سلطنة عمان


وزارة التراث القومي والثقافة


السير والجوابات
لعلماء وأئمة عُمان

الجزء الأول


تحقيق وشرح

الأستاذة الدكتورة
سيده إسماعيل كاشف

أستاذة التاريخ الإسلامي
كلية البنات - جامعة عين شمس


القاهرة

1406 هـ - 1986 م











بسم الله الرحمن الرحيم


تقديم

بقلم حضرة صاحب المعالي سمو السيد فيصل بن علي بن فيصل وزير التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان :
إنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن تشمل النهضة الحالية في عُمان حركة إحياء التراث العُماني ونشره نشراً علمياً .
ومخطوط ( السيَّر والجوابات لعلماء وأئمة عُمان ) الذي نقدمه للقارئ والباحث العُماني ولقراء العالم أجمع ، يُفصح عن الكثير من جوانب الحضارة العمانية الإسلامية الزاهرة كما يثبت ويدوّن تاريخها الإسلامي العظيم .


دوّن هذا التاريخ أئمة وعلماء عُمان من القرن الأول إلى القرن السادس الهجري ( السابع إلى الثاني عشر الميلادي ) وذكروا أنهم يريدون أن يفيد منها الأعقاب والذرية كما أفادوا هم من أسلافهم .
ونحن إذ نقدم للعالم اليوم تاريخنا الصحيح الذي دوّنه أبناء عُمان أنفسهم من خلال السيَّر والجوابات ، نحرص أشد الحرص على ربط ماضينا العريق بحاضرنا المتطور الناهض وأن نستمد من تراثنا المجيد ما يجعلنا ننهض بمسؤليتنا الجسيمة في عصرنا الحاضر وفي مستقبلنا الزاهر إن شاء الله .
وإننا نسأل المولى عز وجل التقدم والإزدهار لعُمان الحبيب في ظل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله .

فيصل بن علي بن فيصل
وزير التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان







بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء
وسيد المرسلين وعلى عباده الذين أصطفى

مقدمة
بقلم الأستاذة الدكتورة
سيدة إسماعيل كاشف

عُمـان قطر عربي أصيل له جذور ممتـدة في أعماق التاريخ قـبل الإسلام بآلاف السنين .
وازدهرت عُمان ازدهاراً كبيراً في ظل الإسلام وقامت عمان بنشر الإسلام والحضارة الإسلامية في أجزاء متفرقة ونائية في المعمورة بفضل أئمتها وعلمائها وتجارها وعامة شعبها .


وتراث عمان الإسلامي ضخم ووفير ومتنوع ، وهو في مجموعه يعبر عن صفحة مشرقة ناصعة ، ومشرّفة في تاريخ العروبة والإسلام .
وهذه السِّير والجوابات التي نقوم بنشرها كتبها أئمة وعلماء عمانيون وأباضيون في فترة تبدأ منذ أوائل العصر الإسلامي ، أي منذ القرن الأول الهجري ، إلى القرن السادس الهجري . والسير منسوبة إلى كتّابها وأحياناً لا تنسب لأحد لعدم معرفة أسماء كاتبيها .
ووجدنا من خلال بعض هذه السير أن فريقا من العلماء والفقهاء لا يصرحون بأسمائهم ولا بالأماكن التي يقيمون فيها ، وربما يرجع ذلك إلى ظروف سياسية وحربية معينة كانت تملي عليهم تعمد إخفاء الاسم والمكان .
كذلك وجدنا أن السير - كما جمعت في المخطوط - لم ترتب ترتيباً تاريخياً زمنياً .
***
وتعنى هذه السِّير ما روي عن الأئمة والعلماء العُمانيين خاصة والأباضية عامة ، من قول وفعل ؛ فمن رواية للأحداث التاريخية ، أو الحروب في سبيل الاستقلال عن الدول المستبدة والحكام المستبدين ، أو المعاملات الاقتصاديةوالسياسية ، أو تقرير لمبادئ وقواعد دينية ، أو شرح للعقيدة والأحكام الإسلامية ، أو بحث وتفسير قيام الخلافة والإمامة وحقوق الأئمة وواجباتهم ، أو بيان مفصل للجهاد وأحكامه . كذلك

نجد فيها تفصيلا دقيقاً لمعاملة المسلمين لأهل الذمة وللمشركين ، إلى غير ذلك مما يسجل تاريخ شعب أولا بأول .
وأما الجوابات فهي ردود على الاستفسارات التي كان يرسلها المسلمون إلى الأئمة والعلماء الأباضية والعمانيين ، عن حقيقة المذهب الأباضي ، وعن العقيدة الإسلامية ، وعن التوحيد ، وعن المعاملات ، وعن الجهاد ، إلى غير ذلك من مسائل الدين وأمور السياسة والحرب ، ومشكلات الاقتصاد ، وشؤون السياسة الخارجية ، والمعاملات المختلفة في الحياة .. ولا تتضمن هذه السير والجوابات ، رسائل الأئمة والعلماء إلى من لا يصل مرتبتهم في السياسة والعلم والمسؤولية أو إلى مَنْ هم دونهم في مستوى الفكر والعلم فقط ، وإنما تتضمن كتابات بين العلماء فيما بينهم لتفسير مسائل معينة ولتبادل الرأي مثل سيرة من أبي المؤثر الصلت بن خميس إلى أبي جابر محمد بن جعفر . وهناك أيضاً سيرة الإمام عبدالله بن أباض إلى عبدالملك بن مروان ردَّاً على كتاب عبدالملك له .
وقد عنونت هذه السير في المخطوط باسم : ( كتاب في السيِّر والجوابات عن العلماء والأئمة رحمهم الله تعالى ) .
وقد ضمت هذه ( السير والجوابات ) في مجلد واحد في غلاف واحد مع مخطوط ( كتاب الجوهر المقتصر ) ومع مخطوط ( كتاب الإهتداء ) وصلة كتاب الإهتداء .

والمخطوط كله محفوظ في مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان تحت رقمين : الرقم العام 1854 ، الرقم الخاص 2 .
وقد بدأ مخطوط ( السير والجوابات ) بفهرس في صفحتي 195 - 196 في المخطوط . ثم جمعت ( السير والجوابات ) في المخطوط من صفحة 197 إلى نهاية صفحة 669 ، وهي آخر صفحات المخطوط أيضاً .
وعدد السيِّر التي وردت في هذا المخطوط 34 سيرة وقد رأينا تسهيلا للباحث وللقارئ أن نقسمها إلى جزأين : الجزء الأول ويبدأ من السيرة الأولى إلى نهاية السيرة الثامنة عشرة وذلك لإرتباط السير 16 و 17 و 18 بعضها مع بعض . ويبدأ الجزء الأول من صفحة 197 إلى صفحة 429 في المخطوط .
أما الجزء الثاني فيبدأ من السيرة التاسعة عشرة إلى نهاية السيرة الرابعة والثلاثين ، وهي التي تنتهي بها المخطوطة أيضاً .
وظاهر من المخطوطة أن هذه السير جمعت ، ولهذا كتب في فهرس المخطوطة في صفحة 195 : ( معرفة عدد ما جمع في هذا الكتاب من السير والجوابات عن العلماء والأئمة رحمهم الله ) .
ثم يقول مَنْ جمعها : ( أول ذلك كتاب الأحداث والصفات تأليف أبي المؤثر ) . وفي آخر الفهرس وفي صفحة 196 من المخطوطة ، نرى جامع هذه السيِّر ، أو غيره ،

يكتب عنواناً آخر لهذه السير أكثر تفصيلاً فيقول : ( كتاب سير الأئمة القائمين بالحق في الأمة الكاشفين لكل غمّة الذابين عن دينهم كل طخيا مدلهمة ، على أصول مذهب أهل الحق والإستقامة من الأباضية المحقة رحمهم الله تعالى ) .
وهناك ثلاث سير في آخر المخطوط لم تدرج في فهرس المخطوط : أولاها ، سيرة الإمام عبدالله بن أباض إلى عبدالملك بن مروان ( صفحة 613 - 623 في المخطوط ) .
والسيرة الثانية ، سيرة شبيب بن عطية العماني ( صفحة 623 - 646 في المخطوط ) ، ثم ينتهي المخطوط ( بكتاب الموازنة عن الشيخ العالم أبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة العماني البهلوي رحمه الله ) ، ( صفحة 646 إلى نهاية صفحة 669 ) وهي آخر صفحة في المخطوط .
ولم نتبين على وجه التحقيق مَنْ الذي قام بجمع هذه السير والجوابات ولا في أي عصر جمعت ، ولكننا لاحظنا أن الغالبية العظمى من هذه السير التي كتبت منذ القرن الثالث الهجري كتبها أئمة وعلماء عمانيون من الفرقة الرستاقية ، أي من هؤلاء الذين كانوا يستنكرون ما قام به موسى بن موسى ومَنْ معه ، من عزل الإمام الصلت بن مالك وتولية راشد بن النظر .

وهذا مما يدعونا إلى أن نرجح أن جامع هذه السير والجوابات ، هو نفسه مؤلف كتاب الجوهر المقتصر ، وكتاب الإهتداء ، والسير الملحقة بكتاب الإهتداء ، أعني العالم الفقيه أبا بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي النزواني .
وفي هذه السير والجوابات نجد أحياناً أكثر من سيرة أو كاتب للعالم الواحد ، وأحياناً نجد مشاركة العالم لغيره من العلماء في سيرة بعينها .
***
ومنهج الكتابة في هذه ( السير والجوابات ) منهج علمي يستند قبل كل شيء إلى القرآن الكريم ، وإلى الأحاديث النبوية الشريفة ، كما يستند إلى كافة الأصول والمصادر التاريخية .
ويتبع بعض كتاب هذه السير طريقة طرح الأسئلة وإعطاء أجوبتها .
***
وقد أراد كُتّاب هذه السير أن يفيد منها الأعقاب والذرية كما أفادوا هم من أسلافهم .
ووردت هذه الفكرة في عدة سير ، ومثال ذلك ما ذكره العالم العُماني الجليل ، منير بن النير الجعلاني في سيرته إلى الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي إمام عمان في فترة القرن الثاني الهجري وأوائل الثالث الهجري ( 192 - 207 هـ ) .

***
واهتم أصحاب ( السير والجوابات ) بشرح المذهب الأباضي ، وهم يؤكدون أن هذا المذهب هو الإسلام القائم على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وغالباً ما نقرأ في السير عبارة : ( نحن نتبع ولا نبتدع ) .
ويتضح من السير والجوابات أن العمانيين عملوا على إماتة كل بدعة خارجة على الإسلام .
والحق أن تاريخ عمان يبيّن أن الأباضية في عُمان وقفوا ضد الآراء الدخيلة على الإسلام ، وضد البدع ، وضد التطرف والغلو ، فلم يقبل العمانيون القول بخلّق القرآن الذي فرضه المأمون على العالم الإسلامي ، وتكاتفوا على الوقوف أمام المحنة بخلق القرآن ، ووقف أباضية عمان ضد القرامطة ، كما وقفوا ضد غلاة الخوارج ، وضد أصحاب الفرق والمذاهب الغالية .
ولم يكن وقوفهم ضد هذه البدع والنِّحل والفرق عن جهل أو عن تعصب وإنما كان عن تدين ووعي ودراسة وعلم .
وقد أمدنا التراث العُماني ، ما نشر منه وما لم ينشر بعد ، بعلماء درسوا الفرق المختلفة ، التي ظهرت في الإسلام ، وقبل الإسلام لدى الأمم والشعوب القديمة شرقاً وغرباً . وكانت دراسات أولئك العلماء العمانيين دراسات علمية جادة مستفيضة لم يكن

الكتاب المعاصرون يعلمون عنها شيئاً ، وإنما اكتفى المعاصرون بكتابات البغدادي والأشعري وابن حزم والشهرستاني وغيرهم من أصحاب الكتب المتداولة المعروفة .
ونكتفي هنا بالإشارة إلى أبي عبدالله بن سعيد الأزدي القلهاتي صاحب الكشف والبيان ، وإلى أبي بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي الأزدي صاحب الجوهر المقتصر ، وإلى ما كتبه الشيخ أبو الحسن في هذه السير التي نقوم بنشرها تحت عنوان ( أصل ما اختلفت فيه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم " صفحة 499 - 512 من مخطوط السير والجوابات ) ، وما كتبه أبو المؤثر الصلت بن خميس عن الفرق المختلفة ( صفحة 583 - 585 من مخطوط السير والجوابات ) ، وغير ذلك مما ورد في المصادر العمانية المختلفة .
***
وإن كان تاريخ عمان في العصر الإسلامي لم يحظ بعناية الكتاب والمؤرخين المعروفين مثل اليعقوبي والطبري والمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم ، فهذا أمر طبيعي لأن مثل هؤلاء المؤرخين - الذين وصلت إلينا مصنفاتهم منذ القرن الثالث الهجري - أرخوا للدول الحاكمة وللبلاد الخاضعة لها ، أو أنهم أرخوا لتاريخهم القومي مثل مؤرخي مصر الإسلامية والشام والمغرب .

ومن هنا كانت الأهمية البالغة للمصادر العمانية الإسلامية التي تكتب عن تاريخها القومي بيد أبنائها وعلمائها .
والمعروف أن كثيراً من المصادر العمانية من بينها كتب السِّير ، كانت معاصرة للأحداث التي ترويها ، علمية كانت أو دينية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أدبية ، فنية أو حربية ، فهي سجل لتاريخ عُمان في العصور الإسلامية المختلفة .
ونحن لا نبالغ إذ نشير إلى الأهمية القصوى لنشر المخطوطات العمانية ومن بينها السِّير العمانية ، فالعُمانيون أقدر من غيرهم على تسجيل تاريخهم ومواقفهم البطولية وجهادهم للحفاظ على استقلال عمان ، وعلى تسجيل وقوفهم ضد تيارات التطرف والبدع الغريبة على الإسلام ، وعلى مساندتهم للدول التي تقوم على أساس إسلامي خارج قطرهم والعمل على نشر الدين الحنيف مهما ناءت البلاد وقست الأجواء ، فأين تاريخ عمان من هذا الذي كتبه أعداؤهم أو ممن لا يعرف عنهم شيئاً أو ممن لا يهتم بتدوين تاريخهم ؟!! .
***
ومن خلال السِّير التي نقوم بنشرها ، تعرف أن الأباضية أو " المسلمين " كانوا يؤكدون على وَحْدة الدين وليس على وحدة العصبية القبلية ( صفحة 326 من مخطوط السِّير ) .
ولهذا كانت الصلة وثيقة بين عُمان وبين أباضية جميع العالم الإسلامي . وفي سيرة الشيخ محبوب بن الرحيل ، وهو من العلماء العمانيين في القرن الثاني الهجري ، يقول : " وكانت المحكّمة واحدا لو حكم رجل من المغرب تولاه من كان منهم بالمشرق ولو حكم بالمشرق تولاه من كان بالمغرب ... " ، ( صفحة 356 من مخطوط السير ) .

***
كذلك يتضح لنا من دراسة هذه السير أنه كان من واجب الأباضية أو " المسلمين " الدعوة خارج المصر إلى الدخول في دين الله ، كما نجد في سيرة محمد بن محبوب إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب ( صفحة 572 في مخطوط السِّير ) .
وظهر ذلك صراحة في سيرة الشيخ أبي المؤثر الصلت بن خميس ، فيقول : " فإن استطاعوا أن يتعدوا مصرهم إلى غيرهم وجب ذلك عليهم كلما قدروا عليه فليدعوا الناس إلى الدخول في دين الله والتسليم للعدل ... " ( صفحة 609 من المخطوط ) .
***
وقد فرق الأباضية بين " السائر والقاعد " ، أو بين الذين يقعدون عن الجهاد ، والذين يسيرون للجهاد ( صفحة 329 من مخطوط السير ) .

وتظهر مسألة " الدعوة والجهاد " في سيرهم المختلفة ، ففي سيرة محمد بن محبوب إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من المغرب ، يبيّن الواجب على " الدعاة السائرين في الأرض المجاهدين " . ( صفحة 579 من المخطوط ) .
وليس أبدع من وصف منير بن النير الجعلاني في القرن الثاني الهجري للشراة رجالا ونساء ، وفي سيرته للإمام العماني غسان بن عبدالله ( 192 - 207 هـ ) ، فقد وصفهم بأنهم " أنوار في الأرض " ، وأفاض في ذكر تمسكهم بالدين وجهادهم في الإسلام ، رجالا ونساء ، كما أعطانا صورة صادقة لمعيشتهم وسلوكهم في الحياة ، وتنظيم جيوشهم ، ومؤدبي ومعلمي أفراد تلك الجيوش ، والعطاء المخصص لكل فرد من المجاهدين والمجاهدات ، وتسابقهم في الإنفاق وفي دفع الزكاة ، ولم ينس أن يصف ملابسهم رجالا ونساء كما استشهد بأسماء بعض الأباضية إلى غير ذلك من التفاصيل الدقيقة ( صفحة 319 - 330 من المخطوط ) .
***
وإذا كان مؤرخو ديار الإسلام قد كتبوا عن الخلافة والإمامة مثلما فعل السيوطي في تاريخ الخلفاء ؛ وإذا كان الفقهاء قد درسوا الخلافة والإمامة مثلما كتب الماوردي في الأحكام السلطانية ؛ وإذا كان أصحاب كتب الفرق والنحل قد تعرضوا للكلام عن الخلافة والإمامة مثلما فعل عبدالقاهر البغدادي ، وابن حزم الأندلسي ، والشهرستاني ،


وغيرهم ؛ فإننا نجد في المخطوطات العمانية ؛ وفي كتاب السير الذي نقدمه للقراء والمؤرخين والباحثين العديد من الأبحاث عن الخلافة والإمامة .
وقد عنى الخوارج والأباضية بموضوع خلافة وإمامة المسلمين ، فهم أول مَنْ أعلن الخروج على خلافة عليّ بن أبي طالب بعد قبوله التحكيم وأعلنوا إمامة عبدالله بن وهب الراسبي في 10 شوال سنة 37 هـ .
وفي هذه " السير والجوابات " العديد من الأبحاث عن الإمامة : كيف يكون " تأميم " أو إختيار الإمام ، وكيف تكون صيغة عقد البيعة ، وأخلاق الإمام ، والشورى في إنتخابه ، وأثناء إمامته وواجبات الأئمة وحقوقهم تجاه الشعب . والأباضية يفرقون بين الإمام العالم وبين الإمام غير العالم ، بل إنه وردت في السيِّر " سيرة " بأكملها حول هذا الموضوع ( صفحة 412 - 420 من المخطوط ) ، وجاء في هذه السيرة للقاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى : " إنما المخافة على ضعيف لا يدري أنه ضعيف فيتأول الآثار على غير تأويلها ويعدل بها عن جهتها فيقتدي به من هو أضعف منه ويتبعه على خطئه فيصير الجهل عندهم علماً والباطل حقاً .... " .
ولا تجوز بيعة الإمام غير العالم إلا بشروط ؛ أما الوالي ، الذي هو دون الإمام ، فإذا لم يكن عالما ، فلا بد من وجود مشرف عالم إلى جانب الوالي الذي ليس له علم وبصر وفيه جلدة وقوة .

وحرص الأباضية على عدل الأئمة ونزاهتهم وأكدوا أنه يجب أن يختار الأئمة " الولاة للولاية ولا يختارون الولاية للولاة " ، وأنه يجب على الإمام أن يولي الحرب من يعرف سيرة الحرب في العدو ، وأن يولي الصدقات من يعرف عدلها ولا يأخذها إلا بحقها ويضعها في أهلها ، وأن يولي الحكم بين الناس من يحسن الحكم .
كذلك أكد الأباضية على أنه ليس للإمام حق في جباية صدقة أو جزية مَنْ لا يحميه .
وبينت السيّر موضوع استقالة الإمام أو إقالته ، وأنه لا يجوز قيام إمامين في القطر الواحد أو المصر الواحد ، وأنه لا يكون أمير مؤمنين واحد " حتى يملك أهل القبلة كما ملك أبو بكر وعمر " .
والواقع أن كُتاب " السيّر والجوابات " عرضوا لموضوع الإمامة عرضاً دقيقاً وافياً شاملاً ، من جميع نواحيه ، ووضح من السير إهتمام الأباضية بالإمامة فقد قالوا إن " الإمامة من الدين " و " لا أمان إلا للإمام ولا أمان دون الإمام " . كما ذهبوا إلى " أن الأئمة أمناء الله وخلفاؤه في أرضه " .
وكما وضح في السير الاهتمام بالأئمة ، وضح أيضاً الاهتمام بولاتهم وقضاتهم وببيان مصادر أحكامهم .

كذلك نقرأ في السيِّر موضوع نقل العلم ، وأحكام الأخبار والروايات واختلاف أحكامها ( صفحة 646 - 669 من المخطوط ) .
والحق أن ( كتاب السير والجوابات ) إلى جانب كافة التراث العماني لهو أصدق من يقدم للباحثين والمؤرخين ، تاريخ عمان ، وأصدق مَنْ ينفض الزيف ويكمل النقص الذي ارتبط بالتاريخ العماني إما للجهل بتاريخه أو لعدم الإكتراث به أو للتعصب الأعمى ضده .
***
أما مخطوط " كتاب السير والجوابات " فقد كتب بالخط النسخ العادي وإن اختلفت الخطوط أحياناً . ولم يكتب اسم الناسخ ، ولا تاريخ النسخ ، وإن كنا نجد في آخر المخطوط الذي ينتهي بكتاب الموازنة لأبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة العماني ، تاريخ النسخ ، وهو عشية الثلاثاء السابع من شهر جمادى الأولى 1009 هـ . ولعل هذا التاريخ مرتبط بالمخطوط كله الذي بين أيدينا ، أو بكتاب الموازنة لإبن بركة العماني .
وكتب في كل ورقة من المخطوط صفحة واحدة . وعرض الورقة 20,5 سنتيمترا وطولها 30 سنتيمترا تقريباً . أما المكتوب من كل صفحة فهو 13,5 سنتيمترا عرضاً


و 21,5 سنتيمترا طولا تقريبا ، وعدد الأسطر المكتوبة في كل صفحة 22 سطرا تقريبا ، وفي كل سطر حوالي 15 كلمة تقريباً .
وفي بعض الصفحات يترك الناسخ " بياضا " مكان ما وجده مطموساً في أصل المخطوط ، وقد أشرنا إلى ذلك في هوامشنا أسفل الصفحات ، واجتهدنا أحياناً أن نضع محلها ما يستقيم معه المعنى منوهين بذلك في هوامشنا ، ووجدنا أحياناً الكتابة باهتة جداّ لا تكاد تقرأ واجتهدنا أن نوضح مثل تلك الكتابة حسب سياق النص .
وأحياناً يضيف الناسخ بعض العبارات أو الكلمات أو الآيات القرآنية التي سقطت منه أثناء النسخ في يمين الصفحة أو في يسارها أو في أعلاها أو أسفلها .
وكثيراً ما نجد الناسخ يكتب حرف " ض " بدلا من " ظ " والعكس ، وقد أشرنا إلى بعضها في هوامشنا أسفل الصفحات .
كذلك أثبتنا أرقام بداية كل من صفحات المخطوط داخل مستطيل صغير في الكتاب المطبوع .
وبعد فإننا بذلنا أقصى الجهد لنشر هذا المخطوط نشراً علميا لينهل منه المؤرخون والعلماء والكتاب ما يساعدهم على تدوين تاريخ عمان وكتابته كتابة علمية صحيحة من واقع تاريخها الذي دونه علماؤها وأبناؤها في مختلف العصور والقرون .

ولا يفوتني أن أتقدم بشكري الخالص وتقديري العميق إلى حضرة صاحب المعالي سمو السيد فيصل بن علي بن فيصل وزير التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان ، الذي أتاح لي فرصة الإشتراك بجهدي العلمي لتحقيق ونشر هذا المخطوط وغيره من المخطوطات العمانية الثمينة . حفظه الله ووفقه في نشر التراث العماني العظيم في ظل ورعاية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله .

دكتورة : سيدة إسماعيل كاشف .
23 رمضان 1406 هـ
31 مايو 1986 م


(1)

كتاب الأحداث والصفات تأليف أبي المؤثر (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وسلام على عباده الذين اصطفى وعلى جميع من سلم الله عليه من أهل السموات والأرضين . إلى من بلغه كتابنا هذا من أهل الفهم والعقل سلام عليكم . أما بعد فإن المسلمين حجة الله في أرضه وحجته على عباده وعيونه في بلاده وأمناؤه بعد رسله على أممهم ، وأتباعهم حق والاقتداء بهديهم فريضة .
وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من بعد أن ذكر قصص النبيين قبله قال : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (2) . وليس الاقتداء بعامة من صلى وصام ، ولكن القدوة بأهل العلم بكتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو المؤثر : هو أبو المؤثر الصلت بن خميس ، من العلماء الذين زخرت بهم عمان . وهو من علماء القرن الثالث الهجري . حضر وفاة الإمام المهنأ بن جيفر واجتماع المسلمين للمشورة في بيعة الإمام الصلت بن مالك الخروصي . وقد امتلأت عمان في هذا القرن الثالث الهجري بالعلماء والفقهاء . وعاصر أبا المؤثر محمد بن علي القاضي ، وسليمان بن الحكم ، والوضاح بن عقبة ، ومحمد بن محبوب ، وزياد بن الوضاح ، وبشير بن منذر ، وزيادة بن مثوبة ، والمنذر بن بشير ، ورباط بن المنذر ، ومحمد بن أبي حذيفة ، وهاشم بن الجهم ، وعبيدالله بن الحكم ، وعلي بن صالح ، وعلي بن خالد ، والحسن بن هاشم ، والمعلى بن منير وغيرهم .
( انظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 123 - 124 )
(2) سورة الأنعام : آية : 90 .

وآثار السلف من أولي الأمر الذين حملهم الله الحكمة وجعلهم للناس أئمة يفرقون بين الحق والباطل بقول مشروح وباب مفتوح لا يلبسون الحق بالباطل ولا يكتمون الحق وهم يعلمون . يمضي على ذلك أولهم ويقفوهم على آثارهم آخرهم ليس بينهم فرقة ولا اختلاف ولا يدينون بالإرجاف (1) ولا بالاعتساف (2) ، حجتهم واضحة ودعوتهم شارحة ، فكلما مضى منهم قرن خلفهم بعدهم من هو في دونهم بالفقه والعلم ، إلا أن الديانة واحدة لا يستحل آخرهم شيئاً حرمه أولهم ، ولا يحرم منهم الخلف شيئاً أحله السلف وإن اختلفوا في الرأي في المسائل فليس بينهم اختلاف في الدين . وليّهم واحد وعدوهم واحد يتولى بعضهم بعضاً ، ويبرأ بعضهم من محدث على أمر واحد . ولربما وقف ضعفاء المسلمين من غير أن ينصبوا الوقوف ديناً . وهم مع ذلك يقولون قول المسلمين ودينهم دينهم ، على ذلك تبايعوا وتشايعوا وتواصلوا ولم يتقاطعوا ، إلى أن انتهى الأمر إلى قرن من أهل عمان فيهم بقية من أهل العلم والرأي والصلاح والحلم ، وكان المشهور فيهم يومئذ محمد بن علي القاضي ، وسليمان بن الحكم ، والوضاح بن الحكم ، والوضاح بن عقبة ، ومحمد بن محبوب ، وزياد بن الوضاح ، ومنهم أناس من أهل العلم والفضل وإن لم يبلغوا مبلغهم في العلم ، منهم بشير بن المنذر ، كان سيـداً من سـادات المسلميـن بعزمه وقــوته علـى الأمر بالمعروف والنهي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أرجف القوم : خاضوا في أخبار الفتن ونحوها .
(2) الاعتساف : الميل عن الطريق ، الظلم : ركوب الأمر بلا تدبر ولا روية .


عن المنكر ، وزياد بن مثوبة ، والمنذر بن بشير ، ورباط بن المنذر ، ومحمد بن أبي حذيفة ،وهاشم بن الجهم ، وعبيدالله بن الحكم ، وعلي بن صالح ، وعلي بن خالد ، والحسن بن هاشم ، منهم من شهد البيعة (1) ومنهم من غاب عنها ، ولم يعلم منهم خلاف عليهم ، إلا أن محمد بن علي وبشير بن المنذر ومحمد بن محبوب والمعلا بن منير وعبيدالله بن الحكم كانوا المقدمين في البيعة للصلت بن مالك رحمه الله مع من حضرهم من المسلمين . فبايعوا الصلت بن مالك رحمه الله وقدموه إماماً وسلم الناس لهم وسمعوا وأطاعوا . وسار بهم الصلت بن مالك رحمه الله بسيرة يعرفونها إلا ما قد يكون من الهفوة والزلة ، والمسلمون لا يغتنمون العثرة ولا يردون التوبة . وقد كان متماسكا وهو في ذلك دون من كان قبله من أهل الفضل من أئمة العدل ، والآخر دون الأول إلا أن المسلمين كانوا متمسكين بولايته يلون له إذا ولاهم ويعينونه إذا استعان بهم لا نعلمهم يعصونه ولا يتناهون عن معونته إلى أن مضوا لسبيلهم رحمة الله عليهم وتوفي عامتهم .
فإن ادعى مدع أن أحداً ممن سمّينا كان يبرأ من الصلت بن مالك قيل له لا ينبغي لنا
ــــــــــــــــــــــــ

(1) : يتكلم أبو المؤثر هنا عن بيعة الإمام الصلت بن مالك الخروصي التي تمت قبل غروب الشمس سنة عشر خلت من ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين وهو اليوم الذي توفي فيه الإمام المهنأ بن جيفر



أن نصدق لك إلا ببيّنة عدل تشهد به ولا تكون براءتهم في السريرة إلا بأمر يوضحون فيه كفره لمن سمع منهم البراءة
منه بحجة على من لم يطلع على ذلك ولم يتوضح معه . ولا يجب على الناس تكفيره إلا على ما لا يسعهم فيه ولاية من تولاه ممن علم مثل علمهم وإذا كان ذلك مستتراً لم يكن لمن برأ من الإمام على حدث اطلعه وعلمه منه لزمته مباينته فيه أن يكف عن ولاية أوليائه ممن يتولى الإمام دون أن يعرف منهم أنهم قد عرفوا مثل ما عرف من الإمام من معاينة أو شهادة بينة عادلة بتسمية الحدث بعينه فتولوه على حدثه المكفر له ، فحينئذ يستحقون البراءة . وهذا هو الحق والفريضة إلا أن يشهر حدث الإمام شهرة لا يسع أحداً أن يرده ويكون مما يلزم به اسم الكفر كما شهر حدث عثمان وعليّ وإصرارهما .
فإذا نزل الإمام في اشتهار الحدث الذي لا يسع المقام عليه بإصراره على حدثه بعد أن يعرض المسلمون التوبة عليه بالمنزلة التي لا يعذر أحد بردّ حدثه . ويكون من أنكره مستدلا على كذبه بالعيان باشتهار ظلم الإمام وكفره ، فإذا كان بتلك الحال لزم تكفير من تولاه على حدثه ذلك وتكفير من تولاه على إنكار منه بحدثه .
وذلك بيان الاشهار وعلم الظهور أن تجب البراءة من المنكر للحدث لرده للمعاين كنحوها من المتولي الراكب الحدث على الإقرار بحدثه المكفر له ، فافهموا هذا .
ثم خلف من بعدهم خلف قليل علمهم فجعل الصلت يولي ولاة يتوهق (1) بهم ويشكون
ــــــــــــــــــــــــ
يتوهق بهم : يسير بهم ، يحتمي بهم .




ويرتاب فيهم بعض المسلمين وينهونهم من غير أن يصح عليهم بيّنة عادلة فتقوم الحجة على الصلت وتلزمه اللائمة أن يعزلهم . وقد كان يولي ويعزل وينصح له ويقبل وربما دافع إذا لم تقم بينة على ما يستحقون به العزل فتلحقه بذلك اللائمة ، وهو مع ذلك لم تنقطع مع عامة المسلمين ولايته ولم يزل معهم إماماً ثابتة إمامته فيما علمنا إلا أن يكون أحد منهم اطلع على شيء لم يعلم ولم يشهد ، إلى أن برز موسى ابن موسى (1) ، فجعل يتكلم ويدعي أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يسمي بحدث منه ولا ذنب مكفر ولا حجة يقيمها على الإمام تعلمها العامة ، إلا أنه كان يطلب عزل بعض الولاة وعزل بعض الوزراء فيما ذكر لنا وعزل بعض المعدلين وأن يولي بعض الناس فيما ذكر لنا . وكان يقول فيما بلغنا أن الدولة في أيدي الفسقة ولا يسمي الذنب الذي به فسقوا ، وكان حقاً عليه أن يسمي ذنوبهم قبل أن يفسقهم ، وهم في ذلك يلقونه ويأتونه ويقرب مجالسهم إذا أتوه ولا يبعدهم حدثهم إن كان لهم حدث فيما يزعم ، وهو في ذلك خطيبهم يوم الجمعة يصلي الناس بخطبته ركعتين فلم يسأل عن ذلك . وقيل له لم كنت خطيباً لهم يصلي الناس بخطبتك ركعتين ؟! قال : قد كان المسلمون يصلون الجمعة خلف الجبابرة !! فهذا خطأ منه وجهل بآثار المسلمين لأن المسلمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

موسى بن موسى : من علماء عمان في القرن الثالث الهجري . ولعب دورا كبيرا في الأحداث السياسية . وكان ممن اشترك في عزل الإمام الصلت بن مالك 272 هـ وتولية راشد بن النظر . ثم اشترك في عزل راشد بن النظر 277 هـ وتولية عزان بن تميم الخروصي إماماً ، ثم وقعت الوحشة بين عزان بن تميم وبين موسى بن موسى ، وخاف عزان أن يفعل به موسى كما فعل بمن قبله من الأئمة فكلف من قتل موسى في إزكي سنة 278 هـ .


لم يختلفوا في أن صلاة الظهر يوم الجمعة مع غير أئمة العدل أربع ركعات إلا في الأمصار الممصرة (1) ، وإنما صلى المسلمون الجمعة مع الجبابرة في الأمصار الممصرة وأما غيرها فلا . فهذا من جهله بآثار المسلمين وضعف علمه مع أن المسلمين لم يكونوا خطباء الظلمة ولا أعواناً ولا يتولون أعوانهم . فإن قال قائل إنما تولينا أعوان الصلت لأن أحداثه لم تشهر ولم يعلموا منه مثل ما علمنا ، فقد ألزم نفسه من حيث لا يشعر لأن المسلمين كانوا إذا عرفوا من الأئمة أحداثاً مستترة يخافون إن أشهروها وقع الاختلاف ستروا ما علموا وبرءوا في السريرة ولم يكلفوا المسلمين علم ما وسعهم جهله ، وتولوا الصالحين من أعوانهم إذا لم يعلموا منهم مثل ما علموا ، ولم يسارعوا في معونتهم ، وإذا صلوا الجمعة معهم ركعتين أعادوها أربعاً . على هذا أدركنا أشياخنا وأهل الفقه من أسلافنا ففعل موسى خلافهم معتذراً بغير عذر .

ثم جعل رعاع الناس الذين لا يعقلون ولا يفقهون قوله ، منهم أهل فتنة يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، ومنهم أهل طمع بدولة ينالون منها أكلة ، ومنهم أهل إحنة (2) ، ومنم أهل تنسل (3) لا علم لهم ، يحبون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقصد بالأمصار الممصرة : المدن التي أنشأها العرب في البلدان التي فتحوها مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان .
(2) أهل إحنة : أهل حقد .
(3) أهل تنسل : أهل تسرع .


ولا يعرفون المعروف ما هو والمنكر ما هو !! وفيهم من قد حسمه الإمام (1) بكلمة لو قيلت في غيره لم يعبأ بها فلما قيلت له أسرها في نفسه عداوة ، ومنهم ناس من الصالحين لهم فهم ومعرفة رجوا أن تؤتى الأمور من جهتها وتوضع النصيحة في موضعها فكثر على ذلك جمعه وعظمت حلقته ، ثم جعل يخطب ويتكلم ويسب ويشتم ولا يسمي حدثاً ولا ذنباً بعينه . فإذا أتاه بعض الذين يشتمهم ويفسقهم قربهم وأدنى مجالسهم وفي ذلك ارتياب من فعله للغافلين ، وكان يسميهم العيارين ويقول ، لأبعثن عليهم من أهل عمان رجالا يعكسون أدبارهم . فليس هذا من كلام الحكماء ولا من نصائح العلماء ، وكان من أولى به أن يسمي ذنوبهم قبل أن يفسقهم ويشتمهم . وجعل أهل الدنيا والأطماع والإحن يستولون عليه ويتقربون منه ، وجعل الصالحون يبتعدون عنه إلا قليلا .

فلما سمع القوم منه ما سمعوا استوحشوا منه ولم يستأنسوا بصحبته وفي ذلك ينصرف ويكر عليهم ، فلما بلغ الكتاب أجله وأراد الله تنفيذ ما سبق به علمه من ابتلاء أهل عمان كما قد ابتلى غيرهم ليرى الصادق في حال صدقه والكاذب في حال كذبه والعالم في حال علمه والجاهل في حال جهله ، وهو العالم بالأمور قبل كونها ، فكان من قدره أن أراد موسى الإنصراف وقد تقدم منه إلى أصحاب الإمام الشتم والوعيد ما أوحشهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حسمه الإمام : منعه الإمام .


، فسار وسار أخلاط الناس معه وأكثرهم لا يعقلون وكان طريقه في العسكر فخافوا منه وظنوا أنه يريدهم ، فقاموا في العسكر بالأسلحة مشهرين إلى أن سار بمن معه من طغام الناس (1) ، فتجاوزوا العسكر ولم يكن من الفريقين إلّا خير ودفع الله الشرّ وكف الناس ، فاتخذوا هذا حجة على الإمام .
وحدثنا الثقة أن الإمام كان في بيته لم يعلم بشيء من هذا إلا من بعد ، وأصحاب الإمام في هذا بين عذر وملامة ، يلومهم اللائم لما شهروا من السلاح وبارزوا الرجال متجاوزاً عنهم ، ويعذرهم من عذر لقد سمعوا من الشتم والوعيد وخافوا أن يعاجلهم بالحدث قبل الحجة . فقد كان هذا قريباً مما بلغنا أن نفراً من المسلمين دخلوا إلى موسى فقالوا ، لا نجيبك إلى ما تريد حتى تحتج على الإمام ، ثم انطلقوا فدخلوا على الإمام فكلموه ، فقال لهم : أنا تبع للمسلمين ما احتج على به المسلمون أجبتهم إليه ،

فقبلوا منه . ثم انصرفوا من عنده إلى موسى فأخبروه ، فقال لهم : ما أنتم فاعلون ؟ قالوا : قد قبلنا منه . قال لهم موسى : وأنا قد قبلت أيضا . هكذا فيما أخبرنا الثقة ، وكل هذا ولا أعلمهم يسمون للصلت ذنباً بعينه يقفونه عليه ويستتيبونه منه ، غير أنهم يطلبون إليه عزل والياً ويعزل أميناً ويعزل كاتباً . وكان من أشنع ما يعيبون من الولاة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طغام الناس : أوغاد الناس .


، محمد بن فيض ، فعزله الإمام عن سوق صحار (1) وولاه جرفار (2) ، وكان ذلك من علم موسى بن موسى فلم ينكر ولايته ولم يعدَّها من المعايب إلى أن كتب إلى موسى من كتب يعاتبه في ذلك فكان جوابه : إني لم آمر بولايته ولا أنكرت . فمن لم ينكر فقد رضي ، إلى أن جعل يكاتب أهل الدنيا وأهل الأطماع وأهل الإحن ، ومن قد حسمته (3) كلمة فأسرها حنة (4) ، ومن قد جرى عليه حكم فأسره ظلما . وكان أقوى من طمع فهم بن وارث ، وهو كان رأس الفتنة ومدد البغي فيها . ذكر لنا أن سفيهاً ممن كان يتقرب من موسى يوقعون في الكتب إلى فهم يوهمونه ويطمعونه بالإمامة ، وكان غير رشيد ولا حميد فخرج معه السفيه عبيدالله بن سعيد ، فسار بناس من اليحمد (5) منهم طغام لا يعرفون حقا من باطل ، ومنهم من يتحرى الحق ويظن

أن الأمر يؤتى من جهته ، فساروا بأخلاط الناس والرعاع سراعاً إلى الفتنة ينساقون لـسـائقـهـم وينقـادون لـقـائـدهم لا يسألـون عن حـق ولا ينكـرون الباطــل إلى أن بـلغوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحار : مدينة ساحلية في عمان في منطقة الظاهرة بين صحم والعوهي ، وتنسب إلى صحار بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام .
(2) جرفار أو جلفار : هي الآن إمارة رأس الخيمة التي تقع في أقصى المنطقة الشمالية لإمارة الشارقة في دولة الإمارات العربية .
(3) حسمته كلمة : قطعته ، منعته .
(4) حنة : صد ، صرف ، خطأ .
(5) اليحمد : من قبائل الأزد اليمنية في عمان .



إزكي (1) فأخذوا فيما بلغنا حبا كان جمعه والي إزكي ووالي مطي من الصدقة فيما ذكر لنا فأنفقوه على جيشهم . فإن يكن صلت معهم إماماً لم تزل إمامته وإنما ساروا إليه ناصحين فقد حرم عليهم غلوله (2) وأخذ ما جمعه ولاته .
فقد خرج المرداس (3) رحمه الله على عبيد الله (4) بن زياد الفاسق ، فمر بالمرداس مال للسلطان فلم يستحل أخذه إلا من كان له عطاء من أصحابه ، فقد أمرهم بأخذ أعطياتهم ، ثم خزن المال وسلمه إلى من كان في يده . فقيل إنهم وزنوه فما نقص منه شيء إلا ما أخذ منه أصحاب المرداس من أعطياتهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إزكي : من أهم المدن العمانية في المنطقة الداخلية .
(2) سرقته .
(3) هو أبو بلال مرداس بن أدية . وقد ذكر الطبري أنه خرج على عبيدالله بن زياد ، والي البصرة من قبل معاوية بن أبي سفيان ، انتقاما لمقتل أخيه عروة بن أدية . وذكر الطبري أن مرداس بن أدية خرج إلى الأهواز في أربعين رجلا من الخوارج فبعث إليهم عبيدالله بن زياد ألفي رجل على رأسهم ابن حصن التميمي فهزمته الخوارج ، فقال شاعرهم :
أألفا مؤمن منكم زعمتم = ويقتلهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم = ولكن الخوارج مؤمنونا
هي الفئة القليلة قد علمتم = على الفئة الكثيرة ينصرونا
( أنظر الطبري : تاريخ الأمم والملوك . ج 6 ص 174 - طبعة المطبعة الحسينية بالقاهرة )
(4) كتب في المخطوط : عبدالله بن زياد .


فقد استحل موسى وأصحابه من الصلت ما لم يستحل المرداس من عبيدالله بن زياد . فإن زعم موسى أنه منع المرداس من أخذ المال أن أصله كان حراماً لأنه من جمع الجبابرة ، فمن جهل موسى على المرداس كيف يستحل المرداس أن يأمر أصحابه أن يأخذوا أعطياتهم من مال حرام ، ولو كان لهم ديون عليه ما استحلوا أخذ ديونهم من المال الحرام ، بل كان حلالا ، وما أخذوا عطاءهم إلا من الحلال ، وهم كانوا أيسر ورعاً وأكثر علماً ، ومن عابهم فهو أولى بالعيب منهم ، ما كانوا يستحلون غصب مال السلطان ولا غيره ، وهذا من خطأ موسى وأصحابه .
ولو كان لموسى علم بآثار المسلمين وبصر بسيرتهم لم يستحل ما قد استحله . فإن زعم أن الوالي أعطاهم إياه فما كان جائزاً للوالي . وهل يجيزون هم اليوم لبعض ولاتهم يعطي جبايته ثمرة قرية ؟!! لو فعل ذلك لعسى أن يعاقبوه ويعاقبوا مَنْ أعطاه ، لأنه لا يجوز لوالي الإمام يدي بطاعته يقوى بما في يده من مال الله من خرج محارباً

للإمام ، ولكن هذا الجهل وقلة العلم . فإن زعموا أن الصلت لم يكن إماماً لهم ، يحل لهم أخذ ما جمعه ولاته وهم في محاربته ، كما لم يستحل المرداس أخذ مال السلطان .
ثم ساروا حتى نزلوا فرقاً قريباً من عسكر الإمام بمقدار فرسخ (2) أو نحو ذلك ، ثم أمر بهم الأعراب وأهل الجفا وأصحاب الحنات (3) ، وأكثر الناس يسرعون إلى الفتنة وناس من ضعاف الناس لا يعرفون الحق من الباطل ، فلما خذل الصلت واجتمع عليه أخلاط الناس إلا بقية بقيت معه في العسكر وهم الأقل ، خرج الصلت من دار الإمامة فتنحى عنـها إلـى مـنزل قـريب مـنها ، وظن مَن بقـي من المسلمين أن موسى لا يعجل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفرق : من أعمال نزوى في عمان ، ولد فيها أبو الشعثاء جابر بن زيد ، ولا يزال قبر ابنته الشعثاء معروفا في الفرق إلى الآن .
(2) الفرسخ : ثلاثة أميال .
(3) أصحاب الحنات : أصحاب الأخطاء .


وأنه سيأتي إلى موضع الإمامة ويجمع المسلمين ويشاورهم فـي الأمر وينظرون فـي حدث الصلت ويحتجون عليه ، فإن كانت له ذنوب وقفوه عليها وسألوه على ما اعتزل وتبرأ من الإمامة ، أمن ضعف ؟! أم من إصرار على ذنب ؟! أم تحول من دار إلى دار انتظاراً منه لرأي المسلمين ؟! فلم يفعل موسى شيئاً من هذا إلى أن أرسل إلى راشد بن النظر فبايعه على غير مشورة من المسلمين ، وما حضره يومئذ أحد ممن يثق هو به لفتيا مسألة إلا من شاء الله . وقد كان - فيما بلغنا - بعضهم كارهاً لفعله مشيراً بغير ما فعل ، ولكن غلبتهم الكثرة .


وكان ساعد موسى ، فهم بن وارث وعبيدالله بن سعيد ، وهما غير أمينين ولا رشيدين ، فأما فهم بن وارث فقد كان ابنه أحدث حدثاً ،اتهم أنه كابر جارية بكراً على نفسها حتى استجارت منه فيما ذكر لنا بغلامه ، فامتنع وما تعوطي منه حق فيما بلغنا . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله ) .

وأما عبيد الله بن سعيد فسفيه جاف بين السيئات في رأسه ، قبيح أن يكون في جيش المسلمين مثله ، قريب من الفتنة ، جاهل بالسنّة ، وهو رئيس معهم كبير ، فبايعوا لراشد في غير موضع البيعة وعقدوا له في غير موضع عقد الإمامة ، والله أعلم كيف
كانت بيعتهم ، أحسنوا عقدها أم لا ؟! ثم ساروا به حتى أنزلوه دار الإمامة وقبض خزائن المسلمين وأنفق الأموال . فأما أهل الفقه والعلم فيحتجون أنهم لم يرضوا ولم
يروا عدل ما فعل فغلبهم (1) الناس فقهروهم ، وبعض تحير ووقف ثم احتج باعتزال الصلت لا بحدثه ، ثم أرسلوا إلى خاتم الإمامة فأخذوه منه . فإن يكن الصلت اعتزل

متبرئاً بلا مخافة وسلم الأمر طائعاً بلا تقيّة فقد انخلع من إمامته . فقد أخطأ إذا إعتزل بلا مشورة من المسلمين وبراءة منه إليهم حتى يقبلوا ذلك منه أم لا يقبلوا ، لأن المسلمين قد اختلفوا في هذا بالرأي لا بالديانة .



ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتب في المخطوط " فغلبوهم الناس " .


فمنهم من يقول ليس للإمام الشاري (1) أن يعتزل إلا أن يتغير عقله فلا يعقل ، أو يتغير سمعه فلا يسمع ، أو يذهب بصره فلا يبصر ، أو يذهب لسانه فلا يتكلم ، فحينئذ يسعه أن يعتزل وليس للمسلمين أن يعزلوه إلا بحد يصيبه فلا بد أن يقيموا عليه إماماً غيره ، أو بذنب مكفر ليسموه بعينه شاهراً في البلد الذي هو فيه مع عامة المسلمين فيحتجوا عليه ، فإذا أصرّ ولم يتب حل عزله ومحاربته وقتله إن قاتلهم كما فعل

المسلمون بعثمان ، سموا بحدثه وتنادوا به في وجهه قبل محاربته . فلم يفعل موسى شيئاً من ذلك . وقد قال بعض المسلمين إن للإمام أن يعتزل إذا ضعف عن الأحكام وعن محاربة العدو ، وللمسلمين أن يستبدلوا به من هو أقوى منه من غير أن تزول ولايته .
فلما أقاموا راشداً إماماً ، أثبت ولاة الصلت في مواضعهم ، منهم من كانوا يطعنون عليه وينكرون ولايته ، ومنهم من لم يكن يطعن عليهم ، ولم يعزلوا منهم إلا قليلا ، منهم من عزلوه ومنهم من عزل نفسه من غير أن يعزلوه . واستعانوا بأعوان الصلت
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإمام الشاري : هو الذي يبايع على طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الجهاد في سبيل الله وأن عليه ما على الشراة الصادقين . وقد سمى الأباضية أنفسهم ( الشراة ) من الآية القرآنية الكريمة : ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) . سورة التوبة آية 111 .
وقوّدوا قواده ، منهم الحواري بن بركة ، بعثه الصلت قائداً إلى والي سمايل (1) ليمنعه منهم في مسيرهم إلى الصلت ، فلما ظهروا استعانوا على الصلت بحواري بن بركة على ما كان يستعين عليه الصلت ، ولوه على الماشية وجعلوه قائداً . ومنهم الحسين بن سعيد ، كان وفداً للصلت إليهم وحجة له عليهم فيما بلغنا ، فلما ظهروا عزلوه عن الرستاق (2) وولوه جرفار اختياراً منهم له وثقة منهم به بلا توبة .

فلما ولو الأمر لم يظهروا للصلت ذنباً ، ولم يعنفوا له حكماً أو وجدوا له مظلمة فيردوها ، فإن يكن ظالما فقد ظلموا إذ لم يردّوا المظالم ، وإن يكن بريئاً فقد كفروا ببغيهم عليه ومسيرهم إليه .
وقد قال الله تبارك وتعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) (3) .
وإن يكن الصلت كافراً فقد كفروا بوطئهم أثره واستعانتهم أعوانه . وإن قالوا قد كان المسلمون يبرءون من بعض الأئمة ويتولون ولاته ، قيل لهم نعم وليس على ما فعلتم ، إنما كان الإمام يحدث حدثاً لا يعلمه إلا الخواص من المسلمين فينزلون الإمام منزلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سمايل أو سمائل : مدينة هامة من مدن عمان .
(2) الرستاق : مدينة عمانية في منطقة الحجر الغربي . تقع على ارتفاع 800 قدم .
(3) سورة الأحزاب : آية 58 .


الحدث ويتولون من تولاه من أعوانه من المسلمين إذا لم يعلموا منه مثل ما علموا .
وأما مثل ما (1) فعلتم أنتم ، خرجتم عليه وسرتم إليه محاربين فلما أخرجتموه بالقهر والغلبة وأنتم ولاته فبئس الولاة هؤلاء الولاة ، إن يكونوا ظالمين للصلت فما ينبغي أن يلوا لكم ولا يتولوكم وهم يتولون الصلت وكانوا له عمالا . وإن يكن الصلت هو الظالم وخرجتم أنتم عليه من بعد ما ظهر ظلمه فما ينبغي لكم أن تتولوا ولاته ولا تستعملوهم


على شيء من أمركم . فإن زعموا أن المسلمين قتلوا عثمان ثم أثبتوا بعض ولاته على مواضعهم ، منهم أبو موسى الأشعري أثبته المسلمون (2) على الكوفة ، قيل لهم أخطأتم على المسلمين وجهلتم سيرتهم ، إن المسلمين لما قتلوا عثمان استتابوا الناس من ولايته ، فمن هنالك استحل المسلمون استعمال مَنْ تاب ورجع إلى الحق . ولقد كان ناس من أصحاب عثمان الذي كان المسلمون يطعنون عليهم ، ما لبثوا في المدينة بعد قتل عثمان ، ولقد خرجوا طرداً شرداً حتى لحقوا بمكة وخرجوا منها إلى البصرة مع طلحة والزبير ، ثم لحقوا بمعاوية بعد وقعة الجمل منهم الوليد بن عقبة ، ومروان بن الحكم فيما بلغنا . ولقد بلغنا أن المغيرة بن شعبة كلم عليا في أن يثبت معاوية على الشام رجاء طاعته ، فأبى عليّ ذلك وقال : ( وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) " ما " : زيادة من عندنا .
(2) " المسلمون " : زيادة من عندنا .
(3) سورة الكهف : آية 51 .


فإن الصلت سبيله سبيل عثمان حيث استعانوا بأعوانه بغير توبة ، ولقد كان المسلمون يستتيبون عثمان من الذنب فيتوب ثم ينكثه فيقع فيما هو أعظم منه ، وكان دأبه ذلك حتى ختم عمله بأسره .

فهؤلاء الخارجون على الصلت ما أوقفوه على ذنب ولا استتابوه ويسمونه كاذباً ومخلفاً ، ولا يسمون كذبه ما هو ، فإن زعموا أنه قد أوعدنا أن يعزل والياً ثم لم يعزله فذلك خلفه . فإن الصلت يحتج فيما بلغنا أنه كان يجيبهم إلى عزل الوالي ويريد أن يعزله ثم ينظر فلا يرى لذلك البلد أصح من ذلك الوالي فلا يعزله ، فهذا ليس هو منه خلف وإنما هذا منه نظر منه . وهم اليوم يولون ولاة الصلت بن مالك ويولون ولاة كان يوليهم الصلت ثم تركهم ويولون ولاة كانوا يصحبون الصلت وهو خلعوا الصلت وعزلوه . فإن قالوا برئنا منه وعزلناه ، فقد لزمتهم الحجة إذ لم يسموا حدثه ولا ذنبه الذي برءوا به منه فيعلم ذلك العامة قبل خروجهم عليه كما فعل المسلمون بعثمان . فإن قالوا نحن اليوم نسمي حدثه الذي برئنا منه قيل لهم أخطأتم اليوم ولا تقبل شهادتكم لأنكم بمنزلة قوم قتلوا رجلاً ثم شهدوا عليه من بعد ما قتلوه بأنه كان قتل فلا تقبل شهادتهم ، ولو شهدوا عليه قبل أن يقتلوه لقبلت شهادتهم . فإن قالوا مال المسلمون قاتلوا أهل الشام وضللوهم حيث لم يقبلوا شهادتهم على عثمان ، قيل لهم جهلتم السنة واحتججتم بغير الحجة ، إن عثمان شاعت أحداثه في الأمصار قبل قتله بسنين ، فلم يخف على أهل الشام ولا غيرهم ، منها صلاة الظهر أربع ركعات بعرفات في مجتمع الحاج خلافا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها وسنّها قصراً صلى الله عليه وسلم ركعتين وأمر عتّاب بن أسيد حين ولاه على الحج أن يصلي ركعتين وكان عتاب من أهل مكة ، فقد عرف في الأمصار سنة

رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا خلاف عثمان للنبي صلى الله عليه وسلم . وقد آوى عثمان طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بن أبي العاص ، عصى عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله يقول : ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) (1) . فحق لإمام وجبت له النار أن لا يلي من أمور الناس شيئاً وإن كابر عزل أو قتل . وليس كمن دعا إلى مشاورة المسلمين فردّ موسى ذلك من بعد ما كان قبله ، فيما حدثنا الثقة ، وتفرد بالأمر وحده وأعانه على ذلك رعاع من الناس من لا علم لهم ولا معرفة بسنن الدين وسيرة المسلمين .
وإذا قيل لموسى إن عثمان أحدث كذا ، قال : ومن يعلم ذلك ؟! يريد أن يكذب المسلمين حين جهل سيرتهم ، وعلمنا ذلك والحمد لله من أخبار المسلمين فصدقناهم ووطئنا أثارهم . ومن الحجة على موسى حين جهل أحداث عثمان أن يقال له إن الذين أخبرونا عن اسم عثمان فثبتنا معرفته بأخبارهم وهم الذين أخبرونا بأحداثه ، فإن كذبناهم في خبرهم بإسمه فإذاً عثمان ولا أحداث . فإن قالوا إن الأمة قد أجمعت على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الجن ، آية 23 . وقد وردت بعض الأخطاء في المخطوط في هذه الآية .


معرفة عثمان قيل لهم إن الأمة لم تجهل أحداث عثمان ولكن تولاه من تولاه منهم على أنه معذور معهم فيما أحدث كذباً على الله وعلى كتابه لأن الله لم يخلف أحكامه ، لأن الله تبارك وتعالى لم يعذب عبداً على أمر ويرحم عبداً قد عمل به إلا على التوبة

والاستغفار . وإنما جهل موسى سنن المسلمين فراراً عن الحجة ، وقد بلغنا عنه أنه يقول : الغلبة هي الحجة . وقد عظمت خطيئته في هذا لأن الدين لا يعتبر بالدولة ، وقد دالت الجبابرة على المسلمين فقاتلوهم وهزموهم لتعظم أجور المؤمنين ويشتد غضب الله على الفاسقين . وقد قال الله تعالى : { يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } (1) .
فإن قال إن الصلت قد تبرأ من الإمامة وجددنا لراشد البيعة من حيث لا يعلم الناس ، فهذا هو الخطأ وأجهل الجهل ، ولأن الإمامة من الدين والدين لا يحكم ولا يكتم والإمامة لا تختلس ولا تغتصب . فإن قال قائل منهم فإنا نجد في بعض رأي المسلمين أنه لو أن رجلا من المسلمين قدم إماماً كان حقاً على المسلمين أن يجيزوا إمامته ، قلنا لهم ليس كل رأي شاذ معمولاً به ويترك ما اجتمع عليه فقهاء المسلمين وعلماؤهم .
إن الإمامة لا تكون إلا عن مشورة من علماء المسلمين ولو أن الإمام مات لكان جائزاً لمن حضر من فقهاء المسلمين أن يقدموا إماماً ولا ينظروا من غاب ، وكان حقّاً على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : آية : 21 .

من غاب أن يسلم لمن حضر من فقهاء المسلمين . فأما إذا كان إمام يعزل أو يحارب فليس إلا بمشورة من المسلمين من أهل المصر حتى يكونوا شهوداً عليه وحجة ، ثم يكون حقّاً على عامة المسلمين الرعية إتباعهم وتصديقهم .
فلم يفعل موسى بن موسى شيئاً من ذلك وزعم أنه لا حجة فيما بلغنا وقال الله : {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} (1) . وقال : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (2) .
قيل في التأويل ، والله لا يهدي القوم الظالمين للحجة ، لأن الظالم لا يلقى حجة ، فإن احتج بحجة الباطل غلبته حجة الحق ، وقال الله : {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (3) . وقال : {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} (4) ، بالحجة لا بالدولة وما بعث الله نبياً إلا بحجة ولا خرج خارج من المسلمين إلا بحجة بينة . فمن لم يقتد بكتاب الله ولـم يـكن على سنـة رسـول
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام : آية 83 .
(2) سورة البقرة : آية 258 .
(3) سورة الأنبياء : آية 18 .
(4) سورة الصف : آية 14 .


الله صلى الله عليه وسلم ولا سنن المسلمين فليس هو من المسلمين بإمام وإنما هو إمام البغاة . وليس الإمام في الدين من قص وخطب ودعا ورغب ، إنما الإمام في الدين من علم التأويل وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفقه سنن المسلمين وآثار أهل الفضل في الدين ، وقال الله : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } (1) .
قيل في التأويل في هذه الآية ، أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب أن يقوم المصلي يصلي على غير تقوى .
فلما ظهر موسى وراشد على عمان واستوليا على الأمر ، اتخذ راشد موسى قاضياً ، ولم يكن الناس يقولون إن موسى يطلب شيئاً لنفسه إلا ما شاء الله ، فتحققت التهمة عليه في طلب الدنيا . ثم أثبتوا ولاة الصلت على مواضعهم . منهم من كان يطعن عليه ، ومنهم من لم يكن يطعن (2) ولم يعزلوا منهم إلا الأقل ، ومنهم من اعتزل قبل
ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة : آية 177 .
(2) كتب في المخطوط : من يكلم يطعن .


أن يعزل . ووطئوا في ذلك أثره ، فإن يكن الصلت ظالماً فقد ظلموا (1) بوطئهم أثره واستعمالهم أصحابه على غير توبة . وقال راشد ، لم يكن رأى عزل أحد من ولاة الصلت ، فإن يكونوا غير مبرئين (2) فإنما بقي قدر شهرين ولم يكن له أن يولي أحداً من الخونة ساعة واحدة ، وقد أخطأ في هذه اللفظة ، وقد استعملهم إن كانوا عنده غير صالحين أكثر من ثلاثة أشهر على غير توبة . وإن يكن الصلت مؤمنا فقد كفروا ببغيهم عليه . وليس لهم والحمد لله روح أينما توجهوا ، فليس كما قال من لا علم له إن المسلمين يبرءون من الإمام ويتولون ولاته وهم لا يعلمون أن الولاة قد علموا منه مثل ما علموا هم منه . فمن روى هذا من المسلمين فقد أخطأ وجهل . وإنما كان ترخيص من المسلمين في ولاية عمال إمام يبرأ منه المسلمون من غير علم من عماله بما علم المسلمون منه . وذلك أن المسلمين يطلعون من الإمام على مكفرة مستترة ويخافون عند إظهارها الفرقة فبرءوا من الإمام وتولوا ولاته إذا لم يعلموا مثل ما علموا ، وأما إذا خرجوا عليه وحاربوه فلا يسعهم أن يظهروا محاربته حتى يظهروا أحداثه ويسموها (3) كما فعل المسلمون بعثمان فإذا قتلوه أو عزلوه استتابوا الناس من ولايته كما استتاب المسلـمون الناس من ولاية عثمـان مرتيـن بعد قتلـه ، وبعد وقعـة الجـمـل
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : ظلموا .

(2) كتب في المخطوط : فإن يكونوا بورين .
(3) كتب في المخطوط : ويسموا بها .


استتابوهم من ولاية عثمان وطلحة والزبير ، وهكذا وجدنا في آثار أسلافنا . فلم يفعل موسى وراشد شيئاً من هذا ، فإن يكن حقاً فقد كتماه وإن يكن باطلا فقد ركباه وحمموا (1) الأمر وألبسوا بعضها ببعض . وقد عيّر الله أقواماً فقال : { لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (2) .
فلما استوليا على الأمر دخل داخل على راشد فقال : انصحوني فإني أقبل النصيحة . فظن أنه عند قوله فقال له الناصح أرسل إلى نفر من المسلمين لم يكونوا شهدوا أمر موسى وراشد وهم خيار أهل بلدهم معهم شيء من علم وفقه ، فقال له أرسل ، فإذا اجتمعوا عندك فقل لهم إني قد دخلت في هذا الأمر فإن كنت مصيباً فعينوني وآزروني وإن كنت مخطئاً فتوبوني . فقال له : اكتب هذا الكلام في كتاب ، فأملاه على صاحب له يقال له عمرو بن عباد ، فلما فرغ مما يريد من نصيحته ، فاطلع موسى على ذلك الكتاب فردّ تلك النصيحة ولم يرض رأي المسلمين ، والشورى حق في كتاب الله فمن ردّها ردّ الحق . قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } (3) . فذكر فضل الشورى بين الصلاة والزكاة . ولو كان لموسى علم لشاور أهل العلم ، ولكن شاور في أمر الإمامة من لا يرضى أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حمموا الأمر : صيروه أسود ، عجلوه . وكتب في المخطوط حمموا الأمر .
(2) سورة آل عمران ، آية 71 . وردت بعض الأخطاء في هذه الآية في المخطوط .
(3) سورة الشورى : آية 31 .


يستشيره في أمر حكم . فصار أمر الإمامة مع موسى أصغر من أمر حكم يحكم به بين خصمين فسبحان الله عن هذا !! كيف لا يستحي !! ثم أعظم من ذلك قوله إنه لا نعلم إماماً اجتمع عليه مثل ما اجتمع على هذا الإمام !! وقد صدق ، ما نعلم إماما اجتمع عليه من أهل الجهل والعنف والضعف ما اجتمع على بيعة هذا الإمام !! فسبحان الله كيف لا يستحي هذا الرجل أن يوهم الناس أن هؤلاء أفضل ممن بايع الإمام ، يكذبه في ذلك أصحابه لأن محمد بن علي ، ومحمد بن محبوب ، وبشير بن المنذر ، ومن كان معهم في أقرانهم ونظرائهم فهؤلاء الذين ولو بيعة الصلت والذين من قبلهم كانوا أفضل منهم ، وليس في أصحاب موسى من يداني أدنى واحد من أهل الفقه والعلم من الذين شهدوا بيعة الصلت ورضوا به .
فلما رد موسى تلك النصيحة ، قال لهم قائل إن الإمامة لا تقوم بمشاورة أهل الإحن ولا بأهل المعصية ولا بسفكه الدماء ، وكل هؤلاء قد حضروهم في حشدهم وأهل الأطماع ، فلما قال له ذلك غضب على أهل العلم وسحقهم تشهد عليه البيّنة العادلة . ثم أتى مِن قِبلهم ، الذي أهدى إليه النصيحة ، جند من جنود الشيطان فأخافوه وأرعبوه ودخلوا منزله فكف الله شرهم وبأسهم . ثم إنه أتى إلى راشد فما استتاباه من ذنب ولا


لزمته عندهما عقوبة إلا أن قالا له بايع !! فقال لراشد ، أبايعك على كذا وكذا شروط الله على الأئمة ، ولم يكن موسى يبصرها ولا يعلمها ، فأبى راشد أن يبايع على ذلك وقبض كل واحد منهما على غير بيعة . فقال جلساء السوء : بايعه على الجملة ، فقال الرجل : لا ، لكل زمان حكم ولا أبايعه إلا على التفسير وهم لا يعلمون تفسيراً ولا جملة ، لو سئلوا عن ذلك لم يهتدوا له . ثم إن الرجل قال لموسى : بعثتم إلينا من أخافنا وأرعبنا ، فقال : إنا لم نبعث أؤلئك ، فألزم نفسه الحجة من حيث لا يعلم فإن كان لم يبعثهم فحقيق عليه أن يعاقبهم إذ تعدوا أمره وطلبوا رعيته ، وإن كان بعثهم فقد شارك في وزرهم ، وليس له والحمد لله روح أينما توجه . فإن قال موسى وراشد قد تبنا واستغفرنا من ذلك فإنما كانت توبتهما سراً فأظهرا ذنوبهما وأسرا توبتهما . إلى أن وقعت رمية في الدار التي سكنها راشد ، فقالوا كسرت جرة . وقد كان الرمي يقع في دور الأئمة فيما بلغنا من صبي يرمي سدرة أو يرمي طائراً فتقع الحجر فلا يكون من الأئمة إلا الخير ، وأئمة العدل أهل رأفة ورحمة واحتمال في أنفسهم ما لا يحتملون في غيره . فاتهموا بتلك الرمية أبني محمد بن الصلت بن مالك على غير سبب فيما بلغنا ، وقد قيل إن غيرهما الذي رمى ، ولا نبرئهما ولا نحقق عليهما . فعظم شأن تلك الرمية فأحرقوا بها دار عمهما (1) شاذان (2) ، وكان البعث إليه إلى داره زعموا أنهما كانا معه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) " دار عمهما " : كتب في المخطوط " فأحرقوا بعمها " .
(2) شاذان : هو ابن الإمام الصلت بن مالك . وقد حدثت حروب بين شاذان وبين راشد بن النظر بعد تولي راشد الإمامة وعزل الإمام الصلت بن مالك . ومن المواقع المشهورة بينهما " وقعة الروضة " قرب تنوف بين نزوى والجبل الأخضر ، ومنها وقعة الرستاق بين سوني =



ولم يكن راشد ينهى عن منكر ولا يأمر بمعروف . فإن قال قائل إنهم امتنعوا وشهروا الأسلحة ، فحق من طاف بداره آلاف من غواة الناس أن يفزع منهم وأن يدفع عن نفسه بما قدر . ولقد بلغنا عن الثقة وصح معنا أنه كان بعض من هو حزب الصلت يقول لموسى نحن نأتيكم بالغلامين فكفوا عنا هذه البعوث فلم يلتفت موسى إلى ذلك . ولقد بلغنا أن عزان بن تميم كان يقول : يا قوم نحن نأتيكم بهما فلم يلتفتوا إلى ذلك حتى أحرقوا بهم ، وما حارب المسلمون عدوهم من أهل القبلة بالنار قط . فإن قالوا نحن لم نحرق وإنما حرق الغوغاء وأخلاط الناس ، قيل لهم : ومن أغرى الغوغاء وأخلاط الناس إلا أنتم فلا عذر لكم . ثم لم ينظر في ذلك الحرق ولا عمل فيه بإنصاف . ثم إن موسى جعل يستكتب كاتب الصلت الذي كان يعيبه وأجاز شهادته على ثلاثمائة نخلة صداقا لامرأة ، شهد بها وحكم بشهادته على غير توبة ، وهو كان يعيبه ويطلب ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
= ( العوابي ) وبين عيني ، ومنها وقعة الطاقة ، ومنها فرق وسندان . وانتهت هذه الوقائع بأسر راشد بن النظر وبراءة موسى بن موسى بن راشد ، وتولية عزان بن تميم الخروصي إمامة عمان في صفر سنة 277 هـ . والحق أن الفتن استشرت في عمان بعد عزل الإمام الصلت وكثر


الضرب والطعن بالسيوف في عمان وقيلت الأشعار في وصف الأمور المتردية وفي تصوير عمان آنذاك ومنها :
وكادت من ملامحها عمان :: يخاطب بومها فيها الغرابا
( انظر : حميد بن رزيق : الشعاع الشائع باللمعان ص 48 - 54 ، والسالمي : تحفة الأعيان ج 1 من 161 - 193 )

عزله ، رفع إلينا ذلك الثقة . واستعانوا بسعيد بن محمد على قصاص وجروح (1) لا يؤتمن عليها إلا أهل العلم والبصر والأمانة ، وهو اليوم كاتب لراشد وموسى كان يعيب الصلت بصحبته . فإن قال إني لم أستعن بهم كل الاستعانة ولم أثق كل الثقة ، قيل له القليل من أمانة الفاسقين والكثير سواء ، وليس هذا بمنزلة نهر طالوت يحل قليله ويحرم كثيره (2) .
ثم إن موسى قرب شاذان بن الصلت ، وكان يعيبه ويعيب أباه ، فجعل يهاديه ، يهدي هذا إلى هذا ، فيما رفع لنا ذلك ثقة موسى الذين يثقون هم به . ولقد رفع إلينا أن موسى كان يكتب لشاذان إلى بعض ولاة الغلفة (3) واستخرجوا له ديونا كانت على الناس . فسبحان الله ما كان يحسب أن أبا شاذان كان يفعل هذا لشاذان !! فهل كانوا يعيبون الشيخ إلا بمثل هذا !! .
ولقد ذكر لنا أن موسى كان يقول لشاذان : اكتـب إليّ بحاجتك فإن قضاء حاجـتك مـن
ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قصاص الجروح : الديات والذي يتولى أحكام القصاص لابد أن يكون فقيها عالما يستمد اجتهاده من أحكام القرآن الكريم فضلا عن أنه لابد أن يكون أميناً .
(2) إشارة إلى الآية القرآنية الكريم : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } ، سورة البقرة آية 249 .
(3) قد تأتي بمعنى ( ولاة الغفلة ) أي الذين هم عن عملهم غافلون أو ساهون ، وقد تأتي أيضا : ( ولاة الغلفة ) : أي أصحاب القلب الأغلف ، أي الذي لا يعي ولا يفهم .


