجلها التاريخ لسيطرة كاملة على طرق الخليج البحرية . فقبل بريطانيا لم يكن قد توصل إلى ذلك إلّا العباسيون والبرتغاليون ، ( القرنان السادس عشر والسابع عشر ) (46) .
وقد عرفت بريطانيا ، التي لم تكتفِ بالهيمنة على مياه الخليج ودوله ، كيف تمد مصالحها حتى الوجهة الشرقية لإفريقيا ملاحقة ازدهاراً عُمانياً كان يمكن لإشعاعه أن يقلق مصالحها ، وضمنت بعلمها على تقسيم الدولة العُمانية - الإفريقية تقسيماً نهائياً - ألّا تقوم من بعد ذلك لدولة عُمان الكبرى قائمة .












ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(46) كيلي ( ج . ب ) بريطانيا والخليج مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 7 .
الفصل السابع

ثورة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (1869 - 1871)
" قبل مهاجمة جسم الشعوب ، تهاجم نفوسها " .
جيرار لوكليرك ، الانتروبولوجيا والاستعمار




عُمان بعد انفصال زنجبار
في حين كانت بريطانيا تسهر على تثبيت وجودها وتقويته في المنطقة ، كان تاريخ عُمان يجتاز هزّات وانشقاقات لم يكن لأحد ، وقتذاك ، أن يراوده خاطر بأنها ستترك مكانها لنهوض لا سابق له . فقد كان المثل الإباضي الأعلى ، رغم فداحة الركود الاقتصادي والإفلاس السياسي ، أكثر حيوية منه في أيّ وقت مضى . بحيث إنه ليس من قبيل المبالغة أن يقال إن عُمان حافظت خلال كل ما عرفته من محن على قوامها كأمّة بفضل البديل الذي يعبّر عنه النموذج الإباضي . ولذلك ، فعندما شرعت جماعة صغيرة من الشخصيات المحترمة والمصمّمة في بعث هذا النموذج ، عرفت الإمامة الإباضية نجاحاً ساطعاً فاجأت سمعته كلّ المراقبين ، ابتداء بالبريطانيين أنفسهم . وقد تراجعت كلّ الآفات القديمة التي كانت تنخر عُمان منذ عقود ، ثمّ انطوت أمام السلطة المستعادة لإمام محترم من الجميع : الصراعات القبلية ، روح العصبية والعشائرية ، التسلّل الخارجي ، وكلها آفات حمل إليها الإطار الإباضي المستعاد معالجة سريعة وأكيدة .
هذه الإعــادة للنظــام والانطلاقــة الاقتصادية الــتي تلــتها لفــتـت النــظر ، وأخذ البريطانيون يكتشفون ، أو يلمحون بالأحرى ، مصادر حضارة كانوا قد رفضوا دائماً الـتــوقّف عـــندهـا . وقد انـعــكس تــردّدهم ، وقــد أُخــذوا بـيـن إعجابــهـم ومــصـالحــهـم ،

على خطّهم السياسي . ومع ذلك ، فإن هذا الخطّ السياسي هو الذي توقّف عليه ، في نهاية المطاف ، مصير عُمان السياسي الذي حُكِمَ عليه ، من ذلك الحين فصاعداً ، بأن يصطدم كل إشعاع حقيقي لإمامة مستقلّة بعقبة الاعتراف الرسمي البريطاني .

القسم الأول
التطورات الجديدة للسياسة البريطانية
قبل الدخول في التفاصيل ، ولاستيعاب ما تمثله الإمامة بصورة أفضل ، يجب أن نعيد التأمّل والنظر في
تطوّر عُمان وبلدان الخليج بعد انفصال زنجبار . فقد سجلت هذه الفترة ، بالنسبة لعُمان ، طوراً من الانحدار التاريخي الذي قاد البلاد إلى الإفلاس السياسي والاقتصادي والمعنوي . لقد كان هناك ، بالتأكيد ، تطوّر ولكن في اتجاه دَفْع كل منطقة الخليج للانخراط ، أكثر فأكثر ، تحت جناح الاستعمار البريطاني . وكانت أهم مظاهر هذا الانخراط إدخال خطوط بريدية وبرقية إلى الخليج ، وهي ضروب تقدّم تكنولوجية في عُرْف ذلك العصر ، ولكنها لعبت دوراً ناجحاً في توطيد القوة البريطانية ، وهكذا عادت عُمان ، حتى في انحدارها ، قطباً رئيسياً من أقطاب الاستراتيجية البريطانية ، وكتب عليها أن تتحملها كعبء تاريخي آخر .
بصورة موازية لذلك ، حدثت ، عام 1858 ، تغييرات هامّة في الخطّتين السياسية والإدارية في الهند . فقد حلَّت شركة الهند الشرقية القديمة ، بمرسوم من حكومة الهند (لعام 1858) ، الإدارة القديمة . ومنذ ذلك الحين أصبحت السلطة العليا للإدارة بين يدي وزير الدولة لشؤون الهند الذي كان عضواً في مجلس الوزراء البريطاني يحمل لقب " نائب الملك في الهند " . وقد ساعد هذا الوزير في مهمّته مجلسُ وزراء خاصّ بالهند كان أعضاؤه مسؤولين سياسيين ، متقاعدين في هذا البلد (1) .
وكــذلــك حـدثــت تـنـقــلات بـيـن الـمـسؤولـيـن الـسيـاسـيـيـن والـعسـكـريين العامــلـيـن فــي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 157 .

منطقة الخليج . وفي عام 1861 ، رُفع التمثيل البريطاني في مسقط إلى مرتبة التمثيل في زنجبار . وسمَّي الضابط بنجلي (Benjly) مقيماً سياسياً في مسقط ، ولكن إقامته كانت قصيرة الأجل وحلّ محلّه الميجر جيرانت (Gerant) الذي لم يبقَ ، هو نفسه ، في وظيفته إلّا سنة واحدة . وفي عام 1861 خلفه الميجر هيربرت ديسبرو (Herbert Desbrew) في حين سُمِّي الكولونيل لويس بيللي (Lewis Pelly) مقيماً سياسياً عاماً للخليج في بوشهر (2) . وقد أعلنت هذه التطوّرات في الجانب البريطاني منعطفاً حاسماً في تاريخ الخليج ولا سيّما تاريخ عُمان .

1 - ثويني بن سعيد ( 1856 - 1866 )
كانت هذه الفترة الحرجة تحتاج إلى قائد قوي يجمع عدداً من الصفات ، أهمّها ، أولاً ، الالتفاف الوطني حوله ودعم العلماء الإباضيين ، وثانياً ، موقف واضح من بريطانيا .
وبما أن ثويني لم يكن يتمتّع بدعم العلماء ، فإنه لم يكن يستطيع أن يلبي الشرط الأول . وبما أنه كانت له صلات وثيقة مع بريطانيا وكان نظامه يعتمد عليها مادياً وسياسياً فإنه لم يكن يستطيع كذلك تلبية الشرط الثاني . كان الواقع العُماني يبدو ، أكثر من أيّ وقت مضى ، في مأزق حاسم .
ممّا لا شك فيه أن سبب الأزمة الوطنية الحقيقية هو الانفصال بين زنجبار وعُمان . فهذا الانفصال كانت له نتائج مباشرة وفورية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي ، مسّت نظام السلطنة نفسه . فلقد كان انفصال زنجبار يعني للعُمانيين ، في ذلك الوقت ، تقسيماً تعسّفياً للأسرة وللقبيلة وللاقتصاد والتاريخ والمستقبل . وكان في نهاية المطاف تمزيقاً للدولة ولـ "الوطن" . وهكذا يمكن القول بأن تاريخ عُمان دخل ، بعد انفصال القسم الإفريقي ، طور انحدار مستمرّ .
والأمر الأكــثر جــلاء على الصـعيد الاقتصـادي ، أنـه على أثــر التقسيم انـتـقل التجّـار إلـى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) المرجع السابق ، ص 173 .

القسم الإفريقي الذي كان أكثر ازدهاراً . كما غادرت عُمان رؤوس الأموال التي كانت قد أنعشت الاقتصاد الوطني . وعانى القطاعان الزراعي والتجاري من ذلك معاناة قاسية . وهكذا تلقى الاقتصاد العُماني ضربة قوية .
ومن جرّاء ذلك أيضاً ضُربت البنية الإجتماعية نفسها ، وأصبحت الأزمات أكثر حدّة . ووجد المجتمع العُماني نفسه على عتبة كارثة حقيقية أخذت ، منذ مطلع القرن العشرين ، وبسبب الأدوار البريطانية ،
أبعاداً مأساوية دامت أكثر من قرن .
ولم توفّر هذه الأزمة أسرة البوسعيدي نفسها . ذلك أنه ما إن انفصل فرعا الأسرة ، العربي والإفريقي ، بعضهما عن بعض ، حتى لجأ الإخوة الأربعة إلى السلاح لحلّ خلافاتهم . ففي القسم الإفريقي ، واجه السيّد ماجد تمرداً شبه عامّ قادته الفروع الإفريقية لقبيلة الحرث التي رفضت قرار انفصال زنجبار . وفضلاً عن ذلك ، دخل برغش ، أخو ماجد ، مدعوماً من فرنسا ، في نزاع معه . وقد دان ماجد للإنكليز بأن تمكن من وضع حدّ لهاتين الانتفاضتين . وفي القسم العُماني ، رفض السيِّد تركي ، أخو السلطان ثويني ، بدوره ، قرار التقسيم وثار على أخيه عام 1861 . وفي محاولة يائسة ، حاول تركي فصل منطقة صحار التي كان يحكمها عن سلطة مسقط . هنا أيضاً ساعد الإنكليز السلطان على سحق هذه المحاولة . وفيما بعد أسر ثويني تركيّاً وأودعه السجن (3) حتى عام 1862 حيث حصل تركي على حرية مشروطة ألزمته الصمت .
وأطلق قيس بن عزان ، حاكم مدينة الرستاق - المركز التقليدي للحركة الإباضية - والتي كانت تتمتّع بنوع من الاستقلال - تحدّياً آخر لسلطة ثويني . كان قيس ينتمي إلى الفرع الثاني لأسرة البوسعيدي ولكنه كان أحد رجالات الحركة الإباضية ، أي نصيراً للنظام الإمامي ، كما كان يتمتّع باحترام العلماء وكذلك باحترام سكّان مناطق عُمان الداخلية .
وبصـورة مـوازية لذلـك ، ثـارت قبـيـلة آل سـعد ، من مـنطـقة الباطنـية ، هـي أيـضاً ، على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3) ولوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 733.

حكم مسقط ، وطلبت من قيس وضع المنطقة تحت سلطته . ولكن قيساً قتل في معركة ضدّ هلال ، حاكم تلك المنطقة ، كما قتل خصمه فيها (4) .
وما كاد السلطان ثويني يضع حدّاً لهذا النزاع ، حتى وجد نفسه أمام تحدٍّ آخر ، أكثر خطورة هذه المرّة . ذلك أن كل هذه التوترات لم تكن ، بديهياً ، من طبيعة قبلية ، بل كانت ذات أبعاد سياسية ووطنية عامة . فقد برز عزان ، خصم ثويني الجديد ، الذي كان قد أصبح حاكم الرستاق بعد وفاة أبيه ، قيس ،
كشخصية أكثر قوة وتصميماً ؛ كشخصية تمثل البديل التاريخي .
ودخل الطرفان مرات عدة نزاعات مسلّحة دامت سنتين دون نتائج تذكر . وفي هذا الجوّ المثقل بالنزاع ، وإذ كان السلطان ثويني يتأهّب لمهاجمة مدينة الرستاق ، أرسل السديري ، القائد العسكري السعودي الذي كانت قواته تحتلّ البريمي ، قوات يقودها عبدالعزيز بن مطلق ؛ وكان قد دخل عُمان مموِّهاً مطامحه باقتراح نفسه وسيطاً بين الطرفين المتنازعين (5) .
وخشية من أن ينتهز الوهّابيون هذه الفرصة ليتدخّلوا في الشؤون العُمانية تخلّى السلطان ثويني عن مشروعه . ولكن هذا التراجع لم يغيّر من أهداف مطلق الذي توجه نحو المنطقة الشرقية ليلتقي فيها بحلفائه ، قبيلتي آل وهيبة وآل بو علي .
وفي عام 1865 ، شنّت هاتان القبيلتان مدعومتين من القوات الوهّابية ، غارات عنيفة وكاسحة على قوات السلطان في المنطقة وعلى ما يورد ، كما يقول لوريمر ، على الأقلّية الهندية التي تسكن مدينة صور . عند ذلك قررت بريطانيا التدخّل ، فوجه الكولونيل بيللي المقيم السياسي في الخليج ، تحذيراً إلى الأمير الوهّابي طالباً منه اعتذارات خطّية وتعويضاً عن الأضرار الحاصلة (6) .
وبما أنه لم يتلقّ أيَّ ردّ من الوهّابيين ، فـقد استدعى ، بموافقة من السلطة البريطانية ، وحــدات بـحـرية وأمــرها بـالــقــيــام بـعـملــيـات ضـدّ ميـناءي الـقــطيـف والــدمـام ، فــي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) السالمي ( عبدالله ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 186 .
(5) المرجع سابق ، ص 188 .
(6) ولوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 737 .
حين كانت قوة بريطانية أخرى تهاجم حلفاء الوهّابيين في المنطقة الشرقية في عُمان .
وأخيراً ، تلقّى بيللي ، في 20 شباط (فبراير) 1866 من الأمير الوهّابي عبدالله الذي كان قد تولّى الحكم خلفاً لأبيه فيصل ، رسالة تعهّد بامتناع أمير الوهّابيين عن مهاجمة القبائل العربية المتحالفة مع بريطانيا وخاصّة قبائل عُمان ، ما دامت تدفع الزكاة المفروضة عليها (7) ،
وقد تعهّدت بريطانيا ، بالمقابل ، السهر على دفع هذا المبلغ وأصبحت بذلك الضامن لتنفيذ هذا الاتفاق .
وبفضل الكولونيل بيللي ، وبمناسبة هذا النزاع الجديد ، استطاعت بريطانيا أن تعود إلى تسجيل نقاط لصالحها في المنطقة . وانطلاقاً من ذلك ، أصبحت تدخّلاتها اعتيادية وشبه مقبولة من الأطراف المتنازعة في الخليج . لا بل أصبحت هذه الممارسة مألوفة كأنها جزء من المعادلة والتوازن السياسيين في المنطقة . ألم يكن نصّ الردّ الوهّابي على الكولونيل بيللي ، نفسه ، يعني ضمناً أن بريطانيا هي الممثّل الرسمي لعُمان في الخليج ؟
حاول السلطان ثويني أن يستفيد بدوره من تراجع الوهّابيين ليحلّ المسائل الناجمة عن وجودهم ، ولا سيما مسألة البريمي ، التي كان يحتلّها الوهّابيون . فجمع صالح بن علي الحارثي ، حليف السلطان القوي ، عدداً من القبائل التي تعارض النفوذ الوهّابي لدعم ثويني في إطار وحدة وطنية . وبصورة موازية لذلك ، أعدّ السلطان لمواجهة خصومه قوة مسلّحة عهد بقيادتها إلى ابنه سالم . وجدير بالذكر أيضاً أن السيّد تركي الذي تصالح مع أخيه هبّ لمساعدته .
إلّا أنه قُدّر لسلطنة ثويني أن تحمل طابع الإحباط والتعثّر . فلقد حاك الوهابيون مؤامرة أشركوا فيها ابن ثويني ، سالم ، الذي كان في ذلك العهد حاكماً لمدينة صحار . وبدلاً من أن يقود سالم جيش أبيه ضدّ الوهّابيين ، جاء بنفسه ليقتل أباه أثناء نومه (8) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(7) المرجع السابق ، ص 738 .
(8) المرجع السابق ، ص 739 ، راجع أيضاً : قاسم (جمال زكريا) ، مرجع سابق ، ص 97 .


2 - سالم بن ثويني ( 1866 - 1868 )
كانت جريمة قتل الأب التي سمحت بوصول سالم إلى الحكم سبباً كافياً لعزله في قصره في مسقط حتى سقوطه . ولكن سالما دعم من جانب القبائل الغافرية حليفة الوهّابيين ، وعاش العُمانيون طوال سنتين
فترة من أقلّ الفترات زهواً وأكثرها مرارة في تاريخهم .
قام موقف بريطانيا ، أقلّه بداية ، على رفض الاعتراف بسالم سلطاناً على عُمان . وجاء الكولونيل بيللي ، كما يقول السالمي ، إلى مسقط ليطلب إلى سالم التخلّي عن الحكم . وبديهي جداً أن يرفض سالم هذا الاقتراح ، (أو الأمر) . وعلى أثر ذلك ، غادر بيللي مسقط معلناً خيبته (9) . ولا يذكر لنا السالمي ، مع الأسف ، اسم البديل الذي طُلب من سالم التنازل لصالحه .
وقد ظهر أول تحدٍّ لسلطة سالم من جانب عمّه السيِّد تركي . وعلى الرغم من أن بريطانيا لم تكن قد اعترفت بعد بسلطة سالم وكانت تبحث عن بديل له ، فلقد وقفت بحزم في وجه محاولة السيِّد تركي ، وأرغمته على عدم القيام بأي تحرك ضدّ سالم ، بل نفته إلى الهند . لماذا هذه القسوة لو لم تكن راضية حقاً عن تولّي سالم الحكم ؟ إن التفسير الحقيقي الوحيد لهذا الأمر يعود إلى كون تركي قد وقف ، سابقاً ، ضدّ القرار الإنكليزي بفصل زنجبار عن عُمان عام 1861 وأنه ناضل ، حتى ذلك الحين ، من أجل إعادة التوحيد . ولذلك فإن بريطانيا لم ترغب قطّ في تأييد تمرّد يتزعّمه هذا القائد .
كان أول هَمّ لسالم هو الحصول على اعتراف السلطات البريطانية . وفعلاً لم يلبث أن طرأ تعديل على المشهد السياسي : فبيللي الذي كان مُعارضاً بشدّة لهذا الاعتراف في الماضي ، قام بزيارة رسمية إلى مسقط وقدّم لسالم الاعتراف الرسمي به سلطاناً على عُمان . ومنذ عام 1867 ، فتحت قنصلية بريطانية في مسقط (10) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 190.
(10) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 742.


ومن جهة أخرى ، وبما أن المساعدة التي تدفعها زنجبار عُلِّقت من جانب السلطان ماجد بعد وصول سالم إلى الحكم ، فإن بريطانيا طلبت من ماجد ، بصفتها كــ " وسيط " ، استئناف دفعها . وقد اتّخذت بريطانيا هذا الترتيب ، كما يقول لوريمر ، لئلّا تجري بين الطرفين اتصالات مباشرة (11) .

القسم الثاني
ثورة عزان بن قيس ( 1869 - 1871 )
1 - النهضة الإباضية
كانت كلّ الشروط المطلوبة لإشعال ثورة قد اكتملت ، إلّا أن وصول سالم إلى الحكم عجّل بالأمور أكثر . فقد تدهور الوضع العام وبلغ حدّاً لم يعد لعُمان معه مخرج آخر سوى ثورة تنفتح على نهوض حقيقي . ولم يكن من خلاص للبلاد إلّا في روح الإمامة . علماً أن الزحف بالنسبة للإماميّين ، هو خطوة أولى نحو النهضة الإباضية .
وبهذا الصدد يقول ولكنسون (Wilkinson) إنّه من الصعب جداً تأريخ النهضة الحديثة للإباضية التي لم تكن قد أفلت قطّ ، فالذي أفل هو الإمامة نفسها . وهذا ما كان العلماء الإباضيون لا يغالطون أنفسهم في أمره . وحتى الإمامات التي تعاقبت خلال القرون الأخيرة ، لم تكن - في رأيه - وفيّة كل الوفاء للمثل الأعلى الإباضي (12) .
كان على رأس حركة النهضة ، إلى جانب مجموعة من العلماء الإباضيين ، أربع شخصيات رئيسية : العالم الجليل سعيد بن خلفان الخليلي ، والعالم محمد بن سليم الغاربي ، وصالح بن علي الحارثي ، وعزان بن قيس ، الإمام المقبل ، وكان الإماميون مصمّمين على إقامة إمامة قوية ومحصّنة من كلّ انحراف أو انزلاق .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) المرجع السابق ، ص 745 .
(12) Wilkinson (J.C.), The Imamate Tradition of Oman, Cambridge University Press, 1987, p.230 .

وفي شهر أيلول (سبتمبر) 1869 ، نفّذوا خطّتهم بالهجوم على مسقط من جهتين ، فتقدّم عزان بن قيس نحو العاصمة خارجاً من الرستاق واستولى ، في طريقه ، على مدينة بركا الساحلية . وكان على جيشي عزان والحارثي أن يلتقيا قرب مسقط قبل الهجوم النهائي . وقد أمهل العلماءُ السلطانَ سالم قبل هذا الهجوم وتركوا له فرصة التوبة . ولكن سالماً المتأكّد من الدعم الإنكليزي رفض هذا العرض (13) . وفي 29 أيلول (سبتمبر) استولى عزان على مطرح ، المتاخمة لمسقط ، وفي بداية تشرين الأول (أكتوبر) سقطت العاصمة . وفي 12 تشرين الأول (أكتوبر) ، استطاع سالم ، بموافقة الإماميين ، المغادرة على مركب بريطاني ومضى إلى بندر عباس ، ولم يُكتب له أن يرى عُمان ثانية (14) .
وكان الإنكليز قد حاولوا ، في بداية القتال ، إنقاذ نظام سالم مستخدمين قوّاتهم البحرية لمنع تقدّم قوات عزان نحو مسقط . إلّا أن الانهيار السريع لنظام سالم خيّب أملهم ولم يعد أمامهم سوى التسليم وقبول الأمر الواقع .
وهكذا انهار نظام السلطنة ، بعد أكثر من تسعين سنة على قيامه . وكان سقوط سالم يعني سقوط نظام لم يملك يوماً مصداقية أو شرعية تقليدية ، نظام مفتقر إلى كل دعم شعبي . لم يثبت سوى عجزه التام عن قيادة البلاد في الوقت الذي كانت تظهر فيه متغيّرات سياسية - استراتيجية - اقتصادية كبيرة عمّت المنطقة بأسرها . وبهذا الصدد يكتب لاندن قائلاً :
" إن من يبحث في أحداث هذه الفترة التاريخية ، لا بدّ أن يتأكّد من أن حكّام هذه الأسرة لم يكونـوا واعين أسباب التخبّط الذي يغرقون فيه . فثمة أحداث كالتدخّل البريطاني والتغييرات الاقتـصادية والملاحـية في المحيط الهندي تخرج عـن سيطرة أي حاكم ولـربـما كانت هـذه الأسـباب الرئيـسية للانــهـيار " (15) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(13) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 262 ، كذلك السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 196 - 197 .
(14) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 746 - 747 ، أنظر كذلك : السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 198 .

(15) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 263 .
إن رأي لاندن هذا لا يخلو من صحّة . ولكن الأسباب الرئيسية للأزمة كانت في مكان آخر ، في داخل عُمان نفسها وليس في الخارج فقط . ويقدم ولكنسون في هذا الصدد وجهة نظر تبدو لنا أقرب إلى الواقع ، حيث يقول :
" كان العُمانيون قد فهموا جيّداً أن مثل هذه التقلبات خارج سيطرتهم إلى حدّ بعيد ، وكان التساؤل يدور على معرفة ما إذا كانوا سيبذلون جهدهم لحماية المصالح العُمانية أو ما إذا كانوا سيضعفون أمام مطالب البريطانيين ورعاياهم المتزايدة ، حتى ولو كانت هذه المطالب تضرّ ، في الواقع ، بشعبهم " (16) .
أما فيما يتعلّق بانتصار الإماميّين ، فإن لاندن يعلّق عليه كما يلي :
" إن انتصار المحافظين سنة 1868 يعود في أسبابه أولاً ، إلى تأييد قسم كبير من العُمانيين لبرنامجهم ، وإلى الزعامة المخلصة للطبقة الدينية المحافظة ؛ ثانياً ، إلى وجود بعض الزعماء الشرعيين من قبيلة قيس في معسكر المحافظين ؛ ثالثاً ، إلى إيمان الزعماء القبليين بقضية المحافظين بعد سنة 1867 ؛ رابعاً ، وأخيراً ، إلى الضعف والتفكّك المتزايد في صفوف الحكّام المعتدلين " (17) .
يبقى أن قوات الثوّار أظهرت ، على الرغم من مركّباتها القبلية ، انضباطاً مدهشاً . فهجومها الأخير على مطرح ومسقط لم يسبّب أيّ ضرر أو ضحية بين السكّان العُمانيين أو الأقلّيات الهندية . ويذكر السالمي أن عزان بن قيس أعطى ، في خطابه أمام الجيش قبل الهجوم النهائي ، أوامر مشدّدة للجنود ومنعهم من أن يمسّوا أموال السكّان وأملاكهم . ولكنه سمح لهم في المقابل بمصادرة كل ما يجدونه في قصر السلطان (18) .
وجـديـر بالذكر أن الحـركة الإباضـية لــم تـنـتخب هـذه المرّة إمـامـهـا قـبل إعـلان الـثـورة ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(16) .wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.235
(17) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 256 .

(18) (7) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 196 .

بل بعد النصر ، مخالفة العرف بشكل استثنائي . وكان على مجلس عامّ ، مؤلفّ من العلماء وقادة الثورة ورؤساء القبائل الذين دعموها ، أن يجتمع ، للمرّة الأولى ، في مسقط . وقد ترأّس هذا المجلس العالم البارز سعيد بن خلفان الخليلي . وقدّم ، بموجب الدستور والتقليد الإباضيين ، بدعم من صالح بن علي الحارثي ، عزان بن قيس كمرشّح لمنصب الإمام .
وقد وافق العلماء على هذا الترشيح بالإجماع وهكذا اجتمعت كل الشروط المطلوبة لشرعية الانتخاب . علماً أن الإمام كان ، فضلاً عن صفاته الشخصية ، من وجوه أسرة البوسعيدي .
" فقيادة النهضة أخذت (مع ذلك الانتخاب) ظهيراً سياسياً بتحالفها مع فرع قيس الذي كان يستطيع المطالبة بالخلافة الشرعية لإمامة أحمد بن سعيد كـما يستطيع الـمطالـبة باستعادة تراث صحـار والرستاق " (19) .
وتبعاً للمراسم التقليدية ، أعلن العلماء البيعة . ولكن بيعة عزان كانت بيعة " الإمام الضعيف " . لماذا ؟ لأن الإمام إذا لم يكن عالماً لم يكن في وسعه ، حسب الدستور الإباضي ، أن يحصل على بيعة الشراء ، أي بيعة " الإمام القوي " . وهكذا ، فلقد لزم الإمام عزان بموجب الدستور والتقليد الإباضيين الرجوع إلى مجلس الشورى ، المجلس الأعلى ، قبل اتخاذ أيّ قرار كان ، وكانت بيعته تشير ، على وجه الدقّة ، إلى هذه القواعد :
" لـقد بايعناك على شـرط ألّا تعقد رايـة ولا تنفّذ حـكـماً ولا تقضي أمـراً ، إلّا بـرأي المسلمين ومشورتهم " (20) .
ومهما يكن من أمر ، فمن المهمّ أن نشير إلى أن شـروط هذه البيعة ، لا تقلل من موقع الإمام . بل على العكس ، تعزّزه ، كما تعزّز نظام الإمامـة ذاته . لأن الرجـوع إلى مجلس الشـورى ضـمـانة أسـاسيـة للمشــاركة فـي الحـكــم ولـتــطبـيق مــبــدأ الإجــمــاع . وجـمـلـة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(19) . wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.231
(20) راجع النص الكامل للبيعة في القسم الثاني من الفصل الأول .

الممارسة هذه هي التي يقوم عليها التقليد الديمقراطي العُماني وهي التي تمنحه قيمته .

2 - تشكيل الحكومة
لم يمثّل وصول عزان إلى الحكم تغييراً في شخص القائد فقط ، بل في طبيعة الحكم نفسه وأسسه أيضاً ، فقد سجّل تولّي الإمام الجديد مرحلة هامة بإلغاء نظام الوراثة وثقافتها ، ولكنه كان مثّل أيضاً ما يشبه التصحيح لمجرى التاريخ العُماني . وكانت إعادة عقد الصلة مع التاريخ الإباضي تعني أيضاً ، بالنسبة للعلماء ، إعادة عقد الصلة مع المستقبل ، وتحدّياته الجسام .
كان مجلس الشورى مؤلَّفاً من قادة الثورة ، وكانت السلطة الاستشارية والتنفيذية العليا مركّزة في هذا المجلس . وكان إلى جانب الإمام ، رئيس الحكومة وقائد الجيش والمسؤول عن بيت المال ، ثلاث شخصيات تاريخية . الأولى شخصية سعيد بن خلفان الخليلي الذي كان مرشد الثورة ومنظّمها ومرجعها التشريعي والقانوني ورئيس القضاة ، بل السلطة الأخلاقية العليا وأباً للثورة ، فضلاً عن قيامه بمنصب حاكم العاصمة مسقط .
كان الخليلي ، على غرار أسلافه ، يسعى منذ شبابه إلى بناء إمامة مماثلة لإمامة الجلندى بن مسعود أو لإمامتَي الصلت بن مالك وناصر بن مرشد في القرن السابع عشر .
تمثلت الشخصية الثانية بصالح بن علي الحارثي ، قائد قبيلة الحرث ، وصالح هذا من تلاميذ الشيخ الخليلي ، وقد انخرط في الثورة منذ بدايتها . كان عضواً في حكومة عزان ، ولكن تأثيره على القرار السياسي كان محدوداً نسبياً .
أما الشخصية الثالثة فالعالم محمّد بن سليّم الغاربي وهو عضو نافذ في قبيلة آل سعد المقيمة على ساحل
الباطنة .
كـان لآخرين سـوى هـؤلاء أدوار لا يستهان بها في الـحـكومة ، كإبـراهيم بن قـيـس ، شقـيق الإمــام ، وهــو شـخـصـيـة عـسـكـريـة بـارزة وهـلال بــن سـعـيـد البوسعـيدي ، ولكن الأمر

الأهمّ هو أن المحرّك الأساسي لهذه المجموعة كان المثل الإباضي للدولة الإسلامية : الإمامة . وهذا ما جعل القوة الأخلاقية لهذه الشخصيات القليلة وإيمانها وتضامنها يطبع النظام الجديد بطابع نادر .

3 - من برنامج الحكومة إلى المراحل الأولى للنهضة
تمحور برنامج الإمامة ، بصورة رئيسية ، حول أربع نقاط :
أولاً ، إلغاء السلطة المستقلّة للقبائل المعارضة للإمامة بإخضاعها من جديد للسلطة المركزية ، ووضع حدّ لحالة الفوضى وإعادة تطبيق القوانين الإباضية وتعيين قضاة وولاة جدد . كانت كلّ هذه الأطراف حيوية من أجل إعادة توحيد المجتمع العُماني في إطار النهضة .
ثانياً ، تحرير منطقة البريمي من الاحتلال الوهّابي ووضع حدّ نهائي لنفوذ الوهّابيين في عُمان .
ثالثاً ، وضع حدّ للنفوذ والسيطرة البريطانيين والعمل على إلغاء الالتزامات والاتفاقات التي فرضت على عُمان خلال عهد السلطنة . وكذلك محاولة الحصول من بريطانيا على الاعتراف بإمامة عزان ، مع إعادة تأكيد استقلال عُمان وسيادتها دون تحفّظ .
رابعاً ، استعادة زنجبار ومعالجة قضيَّتي جوادر وبندر عباس اللتين كانتا خاضعتين لعُمان قبل الثورة .
من جانب آخر ، وكما هو معتاد ، أرسل عُلماء عُمان كتاباً إلى إخوانهم إباضيّي شمال إفريقيا يعلمونهم فيه بوصولهم إلى الحكم وذلك ، على حدّ قولهم ، لوضع حدّ لحالة القمع وانتهاك المقدّسات وعدم تطبيق القوانين الإسلامية وسيادة الجهلة ، ولإعادة العدالة والمساواة تحت حماية الإمامة . وقدموا كذلك في هذه
الرسالة إمامهم الجديد (21) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) لمزيد من التفاصيل حول محتوى هذا الكتاب ولغته الخاصة ، راجع : السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 200 .

كان أول تدبير اتخذته الحكومة ، على الصعيد الداخلي ، التنفيذ الفوري والحازم للنقطة الأولى من هذا البرنامج . إذ سرعان ما أنهت حكومة عزان حالة الفوضى التي تسود البلاد ، لا سيّما في المدن الكبيرة ، وطبّقت القوانين والشرائع الإباضية . وسُمِّي قضاة وولاة جدد في المناطق الخاضعة لسلطة الإمامة . وقرّرت الحكومة كذلك مصادرة أموال وأملاك السلطان السابق ، وعدّت هذه الأموال جزءاً من بيت المال . وقد أقرّ العلماء هذا التدبير بناء على سابقة تعود إلى القرن الخامس عشر ، حيث قرّر الإمام عمر بن الخطاب اليحمدي ( 1451 - 1490 ) مصادرة أموال الملوك النبهانيين (22) .
أما على الصعيد القبلي ، فعلى الرغم من أن الإمام تمتّع بدعم غير محدود من القبائل الهناوية وكذلك ، على حدّ قول السالمي ، من بعض قادة القبائل الغافرية ، فإن البعض الآخر من قادة هذه الأخيرة ، وهي المعارضة للإمامة تقليدياً ، عارض الحكم الجديد .
إنصرف الإمام عزان إلى معالجة المعارضة القبلية دون تردّد . وقد طبّق نفس التدابير الصارمة التي طبقها الإمام ناصر بن مرشد ، قبل قرنين ونصف القرن ، لوضع حدّ للسلطة القبلية المتمرّدة . وهكذا تحقّقت وحدة عُمان في إطار الإمامة باستثناء ساحل عُمان . وكان ذلك أول هدف أنجزه الإمام عزان في أول سنة حكم له .
وهو ما يعلّق عليه لوريمر بالقول :
" وأثبت نجاح عزان الساحق هذا أنه رجل على قوة في الخلق والعزيمة لم تألفها عُمان في حكومتها منذ زمن بعيد " (23) .
ويشـير لاندن إلى أن أهـمّ مـا أنـجـزته حـكـومة عـزان هـو إخـضـاعـهـا البـلاد كـلـهـا
لـسيـطـرتهـا وهـذا مـا لـم يـتـسـنَّ إلّا للـقـلـيـل مـن رجـال الحكم في عُـمان (24) . مـن جـانبه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(22) المرجع السابق ، ص 206 .
(23) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 748 .
(24) لاندن ، (ر.ج) ، مرجع سابق ، ص 269 .

يسجّل بيللي بهذا الصدد أن تمسك هذه الحكومة بالنظام المركزي بدلاً من النظام الإقطاعي المفكّك أمر يدعو إلى العجب (25) .
وقد أسهم إبراهيم بن قيس ، شقيق الإمام ، في تحقيق هذا الهدف الأول : فوفقاً للأهداف التي رسمتها الإمامة ، قام بعدة حملات على القبائل الغافرية التي كان يقودها الجبري في منطقة إزكي ، ثمّ أخضع قبيلة آل بو علي في منطقة جعلان (26) . ومنذ ذلك الحين ، فتح الطريق أمام استكمال البرنامج الإباضي .
4 - قضية واحة البريمي
وقعت واحة البريمي تحت نفوذ الوهّابيين لدى توسّعهم في القرن التاسع عشر . وتوطّد هذا النفوذ على أثر تبنّي قبيلة النعيم للوهّابية (27) . كانت هذه القبيلة تعاني من الاحتلال الوهّابي ، وشكل انتخاب الإمام عزان فرصة لها للخلاص من ذلك الاحتلال . وهكذا طلب قائدها محمّد بن عليّ مساعدة عزان لطرد الوهّابيين . فأعلن الإمام ، الذي لم يكن ينتظر سوى هذه الدعوة ، الحرب عليهم (28) .
وفي 18 كانون الثاني (يناير) 1869 ، وبعد أربعة أيام من هجوم قويّ ، حُرِّرت البريمي من الاحتلال . وعلى الفور ، اتخذ عزان تدابير لإزالة آثار النفوذ الوهّابي بصورة كاملة . فأُلغيت القوانين الوهّابية المفروضة على هذه المنطقة وعُيِّن لها قضاة وولاة من السكّان . كما قام الإمام ، على الفور ، بردّ
الأموال التي صادرها الوهّابيون لأصحابها الأصليين .
ومـرّة أخـرى ، سـجّل عـزان نـقـاطـاً لـصـالـحـه بـفـرض نـفـسـه قـائـداً يـجـمـع إلـى الـقـوة الـعدل . ويـلاحــظ كـيـلي أن نـجـاح الإمـام فـي طـرد الـوهّابـيـيـن مـن الـبـريـمـي أســـهـم فـي اكـتـســابه الـثـقـة والـــقـبـــول لـدى الـمـواطـنــيـــن الــمـحـلّيـيـن الــذيـن ظـــلّــوا لــعـدة أعـــوام يــواجــهــون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(25) أنظر : كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 570 .
(26) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص ص 211 - 212 .
(27) راجع القسم الثالث من الفصل الرابع والفصل العاشر .
(28) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 208 .
صلف الوهابيين والخوف الدائم من عدوانهم (29) .
وهكذا أحرزت الإمامة ، منذ السنة الأولى من عهدها ، خمسة نجاحات تاريخية : إعادة توحيد المجتمع العُماني ، إلغاء القوة القبلية ، تحقيق السلام والاستقرار الداخليَّين ، تحرير البريمي ، وأخيراً إعادة نظام الإمامة . وبهذا الخصوص تسجّل التقارير البريطانية الملاحظات التالية :
" في خريف عام 1869 ، وصل نفوذ الإمامة في عُمان إلى ذروته ، وكان أقوى حكم شهدته عُمان في كل تاريخها . فقد امتدت سلطة الإمام عزان حتى شملت البلاد كلها ، داخلها وخارجها ، مناطقها الساحلية ومناطقها القبلية . (.....) وهو عمل يحق للإمام عزان أن يفخر به " (30) .
وقد مرّ الإمام ، لدى عودته المظفرة من البريمي ، بمنطقة " ساحل عُمان " وكان لهذه الزيارة هدف مزدوج : التذكير بالروابط التاريخية والمصالح المشتركة أولاً ، وتهميش النفوذ الوهّابي فيها ثانياً . وفعلاً ، وقّع الإمام عزان اتفاقية دفاع متبادل ضدّ الوهّابيين مع زايد بن خليفة الأول ، رئيس قبائل بني ياس في أبو ظبي (31) .
5 الإمامة وبريطانيا : العلاقات الخارجية
في الوقت الذي كان الإمام يعمل فيه على حسم القضية القبيلة وإعادة توطيد نظام الإمامة في الداخل ، باشر ، بصورة موازية لذلك ، معالجة شؤون السياسة الخارجية ، وخاصة الشائك جداً من بينها : العلاقة مع بريطانيا . ويلخّص لوريمر موقف الدولة الاستعمارية من إمامة عزان كما يلي :
" أسخط استيلاءُ عزان على الحكم بدايةَ الأمر السلـطات البريطانية أكثر ممّا أسخطها ربّما سَلَفُه قاتل أبيه " (32) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(29) كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 571 .
(30) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 274 .
(31) . I.O.R : R/15/6/36, The " Clyde " Affair, p.11
(32) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 754 .
وبالفعل ، فإن ما أقلق بريطانيا هو أن الحاكم الجديد كان إماماً منتخباً يتمتّع بشرعية كاملة وشعبية عظيمة ، وأنه كان ينتمي إلى الحركة الإباضية التي يقوم فكرها منذ ولادتها قبل ألف عام ، أي قبل أن تعرف بريطانيا مفهوم السيادة والأمة ، على الاستقلال وسيادة الأمة والوطن .
وأكثر من ذلك هو أن برنامجَ الإمامة الوطنيَّ كان يرمي إلى جعل كل الاتفاقات والتعهّدات التي فرضتها بريطانيا على عُمان باطلة . وكان هدف هذا البرنامج ، أيضاً ، إلغاء القرار البريطاني الذي فصل زنجبار عن عُمان عام 1861 ، وإعادة توحيد القسمين - تلك هي الأسباب الحقيقية لغضب بريطانيا .
ومهما يكن من أمر ، فقد تصرّف الإمام عزان حيال الحكومة البريطانية تصرّف رجل دولة ، حيث أرسل وفداً عُمانياً إلى الهند ليدرس صيغة العلاقة العُمانية - البريطانية ، وليحاول إعادة تأسيسها على مبدأ المساواة المتبادلة . كان هدف هذه البعثة النهائي هو الحصول على الاعتراف البريطاني ، ولكن عبثاً ، لأن بريطانيا لم تردّ بصورة إيجابية على هذه المبادرة العُمانية وعاد الوفد خائباً .
والأكثر من ذلك ، هو أن بريطانيا بذلت جهدها لخنق إمامة عزان الفتية وخنق تجربة إعادة البناء هذه .
فعندما أسْقَطَ ناصر بن ثويني ، ابن السلطان المتوفّى ثويني ، حاكم الإمام في جوادر واستولى على الحكم فيها ، سارعت بريطانيا ، مثلاً إلى تأييد هذا الانقلاب (33) ودعمته باعتراف رسمي ، وبالمقابل ، عندما بادر الإمام عزان إلى إرسال سفينة حربية لاستعادة جوادر ، منعه المقيم البريطاني في مسقط من ذلك (34) .
يبـقى أن ذلك لم يكن الموقف المتحيّز الوحيد الذي اتخذته بريطانيا حيال سياسة الإمام . فقد أقنع البريطانيون السلطات الفارسية بإلغاء العقود الموقّعة مع عُمان أثناء حكم ثويني والمتعلّقة خاصة بتأجير ميناء بندر عباس . ومنعوا الإمام كذلك من بسط سلطته على هذا الــميـنـاء . وأصـبـحــت الـقـضــيـتـان ، مــسـألـة جــوادر ومـسـألـة الـسـيـطـرة عـلـى بـنـدر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(33) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 281 .
(34) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 754 .