المروءة !! فسبحان الله ما ينبغي لحكيم أن يقول هذا لتهيم !! ولكن غفرت ذنوب شاذان وأصحابه على غير توبة حين عزلوا الصلت وخلفوه في موضعه !! ثم إن فهم بن وارث ومصعب بن سليمان خرجا بمن معهما من أخلاط الناس ، أهل الرستاق وغيرهم من أخلاط ، منهم من لا يدري حقا من باطل ومنهم من ظن أنهما يطلبان حقا ، وسار فيهم ممن كانوا هم يثقون به مثل زجر بن سليمان وغيره ، على نحو ما كانوا ساروا مع موسى ، وكان راشد بن النظر يقول إنه يثق بفهم بن وارث ولا يعرف مطلبهم ما هو . إلا أن فهما ومصعبا ليسا بإمامين في الدين ، ومصعب كان من عيون صلت وعيون موسى لأنه كان غير رشيد ، إلا أن الصلت كان عزله وتجنبه . ولم يكن لهم في مصعب على الصلت حجة ، وثبتت الحجة على موسى في مصعب حين اتخذه عضدا ، ثم أوقع الله بينهم الفرقة والعداوة والبغضاء ، وثار بعضهم لبعض بالشنآن ، وكذلك جزاء من خالف السنّة . فسار فهم ومصعب حتى نزلا موضعاً يقال له الروضة قريب من نزوى نحو فرسخين ويزيد بشيء ، وراشد بنزوى ، وقد كان

خروجه إليهم قوادا وليس فيهم فقيه ولا أمين على حجة ولا بصير بسيِر المسلمين في الحروب . فلقوهم قبل وصولهم إلى الروضة ثم سايروهم حتى نزلوا جميعا الروضة ، جند راشد وجند فهم ، وهم قد أمن بعضهم عند بعض وكلا الفريقين بحمد الله غير موافقين للحق إلا ما شاء الله . فلما نزلوها ليلا بات الفريقان آمنا بعضهم من بعض . ثم إن راشدا بعث من عنده جندا ، وعندهم قواد لا فقه لهم ولا فهم وفيهم عبيدالله بن سعيد ، قائد الفتنة ورأس الفتنة والخطيئة في عدد أخلاط ، منهم متمسك يحسب أن الطاعة قد لزمته . فخرجوا بين فاسق ومارق لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون !! فهجموا عليهم في بعض الليل ففزع بعضهم من بعض ووقع بينهم مهايجة من القتال ، فقتل رجل فيما بلغنا في الليل ممن خرج من جند راشد ثم تحاجز الفريقان إلا أنه بقي بقية من الرماة فيما بين العسكرين .
ودار أصحاب راشد بفهم وأصحابه شرقا وغربا وأعلى وأسفل ، فلما أصبحوا لقيهم رجل من صحار يقال له غيلان بن عمر ، وقد كان غزا في سرية من قبل والي صحار ، فلقى القوم فسار حتى نزل معهم الروضة ، ولقى منهم فهم بن وارث وغيره من أصحابه فجعل يكلمهم ويكلمونه ويدعوهم ويدعونه إلى السلم وهم يجيبونه إلى ذلك والناس متفرقون ، إلى أن شبت الحرب فيما بينهم من ناحية العسكرين بعيد من موضع فهم وغيلان ، فتواضع الناس بالقتال . فحدثنا غيلان ، وكان صدوقا فيما علمناه ، أنه كان يكف الناس عن القتال ويحجزهم حتى تعب بدنه وصوته من شدة ما

كان ينهى عن القتال ، إذ لم ير وجه قتال . وغلبه الناس على أصحاب فهم وتفرقوا عليهم وقتل من قتل في المعركة وفرّ فهم فأدركوه وأسروه وناساً من أصحابه . وقتل نصر بن منهال ، شيخ ضعيف كبير ضعيف عن القتال فيما ذكر لنا ، وكان قد سار مع فهم وقد ذكروا أنه قتل وهو نائم . وقد سألنا واجتهدنا وتبحثنا من شهد الوقعة ، فلم يكن مع أحد منهم خبر ولا علم أي الفريقين بدأ بالقتال . وأخذ مصعب وأخوه كلاهما وأقبلوا على الجمال يعقرونها فعقروا فيما بلغنا ستة عشر جملا وفرساً ونهبت أموالهم وأدواتهم وثيابهم فيما ذكر لنا ، وليس هذا من سيرة المسلمين في عدوهم من أهل القبلة ، لم يعقروا دابة ولم ينهبوا مالا ولم يستحلوا سلباً ولم يقتلوا مولّي ، ولم يجهزوا (1) على جريح .
وهؤلاء قوم قتلوا المولّي فيما ذكر لنا ، وقد رفع إلينا عن الثقة أن الرجل من أصحاب فهم كان يتلجأ (2) فتوضع عليه السيوف ، وكان الرجل يأتي مستسلماً فيدفع إليهم سيفه فيأخذونه منه ثم يقتلونه ، ولم يظهر لموسى في ذلك إنكار ولا تغيير .
فإن قالوا إنما نهب وسلب وعقر الدواب من ناس ليسوا ممن بعضنا وإنما من فعل ذلك غوغاء الناس ، فقد خصموا أنفسهم وألزموا أنفسهم الحجة إذ اختلط فيهم من لا يستطيعون أن ينهوه عن المنكر . فكان الحق عليهم أن يظهروا إنكار ذلك ويغيروه

على من فعله (3) من أصحابهم وغيرهم . ولقد دخل من دخل من المسلمين فيما بلغنا على موسى فقال له : انكر هذا المنكر وغيره . فقـال : لا أظـهر إنكار هذا ولا أغـيره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولم يجهزوا : كتبت في المخطوطة " ولم يجيزوا " .
(2) تلجأ الفرد عنهم : خرج عن زمرتهم . تحصن منهم .
(3) يغيره على من فعله : يوقع بمن فعله .


لأنا نخاف ، ولكن من استنصف إلينا نصفناه . ومتى يعلم الضعيف المظلوم ما في قلب موسى أنه يريد إنصافه ، وما يغني ما في القلب اللسان !! ولقد بلغنا أن لحوم الجمال المعقورة كانت تباع في سوق بنزوى قريبا من موسى وراشد فلم يستطع المسلمون إنكار ذلك . وكانوا يعيبون على صلت ذكر أحداث من سرايا كانت تطرو (1) في أطراف عمان لا يدرى كانت أو لم تكن ولم يعيبوا على أنفسهم الأحداث الشنيعة وهي قريبة منهم يكادون يعاينونها بأعينهم . فهذا ما كان من أحداثهم وأخبارهم في وقعة الروضة (2) والحمد لله رب العالمين . وإذا سئل موسى عن تلك الأحداث ، قال : ومن يرضى بذلك ؟! فالحجة عليه أنه قد رضى بذلك لأن من لم يغيره ولم ينكره وهو قادر على إنكاره وتغييره فقد رضى . وقد اشتبهت أمورهم غير أن الفريقين جميعا غير راشدين ولا نعرف أن إحدى الفئتين سارت بسيرة المسلمين وكل بحمد الله عندنا غـير مـعذور ، لأن فهما ليس هو بإمام فـي الديـن ، ولا سـار مسـيراً يرجـو فـيه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طرا : وقع . مرّ . والطر : الطرف ( الجمع أطرار ) .
(2) الروضة : موضع بقرب تنوف من جهة الغرب بين نزوى والجبل الأخضر . أما وقعة الروضة فكانت بين من لم يرضوا عن إمامة راشد بن النظر ، وبين أنصار الإمام الصلت بن مالك وابنه شاذان . وانتصر أصحاب راشد في هذه الوقعة وقتل من قتل من وجوه الأزد ، وأسر من اليحمد الفهم بن وارث الكلبي وخالد بن سعدة الخروصي وغيرهم فحبسهم راشد بن النظر سنة أو أكثر . ثم سأل في شأنهم موسى بن موسى وجماعة من وجوه أهل عمان ونزوى فأطلقهم . وتوفي الصلت بعد هذه الوقعة . وكانت هذه الوقعة سببا في تجمع اليحمد وبني مالك والعتيك وساروا إلى دار الإمارة في نزوى فأسروا راشد بن النظر بعد أن هزموا أعوانه وفضوا عساكره وعزلوه عن الإمامة ( أنظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 182 - 185 ) .


المسلمون خيراً . وقواد راشد وجنوده أصلهم ضعيف ورأيهم عنيف ليس فيهم فقيه يقوم لله بحجة . والحمد لله رب العالمين والله ينتقم من الظالمين ، وقد ينتقم الله من الظالم بالظالم ثم ينتقم منهم جميعاً .
ثم استقام الأمر لراشد واشتد سلطانه بعمان ، وقد تكون الأحداث من قبل مهرة في طرف من سفل عمان فربما يضربون الرجل ويستاقون للناس بعض الإبل ، فلا أخذ رجلا منهم على ذلك ولا بعث إليه سرية وإنما بأسه وشدته على الرستاق ومن أخذ أخذهم .
وفيما يصح عندنا من الخبر أن رجلا وقف على باب السجن فناول كتباً إلى الحواري بن عبدالله والأشعث بن محمد بن النضر (1) هما يومئذ من أصحاب راشد ومن حزبه ، فاطلع بعض جنود راشد ، فأخذوه فاهتدوه بالكتب إلى راشد فلما عرف الكتب إلى من هي فأمر به فحبس في السجن فبلغنا أنه ضرب مع ذلك ، فلبث في السجن إلى

(2) ما شاء الله . ثم أخرج فدخل من دخل على راشد ممن أنكر حبسه فقال لهم ، حبستم الرجل وليس عليه حبس لأنه إنما حمل الكتب إلى أصحابكم ، فقال إنما حبسناه ساعة ثم أخرجناه ولم نبيّته في السجن ، والله لا يرضى بقليل الظلم ولا بكثيره . ولقد بلغنا أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد يكون الاسم الصحيح ، " النظر " .
(2) " إلى " : زيادة من عندنا .


قوماً من أهل سلوت دخلوا على رجل في منزله فكسروا بابه وضربوه بالسيوف ، فحمل الرجل مضروباً إليه منتصفاً وأن يبعث سرية عنده إلى الذين ضربوه فلم ينصفه منهم . وقال ، من أجل رجل واحد أبعث إلى قوم هم أنصار ، فلم يفعل ولم ينصف الرجل من أعوانه . وكان حقّاً على راشد لو كان إمام عدل لأنصف من نفسه ومن أعوانه كإنصاف أعوانه ونفسه . وقد قيل لا يكون الحاكم حاكماً حتى يكون إنصافه من ذئبه إذا أكل جاعدة غيره كإنصافه من ذئب غيره إذا أكل جاعدته ، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وأخطأ راشد السنّة وجهل العدل ، وكفى بهذه من أحداثه ولم يجعل ضرب السيوف كرمية في داره .

وقد بلغنا أن إماما من أئمة المسلمين (1) يقال له سليمان بن عبدالعزيز في حضرموت أنفق مائة ألف درهم على لطمة حتى أنصف المظلوم ، فلو رأى أن دون هذا يسعه أو يحل له لاتسع بدون هذا . وما كان لراشد أن يتغافل عن الحق ولا عن إنصاف المظلوم ولو من ولده . ثم بعثوا قائداً يقال له زائدة بن خطاب فيما ذكر لنا أنه معروف باللصوصية والسرق ، فبعثوه في نفر من أعوانهم إلى حي الرستاق يقال لهم بنو غافر ، ولا نعلم لهم حدثاً يستحقون به أن يبعث إليهم سرية ، فلما دخل واديهم تلقاه بعض من سـرعان الناس وسفهـائهم فيـما بـلغـنا فهـايجوه وكـان بيـنهم هنـاك شـيء مـن قـتال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني بالمسلمين هنا وفي كل المخطوط ، الأباضية ، أو الذين هم على المذهب الأباضي .


حتى جرح (1) بعض أصحابه ، ولم يقتل في تلك الوقعة أحد وفرّ منهم هو وأصحابه . فأتى الخبر إلى راشد فجهز إليهم سرايا وقواداً حفاة عماة ولم يسيروا بقصد ولم يهتدوا برشد ، فذكر لنا أنهم أكلوا من ثمرة نخلهم وأكلوا من سوقمة كانت لهم في أرضهم ودخلوا بيوتهم وكسروا أقفالهم . فإن يكن أهل سلم فقد حرم الله عليهم ما انتهكوا منهم ، وإن كانوا أهل حرب فقد رحم الله ما أكلوا من أموالهم ، لأن الحرب من أهل القبلة لا يحل للمسلمين أن يأكلوا من ثمرة تسقط من نخلهم . ولقد بلغنا أن خوارج المسلمين (2) من أسلافنا دخلوا قرية من قرى أهل البغي فألتقط أحدهم ثمرة فالتهمها فزجره المسلمون فألقاها ولفظها ، فقود (3) من لا علم له ولا فقه بسيرة

المسلمين ، فلم ينكر ذلك موسى ولم يغيره . فإن قالوا لم يصح هذا معنا ولم نعلمه ، قيل لهم كيف كنتم تعيبون هذا على صلت قِبل قواده في طرف من أطراف الأرض وهو لا يعلم فله من العذر مثل ما لكم فهذه سيرتكم في بني غافر والحمد لله رب العالمين .
وعمر في سجن راشد أناس من بني غافر وأناس ممن شهد وقعة الروضة في القيود والهوان . وكان أبو خالد سليمان جريحاً مريضاً فيما ذكر لنا نازلا في بعض دور نزوى فأمر به راشد فقيد في منزله كبعض العبيد وما يعرف المسلمون هذا القيد، فإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط " خرج " .
(2) لاحظ هنا أنه يطلق على الأباضية " خوارج المسلمين " .
(3) يعني هنا راشد بن النظر وموسى .


يكن يستأهل السجن فكان يحبسه وإن كان معذوراً من السجن فهو من القيد أعذر ، ولا نعلم أحداً من سلطان العدل والجور سبق راشداً إلى هذا الفعل ، يقيد رجلا في بيته وهو مريض وهذه من عجائبهم . وأن ناساً من كلب اليحمد (1) كتبوا إلى شاذان (2) يسألونه الخروج على راشد فكتب إليهم شاذان فيما ذكر لنا العدل يقول لهم في كتابه :
أما أنا رجل من المسلمين لا أنفرد بالأمر دونهم ولا أريد أن أكون في هذا الأمر رأساً فإن قام المسلمون فأنا معهم ونحو هذا من القول فيما رفع إلينا الثقة من المسلمين .

فخرج إليه يمان بن مصعب بن راشد ، وأبو خليد وأبو النضر بن أبي خليد ، وأبو النضر راشد إلى أبي خليد ، في ناس بايتوهم حتى هجموا عليه ليلا فأخذوه وخرجوا به فاجتمع من اجتمع معهم من اليحمد ولا ندري ما أرادوا في اجتماعهم ودعوتهم ما هي .
فلما بلغ راشداً اجتماعهم بعث من قبله قواداً جفاة لا علم بحرب المسلمين ولا بصر لهم بحجة على عدوهم فساروا حتى نزلوا قرية يقال لها عيني ، وأقبل شاذان بمن معه من وادي عمق متجرداً يريد فيما قيل لنا قرية يقال لها سوني (3) قريباً من عيني . فلما كان فيما بين القريتين ، حـدثنا بـذلـك الـثـقة ، وثـب عـليـه أصحـاب راشد بلا حجة ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من اليحمد بني كلب .
(2) هو شاذان بن الإمام الصلت بن مالك .
(3) سوني : التسمية القديمة لمدينة العوابي .


مناظرة وتداعوا بدعوة الجفاء وقالوا شأنكم خذوهم ورأس شاذان خذوه ، فيما رفع إلينا ، وتحدث الناس بهذا ، فابتدرهم سرعان الناس (1) فأقتتلوا فيما بينهم وقتل من قتل من أصحاب راشد وفر عامتهم . وسار شاذان حتى دخل الباطنة ثم رجع إلى الرستاق ودخل وادي عمق وتراجع أصحاب راشد واجتمعوا ، وجاء عبيدالله بن سعيد بمن

أجابه من أخلاط الناس ثم ساروا حتى لقوا شاذان وأصحابه في موضع يقال له الطباقة من أسفل وادي عمق فاقتتلوا وقتل من قتل وانهزم شاذان بن صلت (2) وأصحابه ، فلم يظفروا بشاذان . وجعلوا يلقطون الناس ، البريء وغير البريء . ولقد حدثنا الحكم بن سليمان ، وهو ثقة مأمون ، أنه قال لموسى كم من مظلوم في هذا الحبس !! فأسروهم ورفعوهم إلى سجن نزوى ، فحدثنا بعض من يتولى راشداً وموسى أن رجلا من الأسارى ضعف من المشي فسحبوه سحباً حتى مات في مسحبه . وقد حدثنا الرجل أنه أخبر موسى بهذا فما ظهر منه إنكار ولا تغيير !! ولو أن مشركا محارباً سحب على وجهه حتى مات في مسحبه لكان منكراً عظيماً ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل المثلة (3) فيما بلغنا ، وهذا من المثلة . فإن قالوا لم نعلم ولم يصح معنا ، فهذه حجة صلت فيما كانوا يعيبونه ، مع أن الحـجة عليهم أن قـوادهم غـير ثـقة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سرعان الناس : أوائل الناس .
(2) يكتب اسم الإمام الصلت أحيانا من غير ( أل ) .
(3) قتل المثلة : التنكيل بالقتل .

ولا عدل من المسلمين . فإن قالوا هم ثقة معنا قيل لهم هذه حجة صلت في قواده مع أن عامة من الناس وغيرهم يعلمون أن قواد هؤلاء ليس خيرا بقواد صلت . وقد علم خاصة من المسلمين أن هؤلاء أشرّ والشاهد دليل على الغائب .
ثم إن شاذان هرب وبعثوا قواداً (1) من قبلهم إلى الرستاق ثانية منهم أبو الجندي بن معدان ، معروف بالطيش (2) والسفه وإنما كان من جنود الشيطان مع ابن واصل في فارس فيما بلغنا من غير رشد ولا صلاح يظهر ، ومنهم محمد بن أبي فضل ، معروف بسفك الدم من الحرام قبل ذلك لا برشد يعرف ولا باقتصاد ، ومنهم عبيدالله بن سعيد ، سفيه أحمق لا يستر عورته ، ويعرفه بذلك الثقة من المسلمين ، وأخلاط الأعراب الجفاة فساروا حتى دخلوا الرستاق فيما بلغنا فقطعوا الزراعة فيما ذكر لنا .
ولقد بلغنا أن أبا الجنود كابر امرأة على شيء من حليّها واستفاض هذا الخبر ، فإن قالوا لا نقبل هذا إلا ببيّنة عدل ، قيل لهم أيضا لصلت من العذر مثل ما لكم فهل حكمتم به لأنفسكم ؟! ومن الحجة عليهم أنه من أمن الذئب على الغنم ثم كلف الغنم بيّنة عدل على الذئب فهو الآثم الظالم ، مضى مثل أن المفرط نام وأن الذي يستصحب الذئب ظالم . ثم بسطوا لعبيدالله بن سعيد يده بعمان من غير صلاح ولا وقار ولا عفاف وأن لو شهد شهادة مع موسى ما قبل شهادته فيما عـرف موسى مـنه . ثـم سار عـبـيدالله بن سـعـيـد إلـى صـحـار (3) فـعـمل فـيـهـا أعمالا قـبيـحـة ، فــيــمـا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " وبعثوا قواد " .
(2) كتب في المخطوط : " بالطلش " .

(3) صحار : ميناء هام ومدينة هامة في عمان تقع على بعد 24 ميلا شمال غربي الخابورة .


ذكر لنا ، من استرهاب الناس وأخذ أموالا فيما رفع إلينا ، وأذعن له والي صحار وسلم له فيما بلغنا . ولقد ذكر لنا وشاع ذلك وشهر ، أنه أرسل إلى شيخ ضعيف يقال له عبدالرحمن بن الوليد وهو مؤذن الوالي ، إلى صاحب حرسه بصحار وأمين له على بعض ضياعه ، فأرسل إليه عُبيد جنداً من جنوده ليجروه إليه بغير حق فاستجار بالوالي فيما ذكر لنا ، فلم يُجْره وقال الوالي أنا كفيل له كفيل به فلم يكفلوه ، وجُر إليه كرها ليسأله تأخير حق له على بعض من استعان بعبيدالله عليه ثم هدده (1) عُبيدالله وأوعده فيما بلغنا حيث لم يشفعه وقد بلغنا أن والي صحار كان يرفع إليه الخصماء وهو غير فقيه ولا بصير بحكم ، وما فعل ذلك والي صحار إلا تعظيماً لأمر الدنيا ومهابة للسلطان . وبلغنا أن عبيدالله خطب إلى رجل كثير المال ضعيف القوى بنته فأبى أن يزوجه ، فأغرى سفهاء من الناس بماله فزوجه الرجل تقية ومخافة فيما يرى ، فلما تزوج إليه استولى على كثير من ماله أو على جملته . ولقد بلغنا أن الرجل احتاج إلى قفيزين (2) من تمـر فمـا نالهمـا من مـاله ، وله مـال كثير ، حتـى اشتراها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " هذه " .
(2) القفيز : مكيال ، وفي العرق القفيز ربع الجريب ويسع ثمانية مكاكيك ، والمكوك مكيال يسع صاعا ونصفا ، أي أن القفيز 12 صاعا ( راجع الستاس الكرملي : النقود العربية وعلم النميات ، ص 52 - 53 ، 206 ) أي أن القفيز يساوي 12 صاعا . وفي بحث للدكتور ضياء الدين الريس اعتمد فيه على المصادر الأصلية والمراجع الحديثة أثبت أن الصاع الشرعي - وهو الصاع

الذي أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم - يساوي 2751 جراما ويساوي 2,75 لترا . ( راجع : ضياء الدين الريس : الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية . ص 318 - 338 ) .
شراء . ولقد بلغنا أن والي نخل أراد أن يدخل في شيء من إنصافه وكتب إليه راشد ، فيما ذكر لنا ورفع إلينا ، بعض أصحاب والي نخل ، أن هذا قصور منك إلى الدولة . فسبحان الله أي دولة لا ينصف فيها إلا دولة الجبابرة !! ولقد ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قدست أمة لم تأخذ لضعيفها من قويها الحق إلا تعنفا ) . فكيف إذا بطلت الحقوق بمرة !! وقد قال من قال ، لا يكون الحاكم حاكما حتى يكون إنصافه من ذئبه إذا أكل جاعدة غيره كإنصافه من ذئب غيره إذا أكل جاعدته ، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
والإمام لا يكون ضعيفاً ولا مداهنا ، وإذا ضعف عن إعطاء الحقوق وتنفيذ الأحكام فقد زالت إمامته ، وإن داهن فقد كفر . وقد كانوا يعيبون الصلت بابنه شاذان يوم كان ، والعين ترى والأذن تسمع ، وقد علم أهل العقل على المعاينة أن الظاهر من شاذان خير من الظاهر من عبيدالله ، فإن عابوا بالباطل فالباطل أقبح وأشنع فيما بلغنا . وكانوا يعيبون أصحاب صلت بالرشاء وقبول الهدايا بالحكايات ، فقد حكى عن هؤلاء أقبح ما حكي على أؤلائك ، فقد ذكر عن ابن موسى أنه يكتب إلى تجار صحار يسألهم القرض ويسألهم أن يتجروا له ، ولم يكن من قبل يسألهم هذا ولكن تقوى عليهم بسبب السلطان .

ثم خرج موسى إلى صحار فروى عليه من أخذ أموال الناس أشنع مما كان يروى على شاذان . فإن كان شاذان من عيوب الصلت فإبن (1) موسى من عيوب راشد ، فإن قالوا لم يصح قيل لهم وكذلك الحكايات على أصحاب صلت لم تصح . ومن عاب صلتا وأصحابه وأنكر عليه شيئا رضي بمثله عن راشد وموسى فهو مع المسلمين تهيم كاذب مكذب . ومن جعل لموسى وراشد على حدث جعله من صلت منكرا فهو خائن جائر ولو بلغ في علمه علم الربيع (2) لأنه لا يجوز على الله في صفته أن يعذب رجلا ويرحم رجلا واحدا على عمل واحد على غير توبة . فاعقلوا يا أهل العلم وابصروا يا أهل البصر وتفكروا يا أهل الفكر !! فإن قالوا إنا لا نبحث عن الدقائق ولا نهيج فتنة بغير تسكين الأمور ، قيل لهم ، كيف وسعكم البحث عن الدقائق على صلت
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط ( فأتى ) .
(2) الربيع : هو الإمام الربيع بن حبيب الأزدي الفراهيدي العماني البصري ، كان الربيع من أهل الباطنة من عمان ثم خرج إلى البصرة لطلب العلم . التقى الربيع بالإمام جابر بن زيد . وقضى الربيع معظم حياته في البصرة طالبا ومطلوبا ثم عاد في أخريات حياته إلى وطنه عمان ، وكانت وفاته في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري . وفي البصرة عكف الإمام الربيع بن حبيب على كتابة مسنده . واستند الإباضية الآن في الفقه على مسند الربيع بن حبيب . وقد نشر " الجامع الصحيح " للربيع بن حبيب ، في القدس في سنة 1381 هـ . وفي دار الكتب المصرية بالقاهرة مخطوطة " مسند الربيع " للربيع بن حبيب تحت رقم 21582 ب . وقد رتب الجامع الصحيح أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني ، من علماء أفريقية في القرن السادس الهجري . ومن أهم من حمل العلم عن الإمام الربيع بن حبيب من البصرة إلى عمان في القرن الثاني الهجري ، ستة علماء عمانيون هم أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني ، ومنير بن النير الجعلاني ، وموسى بن أبي جابر الأزكوي ، ومحبوب بن الرحيل ، ومحمد بن المعلى الكندي ، ( انظر : دكتورة سيدة كاشف ، عمان في فجر الإسلام ص 67 - 68 ) .


وتهييج الفتنة وقد كانت الأمور ساكنة والمسلمون يومئذ أحسن ألفة وأبعد من الريبة !! ثم جعل موسى يفسق أصحاب صلت حين كان من شاذان ما كان ولا يميزهم ولا يسميهم ولا يسعى بهم ، وعامة أصحاب صلت هم أصحابه وولاة صلت هم ولاته لم يستعمل إلا من هو شر منهم ، ومن يعص ولاة صلت وقواده وأعوانه !! يعرف ذلك أهل العقل بالمعاينة لا بالظن ، وقد كان موسى يقرب أصحاب صلت ويجيز شهاداتهم ويستكتبهم ويستعين بهم على بعض الأحكام ويهدي إليهم ويهدون إليه ، رفع إلينا ذلك الثقة مع موسى ، وقد كان يعيب صلتا بهم . فسبحان الله كيف كانوا كفارا متهمين ثم صاروا بعد اعتزال الصلت أمناءه بغير توبة . وإن كان هذا الأمر مرتجى ما كانوا يعيبون به على صلت انهم قالوا كان له أصحاب يسجنون بغير رأيه ، فسليمان بن محمد بن أبي حذيفة سجن رجلا ضعيفاً بغير حق حتى اطلع على ذلك راشد فأخرجه ولم يغير على سليمان ما فعل . ثم نصحهم في أمر شاذان فقال لهم أوفدوا إليه وفداً من أصحابكم يحتجون عليه قبل سفك الدماء وتسألونه ما يطلب فردّوا النصيحة وجعلوها غشا وتعجبوا من الحق وجهله سيرة المسلمين .
وقــد كان المسلمون يوفدون الوفود إلى من خرجوا عليه أو خرج عليهم ، فــمــن جــهــلــهــم أن جــهلوا بــين المــختــار (1) وبين عبــيدالله (2) لحــرب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المختار بن أبي عبدالله الثقفي : قتل على يد جيش عبدالملك بن مروان في الكوفة في رمضان سنة 67 هـ .
(2) إشارة إلى عبيدالله بن سعيد ، وكان من أعوان راشد وموسى .



أبي خالد (1) سليمان ، وجهلوا وفد المسلمين إلى بني هناه (2) ، من وفدهم الحكم ابن بشير وأبو الحواري فيما ذكر لنا ، وجهلوا عدل السيرة في المحاربة . ولقد بلغنا عن بسطام الصفري (3) خرج على عمر بن عبدالعزيز (4) فبعث إليه عمر بن عبدالعزيز قائدا فأمره أن يسايره ولا يهايجه حتى يحدث حدثاً من سفك دم حرام أو أخذ مال بغير حله ، فجهلوا هذه السيرة . وقد كان في أصحاب شاذان من يثقون هم به ، منهم يمان بن مصعب ، ونصر بن صغير فيما بلغنا ، وقد كان في الحق عليهم أن يطئوا أثر المسلمين فقد تركوها جهلا منهم وتهاوناً منهم عليها . وقد قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ } (5) . وقال {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (6) . وقـال : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (7) .
فإن قالوا ما لصلت لم يكن يوفد وفداً ، قيل إنما كان صلت يبعث إلى قوم قد أحدثوا
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " عبيدالله أحمد بن سليمان " . وقد مر ذكر أبي خالد سليمان ، الذي أمر به راشد فقيده في منزله .
(2) بنو هناه : قبيلة مقرها الرستاق المدينة في منطقة الحجر الغربي .
(3) بسطام الصفري : من فرقة الخوارج الصفرية .
(4) اشتهر الخليفة عمر بن عبدالعزيز بالعدل والورع (99 - 101هـ ) .

(5) سورة النساء : آية 135 .
(6) سورة المائدة : آية 8 .
(7) سورة المائدة : آية 2 .


أحداثاً من سفك الدماء وأخذ الأموال وقطع الطرق وقطع الطرق وقوم لصوص ، ومع ذلك أيضا لو كانوا مجتمعين لم يعجل عليهم بالقتال حتى يبعث إليهم وفداً ويحتج عليهم . فإن يكن صلت مؤمناً فقد كفر من بغى عليه وقهره حتى اعتزل بغير إقامة حجة . فإن يكن صلت كافراً فقد كفر من عمل بعمله وسار بمثل سيرته . فإن قالوا إنما ولينا ولاة صلت واستعنا بأعوانه لأنهم لم يكونوا يعلمون كيف يسعهم إلى إمام يحاربونه ويأخذون بعض ما جمعه ولاته من الحب وأنهم لا يظهرون ذنوبه ولا عيوبه . أرأيتم لو أن ولاته اجتمعوا إليه فقاتلوكم معه وهم أولياؤكم ، من كان أضل ؟ وهل سمعتم بأبين ضلالة ممن دعا إلى حق لا يسميه وأنكر منكراً لا يبيّنه ؟! ولا يجيبه إلى هذا إلا الضلال الغواة الذين هم بمنزلة الشكاك والمرجئة والحشوية يدينون بطاعة الإمام حتى إذا خرج عليه خارج فغلبه أو عزله فرجعوا دخلوا في طاعته منهم من تبرأ منهما ومنهم من تولاهما ، وكلا الفريقين ضال والحمد لله .
وإن رجلا من خيارهم أو من أوثق أصحابهم كان مرّ عليه ولاة الصلت قال إن الصلت لم يزل إماماً حتى اعتزل قم هو يجمع صلتا وراشدا في الولاية جميعاً ويعيب من عاب صلتا ويطعن من طعن على الصلت وينكر على مَنْ عاب على الصلت فيما بلغنا ، وهو من فقهائهم معهم . فقال الذي يحتج عليه أن لا يجمع بين صلت وراشد في الجنة أبداً على غير توبة . ثم من عجائبهم أنهم زعموا أن قد دولوا (1) ونصروا الحق معهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) دولوا : أي صاروا أصحاب دولة .


على غير التسمية بحقهم ، وقد دولت الجبابرة على المسلمين (1) ، والدين لا يعتبر بالدولة . وقد قال عمار بن ياسر رحمه الله فيما بلغنا : والذي نفسه بيده إني أرى سواد قوم ليضربن فينا ضرباً يرتاب منه المبطلون ، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يلحقونا بالشغفات من هجر (2) ، لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل ، يقول رحمه الله ، ليس في ديننا شك ولو هزمونا .
ومن عجائبهم أن الجنّ تكتب إليهم راضية بفعلهم تعرض عليهم النصرة ، منكراً وخداعا وسخريا بالطغام من الناس . والجن لم تكاتب أبا بكر رحمه الله ولا كاتبوا عمر رحمه الله ولا كاتبوا المرداس ولا كاتبوا المختار (3) ولا كاتبوا عبدالله بن يحيى (4) رحمهم الله ، ففضلوا أنفسهم ، على خطيئتهم ، على اشراف المسلمين رحمهم الله .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) دولت الجبابرة على المسلمين : سادت دولة الجبابرة على المسلمين .
(2) الشغفات : الشغف قشر شجر الغاف ، والغاف شجر ينبت في الرمل وورقه أصغر من ورق النعناع . والمقصود بالشغفات من هجر : موضع في هجر ينبت فيه الغاف العظام .
(3) اشترك الخوارج في الدفاع عن الكعبة ومكة أثناء حصار جيش يزيد بن معاوية لها ولعبدالله بن الزبير . وقد اتفق الخوارج مع المختار في أن ملوك بني أمية مغتصبون جبابرة وظالمون ويجب مناهضتهم . وأبلى المختار والخوارج بلاء حسنا خلال حصار الأمويين الكعبة في سنة 63 هــ إلى أن انتهى هذا الحصار بانتهاء حياة يزيد بن معاوية وعودة الحصين بن نمير السكوني ، القائد جيش يزيد إلى الشام .

(4) تولى عبدالله بن يحيى أمر الدعوة الأباضية في حضرموت واليمن ، وهو مشهور بطالب الحق ، وكان ينتمي إلى قبيلة كندة الحضرمية . وقد أعلن ثورته ضد الدولة الأموية في سنة 129 هـ بالاستيلاء على حضرموت ثم استولى على صنعاء . ثم أرسل قائده المشهور المختار بن عوف الأزدي ، المعروف بأبي حمزة الشاري ، للاستيلاء على مكة والحجاز ونجح الأباضية في الاستيلاء على مكة والطائف والمدينة سنة 129 و 130 هـ . لكن جيش مروان بن محمد هزم الأباضية في سنة 130 هـ وقتل أبو حمزة الشاري ، كما هزم الإمام عبدالله بن يحيى طالب الحق ولاقى حتفه .
ومن عجائبهم أن موسى يتكلم فيطعن على المسلمين ويقول ما هم وما القرآن وأي علم هاهنا ، وإن شَرَبة النبيذ والأعراب - لا من عندي - من علماء هذا الزمان ، وهو في ذلك لا يستغنى عنهم . وجهله وقلة علمه ظاهر بيَّن ، ومن ذلك أنه لم يحسن إقامة الجمعة ، ومن ذلك أن المؤذن كان يفرغ من الأذان الآخر يوم الجمعة ، وموسى في بيته وحيث شاء الله حتى يخلو وقت طويل ثم يأتي فيخطب بالناس ويصلى ركعتين يوم الجمعة . ومن السنة في الجمعة أن الخطبة متصلة بالأذان والأذان متصل بالإقامة متصلة بالصلاة لا فرق بينهن . ولقد كان بعض المبتدعين صلى ركعتين بعد الأذان واتبعه الناس على ذلك ، ثم إن محمد بن محبوب رحمه الله غيّر تلك البدعة وردّ الناس إلى الأمر الأول . وإن صلاة الجمعة ركعتين بعد الأذان أهون من انفساح الوقت لانتظار الأذان والخطبة حتى تبين موسى فرجع ذلك . ومن قلة علمه أنه خطب الناس يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر وإمامهم في بيته أو حيث شاء الله فانتظروه وليسوا في صلاة ولا خطبة مقدار ما استمر الإمام من بيته إلى المسجد مرتين ، وبيت الإمام منفسح عن المسجد بما شاء الله ، ثم صلى بالناس ركعتين بلا إعادة خطبة خلافا للسنة . وقد قال الفقهاء لو أن الخطيب خطب يوم الجمعة ثم اشتغلوا عن الصلاة بأمر عناهم

كان عليهم أن يعيدوا الخطبة لو خطبة موجزة . ومن خطاياهم أن إمامهم سافر فجاوزوا الفرسخين ثم كتب إلى موسى أن يصلي بالناس الجمعة ركعتين خطأ وغلط . والذي أدركنا عليه أشياخنا وعرفناه من رأي فقهائنا أن الإمام إذا سافر صلى الناس أربع ركعات من بعده حتى يرجع ، لم نعلم بينهم في هذا اختلافا ، فغلط الآمر والمأمور وكلاهما والحمد لله قليل العلم ، فتفرق الناس من المسجد على صلاة ركعتين لا يعلمون ما فعل بهم (1) ، والناس همج طغام لا يعقلون إلا ما شاء الله . فمن بعد ما تفرقوا ما خلا ما شاء الله ، ثم أتاهم آت فأخبرهم أن صلاتهم غير جائزة ، فحينئذ أقاموا الصلاة فصلوا أربعا وعسى قد غاب من غاب فلم يعلم ما فعلوا ، وتحملوا أمر صلاتهم بخطاياهم . فمن لم يكن عالما بأمر الجمعة فكيف يكون عالما بأمر الإمامة ؟! فإن قالوا إنا نحفظ أن الإمامة تجوز بعقد رجلين مسلمين ، قيل لهم ، كتاب الله وآثار السلف حاكم على حفظكم وعلى من تحفظون عنه . ولو كان كما يقولون لبطلت الشورى وتماكر المسلمون ، ولو كان إذا عنَّ أمر لم يجتمعوا ولم يتشاوروا ومكر كل اثنين منهم للسبق بالإمامة ، فاحتاجوا إلى حاكم وشهود وصار بعضهم خصما لبعض ، حاشا لله من الرأي الشاذ وأين فضل الشورى ؟ والله يقول : {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (2) . فذكر الله تعالى فضل الشورى بين الصلاة والزكاة . فإن قالوا إن الشورى في غير الإمامـة ، قـيـل لهم

إن الإمامة من أعظم أمور المسلمين فإذا لم يجز أمر إلا شورى كذلك الإمامة لا تجوز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط " لا يعطون ما فعل لهم " .
(2) سورة الشورى : آية 38 .


إلا بالشورى . فإن قالوا إن الشورى باثنين ، قيل إن كان كما زعمتم كان كما وصفنا من التماكر والتجالس للاستباق والخصومة ، وما قدم المسلمون إماماً إلا بمشورة من عامة من حضرهم من المسلمين ، وأهل العلم والفقه في ذلك المقدمون . وما بايع المسلمون أبا بكر رحمه الله إلا عن مشورة من المسلمين ورضى من المهاجرين والأنصار ، وطلب إليهم أن يقيلوه فقال له علي فيما بلغنا : هيهات لا تقال ولا تستقال !! وما استخلف أبو بكر عمر رحمهما الله إلا بمشورة من المسلمين . ولقد قطع على الناس في مرضه فيما بلغنا فقال : يا أيها الناس إني عاهد إليكم عهدا فهل أنتم راضون ؟! فقال له عليّ : إلا أن يكون ابن الخطاب !! فعلم (1) رحمه الله رضى المسلمين بعمر . ولو اجتمع المسلمون على خلافه فما خالفهم . ولقد قال عليّ فيما بلغنا : لا تكون الإمامة إلا برضى المهاجرين والأنصار . فإن قال هؤلاء (2) إن موسى قد شاور مَنْ حضره ، قيل لهم إن موسى ليس بفقيه ولا من حضره بفقهاء ، واللذين

استشارهم موسى بالإمامة لا يثق بهم إن شاورهم في حكم ، فسبحان الله عما يفعلون !! كـل هــذا مكـاثـرة (3) للحــق وجهـــل بآثار المسلمين !! فإن قالــوا إن موسـى بن أبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " فلما علم " .
(2) كتبت في المخطوطة : " قالوا هؤلاء " .
(3) كاثره : غالبه في الكثرة .



جابر (1) عزل إبن أبي عفان (2) من بعد ما بايع لوارث (3) ، قيل لهم إن موسى بن أبي جابر رحمه الله كان أعلم بالله وبآثار المسلمين من أن يتفرد بأمر وحده لمبايعتهم لابن أبي عفان . فإن المسلمين كانوا مستضعفين متفرقين لا يولون أحدا من أصحاب راشد (4) ولا من ولاته ، خرجوا عليه من قرى شتى ومن قبائل شتى حتى جمعهم الله بعد الفرقة وكثرهم بعد القلة ، لا يطلبون ملك الدنيا وإنما يطلبون نصر دين الله ، وإظهار سنن العدل ، فلما ظهروا لـم يقتدوا بشيء من آثار راشد ولا بجند من جنوده
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) موسى بن أبي جابر الأزكوي : من علماء عمان وفقهائها البارزين في القرن الثاني الهجري . وكان أحد خمسة حملوا العلم عن الإمام الربيع بن حبيب وهم أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني ، ومنير بن النير الجعلاني ، ومحبوب بن الرحيل ومحمد بن المعلى الكندي ، وكان لموسى بن أبي جابر الأزكوي ورفاقه الأربعة الفضل الأكبر في ازدهار الحياة العلمية في فجر الإسلام في عمان وموسى ابن أبي جابر الأزكوي من سامة بن لؤي بن غالب وهو جد موسى بن علي لأمه . وقد توفي موسى بن أبي جابر الأزكوي في سنة 181 هـ . أما حفيده موسى بن علي فقد توفي في إمامة المهنا بن جيفر في سنة 230 هـ ( انظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص

89 و 116 ، وأبو هلال السيابي السمائلي : إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء . ص 41 - 48 ، سيدة كاشف : عمان في فجر الإسلام ص 64 ) .
(2) بويع محمد بن أبي عفان بالإمامة في عمان سنة 177 هـ ، وكان من اليحمد إلا أنه نشأ في العراق ، وقد عزل محمد بن أبي عفان سنة 179 هـ وولى الإمامة بعده الإمام الوارث بن كعب الخروصي .
(3) هو الإمام الوارث بن كعب الخروصي ، وهو أول إمام من بني خروص وهم من اليحمد وحين أراد المسلمون عزل محمد بن أبي عفان ، حضر موسى بن أبي جابر العسكر ، ولما وصل وارث إلى نزوى أخذ موسى بن أبي جابر بيده فقدمه إماماً ، وكان ذلك في ذي القعدة من سنة 179 هـ ( السالمي : تحفة الأعيان ج1 ص 86 - 87 ) .
(4) هو الإمام راشد بن النظر . وهو من اليحمد من الفجح . بايعه موسى بن موسى بن علي هو ومن معه بفرق لما بلغهم أن الصلت خرج من بيت الإمامة وذلك في ذي الحجة سنة 272 هـ ( السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 169 ) .


إلا من تاب ورجع عن خطاياه .
وأظهروا من الإسلام ما كان مستخفيا فبايعوا لابن أبي عفان حتى تضع الحرب أوزارها من عمان ، ثم الأمر شورى بين المسلمين لأن المسلمين لا يجهلون فضل الشورى . فلما بايع المسلمون ابن أبي عفان على التماسك والنظر ، ظهرت منه أمور حفا فيها (1) وجعل يستخف بحقوق أشياخ المسلمين ويفسـق عليهـم ، والمشهـورين فيهم .
نظر المسلمون في عزله مع ما كان من الشرط ، والذين تولوا بيعته هم الذين عزلوه (2) ، وهم كانوا أعلم به ، كما قال عبدالرحمن بن عوف ، فيما بلغنا ، لعثمان : أنا أول من يبايعك وأول من يخلعك إن عشت لك ، ولم يقل ذلك إلا بحدثه . وهؤلاء الذين

خرجوا على الصلت ، ولم يحضر أحد منهم بيعته ، وهم مع ذلك يولون ولاته ويطئون أثره .
وزعموا أن موسى (3) كان يقول ، فيما بلغنا ، إنما أريد أن أغير هذه الآثار ، فما غيّر أثراً ولا مظلمة ولا عقب حكماً ولا استبدل خيراً بشر ، بل قـد اجتـمع من اجـتمع
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حفا فيها : تعني هنا : جار فيها أو ظلم فيها أو منع من الحق والقيم .
(2) كتب في المخطوطة : " هم الذين عزله " .
(3) هو موسى بن موسى بن علي . وقد توفي والده موسى بن علي سنة 230 هـ في إمامة المهنا بن جيفر : وموسى هو من أحفاد موسى بن أبي جابر الأزكوي . وقتل موسى بن موسى في وقعة إزكي بتحريض من الإمام عزان بن تميم وذلك في شعبان سنة 278 هـ .



من المسلمين فقالوا إن القواد اليوم والأعوان اليوم دون أولئك القواد والأعوان . ثم ثارت العصبية فميّزوا وجعلوا ينكرون بالعشائر قم جعلوا يولون ولاة ، ما اختاروهم لله وإنما ولوهم رضا وتقية ومصانعة . ذلك مما تراه العيون وتسمعه الأذن ، وهم يعرفون ذلك مع أنفسهم فيما يظنه المسلمون بهم . وقد يتوهم أنهم يولون بعض الولاة وهم كارهون لهم إلا المصانعة والدارة (1) . فسبحان الله أي دين تكون فيه المصانعة والمداراة أقبح من هذا !! ثم لم يحيوا سنّة ولم يميتوا بدعة ، فإن قالوا إن صلتا ولى محمد بن جعفر على صحار (2) ثم عزله قبل أن يتم شهرين ، قيل لهم إن الصلت لم

يعزل محمد بن جعفر ولكن أبا جابر كره بعض الأمور فاستأذن فأذن له ، فإن يكن ذلك إثماً فقد وقع أمامكم في أعظم من ذلك .
إنما قد ولى محمد بن جعفر على صحار ، فقبل أن يخرج إليها اتاه مَنْ أربحه فولاه وترك محمد بن جعفر ، ولقد بلغنا أن محمد بن جعفر كان يأخذ أصحابه ووالي صحار الذين ولوه عليها يسير إليها ومحمد بن جعفر لا يشعر ، فمكر راشد بخيار أصحابه وما فعل أئمة المسلمين العدل !! فأتى آت إلى موسى فعاتبه في ذلك لمحمد بن جعفر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدارة : الملاطفة ، والمخادعة ، والدفع .


(2) تقع صحار على خليج عمان وعلى الساحل الرملي المنخفض لمنطقة الباطنة . وهي مدينة قديمة قامت فيها الزراعة كما كانت مركزا تجاريا هاما بين الهند والصين وأفريقية والشرق الأدنى وأوربا . وقد استقبل فيها عبد وجيفر ابنا الجلندى وملكا عمان ، رسول محمد عليه الصلاة والسلام يدعوهما إلى الإسلام في السنة السادسة للهجرة أو الثامنة . وقد زارها وكتب عنها عدد من الجغرافيين والمؤرخين والرحالة منهم الإصطخري وابن حوقل والمقدسي والمسعودي وأبو الفدا .
فقال كيف أصنع ؟! ليس أهل عمان إلى اليوم كما كانوا بالأمس !! حدثنا بذلك الثقة عن بعض أنصارهم ، فصارت بمنزلة ولاته الأمراء ، من يقبل القرية بأكثر ولوه ، ثم الله أعلم بالآثار والأخبار ، فإن يكن حقاً ما حكي على صلت وأصحابه فحق ما يحكى على هؤلاء . أما المعاينة فهي أشنع وأما الأخبار فهي مثل الأخبار وأقطع . وقد صارت مأكله لفساق السلطان لأن فيها تجارا وذمة ضعفاء .

ومن عجائبهم أن موسى رأى رجلا ضعيفاً ليس بإمام من أئمة الدين ولا يخاف على دولة ، رآه جالساً خارجا من المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة ثم بصر به يصلي بعد ما انقضت صلاتهم ، فاتهمه أنه لا يرى الصلاة معهم ففسقه ودعا عليه وشهر به وأغرى به السفهاء فساروا إلى منزله قريباً من فرسخ من المعسكر فشدوا يديه وراء ظهره وضربوه ، فيما بلغنا ، حتى أدموه ثم جاءوا به كأنه سافك دم أو قاطع طريق حتى أتوا به إلى السجن . فحدثنا عدل ثقة من المسلمين أنه كان قاعداً في المسجد وقد جاءوا به فقال إنه كان يسمع شيئاً ليس يشبه الضرب ولكنه يشبه الدوس من شدة الضرب فلما أدخلوه السجن قال واقتلاه فيما بلغنا ، فلبث في سجنهم مريضاً شديداً فيما بلغنا وقال لهم ارفقوا فشدوا يديه وراء ظهره وأتوا به السجن . فسبحان الله من فعلهم !! فلا براءة لموسى ولا لراشد من ضربه ولا من قتله ، ولولا أن موسى أغرى به وراشداً أمر به ، ثم لم ينكروا على من ضربه ولا منعوا عنه . فإن كان حقّاً ما ظنوا به من الخلاف عليهم ما كان لهم أن يفعلوا به ما فعلوا ، وقد ذم الله أقواماً فقال : { وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } (1) . وإن الجبابرة لم يبطشوا بأيديهم إنما بطش (2) بأمرهم سفهاء متاريف (3) أفرطوا في حدثهم .
ومما عابوا على صلت إذ لم يعاقب السجين يوم يوئمو (4) أو تحيلوا فيما فعل وهو ليس (5) أشد مما فعل بالسجين (6) ، لأن هؤلاء قد ضربوا من ليس عليه ضرب ، وأولئك لم (7) ينالوا أحداً بشيء فيما بلغنا . فإن قالوا إن صلتاً لم يحبس ابن ابنه حين

حبس (8) موسى وسبّه ، قيل لهم قد فعل رجل سفيه من أصحاب موسى أمرا بيس بهين وفي الظن أن موسى لم يكن ليقرب إلى حبسه .
ومما عابوا على الصلت أنهم قالوا أن ابن أبي المقارش يسعر السوق برأيه ولا ينكر عليه الصلت ، وقد يمكن أن يكون الصلت لم يعلم بذلك وقد فعلوا هم ما هو أعظم من ذلك ، إنما أمر راشد ولاة القرى أن لا يدعوا الناس يشترون من طعام أهل القرى وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء : آية 103 .
(2) كتب في المخطوط : " إنما بطشوا " .
(3) المترف : الجبار المتنعم الذي يصنع ما يشاء ولا يمنع .
(4) يوئمو : هكذا في المخطوط .
(5) ليس : زيادة من عندنا وكذلك الواو سبقت هو .
(6) في المخطوط كتب : السجين ، من غير الباء .
(7) كتب في المخطوط : " وأولاتكم " .
(8) كتب في المخطوط : " حسا " ولكن كتبناها " حبس " لأنها تتفق مع سياق النص .


وولاته يشرونه لأنفسهم وهذا تحليل لما حرم الله {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (1) . فإن يكن حلالا فقد منعوا الناس من الحلال ، وإن يكن حراما فقد استحلوا الحرام . والبيع والشراء جائز وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار والمفاحشة (2) وأن تتلقى الركبان بالجلوبة إلى الأسواق ، ونهى الفقهاء عن حرق ما

ورد إلى الأسواق من طعام فإذا مر ثلاثة أيام أذن لهم بالبيع . وقد قيل إن أهل البلد أيضاً إذا طلبوا أن لا يخرج طعامهم من بلدهم مخافة القحط وأن يكون طعامهم في بلدهم على فقرائهم حكم لهم بذلك . فإن يكن أهل البلد طلبوا أن لا يخرج طعامهم فقد اشتروه هم وقد أخرجوه ، وإن لم يكن أهل البلد طلبوا ذلك فقد منعوا طالب الرزق وما أحل الله له . ولقد بلغنا أن تاجراً خرج إلى قرية يقال لها اييل فاشترى منها برا (3) على حساب مكوك (4) وثلث إلا ربع السدس بدرهم ، فأخذه والي ذلك البلد فقطره (5) حتى ردّ بضاعته التي اشتراها .
ثم الوالي رجع فاشترى ذلك الحب عـلى حســاب مكــوك وثـلـث وزيـادة عـلى مـا كان
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة : آية 275 .
(2) كتبت في المخطوطة : " المناحشة " . والمفاحشة : القول أو الفعل القبيح .
(3) البر : القمح .
(4) المكوك : هو مكيال يسع صاعا ونصفا : أو نصف الويبة ، والويبة اثنان وعشرون أو أربعة وعشرون مدا بمد النبي عليه الصلاة والسلام . ونلاحظ أن الموازين والمكاييل تختلف من بلد إلى آخر ومن عصر إلى عصر . وجمع المكوك : مكاكيك .
(5) قطره : صرعه صرعة شديدة . ولعله طلاه بالقطران .


اشتراه التاجر ، فأضر بالبائع وأضر بالمشتري ، فإنما كان عمله لنفسه . ثم إن التاجر

أتى راشداً فشكا إليه ، فكان إنصافه إياه أن طرحه في السجن ثم أخرج من السجن . ثم أتى إلى موسى فشكا إليه من الوالي فطلب الإنصاف فقال نعم ننصف فلم يرفع به رأساً ولم يوصل إلى الإنصاف ولم يكن منه شيء في هذا ، إلا أن موسى تكلم فقال إن الإمام قد ترك ذلك الذي كان يأمر به ، فلم يكن منه إنصاف ولا توبة إلا هذا فسبحان الله عما يصفون (1) . ثم هم فيما بينهم يتهامزون ويتطاعنون يسمى إمامهم حمارا حلبيا وتيسا عسفيا ، ويسمون قاضيهم أبا السطور ويسمونه حمق سفهاء من أصحاب راشد ومن أصحاب موسى يسمي بعضهم بعضا فيما بلغنا . وقد قال الله عزَّ وجل : {جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} (2) . إخوان علانية أعداء السريرة إلا أنهم قد اجتمعوا على أنهم قد قهروا المسلمين وأخافوهم وأرعبوهم ، وأخافوا عزان بن تميم وأخرجوه من منزله وداره بكفالة لا تلزمه ، وهم يعرفون فضله وقد كان موسى احتاج إلى رأيه . وحبسوا محمد بن عمر بن أخنس بلا ذنب ولا حدث منه إلا بسوء الظن أو ببغي أهل الكذب وهو معروف فضله مع المسلمين . ثم بعد ذلك أخافوه وبعثوا له الخيل فخاف من منزله بلا ذنب ولا حدث حتى ضاقت عليه الأرض ، واستلقى إليهم فلم يجدوا له ذنبا يستحق به العقوبة فحبسوه في عسكرهـم ولــم يأذنوا لـه بالانـصراف إلـى مـنزله حـتى
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إشارة إلى قوله تعالى : ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) سورة الصافات آية: 180 .
(2) سورة الحشر : آية 14 .



أخذوا عليه كفيلا ، وما ذلك منهم بعدل . وهذا من عجائبهم وما لا يحصى في تسعة عشر شهرا مذ ملكوا ولديهم المزيد .
وإنما ذكرنا هذا من أحداثهم لأنهم حاربوا صلتا وخرجوا عليه بدون هذا من الحدث . وقال الله تعالى : {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} (1) . وإن المسلمين مع هذا لا يرون الخروج عليهم ولا يستحلون عليهم ما استحلوا هم من الصلت إلا من بعد إقامة الحجة وبذل النصيحة وإن كانوا لا يقبلون نصيحة ولا يسمعون حجة ، يكابرون الحق ويدفعون العيان . وإن من دين الله الإمامة وهي حق الله واجب عباده لإقامة الحدود وإنصاف المظلوم والحكم بالعدل بين الناس عامة وقد قال الله : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (2) وقال : {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} (3) . فإذا ظهر المسلمون اجتمع في الأرض فقهاؤهم وذوو الرأي وأهل الفضل منهم واجتهدوا لله في النصيحة واختاروا رجلا طاعة لله لا لطاعتهم ، ولا يريدون أن يملكوه ويعملوا ما شاءوا ولكن أرادوه أن يملك الأمور بالعدل والاتباع لمرضـاة " الله " (4) . ثـم يختارون لله أفقـههـم
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القمر : آية 43 .

(2) سورة آل عمران : آية 104 .
(3) سورة السجدة : آية 24 .
(4) كتب في المخطوط : " أنفسهم " .


وأعلمهم وأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الحكم بالعدل وعلى محاربة العدو ، والذب عن الحريم وعلى جباية مال الله من حله وإنفاقه في أهله . وإن لم يجدوا عالماً فقيها فلا بد من هذه الخصال ، وأقل ما يكون من علم الإمام والوالي أن ينظر الولاية والبراءة ، ثم مع ذلك ، ولا يدع التعليم ولا يدع مشاورة أهل الفقه من المسلمين . فإن شاءوا بايعوا على الشراء (1) وإن شاءوا بايعوه على الدفاع (2) وفيهما شروط لا يعلمها كثير من أهل هذا الزمان وما ضيعنا من صفتهما إلا ليقضى الأمور دون المسلمين ، ولا يقوم رجلان يختلسان الإمامة " أو " (3) يغتصبانها كما روى من روى وأبطلوا الشورى بروايتهم ، والله يقول : {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } (4) . فإذا اجتمع أهل العلم وأهل الفضل فبايعوه لزمتهم طاعته وكان حقا على العامة من الرعية أن يسمعوا ويطيعوا للإمام وأن يسلموا لأهل العلم من المسلمين . فإن خرج على الإمام خارج جمع جمعا ونظر المسلمون في حدثه ، فإن كان أحدث حدثا من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بويع الإمام " على الشراء " أو كان " إماما شاريا " صفة للإمام الأباضي أو لبيعة الإمام الأباضي ، فالإمام الأباضي يشري نفسه لله ، وقد قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . سورة التوبة آية 111 .


وأما " قطع الشرى " فهي عبارة استخدمها الخوارج والأباضية ، ومعناها من يتقدم فيقاتل عن القوم ، أو من يتقدم إلى السلطان فيتكلم عن القوم .
(2) إمام الدفاع : هو الإمام الذي يبايع للجهاد والحرب .
(3) " أو " : زيادة من عندنا .
(4) سورة الشورى : آية 38 .


سفك دم وأخذ مال فإن أمكنوهم للحجة لم يعجل المسلمون عليهم حتى يحتجوا عليهم ويدعوهم إلى إعطاء الحق الذي امتنعوا به ، فإن أجابوا إلى ذلك حكم عليهم بكتاب الله ولم يعرض لهم إلا سبيل خير ، وإن كرهوا وحاربوا قوتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله . وإن كان اجتماعهم بغير حدث يكون منهم ، أوفد (1) المسلمون إليهم وفدا من صلحاء المسلمين يحتجون عليهم ويسألونهم ماذا يطلبون ، كما أرسل زيد بن صوحان إلى طلحة والزبير يسألهما ماذا ينقمون . فإن طلبوا وجها من الحق أجابوهم إلى ذلك ، فإن لم يكن لهم حق إلا المكابرة والبغي بعث المسلمون إليهم جيشا يسايرونهم ولا يبدءونهم بالقتال حتى يحدثوا حدثا فحينئذ يحتجون عليهم ويسألونهم ردّ الحدث كما فعل عمر بن عبدالعزيز ببسطام الصفري (2) ، وكل هذا والمسلمون لا يبدءون بالقتال . فإذا قاتلوهم فظفر الله المسلمين بالقتال على عدوّهم ووضعت الحرب أوزارها لم يقتلوا مولّي ولم يجهزوا على جريح يتشحط بدمه (3) ولم يعقروا دابة ولم يغنموا مالا ولم يسلبوا ولم يدخلوا منزلا إلا بإذن أهله ولم يكسروا قفلا ولم يهدموا بيتا ، ولم يجبروا

الناس على القتال ولم يعترضوا الناس بالقتال على غير دعوة يبينون لهم فيها الحق ولا يعاقبون مذنبا حتى يعرّفوه ذنبه ، فهذه سيرة المسلمين في حربهم في أهل قبلتهم . فإن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " وفد " .
(2) بسطام الصفري : من الخوارج الصفرية .
(3) تشحط بالدم : تضرج به ، واضطرب فيه .


أحدث الإمام حدثا نظر المسلمون في حدثه ، فإن كان حدثا مثل قذف أو زنا أو شرب خمر أو سرقة ، لم يكن بدّ من إقامة الحدّ عليه ، ولا يقيم الحدّ عليه إلا الإمام ، فحينئذ تزول إمامته ويبايع المسلمون إماماً يقيم عليه الحدّ ثم يستتيبونه فإن تاب قبلت توبته وقد زالت إمامته .
وإن كان حدثه من غير الحدود مثل جور في الحكومة واغتصاب الناس أموالهم ، نظر المسلمون في حدثه ثم استتابوه فإن تاب قبلت توبته على ردّ ما غصب ، والعدل فيما جار ، وعدل للظالمين والإنصاف بينهم إذا صحت عليهم الحقوق لمن تعدوا عليه . وإن أصر على ذنبه وامتنع عن التوبة أظهر حينئذ المسلمون حدثه وذنوبه التي أصرّ عليها إلى عامة رعيته حتى يكون عامة الرعية شهودا عليه ، ولا يقتلونه خلسة ولا يعزلونه خلسة ، فمتى فعلوا ذلك به لزمتهم التهمة مع عامة الرعية . فإذا شاعت أحداثه في رعيته ساروا إليه واستتابوه ما لم يقتل منهم احد ، فإن تاب قبلت توبته وفي

أنفسهم عليه ريبة ، فإن كابر المسلمين عزلوه إن قدروا وإن قاتلهم قاتلوه حتى يقتلوه كما فعل المسلمون بعثمان . ثم يستتيبون الناس من ولايته كما استتاب الناس من ولاية عثمان ولقد ظهر من أحداث عثمان ما لم يظهر من أحداث الصلت . ولقد استتاب (1) المسلمون عثمان ما لم يستتب (2) هؤلاء الصلت ، وان عثمان ضرب عمار بن ياسر
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " بابا "
(2) كتب في المخطوط " بيان " .


رحمه الله وقد فتق بطنه وقد شاع ضربه ، وضرب عبدالله بن مسعود رحمهما الله حتى مات من ضربه . وتحقيق ذلك قول عبدالرحمن بن جبل لعثمان :
ضربت الحبر عبدالله حتى ** ثوى في قبره للترب ميتا
وحرّقت المصاحف يا ابن أروى ** ووليت الجبابرَ واعَتدْيتا
وقال :
تعاطى ابن مسعود لينبش قبره :: ألا شلتا الكفان من كف نابش
تصلي عليه بعد ما قد قتلته :: فيا شرّ ذي نيل ويا شرّ رائش (1)
رويداك تلقى الله عن ذات قتله :: وتلقى ابن مسعود غداة التناوش
***

فهذا ما ثبت أن عثمان قتل ابن مسعود رحمه الله ونفى أبا ذر رحمه الله وغيره من المسلمين ، أخرجهم من ديارهم كرها إذ بذلوا له النصيحة وأمروه بالمعروف ونهوه عن المنكر ، وما علمنا أن الصلت عزل أحدا ولا ضربه .
فإن قالوا إن الصلت حبس فلانا بغير حق ، قيل لهم فهل استتبتموه ؟! وعرض التوبة على المسلمين واجب إن قالوا خفناه ، قيل لهم كيف خفتموه أن تستتيبوه ولم تخافوا أن تعزلوه ؟! فإن قالوا : هو اعتزل ، نحن لم نعزله ، قيل لهم حاربتموه وجمعتم الناس عليه فاعتزل من دار إلى دار لا تدرون كيف كان اعتزاله !! فإن كان معكم إماما فاعتزل من خوفكم . كان في الحق أن تؤمنوه وتضموه وتحتجوا عليه ، وإن كان كافراً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرائش : الذي يعطي الأرش أي الدية أو الرشوة .


فأظهر كفره إلى عامة من استنصرتم به حتى تعلموا ما علمتم . فإن قالوا إنا (1) صدقنا الناس ودخلوا في طاعتنا لم يكن علينا أن نبيّن لهم شيئاً ، قيل لهم إن الصلت كان إماما مجتمعا عليه فلا يزيل إمامته إلا حدث مكفر ويصح مع عامة أهل الدار ، وأنتم كان ولاتكم يدعون الناس إلى الطاعة وتجبون الصدقات بإمامته ، وخطباؤكم يدعون له ، وأولياؤكم ، فكان هذا كله بالغداة ثم عزلتموه بالعشي .!! فإن رجعوا وقالوا نحن لم نعزله ولم نروّعه وإنما جئنا نصحاً له ، قيل لهم أخطأتم وأنتم تعلمون الخطأ من وجهين : وجه لكم ، أخذتم طعاما جمعه ولاته من الصدقة من حب وتمر من إزكي

ومطي بالقهر والغلبة ، وهو إمام معكم فيما تزعمون حرام عليهم غلوله وأخذ ما جمعه ولاته ، وإن كان كافراً فقد زالت إمامته . فقد خصمتم أنفسكم إذ زعمتم أنكم كنتم ناصحين وقد أخطأتم في أخذكم ما جمعه ولاته من الصدقة وخالفتم سيرة المرداس (2) رحمه الله ، لم يستحل أخذ مال السلطان إلا ما كان لأصحابه عطاء ، ولو أن المرداس رحمه الله استحل مال السلطان (1) لأخذه وتقوى به على محاربته . ودخل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " إذا "
(2) شهد أبو بلال مرداس بن أدية التميمي معركة صفين مع علي بن أبي طالب وأنكر التحكيم . ولم يعجبه مقاتلة المسلمين بعضهم بعضا فانسحب وأقام في البصرة بعد موقعة النهروان مع قبيلته من بني تميم . وكان أبو بلال مرداس بن حدير أحد خاصة عبدالله بن وهب الراسبي وممن حضر صفين والنهروان ( انظر : الدرجيني : طبقات الأباضية (مخطوط) ورقة 92 و93 ، والبرادي : الجواهر المنتقاة ص 167 )
(3) يعني بالسلطان هنا معاوية بن أبي سفيان وواليه على العراق زياد بن أبيه ومن بعده عبيدالله بن زياد .


عليكم الخطأ من وجه آخر ، إنكم لما وليتم الأمر وعزلتم صلتا رجعتم ترسلون إليه يتبرأ من الإمامة وهذا منكم جهل وعنف كرجل تزوج امرأة رجل ثم أرسل إليه يطلقها فلا خير له في تزويجها طلقها أو لم يطلقها ، فقد استبان لكل ذي لب خطؤكم والحمد لله رب العالمين .
ثم جعل يظهر تفسيق أصحاب الصلت ويسميهم الفسقة ولا يسمي للصلت حدثاً بعينه وهم يجيزون شهادات أصحاب الصلت (1) ويستعينون بهم على أحكامهم يستكتبونهم

وسعيد بن محمد بن محبوب هو اليوم لهم كاتب ، وقد كانوا يعيبون صلتا به وهو إن أراد أن يجوّز راشدا في غلطه في حكم أمكنه ذلك منه ، لأن راشدا لا يعقل ولا يبصر ويحسب الخطأ صوابا ، ويولونهم من أحكام القصاص في الجروح (2) فسبحان الله عما يصفون . فقد استبان خطؤهم لكل ذي لب وقد لبسوا الحق بالباطل . وقد أفتاهم فيما بلغنا فقيه من فقهائهم بالغلط ، فمما أفتاهم زعموا أنه إذا دخل الناس (3) في طاعتهم ولم يسألوهم عن شيء فليس عليهم أن يبينوا لهم ، فمما (4) يقول مفتيهم أن لو كان الناس اختلفوا فسألوهم ولم يدخلوا في طاعتهم حتى يبينوا لهـم ، فإن قـالـوا قـد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " السلت " .
(2) كتب في المخطوط : " الخروح " وأحسبه تصحيف ، والجروح يعني القصاص والدماء .
(3) كتب في المخطوط : " دخلوا الناس " .
(4) كتب في المخطوط : " فما " .


دخلنا في طاعتهم ولا نسألهم عن شيء فما كان حقا عليهم أن يقفوا في الفريقين معا . فأي الفريقين كان أولى بالضلالة ؟! من سأل بيان الحق ؟! أو دان بالكتمان والجمجمة (1) وكان عند من غلب كفعل حشوية (2) أهل العراق ؟! فسبحان الله !! لقد فرق الله بين الحق والباطل ، وما لموسى وراشد وأصحابهما من حجة عند من يعقل ويعرف الحق من الباطل ، إلا أنهم يفزعون إلى اعتزاله وهو يقولون إنه لا وعيد ولا تهديد !! فأي وعيد أشد من غصبهم المال من إزكي ومطي !! شيء لم يستحله أحد من خوارج المسلمين بله (3) إمام جور !! وهذا نقض لحجتهم . ويروى عن عبدالله بن حازم أن موسى بن موسى أرسله الصلت بن مالك أن يعتزل فهذا من وعده المقدم . وقال

الصلت ، فيما بلغنا ، إن كان كائن عزلت !! فلم يقولوا له إن اعتزالك حق ولم يقولوا له إن تمسكك بالإمامة باطل ولا استتابوه من ذنب ، فإنما كانوا يقولون ولي والياً واعزل واليا ومعدّلا (5) وكاتبا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جمجم الكلام : لم يبينه . جمجم شيء في صدره : أخفاه ولم يبده .
(2) الحشوية : فرقة من الفرق التي ذكرها كتاب الملل والنحل ، وذكرها أيضا ابن النديم في كتابه " الفهرست " . وأشار إليها أبو عبدالله محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي في كتابه " الكشف والبيان " بجزأيه . وأهم ما يؤخذ عليهم الوقوع في التجسيم .
(3) كتب في المخطوط : " بل " .
(4) يعني بأئمة الجور حكام الأمويين وولاتهم باستثناء الخليفة عمر بن عبدالعزيز وحكام العباسيين .
(5) التعديل ، من عدل الشاهد أي زكـاه ، والتجريح من جرح الشهادة أو الشاهـد أي ردهـا أو رده .


والتعديل والتجريح من مصطلح الحديث والفقه ، فالتعديل هو التسليم لأحد بأنه حاصل على العدالة في الرواية والشهادة بسبب ما عرف عنه من استقامة السيرة في الدين والخوف من الله خوفا وازعا عن الكذب . والتجريح قول أئمة الحديث والفقه عن أحد الرواة أو الشهود أنه غير ثقة =

فإن قالوا إن صلتا لما اعتزل وكفر زالت إمامته ، قيل لهم إذا حملتم عليه أن يكفر وأخذتم الصدقات من جميع الولاة واستوليتم على الأمر فاتقوا الله ولا تكابروا الحق وتدفعوا العيان ... قوما فتحبسوهم وإذا احتاجوا إلى شهادتهم أخرجوهم ... على بيع الماشية من بعض الناس ويستشهدونهم على ما يحتاجون ... كفار فلا شهادة لهم وإن يكونوا مؤمنين فلا حبس عليهم وليس .... إليهم حقا فلا إله إلا الله !! فما ينبغي أن

يكون الإمام كذابا ولا مخلفا ولا حسودا ولا بخيلا ولا عجولا ولا مبذرا ولا غدارا ولا مكارا . ومما ينبغي للإمام أن يكون صدوقا وافيا جواداً رحيما كريما عفيفا ورعا قنوعا نزيها عن الطمع مصلحا بين الناس بجهده ... بين رعيته وبحكمه وقسمه لا يتفاضلون معه إلا بقدر فضلهم في الخلق وحسن المعرفة بالحق والنصيحة . نسأل الله لنا ولكم الهداية كما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله . تم الكتاب والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما ... إلا ما وجدته منقطعا فيما بين الأسطر (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= أو أمين في روايته وشهادته (انظر : أبو حامد الغزالي : المستصفى من علن من علوم الأصول ( طبعة مصر ) . ج 1 ص 100 وج 2 ص 102 - 103 ، وابن حجر العسقلاني : نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ، طبعة مصر سنة 1308 هــ ، ص 3 ، عياض بن عياض : كتاب الألماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص 3 ، وابن الصلاح الشهرزوري : مقدمة ابن الصلاح ، طبعة حلب ، ص 114 - 137 ، والدكتور أسد رستم : مصطلح التاريخ ص 100 - 123 ، وانظر أيضاً : الجرح والتعديل في التاريخ في مقدمة ابن خلدون ( طبعة الكشاف بيروت ) الكتاب الأول ص 35 - 38 ) .
هناك بياض بين الكلمات وخاصة في هذه الصفحة ، وهي التي أشار إليها ناسخ هذا المخطوط .

(2)
سيرة تنسب إلى أبي
قحطان خالد بن قحطان (1) رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد القهار العزيز القادر ، الباطن الظاهر ، الأول الآخر ، ذي العزة والجبروت ، والقدرة والملكوت ، وكل شيء سواه هالك يموت . نحمده على آلائه وجزيل عطائه وسابغ نعمائه ، حمدا يوجب المزيد وننجو به من العذاب الشديد ، الفعال لما يريد . ونستهدي الله للسنن ونعوذ به من الفتن ما ظهر وما بطن ، والعصبية والإحن ، وإنه الجواد ذو المنن ، وصلى الله على محمد الأمي خاتم النبيين وسيد المرسلين وآخرهم وخيرهم إلى يوم الدين ، وعليه من الله السلام والصلوات ، والرحمة والبركات ، وسلم على عباده وأوليائه ، من أهل أرضه وسمائه ، من الأولين والآخرين ، إلى أن يبعث الله الخلائق ليوم الدين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو قحطان خالد بن قحطان : من علماء وفقهاء عمان في القرن الثالث الهجري . وكان معاصرا لأبي المؤثر الصلت بن خميس وللإمام المهنا بن جيفر . وقد جاء عن أبي قحطان في حديثه عن أبي المؤثر في صفحة 266 من المخطوط : " فقد صحبنا أبا المؤثر ما شاء الله من الدهر رحمه الله وغفر له .... "
وكان أبو قحطان ممن يبرأ من موسى وراشد بسبب عزلهما الصلت عن الإمامة .