عباس ، ورقتين بين أيدي القادة الإنكليز تسمحان لهم بالضغط على حكومة الإمام .
على أن هاتين المسألتين لم تكونا سلاحهم الوحيد . فقد كانت بريطانيا تستطيع أن تلعب ، على هواها ، بزمام الاقتصاد والتجارة . ولم تتوقّف عن إعاقة نشاط المراكب التجارية العُمانية من على طريقَي الهند وإفريقيا الشرقية . وتذرّعت ، أيضاً بوجود جاليات هندية في مسقط ومطرح لتندسّ في السياسة الداخلية العُمانية ، بحجّة تبعية الأقليات المذكورة للتاج البريطاني .
6 - الاعتراف البريطاني والقضية الوهّابية
في تشرين الأول (أكتوبر) 1869 ، قرّرت حكومة الهند البريطانية إرسال الكولونيل بيللي إلى مسقط لدرس الوضع الداخلي للإمامة . وفي تلك الفترة ، كان الإمام عزان يعمل على حلّ خلافه آل بو علي في المنطقة الشرقية . وتدلّ التقارير الرسمية البريطانية على أن الاعتراف البريطاني بحكم الإمام كان يتوقّف على نتيجة هذا النزاع . وكتب بيللي أنه لو خرج الإمام عزان منتصراً من المواجهة المسلّحة مع
هذه القبيلة لوطّد حكمه إلى درجة يبسط معـها ، على إقليم مسـقـط ، حكماً أكثر حـزماً مـن أيّ حـكـم آخـر (35) .
كان ما يؤخّر قرار بريطانيا النهائي ، فضلاً عن توطّد نظام الإمامة ، هو المسألة الوهّابية . فالاعتراف الرسمي بعزان كان يمكن أن يؤدّي إلى إثارة غضب الوهّابيين على بريطانيا . من جهة ، وإلى تقوية حكم عزان أمام خصومه من جهة أخرى (36) ، وهو ما لم تكن بريطانيا ترغب فيه .
وقد أخذ بيللي ، بعده تأكّده من متانة الإمامة ، في دراسة وضع الأقلية الهندية ليحاول أن يتبيّن ، ما للتدابير والقوانين الإباضية عليها من تأثيرات سلبية . ولكن بيللي ، على عكس ديسبرو (Desbrew) ، المقيم البريطاني في مسقــط الذي كــان عــدّواً لـدوداً للإمـام عــزان وحــكـــومـتـه ، وجــد أن هــذه الأقــلـيـات لا تـعـانـي مــن أي قـمـــع أو تــمـيــيـز ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(35) . I.O.R : R/15/6/36, The " Clyde " Affair, p.7
(36) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 757 .
لا دينياً ولا عرقياً . وأنها على العكس من ذلك ، تتمتّع بكلّ امتيازات الضيافة والكـرم العُمانيين التقلـيديين .
والواقع أن العلاقات العُمانية - الهندية قديمة جداً . والأقليات الهندية وغيرها عاشت في عُمان بسلام وأمن في ظل نظام الإمامة كما في ظل نظام السلطنة . ولم يتعكر مناخ التفاهم بين الشعبين العُماني والهندي إلّا منذ أن زرعت بريطانيا نفسها في المنطقة وفرضت نفسها " وسيطاً " .
وفي هذه الأثناء ، كتب الإمام بعد عودته من البريمي ، في 19 آب (أغسطس) 1869 ، رسالة إلى بيللي يعرض فيها ، النجاح الكامل لحملته التي تُوِّجت بالتحرير السريع للبريمي ، وممّا جاء في رسالته :
" بعد أربعة أيام من المعارك تمّ تحرير البريمي . فأُنقذ شعب تلك المنطقة من قمع الوهّابيين ومضايقتهم . وأُرجعت الأموال والأملاك التي كان الوهّابيون قد صادروها إلى أصحابها الحقيقيين . وهم يحمدون الله على تحريرهم . إنهم ، من الآن فصاعداً ، في سلام " (37) .
واختتم الإمام رسالته بالطلب من بيللي النظر بعين الرعاية إلى قضية الاعتراف بإمامته ، وأضاف أنه سيبقى منتظراً لهذا الاعتراف . وكان عزان قد كسب احترام الكولونيل بيللي وإعجابه إلى درجة أنه كتب ، مع رسالة جوابية أرسلها للإمام ، هذه الملاحظة الجافة إلى ديسبرو :
" أتــشرّف بـأن أطلــب إليكم تسليم هــذه الرسالـــة إلى عـزان بصورة مهذّبة ثمّ إعلامي بأنكم فـعلتم ذلـك " (38) .
وقد وعد بيللي الإمام عزان بتقديم طلبه إلى حكومته وتأييده . وبالفعل كتب بيللي في 18 نيسان (أبريل) تقريراً إلى سلطاته طلب فيه الاعتراف بحكومة عزان ، وكان هذا الطلب يشير إلى النقاط التالية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(37) I.O.R : L/PS/9/50, Letter from the Imam Azzan to Colonel Pelly, p. 1159 .
(38) . I.O.R : L/PS/9/50, Letter from Colonel Pelly to Desbrew, p. 1159

" يجب أن نعتبر أن مثل هذا الاعتراف يستلزم ، ربّما ، إعادة جوادر وممتلكات مسقط الخارجية الأخرى ، بوساطتنا (...) وكذلك تجديد تأجير بندر عباس وتوابعه والإبـقاء على دفــع مـساعـدة زنـجـبار " (39) .
ومن السهولة بمكان تقدير التأثيرات الإيجابية لمثل هذه النقاط على الوضع الاقتصادي ، وخاصّة النشاط التجاري لا سيّما أن الإنتاج الزراعي كان قد بدأ يتحسّن تحسّناً واضحاً خلال تلك الفترة .
وفي تقرير آخر ، مؤرخ في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1869 ، يشير بيللي إلى أن الإمام ، إلى حين الاعتراف بحكومته ، حرّ من كل الالتزامات التي تنطوي عليها الاتفاقيات مع بريطانيا ؛ ولكن حكومة الهند البريطانية لم تتقبل رأي مقيمها في الخليج وردّت عليه ما يلي :
" إن المعاهدات المعقودة بين الحكومة البريطانية ومسقط تبقى سارية المفعول بصرف النظر عن كل
التغييرات التي يمكن أن تحدث في التكوين الداخلي لحكومة مسقط ، أو في شخص قائدها . ومن المستحيل أن نعتبر معاهداتنا معلّقة في حين أننا أبقينا ، باستمرار ، وكيلاً مقيماً في مسقط وألححنا على الحقوق والامتيازات التي تضمنها لنا هذه المعاهدات " (40) .
تلك هي لغة المنطق الاستعماري . ولكن لم يكن لها لدى الإباضيين خاصة أيّة قيمة . ذلك أنه كيف يمكن لأئمّة منتخبين تجديد تعهّدات فرضت على سلاطين ؟ وكيف يمكن أن نتخيل إمامة تناضل من أجل الحرية تتقبّل تعهّدات ذات طابع استعماري ؟ ومهما يكن من أمر ، وعلى الرغم من أن حكومة عزان لم تعلن موقفها الرسمي حيال التعهدات المعنية ، فإنها اعتبرتها ، عملياً ، باطلة ولاغية .
وفي بداية عام 1870 ، فرضت حكومة الإمامة ، القوية بنجاحاتها الداخلية ، نفسها بصورة كـامـلـة عـلـى المـسـرح السـيـاسـي لـلـمنـطـقـة . ولـذلـك ، لـم يـكـن أمـام بريطانيا مـن خـيار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(39) . I.O.R : R/15/6/36, The " Clyde " Affair, pp.11 et 21
(40) . Ibid,p.10


سوى التراجع وإعادة تقويم موقفها العامّ منها . وفي رسالة مؤرّخة في 13 شباط (فبراير) 1870 ، توجّه الكولونيل بيللي ، وبدرجة كافية من الحزم ، إلى حكومته طالباً منحه كل السلطات الضرورية للاعتراف رسمياً بحكومة عزان بن قيس (41) .
كانت هذه التطوّرات الهامة وقوة الإمامة المتنامية قد أثارتا مناقشة حامية داخل الحكومة البريطانية في لندن . فكتبت سلطات لندن إلى حكومة الهند البريطانية مذكّرة اعترفت فيعا بحيرتها وعجزها عن السير
في اتجاه سياسي واضح حيال حكومة عزان . وهذا ما تشهد عليه :
" إننا ندرك الصعوبات التي سنواجهها ، في حال الاعتراف بحكومة الأمر الواقع (De facto) القائمة في مسقط قبل أن تتوضح توجهات حكومة صاحبة الجلالة فيما يتعلّق بالسياسة التي يجب تبنيها ، مستقبلاً ، ومن أجل ذلك نطلب بإلحاح توضيح النقاط التالية :
أولاً ) هل إن الاعتراف بعزان بن قيس يجب أن يصاحب بتصريح عن سياستنا المقبلة حيال مسقط ، وببيان عن نيتنا الإبقاء على كل المعاهدات القائمة مع دولة مسقط ، وإذا لم تكن حكومة صاحبة الجلالة مستعدّة للإبقاء على كل المعاهدات والتعهّدات السابقة ، فمن الضروري أن نعلم ما هي تلك التي يُقترح التخلّي عنها وتلك التي يقترح إبقاؤها .
ثانياً ) هل ينبغي الاستمرار في ضمان دفع معونة زنجبار . وفي حال لم نستمر في ضمان ذلك هل يجب إعلام حاكم مسقط أننا سنتدخّل لمنع العودة إلى الوضع الذي كان قائماً عندما تصرّف اللورد كاننغ (Canning) كوسيط بين عُمان وزنجبار . وهل علينا ، في حال قيام تهديدات بالقتال ، كما كان الوضع آنذاك ، أن نرسل قوة مسلّحة لمنع حاكم مسقط من المطالبة بما يعتبره - دون شكّ - حقاً مكتسباً " (42) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(41) . Ibid,p.15
(42) . Ibid,p.22 , 23



أمّا النقاط الثلاث الأخرى فكانت متعلقة بقضيَّتي جوادر وبندر عباس ، وكانت تعترف ، ضمناً ، بسلطة عُمان على هاتين المنطقتين . وعلى وجه الإجمال ، تُظهر هذه المذكرة ، دون التباس ، تراجعاً واضحاً في الموقف البريطاني . فلم يعد اعتبار التهديدات السابقة وقضية زنجبار نقاطاً لا تقبل التفاوض عليها .
وفي حين كانت حكومة الهند البريطانية تجد نفسها في حالة تردّد وحيرة حيال حكومة الإمامة ، كانت هذه الأخيرة تواصل مراكمة المكاسب في موضوع السياسة الخارجية . ففي 12 آذار (فبراير) 1870 وصلت سفينة فرنسية إلى مسقط كان قائدها يحمل اعتراف حكومته الرسمي بإمامة عزان . وجاءت ، أيضاً ، بعد ذلك مباشرة ، سفينة هولندية تحمل اعتراف بلادها بالحكومة العُمانية (43) .
أقلق هذا الاعترافان بريطانيا التي لاحظت ، فضلاً عن ذلك ، أن فتح قناة السويس ، عام 1869 ، سوف يعدّل المعطيات السياسية في الخليج لصالح إمامة عزان . ونتيجة لذلك ، أمرت حكومة الهند البريطانية الكولونيل بيللي بأن يسرع في الاعتراف رسمياً بحكومة الإمامة . كذلك ، كان من الطبيعي أن تجعل هذه النجاحات السياسية والديبلوماسية الإمام عزان يتأهب بمطالبة الإمبراطورية البريطانية بالاعتراف باستقلال عُمان وسيادتها .

القسم الثالث
منعطف 1870 وسقوط الإمامة
مجدداً ، دخلت المسألة الوهّابية لتقلب مجرى الأحداث في المنطقة ولتُعيقَ الاعتراف البريطاني . ذلك أن حكومة الهند البريطانية علمت أن الوهّابيين يحضّرون هجوماً واسعاً جداً على البريمي ، وأن سالم ، السلطان السابق ، سيشترك فيه . وبالفعل ، أرسل الوهّابيون رسالة تهديد إلى الإمام عزان الذي يم يأبه لها ولكنه تهيَّأ لاحتمال هجومهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(43) . Ibid,p.11

إلّا أنه لم يكن للهجوم ولا للاعتراف البريطاني أن يحدثا . فقد دخلت الأحداث في هذه اللحظة التاريخية منعطفاً جذرياً . إذ توصّل السيِّد تركي بن سعيد إلى إقناع الحكومة البريطانية بقدرته على قلب إمامة عزان ، وطلب المساعدة الإنكليزية . ووافقت بريطانيا على مساعدته شريطة أن يتخلّى ، نهائياً ، عن
آرائه حول إعادة ضمّ زنجبار . نتيجة لهذا التعهّد ، قدّمت له بريطانيا دعمها المادّي والمعنوي . وفوق ذلك ضمنت له دعم أخيه ماجد ، سلطان زنجبار .
أما على الصعيد الداخلي ، فكانت القبائل الغافرية مستعدة تمام الاستعداد لدعم " ثورة مضادة " تقلب الإمامة ، وكذلك كان الأمر بالنسبة لقبيلة آل بو علي في الشرقية . كما وجدت ، حتى بين الهناوية ، قبائل مستعدة لدعم السيِّد تركي نظراً لمعارضتها بعض إجراءات الإمامة .
وفي أيار (مايو) 1870 ذهب تركي بن سعيد إلى منطقة " ساحل عُمان " وحاول ، عبثاً ، أن يستحصل فيها على التأييد المعنوي والسياسي للقبائل المحلّية ، لأن شيخ أبو ظبي ، زايد بن خليفة الأول ، المؤيد لعزان ، طلب إلى الشيوخ الآخرين عدم تأييد مشروع تركي . إلّا أن محاولته الثانية كُلِّلت بالنجاح . فقد وافق كل الشيوخ على دعمه باستثناء زايد بن خليفة الذي رفض ذلك وتمسّك ، بحزم ، بموقفه لخوفه من أن يفتح رحيل الإمام عزان الباب واسعاً لعدوان وهابي .
وهكذا جمع تركي كل الشروط اللازمة لنجاح خطته : الاستعداد القبلي الغافري ، تأييد شيوخ " ساحل عُمان " ، تأييد الوهّابيين الذين كانوا يريدون الانتقام من الإمام ، المساعدة المالية والسياسية من زنجبار ، وأخيراً مساندة بريطانيا .
وفــي أيلول (سبتمبر) 1870 نزل تركي في منطقة خورفكان واتجه نحو البريمي حيث التقى قبائل بني جتب وبعض قبائل النعيم ، في حين رفض قائد النعيم ، على غرار زايد بن خليفة ، الانضمام إلى العملية . واستطــاع تــركــي ، مــع ذلــك ، جــمع حــوالي أربعة آلاف رجــل (44) . وفي 12 تــشــريــن الأول (أكــتــوبــر) 1870 ، الــتــقــى جــيــــشــه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(44) . Ibid,pp.28 et 32

وجيش الإمام في منطقة ضنك وفي هذه المعركة حلّت بجيش الإمام أول هزيمة كبيرة .
وبعد ذلك بقليل ، مع نهاية عام 1870 ، التقى جيش سيف بن سليمان البوسعيدي ، وهو حليف آخر
لتركي ، بجيش الإمام . ودارت معركة طويلة شهدت في 30 كانون الثاني (يناير) 1871 ، موت الإمام عزان وخصمه . ولم تلبث الإمام نفسها أن سقطت . وإن ربح تركي المعارك التي جرت بعد ذلك ضدّ الإمامة ، ودخل العاصمة منتصراً ، غير أنه لم يعرف فيها السلام .
فعلى الرغم من سقوط الإمامة ورموزها ، واصَلَ الخليلي وابنه وجماعته المقاومة في قلعة مسقط . وألهمته إرادته الثابتة على مواصلة نضال الإماميين أن يطلب إلى إبراهيم بن قيس ، شقيق الأمام المتوفّى ، أن يقبل خلافته . ولكن إبراهيم لم ير نفسه على مستوى المهمّة ، فأعتذر عن هذا العرض وانسحب مع جماعته إلى عُمان الداخل .
حاول جيش تركي ، عبثاً ، ثني إرادة العالم الخليلي الذي كان قد كرّس كل حياته لمعتقداته ومثله الإباضية العليا . كما حاول بعض القادة القبليين ، بعد ذلك ، أن يلعبوا دور الوسطاء ، ولكن الخليلي طعن بهم آخذاً عليهم خيانتهم للإمامة . إلّا أنه قبل الوساطة الرسمية للكولونيل بيللي وللمقيم البريطاني في مسقط ، الميجر واي (Way) الذي كان قد حلّ محل ديسبرو . وقد نجم عن ذلك اتفاق بين الخليلي وتركي وواي . نصّ على تسع نقاط ، من بينها :
أن لا حسابات على الخليلي يؤديها لأحد على كونه دخل في خدمة الحكومة الماضية ، ولا على التغييرات الطارئة على الأشخاص والممتلكات خلال وجود هذه الحكومة .
أن بوسعه الإقامة حيث يريد وأن السيّد تركي ملزم بحمايته من مضايقات أيّ شخص يتقدّم باتهامات ضدّه وفي المقابل يتعهّد الخليلي بألّا يساند أو يشجّع أي عدوّ للسيِّد وألّا يُبيِّت نية سيئة تجاهه .
كـمـا طالب الخليلي بألّا يُرَخّـص لقـادة الـقبـائـل الـغـافـريـة ، أو قـادة الـهـنـاويـة ، إيقـاف أو



مضايقة أصدقائه والمقرّبين إليه : عبدالله بن سليمان بن حمودة ، سيف بن علي ، حمد بن خليفة ، نجم بن
محمد وآخرين (45) .
وحرص بيللي بأن يضيف إلى هذا الاتفاق فقرة أشار فيها إلى أن بريطانيا غير مسؤولة عن حسن تنفيذه منكراً بذلك الدور الرسمي لبريطانيا ؛ وإذا كان الكولونيل بيللي حاول التملص من الاتفاق سياسياً ، فإنه ، شاء أم أبى ، مسؤول عنه أدبياً . وفي النهاية ، فإن كلمة بيللي وواي والتزامهما الأدبي هما اللذان جعلا الشيخ يقرر النزول من القلعة التي اعتصم فيها .
على أن هذا الاتفاق لم يُلتزم به ويُحترم . فبعد شهر من قبول الخليلي الخروج من القلعة ، حيكت مؤامرة ضدّه وضدّ ابنه . فقد اتُّهم بإجراء اتصالات مع إبراهيم بن قيس وبتحريضه على التمرد . واستُدعي الشيخ الخليلي إلى مقابلة السلطان تركي الذي أعلمه ، كما يقول السالمي ، بغضبه وقال له : " أخرجتمونا من أوطاننا وفعلتم وفعلتم ... " ، فردّ الشيخ ، " ما فعلنا إلّا ما تقتضيه الشريعة " . فما كان من السيّد تركي إلّا أن أمر بتقييده مع إبنه وإيداعهما سجن الجلالي (46) . وفي صبيحة 16 شباط (فبراير) 1871 ، أعلنت وفاة الخليلي ، وفي 17 شباط (فبراير) أعلنت وفاة ابنه محمد (47) .
وفتح الميجر واي ، الذي كان قد رتّب المفاوضات ورعاها وحصل على ثقة الشيخ الخليلي ، تحقيقاً رسمياً حول الموت الغامض لهذا العالم وابنه . وتُبيّن الوثائق الرسمية البريطانية أن الشيخ وابنه عوملا معاملة سيّئة وضُربا حتى الموت ، ثمّ دفنا في قلعة الميراني (48) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(45) . Ibid,p.32 - 33
(46) السالمي ( عبدالله بن حميد ) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، 226 .
(47) . I.O.R : R/15/6/36, The " Clyde " Affair, p.34
(48) I.O.R : R/15/6/36, Confidential : Letter from Political Agent, Muscat, to Political Resident, Bushire, June 27,1929,p.219 .
أنظر أيضاً : . wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.237

كان التبرير الرسمي للسلطة العُمانية أن موت الخليلي وابنه نجم عن " الإسهال والخوف " . أما الميجر الذي عرف الحقيقة فقد صعق من هذا التبرير وتحسساً منه بمسؤوليته الأدبية ، لم يكن منه إلّا أن وضع المسدّس في رأسه وانتحر (49) .

1 - تأملات حول سقوط الإمامة
نجحت بريطانيا في إفشال ثاني أكبر ثورة عُمانية في التاريخ الحديث بعد ثورة اليعاربة في القرن السابع عشر . وهكذا أجهض مشروع الدولة الإسلامية الإباضي ، ودُمِّر حلم أغلبية العُمانيين من جديد . وهذا الواقع يقودنا إلى سؤال يستحقّ الوقوف عنده - سؤال مفاده : ما هو المنطق الحقيقي الذي حمل بريطانيا على إعاقة مجرى التاريخ العُماني ونموّ حضارته ؟
سوف يكون من قبيل الاختزال أن لا نرى ، خلف هذا المنطق ، سوى مصالح استعمارية . إنها حقيقة هامة بالتأكيد ، ولكنها لا تكفي لتفسير جهل القوة الاستعمارية الكلّي بتاريخ هذه المنطقة ، وخاصّة عُمان ، وثقافتها وقيمها وحضارتها . بادجر (Badger) ، وهو سياسي ورجل كنيسة عاصر الأحداث وكان كذلك عضواً في لجنة كوغلان (Coghlan) التي اتّخذت قرار فصل زنجبار ومترجم كتاب ابن رزيق الأئمة والسادة ، يقدّم شهادة لا لبس فيها حول هذا الموضوع حيث يقول :
" من الجدير بالملاحظة (...) أنه على الرغم من علاقتنا السياسية والتجارية الوثيقة بعُمان منذ القرن الماضي ، فمعرفتنا بهذا البلد ، إلّا الساحل منه ، أقلّ من معرفتنا ببحيرات إفريقيا الوسطى " (50) .
بدوره أشار ولنكسون غلى عجز الإنكليز أو سوء نيتهم فيما يتعلّق باستيعاب واقع المنطقة وثقافتها وقبولهما :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(49) wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.237 .

أنظر أيضاً : كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 568 .
(50) راجعه في : . wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.237
" هناك ، أولاً ، عجز أو سوء نية من جانب حكومة الهند ووكلائها في الخليج فيما يتعلّق بتفهّمهم لكل وجهة نظر محلية لا تتفق مع وجهة نظرهم " (51) .
كذلك الأمر ، فكلٌّ من بادجر وبيللي ، وهما شخصيتان هامتان ، يعبّران عن وجهات نظر تؤكد ما نذهب إليه ، وتدعم إحدى فرضياتنا الرئيسية ، وهي أن بريطانيا كانت وراء تدمير حضارة هذا البلد .
يقول بادجر :
" من حق السيد عزان ، مثله مثل غيره من المتنافسين على الحكم في عُمان ، أن يتولّى مقاليد السلطة فيها . فقد أظهر السيد عزان من الشجاعة والجرأة والحنكة السياسية - وهي صفات لا بد من توفرها لحفظ النظام بين القبائل المتناحرة - ما يفوق غيره من الزعماء " (52) .
وبدوره يمضي بيللي ، ببصيرة ، بعيداً في تحليله . فلقد أدرك أن إمامة عزان قادرة على قيادة المجتمع العُماني إلى مستوى وحدة ملحوظ . ومرّة أخرى ، لا يخفي بيللي ، على الرغم من كونه خصماً سياسياً طبيعياً لعزان ، إعجابه بهذا الإمام واحترامه لإنجازاته إذ يقول :
" يبدو لي أنه بصرف النظر عن العواطف الشخصية حيال حكومة السيد عزان أو الطامحين إلى خلافته من سلالة السيد سعيد ، فإن تحت هذه العواطف قضية المركزية ضدّ الإقطاعية . فخلال عهد الحكام المنتمين إلى سلالة السيد سعيد كان كلّ الزعماء ، ولا سيّما زعماء الداخل والجــنــوب ، محترمين لا تُمَسُّ سلطاتهم . لكن حكومة عزان - الخليلي ولإحلال حكّام مــحــلــيــيــن (ولاة) أو مــنــدوبــيــن عــن الــحــكــم الــمــركــزي مــحلّهم (...) ولمثل هذه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(51) . Ibid, p.326

(52) Badger (G.P.), "Introduction and analysis", in: History of the Imams & Seyyids of Oman, op.cit.,p.CXIX .


المحاولات ، من وجهة نظر أوروبية ، سوابق ناجحة . إلّا أن قابلية تطبيق مثل هذه السياسة بشكل دائم وناجح بين العرب مثار شكّ " (53) .
وفي رسالة أخرى يلخّص بيللي حياة عزان بقوله :
" لقد عاش بطلاً ومات بطلاً " (54) .
كان السبب الرئيسي لسقوط إمامة عزان بن قيس انعدام الاعتراف البريطاني . وهناك ، ولا شكّ ، جوانب اقتصادية مرتبطة بالاعتراف أو بالأحرى ، بعدم الاعتراف . ذلك أن بريطانيا كانت قد أغلقت الموانئ الهندية والإفريقية في وجه التجارة العُمانية وقد سبّب ذلك ركوداً اقتصادياً في البلاد . وهذا الوضع الذي دام أكثر من سنتين أرغم التجّار العُمانيين على مغادرة البلاد فَخَلَت مسقط من أي نشاط تجاري .
ويلخص لوريمر أسباب سقوط الإمام عزان كما يلي :
" لولا رفض الحكومة البريطانية الاعتراف به رسمياً ، وفقدانه بالتالي معونة زنجبار ، وإطلاق حكومة الهند عدوّه الخطير السيّد تركي ، لكان عزان استطاع أن يتغلب على الصعوبات التي اعترضته جميعاً ، ولاستطاع أن يقيم ملكية على درجة عالية من التنظيم والكفاءة ولو لفترة من الزمن " (55) .
إن هذه التجربة تقدّم ، على الرغم من فشلها ، درساً في التاريخ وسابقة هامة . فإلى جانب نجاحاتها على الصعيد السياسي الداخلي ، استطاعت الإمامة إرغام بريطانيا على التراجع وأوقفت ، ولو لبرهة ، توسع سيطرتها وكادت أن ترغم بريطانيا على الاعتراف باستقلال عُمان وسيادتها وشرعية حكومتها بالتأكيد .
2 - تركي بن سعيد ( 1871 - 1888 ) :
إن أهـمـيـة مـجـيء تـركـي بـن سـعـيـد هـي فـي أنـه أعـاد نـظـام السـلـطنة من جديد . إلّا أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(53) I.O.R : R/15/6/36, The " Clyde " Affair, p.29 .
(54) أنظر :كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 569 .
(55) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 761 .
وصوله سجل بالنسبة لعُمان بداية فترة طويلة من الحرب الأهلية تجاوزت عهده وعهود خلفائه . ويرى بيللي أن موت عزان فتح الطريق لتركي لكنه جعل الاستقرار شبه مستحيل (56) .
يقول ولنكسون :
" بعد الموت الرهيب للإمام العالم الجليل سعيد بن خلفان الخليلي ، أعلنت حرب لا هوادة فيها ، شبيهة بتلك التي قامت منذ ألف ومائة سنة بين الحركة الإباضية وآل الجلندى " (57) .
كان صالح بن علي الحارثي ، ثالث شخصية في عهد إمامة عزان ، قد نجا مِمّا آل إليه مصير الخليلي وواصل شنّ هجمات على مسقط . كذلك لم يتوقّف إبراهيم بن قيس ، الذي كان قد انسحب إلى داخل عُمان ، عن شنّ غارات ، هو الآخر ، ضدّ قوات تركي . وهكذا ، فإن تركي استطاع بمساعدة بريطانيا ، قلب الإمامة ، ولكنه لم يستطع ، مع ذلك ، السيطرة على الوضع الداخلي . فحتى المساعدة البريطانية بدت هذه المرة عاجزة .
وفضلاً عن ذلك ، فإن بريطانيا أعطت نفسها بعض الوقت قبل أن تعلن اعترافها بحكومة تركي . فموتُ الشيخ الخليلي وابنه المأساويُّ ، وكذلك انتحار الميجر واي ، جعلاها متحفّظة . فلم تعلن اعترافها الرسمي إلّا في 16 حزيران (يونيو) 1871 (58) .
ولكن هذا الاعتراف بدا ، على الصعيد الداخلي ، عديم الجدوى تماماً . وبناء على نصيحة الميجر روس (Ross) ،
المقيم السياسي الجديد في مسقط ، أعلنت بريطانيا حمايتها الرسمية لمدينتي مسقط ومطرح ولكنها لم تستطع ، بعد ذلك ، بسط هذه الحماية على كلّ عُمان . فقد كان إعلان 1862 الفرنسي - البريطاني المشترك يمنعها من ذلك (59) ، ( وسوف نعود إلى هذه النقطة في الفصل التالي ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(56) . I.O.R : L/PS/9/17, Muscat,1869, pp.223-231
(57) . wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.238
(58) I.O.R : R/15/6/36, The " Clyde " Affair, p.36 .
(59) راجع الفصل السادس .

لقد سمح للميجر روس ، إذاً ، بإعلان هذه الحماية رسمياً . وبالإعلان أيضاً أن بريطانيا قد قررت ، لأسباب خاصّة ، دعم موقف تركي ضدّ كل عدوان عليه ، طيلة حياته ، ولكن شريطة أن يحكم عُمان بطريقة تقبلها حكومة الهند (60) .
وفيما بعد مضت حكومة الهند البريطانية في دعمها لأسرة البوسعيدي في مسقط فصرّحت ، بدون التباس ، أن المجلس سينظر بسرور إلى إبقاء عرش مسقط في هذه الأسرة التي ربطتها بالحكومة البريطانية علاقات وثيقة منذ بداية القرن الحالي ، ولضمان مثل هذه النتائج أعلنت عن نيتها ممارسة كل النفوذ المعنوي الذي تملكه لهذه الغاية (61) .
ومن جانب آخر ، قام السلطان تركي عام 1871 - 1872 ، بمحاولة الاتصال بسلطان زنجبار ، برغش ، الذي كان قد وصل فيه السلطان تركي نفسه ، وذلك للحصول منه على استئناف معونة زنجبار . ولكن بريطانيا تدخّلت من جديد ، لتجنب عودة انعقاد الصلات السياسية والأسرية المباشرة بين الطرفين والأخوين ، وفرضت أن تدفع المعونة بواسطتها . ولكن تركي الوفيّ للوحدة العُمانية - الإفريقية ولفكر عُمان الكبرى مضى ، عام 1880 ، في محاولة شجاعة لتجاوز الوصاية البريطانية باقتراحه
على أخيه برغش أن يصبح سلطان زنجبار وعُمان معاً . وبعبارة أخرى ، كان تركي مستعدّاً للتنازل عن منصبه من أجل إعادة تكوين الوحدة العُمانية - الإفريقية على الرغم من الإنكليز (62) .
ومن الملفت أن لوريمر يذكر هذا الحدث دونما التوسع في التعليق عليه ، ولكن من البديهي أن بريطانيا وأدت هذه الخطّة قبل أن تنضج . فمن الصعوبة بمكان تصوّر تركيّ وقد انحاز نهائياً عن فكرة عزيزة عليه ، كما أنه من الصعب أن نتخيل أن يكون هــذا الــعــرض الكــريـم قــد اسـتُـقـبـل اسـتـقـــبـــالاً ســـيـئـاً مـــن جـانــب بــرغــش . بـــل يــجـدر بـنــا أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(60) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 800 .
(61) . I.O.R : R/15/6/36, The " Clyde " Affair, p.44
(62) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 802 .

نفترض أن سلطان زنجبار رأى فرصة غير متوقعة لإعادة بناء السلطنة الكبرى لمصلحته وإعادة عُمان وزنجبار موحدتين على غرار أبيه سعيد بن سلطان ( 1806 - 1856 ) . ولكن الانقسام ، بل التفكك ، كان النصيب الموعود للسلالة السلطانية العائدة ، كما كان كل بديل عظيم ممنوعاً عليها ، بعد ذلك الحين ، من جانب سيطرة بريطانية لا لاجم لها .
وكدليل على تفكّك الحكم العُماني ، نشير إلى اغتنام الوهّابيين فرصة مجيء تركي الذي كانوا قد دعموه ليوطدوا نفوذهم في واحة البريمي . وهكذا وجدت عُمان نفسها بلداً دون بنية سياسية ، ودون سلام اجتماعي ، بلداً ممزقاً بحرب أهلية قوّت من جديد الروح العشائرية والقبلية . ووجدت نفسها ، خاضعة للحكم البريطاني ، بل أصبحت إنكلترا الممثلة الرسمية لعُمان ، ولن يكون من شأن هذه السيطرة إلّا أن تتوطد في عهد فيصل بن تركي الذي نعالجه في الفصل التالي .










الفصل الثامن
عُمان بين الاستقلال والتبعية
" إن ما أتمسك به هو استقلالي . ولن
تمس بريطانيا دولتي ما دمتُ حيّاً " .
السلطان فيصل ( 1888 - 1913 )

السلطان فيصل بن تركي ( 1888 - 1913 )
طُبع عهد فيصل بن تركي بالنزاع الإنكليزي- الفرنسي وبنضال السلطان في سبيل استقلال بلاده . فبريطانيا تخلّت عن مشروع ضمّ مسقط ومطرح إليها ، وفشلت في مشروع فرض حماية مباشرة على عُمان ، نتيجة لاعتراض فرنسا ، وجدت البديل في التعهد المانع الشهير ( 1891 ) الذي تحولت معه عُمان إلى مستعمرة غير رسمية . في عام 1899 ، قرر فيصل منح فرنسا مستودع فحم فاحتجت بريطانيا بعنف وأدت هذه القضية إلى أزمة عرفت باسم " أزمة مسقط " . ولم يلبث أن أعقب هذه الأزمة عام 1905 خلافّ على شأن الأعلام الفرنسية التي كانت السفن العُمانية ترفعها ، وجرى التحكيم عليها أمام محكمة لاهاي الدولية . ولكن ذلك العهد كان أيضاً ، على الصعيد الداخلي ، عهد تمزّق ومنازعات حادة اندلعت مع سقوط إمامة عزان عام 1871 واستمرت خلال سلطنة فيصل حتى ثورة 1913 - 1920 .
القسم الأول
مأزق فيصل
تبنىّ فيصل ، غير المعروف جيّداً من المؤرّخين ، على عكــس الســلاطين الــذين ســبــقوه ، مــواقــف وطــنــيــة واضــحــة ، وحــاول الــتــعــبير عن موقف حازم من بريطانيا . وقد
اعتبرت حكومة الهند التي كان يرئسها ، إذ ذاك ، نائب الملك اللورد كورزون (Curzon) والحكومة البريطانية برئاسة اللورد سالسبوري (Salsbury) ، هذا الموقف تحدّياً غير مقبول من جانب " أمير صغير " ، كانتا قد فضّلتاه على أخيه الأكبر محمّد ، ولم يكن ينبغي عليه أن ينسى أبداً أنه مَدين لهما بوصوله إلى الحكم .
غير أن فيصل لم يرغب في أن يكون حكمه مجرّد امتداد لحكم والده . بل كان يطمح إلى أن يصبح سيّد دولة موحّدة ، مستقلّة استقلالاً حقيقياً عن أيّ نفوذ أجنبي . ويبدو أن فيصل كان ممتعضا بنوع خاص من سيطرة الإنكليز على سياسة حكومة مسقط ، لا سيّما أنه لا يجد لذلك مبرراً منطقياً (1) .
ولم يكن السلطان الشابّ الذي تولّى الحكم في الرابعة والعشرين من عمره يرمي إلى بناء سلطنة مستقلّة فقط ، بل كان متأثراً أيضاً ، إلى درجة معينة ، بالنموذج الإباضي للدولة الإسلامية : الإمامة . ولذلك أعطى نفسه لقب إمام بدل لقب سلطان . وكلّف العالِم نور الدين عبدالله السالمي ، بكتابة تاريخ عُمان
المعروف بــ تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان .
ولكن الحركة الإباضية التي دخلت بعد سقوط عزان في شبه مرحلة كتمان لم تتقبل السلطان فيصل ، رغم ميوله المؤيدة لنظام الإمامة وموقفه الحازم من سياسة بريطانيا . فكان على فيصل ، إذاً ، مواجهة ريبة شعبه والنزاعات المستمرة التي كانت تقوم ضده ، من جهة ، والتغيّر في موقف الإنكليز الراغبين في إحلال غيره محله ، من جهة أخرى .
ولم يكن ليغيب عن فيصل أن بيت القصيد أولاً وآخراً هو بقاء الكيان العُماني . فبموجب الإعلان الإنكليزي - الفرنسي ( 1862 ) ، كانت عُمان تعدّ دولة مستقلة ، وذلك ما كانت تستند إليه مواقف السلطان فيصل المناوئة لبريطانيا . ولكن النفوذ البريطاني كان قد بلغ ، بعد سقوط إمامة عزان بن قيس عام 1871 ، درجة لم تدع هامشاً لممارسة أي شكل من الاستقلال أو السيادة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 325 .


1 - تقرير أوتافي Ottavi ( (1894
في عام 1894 ، وصل السيد أوتافي ، نائب قنصل فرنسا إلى مسقط . وسرعان ما اكتسب ، وهو النشيط البارع ، صداقة السلطان وثقته . ولقد لعب دوراً ملحوظاً في الدفاع عن مصالح بلاده مستفيداً من مناخ الخلاف الحادّ بين السلطان وبريطانيا ، كما دعم ، في الوقت فنسه ، اتجاهات السلطان الاستقلالية . إلّا أن كفاءته ، وربّما انعدام وسائل الاتصال الحديثة ، كثيراً ما حملاه على التدخّل في الشؤون الداخلية العُماني دون الرجوع بالضرورة إلى رؤسائه . وقد أسهم ، على كل حال ، في زجّ السياسة البريطانية في عُمان والخليج في أحرج المواقف وأكثرها إرباكاً .
في 19 كانون الثاني (يناير) 1895 ، قدم أوتافي لوزاراته في باريس تقريراً سياسياً هامّاً ، أعطى فيه صورة دقيقة ومفصلة عن الوضع السياسي في عُمان ومنطقة الخليج ولم يفته التذكير فيه بالسيطرة
البريطانية على كل الخطوط البحرية المؤدية إلى الهند ، والتي كانت تتهيّأ لتصبح مركز ثقل يشبه ما كانت عليه روما التي كانت " كل الدروب تؤدي إليها " حيث كان الإنكليز يقولون : إن الطريق البحرية ، من البصرة إلى الإسكندرونة ، ومن مسقط إلى قبرص ، يجب أن تكون في عهدتهم لأنها إحدى طرق الهند .
استفاد أوتافي من ذلك ليطلب من حكومته اتخاذ تدابير ترمي إلى وضع حد للنفوذ البريطاني الذي بدأ يسيطر على كل الخطوط البحرية القديمة التي كانت ما تزال نشطة منذ العصر البابلي تصل بين مناطق وشعوب الخليج . وإذا كانت عُمان محور هذا التقرير فلأنها كانت أيضاً محور السياسة الفرنسية في منطقة الخليج والمحيط الهندي . ويؤكد أوتافي حيث يقول :
" بدلاً من أن ندع إنكلترا تستمرّ في التحكمّ بمصائر عُمان وسلطنات الخليج الفارسي الصغيرة ، وبدلاً من أن تعتبر نفسها المسؤولة الوحيدة عن الدفاع عن حقوق الإنسانية ضدّ البربرية ، وبدلاً من أن نترك لها احتكار التجارة والملاحة ... بوسعنا لربّما أن نُحَصِّلَ في عُمان نصف السيادة التي تخوّلنا إيّاها اتفاقيتا 1862 و 1890 " (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.65
كان محتوى هذا التقرير الجيد يعلن ، فضلاً عن التفاصيل والشروحات المستفيضة تغييراً في موقف فرنسا التقليدي حيال عُمان . فلم تعد عُمان القوة الإقليمية ، والحليف المحترم من قبل فرنسا ، بل تحوّلت إلى قطعة ( حلوى ) تتقاسمها مع بريطانيا ، وهكذا كشفت فرنسا عن نواياها الاستعمارية ، هي الأخرى ، تجاه حليفتها التقليدية والتاريخية . وهكذا حاولت فرنسا ، بشخص أوتافي وبكل التصميم الممكن ، فرض نفسها على أرض عُمان كشريك ند لإنكلترا . ولكن هذه المحاول ما لبثت أن مُنيت بالفشل .
2 - الوضع الداخلي
وفي هذه الأثناء كان على فيصل مواجهة أحد أخطر التحديات ضدّ حكمه ، فلقد قامت القبائل الهناوية ، المناصرة لنظام الإمامة ، عام 1895 ، بعصيان استنفر كل عُمان . ولقد تقوت هذه الانتفاضة إثر نقض صالح بن علي ، رئيس قبيلة الحرث بيعته للسلطان وإنضمامه إلى الحركة . وفي شباط (فبراير) 1905 ،
سقط القسم الأكبر من المناطق المحيطة بمسقط وحوصرت العاصمة ، وكاد السلطان أن يقتل خلال إحدى الهجمات .
وفي آذار (مارس) ، جرى لقاء هامّ ، بين الممثل السياسي البريطاني ومحسن بن عمر ، أحد قادة الانتفاضة ، يرافقه شيخ من الحرث . استعرض القائدان المحلّيان دوافع هذه الانتفاضة التي بأنها " حركة اجتماعية " ترمي إلى قلب السلطان ، وهو الأمر الذي يلبّي في رأيهما رغبة الجميع . ودفاعاً عن فكرة إقامة حكومة قوية قادرة على فرض احترامها في كلّ بلد . وفي هذه المناسبة ، عبّر المندوبان شخصياً عن رغبة شيوخ قبائل الحرث في إخضاع سلطنة عُمان لحميد بن ثويني ، سلطان زنجبار . وفي حال تبينت استحالة هذا الحل عبّرا عن رغبتهما في أن يكون على رأس عُمان أحد أبناء عزان (3) . فطلبت إنكلترا وقتاً لدراسة هذه الاقتراحات .
وعـلـى الـرغـم مـن الـمـساهمة الهامة لولدي الإمـام عـزان بن قـيس ، حـمـود وسـعـود ، فـي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 829 - 831 .


هذه الانتفاضة ومحاولات الأخير لقيادتها ، فإن الحركة الإباضية لم تكن قادرة ، بعد سقوط رئيسيها التاريخيين ، عزان بن قيس والخليلي ، على تبنّي هذه الانتفاضة ، أو بالأحـرى لـم تكن مستعدّة لذلك بـعد .
وفي آذار (مارس) 1895 ، جاء المقيم السياسي البريطاني ، شخصياً ، للقاء صالح بن علي الحارثي لإطلاعه على الجواب النهائي لحكومة الهند على مقترحات ممثلي الانتفاضة . وقد أعلنت بريطانيا أن توحيد عُمان وزنجبار مسألة غير واردة إطلاقاً ، وأن ممتلكات الرعايا البريطانيين يجب أن تحترم تحت طائلة اتخاذ تدابير انتقامية .
ومع ذلك فإن بريطانيا لم تطلب إلى قبائل الحرث إنهاء ثورتها ، بل إنها ، في المقابل ، رفضت طلب
السلطان مساعدته لمواجهتها . وبالفعل ، تعمّدت السلطات البريطانية ترك هذه الأزمة تتفاقم للاستفادة منها لمتابعة تقدّم مصالحها في عدّة نقاط . علماً أنه كان لديها ثلاثة بدائل تختار بينها :
1 ) ضم مسقط ومطرح إلى الممتلكات البريطانية وتعويض السلطان عنها .
2 ) إعلان الحماية البريطانية على عُمان كلها .
3 ) توجيه إنذار إلى كبار شيوخ عُمان بأنه مهما بلغت الخلافات بينهم وبين السلطان فإن الحكومة البريطانية - دفاعاً عن مصالحها الهامة في عُمان - لن تسمح بأي هجوم على مسقط أو مطرح (4) .
كانت النقطة الأولى تعبّر عن مزايدة استعمارية ونتيجتها ، في كلّ الأحوال ، الفشل الحتمي لأنه من الصعب " ابتلاع " هذا المشروع غير المعقول حتى بالنسبة للإمبراطورية البريطانية . أما البديل الثاني فاستُبعد لأنه ما كان لفرنسا أن تقبل به . ولذلك تقرر اعتماد البديل الثالث الذي ينصّ على مطالبة رؤساء قبائل عُمان في توفير مسقط ومطرح من هجماتهم مؤقتاً (5) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 845 .
(5) راجع بيان السلطان للعُمانيين : . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.2,p.172

وبدا أن بريطانيا لم تكن منزعجة ، في نهاية المطاف ، جدياً ، ولأسباب سياسية مختلفة ، من هذه الانتفاضة طالما أنها لم تمسّ مسقط ومطرح . والمفارقة هي أن إضعاف السلطان من شأنه أيضاً أن يخدم المصالح البريطانية . وفعلاً ، حاول بعض قادة الانتفاضة ، في البدء ، إبقاء بريطانيا بعيدة عن النزاع . وقد حافظت القبائل على كلمتها ووفّرت المصالح البريطانية وممتلكات الهنود والإنكليز . إلّا أن الانتفاضة تجاوزت أطرها . فعندما شرع بعض قادة الحرث في القيام بتنازلات لبريطانيا والتفاوض معها ، تحوّلت الانتفاضة إلى العنف والتخريب .
بل إن القنصل البريطاني في مسقط هوايت (White) ،
كتب رسالة إلى السلطان يحمّله فيها مسؤولية هذا التخريب ويطلب منه التعويض عن هذه الخسائر . ويطلب منه أيضاً فرض ضريبة على قبائل الداخل . ويذكر القنصل ، في رسالته إلى السلطان ، ما يلي :
" نرجو من جلالتكم إعلام القبائل المعنية أن وراء هذه الضريبة الإلحاح البريطاني " (6) .
وبعبارة أخرى ، كانت بريطانيا هي التي تتولّى ، صراحة ، الشؤون العُمانية وكانت صاحبة السلطة المطلقة لا الحكم فقط ، وكان على القبائل الاعتراف بها بهذه الصفة .
ومع ذلك ، فقد انتهت هذه الانتفاضة أخيراً على أساس " تعهّد بعدم الاعتداء " وقّعه المتحاربان صالح بن علي الحارثي والسلطان فيصل ، وكانت بريطانيا الوسيط فيه .
وأشار أوتافي في أحد تقاريره إلى أن السلطان دفع مبلغ 17000 إيكو (Ecus) لقاء رحيل القبائل عن مسقط . واستنتج من ذلك أن فيصل بقي على هذا النحو سلطاناً ولكنه في حكم المهزوم (7) . وبهذا التعهّد ، ضعف نفوذ فيصل ، فعلياً ، ضعفاً شديداً ولم يعد حكمه يمتدّ ، بعد ذلك ، إلى خارج حدود مسقط ومطرح . وظلّ الوضع على شفا الانفجار من جديد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(6) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.2,p.48
(7) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.135


3 - تعويض زنجبار
كانت بريطانيا قد قدّمت ، قبل ذلك ، مساعدة مالية قدرها 80 ألف روبية إلى حكومة السلطان كتعويض عن المبلغ الذي كانت تدفعه حكومة زنجبار بموجب اتفاقية التقسيم المفروضة عام 1861 . ومن المفيد التذكير بأنها كانت قد أوقفت هذه المساعدة عند وصول الإمام عزان إلى الحكم عام 1868 ، ولم
تستأنفها إلّا بعد سقوطه ، مع حلول السلطان تركي ، ولكنها أعادتها ، هذه المرة ، في إطار تطبيق سياسات معينة .
ويسجّل لوريمر أن حكومة المتروبول البريطانية وحكومة الهند اقتسمتا ، بصورة متساوية ، دفع هذه المساعدة وأنهما أعلمتا تركي ، في حينه ، بأنهما ستواصلان دفع التعويض ، طالما بقي السلطان وفياً لالتزامات المعاهدة المعمول بها ، وطالما تمسّك بصداقته مع إنكلترا (8) . ولكن الحقيقة تخالف ما يذكره المؤرخ الإنكليزي الرسمي لوريمر تمام المخالفة . ذلك أن بريطانيا لم تكن تقتطع المبلغ المدفوع من ميزانيتها ولا من ميزانية حكومة الهند ، بل ، من دخل زنجبار . وهذا الأمر تؤكّده الوثائق الدبلوماسية الفرنسية إذ تقول :
" يجب أن يتبيَّن بوضوح أن زنجبار هي التي تدفع المبلغ لمسقط . وإذا كانت إنكلترا التي استولت اليوم على زنجبار وورثت التزاماتها حيال السلطنة ، أي دفع هذا المبلغ ، فهي تفعل ذلك ، أو يجب أن تفعله ، بموارد زنجبار وليس من ميزانية الهند " (9) .
والواقع أن بريطانيا سبق أن أقرت بند المساعدة من زنجبار لمسقط لتُمرِّر مشروع تقسيم الدولة العُمانية - الإفريقية عام 1861 . وقد استطاعت ، بهذا الدعم وبفضل التهديد ، امتصاص احتجاج ثويني الذي لم يوافق ، بطبيعة الحال ، على هذا القرار ، ولكنه لم يكن يملك خياراً آخر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(8) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 772 .
(9) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.56



وفيما بعد ، ادّعت الحكومة البريطانية السهر على تغطية هذه " المعونة " أو هذا " التعويض " والحثّ
على أن يُدفع عن طريقها . وكان ذلك بهدف قطع كل صلة رسمية بين عُمان وزنجبار . وعندما تحقّق هذا الهدف ، صرحت بأنها تعتبر هذه المعونة بخسة على الرغم أنها ، بلغت ، في ذلك الوقت ، ربع ميزانية السلطان . وهكذا وجدت البلاد نفسها ضحية مرتين : ضحية التقسيم أولاً ، وضحية نتائج هذا التقسيم وفقدان استقلالها وسيادتها ، ثانياً .
وقد لاحظ أوتافي مفارقة الموقف ولخّصه كما يلي :
" لا يبدو موارد السلطان المضمونة متجاوزة لمبلغ 600 ألف فرنك ، يشكل " دعم " الحكومة البريطانية ربعها (...) كما أن إنكلترا تعتبر عُمان سلطنة تابعة للهند (...) وتعامل مسقط كتابعة لكلكتا وتعتبر السلطان مهراجا في خدمة إمبراطورية الهند " (10) .
وفي عام 1890 ، انتهت إنكلترا بإعلان الحماية على سلطنة زنجبار . وهكذا تحوّلت زنجبار ، رسمياً ، إلى مستعمرة بريطانية ، وتمّ الانفصال التامّ بين القسمين . وهكذا أيضاً وجدت عُمان نفسها مرغمة على أن تخوض وحدها ، بقوة غير متساوية ، الصراع ضدّ بريطانيا . وكان الرهان بالنسبة للبلاد هو تحديد مستقبلها : الاستقلال أو الهيمنة الاستعمارية .

4 - التعهد الخاص بالتخلي عن الأراضي (1891)
حاول فيصل توطيد علاقاته بفرنسا في سياق جهده لإضعاف النفوذ البريطاني ولخشيته من أن تعرف عُمان مصير زنجبار نفسه . وكان ذلك اختياراً ضرورياً لتوفير حدّ أدنى من التوازن على صعيد علاقاته الخارجية . فاستقبل ، للمرة الأولى ، في مسقط ، مندوب روسيا ، وهي بلد حليف لفرنسا ، الذي كانت مهمّته استئناف العلاقات العُمانية ـ الروسية ، وتلك خطوة ضرورية لإقامة التوازن .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.44
على الرغم من نتائج هذه الاتصالات السياسية المتواضعة والمحدودة ، فقد مثّلت في ذاتها ، تحدّياً جديداً
للسيطرة البريطانية . فشرعت هذه الأخيرة ، من جهتها ، في اعتراض هذه الخطّة فوراً .
لقد فكّرت الحكومة البريطانية في اتخاذ تدابير تضمن عدم تسلّل النفوذ الأجنبي إلى عُمان . وكان من المحتمل أن تعلن إنكلترا عُمان محميّة خاضعة للتاج البريطاني لولا الإعلان الإنكليزي ـ الفرنسي المشترك لعام 1862 الذي سدّ في وجهها هذه الإمكانية . فلجأت الحكومة البريطانية إلى حلّ آخر حيث أعدّت ، عام 1891 ، تعهّداً فرضته على السلطان ، يرغمه ، كما يرغم خلفاءه ، على ألّا يسمح هو أو من يخلفه بأية امتيازات في أرضه لأية دولة من الدول الأجنبية عدا بريطانيا (11) .
ولتمويه هذا التعهّد المعروف سياسياً باسم " التعّهد المانع " وقعت إنكلترا ، في الوقت نفسه ، مع السلطان ، اتفاقية تجارية أعلنت عنها رسمياً .
يعتبر هذا التعهّد السرّي أحد أخطر الوثائق التي وقّعتها عُمان في تاريخها أجمع . ومن الصعب جدّاً تخيّل حاكم أو سلطان مستقلّ يوافق على مثل هذا التعهّد ما لم يكن قد أُجبر عليه .
والتقرير السرّي لوزارة الخارجية الفرنسية ، ونحن نرجع إليه للمرة الأولى ، يكشف عن الأسباب التي أرغمت سلطان عُمان على توقيع هذا التعهّد . ففي 4 شباط (فبراير) 1895 ، أشرك السلطان السيّد أوتافي في سرّه . فبعد أن اعترف له بالطغيان الذي يمارسه عليه وعلى بلاده العملاءُ الإنكليزُ الهنودُ ، أطلعه السلطان على نصّ اتفاقية سرّية موقعة مع الكولونيل روس ، المقيم الإنكليزي في بوشهر ، في 20 آذار (مارس) 1891 . ويضيف التقرير أن السلطان لم يُخْفِ على السيد أوتافي أنه وقّع تحت التهديد ويقول السلطان في هذا الصدد :
" ولــكــن اســتــقــلالــي هــو مــا أتــمــسّــك بــه ، ولــن تــمـــس بــريــطــانــيــا دولــتــي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 482 .



ما دمتُ حيّاً ... ولو أردت الحماية فبالتأكيد لن أتوجّه إلى الحكومة الإنكليزية ، لقد تعلّمت من مثال زنجبار . لقد وقّعت تحت التهديد ... وكنت مُستفرداً " (12) .
تلك هي ، إذاً ، الأسباب التي دفعت السلطان إلى قبول ما لا يُقبل ، ولكنه كان حاسماً في موقفه تجاه بريطانيا . إلّا أن صحّة تقييم فيصل لاستقلاله يبقى موضع مساءلة ، على الرغم من حرصه على حماية عُمان من السيطرة البريطانية الرسمية على الأقلّ . ذلك أن الوزن المعنوي والسياسي لهذا التعهّد لا يدع أية إمكانية ، ولو افتراضية ، لاستقلال عُمان أو سلطانها نفسه ولا لسيادتهما . لقد كان هذا التعهّد هزيمة سياسية لطموحات فيصل الاستقلالية .
ويلخّص أوتافي ، في تقرير آخر إلى وزارة الخارجية ، في باريس ، وضع عُمان السياسي إثر هذه الاتفاقية كما يلي :
" لم يعد استقلال مسقط ، بعد مثل هذه المعاهدة ، سوى وهم " (13) .
وفيما يتعلّق بالوضع العامّ للخليج يضيف ما يلي :
" لم يعد الخليج الفارسي سوى بحيرة إنكليزية ؛ فعلى مدخله مسقط المملوكة سرّاً وفي وسطه البحرين المملوكة علناً " (14) .
يعتبر تعهد 1891 هذا ، دون أي شكّ ، أكبر انتصارٍ أحرزته بريطانيا في المنطقة بعد أول معاهــــــدة ( عام 1798 ) وبعد فصل زنجبار ( عام 1861 ) . كما يمثل النتيجة المنطقية للسياسة البريطانية وتتويجها . فبعد منعطف 1891 لم يعد بوسع عُمان أن تكون بلداً مستقلاً وسيّداً ، مهما كانت مقاومة السلطان قوية .
ولــقــد ســبــق كــورزون (Curzon) ، نــائــب مــلــك الــهــنــد ، أن شــرح الــمــوقــف الــبــريــطــانــي مــن القــضــية العُــمانــية بصــورة دقــيــقة لا تــدع مــجالاً للشــكّ في مــقــال نــشــر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(12) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.84

(13) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p. 61
(14) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p. 62
عام 1892 في جريدة التايمز ، وأعادت نشره جريدة لو ديبا الفرنسية عام 1899 ، إذ يقول :
" يمكن أن تُعدّ عُمان ، بحقّ ، تابعة لبريطانيا ، فنحن نعطي معونة لرئيسها ونحن نملي سياستها ... ولا ينبغي علينا التسامح مع أيّ تدخّل أجنبي . وليس لديّ ، شخصياً ، أي شكّ في أنه سيأتي يوم نرى فيه العلم البريطاني يرفرف فوق أسوار مسقط " (15) .
إن هذه الأقوال لا تحتاج إلى تعليق . إلّا أن الأحداث لم تجر كما كان الإنكليز يأملون ، أو يتوقّعون . والتعهّد المرهق الذي فُرضَ على فيصل لم يُثْنِهِ عن موقفه التي بقيت معادية لبريطانيا . وقد تَرْجَمَ عن استياء السلطان ، على أثر محاولات الهيمنة البريطانية ، كَشْفُهُ عن التعهّد السرّي في عام 1891 لأوتافي . ثمّ منح الحكومة الفرنسية ، عام 1893 ، مقراً ثابتاً لقنصليتها . وكان هذا المقرّ واحداً من أجمل بيوت مسقط ، وقد أطلق عليه فيما بعد اسم " بيت فرنسا " . ومن جهة أخرى ، لم يستجب السلطان للضغوط البريطانية الرامية إلى منع التجّار العُمانيين من رفع الأعلام الفرنسية في المناطق الشرقية وصور وجعلان . وهكذا استعمل فيصل ، دون أن يلقي بسلاحه ، الهامش الضعيف المتبقّي له ليسجّل في كلّ مناسبة امتعاضه من الأطماع البريطانية .
القسم الثاني
أزمة مسقط
إتّخذ فيصل الوفيُّ لمنطقه وقناعاته السياسية ، بعد ذلك ، تدابير أبرز . ففي 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1898 ، أعلنت جريدة لو ديبا خبر سماح مسقط لفرنسا بإقامة مستودع فحم في منطقة الجصة ، ( على مسافة خمسة أميال إلى الجنوب الشرقي من مسقط ) . وأضافت الجريدة المذكورة قائلة : " ولكن بريطانيا احتجت على ذلك " (16) .
وبــالفــعــل ، فــإن بــريــطــانيا اعــتــبرت هــذه المحــاباة ضربة كبيــرة لمــصالحــها ولســمعــتها فـي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(15) Journal des Debats, 25 Fevrier 1899 . Voir aussi : Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.33,p. 5 .
(16) . Journal des Debats,20 Nov.1898
المنطقة . ولقد أدّى الهياج السياسي ، الذي أعقب ذلك ، إلى أزمة حقيقية .
عُرفت هذه القضية التي حرّكت حولها وزارة الخارجية الفرنسية ومكتب الهند والوكلاء الفرنسيين والبريطانيين في الخليج ونائب ملك الهند ، اللورد كورزون ، عُرِفت باسم " حادث مسقط " . ورغم أن الإنكليز لم يحرزوا انتصاراً حاسماً ، فإن الحادث كان مثالاً على السياسة الإمبريالية التي كانت بريطانيا تمارسها في الخليج (17) .
فلقد كتب اللورد كورزون ، وهو أحد أشرس دعاة التوسّع الاستعماري البريطاني ، في 12 كانون الثاني (يناير) 1899 ، رسالة إلى اللورد جورج هاملتون (Hamilton) ، وزير الدولة لشؤون الهند ، يعلمه فيها أنه أصدر أوامر للميجر فاغان (Fagan) ، المقيم السياسي في مسقط ليطلب إلى السلطان تقديم إيضاحات حول الموضوع ، وليعلمه ، في حال تأكّدت صحّة الخبر ، بأن عمله يعدّ مسّاً بمعاهدة 1891 ، وبأن الحكومة البريطانية لن تسمح به . وبصورة موازية لذلك ، أرسل كورزون إلى مسقط الكولونيل ميد (Meade) ، المقيم البريطاني في الخليج ، ليقوم بمراجعة كاملة للعلاقة البريطانية مع السلطان . وقد أوصاه بالتالي :
" إذا وجد المبعوثُ السلطانَ ميّالاً إلى المصالحة ، فليوفَّق موقفه مع موقف السلطان . أما إذا تبيّن أن السلطان عنيد وبدا أن مواقفه ستبقى معادية لبريطانيا فعلى المبعوث ميد ، مرغماً ، أن يتبنى إذ ذاك ، مواقف أكثر حزماً " .
ويضيف كورزون :
" فيما يتعلق بالمعونة الممنوحة للسلطان ، يسعدني أن أبيّن أن الإبقاء عليها مشروط بسلوكه الحسن والتزامه بالاتفاقيات والمعاهدات الموقّعة معه . وقد يكون التهديد بوقف المعونة سلاحاً مفيداً ، يجعل السلطان يركع على الفور " (18) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(17) . Le Cour Grandmaison (C.) " Presentation du Sultanat d'Oman " ,op.cit.,p.279
(18) Letter from Lord Curzon to Lord Hamilton, 12 January 1899. I.O.R: MSS Eur . D 510/1 .
إن هذه الرسالة تلخّص ببلاغة العقليةَ والفكر الاستعماريين لا سيَّما وأن كورزون ، وهو أحد محاور النظام الأمبريالي ، لم يكن ، بالتأكيد ، ميّالاً لتفهم مواقف السلطان ، وأقلّ تفهماً لشرعية مطالبته بالسيادة الوطنية . وبما أن موقف فيصل قد تأكّد ، فإن بريطانيا لم تتردّد ، من أجل إخضاعه ، عن قطع المعونة ، مسهمة أكثر فأكثر في دفع مسقط نحو الأزمة الاقتصادية . وكتب أوتافي ، وهو شاهد على هذه الوقائع ، تقريراً إلى وزارته تظهر فيه التساؤلات التالية :
" ... لماذا يلعب قناصل مسقط الإنكليز بهذه المعونة لينتزعوا كلّ التنازلات التي يريدونها من عاهل عُمان ؟ لماذا يهدد العملاء " الأنكلو - هنود " (Anglo-Indian) ، لدى أدنى معارضة يُبديها السلطان بحرمانه من معونة له الحقّ فيها ، وذلك بموجب قرار تعسّفي صادر عن نائب ملك الهند " (19) .
إن التسليم بالرؤية البريطانية ، القائلة بأن السلطان يخرق بموقفه هذا معاهدة 1891 ، يعني قبول القيمة القانونية والأخلاقية لهذا التعهّد ، أي قبول شرعيته السياسية والدولية .
هذا في حين أن هذه المعاهدة التي فُرِضَتْ على عُمان بالتهديد ، تُمثِّل ، في ذاتها ، انتهاكاً للسيادة الوطنية العُمانية . وما يزيد في عدم إمكانية قبولها ، على الصعيد الدولي ، شكلاً وأساساً على حد سواء ، هو مخالفتها الإعلان البريطاني - الفرنسي المشترك لعام 1862 . ألم يصرّح اللورد هاملتون نفسه بأن تعهّد 1891 ، ( السرّي ) ، لا يتّفق مع بيان 1862 (20) ؟
وفي الواقع ، ومن وجهة نظر قانونية خالصة ، كان قرار السلطان تزويد فرنسا بمستودع للفحم متّفقاً مع
المادة 17 من معاهدة الصداقة الفرنسية - العُمانية (1844) التي تنصّ على أنه :
" ســوف يــكــون بــمــقــدور الــفــرنــســيــيــن الــحــصــول فــي زنجبار أو في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(19) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.1,p.56
(20) Letter from Lord Hamilton to Lord Curzon , 14 April 1899. I.O.R: MSS Eur . C 126/1 .


أيّة نقطة أخرى من أراضي سمو سلطان مسقط ، على مستودعات تموين من أيّ نوع كانت " (21) .
لقد تصرّف فيصل عن وعي بالأمور . وبمنحه هذا الترخيص ووفائه بالتزاماته حيال فرنسا ، لم يكن يخرق تعهّداته مع بريطانيا . والواقع أن هذا القرار لم يكن سوى محاولة محدودة للتعبير عن سيـادة بلاده .
ويؤكّد هاملتون ، في الكتاب المشار إليه أعلاه ، أنه كان من حقّ فرنسا ، من وجهة نظر القانون الدولي ، إقامة هذا المستودع ، وأنه من المستحيل إنكار ذلك عليها ، إلّا أن الموقف الرسمي البريطاني لم يأخذ بوجهة نظر هاملتون الخاصّة ، بل استند إلى تحليل كورزون الذي يُفسّر بعض مواد المعاهدة المعنية تفسيراً ملتوياً في أفضل تقدير . وهكذا فتفسيره للمادة 17 هو قوله :
" إن كلمة "الفرنسيين" تعني الأشخاص الفرنسيين وليس الحكومة الفرنسية " .
ولذلك فإن حصول فرنسا ، في رأيه ، على مستودع فحم كان ناجماً عن " مكيدة " وكان يتضمن أخطاراً استراتيجية (22) .
ولا يتقصر الأمر على أن كورزون لم يكن يعترف باستقلال السلطان وبلده ، بل إنه كان يعلن صراحة
عن نيّته وضع السلطان في موقع التابع . وهكذا ، فهو يقول مشيراً إلى زيارة ميد لمسقط :
" إنها فكرة جيّدة لتلقين السلطان درساً هامّاً ووضعه في مكانه الصحيح " (23) .
و " المكان الصحيح " كان يعني أن السلطان يجب أن يكون مطيعاً .
ويــلاحــظ أن تــبــادل الــمــراســلات بــيــن كورزون في الــهــند ، وهاملتــون الــذي يُــعبّر في الوقت نفــسه عــن وجهة نظر رئيس الوزراء اللورد سالسبوري في لندن ، لم تكن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) أنظر النص في : . Al-Wasmi (K.),op.cit.,p.230
(22) Letter from Lord Curzon to Lord Hamilton, 19 January 1899. I.O.R: MSS . D 150/1 .
(23) . Ibidem
تعكس اتفاقاً كلّياً بين المسؤولين حول قضية مستودع الفحن الشهيرة .
إلّا أن الأهمّ من تباين وجهات النظر غير المتّفقة ، هو اتفاقُ الشخصيتين القاطعُ والحازمُ على ضرورة استبدال السلطان فيصل . وقد صرح كورزون ، بهذا الصدد ، قائلاً :
" لن نسمح لهذا الزعيم الصغير بأن يتحدّانا " .
وأضاف :
" إن تصريح 1862 ، كما أقرأه ، يعني استقلال العرش وليس استقلال الشخص (...) وإذا كانت ثمّة حاجة فإن أخاه الوفيَّ في القصر ، وهو ، بشهادة ميد ، مؤهَّل لأن يـرث العـرش إذا دعت الحاجــة لـذلـك " (24) .
ويردّ عليه هاملتون قائلاً :
" نعم ، أنا متّفق معك تماماً ، ينبغي أن لا يسمح لهذا المتسلّط الصغير بتحدّينا " (25) .
ولكن كورزون ما لبث أن راجع نفسه في موضوع شقيق السلطان الذي كان يعيش في القصر مع فيصل نفسه إذْ تبيّن أنّه ، على حدّ قوله :
" ضعيف ولا يلبّي غرضنا ، وإذا كنا في حاجة إلى مرشّح آخر ، فيجب أن يكون عمّه الذي يعيش في بومباي " (26) .
أما فيما يتعلّق بالإعلان المشترك فإنه لأمر مذهل أن يكون اللورد كورزون قد وصل به الأمر إلى هذا التفسير ، لأن التصريح المعني الذي يثبت أن فرنسا وبريطانيا وجدتا من المناسب التعهّد ، بصورة متبادلة ، باحترام استقلال مسقط وسلطان زنجبار لا يحتمل أي التباس (27) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(24) . Letter from Lord Curzon to Lord Hamilton, 9th February 1899. I.O.R: MSS: D 150/1
(25) . Letter from Lord Hamilton to Lord Curzon , 3 March 1899. I.O.R: MSS. C 126/1
(26) . Letter from Lord Curzon to Lord Hamilton, 23 March 1899. I.O.R: MSS: D 150/1
(27) راجع القسم الثاني من الفصل السادس .
ولكن وزير الخارجية تحدّث باللغة نفسها وأيّد وجهة نظر كورزون - بعد أن أعطت اللجنة القانونية في الوزارة رأيها - القائل بأن إعلان 1862 ينص على استقلال الأراضي وليس الفـرد الــذي يتبوأ العــرش (28) .
وهكذا وبعد قراءة أولى ملتوية للمادة 17 من المعاهدة الفرنسية - العُمانية ، خرج الجهازان الحكوميان البريطانيان ، في الهند ولندن ، بقراءة ملتوية أخرى ، لأنه من نافل القول أن لا استقلال تامّاً لبلد دون استقلال حاكم هذا البلد . وهل تتحقّق سيادة البلد بدون سيادة حاكمه ؟
1 - سياسة العنف
في شباط (فبراير) 1899 ، وبأمر من اللورد كورزون ، قدّم ميد ، المقيم السياسي في بوشهر ، إلى السلطان مذكرة تتضمّن عدّة مطالب بريطانية يرمي أولها إلى الرجوع عن قرار منح الفرنسيين مستودع فحم ، وثانيها إلى إعفاء الشيخ عبدالعزيز الرواحي من منصبه ، وهو شخصية وطنية معادية للنفوذ البريطاني وكان يشغل منصب وزير ومستشار لدى السلطان (29) .
رغم امتعاضه من الضغوط البريطانية ، عبّر السلطان عن استعداده لقبول معظمها ، بما فيها عزل وزيره . ولكنه لم يشأ الرضوخ في موضوع مستودع الفحم ذلك أنه لم يعتبره تنازلاً إقليمياً ، ولا مسّاً بتعهد 1981 ، فطلب إلى المسؤولين البريطانيين منحه مهلة تفكير حول هذا الموضوع .
رفض البريطانيون هذا الاقتراح وردّوا عليه بلهجة مهدّدة ومقلقة بأن " فترة المرونة والتسامح قد انتهت " . ووجّهوا إليه إنذاراً مدته 24 ساعة للتراجع عن مواقفه . ولم يتأخّر السلطان في الرّد : ففي 13 شباط (فبراير) ، أعلن في رسالة إلى الممثّل السياسي قراره بإلغاء " امتياز " مستودع الفــحـم . ومــضــى أبــعــد من ذلــك ، مــطــالــباً عــلى حدّ قــول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(28) Letter from Lord Hamilton to Lord Curzon , 10 March 1899. I.O.R: MSS Eur . C 120/1.
(29) راجع : لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 855 - 856 .
لوريمر ، بالحماية البريطانية خشية ردود الفعل الفرنسية (30) . على أننا لا نستطيع تأكيد صحّة هذا المطلب .
وهكذا تحقّقت عملياً كلّ المطالب البريطانية على الصعيد السياسي كما على الصعيد الاستراتيجي . ولكن المطالب البريطانية لم تتوقّف عند هذا الحدّ . فبعد ذلك بقليل ، وصلت السفينة إكليبس (Eclipse) إلى مسقط قادمة من بومباي تحمل على متنها الأميرال دوغلاس (Douglas) ، قائد الوحدات البحرية الهندية . وقد سبقته السفينة برست (Brest) . كان هدف هذه القوة حمل فيصل على الاستسلام ، وإنزال ضربة حاسمة ونهائية في نفس الوقت بالنفوذ الفرنسي ، في عُمان كما في الخليج .
وفي 15 شباط (فبراير) أرسل الميد إنذاراً إلى السلطان يطالبه بأن يلغي علناً " الامتياز " الفرنسي في مؤتمر عامّ ، وبأن يكتب برقية رسمية بهذا الصدد . لم يتردّد السلطان في تلبية هذين المطلبين الجديدين . وأعلم أوتافي نائب القنصل الفرنسي بقراره إلغاء " الامتيازات " الممنوحة لفرنسا . ولكن ذلك لم يكن كافياً ، أيضاً ، في نظر البريطانيين . فقد أصرّوا على أن يصعد إلى متن سفينة الأميرال دوغلاس ، في حين كانت السفينة الثانية ، إكليبس ، تتأهّب لتدمير القصر ومعاقل المدينة (31) . متمتّعاً إذ ذاك بالدعم الكامل للحكومة البريطانية كان كورزون يريد المضيّ بمنطقه إلى حدّه الأقصى ، ليثبت نفوذ بريطانيا الذي لا معقّب عليه وليضع حدّاً لكل طيف تمرّد من جانب السلطان . وكانت تلك ، أيضاً ، فرصة لا تعوض لإعطاء درس جيد لحكّام الخليج الآخرين .
وفي 16 شباط (فبراير) وجد السلطان نفسه مرغماً على الرضوخ لمطالب كورزون . فصعد إلى متن سفينة الأميرال وأعلن تسليمه غير المشروط بكلّ المطالب البريطانية . وفي اليوم التالي ، زار دوغلاس السلطان وسلّمه ، ( على ما يبدو ) ، صيغة التصريح الذي عاد فأدلى به ، ( السلطان ) ، في مؤتمر عامّ حــضــره كلّ وجهاء مســقــط . وكــان مــمـّــا أعــلــنــه الســلــطان ســحــب الامــتــيازات الـمـمنوحــة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(30) المرجع السابق ، ص 856 .
(31) المرجع السابق ، ص 857 .

لفرنسا وتجديد علاقة الصداقة مع بريطانيا (32) .
استُقبل هذا الحادث بألم واستياء من جانب العُمانيين ، بمن فيهم معارضو السلطان ، كما عمّت هذه المشاعر سكّان الخليج . وقد بلغت ردود الفعل وتعابير الاستياء العالم إذ ندّدت صحف عديدة هندية وفرنسية على الأخص ، بالغطرسة التي أبداها نائب ملك الهند ، اللورد كورزون ، الذي لم يختلف من حيث سلوكه عن سلوك الغازي البرتغالي ألفونسو دو البوكرك في بداية القرن السادس عشر . وبالفعل فإن رؤيةَ اللورد كورزون وقِيَمَهُ كانت ، من وجهة نظر الفكر السياسي الاستعماري ، استمراراً لسابقه ألفونسو دو البوكرك رغم فارق ثلاثة قرون بينهما .


عبر اللورد سالسبوري ، بدوره ، عن حرجه من سلوك كورزون ومرؤوسيه ، ولكن ذلك لم يكن ، وهنا المفارقة ، بسبب الضغوط الممارسة على السلطان فيصل ، وخاصّة فيما يتعلّق بإرغامه على الصعود إلى متن سفينة حربية بريطانية ، بل بسبب إرغام القائد العُماني على التخلّي علناً عن تعهّداته حيال فرنسا ، وهو أمر أساء ، على حد قوله ، إلى سمعة بريطانيا وأوشك على إفساد العلاقات الإنكليزية - الفرنسية . وقد ردّ اللورد كورزون على احتجاج حكومته بالقول دون مسحة تردد :
" لقد لجأنا إلى القوة ، على هذا النحو ، لأن الشعب الهندي وشعوب الخليج العربي والشعوب الشرقية ، عموماً ، لا تفهم إلّا هذه اللغة . إن مكانة الإمبراطورية هي بيت القصيد من السياسة الخارجية لحكومة الهند البريطانية ، ولقد كان لما قمنا به تأثير كبير على أذهان عرب الخليح وهو ، بأي حال ، أجدى من خطب السيد دلكاسيه (Delcasse) في الجمعية الوطنية الفرنسية " (33) .
إن من يكتب مثل هذه الرسالة المليئة بروح العنصرية هو مسؤول عالٍ في الجهاز البريطاني ، نائب ملك الهند ، الاستعماري في كلّ جلاله . وباستثناء الجهل ، فإن هذه الرسالة تلقي الــضــوء عــلــى نــقــطــتــين هــامــتــيــن : الأولــى هــي أن الــتــفكــير الاستعماري الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(32) المرجع السابق ، ص 585 .
(33) داود ( محمد علي ) ، الخليج العربي والعلاقات الدولية : 1890 - 1914 ، القاهرة ، الجزء الأول ، ( دون تاريخ ) ص 99 .
يقف وراءها يزدري ازدراء حقيقياً قيم الشعوب الهندية والعربية وثقافاتها وحضاراتها . والثانية هي أن هذه الرسالة تلخّص مبادئ السياسة الاستعمارية البريطانية في المنطقة طوال ما يقارب من قرن ونصف القرن .
وفضلاً عن ذلك حاول كورزون أن يبرّر عمله بقوله :
" حتى لو كانت مسقط نظرياً دولة مستقلة ، فإنها تشبه ، إلى حدِّ ما ، مملكة كمبوديا شبه الفرنسية التي مارست عليها الحكومة الفرنسية سيطرة كاملة لا تسمح بأيّ تدخّل فيها " (34) .
وبهذه التطوّرات وصل النفوذ البريطاني في عُمان إلى ذروته . وليس بالأمر المستغرب أن يتلقى السلطان ، والحال هذه ، أمراً بأن يرجع إلى المقيم السياسي البريطاني في مسقط قبل أن يتّخذ أيّ قرار ، سواء أكان ذلك على الصعيد الداخلي أم على صعيد العلاقات الخارجية . وهكذا أصبحت سلطات المقيم السياسي البريطاني في مسقط أعلى من سلطات السلطان نفسه . وهكذا انتهت تطلّعات السلطان فيصل الاستقلالية وطموحات بناء دولة مستقلّة . لكن ميد الذي كان " جنتلماناً إنكليزياً " لم ينسَ أن يذكر بأنه :
" يحس بانجذاب معين إلى السلطان فيصل الذي سلم بهذه التطورات بكرامة وشرف " (35) .
لقد أنهى هذا الوضع الجديد ، خصوصية العلاقة العُمانية - الفرنسية . فكفّت فرنسا عن معاملة مسقط كنواة دولة شبه مستقلة متحررة نسبياً ، من النفوذ البريطاني . ولم تعد نتطلع لا لتحييد عُمان ، ولا لتقاسم النفوذ في البلاد مع بريطانيا ، حسب استراتيجية أوتافي . ومع ذلك ، حافظت فرنسا على تمسكها بتصريح 1862 المشترك الذي كان من شأنه أن يمنع بريطانيا من إعلان حمايتها الرسمية على عُمان في المستقبل .
ومن جانب آخر ، وباستثناء بعض الاحتجاجات الرسمية المدلى بها أمام الجمعية الوطنية الفرنــســية ، لــم تــكــن لـ " الأزمــة العُمانية " انــعــكاســات ســلــبــية حــقّاً على العلاقـات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(34) . Letter from Lord Curzon to Lord Hamilton, 23 February 1899. I.O.R: MSS Eur . D 150/1
(35) . Letter from Lord Curzon to Lord Hamilton, 23 March 1899. I.O.R: MSS Eur . D 150/1

الفرنسية - البريطانية ، بل إنها دفعت ، على العكس من ذلك ، بالدولتين إلى المزيد من الحوار ، لا سيّما حول موضوع " الحدود الاستعمارية " الشائك والذي كان يستدعي أن يُعالج في إطار " سياسي - قانوني " . كما أنه ، لم يكن في أولويات فرنسا ، بسبب ما كانت تمر به من أزمات داخلية ، أن تتبنّى ، على الصعيد الاستعماري ، مواقف متصلبة .
والمفارقة هي أن بريطانيا زوّدت فرنسا ، بعد هذه الضربة الإنكليزية التي أضرّت بعُمان وبالسلطان
فيصل إضرارها بالمصالح الفرنسية ، مستودع تموين بالفحم في منطقة حضرموت ، في موقع غير بعيد عن الأراضي العُمانية . ووجهت بريطانيا ، دون حياء ، إلى السلطان رسالة رسمية تعلمه فيها أنه لم يعد هناك ، بعد ذلك الوقت ، أيّ محظور من حصول فرنسا على هذا المستودع منذ أن أعلنت السلطات البريطانية عن رغبتها في هذا الأمر وموافقتها عليه .
وعلى الرغم من كلّ هذه التطوّرات التي خدمت مصالح بريطانيا ، فإنها لم تسقط من الحسبان فكرة استبدال السلطان . وفي 1889 ، وبعد ثلاثة أسابيع من " أزمة مسقط " كتب هاملتون إلى كورزون :
" سوف أطلب إلى الحكومة ، قريباً ، منحك السلطات الضرورية للضغط على السلطان أو تبديله عند اللزوم " (36) .
2 - قضية الأعلام الفرنسية
كانت فرنسا ، جرياً على علاقتها التقليدية بعُمان التي أعادت اتفاقية 1844 تأكيدها ، قد منحت ، بصورة استثنائية ، وثائق رسمية وأعلاماً فرنسية لبعض السفن التجارية العُمانية ، ( حوالي 40 سفينة ) . كان الهدف من هذا القرار ذي الوزن السياسي الكبير ضمان سلامة هذه القطع من تنكيلات الأسطول البريطانـي . وبالفعـل ، كـان هذا الأخير يعرقل بانتظام ملاحة المراكب العربية بذريعة قمع تجارة الرقيق .
كــان عــمــل الــدوريــات الإنــكــليزية قــد أنــزل ضربة قـوية بالمراكب التجارية الشراعية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(36) Letter from Lord Hamilton to Lord Curzon , 3 March 1899. I.O.R: MSS Eur . C 126/1 .
العربية إذ إنها كانت تُفتَّش وتُحوَّل لدى أدنى ريبة بتعاطيها تجارة الرقيق وتُحرّق بمجرّد أن تُدان بذلك . وقد أكد القنصل الأمريكي في زنجبار ، السيّد ويب (Webb) ، أن 71 سفينة عربية دُمِّرت على هذا النحو من قبل الدوريات الإنكليزية بين عامي 1868 - 1869 . وكان ذلك في الواقع دماراً للنظام القديم
الذي قامت عليه القوة العُمانية - الزنجبارية . ولهذا التجأت الملاحة العربية ، جزئياً ، إلى رفع الراية الفرنسية . وقد ارتفع عدد أصحاب المراكب الشراعية التي تحمل الأعلام الفرنسية ارتفاعاً كبيراً اعتباراً من عام 1873 ، من حوالي عشرة في ذلك التاريخ إلى 23 عام 1891 و44 عام 1896 (37) .
وخلافاً لقانون 9 حزيران (يونيو) 1845 الذي نصّ على فَرْنَسَة سفن المستعمرات ، والذي وضع بعد استعمار نسيبه ومايوت (Noosi-Be et Mayotte) عام 1841 وعام 1843 ، لم يكن هذا الأمر ليضع السفن العُمانية تحت النفوذ المباشر لفرنسا . وعلى ما يقول كاجار فإن منح العلم الفرنسي لم يكن ليجري بصورة اعتباطية بل وفق القواعد المعترف بها فقط (38) .
كان ذلك قراراً استثنائياً لحالة استثنائية . وعلاوة عليه فإن السلطان فيصل كان موافقاً على مثل هذا التدبير ، بل كان يرى فيه ، على العكس ، خدمة للعُمانيين :
" ... لم يكن عاهل البلاد يبدي أيّ اعتراض على توسيع حماية مالكي السفن الشراعية وقباطنتها وطواقمها بما أن هذه الحماية تسهم ، من خلال تشجيع التجارة ، في إثراء البلاد " (39) .
وإنه لمن المنطقي تماماً أن يكون السلطان قد رأى في ذلك تعبيراً عن استقلاله ، أو بالأحرى عن عدم استسلامه للنفوذ البريطاني . وفوق ذلك ، لا يكمن أن نهمل أن هذا التدبير قد مثّل انــتــصــاراً عــلــى الــهــيــمــنة الــبــريــطــانــيــة فــي الــمــنــطقة . فبريطانيا لم تقبل هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(37) Miege (J.L.), "L'Oman et I'Afrique orientale au XIXe siecle", in: La peninsule arabique d'aujourd'hui, sous la direction de Paul Bonnenfant, Paris, C.N.R.S., 1982, tome II, pp.300-301 .
(38) Kajare (F.),op.cit.p.142 .
(39) Ibid,pp. 147-148 .
الوضع . بل اتهمت الفرنسيين بحماية تجارة الرقيق وممارسة نوع من التدخل في الشؤون العُمانية . والواقع أن بعض الاتّهامات البريطانية بصدد تجارة الرقيق لم تكن باطلة ، فالسواحل الشرقية كانت مشهورة إذ ذاك بهذا النشاط . ولكن فرنسا ، كما يقول كاجار ، كانت قد أخذت ضمانات لتجنّب إساءة استعمال عَلَمها . ولم يكن مَنْح عَلَمها يتم إلّا بشروط (40) .
ووفق معلومات غير مؤكدة ، يذكر بأن أوتافي حاول عام 1900 أن يعلن الحماية الفرنسية على منطقة صور . ولكن هذه المحاولة أثارت كوكس (Cox) ، المقيم البريطاني في مسقط . وكردّ فعل عليها اصطحب كوكس السلطان في زيارة رسمية لميناء صور . وخلال هذه الزيارة ، طلب السلطان إبدال الوثائق الفرنسية بوثائق عُمانية ، وكذلك إبدال الأعلام .
أثار هذا الموقف ردود فعل حادّة من جانب الحكومة الفرنسية ضدّ مسقط وليس ضدّ بريطانيا هذه المرّة . وأرسل السفير الفرنسي في لندن ، السيد كامبون (Cambon)، كتاباً إلى وزير خارجيته ، دلكاسيه (Delacsse) الذي كان متحمّساً إذ ذاك لتحسين علاقة بلده ببريطانيا . وقد عبّر له فيه عن استيائه من هذا الحادث الذي أراد السلطان به ، حسب أقواله ، تعكير العلاقة الإنكليزية - الفرنسية . واقترح كامبون على حكومته المطالبة بتعويض من السلطان . وجاء في كتابه أيضاً أنه التقى برئيس الوزراء البريطاني ، اللورد سالسبوري ، الذي أخبره بأنه ليست لديه معلومات كافية فيما يختص بالموضوع ، ولكنه أضاف قائلاً :
" ماذا تريدون ؟ إننا ندفع لسلطان مسقط . وهو يتخيّل بتصرفه هذا أنه يُقدِّم عرابين امتنان لنا وبراهين على أنه يكدح في سبيل ما يحصّله " (41) .
إن رؤية كامبون للسلطان لا تختلف عن الرؤية الاستعمارية البريطانية حيث إنه يهاجم السلطان فيصل الذي برهن ، قــبــل أزمــة مــســقــط وخــلال كلّ ســنــوات عــهــده ، عــن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(40) . Ibid,p.142
(41) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.27,p.211