إن مما لا يسع جهله ولا ينكر عدله العلم بأن الله واحد فرد صمد ليس له صاحبة ولا ولد ، دائم حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، ولا تحيط به الأفكار ولا تكنفه الأقطار ولا يحويه مقدار ، ولا تحويه الأمكنة ولا تغيره الأزمنة ، ولا تقع عليه الحواس ولا يقاس بالناس ، جبار قهار ، عزيز غفار ، يوحد

ولا يبعض ، يعرف ولا يكيف ، يحقق ولا يمثل . لا تدور عليه الدوائر في الدنيا ولا في الآخرة ، لم يزل عالما حيا قيوما سميعا بصيرا قديرا بائنا في ذلك عن صفة خلقه ، لا يوصف في ذلك باختلاف ولا تكييف ، ولا بشبيه ولا بمثيل فيقال فيه ما يوصف في سواه ، فهو عالم بعلم وحي بحياة وقادر بقدرة وسميع بسمع وبصير ببصر والله تبارك وتعالى عن ذلك . بل هو العالم لا بعلم غيره والحي لا بحياة غيره والقادر لا بقدرة غيره والسميع لا بسمع غيره ، لم يزل عالماً بما قد كان وبما هو كائن إلى آخر ما يكون ، وعالم بما يكون قبل كونه أن لو كان كيف كان يكون ، المبتدئ خلق الأشياء لا من شيء ، ثم خلق الشيء من الشيء ، ولو شاء تبارك وتعالى لخلق كل شيء من لا شيء لأنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . كان ولا مكان ولا ملك ولا إنسان ، ثم خلق المكان فلم يتولج فيما خلق ولم يبن مما خلق ولم ينفصل عما خلق لأنه لو كان بائنا ومنفصلا لكان محدودا ، ولو كان ملاصقا ومتصلا لكان ممازجا لما خلق . والله


بر عظيم جواد كريم متعال عن التحديد والتكييف لأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (1) ولا يشبهه شيء {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (2) .
فهذا تعداد خلق الأشياء والأماكن كما كان قبل أن يخلقها لم يزل ولم يتحول ، ولم تجز عليه زيادة ولا نقصان ولا يشغله شأن عن شأن وهو كل يوم في شأن فلا إله إلا الله

العزيز الحكيم . ثم إن الله تبارك وتعالى شاء أن يظهر قدرته وأن يرى العباد ملكه وعزته فخلق الأشياء التي سبق في علمه أن يخلقها محصاة عنده كلها لا يحصيها إلا هو ، ولا لأحد أن يعلم منها إلا ما شاء . وأراد ما ظهر لخلقه من خلقه ما أراد ، وحجبهم عن رؤية من أراد تبارك وتعالى . لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وحجب خلقه رؤيته ودلهم على معرفته بالآيات التي أوضحها والعلامات التي بيّنها من خلقهم وخلق غيرهم . وكذلك قال في كتابه : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (3) . وأقام عليهم حجته وأوضح لهم معرفته ولم يعذر أحدا . وإنه حي غير هالك فهذا لا يسع جهله على حال من الأحوال . وخلق العرش كما وصف انه كان على الماء بقدرته ... والله غني عن العرش لأن العرش من خلق الله . اختبــر مـن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشورى : من آية 11 .
(2) سورة الشورى : من الأية 11 .
(3) سورة فصلت : الآية 53 .


اختبر من ملائكته وخلق السموات والأرض وما فيهن وما بينهن من الخلق وأجرى ذلك بلطف قدرته وجزيل نعمته . وخلق الجبال والبحار والرياح والأمطار والليل والنهار وما ذرأ (1) وبرأ (2) مما يرى ولا يرى . وخلق الملائكة وخصّهم بالسكن

في سمائه واستعملهم بعبادته ونزههم عن الشراب والطعام والجماع والأنجاس والأرجاس (3) . واصطفى منهم رسلا تفضيلاً منه لمن شاء لا يسأل عن ذلك تبارك وتعالى . وخلق الجان من مارج (4) من نار ، وخلق آدم من صلصال من حمأ مسنون . وخلق حواء (5) من آدم .
وكذلك قال في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (6) . ثم إن الله اختبر الملائكة وإبليس لطاعته ليعلم منهم الصادق في حال علمه والعاصي في حال علمه وقد سبق بذلك علمه بسعادة من سعد من خلقه وشقاوة من شقى منهم . ولكنه تبارك وتعالى لا يعذب أحدا على علمه فتكون له الحجة عليه حتى يحتج عليه ويعذر . فعرض الله الإسلام على الملائكة وإبليس والسجود لآدم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذرأ : خلق . (4) المارج : الشعلة ذات اللهب الشديد .
(2) برأ : خلق من العدم . (5) كتبت في المخطوط: حوى .
(3) الأرجاس : العمل القبيح . (6) سورة النساء : آية (1) .


وكان إبليس قد عبدالله ما شاء الله قبل خلق آدم فجعل السجود لآدم طاعة له لا لآدم ، فمن أطاعه فيما أمره نجا من عقابه ومن عصاه وقع في عذابه . فسجد الملائكة كلهم

أجمعون واستكبر إبليس فلم يكن من الساجدين . وكذلك كان في علم الله أنه لا يطيع وأنهم يطيعون . فكفر إبليس يومئذ بمعصية الله إذ ترك ما أمر به كفر نعمة ونفاق لا كفر شرك (1) لأنه لم يكن ذلك الوقت أشرك بالله وإنما صار مشركا بعد ذلك لما دعا إلى عبادة نفسه وعبادة الأوثان . فلم يعجل الله عليه لما ارتكب معصيته وضيّع أمره أن دعاه إلى التوبة ، فقال تبارك وتعالى : {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} (2) .
قال إبليس {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (3) . فلم يعتذر من ذنبه ولم يتب إلى ربه وأصر واستكبر وتولى وأدبر ، فأحبط الله عمله وقال له {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روى الشهرستاني أن زياد بن الأصفر إمام الخوارج الصفرية قال : الشرك شركان : شرك هو طاعة الشيطان وشرك هو عبادة الأوثان ، والكفر كفران : كفر بالنعمة وكفر بإنكار الربوبية ، والبراءة براءتان : براءة من أهل الحدود ( وهم من يرتكبون جريمة السرقة أو القذف أو الزنا أو شرب الخمر ... ) وهي سنة وبراءة من أهل الجحود وهي فريضة . ( انظر : الشهرستاني : الملل والنحل ج1 ص 184 - 185 - طبعة القاهرة 1317 هـ ) .
(2) سورة ص : آية 75 .
(3) سورة ص : آية 76 .
(4) سورة ص : الآيتان 77 و78 .


فطلب إبليس النظر إلى يوم البعث حسداً منه لآدم وذريته لكي يعصوا معصيته . فحرم الله عليه رحمته فصار إماماً للمصرّين من الخلق أجمعين . فمن أمره الله بطاعته أو

نهاه عن معصيته فارتكب نهى الله أو ضيع أمر الله فقد كفر كما كفر إبليس . فإن لم يتب ويندم على الذنب الذي واقعه وأصر عليه ، أحبط الله عمله وكان مع إبليس في لعنة الله لأن الله تبارك وتعالى حكم عدل في عباده .
ثم أسكن آدم وحواء جنّته وأراهما كرامته وأباح لهما أن يأكلا من الجنة رغداً حيث ما شاءا إلا شجرة حرّمها عليهما اختباراً منه لهما وحذرهما عداوة إبليس لهما وأن لا يخرجهما إبليس من رحمة الله وجنته كما خرج هو .
وقد علم الله تبارك وتعالى أنهما سيعصيانه فلم ينفعهما الحذر لهما والنصيحة لهما عما قد علم الله فيهما فخدعهما إبليس وغرهما ، كما قال الله تبارك وتعالى : { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا } (1) .
ووقعا فيما نهاهما ربهما فغويا بمعصيتهما إياه فلم يعجل عليهما كما لم يعجل على إبليس قبلهما لما واقعا الذنب لأن حكمه في عباده عدل غير جور {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف : الآيات 20 - 22 .

أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (1) .
فاعترفا بذنبهما وأنابا إلى ربهما ولم يصرا ولم يدبرا فتاب عليهما الله فصارا إمامين للتائبين . ولو لم يتوبا لكانا من الخاسرين ، ولكن التوبة نجاة من الله لعباده جعل الله ذلك رحمة منه ، وكل من أمره الله بطاعة أو نهاه عن معصية فارتكب نهي الله أو ضيع أمر الله ، فقد عصى الله ، فإن تاب ولم يصر كما تاب آدم وحواء تاب الله عليه لأن الله يحب التوابين .
فافهموا رحمنا الله وإياكم أصل الدين !! واعلموا أنه لا صغير من الذنب مع إصرار ولا كبير مع استغفار . ومن أصر على الذنوب كان حقَّا على الله أن يحبط عمله ويلحقه بإبليس ، ومن تاب من الذنوب مخلصاً كان حقّا على الله أن يلحقه بآدم وحواء وليس منزلة غير هاتين ، فتيقظوا وتفهموا (2) لدينكم فتعلّموا ولا تكونوا كالذين منوا أنفسهم الأماني الضالة والروايات الكاذبة وادعوا لأنفسهم الجنة على المعاصي وقد نهاهم الله عن ذلك ، " وقد زعموا " (3) أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تخلد في النار وأنه يأتي على النار وقت تصفق أبوابها ليس فيها موحد . وقال الله تبارك وتعالى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف : الآيتان 22 ، 23 .

(2) كتب في المخطوط : " فتيقضوا وتفهمون " .
(3) كتب في نسخة أخرى " وهم يروون " .


تكذيبا لقولهم فيما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال :
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (1) وقال في آية أخرى {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (2) . وإنما ذم الله لهم من قال هذا القول ، لأن لا تقول أمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما قال من قبلهم ، فلم ينفعهم الله بذلك الذي قد علمه منهم وجعلوا لأنفسهم عند الله منزلة لم تكن لأبيهم آدم صلى الله عليه وسلم ، لو لم يتب ما شم رائحة الجنة وإنما كان أخطأ فلولا التوبة للحق بإبليس لعنه الله ولكن أنقذه الله بالتوبة . فافهموا معاشر المسلمين أن حكم الله واحد وأن ليس لكم منزلة خلاف أبيكم عند الله . ولولا طول الكتاب لأوضحنا من الحجج على الحشوية والمرجئة (3) أكثر من هذا ، وللعاقل في هذا كفاية إن شاء الله .
ثم أهبط آدم وحواء وإبليس من السماء إلى الأرض للسابق في علمه ، وأسكنهم الله الأرض وجعل لهم ذرية وجعلهم عمارها وأسبغ عليهم النعمة واصطفى لهم رسلا حجة منه عليهم يحتج بعضهم على بعض . وقد علم تبارك وتعالى من يعصيه منهم ومن يطيعه ولكن لا يعذبهم بعلمه لكيلا تكون لهم حجة فيقولوا : {رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} (4)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : آية 24 .
(2) سورة البقرة : الآيتان 80 - 81 .

(3) كان المرجئة يتحرجون عن إدانة أي مسلم مهما كانت ذنوبه التي اقترفها . ( انظر : دكتور حسن إبراهيم حسن : تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 327 - 328 وما ذكره من مراجع ) .
(4) سورة طه : آية 134 .


فأرسل الله فيهم رسلا يدعونهم إلى الله وتنذرهم وتوعدهم وتحذرهم ، فكان الرسول يأتي إلى قومه يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنه رسول من الله إليهم وأن ما جاء به من الله فهو حق وأن يتبعوا ما أمرهم الله به أو نهاهم عنه . فمن آمن بذلك الرسول منهم واتبعه اهتدى ، ومن كفر به ضل وغوى ، وكان الله ورسوله والذين آمنوا منه براء . ثم يبعث الله من بعده رسولا إلى قومه يدعو إلى ما يدعو إليه الرسول الذي قبله من التوحيد والتصديق بالرسول الأول وأنه رسول من الله ، والعمل بما أنزل الله على هذا الرسول الآخر . فكان على أمته ومن كان بعصرهم ، ومن بقي من أمة الرسول الأول ويعلم أنهم كانوا على حق ، " أن يعلموا " (1) بما أمرهم به هذا الرسول الآخر لأن الله تبارك وتعالى كان (2) بأمر رسوله بأمر وينهاه عن نهي ، ثم يرسل رسولا من بعده فيحل له شيئا كان رحمه على الأول ويأمره بما لم يكن أمر به الأول . فمان آمن بهذا الرسول الأول والآخر اهتدى ومن كفر بهما أو أحدهما ضل وغوى . فتتابعت رسل الله على ذلك رسول بعد رسول ، كلمتهم التي تجمعـهم شهـادة أن لا إلـه إلا الله وأنـهم رسـل الله وأن مــا جــاءوا بـه هـو الحـق . وقد

يختلفون في الوظائف ، يتولون بعضهم بعضا ويصدقون بعضهم بعضـا ويتولـون مـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " ويعملوا " .
(2) كتب في المخطوط : " كما " .


آمن معهم ويبرءون ممن كفر بالله وجحد به وكذب به ، وليهم من أطاع الله وعمل بما أمره ، وعدوهم من عصى الله وضيع ما أمره به ، صلى الله عليهم أجمعين . إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، على حين فترة من الرسل واقتراب من الأجل ، في أهل جهل وجاهلية وعصبية وحمية يستقسمون بالأزلام (1) ويعبدون الأصنام ، ويأكلون الميتة والدم الحرام ويرثون النساء كرها ، ويأكلون مال اليتامى ظلما ويقتلون الأولاد ، ولا يؤمنون بالمعاد ، ولا يخافون عقابا ولا يرجون ثوابا . فأنقذهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى ما دعا إليه الرسل (2) من قبله إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به من الله فهو حق عند الله ، وأن يؤمنوا بالرسل التي خلت من قبله ، وأن يعملوا بما أمرهم الله به وينتهوا عما نهاهم الله عنه مما أنزل . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله داعيا ومصدقا برسل الله كلهم ومواليا لهم ولمن اتبعهم ويبرأ ممن كذب بهم أو ببعضهم . وكان الله تبارك وتعالى

يأمره بأمر وينهاه عن نهي ثم حوله إلى غيره فيؤمن هو ومن اتبعه صلى الله عليه وسلم بالتنزيل الذي كان يعمل به ، ويرجع إلى ما أمر به فيعمل به ويعلم أنه حق ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الزلم : هو القدح ، وجمعها أزلام . والقداح هي السهام التي كان الجاهليون يستقسمون بها أي يستشيرونها فيما يهمون بالقيام به من سفر أو تجارة ، أو نحو ذلك .
(2) كتب في المخطوط : " الرسول " .


ويعلم أن الذي كان عليه ثم حوله عنه حق ، من ذلك القِبلة (1) التي صرفه الله عنها ، كان صلى الله عليه وسلم صلّى في أول مرة إلى بيت المقدس وحوله الله إلى الكعبة . ومن ذلك الصيام الذي كان يصومه هو وقومه في أول مرة ، كان عليهم الصيام ثلاثون يوماً ، وكان الطعام والشراب والجماع لهم حلال في الليل ما لم يصلوا العتمة أو ناموا فنعسوا ، فمن صلى العتمة أو نعس حرم عليه الطعام والشراب والجماع ، فحوله الله عن ذلك وأحل له ولأمته الطعام والشراب والجماع في الليل إلى طلوع الفجر . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " صوموا لرؤية الهلال وأفطروا عن رؤيته فإن عمي عليكم فأتموا ثلاثين يوماً " . ومن ذلك أنه كان يوادع من وادعه ويحارب من حاربه حتى نزلت آية السيف (2) ، وأشباه هذا كثير يطول تعديده . وكان صلى الله عليه وسلم لا يأمر قومه إلا بما أمره الله به ولا ينهاهم إلا بما ينهاهم الله عنه ، ولا يحل لهم شيئاً ولا يحرم عليه إلا ما أمره الله . وكان القرآن ينزل عليه شيئا بعد شيء

وهو يأخذ من الله مما أحدث الله من أمره ويعلم أنما كان ذلك عليه أولا حق ، والمسلمون يتبعونه فيما يأمرهم ويأخذون من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحدث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يذكر ابن هشام في السيرة أن الرسول عليه الصلاة والسلام ظل يصلي قبل بيت القدس إلى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة ، حين أمره الله سبحانه وتعالى بالتحول إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس . وكانت الكعبة معقد احترام وفخار قبائل العرب جميعا وهي البيت الذي رفع قواعده سيدنا إبراهيم مع ابن إسماعيل .
(2) آية السيف : هي الآية 36 من سورة التوبة . قال الله تعالى : {أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} . انظر : الفيروزابادي : بصائر ذوي التمييز ج 1 ص 125 .


من أمره ويؤمنون بالذي كانوا عليه ويعلمون أنه حق . والقرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه ومقدم ومؤخر وحلال وحرام وفرائض وأمثال وأقسام ووعد ووعيد وآداب ، وفي القرآن ما يؤمن به ولا يعمل به وفيه ما يؤمن به ويعمل به . وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم ناسخ ومنسوخ ومقدم ومؤخر وحلال وحرام ، ونهي حرام ونهي أدب . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ مما أحدث الله إليه ويعمل به والمسلمون يتبعونه وناظرون إلى ما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذون من أمره بالأحدث حتى أنزل الله : {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } (1) . وكان بين نزول هذه الآية وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتان وثلاثون ليلة ، فيما أحسب أني حفظت والله أعلم .

فمنذ نزلت هذه الآية لم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي ، فحلال الله مذ نزلت هذه الآية حلال إلى يوم القيامة ، وأنزل الله عليه قبل وفاته بليلتين : {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (2) .
فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد أن بلغ رسالته وأظهر دعوته وبيّن حجته ، وأخمد الكفر والنفاق ، وأظهر دين الله على كراهية المشركين عليه والمنافقين ، صلى الله عليه وسلم تسليما . فلما قبض رسول الله صلـى الله علـيـه وسـلـم ولـم يـكـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : آية 3 . (2) سورة البقرة : آية 281 .


استخلف على أمته أحداً ، علم المسلمون أنه لا يسعهم إلا أن يقيموا دين الله ، وأنهم لا يقدرون على إقامة دين الله إلا بإمام يعمل بكتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم . فنظروا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يروا أفضل من أبي بكر ولا أولى بالتقديم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالصلاة لما مرض ، فقال المسلمون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنه على ديننا فنحن أجدر أن نأمنه على دنيانا . ولم يفعلوا ذلك إلا اجتهادا لله ، فوفّقهم الله وجمع شملهم وألف كلمتهم . ولولا أن الإمامة فريضة في كتاب الله ما استبدع المسلمون إذ تركهم النبي صلى الله عليه

وسلم ، ولكن الله يقول : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } (1) .
فقد قال من قال من المسلمين إنهم أئمة العدل ، فقدموا أبا بكر رضي الله عنه وكان لذلك أهلا ، فلما اجتمع رأيهم عليه ، لم يخالفهم أحد فقدموه إماماً على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فعمل بكتاب الله وسنة نبيه ووطئ أثره . فأرتدّ من ارتد من العرب على فرقتين ، فرقة منعت الزكاة لم تر له طاعة ، وفرقة رجعت إلى الشرك ، فقاتلهما جميعاً حتى ردّهما إلى ما كانتا عليه ومنه خرجتا وأقرتا بما أنكرتا .
فسار أبو بكر رحمه الله بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووطئ أثره ولم يعب عليه أحد من المسلمين شيئاً من أمـوره ، لا من حـكـم حكمه ولا مـن قسـم قسمـه حتـى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 59 .

قبضه الله إليه رحمة الله عليه ، والمسلمون له مجامعون وموالون وعنه راضون . ثم استخلف عليهم من بعده عمر بن الخطاب الفاروق رحمه الله لما رأى فيه من القيام بحق الله والعمل بكتابه وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فوفقه الله على اختياره للمسلمين .
فوطئ عمر بن الخطاب رحمه الله أثر صاحبيه وسار بسيرتهما وبلاه الله بفتوح المدائن وغنائم الأموال ففرض العطاء وجند الأجناد ومصر الأمصار ، وأنزل نفسه

وأهل بيته بمنزلة بيت من بيوت المسلمين ولم يزل يسير بالحق ويعمل به ويوالي عليه ويعادي عليه حتى أكرمه الله بالشهادة على يد عبد للمغيرة بن شعبة يقال له أبو لؤلؤة ، مشركاً لعيناً لعنه الله !! ، فلما حضرته الوفاة طلب إليه من طلب من المسلمين أن يستخلف عليهم ، فقال عمر رحمه الله : إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن استخلفت عليكم فقد استخلف عليكم من هو خير مني ، يعني أبا بكر رحمه الله . ثم جعل الخلافة شورى في ستة نفر من المسلمين ، عبدالرحمن بن عوف ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة ، والزبير (1) . وأمر صهيباً بالصلاة حتى يختار أهل الشورى . ثم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب قال مخاطبا هؤلاء الستة : " إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم " . ونلاحظ أن على بن أبي طالب رئيس بني هاشم ، وسعد بن أبي وقاص وعبدالرحمن بن عوف زعيما بني زهرة ، وعثمان بن عفان شيخ بني أمية ، وطلحة سيد بني تيم ، والزبير سيد بني أسد .
قبضه الله إليه واختار له ما لديه ، رحمة الله عليه ، والمسلمون عنه راضون وله مجامعون وموالون لم يعيبوا عليه شيئاً من أموره ولا من أحكامه من استشهد رحمه الله وجزاه وجزى أبا بكر عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء . فما شقا عصا المسلمين ، ولا فرقا شملهم ، ولا قطعا حبلهم ، ولا شتّتا كلمتهم ، ولا مال بهما عن دين الله هوى ولا إيثار دنيا رضي الله عنهما .
فلما قبض الله عمر إليه واختار له ما لديه ، اجتمع أهل الشورى الذين جعل عمر رحمه الله الشورى فيهم فاجتمعوا على عبدالرحمن بن عوف لأنه كان أفضلهم ، فولّى

عبدالرحمن رحمه الله الخلافة عثمان بن عفان ، فاختاره على أصحابه ورجا فيه القيام بحق الله . فعمل عثمان بن عفان ست سنين أو ما شاء الله والمسلمون له مجامعون ، وكان في ذلك دون صاحبيه . فلما كان في الست الأواخر من عمره أحدث أحداثاً يكرهها المسلمون ولم يعرفونها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من سيرة أبي بكر وعمر رحمهما الله . فلما رأى المسلمون ما نزل بعثمان رأوا لأنفسهم أنه لا يسعهم إلا دون أن ينكروها عليه فكانوا ينكرون عليه .
فـضـرب عـبـدالله بـن مـسـعـود (1) رحـمـه الله حـتـى كـسـر أضـلاعـه فـمـات رحـمه الله وحـرمه عـطـاءه قـبـل مـوتـه حـتـى مـات . وضـرب عـمـار بـن يـاسـر (2) حـتى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عبدالله بن مسعود : هو عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي . صحابي ومحدث كبير ومن السابقين إلى الإسلام ، وهو أول من جهر بقراءة القرآن في مكة . وكان من ألزم الناس للنبي عليه الصلاة والسلام في حله وترحاله . وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ( من سره أن يقرأ القرآن غضا كيوم ما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد ) . وقد عرف عبدالله بن مسعود بابن أم عبد . وقد ولي عبدالله بن مسعود بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بيت مال الكوفة ، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان بن عفان فتوفي فيها عن نحو ستين عاماً . ( ابن حجر العسقلاني : الإصابة في تمييز الصحابة ج2 ص 368 ) .
(2) عمار بن ياسر : من عنس من اليمن ، وهو حليف لبني مخزوم ، ويكنى أبا اليقظان =
فتق بطنه . ونفى أبا ذر (1) إلى أرض الربذة (2) . ونفى رجالا من المسلمين يطول تعديدهم . وآوى طريد (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم مروان بن الحكم وأعطاه مائة ألف من بيت مـال الله ، وأبو بكر وعمر لم يؤمناه لما طـرده الـنـبـي صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم وأخـافـه ، وآواه عـثـمـان . وحـمـى (4) قـطـر الـسـمـاء لـنـفـسـه والله يـقـول : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (5) . واسـتـعـمـل الــسـفـهـاء مــن أقـاربــه ، اسـتـعــمـل الـولـيـد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= وكان عمار من المستضعفين بمكة . وقد بايع عمار عثمان مع غيره من المسلمين ، ولكن لم يلبث أن ظهرت معارضته لعثمان عنيفة حادة . واشترك عمار مع جماعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في كتاب كتبوه إلى عثمان يلومونه ويعظونه ، وأقبل عمار بالكتاب فكان أشد الناس معارضة لعثمان . ونزل عمار بالكوفة ولم يزل مع علي بن أبي طالب يشهد معه مشاهده وقتل بصفين في سنة 37 هـ ودفن هناك . ( أنظر : ابن سعد : الطبقات الكبرى ج 6 ص 14 ، والطبري : تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 38 ) .
(1) تحدث عن أبي ذر الغفاري المؤرخون القدامى وكتاب الطبقات وذكروا حسن إسلامه . وفي الطبقات الكبرى لإبن سعد عن الرسول عليه الصلاة والسلام نقلا عن عبدالله بن عمر : ( ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر ) . ونقلا عن أبي هريرة قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر ) ، ( انظر : ابن سعد : الطبقات الكبرى ج 14 ص 228 - دار صادر بيروت 1377هـ / 1957 م ) .
(2) الربذة : قرية صغيرة على مقربة من المدينة .
(3) كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد طرد الحكم بن أبي العاص وأهله من المدينة بسبب إيذائهم للرسول عليه الصلاة والسلام ( ابن سعد : الطبقات الكبرى : ج 5 ص 26 ) .
(4) الحمى : موضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يرعى . ويقال حمى فلان الأرض يحميها حمى حتى لا يقرب .
(5) سورة يونس : آية 59 ، وقد وردت أخطاء في الآية في المخطوط فصححناها .





ابن عقبة (1) على الكوفة فجعل يلعب بالسحرة (2) ، ولولا طول الكتاب لقصصنا من أخباره أكثر من هذا ، وفي هذا كفاية لمن عقل وتفكر وبصره الله الحق .
فلم يعجل عليه المسلمون ولم يغتنموا عثرته ولا زلّته بل أعذروا إليه واحتجوا عليه وطلبوا منه الرجوع إلى الحق بأن ينصف من نفسه ويصبر للحق وينزل نفسه حيث

أنزله الحق . فمرة يعدهم أنه يعطيهم الرضى من نفسه ويصبر للحق ومرة يمتنع حتى كان آخر ذلك أنهم ساروا إليه من أطراف الأرض يسألونه التوبة والاعتزال عن أحكامهم ، فقبل لهم بالرجعة إلى الحق ورد المظالم إلى أهلها والإنصاف من نفسه . فقبلوا منه ورجعوا عنه حتى ينظروا فعله ، وكذلك في الحق عليهم ألا يردّوا التوبة على أهلها . فألحقهم يزيد في آثارهم بكتاب منه إلى بعض عماله أنهم إذا وصلوا نهاراً لا يُمسُوا وإذا وصلوا ليلا فلا يصبحوا ، يأمر بقتل المسلمين . فأظهرهم الله على كتابه بخاتمه ، فرجعوا إليه بالكتاب وسألوه أن يعتزل عنهم وقالوا : قد كنا نتهمك في دين الله وفي دنيانا فأعتزل أمرنا . فقال : لا أخلع سربالاً كسانيه ربي ، يعني المُلك ، فحاصروه ، فرمى رجل من أصحابه رجلا من المسلمين يقال له دينار فقتله . فطلب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان الوليد بن عقبة اخا لعثمان بن عفان - لأمه - كان يلعب بالسحر وهو أمير على الكوفة . وروي أنه صلى بالناس الصبح وهو سكران ثم قال لهم : إن شئتم أن أزيدكم ركعة زدتكم . فلما بلغ عثمان ذلك لم يسرع إلى إقامة الحد عليه بل أخر ذلك . ( انظر : ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ج 1 ص 36 ) .
(2) كتب في المخطوط : ( بالشحرة ) .


المسلمون أن يقيد (1) لهم قاتل صاحبهم فقال ، لا أقيد لكم رجلا ينصرني وأنتم تريدون قتلي .
فلما امتنع من التوبة وأصر من عطية الحق وظهر كفره في الدار والدعوة ولم يرتب أحد من المسلمين في قتاله فقاتلوه فظفرهم الله به فهزموا أصحابه فقتلوه خليعاً من

الإيمان خارجا منه بحكم القرآن لأن المسلمين إنما قتلوه بحكم كتاب الله ، لأن الله يقول : {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} (2) .
فلما نكث عثمان عن دينه وطعن في دين المسلمين قتلوه بكتاب الله ، كذلك كان في علم الله أنه يكون فكان ، فلم يغنم المسلمون ماله ولا سبوا ذريته ، ولم يستحلوا منه سوى أن يعزلوه ، فلما امتنع وحاربهم قتلوه . فلما أظهر الله المسلمين على عدوّهم لم يكن لهم بدّ من القيام بدين الله وأن يقدموا إماماً يقوم بالحق ويعمل به ، فبايعوا علي بن أبي طالب على كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم ، وعلى ما بويع عليه أبو بكر وعمر ، والبراءة من عثمان وشيعته لا اختلاف بينهم في ذلك لأنه أول من شق عصا المسلمين وفرّق كلمتهم وشتت شملهم وطرح الفرقة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان طلحة والزبير ممن بايع علي بن أبي طالب من بعد قتل عثمان . فقام علي بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أقاد القاتل بالقتيل : قتله به قودا أي بدلا منه .
(2) سورة التوبة : آية 12 .


أبي طالب بأمر المسلمين ، فولّى الأمصار واستتاب ولاة عثمان ، ولم يكن يولي أحداً من ولاة عثمان إلا بعد التوبة من ولاية عثمان . وكان يستتِب الولاة والناس شاهراً ظاهراً غير سريرة ؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ " ( يا معاذ احدث مع كل ذنب توبة السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية ) .

فاستتاب عليّ الناس من ولاية عثمان علانية غير سريرة والمسلمون في ذلك أعوانه وأنصاره مجامعون له .
ثم إن طلحة والزبير نكثا نكثاً ببيعتهما وأغريا (2) أم المؤمنين وقالا لها إن عثمان قتل من بعد ما تاب وإن عليَّا ابتزّ الإمامة لنفسه من غير مشورة من المهاجرين والأنصار . فلم يزالا بها حتى خدعاها وغراها وأخرجاها من بيتها الذي أمرها الله أن تقر فيه لما سبق في علم الله من فتنة من افتتن وهداية من اهتدى . فلما سارت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة ويدعون الناس إلى قتال عليّ والمسلمـين ، ويظهـرون إلى النـاس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معاذ : هو معاذ بن جبل ، وكان أنصاريا من الخزرج ويكنى أبا عبدالرحمن . وهو أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة من الأنصار ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة بين معاذ بن جبل وبين جعفر بن أبي طالب . شهد معاذ بدرا وحارب في اليرموك . وأرسله الرسول عليه الصلاة والسلام إلى اليمن ليعلمن الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من عمال اليمن . وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يشير إلى علمه بالحلال والحرام . توفي معاذ بن جبل في طاعون عمواس في الشام سنة 18 هجرية . ( انظر : الاستيعاب لابن عبد البر على هامش الإصابة لابن حجر العسقلاني ج 3 ص 335 - 339 ) .
(2) كتبت في المخطوطة : " واغترا " .
أن عثمان قتل مظلوما وإنما يطلبون بدمه وأن عليا ابتز الإمامة وإنما يقاتلونه حتى يردوا الأمر شورى بين المسلمين . واتبعهم على ذلك من شاء الله من طغام (1) الناس وغواتهم ، وجاء البلاء والتمحيص (2) والتمحيق (3) بأن الله يقول : {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (4) . وقال : {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ

الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (5) . فحذرهم الفتنة ولكن لا محالة عما علم الله . وطلبت عائشة بدم عثمان بعد أن كانت تظهر كفره وتشهد عليه بالكفر وتخرج مصحفها في حجرها فتقول : أشهد بالله أن عثمان قد كفر بما في هذا المصحف ، مع قول غير هذا ، ولكنه يطول التعديد . وقد عهد الله إليها في كتابه أن تقر في بيتها وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الحجاب وحذرها الفتنة ، وقال لها صلى الله عليه وسلم ذات يوم ولأم سلمة زوجته : أيكن تركب الجمل الأذنب وتنبحها كلاب الحوأب (6) !! وكان في يد أم سلمة إناء فارتعشت يدها حتى سقط الإناء من يدها ، وبسمت عائشة ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أظنك هي يا حمير الشفتين !! (7) فلم ينفعها ما أمرها الله لأنه لا محالة عما علم الله ، كما لـم ينـتفع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طغام الناس : أوغاد الناس .
(2) محص الشيء : خلصه مما يشوبه وطهره ونقاه .
(3) محق الشيء : أبطله ومحاه .
(4) سورة العنكبوت : الآيتان 1 -2 .
(5) سورة الأنفال : آية 25 .
(6) ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان أن " الحوأب " موضع في طريق البصرة .
(7) حين خرجت السيدة عائشة مع طلحة والزبير لمحاربة علي وحين وصلوا إلى ماء الحوأب نبحتهم كلابه . فسألت عائشة محمد بن طلحة : أي ماء هذا ؟ قال : ماء الحوأب . فقالت ما أراني إلا راجعة . قال : ولم ؟ قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه : كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب ، وإياك أن تكوني أنت يا حميراء !! فقال لها محمد بن طلحة : تقدمي رحمك الله ودعي هذا القول . وأتى عبدالله بن الزبير فحلف لها بالله أنها غادرته . ( انظر : ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ج 1 ص 99 - 100 ، 103 ، 105 - 106 ، 125 - 130 ، وابن عبد ربه : العقد الفريد ج 3 ص 103 - 104 ) .


مَن قد وصفناه في كتابنا ممن وقع في المعصية بعد التحذير .

فلما عزمت هي وطلحة والزبير على قتال المسلمين وأخذوا البصرة وقتلوا من قتلوا من المسلمين في البصرة ونتفوا لحية عثمان بن حنيف والي عليّ على البصرة وأحدثوا في البصرة أحداثاً يكثر وصفها ، لم ير المسلمون لأنفسهم السلامة على ترك قتالهم للذي قد حملهم الله من كتابه من القيام بحقه ، ولم يتسعوا بالقعود عن قتالهم ولم يشكوا في دينهم ، كما لم يسع أبا بكر القعود عن قتال من ارتد عن الإسلام وخلع طاعته ومنع الزكاة . والمسلمون شهود على أعمال العباد ويطئون آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما . وكذلك لم يتسعوا بالقعود عن قتال عثمان والإنكار عليه من بعد ما أظهر كفره في الدار والدعوة حتى قاتلوه فقتلوه بكتاب الله وعلموا أن من نكث فلا دين له . وقد أمر الله بقتال الفئة الباغية في كتابه ، فقال : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (1) .
فعلموا أنه لا يسعهم إلا أن يقاتلوا من بغى في الإسلام على المسلمين ، وقالوا لو شكّ عن محاربة من بغى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لشكّوا في قتـال عـائـشة لأنهـم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات : آية 9 .

كانوا يشهدون لها بالجنة للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الجنة ) ، والله أعلم .
فلما أحدثت عائشة البغي في الإيمان علموا أنهم قد اختبروا بقتالها فقال قائل منهم ، وأحسبه زيد بن حصن ، أما أنا فأشهد أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ، ولكن الله قد ابتلاكم بها لينظر أتطيعونه أم تطيعونها !! فقالوا إن طاعة الله أولى فساروا إلى البصرة فلم يعجلوا على القتال حتى احتجوا على عائشة وطلحة والزبير . وكان من حجة عليّ عليهم فيما رواه أبو المؤثر رحمه الله ، ماذا تنقمون علي؟! اغتصابا للإمامة أم جورا في حكم أم استئثاراً بفيء؟! فلم يقبلوا الحق ولم يرجعوا عن غيّهم مما قد علم الله . فزحف الناس بعضهم إلى بعض ، فأما الزبير ففرّ من بعدما أوقد نار الحرب وضرب الرجال بالرجال فقتله ابن جرموز (1) بيّته في منامه ، والمسلمون يبرءون من الزبير لأنه لم تكن منه توبة وظفره بالباقين فقتل طلحة في المعركة معانداً للإسلام . وأخذ المسلمون بهودج عائشة ودخل عليها من دخل من المسلمين وفيهم عمار بن ياسر رحمه الله فقال لها عمار : السلام عليك يا أماه (2) !! قالت : لست لك بأم . فقال لها عمّار : بلى وإن كرهت !! قالت : لولا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك لأسمعتك ما تكره !! قال لها : الله الله يا أم المؤمنين فحرمي من شتمي (3) الساعة وابقي وإنما أحللت دمي بقول قرّبنا ، أتحلين قتلي !! ثم قال لها عمار : أخبرينا عن هذا القتال الذي تقاتلينا ، أعهد عهد إليك رسول الله أم رأي رأيتيه ؟! فقالت عائشة : بل رأي رأيته . ففرح المسلمون وقالوا : رأي امرأة !! وبصروها بالحق . فقالت : إني أستغفر الله وأتوب إليه . فكبّر المسلمون حتى سمعهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو عمر بن جرموز التميمي ثم السعدي من بني مجاشع بواد السباع .
(2) كتبت في المخطوط " يا أما أمة " ولعلها " يأ أماه " أو " يا أم المؤمنين " .

(3) كتب في المخطوط : " شمتي " .
من كان في عسكرهم فكبروا ، والله أعلم ، وتابت عائشة وأظهرت توبتها . وكذلك في الحق عليهم أن لا يردوا التوبة على أهلها لأن في دين المسلمين أن من أصاب الدماء والأموال بدين منه يرى أنه مصيب فيه ، ثم تبيّن له أنه مبطل وأنه كان على باطل فرجع وندم وأقلع وتاب ولم يكن عليه سوى ذلك إلا أن يكون في يده مال قائم بعينه يؤديه إلى أهله . ومن أصاب الدماء والأموال وهو يدين بتحريم ذلك ويرى أنه يرتكب حراماً كان عليه التوبة من ذلك والإقلاع والندم وإعطاء الحقوق إلى أهلها لا يجزيهم إلا أن يعطوا الحق ولا يهدر عنهم ما أصابوا . فمن هنالك تولى المسلمون عائشة وقبلوا توبتها عن غير عطية حق إذا كانت إنما تدين بذلك وترى أنها على حق . فلما بان لها ضلالها استغفرت الله ورجعت عن فعلها وتولاها المسلمون رحمها الله .
فافهموا رحمنا الله وإياكم آثار المسلمين ، فإنا قد شرحنا لكم أصل الدين وأصل سيرة المسلمين ، نفعنا الله وإياكم .
فلما أظهر الله المسلمين على عدوهم استتابوا الناس من بيعة طلحة والزبير وعائشة وردّوهم (1) إلى الولاية لعليّ والدخول في طاعته فخمد الكفر وأضاء الإسلام ، ولم يغنموا مالا ولم يسبوا ذرية . وكذلك فعلوا يوم الدار لما قتلوا عثمان لم يسبوا ذريته ولم يغنموا مالا له . ولو كان السبي والغنيمة حلالا من أهـل القـبلة ما تركه المسـلمون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتب في المخطوط : " وردهم " .
ولا ضيعوا سنّة نبيّهم ، ولكن المسلمين يطئون آثار النبي صلى الله عليه وسلم . إنما كان تغنم أموال أهل الشرك وتسبى ذراريهم ، إلا العرب فإنه لم يكن يسبى ذراريهم ولم يكن يسبى المنافقين ولا تغنم أموالهم ، إنما كان أمر بجهادهم . وكان صلى الله عليه وسلم لا يحرّم مواريث المنافقين ولا مناكحتهم ولا يستحل غنيمة أموالهم ولا يسبى ذراريهم وإنما أمر بقتالهم .
فإن قالت الخوارج ، السبي من أهل القبلة والغنيمة حلال واحتجوا بعلي وبوالي أبي بكر الذي وصل أهل دبا (1) من عمان ، فقد كذبوا على عليّ وأبي بكر لأن الوالي الذي وصل إلى دبا إنما سبى أهل دبا وغنم أموالهم برأيه لم يكن برأي أبي بكر ، فلما وصل بالسبي والغنيمة إلى المدينة وجد أبا بكر رحمه الله قد مات واستخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرد عمر رحمه الله السبي والغنيمة إلى أهل دبا من أهل عُمان وأنفق على السبي حتى وصلوا وقال للذي سباهم : لو أعلم أنك سبيتهم بدين لقطعتك طوائف ثم بعثت إلى كل مصر منك بطائفة .
وقد أخبرناكم بسيرة عليّ في البصرة . فهذه آثار المسلمين واضحة والحجة على الخوارج لائحة ، ولكن يطول الكتاب عن حاجتنا التي نريدها من هذه السيرة ، وفيما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) توجد دبا الآن في الفجيرة إحدى الإمارات العربية المتحدة العربية وبها مقابر قيل إنها للصحابة وأهل الردة .

كتبنا كفاية إن شاء الله لمن هداه الله .
فلما استقر الأمر لعليّ بن أبي طالب خرج عليه معاوية بن أبي سفيان يدعو الناس إلى قتال عليّ ويظهر أنه ليس يطلب الخلافة وإنما يطلب بدم عثمان حتى يدفع إليه قتلة عثمان فيقتلهم بكتاب الله ويرد الأمر شورى بين المسلمين ، خداعاً منه يطلب الملك وصحبه عمرو بن العاص اللعين . فسار معاوية (1) بجيش عظيم من طغام الناس أهل الشام ، فاقتتل هو وعليّ ما شاء الله حتى وقع بين الفريقين ألوف قتلى فيما ذكر لنا والمسلمون أيضا ، لعليّ وعمار بن ياسر ومن شاء الله من المهاجرين والأنصار ، لا يشكّون في قتالهم يدينون لله بقتالهم والبراءة منهم .
وقد اعتزل من الحرب عبدالله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ووقفوا لما وقع القتال فلم يكونوا مع عليّ ولا عليه منذ قتل عثمان ، فمن المسلمين من وقف عنهم ومنهم من برأ . فلما بلغ الكتاب أجله وأراد الله أن يظهر من عورة عليّ بن أبي طالب ما أظهر من عورة عثمان للذي سبق في علمه من الفتنة التي تكون ، وقد حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتنة ، وقال فيما سمعنا والله أعلم : ( يبعث في أمتي حكمان ضالان مضلان يضلان من اتبعهما ) . وكان أبو موسى الأشعري ممن يروي هـذا الحديـث ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يكتب اسم " معاوية " هكذا في المخطوط ، وأحيانا يكتب " معوية " بدون ألف .

فلم ينتفع بروايته للسابق في علم الله . وكان أبو موسى أحد الحكمين ، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى .
فلما بلغ الكتاب أجله كتب معاوية إلى عليّ يطلب الحكومة فبلغ ذلك المسلمين فأخبروا عمارا . فقال لهم عمار ائتوا عليا فعاتبوه . فأتوا عليا فأنكر ذلك فرجعوا إلى عمار فأخبروه فقال لهم عمار ، جروا الخطام (1) ما اجتر . وقال عمار فيما سمعنا لعلي : يا علي إلحق بالله قبل حكم الحكمين . ثم إن عمارا رحمه الله نادى ، هل من رائح إلى الجنة !! فانتدبت رجال حفظوا فيه الرواية فخرجوا معه ، وكان عليّ قد طلب إلى عمار أن يقسم على ربه أن يهزم معاوية كما فعل يوم الجمل أقسم على ربه أن يهزمهم فهزمهم الله ، لأن الرواية في عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( رب ذي طمرين (2) لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبر قسمه ) ، يعني عمار بن ياسر رحمه الله . فطلب إليه أن يقسم على ربه أن يهزم معاوية فلم يفعل . وخرج هو ومن اتبعه فقاتلوا معاوية ، وكان قبل قتالهم معاوية وقد عطش فاستسقى فأوتي بشربة من ضياح (3) فقال عمار : الله أكبر الله أكبر !! اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه !! هذا اليوم الذي وعدني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ألقاه !! وكان النبي صلى الله عليه وسلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخطام : كل ما وضع في أنف البعير ليقاد به . وتر القوس ، والجمع خطم .
(2) الطمر : الثوب البالي . الطامر : المجهول هو وأبوه .
(3) الضياح : اللبن الممزوج بالماء .


قد قال لعمار إن آخر زادك من الدنيا شربة من ضياح . فلما شرب عمار الشربة قاتل معاوية وأصحابه حتى قتل هو ومن شاء الله من المسلمين رحمهم الله . فلما قتل عمار ركن عليّ إلى حكم الحكمين وترك قتال الفئة الباغية ، فأنكر المسلمون عليه ذلك ونصحوه وأمروه بقتالهم ، فخالفهم ولم يقبل نصيحتهم . فلما اعتزلوه دعا نفسه إلى التوبة من الحكومة وأنه يقاتل هو وهم معاوية ، فقبلوا منه ذلك ، فنكث عن ذلك وامتنع . فاعتزلوه إلى موضع يقال له النهروان (1) لما أتى الحكومة وترك قتال الفئة الباغية وركن إلى الدنيا واختدع من بعد ما كان يدين بقتال الفئة الباغية ولا يرى أن يدع قتالهم إلا حتى يرجعوا عن بغيهم ويدخلوا في طاعته . فلما فارقه المسلمون أرسل إليهم ابن عباس أن يحتج عليهم فاحتج عليهم ابن عباس بقول الله تبارك وتعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} (2) فقال له المسلمون : إن كل حكم حَكَّم الله فيه الرجال كان لهم أن يحكموا فيه ، وما حكم الله فيه لم يجعل لأحد حكما فليس لنا ولا لأحد أن يحكم فيه ، وقد حكم الله في الفئة الباغية فقال : {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه} (3) ، فحـكم فـي أهـل الكتـاب فـقال : {قَاتِلُوا الَّذِينَ

لَا يُؤْمِنُـــونَ بِـاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِـــرِ وَلَا يُحَرِّمُـونَ مَــا حَـرَّمَ اللَّهُ وَرَسُــولُهُ وَلَا يَدِينُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النهروان : عند سامراء في العراق شمالي بغداد وعند مجرى قناة عند دجلة تعرف باسم مجرى النهروان .
(2) سورة النساء : آية 35 .
(3) سورة الحجرات : آية 9 .


دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } وحكم في المشركين من العرب : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه } ، يقول حتى لا يكون شرك ، فأخبرنا عن هؤلاء الذين كنا نقاتلهم ما هم ، فإن يكونوا مشركين فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى يعطوا الجزية ، وإن يكونوا أهل بغي فليس لنا أن نرفع السيف عنهـم حتى يفـيئوا إلى أمـر الله ، والله مـا فاءوا ولا أدوا جـزية ولا أسـلمـوا !! .
فلما احتجوا عليه بهذا لم يقدر ابن عباس ، رحمه الله ، أن يرد عليهم الحق وقد جاءوا به . فرجع إلى عليّ فقال : خصمك القوم !! وأخبره بقولهم فقال له عليّ : فما تقول يا ابن عباس ؟! قال ابن عباس : إن لم أكن معهم لم أكن عليهم !! فهذا ما جاءت به الروايات من أخبارهم الواضحة التي لا تدفع لأن أمورهم كانت واضحة غير ملتبسة .

فلم يقبل عليّ نصيحة المسلمين ولا نفعته الحجة للذي سبق في علم الله من الفتنة . فاعتزلوه وقدمـوا على أنـفسهم عبدالله بن وهب الراسبي (3) . فأرادوا قـتال معاوية ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة : آية 29 .
(2) سورة الأنفال : آية 39 .
(3) كان عبدالله بن وهب الراسبي من الصحابة الزاهدين ، وكان ممن خرجوا بعد قبول علي بن أبي طالب التحكيم إلى النهروان وبايعه أصحابه على الإمامة في 10 شوال سنة 37 هـ وقد قتل في معركة النهروان .


وكان عليّ ومعاوية قد كتبا على أنفسهما أن على كل واحد منهما كفاية من خالف من أصحابه .
فلما عزم المسلمون على قتال معاوية كتب إلى عليّ يعلمه بذلك ، أن تكفيني أصحابك وإما أن تأذن لي في حربهم .
فخرج عليّ إلى أنصاره وإخوانه وأعوانه ومن كان يضرب بين يديه بالسيف ويطعن بالرمح ويذب عن الإسلام ، كلهم أهل فضل ، فيهم من يسمى سواري المسجد لطول قيامهم في الصلاة ، جباههم وركبهم كثفن الإبل (1) من طول السجود . فاختار عليّ قتال أهل الحق الذين يقاتلون في عزه وعز الإسلام ، فلم ير أن يدعهم وعدوهم معاوية فإن ظفروا بمعاوية استراح منه بغير قتال منه له وإن ظفر بهم معاوية كان ذلك الذي

أراد . ولكن سار إليهم بمن اتبعه باغياً عليهم وهم يناشدون الله في دمائهم ، فأبى وحمل عليهم بطغام الناس ومَنْ لا بصر له ولا دين ، فقاتلوا على أنفسهم حتى قتلهم رحمهم الله إلا أربعة نفر أو ما شاء الله نجوا فلم يقتلوا . فنجا أربعة نفر من أربعة آلاف رجل من المسلمين أو ما شاء الله وخيار الناس . فلما قتلهم استخفى الإسلام وضعف ، واستبشر معاوية وعمرو بن العاص بالملك لما قَتل عليّ أنصاره وأعوانه .
ثم إنهم اتفقوا على الحكومة ، فحكّم عليّ أبا موسى الأشعري وحكم معاوية عمرو بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ثفن الإبل : الثفنة من البعير أو الناقة : الركبة .

العاص ، ورضي الفريقان بذلك ، رضوا أن يحكم أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ، فما حكما به رضوا ، إن حكما لعليّ بالخلافة رضوا ، وإن حكما لمعاوية رضوا ، وإن حكما لغيرهما رضوا . على هذا اتفقوا وليس هذا من دين الله في شيء . والحق من هذا واضح ، ولكن سبق في علم الله الفتنة ، لا محالة عما علم الله . فلما اجتمعوا للحكومة تقدم أبو موسى فخلع عليّاً ومعاوية ، وقام عمرو بن العاص فخلع عليّاً وأثبت معاوية . فاتفقوا على خلع عليّ ، وكان لذلك أهلا ، واختلفا في معاوية . فتلاعَن الحكمان في المقام فلم يرشد الله أمرهم جملة .
فلما خلع عليّ لم يرض بالحكم الذي أوجبه على نفسه وطلب قتال معاوية فخذل ولم يتبعه مَن يكون فيه لمعاوية قتال .
وصار مخذولا قد خذله الناس ، من بين رجل أنكر الحكومة فخذله وآخر رضي بما حكم عليه فخذله . فلم يرض عليّ بما حكم عليه فكيف هذا؟! فإن تكون الحكومة باطلا

فقد كان ينبغي له أن لا يحكّم ، ولا هو رضي ممن حكمه ، ولا اتبع من نصحه ، فانسلخ من رحمة الله ومن الملك وبقي مخذولا حتى بعث الله عليه عبدالرحمن بن ملجم رحمه الله فقتله غضباً لله ثائراً بدم المسلمين .
فلما قتل عليّ استقام الأمر لمعاوية واستولى على الناس بغيِّه ، وكان بقية من المسلمين قد اعتزلوا من بعد قتل أهل النهروان إلى موضع يقال له النخيلة (1) وإمامهم يومئذ الحوثرة بن وداع . وكان الحسن بن علي قد قام مقام أبيه فكاتبه معاوية وخدعه وبعث إليه بمال ووعده أن يجعله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النخيلة : موضع بالبادية قرب الكوفة على سمت الشام .


الخليفة من بعده ، فكف عنه . ثم إن معاوية سار إلى أهل النخيلة بنفسه فقاتلوه ، فأعان عليهم الحسن بن عليّ معاوية بمن أجابه ، حتى قتلوا رحمهم الله . وذهب ركن الإسلام لما قتل أهل النهروان وأهل النخيلة ورجع دين الله سريرة بعد أن كان علانية ، وكذلك كان في علم الله والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بدأ الإسلام غريباً وسيرجع غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء ) . هذا ما سمعنا من خبر الحسن .
وأما الحسين ، فالذي سمعنا أنه أعان عبدالله بن جعفر على قتل عبدالرحمن بن ملجم ومثّلا به .

واستقام الأمر لمعاوية (1) وظهرت دعوة أهل البغي وطفئت دعوة أهل الحق ، فلما خلص له الملك قبض الله روحه منافقا لعينا . واستخلف على الناس ابنه يزيد فسار يزيد بسيرة شر من سيرة أبيه ، قتل المسلمين بقتلى مشركي بدر ، فاسقا مترفا لعينا فلم يلبث إلا يسيرا في ملكه ثم مات ، لعنه الله ولعن أباه .
ثم تتابعت الخلافة بالجبرة والسيرة المخالفة للحق وأهله ، لا يأتي واحد بعد الآخر إلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معاوية بن أبي سفيان : هو رأس الدولة الأموية . وقد أخذ الفقهاء المسلمون على بني أمية إيجادهم سنة الملك وخروجهم على سنة الخلفاء قبلهم . أما المؤرخون فقد اعتبروا معاوية بن أبي سفيان أول ملك في الإسلام ( انظر : الطبري : تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 24 - الطبعة الأولى بالمطبعة الحسينية المصرية ، وابن طباطبا المعروف بابن الطقطقي : الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية ص 79 - طبعة القاهرة 1345 هـ / 1927 م ، ودكتورة / سيدة إسماعيل كاشف : الوليد بن عبدالملك . ص 30 - 48 القاهرة 1963 - الكتاب 17 من مجموعة أعلام العرب ) .


كان شرا من الآخر ، أهل دُنيا ومُلك ، واضمحل الحق وأهله إلا ناس تمسكوا بدينهم ، يعرفون ضلالة من ضل في قلوبهم ولا يطيقون جهادهم ، يؤذون في دينهم ويقتلون عليه ، ويتولون أهل النهروان وأهل النخيلة ، ليس لهم ذنب عند من يؤذيهم ويقتلهم إلا هذا . عدّوهم من حادَّ الله ووليهم من والى الله وهم قليل في كثير من خلق الله . فلما كثر القتل في المسلمين والأذى ، خرج المرداس ابن حدير (1) وأصحابه رحمهم الله ، بائعين أنفسهم لله غضباً واحتساباً لرجاء الثواب يوم القيامة .

ولم يكن خروجهم لفريضة لزمتهم لأنهم كانوا قليلا في خلق كثير ، وإنما فرض الجهاد على المسلمين إذا كانوا نصف عدوهم ، فحينئذ لا يسعهم المقام ويجب عليهم الخروج في سبيل الله . ولكن المرداس رحمه الله طلب الشهادة هو وأصحابه وإنما كان قتالهم وسيلة توسلوا بها إلى الله . فقال رحمه الله :
ماذا نبالي إذا أرواحنا خرجت :: ماذا فعلتم بأجسادٍ وأوصالِ
نرجو الجنان إذا صارت جماجمنا :: تحت العجاج (2) كمثل الحنظل البالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شهد أبو بلال مرداس بن أدية التميمي معركة صفين مع علي بن أبي طالب وأنكر التحكيم . ولم يعجبه مقاتلة المسلمين بعضهم بعضا فانسحب وأقام في البصرة بعد موقعة النهروان مع قبيلته من بني تميم . وكان أبو بلال مرداس بن حدير أحد خاصة عبدالله بن وهب الراسبي وممن حضر صفين والنهروان . ( انظر : الدرجيني : طبقات الأباضية ( مخطوط ) ورقة 92 و 93 ، والبرادي : الجواهر المنتقاة ص 167 ) .
(2) العجاج : الغبار . الدخان .


فأظهر المرداس وأصحابه دينهم ، وأظهروا البراءة من الجبابرة ، ودعوا إلى قتالهم . فقاتل المرداس رحمه الله على ما قاتل عليه أهل النهروان وأهل النخيلة . فخرج إليه ألفا فارس وهو بموضع يقال له آسك (1) ، وكان المرداس وأصحابه أربعين رجلا ، فاقتتلوا فأعطاه الله وأصحابه عليهم الظفر فهزمهم وقتلوا منهم ما شاء الله .
فقال قائل منهم وأحسبه في ذلك عمران بن حطان :
أألفا مؤمن منكم زعمتم :: ويقتلهم بآسك أربعونا

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم :: ولكن الخوارج مسلمونا (2)
هي الفئة القليلة قد علمتم :: على الفئة الكثيرة ينصرونا
ثم خرج إليه وإلى أصحابه أربعة آلاف فارس فاقتتلوا حتى قتل المرداس وأصحابه شهداء سعداء إن شاء الله .
ولولا قتال أهل النهروان وأهل النخيلة والمرداس وأصحابه لطفئ الإسلام ولكن الله تبارك وتعالى لا يجمع أمة محمد على ضلال فهداهم الله لما ضلت الخلائق ، وهدى بهم ، فأحيا سنن الإسلام بموتهم حين صرعوا عقراء وماتوا نحراء ، على إحياء دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رحمهم الله وغفر لهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) خرج أبو بلال مرداس ضد معاوية وواليه على البصرة زياد بن أبيه غضبا لقتل أخيه عروة بن أدية وكان خروجه إلى الأهواز في أربعين رجلا في آسك فبعث إليهم عبيدالله بن زياد ألفي رجل على رأسهم ابن حصين التميمي فانتصر أبو بلال مرداس ومن معه من الأباضية على جيش ابن زياد ( الطبري : ج6 ص 174 ) .
(2) وردت هذه القصة وهذا الشعر في تاريخ الأمم والملوك للطبري . وأثبت الطبري كلمة " مؤمنونا " بدلا من " مسلمونا " ( انظر : الطبري ج6 ص 174 ) .
ونلاحظ هنا أن كلمة " المسلمين " تعني الأباضية أو الخوارج ، وهذا واضح في كل مؤلفات الأباضية .

وخرج قريب والزحاف رحمهم الله فلم يدعهما (1) أهل البصرة يخرجان من القرية حتى قتلوهما ومن شاء الله معهما قبل أن يخرجا من البصرة . ولو كانت المسلمون تخرج جملة لكان فيهم بأس شديد واسكنهم يخرجون نثرا للسابق في علم الله .

ثم إن الخوارج أيضاً وقع بينهم اختلاف من قبل نافع بن الأزرق (2) ونجدة بن عامر (3) ، خالفا المسلمين في سيرتهما من بعد أن كانا على دين المسلمين ، استحلا استعراض أهل القبلة بالقتل وجعلوهم مشركين ، واستحلا غنيمة أموال أهل القبلة بالقتل وسبي ذراريهم ، واستحلا الهجرة ، وإنما كانت الهجرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة رفعت الهجرة فخالفا المسلمين . واختلف الخوارج أيضا في بعضهم بعضاً ، يطول علينا تعديدهم وتعديد ضلالتهم .
وخرج عبدالله بن يحيى طالب الحق باليمن فاتبعه المختار بن عوف رحمهما الله فسارا بسيرة أهل النهروان وأهل النخيلة والمرداس وأصحابه يطئون آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ويتولون خوارج المسلمين ويبرءون ممن خالف المسلمين . فسار المختار بن عوف رحمه الله حتى أخذ مكة والمدينة وأقام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط " يدعوهما " .
(2) نافع بن الأزرق : هو رأس فرقة الخوارج الأزارقة .
(3) نجدة بن عامر الحنفي : هو رأس فرقة الخوارج النجدية .


فيها الحق ، وكان عبدالله بن يحيى في اليمن هو الإمام قد أقام فلم تخرج خارجة من المسلمين أقوى من عبدالله بن يحيى والمختار بن عوف ، فجاهدا في سبيل الله ، وأقاما

دين الله بمن كان معهما من المسلمين . وكانت سيرتهم معروفة بالعدل حتى قتلوا شهداء سعداء إن شاء الله ، رحمهم الله وغفر لهم .
وإنما نكتب لكم خوارج المسلمين ما لا يدفع ، بالروايات الصحيحة والآثار البينة إن شاء الله ، ويطول الكتاب أن نكتب كل شيء خرج من المسلمين .
فاستولت الجبابرة على الأرض جبار بعد جبار فجعلوا الخلافة إرثاً لا نعلم أن أحداً منهم عدل في سيرته . إلا أن عمر بن عبدالعزيز قد ولي الأمر من بعد سليمان بن عبدالملك فلم يبلغ كل الذي أراده المسلمون وقصر عن ذلك . وقد كانت سيرته سيرة عدل ولم ينقم عليه المسلمون من سيرته ولا من أحكامه شيئاً وإنما طلبوا إليه إظهار البراءة ممن خالف الحق ، وإظهار دعوة المسلمين ، والبراءة ممن خالفهم ، فلم يفعل ، وأمره ابنه بذلك لما أمره المسلمون فقال له : يا أبي ابرأ منهم ولو غلت القدور بلحومنا آخر النهار !! فلم يفعل عمر بن عبدالعزيز (1) ذلك ، فمن المسلمين من وقف عنه ومنهم من برأ منه وتولوا ابنه عبدالملك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعروف في التاريخ أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز (99 - 101 هـ) كان حريصا على توحيد صفوف المسلمين والتزام عدل الإسلام . ولم يكد يتولى الخلافة حتى أرسل له الأباضية وفدا من علمائهم وهم جعفر بن السماك ، وأبو الحر علي بن الحصين العنبري ، والحتات بن الكاتب ، والحباب بن كليب ، وأبو سفيان قنبر البصري ، وسالم بن ذكوان . وتذكر بعض المصادر الأباضية أن عبدالملك ابن الخليفة عمر بن عبدالعزيز كان أباضياً . ( انظر : الدرجيني : طبقات الأباضية . ورقة 99 ، والشماخي : كتاب السير ص 97 - 80 ، ومحمد علي دبوز : تاريخ المغرب الكبير ، ج 2 ص 175 ، 181 - 182 ) .

وقد كانت خوارج المسلمين يخرج من يخرج ويتخلف من تخلف فيتولى الخارج القاعد والقاعد الخارج ، على ذلك مضوا وانقرضوا رحمهم الله وغفر لهم .
ثم خرج الجلندى بن مسعود (1) رحمه الله بعُمان وقاتل هو وأصحابه على ما قاتل عليه المسلمون حتى استشهدوا رحمهم الله . فلما قتل الجلندى وأصحابه بعمان رحمهم الله استولت عليهم الجبابرة فأفسدت ، وكان ولاتها أهل جور حتى كان آخر من فيها من أهل الجور بنو الجلندى وقد فهمتم سيرتهم في أهل عمان .
ثم أنقذ الله أهل عمان بالفئة أهل الحق ، فخرجت عصابة من المسلمين فأزالت ملكهم ، وملك المسلمون عمان فأظهر الله دعوتهم فيها وجعل يدهم العليا . فلما اجتمع الناس في العسكر بنزوى واختلط الناس ، وحضر العسكر من أهل عمان رجال لهم أحدثة لا يؤمنون على الدولة ، خاف موسى بن أبي جابر على الدولة رئيسا من أهل عمان كانوا قد حضروا أن يغلبوا على الأمر ولا يكون للمسلمين قول وتقع الفتنة . فقال قد ولينا فلانا قرية كذا وكذا وقد ولينا فلانا قرية كذا وكذا حتى عدّد الذين خافهم ، وولينا ابن أبي عفان نزوى وقريات الجوف ، وأحسب أنه قال ، حتى تضع الحرب أوزارها . فقال بشير : كنا نرجو أن نرى ما نحب فقد رأينا ما نكره والحمد لله . فقال له موسى :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولى الجلندى بن مسعود الإمامة في عمان سنة 131 هـ واستشهد سنة 133 هـ ، وقيل إنه استشهد في سنة 134 هـ ، وكانت إمامته تزيد على السنتين ، ( انظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 73 - 74 ) .


ما فعلنا إلا ما تحب ، ثم أعلمه إنما أراد أن يخرجهم من العسكر ويفرق بعضهم عن بعض .
فلما خرجوا من نزوى كتب موسى بن أبي جابر في آثارهم فعزلوا قبل أن يصلوا القرى التي ولاهم موسى رحمه الله . وإنما كانت حيلة منه رحمه الله احتالها للمسلمين ، حدثني بهذا ثقة من المسلمين من أهل العلم والورع . وبقى ابن أبي عفان في العسكر فظهرت للمسلمين منه أحداث لم تعجبهم فلم يرضوا بسيرته وأخرجوه من نزوى عن وجوههم حيلة منهم . فلما خرج من نزوى اجتمعوا واختاروا لأنفسهم إماماً فقدموا وارث بن كعب (1) إماماً . ولو كان لإبن أبي عفان أصل إمامة ما قدموا عليه وارث بن كعب حتى يظهروا للناس ما يحل به عزله ويحتجوا عليه ، لأنهم كانوا أعلم بآثار المسلمين من أن يقدموا إماماً على إمام ، ولكنه لم يكن عليهم أصل إمامة والله أعلم فمن هنالك استحلوا تقديم إمام عليه . فوطئ وارث أثر السلف الصالح من المسلمين وسار في عمان بالحق وظهرت دعوة المسلمين بعمان وعزّ الإسلام وخمد الكفر ودفع الله الجبابرة . فسار وارث في عمان ما شاء الله بالحق حتى قبضه الله إليه . وكان سبب موته أنه غرق في سيل وادي نزوى فغرق فيه رحمه الله والمسلمون عنه راضون .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عزل المسلمون محمد بن أبي عفان عن إمامة عمان ( 177 - 179 هـ ) حين لم يرضوا عن سيرته ، وكانت ولايته سنتين وشهرين إلا شيئا ، وولوا الوارث بن كعب الخروصي 179 هـ وظل إماماً إلى أن توفي سنة 192 هـ وولي بعده غسان بن عبدالله اليحمدي .
ثم ولى المسلمون من بعده عبدالملك بن حميد (1) فوطئ عبدالملك ابن حميد أثر المسلمين وسار بسيرتهم وأظهر في عمان الحق وصارت عمان يومئذ خير دار لما ظهر فيها أهل الحق . فلم يزل على تلك الحال حتى ضعف وزمن ، فذكر لنا أنه كانت تقع الأحداث في عسكره وأنه دخل عقله نقصان والله أعلم . فتشاور المسلمون في عزله فأشار موسى عليهم أن يحضر العسكر ويقوموا بالدولة ، فحضر موسى بن علي رحمه الله العسكر ومن شاء الله من المسلمين ، فأقاموا الحق ومنعوا الباطل وشدوا عسكر المسلمين وعبدالملك في بيت المسلمين لم يعزلوه ولم يزيلوه عن حاله حتى مات رحمه الله وهو لهم إمام .
ثم سار المسلمون المهنئ بن جيفر فوطئ المهنئ بن جيفر أثر المسلمين وسار بسيرتهم . وكانت هنالك أحداث قد وقعت في إمامته من سفك دماء وحريق نار . وقد ذكر لنا أن محمد بن محبوب وبشير اطلعا من المهنئ بن جيفر على حدث تزول به إمامته واتهماه وكانا يبرءان منه في السريرة . ولو كان محمد بن محبوب وبشير اطلعا من المهنئ ابن جيفر على حدث تزول به إمامته وتلحقه البراءة ما وسعهما السكوت . فإن يكن الذي روي عنهما حقّاً فلعلهما اطلعا عليه بما يستحق معهما البراءة وحدهما ، لأنه لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولي عبدالملك بن حميد الإمامة في عمان في شوال سنة 208 هـ وهو من بني علي بن سودة بن علي بن عمرو بن عامر ماء السماء الأزدي . وحين ضعف ومرض قام بالأمر موسى بن علي إلى أن توفي عبدالملك بن حميد 226 هـ دون أن يعزل عن الإمامة ( انظر أيضا : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 101 و 114 ) .


يجوز لهما إظهار البراءة منه حتى يظهر كفره في الدار والدعوة ، فبرئا منه في السريرة ، وإنما علينا وعليهم الاتباع لآثار الأسلاف وقولنا قول المسلمين ، ومن تولى المهنئ بن جيفر من المسلمين فهو لنا وليّ .
ثم مات المهنئ بن جيفر ولا نعلم أن أحداً من المسلمين أظهر البراءة منه .
ثم ولي المسلمون الصلت بن مالك رحمه الله وكان يومئذ بقايا من أشياخ المسلمين وفقهائهم رحمة الله عليهم ، وإمامهم يومئذ محمد بن محبوب رحمه الله وغفر له ، فبايعوه على ما بويع عليه أئمة العدل قبله فسار الصلت بالحق في عمان ما شاء الله حتى فني أشياخ المسلمين جملة ، الذين بايعوه لا نعلم أن أحداً منهم فارقه . وعمّر الصلت بن مالك في إمامته ما لم يعمر إمام من أئمة المسلمين فيما علمنا حتى كبر ونشأ في الدولة شباب وناس يتخشعون من غير ورع ، يظهرون الدين ويبطنون حب الدنيا ويأكلون الدنيا بالدين . فلما طال عمر الصلت بن مالك عليهم ملّوه لما كبر وضعف ، وإنما كانت ضعفته من قبل الرجلين ، فأما السمع والبصر والعقل واللسان فلم نعلم أنه ضاع منه شيء ولا نقص منه شيء فلما ذهب أعلام المسلمين وفقهاؤهم

وأهل الورع ومن يطلب الآخرة وبلغ الكتاب أجله وأراد الله أن يختبر أهل عمان بمثل ما اختبر به من كان قبلهم ممن قد وصفنا وعددنا في كتابنا . وإنما كتبنا لكم يا أهل هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " سار " .


الكتاب وشرحنا لكم فيه سِير المسلمين لكي تفهموا وتفقهوا ضلال من ثار على الصلت بن مالك وعزله ، لأن حكم الله واحد في عباده والمؤمنون شهود على أعمال العباد لأن الله يقول : {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (1) . فاختبر الله أهل عمان بما اختبر به من كان قبلهم ليعلم منهم المطيع من العاصي في حال عمله ، وقد علمهم الله تبارك وتعالى قبل أن يخلقهم ولكنه لا يسأل عما يفعل .
فابتلى الله أهل عمان برئيس من رؤسائهم وعلمائهم كما ابتلى غيرهم ، فلما اختبروا قل بصرهم وزالت عقولهم وحادوا عن الحق وخالفوا سيرة المسلمين إلا قليلا أنقذهم الله ، إن الله لا يجمع أمة محمد على ضلال ، والمؤمنون هم الأقل من الناس .... وقد قال تعالى اسمه : {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (2) .
فلما بلغ الكتاب أجله فأراد الله أن يُبدى من عورة أهل عمان ما أبدى من عورة غيرهم ممن وقد وصفنا لكم في هذا الكتاب ، خرج موسى بن موسى من أهل بيت علم وورع ،

ووالده موسى بن علي (3) رحـمه الله كان في أهل عـصره مقـدمـاً علـى أهـل عـمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة : آية 105 .
(2) سورة البقرة : آية 213 .
(3) موسى بن علي : هو ابن علي بن موسى العالم الفقيه العماني . وقد توفي علي بن موسى في رجب سنة 202 هـ أما موسى بن علي والد موسى بن موسى فقد توفي في سنة 230 هـ .


رحمه الله وغفر له . ولم يبتل أهل عمان بدون من الناس لأنهم كانوا يطئون آثار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختبروا بأم المؤمنين وبعثمان بن عفان وعلي ابن أبي طالب ممن كان له العلم والفضل والسابقة في الإسلام والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقام موسى بن موسى في أهل عمان فتكلم بلسان فصيح ويهتف في مجالسه ويصيح ، فمرة يطعن في الإمام والقاضي ، ومرة يطعن في الولاة والشراة ، ومرة يطعن في غيرهم ممن يقوم بأمر الدولة ، ولا يوضح على الإمام حدثاً أحدثه ولا أحداً من أصحابه ، ولا يسمى للإمام بمكفرة ولا يبين إلى ما يدعو إليه إلا أنه ناصح للدولة وأهلها . يصل إلى الإمام ويتكلم مما لو كان غير الصلت بن مالك لحبسه في السجن ، أو يوضح على ما يقول برهاناً ويمسك لسانه عن شتم أهل الدولة .
ولكن الصلت كان رفيقاً حليماً وكان يجلّه لموضع والده ، ولم يكن يؤمل فيه هدم الدولة لأنه يظهر أنه ناصح للدولة وأهلها ، وهو يسعى في فسادها وهدمها . وللذي قد سبق في علم الله فلم تزل الأيام ترقى به ومجالسه تغلظ وهو يثب (1) على الدولة حتى انتهت به الأيام أن جمع الأعرابَ والطغام من الناس ومن يسرع في الفتنة .

فتبعهم الناس على منازل مختلفة ، من بين رجل قد عضبه (2) أحكام المسلمين وأوعرته فهو يطلب عثرتهم ، وآخر قد حسد من له في الدولة درجة رفيعة يطمع أن ينال بمثلها ، وآخر يتعبد بلا بصر فيظن أنه محق وأنه يطلب حقّاً ولا يدري أنه قد افتتن . فجمع موسى بن موسى الناس وسار بهم إلى فرق فوقعت الفتنة في عمان ، وكان موسى على أهل عمان أشد فتنة ممن افتتن بعلي أو مثله . ومما فتن به من فتن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " يوشب " .
(2) عضبه عضبا : قطعه ، أقعد من الحركة . طعنه . ضربه .