نيّته الثابتة في تمتين العلاقات العُمانية - الفرنسية وتحسينها . بل إن محاولاته شكلت أحد الأسباب الرئيسية لخلافاته مع بريطانيا . وكأن كامبون يجهل هذا الماضي أو يتجاهله ، ولم يجد ما يقوله عن السلطان ، وهو صديق لفرنسا ، سوى أنه :
" عربي ، وأنا لا أعرف عربياً من كبار الزعماء ، ليس للبيع " (42) .
ذلك هو رأي الفرنسيين في العرب . علماً بأن الوثائق الفرنسية - ولم يكن في مقدور كامبون أن يجهل ذلك أبداً - تبيّن كيف أن فيصل رفض إلحاح بريطانيا على وقف استعمال الأعلام الفرنسية . ولكن يبدو أن التخلّي عن السلطان ، في هذه المرحلة ، كان في نظر الدبلوماسية الفرنسية ، تضحية ضئيلة جدّاً تقدم في سبيل التقارب مع بريطانيا .
3 - محكمة لاهاي
بعدما انتهت بريطانيا من حرب البويرس (Boers) عام 1903 ، وظهرت بوادر تقارب إنكليزي - فرنسي تُوِّج بـ " الميثاق الودّي " لعام 1904 ، تمّ الاتفاق في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1904 على إحالة قضية الأعلام الفرنسية إلى محكمة لاهاي . وفي 28 كانون الثاني (يناير) 1905 ، كتب رئيس الجمهورية الفرنسية ما يلي :
" بما أنه قد وقعت في لندن ، في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1904 ، تسوية بين فرنسا ومملكة بريطانيا العظمى وإيرلندا المتحدة ، وبما أنه جرى تبادل وثائق إبرام هذا الميثاق في لندن في 18 كانون الثاني (يناير) 1905 ، فإن التسوية المذكور نصّها أدناه ستدخل حيّز التنفيذ الكامل :
نظراً لكون الحكومة الفرنسية وحكومة صاحب الجلالة قد أقرتا ، بموجب إعلان 10 آذار (مارس) 1862 ، " التعهد المتبادل " باحترام استقلال جلالة سلطان مسقط .... " (43) .
من جانب آخر برزت ، حسب عرض رئيس الجمهورية ، بعض الصعوبات إثر رفــع الــسفــن الــتابــعة لــمــواطــنــيــن عُــمــانــيــيــن أعــلامــاً فــرنــســيــة ، وهــو الــســبــب الــذي تــقــرّر مــن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(42) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.27,p.212
(43) . Journal Officiel, in : Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.33,p. 33
أجله ، اللجوء إلى تحكيم دولي رسمي . وعليه فقد اتفق الطرفان على تسمية فيكتور - إيمانويل (Victor-Emmanuel) حَكَماً حيادياً بين البلدين ، ( بريطانيا وفرنسا ) ، وعلى تسمية حَكَم مفوض لدى ملك إيطاليا . ثمّ عينت حكومتا الجمهورية الفرنسية وصاحـب الجلالـة البريطانيـة أعـضاء المـحكـمة (44) .
من الملفت للنظر أنّ أيّ خلاف بين الدولتين لم يقع فيما يتعلّق بأعضاء المحكمة ، ولا بتاريخ الاجتماعات التي أُجِّلت أكثر من مرة . ولكن الخلاف بينهما اندلع عندما قدّمت هذه الأخيرة إلى المحكمة مذكِّرة باسم الحكومة الإنكليزية وسلطنة مسقط . رمت بريطانيا من وراء ذلك إلى هدفين : الأول تقديم شكوى باسم عُمان ، في محاولة للتأكيد على أن مسألة رفع أعلام فرنسية على السفن العُمانية تدخّل غير مرغوب فيه ويشكّل ، في حد ذاته ، انتهاكاً لـ " السيادة " العُمانية ، والثاني هو إعادة تأكيد تمثيلها الرسمي لعُمان .
إحتجّت فرنسا على هذه المذكرة ووجّه سفيرها في لندن ، كامبون ، رسالة إلى الحكومة البريطانية ، يعرض فيها ما يلي :
" إن مثل هذه الصياغة تؤدّي إلى جعل الحكومة البريطانية محامي سلطان مسقط المستقلّ والوصيّ الشرعي عليه ، ويستحيل على حكومتي التسليم بهذا الادعاء . فليس لسلطان مسقط أية صفة للتدخّل في نزاع يتعلّق حصراً بتفسير تصريح 10 آذار (مارس) 1862 الفرنسي - الإنكليزي . وهو ليس طرفاً في هذا التصريح ولا في تحكيم 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1904 " .
وينهي كامبون رسالته بالعبارات التالية :
" إنــنــي مــكــلّــف مــن جــانــب حــكــومــتــي بــأن ألــفــت نــظــركــم إلــى هـــذا الأمــر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(44) جونكير دو سافورنان لومان (Jonkheer de Savornin Lohman)، وزير داخلية هولندا السابق وعضو محكمة التحكيم الدائمة ، السيد ملفيل و . فولر (Melville W.Fuller) رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ، عضو محكمة التحكيم الدائمة ؛ السيد هنري لاماش (Henri Lamache) عضو مجلس السادة في البرلمان النمساوي ، عضو محكمة التحكيم الدائمة . أنظر : Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.33,p.202 وممّا يذكر أن السيّد لومان يمثل فرنسا والسيّد فولر يمثّل بريطانيا ، في حين كان السيّد لاماش المحكّم الرئيسي .
وبأن أشعركم بأننا لا نقبل إدخال عــاهـل مـسقط في القـضية المطروحة أمـام مـحكمة لاهــاي التـحكـيمـية " (45) .
إن بيت القصيد في هذا الموضوع هو معرفة الطرف الرئيسي ، أي الطرف المعني ، وتحديد موضوع النزاع أمام هذه المحكمة . هل عُمان هي الطرف المعني ، مبدئياً ، بتصريح آذار (مارس) 1862 ؟ هل إن مفاد التصريح هو احترام استقلال مسقط من جانب بريطانيا وفرنسا ، أي عدم التدخل في شؤونها الداخلية والخارجية ، بمعنى احترام سيادتها الوطنية . بهذا الصدد سوف تلاحظ لجنة الأمم المتحدة الخاصة بعُمان ، أي :
" أهمّية هذا التصريح ليست في تكريس استقلال مسقط وعُمان وحسب ، إنما في الشكل الذي أعطته الحكومتان لهذا الاستقلال كواقع ثابت تتوجّب حمايته " (46) .
من ثم نرى أن دور محكمة لاهاي لم يكن تحديد حقّ البلد المعني في إطار استقلاله وسيادته ، بل تحديد " شرعية " النفوذ والهيمنة الاستعماريين ، البريطانية أو الفرنسية ، من أجل إعطائهما شرعية دولية . أما بالنسبة لعُمان ، البلد المعني ، فلم ينتظر المستعمرون أن تكون معنية حتى بمصيرها .
ولم تلحّ بريطانيا كثيراً على هذه النقطة ولكنها ، في المقابل ، أرسلت الميجر كوكس (Cox) المقيم السياسي في بوشهر إذ ذاك إلى السلطان في مسقط ، لينسّق معه . وكانت السلطات البريطانية تنتظر من هذه الزيارة أن تؤثّر في أعمال محكمة لاهاي ، وأن تقوّي موقفها . ومن جهة أخرى ، أرسل السلطان
إثر هذه الزيارة إلى القنصل الفرنسي في مسقط رسالة شدّد فيها من لهجته ليعلمه بأن :
" قضية الأعلام تُدرس حالياً من جانب محكمة لاهاي التحكيمية ، والحكومة البريطانية هي التي تمثلني أمام هذه المحكمة . وبالتالي فإن هذه القضية من اختصاص الحكومة البريطانية وتعنيها وهذا لا يحتاج إلى تفسيره " (47 ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(45) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.33,p.52
(46) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.27
(47) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.33,pp.117-118
ولم تكن فرنسا لتشكك في أن السلطان فيصل قد أُرغم هذه المرة أيضاً ، على كتابة هذه الرسالة . وفضلاً عن ذلك ، فإن نائب القنصل الفرنسي في مسقط أرسل حول ذلك تقريراً إلى وزارته جاء فيه :
" سرّيّ : لقد أعلمني السلطان ، بصورة سرية جداً ، أن هذا الاحتجاج قد أُملي عليه " (48) .
وكتب نائب القنصل ، بعد ذلك ، تقريراً يُعلم فيه ، مستنداً إلى معلومات مستمدة من أشخاص مقربين من السلطان ، بزيارة كوكس والأساليب التي استعملها الأخير لإقناع السلطان بأن يجعل بريطانيا تمثله مباشرة ؛ ختاماً بأن هذه الأساليب وخوف السلطان من " إغضاب حماته الإرهابيين " ، جعلاه يرد إيجاباً على الدعوة الموجهة له (49) .
إلا أن هذه الخلافات لم تضع حدّاً لعملية التحكيم التي انخرطت فيها الدولتان اللتان قررتا كلتاهما حل هذا النزاع عن طريق العدالة الدولية . وقد نصّ حكمُ محكمة لاهاي على أنّ الذين حصلوا عليه بعد هذا التاريخ فيسقط عنهم الامتياز . وقد اختير عام 1892 لأنه يزامن الموعد الذي تقرر فيه تعديل نظام بروكسل الخاص بالتفتيش البحري ومكافحة تجارة الرقيق ، وقد نصّ الحكم ايضاً أنه يجوز التعرض للسفينة العٌمانية التي ترفع العلم الفرنسي حتى في مياه مسقط الإقليمية في حين منع انتقال امتياز تمتع
السفن بالجنسية الفرنسية من شخص إلى آخر حتى ولو كان من ورثته . ولهذا النص مغزى هام إذ أنه كتب على الأعلام الفرنسية أن تختفي بعد مدة من عُمان (50) .
وهكذا انتصرت بريطانيا " قانونياً " في عــملية إضــفــاء " الشرعية " على نفوذهــا في عُمان . ولكنها في الواقع كانت قد فــرضــت نفسها عــلى الــســاحــة قــبــل صــدور حُــكْــم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(48) Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.33,p.119 .
(49) . Aff.Etr.N.S.Mascate,vol.33,p.126
(50) العقاد ( صلاح) ، مرجع سابق ، ص 209 .


لاهاي بكثير . وهذا ما يؤكده المؤرخ البريطاني لوريمر بقوله :
" أما دسائس فرنسا في عُمان فقد أحبطها الإنكليز بالعمل الحاسم في مسقط . والحق أن مسألة الأعلام الفرنسية قد حُسمت فعلياً قبل أن تصدر هيئة التحكيم في لاهاي قرارها لصالح البريطانيين " (51) .
إلّا أنه إذا أردنا عدم التوقف عند مجرد القيمة القانونية لهذا الحكم القابلة لكل تفسير ونقد ، وبصورة مستقلة عن المكاسب التي حققتها بريطانيا على فرنسا ، فإن المحتوى السياسي والاستراتيجي هو في أن بريطانيا قد كسبت بفضل هذا الحكم ، " شرعية " دولية أو بالأحرى " شرعية استعمارية " ، بوصفها الممثل الشرعي لعُمان في شؤونها الخارجية ، وبوصفها وصية على مسقط ، أمّا الخاسر الحقيقي في هذه القضية فكان الطرف المعني : عُمان . وهكذا لم تلبث الأعلام الفرنسية أن نُكست في أعقاب هذا الاتفاق من على السفن العُمانية وتقلص نفوذ فرنسا ، من جراء ذلك تدريجياً .

4 - فيصل ومسألة التنحي
ما من شيء يدلّ على تردّي الوضع العامّ في عُمان أكثر من رؤية السلطان عازماً على التنحي من منصبه . فقد قرر فيصل ، بعد كل الإهانات والإحباطات التي أنزلتها به إنكلترا ، التنازل لصالح ابنه تيمور .
وفعلاً أبلغ السلطانُ الوكيلَ السياسيَّ في مسقط بهذه النية قائلاً : " منذ بعض الوقت افكّر جدياً بالتخلي عن مقاليد الحكم " (52) . وردّ السلطان على الوكيل الإنكليزي ، الذي سأله عما إذا كان المرض أو الشيخوخة وراء هذا القرار ، بأن الدافع لا هذا ولا ذاك ، بل هو ، بالأحرى ، المشاكل المستمرّة التي كان يصادفها مع القبائل ، من جهة ، وصعوباته المالية من جهة أخرى .
كــانــت تــلــك ، بــالــفــعل ، الأسباب الظاهـرة ، لكنها لم تكن الأسبــاب الحقيقية الــتي مــن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(51) لوريمر (ج . ج) ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 625 .
(52) . I.O.R : R/15/6/51,pp.4-5
شأنها أن تدفع سلطاناً مثل فيصل للتنحّي . ولم يغفل الوكيل السياسي البريطاني عن ذلك . وقد حاول التوصّل إلى الأسباب الحقيقية لقرار السلطان . ويلخّص في التقرير الذي كتبه إلى حكومة الهند ، الوضع كما يلي :
" يبدو لي أن واقع الحال هو التالي : إن السيّد فيصل ، ما يعبر عن ذلك بصراحة ، متعب من الهموم التي يثيرها الموقف الصعب والمصطنع الذي يجد نفسه فيه أي كونه " سلطاناً اسمياً " فقط " .
ويضيف إلى ذلك قوله :
" إنه يرغب في أن يتجنّب ، أمام شعبه ومن أجل كرامته ، بأن يظهر بمظهر الرجل الذي يتخلّى عن وطنه ويضع حكومة بلاده بين أيدي البريطانيين " (53) .
يكشف التقرير ، كما نرى ، عن معرفة بعيدة بالوقائع المحلية . ودوافع القرار السلطاني محللة فيه تحليلاً
صحيحاً ، ولكن هناك دوافع أخرى لا يأتي التقرير على ذكرها . فالسلطان كما يشهد على ذلك الوكيل السياسي نفسه في مراسلاته كان قد فكر في هذا التنحّي بعد حادث الأعلام الفرنسية . ولم تكن تلك ، على كل حال ، سوى القطرة التي أترعت الإناء . ذلك أن المسألة الحاسمة التي لا تذكر في الوثائق الدبلوماسية البريطانية كانت الإهانة التي وجهها الإنكليز لفيصل بشأن موضوع مستودع الفحم عام 1899 . فقد أجبروه ، وقتذاك ، على ركوب سفينة بريطانية للدلالة على استسلام حاكم مسقـط لبريطانـيا .
وإنه لذو دلالة حقاً ، أن يكون الوكيل السياسي لم يحاول إقناع السلطان بالعدول عن قراره . بل انصب اهتمامه بالأحرى ، على معرفة ما إذا كان الوضع السياسي في عُمان سيكون ، في حال وصول ابنه تيمور إلى الحكم ، شبيهاً بوضع زنجبار ، أي خاضعاً خضوعاً كاملاً للسلطة الإنكليزية ، ورد عليه السلطان بالإيجاب .
ومــهـما يــكـن مـن أمــر ، فـإن بـريطـانيا رأت أن التوقيت لم يكن منـاسـباً لتنحّي السلـطــان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(53) . I.O.R : R/15/6/51, pp.5-6

لا سيّما أن ابنه تيمور كان صغيراً جداً . فأقنعته بأن يبقى في الحكم ، مدركة جيداً أنه قد ضعف تماماً لوم يعد يمثل تحدياً ولا معارضة للنفوذ البريطاني . فبريطانيا حطّت به نهائياً إلى درك زعيم لا طموح له ولا مثل أعلى ولا سلطة .
ومن جانب آخر ، فإن النشاطات المرتبطة بتجارة الأسلحة التقليدية في البلاد ، سرعان ما غدت بدورها هدف حملة استعمارية جديدة ، كانت ذريعة جديدة لإرباك نشاط السفن التجارية العُمانية .
وكانت تسوية هذه القضية موضع مساومة بين فرنسا وبريطانيا ، في نفس الوقت الذي كان يبحث فيه رسم الحدود بين الإمبراطوريتين ، لا سيّما أن تجارة الأسلحة العُمانية قد ازدادت ، على حد قول لاكور غران ميزون ، زيادة ملموسة اعتباراً من عام 1907 . وكان الاتفاق الفرنسي - البريطاني ، الموقّع عام 1904 ،
يقتضي موافقة فرنسا لوقف هذه التجارة . فجرت محاولات تبادل عديدة بين الدولتين الاستعماريتين أبرزها مقايضة تجارة السلاح في الخليج بأراضي غامبيا في إفريقيا الغربية ، وهي أرض بريطانية محصورة ضمن مستعمرة السنغال الفرنسية (54) .
إزاء ما كان يسود البلاد من تمزق ويرهقها من تبعية وإزاء شعور السلطان فيصل الذي كانت تحركه أصدق النوايا في ما يتعلق بسيادة بلاده واستقلالها ، لم ير مفراً ، بعد أن تبددت كل طموحاته وتفرق الجميع من حوله ، سوى التنحّي ؛ ولكن البريطانيين حالوا بينه وبين هذه الرغبة الأخيرة وحكموا عليه بأن يتحمل ، حتى النهاية ، مسؤولية دولة محتضرة . وهذه المحنة هي التي سوف تفضي إلى ثورة 1913 - 1920 ، الثورة التي رسمت الخطوط العريضة لمصير عُمان الحديث .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(54) . Le Cour Grandmaison (C.) " Presentation du Sultanat d'Oman " ,op.cit.,p.280


الفصل التاسع

سلطنة مسقط وإمامة عُمان
" لا تبلغ الحرية دون الدم والدموع . والخوف
هو لعنة الحياة ، والشك بالنصر هو الهزيمة .

العالم عبدالله السالمي ( 1868 - 1914 )
ثورة 1913 - 1920
إستطاعت بريطانيا - وقد رأت التحكيم في النزاع حول الأعلام الفرنسة ، أمام محكمة لاهاي 1904 ، ينتهي لصالحها - أن تُكرّس " الشرعية الدولية " لنفوذها في عُمان وأن تضع حداً للمنافس الفرنسي . وإذ غدا شعار مكافحة تجارة الرقيق غير مُجْدٍ للاستراتيجية البريطانية ، خَلَفَهُ شعار مكافحة تجارة السلاح ، ومن نافل القول أن هذا الشعار الجديد لم يكن سوى شريعة جديدة لإحكام السيطرة البحرية على المنطقة لضمها ، بصورة أوثق ، إلى استراتيجية الإمبراطورية البريطانية ، في كل الشرق . ومن أجل ذلك كان من المناسب الاحتفاظ بالأنظمة القائمة في حالة ضعف وتجزئة وتبعية للقوة الاستعمارية التي تناور في الكواليس بدلاً من إعلان الحماية البريطانية عليها رسمياً . تلك هي " البحيرة البريطانية " الآسنة على كل المستويات .
ولم يكن خطرُ فقدان الهوية الوطنية والثقافية والانحدار المتزايد على جميع المستويات المحيطة بنظام " السلاطين " ليدع أمام العُمانيين الواعين بديلاً عن الحركة الثورية .وهكذا فسوف تهز النهضة العُمانية " البحيرة البريطانية " من عام 1913 حتى عام 1920 .
إلا أن الدولة الاستعمارية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى لم تلبث أن فــرضـت تقسيماً جـديـداً للبــلاد بــيـن الإمــامــة في الــداخــــل والســلــطــنــة علـى الساحل

وهو وضع لم يكن مُرْضياً لأي من الأطراف ولم يكن من شأنه سوى الإسهام في عزل البلاد ، مؤخراً نموها الاقتصادي ونضجها السياسي .

القسم الأول
( البحيرة البريطانية ) وتحدي الحركة الإباضية

أظهرت الحكومة البريطانية ، منذ وصول بلفور (Balfour) إلى وزارة الخارجية عام 1902 ، مزيداً من الاهتمام بمنطقة الخليج والعراق . وحاولت أن تمارس فيها سياسة أدق وأوضح . ذلك أنها كانت مقتنعة بأنه ينبغي ، لتثبيت وجود بريطانيا في الهند وآسيا الشرقية ، دعم مواقعها في الخليج ، بل إن ذلك كان شرطاً لازماً . وإنفاذاً لهذه الاستراتيجية ، قررت وزارة الخارجية خلق لجان خاصة عرفت باسم " لجان بونزن " (The Bunzen Committee) لدراسة المعطيات الإقليمية الجديدة بمزيد من التفصيل كما كلفت تلك اللجان ، أيضاً ، بدراسة الخريطة الجغرافية - السياسية الجديدة .
وفي عام 1903 ، قام اللورد كورزون بزيارة رسمية لعدة بلدان في الخليج ، بينها عُمان و " ساحل عُمان " المسمى ، إذ ذاك ، " الساحل المتصالح " . كان الهدف من هذه الزيارة التاريخية لهذا الرجل " المنتصر " ، الإعلان رسمياً عن نهاية النفوذ الفرنسي وعن حصرية النفوذ البريطاني فيها من الآن وصاعداً . وممّا صرح به كورزون في خطابه الشهير الذي ألقاه في الشارقة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1903 ، بحضور حكام " الساحل المتصالح " :
" إنكم لم تفقدوا استقلالكم ، بل حافظنا لكم على هذا الاستقلال ، ولا بد لنا من المحافظة على السلام في هذه المياه وسيظل نفوذ الحكومة البريطانية هو السيد في هذه المنطقة " (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نوفل (سيد) ، الأوضاع السياسية في امارات الخليج العربي وجنوب الجزيرة ، القاهرة ، معهد البحوث والدراسات العربية ، اليونيسف ، الكتاب الثاني ، 1972 ، ص 79 .
راجع أيضاً : Zorgbibe (Charles), Geopolitique et Histoire du Golfe, Paris, P.U.F., 1991, p.36.
ولكن الواقع كان مختلفاً تماماً . وتشهد على ذلك أقوال رئيس الوزراء البريطاني اللورد سالسبوري الذي أعلن دون تردد :
" إن مصائر بلدان الخليج تقرر ، من على بعد آلاف الأميال من أصحابها الأصليين " (2) .
هذا التصريح ، علاوة على أنه تكذيب قاطع ورسمي لخطاب كورزون واعتراف بنظام التبعية
الاستعمارية ، يلخص السياسة الثابتة التي حددت مسار تاريخ بلدان الخليج خلال قرن ونصف القرن على الأقل .
يبقى أن زيارة كورزون لم تكن مجردةً من خلفيّة عسكرية . إذ كان من أهدافها أيضاً ، البحث عن مواقع للتواجد العسكري وهو الأمر الذي سوف تكون له نتائج سياسية وديمغرافية وثقافية ثقيلة الوطأة على المنطقة بأسرها ، والذي سوف يضع الهوية الوطنية والثقافية بشكل خاص على المحك . إن فرض سيطرة بريطانية ، بالقوة على الخليج كانت تعني ، للاندن خاصة ، طبعَ هذه المنطقة ببصمات " هندية - بريطانية " . وواقع الحال أن تاريخ بلدان الخليج أكّد هذه الرؤية للأمور لا سيّما مع تسارع التطورات بفعل اكتشاف النفط (3) .
وهكذا ، لا تبدو الخريطة الاجتماعية - السياسية - الثقافية لبلدان الخليج اليوم ، إلّا ثمرة لسياسة بريطانية في بداية هذا القرن . كان رهان بريطانيا رهاناً لا يستهان به طالما أن الهدف من ورائه كان العمل على إضعاف البنية الاجتماعية والهوية الثقافية العربية نفسها من أجل فرض سيطرة استعمارية كلية بشكل أفضل .

إلى أيّ حد يجب دفع السيطرة الاستعمارية على المنطقة ؟ هذا السؤال كان ما يزال مطروحاً في وزارة الخارجية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى .
وقــد نــاقــشــت لــجنــة بــونــزن ، على حــد قــول بــوندارفسكي ، خلال الحــرب ، بـعض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) أنظر : لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 242 .
(3) المرجع السابق .
المشاريع الرامية إلى خلق ( خلافة ) عربية تشمل مجمل شبه الجزيرة العربية وكل مناطق التجمعات العربية في الخليج . ولكن هذا الاقتراح لاقى معارضة من غرانت (Grant) ،
رئيس القسم الأجنبي في إدارة الهند الاستعمارية البريطانية ، ومن هرتزل (Hirtzel)، رئيس القسم السياسي النافذ في مكتب الهند اللذين أشارا في تقريرهما إلى أن بريطانيا لا ترغب في جزيرة عربية موحدة ، بل في جزيرة عربية ضعيفة ، مفككة ، مجزأة إلى إمارات صغيرة تحت السيادة البريطانية ، والأهم ، إمارات لا سبيل إلى توحدها يوماً ضد السيطرة البريطانية (4) .
مع نهاية الحرب العالمية الأولى ، وجدت بريطانيا نفسها السيدة المطلقة في المنطقة . وكانت الضفة الأخرى من الخليج ، الضفة الفارسية ، قد شاعت صراعاً بين روسيا وبريطانيا انتهى إلى تقسيم إيران بين عامي 1907 و 1917 ، إلى ثلاث مناطق : الروس في الشمال ، الإنكليز في الجنوب ، والمنطقة الوسطى محايدة . إلا أن الثورة البلشفية في تشرين الأول (اكتوبر) 1917 ، غيّرت هذا التقسيم إذ سقطت إيران كلها بين أيدي البريطانيين . أما الوضع في المنطقة العربية من الخليج ، فبقي شبه جامد خلال ما يقرب من القرن والنصف . وهكذا تحقق حلم سالسبوري وكورزون الشهير ، وكسبت المنطقة لقبها المعروف بـ " البحيرة البريطانية " .
إلى ذلك ، فإن استيلاء بريطانيا على المرافئ الإفريقية من جهة ، وعلى المرافئ الهندية ومرافئ شرق آسيا من جهة أخرى ، وكذلك السيطرة على الطرق البحرية للمحيط الهندي والخليج ، شَلَّ ما تبقّى من الأسطول العُماني الذي وصفه المؤرخ البريطاني كيلي بأنه استحالَ حطاماً :
" تحول أسطول عُمان الذي كان في السابق أكبر الأساطيل وأقواها إلى كومة من الهياكل الخشبية المحطمة القابعة في مراسيها " (5) .
ويــكــفــي هــذا الــوصــف لإعطــائــنا فــكــرة واضــحة ، ليس عن النشاطات التجارية فقط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) . Bondarevsky (G.), op.cit,p.102
(5) كيلي (ج.ب)، بريطانيا والخليج ، مرجع سابق ، الجزء الثاني ، ص 760 .

التي انعدمت بل ، كذلك ، عن الوضع الاقتصادي العام ، وعن نمط حياة العُمانيين . وبطبيعة الحال ، فقد
كان الإنتاج الزراعي يتناقص مع غياب النشاط التجاري . فقد تقلص تصدير التمور ، وهو محور هام في الاقتصاد الوطني ، بل تلاشى . وكان المجتمع العُماني في حالة قريبة من الاختناق . أمّا اتصال عُمان بالعالم الخارجي فكان يقتصر ، حسب قول وينغيت (Wingate) نفسه ، على سفينة واحدة أسبوعية (6) ، علماً بأن المرافئ العُمانية كانت تُؤوي ، قبل وصول البريطانيين مـنذ قرن ، مـئات الـسـفن .
كذلك ، لم يكن بوسع السلطان فيصل سوى أن يسلم كل شؤون بلاده ، تقريباً ، إلى السلطات البريطانية . بل إن لاندن يذكر أن السلطان قد تخلى عن إحدى صلاحياته الأساسية التي هي الإشراف اليومي على شؤون البلاد لصالح المقيم السياسي البريطاني في مسقط ، الميجور وينغيت ، وأنه تلقى بالمقابل 650 ألف روبية هندية أتاحت له تسديد ديونه (7) .
وهكذا تحول غسق الدولة العُمانية الذي بدأ يطلع في منتصف القرن التاسع عشر ، بعد انفصال زنجبار (1861) ، إلى ظلمات مع نهاية عهد السلطان فيصل (1888 - 1913) . وكتب على عُمان أن تبقى غارقة في هذه الظلمات قرناً كاملاً . بل قُل كان ذلك احتضاراً بطيئاً لبلد وشعب .
ولكن من مياه " البحيرة البريطانية " الآسنة لم تلبث أن انبعثت تيارات عميقة وقوية بقدر ما كانت مكبوتة ، وأن تضافرت الظروف الكفيلة بإخراج البلاد من سيرورة التحلل . تلك هي النهضة العُمانية .
1 - حركة النهضة العُمانية
على غرار ما كانت عليه الحال عشية ثورة ناصر بن مرشد في القرن السابع عشر ، ومن ثم ثورة عــزان بــن قــيــس فــي الــقــرن التاســع عــشــر ، كــان الــحــل الــوحــيــد لــوقــف هــذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(6) Wingate (R.), Not in the Limelight, London, Hutchinson and Co. Ltd., 1959, p. 82 .
(7) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 357 .

الانهيار وإنقاذ الأُمة هو التفاف جميع العُمانيين حول الحركة الإباضية ومحاولة إعادة إقامة الإمامة .
ضمّت قيادة النهضة أربعة عشر عالماً ورئيس قبيلة ، وبرز نور الدين عبدالله السالمي كموجّهٍ لهم . وقد سمى هؤلاء القادة حركتهم بـ " حركة النهضة العُمانية " . وهي تسمية تشهد ، في الحقيقة ، على الآمال المعلقة على الحركة الإباضية . على هذا فإن مشروع النهضة الذي بدا قابلاً للتحقيق قبل أربعين سنة ، بدا أبعد متناولاً مع توطد الوجود البريطاني في عُمان .
يذكر أبو بشير محمد السالمي ، ( الابن ) ، مؤرخ هذه الثورة وأحد قادتها ، أن أباه عبدالله السالمي ، الذي كانت له صلات وثيقة بالسلطان فيصل ، طلب إلى هذا الأخير تغيير مواقفه من البريطانيين . وتعتبر خطوة السالمي هذه تقليداً إباضياً ، كما تمثل تحذيراً من العلماء قبل إعلان ثورة قادمة . ولكن فيصل الذي قد فقد الأمل في الاستقلال تجاهل هذه المبادرة .
فأخذ عبدالله السالمي ، الكفيفُ البصر منذ السادسة عشرة ، ( علماً أن هذه العاهة لم تُعِقهُ في شيء إذ قدم إسهاماً أدبياً وفقهياً كبيراً ) - أخذ يُحضّر للثورة بكل القناعة وقوة العزيمة المعروفة لديه . وكان يُردد شعاره الشهير : " لا تبلغ الحرية دون الدم والدموع ، والخوف هو لعنة الحياة ، والشك بالنصر هو الهزيمة " (8) .
لعب السالمي ، على غرار العالم سعيد بن خلفان الخليلي خلال ثورة عزان ، وعلى مثاله ، دور الموحّد والموجّه والأب الروحي لهذه النهضة . ومن هنا جاء لقب كأب لـ " النهضة العُمانية فـي الـقـرن العشريـن " .
كان السالمي يتصور امتداد النهضة إلى العالم العربي عبر العلماء الإباضيين . ووفق ولكنسن ، فلقد شهد ذلك العهد توسعاً للحركة الإباضية نحو ما يشبه دعوة إباضية جامعة (Pan-Ibadisme) ، بمعنى أن الجماعات الإباضية بدأت تتفاعل أكثر فأكثر مع بعضها وتعمل على بلورة منهج مشترك (9) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(8) السالمي (محمد بن عبدالله) ، نهضة الأعيان بحرية عُمان ، القاهرة (دون تاريخ) ، ص 130 .

(9) . wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.243

نوى السالمي أن يحجّ إلى مكة وأن ينتهز المناسبة تلك ليلتقي بالعلماء الإباضيين القادمين من الجزائر وتونس ، وخاصة محمد بن يوسف أطفيش . كان يريد إعلامهم بقرب اندلاع الثورة العُمانية والحصول على دعمهم المعنوي والمادي . وقد شهدت هذه الفترة ، التي انتشر فيها الأدب الإباضي ، تعاون علماء المغرب والمشرق وتمتين صلاتهم ليؤمنوا الدعم للمشروع الإباضي في عُمان .
ولكن ، نظراً لخطورة الوضع الداخلي العُماني ، توجَّب على السالمي العزوف عمّا نوى عليه . وقام بدلاً من ذلك ، بجولة داخل عُمان بغية الاتصال بقادة القبائل وتهيئتهم للثورة . وبصورة دبلوماسية جداً ، كانت الزيارة الأولى من نصيب " أمير الجبل الأخضر " الشيخ حمير بن ناصر النبهاني ، الرئيس الغافري لتنوف ، وهي مدينة تاريخية مجاورة لنزوى . وكان لهذه الزيارة معنى خاص لأن القبائل الغافرية لن تكن قد لعبت دوراً هاماً خلال إمامة عزان بن قيس (1868) الذي حظي ، على العكس من ذلك ، بدعم القبائل الهناوية ، وقد مثل غياب دعم القبائل الغافرية أحد الأسباب الرئيسية لسقوط إمامته عام 1871 .
كان السالمي الذي يعرف العقلية القبلية جيداً يتوق إلى محو هذا الاختلال في التوازن بمبادرة لم يغفل النبهاني عن تقديرها . وبشكل موازٍ عمل السالمي على تنشيط الصلات مع القبائل الهناوية . فاتصل برئيسها عيسى بن صالح الحارثي الذي أبدى شيئاً من التردد قبل أن أعلن دعمه للإمامة المقبلة .

2 - إمامة سالم بن راشد الخروصي ( 1913 - 1919 )
في عام 1913 ، اجتمعت مجموعة من العلماء ورؤساء القبائل في مدينة تنوف ، وكان لهذا الاجتماع هدف وحيد : انتخاب إمام . اقترح عبدالله السالمي ترشيح العالم سالم بن راشد الخروصي ولكن الخروصي الذي لم يكن يتوقع هذا الاقتراح حاول أن يعتذر بالــقــول إنه أتى لإعــطــاء بــيــعــتــه لا لــتــلـقّــي الــبــيــعــة (10) . إلّا أنــه لــم يــكــن مــن حــقــه ولا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10) السالمي (محمد بن عبدالله) ، مرجع سابق ، ص 138 .
في مقدوره ، لا من وجهة نظر مذهبية ولا من حيث التقاليد ، أن يعتذر عن هذا الترشيح . فَرِفْضُ الترشيح كان يعني رفض الثقة التي وضعها العلماء فيه ، لا سيما وأن مثل هذا الرفض كان يمكن أن يعني أيضاً انقسام صفوف المسلمين (11) .
ولم يكن للخروصي سليل الأسرة التي أعطت عبر التاريخ المديد ، علماء وقضاة وأئمة ، سوى الموافقة , فتمّت له البيعة إذاً في مسجد الشريعة في المدينة نفسها ، طبقاً للمراسم التقليدية . وقد شارك فيها مجموع العلماء وبعض رؤساء القبائل . وقد قام العالم عامر بن خميس بن مسعود المالكي ، والعالم عبدالله بن محمد بن رزيق الأزكوي ، بقراءة البيعة واتخاذ ما تستتبعه من تدابير (12) . وكانت هذه البيعة بيعة الظهور (13) . وهكذا أعلنت الإمامة الجديدة وأعلنت نزوى ، المركز الإباضي الروحي ، عاصمة لها .
كان برنامج إمامة الخروصي يقوم على أربع نقاط : إسقاط نظام السلطنة ، إنهاء الوجود والنفوذ البريطانيين ، العمل على توحيد البلاد ، وأخيراً إعادة إقامة الإمامة على كل البلاد . ويلاحظ في كل الإمامات الإباضية ، في التاريخ الحديث ، برامج مماثلة تقريباً كانت خصوصيتها الوحيدة في الزمان والسياق .
بعد شهر من هذه البيعة تقريباً وصل الشيخ عيسى بن صالح الحارثي مصحوباً ببعض رؤساء القبائل الهناوية إلى تنوف ، وهي منطقة تتبع للقبائل الغافرية ، وبايع الإمام الجديد . بفضل السالمي والخروصي ، أمكن حصول اتفاق ، بعد خمسين سنة من النزاعات ، بين رئيسي القبائل المتنازعة ، الغافرية والهناوية . وهكذا أمّنت الثورة أحد أهم شروط نجاحها : وحدتها . وعلى هذا النحو بدا أن المجتمع العُماني قد استعاد وحدته حتى قبل إقامة الإمامة . كذلك يمكن القول إن هذه الثورة حظيت بظروف كانت غائبة في عصر عزان بن قيس .
ولــكــن الــغــريــب هــو أن عيسى بن صــالح الحارثي اقترح ، بعد إعطائه بيعته ، وساطة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) راجع القسم الثاني من الفصل الأول .
(12) السالمي (محمد بن عبدالله) ، مرجع سابق ، ص 151 .
(13) راجع القسم الثاني من الفصل الأول .
بين الإمام والسلطان فيصل . وكان يمكن لهذا الاقتراح غير المتوقع أبداً أن يزرع ، على حد قول محمد السالمي ، التخاذل بين الإماميين في الوقت الذي لم تكن الثورة إلا في طورها الأول ؛ ولكن هذا الاقتراح رفض رفضاً قاطعاً شكلاً ومضموناً ، من جانب العلماء ؛ وأثار أكثر من ذلك ، السخط والدهشة معاً .
وطبقاً للتقليد ، أرسل الإمام الخروصي ، في هذه الأثناء رسالة رسمية إلى السلطان يعلمه فيها بقيام الإمامة ، ويطلب فيها منه إنهاء النفوذ البريطاني وتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد . بعبارة أخرى يطلب منه التنازل عن الحكم . وبصورة موازية لذلك ، أرسل الإمام مبعوثين عبر البلاد ، ورسائل لرؤساء القبائل يخبرهم فيها بقيام الإمامة ويطلب بيعتهم . وقد ردّ معظم الزعماء إيجابياً ومنحوه بيعتهم . وفي زمن قصير ، أعلنت كافة المدن الرئيسية ، تقريباً ، ولاءها له . ولكن بعض المدن التي بقيت تحت نفوذ سلطة حكم مسقط لم تفعل .
ويلاحظ التقرير البريطاني الذي يلخص الوضع ، أن عصيان قبائل عُمان تحت قيادة إمام تنوف ، سالم بن راشد الخروصي ، يغطي على كل الأحداث الأخرى التي شهدتها عُمان تلك السنة . وينسب هذا التقرير اندلاع " العصيان " إلى الدعايـة التي بثـها الشيخ الإباضـي الرئــيسي ، عبدالله بن حـميد السـالمي (14) .
أياً يكن ، فلقد تجلى دعم عام للإمام ، لا سيما في المدن التي بايعت . وبحق كان على البريطانيين أن يقلقوا لا سيما وأن شخصيات قريبة من السلطان ، مثل سيف بن سلطان البوسعيدي وأخيه حمود ، التجأت إلى الإمام وأعطته بيعتها ، بل طلبت إليه أن يصفح عنها (15) .
في تموز (يوليو) 1913 ، وصل الميجر مورفي (Murphy) ، من دائرة المخابرات ، من بو شهر ليدرس الوضع بقصد الوصــول إلى تسويــات أو ، إذا اقتــضت الــضـرورة ،
القيــام بإنــزال قــوات بــريــطــانــية مــن أجــل الــدفــاع عــن مــطــرح ومـسـقط . وفي 6
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(14) I.O.R : R/15/6/337, Administration Report of the Muscat Agency for the year 1913, p.51 .
(15) السالمي (محمد بن عبدالله) ، مرجع سابق ، ص 181 .

تموز (يوليو) طلب السلطان المساعدة من المقيم السياسي (16) .
ولكن هذه التدابير لم تمنع تقدم قوات الإمامة . فبعد شهرين من إعلان الإمامة تقريباً ، سقطت منطقة إزكي تحت سلطتها ، تلتها منطقة العوابي ، والتحق واليهما بالإمام . وأخيراً ، في آب (أغسطس) 1913 ، سقطت منطقة سمائل الاستراتيجية في أيدي الإماميين . ومن جراء ذلك تغيّر موازن القوى لصالح الإمامة . ومنذ ذلك الحين لم تعد سلطة السلطان تشمل سوى مسقط ومطرح وبعض المدن الساحلية . وعدا ذلك أصبحت كل البلاد ، تقريباً ، خاضعة لسلطة الإمامة . ولم يبقَ من أجل أن تصبح الإمامة الواقع التاريخي للعُمانيين سوى مرحلة أخيرة : تحرير العاصمة .
حيال هذا الوضع جمعت بريطانيا ، التي تعلم جيداً أن سقوط مسقط سيعني نهاية نفوذها في عُمان ، قواتها حول المدينة ، عازمة على أن تنقذ معقلها الأخير . كما أرسل المقيم البريطاني في مسقط رسالة تهديد وتحذير إلى الإمام الذي كان يهيئ لهجومه النهائي .
ورد عليه الإمام قائلا :
" ( ....) أنتم تعلمون أن أمر عُمان عند علمائها من قديم الزمان وأن كل ملك (سلطان) خالف العلماء فهو خليع عند الدولة الإسلامية وأن فيصل قد قامت عليه الحجة مراراً عديدة (...) وأنتم يجب عليكم أن تكفوا عن أمر المسلمين ويجب أن لا تعتدوا علينا ومن اعتدى علينا فالله يعيننا عليه وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً " (17) .
وفي هذه الأثناء ، توفي السلطان فيصل في 4 تشرين الأول (أكتوبر) 1913 . وانتهى عهد دام 25 سنة ، كان صاخباً بقدر ما كان صعباً . واعتلى ابنه تيمور ، في 8 تشرين الأول (أكتوبر) العرش وكان
عمره آنذاك 17 سنة .
ويــجــدر بــنــا أن نــورد هنا ، رأي البريطانيين في السلطــان المتوفّى فيــصــل . فــقد وجّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(16 ) . I.O.R : R/15/6/337, Administration Report of the Muscat Agency for the year 1913, p.52
(17) السالمي (محمد بن عبدالله) ، مرجع سابق ، ص 197 - 198.

الميجر رنكس (Ronx) ، المقيم البريطاني في مسقط رسالة مؤرخة في كانون الثاني (يناير) 1914 إلى رئيسه البريطاني لوريمر المقيم السياسي في الخليج ، رسم فيها عن فيصل الصورة التالية :
" إن السيد فيصل بن تركي ، الذي انتُقد كثيراً في حياته ، مأسوف عليه جداً ، في كثير من الأوساط . لقد كان ، دون أي شك ، حاكماً ضعيفاً ، ولكن تصرفاته الطبيعية اللطيفة وحضوره المميز أكسباه شعبية واسعة . وهو لم يفتقر قط إلى الشجاعة الشخصية وكان ، دون أي شك ، إنساناً ودوداً " (18) .
هذه شهادة عادلة جداً ولكن متأخرة . ذلك أن الإنكليز لم يعاملوا فيصل ، على الرغم من كل صفاته ، كما كان يجب أن يعامل . أما بالنسبة لضعفه المزعوم ، فمردّه إلى الضغط الإنكليزي المتواصل الذي نجح في تحطيم إرادته أكثر منه إلى طبعه الخاص .
من جانب آخر ، هناك رأي ثانٍ يستحقّ أن يذكر ، وهو رأي العلماء الإباضيين . فعلى الرغم من أنهم كانوا يعدّون فيصل غير مقبول من العُمانيين سياسياً ، فقد وصفه السالمي ، وهو سلطة البلاد الأخلاقية ، بأنه رجل جليل ، حليم وشجاع (19) .
وصل السلطان الشابّ تيمور إلى الحكم ، على غرار أبيه ، في وقت كانت فيه البلاد تغرق من جديد في أزمة داخلية خطيرة ودائمة . وهذا ما جعل مصيره أكثر مأساوية من مصير والده . فلقد كان عليه أن يواجه ثورة هي الأطول في التاريخ العربي الحديث إذ دامت سبع سنوات ، حدّدت مسار التاريخ الحديث لبلاده . وكان وضع السلطنة الاقتصادي يتدهور بسرعة وكانت خزينة الدولة فارغة ، والجنود الذي
يتأخر تسديد رواتبهم يستسلمون للإحباط إلى درجة التهديد بالالتحاق بالإماميين .
ولكن لنسمع أولاً رأي السلطات البريطانية في السلطان الجديد :
" ورث الــســيــد تــيــمــور عــرشــاً لا تــصــــل ســلــطــتــه إلــى أبــعــد مــمــا تــصــل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(18) . I.O.R : R/15/6/337, Administration Report of the Muscat Agency for the year 1913, p.49
(19) السالمي (محمد بن عبدالله) ، مرجع سابق ، ص 200 .