أن قالوا إن وشل فرق (1) لما وصل موسى ودعا الله أن يتحول عذباً فتحول عذباً ، حتى قيل لو استنبى أحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم لاستنبى موسى ولا يمكننا أن نكتب كل الذي تكلم به .
فلما وصل فرقاً وهو يرغب في دعائه ويؤلب على الدولة ولا يسمي للصلت بحدث كفر به ولا أقام عليه حجة تزيل إمامته ولا دعاه إلى توبة من ذنب ، أصر وامتنع . ولم نعرف من سيرة المسلمين التي وصفنا لكم .
واعلموا ، رحمنا الله وإياكم ، إن الواجب علينا وعليكم الاتباع لآثار أسلافنا وأئمتنا في ديننا ولم نخلق نحن ولا أنتم عبثاً ولم نترك سدى . فلما وصل موسى فرقا يدعو إلى عزل الصلت بن مالك الإمام ، لا يطلب غيره ، اعتزل الصلت بن مالك من العسكر

إلى بيت ولده شاذان واستخلف في العسكر من استخلف والذي ذكر لنا عنه أنه قال إنما اعتزل خوفاً أن يقع سفك دم بلا حجة وأنه لم يحضر من يحتج به .
وفي كتاب الصلت بن مالك إلى الجهور بن شيحة يخبره كيف كان اعتزاله وبالله التوفيق :
( وذكرت في الذي كان من قضاء الله وقدره ، ومن مسير هذا الرجل ابن موسى ومن كان معه إليَّ ، وقصودهم في ذلك لما أراد الله حتى اعتزلت من الموضع ، وبلغك مـن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وشل فرق : ماء فرق . والوشل : الماء .


نهب بيت مال المسلمين وجعلوه دولا وكل ما وصفته لك فقد فهمته عنك إن شاء الله . واعلم يا أخي أن هذه الدولة قد كان لها رجال كانت لهم حلوم راجحة عالمة وصدور وقلوب سالمة ، كانوا على أمر واحد يطأ الآخر أثر الأول ، وقد كانت بينهم الأعتاب فلم يبلغ بهم الأمر إلى مثل هذه الغاية ، فلم يزالوا على ذلك حتى مضوا وانقرضوا رحمهم الله . ثم خلفنا نحن وأنتم من بعدهم وبليت بهذا الأمر من غير محبة مني فيه ولا طلب له ، إلى أن طلب من طلب إليِّ من أفاضل المسلمين وأهل الفقه في الدين ورغبت في طلب الفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحق .

ورجوت نصرة المسلمين لي على ذلك ، وكان يومئذ من قد عرفت من أشياخ المسلمين فقمت بهذا الأمر ما شاء الله ، والمسلمون لي أعوان ونحن وهم على أمر جامع ، إلى أن ذهب أهل الفضل ومن يحب الحق والعدل . ونشأ اليوم شباب وناس ظهر رغبتهم في الدنيا وطلبوا الرياسة فيها ، وكلن موسى هذا يصل إلينا ويقول إنه يأتي ينصح ويكاتب الناس ويؤلب على الدولة ، ومرة يطلب خلاف ذلك . فلم تزل الأيام ترقى به وهو يدعو الناس إلى أنه إنما يطلب الصلاح وإظهار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويطلب إلينا مطالبَ لا أراها ولا أعرفها من الحق ولا مقاربة إلى ذلك . وأنا أدعوه إلى كتاب الله وسنة نبيه وآثار أئمة المسلمين وبما يجتمع عليه رأي المسلمين ، فيقول ويرسل إليّ : أنا لا أنظر إلى قول فلان ولا أرضى إلا أن تنزل إلى قولي ورأيي ، فلم أر ذلك من الحق . ثم حشد إلينا وسار بمن أجابه فكتب إلى من شاء الله من المسلمين فحضر من حضر وزحف القوم إلينا وتقارب الناس من بعضهم بعض ، فأمرتُ الشراة ومن كان عليه هذا العيّ بالشخوص ومنع العسكر وأن يجاهدوا عن الدولة فكرهوا ، وأمرتهم بالتقديم فتأخروا ولم يصلوا إليّ ، فكتبت إلى عمر بن محمد القاضي في الخروج إليّ وخرجت عليه فلم يخرج . وصرت أنا في حد من صار من الضعف وخفت أن تصل القوم ويدخلوا العسكر وتلقاهم رجال فيقع حرب وسفك دم ، وأنا في البيت بلا حجة ولا أمر يكون فيه إظهار الأمر . فخفت أن تسفك دماء الناس ، فرأيت إن تحولت إلى منزل ولدي بلا ترك للإمامة ولا بخلع لما طوقني

الله من هذه الأمانة . وأمرت بحفظ بيت مال المسلمين وحفظ السجين ، وأمرت عزان بن تميم بالقيام في ذلك . فلما بلغ إلى القوم ذلك دخلوا الدار وعزم موسى أنه قد عقد للإمام برأيه ، وكسروا بيت مال المسلمين (1) ونهبوه وأذهبوه . وأطمعوا في هذه الدولة عدوها وفعلوا ما لم يرض الله به ، وما اختلعت وما برئت ).
فهذا ما أخذنا من كتاب الصلت بن مالك ، ولم نكتب لكم الكتاب كله لطول الكلام : وهذا ما سمعنا في عذر الصلت بن مالك من الاعتزال لأنه كانت محاربته لهم لازمة وقولنا فيه قول المسلمين . فمن تولاه بعذر قبله منه أنه حلال له فعله ، أو توبة عرفها منه عن ترك حربهم توليناه على ذلك . ومن وقف عنه من المسلمين لما لم يصح عنده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " بيت المسلمين " .


كيف كان اعتزاله عن محاربتهم وترك الدعاء إلى قتالهم وكيف عقدهم لراشد ومن بعد ما عقدوا له ، لأنه كان يجب عليه لما عقدوا لراشد إماماً أن يحل ما عقدوا ويهدم ما شيدوا ويدعوا إلى ذلك حتى لا يجد أعوانا عليه فيعذر من وقف عنه من المسلمين لما لا يصح معه ، وكان سائلا طالبا للحق ولم يتخذ الوقوف دينا ، توليناه ما لم يبرأ ممن تولاه أو يقف عمن تولاه على ما وصفنا .

ولما اعتزل الصلت بن مالك اغتنم ذلك موسى بن موسى وعقد لراشد إماما قبل أن يدخل نزوى ويسأل الصلت عن اعتزاله ويحتج عليه فيه ، أعن خوفة اعتزل أم ضعفة عن القتال والقيام بحق ما طوقه الله ، وامتناع بحدث لزمه منه الحق إن كان موسى يدعى ذلك ؟! ولا سأله حجة ولا عرض عليه توبة ولا سمى له مكفرة !! ولكنه عقد لراشد إماما على أهل عمان بالغلبة والجبرية وقعد قاضيا له طالبا للملك والدنيا . فوطئ موسى وراشد ومن اتبعهما أثر الصلت بن مالك وولوا ولاته وأنفذوا أحكامه كأنه ميت . وليس نعرف هذا من سنن المسلمين التي قصصناها عليكم في صدر كتابنا هذا . فإن يكن الصلت بن مالك محقا فقد كفروا ببغيهم عليه ، وإن يكن مبطلا فقد كفروا بوطئهم أثره ، مع أنا بحمد الله لا نشك في بغيهم ، وإنما أوضحنا هذه الحجج لكي تفهموا وتعلموا أن الخطأ من راشد وموسى لازم على أي الوجهين كان ذلك . فانظروا يا أولي الألباب وأهل الحلوم والآداب فيما كتبناه لكم وشرحناه وبيّناه وأوضحناه لكم من أثر السلف الصالح قبلنا وقبلكم ، وألزموا أنفسكم النظر فيه وانظروا لأنفسكم نظر من أشفق على آخرته . واعلموا رحمنا الله أن الذي وجدناه في آثار

المسلمين أن الإمام إذا بايعه المسلمون فأعطوه صفقة أيديهم (1) وثمرة قلوبهم على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى العمل بكتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم لم يحل لهم أن يزيلوه إلا بحدث يكفره وظهر به كفره في داره ودعوته ثم يستتيبوه فيصر على ذنبه ولا يتوب ، أو يركب حدثاً يجب عليه فيه الحد فيقيمون إماماً يقيم عليه الحد الذي أتاه مثل الزنا وما أشبهه ، أو تحل به إحدى العاهات ، أن يذهب سمعه فلا يسمع ، أو يخرس لسانه فلا ينطق ، أو يذهب بصره فلا يبصر ، أو يذهب عقله فلا يعقل . فعند ذلك يحل التقديم للإمام عليه . وأما ما دام يشف (2) الشيء يبصره ، أو يبين الكلام إذا تكلم ، أو يسمع إذا رفع له الصوت ، أو يعقل ، فليس لهم أن يعزلوه ولا يزيلوه . فقد بينا لكم حق الإمامة فافهموها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يتبع بيعة الإمام صفق اليدين .
(2) تشوف إلى الشيء : نظر وتطلع إليه .


وفي كتاب محمد بن محبوب (1) رحمه الله إلى أهل حضرموت لما بلغه أنهم يريدون عزل إمامهم وتقديم إمام غيره ، وكتب إليهم محمد بن محبوب رحمه الله : ( قد بلغنا أنكم تذكرون ، أو من ذكر منكم ، عزل هذا الإمام وإقامة إمام غيره فاتقوا الله ثم اتقوا

الله ، إن هذا جور كبير إن عزلتم إمام عدل على غير حدث وقد أعطيتموه عهدكم وبيعتكم وميثاقكم على أن تطيعوه ما أطاع الله ورسوله . فهذا عقد لا يحل لكم أن تحلوه إلا بحدث يكفر به الإمام ويحل به دمه ويستتاب فيصر على حدثه فلا يتوب ، فعند ذلك يحل خلعه ويحرم نصره ويستبدل من هو أعدل منه . فأما ما كان على عهده وعقده غير مصرّ ولا ناكث فحرام عليكم خلعه ، واجب عليكم نصره بالحق . فإن خلعتموه بغير حق ولا إصرار على حدث يستحق به خلعه فقد دخلت عليكم الفتنة وسلكتم جور المسالك وحللتم محل المهالك ، ولا زكاة لكم ولا جمعة ولا جهاد ولا نكاح لمن لا وليّ له من النساء ولا ولاية ، ولا تجوز إقامة الحدود ولا إنفاذ الأحكام للإمام الذي تقيمونه . فاتقوا الله ولا تسفكوا دماءكم وتعصوا ربكم وتفرقوا كلمتكم ) فهذا ما وجدناه عن أبي عبدالله رحمه الله .
فيا معشر أهل عمان ويا حملة القرآن نذكركم بالله الذي أنتم إليه صائرون !! هل تعلمون أن موسى بن موسى شاور في الصلت بن مـالـك يـمـثـل مـا قـد ذكـرنـاه عـلـى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمد بن محبوب : من علماء وفقهاء عمان . توفي وهو قاض بصحار في سنة 260 .


المسلمين ؟!والذي كتبنا إليكم في هذا الكتاب لم نكتبه أنفسنا وإنما كتبنا لكم من سيرة المسلمين التي أنتم بها عارفون ، وما كان آباؤكم وأسلافكم يدينون . فاتقوا الله وانظروا

الحق فاتبعوه حيث وجدتموه ، ولا تردكم عنه عصبية ولا حمية ولا هوى ولا شحناء . فإن موسى بن موسى وأشياعه لن يغنوا عنكم من الله شيئاً إذا وقفتم بين يدي الله وسألكم عن معونتكم لموسى على الصلت بن مالك ولولايتكم لموسى على عزله للصلت بن مالك . ولابد من السؤال فأعدوا للسؤال جواباً تنجون من جبّار يحكم بالحق ولا ينجى منه إلا بالصدق فإنه يقول في كتابه : {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1) .
ولو يسع المسلمون الوقوف عن أحد ممن يستوجب البراءة عندهم لأمسكوا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاربه وصهرته ومن كانت له السابقة في الإسلام والفضل ، فلما خالفوا عن ذلك أنزلهم المسلمون حيث أنزلوا أنفسهم وخلعوهم على المنابر وبرءوا منهم شاهراً ظاهراً ولم يكن في ذلك خفاء ولا استتار ولا تحكّم ، فهم أعلم وأحكم منا ومنكم يطأ آخرهم أثر أولهم ، يدعون الناس إلى ذلك . فلما وقعت بين أظهرهم في عصرهم أحداث مخالفة لكتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم لم يسعهم جهل كفر من أحدث ذلك لأن الولاية والبـراءة فريضتـان فـي كتـاب الله فـبرءوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحجر : الآيتان 92 - 93 .

ممن خالف الحق ولو وسع المسلمون الولاية لمن شك ، لما وقعت الفتنة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك عن اتباع أهل الحق ووقف فلم يقل شيئاً ، ولتولى المسلمون عبدالله بن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، ومحمد بن مسلمة ، لأنهم كان لهم فضل في دينهم فلم يتولهم المسلمون لما وقفوا ، ووقف عنهم من وقف من المسلمين وبرأ من برأ ، وقولنا فيهم قول المسلمين . والمسلمون يأتمون بالبراءة ممن ارتكب ما لا يحل له وخالف أهل الحق في ذلك ، ولا يتولون من وقف عن البراءة ممن ارتكب ذلك ، ولنا ولكم في آثار السلف الصالح هدى وبيان .
فافهموا ما كتبنا لكم ترشدوا وتسعدوا ، فقد كتبنا على أنفسنا وعليكم حجة ، ولم نكتب إلا ما نعرف من الآثار الواضحة الشاهرة .
فهذا ما كان من خبر الصلت بن مالك رحمه الله ومن خبر موسى بن موسى .
فلما استقر الأمر لموسى وراشد لبثا في ملكهما ما شاء الله وهما وليان لبعضهما بعض ، راشد إمام وموسى قاض له يدعو له بالإمامة والنصر على عدوه .
وكان في قرب ولاية راشد خرج عليهما نصر بن منهال وفهم بن وارث وأبو خالد ومصعب (2) وخالد بن سعوة (3) ونـاس كـثـيـر . وكـان فـهـم بـن وارث وأبـو خـالـد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو فهم بن وارث الكلبي من كلب اليحمد .
(2) هما أبو خالد ومصعب ابنا سليمان الكلبيان . (3) هو خالد بن سعوة الخروصي .


ومصعب ممن خرج على الصلت بن مالك وحضروا بيعة راشد وبايعوه ، وكان مثلهم في ذلك مثل طلحة والزبير ، نكث هؤلاء بعدما بايعوا كما نكث هذان من بعد ما بايعا ، ولم نقل هذا القول إنا نجعل بيعة راشد كما بيعة عليّ وإنما سقنا لكم الخبر . فأرسل إليهم راشد الجيوش وكان موسى وليّه على ذلك يدعو إليه بالنصرة والتقوا بموضع يقال له الروضة قريب من تنوف فاقتتلوا فهزم فهم ، وقتل نصر بن منهال على فراشه على ما سمعنا ، وقتل من شاء الله في تلك الوقعة وأسر من أسر ، فمن الأسارى فهم وأبو خالد ومصعب وخالد بن سعوة ووقع في تلك الوقعة عقر دواب ونهب وأسلاب . فاقتتل الفريقان على غير أمر واضح وما تبين لنا رُشد أحدهما لأن فهما ، كان فيمن خرج على الصلت ، وأبو خالد ومصعب ، ثم رجعوا على راشد فحاربوه من بعد أن حضرا عقد إمامته وبايعوه . فرجعوا على بعضهم بعض واشتدت الفتنة ووقع سفك الدماء ويطول أن نعدّ لكم قصة أهل عُمان كلها .
فلم يزل موسى مع راشد حتى بلغ الكتاب أجله وأراد أن يبدي من عورته ، وأن يهتك سرّه ، فرجع على راشد بعدما قدمه ، واختاره ، خلعه وفسقه وبرئ منه ودعا إلى حربه من غير مخالفة لراشد منه له بحدث يستحق به معه الخلع في دينه لأنه كان يراه إماماً ، ففعل به مثل ما فعل بالصلت بن مالك سواء ودعا إلى عزله وألَّب عليه .

وقد سمعنا أن راشداً خرج إليه إلى أزكي يسترضيه فلم يدرك رضاه ، وأخذ في عزله من غير أن يظهر عليه حدثاً تعرفه الناس إلا أنه يدعو إلى عزله كما دعا إلى عزل الصلت بن مالك ، بل كان الصلت معه على ما كان يظهر منه خيراً من راشد لأنه خرج على الصلت بن مالك ولا نعلم أنه خلعه ، وراشد كان يفسقه على ما سمعنا . فسار موسى ومن اتبعه حتى نزل فرقاً واجتمع شاذان (1) ومن أجابه عند ابنة (2) المجد ، وكان الحواري بن عبدالله ، والوليد بن مخلد ، ومن أجابهم في موضع يقال له سندان في أعلى من الموضع الذي كان فيه شاذان ومَن كان معه ناصرين لراشد . وكان راشد في موضع الإمامة وموسى في فرق ثائراً (3) على راشد من بعد أن كان وليّه . وافترق موسى وراشد والحواري بن عبدالله والوليد بن مخلد ، من بعد الألفة والأخوة لأنهم كانوا تآلفوا على عزل الإمام الصلت بن مالك وبايعوا راشداً وصاروا حزباً وعادوا أعداء لموسى يطلب عزل راشد ، والحواري والوليد يطلبان نصره . فلو كان أمرهم رشيداً في الأصل لكان الحواري والوليد مصيبين في نصرهما لإمامهما ولكان موسى مخطئاً إذا نكث على إمامهم ، ولكن أمرهم في الأصل كان لغير الله لم يجمع الله شملهم وردّ بعضهم على بعض . واجتمع موسى وشاذان على عزل راشد من بعد فرقتهما ، وكان موسى يتكلم في شاذان ويعيب أباه ، نعوذ بالله من الفتن !! .

فسار الحواري والوليـد ومـن معهما يريدان إلى راشـد ولقتـال شاذان وأصحابـه . والله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو شاذان بن الصلت بن مالك .
(2) كتبت في المخطوطة هكذا . ولم نستدل على الاسم من المراجع التي بين أيدينا .
(3) كتب في المخطوط " سايرا " .


أعلم ما أرادوا . فالتقوا من قبل أن يصلوا راشداً ، فهزم الحواري والوليد وأصحابهما وقتل من قتل من أصحابهما ، فاقتتل الفريقان على غير أمر واضح وما تبيّن لنا رشد أحدهما . ثم سار شاذان وأصحابه وأخذوا راشداً من موضعه بلا حرب وضربوه وحبسوه .
ووصل موسى ومن معه إلى العسكر ، وقد اجتمعوا بعد الفرقة من غير توبة فاجتمعوا وقدموا عزان بن تميم إماماً ، فالله أعلم بأمورهم وبيعتهم !! وقد كان أبو المؤثر الصلت بن خميس (1) يقول إن بيعة صفقة (2) عزان صحيحة .
ثم لم تحمد سيرته حتى قتل والله أعلم . وقولنا قول المسلمين ومن برئ من عزان بن تميم توليناه على ذلك . فصار موسى وأولياؤه أعداء وعاد هو وأعداؤه أولياء من غير توبة ولا رجوع إلى الحق فهذا هو العجب العجيب وذهبت سيرة المسلمين وصار الناس أتباعاً لمن غلب على بيت المال لا ينظرون في ولاية ولا براءة . فاتقوا الله يا

أهل عمان وانظروا لأنفسكم ولآخرتكم وانظروا إذا وقفتم غداً حيث تشهد عليكم جوارحكم فارجعوا إلى الحق !! فما كتبنا إلا بما لم يخف عليكم .
فلما استولى الأمر لعزان بن تميم استقضى (3) موسى من غير توبة إلا أنا سمعنا أنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان أبو المؤثر الصلت بن خميس من علماء القرن الثالث الهجري في عمان وممن شهدوا خروج موسى وراشد على الصلت .
(2) تسمى بيعة الصفقة لأن البيعة يصحبها صفق اليدين بين المبايع وبين الإمام .
(3) استقضى : اتخذه قاضيا .


كان يستتيبهم سريرة . فإن يكن الذي سمعنا حقّاً فما نعرف هذا من سيرة المسلمين ، فقد أوضحنا لكم ذلك لتعلموا خطأهم ، فقد أعلمناكم أن المسلمين استتابوا الناس من ولاية عثمان وطلحة والزبير علانية غير سريرة وقد بينا لكم ذلك .
فلما استقر الأمر لعزان خرج راشد وعبيدالله إلى والي صحار فاقتتلوا فهزم راشد وعبيدالله وأسرا وسجنا وقيدا ، فسجن راشد وقيد مع من كان يسجنه ويقيده من قبل فصار من بعد إذ هو إمام بمنزلة أهل الأحداث ، ولعل الذي كان قيده وحبسه ممن كان يقيد برأيه ويحبس . فصار أهل عمان بمنزلة الجبابرة إذا هزم الأمير ابتع أصحابه الأمير الآخر وذهبت الديانة .
فلبث موسى وعزان ما لبثا ولييّن في الظاهر وأما في السريرة فالله أعلم بهما . ثم لم يجمع الله شملهما ولم يرشد أمرهما فحوّل عزان القضاء عن موسى لما خافه ، وجمع

الآخر (1) في أزكي ، فعاجله عزان خوفاً أن يفعل به ما فعل بمن كان قبله . فأخرج اللصوص من السجن وجيش جيشاً فقتلوه ، ثم وضعوا على أهل القرية فقتلوا من قتلوا وسلبوا من سلبوا وأحرقوا أنفساً بالنار وهم أحياء ، وفعلوا ما لم يفعله أحد على ما سمعنا من أهل التوحيد ، وكل ذلك حنات تقدمت ووغـر فـي الـصـدور لأنه مـنذ عـزل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني بالآخر : موسى بن موسى .


الصلت بن مالك وقعت العصبية والإحن والدمن . فآوى عزان المحدثين من أصحابه واتخذهم أعواناً وأنصاراً وأجرى عليهم النفاق ، وطرح نفاق من تأخر عن المسلمين إلى إزكي يعاقب من عصاه وولى من عصى الله ولم يعاقبهم . والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أحدث حدثاً في الإسلام أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله ) (1) فحدثهم من أعظم الأحداث !! وقال الله : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (2) . والظالمون والفاسقون ، فمن برأ من عزان بن تميم من المسلمين توليناه على ذلك .
فلما قتل موسى بن موسى غضب الفضل بن الحواري ، والحواري بن عبدالله ، وسارا على عزان . فخرج الحواري بن عبدالله غضباً لقتل موسى بن موسى من بعد أن كان

الحواري وموسى كل واحد منهما قد فارق صاحبه لأن موسى يدعو إلى عزل راشد والحواري يدعو إلى نصرته فأي فرقة أشد من هذا ؟!
فعقد الفضل بن الحواري للحواري بن عبدالله إماماً في صحار على فتنته وخطئه وعمائه من غير توبة ولا رجوع إلى الحق . فبعث إليهما عزان بن تميم الجيوش ، وكان أهيف بن حمحام (3) من قـواده وغيره . فالتقوا بالقاع (4) وسفكوا الدمـاء فيمـا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري ومسلم . (3) كان الأهيف هنائي أي من بني هناة .
(2) سورة المائدة : آية 44 . (4) القاع بالقرب من صحار .


بينهم على غير برهان ولا حجة ولا بيان . فهزم الحواري والفضل وقتل من قتل معهما ، وأسر من أسر ، وتفرق الباقون ، ولم نعلم رشد أحد الفريقين . فلما استقام الأمر لعزان بن تميم بعث الله ابن بور على أهل عمان فقتل عزان وقتل خلقاً كثيراً وقطع الأيدي والآذان واستولى على البلاد ، فذهبت عمان من أيدي أهلها فأصـبحوا في الـبـلاء بـعـد النـعـمـة لأن الله يـقـول : {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (1) .
فغيّر أهل عمان إلا من شاء الله ، وطلبوا الدنيا وتنازعوا الدولة بينهم لطلب الملك فبعث الله عليهم من هو أطلب للدنيا والملك منهم ، فما اعتبروا ولا عقلوا . ورجعوا إلى راشد بعد أن كان في السجن خليعاً مقيداً أسيراً ، عقدوه إماماً وقصروا الجمعة وجبوا الزكاة . وباع راشد الصوافي فهذا من العجب العجيب من أفعال أهل عمان .

ثم خذلوه وتركوه ثم جعلوا الإمامة وفرضها وما أوجب الله فيها على أهلها لعباً ولهواً ، كلما أرادوا صافقوا رجلا ببيعة ثم خذلوه حتى بايعوا ست عشرة بيعة (2) ، أقل أو أكثر ، لم يفوا لله بواحدة ولا ساروا بحق الإمامة ولا اتبعوا من قدموه في بيعتهم بأثر الأسلاف من المسلمين .
بايعوا راشد بن النضر ببيعتين ، وبايعوا عزان بن تميم ، وبايعوا الصلت بن قاسم ببيعتين ، وبايعوا الحواري بن عبدالله ، وبايعوا أبا سعيد القرمطي ، وبايعوا محمد بن الحسن ، وبايعوا الحسن بن سعيد ، وبايعوا محمد بن يزيد ، وبايعوا حكم بن ملا بيعتين ، وبايعوا عزان بن الهزبر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الرعد : آية 11 .
(2) كتب في المخطوط " ستة عشر بيعة " .


ولم نكتب بيعتهم أولا فأولا وإنما نحن سميناهم ، وعزان بن الهزبر كانت بيعته قبل الحكم بن الملا وغيره . فأما عزان فلسنا ننقم عليه في بيعته أكثر من أنه لما ولي الأمر لم يظهر دعوة المسلمين ولا بيّن للناس دينه . فكان من أهل دينه وممن يخالفه في عسكره مجتمعين على غير بيان . والحق واحد والمسلمون قد علمتم أنهم لم يقبلوا من عمر بن عبدالعزيز وقد كانت سيرته معهم محمودة إلا أن يظهروا دين المسلمين ولم يقبلوا غير ذلك والآخر تبع للأول . وإذا جاز لعزان الإمساك جاز لغيره لأن حكم الله في عباده واحد عدل ، وقولنا فيه قول المسلمين .

فلما أرجف (1) من أرجف من أهل عمان وغيّر أثر الأسلاف واتخذ رأيه وهواه دينا ، فيقدمون رجلا ويسمونه بالإمامة ويقصرون الصلاة خلفه ويجبون الجزية والزكاة ، حتى إذا خرج عليه وعليهم العدو وخذلوه وأقام من أقام منهم مع من خرج عليه من الأجناد يحث في صلاح البلاد والقيام بالخراج وعدد الأموال حتى إذا خرج السلطان قدموه أو غيره إماما وخطبوا له الخطب ودعوا له بالإمامة وقصروا الصلاة وجبوا الزكاة . فافهموا يا أهل عمان سيرتهم واعرفوا غلطهم وخطأهم وفتنتهم وبلاهم ، أنهم إنما يتذكرون وينظرون إذا جبى القائد الجوف ثم يجعلونه هو علـى الرعيـة فيجـبونـهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أرجف : خاض في أخبار الفتن ونحوها ، ومنه المرجفون في المدينة وفي الشيء .


بالسلطان ، يجبي أهل الجوف وجباتهم يجبونهم حتى فقد اجتمعت جباتهم وجباة الأجناد في أيام الحواري بن مطرف ، وما نعرف هذا من آثار الأسلاف . في آثار أسلافنا أنهم قالوا : ( ولا نجبي جزية ولا صدقة حتى نكون حكاما على الناس ، ولا نبعث جباتنا يجبون أرضاً ولم نحمها ويجر فيها حكمنا ونمنع من جبينا من الظلم والعدوان ) ، فهذا القول خلافا لفعلهم وبهذا ندين ، ومن خالف قول المسلمين برئنا منه . وقد علمتم أنهم لم يمنعوا أحدا ممن جبوا !! فالله الله يا أهل عمان لا تؤثروا على أنفسكم من لا يغني

عنكم من الله شيئا واتقوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور .
فلما علم المسلمون فتنتهم وخطأهم اعتزلوهم وبرئوا منهم وضللوهم . فلما علم المسلمون خلاف المسلمين ، وأخذ الناس إذا أبصروا الحق رجعوا إليه لأن الله لا يجمع الأمة على ضلال ، أخذوا يظهرون إلى الناس أن المسلمين (1) أصحاب ضلال وأنهم يبرءون من آبائهم وأمهاتهم ، ويلقبونهم بالألقاب وهم يعرفون سيرتهم ، ويعلمون علام فارقوهم ، والله سائل كلا عما يقول ويعمل ، وقد قال الله تعالى :
{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (2) . ولنا ولهم موقف أخير ، النجاة من ينجو فيه . قال الله : {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } (3) .
وقد كان قولهم وأمرهم أهون من هذه الأيام لأنهم لم يكونوا يسيرون سيرا إنما كانوا يلقون أخبارا وأقوالا إلى غواة الناس . وإنما كانت السير للمسلمين يسيرون فـي الفتنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المسلمون : تعني في المخطوط الأباضية أو الخوارج ، ونعني أيضاً المسلمين عامة .
(2) سورة الأحزاب : آية 58 .
(3) سورة المائدة : آية 119 .


ويشرحون للناس دينهم ويبيّنون ضلالة من ضل عن آثار المسلمين إلى أن بلغنا أن فاسقا منافقا في دين الله زالاً عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مخلعا في دينه تابعا لكل ناعق ينعق أو شيطان ينطق ليس له دين يحجزه إنما هو تبع لمن كانت له دولة ، أخذ يظهر سيره ويصوب أمره ويسمى المسلمين السفهاء والضلال ، ويدعو

الناس إلى التمويه ، وينكر على المسلمين الشراة وينسبهم إلى البدعة . فأول ما سير سيرته أظهر الشتم لمن سمعه من المسلمين وسجع في ذلك سجعا ، ولن نعجز عن السجع ولا عن الشتم ، ولكن ليس من ديننا أن نسير السير بالشتم والسباب ، وإنما نبين للناس الحق . ثم من بعد ذلك دعا إلى التمويه ، والروايات التي يلفظها وبروايته برئنا منه ، إذ قال ما لم يعلم ، وروايته أكثرها فيه وشيعته . وإنما فارقناهم لما جهلوا العلم ، وارتكبوا الإثم لما رووا الروايات عن الأسلاف وخالفوهم بالأعمال . فليس الإيمان بالقول إنما الإيمان بالقول والعمل . فانظروا رحمنا الله وإياكم سيرتنا وسيرته وفعلنا وفعله ، ثم اعرضوا ذلك على سيرة المسلمين من أسلافكم ، فمن كان متبعا لأثر السلف من المسلمين اتبعوه ، ومن كان مخالفا للأثر فاخلعوه وفارقوه . ففي الحق علينا وعليكم أن نكون تبعا للأسلاف مفارقين لأهل الخلاف . واعلموا أن هذا الذي سير إليكم سيرة لم يوضح لكم فيها دينكم ، وإنما يموّه عليكم لكي يشكككم !! فتدبروا سيرته تجدوا ذلك فيما وجدنا من الآثار عن محمد بن محبوب وموسى بن علي رحمهما الله في كتاب كتبناه إلى عبدالعزيز بن محمد . وكذلك في الحق على من دعا إلى الله وإلى طاعته أن يبين للناس الصواب فيما يدعو إليه ، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) .

هذا خلاف لسيرة هذا الضال المارق المخلط لأن في سيرته تمويها وتشكيكا وتخليطا وكذبا وغير ذلك ، وسيستبين لكم ذلك إن شاء الله . فأما التمويه الذي يموّه على الناس ، وآياته التي يلفظها في سيرته ، وعن المبرسم (1) والمجنون من أهل الولاية إذا تكلما بما تجب به البراءة منهما في هذيانهما أنهما في الولاية . فمعاشر المسلمين انتبهوا من سنتكم (2) وتيقظوا (3) من رقدتكم !! فإن كان موسى وأتباعه وأشياعه لما ساروا إلى الصلت بن مالك كانوا مبرسمين ومجانين علمتم قوله وقبلتم روايته ، وإن كان غير ذلك علمتم صدقنا أنه يموّه عليكم حتى تكونوا بين خصلتين ، إما أن تشكّوا فتقفوا أو تكونوا حيارى ، كما قال الله تعالى : {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} (4) . قيل في التفسير شاكّاً حيـران ، فنعوذ بالله أن نكــــون مـن أهــل هــذه الـصـفة . وإمـا أن يتولـى أهــل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبرسم : المصاب بالبرسام ، والبرسام : التهاب في الحجاب الذي بين الكبد والقلب .
(2) السنة من النوم : ( بكسر السين ) حبة منه .
(3) كتبت في المخطوطة : وتيقضوا . (4) سورة الأنعام : آية 125 .



الفتنة ومن يجب أن تبرءوا منه فتكونوا مثلهم ، كما قال الله : {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (1) .
وقد حفظنا عن بعض المسلمين من أهل العلم والورع أنه قال : من تولى يهوديا فهو يهودي وكذلك من تولى ظالما فهو ظالم . فانظروا وتدبروا ولا تتبعوا الأهواء فتخسروا !! ومن تمويهه أيضاً عليكم في سيرته أنه قال وفي وليين قتل أحدهما صاحبه لا يعلم كيف قتله ، وفي عشرة نفر كلهم في الولاية قتل بعضهم بعضاَ لم يعرف كيف اقتتلوا ، وفي قوله من لعن مؤمناً كمن قتله ، فيا سبحان الله ما أعظم جهله وأشد مكابرته !! كما قال الله : {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (2) .
فيا أولي الألباب وأهل العقول والآداب !! هل تعلمون أن هذا الذي رواه لكم نظيراً لما أوضحناه من فعل موسى وأشياعه ، وإنما كتب لكم هذه الروايات لكي تتولوا موسى وأشياعه ، أو تشكّوا فتقفوا . فقد وضحت الحجة عليه في سيرته والحمد لله وألزم نفسه الحجة . هلا كانت هذه الروايات تمسك بها هو وأصحابه وأهل دينه في الإمام الصلت بن مالك لأنه كان إماماً للمسلمين !! فقد كان ينبغي لهم أن لا يخرجوا عليه ولا يرهقوه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : آية 51 .
(2) سورة الصف : آية 8 .
ووردت بعض الأخطاء في المخطوط في الآية القرآنية وقمنا بتصحيحها .

ولا يرعبوه لأنه أعظم حرمة من الولي من سائر الناس . وإن يكن كافراً ولم تكن له إمامة فليوضح هذا الضال وأشياعه كفر الصلت أو تغلبه على الإمامة ، وروايته التي رواها في سيرته حجة على نفسه من حيث لا يعلم وإنما التشكيك الذي يشكك الناس فيه أنه قال ، وفي كتاب محمد بن محبوب إلى محمد بن علي : وما بقي بينك وبين أحد من إخوانك حجاب ولو غزل عنكبوت فلا تهتكه بالظن ، فإن شتم المؤمن أو لعنه كقتله . فيا سبحان الله ما أبين غلطه !! فهلا تمسك بهذه الرواية في الصلت بن مالك !! فقد هتكوا في أمره الباطن والظاهر . فهذا وشبهه من تشكيكه . وإما التخليط الذي يخلط على الناس في سيرته قوله إن الصلت بن مالك اعتزل وبرأ موسى من الخطأ في عزل الصلت وأنه قد استحل ذلك وليس عنده فيه شك ولا ريب . روى عنه في سيرته أنه قال : وقد رأيت على حال أن يجتمع أهل عمان باللذين لا يختلف في تقديمهم ، والثقة ، حتى ينظروا في الصلت بن مالك وراشد بن النظر وعزان بن تميم ، فما اتفق عليه الرأي وكان الصواب عملنا به إن شاء الله وتمسكنا به ولا حول ولا قوة إلا بالله . فهذا هو التخليط !! أرأيتم يا أهل عُمان إذا جمع موسى الثقات وأهل العلم بالله في أمر الصلت وراشد وعزّان ، فحرموا عليه ما استحله من الإمام الصلت بن مالك ، كيف تكون توبة موسى وهو يروي في سيرته ما يشكك الناس به ، ويشهد عليهم أن شاباً من بني إسرائيل تعلم العلم ليطلب الشرف فلم يبلغه فابتدع بدعا أدرك بها ما طلب ثم ندم على ذلك ورجع إلى التوبة والاجتهاد حتى خرق ترقوته وأوثق نفسه بسلسة إلى

سارية في المسجد ، قيل فأوحى الله تبارك وتعالى ، لو كان ذنبه فيما بيني وبينه لغفرت له بالغا ما بلغ . ولكن كيف بعبادي اللذين أضلَّهم ؟! فيا معاشر أهل العقول أيسع ما يصفونه على الناس ؟! فكيف توبة موسى إذا جمع أهل العلم فقالوا له إنه أخطأ منذ عزل الصلت بن مالك إلى أن عقد لعزّان ، وقد مات على ذلك من مات ونشأ عليه من نشأ ، فكيف باللذين أضلهم ؟! فهذا وما أشبهه من سيرته من التخليط مما يشكك الناس في سيرته . إنه يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ( ليس حد أعظم من تحريم ولاية المسلمين ) .
وقولي فيما يروى عنه أيضاً أنه قال : ( ادرءوا الحدود ما استطعتم وإذا وجدتم للمسلم (1) فرجا فخلّوا سبيله ) . فيا سبحان الله مَن ها هنا عجيباً ؟! هل هو وأهل دينه للصلت بن مالك بروايته وعلمه ؟!
فحرمة الإمام العدل أعظم حرمة من حرمة المسلمين !! فهل ادرءوا عنه الحدّ وخلوا سبيله؟! فقد كانوا يجدون للصلت بن مالك رب مخرج فاستحلوا حرمته وحقروا ذمته ونقضوا عهده وحلوا عقده . فإن يكن الصلت مؤمناً مسلماً فقد خالفوا الحق على ما روى هذا المارق ، وإن يكن كافراً فيصح كفره حتى يعلم صدق قوله ، فسيرته وروايته حجة عليه لمن كان له بصر . فهذا وأشباهه من سيرته مما يشكك الناس .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط " للمسلمين " .

فافهموا رحمنا الله ، وإياكم أن يردّكم هذا المارق لغير دين الله . فقد أوضحنا لكم الحجة وقد لبس عليكم الحق ، ولم يوضح لكم الصدق ، ولم يأت على قوله ببرهان . وشاهد على ذلك من القرآن قوله : {لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (1) . وقوله : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (2) .


وأما الكذب الذي في سيرته الذي بدأت فيه ، قوله إن عدوه من الناس شهدوا بما استحل موسى عزل الصلت ثم صار في حال الزمانة وتغير العقل في بعض الأوقات .
فهذا هو الكذب الواضح ، فقد علمتم يا أهل عمان أن الصلت بن مالك كان يحكم بين الناس بالعدل فيبرز إلى الناس في ولايته صحيح العقل واللسان والسمع والبصر والله شاهد على قولنا وقوله . ومن كذب في سيرته أنه روى عن أبي المؤثر رحمه الله لما مات المهنا بن جيفر ، أراد أبو المؤثر إظهار البراءة منه حتى منه ذلك ، فهذا من كذبه ، فقد صحبنا أبا المؤثر ما شاء الله من الدهر رحمه الله وغفر له ، فما علمنا أنه يذكر المهنا بسوء ولا أمر بالبراءة منه . ومن افترى الكذب على الله أو على رسوله أو على المؤمنين فقد خسر خسراناً مهيناً ، والكذب فاتحة الكـفر ، وقـد جـاء عـن المسـلميـن أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران : آية 71 - وورد في المخطوط بعض الأخطاء في الآية القرآنية فصححناها .
(2) سورة آل عمران : آية 187 .


الكذب ينقض الدين ، فهذا وأشباهه من سيرته كذباً ، فتدبروا سيرته تجدوا ذلك . وأما قول هذا الضال في سيرته وهذا كتاب فصل ، وهذا كتاب أبي جابر ، وهذا كتاب موسى ، وأشباهه ، فليس له عندنا جواب إنما هو هذيان (1) منه يكثر به سيرته ، وليس قوله هذا كتاب فلان ، وهذا كتاب فلان ، من سير المسلمين في شيء ، ثم العجب العجيب لمن يزيد (2) في سيرته قوله ، إن راشداً كان ضعيف الفراسة قليل التجربة للسياسة فتباعد عنه من ولاه ، وأحاط به مَن عاداه ، فأخذوه قسراً وحبسوه جبراً ، فهذا هو العجب العجيب . فيا معاشر أهل عمان كيف جاز له ولشيعته أن يعزلوا إمام عدل قد أقام الحق في إمامته أكثر من ثلاثين سنة وقدموا ضعيف الفراسة قليل التجربة للسياسة ؟! فما عذرهم إذا لقوا الله نسألهم عن فعلهم فكيف الخلاص لهم مما فعلوا مثله فيما أقرّ في سيرته هو وشيعته ، كما قال الله : {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} (3) .
وكــمــا قــال : {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} (4) .
والعجب أيضاً لمن ولاه وقدمه على الصلت بن مالك الإمام ثم ضعفت فراسته وعنفت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط " هذوان " . (2) كتب في المخطوط " بريد " .
(3) سورة الملك : آية 11 . (4) سورة التوبة : آية 17 .

سياسته ، كيف يتباعد عنه ويتركه ولم ينصره ويعينه حتى تقوى فراسته وتستقيم سياسته ؟! فافهموا رحمنا الله وإياكم خليط هذا الضال المارق . فقد نقضنا بالحق سيئته ، وأبدينا عورته وفضيحته ، فإنا إنما كتبنا الذي وجدنا في سيرته ولم نقل عليه باطلا . وقد نظرنا فيه وفي سيرته فوجدنا كما روى أهل العقل أنه قال ، الحدث حدثان ، فحدث من فيك وحدث من فرجك . فهذا المارق قد أحدث من فيه في سيرته من حيث لا يشعر . وقد روي أيضاً عن بعض أهل الأدب أنه قال ، لم أندم على ما لم أقل وإنما ندمت على ما قد قلت . وروي عن غيره أنه قال ، أما على ردّ ما لم أقل أقدر ولا أقدر على ردّ ما قد قلت . وروي عن غيره أنه قال ، عجباً لمن يتكلم بالكلمة إن رفعت عنه ضرّته وإن لم ترفع عنه لم تنفعه . وروي عن أبي سعيد الخدري (1) أنه قال : الكلمة أسيرة في وثاق الرجل (2) ما لم يقلها فإذا قالها كان (3) أسيراً في وثاقها .
ومما عجبنا منه أيضاً في سيرته أنه لم يجز للصلت يسع ما وسع الأنبياء صلوات الله عليهم دون أن يحارب وحده حتى يقتل ، فهذه على الـطـرفـة مـن سيرتـه أنـه لـم ير أن
يسعه إلا قتل موسى ومن معه في محاربتهم ويقتل وإلا كفر ، فأحل دمه ودم موسى وشيعته في سيرته من حيث لا يدري .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو سعيد الخدري : هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر ، من أفاضل الأنصار ، حفظ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كثيرا ، وروى عنه كثير من الصحابة ، وتوفي 74 هـ .
(2) في نسخة " صاحبها " .
(3) في نسخة " صار " .


ومن تخليطه وتعسفه وتوريطه وضلالته وعماه وكفره وخطئه أنه صوب موسى وطهره وزكّاه ثم خطأه وادعى له التوبة ، وقال في سيرته ، قد أخطأ أبوه من قبله آدم صلى الله عليه وسلم وقد أخطأت أم المؤمنين ، فهذا من تخليطه أنه أقر عليه بالخطأ ثم ادعى له التوبة . فأين قوله في سيرته فيما شدد وضيق التوبة على الناس فيما روى عن الشاب الذي أخطأ أن الله أوحى لو كان ذنبه بيني وبينه غفرت له بالغاً ما بلغ ولكن كيف بعبادي الذين أضلهم . فكيف تجوز التوبة لموسى وقد أضل خلقاً كثيراً من خلق الله ؟! فأجاز لموسى ما لم يجز لغيره . فافهموا سيرته فإنا قد أوضحنا حجتنا وحجته .
ثم زعم هذا المارق أنه يسمي المسلمين السفهاء والضلال ، ومن أسفه وأضل منه !! إنه كان يخطب ويدعو في خطبته لراشد ويتولاه ويحكم له ثم عزل راشدا بالغداة وهو وليه وعقد بالعشي لعزان بن تميم ، وتولى عزان وفسق راشدا في خطبته . فقال قائل لما سمعه قد فسق راشدا : وبقايا ما أطمعه في أسنانه !! .
والذي كتبناه لكم يا أهل عمان ، كثير منكم يعرفه لأنهم كانوا مع راشد فلما عزل كانوا مع عزّان . فنناشدكم الله يا أهل عمان ويا حملة القرآن ويا أصحاب الولاية والبراءة ويا أصحاب الصلاة والزكاة !! لا تضيعوا أصل إيمانكم ولا صلاتكم ولا زكاتكم ولا تحبطوا أعمالكم بولايتكم أهل

الفتن ومَن ضل عن السنن ممن قد سمينا لكم في كتابنا أو من قد عرفتم ضلالته من سوى ذلك ، فإن الله حرم الولاية للكافرين وأمر باتباع المؤمنين والولاية لهم . قال الله تبارك وتعالى : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : آية 55 .


ثم بين الذين آمنوا فقال : {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (1) . ثم مدح من تولاهم فقال : {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (2) . {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (3) . {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (4) . وقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (5) . وقال : {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (6) . إلى آخر الآية .
وقال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (7) . وقال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا

تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} (8) . وقـال : {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : آية 55 . (2) سورة المائدة آية 56 .
(3) سورة النساء: آية 115 . (4) سورة المائدة : آية 55 .
(5) سورة الشعراء : الآيتان 215 - 216 . (6) سورة المجادلة : آية 22 .
(7) سورة التوبة : آية 23 . (8) سورة النساء : آية 144 .

فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} (1) . يقول يحذركم عقوبته وبأسه . فاتقوا الله يا أهل عمان واحذروا عما حذركم الله وانتهوا عما نهاكم الله وزَجَركم وارجعوا إلى دين أسلافكم وأمنائكم تعوّذا بالله عليكم ، لا يغرنكم الطمع في سيرته فإنه إنما يطلب منكم أن تمسكوا وأن تقولوا الحق فيه وفي شيعته وأوليائه لما خاضوا في المعاصي وتورطوا . ولا يغرنكم بدعوته لكم الألفة من بعد ما طرحوا الفرقة في عمان وأوقدوا فيها نار الحرب لا تخمد وسلّوا فيها سيفاً لا يغمد .
فهلا كان هذا الاشتباك والتمسك والألفة في الإمام الصلت بن مالك حيث كانت تنفع الألفة ؟! فلما فعلوا ما فعلوا طلبوا ما لا ينالوا ، ومتى يرجع الضرع (2) الحلبُ ؟! لقد باء بالفتنة إلى يوم القيامة ، يموت على ذلك كبيرهم ويولد على ذلك صغيرهم . نعوذ بالله من الفتنة معاشر المسلمين !! انظروا إلى ما دعوناكم إليه ودعاكم هذا السفيه الزالّ

عن الحق ، يدعوكم إلى الألفة عن المعصية ولباس الأمور بعضها ببعض وترك إيضاح الحق فيما حدث من الفتنة بين أظهركم . وقد قال الله تعالى تكذيباً لهم : {الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : آية 28 .
(2) الضرع : مدر اللبن للشاة والبقر ونحوها ، وهو كالثدي للمرأة . الجمع ضروع .
(3) سورة آل عمران : آية 71 - وقد لاحظنا بعض الأخطاء التي وردت في المخطوطة في كتابة هذه الآية وقد قمنا بتصحيحها .
نحن ندعوكم إلى الرجعة إلى الحق وإلى كتاب الله وسنة نبيه وآثار المسلمين أن تتبعوها وتنزلوا الناس حيث أنزلوا أنفسهم وأنزلهم الحق . فقد علمتم أن في نسب الإسلام ، وأنزلوا الناس حيث أنزلوا أنفسهم ، والسيرة فيهم على قدر منازلهم .
معشر المؤمنين المسلمين !! قد كتبنا لكم أخباراً وقصصنا عليكم من السّنن آثاراً ، ولم نأل في الردّ جهداً على مَنْ ظلم وتعدى وشتم المسلمين ، وتولى الظالمين ، ولم نأل لكم نصحاً ولم نطلب على ذلك ثمناً ولا ربحاً ، فإن تقبلوا فرشداً أصبتم وأن تردوا فخطأً حرمتم . ولن يضر الله ولا رسوله ولا المؤمنين مخالفة من خالف الحق واتبع غير أهل الصدق ، والله غني عن عباده ، فمن عبده بغير بصر ولم يكن له فيما أمره نظر فتخبط العشواء وارتكب الأهواء ، وقد احتج الله على عباده بالرسل وجعل المؤمنين شهوداً عليهم في الأعمال فمن اتبع الحق سلم ومن زال عنه خسر وأثم .
جعلنا الله وإياكم ممن قبل النصيحة . وأعاذنا الله وإياكم ممن لم يقبل النصيحة ، وأعاذنا الله وإياكم يوم القيامة من الفضيحة ، والحمد لله رب العالمين ولا إله إلا الله الملك الحق المبين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين وسلم تسليما .

( تمت السيرة ) .


(3)
كتاب البيان والبرهان
رد على من قال بالشاهدين تأليف أبي المؤثر رحمه الله
من نسخة معروضة على أبي الحواري

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق بشيراً ونذيراً {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (1) . وأنزل عليه قرآناً مبيناً دليلا على نبوته وعلماً على رسالته وحجة على من أرسل إليه وجعل نظمه (2) مخالفاً لنظم الناظمين وسرده مبايناً لمعاني البشريين ليفصل بين كلام المختلفين . قال الله : {لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} (3) . ومنع جميع المطبوعين من الإنسانيين وسائر الحيوانيين

من الإتيان بمثله والمضاهاة له بشكله وجعل ذلك برهاناً لتصديقه وبياناً لتحقيقه ، فقال {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} (4) . وقال : {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} (5) . ثم {وَلَنْ تَفْعَلُوا} (6) . فاتقوا الله في ردّه وتضييع أحكامه !! فأقر أهل التوحيد بتنزيله أنه من عند الله وكذب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يس : آية 70 . (2) كتب في المخطوط : " نظامه " .
(3) سورة النحل : آية 64 . (4) سورة الطور : آية 34 .
(5) سورة البقرة : آية 23 . (6) سورة البقرة : آية 24 .

بذلك أهل الشرك . فاستبقى الله عند الذين آمنوا دليل بينهم ، الذي فيه نسخة دينهم وحجتهم على الذين خالفوهم في عدلهم وبيان حلال ربهم وحرامه وفرائضه وأحكامه . فاختلف أهل القِبلة في تأويله بعد الإقرار منهم جميعاً بتنزيله ، فجهل بعضهم موقع الحق وعموا عن سبيل أهل الرشد والصدق فجعلوا الخاص عاما والعام خاصا والمحكم متشابهاً والمتشابه محكماً ، وبدّلوا كلام الله بتأويلهم وحرفوا الكلم عن مواضعه بأقاويلهم مضاهاة لمن سبقهم من الذين كفروا من قبلهم إلا من ثبّته الله من الذين آمنوا وأيّدهم بحججه المنيرة كما هدى الذين اهتدوا من قبلهم بإتّباع أمره بما وفّقهم الله بمنّه ورحمته . وكان مما جرى في الاختلاف والتنازع بين هذه الأمة أمر الأئمة إذا أحدثوا مخالفة كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم . فتأولوا في ذلك تأويلات مختلفة واحتجوا بحجج متناقضة فدخلت عليهم من قبلهم الشبهة لتركهم ما

أوضح الله من السنّة والتماسهم بزعمهم العدل من الروايات الكاذبة وتركهم الآيات الواضحة . فقال بعضهم : الأئمة أولياء الله وأمناؤه في أرضه لهم العون من الله والتوفيق ، محال أن يكونوا مخذولين ولكنهم في جميع أمورهم مصيبين لعدل الله ودينه ولو كان ذلك مخالفاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله . واعتلّوا في قولهم بعلل نكره ذكرها للاشتغال بها عما له قصدنا فنحتاج إلى نقضه . وقال بعضهم ، بل لهم الطاعة (1) على ظلمهم ولهم الأمة والتسليم والرضـى بحكمـهم عـلى الـمعرفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " الطاعة " .

بفسقهم وجورهم وغشمهم ، وعطلوا عنهم من الحدود ما حكموا به على غيرهم . وقال بعضهم ، بل هم بذلك مشركون خارجون من ملة التوحيد داخلون في صفة أهل النديد يحكم عليه بأحكام المشركين ويحرم منهم المناكحة والموارثة والذبيحة ما كان يحرم على المسلمين من عبَدة اللات والعزى . فقصر بهم قوم عن منازلهم وغلا قوم فيهم فحكموا عليهم بما لم تبلغه درجاتهم . فشهد المسلمون عليهم جميعاً بالضلال وأبصروا خطأهم من كتاب الله وقالوا فيهم بما أنزل الله من مخالفة أهل الغلو والتقصير . فقال إن الأئمة أمناء الله وخلفاؤه في أرضه ما استقاموا على عدل الله ووفوا له بعهده ، كما أخذ ميثاقهم فإذا ركبوا الحدود فيهم بمنزلة غيرهم من المسلمين يقام عليهم حدّ ما أصابوا ،

وإن امتنعوا من إعطاء ما أوجب الله عليهم إعطاؤه حاربهم المسلمون على ذلك وأخذوهم كما كان ذلك الحكم واجباً على غيرهم . وليسوا بمشركين ما لم ينتضوا جملتهم ولكنهم كفار منافقون ضلال فاسقون ، وإنما كانت لهم الطاعة وعلى ذلك كانت بيعتهم فكيف تكون لهم الطاعة على نقض ما عليه بويعوا . وإنما جعل الله لهم الطاعة إذا وفوا بما عهد إليهم ، كما قال وجعلنا منهم أئمة يهدون {بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (1) . وقال : {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } (2) . ولم يجعل الله لأحد حقا في معصيته ، وقد قال لنبيّه :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال تعالى في سورة الأعراف ، آية 181 : {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} .
(2) قال تعالى في سورة السجدة ، آية 24 : {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} .

{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} (1) . وقال : {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} (2) . ولم يفوّض الله إلى أحد أمره بل جعل ذلك إليه ، وجعل المتخير على دينه كافراً ، فقال : {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} (3) . وقال : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (4) .
وكان من سنة المسلمين إذا أحدثت الأئمة انتهاك شيء من الكبائر مستحلين لها دائنين أو محرمين مصرين منتهكين لها باتباع شهواتهم وميلولة في أهواء أنفسهم وتضييع

حق لازم لله مما يقرون بحكمه فيه ، استتابهم المسلمون من ذلك وسألوهم الرجعة عن الهلكة فإن تابوا قبلوا توبتهم وأثبتوا لهم إمامتهم ما لم يصيبوا حدّاً يقيمه عليهم إمامهم . وكذلك قال الله : {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } (5) . فذلك في المشركين فكيف في غيرهم ؟! وإن أبى الأئمة إلا تمادياً في غيَهم ومضيّاً في كفرهم وكابروا المسلمين واعتزوا على الله وشهر ذلك في مصرهم وقامت الحجة على الرعبة بكفر إمامها وصارت الدار عندهـم دار كـفر لا يتولى فيها أحـد ، لـم تتـقدم مـع
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الكهف : آية 28 . (2) سورة الإنسان : آية 24 .
(3) سورة الأعراف : آية 3 . (4) سورة الأحزاب : آية 36 .
(5) سورة التوبة : آية 11 .

المسلمين ولايته إلا لمن أظهر تكفيره ويكون من تولاه هالكا بولايته . فإن المسلمون هم الأكثرين وهو وأولياؤه الأقلين سأله المسلمون الاعتزال عن أمرهم والترك لإمامتهم ، فإن فعل تولوا أمره وولوا على أنفسهم من يقوم بدين الله ويأمنوه على أمر الله ، فإن أبى أن (1) ينخلع من الإمامة وحارب المسلمين حاربوه وقتلوه كافراً حلال الدم ، وقد مضت بذلك السنّة من المسلمين في عثمان .

وإن كان المسلمون هم الأقلين والإمام الكافر وأولياؤه في أرضه الأكثرين الأعلين وامتنع من الاعتزال والتوبة ، قدم المسلمون لأنفسهم إماماً وحاربوه مع إمامهم ، وقد جرت سنة المسلمين بذلك في عليّ .
ثم قد حدث في أهل هذه الدعوة القريبة أمر عظمت فيه البليَّة وبطلت فيه الكلمة واستبدت فيه الفرقة في خروج موسى على صلت وتقديمه لراشد عليه إماماً قبل قيام الحجة على الرعية ، وتحول الدار من الإسلام إلى الكفر وادعاء موسى للإمامة وجبرهم للناس على طاعتهم وادعائهم أن ذلك دين الله . فوقع في ذلك التنازع ووضح أن هذا أمر لم يسبق أحد من المسلمين موسى إليه ، ولكنه ابتدعه من تلقاء نفسه ولم يتبع سبيل من مضى من المؤمنين قبله .
وقد قال الله : {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} (2) . وقال : ومن {يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (3) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " ابان " .
(2) سورة آل عمران : آية 85 .
(3) سورة النساء : آية 115 .


ورغب عن ملتهم وملة إبراهيم ، وقد قال الله : {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (1) ، فقال بعض من أراد أن يصح بدعة موسى (2) : أرأيتم لو أن موسى

جاءكم اليوم هو وبعض من عنده فشهدوا عندكم أن صلتا أحدث قبل خروجنا عليه كذا وكذا حدثاً يلزم راكبه التفسيق فاستتبناه فأبى وأصر ، ألم يكن يلزمكم تصديقهم ؟!
قلنا لهم إن هؤلاء قوم قد علمتم أنه يلزمنا في دين الله الذي افترضه علينا أن يزعم أنهم كافرون لأنهم خرجوا على إمامنا وقدموا عليه إماماً فركبوا في ذلك ما حرم الله عليهم فيلزمنا أن نكفرهم ونخلعهم ، فكيف يحل لنا قبول شهادة قوم ، الفريضة علينا تكفيرهم الذي من أجله وجب الفريضة علينا في تكفيرهم ونحن محرم علينا قبول شهادتهم في غير ذلك !! وكيف في ذلك الذي به استحقوا الكفر عندنا؟! فإن قالوا أفلستم تجيزون شهادة قومكم؟! قلنا إن هؤلاء كفرهم عندنا غير كفر قومنا ، كان كفرهم بتأويل غالطوا فيه وليس (3) هؤلاء بمتأولين ولكنهم مكابرون لنا جهرة بمخالفة الحق مع أن قومنا لا تقبل شهادتهم في حال المناصبة والمحاربة ، ولا تقبل أيضاً شهادتهم فيما يكفر المسلمين ، وهؤلاء إنما شهادتهم من كفار المسلمين ، فحرام علينا قبول شهادتهم . قالوا ، أفرأيتم لو أنهم جاءوا إليكم بشاهدين من الإيمان عندكم ممن لم يساعدهم على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة : آية 130 .
(2) يعني موسى بن موسى الذي قدم راشد إماما وعزل الصلت .
(3) كتب في المخطوط : " وليسوا " .

حدثهم ولم تظهر إليكم ولايتهم فيشهدان معكم أن صلتا أحدث كذا وكذا حدثاً يكفر به من انتهكه ، قالا واستتبناه من ذلك فأبى وأصرّ ولم يتب ، وأرّخا لكم الوقت الذي فيه كفر فعلمتم انه كان قبل تقديم راشد ، ألم تكن تلزمكم إمامة راشد ؟ قلنا لهم إن راشداً قد ادعى هو (1) وموسى وأولياؤهما أن الله افترض علينا أن نتولاهم على ذلك وأن نسمي راشداً بالإمامة ، وجبرنا على قبض الصدقات من أموالنا وتسليمها والفرض من الله علينا أن نكفرهم فكيف تصح إمامة من ادعى أن الله افترض تسميته بالإيمان ، على من يعلم هو أن الله افترض تسميته بالكفر ، وإن لم يعلم ذلك من البعض . وكذلك المستحق من الله علينا أن الله افترض تكفيره على من كان صلت عنده مؤمناً وهو على ذلك يجبرهم على الدخول في طاعته ويسفك دماءهم على ذلك وهو يلزمه أن يعلم أن الله قد أحل لمن كان صلت عنده مؤمناً أن يخرج عليه لأن (2) حجته قامت عليه ، ولأنه يعلم أن عليهم أن يكفروا من خرج على إمامهم ، فكيف تصح إمامة من سفك دماء قوم على ما يعلم أن الفريضة عليهم فعله وعلى ما يعلم أنه حلال لهم ؟! وهذا يضطرون إليه لأنهم لم يكونوا أقاموا الحجة على الرعية في صلت ، وإنما تصح إمامته عندهم بعد بالشاهدين !! وكيف تثبت الإمامة لمن حاله قصصنا !! فإن قالوا ، أفرأيتم لو أن راشداً تاب من جميع هذه الأمور التي ذكرتموها من الإدعاء والجبر وردّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتب في المخطوط : " ادعى هم هو " .
(2) كتب في المخطوط : " لأنه لم " .

ما لزمه ردّه وإعطاء جميع الحقوق من نفسه ، أكانت إمامته تصح عندكم ؟! قلنا إنه قد أقر على نفسه بهذا القول إن دماء الذين قتلهم كانت حراماً عليه وسفكها محرماً لهذا فيلزمه في هذا القصاص والأخذ بها . ولا يجوز أن يقيم تلك الحدود عليه في القصاص إلا إمام ، فيلزمه أن يعزل ثم يقدم إمام يأخذ منه القصاص فيها لأولياء الدماء . فإن قالوا ، أفرأيتم إن عفا أولياء الدم ولم يقتصوا ولم يكن سفك شيئا من الدماء وتاب من جميع ما ذكرتم ، أكانت إمامته تصح عندكم ؟! وقد كانت عفو الأولياء من قبل تقديمكم إياه إماماً .
قلنا إن راشداً لا يستحق الإمامة ولا يجوز من قِبل أنه عندنا عليه البينة بأمور يكفر بها من ركبها . فإن قالوا إن علمكم بذلك ليس بحجة عامة المسلمين . ولكن ما تقولون ، أتلزم إمامته من لم يكن على ذلك وارتاب أيضاً من تلك الأمور مع ما يتوب منه من غيرها ؟! قلنا إن راشدا بيّن الجهالة مستدلا على ذلك منه ، لأنه لا ينظر الأحكام ولا يعرف ما عليه بتولي المسلمون ولا ما عليه يبرءون ، ولا يقبل قوله في تعديل من شهد عنده ، فكيف تصح إمامة إمام إذا قال لواليه أو لغيره من المسلمين إنه قد شهد معي شاهدا عدل بكذا وكذا لم يسعه أن يقبل منه قوله ، فبأي معنى كان الإمام إماماً إلا بإبانة في التصديق بالصحة معه بمعرفة الشاهدين معه ولزوم المسلمين قبول ذلك منه

وتقليد الحكم بالصحة معه . وكيف يجوز أن يقبل قول من لا يعرف ما تجب به العدالة في العدالة ؟! فإن قالوا ، فما الحدّ الذي مَن وصل إليه وجب أنه عالم بالولاية والبراءة فإن ذلك مقبولا منه دون غيره ؟! قلنا ذلك معروف مع المسلمين غير خفي ولا ملتبس لأن المسلمين قد قالوا إن الولاية لا تقبل إلا ممن يبصر ما يتولى عليه وما يبرأ عليه ، فهذا قد أعلمونا أن في المسلمين ممن يبصر ذلك وأنه مقبول منه ، قالوا ولا يقبل ذلك ممن لا يبصر . فعلمنا أنهم قد علموا من يبصر ممن لا يبصر . ولو جاز أن يكون راشد في الحدّ الذي يقبل منه ذلك في جميع المسلمين ، ولما كان منهم ضعيف لا يبصر ، ذلك لأن راشداً أضعف الضعفاء وأجهل الجهال ممن أقرّ بالدعوة في معرفة ذلك وغيره ، فهذا ما يبطل جواز الإمامة لراشد على حال من الحال .
فإن قالوا أرأيتم لو أن راشداً كان بحدّ من تجوز له الإمامة في العلم والورع وتاب من جميع ما ذكرتم حتى يصير في جميع أموره إلى منزلة يكون مثله مستحقاً للإمامة ، ثم جاء بالشاهدين اللذين ذكرنا ، أكنتم تجيزون إمامته وتثبتون فرضها ؟! قلنا إن الذين قدموا راشداً ليسوا في حد من تجوز به الإمامة لأنهم ليسوا من أهل العلم ولا من مساند المسلمين الذين يلون عقد الإمامة ، وإنما كانت بيعة من غير مشورة المسلمين ولا رضى منهم ، فذلك عقد فاسد غير صحيح . فإن قالوا ، ومن الذين تجوز لهم الإمامة ؟! قلنا إن المسلمين قد أجمعوا أن الإمامة لا تكون إلا عن مشورة ، وإنما قدم المسلمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما من الأئمة عن تراض

من المسلمين ومشورة من أهل العلم والمساند وقد علمتم أن مجيء الأمر من موسى في راشد على خلاف ذلك ، فليس يجوز أن يصح أمر قد وجب خلافه لمن مضى من المسلمين ، مع أنا أخبرنا في كتاب " الأحداث والصفات " (1) ما تصح به الإمامة وأخبرنا بمقالة المسلمين فيه ، فليس نحتاج إلى القصد إليه في هذا الكتاب دون ما إياه اعتمدنا من إبطال مقالة فيمن قال بالشاهدين ، وفيما ذكرنا في كتابنا من مخالفة أمرهم لما مضى عليه المسلمون كفاية للذين يعقلون ودليل على فساد عقدهم . فإن قالوا أفرأيتم لو أن راشداً كان على الحق الذي تجوز له فيه الإمامة وكان الذي قدموه هم العماد والسند ومن لا يختلف في أن عقد الإمامة به صحيح ، فقدموا راشداً على مثل ما قدموه عليه ، وصلت إمام لغيرهم من المسلمين وهم قد علموا منه الضلال والإصرار ولم يقيموا على غيرهم من المسلمين الحجة في ذلك ، وكان راشد في حال ما تحبون من الثقة والعلم ولم تكن منه الأحداث التي ذكرتم ، ثم جاءوا بالشاهدين اللذين (2) ذكرنا في صدر هذا الكتاب ويشهدان أن صلتا أحدث حدثاً سميناه مكفراً لمن واقعه واستتاباه فأصر على ذلك وأبى الرجعة عنه ، ووصفا الوقت الذي فيه كفر وأصر ، وشهدا أن الذين قدموا راشداً قد عملوا منه مثل ما علما هما ، ولم يدخلا في شيء من عقدهم الشاهدين ولا في شيء منه ، ولا علمتم منهما ولاية لهم ، وهم على مـا وصـفـنـا مـن الأمـانـة والـعلـم والثـقة والـورع عن الأحـداث وتابوا منها بعد شهادة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يشير أبو المؤثر هنا إلى كتابه السابق : " الأحداث والصفات " .
(2) كتب في المخطوط : الذين .

الشاهدين عندكم ، أليس قد لزمكم إمامة (1) راشد ووجبت عليكم طاعته ؟! فإنا نقول في ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله إنا نسأل هذين الشاهدين عن راشد فإن زعما أنه لهما إمام وأنه ومن معه مصيبون فهما داخلان في جملتهم يلزمهما ما يلزمهم لأنهما قد حكما أن إماماً موجوداً ثابت الإمامة ، وإمامنا بحاله غير زائلة إمامته فيلزمهما شاهدان أيضاً كما لزمهم . ويسأل الشاهدان شاهدين إلى ما لا يتناهى فهذا شاهد في العيان والقياس . وإن قال الشاهدان إنا نبرأ من راشد ومن معه ، قلنا لهم إن شاهديكم قد برئا منكم وشهدا عليكم بالكفر فقبل شهادتهما بالكفر ، فبكفركم في قولكم لأنكم مصدقون زعمتم لها ، ثم تقبل شهادتهما على صلت ونستتيبه نحن ونظهر حدثه إن لن يتب كما فعل المسلمون قبلنا . وإن قالوا ، أرأيتم إن وقف الشاهدان وقالا : لسنا نقول شيئا إلا هذه الشهادة ، فما أنتم صانعون ؟! قلنا إن هذه لا يخلو أن في الحكم من الله الذي حكم به عليهما أن يكونا جاهلين لما لا يسعهما جهله فهما كافران ، أو يكونا جاهلين لما هما معذوران بجهله ، والفريضة عليهما العلم ليس الجهل ، وأحد الفريقين هم الحجة عليهما ، إما نحن وإما أنتم ، فأنتم إن كنتم الحجة عليهما فقد هلكا بالجهالة لما دعوتموهما إلى الدينونة بدينكم لأنهما عالمان من صلت مثل علمكم .، وإنا كنا

نحن الحجة عليهما فجهلا تكفيركم وجهلا أمانتنا ، ونحن الحجة عليهما التي تقطع عذرهما ، فهما هالكان بالجهالة ، لأنا قد دعوناهما إلى تكفيركم وليس ها هنا فرقة ثالثة قاضية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : إمامته .

بيننا وبينكم فتكون هي الحجة ، وليس أحد من أهل الأديان المائلين إلى شرع الفتنة بحجة الصواب لا يخلو أن يكون عندنا أو عندكم ، فقد بطلت شهادة الشاهدين من هذه الجهة .
فإن قالوا ، فإن ضعف ضعيف من المسلمين عن الإمضاء على أمر فهو هالك عندكم ، قلنا إذا كان ذلك الأمر مما لا يعذر الناس على جهله كفر من جهله . ومن الدليل على إبطال مذاهبهم في هذا أنهم إذا عذروا من علم بمثل علمهم من إثبات عدلهم فقد عذرنا نحن أيضاً إذا أعلمنا الشاهدان أن نعلم أنهم مصيبون . فإذا كنا معذورين كان جميع الناس معذورين بجهالة إمامة إمامهم ، وإذا وسعهم ألا يسموه بالإمامة وسعهم ألا يسموه بالإيمان ، وإذا وسعهم ذلك وسعهم ألا ينصروه على عدوهم ، وإذا وسعهم ألا ينصروه وسعهم ألا يؤدوا الصدقة ، وإذا وسعهم ألا يؤدوا إليه الصدقة لزمته ولايته على ذلك وحرم عليه أن يكرههم قبض الصدقة ، وحل لهم ألا يصلوا معه الجمعة ركعتين في غير الأمصار ، ووسعهم ألا يقبلوا قوله . فإذا وسعهم هذا فيه فقد صح أنه

ليس ها هنا إمامة لأنه يسع الناس جميعا ألا يتولوه وألا يصدقوه ولا يصلوا معه الجمعة ركعتين في غير الأمصار ولا يسلموا إليه صدقة ولا ينفذوا له حكما ولا ينصروه على عدوه ، فإذا جاز لهم هذا فيه لزمهم ألا يتركوا الأمور معطلة من الحدود والأحـكام ووجـب عـليهم إقـامة إمـام غـيره ووجـب علـيه ألا يعارضهم في ذلك . فهذا
والحمد لله بيان فبرهان {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (1) ، على أن أمر الشاهدين باطل . فإن قالوا إنه يلزم من علم مثل علمهم الحكم لإمامهم بالإمامة ، فعلى شاهديهم أن يأتيا بشاهدين وعلى الشاهدين أن يأتيا بشاهدين حتى يكون ذلك صائراً كالشهرة فيكون الحكم بالشهرة هو الأصل ، لأنه إذا جاء شاهدان بشاهدين وآخران بآخرين ثم تتابع ذلك فإما أن ينقطع دون ذلك الشهرة فيكون ما ذكرنا من الفساد ، وإما إن يكون يصير إلى الشهرة لحد تتابع الكثرة ولا يحتاج إلى ما زعموا من أمر الشاهدين ويكون الأمر في الإمام كما ذكرنا من فعل المسلمين في الماضين من كفرة الأئمة مثل عثمان وعلي والحمد لله رب العالمين . ويقال لهم : ألستم تعلمون أن الفريضة من الله على المؤمنين الذين لم يعلموا مثل علمكم في إمامكم وإمامهم عندهم على العدل ، فقدّمتم أنتم إماماً أن يشهدوا عليكم بالكفر والضلال وأن يستحلوا دماءكم على ذلك . فإن قالوا إن الله لم يفرض ذلك على المؤمنين فقد أحلوا الخروج على الأئمة وأوجبوا على الناس طاعة كل من تسمى بالإمامة وخذلان إمامهم ، لأنهم إذا لم يكن ذلك فريضة عليهم فحلال لهم ترك الإمام ، فيكون كل من أراد الخروج

على إمام جاز للمسلمين تركه . فهذا قول لم يسبقهم إليه أحد ، وقد قاتل المسلمون من خرج على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة ق : آية 37 ، ورد في المخطوط أخطاء في كتابة هذه الآية وقمنا بتصحيحها .

أئمتهم ، قاتلوا الأشعث بن قيس مع أبي بكر ، وقاتلوا أل الجمل (1) مع عليّ ، وقاتلوا معاوية مع عليّ ، وقاتل المسلمون أيضاً بعُمان من خرج على أئمتهم . وقد قال الله : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (2) . وقد صح بغي الخارجين بالتسمي بالإمامة على إمام المسلمين .
وإن قالوا ، بل الفريضة تقديم لأن هذا لا اختلاف بيننا وبينكم لأنه قد يسعه ألا يخبر بعلمه ولا يقذف ولا يبرأ ولا يقتل وأن ذلك خير له ، وأنتم تزعمون أنه ليس عليه فرض إظهار ذلك وليس إظهاره بدين يلزمه الدعاء إليه ، وأنتم تزعمون أن هذا دين وفريضة يلزمكم الدعاء إليها . فإن قالوا إنا لسنا نقول إنها دين وفريضة أمرنا الله بها ولكنا نقول إنه حلال من الله لنا إن شئنا فعلنا وإن شئنا تركنا مثل ما حُلَّ لنا أكل الخنزير وتركه (3) ، قلنا فما الدليل على ذلك إن المسلمين كانوا يخرجون على الجبابرة وهم الأقلون ولا يكون ذلك فرضاً عليهم ولكنهم كانوا يكونون مخيرين إن شاءوا فعلوا وإن شاءوا لم يفعلوا . قلنا لهم إن المسلمين كانوا إذا خرجوا لم يتسعوا

بالتخلف عن إظهار الحق والدعاء إليه ويزعمون في دينهم أن على الناس إجابتهم وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " مع " : زيادة من عندنا .
(2) سورة الحجرات : آية 9 .


(3) لا يحل للمسلم أكل الخنزير إلا لو اضطر للضرورة الملحة دون أن يتعمد ارتكاب الإثم أو يميل للإثم . قال تعالى في سورة المائدة الآية 3 : {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
من خالفهم كافر ضار وإن دعوتهم هي الحق والهدي . وأنتم تقرون أن المسلمين مؤمنون بولاية إمامهم وأن الفريضة عليهم تكفيركم في حين عقدكم ، فكيف تسوّون أنفسكم بمن مضى من المسلمين ، والمسلمون قد كان الدين والفريضة عندهم من الله قتال أهل الكفر والخروج على الجبابرة ولكنهم كانوا مستضعفين أذلة في دار تقية ، فإذا ألزموا ذلك أنفسهم بالشراء (1) في سبيل الله صبروا على غلبة ذلك حتى تفنى أرواحهم ، ولم يكونوا يقولون إن سعة ذلك عندهم كسعة أكل الخنزير ، ولا يشبهون ذلك بالعلم بالزاني لأن العلم بالزاني قد يجب عليه الرجوع عند المسلمين عن قذف صاحبهم ، ولا يجوز للمسلمين الرجوع عما ألزموه أنفسهم من القيام بدين الله .
فإن كان في دينهم أن الله أحل لكم الرجوع عن ذلك العقد وتركه وأحل لكم في الأصل أن لا تقيموا به وليس هو لله دين ، ولكنه زعمتم حلال فقد زعمتم أن الإمامة غير

مفترضة وأنه يجوز الرجوع عنها وتعطيلها بعد إثباتها . وهذا ما قد سبقكم المسلمون إلى خلافه ، ويعود النقض عليهم في ذلك كالنقض عمن أبطل فرض الإمامة . فكيف شبهتم فعلكم بفعل المسلمين في خروجهم على الجبابرة ؟! وهم يقولون إن الله افترض على من خرجتم عليه سفك دماء من خرجوا عليه ، وأنتم تقولون إن الله افترض على من خرجتم عليه سفك دمائكم ، وهذا مما لا يدل على إبطـال فـي التخيـير . وتـشبيـههـم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سمي الخوارج والأباضية أنفسهم بالشراة .

ذلك بالعلم بالزاني والقاتل . وإن رجعوا فقالوا بل نزعم أن الله افترض علينا القيام بهذا الأمر وتقديم الإمام الذي قدمناه ، قلنا ، وافترض على المؤمنين تكفيركم عليه ؟! قالوا ، نعم قلنا !؟ واستحلال دمائكم ؟! قالوا ، نعم !! حتى يأتي بالشاهدين !! قلنا فلو وجدنا أن افترض على المؤمنين أمر أو افترض على المؤمنين من غيرهم أن يكفروهم عليه ويسفكوا دمائهم فليدلكم ذلك ويحكم ذلك على أنه كفر لأن الله لا يفترض سفك دماء أحد والدينونة بكفره على الإيمان الذي افترضه عليه ، بل الله أكرم من ذلك وأعدل . وإذا وجب أنه حرام في الأصل وجب أنه لا يحله الشاهدان كما قد ذكرنا في صدر كتابنا هذا ، إنما كان أصله حراماً في أساسه لم يحل إلا بتحول ذلك الأصل الذي كان به حراماً . وإن قالوا إنهم مخيرون ورجعوا إلى ذلك قلنا لهم ، أرأيتم فعلكم هذا هو إيمان

أو كفر؟! فإن قالوا إنه إيمان ، فقد علمنا أن الله فرض الإيمان وألزم الناس الولاية لأهله ، وإن قالوا إنه كفر فقد حكموا بفساد أصلهم . وإن قالوا إنه لا إيمان ولا كفر ، قلنا فما هو؟! فإن قالوا لا ندري !! قلنا لهم ، وكيف يجوز لكم أن تدعونا إلى ما لا تدرون ما هو ؟! وقد يمكن أن يكون كفراً !!
فإن قالوا ، نعرف أنه ليس بكفر ولا إيمان ، قلنا ، فليس على الناس الدخول فيه أم عليهم الدخول فيه ؟! فإن قالوا إنه يجب على الناس الدخول فيه ، فقد كلفوا الناس الدخول في غير الإيمان . وإن قالوا لا يجب على الناس الدخول فيه على حال فقد بطلت إمامة إمامكم إذا جاز للناس أن يتركوه ، وقد بيّنا فساد ذلك في صدر الكتاب . وإن قالوا إنه ليس بإيمان ولا كفر قبل مجيء الشاهدين فإذا جاء الشاهدان وجب أنه إيمان في تلك الحال التي يجيء فيها الشاهدان ويلزم الناس الدخول فيه ، قلنا وما الدليل على تحوله من الإيمان إلى إيمان بمجيء شاهدين ؟! قالوا لأنه يلزم تصديقهما . قلنا فيكون إيمان في أول حال يلقيان فيها أول إنسان يخبرانه أو الإنسان الثاني أو الثالث أو حتى يلقيا جميع الناس ؟!
فإن قالوا حتى يلقيا جميع الناس من أهل المصر فقد زعموا أن إمامهم باطل حتى يأتي شاهداهم إلى جميع أهل البلد كلهم ، وإن كان المسلمون مالكين للأرض جميعاً فحتى يشهر لقاؤهما للناس ويلقيا جميع أهل المشرق وأهل المغرب ، وهذا هو المحال . وإن

قالوا حتى يشهر لقاؤهما للناس ، فتعلموا أن الشهرة للحدث من الإمام هي المحكوم بها لا خبر الشاهدين ، وهذا أوضح الدليل على انتقاض قولهم . فكيف يجوز أن يكون عقدهم لا إيمان عندهم وهو عند المسلمين كفر بإقرارهم هم أن ذلك فرض على المسلمين ، فإذا شهر خبر شاهدين تحول عقدهم إيماناً وعندهم وعند المسلمين إن هذا لهو الضلال البعيد .
وليوجدونا أمراً هو كفر عند بعض المسلمين ، لا إيمان عند بعضهم ، ثم يتحول إيماناً بخبر مخبرين وهو قائم غير زائل وهل زاد هذان الشاهدان على أن أخبر الذين كان عندهم لا إيمان ولا كفر بمثل ما كانوا يعلمون (1) فيما تحول عندهم من اللاإيمان (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " يعملون " . (2) كتب في المخطوط : " الإيمان " .


إلى إيمان ؟! وكيف يتحول أيضاً إيماناً عند قوم كان وقوعه عندهم وقوع كفر (1) ؟...... بل هو كفر حرام عند العالمين مثل علمهم إذا كان غير دين ولا فريضة ولا إيمان ، وقد أباح الله ذم مَن ركبه للمؤمنين وفرض عليهم سفك دمه وتكفيره ، وهو عند غير العالمين مثل علمهم (2) .... قالوا إنه عند أول إنسان يلقاه الشاهدان أن يتحول إيمان وهو بعد مع غيرهم الحق من الله أنه كفر ، فيأتوا ببرهانهم إن كانوا صادقين !! وقد نقضنا ذلك في الشهر من لقاء الشاهدين . فكيف بواحد أن يكون يلقى به يحول الله فرضاً على العباد أو عليهم خاصة ، وإذا كان إيماناً وجب فرضه على

المؤمنين ولكنه كفر فوجب الفرض على المؤمنين الحكم بأنه كفر . وإذا جاز أن يكلف الله المؤمنين أن يتولوا قوماً على الكفر الذي هو كفر عنده وهم عالمون به وإن سموهم بالإيمان عليه كما جاز أن يبرءوا من الذين آمنوا على إيمانهم بفريضة الله عليهم إذا أدى الذين آمنوا فريضة الله !! هذا هو الخسران المبين !! .
ولا نعلم أن الله أمر المؤمنين بأمر كلف الناس بتكفيرهم عليه . وكيف يأمر الله الناس أن يبرءوا من أوليائه على أن فعلوا الإيمان . والله يقول : {َاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} (3) ، {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} (4) ، ليخرج الذين آمنـوا وعـملـوا الصـالحـات مـن الـظـلمات إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هناك كلمات غير واضحة في هذه الفقرة من الصفحة .
(2) توجد هنا كلمات غير منقطة وغير متسقة مع النص .
(3) سورة البقرة : آية 257 . (4) سورة الجاثية : آية 19 .


النور بالعون لهم على الإيمان . وكيف الله يأمر الناس أن يبرءوا من وقم الله وليّهم إذ فعلوا الإيمان الذي فرضه عليهم ؟! فإنما مثلهم في عزلهم للإمام وخروجهم وتقديمهم عليه إماماً ثم قالوا نبين حدثه كقوم قتلوا رجلا فلما قتلوه قالوا نحن نشهد عليه إنما ارتد عن الإسلام فلا قود (1) علينا فيه . لو قالوا قتل أخانا لكنا نقبل شهادتهم ، ولو جاز لهم ما ادعوا على الإمام لجاز للقاتلين دعواهم على المقتول ومثلهم في قولهم إذ جاءوا

زعموا بالشاهدين على الإمام مما يضله وبإصراره أن ذلك سبب عقدهم ، بمنزلة نفر من أهل العلم جاءوا إلى إمام فقتلوه ثم قدموا إماماً قبل أن يتبين حدثه وأقاموا الحجة بكفره على رعيته ، فجاءهم المسلمون ليأخذوهم بما صنعوا وجاء (2) أولياء دم الإمام يطلبون منهم القصاص ، فأقاموا شاهدين بأنه قتل أخاهم ثم قالوا للمسلمين أنه يجب عليكم الدخول في إمامتنا وإنما كان عقدهم لإمامهم وهم مع المسلمين حلال الدم بالمنزلة ، فأبرءوا أنفسهم من القصاص بما أقاموا من الشاهدين . وكيف يجوز عقد هؤلاء وهو لا يقبل الشاهدان منهم ولا ممن قال إن عقد إمامهم ثابتاً وأنه دين ولا يقبل إلا بشاهدين من المسلمين غيرهم من أجل أنهما إذا كانا متولين لإمامهما فهما كافران عند المسلمين ولا تقبل شهادتهما . فمثلهم كمثل ثلاثة نفر علماء جاءوا إلى إمام فزعموا أنه زان ثم أخذوه فرجمـوه وقدمـوا لأنفسهم إماماً ، واتبـعهم عـلى ذلـك بعـض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أقاد القاتل بالقتيل : قتله به قودا أي بدلا منه .
(2) كتب في المخطوط : " وجاءوا " .


رعية الإمام ، ثم جاءهم المسلمون ليأخذوهم ويقتصوا منهم وطلب ذلك أولياء المقتول فجاءوا بأربعة شهداء شهدوا على الإمام بالزنا ، هل كانت إمامتهم تتم عند أحد من المؤمنين الذين يعقلون كتاب الله وهم في حد عقدهم قذفة كفار لازم الحد لهم !! وإنما

أبرءوا أنفسهم من حد القاذف بما أقاموا من البينة !! وكيف يثبت عقد قوم حال وقوع عقدهم وهم مع المسلمين أئمة فاسقون ؟! وكيف يجوز عقد قوم أيضاً كان حال وقوع عقدهم الرجال استحقاقهم للكفر مع المسلمين وإباحة دمائهم !! حاش الله ومعاذ الله !! .
ويقال لهم أرأيتم هؤلاء القذفة والقتلة اللذين قدموا إمامهم وهم في تلك الحال مع المسلمين كفار ؟! هل يسع المسلمين أو يلزمهم تقديم إمام لأنفسهم ليقيم على القاتلين حد ما أصابوا وذلك قبل شهودهم ؟! فإن قالوا إن ذلك لا يجوز للمسلمين فقد حظروا (1) على المسلمين إقامة الأئمة وأباحوا لهم تعطيل الحدود وإمامهم ميت ، فقد بطلت الإمامة في هذا القول ، وكفر من قبلها من المسلمين عندهم . وإن قالوا بل يجب على المسلمين تقديم إمام لأنفسهم وإقامة الحد على القاتلين الذين قدموا إماماً لأنفسهم قبل مجيء شاهديهم ، ولكن إذا جاء شاهداهم حرم على المسلمين تقديم إمام غير إمامهم ، قلنا أفرأيتم لو أن المسلمين قدموا لأنفسهم إماماً كما أمرهم الله ولم يعلم بذلك القاتلون ثم جاءوا بإمامهم ليأخذهم بالحدّ فجاءوا بالشاهدين ، أكـانت إمامة إمامـهم تـبطل أم تـبـطل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " حضروا " والحظر : المنع .

إمامة إمام المسلمين الذين لم يقتلوا ؟! أم يثبتان معاً ؟! فإن ثبّتوهما فقد جوزوا إمامين في مصر واحد ، وإن قالوا بل تبطل إمامة القائلين ، فقد علمنا أنها كانت باطلاً لأن

كل إمامة لإمام جاز بطلانها بمقام إمام وهو الأخير وتكون إمامته فرضاً ، فالأول لاشك أنها كانت باطلا لأنه إنما تبطل إمامة الأحداث . فإن بطلت إمامة الأول فليست في أصلها بفرض ولا صحيحة لأنه لا تبطل إمامة بعدل وحق تقدم إمام وبعد وجوبها ، ولا يجوز أن يكون إمام موجود بحق وعدل في مصر ويجعل الله فرضا على المؤمنين تقديم إمام غيره فيه . وإن قالوا إن إمامة المسلمين الذين لم يقتلوا لا تبطل إذا سبقوا وقدموا إمامهم لأنهم قدموا إمامهم بفرض ، ولكن إن لو لم يقدموا حتى يأتي شاهدا القاتلين حرم على المسلمين التقديم وثبت عقد القاتلين ، قلنا وقد كان الفرض من الله على المؤمنين تقديم إمام لأنفسهم وإمام القاتلين موجوداً ؟ فإن قالوا نعم ، قلنا فهل يمكن أن يكون إمام الله إذا بتقديمه ويفترض الله تقديم إمام عليه على المؤمنين ؟ فإن قالوا نعم ، قلنا نعم وقد يجوز ذلك في اثنين وثلاثة وعشرة لأنه إذا جاز تقديم إمام على إمام وكلاهما بإذن من الله ، جاز ثلاثة وعشرون وألف حتى يكون أهل الدار كلهم أئمة لأنفسهم ، وهذا هو حد بطلان الإمامة لأنه إذا كان كذلك كان كل إمام ليس عليه إمام سوى نفسه ، ولا يكون ها هنا وجود إمام . وإن كان على إمام إمام ، فالإمام الأعظم هو الإمام الذي يأخذ هؤلاء ، وليس هؤلاء بأئمة ولا حق لهم فيها لأنهم ليس لهم حقوق الأئمة . فإن قالوا إن إمامة المسلمين هي التي تبطل إذا جاء الشاهدان ، قلنا وكيف تبطل والله أمرهم بها ؟ قالوا : فإذا جاء الشاهدان !! قلنا ، فهل وجب أمر لم يكن أخبر عنه هذان الشاهدان حتى جاء هذا الوقت ؟! قالوا : لا !! قلنا : فما العلة التي

حض (1) الله بها فرض الإمامة ، أثبتها بفريضة وحكم بها ، فالأمر الذي له حكم بها أهو الأمر الذي له حكم بأنها كفر ؟! فإن قالوا خبر الشاهدين أبطلها !! قلنا فهذه الإمامة نفسها هي التي حكم الله بها لا زيادة فيه ولا نقصان وهي حلال ، قالوا نعم . قلنا فهي اليوم نفسها حرام هي التي حلال حكم واجب هي حرام كفر ، والحلال الحكم الواجب هو الحرام الكفر ، ويفسد في هذا مقالهم .
فإن قالوا قد يجب الحكم فيكون واجبا ، قلنا مثل ماذا قالوا ، يجد الرجل في يده مالا فينتزعه منه رجل فيحكم عليه الإمام برده ويقاتله عليه ويكون ذلك حكما واجبا فرضا عليه ، ثم يقيم الآخر البيّنة به فيكون الواجب على الإمام والفريضة أن يقره في يده وأن يحارب دونه إن عارضه ، فيكون الذي هو حرام الذي هو حلال ، ويكون الرجل يقذف الرجل فيكون الحكم من الله على الإمام أن يحده فيحده أو لا يحده ، ثم يقيم القاذف على المقذوف البيّنة على الزنا فيكون الواجب على الإمام تركه ويكون ذلك الفرض عليه . وكذلك قد يقتل الرجل الرجل ويقيم البيّنة عليه مع الإمام فيجب على الإمام قتله ، ثم يقيم البينة أنه قتل أبـاه فيبرئـه الإمـام مـن القـود ، فتكون تـلك الأحـكـام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " حط " .
الواجبة اللازمة مكفرة لمن حكم بها قبل مجيء البينة .

قلنا إن الذي ذكرتم في القياسات مخالفة للحكم في الإمامة ، وليس أن هذا الحكم الواجب ينتقض ولكنه يجب بوجوب البيّنة حكم غير ذلك الحكم نفسه مصدق للأول مثبت له ، ويكون ذلك الحكم نفسه الماضي وأن لو كان مضى كان غير منتقض بل هو حق وفريضة تلزم الناس ولاية من بعده من أئمة المسلمين وهذا الحكم حكم عقد الإمامة . أنتم تزعمون أنه هو نفسه يلزم نقضه وحل عقده وتركه ويكون التمسك بذلك العقد والإقامة عليه هلكة ، وهذا الحكم الذي قد ذكرناه من إقامة الحدّ وأخذ المال وقتل القاتل وسفك الدماء على ذلك أحكام جارية جائزة وغير واسع القاذفين والقاتلين والآخذين للأموال على الصفة ، وإن كانوا غير كاذبين فيما صنعوا عند الله أن يمتنعوا من الإمام إذا أراد أخذهم بذلك . فإن امتنعوا ضلوا بالامتناع لأن امتناعهم امتناع من حكم الله والإمام مصيب عادل في ذلك ، وترك الأخذ منه لهم بذلك مضل له ويلزم أن ذلك الحكم في الإمام لا ينقض ولا يقال إنه نفسه حكم حرام ، ولكنه حلال جائز واجب وفرض . ثم قد وجب حكم آخر من الله تعالى فعلى الإمام تنفيذه وليس له أن يقول إن الذي حكمت به من ذلك كان فاسداً ، ولا أنه اليوم فاسد ، ولا أنه حرام بعد إذ كان واجباً ، ولكن كان الحكم الذي وجب غير الأول .
فإن قالوا ، وكذلك لا يقال إن ذلك الحكم في الإمام منتقض ولكن وجب خلافه . قلنا والخلاف الواجب مصدق للأول مثبت له . فإن قالوا نعم ، قلنا فهو واجب غير زائل ولا منتقض . فإن قالوا نعم ، قلنا فإمامة الإمام غير منتقلة فإن حكمها لا يبطل . فإن

قالوا وكذلك أيضاً ذلك الحكم ثابت لا يبطل ، قلنا نعم . فإن قالوا فامضوا عليه ، قلنا فنحن ماضون على تثبيته أنه عدل . ألا ترون أنا لا ننقض ما حكمنا به من حد القاذف وإنما نحد المشهود عليه بالزنا حدّ آخر ، والمال إنما ننتزعه بحكم آخر على نحو ما أنه زال زوالا حادثاً وكذلك الدم . فإن قالوا وكذلك أيضاً نقول إن الإمام زالت على نحو ما تزول به زوالا حادثاً من إصابة حدث مهلك وإصرار ، قلنا فإنما وجب زوالها إذا أتى من أكفر الإمام ، فإن قالوا ، نعم مجيء بالشاهدين بكفر الإمام . قلنا فقد كفر الإمام فعل غيره ولم تجده أحدث أمراً كان محرماً عليه وإنما فعل ما أنتم مقرون له بأن الله فرضه عليه قبل مجيء الشاهدين ، وكيف يكفره مجيئهما ؟! ولا نجد الإمام تزول إمامته إلا بحدث من الإمام أو عاهة تحل فيه ، وهذا الإمام قد أزلتم إمامته التي هي فرض عليه من قولكم وقولنا بغير حدث من قِبله ولا فيه . وقد صح أيضاً أن المال لم يكن للأول مفروضاً بمجيء الشاهدين وكذلك القتل والقذف ، ومجيئهما موجب أن الفرض عليهما كان غير الظاهر عن الإمام فيما بينهم . وهذان الشاهدان غير موجبين أن إمامة الإمام غير فرض بل هما حاكمان بأنها فرض في الباطن والظاهر على قولكم وقولنا ، وقد أجمعنا على أنه يجب فيما وصفتم بحكم غير الحكم الأول ولم نجتمع على ذلك في الإمام . فالإمام حكم إمامته التي هي فرض واجب بإجماعنا لا تبطل إلا بإجماع ببطلان ذلك الفرض ووجوب خلافه ، كما قد اجتمعنا على وجوب حكم غير الحكم الأول فيما وصفوا من المال والقتل والقذف أو يأتون بدليل من كتاب

ناطق أو سنّة مأثورة (1) ولن يجدوه . فهذا نقض لقولهم فيما عارضوا به من تسوية الحكمين وإثبات أن ذلك الحكم في المال غير منتقض ولا حرام ، وإن حكمهم بإبطال الإمامة يوجب أن ذلك الفرض الحلال هو الحرام الكفر إذ صار باطلاً لا لعلة دخلت من قبل الإمام . وإنما وجدنا بطلان الإمامة بالعلل الدواخل من قبل الأئمة ، لا من غيرهم ، أو يرجعون إلى قول المسلمين من أن إمامة إمام المسلمين غير القاتلين ثابتة لا تزول وأن إمامة إمام الآخرين زائلة حرام من أصلها كفر باطلة . ويقال لهم ، أرأيتم لو أنكم إذ قدمتم راشداً إماماً وكان على الحال التي وصفتم أن لو كانت فيه ، لمِ جئتم بالشاهدين لتقيموها وأنتم دماؤكم حلال للمسلمين وأنتم عندهم كفار ضلال منافقون فماتا (2) أو مات أحدهما هل كان يجوز لكم الرجوع عن إمامتكم والترك لها ؟! فإن قالوا إنه لا يجوز لهم ، قلنا ويجوز لكم إمضاؤها ؟! فإن قالوا نعم فقد جعلوا لأنفسهم التخيير في إمامهم والتخيير في محاربة المؤمنين وسفك دمائهم . وإن قالوا يجب علينا تركها ، قلنا وإذا كان يجب عليكم تركها فهي ليست بإذن من الله لأن الله لو أمركم بها لم يأذن لكم في تضييعها ، وإذا جاز لكم ذلك جاز الرجوع عن كل إمامة بفريضة ، وهذا ما قد نقضناه في صدر هذا الكتاب . وإن قالوا بل يجـب عليـنا المضـي لـه ، قـلنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني القرآن والسنة النبوية .
(2) أي الشاهدان .

ويلزمكم محاربة الإمام ومن معه بفرض من الله ؟ قالوا نعم ، قلنا ، وكذلك يجب على من مع الإمام من المؤمنين قِبلكم ؟! قالوا نعم ، قلنا وأنتم مؤمنون وهم مؤمنون ، ولا يجدون بدّاً من ذلك ، فنقول ، قد أمر الله المؤمنين أن يحارب بعضهم بعضاً ويقتلون بفرض وأنتم تستغفرون (1) لهم ويقتلونكم وهم يلعنونكم ، فأي ضلال أبين من هذا !! والله يقول : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (2) . وهؤلاء يقولون : " بعضهم أعداء بعض " . وإن قالوا إنا إنما يجوز لنا القصود بالمحاربة إلى الإمام نفسه ومثله لعلمنا بحدثه وليس لنا أن نقاتل المسلمين ، قلنا فإن الإمام لم يبرز إليكم وجاءكم المؤمنون فحالوا بينكم وبينه . فإن قالوا ، نقاتلهم ردّ عليهم الكلام الأول . فإن قالوا نتركهم فقد تركوا إمامتهم ، وكذلك افترض الله عليهم تركها . وإن قالوا نمسك على ما نحن عليه ونعتزل ، قلنا ، فإن الإمام بعث المؤمنين إليكم فدعوكم إلى الدخول فيما خرجتم منه وإلا حاربوكم ، وكذلك أمرهم الله عندكم فما أنتم صانعون ؟! فإن قلتم ندخل في دعوتهم فهو ما قلنا من أصل إمامتكم باطل لوجوب نقضها عليكم ، وإن قلتم ندخل في دعوتهم فهو ما قلنا من أصل إمامتكم باطل لوجوب نقضها عليكم ، وإن قلتم نمتنع من ذلك ونقاتلهم ، فقد قاتلتم المؤمنين وأنتم تقرون أن قتالكم فريضة عليهم ، وهم يقولون إن قتالهم حرام عليكم ، فأي الفريقين أهدى سبيلا وأولى بالأمر إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتب في المخطوط : " تستقرون " . (2) سورة التوبة : آية 71 .

وقلنا لهم أرأيتم أيضاً لو أن هذين الشاهدين لم يعرف المسلمون عدلهما ولم يقبلوا تعديلكم لهما لأنكم عندهم كافرون ، أو جاء الإمام أو غيره بجرح أو شهد عليهما شهود بحدّ فأقامه عليهما إمام المسلمين ، أكنتم ترجعون عن إمامتكم أم تمضون ؟! فإن مضيتم كان ما ذكرنا من استحلالكم لدماء المؤمنين ، وإن كان لكم الرجوع كان الصحيح أنهما باطل في أصلها . وما نجد الله أحل محاربة أحد إلا مشرك أو باغ وكلاهما يسميان بالكفر وهو لا يجب عليهم أن يسموا من يحاربونه مؤمناً . إن في هذا الشفاء من العمى .
وكان مما سألونا عنه أن قالوا : أرأيتم لو أن قوماً مؤمنين عندكم علماء ممن يثبت به عقد الإمامة خرجوا على إمامكم فقدموا إماماً مثله يستحق الإمامة فبرئتم منه ثم جاؤكم بشاهدين منكم على إمامكم بما يكفره ، ما تصنعون؟ قلنا لهم هو بمنزلة إمام خرج عليه قوم وكفروا فبرئنا منهم ، ثم كفر الإمام فبرئنا منه ، فإن كنا مغلوبين في حدّ تقية لا نستطيع التكلم بعلمنا ولا نقدر عليه برئنا من الإمام إذا كفر ، وبرئنا من الذين كانوا خرجوا عليه قبل أن تكفر رعيته بولايته ، ونتولى من تولى الإمام ممن لم يعلم مثل علمنا ونتولاهم على محاربتهم الخارجين على إمامهم . وإن كنا نقدر عَلَى الإنكار برئنا من الخارجين عليه وإن أصروا أظهرنـا كـفره وراجعنـاه فأطـلعنا (1) على ذلـك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " فأطعنا " .

المسلمين حتى يشهر كفره وتقوم الحجة على أهل مصره وتحول داره إلى الكفر بعد الإيمان ويهلك من تولاه ثم نسأله الاعتزال عن الإمامة ، فإن فعل قدمنا إماماً لأنفسنا وطلبنا إلى الخارجين أن يدخلوا فيما دخلنا من العدل ، فإن أبوا قاتلناهم ، فإن فعلوا قبلنا منهم . وإن أبى الإمام أن يعتزل وكابر واغتر ومضى عَلَى إصراره وإبائه وامتناعه من الحق بعد ما وصفنا من ظهور حدثه قاتلناه وقتلناه وقدمنا إماماً لأنفسنا . ونحن في جميع ذلك نبرأ من الخارجين عليه قبل أن يكون ذلك لهم حلا إلا من أحل ما وصفنا من العلل في كتابنا قبل الشهرة ، لأنهم كان خروجهم في حال يحل للمسلمين تكفيرهم واستحلال دمائهم ، ولا يكون مصيباً ولا عاقلا من كان بهذه المنزلة . فإن قالوا أرأيتم لو أنهم إذ خرجوا عَلَى إمامكم اطلع منكم رجل من المسلمين على كفره أو رجال وهم لا يستطيعون إظهار ذلك إلى المسلمين ، وجاء الخارجون عليه وهم يعملون أن الخارجين قد علموا مثل علمه وكان علمه مساويا لعلمهم يكفر الإمام قبل خروجهم عليه ، وذلك مع المسلمين غير معلوم وهم مسلمون بولايته ، ما كان عَلَى هذا العالم مثل علم المقدمين للإمام ؟! قلنا عليه أن يمضي على البراءة من الإمام وأن يستتيب المقدمين من صنيعهم فإن تابوا وتركوا ذلك تولاهم وإن أبوا برئ منهم لتعديهم إلى ما لم يأذن به الله لهم . قالوا فإن حاربوا الإمام على هذه الصفة وحاربهم المسلمون

مع إمامهم أيتولى الذين حاربوهم ؟! قلنا نعم لأنهم كذلك استحق الله عليهم . قالوا فهل عليه أن يقاتل مع الإمام ؟!
قلنا فيأتي إلى الإمام فيستتيبه فإن قدر على ذلك فإن تاب عنده أخبر بذلك الخارجين العالمين مثل علمه ودعاهم إلى الكف فإن تابوا وكفوا تولاهم وتولى الإمام ، وإن كرهوا التوبة قاتلهم مع الإمام وتولى الإمام . وإن لم يقدر على أن يستتيب الإمام وأصر الإمام أيضاً عنده وأبى أن يتوب فليس له أن ينصره لأنه عنده كافر ، ونصرة الكافر حرام ، وهو يتولى الناصرين له من المسلمين عَلَى علمهم ويحرم دماءهم ويبرأ من الخارجين . فإن قالوا فليس له أن يقاتل ، قلنا بلى له أن يقاتل عن إخوانه قتال دفع عنهم ، وأما نصرة للإمام فلا .
فإن قالوا فكيف ؟ قلت إن قتاله دفع وهو في جملتهم ، وقتالهم فرض ونصره ومقامهم واحد . قلنا إن ذلك يسمى منه عند الابتداء بالمحاربة وعند الهزيمة ، وذلك أنه لا يبدأ بقتال أحد ولكنه ينظر فإذا قصد أحد إلى قتله وقتل أحد من المسلمين ضربه دونه وهذا هو حدّ قتال الدفع الذي قال الله : {قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} (1) . فالدفع لهم هو المنع من قتل من حرم الله عليهم قتله . وإذا وقعت الهزيمة بالكافرين الخارجين لم يجز له أن يأخذ منهم أسيراً ولا مولى يأتي به إلى الإمام وهو يعرف كفره لأنه قد انقضى أمر الدفع ، وإنما كان دفعه عن أوليائه فقد كفى الله ذلك ، ويتولى إخوانه إذا أخذوهم

أسارى وجاءوا بهم إلى إمامهم ليقتلهم أو يعفو ، كما كان المسلمون يأسرون المنهزمين من البغاة الكافرين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : آية 167 .

قد بينا لكم فيه الهدى والشفاء وأوضحنا الأدلة والحمد لله رب العالمين ، فافهموا ، ويحكم الله واتقوا الله ربكم .
وقلنا لهم ، ألستم تعلمون أن الله حرم على الناس دماء بعضهم بعضاً إلا بحلها ممن وجب عليه القتل بالحدود الواجبة ، وقد قال الله : {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ} (1) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حرمت دماؤهم وأموالهم إلا بحلها وحسابهم على الله ) . وقد علمتم أن الله أوجب على المؤمنين نصرة أئمتهم ما كانوا معهم غير محدثين ، فكيف يحل لكم الخروج عَلَى من أوجب الله له أن يقتلهم وأن يكفرهم ويستحل دماءهم من المؤمنين بفريضته وكتابه ؟! وإنما يتبع في هذا العقد شهادة شاهد أو مجيء آت !! وقد عظم الله حقوق المؤمنين ورفع درجاتهم وشرف منازلهم وقال هم أوليائي وقال : {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (2) .

وأي ظلمة أشد من ظلمة ممن دعا إلى دين فيه مجاهدة المؤمنين ومحاربتهم وسفك دمائهم !! وأي نور أضوأ من نور من نصر إمامه ودان بطاعته ما لم يعلم منه ضلالا وهو عنده مؤمن بأم العدل !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام : آية 151 . (2) سورة البقرة : آية 257 .

فإن جاز أن يتقرب هذا الإمام الأحدث راشد ، أن لو كان كما وصفوا جاز أن تكون توبة الكافرة مبطلة لإمامة إمام سابق من الأمر الذي به لزمت الأحدث التوبة واستحق به الكفر . ويقال لهم الإمام الأول أولى بالتوبة من الحدث ، والرجعة إلى إمامته لأنه كان أصله عَلَى العدل والسنة ، وهذا كان أصل عقده به لزمه الكفر عند المسلمين .
فاتقوا الله ربكم !!! ولا تجادلوا بالباطل لتدحضوا به الحق والله لا يهدي كيد الخائنين . وقد يجوز لأصحاب صلت عند راشد وأصحابه ، ويجوز لغيرهم مثل ما جاز لغيرهم مثل ما جاز لموسى وراشد في صلت ويلزمكم اتباع كل خارج خرج عليهم ويلزم ذلك في الذي يأتي إلى ما لا نهاية له ولا انقطاع ولا غاية ، وقد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون . فمن شرح الله صدره للإسلام وهداه لنور الإيمان انتفع بالموعظة واهتدى بآيات الله ، ومن ختم عَلَى سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة لم يزدد من الحق إلا بعداً وكان عَلَى الذين لا يؤمنون عمّي للوقر الذي في آذانهم .

نسأل الله المنان برحمته عَلَى من يشاء من عباده أن يمّن علينا بالهدى له أولياءه الذين أورثهم الحكمة أنه ولي ذلك والقادر عليه . وصلى الله على رسوله محمد خاتم النبيين وسلّم كثيراً .




(4)
سيرة لبعض فقهاء المسلمين
إلى الإمام الصلت بن مالك رحمه الله .

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الإمام الصلت بن مالك المبتلى بأمور أهل عُمان ومن وصل إليه كتابنا هذا من المسلمين من أهل عمان من أهل النصيحة لهم والشفقة عليهم من إخوانهم وأهل دعوتهم من أهل الستر في أمكنتهم . سلام عليكم فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة وإليه المصر . ونوصيكم وأنفسنا بتقوى الله والعكوف على طاعته وإصلاح ذات بينكم وبذل النصائح فيما بيننا وبينكم بصدور سالمة وحجور حليمة وحجة قائمة وأنفس غانمة وقلوب صادقة وأعمال موافقة وكلمة جامعة وعصمة مانعة ، وتعاون على عظم الإسلام وعقد مواثيقه واستكمال فرائضه باتفاق الكلمة

والوقوف عند الشبهة ، وترك طلب المعايب وسلوك أبواب المعاطب والفشل والتنازع والفرقة بعد اتفاق الكلمة والجماعة . فإن التنازع والفرقة أعظم المعصية وأشد الفتنة ، فاحذروا التنازع والفتنة والتدابر والاختلاف والتشاجر في أمر قد كفيتم مئونته وعرفتم عاقبته . فعاتبوا أنفسكم في خلواتكم وارسوها واعزلوها وذموها فاعترفوا بذنوبكم وتوبوا منها إلى ربكم وارجعوا إلى معالم دينكم الذي أعزّ به الله نصركم وقوى فيه أمركم وأعلى به كلمتكم وجمع به ألفتكم ، بمثل الذي كنتم عليه وأفضل من المحبة والمعونة والمؤازرة وترك قيل وقال ، ومسالك سبيل الضلال ، وأخلاق الجهال وما التوفيق إلا بالله .
أما بعد أعاذنا الله وإياكم من الفتون واتباع حزب الملعون ، والركون إلى كل مفتون ، والندامة عند حلول المنون .
كتابنا إليكم معاشر إخواننا ونحن من الله في حرز كنين وستر حصين والله على ذلك وعلى كل حال محمود .
وقد بلغنا عن بعضكم خبر أراعنا وبلغ إلينا وثقل علينا الذي وقع بينكم من الاختلاف والتشاجر والتقاطع وترك الاجتماع والائتلاف . والذي اختلفتم فيه أمر لا اختلاف فيه عند من يبصر دينه ويعرف ربه ويخشى عقابه ومنقلبه ، ولم يختلف فيه أحد من أهل هذه الدعوة ، وإنما اختلفت الأمة في شيء استحله قوم وحرمه آخرون فاختلف

المحلّون والمحرمون ثم نصب كل قوم ما في أيديهم ديناً يوالون فيه مَن تابعهم ويفارقون عليه من خالفهم . والذي اختلفتم أنتم فيه ليس به شيء من ذلك ، والحلال والحرام عندكم مبصر يبصره من فكر في الدين وعرف ما للمسلمين . وأنتم تريدون أن تختلفوا في شيء ليس هو من الدين ولا اختلف فيه ولا في مثله المسلمون ، وقد يكون الاختلاف في شيء يكفر من جهله ، ويضل من ترك معرفته ورد مقالة من يعرفه . فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين !! وكونوا إخواناً على طاعة الله ودين الله وكلمة الله .
إن أوجب الأمور وأرضاها وأقربها إلى الله وأعمها نفعاً للمسلمين وأجمعها للمضافرة والمؤازرة والتناصر على إحياء الحق والعدل وقمع الجهل وأهل الجهل ، وإن أبغض الأمور كلها إلى الله وأبعدها من الله وأقربها من سخط الله وأمقتها عند الله وعند المسلمين من شق العصا وفرق الملأ وصدع الشعب واقترف الكذب وخالف الكلمة وفارق الجمعة وأظهر المعصية والفتنة . فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا ولا تختلفوا فيما يسع الناس جهله ويسلمون برده إذا رددتموه إلى أولي العلم بالله وبدينه ممن يقف على معرفته وينتظر معناه وشرحه وتفسيره . وسنبين ذلك لكم ونسهل لكم في المسالك ونتحوز (1) إن شاء الله بمعرفته من المهالك ولا حول ولا قوة إلا بالله . وسوف نضرب لكم فيه الأمثال ، ونوضح لكم فيه الهدى من الضلال ، ونفسر لكم مسائله حتى تعرفوه ولا تجهلوه . فاتقوا الله ولا تقطعوا بالبراءة ولا تعجلوا عجلة أهل الخرق

والحمق وترك الحق والصدق . وكل من رأيتموه يدعو إلى الفتنة أعوانه ويعيب إخوانه فإنه صغير المنزلة ضعيف الحيلة ، إذ قال إني عاينت من رجل من المسلمين أمرأ لا يسعني إلا البراءة منه والمعاداة له ممن تولاه بعد أن يعدله في الذي عرفت منه . فإن سُئل (2) القائل لذلك إن كانت معه حجة في دينه أو مخرج فأبانه وإلا فهو عندنا هالك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تحوز : تنحى . عدل .
(2) كتب في المخطوط : " فانسأل ) .


ما تقولون في رجل مسلم( رأى رجلاً مسلماً يسرق أو يزني أو يعمل عملا يستوجب به عداوة الله وعذابه ، فقال الذي رأى إني قد رأيت فلاناً يعمل كذا وكذا عليه لعنة الله وأنا أبرأ منه ، ولم يره أحد غيره ، فسئل الرجل عما قتل فجحد ذلك ، أتبرءون منه كما برئ هذا الذي رآه أم لا ؟! فإن قلتم إنكم تبرءون منه وتولون الذي قال عليه ما قال بلا برهان منه في الذي قال ، فقد أخطأتم الحق وزغتم عن الطريق . وإن قلتم إنكم لا تبرءون منه ، بقول هذا وحده وهو أولى بالبراءة ممن قال عليه ما قال إن لم يكن معه بذلك برهان ، وهو الحق . وأنا سائلكم عن الذي رآه نفسه ينتهك حراماً ثم لم ير منه توبة ، كيف يصنع فيما بينه وبين الله ، أتبرأ منه أم تتولاه ؟! فإن قلتم نبرأ منه في نفسه فقد أصبتم ، فإنه لا ينبغي لمسلم أن يتكلم بأمر ليس معه فيه برهان ولكن يسعه

الصمت . فإن قلتم إنه يتولاه في السر والعلانية فقد أجزتم له ولاية أعداء الله المنتهكين كبائر ما ينهون عنه بغير إظهار توبة ولا ندامة فقد وسعتم له ما لا ينبغي له أن يسعه ، وألزمتموه ما لا يلزمه في ولايته إياه في السر إذ لم ير منه توبة ولا ندامة . وإن قلتم إنه لا تسعه إلا البراءة منه في السرّ والعلانية فقد ضيقتم عليه وحملتموه ما لا يجب عليه البراءة عندكم ، لأنه إذا برئ منه في العلانية بلا برهان برئتم منه ، وإن وسعتم له البراءة في السر فذلك الحق عند إخوانكم ، وهو الذي نريد منكم ونريد أن تكونوا عليه ، وتدعون من خالفكم عليه . فلا تظهرون ما يتفرق به ملؤكم ويشتت به ألفتكم وتختلف كلمتكم فإن المخطئ منكم يحمل وزره ووزر من اتبعه حتى يلقى ربه قبل حسابه .
وأعلموا رحمنا الله وإياكم أنه لم يهلك من هلك من الماضين من قبلكم من أوائل الناس إلا بالبغي والتكليف والاختلاف والترك لما أمروا به ، والوقوع فيما نهوا عنه . ألا وإن الله قد أخذ ميثاقكم فأقررتم وأنتم تشهدون على أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تذكروا {نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (1) .
وهذا الذي أمرتم ودعيتم إليه ووجب عليكم العمل به والمعرفة له ، فمن دعاكم إليه فأجيبوه واتبعوه وأطيعوه واعرفوا نصيحته ، فإنه قد أمركم الله بالذي أمركم به من الاجتماع والألفة والأخوة والعصمة بالطاعة ، وهي الحبل المتين ، والسبب المبين ، والعروة الوثقى ، والعهد الأوفى . ومن دعاكم إلى ما لم يكلف الله العباد معرفته ولم

يؤاخذهم على تركه ويسعهم جهله ويسلمون بردّه ، وذلك قوله في محكم كتابه : {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } (2) .
ولا تجيبوه وردوا عليه مقالته واحذروا كل ( متطلع إلى الفتنة وإلى المعصية وإلى ما في إجابته تشتيت أمركم وتفريق جماعتكم وإفساد ) (3) ذات بينكم . فمن عرفتم ذلك منه فاتهموه واهجروه وأعـرضـوا عنه ولا تـقبلوا قـوله ولا تجيبوا دعـوته فـإنه أقـرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : آية 103 .
(2) سورة النساء : آية 59 .
(3) اجتهدنا في كتابة هذه الجملة التي بين قوسين لأنها تكاد تكون ممسوحة في المخطوط .

الناس إليكم ضرَّاً ، وقولوا له إنا لا نبرأ من أهل الولاية بقول عام (1) وإنا قد أصبنا ذنوباً وخطايا ، وركبنا أموراً لا يسعها إلا عفو الله وتجاوزه . ولكن نتوب إلى الله جميعاً ونستغفر الله من جميع ما اكتسبنا مما لا ينبغي لنا ، ونحن نتمسك بالذي كنا عليه قبل الاختلاف ، في الحلال والحرام ، ونتولى من يتولى المسلمون ونبرأ ممن برئ منه المسلمون ، ورأينا رأيهم ، ونحن أتباع لهم نتبع آثارهم ونطأ أعقابهم ونسأل الله التوفيق لذلك .
فهذه دعوتنا لمن خالفنا ، فمن أظهر الرضا بالإسلام وأطاع المطيعين لله من الحكام وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا ، قبنا ذلك منه ولم نتلمس ما وراء ظهره مما ليس لنا كشفه ولا ينبغي لنا بحثه .

فمن قال إن هذا لا يسعنا حتى نبرأ ممن برءوا منه وتولى القائلين في أهل الولاية بالبراءة ، فإنا نسألهم الحجة على ذلك . فإن قالوا إن الذي وقفنا عن ولايتهم ممن تولون أنتم كانت منهم أمور استحقوا بها الوقوف عندنا لأنهم ماتوا على غير توبة منها ولا تنصل عنها ، فإنما نسألهم عن رجل أصاب ما يصيب الناس من الذنوب التي تجب فيها الحدود فأقيم عليه الحد فمات من حده ذلك ، فما منزلته ؟! فإن قالوا إنه عدو فقد صدقوا . فما تقولون في رجل من المسلمين يُسأل عن ذلك المحدود وما هو عنده ، فقال ، والله ما أدري ما هو ولكن لا أبرأ منه ولا أتولاه . فإن قـلتم إن ذلـك يسعه حـتى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " عامى " .

يسأل ويعرف رأي المسلمين فقد أصبتم . وإن قلتم إنه لا يسعه الشك في المحدود والشاك فيه الرادّ لعلم ما جهل من ذلك إلى المسلمين هالك ، فقد خالفتم جماعة المسلمين وأنتم إذاً ليس فيكم جاهل ولا يسأل عندكم إلا عالم بالأمور كلها التي ترد إلى غيره علم شيء ينزل به ، وهذا أضيق ما يصير الناس إليه ، وهذا من القول ينبغي شرحه وتفسيره . فمن أصاب ذنباً لا ينصبه ديناً يدعو إليه ، ويفارق من خالفه ، والوقوف والإمساك واسع ما لم ينصب الحرام ديناً ويدان به ويدعو إليه ، فإن قلتم يبرأ فقد أصبتم ووافقتم إن شاء الله وهذا الذي يطلبه المسلمون إليكم . أفلا تتقون الله وتخشون عقابه وتخافون عذابه أن تختلفوا فيما يسعكم جهله والصمت عنه خير لكم ،

والتكلم فيه فسادكم ، وتوغر صدور بعضكم على بعض ويحمي قلوبكم ، وليس لكم فيه روح ولا راحة ، وليس معكم فيه عذر ولا حجة إلا أن تفرقوا كلمتكم وتشتتوا أموركم وتفسدوا ذات بينكم ، غرّة (1) وجهالة واضحة ، استخفافاً بحقوق المسلمين وحرمتهم ، وجرأة على توهين أمركم وإشمات عدوكم فخافوا الله وراقبوه !! واحذروا ما حذركم الله وقص عليكم بنأ من كان قبلكم فإنه يقول : {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الغرة : الغفلة .
(2) سورة القصص : آية 41 .


وقال : {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} (1) .
فليحذر كل امرئ منكم أن يقول قولا فيه فساد وفرقة بين المسلمين ، وعيب لضعيفهم وجاهلهم ، ووهن لأمرهم وجرأة لعدوهم ، وإثم وظلم ، وإتيان ما لا ينبغي ولا يجهل من الأمر وما ليس من أخلاق المسلمين ولا من آثارهم . فمن أتى ذلك فقد أترى ذنباً عظيماً وقال أمراً جسيما يسأله الله عنه ثم لا يجد منه مخرجاً لكن المسلمين (2) أهل تراحم وتعاطف وبرّ ونصح لله في الخاصة والعامة وفيما تجتمع كلمتهم ويصلح ذات

بينهم ، وحمل ضعيفهم وقويهم وجاهلهم على (3) الرفق وحسن النظر . فنذكركم بالله وبالإسلام وحقه وحرمته لما أخذتم في أمركم وفي الذي بينكم بالذي يجمع الله به كلمتكم ويصلح ذات بينكم ويذهب نزغ (4) الشيطان عنكم ويرد ألفتكم وجماعتكم ، هذا الجهد بالنصح منا لكم والشفقة عليكم وأن تقبلوا فحص (5) أنفسكم ، ونسأل الله توفيقكم أن تردوا ، فقد أبلغنا إليكم واحتججنا بالله (6) عليكم وما توفيقنا إلا بالله ، عليه توكلنا وعليه فليتوكل المؤمنون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النخل : آية 25 . ، لاحظنا وجود بعض الأخطاء في كتابة هذه الآية القرآنية في المخطوط فقمنا بتصحيحها .
(2) كتب في المخطوط : " المسلمون " . (3) كتب في المخطوط : " عن " .
(4) كتب في المخطوط : " نزع " . (5) كتب في المخطوط : " فحض " .
(6) كتب في المخطوط : " الله " .


واعلموا رحمنا الله وإياكم أن أبواب الوقوف والجهالة معروفة بيّنة في كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فافهموا ذلك !! ولا يكون الوقوف إلا فيما دون الوظائف من الأعمال والأحكام ، فإذا صارت المنازعة دون الوظائف ما لم يترك فريضة يكفر أهلها بتركها عند وقتها فيدعها من جهالة منه أو عمد ، فإذا جاء وقت فريضة فتركها من جهالة منه أو عمد فقد هلك وانقطع عذره ، ومن انقطع عذره ومن انتهك كبيرة أوجب الله لأهلها عليها النار ، عمداً فقد هلك ، وما كان دون الفرائض

التي يكفر أهلها بتركها ، أو دون الكبائر التي يكفر منتهكها بجهالة (1) أو عمد من السيئات التي لا يكفر منتهكها ، فإنه لا يقطع عذره إن انتهكها بجهالة أو عمد ما لم يمتنع من التوبة عنها إذا استتيب منها ، فإن منع التوبة فقد هلك وانقطع عذره . ومن ركب شيئاً من الكبائر التي أوجب الله عليها النار أو ضيّع شيئاً من الفرائض التي يكفر أهلها يتركها عند وقتها ، خطأَ ، فهو معذور ما لم يكن من جهالة منه أو عمد . والخطأ أن يرمي جاهلا فيصيب مسلما ، أو يريد شيئاً فيخطئ بغيره وهو يرى أنه مصيب فيما فعل (2) ، ونظيره في كتاب الله في اللغو . قال الله : {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} (3) . واللغو ، أن يحلف الرجل على يمين وهو يرى أنه محق وليس كما يرى ، وذلك من الأيمان مرفوع عنه ، وذلك لو أن رجلا نسي وقت صلاة ، أو صيام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجهالة : ضد العلم . إضاعة الحق . (2) " فعل " أضفناها لتستقيم الجملة .
(3) سورة المائدة : آية 89 .


يوم من شهر رمضان وكان ذلك منه نسياناً ، كان مرفوعا عنه إذا أداها حين يذكرها ، والجاهل معذور بجهالته ما دون الوظائف من الكبائر والفرائض ما لم ينتهك كبيرة منتهكها ، بانتهاكها كلها ، أو تضييع فريضة يكفر بتضييعها وتقع عليه الدعوة فيردها أو يرى علامتها فيتولى عنها . فهو فيما يجهل معذور حتى يعاين ولا عذر له بعد المعاينة إلا الوقوف على ما كان يجهله .

واعلموا أن من دين المسلمين (1) البراءة ممن انتهك الكبيرة التي أوجب الله عليها النار ، أو ضيّع فريضة يكفر أهلها بتركها ، أو امتنع من التوبة من السيئات التي يكفر منتهكها . وعلى الناس في معاينة ما كانوا يجهلون ، الوقوف والبراءة ممن عاينوا منه ركوب الكبائر التي أوجب الله عليها النار أو ضيع الفرائض التي يكفر أهلها معها ، والوقوف مما يدرى حتى يدرى ، والوقوف على منازل وحدود ، والوقوف في كل أمر من الشرائع بعد معرفة الوظائف . وأهل الجهالة معذورون ما لم تلزم الحجة بالدعوة أو المعاينة أو المباشرة على حد ما وصفنا ، وهو مما يجهل فيقف حتى يعرف ما كان يجهل . ويكون الوقوف على مسلم تكلم بشبهة يدعي فيها العلم فيوقف عليها حتى يستبين صدق ما تكلم به من كذبه . ويكون الوقوف أيضاً على مسلم أحدث حدثاً فادعى البينة فيما جنى فيوقف عليه حتى يصير إلى ما ادعى من البيّنة . ويكون الوقوف على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ أن المسلمين تعني الأباضية في هذا المخطوط وفي كافة المصادر الأباضية .

مسلم تكلم بشبهة فادعى في ذلك أنه حرام أو حلال فيوقف عليه حتى يبصر صواب ما قال من خطئه . وتكون المنازعة بين الرجلين المسلمين فيما يقع من المسلمين فبرئ كل واحد منهما من صاحبه ، فيوقف عنهما حتى يلزم أحدهما بالحجة ، وإنما يراد بالحجة صواب ما اختلفا فيه من خطئه . ويكون الوقوف على رجل شهد على مسلم بالكفر ، فيوقف عليه حتى ينظر إلى ما شهد به ، فإن جاء معه شاهد (1) آخر مضت

شهادته على ما من شهد عليه بالكفر ، فإن لم يأت بشاهد آخر استتيب ، فإن تاب رجعت ولايته وإن منع التوبة سقطت ولايته من تمنعه التوبة بتكفير المسلم بغير حجة تثبت له . وقد تكون الشبهة فيوقف على أهلها حتى يكون العلم والبيان والمعرفة . والشبهة أن الرجلين من المسلمين يختلفان في حلال أو حرام فقطع كل واحد منهما عذر صاحبه ويبرأ كل واحد منهما من صاحبه ، يدري مَن شهدهما حق ما تفرقا عليه من باطله ، فيوقف عنهما حتى يجيء العلم فيبين لهما منزلتهما إسلاماً أو كفراً . وإذا رأى الرجل رجلا يعمل عملا لا يدري الذي شهده أكفره ذلك العمل أم لم يكفره فهو معه على حاله حتى يعلم ويكون في الرجل يتكلم في الأحكام لشيء لا يدرى من شهده صدق ما قال من باطله إذا كان مما يخشى عليه الكفر فيه فهذا على حاله في الدعوة .
وافهموا رحمنا الله وإياكم وباب آخر من الوقوف فيما دون الدعوة في شهادة الأحكام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " شاهدتا " .

فيما كان من إمضاء الأحكام من نحو الشاهدين والأربعة ، فإذا ثبتت الشهادة انقطع الوقوف ، وذلك في رجلين شهدا مع الإمام على رجل أن فلاناً زانٍ ، لم تكن لهما شهادة ووقف عليهما ، فإن قالا في مجلس الحكم لا شهود معهما غيرهما ، جلدا الحدّ واستتيبا ورجعت ولايتهما وانقطع الوقوف عنهما . وإن ادعيا أن معهما شاهدين غيرهما ووقف عليهما ، فإن جاء الشاهدان في المجلس فشهدا معهما ويثبت الشهود

الأربعة ، أقيم الحدّ على من شهدوا عليه بالزنا ، وانقطع عنهما حين تمت الشهادة ورجعت ولايتهما . ويكون في رجل شهد مع الإمام أن فلاناً قتل رجلا من المسلمين وإن ادعى أن معه شاهداً آخر وقف عليه حتى يجيء بالشاهد الذي ادعى ، فإن جاء به وتمت الشهادة لم يقف الإمام على شيء من الأحكام ، لأن الوقوف بعدما قامت البيّنة العادلة الكاملة تعطيل لحدود الله ولا يسع الإمام أن يعطل حدود الله . وما كان من شهادة الدين فإن الواحد والإثنين وأكثر وأكثر من ذلك بمنزلة سواء يقطع بهم عذر الجاهل ما دام على منزلة الجهالة التي عذره الله بها من صفة الواحد إذا وصفه .
وفي القوم يختلفون في حكم فيبرأ بعضهم من بعض ويدعي كل قوم الحق في أيديهم ويشهدون على أسلافهم أنهم كانوا على ما شهدوا واحتجوا به ، فإنه لا شهادة للفريقين جميعاً فيما يدعيان فيه للحجة ، ويوقف عنهما حتى يعرف حق ما قالا من باطله ، فيصدق أهل الحق وتجاز شهادتهم . والدعوة بمنزلة ينبغي ان يكون تصديقها كتصديق النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ترك هذه المنزلة لا يعذر ولا يعذر الجاهل بجهالة صفته ، وكل صفة توصف .
فيعذر الجاهل إذا قال لا أدري من هو بهذه الصفة ما منزلته . فإذا عاين تلك الصفة من أهلها لم يكن له عذر فيما يروى وتلك
السيئات التي أوعد الله المغفرة مع التوبة منها . وكل صفة لا عذر للجاهل بجهالته فإنه إذا واصفها أو عاملها لم يكن له عذر

بجهالتها وينقطع الوقوف عنه ، وتلك الوظائف التي لا يسع الناس جهالة صفتها وجهالة منزلة العامل بها . والوظائف معرفة الله وتوحيده ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، والإقرار بما جاء من عندالله ، وجميع صفة الإيمان ، وما كان من الوظائف التي لا يتم الإيمان إلا بمعرفتها فهو مجهول ما لم يقع العمل به والمعاينة له . أن يبلى بالدعوة فيردها فإذا بلي بهذه الخصال الوقوف ولم تسع الجهالة فيه ، وينقطع الوقوف أيضاً عن الميت إذا لم ترج له حجة فيها حياة . وذلك لو أن رجلا قتل مسلماً فقال إنما قتلته لأنه كان قد كفر وأقام على ذلك شاهداً واحداً هلك قبل أن يقيم عليه الشاهد الآخر . أو رجل قتل مسلماً فادعى أن له شهوداً على أنه كان قد كفر ولم تقم بيّنة حتى هلك . أو رجل شهد على رجل بالكفر وقال إن معه شهوداً على ما قال فوقف عليه حتى هلك ولم يقم الشهود فيكون بمنزلة الوقوف عليه بمنزلة براءة عند من وقف عليه ولا تجوز شهادته إلا في الشيء الذي وقف عليه فيه إذا كان معه غيره .
وقول المسلمين ، معاشر الإخوان ، في المعاينة ما دون الوظائف مما يكفر الناس البراءة أو الوقوف وفيما دون الكبائر من السيئات الوقوف أو الولاية ، وما دون الوظائف من الصفة غير مجهول ، ولا شهادة لأحد في الاختلاف في الدين إلا لأهل الحق إذا عرف أن الحق فيما دعوا إليه والحمد لله رب العالمين .

واعلموا رحمنا الله وإياكم أن دار الإسلام كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة لم تزل ثابتة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وعمر رحمهما الله وبعض خلافة عثمان حتى أحدث . فلما أن أحدث عثمان ما أحدث أنكر المسلمون عليه فتحولت الدار من عثمان وصارت الدار في يد مَن أنكر عليه الذي أحدث . وكانت الدار منذ قتل عثمان في يد من أنكر عليه وعلى أهل الجور وخالفهم ودعا إلى الحق والعدل . فإذا كفر الإمام بقول أو عمل ولم ينكر عليه أهل الدار تحولت الدار عنهم جميعاً ، وإن أنكروا عليه فالدار كما هي . ونظير (1) ذلك وقياسه أن عثمان لما أحدث أنكر المسلمون عليه حدثه فلم تحول الدار عنهم وكانت دار عثمان التي تحولت قصره الذي كان فيه هو وأصحابه محصورين .
وكانت الدار كما هي إلا من فارق الجماعة وطعن على المسلمين مثل معاوية بن أبي سفيان وأصحابه ففارقوا الجماعة ، ولم تـزل الـدار ثابتة للمسلمين حتى حكّـم عـلي بـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط " ونضير " .

أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان الحكمين . فأحدث عليّ وأنكر عليه المسلمون فتحولت الدار عنه . فإذا أحدث الإمام وأنكر عليه بعض أهل الدار ولم ينكر عليه بعض واختلفوا فيما بينهم صارت الدار مع من أنكر الجور ودعا إلى الحق حتى

يظهرهم الله على مَن أنكروا عليه أو يفنوا . وإذا وقع الوقوف على الإمام بقول أو عمل لم يستطع أن يكون إماماً حتى يبرأ منه أو يستتاب فيرجع إلى التوبة ويكون على منزلته ، ولا يكون إماماً موقوفاً عنه لأن الوقوف عنه لا تجوز له شهادة ولا حكم وجميع حقوق المؤمنين منقطعة منه ولا يستطيع حينئذ أن يكون إماماً وليست له شهادة ولا قضية .
وإذا اختلف الإمام وأهل الدار في حكم فإن لهم ألا يقطعوا فيه شيئاً حتى يراجعوا المسلمين في ذلك فيخبرونهم بصواب ذلك وخطئه . وإذا كره الإمام الإمامة وأراد الرجعة وترك الإمامة فليس ذلك له ولا لأهل الدار أن يكرهوه على الإمامة .
وإذا شهد رجل عند الإمام على أمر والإمام شاهد على ذلك الأمر لم يكن للإمام أن يقضي فيه بشهادة نفسه مع آخر إلا بشهادة رجلين ، وليست له شهادة فيما هو الحاكم فيه إلا ما أقر به المقر معه من الحق في مجلس الحكم ، فله أن يحكم عليه بإقراره معه وهو حاكم ، وإن أمر الإمام القاضي أن يقضي في ذلك أو في غيره فإن شهادة الإمام مع شهادة آخر غير جائزة على هذا الوجه . فإذا شهد رجلان من المسلمين عند الإمام على شهادة في دم أو غيره وعلم الإمام أنهما شهدا بباطل فإنه يقول لرعيته احتكموا إلى القاضي أو إلى غيري فإن لي في هذا علماً لا يسعني إمضاء شهادة أحد فيه .

وإذا عاب أهل الدار على الإمام أمراً لم يبلغ به كفر فليس لهم أن يخلعوه بذلك . فإن عجز الإمام عن سياسة أهل الدار وقصر بصره عن إمضاء أحكامهم ، أو ضعف عن نكاية عدوهم ، فإذا كان بهذه المنزلة أمروه أن يعتزلهم أو يجعلوا مكانه غيره برضى من عامة المسلمين .
وإذا نزل بأهل الدار حكم اشتبه على الإمام أو قصر بصره عنه فليس لهم أن يخلعوه حتى يثبت ويسأل علماء المسلمين عن ذلك ، وليس لهم أن يقولوا اقض برأيك فيما ليس عنده به قرآن ولا أثر حتى يسأل أهل العلم من المسلمين . وإذا حكم الإمام بحكم أكفره وهو لا يدري ، ولم يبصر أهل الدار كفره وقصرت أبصارهم عنه فخرجوا من الدنيا على جهالة كفر الإمام وهم يتولونه فقد هلكوا لهلاك الإمام وسقطت ولايتهم . وإذا شهد رجلان على رجل عند الإمام أنه قد كفر فإنه ينبغي للإمام أن يسألهما عن تفسير الأمر الذي أكفره ليعلم أي الحدود يقيم عليه . وليس للإمام أن يرجع في حكم أمضاه بحكم الله وإن رجع الشهود عن شهادتهم إلا أن يعاين كذبهم ، وإنما يكون المعاينة لتكذيب الشهود إن شهد رجلان على رجل أنه قتل فلاناً ولم يقف عن المشهود عليه فقبل شهادتهما وبرئ الإمام منه ، وذلك حكم الله عليهم فيما ظهر لهم فعاينوا الذي شهدوا عليه أنه قتل ، حيَّاً لم يقتل ، فإن ولاية الذي قتل ترجع بحياة من لم يقتل ، وعاينوا كذب الشهود فيكون الذي أمضى والذي ارتج (1) فيه حكم الله ، فينزل الشاهدين طاعنين في الدين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ارتج : اضطرب . التبس . وقد كتبت الكلمة في المخطوط بلا نقط ، هكذا " ارـج " .

وأفضل ذلك في رأينا أن يقتلا لما جهلا الإمام من قتل الرجل المسلم وإذا أقرا أنهما شهدا زوراً وطلب ذلك أولياء المقتول ، وقال بعض الفقهاء ليس لأولياء المقتول أن يختاروا أحدهما فيقتلوه ويردوا على ورثة المقتول نصف الدية . وتكون شهادة على رجل أنه قد مات فيقسّم ماله ثم يرجع الشهود عليه في أشباه ذلك مما يعاين فيه كذب الشهود إذا ارتجعوا كانوا طاعنين في الدين .
وعلى الإمام الوفاء بعهد الله وإمضاء الأحكام على من قتل متعمداً أو مَن له حرمة عنده من مُعاهد أو مسلم وأهل الجزية . وعلى الإمام أن يسأل الشهود إذا شهدوا على رجل مسلم بالكفر ما أكفره ليعلم أي الحدود تقام عليه . فإن وصفوا ما ليس بكفر ، كفروا ببراءتهم من المشهود عليه بما أثبتوا من اسم الكفر عليه ، وبرئ منهم بما وصفوا بما ليس يكفره ، وهم بمنزلة الطاعنين فيما برئ ، والله أعلم بالصواب ، وعليهم التوبة مما أوجب الله لإمام المسلمين على المسلمين أن يسمعوا له ويطيعوه وينصروه ويسددوا إمامته ويتولوه ما أقام فيهم بدين الله وأحسن السيرة وعمل بالكتاب والسنة وكان لجميع المسلمين ناصراً ولجميع الرعية حافظاً .
فإذا فعل إمام المسلمين فعلا فلا يدري المسلمون أصاب فيه أو أخطأ وحكم حكماً لا يدري المسلمون أصاب فيه فيما بينه وبين خالفه أم لا ، فالحق على المسلمين أن يتولوه على الحال التي كان بها عندهم ولا يبرءوا منه ولا يقفوا عنه بعد إذ تولوه ،

لأن الوقوف ليس مزيلا ولاية أثبتها الله له بعلم وفريضة ، لأن الوقوف جهل والجهل لا يزيل علماً والوقوف ليس بضد الولاية فيزيلها .
فإن بيّن الإمام للمسلمين ذلك العمل الذي فعله وعملوا حكم الله فيه وعلموا أن الإمام تعدّى حكم الله في ذلك ، مشى إليه المسلمون فاستتابوه من ذلك الظلم ، فإن أنكر ذلك الإمام ، وزعم أنه مصيب في حكم عادل في قضائه بعدما تبين للمسلمين ظلمه فيه وزعم الإمام أن ظلمه ذلك أصابه بحكم الله والإمام مصر على معصية الله غير تائب منها ولا نازع عنها ، فإمامته زائلة عند المسلمين ولا طاعة له عليهم ولهم أن يخلعوه ويولوا على أنفسهم رجلا يعدل عليهم . فإن أبى الإمام المحدث أن ينخلع (1) من إمامته من بعد ظهور حدثه وإصراره على معصية الله ، فقد حل للمسلمين قتاله وحربه ومناصبته وصار عندهم ضالا منافقاً . فإن قتله المسلمون على الإباء من الاختلاع (2) من إمامته فقد سفكوا دم من أحل الله لهم سفك دمه وهم لا يشكون في ظلمه وعدوانه لله ، فإن قتل (3) المسلمين فغير مصيب ولا موفق .
وإذا أحدث الإمام حدثاً فاستتابه المسلمون فأقروه على أنفسهم من بعد توبته ونزعوه (4) فهو على حالته الأولى التي كان عليه من الولاية إذا تاب ونزع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " يختلع " . (2) الاختلاع والانخلاع : الانتزاع ، زوال الشيء من مكانه .
(3) يعني إن قام الإمام بقتل المسلمين . (4) نزع عن الشيء : كف وانتهى عنه .

وإذا بدا الإمام من بعد حدثه ذلك وظهوره منه بمنزلة يتهم فيها على دماء المسلمين ويسعى في طلب ذلك منهم ، وفارق المنزلة التي يجوز للمسلمين أن يتهموه فيها لقتلهم لسعيه في السبب الذي يجوز لهم التهمة عليه ومقارفته الأحداث التي يحل بها خلع الإمامة ، فجائز للمسلمين عزله (1) عنهم لأنه لا ينبغي للمسلمين أن يأتمنوا (2) أهل الأحداث على الدماء والأموال و(3) أن يلي أمر المسلمين أهل الأحداث والتهمة على الدماء والأموال . فإن أمره المسلمون أن يعتزل عنهم فأبى ذلك عليهم وزعم أن إمامته لا يجوز خلعها للمسلمين بالحدث وموضع التهمة على الدماء ، فإن الإمام محارب للمسلمين وممتنع بحق الله فللمسلمين قتاله ومناصبته وعزله .
فإن أعزل عنهم طائعاً وأظهر توبة وصلاحاً تولاه المسلمون ، وعلى المسلمين أن يولوا على أنفسهم من يعدل عليهم أميناً مسلماً ، وإن أبى الإمام أن يختلع عنهم من بعد مقارفته المنزلة التي يحل بها خلعه عند المسلمين فقد حل حربه وقتاله للمسلمين . فإن قتله المسلمون على إصراره وتماديه على معصية الله وامتناعه بحق الله فغير ولي ، بل هذا عدو لله ظالم خليع من الولاية . وبهذه المنزلة كان معهم عثمان بن عفان بمقارفته الدماء وسفكها ، فاستحل المسلمون دمه . ولو قتل المسلمين لكانوا أولياء الله وقتلهم ظالما متعدياً تاركاً لحق الله .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في نسخة : " خلعه عنهم " . (2) كتب في المخطوط : " يتمنوا " .
(3) حرف " الواو " زيادة من عندنا .



وإذا أحدث الإمام حدثاً يعلم المسلمون أنه ضال فمشى إليه المسلمون فاستتابوه من ذلك الحدث فأبى عليهم وزعم أن الذي فعل من ذلك جائز له وقال ، بل أنتم المخطئون في إعابتكم عليّ وأنا المصيب ، فإن الإمام مصرّ على معصية الله محدث ، ظاهر حدثه ، وعلى المسلمين أن يخلعوه وإن أبى ناصبوه وقاتلوه (1) . وبهذه المنزلة استحل المسلمون قتل عليّ بن أبي طالب والخروج عليه .
وذلك أنهم نقموا عليه التحكيم في دماء المسلمين من بعد سفكها وفي دماء الظلمة لهم ، وعلموا أن ذلك لا يجوز في الدين فخرجوا إرادة أن يتوب من ذلك فيقروه على إمامته أو يمضي على حدثه فيستحلوا قتاله . فدعوه إلى كتاب الله وإلى المحفوظ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى ومضى على حدثه واستحل قتل المسلمين لخروجهم عليه فبرأ منه المسلمون رحمهم الله . وكان حدثه ظاهراً يستدلون عليه بكتاب الله والسنّة عن رسول الله صلى الله وسلم . وتولى المسلمون أصحاب النهروان (2) رحمهم الله لإلتماسهم منه الحق ودعائهم إياه إليه . وكان الذي افترق عليه عليّ بن أبي طالب وأصحاب النهروان (3) وأصحابنا كتاب الله الحاكم فيه والموضح له .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ أن المؤلف يفصل الكلام عن حقوق الإمام وواجباته تجاه رعيته وأيضا حقوق الرعية وواجباتهم إزاء الأئمة .
(2) أصحاب النهروان : هم أصحابه علي بن أبي طالب الذي رفضوا التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان . وخرج إليهم علي بن أبي طالب وحاربهم في النهروان .

والنهروان عند سامراء في العراق وعند مجرى قناة عند نهر دجلة تعرف باسم مجرى النهروان .
(3) أصحابنا : يعني من سار على مذهب أصحاب النهروان وهم الخوارج والأباضية .
فقتل عليّ أصحاب النهروان ، وهم خيار أصحابه ، وكان إمامخم يومئذ عبدالله بن وهب الراسبي (1) رحمهم الله . ثم تغادر من بعدهم طوائف من المسلمين فصاروا بالنخيلة (2) وإمامهم رجل يقال له الحوثرة بن وداع ، فسار إليهم معاوية وأصحابه وأعانه على قتالهم الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، فقتلوا رحمهم الله .
ثم خرج من بعده زياد بن حراش ، رجل من أهل الكوفة ، فدعا إلى ما دعا إليه المسلمون . ثم خرج من بعده رجل يقال له تميم بن مسلمة وأصحابه من سواد الكوفة .
ثم خرج من بعده عليّ الأعرج بجمع عظيم فنزل قرية يقال لها حروراء (3) ، وإنما سمي الخوراج بالحرورية على اسم القرية التي نزلوها يقال لها حروراء . ثم خرج من بعدهم عصابة من أهل البصرة أميرهم رجل يقال له طواف ، فقتلهم عدو الله عبيدالله بن زياد . ثم خرج من بعدهم قريب والزحاف حتى قتلوا جميعاً رحمهم الله . كل هؤلاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عبدالله بن وهب الراسبي الأزدي . كان من الصحابة الزاهدين ، وكان ممن خرجوا بعد قبول علي بن أبي طالب للتحكيم ، إلى النهروان . وبايعه أصحابه على الإمامة في 10 شوال سنة 37 هـ . وقد قتل في الحرب ضد علي بن أبي طالب في معركة النهروان .
(2) النخيلة : موضع بالبادية قرب الكوفة على سمت الشام .