إليه مدافع الأسطول البريطاني (...) وهو مقيم مقطوعاً عن القبائل العربية بسبب تمرد اندلع قبل تسلمه السلطة في عاصمة معظم سكانها بريطانيون وهنود وبلوش وسود وليس فيها زعيم واحد يمثل الرأي العام العربي (العُماني) " (20) .
أما فيما يتعلق بطبعه وسماته الشخصية ، فإن التقرير يتابع قائلاً :
" فضلاً عن ذلك ، فإنه يدع المرء يتفاءل بحكم جيد ، وهو ذو حسّ سليم جداً عندما يُترك لنفسه ، وقد يجعل منه هذا الحسّ حاكماً أفضل من جده أو أبيه إذا بقي له من شيء يحكمه " (21) .
وبالفعل فلقد كان لا بد أولاً من معرفة إلى أي حد ستترك بريطانيا للسلطان الجديد شيئاً يحكمه ، وضمن أي هامش من المسؤولية والحرية . خاصة وأن أباه وجدّه واجها من الضغوط أكثر ممّا تمتعا به من الاستقلال .
على صعيد آخر فقد الإمامة في كانون الثاني (يناير) 1914 ، أحد أبرز زعمائها الروحيين ، قائد النهضة ، (الشيخ نور الدين) ، عبدالله السالمي . وفقدت معه أيضاً مؤرخاً كبيراً وصفه المؤرخ الروسي بوندارفسكي بأنه أبو التاريخ العُماني . وعلى الرغم من وفاته في حوالي الأربعين من عمره ، فإن حياته القصيرة كانت ذات خصوبة استثنائية . فقد ترك حوالي عشرين مجلداً في الفقه والأدب ، منها اثنان في تاريخ عُمان . وقد انطبعت حياته بالنضال المستمر في خدمة عُمان وحريتها وخدمة المشروع الإباضي .
ولقد انعكس غيابه بشكل ملموس على القرار السياسي لهذه الثورة واتجاهها ، بل وعلى مصيرها . وممّا تجدر الإشارة إليه أنه لم يُخلَف إلّا عام 1915 ، حيث انتخب العلماء العالم عامر بن خميس المالكي لمنصب " مدير شؤون الإمامة " وهو لقب لم يكن معروفاً من قبل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(20) . I.O.R : R/15/6/337, Administration Report of the Muscat Political Agency1916, pp.122-123
(21) . Ibid,p.123



3 - الحرب العالمية الأولى : الإمامة على المحك
حاول السلطان تيمور ، مدفوعاً من إنكلترا المنشغلة بالحرب العالمية ، الدخول في مفاوضات جدية مع الإماميين ولكن عبثاً . عند ذلك ، تقدم الشيخ حمدان بن زايد آل بو فلاح ، حاكم أبو ظبي ، كوسيط بين السلطان والإمام . وفي 9 كانون الأول (ديسمبر) جرى لقاء بين ممثل الإمام ، عيسى بن صالح الحارثي ، والشيخ حمدان بن زايد في منطقة السيب الواقعة على حوالي 70 كلم من مسقط ، والتي أصبحت المقر الدائم للمفاوضات . ونجح حمدان في إقناع الحارثي بمصاحبته لزيارة السلطان في مسقط للبحث في مقدمات اتفاق محتمل . وعلى رغم الترددات الأولية لقادة الإمامة ، اتُّفق على لقاء جديد للتفاوض على هذا الاتفاق .
خلال اجتماع مسقط مع السلطان تمت صياغة ثماني نقاط ، غير أن الحارثي اشترط عرضه على الإمام لأخذ موافقته . وقد نصت النقاط على التال : أن لا يتعدى الإمام حدوده الحالية ، وأن يردّ حصن بدبد وسمائل للسلطان ، وأن لا يتخلى السلطان عن شيء من " المملكة العُمانية " لصالح الإنكليز ، وأن لا يُؤوي السلطان أي هارب من عدالة الإمامة ، وأن لا يسعى لهم بضرّ ظاهر ولا باطن . ونصت النقطة الخامسة على أنه يجب على السلطان تطبيق العدالة حسب الشريعة الإسلامية وأن يرفع المظالم . وأخيراً
أن لا تتجاوز الرسوم الجمركية التي تفرضها مسقط على تصدير التمور والمنتجات الزراعية 5 بالمائة من قيمتها ، وأن لا تخضع الواردات المتجهة إلى الإمامة لتفتيش سلطات مسقط (22) .
كانت معظم نقاط هذا الاتفاق لصالح الإمامة ، ومع ذلك رفضها الإمامة وصرّح ، فيما يتعلق بالنقطة الأولى ، بأن منطقة سمائل كانت "محررة" وأنها تمثّل جزءاً من أراضي المسلمين وأنه لا يمكن ، بهذه الصفة ، ردها إلى الجبابرة ، ( القادة غير الشرعيين ) . فانتهت هذه المحاولة الأولى إلى الفشل ، ولكن المفــاوضات سجلت نجاحاً أوّل للإمامة إذ اعتُرف بها من ذلك الحين ، كواقع يجب أخذه في الحسبان . إلّا أن الــلــقــاء بــيــن الــشــيــخــين عــيــســى بــن صــالــح الــحارثــي وحـمـدان بن زايد في مسقط ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(22) السالمي (محمد بن عبدالله) ، مرجع سابق ، ص 218 .

أثار جدلاً بين العلماء . ذلك أن الإنكليز حاولوا ، إذ ذاك ، الالتفاف على الحارثي ، ليزرعوا الشقاق بين الغوافر والهناويين ، على أمل أن يفرق ذلك بين قيادة الثورة . وبالفعل استُقبل الحارثي استقبالاً جيداً في مسقط حيث تلقى بعض الهدايا من السلطان وهو ما يفسره التقرير البريطاني على أنه بداية محاولة لفكّ ارتباط القبائل الهناوية بالإمامة .
على خطّ آخر كانت المواجهة العسكرية بين الطرفين قاسية . ففي عام 1914 وللمرة الأولى ، شن الإماميون هجوماً على العاصمة ، ولكن هجومهم هذا فشل لنقص خبرتهم العسكرية في مواجهة الجنود البريطانيين والهنود المجهّزين جيداً ، وقد خسروا في هذه المواجهة 350 رجلاً مقابل 7 قتلى و15 جريحاً في الصفوف البريطانية (23) .
وفي كانون الثاني (يناير) تلقّى الإمام الخروصي رسالة من القنصل البريطاني في مسقط ، الكولونيل روبرت أرثر إدوارد بين (Baine) ، يخاطبه فيها بوصفه شيخاً وليس بوصفه إماماً ، مسجلاً بذلك إرادة بريطانيا تجنّب الاعتراف بالإمامة ككيان مستقلّ ، وممّا جاء في تلك الرسالة :
" إن السلام هو أحد أعمدة الشريعة الإلهية . (...) وأود أن أنصحك بعدم التأخر في إطلاعنا بشكل مفصل على نواياكم في هذا الشأن ، بحيث نقف على معرفة ما إذا كان هناك حقاً من أمور خطيرة
تستوجب الحل . أنتظر جوابكم " (24) .
وفي آب (أغسطس) 1915 ، جرى أول لقاء رسمي بين الإماميين والبريطانيين ، في السيب . وكان الحارثي وقاضي الإمام ، الشيخ سعيد بن ناصر ، يمثلان الإمام . وقد ترأس السيد بين (Baine) الوفد البريطاني وكان هدف هذا اللقاء دراسة المعطيات الجديدة واقتراحات الإمام وآخر اقتراحات مسقط .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(23) I.O.R : R/15/6/337, Confidential: Report from Political Agent, Muscat to S.G. Knox, Bushire, 8 Feb. 1916, p.75 .
(24) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.29


كان من شأن هذا اللقاء أن يوصل الطرفين إلى بداية اتفاق ، ولكن بين أصرّ على انسحاب القوات الإمامية من منطقة سمائل الاستراتيجية . وكاد الحارثي أن يقبل ذلك ، ولكن سعيد بن ناصر رفض هذا الشرط رفضاً قاطعاً ، وانتهت المفاوضات . فقررت بريطانيا التي كانت تعرف جيداً الوضع الاقتصادي والظروف المعيشية في مناطق الإمامة - قررت أن تطبق عليها سياسة ذات ثلاثة محاور : إخضاع منطقة الداخل لحصار اقتصادي أولاً ، ثم لعب الورقة القبلية ، وأخيراً كسب الوقت . وفيما بعد ، أرسل كوكس (Cox)، خليفة بين ، رسالة إلى حكومة الهند يقول فيها ما فحواه إن خطة العمل هذه رسمت في انتظار موت الإمام المبكر ، من أجل التوصل بعد ذلك ، إلى صلح مالي مع حمير (25) .
وهذه العبارة الأخيرة تدعو إلى الظن بأن الإنكليز كانوا ينوون وضع خطة لاغتيال الإمام . فالإمام لم يكن مريضاً ولا مسنّاً : فلماذا ، يُنتظر موته ؟ .
ومهما يكن من أمر فقد استمر الوضع العام في التدهور ، خاصة في عُمان الداخل التي أخذت تعاني من الحصار الاقتصادي . بالتأكيد ، كان الزمن حليف الاستراتيجية الإنكليزية ، ومع ذلك ، رصَّ العُمانيون صفوفهم حول إمامهم في هذه الفترة الصعبة بل إن شخصيات مقربة من السلطان التحقت بالإمام .
ولزيادة الضغط على الإمامة ، رفع السلطان ، بناء على نصيحة المقيم البريطاني ، الرسوم على المنتجات الزراعية الواردة من الداخل ، من 5 % إلى 25 % على التمور و50 % على الرمان . وقد ترتب على هذا القرار نتائج كبيرة على المدى الطويل . فقد كان الإنكليز يعملون جيداً ، أن العُمانيين إنما يعيشون من تصدير تمورهم الشهيرة والرمان (26) .
وكما هو متوقع ، شل هذا التدبير اقتصاد الإمامة ونشاطاتها التجارية . وكانت تلــك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(25) Peterson (J.E.), " The revival of the Ibadi Imamate in Oman and the threat to Muscat, 1913-20 ", in Arabian Studies, III, Published for Middle East Centre, University of Combridge, 1976, p.175 .
(26) I.O.R : R/15/6/337, Administration Report of the Muscat Political Agency and Consulate 1920, p.196. .
بداية فترة اختناق بالنسبة للعُمانيين . فزاد التضخّم ونقصت الأموال . وفي عام 1918 ، منعت حكومة مسقط خروج الأموال من البلاد ، وهو ما فاقم الوضع أكثر . ويقدر لاندن ، مستنداً إلى تقرير بريطاني ، أن الخسائر البشرية التي عاناها العُمانيون ، تجاوزت إذ ذاك بكثير الوفيات التي سببها وباء الكوليرا عام 1818 - 1819 ( 20 ألف ضحية ) (27) وممّا زاد الطين في الكارثة أن العجز التجاري بلغ 300000 جنيه استرليني تقريباً ؛ أمّا تجار مسقط الهـنـود ، فكانوا قد أغلقوا مخـازنهم وغــادروا الـبـلاد (28) .
4 - الاستراتيجية البريطانية الجديدة
خلال ثلاث سنوات تقريباً ، لم يحدث أي تغيير جوهري في الوضع العام للبلاد . كانت تلك فترة ركود كلّي .
وضعت بريطانيا ، بعد خروجها منتصرة من الحرب العالمية الأولى ، تصوراً لسياستها ما بعد الحرب .
ففيما يتعلّق بمسقط ، كان أحد وجوه هذه السياسة يرمي إلى إصلاح الإدارة وضمان الأمن ، وذلك من أجل توطيد نظام السلطنة الذي أضعفته ثورة تشرف على سنتها السابعة .
وفي مطلع 1919 ، أخذت بريطانيا في صياغة حل يمكن أن يقبل بها قادة الإمامة . والأهم من ذلك أيضاً ، هو أنها بدت مستعدة لتقديم تنازلات لصالح الإمامة ، وبدت مستعدة ، بشكل خاص ، لقبول الاعتراف بالإمام كسلطة معنوية في البلاد . ويؤكد ذلك التقرير التالي :
" لقد نوقش الوضع بصراحة ملحوظة من الجانبيين . إلا أن اقتراح الوكيل السياسي ، الذي يمكن بموجبه اعتبار السلطان الزعيم الزمني والإمام الزعيم الروحي لعُمان الموحدة ، رفض فوراً مــن جــانــب الــزعــمــاء العُــمــانــيــيــن . واتــفــق عــلى أن تــســويــة قائــمــة عــلى أســاس الــوضــع الــقــائــم هــي الــحــل الــوحــيــد الــمــمــكــن ، بــحــيــث يــديــر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(27) لاندن ( ر . ج ) ، مرجع سابق ، ص 355 .
(28) . I.O.R : R/15/6/337, Administration Report of the Muscat Political Agency 1916, p.130

العُمانيون (الإماميون ، أهل الداخل) بلدهم والسلطان بلده مع حرية التنقل والمبادلات ومع تبادل الطرفين الضمانات في حالة العدوان " (29) .
لقد تم اتخاذ القرار ، وعزمت بريطانيا على تقسيم عُمان . أما عن رأي السلطان في ذلك ، فإننا لا نجد له ذكراً في أية وثيقة . ورغم أنه سيتبدى لاحقاً أن السلطان لم يكن مؤيِّداّ لمثل هذا الحل ، فلم يكن في مقدوره تغيير القرار أو التأثير في حتى وإن كان ذلك متعلقاً بمستقبل بلاده .
أما فيما يتعلق بالعلاقة الفرنسة - العُمانية التي لم تكن قائمة إلّا من حيث الشكل ( خاصة بعد قرار محكمة لاهاي 1904 ) ، فقد أرسلت فرنسا ، في 24 شباط (فبراير) 1919 ، السيد لوكوتور (Le Coutur) ليحل محل منصب القنصل السيّد جينيه (Jeannier)
الذي توفي في 23 أيلول (سبتمبر) 1918 ، بعد ثماني سنوات من الخدمة في مسقط كان قد نُسي فيها تقريباً .
لم يكن القنصل الجديد ، على غرار سلفه ، يتمتع بأية مزايا ، ويمكن القول إن وجوده في مسقط كان عديم الجدوى تماماً . وقد كتب ، بعد حصوله على الاعتماد ، تقريراً هاماً يصف فيه وضع السلطان الصعب ؛ ومما جاء في ذلك التقرير :
" حدثني (السلطان) عن فرنسا بعبارات ودية (...) وقد تبينت دون مشقة ، خلال المحادثات التي جرت بيني وبين جلالته ، أن السلطان لم يكن راضياً أبداً عن الوضع السياسي لمسقط وهو الوضع الأكثر هشاشة قياساً إلى ما مضى " .
ويضيف القنصل ، في فقرة أخرى ، تقييمه الشخصي لحالة السلطان :
" بدا لي أن جلالته يرى في وصولي إلى مسقط ضماناً لسلامته من وجهة نظر المحافظة على استقلاله ، ولــكـني تجنبت ، لعدم وجـود تعليمات من سعادتكم ، الــرد على بـعـض الأسئلة المـحددة من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(29) I.O.R : R/15/6/337,Confidential : Administration Report of the Muscat Political Agency 1919, p.175 .


جانب جلالته وبقيت في حالة تحفظ مطلق تفرضها عليّ الظروف " (30) .
إن محتوى هذا التقرير يبين أن السلطان قد فهم جيداً أن بلاده سقطت نهائياً بين يدي بريطانيا وأنه ، هو نفسه ، لم يعد يملك من منصبه سوى اللقب . ولكن يبدو أن السلطان كان يجهل أن التحالف الفرنسي - الإنكليزي ، أثناء الحرب بدّل ميزان القوى والمعطيات السياسية - الاستراتيجية . ومن جهة أخرى ، فإن فرنسا الاستعمارية ، لم تعد تنظر آنذاك إلى عُمان كدولة مستقلة كما كان عليه الحال أثناء الثورة ، وعهد نابليون الأول ، وأمّا السلطان الذي لم يكن قد فهم ذلك إلّا متأخراً فكان يحاول إيجاد مخرج ما من هذا
المأزق التاريخي .
وفي مكان آخر ، وعلى أثر رفض قادة الإمامة للاقتراحات البريطانية الجديدة ، كان الميجر هوارث (Howarth) قد وجه ، في أيار (مايو) 1919 ، رسالة إلى الإمام يدعوه فيها إلى استئناف المفاوضات . لم تكن لهجة هذه الرسالة تخلو من تهديد ، إذ كانت تتحدث بلغة مستعمر منتصر . ونظراً لأهميتها ، فإننا سنستشهد هنا ، بعدة مقاطع منها :
" كما تعلمون فلقد انتصرت بريطانيا العظمى وحلفاؤها على العدو ولله الحمد . وقد احتلت جيوشنا ألمانيا والنمسا وبلغاريا وتركيا . وقد سلمت ألمانيا أسطولها وأكثر قِطَعه أصبحت ملك يدينا في إنكلترا ، وألمانيا اليوم فريسة للفوضى والمجاعة . كما أننا احتللنا استنبول ، وأما بغداد فبين أيدينا مـنذ وقـت طويل " .
ويتابع التقرير مدققاً في المشاريع والسياسات المرسومة للبلدان العربية :
" وسوف تشكل حكومة عربية في بغداد والبصرة وسيكون العراق بأجمعه تحت سيطرة حكومة عربية ، ولن نسمح للأتراك أن يحكموا هناك . أما في الحجاز فإن صديقنا الشريف حسين قد أصبح ملك الحجاز وأصبح يتمتع بقوة كبيرة . وأصبحت المدينة المنورة تحت حكمه بموجب الهدنة المبرمة فيما بيننا وبين الأتراك . وفي اليمن فإن سعيد باشا قد استسلم وهو سجين لدينا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(30) . Aff.Etr. Asie 1918-1929, Golfe Persique Mer Rouge, Vol.II, p. 20

(...) وما من شك في أن تأكيدات هذه الأخبار لن تصلكم عن غير طريقنا . وإنني أكتب لكم هذه الأسطر لأعلمكم أننا نرغب الإسهام في تشكيل حكومة عربية تحكم بموجب تقاليد هذه البلاد " (31) .
أما فيما يتعلق بالعلاقة بين بريطانيا ومسقط تحديداً ، فتشير الرسالة إلى أن وضعاً غير مستقر في مسقط قد أرغم بريطانيا ، عام 1895 ، على أن تبلغ الزعماء القبليين بأنها تدعم السلطان . ويكتب الميجر هوارث :
" ومن أجل ذلك أيدنا تركي وفيصل بعده ، وسندعم الآن تيمور " .
ثم يهدد :
" لدينا 500 ألف جندي متمرس ، أنهوا عملياتهم في العراق ولم يعد وجودهم ضرورياً في ذلك البلد . وبضعة آلاف منهم كفيلون باحتلال كل عُمان لو كان في نيتنا أن نفعل ذلك وأن نُضِرَّ بكم " (32) .
ويضيف أخيراً ، أن بريطانيا تسيطر على الساحل وأنها تستطيع ، في لحظة ، أن نفرض رسوماً مرتفعة على السلع " المتجهة إلى بلدكم أو القادمة منها دون ان تستطيعوا معارضة ذلك بشيء " .
ثم يُنهي بهذه الكلمات :
" تعلمون أيضاً أننا نسيطر على البحار . وهكذا ، فإذا خطر لكم معاداتنا فسوف نعمل بحيث يستحيل عليكم شراء الأرز والقمح والمـلابس وبيع تموركم ، علماً بأن كـل مـبادلاتكم التجارية تجري مـع بـلـدانـنا " (33) .
كما نرى ، لم يوفر الميجر هوارث أي نوع من التهديد بما فيه الحرب المباشرة بين القوات البريطانية وقوات الإمامة وحتى التجويع إذا اقتضى الأمر ذلك . كل الوسائل كانت مقبولة لتركيع الإمامة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(31) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.30
(32) . Ibidem
(33) . Ibid

وفي آب (أغسطس) 1919 ، تلقى الميجر وينغيت (Wingate) الذي كان قد أنهى مهمته في الهند ، وهو في طريقه لتسلم مهمة جديدة في العراق ، أمراً بتغيير وجهته والمضي بسرعة إلى مسقط ليشغل فيها منصب القنصل والمقيم السياسي العام . ويبدو أن هذا القرار اتخذ إثر معلومات تفيد أن السلطان
تيمور بن فيصل ينوي فعلياً التنحي أو ، على وجه الدقة ، التنازل عن العرش . وكان يبدو أن الرجل الأكثر أهلية لمعالجة مثل هذه الأزمة هو الميجور وينغيت ، العسكري والسياسي المتمرس ، وبالفعل ، كانت بريطانيا قد غيرت ، منذ ثورة 1913 ، خمس عشرة مرة ، مقيميها السياسيين وقناصلها في مسقط ، ثمانية منهم في عام 1916 .
منذ وصوله ، قام وينغيت بالاتصال بقيادة الإمامة وطلب مقابلة الحارثي . كان وينغيت على معرفة جيدة بالوضع في عُمان . وكان يعلم أن الثورة ، وهي على عتبة سنتها السابعة ، تواجه أزمة اقتصادية حادة . وإذا كان العلماء الإباضيون وأتباعهم ما زالوا قادرين على تحمل مثل هذا الوضع بفضل تمسّكهم بمعتقداتهم وخياراتهم ، فإن إمكانية الصمود سائر السكان في هذه الظروف الصعبة لفترة طويلة أمر ضعيف الاحتمال . وفي مثل هذا الوضع ، كان من عادة المسألة القبلية أن تعود حاسمة . وكان وينغيت يريد أن يلعب ورقة الهناويين الذين يقودهم الحارثي والذي بدأت مصالحة تتباين ، بشكل ظاهر ، مع استمرار الثورة .
ويشير تقرير القنصل الفرنسي لو كوتور ، في 18 أيار (مايو) 1919 ، إلا أن الشيخ عيسى كان ينوي التخلص نهائياً من مقاومة البدو واستعادة سلطته بشكل لا يقبل المناقشة ، في نفس الوقت الذي عُقِدَت النية فيه على إعادة سلطة السلطان في عُمان (34) . ومن نافل القول أن المقصود بمقاومة البدو هنا ثورة الإمامة .
من جانب آخر ، لم يكن على الإنكليز انتظار موت الإمام طويلاً . ففي عام 1919 ، وقبل تــوقــيــع مــعــاهــدة الــســيــب ، قــتــل الإمــام ســالــم بــن راشــد الــخــروصــي . وكـان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(34) . Aff. Etr. Asie 1918-1929, Golfe Persique Mer Rouge, vol. II, pp. 22-23


القاتل بدوياً هارباً أفلت من عدالة الإمامة ينتمي إلى قبائل بني وهيبة الهناوية المقيمة على أرض السلطان .
كانت وفاة الإمام نهاية جهاد تُوِّجت بسبع سنوات على رأس الصورة . ولأن الخروصي كان قائد الثورة الإباضية الثالثة ، أطول ثورات التاريخ الحديث ، فقد سميت ، " ثورة الإمام الخروصي " .
لقد حاول قادة الإمامة عبثاً إلقاء القبض على القاتل . فطلبوا من سلطان مسقط تسليمه ، ولكن دون نتيجة . والوثائق الإنكليزية لا تعطي أي تفصيل حول هذه النقطة مكتفية بملاحظة أن :
" القاتل هـرب إلى منطـقة الـساحــل المهادنة ، ولم يمكن ، على أي حــال ، عَمَلُ شيء ، ودفنـت القـضـية " (35) .
كانت منطقة " ساحل عُمان " ، " الساحل المُهادن " ، تحت السيطرة المباشرة للسلطة البريطانية ، ولهذا السبب اعتبر كاتبُ التقرير القضيةَ منتهية . وهذا التصريح يساوي اعترافاً بالمسؤولية . ولكن الإماميين تمكنوا ، لاحقاً ، من إعدام القاتل .
والواقع أن الثورة لم تفقد إماماً كبيراً فقط ، بل فقدت شخصية هامة أخرى ، الشيخ حمير بن ناصر النبهاني ، رئيس التجمع الغافري والقائد العسكري للثورة منذ بدايتها - الذي توفي في تلك الآونة أيضاً ، في نيسان (أبريل) 1920 على الأرجح .
وكتب المقيم السياسي البريطاني بوقاحة ، وقد سرّته وفاته :
" لقد قاتلت الآلهة الإمام بأخذها منه الشيخ حمير بن ناصر النبهاني " (36) .
وبشكل استثنائي حل محل هذا الأخير ابنه سليمان بن حمير البالغ من العمر أربعة عشر عاماً . وكما هو متوقع ، فإن عمره ، إضافة إلى شخصيته ، بدا مُعَوّقين لوحدة قبائله ، وبديهياً ، لوحدة الثورة . وقد أثار موت أبيه خلافاً داخل القبائل الغافرية ، كان له ، هو الآخر ، انعكاس على مجرى الثورة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(35) I.O.R : R/15/6/337, Confidential : Administration Report of the Muscat Political Agency and consulate 1920, p.220.
(36) . Ibid., p.196




القسم الثاني
إمامة محمد بن عبدالله الخليلي (1919 - 1954)
بعد وفاة الخروصي مباشرة انتخب العلماء محمد بن عبدالله الخليلي إماماً جديداً وكان العالم عامر بن خميس المالكي ، رئيس قضاة الإمامة ، هو من اقترح الإمام الجديد وأثنى عليه العالم ماجد بن خميس العبري ، وهو مجاهد قديم في ثورة عزان ، ثم أعطى العلماء الآخرون موافقتهم . وممّا يذكر أن الإمام الجديد هو أحد أحفاد العالم الشهير سعيد بن خلفان الخليلي ، مرشد إمامة عزان بن قيس ( 1868 - 1871 ) .
كان الخليلي رجلاً بارزاً وصاحب كفاءة ، إلّا أن وفاة الإمام الخروصي كانت قاسية على قادة الإمامة . ذلك أن الخروصي كان يمثل رمز الوحدة الوطنية ، خاصة عندما دخلت الثورة طورها الحرج . وهكذا سرعان ما أعلن الحارثي وابن حمير ، رئيسا القبائل ، عن خلافاتهما ، بل وعن خلافهم مع الإمام الجديد . وبدا آنذاك أن خطين سياسيين في طرقهما إلى الظهور : خط العلماء المؤيد لاستمرار الثورة وخط القبائل التي لم تعد ترى فيها فائدة وأخذت تسعى إلى تسويات .
في هذه الأثناء ، في آذار (مارس) 1919 ، قرر السلطان تيمور زيارة الهند . وقد وصفت هذه الزيارة بأنها رسمية . إلّا أن قرار السلطان مغادرة بلده في هذه المرحلة الحاسمة كان له أسباب لم تنكشف إلّا لاحقاً . رافق السلطان في رحلته ، الميجر وينغيت ، في حين كلف السلطان والي مطرح ، محمد بن حمد بن ناصر ، القيام بشؤون البلاد ، وتسلم الكابتن ماك كولوم (Mac Collum) منصب وزير . فكان أول وزير بريطاني للبلاد ، بل المسؤول الحقيقي عن شؤونها .

1 - معاهدة السيب (1920)
قرر وينغيت منذ عودته ، وبالاتفاق مع الوزير الجديد ، تشديد الضغط الاقتصادي على الإمامة لإرغامها على قبول شروطه ، وممّا يذكره هو نفسه حول هذا الموضوع :
" لــقــد بــدا لــي أن هــنــاك طــريــقــة واحــدة لــحــمــل الــعُــمــانــيــيــن عــلــى
التعقل . لقد كانوا مجبرين على تصدير تمورهم كي يعيشوا . فإذا أمكن جعل تصدير تمورهم مستحيلاً تقريباً أو ، على الأقل ، مكلفاً جداً ولم يستطيعوا الرد ، فربما يتغير موقفهم وينفتحوا على مناقشة تسوية معقولة " (37) .
بعبارة أخرى ، سوف يرغم الإماميون على التفاوض . ولهذه الأسباب قرر وينغيت العودة إلى الهند والحصول على تفويض رسمي من السلطان . والواقع أنه حصل منه على تفويض كلّي بالحكم . ويقول بهذا الصدد :
" لقد نجحت في الحصول منه على شيك على بياض " (38) .
وهكذا تم رفع الرسوم على التمور الواردة من أراضي الإمامة بمعدل 50 بالمائة ، وهو معدل لم تبلغه سابقاً . وهذا التدبير الذي ترافق مع تغيير في بنية الإمامة زعزع توازنها السياسي . وبعد سلسلة من المراسلات ، قرر الإمام الدخول في المفاوضات لإيجاد حلّ يُجنّب عُمان والشعب العُماني ، على حد قوله الدمار والمآسي .
وفي أيلول (سبتمبر) 1920 ، التقى الطرفان في السيب ، كان الوفد العُماني مؤلفاً من عدة علماء بارزين ، بينهم الكندي ، أحد فقهاء عُمان ، والحارثي الذي كان يتولى الشؤون الخارجية للإمامة ويرئس وفدها . أمّا الوفد البريطاني فترأسه وينغيت الذي كان يمثل ، في الوقت نفسه ، السلطان تيمور .
بعد يومين طويلين من المحادثات ، توصل إلى اتفاق مبدئي يمتنع بموجبه كل من الطرفين المتحاربين عن التدخل في شؤون الآخر . ونتيجة لذلك ، قبل وينغيت تخفيض الرسوم على تصدير تمور الإمامة . ولكن المفاوضات اصطدمت بمسألة أساسية أثارها الإنكليز . فقد رفض وينغيت طلب الوفد العُماني أن توقع المعاهدة النهائية من جانب السلطان وإمام المسلمين معاً . لماذا ؟ يشرح وينغيت الفكرة التي ألهمت رفضه على النحو التالي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(37)
. Wingate (R.), op. cit., p.87

(38) . Ibidem

" كان الأمر محتوماً ، وكنت أعلم أني ربما لا أستطيع الموافقة باسم السلطان ، لأن ذلك يعني أن السلطان يعترف بزعيم آخر وهو زعيم روحي منتخب وزعيم مقبول من القبائل . انطلاقاً من اعتراف كهذا ، لم يكن سوى اجتياز خطوة واحدة من أجل أن تصبح القيادة الروحية والتمثيل الزمني للقبائل مطلباً لمجموع عُمان " (39) .
كانت المشكلة حقيقة فعلاً . ولكن المفارقة هي أن الإنكليز سبق وتصوروا حلاً مماثلاً ، يكون السلطان بموجبه الحاكم الزمني والإمام السلطة الدينية والروحية . وكان لهذا الحل ، في زمانه ، أهمية كبيرة . ولنتذكر بأن هذا الاقتراح الإنكليزي قد رفضه الإمام نفسه . إلا أنه لم يبق للثورة ، التي بلغت من الضعف ما بلغت ، ما يكفي من الوزن لفرض إرادتها . بالمقابل ، فمن الواضح أن لعبة وينغيت لم تكن تعني الشيء الكثير . ولننظر كيف حاول المناورة في هذه المفاوضات ، تاركين له أن يروي الوقائع بنفسه :
" همس لي اهتشام (Ehtisham) بالإنكليزية : قص عليهم قصة النبي صلى الله عليه وسلم ومفاوضاته مع أهل مكة " .
ويتابع وينغيت :
" رويت لهم القصة التي كانوا ، بديهياً ، يعرفونها . فالنبي قد تفاوض في الحديبية على اتفاق مع أهل مكة وحاول ، بعد ذلك ، توقيعه كما لو كان عقد بين أهل مكة ، و " محمد نبي الله " ، وقد لاحظ مندوبو مكة ، بفطنة كبيرة ، أنه لو كان محمد نبي الله لما كان هناك ضرورة لعقد صلح معه بهذه الصفة . فكيف يمكن لنبي الله أن يكون طرفاً في اتفاق مع مجرد بشر؟ وفهم النبي ووقع الاتفاق باسم " محمد بن عبدالله " ( ....) " .
ويضيف وينغيت أنه بعد تداول رسمي ، ابتسم الشيخ ، ولم تستعمل كلمة " إمام " في نص الاتفاق نفسه الذي كان مجرد إعلان للشروط المتفق عليها بين حكومة السلطان وعيسى بن صالح ممثل القبائل العُمانية (40) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(39) . Ibid., p.89
(40) . Ibid., p.90 . Voir aussi : Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.32
على أن هذا الحل الذي بدا لوينغيت لعبة " سياسية - قانونية " ماهرة ، لم يحقق النتائج التي توقعها الإنكليز . فلقد صودق على المعاهدة ، في نهاية المطاف ، من جانب السلطان والإمام ، وهو ما يثبت الانفصال واستقلال الطرفين : السلطنة والإمامة .
وفي 25 أيلول (سبتمبر) ، توصل الطرفان إلى الصيغة النهائية لهذه المعاهدة التي عرفت ، فيما بعد ، باسم معاهدة السيب ووضعت حداً لثورة 1913 - 1920 .
2 - نص معاهدة السيب (1920)
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد عقد الصلح التالي بين الموقعين أدناه ، وهم حكومة السلطان تيمور بن فيصل ، والشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي عاملاً باسم الشعب العُماني ، بوساطة السيد وينغيت ، الوكيل السياسي وقنصل بريطانيا العظمى في مسقط ، المخول من قبل حكومته التدخل بينهما كوسيط . من الشروط المدرجة أدناه ، أربعة تتعلق بحكومة السلطان ، وأربعة بالشعب العُماني .
أما الشروط المتعلقة بالشعب العُماني فهي :
أولاً ) يستقطع مبلغ 50 % على الأكثر من البضائع ، المصدرة من عُمان والموردة إلى مسقط ، ومطرح وصور ، أو إحدى مدن الساحل مهما كان نوعها .
ثانياً ) يتمتع جميع العُمانيين بالأمن والحرية في جميع مدن الساحل .
ثالثاً ) ترفع جميع القيود المفروضة على الدخول إلى مسقط ومطرح أو إلى أي من مدن الساحل ، أو على حرية الخروج منها .
رابعاً ) لن تعطي حكومة السلطان حقّ اللجوء إلى أي مجرم يحاول الفرار من العدالة العُمانية . وستسلّم
إلى العُمانيين كل مجرم يُطلَب منها تسليمه . ولن تتدخل في شؤونهم الداخلية .
أما الشروط الأربعة العائدة لحكومة السلطان ، فهي :
أولاً) يــتــعــايــش جــمــيــع الــمــشــايــخ وجــمــيــع الــقــبــائــل فــي ســلام مــــع
حكومة السلطان ويتعهدون بألّا يهاجموا مدن الساحل وبألّا يتدخلوا في شؤون حكومة السلطان .
ثانياً) يتمتع بالحرية جميع أولئك الذين يدخلون عُمان لغايات مشروعة أو لإجراء عمليات تجارية . ولا يخضعون لأي حصر في النشاطات التجارية ويتمتعون بالأمان .
ثالثاً) تطرد عُمان كل مجرم أو شرير يحاول اللجوء لديها ، ولا تمنحه حقّ اللجوء .
رابعاً) تدرس الطلبات التي يقدمها التجار وغيرهم ضد بعض العُمانيين ويفصل فيها على أساس العدل ووفق شريعة الإسلام .
كُتب ووُقّع في مدينة السيب ، في 11 محرم لعام 1339 للهجرة ، الموافق 25 أيلول(سبتمبر) 1920 .
بصفتي مساعداً لإمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي أصرح بأنني قبلت الشروط المذكورة أعلاه بموجب تصريح من إمام المسلمين .
حرر بخط يديهما عيسى بن صالح ، وسليمان بن حمير (41) .
وقد أرسلت نسخة لإبرامها من الإمام وأعيدت إلى وينغيت في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1920 مع الملاحظة التالية من الإمام :
" صادقتُ على ما قام به الشيخ عيسى بن صالح باسمي في موضوع هذه الترتيبات .
صُدّق من إمام المسلمين محمد بن عبدالله (الخليلي) بخط يده " (42) .
وبصورة موازية لذلك ، صدّقت نسخة أخرى من السلطان الذي كان ما يزال ، إذ ذاك ، مــقــيــمــاً بــالــهــنــد ، ورُدَّت إلــى ويــنــغــيــت فــي 18 تشرين الأول (أكتوبر) من السنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(41) Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.95. Voir aussi: The Treaty of Sib 1920 , in FO/371/126, p.554 .
(42) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.95

نفسها . ومع أن السلطان لم يكن موافقاً على كل ما تضمنه الاتفاق لكن لم يكن في وسعه التعـبير عن ذلك .
وهكذا ، بعد سبع سنوات من الحرب ، انتهت ثورة 1913 إلى تقسيم عُمان إلى قسمين شبه مستقلين " إمامة عُمان " في الداخل و " سلطنة مسقط" على الساحل . ويعلق وينغيت على مكاسب هذه المعاهدة كما يلي :
" وصل العُمانيون ، من وجهة نظرهم الخاصة ، إلى الاستقلال الكامل وهم ، عملياً ، على حقّ ، على الرغم من أن السلطان يمكن أن يقول بأنه ليس لديهم سوى حكومة داخلية " (43) .
ومهما يكن من أمر ، فبهذه المعاهدة التي رتبها الإنكليز وفرضوها ، تبادل الفريقان الاعتراف ، وأصبح لعُمان ، منذ ذلك التاريخ ، واقعان تاريخيان . وعلى الرغم من أن الإنكليز لم يُسَلِّموا بسلطتَيْ هذين النظامين إلّا يوصفهما " شبه مستقلين " فلقد اعترفوا ظاهراً ،باستقلالهما .
ولكن هذه المعاهدة لم تخلُ من بعض العيوب القانونية : فلم تُعَرَّف حدود أراضي الطرفين كما لم يتطرق إي بند فيها لقضية العلاقات الخارجية . ومع ذلك ، كان هناك حدود ، رغم التباسها ، معترف بها بصورة تقليدية ، والواقع أن ما يقارب من 75 بالمائة من الأراضي كانت ، وقت التوقيع على معاهدة السيب ، تخضع لسلطة الإمامة .
وعلى الرغم من هذه الشوائب فإن معاهدة السيب تبقى معاهدة تاريخية . وسوف تدور حولها في الستينات نقاشات قانونية - سياسية حامية جداً في الأمم المتحدة . وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الغموض المحيط بتحديد الكيانين لم يكن مردّه إلى إهمال من جانب وينغيت ، بل لعلّه كان ، على العكس
من ذلك ، مقصوداً لاستعمال لاحق .
وفــي تــحــلــيــل اســتــراتــيــجي لجــوهــر هــذه المعاهدة ، يتــصور وينــغــيت بأنــه كلما تطورت المنطقة الساحلية ، ازدادت عزلة المنطقة الداخلية . وهكــذا لا تـعــود الإمامة تـمـثل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(43) I.O.R : R/15/6/337, Confidential : Administration Report of the Muscat Political Agency and consulate 1920, p.220 .
تهديداً للسلطة في المستقبل . فكان واضحاً ، إذاً ، أن الاستراتيجية البريطانية ترمي إلى عزل الحركة الإباضية في الداخل .
وعلى حد قول ويلكنسون ، لم يكن لدى وينغيت أوهام حول ما حقّقه من خلال هذه المعاهدة . ويستند ويلكنسون إلى التقرير الذي كتبه وينغيت نفسه في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 1920 والذي يقول فيه دون التباس :
" لم نأخذ في الاعتبار إلّا مصلحتنا ، ولم يُوْلَ أي انبتاه للظروف السياسية والاجتماعية الخاصة بالبلد وحكامه . وبرشوتنا للسلاطين وحملهم على تطبيق تدابير غير شعبية كنا المستفيدين دون سوانا ، وبالسماح لهؤلاء السلاطين بالحكم دون معارضة تمكنّا من عزل الداخل ومنعنا السلاطين من إعادة بسط سلطتهم على مجمل البلاد " (44) .
ذلك هو اعتراف أحد أقطاب السياسة الاستعمارية والواضع الحقيقي لهذه المعاهدة . وهذا اعتراف لا يؤول إلّا إلى تأكيد تحليلنا : فهذه المعاهدة التي كان يفترض فيها إنهاء الثورة العُمانية بالتحكيم البريطاني نظّمت وقنَّنت وضعاً قائماً هو وضع تجزئة يساير مصالح الدولة الاستعمارية وحدها .

3 - تنازل السلطان تيمور بن فيصل وانعزال الإمامة
لم تكن زيارة السلطان تيمور للهند ، في آذار 1920 - أي قبل توقيع معاهدة السيب بستة أشهر - زيارة
طبيعية ، بل كانت أشبه بمنفى اختياري أو بالأحرى برفض ، ليس للعرش فحسب ، بل أيضاً ، لبلد لم يعد بلده .
ذلك أن تيمور تقدّم ، منذ وصوله إلى الهند ، بطلب شفوي إلى الحكومة البريطانية للسماح له بالتنازل عن العرش . وكان السلطان تيمور ، بعد سبع سنوات فقط من توليه الحكم ، على أهبة الاستعداد للإقدام على ما سبق لوالده أن تمنى القيام به وثُنِيَ عنه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(44) . wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.251
فظاهرة استياء القادة من الحكم ، وهي ظاهرة غير معروفة في أي مكان آخر ربما ، كانت تتكرر ، في عُمان ، بسبب الإنكليز ، من الأب إلى الإبن . ولا شك بأن مثل هذا القرار يمثل إدانة لمسؤولية بريطانيا الكاملة عن وضع عُمان وما وصلت إليه من مصير مأساوي . وبادرة التخلي هذه ، المؤلمة حتماً للسلطان ، تشير بصورة صريحة ، إلى الإثم التاريخي للقوة الاستعمارية . وقد صدم الخبر ، الذي بقي سرّياً ، السلطات البريطانية في الهند ولندن المعروفة عموماً بتحفظها ورباطة جأشها . وحيال هذا الموقف غير المتوقع في مرحلة حرجة بالنسبة لعُمان ، لم يعرف الإنكليز للمرة الأولى ربما كيف يتصرفون ، لا سيما وأن الوريث الشرعي للسلطان تيمور ، ابنه سعيد ، لم يكن قد تجاوز الحادية عشرة من العمر .
بدأت بريطانيا التي لم تكن قد أخذت ، بادئ الأمر ، قرار السلطان بالتنازل مأخذ الجد بإظهار لا مبالاتها . واكتفت بالرد عليه بأنه لا اعتراض لديها من بقائه في الهند ثلاثة أشهر أخرى قبل العودة إلى مسقط في شهر حزيران (يونيو) . وكانت سيطرة بريطانيا على السلطان تبلغ حدّاً يسمح لها بأن تقرر بدلاً عنه مدة إقامته في الهند ، وحتى تاريخ عودته إلى مسقط . على أنه قد جرى في هذه الأثناء تبادل مجموعة كبيرة من المراسلات والتقارير الرسمية بين المقيمين البريطانيين في مسقط وبوشهر وبغداد وحكومة الهند البريطانية من
جهة ، وبين وزارة الخارجية في لندن من الجهة الأخرى . وكان المسؤولون البريطانيون يحاولون فيها الإجابة عن السؤال التالي : ما الذي يجب أن تكون عليه سياستنا في حالة التنازل ؟ كان المأزق كبيراً .
وفي هذا السياق كتب وينغيت الذي حاول أن لا يدع الأحداث تتجاوزه ، تقريراً مفصلاً بتاريخ 28 نيسان (أبريل) 1920 ، حاول أن يرسم فيه السياسة البريطانية المقبلة في المنطقة . وأرسل هذا النص إلى المقيم السياسي في بغداد . وقد بدأ بالتقييم التالي لشخصية تيمور :
" لــقــد ورث عــن أبــيــه أفــكــاراً عــبــثــيــة عــن مــوقــعــه واســتــقــلالــه ، - أفــكــاراً
هي في جزء كبير منها نتيجة الموقف الإنكليزي - الفرنسي من مسقط . ولكنه حالياً قد تخلى عن كل هذه الأفكار ووضع نفسه ، دون تحفظ ، تحت رحمتنا " (45) .
أما بالنسبة للسياسة التي يجب انتهاجها ، فيتصورها التقرير على النحو التالي : سيتعلق الأمر أوّلاً بتشكيل حكومة مؤقتة تحل محل السلطان ، - إلى حد بلوغ سعيد سن الرشد - يُعهد إليها إدارة شؤون عُمان الداخلية والخارجية . وكان وينغيت يتصور هذه الحكومة المؤقتة على صورة " مجلس وصاية " يتألف من ثلاثة إلى خمسة أعضاء ، بينهم مستشار بريطاني يتمتع بحق الفيتو ويُرجع إليه في كل القرارات الهامة .
والطريف هو أن وينغيت لم يكن يرى أية نتيجة سلبية لتنازل محتمل ، لأن السلطان في رأيه ، لم يكن يتمتع بأية شعبية . ولذلك اقترح أن تؤخذ تربية سعيد ، السلطان المقبل ، مأخذ الجد (46) . ومن الملفت أيضاً أن وينغيت لم يهتم كثيراً ، في هذا التقرير ، بالدوافع العميقة لتنازل السلطان : فلا تلميح إلى صعوبة تحمّل الوضع في عُمان ولا إشارة إلى أن لقب السلطان قد أفرغ من محتواه السياسي والعملي .
ومع ذلك ، كان وضع عُمان قد تدهور إلى درجة فرغت معه العاصمة من سكانها العُمانيين . وكان هؤلاء قد قرروا ترك بيوتهم وأملاكهم والهجرة . وأمّا السلطان فكان فيها مع بعض المقربين يمارس حكمه على أقليات أجنبية . فكيف لا نفهم هواجسه وتساؤله عن جدوى الاستمرار في الحكم في مثل هذا الوضع ؟
وصف قائد السفينة لافيزو ألتايير (L'aviso Altai'r) الفرنسي ، الذي وصل إلى مسقط في أيار (مايو) 1920 ، حالة العاصمة ، في تقرير موجه إلى باريس ، على النحو التالي :
" مــن الــمــعــروف جــداً أن عُــمــان خــاضــعــة ، مــنــذ زمــن بــعــيــد ، للــتأثــيــر الإنــكــلــيــزي ولــكــن مــا يــتــأكـــد الآن هــو أن هــذا الــتــأثــيــر يــســيــر فــي اتــجــاه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(45) I.O.R : R/15/6/52, Secret : Report from Political Agent ,Muscat to Civil Commissioner, Baghdad 28 April 1920, p.35 .
(46) . Ibid., p.37
سيطرة كاملة على السلطان (وعلى) بلده . والسلطان يبدو كعاهل لا مال لديه ولا جيش ولا سلطة ما وراء بضعة كيلومترات في البحر ... " (47) .
وكان السلطان قد اتصل ، منذ وصوله إلى بومباي ، بالقنصل الفرنسي ، السيد فالدالا (Valdala) الذي كتب بدوره تقريراً إلى باريس ، في 16 آذار (مارس) 1921 يقول فيه :
" لقد وصل للتو إلى بومباي ، وما كاد ينزل من السفينة حتى جاء ليراني ودعاني إلى العشاء (...) . إنه يرغب أكثر من أي وقت مضى ، في الذهاب إلى فرنسا على متن إحدى سفننا الحربية " (48) .
مما لا ريب فيه ، أن السلطان اليائس كان يبحث عبثاً عن مخرج ليتخلص من السيطرة الإنكليزية . وكان السلطان ، كما ذكر تقرير القنصل الفرنسي ، قد ألحّ على خصوصية العلاقة بين البلدين :
" لقد قال لي بأن في الجزائر (مزاب) وتونس (جربه) كثيراً من الإباضيين ، وأن رئيسهم يراسله في القضايا الدينية ، وتلك صلة إضافية بين فرنسا وعُمان " (49) .
وذكر القنصل ، في المناسبة نفسها ، أن ينتظر من فرنسا أن تؤيد هذا السلطان الشاب المنفتح على
الأفكار الغربية . والحق أن وراء دفاع القنصل عن السلطان اعتباره أن مسقط لم تفقد أهميتها بالنسبة للمصالح الفرنسية .
ولكن وزير الخارجية رد ، في رسالة موجهة إلى قنصل فرنسا في بومباي ، بتأريخ 16 نيسان (أبريل) 1921 ، بأنه لا يرى أي سبب يبرر قدوم سلطان مسقط إلى فرنسا (50) . وبالفعل ، وفي هذه الأثناء ، في 15 حزيران (يونيو) 1920 تحديداً ، وقــبــل أن يــتــصــل الــســلــطــان بــقــنصل فــرنــســا فــي بــومــبــاي ، كــانــت فــرنسا قد قررت ترك حليفتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(47) . Aff.Etr.Asie 1918-1929, Golfe Persique, vol.II, p.53
(48) . Ibid, p.108
(49) . Ibid, p.109
(50) . Ibid, p.111
بريطانيا تدير شؤون مسقط بمفردها فأغلقت قنصليتها فيها وتنازلت عن " بيت فرنسا " - هدية السلطان فيصل - إلى بريطانيا لكي يبدو أن تيمور كان على غير دراية بكل هذه التطورات .
ومن جهة أخرى لم يكف المسؤولون البريطانيون في الهند ، خلال هذا الوقت ، عن محاولة إقناع السلطان بالعودة عن قراره ، ولكن كل هذه المحاولات لم تنجح . فهم منعوا السلطان مثلاً من شراء بيت في الهند ، ثم أعلموه بأنه في حال بقائه في الهند ، فإن مخصصاته السنوية ستخفض من عشرة آلاف إلى خمسة آلاف روبية هندية ، وربما لن يكون له ، ذات يوم ، الحق بشيء .
في 17 تموز (يوليو) 1920 ، أي في نهاية الأشهر الثلاثة التي منحه إياها الإنكليز للبقاء في الهند ، أرسل السلطان كتاباً إلى وينغيت يعتذر فيه عن عدم قدرته على العودة إلى مسقط لأسباب صحية ويقول فيه :
" إن سبب تأخري هو أنني قيد المعالجة . ولا يخفى عليكم أن كل علاج طبي يجب أن يأخذ وقته ، ولدي شهادة بهذا الخصوص " (51) .
وعندما لم يعد بيد الإنجليز أي خيار آخر ، علق القنصل الإنكليزي في مسقط ، في برقية له إلى نظيره في بوشهر ، بلهجة ساخرة قائلاً : " من الصعب حقاً تحريك حاكم مستقل معه شهادة طبية " (52) .
وهكذا كان على إنكلترا معاودة دراسة موقف السلطان والبحث عن بديل يوافق استراتيجيتها . والحق أن وكيل وزارة الخارجية في حكومة الهند البريطانية قد صاغ ثلاثة سيناريوهات :
1) السماح للسلطان بالتنازل ، على أن يحل محله ابنه مع مجلس وصاية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(51) I.O.R : R/15/6/52, From Political Agent, Muscat , to the Deputy Political Resident, Bushire, 26 June 1920, p.54 .
(52) I.O.R : R/15/6/52, Telegram From Political Agent, Muscat , to Political Resident, Bushire, 17/ 7 /1920, p.60 .


2) عدم السماح له بالتنازل مع السماح له بأن يبقى ، لأسباب صحية رسمياً ، حاكماً متغيباً معظم الوقت ، مقيماً في الشكل عدداً معيناً من أشهر السنة في بلاده .
3) إرغامه على العودة والبقاء في بلده بصورة دائمة (53) .
ولكن وكيل وزارة الخارجية يضيف أن اعتماد الحل الثالث في وضع سلطان متمسك باستقلاله صعب التصور . ومن الطريف أن نلاحظ أن بريطانيا التي كانت تسيطر على معظم شؤون البلاد تقريباً ،
وتؤثر في مصيرها منذ زمن بعيد ، كانت مصرّة ، مع ذلك ، على التأكيد على استقلال السلطان .
يبقى أن حكومة الهند البريطانية طلبت من السلطان ، قبل تقرير قرارها النهائي ، أن يصدر أوامره بتشكيل " مجلس وزراء " على أن يتمتع هذا المجلس بسلطة إدارية ، ليس في أثناء غياب السلطان فقط ، بل أيضاً خلال تواجده في مسقط إذا لزم الأمر . وكان يمكن للسلطان ، بموجب هذه التعليمات البريطانية نفسها ، أن يحتفظ لنفسه بالقرارات العليا المتعلقة بدولته وسلالته .
وبالفعل ، أرسل السلطان ، في 8 أيلول (سبتمبر) 1920 ، رسالة إلى محمد بن أحمد بن ناصر ، القائم بأعمال مسقط يعلمه فيها بالأمر :
" لــقد قررت تشكيل مجلــس وزراء لإدارة حكومتي ، وينبغي على هذا المجلس أن يجتمع مرتين أسبوعياً . وعينت لهذا الغــرض ، أربعــة أشخاص تقع عليهم مسؤولية الإشراف على حسن سير الأمور ، مع استثنائهم من بعض السلطات التي سأبينها لدى عودتي إلى مسقط في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم . وما أريده حالياً هو أن ينفذ الوارد أعلاه على أن يتألف المجلس من أخي نادر ومــحمــد بن أحمد ، والي مطرح ، والشيخ راشــد بــن عــزيــز والحــاج زبــيــر بن عــلي . وعلى أن يــوكــل إلى أخي نــادر رئاسة الــمــجــلــس ، دون أيــة ســلــطــة خــاصــة ( مــســتــقــلــة عــن الــمــجــلــس) وتـكـون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(53) . I.O.R : R/15/6/52, Confidential: Deputy Secretary,Foreign, 18 August, 1920, p.69



أصوات الأربعة متساوية . كما ينبغي استشارة ممثل الحكومة البريطانية في مســقــط في الأمــور الهــامــة " (54) .
كان ذلك أول قرار من نوعه يتخذه سلطان في تاريخ البلاد الحديث . إلا أنه لم يحل مسألة التنحي عن الحكم . وحملت مذكرة مسؤول الدائرة السياسية والشؤون الخارجية في حكومة الهند المرسلة في 6
تشرين الأول (أكتوبر) 1920 إلى المقيم السياسي في الخليج ، في بوشهر ، القرار النهائي للحكومة البريطانية حيال السلطان . فلقد رفضت رفضاً قاطعاً فكرة تنازله عن العرش بحجة أن الاعتراف بحكم قاصر - في الوقت الذي ما يزال والده على قيد الحياة - يتعارض وسياسة بريطانية .
وتضيف المذكرة :
" وهو (هذا التنازل) غير مقبول بشكل خاص في وضع سلطنة مسقط حيث يفترض أن يكون السلطان منتخباً من رعاياه . والعاهل الحالي هو الوحيد الذي تولى العرش بالخلافة دون أن يكون قد جاز على الأقل ، انتخاباً شكلياً . ولذلك يجب أن يستبعد هذا الطلب " (55) .
يمكن الاكتفاء بالقول إن هذا الكلام عبث ولا يستحق التوقف عنده . ولكن لننظر إليه من كثب . ما الذي يعنيه المسؤولون البريطانيون بقولهم إنه يفترض في السلطان أن ينتخب من رعاياه . هل حدث أن انتخب سلطان من السلاطين قط ؟ لقد كانت السلطنة وراثية ، ولم يكن النظام الانتخابي يطبق إلّا على الأئمة .
ومهما يكن من أمر ، فإن حكومة الهند البريطانية انتهت إلى أنه ينبغي على السلطان أن يقيم إلزامياً أربعة أشهر في السنة ، على الأقل ، في بلاده ، على أن يتلقى خلال إقامته في بلده عشرة آلاف روبية شهرياً ولا يتلقى سوى خمسة آلاف عند إقامته في الهند في أشهر السنة الثمانية الأخرى . ولكن السلطان تجاهل هذا القرار تماماً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(54) . I.O.R : R/15/6/52, Air Force Mess. Ambala 8/9/1920 , p.78
(55) I.O.R : R/15/6/52, From the Secretary to the Government of India in the Foreign and Political Department to the Political Resident, Bushire, 1 Dec 1920, p.114 .

أمام هذا المأزق ، كان على بريطانيا تشديد ضغوطها أكثر لكسر إرادة السلطان الثابتة . فأعلمته بأنها قررت تخفيض مخصصاته إلى ألفي روبية شهرياً فقط ، وأن التعويض السنوي عن خسارة تجارة
الأسلحة ، وكان يبلغ عشرة آلاف روبية في السنة ، سوف يلغى . ولكن كل هذه الضغوط لم تحمل السلطان على التراجع قيد أنملة . فكان على الإنكليز التسليم بأن تهديداتهم وضغوطهم لم تؤثر على السيد تيمور ، الذي نقل عنه قوله بالمناسبة :
" لم يبقَ لي إلا بضع سنوات قيد الحياة ، وأرغب في أن أعيشها بسلام " (56) .
بقي تيمور في الهند إذاً ، لكنه استمر ، حتى في هذا المنفى ، في الإبقاء على وَهْمِ الحكم بإملاء من البريطانيين . وفي عام 1923 ، أرغم على التصريح التالي :
" لن نستثمر النفط الذي يمكن أن يكتشف في أي نقطة من أراضينا ، ولن نمنح الإذن باستثماره دون استشارة المقيم السياسي في مسقط ودون موافقة حكومة الهند العليا " (57) .
وفي حزيران (يونيو) 1929 ، أي بعد عشر سنوات من وصول السلطان إلى الهند ، قرر أخيراً ، العودة إلى مسقط والتنازل فيها ، في السنة التالية ، لصالح أي شخص يعينه الإنكليز (58) . في ذلك الوقت كان ابنه سعيد في العشرين من عمره تقريباً ، أي كان قد بلغ سن الرشد . وفعلاً كان سعيد قد بدأ في ترؤس مجلس الوزراء ، الأمر الذي يعتبر قرينة على أنه سيكون السلطان المقبل .
وأخيراً يسلم أحد التقارير البريطانية بأن الأسباب الحقيقية التي حملت السلطان على مغادرة بلاده والـعـمل باستماتة للتنحي ، هي الاستياء حــيال ممارســـات الــوكــلاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(56) I.O.R : R/15/6/54, From Political Resident Bushire to the Foreign Secretary to the Government of India , Nov. 1931, p.369 .
(57) wilkinson (J.C), The Imamate Tradition of Oman, op,cit., p.274 . Aitchison (C.V.), op. cit., p. ( يجب الملاحظة بأن هذا الاتفاق نفسه سبق وأن وقع من قبل بعض حكام البلدان الخليجية الأخرى ) 319 . .
(58) I.O.R : R/15/6/52, From the British Resident and Consulate general, Bushire to Sir Denis Bray Foreign of the government of India . 6 August 1920, p.230 .

البريطانيين في مسقط ، ولا سيما الميجر هوارث والميجر وينغيت :
" إنه يشعر بأن السياسة البريطانية هي التي أفضت به إلى هذا الوضع الصعب " (55) .
وعلى حد قول التقرير نفسه ، لهذا السبب قرر السلطان غسل يديه من شؤون بلده ، مسقط .
ولم يعد تيمور إلى بلده قطّ سوى مرة واحدة . وفي 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1931 ، وبموافقة المسؤولين البريطانيين أرسل إلى المقيم في بوشهر كتاباً رسمياً يعلن فيه عن تنازله لصالح ابنه :
" لقد رفعنا ، منذ اليوم ، يدنا من كل حقوق الحكم ، واخترنا خلفاً لنا ابننا السيد سعيد بن السيد تيمور كسلطان لحكومتنا . ونحن نسلمه قيادة سياسة الدولة وإدارة الحكومة . وأوصيناه باستشارة المقيم السياسي في مسقط في الأمور الهامة " (60) .
وقد قام المقيم البريطاني بإعلام سعيد بقرار أبيه بالتنازل وبتسلمه العرش . وفي 10 شباط (فبراير) 1932 ، رد السلطان الجديد على المقيم السياسي في بوشهر كما يلي :
" تلقيت بسرور كتابكم المبجل المؤرخ في 9 كانون الثاني (يناير) 1932 الذي تعلمونني فيه بأن والدي تنازل عن عرش دولته وعينني خليفة له " (61) .
جــديــر بالــملاحــظــة أن بريطانيا هي التي تولت أمر كل التفصيلات المتعلقة بالتنحي ، وكذلك بتسنم العــرش . وكانت هي كذلك التي صاغت كتاب التنازل ثم كتاب السلطان الجديد إلــى المــقــيــم الــســياســي ، وهــكــذا دوالــيــك ، وهــي مَــنْ أبــْلَغَ الــبــلــدان الأجــنــبيـة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(59) . Ibid, p.231
(60) I.O.R : R/15/6/54, translation Letter of Abdication of Sultan Taymur to the Political Resident un the Gulf, 17 Nov. 1931 . See also original letter of Abdication, in I.O.R : R/15/6/52, 22 July 1929, p.225 .

(61) I.O.R : R/15/6/54, Letter from Said Bin Taymur to the Political Resident in the Persian Gulf . 10/02/1932, p.419 .

المعنية بهذا التطور . وفي 10 شباط (فبراير) 1932 ، تولى سعيد بن تيمور الحكم رسمياً . وكان في العشرين من العمر تقريباً .
تربى سعيد في مدرسة الأمراء في مايو (Mayo) ، في مقاطعة أجمير (Ajmere) في الهند لمدة 5 سنوات . كما قضى كذلك فترة تدريب في العراق تحت رعاية توماس (Bertin Thomas)، عضو مجلس وزراء مسقط الذي عرف ، فيما بعد ، بقصص رحلاته في المنطقة .
والواقع أن السلطان السابق كان قد تمنى أن يبعث ابنه سعيد للدراسة في مصر لدى محمد رشيد رضا ، أحد أبرز وجوه النهضة العربية ، ولكن الإنكليز اعترضوا على ذلك خوفاً من أن يتأثر السلطان المقبل بالفكر القومي العربي .
بدا السلطان الشاب ، على عكس أبيه وجده ، مطيعاً للإنكليز : فمنذ وصوله إلى العرش ، نفّذ أمرهم بحل مجلس الوزراء الذي شُكِّل في غياب أبيه . وفضلاً عن ذلك ، أفهم الإنكليزُ السلطانَ الجديدَ بأنه لن يحتاج إلى مجلس وزراء ، بل بالأحرى ، إلى وزيرين ، واحد للخزينة ، وثانٍ للعدل . وقد عين الكابتن ألبان (Alban) ، وهو إنكليزي وزيراً للدفاع والخزانة ، والشيخ زبير وزيراً للعدل . تلك كانت حكومة السلطان الجديد .
من جهة أخرى ، كانت الإمامة قد شكلت حكومتها في الداخل . وعينت ، طبقاً لتقاليدها ، ولاة وقضاة في كل المدن الخاضعة لها ، ولكن الإمامة كانت قد انطوت على نفسها ، تدريجياً ، لأسباب متعددة . لا بل يمكن القول إن النهضة العُمانية ، نهضة السالمي والخروصي والكندي وأصدقائهم ، نهضة القرن العشرين الإباضية - وجدت نفسها "محاصرة" بمعطيات هذا القرن العشرين المتسارعة في الخليج وخارجه .
لقد نجحت بريطانيا ، في نهاية المطاف ، في تحقيق هدفيها : عزل الإمامة في الداخل ، و "تقويم" نظام السلطنة و"توطيده" . ولكن السلطنة ذاتها لم تلبث أن انطوت هي الأخرى على نفسها وأن وجدت نفسها مقطوعة شيئاً فشيئاً - كلياً تقريباً - عن العالم . لتصبح حسب كلمة صحفيِّ بريطانيِّ تيبت (Tibet) ، " شبه الجزيرة العربية " ! .

على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد . فتحت إملاء مصالحها النفطية لم تتأخر بريطانيا ، في الخمسينات ، عن مهاجمة الإمامة وعن التسبّب في إندلاع ثورة 1955 - 1964 م ؛ وسوف يعرض في الفصل التالي لتطور نهاية التاريخ العُماني الحديث .

















الفصل العاشر

ثورة 1955 - 1964 نحو نهاية التقسيم الاستعماري
" فـإذا تعهّد شعب ما بالطاعة ، فإنـه
بتعهده هذا ينحلّ ويفقد صفته كشعب "
ج . ج . روسو ، حول العقد الاجتماعي

نهاية النظام الإمامي
بقي تقسيم البلاد بين إمامة عُمان وسلطنة مسقط قائماً في حدود ما أتُّفِق عليه بموجب اتفاقية السيب الموقعة عام 1920 ، أي في حالة " هدنة " . وكانت هذه الهدنة ، على الرغم من هشاشتها ، مقبولة بوصفها " شبه طبيعية " . لم يكن هناك اتصال جدي بين قادة الكيانين ، ولكن لم تكن هناك ، فيما يتعلق بالسكان ، أية قطيعة أو اختلاف باستثناء التمايز في الولاء . ولقد بقي الوضع الذي خلقته بريطانيا قائماً
إلى حين بدأ يقصّر عن تلبية مطامعها مع حلول عصر النفط في المنطقة فكان لا بد من تغييره .
ويمكن القول بأن فترة 1930 - 1970 كانت ، دون شك ، أسوأ فترة عرفتها البلاد ، لا سيما منها الساحل ومنطقة مسقط ، في تاريخها الحديث . فالسلطان سعيد بن تيمور الذي اعتلى العرش في وقت كانت عُمان تسير فيه نحو الانحدار ، لم يكن عديم الاهتمام بتطور بلده فحسب ، بل كان يعارض كل تقدم ، وكان يرهق شعبه بقوانين استبدادية لا مثيل لها ، جاعلاً من بلده أرض المحرمات والممنوعات . ولم يكن في مقدور بريطانيا أن تأمل بسلطان أفضل منه تنزلق مع البلاد إلى النسيان ، بل تخرج معه من التاريخ .
وفــي ســيــاق هـذا الـفـراغ الـظاهـر انـدلـعت ، عام 1955 ، ثورة قلبت صفحة من التاريخ

العُماني الحديث لتُوصلنا إلى خاتمة هذا البحث . إلا أنه يجدر بنا ، قبل ذلك ، التوقف عند أزمة كانت أشبه بالمقدمة لذلك وهي مشكلة واحة البريمي .
القسم الأول
البريمي : النزاع النفطي ونتائجه
عادت مشكلة واحة البريمي - المعلقة منذ أكثر من قرن - إلى الظهور اعتباراً من بداية الثلاثينات من هذا القرن ، مع تزايد الصراعات النفطية الدولية . ولنتذكر بأن هذه المنطقة المؤلفة من تسع قرى ، (ست تابعة لأبي ظبي وثلاث لعُمان) ، كانت منطقة خلافات دائمة منذ ظهور الدولة السعودية الأولى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . وغالباً ما اتخذت حالة التوتر الدائمة هذه مَظْهَرَ نزاع حدودي أحياناً ، ومذهبي أحياناً أخرى . أمّا المعطيات الجديدة فجعلته يتخذ هيئة صراع نفطي .
ففي تموز (يوليو) 1933 ، منح ابن سعود امتيازاً نفطياً لشركة " ستاندارد أويل كومباني أوف كاليفورنيا " (Standard Oil Company of California) في منطقة متسعة ومبهمة الحدود ، حددت بوصفها " الشطر الشرقي من مملكتنا العربية السعودية ، داخل حدودها " (1) ، ونظراً لقلة الوضوح والدقة ، طلبت الولايات المتحدة إلى بريطانيا ، حامية عُمان وأبو ظبي ، تدقيق حدود
" الأطراف الثلاثة المعنية " .
بنت إنكلترا ردها على ما كان يسمى " الحدود الشرقية " أي ، في الواقع ، الخط المعروف باسم " الخط الأزرق " الذي اقتضاه الاتفاق الإنكليزي - التركي عام 1913 - 1914 . إلا أن هذا الخط كان يبعد مئات الكيلومترات عن منطقة البريمي . فرفضت المملكة العربية السعودية هذا الرد ودخلت الأطراف الثلاثة ، إنكلترا والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ، في مناقشات ومراسلات دامت حتى عشية الحرب العالمية الثانية .
وفـي عــام 1949 ، بـدأت شـركـة "أرامــكو" (Arabian American Oil Co.) تنقيبها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Heard-Bey (Frauke), From Trucial States to United Arab Emirates, London, Longman, 1982, p.303 .
عن النفط قرب حدود منطقة أبو ظبي ، ممّا أثار من جديد ، خلافاً أدى فيما بعد إلى اتفاق عن طريق لجنة تحكيم .
وكانت الوثائق الوحيدة المتوفرة لتعيين الحدود الحقيقية وثائق إنكليزية ، وقد رفضتها المملكة العربية السعودية ، وطلبت إلى اللجان الاستناد إلى الولاءات القبلية . ولكن لم يكن لهذا الحل أن يكون مقبولاً على الصعيد الدولي ، فهو ، أولاً ، غامض وذو طبيعة متغيرة ؛ كما أنه ، ثانياً ، لا يمكن تحديد حدود دولة ما على أساس الولاءات القبلية .
وفي شباط (فبراير) 1952 ، انعقد مؤتمر في الدمام ، في المملكة العربية السعودية ، بحضور ممثلي الولايات المتحدة وحاكم أبو ظبي وقطر يصحبه السير روبرت هاي (Sir Robert Hay) ، الممثل البريطاني في المنطقة . ولكن هذا المؤتمر لم يصل إلى أية نتيجة .
هذا الخلاف المتروك مرة أخرى معلقاً ، كاد يفتح الطريق أمام رسم جديد للحدود بين الأطراف الموجودة . ففي تشرين الأول (أكتوبر) 1952 ، أرسلت المملكة العربية السعودية ، مدعومة من أرامكو ، تركي بن عطيشان بصفة ممثّلها في حماسة ، وهي إحدى قرى البريمي ، وأعلن نفسه حاكماً لها (2) .
فاحتجت عُمان مُؤَيَّدَةً من بريطانيا ، على هذا التدخل الذي اعتبرته مسّاً بسيادتها .
إثر ذلك ، اجتمعت قوات عُمان وأبو ظبي وقوات ليفيس (Livis) الإنكليزية - ويقال إن الإمام كان موافقاً على دخول قواته في هذا التحالف - وحاصرت القواتِ السعوديةَ في حماسة وقطعت عنها المؤن والإمدادات . واستمرت الأزمة هذه حتى نهاية 1954 ، وهو العام الذي اتفقت فيه المملكة العربية وبريطانيا على طرح هذه الأزمة في إطار نوع من مؤتمر دولي .
وفعلاً ، شُكِّلت لجنة جمعــت ممثلي كــوبا وباكستان والمملكة العــربية السعودية وبــريطانــيــا ، وتــرأســها قــاض بلــجــيــكي . ولــكــن عُــمــان ، مـرة أخرى غُيّبت .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) . F.O. 371 - 126 881, The Sultans of Muscat and Oman, 28/07/1957


عقدت الجلسات الأولى لهذه اللجنة في نيس (Nice) ، في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1955 (3) ولكنها انتهت إلى الفشل بعد ثلاثة أيام . وفي هذه الأثناء ، كانت بريطانيا قد تحققت من وجود نفط في منطقة الفهود ، على حدود الإمامة ، وتزامن ذلك مع انتخاب الإمام غالب بن علي على أثر وفاة الخليلي (1919 - 1954) ، فقررت تغيير استراتيجيتها وحلّ المسألة عسكرياً . وهكذا انضمت قواتها إلى قوات السلطان لطرد القوات السعودية وإعادة المنطقة إلى السلطة الشرعية العُمانية . كان قرار حسم المسألة عسكرياً هذا يستهدف ، بشكل خاص ، تحويل منطقة البريمي إلى قاعدة عسكرية قادرة على مواجهة تطورات الإمامة الجديدة وقطع اتصالاتها من جهة المملكة العربية السعودية . فما كان من المملكة العربية السعودية إلّا أن حملت المشكلة إلى مجلس الأمن حيث لم تلقَ أي صدى . وبقيت واحة البريمي نقطة خلاف بين عُمان وأبو ظبي من جهة ، والمملكة العربية السعودية من الجهة الأخرى ، كما انعكس الأمر على العلاقات - البريطانية . وواقع الحال أن هذه المشكلة لم تحل نهائياً إلا في الثمانينات .
1 - ثورة 1955- 1964

في الوقت الذي كانت تحتدم فيه الصراعات الدولية حول موضوع البريمي، خَلَفَ عام 1954 إمامٌ جديدٌ هو القاضي غالب بن علي الهنائي ، البالغ من العمر 45 عاماً ، محمد بن عبدالله الخليلي الذي توفي في السنة نفسها. إلّا أن هذا التاريخ سجل بالنسبة لعُمان ولكل منطقة الخليج ، منعطفاً في تاريخها الحديث . فقد كان بداية مرحلة نمو لا سابق لها على صعيد النشاطات النفطية ، وكانت تغييرات جذرية في طريقها إلى الظهور ، اهتزت معها كل موازين القوى، والمعادلات السياسية القديمة ، بل قُلِبَت .
كانت مجتمعات الخليــج قد بدأت تعيش ، آنذاك ، طفرات سريعة ومؤثرة على الصعيد الإقــتصــادي والســياســي ، ثــم الإجــتــماعــي - الثــقافــي، باســتــثــناء عُمـان التي فُرِض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3) . Le Monde, 24 janvier 1956



عليها أن تنتظر حتى السبعينيات . وفي هذا السياق ، احتل الخليج مقدمة مسرح الإستراتيجية الغربية ، والبريطانية على الأخص.
فخلافاً لما توقعه وينغيت مهندس معاهدة السيب (1920)، من أن تنغلق الإمامة على نفسها بعد هذه المعاهدة ، مُسَرّعة بذلك نهايتها ،صمدت دولة الإمامة جيداً. بل بقيت ، على الرغم من عزلتها ، متلاحمة من الداخل. أما بالنسبة لمنطقة الشريط الساحلي ، فلم يقتصر الأمر على أن بريطانيا لم تحدث فيها أي تغيير ، بل إنها اختارت اهمالها كلياً.
ومع الدخول في عصر النفط ، بدأت الإمامة "المنطوية على نفسها"، تمثل عقبة في وجه الإستراتيجية البريطانية الجديدة . وكشف السلطان بهذا الصدد للمقيم السياسي في البحرين عن نيته قلب نظام الإمام، ومد سيادته إلى عُمان الداخلية (4) .
وهكذا شكلت مسقط المدعومة من الشركات النفطية البريطانية ، من جهة ، والمملكة العربية السعودية المدعومة من شركة "أرامكو" الأمريكية من جهة أخرى ، محوري صراع نفطي جديد . وقد أدت المعطيات الجديدة بالمملكة العربية السعودية الى المراهنة على الإمامة كقوة قادرة على مواجهة مسقط وعرقلة المشاريع البريطانية ، وهو الأمر الذي لا يخفى وجه المفارقة فيه. فالمملكة العربية السعودية الوهابية هي الخصم العقائدي والتاريخي للإمامة الإباضية، إلا أن الصراعات النفطية جعلت الحكم السعودي الحليف الأول للإمامة.
وكان رأي الإنكليز في هذا الحلف الجديد يعبر عن الرهان الحقيقي المستجد:
" فالسعوديون الذين يتحركون من خلال الإمامة يمكنهم أن يربكوا جدياً عملياتنا النفطية. والأخبار تشير إلى أن أموالاً وأسلحة وعملاء سعوديون بدأوا يتسربون الى عُمان الداخلية " (5) .
وفــي عــام 1953، أعــطــت عُمــان امتيــازاً لشــركــة النفط العــراقية - البــريطانية، ولكن التنقيب في الأراضي الواقعة تحت سيطرة السلطان ، (بموجب المــعاهــدة الحــدوديــة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) . F.O. 371-114 578. Letter from Residency in Bahrain to the Foreign Office, April 5, 1955
(5) . F.O. 371-114 583. Letter from Shuckbough to sir H.Trevelyan, Cairo, Nov. 18, 1955
بين السلطنة والإمامة )، لم يؤد الى نتائج هامة . وفي عام 1954، أمرت بريطانيا بالتنقيب في منطقة الفهود ، داخل حدود الإمامة . ومن أجل ذلك تهيأت لكل الإحتمالات وشكلت جيشاً خاصاً على حساب الشركة النفطية عرف باسم قوة "مشاة مسقط وعُمان".
وقد تم فعلاً اكتشاف نفط في هذه المنطقة، ولكن بكمية محدودة. احتجّ الإمام على هذا العدوان ، ورأى فيه مسّاً باستقلال "عُمان الداخلية" وبسيادة الإمامة بل وخرقاً لمعاهدة السيب، وتهيأ للمواجهة العسكرية. وكانت بريطانيا التي توقعت رد الفعل هذا مصممة على الإستفادة من هذه المناسبة لوضع حد نهائي لنظام الإمامة في عُمان، ولضم المنطقة الداخلية الى كنف السلطنة بحيث تنفتح كل أراضي عُمان كذلك أمام تنقيباتها.
هكذا دخلت بريطانيا حرباً معلنة ضد الإمامة ، وفي نهاية عام 1954 احتلت القوات البريطانية ، بالإشتراك مع قوات السلطان ، مدينة عبري. وفي عام 1955 قرر مجلس الوزراء البريطاني إشراك قواته الجوية واحتلال عاصمة الإمامة نزوى . وقد عرفت هذه العملية باسم "عملية نزوى" (6) . وأمام تصاعد الأخطار ، أذاع الإمام بياناً يستنكر فيه الغزو ويدعو العُمانيين الى الإلتفاف حول الإمامة والتهيؤ للنضال ضد المعتدي البريطاني (7) .
كانت بريطانيا ترمي إلى إنزال ضربة حاسمة بالإمامة وإلى إطاحة الإمام نفسه. وقد نصح نوري السعيد ، رئيس وزراء العراق، آنذاك ، وأحد حلفاء بريطانيا الأوفياء في المنطقة، وأحد القلائل الذين أُعْلِموا بعملية نزوى - نصح الدولة الإستعمارية بالتأكد من تصفية الإمام غالب شخصيا. ويقول التقرير البريطاني في هذا الصدد :
" كــان يــأمــل فــي أن تــعــتــقــل قــوات مــســقــط الإمــــام وأن تــنــتــهــي مــنــه، وكــان هــــذا يــعــنــي ، فــي نــظــري، أنــه يــخــــشــى إذا ســمــح لــلإمــــام بــالــهــرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(6) F.O. 371-114 583.Confidential: Foreign Office to 10 Downing Street, Nov. 16, 1955 . See also : F.O. 371-114 583.Advance Warning of the Nazwa Operation, Nov. 30, 1955 .
(7) أنظر نص الإعلان في : . F.O. 371-126 908
إلى المملكة العربية السعودية أن يتحوّل شوكة في قدمنا ،مثل رشيد عالي ، ومـفتي الـقدس في المـاضـي " (8) .
يبقى أن القوات البريطانية استطاعت ضرب مقاومة الإماميين في عاصمتهم نزوى واحتلالها. ومع ذلك ، فإن هذا النصر لم يغير موازين الحرب ، فقد التف العُمانيون حول الإمام ، ونُظِّمت المقاومة الوطنية وجرى التهيؤ لحرب شعبية طويلة. كما شكل الإمام غالب لجنة لقيادة الثورة مؤلفة من أخيه طالب بن
علي والشيخ سليمان بن حمير النبهاني وصالح بن عيسى الحارثي . وكان الأخيران من أحفاد قادة ثورة الخروصي (1913- 1920).
اتخذ هؤلاء القادة مقراً لهم في الجبل الأخضر ، وسط عُمان ، ونظموا العمليات العسكرية ، دون انقطاع خلال السنوات 1956- 1958. ولكن قوات الثورة منيت بخسائر كبيرة في الرجال والممتلكات، إذ إن بعض القرى والمدن الصغيرة دمرت تماما - ومنها مدينة تنوف الشهيرة - وذلك إثر غارات جوية كثيفة ، (وهي طريقة عسكرية كان العُمانيون يجهلونها حتى ذلك العهد )، و 150 هجمة برية.
وأخيراً ، في بداية 1959، توصل المظليون البريطانيون إلى احتلال منطقة الجبل والتمركز فيها. ولدى سقوط هذه المنطقة الإستراتيجية ، أُرغم الإمام على اللجوء الى المملكة العربية السعودية، وكذلك فعل بعض قادة الثورة. ورغم أن المقاومة الشعبية استمرت عدة سنوات . فإن قرار مغادرة البلد كان قاضياً بالنسبة للقادة ، ففي محاولتهم للنجاة بأنفسهم حطموا صورتهم في أذهان الإماميين.".
2 - النضال السياسي : الجامعة العربية
منذ ما قبل تولي الإمام الجديد عام 1954 ، حاولت الإمامة مد جسور بين عُمان الداخلية والدولة العربية . وقد سبق لغالب أن أرسل كتاباً إلى الجامعة العربية ، بعد تأسيسها عام 1945 ، يطلب فيه انضمام عُمان الرسمي إلى هذه المنظمة . ولأن العدوان الثلاثي على قناة السويس ، عام 1956 ، ترافق مع تكثيف العمليات العسكرية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(8) . F.O. 371-114 585.Secret telegram from Baghdad to Foreign Office, December 16, 1955

ضد الإماميين في عُمان ، فقد ارتبطت القضية العُمانية ارتباطاً وثيقاً بالقضية العربية وتوسع دور الجامعة العربية من جراء ذلك ، فشمل عُمان ومنطقة المحميات البريطانية ، و"ساحل عُمان" بل والخليج بكامله حتى أصبحت القضية العُمانية قضية الجامعة العربية . والغريب أن السلطان كان أحد زعماء المنطقة القلائل الذين أيدوا الاعتداء الثلاثي على مصر " (9) .
وفي هذه الأثناء ، كانت المواقع الاستعمارية الموروثة من القرن التاسع عشر تتآكل بسرعة كبيرة وتفقد مبرراتها . فلاحظت جريدة الواشنطن بوست (Washington Post) في تموز (يوليو) 1957 ، في تعليق لها على أحداث عُمان ، مثلاً ، أنه إذا كان ممكناً في الماضي سحق أية ثورة بالقوة فإن فشل الهجوم الأنكلو - فرنسي على مصر قد جعل نجاح سياسة العنف هذه مستحيلاً في أيامنا (10) .
لقد تغير اتجاه الرياح وكان الاستعمار الكلاسيكي يعيش أيامه الأخيرة في ظل انتقادات الرأي العام الدولي . ومن هذه الناحية ، فإن تعليق الواشنطن بوست لم يلخص في الواقع إلّا الأجواء الصحفية العامة التي أجمعت على إدانة الاعتداءات البريطانية على عُمان . وكان الرأي العام يرى فيها عمليات منذورة للفشل أمام صعود القومية العربية . ومما يستحق الذكر أن الرأي العام البريطاني نفسه احتج بشدة على سياسة حكومته . ويمكن على سبيل المثال الاستشهاد برسالة وجهها أحد المواطنين إلى الحكومة البريطانية جاء فيها :
" إن الأحداث قد برهنت عن لا أخلاقية مغامرة السويس وسوء حسابها . هل يجب أن تتكرر هذه اللامبالاة المحزنة بالحياة الإنسانية (...) من خلال التدخل الحالي ، وسط خصومة محلية وباسم المصلحة النفطية المقدسة ؟ هل يجوز أن تكون الحياة الإنسانية آخر مشاغل هذه الحكومة؟ ألن تتعلم أبداً؟ أم إنها حقاً مجردة من أي إحساس وضمير؟ " (11) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9) . F.O. 371-126 869, Annual report on territories in Persian Gulf, Muscat, 1956
(10) . F.O. 371-126 869, Internal Political Situation in Muscat & Oman
(11) F.O. 371-126 869, Letter dated July 23, 1957, in Internal Political Situation in Muscat and Oman .