(3) حروراء : قرية بظاهر الكوفة تبعد عنها بميلين ، نزل بها من اعتزل عليا بسبب التحكيم . وقد ذكرها ياقوت في معجم البلدان . وذكر كتاب الفرق مثل البغدادي صاحب " الفرق بين الفرق " ( أن الخوارج الذين اعتزلوا علي بن أبي طالب بعد التحكيم نسبوا إليها وسموا " حرورية " ) .
كانوا يدعون إلى الحق . ثم خرج من بعدهم أبو بلال المرداس ابن حدير التميمي (1) في فئة أربعين رجلا من أهل البصرة ، فسار حتى نزل الأهواز في ولاية يزيد بن معاوية وعبيدالله بن زياد على الكوفة . فأرسل عبيدالله بن زياد إلى أبي بلال قائداً يقال له مسلم بن زرعة الباهلي ، في ألفي رجل من الطغام ، فدعاهم أبو بلال إلى الحق . ثم بعث إليهم عبيدالله بن زياد قائداً آخر يقال له عباد بن علقمة فقتلهم رحمهم الله .
ولم يزل المسلمون دعوتهم واحدة يتولى القاعد الخارج ، والخارج القاعد ، لم ينتحلوا هجرة ولا اعترضوا الناس بالسيف ولم يغنموا لأهل قبلتهم ولا سبوا لهم ذرية . وإنما اختلف من اختلف قبلكم من أهل هذه الدعوة على ما ادعى كل فريق منهم من الرأي ونصب رأيه ديناً ودعا إليه وفارق من لم يجامعه عليه طلباً للرياسة وسوء رأي في السياسة وركوناً إلى الدنيا ، وفتنة بلوا بها وجاروا فيها ، فوقعت الفرقة بين من كان من بقايا المسلمين (2) ، وكان يومئذ عبدالله بن أباض (3) رحمه الله ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو بلال المرداس بن حدير التميمي : شهد أبو بلال مرداس بن أدية التميمي معركة صفين مع علي بن أبي طالب . ثم أنكر التحكيم ولم يعجبه مقاتلة المسلمين بعضهم بعضاً فانسحب وأقام في البصرة بعد موقعة النهروان مع قبيلته من بني تميم . وهو من الخوارج المعتدلين ، أو القعدة ، الذين لم يلجئوا إلى السيف لفرض آرائهم .

وكان أبو بلال مرداس بن حدير أحد خاصة عبدالله بن وهب الراسبي . ( انظر : الدرجيني : طبقات الأباضية - مخطوط - ورقة 90 و 93 ، والبرادي : الجواهر المنتقاة ص 167 ) .
(2) لاحظ هنا أن صاحب هذه السيرة بعد أن يعرض لأسباب خروج الخوارج أيام علي بن أبي طالب ، يبين باختصار الذين خرجوا بعد على أيام معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد . ثم يشير إلى أسباب تعدد فرق الخوارج بعد أن كانوا جماعة واحدة .
(3) عبدالله بن أباض : من قبيلة تميم في البصرة عاصر الإمام أبا الشعثاء جابر بن زيد =


وعبدالله بن صفار ، ونافع بن الأزرق ، ومن شاء الله من المسلمين ، فاختلفوا فيما بينهم ودعا كل واحد منهم إلى رأي .
وأول من فارق المسلمين ودعا إلى الجور نافع بن الأزرق (1) وكان من أشراف أهل البصرة من خيار المسلمين ، فخرج معه بشر كثير فسار حتى نزل الأهواز وهو على الإسلام . فلما ظهرت له الدنيا وأقبلت إليه ، أحدث عدو الله أحداثاً خلعه الله ومن اتبعه من الإسلام ، وكان لذلك أهلا . وهو أول من شق العصا وفرق الملأ وصدع الشعب واقترف الكذب وخالف الكلمة وفرق الجماعة وانتحل الهجرة وكفّر أهل القبلة وبرئ من أهل التقية وشرك المقيم واعترض الناس بالسيف وسبي ذراريهم وغنم أموالهم .
ثم كان من بعده نجدة بن عامر الفاسق ، فسار سيرته ، وكان من بعده نجدة بن عطية ، وكان على طريقته وشرعته . ثم كان من بعده عطية وزياد الأعسم فلا زاد ولا غنم !! ثم كان من بعد زياد ، صالح ، ثم كان من بعد صالح شبيب . ثـم كـان مـن بعـد شبـيـب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= العماني وأخذ عنه وكان جابر بن زيد مفتي البصرة . كما كان من أوائل التابعين الذين عنوا بتدوين الأحاديث والسنن كما يعتبر مؤسس المذهب والفكر الأباضي . وعاصر عبدالله بن أباض أحداث الدولة الأموية منذ معاوية بن أبي سفيان إلى عبدالملك بن مروان . وأول ما نسمع عن عبدالله بن أباض حين خرج هو وجميع فرق المحكمة للدفاع عن مكة مع عبدالله بن الزبير ضد جيوش يزيد بن معاوية في سنة 64 هـ ثم رجوعه إلى البصرة بعد أن أمنت مكة . وكان عبدالله بن أباض لا يلجأ إلى التقية ، أي إظهار خلاف ما يبطن ، أمام أصحاب الجبروت والقوة .
(1) نلاحظ هنا أن كاتب هذه السيرة يعدد لنا الفرق الخارجية والمتطرفة منذ خروج نافع بن الأزرق رأس طائفة الخوارج الأزارقة .
أبو بهيس فاستحل هو وأصحابه الملاعين أموراً تقشعر مها الجلود ، استحلوا نكاح المجوسية !! ثم كان من بعدهم عبدالله بن صفار وأصحابه وهم الصفرية الخبيثة الغوية . ثم من بعدهم الجهم وهم الجهمية . ومن بعد الجهمية الثعلبية ، استحلت الثعلبية قتل الناس سرِّاً وعلانية .
وكان هؤلاء أئمة ضلال ودعاة إلى الضلال . ومنهم شعيب الكرماني وداؤد ومطر ومنصور والهيضم وعزيز وحمزة وأبو إسحاق وأبو عوف .
ثم كان من بعد ذلك فرق كثيرة ، فرق أهل الضلال ، ضلوا وأضلوا كثيراً عن سواء سبيل ، ومنهم المرجئة .... والمعتزلة والمجبرة الزنادقة ، ونحن نبرأ منهم جميعاً ... ولولا طول التفسير لفسرنا لكم معاشر الإخوان أحداثهم وآراءهم وقولهم ودعوتهم وأعمالهم وما دانوا به في عباد الله وساروا به في بلاد الله من الغشم والظلم والجور بعد أن كانوا على الإسلام . وثبتت الطائفة من المسلمين على ما قال عبدالله بن أباض رحمه الله من العدل والحق المعروف .

ثم اقترفت الأباضية على ثلاث فرق ، شعيب وأصحابه ، وعبدالله بن يزيد وأصحابه ، ثم من بعدهم هرون المخالف للمسلمين الخارج من عدل الحق ونوره ، وهم الذين يقال لهم الشعبية ، وفرقة ثانية وهو عبدالله بن طريف صاحب عبدالله بن يحيى الإمام رحمه الله ، بلغنا أنه خطب إلى عبدالله بن يحيى ابنته وكان هو من الموالي وعبدالله من العرب ، فقال له عبدالله ما أكرهك من ناس وأنت أفضل منها ولكن أخاف أن يكرهك أهل بيتها ، فأغضبه ذلك وخرج من عسكر عبدالله بن يحيى واعتزل عليه ورأى رأياً وقال قولاً ونصب رأيه ديناً يدعو إليه وأعانه على ذلك من أعانه من أهل الفسق ، ووجد على ما دعا إليه أعواناً ، ونحن نبرأ من هاتين الفرقتين الشعبية والطرفية (1) . ونحن وأنتم معشر الإخوان الفرقة الثالثة الذي قلنا إن الحق في أيدينا وبرئنا من جميع أهل هذه الفرق ، ولا شك في ديننا ولا في دعوتنا . وإنما هلك من هلك من أهل هذه الفرق إذ أعجبوا بآرائهم ، واتبعوا أهواءهم ، وغلبت عليهم دنياهم ، ووجدوا على ذلك أعواناً وأنصاراً فنعق كل ناعـق منهم بكفره ، ومضى كـل فاسق مـنهم علـى غيّه ومكره .
ولو كان كل داع إلى ضلالة أو ناعق نعق لصوب فتنة وجهالة أو مبتدع لبدعة وترك السنة والشرعة ، لم يجد على ذلك معيباً ولا لدعوته مستجيباً ، لخمدت الفتن وظهر عدل السنّة . فإنا نحذركم الله ونذكركم بالله وبآيات الله ألا تكونوا لهم أمثالا ، ولا ترجعوا بعد العلم جهالا ، ولا تشتروا بالهدى ضلالا ، ولا يرضى أحدكم عن نفسه أن

يفارق إخوانه ويعيب أعوانه من أهل دعوته ، فإن الأمر بحمد الله بينكم سهل واضح لم تختلفوا في شيء تعزّ فيه التوبة والرجعة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تحدث جميع كتاب الفرق عن آراء الفرق ومذاهبها مثل البغدادي والشهرستاني وابن حزم ، ومن الكتاب الأباضية القلهاتي صاحب الكشف والبيان .

وارجعوا إلى أنفسكم وإلى إمامكم وإخوانكم بما فيه ألفة جماعتكم وعزّ دعوتكم وإعلاء كلمتكم ، يريكم ما تحبّون ويكون لكم ما لا تحتسبون ويغلب لكم من تحاربون ، فإن لكم عدواً في البر والبحر يحبون أن يطفأ نوركم ويتغير سروكم (1) ويتشتت أمركم ويذل نصركم وينفلّ حدّكم ، وينتقض عهدكم وينفك عمدكم ويفرق جماعتكم وتختلف كافتكم وتفترق كلمتكم ، فيرجعوا عليكم ويسيروا إليكم . فالحذر الحذر معاشر أهل الدين والعلم والبصر !! واعلموا رحمنا الله وإياكم أن الله قد أقام أئمة العدل مقاماً لا يقوم بأدائه الرعية إلا من عرف حقهم وحرمتهم لأن الله قد أقامهم مقامات الأنبياء وهم ورثة الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم ، لأن الأنبياء والرسل لم يورِّثوا ديناراً ولا درهما وإنما ورَّثوا الكتاب والسنّة . ولو أن فرقة من المسلمين خرجوا على إمام المسلمين يلتمسون منه أشياء ويدعونها عليه بما لا يستدل المسلمون أنهم فيه صادقون ولا كاذبون والإمام ينكر ذلك ويدعي عليهم ظلماً أيضاً لا يعرف المسلمون ما يذكر فيه ، فخرجوا عليه واستحلوا قتاله من قبل أن يوضحوا عليه تلك الأشياء فهم بغاة على

الإمام ويحل للإمام قتالهم ، وذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا إمامهم بالأشياء التي يدعون عليه حتى يوضحوا عليه ما ادعوا ويستتيبوه ، فيصرّ ولا يتوب ويأبى الاختلاع عليهم . فإن تعدوا عليه فقاتلوه ورجعوا إليه يطلبون إزالة إمامته بالدعوى لا أكثر من ذلك ، فقد حل للإمام ولجميع المسلمين قتالهم بتعديهم سنّة المسلمين وتركهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السرو : الفضل . المروءة .

رأي من كان قبلهم . وبهذه المنزلة كانت الخارجة على عبدالوهاب (1) لاستحلالهم الخروج عليه بالدعوى للشروط التي يقرون على أنفسهم بالظلم فيها ، وقولهم نعزلك لأنا أصبنا من هو أعلم منك .
وقد كان المسلمون رحمة الله عليهم ولوا من ولوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الرعية من هو أعلم منهم في الأحكام . ولو كان لا يستحق قائم يلي على من هو أعلم منه إماماً ما تولى إمام المسلمين عليهم حتى يخرج في رعيته من هو أعلم منه فيزيله ويلي ذلك الذي هو أعلم منه ، فإن خرج أيضاً من هو أعلم من ذلك أزاله فيكون أمر المسلمين مختلطاً أبداً ويكونون ينظرون كل يوم من يأتي فيزيل إمامة إمامهم . وقد تولى المسلمون أبا بكر رحمة الله عليه من بعد وفاة رسول الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل (2) حاضر . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي معاذ أعلم العلماء ) ، وقال في موضع آخر : ( معاذ أعلم أمتي بالحلال والحرام ) .

فلما استحل الخارجون على عبدالوهاب الخروج عليه بالأشياء التي يعلم المسلمون أنها بدعة وخطأ وأنها لا تزيل إمامته ، علموا أنهم مخطئون مبتدعون فدعوهم إلى ترك ما دخلوا فيه من البدعة ومراجعة الحق . فأبوا إلا تـمـاديـاً وإصـراراً عـلـى المعصـية ثـم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني هنا عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم من أئمة الدولة الرستمية في المغرب .
(2) كان معاذ بن جبل أنصارياً من الخزرج ، وهو أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة من الأنصار . أرسله الرسول عليه الصلاة والسلام إلى اليمن ليعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ، وكان يشير عليه الصلاة والسلام إلى علمه بالحلال والحرام .


رجعوا إلى المسلمين وإلى إمامهم ، فقاتلهم المسلمون وإمامهم عبدالوهاب على إصرارهم على المعصية وادعائهم أن إمامته زائلة بلا حدث أوضحوا عليه عند المسلمين . ثم كانوا لما أراد الله إكمال السنّة وبيان بغي (1) الخارجين عليه والراجعين إليه والمستحلين لقتاله على غير الوجه الذي يستحل المسلمون منه قتال أئمتهم ، لأن المسلمين رحمة الله عليهم إنما كانوا يستحلون قتل الأئمة في الأمر الواضح الذي يصدقه كتاب الله والسنّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكونوا رحمهم الله يستحلون قتال الأئمة على الظن والشبهة واللبس والدعوى بلا إيضاح . فقد خرجت هذه الفرقة الخارجية الخبيثة على غير ما خرج عليه المسلمون من ضلالهم

وبغيهم فاستكملوا السنّة (2) برجعتهم إلى المسلمين وإمامهم . فقتل الله تلك الفرقة الخبيثة المبتدعة !! ونصر الله المسلمين عليهم وأظهر أمرهم وهم كارهون !! .
وأما الوجه الذي لا يكون الإمام فيه مصدقا من الوجه الذي يكون فيه مصدقاً فكل منزلة ادعاها الإمام قبل أحد من الناس مما لا يجوز أن يكون الحاكم فيه ، فيقول إن لي على فلان كذا وكذا وأنكر فلان ذلك ، فإن عليه في ذلك البيّنة العادلة ولا يصدق على من ادعى عليه ، لأنه لا يجوز أن يكون هو الحاكم لنفسه بوجه من الوجوه . فكل ما لا يكون هو الحاكم فيه فإنه لا يعطى ذلك بالدعوى لنفسه إلا أن يأتي على دعواه ببيّنه عدل ويحكم له القاضي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " بغيهم " (2) إما أن تكون " السنة " أو " البينة " لأن الكلمة كتبت في المخطوط بلا نقط .


وأما الوجه الذي يكون فيه مصدقا فإذا ادعى الإمام شيئاً لا يلي الحكم فيها غيره مما هو فيها أمين الله وأمين المسلمين على إمضاء الحكومة فهو في ذلك مصدق ولا يسأل عن ذلك كيف فعله وعلى المسلمين السمع والطاعة له .
ألا ترى أن الإمام لا يسأل البيّنة على يد سارق قطعها ، أو زان جلده ، أول قاتل قتله !! .ولا يجوز لأحد أن يسأله عن ذلك اتهاماً منه له ، لأن الإمام هو الذي يلي الحكم في ذلك ولا يسأل البيّنة على حكم من الأحكام يليه بوجه من الوجوه . إذا قال قد قامت معي البينة العادلة لم يكلف أن يقال له أحضر البينة حتى نسمعها لأنه في ذلك أمين الله

وأمين المسلمين لا يسعهم أن يعصوه فيما استحق الله عليهم أن يطيعوه فيه ، ولا يسألونه عن ذلك كيف فعله ، ولا يسعهم الإمساك عن ولايته والوقوف عنه . وليس على المسلمين من الأحكام التي حكم بها الإمام مئونة ولا عليهم الكشف عن تحتها ، فإن كان الإمام حكم في تلك الأحكام فيما بينه وبين الله بحق فبحظه ترك وربه عصى والله محاسبه بذلك وولي القضاء فيه يوم القيامة .
والمسلمون معذورون بولايتهم على الذي أظهر لهم من دين الله ، ولم يكلفهم الله علم ما غاب من أمره .
فهذا الذي مضت عليه أسلاف المسلمين رحمة الله عليهم ، وقد أوضحنا لكم فاقتدوا بهم وخذوا بهداهم تفلحون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ويسأل الذين قالوا إن الوقوف يجوز في الإمام لمن رأى منه ما ينكره ، أخبرونا عمن رأى الإمام يحكم بحكم من أحكام الله فجهل ذلك الحكم ولم يدرِ أصاب فيه الإمام أو أخطأ ، أيسع له أن يقف في الإمام ولم يسأل العلماء فيعلموه بصواب ذلك من خطئه ؟! فإن قالوا لا يسعه الوقوف في الإمام حتى يسأل العلماء فقد تركوا قولهم . وإن قالوا نعم يسعه الوقوف ، قيل لهم أفواسع له الخروج من طاعة الإمام ولا يؤدي إليه حقاً ؟!
فإن قالوا نعم فقد زعموا أن الإمامة ليست بمفترضة . والإمام لا يخلو أن يحكم بحكم يسع الناس جهل ذلك الحكم فواسع له ، وزعم في قوه الوقوف عن الإمام وإزالة إمامته ، وترك السمع والطاعة له . فإن أعلمته العلماء أن الذي حكم به الإمام في ذلك حكم

الله الذي وصف في كتابه ، فإنه غير حجة عليه في ذلك وواسع له جهل ما جهل من ذلك إلى يوم القيامة ولا تلزمه إمامته . فأي ضلال أضل من هذا ؟!
وإن قال إن الوقوف لا يسع في الإمام إلا بحدث ، قيل له : وما الحدث الذي تزعم ؟! أظلم هو؟ فإن قال نعم ، قيل له فالحقيق عليك أن تبرأ على الظلم الذي هو كفر عندك . فإن قال إن الحدث الذي رأيته لم أعلم ما هو ؟ كفر أو إيمان أو طاعة أو معصية ؟!
قيل له ، فإذا رأى الرجل الإمام وهو يحكم بأحكام الإمام التي وصف في الكتاب ويؤدي الزكاة على حد ما افترض الله عليه ، أفواسع له جهل ما رآه يعمل من ذلك ؟!
فإن قال نعم . قيل له ، أفواسع له الوقوف في الإمام بما جهل من ذلك أنه لا يدري ما أصاب في ذلك أم أخطأ؟! فإن قال نعم ، قيل له فإمامته زائلة لأن حقوقها قد زالت في قولك !! فإن قال ، ليست بزائلة !! قيل له فهي ثابتة ؟! فإن قال نعم ، قيل له فحقوقها ثابتة ؟! فإن قال نعم !! قيل له ، فقد أثبتّ الإمامة وحقوقها لمن لا يدري ولم يسعك الوقوف فيه ، فهذا في الاختلاط . وإن قال لا يسع الوقوف في الإمامة بالذي حكم فيه ولا يدري ما هو ، فهذا قول المسلمين .
ويقال لهم أيضاً ، أخبرونا أن قوماً خرجوا على الإمام فادعوا عليه أنه ظلمهم واغتصبهم أشياء ولم يقيموا عليه بينة ، ثم رجعوا إليه ، أي إلى الإمام ، ألستم لا تدرون لعل الإمام فعل ذلك الشيء الذي ادعوا عليه ؟! فإن قالوا نعم ، قيل لهم ، أفواسع عندكم الشك في الإمام والوقوف فيه ؟
فإن قالوا نعم ، قيل : أويسعكم الشك أيضاً في الذين خرجوا عليه؟! فإن قالوا نعم ، قيل لهم : أفواسع لكم أن تخذلوا الإمام وأن تسلموه إلى الخارجين عليه إذا ادّعت الخارجة أمراً لا تعرفونه ولا تدرون لعله فعله؟! فإن قالوا نعم ، فقد زعموا أن الله لم يستحق عليهم نصرة الإمام ولم يوجب عليهم القيام بإمامته ، فأي خارجة خرجت على الإمام

وزعمت أنه ظلمها ، أيسلم إليها الإمام ولا يكون إماماً يوماً واحداً حتى يخرج عليه خارجة تدعى ظلمه فيسلم إليها فتقتله ، فأي دين يقوم لله على هذا ؟!
وإن قالوا لا يسعنا أن يخذل الإمام حتى يعلم بما خرج عليه من خرج !! فإن أوضحوا كنا معهم وإن لم يوضحوا كنا عليهم ، فقد تركوا قولهم ورجعوا إلى قول المسلمين والحمد لله رب العالمين .
ويقال لهم ، أخبرونا عن رجل أجاب الإمام ودخل في طاعته ثم إنه تولى الإمام ، ثم رآه بعدما تولى يكرب دابة لا يعرفها فجهل الذي رآه فعل الإمام من ذلك أطاعة ذلك أم معصية ؟! أيسعه الوقوف في ذلك أم لا ؟! فإن قالوا يسعه ، قيل لهم فيسعه إذاً أن يقف في الإمام إذا رآه فعل ذلك ، فإذا وسعه أن يقف في الإمام لم تكن عليه للإمام طاعة لأن طاعة الإمام لا تكون إلا على مَن علم أنه إمام . وأما من يسعه أن إمامته زائلة فلا يكون عنده !! فأي دين أجهل من هذا ! .
ويقال لهم أيضاً ، أخبرونا عن إمام المسلمين قام خطيباً يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ، وكان في مسجد عظيم لا يسمع الناس كلامه ، لا يدرون لعل الإمام دعا إلى الظلم والعدوان في خطبته ؟!
فإن قالوا نعم ، قيل لهم أفواسع لمن لم يسمع الإمام أن يقف فيه والخروج من إمامته لحال أنه لا يدري أشرك بالله وكفر به !! ولو أن المسلمين قالوا لهم قد سمعنا الإمام يقول عدلا ، وسعهم أيضاً الوقوف في المسلمين وترك حقوقهم لموضع الشبهة . فإن قالوا لا يسعهم الوقوف في الإمام ولا في المسلمين ، فقد تركوا قولهم من أجل أنهم زعموا أن العلة التي يجوز بها الوقوف من أجل فعل لا يدري أهو (1) طاعة أو معصية أو كفر أو إيمان . فإن قالوا إن الوقوف يسعهم في الإمام بذلك فقد ذهبوا إلى إبطال الإمامة وإزالتها !! فأي دين يقوم لله بهذا !! ويقال لهم ، الإمام حجة الله على

المسلمين وغيرهم ما أقام الحق وأحسن السيرة وعمل بالكتاب والسنّة ولم تظهر (2) منه الأحداث التي تزيل الإمامة ، وحجة على من كان في سلطانه أن يقر بإمامته ، ويجاهدوا من جهاده ويسمعوا له ويطيعوا ولا يبحثوا (3) اتهاماً له عن الأحكام التي ائتمنه الله عليها .
وعلى المسلمين ولاية من كان في طاعته ممن أظهر الرضى واستقبل القبلة حتى ترى منه موبقة يفارق عليها . وليس على الناس معرفة أن الإمام مصيب في الأحكام عند الله فيما غاب عنهم ، غير أن الله كلفهم الولاية له ونصرته والقيام بإمامته ما لم تظهر منه الأحداث التي يعادى عليها .
وللإمام منزلة ليست لغيره من المسلمين في تصديق أقواله في الأحكام وإمضائها لأن المسلمين ائتمنوه على ذلك ، ولو أن غيره أراد ذلك لم يطعه لما جعل الله من المنزلة للإمام لما قدره المسلمون من إمامتهم .
والإمام يتولى على جهة ما تولى عليه المسلمـون فـي الـحـكـم الظاهـر ، ولم يكلـف الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " الذى " .
(2) " تظهر " : زيادة من عندنا حتى تستقيم الجملة .
(3) كتب في المخطوط : " ولا يبحثوه " .


الناس علم ما غاب عنهم من أمره . وليس على الناس فريضة أن يعلموا أن الإمام لا يظلم سرَّا ولا علانية ، وليست هذه المنزلة إلا للنبي صلى الله عليه وسلم . والإمام حجة على مَن كان في غير سلطانه ممن أبلغه المسلمون الأخبار عن إمامته وعدله

فيها أن يرضى بإمامته وأن يقولوا أنه عدل ولي مسلم وأن يدين بعداوة من عاداه وولاية من والاه (1) ، فعلى هذه الحجة تقوم حجة الإمام .
وإنما قلنا إن الإمام حجة ، ما قام بدين الله ودعا إليه ، وللإمام في حدّ الحجة ما ليس لغيره من المسلمين من إمضاء أحكامه وإجازة دعواه في الأشياء التي يلي الحكم فيها . فإن ترك الإمام الذي يكون لله في الناس به حجة لم يكن حينئذ حجة على أحد إلا أن يقوم بحد الحجة فيكون فيه حجة . والمسلمون أيضاً حجة ما قاموا بدين الله ودعوا إليه ، فإن تركوا القيام بدين الله والقول بالعدل لم يكونوا حجة .
والحجة على معان شتى لبعض الناس ، فيها ما ليس لبعض . ، ألا ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم في حدّ حجة ما ليس لغيره من معرفة أنه معصوم موفق في السرّ والعلانية وأنه لا يكذب سرًّا ولا علانية وإن الله مثيبه لا معاقبه ، على هذا تقوم حجة النبي صلى الله عليه وسلم . فالشاك في ذلك من حجة النبي صلى الله عليه وسلم من أحل أنه لا يصير إلى معرفة الرب إلا بمعرفة ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم . فالشاك والمكذب والراد عليه مشرك لأنه لو كان واسعاً للناس في الشك في حرف يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم لوسعهم الشك فيـما يـقـول . وليس للإمــام فـي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " ولاء " .


حجته ما للنبي صلى الله عليه وسلم من معرفة أنه معصوم موفق لا يسلم سراً ولا علانية . وإنما حجة على المعنى الذي ذكرنا لكم من الطاعة والرضى بأحكامه ،

ونصرته والقيام بأمره ما أطاع الله ووطئ آثار المسلمين رحمة الله عليهم . وليس للمسلمين في حجتهم جميع ما لإمام المسلمين من تصديق أقوالهم في الأحكام وإجازتها ، لأن للإمام منزلة ليست لهم للذي قلده المسلمون من أماناتهم . وإنما يكونون حجة بما قاموا به من دين الله ودعوا إليه . ألا ترون لو أن الإمام قتل رجلاً فقال قتلته على ما استحق به عندي القتل فيه لكان ذلك جائزاً له ما لم يتبين أنه ظلمه . ولو أن رجلا من المسلمين قتل رجلا قال إنما قتلته على ما استحق به عندي القتل لكان غير مصدق في ذلك ولم يكن له من ذلك ما يكون للإمام . وللنبي صلى الله عليه وسلم في حجته ما ليس للإمام . وللإمام في حجته ما ليس لغيره من المسلمين .
والحجج تقع على المعاني التي وصفنا لكم ، غير أن الحجة جميعاً القيام بدين الله . والناس يعرفون في حد الحجة ، ولبعضهم فيها ما ليس لبعض على قدر الخصال التي استحقوا بها اسم الحجة . فافهموا رحمنا الله وإياكم ما أوضحنا واستعينوا بالله على ذلك يعنْكم .
وإن قال قائل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة على الناس جميعاً ، وإن الناس ليسوا بحجة على أحد ، فيقال لهم ، ما العلة التي بها زعمتم أن المسلمين ليسوا حجة ؟! فإن قالوا إنا أصبنا الناس يكونوا هالكين بترك الإيمان من قبل أن يلقوا المسلمين فلما أصبنا الناس يكونون هالكين ولم يلقوا المسلمين ، علمنا أن المسلمين ليسوا حجة .

فيقال لهم أليس من أصبناه يكون هالكا بترك الإيمان من قبل أن يلقى فلاناً ثم أتى فلاناً فدعاه إلى الإيمان فلا يكون حجة عليه لأنه لا يكون هالكاً وإن لم تلقه الحجة . فإن قالوا نعم ، فيقال لهم أخبرونا عن أبي جهل وأبي سفيان وأبي معيط (1) ، الذين (2) كانوا بالغين من قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، هل كان يسعهم ترك الإيمان قبل أن يبلغوا النبي صلى الله عليه وسلم؟! فإن قالوا نعم ، قيل لهم فلِم أن النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم وقد أتاهم وقطع الله عذرهم؟! فينبغي أن لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولهم حجة عليهم ، فإن قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ، فقد تركوا قولهم وقالوا يقول المسلمين .
ويقال لهم أخبرونا عمن تزوج ذات محرم منه ولم يعلم أنها ذات محرم منه ، هل يكون هالكا بوطئه إياها في حال الجهل منه بها أنها ذات محرم منه ؟! فإن قالوا لا يكون هالكاً ، فيقال لهم فإن كان رجلان من المسلمين أتياه فأعلماه أنها ذات محرم منه ، هل يسعه وطؤها؟! فإن قالوا لا يسعه وطؤها إذا أعلمه الرجلان ، قيل لهم ، فالرجلان حجة عليه؟! فإن قالوا ، لا ، قيل لهم ، لِمَ؟! فإن قالوا لأنهما شاهدان . قيل لهم ، فمن الحجة عليه أن يفارقا ؟! فإن قالوا : النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل لهم : فلم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم عليه عذره بالأمس من قبل أن يقوم عليه الرجلان . فإن قالوا إن في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ما يقطع عليه حتى يقوم عليه رجلان .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية .
(2) كتب في المخطوط "التي" .

قيل لهم ، فالرجلان عليه حجة !! فإن قالوا لا ، قيل لهم : كيف وقد زعمتم في بدء كلامكم أنه لا يكون هالكا في حال الجهل منه بوطئها ، فلما أعلمه الرجلان أنها ذات محرم منه لم يسعه وطؤها بعد المعرفة فهو هالك ، فلا ترى إلا أن الرجلين إلا وهما حجة عليه ، وقد نقضوا قولهم ، إذ قالوا إن المسلمين ليسوا حجة في الذي قاما به على المتزوج بذات المحرم منه . ويقال لهم : أخبرونا عن المتزوج بذات محرم منه ، أليس لا يكون هالكا حتى يأتي من يعلمه ؟! فإن قالوا نعم ، قيل له ، فإذا أتى من يعلمه لم يكن الذي حجة حجة عليه ؟! فإن قالوا نعم ، قيل لهم ، فإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة !! وإن قام المسلمان أو غيرهما عليه !! فإن قالوا نعم ، فإن شاء قام المسلمان فإما قطع الله عذره ، وإن شاء لم يقوما فلا يكون هالكا .
وأية حجة أعظم من حجة المسلمين الذين إن شاءوا أقاموا فقطع الله عذر من قاموا عليه وإن شاءوا لم يقوموا فلم يقطع الله عذر من لم يقوموا عليه !! وهذا الوجه لأن المسلمين هم القاطعون عليه بحجة الله وحجة النبي صلى الله عليه وسلم . فعلى هذا المعنى قلنا إن المسلمين حجة ، وأية حجة أعظم من هذه الحجة !!
ويقال لهم أخبرونا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يكون حجة ؟ فإن قالوا نعم ، قيل لهم ، وكيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ، ورسول الله هو الذي قطع على من بعثه الله إليه !! فينبغي أن لا يكون في قولكم رسول الله حجة لأن رسول

الله هو القاطع على من قام عليه . فإن قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة وجاز لهم ، جاز لمن قال إن المسلمين حجة ورسول الله ، وهو القاطع عذر من قاموا عليه كذلك في الدين الله والحمد لله .
ويقال لهم أخبرونا عن الحق أحجة هو أم لا ؟ فإن قالوا إن الحق ليس بحجة ، قيل لهم ، فإذا كانت الأنبياء تحتج بغير حجة !! فلابد أن يقولوا إن الحق حجة . فإن قالوا إن الحق حجة ، قيل لهم أخبرونا عن الحق الذي احتجت به الأنبياء على الناس ، أليس ذلك الحق عند المسلمين ؟! فإن قالوا بلى ، فيقال لهم ، فالحجة إذاً في أيدي المسلمين والمسلمون القوام بها، وقد رجعوا عن قولهم إن المسلمين ليسوا بحجة .
وإن قالوا لا ، فقد زعموا أن اليوم ليسوا مسلمين لا هم ولا غيرهم ، وقد خرج الناس كلهم من الإسلام !! فأي ضلال أضل من هذا !! وإن زعموا أن المسلمين لم يذهبوا بعد ، فيقال لهم ، أيكون المسلم مسلما بلا حجة في يده ولا حقّ عنده !! فإن قالوا بلى !! الحجة معه غير أنه ليس حجة على غيره ، قيل لهم ، أفتكون الحجة في يد من لا يكون بها حجة؟! فما المعنى الذي سميتم به النبي صلى الله عليه؟! أليس معناه يحتج بالحق ؟ فإن قالوا فقد هلكوا وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتج بغير الحق .
فإن قالوا معناه ، من سميناه حجة لمحتج بالحق فالحق حجة والقائم به حجة على معناه أنه محتج بالحق ، فإذا أقروا بذلك فقد زعموا أن المسلمين حجة من قِبل أن الحق في

أيديهم وهم محتجون بالحق وهم حجة على معنى أنهم يحتجون بالحق . ويقال لهم أخبرونا عن المسلمين ، أليسوا أهل دين الله ؟! فإن قالوا بلى !! قيل لهم ، فأهل دين الله ليسوا حجة في دين الله ؟ فإن قالوا لا ، قيل لهم ، فإذا جاز لقائل يقول إن أهل دين الله ليسوا حجة في دين الله ، جاز لمن قال إن غير دين الله حجة في دين الله !!
واعلموا رحمنا الله وإياكم أنما ضربنا لكم هذه الأمثال وأقمنا عليكم هذه الحجج كي تقروا أن المسلمين حجة وأن الحق هو الحجة ، وأن من دعا إلى الحق من المسلمين في الحجة . ونحن نعلمكم آثار المسلمين وممن يقول بحجة الحق وندعوكم إلى الحق وإلى الألفة والاجتماع ، ولا تشذوا ولا تفرقوا ولا ينزعن الشيطان بينكم . فإنا حجة الله عليكم لكتابنا هذا إليكم ، فإن قبلتم فالحق قبلتم وإلى الحق أجبتم ، وإن رددتم فالحق رددتم وعن الحق صددتم !! فاتقوا الله ثم اتقوا الله في قبول ما كتبنا به إليكم . وإنما أردنا بهذا التفسير من هذه الحجج أن يقر المقر منكم أن المسلمين هم الحجة وإن كنا بذلك عليكم في ألفتكم وجماعتكم وإصلاح ذات بينكم ، ولم نغشكم . واعلموا رحمنا الله وإياكم أن الدنيا قد أدبرت والآخرة قد أقبلت ، والرحيل قد أزف وأن الفرح والسرور

من الإخوان قد ذهب ، وبقينا فيمن شاء الله من الغوغـاء والـعـجـاج . ونحـن كـما قــال

الأول وهو لبيد (1) :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم :: وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب

والنقص في أهل العلم والبصر والثبات والتدبر ، وفقد أهل البرّ والتواصل والتراحم . وقلَّ أهل الورع والتنزه والكرم ، والتثبت عندما اشتبه ، وعدم أهل الوفاء والحفاظ واتقاء العيوب . وكل هذا قد ابتليناه مع الصمت والعجز والكسل والتواني الذي دخلنا ، والركون إلى الدنيا ومنافسة أهلها فيها . فما أسوأ حالنا وأعظم خطرنا إن لم يتداركنا أرحم الراحمين برحمته ، فإن رحمته وسعت كل شيء ، وهو كثير التجاوز واسع المغفرة .

ولعمري يا معشر الإخوان لو أن أهل العلم أعزوا العلم كما أعزّه الله لقهروا به أهل الدنيا ولكانوا لهم تبعاً ، ولكنهم بذلوه لغير أهله فهانوا على الناس . فلذلك اجترأ الطغام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لبيد بن ربيعة : شاعر معروف من أشراف الشعراء ومن الفرسان المعمرين ويقال إنه عاش نحو 145 سنة وإنه مات في أواخر ملك معاوية بن أبي سفيان . وكان لبيد قد حظى بشهرة واسعة حتى في أيام شبابه كناطق بلسان قبيلته كلاب إحدى بطون هوازن . ولقد كان في جملة أعضاء الوفد الذي وجهته تلك القبيلة ليفاوض الرسول عليه الصلاة والسلام في مسألة الإنضمام إلى الجماعة السياسية الجديدة ، وفي ذلك الحين أعلن إسلامه . ولا شك أن الشعراء كان لهم أثر سياسي كبير فالشعراء في العصر الجاهلي كانوا مفخرة لقبائلهم ، كما كانوا يلعبون أدوارا سياسية هامة في إثارة الحرب أو إقامة السلام وذلك عن طريق أشعارهم وبيانهم . ولبيد من أصحاب المعلقات وكان يتردد في الجاهلية على بلاط الغساسنة . وكانت قصائد لبيد تتميز بالناحية الدينية في العصر الجاهلي ، ولما أسلم غلبت على شعره مسحة الدين أيضاً فكان شعره نموذجا للشعر الديني الإسلامي .


والجفاة والضعفة ومَن لا علم له ولا رأي على العلماء لتضييع العلماء علمهم . وقد أخذ الله على العلماء في علمهم أن يقوموا به ويعملوا به ولا يتبعوا فيه الأهواء ، ولا يخشوا فيه أحداً ، ولا يشتروا به ثمناً قليلاً . وقد قال الله في كتابه : {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَـابِ اللَّهِ وَكَانُـوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَـوُا النَّـاسَ وَاخْشَــوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَـاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} (1) .
فأعلم العلماء بالله أخوفهم لله ، وأشدهم تواضعاً وتذللا وأعملهم بعلمه وأتركهم عن معصيته (2) . فمن لم يعمل بعلمه كان عليه وبالا وحجة وحسرة يوم القيامة ، وهو الذي يسأل غداً مع الأشياء التي يسأل عنها من ماله وكسبه وقوته وعمره وعن فيما استعمله .
وقد جاء في الحديث عن أبـي ذر(3) رحمه الله قال : ( أخوف ما أتخوف على نفسي غداً إذا وقـفت علـى ربي أن يـقـال لـي قـد علـمت فبماذا عملـت فلا يكون لي عذر ولا حجـة ) .

وقال بعض الحكماء في الزمن الأول وأثنى على عالم كان قبله فقال : إن هذا كان بالله عالماً وكان بعلمه عاملاً ، فأصبح علمه له اليوم نافعاً وعمله له من عذاب الله واقياً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : آية 44 .
(2) " معصيته " : زيادة من عندنا .
(3) تحدث عن أبي ذر الغفاري المؤرخون القدامى وكتب الطبقات وذكروا حسن إسلامه . وفي الطبقات الكبرى لإبن سعد عن الرسول عليه الصلاة والسلام نقلا عن عبدالله بن عمر : ( ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر ) . ونقلاً عن أبي هريرة ، قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر ) . ( ابن سعد : الطبقات الكبرى : ج 14 ص 228 - دار صادر بيروت - 1377 هـ / 1957 م ) .


وهناك أحاديث كثيرة يطول فيها الكتاب . وكذلك جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا ينزع الله العلم فيقبضه من قلوب العلماء ولكن يميت العلماء فإذا ماتت العلماء اتخذ الناس رؤساء جهالاً فيسألون فلا يعلمون وقالوا بغير علم فضلوا وأضلوا عباد الله ) .
واعلموا أن العالم الخائف من الله بمنزلة ومكان رفيع فقال الله : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات} (1) .
يقال سبعين درجة فضل العالم على العابد .
وكذلك جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( موت الفقيه ثلمة في الدين لا يسدها شيء ما اختلف الجديدان ) (2) . وكذلك قال : ( ما عند الله شيء أفضل من الفقه في الدين ) . وكذلك قال : ( مثل العلماء مثل النجوم إذا ظهرت للناس اهتدوا بها في ظلمات البر والبحر وإن تغيب عنهم حاروا عن الطريق فضلوا

عن سبيلهم ) ، في أحاديث كثيرة وفي تفسير هذه الآية : {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} (3) ، يعني موت العلماء .
وقال بعض العلماء : إنما العلم قبضات فكلما مات عالم قبضت قبضة من العلم .
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن اتعظ بعلمه وعمل به ، ولم يرد به غير الله عوضاً من الدنيا وأهلها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المجادلة : آية 11 .
(2) الجديدان : الليل والنهار .
(3) سورة الرعد : آية 41 .


دعانا إلى الكتاب إليكم للودّ الذي يلقي الله في قلوب المسلمين لبعضهم بعض . وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أوثق عرى الإسلام في الحب في الله والبغض في الله ) .
ويقال إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف .
وجاء في الحديث أن أويس القرني رحمه الله قال إن للقلوب أسماعاً وأبصاراً يتعارف بها أهل طاعة الله .
وقال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم : { لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (1) .
وقد بلغنا الذي جرى بينكم فاشتد حزننا وإشفاقنا عليكم وتخوفنا أن يقع بينكم ما وقع بين الخوارج قبلنا وقبلكم ، وحسن بالله ظننا ورجونا أن لا يشمت الله بكم عدوكم ولا

يمكن الشيطان منكم . فعليكم بتقوى الله واحذروا الاختلاف والفرقة بين المسلمين ، فإن الله يعلم أنا لم نكتب إليكم طلباً بكتابنا دنيا نستفيدها منكم ، وما أردنا إلا نصيحة لله ولكم معاشر المسلمين ... واعلموا إن افترقتم لم يجد أحدكم أفضل من صاحبه . ولا تظنوا أن بني جلندى (2) الجبابرة أعداء الدعوة والإسلام .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال : آية 63 .
(2) نجح الأباضية في عمان في إقامة إمامة مستقلة عن الأمويين والعباسيين وولي الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى الإمامة في سنة 131 هـ . ولكن العباسيين نجحوا في القضاء على الإمامة وعلى الجلندى بن مسعود في سنة 133 هـ أو 134 هـ . ويذكر المؤرخون العمانيون ، أن عمان بقيت بعد استشهاد الجلندى بن مسعود حوالي أربعة وأربعين سنة ( في يد الجبابرة من بني الجلندى منقادين لأمر بني العباس إلى سنة 177 هـ ثم رجعت الدولة للمسلمين ) ، ( أنظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 74 ) .

ألا وإن هذا يسرهم منكم ويطمعهم فيكم ، ولو قدروا عليكم ما استحيوكم يوماً واحداً بعد الذي كان منكم في أمرهم . فإياكم والبراءة من المسلمين بغير حجة فإنه من برئ من مسلم بغير حجة فهو أولى بالبراءة ، فانقادوا لإمامكم وأهل الفقه فيكم ، واعلموا أن التوبة ليست بضرب فإنما هي أن يقول صاحب الذنب ، أنا أستغفر الله وأتوب إليه من هذا الذنب ، ثم لا يعود إليه .
فإنا نذكركم بالله معاشر المسلمين واليوم الآخر في أنفسكم ، ولا تعموا عن معرفة الولاية والبراءة ، ولا تعموا عن نور الكتاب وفصل أحكامه وبصائره ، فإنه أضوأ وأنور من نور الشمس وضوئها ، ولا تعدلوا بين الحق والباطل ، ولا تجعلوا الذين

آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ولا المتقين كالفجار ، وأن تعيبوا (1) قوماً لا ينقم عليهم إلا فراق المعصية ، وبغضهم والبراءة منهم على معصية الله ، لم يستحلوا حراماً حرمه الله ، ولم ينقضوا عهداً ولم يخونوا فريضة ولم يقطعوا رحماً ولم يقطعوا حق جار ولا ابن سبيل ، ولم يخيفوا آمناً ، ولم يقتلوا معتزلا كافا ، ولم يستعرضوا الناس ما مسكوا به من الحق ولكن بما تركوا وضيّعوا تقوموا عليهم ، ودعوهم إلى مراجعته . فمن أبى وعصى الحق وأصر على المعصية ورد الدعوة واستحل قتالهم والبراءة منهم ، فعند ذلك استحلوا قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله أو تفنى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " تعبوا " .

أرواحهم . على ذلك درجوا به من الدنيا وخرجوا يتبع الآخر منهم الأول . ومن برئ من مسلم بلا حجة فقد قتله ، ومن قتل مسلماً فقد علمتم مصيره ومنقلبه . ومن قال في مسلم ما فيه فقد اغتابه ، ومن قال فيه ما ليس فيه فقد بهته . وقد علمتم ما حرم الله من دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ، وشتم المؤمن كقتله .
فاتقوا الله يا معاشر الإخوان في الذي قد طلع بينكم وذكر عنكم ، أن تطفئوه وتميتوه وتخفوه !! فقد سررتم بهذا عدوكم وسؤتم به وليّكم .

واعلموا أن سيرة المسلمين قبلنا وقبلكم في أهل قبلتهم أن يدعوهم إلى ما ضيعوا من أمر الله وعطلوا من حدود الله وتركوا من أحكام الله ، فإن أبوا قاتلوهم على الاعتداء عليهم ، ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم ، ويوفى لهم وتؤدى إليهم الأمانة ، وتصل منهم القرابة وتبرّ الوالدين وتحسن الصحابة للرفيق والزوجة وما ملكت اليمين وابن السبيل ، ويؤدي إليهم جميعاً ما افترض الله عليهم مما ألزم أداءه . ويتبع في ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أبي بكر وعمر رحمة الله عليهما ، وأئمة الهدى من بعدهما . فهذا دين المسلمين الذي ندين به ونتولى عليه من دان به وتمسك بجملته . مَن كان على هذا الذي وصفنا في جملة كتابنا وأقرّ به لنا وعرفه أنه الحق من دين ربنا ، وقِبله عنا ، فهو منا ونحن منه نستغفر له ونتولاه . ومَن تولى عن هذا وسخطه ، وعابنا به ، وفارقنا عليه ، برئنا منه وفارقناه ... على تركه للحق وردّه على من دعا إلى عدل دين الله ونور بصائره .
الله مولانا ومحمد نبيّنا صلى الله عليه وسلم ، والإسلام ديننا ، ندين به لربنا ، غير حرجة به صدورنا ، ولا كليلة عن وصفه ألسنتنا ، ولا متواهنة فيه حجّتنا من كتاب ربّنا ، بالله استعنا وعليه توكلنا (1) .

فنذكركم بالله والموقف (2) الأشرف الذي لا يكتمون الله فيه حديثا {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} (3) .
لما فكرتم في الأمور التي قصصناها عليكم وكتبنا به إليكم ، وحضرتموه أفهامكم وألبابكم ، وأوعته آذانكم ، وفهمته أذهانكم ، فإنا قد أطلنا في كتابنا عليكم وقد علم الله ما أردنا بذلك إليكم ولم يمنعنا أن نعرفكم أمكنتنا ونسمي لكم بأسمائنا إلا خوفاً من أن يقع في قلوب منكم ما تحمله معرفة ذلك على الإنكار له ، والردّ لصوابه . وقد كتبنا بما رجونا في ألفتكم ورجعتكم وإقبالكم إلى بعضكم بعض وإنابتكم أن تكونوا إخوانا علانية وسريرة ، ولا تكونوا إخوانا علانية أعداء سريرة . فقد قيل إن ذلك سيكون في آخر الزمان ، فأعاذنا الله وإياكم أن نكون نحن وأنتم أهل ذلك الزمان ، وارجعوا إلى معالم دينكم ورضا ربكم وعزّ دعوتكم وتمام نعمتكم وألفة جماعتكم . وأظهروا للناس ما قد بحثوا به عنكم وتفرق في الأمصار منـكـم مـن طـعـن بعـضكم على بعـض وقطع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وردت بعض الأخطاء في هذا النص في المخطوط ، فقمنا بتصحيحها .
(2) كتب في المخطوط : " الموفق " .
(3) سورة آل عمران : آية 30 .

حقوق بعضكم لبعض ، فإنه وصل إلينا عن أفواه الخاصة كما وصل إلينا عن أفواه العامة ما قد وقع بينكم ، فإن وصل إلينا خلاف ذلك مما نقله منكم ... فتلك حاجتنا وفيه رغبتنا لم تطلب على ذلك عوضاً ولا عرضاً ولا ثمناً ... ولا نسألكم عن ذلك جزاء ولا شكوراً . وإنما أردنا بذلك الجزاء من الله على ما قد علم من رغبتنا وإعزاز الإسلام وأهله وإعلاء كلمته في داركم ومصركم . فإن هذا فيكم ، وأوعز عن الرجعة إلى ما كتبنا به إليكم أحد منكم ، فإن لنا رأياً في الخروج إليكم والنزول عليكم إن كنا كذلك ولا قوة إلا بالله .
فإذا نظرنا حجة المحق قويناها معه عليها ، وتركنا حجة أهل العلل وطلب المعايب ، فإن الذنوب كلها لها توبة إلا قاتل نبيّ أو من قتله نبيّ ، وما دون ذلك ففيه توبة . ومن كان إنما يريد بإخوانه العلة فإن الله لا يرضى بالاعتلال . فانظروا رحمنا الله وإياكم لأنفسكم نظر من يعلم أن الكتاب أخذ عليه ميثاق العباد أن يصدقوا بعدل كتابهم ، ولا يقولوا على الله إلا الحق ، فإن الله سائلكم عن ما حملكم من ميثاق الكتاب . فإن أخذتموه بقوة وتفكرتم في الذي كتبنا به إليكم وجدتموه كالذي وصفناه من دين ربّنا . وقد أبلغنا في النصيحة إليكم وأوعزنا في القول إليكم ، وما توفيقنا وإياكم إلا بالله ، هو حسبنا ومولانا ونعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله على محمد خاتم النبيّين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين . والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أقوى معين وأهدى دليل . نسأل الله التوفيق .

(تمت السيرة)


(5)
سيرة منير بن النير الريامي الجعلاني(1)
إلى الإمام غسان بن عبدالله (2) رحمهما الله .

بسم الله الرحمن الرحيم

سلام عليك . أما بعد فإني أحمد إليك الله وأوصيك ونفسي بتقوى الله الذي خلق فبرأك في خلقك ، ورزقك فلم يرزقك معه رازق ، وأنعم عليك نعما ظاهرة وباطنة في خصال شتى يعجز عنها الإحصاء ، ويضعف عنها الشكر إلا ما وفق الله من الخير وحمل عليه من مكروه الطاعة ، وذلك بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . وأن نسأل الله الذي له مقاليد السموات والأرض أن يفتح لنا ولك من رحمته ومفاتيح فضله ، وما يبلغنا وإياك لكرامة الآخرة ويعصمنا وإياك به مما نحاذر من فتن الدنيا وشرور أهلها فإنما نحن به وله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منير بن النير الريامي الجعلاني : هو من العلماء الخمسة الذين حملوا العلم عن الإمام الربيع بن حبيب من البصرة إلى عمان ، وكان لهم الفضل في ازدهار الحياة العلمية في عمان في فجر الإسلام .
(2) الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي من الفجح - ولى الإمامة بعد وفاة الإمام الوارث بن كعب رحمه الله في جمادى الأولى سنة 192 هـ ، وظل إماماً حتى توفي في ذي القعدة سنة 207 هـ فكانت إمامته خمس عشرة سنة وسبعة أشهر ويقول السالمي : ( وكانت تلك الأيام صدر الدولة وقوتها وجمة العلماء ) وكان مقام الإمام غسان في نزوى في بيت الإمامة في العقر ، وفي زمانه

سميت نزوى " بيضة الإسلام " وكانت قبل ذلك تسمى " تخت ملك العرب " . ( أنظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 91 - 95 ) .


أما بعد ، أحسن الله إليك في الأمور كلها وبارك لنا ولك في عواقبها ، فإنه ولي ذلك ومولاه والقادر أن يهب لنا ولك ما نسأله ، ويبلغنا وإياك من رحمته ما لم نبلغه بهمتنا ولم نمض فيه مسألتنا .
فإني كتبت إليك وأنا ومَن قِبلي من إخوانك وأهل رعيتك من أهل خاصتك على ما تحب ، والله المحمود حبب إلينا سلامتك وصلاحك ورشدك ورضيك وما زاد الله لك من مزيد رحمته عزيز علينا عنتك وفسادك ، حراص في الأمور كلها على ما يسرك من موافقة الحق ولا قوة إلا بالله .
أتاني كتابك تحثني على الإقبال إليك في الأمر الذي عرفت قبل اليوم رغبتي فيه وحرصي عليه للذي أرجو فيه من القوة للدين وأهله ، والبركة والعذر مع الله والمسلمين ، من دنا منهم أو قصى ، والمناصحة لله والحجة على من شك وارتاب أو عرض إلى شيء من الباطل ، مع إظهار السنّة وإطفاء البدعة ، ونشر المعروف ونسب الدين الذي أنزل الله به الكتاب وأرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومضى عليه أئمة المسلمين وقاداتهم وخوارجهم (1) وما أثروا بأعقابهم من الحسن الجميل الذي زينهم الله به في الدنيا وأوجب لهم به عليه الكرامة في الآخرة ، وذلك

الذي طلبوا . لم يخرج من خـرج منهـم لأعراض الدنـيـا وباطـلها ، ولا رضوا لأنفسهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ في السطور القادمة شرح صاحب السيرة لمعنى اسم الخوارج ووصفهم ونهج حياتهم .

بالوهن في الدين والتقصير عما سمى أسلافهم من المبالغة في دين الله مناصحة لله وغيرة للدين إذ ترك الدين وسنّة الدين وشرعة الدين . واختلفت الأهواء وتفرقت بالناس السبل فألقى الله البصر في صدورهم ، فأبصروا من الحق ما جهل الناس ، وعرفوا منه ما أنكر الناس ، وحافظوا منه على ما ضيع الناس ولزموا ما ترك الناس ، لا يخافون في الله لومة لائم ، ولا يخشون الدوائر ولا ينظرون في عواقب أمور الدنيا . فسار من سار منهم في (دار العلانية) بسيرة معروفة موصوفة منسوبة غير مخزية لهم ولا فاضحة لهم ، ولا متعقب عليهم ما لا يوافق الحق ولا يواطئ رضوان الله ، حتى مضوا على الصدق والوفاء وما بدلوا تبديلا . لم يزدادوا في أيام الحياة إلا زهدا بالدنيا ورغبة في الآخرة ، قد تركوا الدنيا وراء ظهورهم وجعلوا الآخرة بين أعينهم للذي يرجون من موعود الله الذي لا خلف له قوله : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْــزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَـا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1) .
فشمر القوم لا يألون تنافساً وسباقاً إليه مع الذي وفوا الله من البيعة التي اشترى عليهم {أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة : الآيتان 120-121 .
(2) سورة التوبة : آية 111 .


ثم وصف الخصال التي جرت عليها البيعة فيما بينه وبينهم وثبتت بها لهم عليه الجنة فقال ، ( التائبون ) من كل ذنب وخطيئة وعيب وريبة وعمى وشبهة وشك وفتنة وباطل ضلال ، ( العابدون ) المخلصون لله العبادة لا يريدون بها غير الله ولا يريدون بها إلا ما عنده ، (السائحون) في الصيام والخيرات ، ( الراكعون ) مع أهل الركوع بتمام ما فرض الله مع الركوع على المصلين الصلاة ، ( الساجدون ) الحامدون ، ( الآمـرون بالمـعروف والناهون عن الـمنكـر ) ، {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْـمُؤْمِنِينَ} (1) .
وسار " أهل التقية " منهم في دار التقية سيرة بيّنة معروفة غير ملبس عليهم فيها ، ولا شُكّاك ولا مرتابين ، يعرفون بسيماهم وورعهم وتحريهم وفضلهم الذي فضلهم الله به في الناس ، وبما خصهم به دون الناس من معرفة الحق وصدق الإخاء والوفاء بما كتب الله عليهم واصلون لمن وصل الله بحقه ، كلمتهم واحدة بالحجج الواضحة على من خالف الحق ولزم الباطل . هم والناس {خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا

قُطِّعَـتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَـارٍ يُصَـبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِـهِمُ الْحَمِيمُ * يُصـْهَرُ بِهِ مَــا فِي بُطُونِهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نلاحظ هنا أن كاتب هذه السيرة أتى بالآية القرآنية من سورة التوبة : آية 112 ، مفصلة بالشرح . قال الله تعالى {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .


وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (1) .
فمنهم المشرك بالله الكافر الخارج بشركه ، ومنهم الحاكم بغير ما أنزل الله ، ومنهم المُعين عليه ، ومنهم الشاك فيه المرتاب المتحير ، ومنهم المبتدع المشرع في الدين ما لم يأذن به الله ، الخارج من الإيمان ببدعته الداخل بها في الكفر ، ومنهم ذو الطمع البائع خلافه بالثمن القليل ، ومنهم الجبار الظالم المتعدي الظهير على الله باستحلال المحارم ، ومنهم ذو الشهرة الذي تنازعه نفسه إلى ما مباشرة ما يدين بتحريمه . فكل هؤلاء ما يدين بتحريمه . فكل هؤلاء يجمعهم الكفر ، وبه دخلوا النار ، وإن تفرقت بهم المنازل وتشتتت بهم الأهواء ، فهؤلاء قد عرفهم المسلمون .
وفرقة أخرى دخلوا مع المسلمين من الباب الأعظم وخرجوا من النفق الأصغر ، سماهم الله المنافقين بما استحقوا به عند المسلمين وأفضوا فيه إلى الله ، فعظمت

مئونتهم على المسلمين ، وكفى لهم بالله جازيّاً (2) بعلمه فيهم . فكل هؤلاء سقاط قد سقطوا من الإسلام ، خارجون من الإيمان ، داخلون في الكفر ، فإنا نسأل الله أن يستنقذنا وإياكم من جميع الأخلاق الموبقة لأهلها .
وذكر الخصم الذين أبصروا سبيل الحق وعرفوا به جور النـاس عنه ، وأنـكروا علــى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحج : الآيات 19 - 22 . (2) كتب في المخطوط : " حازيا " .


الناس ترك ما تركوا من طاعة الله وركوب ما ركبوا من معصية الله وتضييع ما ضيعوا من حقوق الله واشتراع ما شرعوا مما لم يأذن الله به ، فأنكروا ذلك وخصموا الناس بالحجج الواضحة والحق المبين ، فأفلجهم الله على خصمهم في الدنيا والآخرة ، وذلك قوله : {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} (1) . فلا يهديهم له في الدنيا ولا في الآخرة ويفعل الله ما يشاء . فبالذي أبصروا من الحق واستقاموا عليه من أمر الله من بعد البصيرة والمعرفة والتمسك بجملة الطاعة والانتهاء عن جملة المعصية ثبت لهم الإيمان ودخلوا به الجنة . فعليك بتقوى الله واتباع طاعته التي وصف بها أولياءه . فإنا وإياك قادمون على الله ومسئولون عن العمل والعمر والنعم والتقدمة ، فأعدّ واستعدّ للقاء الله ، ثم انظر فيما

مضى عليه أئمة المسلمين وقادتهم فإن يكن الذي مضوا عليه هو الحق فتركه ضلال ، وقال الله : {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (2) .
فقد بلغك إن كان بلغك الذي مضى عليه المسلمون قبلنا وقبلك ، عمار بن ياسر ، ومن أخذ أخذه من أصحاب صفين ، وأصحاب النهر ، وأصحاب حروراء ، وأصحاب النخيلة ، وقريب والزحاف ، وأبو بلال ، وعبدالله بن يحيى ، والجلندى بن مسعود ، وأصحاب الخطـم ، فـإن كـانـوا خرجـوا من بيوتهم عن إخراج أو ضيم في دنياهم ، أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة إبراهيم : آية 27 .
(2) سورة يونس : آية 32 .


غضب لعشائرهم ، أو طمع لعرض الدنيا ، أو حمية أو عصبية ، أو على عمى أو ضلال من سيرتهم ، أو إرادة الملك ، فقد خالفوا الحق . فعند من نرجو الحق بعدهم؟! وإن كانوا خرجوا جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته لا يريدون شيئاً من أعراض الدنيا ولا يخافون في الله لومة لائم ، ولا يخشون الدوائر ولا يهتمون للعواقب ، ولا ينزلون الناس عندهم لشرف ولا قوة ولا أرحام ولا قرى ولا فقه ولا قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا منهم إلا بحيث أنزلوا أنفسهم من طاعة الله ومعصيته حتى

مضوا لسبيلهم رحمهم الله وغفر لنا ولهم على الصدق والوفاء ، قلنا ولكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً .
فقد بلغني أن عمار بن ياسر رحمه الله كان يقول لعليّ بن أبي طالب : ويلك يا عليّ ، الحق بالله قبل أن يحكم الحكمين ، وذلك أنه كان يتخوف عليه الركون إلى الدنيا ، وليس بين قوم وبين الهلاك إذا أمكن لهم دينهم واستخلفوا في الأرض وأهلك عنهم عدوهم إلا أن يركنوا إلى الدنيا بما يكون فيه وهن الدين وضعف عن الحق .
وقد بلغنا عن عبدالله بن يحيى الراسبي رحمه الله أنه قال لما حكم الحكمان في دين الله قال : لا حكم إلا لله ولو حكم الحاكمون بغير ما أنزل الله والله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين . وبها كانت لهم الحجة على من حكم في دين الله بغير ما أنزل . فأوضح الله عذرهم وأفلج حجتهم وأعلى كلمتهم وجعلها كلمة باقية في أعقابهم موروثة عنهم يتبع فيها من أبصر الحق سبيلهم .
وبلغنا عن المرداس بن أدية رحمه الله ، أنه لما أراد الخروج كان ينتخب أعلام المسلمين وثقاتهم يشترط عليهم لله وللدين ولأهل الدين على الخروج في سبيل الله : ( إنك تخرج جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته لا نريد شيئاً من أعراض الدنيا ولا لك في الدنيا حاجة ولا لك إليها رجعة ، أنت الزاهد في الدنيا المبغض لها الراغب في الآخرة الجاهد في طلبها الخارج إلى القتل لا غيره ، فاعلم أنك مقتول وأنك لا رجعة

لك في الدنيا وأنك ماض أمامك لا شيء إلا الحق حتى تلقى الله ، فإن كنت على هذه الحال فارجع إلى ما وراءك فاقض من الدنيا حاجتك ولبانتك (1) ، واقض دينك ، واستر نفسك وجد (2) في أمرك بالفراغ ، وودع أهلك وأعلمهم أنه لا رجعة لك إليهم ، فإذا فرغت بايعتك ) (3) .
فما سمعنا بقوم قلوا في كثرة الناس ، أوفَى بيعةً ولا أمضى مقدماً ، ولا أظهر ديناً ولا أوضح عذراً ، ولا أفشى عدلاً ولا أكرم صبراً منهم حتى مضوا لسبيلهم رحمهم الله وغفر لنا ولهم وجزاهم عن الإسلام وأهله خيراً .
وقد بلغنا عن أبي يحيى رحمه الله ، والمختار بن عوف ، وبلج بن عقبة ، وأصحابهم من مكارم الأخلاق ما ليس لأحد من أهل الباطل عليهـم فيـه مـتعلـق إلا من ظـلم نفـسه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اللبانة : الحاجة .
(2) كتب في المخطوط : ( وحد ) .
(3) تأمل عظمة هذه البيعة في سبيل الله وكيف كان الجهاد خالصاً في سبيل الله .


وترك الحق ودخل في الباطل ، فقد وضح عذرهم واستبان سبيلهم لمن وطئ عنهم العدل الذي أثروا بأعقابهم ، وما انتشر في البلاد من الفضل الفاخر في سيرتهم وخطبهم ، وما نشروا من المعروف حتى مضوا لسبيلهم ، فغفر الله لنا ولهم .

وعن الجلندى بن مسعود ومن معه من بوارع كل قوم وما عرفوا به من المعروف والعدل والإحسان والصدق والصبر والاقتصاد والبصيرة والمعرفة والورع والتزاهد والتحرج والعبادة والسمت (1) بالحسن الجميل . لم يأخذوا الصدقة بغير حقها ولم يضيعوها في غير موضعها ، ولم يستحلوها من الناس على غير الإثخان في الأرض والحماية والكفاية والمجاحشة (2) عن حريم المسلمين ، ولا على غير ذيادة (3) عن حمى الله ، بل أخذوها بحقها بعد إحكام الأمور التي تعنيهم في دين الله وأهل الرعية ثم وضعوها في مواضعها وقسموها على أهلها بحكم القرآن فريضة من الله والله عليم حكيم .
ثم بلغنا عنهم والذي استقام عليه رأيهم أن يرفضوا بصدقة البحر إلا ما طاب بأنفس الناس أن يفعلوه لهم لما يتخوفون من الدخل عليهم في سبيل الله إذ لم يحموه ، ولا يولون أمرهم ولا يبعثون في حوائجهم ولا يستعملون على صدقاتهم وأهل رعيتهم ولا يستقضون على أهل ولايتهم ، إلا أهل الثقة وأهل العلم والفهم والورع والتحرج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سمت يسمت : هيأ لهم وجه الكلام والرأي .
(2) جاحش عن نفسه وعن غيره : دافع . (3) ذيادة : مدافعة .


المعروفون بالفضل ، الموصوفون الخير من أهل البيوتات من قومهم ، غير سقاط ولا أدعياء ولا متهمين ولا مقترفين . منهم موسى بن أبي جابر ، والحسن بن عقبة ،

والوليد بن خالد ، وموسى بن سعيد ، وجعفر بن بشير ، ومعين بن عمر ، ولوط بن سام ، وحميم بن المغيرة ، والهماس بن مغلس ، والنير بن عبدالملك ، وعبدالله بن أُبيّ ، وعمارة بن همام ، ومحمد بن عبدالله بن سوم ، وعمر بن يحيى ، وحميد بن عبدالله ، ويحيى بن يزيد ، وعمر بن عبدالله ، وضرباؤهم من الناس (1) ، لا يتعلق عليهم بالسيئات ، ولا يلجأ إليهم القبيح ، ولا يتهمون في دينهم ، مرضيون في إخوانهم ، متبع رأيهم ، معروف مضلهم معروفون به . قد احتمت آراؤهم (2) في قوة الحق وأحكام أمور الدين على ما تبيّن من الشراة إلى ثلاثمائة إلى أربعمائة قائد من أهل الفضل والرحى (3) والبصيرة والثقة والمعرفة والعلم والفقه والحزم والقوة ، له على كل عشرة من أصحابه مؤدب من أهل الفقه يعلمهم الدين ويؤدبهم على المعروف ويسددهم عن الزيغ ويقيمهم على الطريقة ويهديهم سبيل الرشاد . ليس الدنيا من ذكرهم ، ولا جمع المال من شأنهم ، ولا الشهوات من حاجاتهم .
وكيف لا يكون ذلك كذلك من باع اللهَ نفسه ليجود بها على ترك الدنيا ويزهد بما فيها !! غير أن رجالا منهم ، فيما بلغنا ، تاقت أنـفـسـهـم إلـى الـنـساء ، فلـما ذكـروا ذلـك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ هنا أن كاتب هذه السيرة ذكر طرفاً من أسماء أهل العلم والفضل الذين امتلأت بهم عمان منذ فجر الإسلام فيها .
(2) كتب في المخطوطة : آراءهم . (3) الرحى : سيد القوم .


استوحش منهم أئمتهم وقادتهم ، فلم يكن من القوم إذ ذكروا النكاح نظر إليه دون أن يعرضوا أمرهم على أهل الفضل من أهل العراق (1) . فلما وصل ذلك إليهم فزعوا

منه وساءهم ذكر الشراة الذين باعوا اللهَ أنفسهم للنساء وطلب الشهوات ، فكتبوا إليهم : ( إنكم كتبتم إلينا تخبروننا عن الشراة أن أنفسهم تنازعهم إلى النساء ، وهذا أمر عظيم ، غير أنهم إن لم يقدروا على الصبر فليعرض الفقير منهم نفسه على النساء المسلمات الصالحات ، فإن قبلته المسلمة بعشرة دراهم (2) ينجزها إياها ولا يبقى لها عليه ديْن بعد العشرة فليتزوج ، وإن صبر عن النساء فهو خير له ، فإن لم يقدر على وفاء حقها فلا يحمل على نفسه لامرأة ولا لأحد من الناس ديناً للذي طوق نفسه من البيعة وحمل على نفسه من الميثاق ) .
فلما عرض القوم أنفسهم على النساء بذلك الشرط لم يقبل منهم إلا قليل منهم ، فصبر القوم على ما لم يقووا له وقبلوا النصيحة واهتدوا بهدي أهل الفضل واتبعوا أمرهم ، ولو خالفوهم إلى ما نهوهم عنه ، وكرهوا عليهم من ذلك ما كان لهم واسعاً .
وكان المرء يرزق منهم في الشهر سبعة دراهم في غلاء من السعر ، فيصبر على القوت اليسير رغبة في الآخـرة والثواب مـن عـند الله . وقد بلغنا أنـه ربـمـا فضـل مـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ هنا الصلة العلـمية والفقهـية والأدبية بـين البـصرة وبـين عـمان فـي القـرون الأولـى للإسـلام .
(2) لعل هذا هو الحد الأدنى للمهر حينذاك .

الرجل منهم الدرهم والدرهمان فيتطوع بذلك الفضل فيرده في فيء المسلمين رحمهم الله وجزاهم خيراً مع ما أظهروا من السنّة وإدناء الجلابيب على النساء ورفع الخمر فوق الأذقان وستر النواصي وسائر الزينة إلا الوجه والبنان فما وراء ذلك فهو حرام على من أبداه من النساء أو نظر إليه من الرجال شهوة (1) . والنطاق من تحت الدرع إلا فقيرة لا تقدر على درع سابغة فلها أن تتّزر فوق درعها (2) .
ونهى النساء عن الجلوس في السكك والخروج في يوم المطر أو الريح العاصف ، ورفع ذيول الرجال وتقصير أشعارهم إذا أسبغت على العواتق .
والإنكار على أهل القِبلة أن يتشبهوا بزي أهل الذمة والإنكار على أهل الذمة أن يتشبهوا بزي أهل الإسلام ، ونهي الرجال أن يبدوا ما فوق الركب . أهل فقه وأهل علم وحلم وتودد ووقار وسكينة ولب وعقل وبرّ ومرحمة وصدق ووفاء وتخشع وعبادة وورع وتحرج وصلة ونصيحة ظاهرة مقبولة ، لا يطمعون بمطامع السوء ، ولا يتعاطون من الناس الحقوق ، ولا يدخلون في خصومات الناس ولا يجتعلون على استخراج الحقوق ، ولا يَستَرشون على طلب الحوائج التي تعنيهم من أهل الرعية ، ولا يستفضلون في الرزق على السعة ، ولا يغتاب بعضهم بعضاً ، ليس من شأنهم الغيبة ولا البغي ولا الحسد ولا التقاطع ولا التدابر ولا البغضة ولا شيء من أخلاق أهل الريبة ، يحرصون على ما رابهم في الدين ومع أهل الدين ويكرهون العيوب ، ويهجرون أخلاق الفجور والمعاصي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يشير بذلك إلى الآيات القرآنية من سورة النور (30-31) ومن سورة الأحزاب (32-35 و 59 ) .
(2) يشير بذلك إلى النساء المجاهدات في الحرب .


هم أنوار في الأرض وعوداً في الناس ، يعرفون بسيماهم (1) . وكيف لا يكون كذلك مَنْ باع الله نفسه ينتظر حتفها صباحاً ومساءً ؟!! ليس لهم في شيء من الأمور ولا لأحد من الناس دنت رحمته أو بعدت أو عظم خطره أو صغر ، أو ارتفع شأنه أو تواضع ، هو إلا ما وافق الحق مع ما لا يحصى من أخلاقهم الحسنة الجميلة التي زينهم الله بها في الدنيا ، وترك عليهم الثناء الحسن الجميلة في من خلف بأعقابهم ، حتى إذا خلفوا الدنيا وفتنتها وتركوا وراء ظهورهم ما فيها ، نزل بأقوام تسموا بعدهم بالإسلام فاعتقدوا الشرى في غير صدق أهله ، فركنوا إلى الدنيا ومال بهم الهوى إلى باطلها ، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة . قال الله : {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (2) . فباعوا الكثير الباقي بالقليل الفاني ، وصغر الدين في أعينهم وهان عليهم فأهانهم الله وأنزل بهم الخزي وألبسهم شيعاً وأذاق بعضهم بأس بعض ، فتركوا الدين ودعوة الدين وتداعوا إلى القبائل وأدخلوا قومهم في أمرهم ، ودانوا بالحمية والعصبية وعرضوا إلى أطماع الدنيا وباطلها وركنوا إلى الحياة الدنيا . فقد رأيتم كيف فعل الله بهم إذ بدلوا الدين ونكثوا البيعة ونقضوا الميثاق ، هتك الله سترهم وفضحهم وسفك دماءهم على البغي والضلال والعمى والحمية وتواكل أهـل الـرجـاء والتقـية فـي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ هنا التنظيم البديع للشراة - رجالا ونساء - في الجهاد ، وفي اتباع خلق القرآن ؛ وفي كل ما يتعلق بأمور الدين والدنيا ، وذلك في القرنين الثاني والثالث الهجري ( الثامن والتاسع الميلادي ) .
(2) سورة التوبة : آية 38 .


الدين في أمرهم ، تركت النصائح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال الله : {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} (1) .
فلما ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعث عليكم شراركم ، فقد رأيتم كيف دانوكم وكيف كانت سيرتهم فيكم وما أظهروا في الأرض من الفساد ، وتعاونهم على الإثم والعدوان ، وتطاولهم على الناس بالمعاصي ، حتى تقطعت السبل واستحلت المحارم ونكحت الفروج حراما ، وأهرقت دماء المسلمين بغير حلها ، ودخلت البيوت بغير إذن أهلها ، وأكلت أموال اليتامى ظلما ، وأموال الناس بالباطل ، وحكم على الناس بغير ما أنزل الله ، مع ما لا يحصى من جورهم وعداوتهم ولؤمهم وسوء سيرتهم . لا ينظرون لدين ولا لدنيا ، ليس معهم من الدين شيء ولا من أخلاق ذي الحفاظ ولا يغارون لعربي إن اعتدى عليه علج (2) منهم بسبيل أو حر ، ولا لعربية غلبها علج على نفسها حراماً ، حتى صار الناس لا يدرون من يثقون ، إذ صارت الأمة أميراً والعبد أميراً ، وسائر أتباعهم من أعرابي جافٍ لا يعرف لأسباب الأمور طريقاً في دين الله ولا دنيا ، ومقطع من الناس لا يعرف له أصل ، ولا من أين مدّ

إليهم بعد أن يتبع سبيلهم فهو ما من الأمر في عشائرهم وأهـل رعيتهـم بمـا لا تستـطيع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة هود : آية 116 .
(2) العلج : الرجل الضخم القوي من كفار العجم ، الجمع علوج .
حمله السموات ولا الأرض ولا الجبال ، وهم وأتباعهم وبنو عمهم أخبث من الأتباع وأسوأ سيرة وسبيلا . ثم إن الله تبارك وتعالى ابتعث أقواماً من بار وفاجر فأظهرهم عليهم فأزال بهم النعل (1) عن مملكتهم وما كانوا فيه ومكن للمسلمين دينهم الذي ارتضى لهم ، وأبدلهم من الخوف أمنا ، يبلوا بذلك أخبارهم ، ويمحص به من أراد به إرادة الخير منهم ويمحق الكافرين و {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (2) . فقد كانت في القوم سير ما نعرفها في الدين ولا نقرؤها في كتاب الله ولا نطأ عليها مأثورا من سنّة نبي الله صلى الله عليه ، ولا أثراً من التابعين بإحسان ، ولا بقول أحد من الثقة في الدين والبصيرة في الأمور والمعرفة بها ، والتحرج عن حرام الله وضع لهم تلك السير ، ولا كتبها لهم ولا دلَّهم عليها . فقد اعترضت الأمور وأخذت بغير الحق واستحلت الغنائم من أهل القبلة ، وأخذت لأقوام أيديهم ما ادعوا من الحقوق بغير حكم ، وأحرقت المنازل واشتريت المتع (3) ، واستعمل السفهاء واعتقد الشر لعرض الدنيا وباطلها في غير صدق ولا حسن سمت ،

انتهكوا فيه ما زجر عنه غيرهم من نكاح النساء بالكذب وموعود الباطل حتى استحلت فروج النساء بما يعاب على اليهود والنصارى ، فمن بعدهم من أهل الكفر والمـعاصـي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتبت الكلمة في المخطوط غير منقطة .
(2) سورة الأعراف : آية 129 .
(3) المتعة جمعها متع . والمتاع جمعه أمتعة وجمع الجمع أماتع وأماتيع . وكتبت الكلمة في المخطوطة " الأمتعات " .


وبعث في الصدقات غير أهل الثقة ، واستعمل أقوام أنفسهم بغير إذن الأئمة في طلب الدنيا والحرص على جمعها ، وأخذت الصدقات بحقها وبغير حقها ، وقسمت في غير أهلها .
وقال الله : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (1) .
غير أنه قد استقام الحديث على ترك سهم المؤلفة قلوبهم وسهم المساكين من أهل الكتاب ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم من الجزء الذي يؤخذ من أغنيائهم . واستقام قسم الصدقات على ستة أسهم (2) للفقراء سهم وسهم للعاملين عليها (3) وسهم في السبيل (4) وسهم لأبناء السبيل (5) وسهم في الرقاب (6) وسهم للغارمين (7) . فمن شهد الصدقة فيما بين الثمرتين ، من ابن سبيل أو غارم أو شارع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة : آية 60 .

(2) المؤلفة قلوبهم هم الذين كانوا يسترضون في صدر الإسلام لضعف إيمانهم ويقينهم فكان يدفع لهم من الصدقة لتألف قلوبهم ولتخليص المسلمين من شرهم . وقد انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره ، إذ حذف عمر بن الخطاب حصتهم .
أما الفقراء والمساكين فاختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين ، والفرق بينهما طفيف .
(3) العاملون عليها : هم جباة الصدقة الذين يبعثهم الإمام أو الولاة لتحصيل الزكاة .
(4) المراد بقوله تعالى ( وفي سبيل الله ) الجهاد ، أي سهم للغزاة والمجاهدين في سبيل الله .
(5) ابن السبيل : هو الذي انقطعت به الأسباب في أثناء سفره فإنه يعطى من الصدقة وإن كان غنيا في بلده .
(6) من في الرقاب : هم الرقيق أو العبيد الذين تعاقدوا مع مواليهم أو أسيادهم على تحرير رقابهم لقاء مقدار من المال ، فيدفع لهم شيء من الصدقة لمساعدتهم على التحرير .
(7) الغارمون : الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به . والمدينون بسبب المصلحة العامة .


في رقبة على قدر غرمهم وضعفهم وبعد سعيهم ، فإن فضل من هذه السهام (1) شيء إلى دراك ثمرة أخرى ، ردّ الفضل فقسم على ثلاثة أسهم ، للفقراء سهم وفي السبيل سهمان .
فترك ذلك وجمع في ثلاثة أسهم غير ما فرض الله في كتابه .

وصدقة البحر رأساً فحرمها الفقراء ، وابن السبيل ، والغارمين ، وفي الرقاب . وصدقة البحر والسواحل لا تحل على غير الحماية والكفاية والذيادة عن حمى الله .
وخمسون علجاً في مركبين قطعوا سبيل البحر فيما بين البصرة وغروب عمان (2) وجاسوا سرب أهل البر وأخرجوهم من صياصيهم ومعايشهم ومنافعهم ، والسعاة في الصدقات رصداً لهم إنما ينظرون ما صفا لهم فيأخذون منه الصدقة ويتركون ما كدر

عليهم . وسلب العدو وسبي وقتل لا يطلبهم طالب ولا يتهيأ لهم منهى ، ولا ينفق في طلبهم مال ، ولا تبذل فيه قوة ، ولا يوجف عليهم خيل ولا ركاب (4) .
ومصنعة (5) السواحل من عساكر المسلمين مرغد حماه الله أن يذاد عنه ، وإنما الجهد والعمل في طلب جمع الصدقات لتؤكل بغير حقها ، واحد يرزق ثلاثين كل شهر وآخر عشرين وآخر عشرة . والبقية كل واحد عشرة لا يزاد عليها . وذلك أن الرجل والنفـر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتبت في المخطوطة : " الشهام " .
(2) غروب عمان : حدود عمان . والغرب حيث تغرب الشمس ، وأول كل شيء وحده .
(3) الصيصة والصيصية : الحصن وكل ما امتنع به . الجمع الصياصي .
(4) أوجف الخيل : جعله يعدوا سريعا .
(5) المصنعة : والجمع مصانع : القرى والحصون والقصور .


من الشراة يبعثون إلى بلد من غروب عُمان أو شروقها فيكرّون (1) أو يزاد لهم في الرزق ، فيرون (2) تلك الزيادة الذين (3) خرجوا ، زعموا جهاداً في سبيل الله وابتغاه مرضاته !! ويطلب المرء البيعة (4) على الشراء (5) حتى يقضي دَيْنه ، فيذهب فيقضي ما كان عليه ثم يبايع على الشرى ، حتى إذا اعتقد عليه الشرى عمد إلى امرأة غنية فقبل لها بثمانين نخلة وشريها وثلاثمائة درهم أو أقل أو أكثر وبأربعة وصفا ، وليس وراء ظهره شيء فمضى لهم ذلك وتركوا عليه ، ولم ينزلوا حيث أنزلوا أنفسهم ، فما حرّم عليهم دين عشرة دراهم قبل الشرى وأحل له قيمة ثلاثة آلاف درهم أو أكثر بعد الشراء ؟!! مع أشياء لا تحصى من رغبة أنفسهم وشحها واختلافهم

فيما بينهم وتشتيت أهوائهم وقلة بصرهم وشدة عماهم ، وأخذ القربان من الناس ، الفقير منهم والغني ، من بعد أن يفرض عليهم دراهم ثم يؤاخذوا بها جبراً ، وأخذ أقواهم الحقوق لأنفسهم بلا وزن يعرف ولا عدد يحصى ولا كيال ولا قيمة ولا بصيرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كرّ كرورا : رجع . ذهب ثم عاد . ونلاحظ أن كلمة " فيكرون " منساقة مع النص ، إذ أن ناسخ المخطوطة كتب بجانبها " لعله أراد فيكرهون " وهو ما لا يتمشى مع سياق النص .
(2) كتب في المخطوطة " فيرشون " وإلى جانبها " لعله يرون " .
(3) كتب في المخطوطة : " الذي " .
(4) كتبت البيعة في المخطوطة بدون تنقيط .
(5) البيعة على الشراء : أي يبايع الإمام على أن يشري نفسه لدين الله ، من الآية القرآنية الكريمة في سورة التوبة : آية 111 ، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} .

إلا الحراف (1) على الظن والهوى !! فهل لهذا مدة أو انصرام ؟! أو يعرف ميقات هذا وغايته ؟! فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك به ، فإن يكون الذي عبت من هذا ونقمت عيباً أو نقماً تبصر وجهه فاتق الله وردّ الأمور عن الجور والعدوان إلى قصد السبيل ، فإنه خير لك في المعاد وأوضح لعذرك وأوفق للحق معك . واعلم أن الوهن والتقصير وتألف الناس على ما لا يوافق الحق لا يزيد في الرزق ولا يمد في العمر ولا يزيد لأهله إلا مقتاً ووهناً وخساراً . وإني لخائف إن لم تقبلوا الذي ساق الله إليكم بشكر وتأخذوه بقوة وتمضوا فيه لأمر الله وتعملوا فيه بفرائض الله ، أن تكون عاقبة

ترك ما تركتم وتضييع ما ضيعتم منه ووهن وهنتم منه ، ذلا وصغاراً ، وأن يكون الذي نقمت وعبت ليس بعيب وهو لكم واسع في الدين ، فاكتبوا إلينا ببيان توسيعه في كتاب الله وسنّة نبيّه وسنن المسلمين قبلنا ، فإنه يوطأ ما أثرنا بأعقابنا كما وطئنا عن القوم الذين خلوا قبلنا ما أثروا لنا بأعقابهم .
واعلم أن الذي كان مما كتبت إليك به ونقمت وعبت ردّ عنا هداة المسلمين من اليمن وخراسان وغيرهم وحولهم ان أنكروا ما لا يعرفون ، والذي أنكروا إن شاء الله منكر فإن عرفت صوابه ووثقت من نفسك ومن أتباعك ووزرائك بالاستقامة عليه ، فالتوبة خير لنا ولكم من الإصرار على الذنوب والمضي على القبيح ، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحراف : المعاملة .

وإن استقام على المسير معك في الأرض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فابدءوا بمن معكم ممن تعرفون خطأه وسوء سيرته من سائر وقاعد (1) ، فاعملوا فيه بالصلاح ومراجعة الحق وترك الباطل . وإياك أن تكثر بمن يشين ولا يزين ، ويفسد ولا يصلح فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين .

نسأل الله أن يتولانا وإياك بما تولى به المتقين ، وأن يردنا وإياكم إلى الحق وأهل الحق ، ويجمعنا وإياك عليه ويهدينا وإياك لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، إن الله رءوف رحيم .
فإذا استعنتم أنفسكم ومن معكم واستقامت أموركم على ما مضى عليه من كان قبلكم من أسلافكم ، واستقام على المسير مبارك بن جعفر ، وسليمان بن عثمان ، والحكم بن بشير ، ومسعدة بن تميم ، والأزهر بن علي ، وعلي بن عزرة ، وجعفر بن زياد ، وعبدالله بن أبي قيس ، وعبدالله بن نافع ، ورايس بن يزيد ، وأبو مالك بن هزبر ، والأشعث بن محمد ، والأزهر بن عبدالملك ، وعبدالعزيز بن عبدالرحمن ، وضرباؤهم من المسلمين فاكتب إلينا فيأتيك مَنْ أحببت منا وكـرامة لـك ونـعـم عـيـن ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السائر والقاعد : السائر الذي يلجأ إلى السيف للجهاد ، والقاعد الذي لا يلجأ إلى السيف .

فإن عرفتم حقه ورفضتم به ، فكيف تدعون الناس إلى الحق وأنتم تاركون !! وإن كره النفر الذين سميت لك في الكتاب السير فنحن أضعف عنه وأبعد داراً وأكثر دينا ، وأشد حاجةً إلى المقام في صنعتنا ومعايشنا ، ولو خلونا ما سرنا إلا معهم وإن عرفنا

فضله ، لأنا نرهب تغيّر الناس وشرورهم فذلك الذي يردعنا عن المسير وإن كنا عنه ضعفاء ، عافانا الله وإياك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .





(6)
سيرة من أبي المؤثر الصلت بن خميس (1)
إلى
أبي جابر محمد بن جعفر (2)


بسم الله الرحمن الرحيم

سلام عليك ، أما بعد فإنا نحمد إليك الله الذي لم يزل فضله علينا عظيما ، وإنعامه علينا قديماً . يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ، الرحيم الغفور ، يقضي بالحق ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
فنحن بحمد الله على النعم السابغة ، والحجة البالغة ، والبلاء المحمود عند الخاص والعام . من نعمه العظام ، وآلائه الجسام التي منّ بها على عباده في تقرير قلوبهم بربوبيته ، وأخذ ميثاقهم بمعرفته ، وإنزاله عليهم كتاباً فيه الشفاء لما في الصدور لما يمرضها من مشبهات الأمور ، فلم يدع لهم ولا لشيء من خلقه حاجة إلى ما سواه ، واستغنى وكان الله غنيَّاً حميدا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي : من علماء وفقهاء عمان البارزين في القرن الثالث الهجري . وكان من أجل فقهاء عمان وينتسب إلى بهلاء في عمان . وقد أدرك إمامة المهنا بن جيفر ، والصلت بن مالك وعاصر راشدا وموسى . وقد اشتهر أيضا في العلم والفقه من ولده الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر الذي قتل في وقعة الغشب .
(2) أبو جابر محمد بن جعفر : هو العلامة الفقيه أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي صاحب الجامع الشهير في عمان بجامع ابن جعفر . ( انظر : السيابي السمائلي : أصدق المناهج في تمييز الأباضية عن الخوارج . ص 51 ) .


ولعمري إنهم ليرون الدلالات والعلامات الظاهران في خلقهم وما يعاينون من ملكوت السماوات والأرض والصنع العجيب المتقن الدال على صانع له . ولكنهم فتحوا على

أنفسهم أبواب المعاصي وسهلوا لها سبيل الشهوات وغلبة الهوى على قلوبهم ، واستحوذ عليهم الشيطان ، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين .
فالعجب لمخلوق يزعم أن الله سبحانه يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه ، وتركيباً بتمييزه وعقله ، وتأليفاً ببطل حجته . ولعمري لو تذكروا في هذه الأمور الصغار لعاينوا من أثر التركيب والتدبير الظاهر ووجود الأشياء مخلوقة قبل أن تكون وتحويلها من صنعة إلى صنعة ، وصنعة إلى صنعة فدلهم ذلك على الصانع لها وأنه لا يخلو شيء منها من أن يكون فيه أثر تدبير يشهد على أن له خالقاً مدبّراً ، وتأليف وتقدير هذا إلى واحد حكيم .
أما بعد فإني سأذكر لك أمراً فلا يكن في صدرك حرج منه ولا تتعد به عن القصد ولا يستخفنك الذين لا يوقنون . قال الله : {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (1) . وقــال : {يَـا أَيُّهَا الَّذِيــنَ آمَنُــوا اتَّقُـوا اللَّهَ حَـقَّ تُقَاتِـهِ وَلَا تَمُــوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُــونَ *
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشورى : آية 13 .

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (1) .
وقال : {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} (2) . وقد دعا ربنا فأسمع وأنذر ، فأفزع وبشر ، فأطمع ووعظ ، فأبلغ وأنعم ، فأوسع وشرع ، فبصَّر وبيَّن فيسَّر ، فلم يكن للعاصي على الله حجة ، ولم تكن لمطيع على الله منة ، بل لله الحجة على من عصى والمنة على من أطاعه والله عليم بالمتقين .
وإنكم قد تفرقتم بعد الألفة وأنكرتم من بعد المعرفة ، وأغفلتم كتاب الله ونبذتموه على أهوائكم فأنتم في ذلك تترددون وفي غمرة ساهون ، ونسيتم حظَّاً مما ذكرتم به واقتصرتم عما أمرتم به . وقد عهد الله إلى المؤمنين فأخذ منهم ميثاقاً غليظاً على حق تقاته والألفة على طاعته والقيام بحقه والاعتصام بحبله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأداء الأمانة إلـى أهـلـهـا ، والحــكم بــين النـاس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : الآيات 102 - 105 . (2) سورة النساء : آية 131 .
بالعدل ، فبذلك كانوا أولياءه ودخلوا في محبته لما أقاموا حقوق الله وحفظوا حدوده ، لا بحسب ولا بنسب ولا برجال ولا بمال . وقد قال الله ردَّاً على من ادعى القربة للنجاة من عذابه بكثرة الأموال والأولاد فقال : {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} (1) . فقد تركتكم ما أمركم الله به ، وركبتم ما نهى الله عنه ، ونكثتم عن الحق وأعرضتم عن سبيل الله ، وغفلتم الآخرة ، وركنتم إلى الدنيا ، وشاركتم في طلبها ، تتبعون أهواءكم وتزينون آراءكم ، نبذتم كتاب الله وراء ظهوركم واشتريتم بعهد الله ثمناً قليلاً فبئس ما تشترون ، وعمدتم إلى آثار المسلمين فطمستموها وإلى الأمور فألبستموها ، وفرحتم بما أوتيتم فلججتم في طغيانكم تعمهون . تمنون على الله بإسلامكم وتمنون على المسلمين بأحكامكم ، عمدتم إلى صدقات الفقراء فاستأثرتم بها دونهم ، وقال الله : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (2) . ففرضها الله لثمانية أسهم فرددتموها إلى سهم واحد . وعمدتم إلى فلج (3) من مال الله فاقتطعتموه لأنفسكم وغلبتم عليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة سبأ : آية 37 .

(2) سورة التوبة : آية 60 .
(3) الفلج : معناه الأرض الزراعية أو الأرض التي يوجد بها الفلج ، أو الأفلاج وهي القنوات المائية التي تروي الأرض .


وقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن ثلاثة : ( الزايد في كتاب الله ومانع المسلمين حقوقهم والمستأثر بالفيء ) .
وبلغنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله ، أنه بعث عمار بن ياسر رحمه الله ، عاملا على الكوفة وبعث معه عبدالله بن مسعود يعلم الناس أمر دينهم ، وبعث عثمان بن حنيف على مساحة الأرض ، ففرض لهم فريضة قاسطة وقال : إني أنزلكم ونفسي من مال الله كوكيل اليتيم . قال الله : {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} (1) .
فلا بكتاب الله حكمتم ولا بسنّة نبيّه وآثار أئمة المسلمين فقد سفه نفسه وقد حكم بغير ما أنزل الله ، وقال الله : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (2) و {الظَّالِمُونَ} (3) و{الْفَاسِقُونَ} (4) . وقد قال الله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (5) . وهم الأئمة والفقهاء في الدين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون . فمن طاعة الله الإيمان به والحكم بكتابه ، ومن طاعة رسوله التسليم لأمره والعمل بسنّته ، وقد قال الله : {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (6) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 6 . (2) سورة المائدة : آية 44 .
(3) سورة المائدة : آية 45 . (4) سورة المائدة : آية 47 .
(5) سورة النساء : آية 59 . (6) سورة النساء : آية 14 .


ومن طاعة المؤمنين أن يجابوا إلى ما دعوا إلى الحق ويجامعوا عليه ويتبع سبيلهم . وقال الله : {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (1) . وقد وصف الله المؤمنين بأعمال لا نراكم عليها ولا بها ، فقال الله : {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (2) .
وقال : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (3) .
فهذا وصف الله المؤمنين به وما به أمرهم ، وإليه دعاهم ، وفيه رغبهم وعليه حضهم ، ليدخلهم في رحمة منه وَفضل ويَهديهم إليه صراطاً مستقيما . ثم بيّن ثوابهم وَما أعدّ لهم على ذلك فقال : {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (4) .

ثم أنتم هؤلاء تسمون بهم ولا تتبعون سبيلهم ولا تسلكون منهاجهم ولا تعملون بأعمالهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 115 . (2) سورة الحج : آية 41 .
(3) سورة التوبة : آية 71 . وقد قمنا بكتابة ما سقط من الآية في المخطوطة . (4) سورة التوبة : آية 72 .


، ورضيتم بالحياة الدنيا ، ودعيتم فيها باتفاق على ذمها ويقين منـكم على تصرمها (1) وأنتم تمدون إليها بأبصاركم فتحترشونها (2) بأظفاركم ، تسارعون فيها إلى الحظوظ الوافرة وتأتونها من باب الآخرة ، تتعلمون لغير العمل ، وتتخشعون لغير العبادة ، وتستغشون بالثياب على قلوب الذئاب ، تتصنعون بالعلم لتباهوا به العلماء وتؤاكلوا به الأغنياء ، وتستخدمون به الفقراء ، وقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من تعلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء وليصرف وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار ) .
تميلون مع من مالت الدنيا معه فتزكون أمره وترفعون ذكره وتصوبون خطأه وتحملون عطاءه ، وقد كان بالأمس خليعاً تبرءون منه وتحلون دمه وتَظهرون شتمه ، ثم عاد لكم إماماً وعاد ما كنتم تستحلون منه حراماً ، وَعاد لكم إماماً مطاعاً وَعدتم له أتباعاً لما نلتم من الدنيا سبباً وأقامكم على الناس خطباً ، بلا توبة منه من الذنب الذي فارقتموه ، ولا رجعة منه إلى الحق الذي دعوتموه إليه ، فاتخذتم جنة لدنياكم تبتغون

به المأكل والمراتب والرياسات في الأمر والنهي ، ولبستم الحق بالباطل وكتمتم الحق وأنتم تعلمون . وليّكم من كانت الدنيا عنده ، وعدوكم من كانت عليه لا غير ذلك ، زهاد بالخدع نساك للطمع ، وبرأ الله المؤمنين من ذلك ووصف المنافقين فقال : {وَمِنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التصرم : التقطع .
(2) احترش الشيء : جمعه . اكتسبه . كتبت في المخطوطة " فتحرشونها " .
النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } (1) .
وقال : {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (2) .
ثم قال : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} (3) .

وقال : {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (4) .
فمن أمر بترك المعروف فقد أمر بالمنكر ومن أمر بالمنكر فقد عمل به ومن عمل به فقد كفر . ثم بين ثوابهم وما أعدّ لهم فقال : {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة : الآيتان 8-9 ، وقد صوبنا بعض الأخطاء القرآنية التي وردت في المخطوطة .
(2) سورة النساء : الآيتان 140 - 143 .
(3) سورة النساء : الآيتان 142 - 143 .
(4) سورة التوبة : آية 67 .
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} (1) .
فهذه صفة المنافقين ، لا نراكم خارجين منها ولا تاركين لها ولا مبعدين من كان عليها ، فالله يقضي بالحق بيننا وبينكم يوم القيامة وهو خير الفاصلين .
أما بعد فإن الأخبار فيك تطول ، والأحاديث فيك تعول ، والقول فيك يتسع ، والأمر فيك يرتفع إلا أنا نضرب على الأكثر ونكتفي بالأيسر ، لعلنا نرى منك توبة وإنـابة أو رجعة إلى الحق واعلم بأن الله سائل عما أنت قائله وموقفك عما أنت فاعله ، وقد قال قولا غير غائب وأقسم قسما غير حانث . قال :{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا

يَعْمَلُونَ}(2) و {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (3) .
فأما ما قدموا من عمل وأما آثارهم فهو ما أثروا من سنّة يقتدى بها من بعدهم ، فمن أثر خيراً فله أجر ذلك وأجر من عمل به ، ومن أثر شراً فعليه وزر ذلك ووزر من عمل به ، وهو قوله : {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} (4) . فهو ما قدّم من عمل وأخرّ من سنّة يقتدي بها من بعد ، فقد شرعت من الدين مـا لـم يـأذن بـه الله وينزل بـه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة : آية 68 .
(2) سورة الحجر : الآيتان 92 - 93 .
(3) سورة بس : آية 12 .
(4) سورة القيامة : آية 13


سلطاناً ، ومن ذلك أن عزّان بن الهزبر (1) لما جمع الناس ليشتري (1) عليهم في محاربة الأجناد لما ساروا ، كنتَ أنت المجيب له فقلتَ له في المأثور عن العلماء أن الحرب إذا لم يرج نفعها تركت لئلا يغري بالأرامل والضعاف ، وأن هؤلاء القوم لا يطلبون ثأراً ولا دماً ويطلبون المال ، فيلي ذلك غيرك ولا تدخل أنت فيه واعتزل عنهم فإذا انصرفوا ، فارجع إلى مكانك .

فهذا هو الإفك المبين والبهتان العظيم ، فأي المسلمين أثر الذي رويته !! وأي المسلمين أشار بالرأي الذي رأيته !! كبر مقتاً عند الله أن يشار على إمام قد قطع الشرا في سبيل الله وباع لله نفسه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيشار عليه بترك حقوق الله ويتولى عن حرب عدوه ويضيع إمامته ويدع رعيته التي قد لزمته ذمتهم ووجبت عليه حمايتهم !!! .
وقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أراد الخروج إلى بد الصغرى ، اشتد ذلك على أصحابه ، وكرهوا الخروج معه وطلبوا إليه أن يكف عن الخروج في عامه ذلك لما خافوا من كثرة الناس وشدة البأس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأخرجن إليهم ولو بنفسي وحدي ، وما قال ذلك إلا أنه يفعل . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عزان بن الهزبر : من علماء عمان في القرن الثالث الهجري ، كان معاصراً لأبي المؤثر صاحب هذه السيرة ، وشارك في بيعة الإمام عزان بن تميم الخروصي في سنة 277 هـ
(2) من الشراء في سبيل الله أو الجهاد في سبيل الله .


ومعه ناس قليل ، فأثنى الله عليهم ثناءً حسنا ، وقال : {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } (1) . وسمى الله الذين خذلوهم شيطانا ، فقال : {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (2) .

وأنت تأمر بالخذلان وترك الجهاد في سبيل الله وتخذل المسلمين عن حرب عدوهم!! فنعوذ بالله أن نكون من شيعة الشيطان وحزبه .
وبلغنا عن أبي بكر رحمة الله عليه لما بعث بجيش أسامة بن زيد ، قال له المسلمون : لو حبست أسامة بن زيد تقوى به فيما قِبلك فإن المسلمين اليوم قليل والإسلام ضعيف !! فقال أبو بكر رحمة الله عليه : ( إن جيشاً أمر النبي بإنفاذه لأنفذنه ولو أكلتني السباع بالمدينة ) . فبعث أبو بكر رحمة الله عليه الجيش إلى الشام ولم ينظر في قولهم ، وقد علمنا أن السباع لا تصل إلى أبي بكر حتى لا يبقى في المدينة أرملة ولا ضعيف .
وقد وصف الله المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله وأخبر عنهم أنهم يَقتلون ويُقتلون ، فقال : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : الآيتان 173 - 174 .
(2) سورة آل عمران : آية 175 .
(3) سورة التوبة : آية 111 .

فإن كان لا يقاتل أحد حتى يعلم أنه غالب وأن الأمر له لم يقاتل أحد أبدا . وقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سار إلى حُنين في اثني عشر ألفا فأعجبتهم كثرتهم ، فظنوا أن الأمر لهم ، وكان عدوّهم على الثلث منهم ، فما نفعتهم كثرتهم ولا قدروا منعا لأنفسهم ، وأخطأ ظنهم ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولوا مدبرين (1) .

فالمسلمون يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون والأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين . وقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث المنذر بن عمر في سبعة وعشرين رجلا إلى بني عامر ، فلما ساروا بعض الطريق تخلف أربعة منهم لأمر عرض لهم ، ومضى القوم وهم ثلاثة وعشرون رجلا فلقيهم عدوهم فقاتلوهم حتى قتلوا جميعاً . وأقبل الأربعة الذين كانوا تخلفوا في آثار أصحابهم وإذا هم بهم قد قتلوا على الماء جميعا ، فتشاور القوم فيما بينهم ، فقال بعضهم نرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنخبره بخبر أصحابنا ، وقال واحد منهم : لكني أتغذى من غذاء أصحابي ، فرجع ثلاثة منهم إلى نبيّهم ، ومضى الرجل بنفسه وحده إلى القوم فلم يزل يقاتلهم حتى قتلوه . فما قولك في هؤلاء القوم القليل الذين ساروا إلى قبيلة من قبائل العرب؟! وما قولك في هذا الرجل الذي قاتل بنفسه حتى قتل؟! وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث القليل إلى الكثير ، وكذلك فعل المسلمون من بعده . وقد أثنى الله على الـفـئـة الصـالحـة فـقـال : {كَـمْ مِـنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَـعَ الصَّـابِـرِينَ} (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنزل الله تعالى في يوم حنين : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} سورة التوبة آية : 25 .
(2) سورة البقرة : آية 249 .


ومن ذلك تقول إنما كان الجهاد فريضة على النبي وأصحابه وليس هو اليوم على الناس فريضة وإنما هو نافلة فمن شاء قاتل ومن شاء ترك !! فيا سبحان الله وبحمده !!

قال الله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1) . وقال : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2) .
فإن كان الجهاد إنما كان فريضة على النبي وأصحابه وهو اليوم نافلة ، من شاء قاتل ومن شاء ترك ، كذلك الصلاة والصيام إنما كانا فريضة على النبي وأصحابه وإنما هما اليوم نافلة فمن شاء صام ومن شاء ترك على قولك!! بل الصلاة والصيام والجهاد فريضة كان على النبي وأصحابه ، ثم هو اليوم فريضة على الناس من بعده إلى يوم القيامة في كتاب الله وسنّة نبيّه ، وقد قال في كتابه : {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (3) .


فقد أجمع المسلمون لا نعلم إختلافا ، أن الداعي لهم أبو بكر دعاهم من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف يعذبهم عذاباً أليماً أن تولوا عن النافلة وأن الله لم يكن يعذب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة : آية 216 .
(2) سورة البقرة : آية 183 .
(3) سورة الفتح : آية 16 .

أحداً على النافلة وإنما يعذب على الفرائض إذا ضيعت ولم يقم بحقها . فهذا قول الله في كتابه الذي أنزل على نبيّه واقتدى به المسلمون من بعده . إن الجهاد على الناس جميعاً إلا من عذره الله ، وأنت تقول ليس هو على الناس فريضة وإنما هو نافلة .
وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو اجتمعت الأمة على ترك ثلاث لكفروا ، ترك الصلاة في الجماعة والخروج على الجنائز والجهاد في سبيل الله ) . وأنت لا تدري أن تصلي في جماعة ولا تخرج على جنازة ثم عدت تخذل الناس عن الجهاد فما أرى مثلك إلا كما روى عن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يا علماء السوء لا دخلتم الجنة ولا تركتم الناس يدخلونها ) .
ومن ذلك أن تزكي أمرك وتنصب رأيك دينا وتحكم برأيك في الفروج (1) والدماء (2) والأموال (3) ، فقلت لرجل وصل إليك فسألك عن رجل قال لامرأته أنت طالق سبعين ولم يُرد بذلك طلاقا وإنما أراد أن يغمها ويهددها ، فرويت عن موسى (4) أنها إن صدقته وسعها المقام معه . فنعيذ موسى بالله أن يقول هذا وإنما قـال موسـى رحـمه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفروج : ما يتعلق بالزواج والطلاق وحدود الزنا .
(2) الدماء والدما : الحدود والقصاص .
(3) الأموال : الزكاة والجزية والخراج والضرائب .

(4) موسى : هو موسى بن أبي جابر الأزكوي الذي توفي سنة 181 هـ وهو المعروف بأبي علي .


الله في رجل جرى بينه وبين امرأته كلام فقال أنت طالق ثلاثا ثم قال إنما عنيت للبقة والوسادة ، فقال أبو علي (1) رحمه الله إن صدّقته وسعها المقام معه وإن حاكمته حكم عليه .
وقال غيره من المسلمين لا يقبل منه ذلك ولا تقيم معه . وقال محمد بن محبوب (2) رحمه الله إن كان ثقة مع الناس ومعها وصدقته على ذلك وسعها المقام معه وذلك إذا كان ثقة مع الناس ومعها ، وإن حاكمته حكم عليه بالطلاق وإنما هذا إذا عنى إلى غيرها ، وأما إذا قصد إليها بالطلاق ثم قال لم أنو بذلك طلاقا وإنما أردت أن أغمها وأهدّدها بالطلاق ، وقع عليها ، وهكذا قال المسلمون إذا قصد إليها بالطلاق .
وقال أبو علي رحمه الله في رجل قال لامرأته : أنت طالق إن لم ... وأراد أن يستثني فلم يصل إلى الاستثناء إنها تطلق ، هكذا قال أبو علي رحمه الله وقد أراد أن يستثني ، فلم يقبل أبو علي ذلك ، إلا أنه قال : لو عنى هذا في الحكم لكعناه (3) ولم نقل إنه جائز ولم نقف .
وقلت في رجل طلق امرأته ثم أراد أن يرجع إليها فأنكرته الدخول بها وقالت إنه لم يكن جاز بها ، وقال الرجل إنه جاز بها ليرجع إليها ، فقـلـت لهـم ينظرنهـا النسـاء فإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو علي : هو موسى بن أبي جابر الأزكوي .
(2) محمد بن محبوب : من علماء عمان وفقهائها . توفي في القرن الثالث الهجري سنة 260 هـ .
(3) لكع الرجل : أسمعه ما لا يجمل . وكتب في المخطوطة " لكعنا عنه " .

كانت ثيباً فالقول قول الرجل وله الرجعة عليها وإن كانت بركاً فالقول قول المرأة وليس له عليها رجعة . فيا سبحان الله وبحمده ما أكثر غلطك وأعظم فرطه !! وقد يقال إن المرأة ربما وثبت الوثبة فذهبت عذرتها وتصير ثيباً ، وربما قد ذهبت عذرتها من طول التعزّب (1) ، وعسى ربما قد وقع عليها رجل فاستكرهها فافتضها ثم تزوج بعد ذلك ، فما تقول إن ادعت هذه المرأة الدخول بها وقد طلقها زوجها ، أعليه نصف صداقها لأنه قال لم يدخل بها ولم يرخ عليها ستراً ولم يغلق عليها باباً ، وقالت المرأة إنه دخل بها ، ونظرنها النساء فوجدنها ثيباً ؟! تحكم على الرجل بالصداق تاماً لها عَلَى قول النساء !! فما قال أحد من المسلمين فيما سمعنا ولا يجوز لها أن تري فرجها أحداً ولا يجوز لأحد أن ينظر إلى فرج امرأة . وقد يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الناظر والمنظور إليه في النار ) وأنت تأمر أن ترى فرجها النساء وأجزت للنساء أن ينظرن إلى فرجها فهذا حكمك في الفروج .
ومن ذلك أن الميت يموت ويخلف ورثة يتامى وعليه دين وأحضرك أصحاب الحقوق البيّنات فتقيم وكيلا من أصحابك يسمعك الشهادة على الميت ، وأولياؤه حاضرون (2) في البلد لا ترسل إليهم فيحضرون سماع البينة على صاحبهم ويدفعون عن يتاماهم لعل معهم معرفة بهذه الحقوق التي على صاحبهم أنه قد زالت عنه بوجه من الوجوه .

وقد كنا نرى المسلمين في مثل ذلك يرسلون إلى أولياء اليتامى فيحضرون سماع البينة على صاحبهم ويدفعون عن يتاماهم بما يعلمون . وأنت تقـيم وكيلا من أصـحابك لـعلـه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعزب : قضى في العزوبة زمنا . (2) كتب في المخطوطة : " محاضرون " .

لا يعرف مَنْ هذا الميت ولا يدري من هو ولا من أين هو ، لم نر ولا سمعنا أن أحداً من المسلمين فعل ذلك فتحكم في الأموال والفروج برأيك ، ثم تقوم على المنبر فتقول مَنْ خطّأ رأينا وعاب أمرنا اللهم أفعل فيه وافعل !! تدعو عليه وتبتهل وتصوب رأيك وتزكي أمرك .
وقد بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ثلاث مهلكات : شُحٌّ مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ) ,
وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه حكم بحكم فقال له رجل : وفقت يا أمير المؤمنين أو كما قال له ، ثم إن عمر عاد فحكم بحكم آخر ، وأعاد عليه الرجل المقالة الأولى ، فأقبل إليه عمر وهو مغضب فقال : أنا لا أدري أني وفقت .
وقال الله : {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (1) .
وبلغنا عن أبي عبيدة (2) رحمه الله أنه قيل له (3) إن أهل عُمان يفتون بالرأي !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل : الآيتان : 116 - 117 .
(2) أبو عبيدة : هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء ، البصري . كان من التابعين وأخذ أكثر ما أخذ من العلم والفقه عن أبي الشعثاء جابر بن زيد . كذلك روى عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم مثل السيدة عائشة أم المؤمنين ، وعبدالله بن العباس ، وأنس بن مالك ،

وأبي هريرة . ويعتبر بعض العلماء الأباضيين المعاصرين في عمان أن الحلقة الأولى في سلسة المذهب الأباضي ، الصحابي الجليل عبدالله بن العباس ، والحلقة الثانية أبو الشعثاء جابر بن زيد ، أما الحلقة الثالثة فهو الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التابعي ( انظر : محمد علي دبوز : المغرب الكبير ج3 ص 150 - 153 ، والدكتور عوض خليفات : نشأة الحركة الأباضية ص 103 - 126 ، والسيابي السمائلي : إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 33 - 39 ، سيدة كاشف : عمان في فجر الإسلام ص 58 - 66 ) .
(3) كتبت في المخطوطة " قال له " .
فقال أبو عبيدة : ما نجوا من الفروج والدماء .
ومن ذلك أن رجلا وامرأة تحاكما إليك فادعت المرأة حقاً لبنيها على الرجل فأنكر الرجل ، فنزلت إلى يمينه فحملت عليه اليمين وجبرته على ذلك . ثم إن الرجل ادعى حقَّاً لنفسه من دين على المرأة من غير الحق الذي ادعته لبنيها فأنكرته المرأة فنزل إلى يمينها إما أن تحلف وإما أن يحلف هو ، فمنعته عن ذلك ودفعته عن اليمين لموضعها منكم وقربتها إليكم .
وقد قال الله : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (1) .
وقال : {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (2) .
وقال : {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} (3) .
وبلغنا عن أبيّ بن كعب (4) رحمه الله أن عمـر بن الخطـاب رحمـه الله خاصـم رجلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء : آية 58 .
(2) سورة ص : آية 26 .
(3) سورة الإسراء : الآيتان 74 - 75 .
(4) أبي بن كعب : كان حبرا من أحبار اليهود وسبق أباه ، كعب الأحبار في إعلان إسلامه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان من أجلاء الصحابة . أما أبوه كعب الأحبار فقد أسلم في زمن عثمان بن عفان .

إليه ، فلما دخل إلى أبيّ ، طرح أبيّ إلى عمر الوسادة ليقعد عليها ، فقال عمر : هذا أول جورك ، وقعد موضع الخصم ، فنزل الرجل إلى يمين عمر ، فحمل أبيّ على عمر اليمين ، فحلفه ومضى عمر في اليمين .
وبلغنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه لما أراد أن يحدّ قدامة في الخمر ، وكان أخا لامرأته وكان خال بنيه ، فقال له بنوه : يا أبانا أتحد خالنا؟! فقال عمر : يا بنيّ إما أن يحدّ وإما أن يكفر أبوكم .
وقد استحلّ المسلمون قتل عثمان بن عفان لما طلبوا الإنصاف من صاحبه فمنعهم فقتلوه واستحلوا دمه .
ومن ذلك أن السرايا يخرجون في طلب المحدثين فيأتون بالأسارى فتعمدون إلى الأسارى ، من كان فيهم من ناسكم خليتم سبيله ومن كان من غيركم أطلتم حبسه وشددتم عليه . وقال الله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (1) .

وقال : {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} (2) .
وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فك أسارى بدر وأخذ منهم الفداء ولم يضرب رقابهم ، نزل عليهم من الله التهديد بالعذاب الشديد فقال :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 135 .
(2) سورة المجادلة : آية 22 .

{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1) .
وقد أمر عمر بن الخطاب رحمه الله أن يقتل ابنه عبدالله بقتله المرزبان ، وهكذا حُكم المسلمين . ومن ذلك أن ذا المال اليسار يأتي إليكم فيدعي حقا إلى الفقير فتقبلون قوله وتقربون مكانه وتحيزونه إلى مطلبه ، ويأتي إليكم الفقير فيدعي حقا إلى الغني فتعرضون عنه وتردونه . وقال الله : {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (2) .
وبلغنا عن أبي بكر الصديق رحمه الله أنه لما وَلى الأمر خطب الناس فقال : ( يا أيها الناس إني وليتكم ولست بخيركم فالقوي عندي ضعيف حتى آخذ له الحق ) (3) .

ومن ذلك أنكم تقبلون الهدايا وتستعطون الناس وأنتم حكام عليهم وقد أخبر الله عن قوم غضب عليهم ولعنهم فوصفهم بأعمالهم القبيحة فقال : {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} (1) . وهي الرشوة وقد يقال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال : الآيتان 67 - 68 وقد لاحظنا بعض الأخطاء في المخطوط في كتابة هاتين الآيتين .
(2) سورة النساء : آية 135 .
(3) انظر خطبة أبي بكر الصديق في تاريخ الأمم والملوك للطبري في حوادث سنة 11 هـ .


إن الهدايا للحكام من السحت . وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه كان بينه وبين صديق له مهاداة من قبل أن يلي أمر الناس ، فلما وَلي أمر الناس أهدى إليه صديقه هدية فردها عليه عمر ، فقال له صديقه : أظننت أني طمعت بسلطانك يا عمر !! قال له عمر رحمه الله : ( لا ولكن حدث ما تعرف ) .
وقد رحم المسلمون الهدايا على جميع الحكام . فاتق الله يا هذا !! واحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ، وقد نلت الحياة الدنيا وعرضت للمحنة (2) ، ولن تؤتى من قلة معرفة ولا ضعف صفة ولكن أوتيت من الهوى بزيغ القلوب وبعمي الأبصار . وإني أحذرك يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً وَلا تقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون . فاقبل الحق ممن جاء به لا تعد (3) عيناك عنهم ولا نبغ وراء ذلك

سبيلا . فإن الله لا يرضى إلا بالحق ولا يتولى إلا عليه ، والله حكم بيننا وبينكم يوم القيامة وإلى الله تصير الأمور . فلا يخرجنكم الغضب من الحق إلى الباطل إذا بُلغتم عيوبكم . وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله : ( رحم الله امرأ أهدي إلينا عيوبنا والويل لنا يوم يخافنا الناس ولا يأمرونا بالحق ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : الآيتان 41 - 42 .
(2) المحنة : الامتحان . ما يمتحن به الإنسان من بلية .
(3) عدا يعدو عدوا عن الأمر : تركه . صرفه .

وأنت في مقام عظيم قد تطوقت بأمر جسيم ، فشاور المسلمين في أمرك ولا تستغن برأيك عنهم . وقد أمر الله نبيّه بالمشورة ، فقال : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (1) . ووصف الذين رضي أخلاقهم ، فقال : {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (2) .
فهذه أخلاق الصالحين وأفعالهم فمن كان على سبيلهم فبهذا يعرف وبه يوصف ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين وسلم تسليما .

تمت السيرة المنسوبة إلى أبي المؤثر الصلت بن خميس رحمه الله .




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : آية 159 .
(2) سورة الشورى : الآيتان 37 - 38 .


(7)
سيرة محبوب بن الرحيل (1)
إلى
أهل عمان في أمر هارون بن اليمان


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى من بلغه كتابي هذا سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأوصيكم بتقوى الله العظيم فإنها وصيته إلى جميع خلقه ، بها أمرهم وعليها نبيّهم ، وبالتقوى

نجا الناجون وفاز الفائزون ، والتقوى من الله بمكان ، فآثروها على ما سواها واعتصموا بها ، فإنها ليس بين التقوى وبين الكفر منزلة ، كذلك قال الله تبارك وتعالى : {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} (2) . فمن لم يكن متقياً كان كافراً فألزموا التقوى وتمسكوا بها وزينوها واعملوا بها تسـتوجبـوا ثوابـهـا فـإن الله تـبارك وتـعـالى يـقـول :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محبوب بن الرحيل : أحد أئمة العلم في عمان في القرن الثاني الهجري . عرف بكنيته الشائعة بأبي سفيان . وينتسب إلى قريش فهو محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة المخزومي القرشي . واشتهر هو وأبناؤه وأحفاده بالفضل والعلم والاشتراك في مجريات الأمور في عمان ( انظر : السالمي : تحفة الأعيان ج1 ص 64 وما بعدها ، والسيابي السمائلي : إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 47 ، وسيدة كاشف : عمان في فجر الإسلام ص 68 ) وحين بويع الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي ( 192 - 208 هـ ) كان في أيامه جمة العلماء واختلف في تلك الأيام هارون بن اليمان الشعبي ومحبوب بن الرحيل فبين محبوب بدعة هارون وجماعته وأوضح ضلالتهم . ( انظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 92 ) .
(2) سورة النساء : آية 131 .

{وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (1) . وقال : {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (2) . وقال : {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} (3) . ثم لم تزل منزلتهم تسنى (4) حتى قال : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (5) .
فوهب الله لنا ولكم التقوى والعمل بها حتى نلقى الله بالإسلام على الوفاء والصدق منا ومنكم غير ناكثين ولا مغيِّرين ولا مبدلين ولا ناقضين ولا عن ذكر الله غافلين .

أما بعد عصمنا الله وإياكم من كل هلكة وسلمنا وإياكم من كل فتنة وبدعة وحدث وضلالة وعمى وشك وحيرة تورد أهلها النار برحمته ، إن ربي سميع الدعاء وهو القريب المجيب .
وصل إليّ كتابكم بسلامتكم وسلامة من قبلكم فسرني ذلك وحمدت الله على ما ابتلانا وأولانا ولكم ونسأله الشكر له والزيادة منه إنه أرحم الراحمين .
ذكرتم أنه وصل إليكم كتاب من هارون ذكر أشياء يزعم أنه فرق بها وكذب عليه فيها ، واحتجاجه في الأمور التي خالف فيها فقهاؤكم وعلماؤكم ، وإنكم أحببتم مني في ذلك بيان وقوة وردّ عليه وحجة ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف : آية 128 . (2) سورة آل عمران : آية 133 .
(3) سورة النحل : آية 30 . (4) تسنى : تعلو .
(5) سورة القمر: الآيتان : 54 - 55 .
وذلك أمر يحق علي لكم فاجعل الله بيني وبينكم من إخاء الإسلام والمودة فيه . وقد أحببت أن لا أدع ذلك فتغتمون أو ترون أن ذلك ضعفاً وقلة علم بما مضى عليه المسلمون .
وقد وصل إليّ كتابه إليكم وقرأته وفهمت ما ذكر فيه إني محدِث مبتدع مخالف للمسلمين تارك لقولهم وإني أحكم على المسلمين ما لم يكن من قولهم فيسأله الله عن

ذلك وأحاط به إن كان كاذباً . إن الله يعلم أينا المخالف المبتدع المحدث ، وإني أسأل الله أن يبدي صفحة من خالف المسلمين وترك قولهم إلا أن يندم أو يرجع ويتوب . وأعوذ بالله من الكذب على المسلمين والخلاف لهم والقول بغير قولهم ، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه من كل قول خالفتهم فيه أو تركت فيه آثارهم ، المخالف لهم غيري ، فأسأل الله العافية والسلامة مما ابتلي به هارون ومن يقول بقوله .
إخواني !! لو كان الأمر الذي حفظته عن الفقهاء ورويته عنهم لم يظهر ، ويعرفه المسلمون ، وقد حفظوا مثل الذي حفظت ورووا مثل ما رويت ، لكان أجدر أن يكون لهارون فيه مقال ومدخل ، غير أن بيّن ظاهر . وقد خالف المسلمين فيه سلف هارون الذي يقتدي بهم ويأخذ عنهم . وقد وجدت في كتابه إليكم بتصديق ما نفى عن نفسه وزعم أنه مكذوب عليه . أفرأيتم (1) إن تفهمتم كتابه وتدبرتموه علمتم أنه قد صدق عليه وأن كتابه ينقض بعضه بعضاً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " ما رأيتم " .

ووجدت في كتابه صفة التقوى وأن الله جعل تقواه طاعته فيما أمر به ونهى عنه ، ثم أثبت اسم التقوى لأهلها بوفائهم له بحقوقه وتسليمهم له الطاعة . فالمطيعون لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه المتقون وهم أكرم خلقه عليه ، وأبغضهم إليه المضيّعون (2) للطاعة ، وهم الخارجون من اسم التقوى ، وحلت بهم من الله البراءة واستحقوا العقوبة ، وهم الذين وصفهم الله ، هم شر البرية ، فقد صدق الله فيما وصف . فأنشدكم الله !!

هل تعلمون أن امرأة ممن تقول بقولكم ، ابتليت وخذلها الله حتى شربت نبيذ الحلو وسقته الشباب ولعبوا بها وبفرجها والنظر إليه واللمس له بالأيدي والفروج وقضاء الشهوة حتى وجب عليهم الغسل مما لعبوا بها من غير أن يبلغوا موضع الزنا ، لا يمنعهم من ذلك إلا مخافة الحدّ وفضيحة الولدان ، هذه ومن فعل ذلك بها أنهم مضيعون للطاعة خارجون من اسم التقوى ، أو هو ثابت لهم لم تزل عنهم والطاعة لهم ثابتة !! وإن فعلوا ذلك بأم أو أخت فليس بينهما منزلة !! إما أن يكون اسم التقوى والطاعة قد زال عنهم أم هو ثابت لهم !! .
فإن زعم أن القوم قد خرجوا من اسم التقوى وحلت بهم من الله البراءة واستحقوا العقوبة فقد تم على ما كتب به وصدق فيه قول المسلمين ، وإن زعم أن القوم لم يخرجوا من اسم التقوى بما ضيعوا من الطاعة وما ركبوا من المعصية فهم إذاً متقون ، فانظروا عيب ما ذهب فيه !! وإن زعم أنه سلك متحيّر لا يدري لعل اسم التقوى لهم ثابت فإنهم متقون عند الله !! فهذا هو الشـك والعمى !! فـنعوذ بالله مـنهما . وللمـسلميـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " المظيعون " .

في ذلك قول نحمله نحن عليه : يقولون من لم يقرأ القرآن ويعلم ما قال المسلمون فيمن فعل هذا وفيمن يسع جهله للضعيف الذي لم يقرأ كتاب الله ولم يعلم ما قال المسلمون ، إنه إذا سأل المسلمين عما جهل عنه ولم يدر ما يحل له ، فقال له المسلمون إن هذا الفعل يكفر من فعله ، إن علم في ذلك من كتاب الله أو من قول الفقهاء أن يقول بقولهم ،

وإن جهل ذلك فلم يعمله وضعف أن يكفره فعليه أن يقول للمسلمين أنتم أعلم مني وأبصرتم ما لم أبصر وعرفتم ما لم أعرف وعلمتم ما لم أعلم وقويتم وضعفت فرحمكم الله وأنا سائل ، وقَوْلي قول المسلمين وديني دينهم . فإذا قال ذلك وسعوا له السؤال إذ تولوه لولايته إياهم . فهارون يزعم أنه يسعه الشك والوقوف عند فقهاء المسلمين إذا برءوا من راكب هذه المعصية ، ولو أنه انتهى في ذلك إلى أبي بكر وعمر فقالا إنه كافر بما ركب من المعصية وترك من الطاعة ، إنه وَاسع أن يقف عن أبي بكر وعمر ، فأنكرنا ذلك عليه بما حفظنا عن الربيع بن حبيب (1) ، فقيه المسلمين وعالمهم بعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الربيع بن حبيب : كان الربيع من أهل الباطنة من عمان ثم خرج إلى البصرة لطلب العلم . وكان الربيع شابا حين التقى بالإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد . وفي البصرة عكف الإمام الربيع بن حبيب على كتابة مسنده الذي يستند الأباضية عليه في الفقه . وقضى الربيع بن حبيب معظم حياته في البصرة طالبا ومطلوبا ثم عاد في أخريات حياته إلى وطنه عمان ، وكانت وفاته في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري . وقد نشر ( الجامع الصحيح ) للربيع بن حبيب في القدس في سنة 1381 هـ . وفي دار الكتب المصرية بالقاهرة مخطوطة " مسند الربيع " للربيع بن حبيب تحت رقم 21582 ب .
ومن أهم من حمل العلم عن الإمام الربيع بن حبيب من البصرة إلى عمان ، خمسة علماء عمانيون كان لهم الفضل الأكبر في ازدهار الحياة العلمية في فجر الإسلام في عمان وهم أبو المنذر بشير =
أبي عبيدة (1) وشيوخ من المسلمين بالبصرة (2) ، هم كانوا مفزع المسلمين وعالمهم (3) ومسندهم رحمهم الله .

والذي روى لنا عن جابر بن زيد رحمه الله عليه أنه سئل ما يسع الناس جهله ؟! فقال : ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه أو يقفوا عنهم .
وسئل أبو عبيدة عن الشاك ، فقال : الشاك هالك والسائل معذور ، والشاك هو الذي لا يتولى أحداً إلا من شك ووقف مثل ما شك هو ووقف ، لا يتولى أحداً برئ ولا أحداً تولى ، وهذه هي الدينونة ، من دان بالشك هلك عند المسلمين . وَأخبرني الربيع بن حبــيــب أنــه ســأل أبــا عبيدة عن رجلين جارين له كان أبو عبيدة يعرفهما ، كانا ناسكين فدعيا إلى الإســلام ، فــدخلتهما وحشة من عثمان وعلي . قال الربيع : فأخبرت بذلك أبا عبيدة ، فقال : لا بأس !! أنا - يعني نفسه - أخلعهما ، فيبرأ مني قوم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= ابن المنذر النزواني ، ومنير بن النير الريامي الجعلاني ، وموسى بن أبي جابر الأزكوي ومحمد بن المعلى الكندي ، ومحبوب بن الرحيل ، صاحب هذه السيرة . ( أنظر أيضا : الورجلاني : " الدليل والبرهان " طبعة حجرية - الطبعة البارونية - 3 أجزاء - القاهرة 1306 هـ السيابي السمائلي : إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 41 - 48 ، والدكتورة سيدة كاشف : عمان في فجر الإسلام ص 67 - 68 ) .
(1) أبو عبيدة : هو الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التابعي الذي أخذ أكثر ما أخذ من العلم والفقه عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد .
(2) منذ تمصير البصرة في خلافة عمر بن الخطاب ، ارتبطت عمان بها ، حتى غدت البصرة عمانية بسكانها وبعلمائها العمانيين . وارتبطت البصرة منذ فجر الإسلام ارتباطا وثيقا بعلماء عمان وبالأباضية في عمان وفي مختلف أنحاء العالم الإسلامي .
(3) كتبت في المخطوطة : " وما لم " .
(4) يعني بالإسلام هنا : المذهب الإباضي .

على خلعي إياهما ، ما يقولان (1) يا ربيع فيمن خلعني؟! قال ، قلت : يقولان هو مسلم . قال أبو عبيدة : يهلكان ؟! قال ، قلت : فإن قالا إن من خلعك هالك ، قال : هما مسلمان ، فلم يثبت ولايتهما حتى أثبتا ولايته وَخلعا من خلعه .
وكانت المعتزلة يسألون عن المسلمين عن الشاك يسع جهله فيقول لهم المسلمون : الشاك المسلم للمسلمين الراضي بقولهم المتولي لهم مسلم .
فهذه قولنا وديننا وما مضى عليه سلفنا ، نور وبيان وهدى ليس في ديننا شك ولا عمى ، نسأل الله لنا ولكم العصمة بالتقوى .
وأما ما ذكرت في كتابه من أمر عائشة رحمها الله وما قال فيها أهل الإفك (2) ووقوف النبي صلى الله عليه وسلم ووقوف أبيها وأمها وقوله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أهلي وَالله ما علمت منها إلا خيراً ) ، وكذلك نجد في غير هذا الموضع ( ما علمت منها إلا خيراً ) ، فكفى بهذا ألا يعلم النبي منها إلا خيراً . وكيف يقف عن من لا يعلم منه إلا خيراً ؟! فقد خصم نفسه والحمد لله !! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " ما تقولون " .
(2) وقعت حادثة الإفك على أثر غزوة بني المصطلق بن خزاعة حين خرج الرسول عليه الصلاة والسلام لحربهم ولقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع قرب قديد ( ابن سعد : الطبقات الكبرى ج2 ص 25 ، الطبري : تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 63 - 66 ) وكانت السيدة عائشة مع الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة . وفي أثناء عودة المسلمين إلى المدينة حدثت حادثة الإفك التي أذاعها دعاة السوء حول السيدة عائشة ، وذلك حين رأوا صفوان بن المعطل يقود بعيرها في المدينة فاتهموها إفكا وبهتانا . ( ابن هشام : السيرة ج3

ص 342 - 343 ) ولكن الله سبحانه وتعالى لم يلبث أن برأ السيدة عائشة مما رميت به وجعل حصانتها قرآنا يتلى ، وذلك في سورة النور .
والعجب منه وجرأته حيث يقول ، وقف النبي !! كأنه يريد أن يشبه وقوفه بوقوف النبي صلى الله عليه وسلم !! فإنما وقف النبي انتظار ما يأتيه من الله ، وكذلك هو يريد أن ينزل نفسه ، وإنما وقوف هارون جهل وشك وعمى وحيرة . والنبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي وما يأتيه من الله لأن نبي الله صلى الله عليه وسلم لا يجهل شيئاً مما يعذب الله عليه ، وإنما يقف من يجهل فما أبعد قياسه !! فليس له في هذا حجة ولا قوة .
وذكر أمر عمر رحمه الله في الشهادة التي شهد بها عنده على المغيرة بن شعبة وأنه جلد الثلاثة ولم يجلد الرابع ، فقد وفق الله عمر وسدده للصواب والعدل ، وقد أساء الظن بعمر حيث يزعم أنه لم يؤدبه ولم يستتبه (1) من تحديد المرأة وقعوده منها مقعد الرجل من أهل ، فما أقبح ما وصف به عمر !! .
بل علينا أن نحسن الظن به وبجميع أئمة المسلمين ، ونرى أنهم يؤدبون بالضرب والحبس والاستتابة لهم منه وضربهم عليه وحبسهم فيه حتى يعلم منه الندامة والرجوع . وكيف لا يرى أدبه على ما فعل وهو رحمه الله حبس الحطيئة في بيتين من الشعر أو أقل أو أكثر هجا بهما رجلا من المسلمين فحبسه فلم يخرجه حق ضمن له أنه لا يهجو أحداً من المسلمين أبداً . فهو يحبس على الهجاء ، ولا يؤدب على ترك طاعة الله وركوب معصية !! فمن رمى عمر رحمه الله بهذه المنزلة وظن أنه نهى فهو عندنا ظالم مبين والله يلي حسابه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " لم يوديه ولم يشتيه " .

وقد أخبرني الربيع بن حبيب رحمه الله أن المغيرة بن شعبة حيث تلجلج الشاهد الرابع قال ، رأيت تجافياً أقبح ونفسا عاليا .... ولم يقل كما قال الثلاثة ، قام المغيرة فقال : الحمد لله الذي برأني ببراءتي ، فقال له عمر : ويلك فأين براءتك؟! وقد رميت منها بالمقعد الذي رميت به غير أن الحدّ لا يقام إلا بشهادة أربعة ، وصدق رحمه الله وجزاه عن الإسلام وأهله الجنة . ولو أوتي بهذه المرأة ومن فعل بها ما وصفنا وما وصفنا في كتابنا ما شك فيها ولا وقف عنها وما ليتركها حتى يؤديها بالضرب والحبس ويستتيبها مما صنعت .
كذلك يحق على المسلمين أن يفعلوا ذلك بها وأن يحسنوا الظن بأئمتهم ، لأن الجلندى (1) رحمه الله كتب إلى أبي عبيدة وحاجب ومن قبلهما من الفقهاء في مسائل سألهم عنها ، فتيا ، ما تقولون في رجل وجد على بطن امرأة ولم يعدُ ذلك ، فكتبوا ، نرى أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجلندى : لا شك أن كاتب هذه السيرة يشير هنا إلى الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى ، أول إمام في عمان . وكان الجلندى من أفضل أئمة المسلمين في عمان فأظهر الحق وعمل به " وأخذ الدولة من يد أهل الجور وبرئ من الجبابرة " وكانت إمامته كما يقول المؤرخون العمانيون " سببا لظهور الإسلام وقوة شوكته " وكانت إمامة الجلندى في نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية سنة 133 هـ أو 134 هـ . وعاصر إمامة الجلندى عدد كبير من علماء وفقهاء الأباضية ( انظر : حميد بن رزيق : الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ص 221 - 223 ، وحميد بن رزيق : الشعاع الشائع باللمعان ص 20 -22 ، والسالمي : تحفة الأعيان ج1 ص 66 - 74 ، والدكتور عوض خليفات : نشأة الحركة الأباضية ص 130 - 133 ، والسيابي السمائلي

: أصدق المناهج في تمييز الأباضية من الخوارج ص 44 - 45 ، وسيدة كاشف : عمان في فجر الإسلام ص 76 - 77 ) .

الإمام يعزرهما (1) وذلك إلى رأي الإمام في التعزير ، ويفضحان ويقامان للناس . فهل تعلمون رحمكم الله أن هذا يصنع بمسلم !! فانظروا في دينكم !! وإياكم والفتنة فإن هذه بلية ابتلى بها أهل الدين على يدي من ذهب في توسعة الشك والمقام عليه ، لا يقبل من المسلمين ولا يصدقهم بل يقف عنهم ولا يدري ضلال ببراءتهم من هذه المرأة تقية ولية لله ، فما يكون من الشك أقبح ولا أعظم من هذا !! .
ولقد قال شيخ من المعتزلة ، اشتهى شباب أصحابك معانقة النساء فقلت له : مه لا تفعل فإنهم لا يعرفون بذلك ، فقال لي : فهل رأيت أحداً من أهل الدين يقول بهذا القول ؟ أسكتني ، فقلت له فما تقول أنت؟! فقال : إنها فاسقة ، فقلت له هكذا تقول أصحابك ! فقال من لم يقل إنها فاسقة فليس هو منا بصاحب . فصاروا بلاء وشينا (2) على المسلمين ، فالله نستعين عليهم .
وقال هارون (3) في كتابه : لو أن رجلا من المسلمين برئ من هذه المرأة وسعه ذلك وجاز له .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التعزير : العقوبة التي يفرضها ولي الأمر أو إقامة الحد ، ولولي الأمر التخفيف في العقوبة إذا رأى ذلك ، أو إلغاؤها . وقد قيل : ادرءوا الحدود بالشبهات ويكون التعزير أحيانا الضرب دون الحد ، أو الإجبار على الأمر ، والتوقيف على باب الدين والفرائض والأحكام .

(2) كتب في المخطوطة " بلا وسـن " .
(3) هو هارون بن اليمان الذي كتب محبوب بن الرحيل في أمره هذه السيرة .

فانظروا إخواني هل يجوز هذا وهي امرأة قد ثبت لها اسم التقوى عند المسلمين ونسبوها إليه وتولوها عليه ، ثم أحدثت هذا الحدث لا يدري زال اسم التقوى عنها برأي !! هذا ما لا يحل ولا يجوز لأحد أن يزيل اسم التقوى عنها برأي حتى يزيله الله كما أثبته . فمن أثبت له اسم التقوى فهو ثابت له حتى يزيله الله عنه ، فمن قال غير هذا فقد أخطأ وخالف المسلمين . فإنما هي فتنة ابتليتم بها فدعوها ومن جابها وعليكم ودينكم الذي دعيتم إليه فتمسكوا به وزينوه كما زينه الله به فإن فيه شفاء ونوراً (1) وضياءً صافياً (2) لا كدر فيه ولا عيب . فاهتدوا إخواني بهدى الله ، فإن الله يقول : {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} (3) .
ولو كان أحد ينبغي له أن يزعم ويجوز له الشك لكان عبدالله بن عمر ، لمنزلته ونسكه وعبادته ومكان أبيه رحمه الله ، وفيمن شك ، إنما أدخلته الوحشة والشك أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأهل الوحي والتنزيل والقرابة القريبة من الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم والصهر والمنزلة العظيمة ، فقال : أراهم قد صنعوا أشياء بعد النبي صلى الله عليه وسلم فشك فيهم وكفّ عنهم فلم يقبل ذلك المسلمون منه وألزموه الشك وقالوا : أول من وضع الشك ابن عمر ، وخلعوه وليس له عندهم ذنب غيره .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " ونور " .
(2) كتب في المخطوط " " وضياء صافى " .
(3) سورة البقرة : آية 213 .


فلو أن المسلمين يجوزونه لأحد لأجازوا لابن عمر !! فانظروا فقد تبيّن لكم كيف يجوزون رحمكم الله (1) ديني دين المسلمين وأنا سائل !! .
وقد زعم هارون في كتابه أنه لا يبرّئ ولا يكفر إلا من ركب معصية توجب عليه حدَّاً في الدنيا وعذابا في الآخرة . فما تقولون أنتم فيمن باع حرة أو اشتراها متعمداً وهو يعلم ذلك ، أو أكل لحم خنزير من غير اضطرار متعمداً وهو يعلم أنه لحم خنزير ، أو ترك صوم شهر رمضان متعمداً ، أو هدم الكعبة البيت الحرام متعمداً ، وكلهم يقول أنا أعلم أن هذا الذي فعلت عليَّ حرام غير أني أشتهيه !! .
هل تعلمون يا معاشر المسلمين أن الذين مضوا كانوا يتقون عن أهل هذه المنزلة ويبرءون منهم حتى يتوبوا ؟!
بل نعلم ، والحمد لله أنا على نور الإسلام ، أنهم كانوا يبرءون منهم ولا يتقون عنهم ، ونحن لهم تبع راضون بقولهم نسلك سبيلهم ونطأ آثارهم ونقول بقولهم ، فنسأل الله أن يلحقنا بهم على الوفاء والصدق ، فإنه من يم يتق لم يعط الوفاء ، ونحن لا نجد في القرآن على أهل هذه المنزلة حدَّاً في الدنيا ولا عقوبة مسماة . غير أن المسلمين قد

علموا أن ما أشبه الكبير أو قارَبَه فالكبير أولى به وأنزلوه بمنزلته ، وكذلك أنهم رأوا في الكتاب المنزل أنه يقول { ويل للمطففين } (2) ولم يوقت في ذلك كم هو وما مثله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " الله " : زيادة من عندنا . (2) الآية الأولى من سورة المطففين .

، فنحن نعلم هدى الله ونوره أن من لزمه الويل لم يلزمه إلا بكفر ، وما ركب هؤلاء الذين وصفت أعظم من التطفيف ، فنحن والحمد لله نعلم إذا عذب قوم على شيء منهم من هو أعظم جرماً . وقال الله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْـهَـرُوا لَـهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِـكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (1) .
فنحن نعلم والحمد لله أن من حبط عمله فليس بمسلم ، وأكل لحم الخنزير وهدم بيت الله الحرام أعظم جرماً ممن رفع الصوت على النبي عليه السلام ، ومن نزع الحجر الأسود ووضع مكانه غيره فما عليه من الجزاء والعقوبة وأشباه هذا كثير . قال الله : {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} (2) . فقد سماهم الله بالكفر ولم يوجب عليهم حدَّاً في الدنيا وصيرهم منافقين . وذلك أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا إنا قد عملنا مسجداً لليّلة الشاتية والشيخ الكبير الذي لا يقدر أن يأتيك فيصلي معك ، فنحن نريد أن تأتينا فتصلي فيه صلى الله عليك . فقال لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إني على حال شغل وجناح سفر ولو قد قدمت إن شاء الله قد صليت فيه إن شاء الله . فأتاهم الوحي أنهم كذبة بما قالوا وأنهم أرادوا به غير ما قالوا ،

فأبدى الله صفحتهم وأظهر عورتهم وأمره ألا يقوم فيه أبداً . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج منه أهله وأن يحرق ، ففعل ذلك المسلمون . ففي القرآن هدى
وشفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسـاراً ، وإنـما هذه فتنة فأبصـروا فإن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات : آية 2 .
(2) سورة التوبة : آية 107 .


العبد الصالح قال لقومه إنما فتنتم به ، وقال موسى مخاطباً ربه : {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ} (1) . وقال الله تعالى : {لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} (2) إنه لكم عدو مبين ، فاتقوا الله يا معاشر المسلمين !! فما لعمري ما نرى أن أحداً من المسلمين يخفى عليه قول أهل الدين والعلماء والفقهاء الذين قد مضوا لسبيلهم رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام خيراً لأنهم قد دعوا إلى الحق وبيّنوه وأوضحوا سبيله وبيّنوا حلالهم وحرامهم ووليّهم وعدوهم ومن يكفون عنه ، وذلك من لا يعرفونه بإيمان ولا كفر ، حتى جنائز تمر بهم لا يعرفون أهلها وأهل منى وعرفات والطائفين بالبيت الحرام ، فدينُهم الكف عنهم حتى يعرفوا الولي منهم والعدو ، فهذا دينهم وديننا من بعدهم . نسأل الله أن يجعلنا من بعدهم خلفاً ، أما القول منا فهو لهم والحمد لله ، وأما الفعل فنحن أهل التقصير والتواني والتضييع إن لم يعف الله عنا .
وذكر هارون في كتابه إليكم أن الذنوب عنده ثلاثة : فذنب يكفر به من ركبه ، وذنب لا يدري أيكفر به أم لا فيقف عن أهله فيه ويقف عمن برئ من أهله ، فأراه قد نصب

الوقوف حيث زعم أنه لا يتولى إلا من وقف مثل وقوفه وقال مثل قوله في أهل ذلك الذنب الذي لا يدري ما بلغ بأهله . وأن مـن يرى برأي فواسع لـه إذا قال : ديـني دين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف : آية 155 .
(2) سورة الأعراف : آية 27 .

المسلمين أبداً ، وإن قال ذلك أبو بكر وعمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فله أن يقف عنهم حتى يعلم هو أنهم قد صدقوا ، أو يقول له ذلك النبي صلى الله عليه وسلم . وبعضهم يقول جميع المسلمين حجة ، فأبى ذلك عليه فقهاء المسلمين وقالوا إذا أتاك بفعل منهم فإن لم يقبل منهم فهو هالك ، وقال ذنب يعفو الله عنه . فإن قال ، إن عليهم فيه التوبة وبالتوبة يعفو الله عن الذنوب فقد صدق وقال بقولنا وقول المسلمين . وإن قال مغفور بلا توبة فقد كذب لأن الله تبارك وتعالى يقول : {زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1) .
فعلى الخلق التوبة من كل صغيرة وكبيرة . فمن دين المسلمين أنه لا كبيرة مع توبة ولا صغيرة لمن أقام من الناس على صغيرة فهو هالك . والذنب على منزلتين ، فذنب يهلك به صاحبه عند المباشرة والمواقعة ؛ وذنب يهلك به صاحبه بترك التوبة منه والمقام عليه . هذا ما حفظنا وسمعنا ، ليس كما يصف هارون ، فإنه ليس له سلف

يقتدي بهم ولا يؤخذ عنهم ، فإن رمى به أحداً من المسلمين ليوثق بهم لم يقبل ذلك منه عليهم .
وذكر الجمعة والعطاء (2) ، وإني أروي عليه أن الجمعة حرام عند أئمة قومنا والعطاء ، ولست أروي عليه أنه حرمها ، غير أني أزعم أنه يقول قد جمع المسلمون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النور : آية 31 . (2) يعني فريضة صلاة الجمعة ، والعطاء .