إن مثل هذه الإدانات الصادرة عن الرأي العام البريطاني نفسه لم تجد أي صدى لدى الحكومة القائمة .
ولكن الصلة انعقدت في الوعي بين حملة السويس والعدوان على عُمان ، وتوطّد الفكر القومي من جراء ذلك ، من مصر إلى بلدان الخليج . وفي الحالتين كانت الضربات على الأرض مصحوبة بقفزة نوعية كبيرة في الوعي والفكر السياسي ، ليس بين مناضلي الحركات القومية فقط ، بل في صفوف الشعوب أيضاً . فارتبط النضال العُماني ، منذ ذلك الحين ، بنضالات الفلسطينيين والجزائريين وغيرهم . والمفارقة هي أن الحركات الوطنية المعادية للاستعمار كانت تتوطد على الرغم من الخيبات العسكرية وذلك من خلال يقظة وعي سياسي عربي .
كل ذلك جعل القضية العُمانية تلقى داخل الجامعة العربية تأييداً ملحوظاً . وقد لعب الشيخ إبراهيم اطفيش ، وهو سليل أسرة من كبار العلماء في ميزاب ، الجزائر ، دوراً سياسياً نشيطاً لصالح عُمان . وإذ عرف بصفته " سفير الإمامة " في القاهرة ، فقد وضع كل ثقله ليحصل على انضمام عُمان إلى الجامعة العربية وعلى إدانة الاعتداءات البريطانية . وكذلك الأمر فلقد تبنت المملكة العربية السعودية ، بسبب مصالحها الخاصة ، القضية العُمانية داخل الجامعة العربية واتخذت كل من مصر وسورية مواقف لصالح عُمان . ولم يقتصر تأييد هذه البلدان على المواقف الدبلوماسية ، ولكن أيضاً على الدعم المالي والعسكري .
على الرغم من دعم هذا العدد من الدول العربية ، لم يكن التحاق الإمامة بالجامعة العربية أمراً ممكناً . فقد درست اللجنة السياسية للجامعة العربية الملف العُماني ثم أحالته إلى مجلس الجامعة . ولكن معظم الأعضاء أبدوا تحفظهم عندما حان موعد التصويت وكان مرد هذا التردد إلى الوضع الاستثنائي للإمامة والغموض الذي يحيط بكيانها السياسي المستقل ، ( سوف نناقش هذا الموضوع لاحقاً ) .
وفي هذه الأثناء كانت بريطانيا تحاول عرقلة انضمام الإمامة بطلبها إلى حلفائها الإمتناع عن التصويت كما كانت تطالب بتدخل الولايات المتحدة لتغيير الموقف السعودي .
ولـكـن تـصـاعـد الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة (1956) قـاد الـجـامـعـة الـعـربية إلى اتخاذ قرار



بتشكيل لجنة ثلاثية لدراسة القضية العُمانية . وكانت مهمة هذه اللجنة دراسة الأوضاع السياسية
والاجتماعية في عُمان ، وكذلك في منطقة "ساحل عُمان" . وقد أثار هذا التدبير ، الأول من نوعه ، قلقاً حقيقياً في أوساط الحكومة البريطانية .
وفي 3 تموز (يوليو) 1956 ، قدمت الجامعة العربية طلباً إلى السلطان للسماح لهذه اللجنة بدخول عُمان . ولكن السلطان أهمل هذا الطلب ، وردت بريطانيا بأن السلطان لم يكن يتحدث ، عموماً ، هو نفسه ، بل كان يطلب ، في الأغلب ، أن يتحدث أحد آخر باسمه . والواقع أن موقفه كان يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك فالسلطان لا يعترف ، على حد تعبير الإنكليز ، بالجامعة العربية ، ولا ينوي لهذا السبب الرد عليها (12) .
وقد حمل موقف السلطان هذا والإدانات الدولية المنصبة على بريطانيا التي عمدت إلى تكثيف عملياتها العسكرية آملة الانتهاء من هذه المسألة سريعاً - حمل الجامعة العربية على التقدم بطلب في آب (أغسطس) 1957 ، إلى الدول العربية الأعضاء في الأمم المتحدة للقيام بعمل مشترك ، وطلب اجتماع عاجل لمجلس الأمن حيث وصفت الاعتداءات البريطانية بأنها " تهديد للسلام والأمن في الشرق الأوسط " . وفضلاً عن ذلك ، وعلى الرغم من أن الجامعة العربية لم تقبل انضمام الإمامة إليها ، فقد قررت ، في مؤتمر الدار البيضاء عام 1960 ، تخصيص ميزانية ثابتة لدعم إمامة عُمان (13) .
حيال هذه التطورات ، حاولت بريطانيا الالتفاف على الإدانات الدولية والضغوط الخارجية والداخلية . فاقترحت على قادة الإمامة الدخول في مفاوضات مباشرة . فقبل الإماميون الاقتراح دون تردد . وفي عام 1961 عقد ثلاثة اجتماعات ، في بيروت ، بين ممثلي الإمامة والمقيم السياسي البريطاني في البحرين الذي كان يمثل ، في الوقت نفسه ، السلطان سعيد بن تيمور .
قدم وفد الإمامة ثلاثة مقترحات :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(12) F.O. : 371-120 576, Confidential: Letter from the British Consulate in Muscat to the British Residency in Bahrain, August 16, 1956 .
(13) عُمان ، مرجع سابق ، ص 120 .


أولاً ، عودة الوضع في عُمان إلى ما كان عليه قبل عام 1955 .
ثانياً ، تحرير كل الأسرى العُمانيين من المعتقلات البريطانية .
ثالثاً ، دفع البريطانيين تعويضات عن كل أنواع الدمار التي تسببوا بها .
قبل المفاوضون البريطانيون دراسة هذه الاقتراحات ، وقدموا ، بدورهم اقتراحين :
أولاً ، على الإمامة ، المبادرة إلى سحب الشكوى المقدمة إلى الأمم المتحدة .
ثانياً ، وقف الأعمال العسكرية .
وقد ردّ ممثلو الإمام على النقطة الأولى بالرفض . وعللوا ذلك بأن الأمم المتحدة قامت أساساً لحل الخلافات السياسية ولا مبرر لكفّها عن النظر في هذه الشكوى قبل أن تحل المسألة . واعترض ممثلو الإمام على النقطة الثانية باعتبار أن الأمر غير ممكن طالما أن البريطانيين لم يثبتوا رغبتهم الحقيقية في السلام .
من جهة أخرى اقترح الممثلون البريطانيون بأن يعود كل الزعماء من اللاجئين ويعيشوا تحت حكم السلطان والبريطانيين . وقد رد ممثلو الإمام قائلين إن الأمر لا يتعلق بأفراد ، بل بقضية وطنية . وهكذا انتهت اللقاءات دون أية نتيجة (14) .
وفي عام 1964 ، أي بعد خمس سنوات من خروج القادة من عُمان ، عقد الإماميون وأنصارهم مؤتمراً في الدمام ، في المملكة العربية السعودية . وقد شكل المؤتمر مجلساً أعلى مؤلفاً من خمسة أعضاء برئاسة الإمام غالب بن علي . وضم كلاً من سليمان بن حمير النبهاني ، صالح بن عيسى الحارثي ، طالب علي الهنائي ومحمد بن عبدالله السالمي . وفي بيانه الختامي ، طالب المؤتمر بأن تدار دولة عُمان المقبلة بواسطة حكومة جماعية ، وكان ذلك تقدماً ملحوظاً .
وقد تشكلت أيضاً لجان عسكرية وثقافية ومالية ، وأرسل المجلس محمد بن سالم المعمري ممثلاً لـ " دولة عُمان " في بيروت وعبدالله بن حمد الحارثي ممثلاً لها في الجزائر (15) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(14) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,pp. 55-56
(15) عُمان ، مرجع سابق ، ص 102 - 103 .
من ثم يمكن القول إن هذا المجلس كان شبه " حكومة لدولة عُمان في المنفى " ، لا سيّما أنه أخذ على عاتقه تموين الثورة بالأسلحة وتدريب المقاتلين العُمانيين في مصر والعراق وسورية ، وتقديم المنح الدراسية لمئات الشباب العُمانيين في الدول العربية ودول أوروبا الشرقية ، والاتحاد السوفييتي . ومع ذلك ، فلم تلبث الأحداث أن تجاوزت " حكومة المنفى " هذه التي تأخر تشكيلها ولم يكتب لها أن تُعمّر .

3 - الأمم المتحدة
عُرضت قضية عُمان أمام الأمم المتحدة لأول مرة في آب (أغسطس) 1957 عندما طلب ممثلو إحدى عشرة دولة عربية ، في رسالة مؤرخة في 13 آب (أغسطس) 1957 ، اجتماع مجلس الأمن بموجب المادة 35 من الميثاق لدراسة " عدوان المملكة المتحدة البريطانية وإيرلندا الشمالية المسلح على استقلال عُمان وسيادتها وسلامة أراضيها " (16) .
كانت بريطانيا تخشى وصول " المسألة العُمانية " أو " القضية العُمانية " إلى الأمم المتحدة وأن تتعرض بذلك لإدانة دولية . وبالعفل ، فإن الموقف العربي كان يقوم على اعتبار أن " القضية العُمانية " يسري عليها مبدأ " حق تقرير المصير " .
لقد احتجت بريطانيا على هذا الموقف ، ورفض ممثلها مطالب المجموعة العربية متذرعاً بأنه لا وجود لدولة عُمان المستقلة ، وأن قطاع عُمان هو جزء من سلطة مسقط وعُمان وأن سيادة عُمان على المناطق الساحلية والمناطق الجبلية معترف بها في عدة معاهدات دولية (17) .
طرحت المسألة إذاً بكل أبعادها التاريخية والجغرافية والقانونية . وكان مدار الأمر على مــصــيــر الإمــامــيــيــن وعــلــى مــصــيــر السلطان ســواء بــســواء . ذلك أن مــشــكــلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(16) Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.12 . See also :F.O. 371-126 883, Confidential: from Foreign Office to Baghdad, August 16, 1957 .
(17) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.12
الوجود السياسي والفعلي للنظامين هي التي كانت مطروحة للنقاش .
على الرغم من التفهم العام واتفاق وجهات نظر الدول العربية حول سلامة أُسُس القضية العُمانية ، فإن المسألة لم تدرج على جدول أعمال مجلس الأمن إلّا في آب (أغسطس) 1957 . وقد اعترضت على ذلك فرنسا وأستراليا وكولومبيا وكوبا ، في حين أيد عرضها كل من العراق والسويد والفلبين والاتحاد السوفييتي ، وامتنعت الولايات المتحدة والصين عن التصويت .
ولكن تأييد العراق ، حليف بريطانيا ، لوضع القضية على جدول الأعمال ، لم يكن يعني إقراره بعدالة القضية العُمانية . فالعراق كان يريد تجنب الإحراج بين الدول العربية ، وبريطانيا كانت على ثقة من أن صوته لن يغير النتيجة النهائية . علاوة على أنه كان قد سبق وطمأن بريطانيا إلى أن تصويته لن يؤثر على علاقته الخاصة معها .
أما امتناع الصين عن التصويت فكان ناجماً عن عدم معرفتها بالقضية ؛ ومن هنا جاء الاقتراح الصيني الداعي إلى مزيد من التعمق في دراسة الموضوع . أما الامتناع الأمريكي ، فكانت له دوافع مختلفة كلياً ، ولكن هذا الامتناع كان يعادل الاعتراض . وبما أن الأصوات السبعة المطلوبة لم تجتمع ، فلم يكن ممكناً إدراج القضية على جدول الأعمال . ومع ذلك ، فقد كانت بريطانيا تخشى أن يُفَسَّر تحفّظ الولايات المتحدة على أنه عدم اعتراف بوحدة مسقط وعُمان وأن يمنع إعادة فتح القنصلية الأمريكية في مسقط التي كانت الولايات المتحدة قد أغلقتها في عهد تيمور بن فيصل (1913 - 1931) .
وفي أيلول (سبتمبر) 1957 ، وصل إلى نيويورك ممثل للإمامة للتعاون مع الوفود العربية على وضع القضية العُمانية على جدول أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة . ولكن المجموعة العربية فشلت في هذه المحاولة ، وتأجلت القضية إلى عام 1958 ، ثم إلى عام 1959 ، وأخيراً إلى عام 1960 . إلا أن الهجمات
المتكررة التي شنها البريطانيون ، طوال عام 1959 ، حملت الأمين العام للأمم المتحدة ، السيد داغ همرشولد (Dag Hammarskjold) على التصريح بأن " القضية العُمـانـية ليـسـت مـسألـة



تتعلق بالعرب فقط ، بل بالإنسانية كلها ، بسبب المجازر وأنواع التدمير التي تحدث هناك " (18) .
وفي أيلول (سبتمبر) 1960 ، قدمت عشر دول عربية مذكرة تتضمن مشروع قرار يرمي إلى إدراج قضية عُمان على جدول أعمال الدورة الخامسة عشرة للجمعية العمومية ، وأحيل الطلب إلى اللجنة السياسية الخاصة التي درسته في الجلسة الـ (25) حتى الجلسة رقم (259) .
وفي هذه الجلسة (259) قدم مندوب إندونيسيا مشروع قرار موقعاً من 13 بلداً . وكان هذا المشروع يدعو الجمعية العمومية إلى الاعتراف بحق عُمان في تقرير المصير والاستقلال ، مذكراً بقرارها 1514 (XV) " إعلان حول منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة " . وخلال هذه الجلسة ، قررت اللجنة تأجيل بحث قضية عُمان إلى الدورة السادسة عشرة (19) . وقد أرسل الإمام إلى هذه الدورة للأمم المتحدة وفداً عالي المستوى مؤلفاً من طالب بن علي ، شقيق الإمام ، والشيخ سليمان بن حمير ومحمد أمين عبدالله (20) .
وفي الدورة السادسة عشر للجمعية العمومية ، درست اللجنة الخاصة بقضية عُمان الملف على مدى الجلسات 299 و 306 . وفي التصويت بالمناداة بالأسماء ، قررت ، بأغلبية 40 صوتاً ضد 26 وامتناع 23 عن التصويت ، الاستجابة لطلب استماع قدم باسم الوفد العُماني . وفي الجلسة الثلاثمائة ، تحدث محمد أمين عبدالله أمام اللجنة ، فصرح بأن عُمان تمتعت بالحرية والاستقلال خلال قرون وأضاف أن هذا الاستقلال ثُبّت في نهاية الأمر بمعاهدة السيب عام 1920 . وإذا كانت بريطانيا قد تدخلت في عُمان ، فذلك لأن الشعب العُماني رفض أن يتخلى لها عن سيادته وموارد بلاده (21) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(18) عُمان ، مرجع سابق ، ص 132 .
(19) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.13
(20) محمد أمين عبدالله ، مناضل وطني ، كان عضو "جبهة التحرير العُمانية " التي شكلت في الفترة نفسها . ترجم عدة كتب عن عُمان . توفي في وطنه ، مسقط عام 1982 .
(21) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.13

4 - بريطانيا والولايات المتحدة : من الحرب المقنّعة إلى اقتسام النفوذ ( 1956 - 1957 )
وكما كان متوقعاً ، فإن الصراع السياسي والدبلوماسي في الجمعيّة العمومية بين الدول العربية من جهة ، ومندوب بريطانيا وحلفائها من جهة أخرى ، أدى بالمندوبين العرب إلى مطالبة الدول الأعضاء بالرجوع إلى معاهدة السيب التي كانت قد فُرضت من جانب بريطانيا ، والموقعة من مندوبها وينغيت والمصادق عليها ، بعد ذلك ، من جانب السلطان ، كما من جانب الإمام ، عام 1920 . أليس بموجب هذه المعاهدة أن قسمت عُمان ، إلى قسمين : " إمامة عُمان " و " سلطنة مسقط " ؟ (22) .
إلّا أن الولايات المتحدة التي لم تكن قد نسيت موقف بريطانيا وأعمالها العسكرية خلال أزمة واحة البريمي ، رأت في معاهدة السيب ذريعة للضغط على البريطانيين ، ليعترفوا بالمصالح الأمريكية في المنطقة ، ولتحقيق مكاسب استراتيجية فيها ، لا سيما وأن استمرار وجود خلل ضمني بين الدولتين في هذه المنطقة كان يدفع ، في نظر بعض المراسلين الأمريكيين في لندن ، إلى مواجهة محتملة بين المصالح البريطانية والمصالح الأمريكية (23) .
وبالفعل ، وعلى الرغم من اعتراف بريطانيا بأن المصالح الأمريكية لا تنفصل عن المصالح الغربية في المنطقة ، وعلى الرغم من استعداد بريطانيا للتعاون مع الولايات المتحدة ، فإن وزارة الخارجية البريطانية لم تتأخر عن إعادة تأكيد موقفها المبدئي بوضوح :
" يجب أن نستمر في التعريف بأن المسؤوليات الخاصة التي نمارسها في الخليج لا تعني سوانا ، وأن ما
نحن في حاجة إليه هو التفهم ، وحتى التأييد ، من جانب الأمريكيين ، ولكن ليس التدخل الأمريكي (...) لقد أكد البريطانيون بأنه إذا زال نفوذهم فسوف يفسح ذلك المجال للقومية العربية " .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(22) أنظر القسم الثالث من الفصل العاشر .
(23) . F.O. 371 - 128 76, From Washington to Foreign Office, July 23, 1957

ويخلص التقرير ، إلى أن هناك موقفاً بريطانياً وليس موقفاً أمريكياً أو أنكلو - أمريكياً (24) .
ولكن زاد العلاقات بين البلدين تعكيراً مصادرةُ القوات البريطانية في آب (أغسطس) 1957 ، أسلحة أمريكية كان السعوديون قد أرسلوها إلى الإماميين . وقد استاءت بريطانيا من هذا الأمر الذي لم يتعدَّ خبره ، مع ذلك ، نطاق وزارتي الدفاع والخارجية . ذلك أن الخط السياسي البريطاني كان يقوم على تجنب جعل عُمان موضوع مجابهة مع الولايات المتحدة .
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1957 ، أجرى رئيس الوزراء البريطاني محادثات جدية مع الرئيس الأمريكي أيزنهاور (Isenhower) لحل الخلافات بين البلدين ، أدت إلى " إعلان الهدف المشترك " الذي أقام استراتيجية جديدة ودشن فترة تعاون بين البلدين "
" يؤكد الترابط العضوي بين بريطانيا والولايات المتحدة باعتبار أن مفهوم الاكتفاء الذاتي القديم قد سقط ، وباعتبار أن بلدان العالم الحر لا تستطيع المحافظة على أمنها إلا بتنسيق طاقاتها وبتقاسم المهمات في ما بينها . ولقد اتفقت حكومتا المملكة المتحدة والولايات المتحدة على العمل ، من الآن فصاعداً ، وفق هذا المبدأ " (25) .
وبالفعل فإن هذا المبدأ لا يزال يطبع تاريخ المنطقة بطابعه إلى أيامنا هذه . فقد رسمت منطقتا النفوذ البريطاني والنفوذ الأمريكي بوضوح . وقسمت المنطقة رسمياً ، كما يلي : تخضع عُمان ومنطقة " ساحل عُمان " واليمن والبحرين وقطر والكويت لمنطقة النفوذ البريطاني ، وتبقى المملكة العربية السعودية وإيران تابعتين للنفوذ الأمريكي .
ولــكــن اقــتــســام الــنــفــوذ التالي للاستعمــار لم يحلّ قضيــة عُمان التي بدا أن بريطانيا ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(24) . F.O. 371-120 575, Foreign Office letter dated March 2, 1956
(25) CAB. 90/129 Secert, Cabinet. Anglo-American cooperation. Note by the Prime Minister 15th Nov. 1957 .


زالت مصممة على الاحتفاظ بها تحت وصايتها ، ولو كلّفها ذلك خوض معركة " قانونية وسياسية " حول معاهدة السيب أمام الأمم المتحدة .
القسم الثاني
حوار الهوية والشرعية
إذا كان مبدأ التعاون المشترك بين الدولتين الكبيرتين هو أحد ثوابت السياسة الدولية ، فإن الموقف الأمريكي لم يسمح بحسم الخلاف حول منطقة البريمي ، وبالفعل ، حاولت الولايات المتحدة أن تلعب ورقة الإمامة عبر حلفائها السعوديين الذين ساندوا ، حتى ذلك الحين ، وفق ما دعتهم إلى ذلك مصالحهم ، قضية الإماميين في خضم اللعبة الصعبة ، تصرف الإماميون بعفوية وقلّة خبرة . وكان موقفهم هذا أحد عوامل سقوطهم . أما السياسة الأمريكية ، فقد ركزت على قضيتين : الأولى ، المحافظة على المصالح النفطية ، والثانية ، ضرورة الإبقاء على النفوذ الأمريكي في المملكة العربية السعودية ، لتجنب وقوف هذه الأخيرة في صف الموقف المصري . فقد كان من شأن مثل هذا الانزلاق أن ينعكس حتماً على المصالح الأمريكية في المنطقة بكاملها .
وفي هذه الأثناء ، وفي حدود المطلب الرامي إلى الرجوع إلى معاهدة السيب (1920) ، طلب عبدالخالق حسّونه ، الأمين العام للجامعة العربية ، من السلطان أن يقدم له نسخة من المعاهدة المذكورة . ولكن بريطانيا رفضت هذا الأمر لأنها كانت تعلم جيداً أن كلمة " معاهدة " ، التي تعني في القانون الدولي اتفاقاً بين دولتين مستقلتين ذاتي سيادة ، سوف يضعف موقفها . وبهذا الصدد نقرأ في التقارير البريطانية :
" إننا نتساءل كيف يمكن للفظ معاهدة ، وهو غير مصاغ بدقة ، أن لا يُلوى بحيث يتحول سلاح بين أيدي خصومنا وهذا الاحتمال هو الذي جعلنا نقرر عدم السماح للأمريكيين بالحصول على نسخة منها عندما طالبونا بذلك مؤخراً " (26) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(26) . F.O 371-114 581, Letter from Eastern Dept. to Chancery, Cairo 23/8/55

كان في نية بريطانيا أن تخفي ، بكل الوسائل ، محتوى هذه المعاهدة ، حتى عن حلفائها . وقادتها قلقها ، أكثر من ذلك ، إلى البحث عن عنوان مهندس المعاهدة ، السير وينغيت ، لمعرفة ما إذا كان ما يزال على قيد الحياة أم لا .
وفعلاً ، تمكنت من العثور عليه ، في دبلن (Dublin) ، فأُصدرت إليه التعليمات أن يكون رده ، إذا جاء صحفيون لسؤاله ، بأن المعاهدة لم تتعلق إلّا بالشؤون الداخلية (27) للبلد المعني ، وذلك وفقاً للتصريحات البريطانية السابقة . ولقد حاول السير وينغيت ، وقد أسعده كونه لا يزال نافعاً ، بعد سبع وثلاثين سنة من الخدمات التي أداها للإمبراطورية البريطانية - حاول استرجاع الظروف التي أحاطت بعقد هذه المعاهدة وشرحها : كان الوضع ، إذ ذاك ، على حد قوله ، من الخطر بحيث إن لم يكن ممكناً إبقاء السلطان حتى على الخط الساحلي دون التوصل إلى اتفاق مع القبائل الداخلية . وعلى هذا الأساس عقدت هذه المعاهدة .
واقترح وينغيت أن يستند الموقف البريطاني إلى أن الإمام لم يوقع هذه المعاهدة ، وأن هذه الأخيرة لم
تكن سوى مجرد اتفاق مع القبائل (28) وهو أمر ، كما نعلم ، غير صحيح لأن القبائل لم تكن تستطيع ، في السياق التاريخي لذلك العصر ، أن توقع المعاهدة دون موافقة الإمام . وقد رأينا سابقاً أن الإمام قد كلف ممثليه بتوقيع المعاهدة ، وقد صدق عليها ، هو نفسه ، مثل ما فعل السلطان بعد ذلك .
وأخيراً ، نشرت جريدة نيويورك تايمز (New York Times) في آب (أغسطس) 1957 ، ثلاث نسخ مختلفة من معاهدة السيب . الأولى صادرة عن مكتب الإمام في القاهرة ، والثانية عن الشيخ صالح بن عيسى الحارثي ، ابن عيسى بن صالح الحارثي الذي وقع المعاهدة باسم الإمام ، والثالثة ، صادرة ، على ما يبدو عن مركز المعلومات العربي في نيويورك (29) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(27) F.O. 371-126 884, The Agreement of Sib, August 16, 1957, See also :F.O. 371-126 884, Confidential, Foreign Office correspondences. August 21, 1957 .
(28) F.O. 371-126 887, Confidential, Sir Ronald Wingate and the agreement of Sib, Sept. 5, 1957 .
(29) يجب أن نلاحظ أن النسخة المقدمة لم تكن النسخة الأصلية ، وذلك لسببين : الأول ، هو أن إحدى
ومهما يكن من أمر ، فلم يكن هناك فرق كبير بين النسخ عدا أن نسخة النيويورك تايمز كانت منقحة لغوياً . وبمقارنتها مع نسخة الإمام الأولى والأصل الإنكليزي ، (المعروض في الفصل السابق) ، تبدو مطابقة لهما تمام المطابقة .
وعبثاً حاولت بريطانيا التنصل من مسؤوليتها عن هذه المعاهدة ، مع تأكيدها أنها لم تكن تتعلق إلّا بالشؤون الداخلية ، كما حاولت أيضاً التقليل من قيمة الوثيقة بإشارتها إلى أن هذه الوثيقة "اتفاقية" وليس "معاهدة" (30) .
كان من المهم بالنسبة لبريطانيا إثبات أنها لم تعترف قط بسيادة إمامة الداخل ، وفي هذا السياق ، جرى التذرع بأن العلاقات الخارجية ظلت بين أيدي
السلطان . ولكن الواقع كما بيّنّا هو أنها كانت بين أيدي الإنكليز أنفسهم . أما بالنسبة للإمامة ، فصحيح أنّه لم يكن لها علاقات واسعة مع الخارج ، ولكن سبب ذلك كان ، في الدرجة الأولى ، حالة الحصار التي فرضتها بريطانيا عليها طيلة هذه الفترة . أما فيما يتعلق بالجوازات ، فصحيح أن السلطان هو الذي كان يصدرها ، ولكن الإمام محمد الخليلي أصدر ، هو أيضاً ، جوازات باسمه وصِفَتِهِ وكانت هذه الجوازات تتضمن ما يلي :
" إن حامل هذا الجواز هو من رعايا الإمام محمد بن عبدالله الخليلي . ومسموح له بالسفر إلى كل البلاد المذكورة أعلاه . وإننا نطلب إلى جميع من يهمهم الأمر في البلاد الصديقة السماح لحامله بالتنقل بحرية وبتقديم جميع التسهيلات " (31) .
ومــن جــانــب آخــر ، صــرح وزيــر الخــارجــية الأمـريكية ، في تعليقه على المعاهدة في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النسختين كانت لدى الإنكليز الذين رفضوا الكشف عنها ، أمّا الثاني فلأن نسخة الإمام حفظت لدى شخص يدعى شعبان بن حامد في عُمان ، ولكن هذا الأخير هوجم في بيته وانتزعت منه كل وثائقه ، بما فيها المعاهدة . راجع :
Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.32 .
(30) من الطريف أن نلاحظ أنه عندما أرسل الإمام الشيخ صالح إلى البحرين عام 1953 لمناقشة بعض التعديلات على المعاهدة ، رد المقيم بأن المملكة المتحدة تصرّ على الإبقاء على المعاهدة في نصها الأصلي . أنظر :Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.33 .
(31) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.40
آب (أغسطس) 1957 ، خلال لقاء مع السفير البريطاني في واشنطن بما يلي :
" ... لقد تضمن هذا التعهد عدة بنود غير مألوفة بين عاهل ورعاياه . وأكثر من ذلك ، لا يسعنا أن نغفل الدور البريطاني وأن الاتفاق سمي معاهدة " (32) .
وعلى وجه الإجمال ، لم ينصبّ النقاش حول الوثيقة على محتواها القانوني الذي يثبت استقلال الإمامة بإثبات صفتها التعاقدية . ولكنه تركز على قبول الوثيقة أو عدم قبولها ، أي على الاعتراف بالإمامة كنظام ودولة مستقلة أو عدم الاعتراف بها . وكانت بريطانيا ، برفضها معاهدة السيب ، تدعي إعادة
طرح المسألة الحقيقية : مسألة وحدة عُمان التي لم تكن في الواقع شأناً بريطانياً .
وإنّه لمن سخريات التاريخ أن جَعَلَ معاهدة السّيب التي فرضتها بريطانيا عام 1920 - فخورة بعملها آنذاك - الأساس القانوني لاستقلال الإمامة وسيادتها في نظر القوانين الدولية . ومن المفارقة أن تتحوّل هذه المعاهدة نفسها إلى موضع إنكارٍ ورفض من جانب بريطانيا ! .
والحقيقة أن عُمان قد عايشت ، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، واقعين غير قابلين للتجاوز . الأول ، هو نظام الإمامة الذي حافظ على استقلاله التقليدي في الداخل ، والثاني نظام السلطنة الذي ساد في مسقط والشريط الساحلي . وإذا كان الأول تمتع بشرعية عقائدية وتاريخية وبتأييد أهل الداخل ، فإن نظام السلطنة ، وإن كان مدعوماً من الخارج ، عرف ، مع ذلك ، ما يقرب من قرن ونصف القرن من الوجود ، وهو زمن كافٍ ليرسي شرعيته التاريخية والسلالية ، وليجعله مقبولاً بوصفه الواقع العُماني الآخر .

1 - اللجنة الخاصة بعُمان (1963 - 1964)
رغــم كــل الــجــهــود ، لــم يــحــســم الــنــقــاش الســيـاسي والقانوني الطويل حول معاهدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(32) F.O. 371-126 883, Secret, Telegram from Washington to Foreign Office, August 20, 1957 .
السيب والهوية الوطنية العُمانية ، ولا النزاع السياسي والدبلوماسي المعروض على الأمم المتحدة . ولم تثمر اجتماعات اللجنة السياسية الخاصة ولا التصويت في الجمعية العمومية عن نتائج إيجابية . وعلى هذا النحو ، وجدت القضية العُمانية نفسها تؤجل من دورة إلى أخرى حتى عام 1963 .
وبفعل الضغوط التي واجهها مندوب المملكة المتحدة دعا ، باسم السلطان ، ممثلاً شخصياً للأمين العام للأمم المتحدة لزيارة عُمان وإعداد تقرير حول الوضع في البلاد ، شريطة أن لا تتخذ الجمعية العمومية أي قرار في هذه المرحلة . بناء عليه تم اختيار سفير السويد في إسبانيا ، السيد هربرت دو ريبينغ (Herbert de Ribbing) . فقام المندوب بزيارة لعُمان وقابل السلطان ، وكذلك الإمام غالب ، في منفاه في المملكة العربية السعودية . وبعد عودته من هذه الزيارة التي دامت من 25 أيار (مايو) إلى 9 حزيران (يونيو) 1963 ، رفع تقريراً إلى الأمين العام .
إلّا أن هذا التقرير أثار استياء المندوبين العرب الذين وصفوه بأنه بعيد عن الموضوعية .
ونتيجة للطلب الذي قدمته المجموعة العربية لدى انعقاد الدورة الثامنة ، أُحيلت " القضية العُمانية " ، رغم المعارضة البريطانية ، إلى اللجنة الرابعة المتخصصة بتصفية الاستعمار ، وجرت مناقشة حامية لمعرفة ما إذا كانت "دولة" مسقط قد اعتمدت على "دولة" عُمان . وأمام هذا السؤال ، تساءلت اللجنة ، دون أن يخلو ذلك من ارتباك كبير ، عما يمكن أن يعنيه اسم عُمان نفسه . فقد ظلت هذه النقطة الأساسية غامضة . وتمحور عدد من الأسئلة الأساسية حول مسألة العريف هذه :
1) تستعمل كلمة عُمان أحياناً بمعنى شامل يُغطي المناطق الخاضعة للإمامة بموجب معاهدة السيب ومسقط ، وأحياناً بمعنى ضيق .
2) هل تشكل مسقط وعُمان كياناً واحداً أو أن لكل منها كيانه الخاص؟
3) هل من المرغوب فيه تشجيع فكرة فصل عُمان عن مسقط باسم مبدأ حرية تقرير المصير ، حتى ولو أن المنطقتين تشكلان كياناً واحدا؟
4) إذا لــم تــكــن الــمــســألــة مــســألــة اســتــعــمــار فــهــل هــي مــســألــة اســتــعــمــار مــحــدث(neo-colonialisme) وهــل يــدخــل بــحــثــهــا ضــمــن صــلاحــيــات اللجنة

الخاصة؟ على أنه ومهما يكن فإن القضية أصبحت قضية دولية بحق ويجب أن تكون موضع اهتمام الأمم المتحدة (33) .
في كانون الأول (ديسمبر) 1962 ، قدمت البرازيل ، باسم 13 دولة من أمريكا اللاتينية ، مشروع قرار يدعو اللجنة الرابعة إلى تشكيل "لجنة خاصة بعُمان" مؤلفة من خمسة أعضاء يعينهم رئيس الجمعية العمومية ، وتكون مهمتها دراسة القضية العُمانية بمزيد من التعمق وإجراء تحقيقات ميدانية ، والاجتماع مباشرة بكل المعنيين لتقديم تقرير مفصل ودقيق إلى الأمين العام .
وبموجب قرار الجمعية العمومية الصادر في 1948 ، شكلت لجنة خاصة بعُمان في كانون الأول(ديسمبر) 1963 ، مؤلفة من خمسة أعضاء هم : كوستاريكا ، نيبال ، نيجيريا ، السنغال ، وأفغانستان . وسمي السيّد عبدالرحمن بازهاوك (Abdul Rahman Pazhawk) ، مندوب أفغانستان ، رئيساً لهذه اللجنة .
لم تكن مهمة هذه اللجنة سهلة . وكانت إحدى أولى الصعوبات التي اصطدمت بها تقوم كالسابق على تعريف لفظة "عُمان" . وقد تبين للجنة أن بعضهم استعملها للدلالة على منطقة جغرافية واسعة ، واستعملها آخرون للدلالة على مناطق أقل اتساعاً ، واستعملها آخرون للدلالة على كيان سياسي ، وغالباً ما استعملت بمعنى مبهم أو عام ، دون أن يتبين ، بالضبط ، إذا كانت تعني كياناً جغرافياً أم كياناً سياسياً ، أم كانت تدل ، أحياناً أخرى ، على الاثنين معاً (34) .
وكانت اللجنة قد وضعت خطة منهجية لدراسة القضية العُمانية ، بدءاً بدراسة التاريخ العُماني من خلال المؤلفات الرئيسية المنشورة حول هذا الموضوع . كما عكفت على دراسة الاتفاقيات بين السلطان وبريطانيا ، واتصلت بالأطراف المعنية ، السلطان والإمام ودول المنطقة والعُمانيين في المنفى في الخليج .
وطــبــقــاً لــهــذه الخــطــة ، أرســلـت الـلجنة كتاباً إلى السلطان تطلب إليه فيه الموافقة على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(33) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.17
(34) . Ibid,p.18
زيارة اللجنة لمسقط وعُمان . ولكن السلطان رفض دخول اللجنة إلى البلاد معتبراً ذلك تدخلاً في شؤونه
الداخلية . إلّا أنه قَبِلَ أن يلتقي أحد أعضاء اللجنة أثناء زيارة كان سيقوم بها إلى لندن . وبالفعل تم لقاءان بين رئيس اللجنة السيد بازهواك ، والسلطان في 21 آب (أغسطس) و2 أيلول (سبتمبر) 1964 ، وفي الوقت نفسه التقى أعضاء اللجنة المسؤولين البريطانيين في وزارة الخارجية .
ومن أجل تبيين طبيعة العلاقات بين سلطان مسقط وبريطانيا بموضوعية وحياد ، درست اللجنة ، من بين 23 اتفاقاً ومعاهدة موقعة بين البلدان ، السبعة التي عدتها الأهم والتي تعود إلى الأعوام 1789 ، 1800 ، 1862 ، 1951 ، 1958 . ولكن اللجنة لم تكن على علم بـ"المعاهدة المانعة" التي فرضت على السلطان فيصل عام 1891 وعلى شيوخ "ساحل عُمان" عام 1892 ، علماً بأن هذه المعاهدة كانت ، دون شك ، أصدق الوثائق وأكثرها دلالة على تبعية السلطنة لبريطانيا لأنها كانت بالفعل إعلان حماية غير رسمي وكانت ، وحدها ، كافية لدحض كل الحجج البريطانية حول"استقلال مسقط وعُمان" وإسقاطها . إلّا أن اللجنة كانت تجهل ذلك على ما يبدو .
في ضوء هذه الوثائق جمعت بريطانيا مختلف وجهات النظر وتبينت أن المدافعين عن القضية العُمانية يعدّون هذه المعاهدة المفروضة على مسقط إحدى التجليات الأولى للاستعمار البريطاني . ذلك أن هذه الاتفاقيات والمعاهدات كانت تنص على التزامات ثقيلة تؤدي إلى وضع السلطنة تحت الحماية . إن أي بلد ، كائناً ما كان ، يقبل مثل هذه الالتزامات التي تقلص من حريته وسيادته إلى الحد الأدنى لا يمكن أن يكون بلداً مستقلاً . وإذا كانت مسقط بلداً مستقلاً ، فلماذا لا تمثّل نفسها أمام منظمة الأمم المتحدة بدلاً من أن تترك هذه المهمة للبريطانيا؟ إلى ما تقدم ، أشار الإماميون إلى أن التدخل المستمر في شؤون مسقط وعُمان الداخلية ، وشن الحملات العسكرية لضرب مواطني الداخل وتدمير مدنهم وقراهم مظهر آخر من مظاهر الاستعمار .
ورد مــنــدوب الــمــمــلــكــة الــمــتـحــدة الــذي كـان يــتـحـدث أيضاً باسم السلطان قائلاً إن



سلطنة "مسقط وعُمان" هي دولة مستقلة فعلاً ، ولا ينبغي أن تعد مستعمرة بريطانية ولا شبه مستعمرة .
وتمسّك بأن هذه المعاهدات والاتفاقيات إنّما عقدت بين دولتين مستقلتين وبأن قرارات محكمة العدل الدولية في لاهاي عام 1904 تعترف باستقلال مسقط وعُمان (35) . ورداً على حجة التدخل ، أجاب المندوب بأن الأمر لا يتعلق إلّا بمساعدات تقدمها بريطانيا إلى بلد صديق بموجب التزامات متعاقد عليها بين السلطان وبينها . ولقد رد عليه الشيخ صالح مستشهداً بالقانوني البريطاني الشهير هايد (Hyde) ، الذي يرى أن مبادئ القانون الدولي لا تسمح لدولة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى من أجل قمع ثورة شعبية ، حتى تطبيقاً لمعاهدة تسمح بتدخل من هذه الطبيعة . ومثل هذا العمل ضد شعب بلد أجنبي يشكل خرقاً لحق الشعوب في الثورة على حكوماتها ، وواقع الحال أن هذه المبادئ البسيطة والمعروفة هي في أساس القانون الدولي (36) .
وبصورة موازية لهذه المناقشة ، التقت اللجنة بالإمام في الدمام ، في المملكة العربية السعودية ، وطرحت عليه السؤال التالي : هل هو مستعد للعودة إلى وضع ما قبل 1955 كتسوية ؟ ورد الإمام بأن الأهم هو أن يغادر الإنكليز عُمان . وعندما يذهب الإنكليز ، فسوف تتاح للشعب إمكانية تقرير ما يريد لنفسه بنفسه . وإذا كان الشعب يريد استبداله ، فهو ، الإمام ، أول من يمتثل لأمره (37) .
والتقت اللجنة أيضاً مجموعة من العُمانيين المهاجرين إلى المملكة العربية السعودية والكويت والقاهرة ، قدموا أنفسهم كلاجئين سياسيين . وأجرت اللجنة معهم تحقيقات مباشرة كــانــت الإجـــابـــات عـنـهـا ذات دلالـــة . فـقـد ألـحـــت كـل هـذه الـشـخـصــيـات الـمعـارضـة لـنـظـــام سـعـيــــد بـن تـــيـــمـــور عـلـى أن الـمـــهـم فـي الـــــدرجــة الأولــى هــو خـروج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(35) في الحقيقة جرت مناقشات حول الأعلام الفرنسية التي كانت ترفعها السفن العُمانية في غياب عُمان ، البلد المعني بالدرجة الأولى ، والتي كانت ممثلة من جانب بريطانيا . راجع القسم الثاني من الفصل السابع .
(36) أنظر : . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.55
(37) . Ibid,p.67


الإنكليز من عُمان (38) ، ورداً على الأسئلة التي طرحتها اللجنة فيما يتعلق بمستقبل نظام الحكم ، صرّح معظم هؤلاء بأنه يعود إلى الشعب تقرير ذلك وأنهم سيمتثلون لقراره . وأوضح عضو نافذ في المجلس الثوري أن المجلس لا يناضل لمنح السلطة إلى هذا الإمام أو ذاك ، بل من أجل حرية البلد واستقلاله ، على أن يختار الشعب بعد ذلك نظام الحكم الذي يناسبه (39) .
ويجب أن نلاحظ ، من جهة أخرى ، أن جماعة من المناضلين الإماميين المقربين من الإمام بدأت ، بمناسبة التحقيقات التي أجرتها اللجنة ، تبدي تبايناتها معه . وكان قسم من هذه الجماعة مؤلفاً من عُمانيين من الداخل ، إباضيين " تقليديين " ، يرفضون شرعية الإمام غالب بن علي لكونه قد غادر مقره ، نزوى ، عام 1959 تاركاً شعبه يناضل وحده ضد المستعمرين . في حين كان عليه أن يناضل حتى الموت كما تقتضي مهمته كإمام ، وهو أمر لا يغفر في نظر هذا البعض . وكانت جماعة أخرى ، لا ترفض شرعية الإمام وتواصل النضال في إطار الإمامة ، قد تأثرت بالتيارين القومي والناصري وبدأت تجد في الإمامة نظاماً مرّ عليه الزمن . ويقول تقرير اللجنة الخاصة بعُمان إن بعض أعضاء المجلس الثوري صرحوا بأنهم يرغبون بإقامة جمهورية ، وقال أحدهم إن هذا هو الحكم الذي ينتظر أن يؤسَّس في البلاد في المستقبل ، مؤكداً أن مجلس الثورة يعتبر الإمامة نظام حكم تجاوزه الزمن (40) .
كانت هذه الإجابات تعبر عن تطور ذي دلالة في الوعي السياسي . فتفكير النخبة المفاوضة الذي تفتح بمناسبة الثورة ، وضمن إطار الإمامة ، بدأ يصب في آفاق جديدة غربية عن الرؤية الإمامية التقليدية .
هل غــدت الإمــامــة حــقــاً غــيــر مــتــكــيفة مــع الــوقائــع الجــديــدة ؟ من الصعب اقتراح إجابات موضوعية عن هذا السؤال . إلا أنه لا يمكن أن نسدل ستــار الصمت على أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(38) كان هناك حوالي 10 آلاف لاجئ عُماني في المملكة العربية السعودية و5 آلاف في الكويت و200 في الجمهورية العربية المتحدة (مصر) و300 في العراق . أنظر : . Ibid,p.65
(39) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.67

(40) . Ibid,p.68

معطيات سياسية وثقافية جديدة قد أثرت ، إذ ذاك ، في تصورات شخصيات المنفى .
وهكذا فإن انتشار الوعي القومي اللاحق لمرحلة النهضة التي جسدها عبدالناصر ، طبعت بعمق النخبة العُمانية المعارضة . فالمرحلة كانت مرحلة سيادة الفكر والقيم التحررية في العالم العربي و " العالم الثالث " بكامله . وأخيراً ، فمما ينبغي عدم إغفاله هو أن الشبيبة العُمانية في المنفى كانت تتلقى في البلدان التي تستضيفها ، ( مصر ، سورية ، العراق ) ، إلى الدعم السياسي والعسكري ، تأثير هذه الأفكار .
وقد لاحظت اللجنة الخاصة بعُمان شغف كل هؤلاء العُمانيين بمبدأ النظام الانتخابي . سواء أكان ذلك في إطار الإمامة أم في غيره . ولاحظت اللجنة أيضاً ، الاستعمال المتكرر لمصطلح " إرادة الشعب " . وعندما طرح عليها السؤال عن كيفية تحقيق إرادة الشعب هذه ، أجاب البعض بأنه يقر الطريقة التقليدية ، أي طريقة انتخاب الإمام لأنها تعبر عن طموحات الشعب من خلال الرؤساء الروحيين ورؤساء القبائل ، في حين أجاب آخرون بأنهم يميلون إلى طريقة جديدة تسمح لكل فرد بأن ينتخب وحده وبصورة مباشرة (41) .
ويجدر بنا أن نستخلص ، من هذه الآراء المتنوعة ، إحدى سمات الثقافية السياسية العُمانية ، وهي التعلق بالنظام الانتخابي الذي كانت الإمامة مستودعه ونموذجه خلال 12 قرناً . وإذا كانت الإمامة ، في ذاتها ، لم تعد تحظى بتأييد الجميع ، فإن الانتخاب الذي هو أحد مبادئها الأساسية ، بقي يمثل جانباً أساسياً من الثقافة العُمانية وعنصراً قابلاً لمواكبة التطورات .
من جانبه ، صرح الإمام بأنه مستعد لقبول إرادة الشعب الذي يريد أن يعيش مع عصره ، وأنه على استعداد لترك الحكم إذا رغب الشعب استبداله برئيس آخر . وتبين للجنة أيضاً ، أن بعض أعضاء المجلس الثوري أبدوا استعدادهم لتغيير طراز الحكم القديم بطراز حديث (42) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(41) . Ibid,p.81 - 82
(42) . Ibid,p.82

ولا يمكن ، من وجهة النظر المذهبية ، اعتبار موقف الإمامة وموقف أعضاء مجلسها إلّا قفزة نوعية في الفكر الإباضي الحديث . فهل كان هذا التطور يعني نهاية الإمامة في مفهومها التقليدي والسياسي كما عرفتها عُمان طيلة تاريخها؟ أم كان ، على العكس ، علامة على أن الفكر السياسي الإباضي قابل للتطور من أجل التكيف مع الأحداث والعصر الحديث ، بحيث تستفيد عُمان من تراثها الديمقراطي لتوظفه في بناء عُمان الجديدة ؟
واقع الحال أن الإمام عبر عن استعداده للتفاوض مع السلطان آملاً في العودة إلى وضع ما قبل 1955 . ولكن السلطان الذي كان يستشرف نهاية الإمام لم يستجب لهذه الاستعدادات .
منتصف عام 1964 أنجزت اللجنة تقريرها بهدف عرضه على الدورة التاسعة عشر للجمعية العمومية للأمم المتحدة ، في أيلول (سبتمبر) من السنة نفسها . وختمت هذا التقرير الطويل والهام بتقديم بعض التوصيات التي منها أن قضية عُمان تشكل مسألة دولية خطيرة يجب أن توليها الجمعية العمومية انتباهاً خاصاً . على هذا ، فإن اللجنة كانت ترى إذاً أن الأزمة وليدة السياسات الإمبريالية والتدخل الأجنبي في مسقط وعُمان . وأن على كل الأطراف المعنية أن تتفاوض بهدف حل القضية ، دون المساس بجوهر موقف هذه الجهة أو تلك ، وأن تمتنع كل جهة عن القيام بما من شأنه أن يشكل عقبة في وجه تسوية سلمية (43) .
وكان يمكن لسيرورة التسوية أن تبدأ . فقد انتهت العمليات العسكرية في عُمان الداخلية مع نهاية عام 1961 . ولكن نزاعاً وقع ، في هذه الأثناء ، بين قادة الإمامة الذين بدأوا في تبادل الاتهامات . وكانت جماعة من المناضلين يقودها الشيخ صالح بن عيسى الحارثي ، المتحدث بلسان المجلس الوطني للثورة العُمانية ، قد شكلت " جبهة التحرير العُمانية " ، ولكن هذه الجبهة ، وكذلك إمامة غالب ، انتهتا على
عتبة عام 1965 تقريباً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(43) . Ibid,p.82


ومع هذا الإمام الأخير ، زالت الإمامة نفسها بمفهومها السياسي الوطني والتقليدي (44) ولكن هل كانت إمامة غالب إمامة تقليدية وروحية حقيقية ؟ إن كونها كذلك موضع شك على الأقل ، ويمكن أن نعتبر أن إمامة محمد بن عبدالله الخليلي (1919 - 1953) كانت الإمامة الأخيرة .
على الرغم من هذه المجريات جميعاً يبقى ما انتهت إليه اللجنة حول طبيعة النظام المرغوب فيه صالحاً للتأمل :
" ... وتعتبر اللجنة أن العُمانيين ، الذين غادروا البلاد منهم لسبب أو لآخر ، - بمن فيهم الإمام - متعلقون بالمبادئ الديمقراطية وبأسلوب التمثيل عن طريق الانتخابات وذلك بغية تأسيس حكم ديمقراطي في بلادهم " (45) .

2 - من عُمان " القرون الوسطى " إلى المستقبل
"مستقبل عُمان " هو العنوان الذي حملته مجموعة من الوثائق البريطانية تعود إلى نهاية الخمسينات . وهكذا ، ففي البرهة التي كانت بريطانيا تدافع فيها عن "استقلال" مسقط ووحدة عُمان أمام الأمم المتحدة ، كانت تعمل على وضع خطط لمستقبل هذا البلد وصياغة مصيره في القرن العشرين .
وعلى أثر الثورة العُمانية المسلحة التي دامت حوالي ست سنوات ( 1955 - 1961 ) ، ونتيجة للضغوط الدولية ، كثفت بريطانيا دراساتها للعلاقات العُمانية - البريطانية ، كما درست الصيغ المناسبة لاستراتيجيتها لما بعد الثورة ، وبنتيجة هذه الدراسات وُضع عدد من السيناريوهات ، ونظراً لأهمية هذا
الموضوع نورد النقاط كما وردت في التقرير :
" إذا كان لا يمكن لهذا الوضع أن يدوم ، فالاحتمالات الممكنة هي التالية :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(44) ما زال الإمام غالب يعيش في المملكة العربية السعودية على الرغم من أن بعض أعضاء أسرته والمقربين من يعيشون بسلام ويعملون في سلطنة عُمان ، كما عاد الشيخ صالح بن عيسى الحارثي إلى عُمان مؤخراً .
(45) . Rapport du comite' special de I'Oman.op.cit,p.82
أ ) بما أننا ، في كل الأحوال ، على هذه الدرجة من التورط في القضية ، علينا أن نعلن مسقط وعُمان محمية بريطانية وأن نتكيف مع ذلك .
ب ) بما أنه يمكن لعُمان أن تكون بالنسبة لنا ثقباً لا قاع له ، يستوجب منا الاستمرار في نجدة السلطان لتأمين بقائه في الحكم ، فينبغي علينا أن نغسل أيدينا من هذه القضية موضحين للسلطان أننا لن نساعده إلا في المناطق الساحلية .
جـ) أن نحافظ على موقعنا الحالي مع بعض التحسينات .
أما عن الاعتراضات على الفقرة (أ) المتعلقة بإعلان الحماية فهي أن السلطان نفسه قد لا يوافق على ذلك ولا القبائل ؛ ثم إن ذلك لم يعد من روح العصر . كما أن الأمر مكلف مالياً حتماً والأرجح بشرياً أيضاً .
أما الاعتراضات على الفقرة (ب) فهي أن ذلك سيهز جدياً ثقة السلطان بنا ، كما أنه سيهز استطراداً ثقة بقية الخليج بعد أن استمدت سمعتنا مكانة في الدفاع عن عُمان ضد السعوديين . فضلاً عن أنه يمكن أن تنطوي الأراضي العُمانية على خزائن نفطية ، وفي حال تحقق ذلك فسيكون له انعكاسات إيجابية على موقفنا الإستراتيجي في الخليج ، وهذه الاعتراضات تستبعد النقطتين (أ) و (ب) ومن ثم فالأفضل أن نحاول تحسين موقفنا الحالي (جـ) " (46) .
وفق تشخيص هذه المذكرة ، فإن الاعتراضات على الحماية ، كما على الانسحاب التام من عُمان قد انتصرت ، واتخذ القرار النهائي بالمحافظة على الوضع القائم مع إدخال بعض التحسينات على الجهاز
الإداري والأمني . وأقر إذاً استمرار العلاقة بين البلدين على صورتهما التقليدية المبهمة ، كما يصفها التقرير المكتوب بهذه المناسبة (47) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتـــــــــــــــــــــــــــ
(46) . F.O. 371-126 919, Secret Memorandum Muscat & Oman, Augusy 7, 1957
(47) . F.O. 371-126 904, Confidential, Foreign Office to Sir B.Burrows, Bahrain, August 30, 1957


ولكن بريطانيا لم تدخل ، في الوقع ، سوى تحسينات عسكرية ، لأنها فضلت الإبقاء على الجمود الكامل . بل إن المسؤولين السياسيين البريطانيين رغبوا في أن تبقى العلاقة الرسمية بين البلدين ملتبسة . وهكذا بقيت عُمان خلال العقود الثلاثة الأخيرة من عهد السلطان سعيد بن تيمور (1932 - 1970) في وضع لا تحسد عليه .
ويمكن القول إن انحدار مسقط وعُمان قد بدأ منذ عهد ثويني (1856 - 1866) بعد انفصال زنجبار وإعلان الحماية البريطانية عليها عام 1861 . وعندما تولى السلطان سعيد بن تيمور مقاليد السلطة ، خلفاً لأبيه ، عام 1932 ، كانت عُمان قد عاشت ، من قبل ، حوالي 70 سنة من الانحدار شبه المستمر . ولكن السلطان الجديد لم يحاول إصلاح الوضع ، بل عارض ذلك . ويقول مراقب إنكليزي :
" لقد أراد السلطان منع القرن العشرين من نقل العدوى إلى القرن الخامس عشر الذي كان قد احتجز فيه شعبه " (48) .
وبطبيعة الحال ، فإن هذا المراقب لم يذكر نصيب بلاده من المسؤولية عن هذا الوضع القروسطي . ومع ذلك فإن وضع عُمان في العصر الوسيط كان ، من جوانب عديدة ، أفضل بكثير منه في عهد سعيد بن تيمور في بداية القرن العشرين . ومن المفارقة أن عُمان كانت في الحقيقة تعيش عيشة العصور الوسطى في النصف الأول من القرن العشرين .
فقد وضع السلطان سعيد قوانين وترتيبات مذهلة . فباستثناء بعض المدارس القرآنية ، منع التعليم العام في بلده . ولم يكن في البلاد ، طيلة عهده ، سوى ثلاث مدارس ابتدائية في عُمان . بل إنه أغلق عام 1970 هذه المدارس قائلاً لأحد مستشاريه البريطانيين :
" لقد خسرتم الهند ، لأنكم علمتم الناس " (49) .
هــذا فــي حــيــن أن الــتــعــلــيــم شــبه الرسـمي كان قد بدأ في عُمان في نهاية القرن الثامن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(48) . Eric Rouleau, "Oman ou la Revolution refoulee", Le Monde, 28 mai 1971
(49) Halliday (Fred), Arabia without Sultans, New York, Random House, 1975, p.288 .
عشر ، في عهد الإمام بلعرب بن سلطان (1688 - 1711) الذي أسس أول مدرسة رسمية !
كذلك لم يكن في البلاد ، حتى نهاية عهد السلطان سعيد بن تيمور ، سوى مستوصف واحد ، في مطرح ، ولم يكن به من أدوية إلّا الأسبرين . ويستشهد الكاتب البريطاني فريد هاليداي (Fred Halliday) ، في هذا الصدد برواية عدة أشخاص أتيح لهم زيارة عُمان عام 1950 وشهدوا هذا الحرمان بأم العين ليستنتج أنه " لم يكن في أية قرية من قرى عُمان شخص واحد بصحة جيدة " ويضيف أنه بعد عشرين عاماً من التجول في الشرق الأوسط بوسعه أن يؤكد أنه لم يَرَ شعباً يعيش مثل هذه المعاناة من الفقر ، ومن الأمراض القابلة للشفاء لو توفر العلاج (50) .
كانت عُمان في ذلك العصر بلد الممنوعات : ممنوع بناء منازل من اللبن ، ممنوع وضع نظارات شمسية على العينين ، ممنوع التدخين ، ممنوع اقتناء الكتب ، ممنوع خروج النساء إلى الخارج ... إلخ . بل كانت كل هذه الأفعال تعد جنحاً تعاقب عليها "القوانين" .
فوق ذلك كان على المواطنين دفع ضرائب متعددة وثقيلة . وطوال سنوات كانت أبواب أسوار العاصمة
المبنية خلال الاحتلال البرتغالي (1508 - 1650) تغلق كل مساء ، عند مغيب الشمس . وكان على السكان الراغبين بالتجول داخل الأسوار حمل الفوانيس باعتبار أن مصباح البطارية كان ممنوعاً .
لقد كانت هذه القوانين تمسّ العُماني في شخصه وفي كرامته . في حين كان يخيل للسلطان أن شرط بقائه في الحكم هو اعتقال شعبه ، ومصادرة البلاد وإيقاف الزمن ، أي نفي العُمانيين خارج التاريخ .
ومع ذلك فإن الوعي العُماني لم يدع كل هذه التدابير المرهقة تفرض عليه . فقد وجد البعض فـي الـتـاريـخ الإبـاضـي الـطـويـل مـتـراسـاً لـلـهـويـة الـوطـنـيـة وسـبـبـاً لـلأمـل فـي الـتغيير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(50) . Ibid,p.287


السياسي . ومن جهة أخرى ، عبر بعض العُمانيين عن رفضهم لهذا الواقع بإشتراكهم في حركات سياسية ذات روح حديثة . وهكذا اندلعت ثورة 1965 - 1974 م . ولكن فكر هذه الثورة ، على الرغم من تجسيدها لآمال بعض العُمانيين من جيل الستينات ، لم يكن سوى إسقاط على التاريخ الروحي العُماني . وإذا كان لهذه الثورة من إيجابيات ، فهي أنها قد عجلت بحركة التاريخ . لقد عجلت بأن يأتي ، عام 1970 م ، السلطان قابوس ، الذي أعطى السلطنة أحدث وجوهها بإطلاقه برنامج تنمية طموحاً حقّق لعُمان تقدماً مدهشاً .
















ـــــــــــــــــــــــــ خاتمة الباب الثاني ـــــــــــــــــــــــ

كانت الاستراتيجية البريطانية المرسومة في بداية القرن التاسع عشر ، قد سارت بانتظام مكّن بريطانيا من القضاء على الازدهار الكبير الذي عاشته عُمان في عهد السلطان سعيد بن سلطان (1806 - 1856 ) ، ولا عجب ، فعُمان القوية هي الخصم الإقليمي للقوة البريطانيـة .
لم توفر بريطانيا أية وسيلة لإرساء سيطرتها النهائية ، ومن ذلك المعاهدات المكبِّلة ومراقبة الخطوط البحرية ، وإدخال السفن البخارية ووسائل الاتصال الحديثة . وقد أدى كل ذلك ، تدريجياً ، إلى إضعاف عُمان كقوة تجارية في البدء ، وفيما بعد إلى عزلتها كقوة إقليمية وتهميشها . وعلى أثر وفاة السلطان سعيد وانفصال زنجبار ، لم تعد عُمان سوى بلد ضعيف ، مستبعد تماماً من الرقعة السياسية الإقليمية .
وفي الواقع فإن بريطانيا لم تتردد في استخدام كل الوسائل الممكنة لتحقيق استراتيجيتها . فقد دمرت السفن العُمانية وأحرقتها أو صادرتها . وتم كل ذلك بذريعة محاربة تجارة الرقيق أو " القرصنة " .
ومـع ذلـك فـمـن الـواضـح أن تـزايـد الـنـفـوذ الـبـريـطـانـي وانـهـيار الـوضـع الاقـتـصـادي كانا يحرّضان العُمانيين الباحثين عن مخرج لبلادهـم عـلى الـتـجـمـع حـول الحـركة الإباضـية . وكان اللجوء إلى الثورة محتوماً في مثل هذا الوضع . ثورة عزان بن قيس (1860 - 1871 ) هي إذاً ناج كل هذه الفترة . ولهذا أوشكت هذه الثورة أن تشكل منعطفاً

حاسماً في التاريخ العُماني ، لولا تدخل بريطانيا وتضافر مجموعة من الظروف الأخرى .
ومنذ ذلك الحين أصبحت الحركة الإباضية التي فرضت نفسها كحركة وطنية تاريخية ، الخصم الطبيعي لبريطانيا في المنطقة . وفضلاً عن ذلك ، وعلى الرغم من أن إنكلترا أعادت نظام السلطنة في شخص تركي ، فإنها لم تسمح للسلطان الجديد بالتمتع بأي استقلال ، بل فرضت عليه من الضغوط السياسية والمالية ما عرقل عمله تماماً ، وفعلت الشيء نفسه مع خلفه فيصل الذي حاول ، دون نجاح ، الإفلات من السيطرة البريطانية .
لقد عاشت الحركة الإباضية على موعد دائم مع التاريخ . وربما مثلت ثورة الإمام
الخروصي (1913 - 1920) التي استمرت سبع سنوات ، أطول ثورة عرفها العالم العربي . ويبدو جلياً أن التعلق بالاستقلال الوطني هو أحد ثوابت الفكر والثقافة السياسيين للعُمانيين . ولكن اختلال ميزان القوى سمح لبريطانيا ، في نهاية المطاف ، بفرض معاهدة السيب (1920) التي استهدفت عزلة الإماميين في الداخل .
أمّا مسقط فوجدت نفسها طوال 12 عاماً تقريباً بدون سلطان ، تحكمها بريطانيا على طريق " مجلس وصاية " وذلك إلى أن تسلم سعيد بن تيمور العرش عام 1932 وقد عُرِفَ عهده الطويل (1932 - 1970) بـ ( العصر العُماني الوسيط ) . وإذا كان سعيد بن تيمور قد سَجَنَ عُمان خلال عهده هذا في زنزانة القرون الوسطى فإن بريطانيا عملت ، طوال قرن ونصف القرن ، على إلغاء التاريخ العُماني ، عمدت في عهده إلى إلغاء عُمان من التاريخ وحكمت على الشعب العُماني بأسره أن يعيش منفياً داخل البلاد وخارجها .
ولكن وجود الإماميين أصبح ، مع دخول المنطقة في العصر النفطي ، عائقاً بوجه الاستراتيجية البريطانية ومراميها . ففي مطلع الخمسينات ، عبأت بريطانيا نفسها ، عسكرياً واحتلت قواتها مدن الإمامة الرئيسية ، عـبـري والـرسـتـاق والـعـاصـمـة نـزوى . وأمـام هـذا الـعدوان أشـعـل الإمـامـيـون ثـورة 1955 - 1964 الـتـي أتـاحـت فتح ثغرة في طوق

العزلة السياسية . ولكن بريطانيا تمكنت من هذه الثورة على الرغم من التفاف العُمانيين حولها والدعم الذي لقيته من البلدان العربية المجاورة .


















ــــــــــــــــــــــــــ الخاتمة العامة ــــــــــــــــــــــــــــ

إن مساراً أصيلاً يميز السياسة والثقافة والتاريخ العُماني . ومفتاح هذه الأصالة هو ، دون ريب ، الفكر الإباضي وتجربته . فالإباضية ، وهي المثل الأعلى للأيام الأولى ولأزمنة
الشدة ولتجربة الحكم في عمر النضج تتماهى مع تاريخ عُمان وتمتزج به .
ثلاث نتائج هامة يمكن استخلاصها من دراسة التطور السياسي لعُمان :
فأمّا الأولى فتدور على النموذج الأصيل للدولة الإسلامية الذي قدّمه المذهب الإباضي منذ الأزمنة الأولى ،
وأمّا الثانية فلُبُّها ديمومة " الأسطورة " ومتانة التجربة الإباضية عبر الـتـاريخ السياسي للبلاد ،
وأمّا الثالثة فهي عمق التراث الديمقراطي الذي خلفته الإباضية للثقافة العُمانية اليوم .
إن مبدأَي الشورى والبيعة - الإجماع والتعاقد - مضافاً إليهما قيم المساواة الاجتماعية والمساواة أمام القانون ومبادئها تمثل ركائز الديمقراطية الإسلامية في عُمان ، وفلسفة الثقافة الاجتماعية والسياسية لدولة الإمامة . وقد كان الشغل الشاغل للحركة الإباضية ، المتصف بمثابرة غير عادية ، هو تشييد دولة ومجتمع إسلاميين عل مثال دولة الخلافة .
عـلـى أن إحـدى الـخـصـائـص الأولـى لـنـظـام الإمـامـة الإسـلامـي أنـه لا يمكن إختزاله إلى




نظام ثيوقراطي ، ( حكومة دينية أو بالأحرى حكومة كهنوتية ) ، قائم على " الحق الإلهي " . كما هو الحال في أوروبا المسيحية . فلم يكن الإمام إلّا قائداً منتخباً وممثلاً للأمة ، يستمد شرعيته منها . وقد شكلت الممارسة الإباضية ، بمحافظتها على مبدأ الانتخاب الحر للإمام الذي تكرسه البيعة ، مجموعة قيم وأسس ديمقراطية ، قريبة جداً من حيث الجوهر ، مما يسمى اليوم بالديمقراطية.
لقد دخلت الديمقراطية ، " ديمقراطية الشورى " ، إلى عُمان مع المذهب الإباضي ، أي مع الدين . إنّها إذاً روح الثقافة السياسية العُمانية ، ومن ثم فالديمقراطية العُمانية القائمة على الانتخاب الحر للأئمة لا تمثل نموذجاً سياسياً فقط ، بل هي ، فوق ذلك ، سلوك اجتماعي وثقافي وقيمي . وبفضل ممارستها الطويلة ، أصبحت ، بحقّ ، تقليداً ثابتاً للمجتمع العُماني ، بل قانوناً للحياة الجماعية وللدولة .
وعلى مر القرون ، وبفضل هذه الديمقراطية استطاع العُمانيون تحقيق مبادئ العدل والمساواة ، وكذلك السلام الأهلي والوحدة الوطنية . وفضلاً عن ذلك ، أتاحت هذه الممارسة بلوغ صورة انسجام عالية بين الأمة وقيادتها . وهكذا ، يستنتج ، أن تطبيق الديمقراطية الإسلامية العُمانية ضَمِنَ استمرار نظام الإمامة ، طوال أكثر من ألف عام ، وبدوره ضمن نظام الإمامة استمرار هذه الديمقراطية .
وعلى الرغم من أن لمنصب الإمام ، بصورة أساسية ، صبغةً روحيةً ، فإن وظائف الإمام لا تقتصر ، أبداً ، على الممارسات الدينية ، بل تشمل كل شؤون الدولة السياسية والعسكرية والمالية . علماً أن الإمامة لم تكن حكراً على العلماء . فقد شغل هذا المنصب ، في قسم كبير من تاريخ الإمامة العُماني ، شخصيات وطنية مستقلة لا تنتمي إلى جماعة العلماء .
إن الحرية وسيادة الشعب هي في أساس الثقافة السياسية العُمانية . فسلطة الإمامة السياسية تقوم على مبدأ مشاركة الشعب بمجموعه في الحياة السياسية ، وذلك على كل المستويات ، المحلية والإدارية ، من خلال ممثليه كالعلماء والشخصيات القبلية .
وكـذلـك قـامـت دولة الإمـامـة عـلـى مـبــدأ الـفـصــل بـيـن الـسـلـطـتـيــن الـتـشـريـعــيـة والـتـنـفـيـذيـة ،



على الرغم من أنه لا تمييزَ صريحاً بين الأثنين . ويجدر بنا أن نشير إلى أن العلماء مثلوا "مجلساً تشريعياً دائماً" طوال التاريخ الإمامي لعُمان . ومن جهة أخرى ، فإن تفويض السلطة في مختلف المناطق إلى ولاة تساندهم مجالس إقليمية استشارية وقضاة مستقلون كان يعطي هذه المناطق استقلالا إدارياً واسعاً ، ولم تكن هذه البنية اللامركزية للإمامة سوى التعبير الفعلي عن مبدأ مشاركة المواطنين
الفاعلة في الحياة السياسية .
ويستخلص بوضوح من التاريخ العُماني أن العلماء ، أهل الحل والعقد ، ضمير المجتمع وممثليه ، لعبوا دوراً مركزياً في تخليد نظام الإمامة والحركة الإباضية . وفضلاً عن دورهم كمرشدين روحيين للمجتمع وكقضاة وكحراس لتطبيق مبدأَي الشورى والعدالة الاجتماعية إلى غير ذلك ، يعود إليهم ، أيضاً ، أمر التشريع في إطار مبدأ الاجتهاد في كل مستجدات الحياة ، وخاصة في الشؤون التجارية والعلاقات الخارجية .
وبما أنهم كانوا الأمناء المتميزين على ثقافة بلادهم السياسية ، فقد حرصوا على أن يكونوا ، أيضاً ، من خلال أعمالهم النظرية والفقهية والتاريخية ، ذاكرة هذه الثقافة السياسية ، بل ذاكرة الحضارة العُمانية ، ثقافة وهويّة .
وللحركة الإباضية ، وريثة تقاليد دولة الخلافة الرشيدة ، وصاحبة الرؤية الخاصة والخبرة بما يجب أن تكون عليه الدولة الإسلامية المثالية ، لهذه الحركة وجهة نظر حول مسألة الخلافة تبدو لنا غاية في الأهمية إلى حدّ لا يمكن معه لأحد ادعاء معرفة التاريخ الإسلامي بعمق دون أخذها بعين الاعتبار .
يبقى أن الممارسة الثابتة لمبدأَي الإجماع والتعاقد على مدى اثني عشر قرناً - في حين كانت هذه الممارسة قد ألغيت أو عُلِّقت في المجتمعات الإسلامية الأخرى ، منذ الدولة الأموية أي منذ القرن الثاني الهجري ، الثامن الميلادي - قد سمحت باستقرار المجتمع وسلامة نظام الإمامة واستمراره . وبالفعل فإن هذه الثقافة كانت مطبوعة بقيمها السلمية . ولسنا نجد ، خارج الخلافات ذات الطبيعة القبلية ، سوابق تمرّد على إمام شرعي . من هنا يمكن القول أيضاً إن السلام كان ضمانة للسيادة .

أمّا مبدأ المساواة الاجتماعية والمساواة أمام القانون فمن الأعمدة الرئيسية للثقافة السياسية الإباضية التي تؤكد ، دون التباس ، مكانة الإنسان كإنسان من خلال حرصها على مصلحة المجتمع العامة ، مصلحة الأمة . ذلك أنه لم يكن ممكناً لكرامة الإنسان أن تُبْلغ كاملة ، في نظر هذه الثقافة ، إلّا من خلال تحقيق كرامة الأمة الجماعية . وفعلاً كان الإسهام في الحياة الاجتماعية ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، يقوي مواطنة الإنسان العُماني ويوطدها .
وهنا تبرز سمة أخرى من سمات هذه الديمقراطية الأصيلة .
وأخيراً ، فقد كشف المجتمع العُماني ، بمركباته القبلية ، عن كونه منظماً وذا بناء متماسك . ولا ينبغي أن ننسى أن هذه القبائل ، المتصفة بالنزوع الحاد إلى الحرية ، أسهمت في توطيد لا مركزية نظام الإمامة ، أي تأكيد الديمقراطية العُمانية .
وإذا أضفنا إلى هذه المركبات بنى اقتصاد مفتوح يستند ، خاصة ، إلى نشاط بحري هام ، نتبين أن الحركة الإمامية الإباضية ، لم تتسبب بأي ضرر على مستوى نمو البلاد ، بل على العكس من ذلك فقد كانت عُمان ، خلال مرحلة الإمامة ، العكس الكامل . فثقافتها السياسية قائمة على مسؤولية المواطنين وقادتهم تجعل منها أمة ذات سيادة ومحترمة معاً ، بالإضافة إلى كونها مستقرة ومسالمة .
إن الواقع الاستراتيجي الهام الذي ميّز البلاد وعكس نفسه على تاريخها ، كان وراء كل الأطماع والاعتداءات الخارجية عليها . وواقع أن العُمانيين كانوا ملزمين بمواجهة تحديات شبه مستمرة والدفاع عن وطنهم ، هذا الواقع ساهم بدوره في تأكيد الهوية الوطنية وغرس في الثقافة السياسية العُمانية مبادئ الحرية والاستقلال الوطني والسيادة .
ولكــن بــريــطانــيــا تــوصــلــت ، خــلال القــرن التاســع عــشر ، إلى تفتييت الوحدة العُمانية وشطب هذه الدولة الإسلامية الموحدة . كما عملت ، خلال قرن ونصف القرن ، على تهديم ثقافتها السياسية لتعيد رسم البلاد وتاريخها وفقاً لمقتضيات الاستعمار ومصالحه . وهكذا نجحت فــي الــســيــطــرة عــلــى المــنطــقــة الــســاحلــيــة وإلى تــطــويــق نــظــام
الإمامة في الداخل . ولكن الثقافة العُمانية ذات البعد الروحي كانت أعمق من أن تُقتلع من جذورها .
*
مع نهاية إمامة الخليلي (1919 - 1954) ، انتهت الإمامة كمؤسسة وكنظام سياسي . ولم تعد مؤسساتها التقليدية تجعل منها البديل التاريخي السابق ولم يعد دورها السياسي يلبي مقتضيات المجتمع
العُماني المعاصر . ولكن التجربة الإباضية تبقى ميراثاً وتراثاً وطنياً لا يقدر بثمن ، لا بالنسبة للإباضيين وحدهم ، بل ، أيضاً ، وبالتأكيد ، لمجموع العُمانيين ، إباضيين كانوا أم غير إباضيين . وتبقى كذلك تجربة عربية وإسلامية رائدة .
يبقى أن الحركةَ الإباضيةَ - حتى وإن غابت في هذه المرحلة عن المسرح السياسي - حاضرةٌ وفاعلة في الحياة الدينية والاجتماعية . وهي ، كمذهب ، تبقى دائماً ، المرجعيّة الأخيرة في البلاد .
إن المنطق التاريخي والخصوصية الثقافية والواقع الاجتماعي - السياسي للعُمانيين ، يردنا إلى الاقتناع بأن نظام الديمقراطية الغربي لا يمثل نموذجاً مثالياً قابلاً للتطبيق ، أو حتى مرغوباً فيه حيثما كان . ولا سيما أن المجتمع العُماني كان قد تصور وصاغ نموذجاً ديمقراطياً خاصاً به ، آخذاً بالاعتبار المحيط الثقافي والديني . ولا شك أن هذا النموذج قابل للتكيف والتحديث تدريجياً في سياق الثقافة السياسية العُمانية .
ومن المنطقي الاعتقاد بأن استلهام التراث السياسي الديمقراطي العُماني الغني وتثميره فإنه يمكن أن يبعث نموذجاً مميزاً للديمقراطية العُمانية في العصر الحديث .
إن المزاوجة بين التراث والقيم العُمانية ومقتضيات الحاضر ضرورة تاريخية لصيانة ثراء الماضي وحماية المستقبل معاً . ولا يمكن لعُمان أن تربح رهان المستقبل دون أن تتبنى ماضيها وتعترف به . فإغلاق الباب في وجه الماضي هو إغلاق للباب في وجه الحقيقة ذاتها ، في وجه مصادر الهوية العُمانية وحضارتها .
إن الـعـودة إلـى مـصـادر الـتـراث هـي ، سـياسـياُ ، أمر ملّح لأمن البلاد واستقرارها . وعلى



عُمان ، اليوم أن تجد التوازن الضروري بين تجربة الماضي ومقتضيات الحاضر لتوطيد الدولة العُمانية
في دورها النموذجي كدولة عربية - إسلامية حديثة وقوة ضرورية لتوازن الخليج وسلامه .
إن نهضة عُمانية حقيقية تستكمل منذ حوالي ربع قرن . فقد بنيت دولة حديثة وَحَّدَت البلاد من جديد وحققت السلام الأهلي ، وزوَّدت هذه الدولة بمؤسسات متقدمة . كما احتضنت الحكومة العُمانية ، ببصيرة وروح مصالحة وطنية نادرة ، بعض الشخصيات السياسية الوطنية التي كانت في " المعارضة " سابقاً وأشركتها في بناء البلاد : بناء عُمان الحديثة وتوطيد صورتها كدولة . وحتى الإماميين باركوا جهودها الضخمة ويباركونها على الرغم من بقائهم متحفظين حيال النفوذ الغربي ، لا سيما الثقافي ، في البلاد .
لقد أُخرجت عُمان ، خلال الربع قرن الأخير ، من حالة القرون الوسطى ، وأُرسيت ، بثبات ، في القرن العشرين . فعلى الصعيد الثقافي وصعيد التنمية العامة وضعت الحكومة موضع العمل ، على الرغم من الموارد الاقتصادية المحدودة ، مشروعات لا سابق لها في البلدان النامية بما فيها بلدان الخليج النفطية . وهو ما سمح بتركيز البنية التحتية الاقتصادية للبلاد وبإطلاق مشاريع تنموية على كل المستويات ، ملبياً ، بذلك ، خطة اقتصادية اجتماعية سياسية حقيقية .
وفي محاولة جدية ولكن حذرة ، لتوظيف التراث السياسي في إدخال إصلاحات سياسية ، اتخذت حكومة عُمان ، عام 1991 ، قراراً في غاية الأهمية . فلأول مرة في تاريخ السلطنة أنشئ "مجلس شورى" مؤلف من 59 عضواً منتخباً ، كنواب وممثلين للشعب العُماني . وفي دورته الثانية ، أي بعد ثلاث أعوام فقط ، عام 1994 ، وُسّع هذا المجلس ليصل عدد أعضائه إلى أكثر من 80 عضواً . كما شاركت لأول مرة ممثلتان في هذا المجلس . وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1996 وضع السلطان قابوس لعُمان ، ولأول مرة ، "نظاماً أساسياً للدولة" ، يأخذ على عاتقه تنظيم مسألة الخلافة وصلاحيات السلطة السياسية في البلاد ، وهي بادرة ستساهم لا شك في تعزيز الاستقرار السياسي في البلد .


هكذا بدأت ، إذاً ، مسيرة " الديمقراطية العُمانية " تلقي بظلالها على الحياة السياسية والثقافية لعُمان الجديدة . ومن المؤكد أن الانتخاب المقيد للمجلس ، وبشكل خاص ضيق هامش
السلطة التشريعية المنوطة به ، لا يخلو من أن يفتح أبواب نقاش واسعة . وما من شك في أن المطالبة بتحسين هذه المؤسسة وتوسيع صلاحياتها لن تنقطع ، ولكنّ ، مما لا شك فيه أيضاً ، أن القيادة التي أخرجت عُمان من حالة القرون الوسطى وأدخلتها قرن العشرين أدرى بالسرعة التي يجب اعتمادها في السير على دروب الإصلاح السياسي وتطوير " الديمقراطية العُمانية " الحديثة .













ـــــــــــــــــــــــ فهرس المحتويات ـــــــــــــــــــــــ

الإهداء
7
شكر
9
مقدمة عامة
11

الديمقراطية والشورى ................... .............................................................. 13
الديمقراطية الإسلامية العُمانية ....... .................. ................... .......................... 22

الباب الأول
دولة الإمامة من أول نشأتها إلى استتباب الاستعمار البريطاني
بمثابة تمهيد
33

1 ) حضارة عُمان القديمة . ........................................... ...............................34
2 ) الأصول العُمانية ................ ....................... .........................................36
3) عُمان وبدايات الإسلام ...........................................................................38

4) ولادة الحركة الإباضية ..........................................................................40
5) عُمان من القرن الثامن إلى القرن السادس عشر : وحدة غير مُكتملة ........................43
مدخل إلى الباب الأول
47
الفصل الأول
المذهب الإباضي : الأصول ، الفكر ، التقاليد
تقاليد الإمامة والدستور الإباضي .................................................................51
القسم الأول : الأصول الإباضية
1) موقف المُحَكِّمَة ( الخوارج ) .................................................................52
2) من الخوارج إلى الإباضيين ..................................................................57
3) مرحلة البناء ...................................................................................59
4) كتاب عبدالله بن إباض إلى الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان ...........................61
5) الإباضية في السياق المذهبي الإسلامي .....................................................64
القسم الثاني : نظام الإمامة : من انتخاب الإمام إلى حالات الإمامة الأربع
1) حالات الإمامة أو مسالكها...................................................................68
2) مراتب الإمامة وطرق المبايعة..............................................................70
3) إجراءات انتخاب الأئمة.....................................................................72
4) موانع الإمامة ...............................................................................75

5) إمكانية خلع الإمام...........................................................................76

القسم الثالث : مؤسسات الإمامة
1) العلماء والمجلس ...........................................................................78
2) الولاة ........................................................................................79
3) القضاة ......................................................................................80
4) بيت المال ..................................................................................81
5) الجيش .....................................................................................82
6) العلاقات الخارجية .......................................................................83

الفصل الثاني
الحقبة البرتغالي (1500 - 1650)
المرحلة الاستعمارية الأولى .................................................................87

القسم الأول : لمحة تاريخية
1) طريق الحرير ...........................................................................91
2) الغزو البرتغالي ..........................................................................93


القسم الثاني : السيطرة البرتغالية على محك المنافسة
1) المرحلة الهولندية والبريطانية .........................................................98
2) من وصول الفرنسيين إلى حل الصراعات الاستعمارية ............................102

الفصل الثالث :
المثال الإباضي للدولة الإسلامية في التاريخ الحديث
الدولة اليعربية (1624 - 1741) ......................................................105

القسم الأول : الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ( 1624 - 1649 )
1) تصفية الوجود البرتغالي ............................................................ 109
2) سلطان بن سيف اليعربي (1649 - 1688 ) .................................... 110
3) الانتخاب الخلافي : بلعرب بن سلطان (1688 - 1711 ) ......................113

القسم الثاني : سقوط الدولة اليعربية
1) الحرب الأهلية (1718 - 1737 ) ................................................120
2) الغزو الفارسي (1737 - 1741) .................................................122
3) نهاية الوجود الفارسي ...............................................................124


الفصل الرابع
دولة البوسعيدي : أصول نظام السلطنة
المرحلة الإنتقالية من نظام الإمامة إلى نظام السلطنة
العلاقة العُمانية - الفرنسية وبريطانيا .....................................................127

القسم الأول : الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (1741 - 1783 )
1) عُمان في عهد أحمد بن سعيد ........................................................130
2) الانقسام : عُمان الداخل وعُمان الساحل (مسقط) ..................................135

القسم الثاني : العلاقات العُمانية - الفرنسية
1) من عصر الأنوار إلى حملة مصر .................................................139
2) حملة نابليون بونبارت على مصر ..................................................145
3) معاهدة عام 1798 ونتائجها .......................................................155

القسم الثالث : إعادة النظر بمعاهدة 1798 وظهور الوهابيين
1) المسألة الوهابية ...................................................................153

2) سعيد بن سلطان البوسعيدي (1806 - 1856 ) ...............................155


الفصل الخامس :
"ساحل عُمان " التاريخ المشترك (1750 - 1850 )
جلفار / "ساحل عُمان " .................................................................159
القسم الأول : تذكير تاريخي
1) القواسم .............................................................................. 160
2) رأس الخيمة ومسقط................................................................ 161

القسم الثاني : الصراع بين القواسم وبريطانيا
1) المواجهات الأولى مع البريطانيين ....................................................165
2) حملتا 1816 و 1819 وسقوط رأس الخيمة ........................................170
3) المعاهدة العامة مع الشيوخ العرب (1820) ونتائجها ..............................172

القسم الثالث : تطور الأوضاع في عُمان و"ساحل عُمان " وصولاً إلى نظام المحميات
1) تطور الأوضاع في عُمان ................................................................ 175
2) تطور الأوضاع في " ساحل عُمان" .....................................................177

(أ) معاهدة السلام البحري الدائم عام 1853 ...............................................178
(ب) التعهد المتعلق بالتخلي عن أراضٍ لعام 1892 ......................................179


خاتمة الجزء الأول
181

الباب الثاني
التحدي الاستعماري والإجابة الإمامية :
من تفكيك الإمبراطورية العمانية إلى العصر الحديث

مدخل إلى الباب الثاني
185

الفصل السادس
الدولة العُمانية - الإفريقية(1650 - 1860 )
سلطنة عُمان وزنجبار ..............................................................187

القسم الأول : الصلات العُمانية - الإفريقية حتى نهاية القرن الثامن عشر
1) فترة سعيد بن سلطان ...........................................................191
2) العلاقات العُمانية - الفرنسية - البريطانية ....................................192
3) مشكلة تجارة الرقيق ...........................................................197

القسم الثاني : من انفصال زنجبار إلى إعلان 1862 الفرنسي - الإنكليزي
1) " التحكيم " تقرير الجنرال كوغلان ونتائجه .............................. 204
2) إعلان 1862 الفرنسي - الإنكليزي ...................................... 207

الفصل السابع
ثورة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (1869 - 1871)
عُمان بعد انفصال زنجبار ......................................................209

القسم الأول : التطورات الجديدة للسياسة البريطانية
1) ثويني بن سعيد (1856 - 1866 ) .......................................211
2) سالم بن ثويني (1866 - 1868) .........................................215

القسم الثاني : ثورة عزان بن قيس (1869 - 1871 ) :
1) النهضة الإباضية ............................................................216
2) تشكيل الحكومة .............................................................220
3) من برنامج الحكومة إلى المراحل الأولى للنهضة ........................221
4) قضية واحة البريمي .......................................................223
5) الإمامة وبريطانيا : العلاقات الخارجية ...................................224
6) الإعتراف البريطاني والقضية الوهابية .................................226

القسم الثالث : منعطف 1870 وسقوط الإمامة
1) تأملات حول سقوط الإمامة ..............................................234
2) تركي بن سعيد (1871 - 1888) .....................................236

الفصل الثامن
عُمان بين الاستقلال والتبعية
السلطان فيصل بن تركي (1888- 1913) ...............................241

القسم الأول : مأزق فيصل
1) تقرير أوتافي
( ........................................ -1894- (Ottavi243

2) الوضع الداخلي ...............................................................244
3) تعويض زنجبار ..............................................................247
4) التعهد الخاص بالتخلي عن الأراضي (1891) ...........................248

القسم الثاني : أزمة مسقط :
1) سياسة العنف ................................................................256
2) قضية الأعلام الفرنسة ......................................................260
3) محكمة لاهاي ...................................................................263
4) فيصل ومسألة التنحّي ...........................................................267

الفصل التاسع
سلطنة مسقط وإمامة عُمان :
ثورة 1913 - 1920 ...............................................................271

القسم الأول : " البحيرة البريطانية " وتحدي الحركة الإباضية :
1) حركة النهضة العُمانية ...........................................................275
2) إمامة سالم بن راشد الخروصي (1913-1919) .............................277
3) الحرب العالمية الأولى : الإمامة على المحك ...................................283

4) الاستراتيجية البريطانية الجديدة ..................................................286

القسم الثاني : إمامة محمد بن عبدالله الخليلي (1919 - 1954 ) :
1) معاهدة السيب (1920) ............................................................292
2) نص معاهدة السيب .................................................................295
3) تنازل السلطان تيمور بن فيصل وانعزال الإمامة .................................298


الفصل العاشر
ثورة 1955 - 1964 نحو نهاية التقسيم الاستعماري والفوضى :
نهاية النظام الإمامي ...................................................................309

القسم الأول : البريمي : النزاع النفطي ونتائجه :
1) ثورة 1955 - 1964 .............................................................312
2) النضال السياسي : الجامعة العربية ................................................315
3) الأمم المتحدة ........................................................................320
4) بريطانيا والولايات المتحدة : من الحرب المقنّعة إلى إقتسام النفوذ
(1956 - 1957 ) ................................................................... 323

القسم الثاني : حوار الهوية والشرعية
1) اللجنة الخاصة بعُمان ( 1963 - 1964) .........................................328
2) من عُمان ( القرون الوسطى ) إلى المستقبل .......................................336

خاتمة الباب الثاني
341
الخاتمة العامة
345