خلف أئمة قومنا ولم يختلفوا فيها ، فزعم أنه يجوز لهم ما فعلوا وقد أدى فريضة وأن الرجل لم يجمع وتنزه فهو أفضل . وكذلك أيضاً قال في العطاء إن من أخذه فجائز له ومن تنزه فهو أفضل . فهذا خلاف منه لقول المسلمين قبله وترك ما مضى عليه أوائل المسلمين وسلفهم الموثوق بهم المأخوذ عنهم المقتدى بهم من الأئمة والفقهاء الذين مضوا على سبيل الهدى ومنهاج المؤمنين ، ليس بينهم اختلاف ولا تنازع ، أن الجمعة خلف أئمة قومهم فريضة يرغبون فيها ويسارعون إليها ويعظمونها بالاغتسال ولبوس ما حسن من الثياب والطيب تعظيما لها ورجاء لثواب الله عليها وقد بلغنا أن أهل عُمان كتبوا إلى جابر بن زيد يسألونه هل يأتي الجمعة من لا يسمع النداء ؟! فكتب إليهم جابر بن زيد يسألونه هل يأتي الجمعة من لا يسمع النداء ؟! فكتب إليهم جابر بن زيد لو لم يأت الجمعة إلا من يسمع النداء لقل أهلها ، تؤتى من رأس فرسخين (1) وثلاثة ومن قدر أن يأوي إلى منزله فعليه الجمعة .

وبلغنا عن جابر بن زيد رحمه الله أنه خرج يوماً يريد الجمعة فتلقاه الناس منصرفين فشق ذلك عليه يومئذ وقال : اللهم لك عليّ ألا أعود . وكان يجمع خلف زياد وعبيدالله بن زياد والحجاج ، وهم الذين بلغوا في قتل المسلمين (2) ما لم يبلغه أحد من الناس .
وقد كان الحجّاج ربما أخّر صلاة الجمعة حتى يصلى الظهر والمغرب في مقام واحد مما يؤخرها ويمسي بها ، فلما هلك الحجاج وصليت لوقتها قال صحار (3) رحمه الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفرسخ : ثلاثة أميال . (2) لاحظ أن الكاتب يعني بكلمة " المسلمين " الخوارج والأباضية .
(3) صحار بن العباس من الصحابة ومن العلماء العمانيين .
، وكان من فقهاء المسلمين وعلمائهم وهو معلم أبي عبيدة الأكبر رحمهم الله جميعاً ، بلغنا أنه قال : الحمد لله الذي ردّ علينا جمعتنا ، لو كانت الجمعة بخراسان لكانت أهلا أن تؤتى .
وكان ضمام بن السائب وصالح الدهان وأبو نوح ونظراؤهم من فقهاء المسلمين ومشايخهم إذا اشتد الحر عليهم في شهر رمضان بالبصرة ركبوا السفن لُبعد منازلهم حتى يأتوا المسجد الجامع فيجتمعوا به ثم يرجعوا بالعشاء مشاة إلى منازلهم . وأخبرنا قرة بن عمر الأزرق (1) رحمه الله ، وكان حبراً فاضلاً ، أنهم تهيأوا للخروج إلى مكة حجاجاً لثمان بقين من ذي القعدة فمروا بحاجب بن مسلم رحمه الله وهو يريد الخروج معهم وذلك غداة الجمعة ، فقال لهم إن في نفسي من الجمعة لحاجة !! فقال له أصحابه : رحمك الله !! ذهبت الأيام ونخاف الفوت . فقال لهم : امضوا أنتم وتخلف هو عنهم حتى جمع ثم خرج فلحقهم بموضع يقال له الوبيل - مرحلتين من البصرة - كراهية لتركها ورغبة في إتيانها . فانظروا رحمكم الله أترون هذا حسناً مستقيماً أن يكون هارون هو المحق !! أو جابر بن زيد وأبو بلال وضمام وصالح وأبو نوح وأبو عبيدة وحاجب ومن فعل ، وهم الفقهاء والعلماء والمأخوذ عنهم والموثوق بهم ، وأنه

خلافهم وصنيعه غير صنيعهم ... سبحان الله ما أقبح هذا الخطأ !! فانظروا إن كان لكم بصر وإلا اقبلوا مني فوالله إني لناصح لكم أحب رشدكم وما أخبرتكم إلا بقول المسلمين ، وسميت لكم الربيع وعبدالملك الطويل والمعتمر وعمار وأبا طاهر وأبا المضاء وأبا جمير وقرة بن عمر والذبال بن يزيد وعلمائهم الذين كانت الأمور تنتهي إليهم بعد أبي عبيدة رحمه الله ، وحاجب ، وشيوخ المسلمين قد أدركوا الناس وحفظوا
عنهم وعرفوا آثارهم وحفظـنا ذلـك عنـهم . نسـأل الله التمـسـك بالـحـق والـدعـاء إلـيـه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جاء اسمه في غير هذا الموضع " قرة بن عمير الأورق " .


والرغبة فيه والتزين له والذب عنه ما أبقانا برحمته فإنه لا ينال ذلك إلا بالله ومنه .
وذكرتم في كتابه الأمر الذي ذهب فيه وتشريك من شرك فزعم أني رويت عليه أنه شرك أهل القبلة وأنه لا يشرك أهل القبلة ، فلو ثبت على هذا كان قد أحسن وأصاب . غير أنه يزعم في كتابه أن أهل الكبائر من قومنا ضلال منافقون براء من الشرك يحكم فيهم بحكم أهل القبلة ، وأن أهل القبلة ، وإن من قال إن الله تعالى عما يقول الظالمون ، ويصفه به الواصفون أنه تجلى للجبل ، وأنه له نفس غير ما عنى الله وعنى المسلمون ، فلم نتوهم في ذلك شيئاً أنهم ليسوا بمشركين ، وأنه مَن وصفه وتأول في صفته وكان معناه وتأويله غير تأويل المسلمين أنه مشرك ، والحكم فيه إذا دان بذلك

فقاتل عليه ، أن يقاتل ، وإن قتل ، سبى ذريته وغنم ماله ، فهذا حكم آخر غير حكم أهل الكبائر .
فصير قومنا صنفين والحكم فيهم حكمين ، وكلهم يصلون إلى البيت الحرام ويحجون إليه ويعتمرون ويصومون جميعاً شهر رمضان ، ويشهدون جميعاً بالجملة التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وكانوا بها عنده مقرين خارجين من الشرك براء من التكذيب والجحود والإنكار ، داخلين في جملة المقرين يأخذ منهم ما يأخذ من المقرين الموحدين ، ولحكم نبيّ الله عليه السلام بحكمه على المقرين يستحل منهم ما أحل الله من المقرين من المناكحة والموارثة وأكل الذبائح والقصاص وجميع الحقوق التي تجري بين أهل الإقرار . فزعم هارون أنهم عنده صنفان ، فصنف موحدون وصنف مشركون خلافا عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى من كان بعده من فقهاء المسلمين وأئمتهم . وذلك بأن الله يقول في كتابه : {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} (1) . فمن أقر بهذه الآيات خرج من الشرك ونفى عنه الإنكار والتكذيب والجحود وصار من المقرين الموحدين لا يرجع إلى منزلة أهل الشرك إلا بالتولي عمّا أقر به من الوحدانية ، لأنه قد أقرّ بما أقر به الموحدون . من

وفى في إقراره لله بطاعته واجتناب محارمه فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين . ومن قصر في إقراره وركب محارم الله وتأول القرآن على غير تأويله وحرفه على غير مواضعه صار بذلك منافقاً كافراً بريئاً من الإيمان وثوابه ، وبريئا من الشرك وأحكامه بمنزلة من وصف من أهل الإقرار حيث قالوا ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً فـلم يردّهم ذلك إلى الشرك ولم يثبت لهـم الإيمـان فقـال : {مُذَبْذَبِينَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة البقرة : الآيتان : 136 - 137 .



بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} (1) . يعني لا إلى المؤمنين في الاسم والثواب ولا إلى المشركين في الاسم والحكم ، خرجوا من الشرك بالإقرار ، ولم يثبت لهم الإيمان بترك الوفاء بالطاعة وقد نحلوا (2) الله تبارك وتعالى الكذب ووصفوه به ، والله تعالى بريء مما وصفوه به ، فبرأ منهم إذ وصفوه بالكذب ولم ينسبهم بذلك إلى الشرك ، وإن كانوا عظموا الفرى والقول على الله بغير الحق إذ وصفوه بالكذب .

فانظروا ممن وصف الله سماهم منافقين ، وقد سمت الخوارج كلها أهل قِبلتنا (4) بالشرك وتأولوا في ذلك القرآن وقالوا نجد ذلك في كتاب الله : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (5) . يعني بذلك ألا تطيعوه فمن أطاعه فقد عبده ومن عبده فقد أشرك . وقالوا ، قال الله : {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} (6) . وقالوا : الناس صنفان : مشركون ومؤمنون .
فأبى ذلك المسلمون عليهم وحاجوهم بالقرآن ، فقال المسلمون : أخبرونا عن هؤلاء الذين وصفهم الله في القرآن فقال : {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} (7) ، ما هم ؟! قالوا : مشركون .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 143 . (2) نحل : ادعى عليه .
(3) يعني هنا فرق الخوارج المتطرفة التي لا تقرها الأباضية .
(4) يعني هنا المسلمين الأباضية . (5) سورة يس : آية 60 .
(6) سورة الليل : الآيتان 15 - 16 . (7) سورة النساء : آية 143 .
قال لهم المسلمون : لو كانوا مشركين لسماهم الله بالشرك بإقرارهم . وحجة المسلمين واضحة على غيرهم من كتاب الله ، لأنهم لو كانوا مشركين ما حل أكل ذبائحهم ولا جرت المواريث بينهم وبين المسلمين ، ولا تركهم رسول الله صلى الله عليه يحجون لأن الله قال : {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (1) . فليس بين المسلمين والحمد لله اختلاف ، وإن جميع قولنا ممن يقر بشهادة أن لا إله إلا

الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، والإقرار بجميع ما جاء من الله ، إنهم مقرون وإنهم بإقرارهم خارجون من الشرك لأن الشرك لا يكون إلا إنكارا وتكذيبا وجحودا ، والتوحيد إقرار وتوحيد .
الجهمية (2) عليهم لعنة الله فإنهم أشركوا من وصف الله وكذبوا في صفته ، فأخذ منهم هارون وتعلمه وأعجب به ودان به ، فلما عيب عليه ذلك طلب المخرج مما وقع فيه فشنع بمن وصف ذلك (3) وحرفه عليهم ، وزعم في كتابه أنه لا يشرّك إلا من بعّضه وجسده وشبهه بالمخلوقين . ولم نسمع أحدا من أهل الصلاة يبلغ ما ذكر هارون عنهم ، وإنما ذلك من هارون رجاء أن يجوز للمسلمين له تسميتهم بالشرك ، وأن يحكم عليهم زعم بأحكام أهل الشرك ، فلم يجبه المسلمون إلى ذلك بل أنكروه عـليه وخالـفوه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة : آية 28 .
(2) اقرأ عن الجهمية : القلهاتي : الكشف والبيان ج 2 ص 352 - 354 .
(3) كتب في المخطوط : " نشيع به وصف من وصف ذلك " .

فيه لأن الذين رماهم هارون بهذه الصفة إذا قيل لهم ، لله شبيه أو مثل أو نظير أو عدل أو ندّ أو ضد ، قالوا معاذ الله هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وليس له شبيه ولا مثل ولا نظير ولا عدل ولا ندّ ولا ضدّ ، فإن زعم أن له شيئا من هذه الأشياء فهو مشرك ، فكيف يكون أهل هذا القول مشركين

وإن كان الذي وصفوا وقالوا عندنا قول عظيم . غير من أقر للمسلمين بجملة التوحيد والقرآن ثم تأول أو احتج به فليس بمشرك عند المسلمين إنما هو كاذب مفترٍ على الله ، والله بريء مما وصفوه به . وزعم هارون فيما روى من قوله إنه إنما شركهم لأنهم كذبوا في صفتهم التي وصفوا بها ولأنهم قصدوا بعبادتهم إلى الذين يزعمون ، أنهم مشركون حلال سبيهم وغنيمة أموالهم . وهم يشهدون بما شهد به هارون أنه الله الواحد الأحد الصمد ويصلون حيث صلى ويطوفون حيث يطوف ويحجون حيث يحج ويصومون الشهر الذي يصومه . فسباهم من مكة وهم يطوفون بيت الله ويغنمون أموالهم !! هذا والله الخلاف لدين الله ودين المسلمين ، وما هذا إلا رأي الأزارقة والصفرية . ونذكركم الله معشر المسلمين لما تدبرتم قوله فإنه قد خالف المسلمين !! .
وقد زعم هارون أنه قد برئ من الإله الذي قصد (1) إليه هؤلاء الفسقة بهذه الصفة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " قصدوا " .

قلنا له إن أقر القوم بالربوبية لله وقصدوا بها إليه حيث واحد صمد ونفوا عنه الأضداد والأنداد والشبه والمثل والنظير ثم قصدوا إليه بصفة كذبوا عليه فيها ، ولو كان ذلك منهم صدقاً لكانوا مسلمين ، غير أنهم كذبة مفترون فيكذبهم وافترائهم على الله كفروا وضلوا ولو كان ما وصفت أعداء الله إنما قصدوا به إلى مخلوق مثلهم لم يكفروا به

لأنهم قد قصدوا وصفهم إياه ، فزعم هارون أنه برئ من الإله الذي قصدوا إليه بهذه الصفة فهذا قول عظيم جدَّاً .
وقال إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه إنني بريء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهديني (1) .
وكذلك نحن نقول كقول إبراهيم عليه السلام نحن براء مما وصفوه به ، إياه نعبد وبه نستعين وعليه نتوكل وهو ربنا ورب العرش العظيم .
ويقول هارون إنما أشرك القوم لأنهم قصدوا بعبادتهم إلى الله الذي وصفوا لأنهم كذبوا في صفتهم وكذلك ينبغي أن يكون من وصف الله بغير صفته وكذب في صفته وقصد بعبادته إلى الذي وصف أن يكون عند هارون مشركا . فإن قال ذلك فالقدرية قد وصفوا الله بصفة هو منها بريء وهم كذبة على الله مفترون عليه حيث يقولون : إن الله أراد فلم يكن ما أراد . فلا يكون هذا في القياس إلا عجزا ممن وصفه بالعجز ، وعند الذين وصفوه بالعجز هل يكون هذا عندكم مشركاً ؟! ووصفه إياه بالعجز كذب وافتراء على الله ، غير أنه يقصد بعبادته إليه . وكذلك المرجئة حيث وصـفـت الله أنـه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يشير هنا إلى آيات القرآن الكريم في سورة الأنعام : الآيات 74 - 81 ، وإلى الآيات القرآنية الكريمة من سورة الشعراء : الآيات 70 - 82 .

يعذب أولياءه ، فهذا وصف الله عندكم بصفة هو منها بريء وكـذب عـلى الله وافـتراء

على الله ، ثم قصد بعبادته إلى الذي وصف . أفترون هذا عابدا لله أو عابداً لغيره ؟! وأنتم تبرءون الله من تلك الصفة وتصفونه بغيرها .
فما ترونه عند الذي وصفتم والذي وصفوا غير الذي وصفتم وهو غير الله ، وهو عند هارون إذاً ينبغي أن يكون يعبد غير الله . وكذلك الخوارج حيث زعمت أن الله أمرهم وفرض عليهم أن يسموه مشركا حلال دمه وسبي ذريته وغنيمة ماله وجميع المسلمين ، لمنزلته عندهم . أفترونهم قد صدقوا على الله أم كذبوا عليه وهم يقصدون بعبادتهم إلى هذا الرب الذي يزعمون أنه أمرهم بهذا فيكم وأحله لهم منكم . أفهارون يعبد ربَّا سماه مشركا في كتابه ؟! وأحل دمه وماله وذريته ؟! أو يعبد ربَّاً حرم الله ذلك منه ؟ أفتكون الخوارج قد عبدت ربَّاً غير الذي عبد هارون فهم إذاً مشركون ؟! وكذلك جميع أصناف أهل الصلاة ينبغي أن نسميهم بالشرك لأنه تعبد غير الذي تصفون ؟!
فاتقوا الله معشر المسلمين وانظروا دينكم ولا يلبسه عليكم أهل اللبس والخلاف .
لقد أخبرني شيخ من المسلمين عن أمه أنها قالت : كان المتكلم من المسلمين يقول في مجالس الذكر قبل خروج نافع بن الأزرق ، أبصروا دينكم وتعلموا دينكم فيبكون ما

بقي المتكلم يقول (1) ، أبصروا دينكم وتعلموا دينكم وأبصروا فقد أبصرناه وتعلمناه ، قال : قالت : حتى أحدث نافع بن الأزرق ما أحدث من تسمية الشرك واستحلال السبي والغنيمة ، وقطع عذر القاعد (2) الذي لم يخرج معه ، فثبت أهل العلم والبصائر وهلك من تبعه .
وكانت المحكّمة (3) واحد لو حكم رجل من المغرب تولاه من كان منهم بالمشرق ولو حكم بالمشرق تولاه مَنْ كان بالمغرب .
فلما خرج نافع بن الأزرق وتسمى بالشرك وقطع عذر القاعد واستحل في الدار التي خرج إليها ما لم يكن يستحل في الدار التي خرج منها ، واستحل السبي والغنيمة ، خلعه المسلمون وبرءوا منه ، ولم يشهدوا عليه بالشرك كما شهد عليهم به .
وزعم هارون (4) إني أزعم أن المتأول في النبي صلى الله عليه مشرك وأن المتأول في الله ليس بمشرك !! فانظروا في قوله وقولي !! وأن محمداً رسول ، ثم قال ليس هو الذي يقولون !! فهذا إنكار لمحمد وإنكار لنبوته لأنه إذا قـال هـو غـيـر هـذا فـقد جـحـد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " كتب في المخطوطة " .
(2) القاعد أو القعدة : هم الخوارج المعتدلون وكانوا يؤثرون السلم وعدم اللجوء إلى السيف لفرض آرائهم .

(3) يعني الخوارج المعتدلين أو الأباضية .
(4) لاحظ أنه مرة يكتب هرون بالألف ومرة يكتبها من غير ألف ، والشكلان صحيحان .

وأنكر ، وتكذيب لمحمد !! فمن جحد أو كذب أو أنكر محمداً فهو مشرك ، وليس هذا تأويل إنما هو إنكار منه أن يكون محمد رسول الله . فالمقر بمحمد إذا لم يقر أنه الذي يعني في الطول والجسم واللون ، أن يكون مشركاً وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً بن عبدالله بن عبدالمطلب يرفع من نسبه غير مخالف للمسلمين فيه يقول هو الذي يعنون لا يذهب في معناه إلى غيره . فمن أقر أنه رسول الله حقّاً وأنه خاتم النبيين ثم وصفه بغير ما انتهى إلينا من صفة جسمه ولونه ، هل يكون بذلك منكراً له غير عارف به ولا مقر به ؟! ويكون منكراً له جاحداً به ؟!
والمتأول في الله أعظم جرماً ، وهذا الواصف عدو لله . قد أقر بجملة ما أقر بها المؤمنون ثم تأول القرآن ، فقال إني أجد في القرآن أنه : {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (1) و {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} (2) و {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} (3) و {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (4) . وقوله لموسى إني أنا الله رب العالمين {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} (5) ، وأشياء في القرآن ، وتأول ذلك عليه غير تأويل المسلمين ، غير أنه مقرّ لا شبيه له ولا نظير ولا عدل له ولا ندّ ولا ضدّ ، ينفي عنه هذه الأشياء فهو مقر عندنا ، حكمنا فيه حكم المقرين . فمن قال إن له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الفجر : آية 22 . (2) سورة البقرة : آية 210 .
(3) سورة المجادلة : الآية الأولى . (4) سورة طه : آية 46 .
(5) سورة طه : آية 12 .

شبيه أو مثل أو نظير فهو بهذا مشرك . فقد زعم في كتابه أني أشرّك من تأول في محمد ولا أشرك من تأول في الله . فقد تأول في الله ، فمن تأول في الله بما يعلم أنه جاحد لله أو منكر له أو مكذب له فهو مشرك ، ومن تأول فلم يبلغ به تأويله جحود ولا إنكار ولا تكذيب لله ولا ملائكته ولا كتبه ولا اليوم الآخر شهدنا عليه بالكفر والضلال والنفاق ، وحكمنا عليه بأحكام أهل قبلتنا كما يحكم فيهم المسلمون قبلنا ، لا نسميهم مشركين ولا نستحل منهم سبي ولا غنيمة .
بذلك جرت السنّة فيهم ومضى السلف الصالح من أئمة المسلمين عليه ، وقاتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله (1) كما قال الله تبارك وتعالى .
هذا قولنا وقول من مضى من المسلمين رحمهم الله : مرداس بن أبي بلال ، وعبدالله بن يحيى ، والمختار بن عوف ، والجلندى بن مسعود ، وهم سلفنا وأؤلياؤنا وأئمتنا . فقد دعونا وأدبونا ودلونا على الطريق والسبل من المنهاج المبين الذي فيه النور ، فرحمهم الله ورضى عنهم وجزاهم عن الإسلام وأهله خيراً ، فنسأل الله أن يلحقنا بهم على الوفاء والصدق ، غير محدثين ولا مبدلين ولا مخالفين الإسلام القديم ، حتى يجمع بيننا وبينهم في جنات النعيم .
وقيل لأبي عبيدة إن مقاتل ، وكان من علماء قومنا يقول إن الله خلق آدم على صورته فقال : كذب مقاتل ولم يسمه بالشرك ولا نسبه إليه . فقولي قول أبي عبيدة رحمه الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إشارة إلى الآية القرآنية الكريمة : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . سورة الحجرات : آية 9 .
وقد أقر هارون في كتابه أنه ليس من دين المسلمين تشريك أهل القِبلة وأنه لا شرك في أهل قبلتنا وأنهم موحدون غير خارجين من التوحيد . فقد صدق هذا قول المسلمين ، فليخبرونا عن الذين شهدوا عليهم بالشرك وسماهم به ودان به فيهم ، أين قبلتهم ، وإلى أين يصلون ، وأي شهر يصومون ؟!
فإنه يعلم أنهم لا يصلون إلا إلى البيت الحرام ، ولا يصومون إلا شهر رمضان . فإن كان دينه دين المسلمين فلا يسميهم بالشرك ، وإلا فلا يكذبن إذا رويت عليه أنه سمى أهل القبلة بالشرك ... فليظهر للمسلمين ولا ينفيه عن نفسه ولا يكذب من رواه عليه وليصدقه ...
وما تقول في ذبائحهم ومناكحهم .... أخلال مناكحتهم وذبائحهم وهم مشركون ؟! وحرام إذا كان معهم في التقية؟! هل يجوز ذلك منهم لمن عرفهم .
فقد بيّنت لكم وفسرت قول المسلمين وأخبرتكم بحفظي عنهم ، وطوّلت عليكم ورددت كلامي لتفهموه !! فانظروا فيه وتدبروا واعرضوه على كتاب الله واجمعوا بينه وبين ما عندكم من سنن المسلمين وكتبهم ، فإن وجدتم أحداً من المسلمين ينسب أهل الصلاة من أهل القبلة المصلين إلى البيت الحرام إلى شرك ، أو حكم عليهم وفيهم بالسبي والغنيمة ، وإلا فاعرضوا من الموافق لهم ومن المختلف .
انظروا في سيرة هلال بن عطية ، وكتب جابر بن زيد ، وكتب خلف بن زياد ، وما وضع المسلمون من سيرهم وأحكامهم ، فقد أثروا وبيّنوا ونصحوا ، فرحمهم الله .

وقد بلغنا عن عبدالله بن مسعود (1) رحمه الله أنه قال : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عبدالله بن مسعود : هو عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ، صحابي ومحدث كبير ومن السابقين إلى الإسلام . وهو أول من جهر بالقرآن في مكة . وكان من ألزم الناس للنبي عليه الصلاة والسلام في حله وترحاله . ولي بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بيت مال الكوفة ، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان بن عفان فتوفي فيها عن نحو ستين عاماً . ) انظر : ( ابن حجر العسقلاني : الإصابة في تمييز الصحابة : ج2 ص 368 ) .


فإنكم إن أصبتم فقد سبقتم سبقاً بيناً ، وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا مبيناً .
فعصمنا الله وإياكم من كل فتنة وشبهة وخلاف وبدعة ، برحمته إنه أرحم الراحمين .
أخبرني الربيع أن أبا عبيدة قال : لعن الله المحدِثة !! زعموا لو أن امرأة منهم طافت بالبيت في خامة رقيقة لا تواري جسدها ولا وجهها أنها مسلمة عندهم .
أفترون رحمكم الله أن أبا عبيدة رحمه الله لعنهم على ولايتهم إياها ، وهو يقف عنها ويقول ، لا أدري لعلها مسلمة ، بل الدليل عندنا على أنها كافرة عنده لعنه إياها ولا تحل الولاية لها . وهارون يزعم أنه يقف عمن تولاها وعمن برئ منها ، ولا بد أن يكون أبو عبيدة هو المخطيء وهارون هو المصيب !! أو هارون هو المخطيء ، وأبو عبيدة المصيب !!
بل نعلم والحمد لله أن أبا عبيدة عندنا أولى بالصواب وأحق به . إنما يتبع هارون القياس ، وليس في دين المسلمين (1) قياس ، إنما هو كتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم ، وآثار المسلمين نتبع ويؤخذ بها ويقتدى بها .
وكان أبو عبيدة يقول : مَنْ ذهب في القياس ذهب في الدمار .
فاتقوا الله !! وانظروا لأنفسكم لا يزلكم الشيطان فقد أزل(2) من كان قبلكم !! فإنما هي فتنة نصبها الشيطان لهذا الرجل فخدعه حتى قيل في هذا القول من الجهمية الفسقة المفارقين للمسلمين المخالفين عليهم لعنة الله وغضبه ، وحكم فيهم بأحكام الصفرية ، لأنه حيث سماهم بالشرك لم يجد بدا أن يحكم فيهم بأحكام أهل الشرك من القتل والسبي والغنيمة ، وهم أهل القرآن ، القراء له ، المتأولون فيه ، لم يرضوا إلا (3) بقراءته وبتتبع حروفه والقراءة والحفظ له حتى تعلموا تفسيره ، فقاموا به الليل وتهجدوا به ويكون عند ذكر الله الثواب والعقاب .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني هنا المذهب الأباضي .
(2) كتب في المخطوط : " أزال " .
(3) " إلا " : زيادة من عندنا ليستقيم المعنى .

وأنا أنشدكم الله هل تعلمون أن اليهود ينسبون إلى التوراة لإقرارهم بها ، وأن النصارى ينسبون إلى الإنجيل لإقرارهم به ، وينسبون في الصلاة إلى الصليب لأنهم جعلوه بين أيديهم ، وصلاتهم إلى الشرق لأنهم وجهوا وجوههم إليه ، فالمشرق والصليب قِبلتهم ، به يقرون وإليه ينسبون ، وأن اليهود توجهوا بصلاتهم إلى بيت المقدس ، فبه يعرفون وإليه ينسبون .
فأخبرونا إلى من يُنسب هؤلاء الذين سميناهم بالشرك ؟! هل لهم كتاب غير القرآن ننسبهم إليه؟ أو قبلة غير القبلة ننسبهم إليها؟ فليتق الله خصمنا ولينصفنا !!
هل علمتم أن أحداً من المشركين ينسب إلى القرآن ، بكون القرآن ينسبون إليه أو تكون القبلة هي قبلتهم ينسبون إليها ؟! فإن زعموا أنهم ليسوا بأهل القرآن ولا أهل القبلة ، قيل لهم : لِمَ؟َ فإن قال : لأنهم يقرون بالقرآن ويصلون إلى البيت الحرام ، وإن قال : ليسوا من أهل ثواب القرآن فقد صدق ، وقد نسب إلى القرآن من ليس له من ثوابه شيء ، بل عليه عقاب القول . وليس من أقر بالقرآن مشرك لأنه بإقراره بالقرآن خرج من الشرك ولا يرجع الشرك أبداً أو يرجع عما أقر به من القرآن .
فأبصروا دينكم واعرفوه وتعلمون وذبوا عنه وزيّنوه بما زينه الله ، فإنه سبيل واضح الطريق ، منهج نور وهدى . فإنا لا نقدر أن نفسر لكم جميع حجج المسلمين وقراءة القرآن وتبيانه ، يطول ذلك علينا . وفي هذا إبلاغ .. وأنا أقول كما قال العبد الصالح

: ما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون . وتذكروا رحمكم الله {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الرعد : آية 29 ، وسورة الزمر : آية 9 .


وقال الله تبارك وتعالى : {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} (1) . وقال : {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (2) .
قد اجتهدت جهدي ونصحت لكم وأبهجت سبيل المؤمنين وقولهم وبينت وأوضحت طريقتكم ، فاتبعوا إخواني ولا تبتدعوا . فقد كفيتم وأثر لكم أوائلكم أثراً ، فإنه لا يهلك إلا من خالف المؤمنين ، وترك سبيلهم لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه عمن يتبع غير سبيل المؤمنين : {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (3) .
تمت السيرة سيرة محبوب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعلى : الآيتان 9 - 10 .
(2) سورة الذاريات : آية 55 .
(3) سورة النساء : آية 115 .

(8)
هذه سيرة محبوب بن الرحيل
إلى
أهل حضرموت في أمر هارون بن اليمان


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى من بلغه كتابنا هذا من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو العزيز الجبار الواحد القهار الذي علا فقدر ، والذي ملك فقهر ، والذي شاء (1) فجبر ، والذي كان عرشه على الماء إذ لم تكن سماء مبنية ولا أرض مدحية ، ولا شمس تضيء ، ولا قمر يسري ، ولا نجم يجري ، ولا جبل مرسي ، ولا سحاب منشأ ، ولا صوت يسمع ولا دين يتبع ، ذلك الله الذي أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً ، وأتقن ( خلق السموات والأرض ) (2) ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ، يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم وهو

العزيز الحكيم ، القوي الرحيم ، الودود الشكور ، المؤمن المهيمن ، العزيز الجبار المتكبر ، سبحان الله عما يشركون وتعالى عما يقول الظالمون ويصفه به المنافقون .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " شاء " : زيادة من عندنا .
(2) في المخطوطة : كل حبرا .


سبحانه وتعالى علوّاً كبيرا ، هو الله الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، إياه نعبد وإليه ندعو وهو رب العرش العظيم .
أما بعد ، فإنا نخبركم - رحمكم الله - ونشكو إليكم ونستعين بالله لنا ولكم على قوم أحدثوا في الإسلام وخالفوا قول المسلمين وابتدعوا عليهم أموراً لم يقبل به من المسلمين قبلهم ، وتركوا ما مضى عليه أوائل المسلمين الموثوق بهم المأخوذ عنهم المقتدى بهم من الأئمة الفقهاء الذين مضوا على سبيل الهدى ومنهاج المؤمنين ، ليس لهم اختلاف ولا تنازع أن الجمعة خلف أئمة قومهم فريضة يرغبون فيها ويسارعون إليها ويعظمونها بالاغتسال ولبس ما حسن من الثياب والطيب تعظيما ورجاء ثواب الله عليها .
وقد بلغنا أن أهل عمان كتبوا إلى جابر بن زيد - رحمه الله - يسألونه : هل يأتي الجمعة من لا يسمع النداء ؟ فكتب إليهم جابر بن زيد : لو لم يأت الجمعة إلا من سمع النداء لأقل الله أهلها ، بل تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة (1) ومن قدر أن يأوي إلى منزله فعليه .
وبلغنا من جابر بن زيد - رحمه الله - أنه خرج يريد الجمعة فتلقاه الناس منصرفين فشق عليه ذلك يومئذ وقال : اللهم لك عليَّ ألا أعود . وكان يجمع خلف زياد وخلف عبيدالله بن زياد والحجاج وهم الذين بلغوا في قتل المسلمين ما لم يبلغه أحد من الناس ،

وقد كان الحجاج ربما أخر صلاة الجمعة حتى يصلي الظهر والعصر والمغرب في مقام واحد مما يؤخرها ويمضي بها ، فلما هلك الحجاج صليت الجمعة لوقتها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " وثلاث " .


قال ضمام (1) - رحمه الله - وكان من فقهاء المسلمين وعلمائهم وهو معلم أبي عبيدة الأكبر - رحمهما الله جميعاً - فبلغنا أنه قال : الحمد لله الذي رد علينا جمعتنا لو كانت الجمعة بخراسان كانت أهلا (2) أن توتى . وكان ضمام بن السائب وصالح وأبو نوح ونظراؤهم من فقهاء المسلمين ومشايخهم إذا اشتد عليهم الحر في شهر رمضان يأتون المكلأ (3) حيال المسجد الجامع ، ثم يمشون إلى المسجد ليجمعوا به ثم رجعوا بالعشي مشاة إلى منازلهم .
وأخبرني قرة بن عمر بن الأزرق - رحمه الله - وكان حبراً فاضلا أنهم تهيأوا للخروج إلى مكة حجاجاً لثمان بقين من ذي القعدة ومروا بحاجب بن مسلم (4) - رحمه الله - وهو يريد الخروج معهم وذلك غداة الجمعة فقال لهم حاجب : إن في نفسي من الجمعة حاجة . قال أصحابه : يرحمك الله !! ذهب الأيام ونخاف الفوت ، فقال : امضوا أنتم ، وتخلف عنهم حتى جمع ، ثم رجع فلحقهم بموضع يقال له : الرحيل (5) مرحلتين من البصرة كراهية لتركها ورغبة في إتيانها . فقال هؤلاء المحدثون المخالفون : لا نرى أن نجمع خلف قومنا وهذا منهم زهد فيها وتصغير لها معهم ولمن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو ضمام بن السائب الأزدي العماني ، العالم الفقيه . كان أستاذا لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وللإمام الربيع بن حبيب .
(2) كتب في المخطوط : " أهل " . (3) المكلأ : مرفأ السفن . الساحل . كل موضع يستتر فيه من الريح .
(4) من العلماء العمانيين في القرن الثاني الهجـري المـعاصـرين لمحبوب بن الرحيل : حاجـب بن مـسلم وقـرة بن عـمـر بـن الأزرق .
(5) في نسخة كتب هذا الموضع باسم " الرحيل " وفي نسخة أخرى كتب " الوبيل " .

رغب فيها من المسلمين وخالف عليهم وطعن في الدين . فعاتبهم المسلمون في ذلك وناشدوهم الله ، وخلاف من مضى من فقهائهم ، فأبوا وتمادوا ولجوا في بدعتهم أنهم قد أدوا فريضة وأنهم صنعوا أمراً جائزاً لهم واسعاً ، وكان ذلك مما بان للمسلمين وصح عندهم وعرفوا به خلافهم وبدعتهم وحدثهم أنهم يقرون على أنفسهم أنهم يصنعون غير ما صنع فقهاء المسلمين وعلماؤهم ، وكفى بذلك بلاء وسوءاً لمن عقل ، لأنه لا يكون من خالف وصنع غير صنائعهم كمن تابعهم واتبع سبيلهم لأن الله تبارك وتعالى يقول : {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (1) . وتكلموا - أيضاً - بالشك والعماء والحيرة بأمر ما بلغته شكاك قومنا أن زعموا أن امرأة منهم مقرة بدينهم ثبتت ولايتها عندهم بدين ، ثم رأوها في مجلس الشباب تسقيهم نبيذ الحلو وتشرب معهم وهي بين أيديهم في قميص رقيق لا تستر من جسدها شيئا يغمزونها بأيديهم وتلاعبهم ثم يصيبون منها حيث شاءوا بأيديهم من جسدها ومن

فرجها إلا أنهم لا يبلغون ما يشهدون عليهم أنهم زنوا بها ، وقد قضوا منها حاجتهم وشهوتهم ووجب عليهم الغسل فيما أصابوا منها ، فزعموا أنها (2) لم تبلغ بذلك منزلة يبرءون (3) منها وأنهم لا يدرون لعلها مسـلمة ولـية لله . فـقـال المسلمـون وأهـل الفقه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 115 - وقد وردت سهوا بعض الأخطاء في كتابة هذه الآية .
(2) في المخطوطة : " أنهم " .
(3) في المخطوطة : " يبرأ " .
والعلم ومن يقتدى به ويتبع أثره ، على هذه المرأة لعنة الله عليها (1) وعلى من يتولاها ، فقال أهل البدعة والخلاف لا نتولاها غير أنا نقف عنها . ولا ندري فما نحن عندكم ؟! قالوا : نقف عنكم كما وقفنا عنها . فرفع (2) المسلمون لهم وباينوهم وطلبوا إليهم الرجوع عن قولهم هذا وترك خلاف المسلمين . فأبوا وبلغ بهم قولهم وقياسهم أن قالوا : لو أن رجلا فعل ذلك بأمه وأخته وابنته أو اشترى غلاماً فلعب به وفعل ذلك بغلمان أحرار ما بلغ ذلك كفواً ولا براءة . بغضب المسلمون عليهم وناشدوهم بالله لما رجعوا إلى معالم دينهم وتركوا العمى والشك والحيرة ، فأبوا ولجوا في طغيانهم يعمهون وقالوا : من برئ من هذه المرأة بدين وقفنا عنه ، ومن وقف عنها فقال مثل قولنا توليناه ، فنصبوا الشك فيها ديناً فهلكوا بذلك عند المسلمين . وقد قال المسلمون لهم : إن السائل الذي يقول للمسلمين فيما يسعه جهله رحمكم الله وقد أبصرتم ما لم

أبصر وعلمتم ما لم أعلم وجهلت ، فإنهم عندي أفضل من نفسي رحمكم الله ديني دين المسلمين ، وإذاً أنا سائل تولوه وعذروه بوقوفه .
وقال أبو عبيدة الأكبر - رحمه الله (3) - الشاك هالك والسائل معذور إذا تولى العلماء والفقهاء الذين برءوا مما لم يعلم الضعيف ما بلغ به فعله وعلمه الفقهاء فليس له أن يقف عنهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " عليها " : زيادة من عندنا . (2) كتب في المخطوط : " فرفعوا " .
(3) " الله " زيادة من عندنا .

وقال أبو عبيدة : لعن الله المحدثة ، يزعمون لو أن امرأة طافت بالبيت وعليها خامة رقيقة لا تواري جسدها إنها عندهم مسلمة ، وأن ذلك الفعل لا يخرجها من الولاية . فلعنهم أبو عبيدة حيث تولوها ولم يخرجوها من الولاية .
وبلغنا عن ابن مسعود - رحمه الله - أنه قال : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وقد أثر الأول للآخر ، فإنكم إن أصبتم فقد سبقتم سبقـا بـينا ، وإن أخطأتم فـقـد ضلـلتم ضـلالا مبينا .
وقالوا أيضا قولا عظيما فيه خلاف للمسلمين وفراقهم ، يزعمون أن قومهم صنفان ، صنف هم أهل الكبائر منافقون تجري عليهم أحكام أهل الإقرار لأنهم مقرون بالتوحيد لم يتأولوا فيه ما وصفه المشركون ، وآخرون براء من التوحيد لأنهم تأولوا فيه

ووصفوا الله تبارك وتعالى بما لم يصف به نفسه وكذبوا في صفته ، والله تبارك وتعالى برئ مما وصفوه به وكذبوا عليه فيه أعظم الكذب ، والفِرا على الله ، غير أنهم لم يبلغوا بذلك عند من مضى من سلف المسلمين وفقهائهم منزلة جحود بالله ولا تكذيب ولا إنكار له ، فلم يسموهم بالشرك ولا ينسبونهم إليه ويحكمون عليهم به ، ولم يلحق منهم سبي ولا غنيمة ، ولا حرموا مناكحتهم ولا موارثتهم ولا ذبيحتهم ، ولا نزلوا عند المسلمين بمنزلة قومهم من أهل القبلة . فزعم المخالفون أنهم قد بلغوا من وصفهم وكذبهم بمنزلة أهل الجحود بالله والإنكار له والتكذيب به وأنهم براء من أهل القبلة وإن صلوا الصلاة وصاموا رمضان وحجوا البيت واغتسلوا من الجنابة واستنقوا من المحيض ، وأقروا بجملة ما أقر (1) به المنافقون من الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وهم مشركون عندهم حلال سبيهم وغنيمة أموالهم ، وهم يصلون إلى القبلة ، البيت الحرام ويطوفون حوله ، فسموهم بالشرك واستحلوا منهم السبي والغنيمة ، قولا لم يسبقهم إليه أحد وإنما هو قول الجهمية عليهم غضب الله . وأخذوا بقولهم وتابعوهم عليه وحكموا فيهم بأحكام الخوارج من الأزارقة والصفرية فاستحلوا منهم السبي والغنيمة في كل ذلك مما خالفوا المسلمين وقالوا بغير قولهم . فناشدهم المسلمون بالله وحذروهم الفرقة وترك ما مضى عليه السلف الصالح من أئمة الدين ، بذلوا مهج دمائهم وقاموا بحق ربهم ، المريدين لله بعملهم منهم مرداس أبو بلال - رحمه الله - وعبدالله بن يحيى ، والمختار بن عوف أبو حمزة ، والجلندى بن

مسعود رحمهم الله جميعاً، فكل هؤلاء قد أظهروا دعوته وأفلجوا وحكموا على قومنا ، فلم يحكم أحد منهم بحكم أهل الشرك ولم يستحلوا ذلك منهم . بل دانوا بتحريم سباهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم بالشرك وضللوا من سماهم بالشرك واستحل منهم السباء والغنيمة . وقد كانوا أول ما تكلموا به يقولون هذا رأي منا ليس نرى فيه شيئاً ، فقال لهم المسلمون أنتم مخطئون عندنا في رأيكم بخلافكم للمسلمين وترككم في قولهم وما مضوا عليه ، وطلبوا إليهم التوبة والرجعة عما قالوا ، فأبوا وتمادوا ولجـوا وبـلغوا في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المخطوطة : " ما أقروا " .

كلامهم وقالوا : نقول بدين ليس برأي ومن لم نعرف شرك ، ما سمانا بالشرك فهو مشرك مثله ، فشركوا من مضى من المسلمين ومن بقي ، وليس عندهم مسلم إلا من قال بقولهم وأن الذين سموهم بالشرك ثم استحلوا منهم السباء والغنيمة زعموا أنهم شبهوا الله بالمخلوقين . وتوسعوا على قومنا في ذلك فزعموا أنهم يقولون إن الله تبارك وتعالى يجيء ويذهب وينزل وأشباه هذا من القول الذي لا يجوز لأحد أن يذكر الفرية ، فزعموا أن من قال هذه المقالة فهو مشرك ، فقيل لهم وكذلك من قال إن الله كلم .... (1) وقال تبارك وتعالى فمن عبد غير الله من الأصنام البكم والحجارة الصم وغير

ذلك مما نجروا وصوروا وعملوا يقيس لهم ويصف لما عبدوا ونصبوا فقال : {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} (2) .
وفي أشياء كثيرة خبر الله بها عن نفسه عن قول الله وأنبيائه ورسله ، وقد بلغنا عن فقهاء المسلمين أشياء كانوا يقولون بها . قال جابر بن زيد رحمه الله في رسالته الرجوف (3) وجاء في الفروج الأعظم وأمر المنادي ينادي هلم إلى ربكم ، وذكر أهل الجنة فقال : عبدوا ربهم أخدانـه (4) ونسبهـم بالكـرامـة وقـال تبـارك وتـعالى : {إِنَّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بعد " كلم " بياض بالأصل . (2) سورة الأعراف : آية 195 .
(3) الرجوف : كتبت في المخطوطة غير منقطة . والرجوف هو زلزلة الأرض ، أو يوم القيامة .
(4) الخدن : الحبيب والصاحب ( للمذكر والمؤنث ، والجمع : أخدان ) .

الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (1) .
وبلغنا عن بعض المسلمين أنه كان يقول في دعائه : أسألك بذلك المقعد الكريم . وكان يقول ضمام بن السائب إنه كان جابر يقول في دعائه وحديثه : ( إن لله يمينا لا شمال له ) . وكان أبو سفيان يقول في دعائه : ( اللهم ارزقنا النظر إلى وجهك الكريم والخلود في دارك ) .

فزعم أهل الخلاف والبدع والحدث أنهم يقولون : ما أمن المسلمون من هذا القول على وجه يجوز ويمضي . فقال لهم المسلمون : أخبرونا عن قول الحسن بن أبي الحسن البصري (2) ومقاتل (3) وفقهاء قومنا إذ قالوا : إنه تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان وعشية عرفة وأنه قد كلم موسى تكليما وتجلى للجبل وأنه في السماء وأنه خلق آدم على صورته وأشباه هذا من القول وتأول منه وحاجَّ بالقرآن ، فهو مشرك يسبى ويغنم وقد خرج من التوحيد وإن أقر بالقبلـة (4) ، ولـيـس من أهـل التوحيـد وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القمر : الآيتان : 54 - 55 .
(2) الحسن بن أبي الحسن يسار البصري ويكنى بأبي سعيد . من سادات التابعين ، أبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري . ولد على الرق لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة 110 هـ ( انظر : ابن خلكان : وفيات الأعيان ) .
(3) هو مقاتل بن سليمان بن داؤد الخوارزمي . وكان من الشيعة وروي أنه قال : إن الله ذو صورة . ( انظر : القلهاتي : الكشف والبيان ج2 ص 468 ) .
(4) كتب في المخطوطة " وإن أقر بجملة " ، ولعلها " وإن أقر بالقبلة " .
صلى إليها ، يحكم عليه بحكم أهل الإقرار بالإقرار لأنه ليس عندهم من أهل الإقرار وإن قرأ القرآن واحتج به وتهجد به طول الليل !! فأبى ذلك المسلمون وردوه عليهم وأنكروه وخالفوهم فيه وقالوا : ديننا لمن أقر بالقرآن ، ثم تأوله على غير تأويله وحرفه عن مواضعه غير أنه يحاجج بالقرآن وينازع به فهو عندنا في حكمنا

من الموحدين المقرين ما لم يجحد ما أقرّ به أو يرجع أو يكذب به فهو منافق ضال كافر برئ من السبي والغنيمة ، حكمنا فيهم حكم أئمتنا مرداس أبو بلال ، وعبدالله بن يحيى والمختار بن عوف أبو حمزة ، والجلندى بن مسعود - رحمهم الله - فبهم نقتدي وهم سلفنا وأولياؤنا وأئمتنا ، رحمهم الله ورضي عنهم . حكموا فيهم بحكم الموحدين المقرين ، ولم يسبوا ذرية ولم يغنموا مالا وعابوا وشتموا جميع من سماهم بالشرك واستحل منهم السبي والغنيمة ، وفارقوا الخوارج ان قالوا : نحن براء من إلهكم الذي تعبدون فما نحن عندكم بهذا القول . قال المسلمون : أنتم بهذا القول كفار لستم بمشركين . وقالوا : نحن نعبد الله فإن برئتم من الله فأنتم مشركون . قالوا : نحن نبرأ مــن إلـهكم الذين تعبدون ، قال المسلمون : أنتم متأولون في هذا علينا تزعمون أنا نعبد غير الله وأنكم منه براء ، فمن هنا لكم لم نسمكم بالشرك . ونحن نقول لكم أنا نعبد الله فأنتم براء من الله ؟! قالوا : لا . قال المسلمون : من هنالك لم نسمكم بالشرك ، وإنما فارق المسلمون جميع الخوارج على تسميتهم أهل القبلة بالشرك .
وبلغنا عن جابر بن زيد رحمه الله قيل له : إن زياد الأعسم كان مسلماً له منزلة وفضل ، فقيل لجابر إنه كان يسمي قومنا بالشرك فقال أرسلوه إليَّ . فقيل له إن جابر بن زيد يدعوك فأتاه ، فقال له : يا زياد ما تقول في هَدى قومنا ، يعني الذين يبعثون بها ، فقال زياد : الحق وآكل أكبادها وأسنامها بأنه لا هدي لهم ، فقال له إذاً ابرأ واخلع . وأن هؤلاء المخالفين قولهم وجاوزوا قول المسلمين ، وما مضى عليه السلف

الصالح منهم . وسموا بعض أهل القبلة مشركين ونفوهم عن القبلة وهم يصلون إليها ونفوهم عن الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وهم مقرون بالجملة بالله وملائكته وكتبه ورسله وثوابه وعقابه ، فدانوا فيهم بدين الخوارج ، ومن لم يشركهم فهو مشرك مثلهم .
وقال بعضهم : من لم يعرف شركهم فهو كافر لم يبلغ به ذلك شرك ، فشركوا المسلمين وكفروهم ونصبوا ديناً ليس ذلك دين المسلمين ، وأن المسلمين كلموهم وباشروهم بالله وطلبوا إليهم أن يرجعوا إلى أصل قولهم الذي مضى عليه سلفهم وأن يجمعوا على أن يسموهم بأسمائهم التي سماهم الله بها والمسلمون ، من الكفر والنفاق والفسق والضلال وأن ينفوا عنهم اسم الشرك ، والحكم فيهم غير المباينة بالسبي والغنيمة ، فأبوا ولجوا في طغيانهم يعمهون ، وقالوا من لم يقل فيهم مثل قولنا فهو كافر . فخلعهم المسلمون عند ذلك وبرءوا منهم وخالفوهم وفارقوهم وأنزلوهم منزلة حيث أنزلوا أنفسهم ، وذلك بعد التأني لهم والرفق بهم وأعذروا إليهم . ليس من دين المسلمين الاعتداء ولا الجور ولا العجلة على بار ولا فاجر ، وكان البراءة والفرقة منهم ، هم بدءوا بها بحيث نصبوا قولهم ديناً يدعون إليه ويكفرون من خالفهم ، فاتقوا الله يا معاشر المسلمين !! وأبصروا دينكم وتعلموه وذبوا عنه وزينوه بما زينه الله فإنه سبيل واضح الطريق منهج نور وهدى وشفاء لما في الصدور ، ونزل به الروح الأمين على صفيه من العالمين محمد - صلى الله عليه وسلم - فبلغ الرسالة وأدى

الأمانة ونصح لأمته ، وكان كما وصفه الله ، بالمؤمنين رءوفاً رحيماً - صلى الله عليه وسلم . ثم لم يزل الإسلام يقوم به قوم بعد قوم ، فأحدث من أحدث وبدل من بدل وخالف من خالف وترك من ترك ونقض من نقض ، وثبت الله المسلمين على القول الثابت وهداهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه .
فجمع الله المسلمين على الصواب والحق والعدل ، ليس بينهم فيه اختلاف ولا تنازع ، إن الناس عندهم صنفان ، فنصف مقرون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والموت والبعث والثواب والعقاب ، وصنف جاحدون منكرون مكذبون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والثواب والعقاب ، فهم اليهود والنصارى والصابئون والمجوس ومشركو العرب ، يعمهم جميعاً اسم الشرك ويحكم عليهم بأحكام أهله . وكل فرقة منهم يحكم عليهم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم . الأربعة فرق اليهود والنصارى والصابئون والمجوس ، إن قاتلتهم حتى يقروا بالجزية عن يد وهم صاغرون ، كما أمر الله في كتابه . فأقرهم رسوله صلى الله عليه وسلم على دينهم وحقنوا بذلك دماءهم وأموالهم ، وأحل الله ورسوله أكل ذبائحهم ، ثلاث فرق منهم ، اليهود والنصارى والصابئون ونكاح نسائهم وحرم نكاح رجالهم ، وحرم ذلك من المجوس . وكان حكمه صلى الله عليه وسلم في مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل ، ولم يستحل سبيهم وغنيمة أموالهم وحرم أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ورجالهم وبذلك أنزل الله في القرآن . والمشركون جميع أصناف اليهود والنصارى

والصابئين والمجوس ، والمشركون عبدة الأوثان والأصنام وهم مشركو العرب . ثم صار أهل الإقرار بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والموت والبعث والحساب والثواب والعقاب ، صنفين ، فصنف أقروا وأوفوا في إقرارهم فهم مسلمون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، وصنف أقروا ثم خالفوا وأحدثوا ولم يفوا بما وفى به المسلمون وبدلوا وغيروا وتأولوا القرآن على غير تأويله وحرفوه عن مواضعه بالتأويل بلا رد منهم للتنزيل ، ولا تكذيب به ولا جحود له ، فهم منافقون كفار ضلّال فسَّاق براء من الشرك كما قال الله : {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} (1) . لا في حكم الإسلام استقروا ولا إلى الشرك رجعوا ، لا إلى المسلمين في اسم الثواب ، ولا إلى المشركين في الاسم والحكم . فليس بيننا وبين قومنا إلا منزلتين ؛ البراءة منهم عند المعصية ، والخلع لهم على خلافهم وما ركبوا من المعاصي ، واستحلال دمائهم عند المباينة بعد دعائهم إلى العمل والاعذار إليهـم وما سـوى الأمور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 143 .

التي أخبر الله من المؤمنين من المناكحة والموارثة وأكل الذبيحة وقبول الشهادة إذا لم يذهبوا معهم . فهذه الأشياء جارية بيننا وبين قومنا بدين ولو كان القوم مشركين كما

قال هؤلاء المخالفون ، لانقطعت الأمور منهم كما انقطعت الدماء والولاية . فهذا دين المسلمين وما مضى عليه سلفهم ، فنعوذ بالله من خلافهم ، ونسأل الله أن يلحقنا بهم على الوفاء والصدق غير محدثين ولا مخالفين ، آمين يا رب العالمين .
فاتقوا الله يا معشر المسلمين واعتصموا بالله وبدينه ولأهل ولايته ، وفارقوا من خالف الحق ورغب عنه وخالف قول المسلمين وطعن عليهم وأحدث في الإسلام ما لم يأذن الله به . فلتكن منكم الغلظة لهم والشدة عليهم حتى يرجعوا إلى الحق وإلى معالم دينهم ودين المسلمين وما مضى عليه السلف الصالح ، مرداس ، وجابر ، وضمام ، وأبو نوح ، وأبو عبيدة عبدالله ابن القاسم ، والمهنأ بن مخلد بن المعمر ، وأبو طاهر ، وأبو المضا ، وأبو الجميل ، وأبو الفضل بن جندب ، وقرة بن عمر وغيرهم ومن لم نسم ، هؤلاء كانوا أعلام المسلمين وشيوخهم وعلمائهم والموثوق بهم المأخوذ عنهم والمعتمد عليهم ، رحمة الله عليهم ، وجزاهم عن الإسلام وأهله الجنة ، ولا جزاء أفضل منها ، فقد أثروا وبينوا وعلموا وأدبوا وتركوكم على منهاج بيَّن مثل الشمس الواضحة ، وهذه نصيحة لكم فاقبلوا نصائحهم ، فإن الله يقول تبارك وتعالى : {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (1) . لأن المؤمنين هي سبيل الله الذي به يرضى عليه يتولى وبه أمر وإليه دعا ، وفقنا الله وإياكم وجعلنا وإياكم من أهله حقا ، فإننا إخواننا قد بينا لكم وقدمنا إليكم النصيحة وأبلغنا الموعظة ، وإنما ينفع الله بالذكر المؤمنين ، فجعلنا الله وإياكم منهـم برحمتـه ، إن ربـي سـميـع الـدعـاء وهـو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 115 .


القريب المجيب .

إخواننا ، عظموا ما عظم الله به نفسه وأعظم عندكم الكلام في الله تبارك وتعالى ، واستوحشوا من ذلك أشد الوحشة وخافوا الله وراقبوه ، فإنه قال تبارك وتعالى : {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} (1) . فنحن نحذركم ذلك ونخوفكم مما حذره الله . فإن الفقهاء كانوا ينهون المتكلمين أن يجيبوا (2) الناس في ذنوب النبيين إذا سألوهم عن ذلك ويقولون لهم : إن النبيين قد سبقت لهم من الله الحسنى وأن (3) لا يكلموا أحداً في ذنوبهم إعظاماً (4) للنبيين ، وتجنب الكلام في الله تبارك وتعالى هم كذلك أشد كراهة وأشد نهيا !! الله أعلا وأجل وأعز من أن يتكلم فيه الناس ، فليس فيه تبارك وتعالى متكلم إلا من لا يتحرج ولا يتورع ولا يعرف بخير . فإياكم والتكلف بما لم تؤمنوا به والدخول فيما لم يدخل فيه الفقهاء المسلمون ولم يتعرضوا به ، وعليكم بما أمرتم به فاعلموا به وما نهيتم عنه فدعوه ، وعليكم بالصبر والورع والتحرج وأداء الفرائض وترك المحارم . ولعمري ما كان المسلمون يرضون عن أنفسهم بذلك حتى يجتهدوا في أنواع العبادة والعمل ، ثم لم يرضوا بذلك حتى بذلوا مهج أنفسهم ودمائهم ، وعفرت وجوههم بالتراب طلباً أن يرضى الله عنهم ورغبة في ثوابه . فرضي الله عن تلك الوجوه ورحم تلك الأبدان والأوصال التي تقطعت فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الرعد : آية 13 . (2) كتب في المخطوطة : " أن يجيبون " .
(3) " وإن " : زيادة من عندنا . (4) كتب في المخطوطة " إعظام " .

اعلموا - رحمكم الله - أن المسلمين ليسوا يتهمون في شيء مما أنزل الله في القرآن من صفته ، وما ذكر عن قول أنبيائه ورسله ، ولا يتوهمون في شيء من ذلك بصفته ولا حد ولا معنى غير ما عنى الله ، ولا يتأولونه على غير تأويله . يقولون هو كما قال الله ليس عندنا فيه تفسير ، وان من وصفه بغير ما وصف به نفسه أو تأول فيه فهو كافر كاذب عدو لله . وإن قال إن الله له يد أو مثل أو ند أو حدّ أو نظير ، فهو جاحد ومكذب منكر مشرك ، وليس أحد ممن يقر بالله وملائكته وكتبه ورسله ويصلي إلى القبلة إلا وهو ينفي (1) عن الله هذه الأشياء .
ونقول إن من قال : إن لله نداً أو حدَّاً أو شبها أو مثلا أو نظيرا فهو مشرك . فمن هنالك لم يقل المسلمون أنهم مشركون ولا يسمونهم به لأنهم ينفون عن الله تبارك وتعالى أن يكون له حد (3) أو ند وضد أو شبه أو مثل أو نظير . فمن نفى عن الله الأشياء وأقر بجملة ما أقر به الموحدون فهو مقر موحد تجري عليه أحكام المقرين الموحدين ، وإنما ملل الشرك خمس ، يهود ونصارى ومجوس وصابئون ومشركو العرب . فليس هؤلاء المخالفين لنا ، وليخبرونا من أي هذه الملل الخمسة التي وصفها الله في كتابه هؤلاء الذين سموهم بالشرك ممن يقر بالله وملائكته وكتبه ورسله ويصلي القبة ، وبأي أحكام هذه الملل الخمسة ، فليأت بتسميتهم في الشرك مع كتاب الله والحكم فيهم ، ولن يأتي به أبداً ولن يقدر عليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " وهي تنفي " . (2) كتب في المخطوطة : " وجد " .
(3) كتب في المخطوطة : " جد " .

فاتقوا الله وأبصروا دينكم ولا يزلّكم عنه من زل ولا يفتننكم من فتن وتزينت له شبهة فدعا إليها ، عصمنا الله وإياكم من كل هلكة وضلالة وبدعة ، وسلم لنا ولكم الدين والأمانة حتى يخرجنا وإياكم من الدنيا سالمين ويدخلنا وإياكم في الآخرة غانمين ، واستودع الله لنا ولكم واستحفظه فإنه خير حافظاً (1) وهو أرحم الراحمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .







ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من الآية الكريمة في سورة يوسف : {فالله خير حافظاً} آية 14 سورة الإسراء ..


(9)
رسالة هارون بن اليمان
إلى
الإمام المهنأ بن جيفر في شأن محبوب بن الرحيل


بسم الله الرحمن الرحيم

سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ، صلى الله عليه وسلم ، وأوصيك بتقوى الله ، فإن تقوى الله كفاية وغنى عما سواهما ، وقد جعل الله لأهلها العرفان من كل لبس ، والنور من كل شبهة ، والبصر من كل عمى ، ودرك ما طلب العباد من الخير النافع الدائم لأهله بعد الموت ، والأمان مما يخاف ويحذر من العقاب الدائم على أهله بعد الموت ، ليس لهم راحة ولا يخفف عنهم . فأبصر سبيل التقوى ومنازل أهلها ، وما الذي وصل به المتقون إلى ولاية الله وثوابه وما الذي استحقوا به اسم التقوى ، فإن الله جعل تقواه طاعته فيما أمر به ونهى عنه ، ثم اسم التقوى لأهلها باتفاقهم لحقوقه وتسليمهم له الطاعة ، فالمطيعون لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه هم المتقون وهم أكرم خلقه عليه وأحبهم ، والمضيعون للطاعة وهم الخارجون من اسم التقوى إذ حلّت لهـم من الله البراءة فاستحـقـوا العـقـوبة ، وهـم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولي المهنأ بن جيفر الإمامة في عمان من سنة 126 هـ إلى سنة 227 هـ .

الذين وصفهم الله {أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } (1) . فانتفع بما أبصرت وأحسن قبول ما وصل إليك من حجج الكتاب ونوره وبيانه ، وتفضيل من فضل من أهل الطاعة في الأسماء والولاية والثواب ، وذم من ذم من أهل المعصية بما نفاهم به بمعصيتهم من اسم التقوى وما سماهم به من اسم الكفر ، وبما استوجبوا به عداوته وخرجوا به من ولايته إلى ولاية الشيطان حيث يقول : {إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } (2) ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين . وقال : {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} (3) . فمن زال عن اسم التقوى لم يكن من الله في ولاية ومن خرج من ولايته ودخل في عداوته صار إلى ولاية الشيطان وكان له وليا .
أما بعد ، دعاني إلى الكتاب إليك النصيحة وأداء الحق الذي أوجب الله للمسلم على أخيه المسلم ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ) . فبدأتك بأمر كنت أحق أن تبتدئني به أنت لأنك إمام وقد ألزمك الله من حقوق الرعية ما لم يلزم أحد غيرك ، فالأمر منا تطوع والأمر عليك فريضة . وقد بلغني أن محبوب بن الرحيل كتب إليك بكتـاب يخبرك فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البينة : الآية 6 .
(2) سورة الجاثية : الآية 19 .
(3) سورة آل عمران : الآية 68 .
بأمر يجمع أهل الآفاق من المسلمين على ذلك ، فإن (1) كنت على بينة من أمرك يعذرك الله به والمسلمون فإن الله قال لنبيه : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (2) . وإلا يجمع لك المسلمون في ذلك كما أجمعوا لك على خلاف من خالفهم من جميع أهل القبلة فقبلت ذلك منهم ، وكانوا أهل الحجة علينا وعليهم فيما قالوا به من أمر الله وأجمعوا عليه ، فلمت ذلك بالذي يجمعون لك عليه ، وإن لم يكن ما أنهى إليك خلاف ما أجمع عليه المسلمون وما يقولون به ، كنت قد أخذت لنفسك بالخطأ (3) وأنزلت بمن أوطأك أمور المسلمين عشوة (4) وأباح لك منهم ما لو عجلت فيه استحللت فيه سفك دمائهم . حرم الله دمه ما ينزل بمثله فيحل بالمنهي إليك خلاف الحق ما هو أهله من الاستتابة مما يعرف به أهل الحق . أو يتمادى في باطله فيكون هو أولى بالترك والمفارقة ممن فرق بغير الحق ، مع أني لم أبتدع في هذا شيئاً وإنما وطأت آثار من مضى من المسلمين وقلت بما قالوا مما أدبوني وعلموني وهم الماضون رحمهم الله ، وأنا كاتب إليك في أسفل كتابي هذا بالحجة والبيان فيما ذكر لي أنه قد أفتى (5) به عندك . فانظر في ذلك وتثبت فيه لنفسك إن شاء الله ، وفقنا الله وإياك لمـا يحـب ويرضـى من العــمل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) " فإن " : زيادة من عندنا . (2) سورة آل عمران : آية 159 .
(3) كتب في المخطوطة : " بالخط " .
(4) العشوة : ركوب الأمر على غير بيان ، يقال : " أوطأه عشوة " أي أمراً ملتبساً وذلك إذا أخبره بما أوقعه به في حيرة أو بلية .
(5) كتب في المخطوطة : " فتا " .

والقول . كان الذي اختلفنا فيه نحن ومحبوب مما ذهب فيه غير مذهب المسلمين ومما اتبع خلاف قول المسلمين ، ودينهم مما يحكى عن المسلمين ويقذفهم به مما لا يقوله أحد من المسلمين . من ذلك أنه زعم أنهم شركوا أهل القبلة وأنهم يتولون المرأة التي تؤتى منها دون ما يجب به الحد ، وأنهم يحرمون أخذ العطاء من قومهم . وليس ذلك من رأي المسلمين ولا من قولهم ، وسأذكر لك بعض (1) ما قذف به المسلمين ، من ذلك مما ليس من قولهم مما يقوله عليهم مفسراً مع ما ابتدع من خلاف دين المسلمين إن شاء الله . فليس من دين المسلمين تشريك أهل القبلة ولكن قولهم انه لا شرك في أهل قبلتنا وأنهم موحدون غير خارجين من معرفة الله ما أقروا بالوحدانية ونفي الأضداد والأشباه عنه .
وكان أعظم ما ابتدع محبوب وخالف المسلمين فيه أنه زعم أنه من شبه الله بخلقه فزعم أنه في صورة البشر وقصد بعبادته إلى تلك الصورة التي هي مبعضة في مثل البشر أوصال لا يقوم بعضها إلا ببعض وبعضها يحتاج إلى بعض ، فزعم أن هذا موحد عارف لله غير منكر له وأنه يلزمه من التسمية ما يلزم من أتى كبيرة من الكبائر

مما دون الشرك فإنه برئ من الشرك يسمى بالكفر والنفاق ، وأن توحيده وتوحيد الموحدين واحد ، وله من التسمية بالتوحيد ما للموحدين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " ىعى " .

فقلنا له وإنا نقصد بعبادتنا وتوحيدنا إلى الذي يقصدون أهل الكبائر من أهل الإقرار بالتوحيد وقد زعمت أنت أن حال المشبهة كحال أهل الكبائر في كفرهم وتسميتهم بالتوحيد ، فهل تقصد بعبادتك وتوحيدك إلى ما قصدوا إليه هذا الذي زعمت أنه موحد من يزعم أنه عابد لمن عبد المشبهة فيلزمه ما يلزم القاصد إلى عبادة البعض .
أو أن يزعم أنه غير عابد لما عبد فيقول بمثل ما قلنا لأنا نزعم أن كل من وصف الله بغير صفته وشبهه بخلقه وزعم أنه يزول وتخلو منه الأمكنة وأنه محدود تحيط به الأشياء وتحده الأماكن وأنه مبعض أجزاء مختلفة لا يستغني بعضها عن بعض ، فهو خارج من التوحيد ومن معرفة الله جاهل لله غير عارف له إذ كانت معرفته وقصده بالعبادة إلى غير ما عرف الموحدون وقصدوا إليه وهم المبرءون لله من أن يكون له شبيه من خلقه وأن يكون أجزاء متفرقة ، وأن تحده الأمكنة وأن يحيط به شيء من

خلقه بل هو المحيط بخلقه . فلما اختلفت المعرفة منهما وكان كل واحد منهما عابداً لما وصف وعرف وكانت عبادة الموحدين لله لما عرفوا من صفته التي وصف بها نفسه بما نفوا عنه من شبه الأشياء والحدود . وكانت عبادة المشبهة للموصوف الذي وصفوه بالتحديد والتبعيض إذ جهلوا ما عرف الموحدون فلا يكون من عرف الله ومن جهله سواء في التوحيد . وانا نزعم أن كل من قال في الله بما قال في كتابه من قوله : { خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } (1) وقوله : {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} (2) ، وقوله : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (3) ، وقوله : {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (4) ، وقوله : {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (5) ، وأشباه هذا من كتاب الله . فكل من قال بهذا لم نعده يتأول فيه خلاف الحق ، وقال قولي فيه ومعاني ما عنى الله به فهو موحد غير خارج من التوحيد . ومن تأول ذلك فزعم أن هذه الأشياء التي وصف الله في كتابه هي منه كهيئة ما يكون من البشر الذي لا غناية له عن أن يكون له أعلا وأسفل ووسط لا يقوم أعلاه إلا بأسفله ولا يقوم وسطه إلا بأعلاه وأسفله ، وأن منه ما يسمع ومنه ما لا يسمع ومنه ما يبصر ومنه ما لا يبصر محتاج بعضه إلى بعض

عاجز بعضه بما يقوى عليه بعض ، فمن زعم هذا فقد خرج من معرفة الله لأنه لا يجوز التأويل في الله لأنه من تأول في الله فأخطأ في تأويل صفته كان جاهلا لله غير عارف له ، ومن لم يعرف فهو غير موحد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة ص : آية 75 . (2) سورة المائدة : آية 116 .
(3) سورة القيامة : الآيتان 22 - 23 . (4) سورة طه : آية 5 . (5) سورة الفجر : آية 22 .

ومن تأول فيما أمر الله به ونهى عنه من الفرائض فأخطأ في تأويله وادعى على الله في خطئه ذلك أن الله أمره بذلك الخطأ الذي أخطأ فيه فهو كافر منافق موحد يلزمه من الحكم والاسم ما يلزم الموحدين . فلم يشك الموحدون العارفون بأن الله واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (1) ولم يشكوا في أن من لم يعرف الله بما عرفه به الموحدون أنه خارج من المعرفة إلى الإنكار له فهذا أعظم ما خالفنا فيه محبوب .
ومما ابتدع مما لم يسبقه إليه أحد من المسلمين ولا ممن خالفنا من أهل القبلة ، وقد علمنا الذي مضى عليه المسلمون من أهل الفضل والفقه مما لا يقدر على دفعه ولا إنكاره ، أنهم كانوا يقولون من تأول فزعم أن محمداً الرسول حق ولكنه غير الذي يعني ، ليس برسول ، أنه مشرك حرام المناكحة والذبيحة ، ثم زعم محبوب أن من تأول في الله فأخطأ في تأويله لا يكون فيه مشركاً . فكيف لا يكون من تأول وأخطأ في

تأويله مشركاً ، وأيهما أولى بالشرك ؟! من أخطأ في صفة الله وجهله أم من أخطأ في صفة غير الله وجهله ، فأي الخطيئتين أعظم؟! المتأول في الله أو المتأول في محمد؟
وكل يكون به عندنا مشركاً ( المتأول المخطئ في تأويله على الله و(2) المخطئ في تأويله على محمد ) كلاهما مشرك عندنا في خطئه ، وتأويله عليهما مشرك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشورى : آية 11 .
(2) لفظ الجلالة " الله " وواو العطف - سقطا من المخطوطة .
والحكم في كل من كان عندنا موحداً فخرج عندنا من التوحيد بتأويله أو جحد ، حكم المرتدين ، إن كان الحكم مما جاز عليهم وهم في الدار مع إمام الهدى فظهر ذلك منهم له ، فعليه أن يستتيبهم من ذلك فإن تابوا قبل منهم ورجعوا إلى ما خرجوا منه من التوحيد ، وإن أصروا وأبوا التوبة وأقاموا على ما ظهر منهم قتلوا وقسم ما تركوا من مال على أولادهم ، ومن كان يرثهم ، لو ماتوا على التوحيد على قسمة الميراث ، وذلك الحكم فيهم من أئمة المسلمين ، فليس بين أهل القبلة جميعاً من خالفنا ومن لم يخالفنا في ذلك اختلاف ، فإن هم اتخذوها داراً وأظهروا ما هم عليه ونصبوه ديناً ودعوا إليه من أجابهم ولم يقروا للمسلمين بحكم منهم عليهم ولم تجر عليهم أحكام المسلمين ، فقاتلهم المسلمون فظهروا على الدار التي هم فيها سبوا وغنموا وبذلك جرت السنة فيهم .

وأما ما ذكر من قولنا في المرأة التي (1) يؤتى منها ما دون الفرج ، أنا نتولاها ، فقد قال علينا في ذلك خلاف الحق وليست لنا هذه المرأة في ولاية ، ولكنه أمر أشكل علينا وعلى من سبقنا من المسلمين ممن ذكر له أمرها ، فلم نجدها بلغت حدّاً يجب عليها بفعلها كفراً ولا ضلالا فوقفنا عنها وقلنا قولنا فيها ، وديننا دين الله ودين المسلمين . فإن تكن بلغت بذلك كفراً من حيث لا نعلم وكل ذلك دين الله فقد دنا فيها بدين الله إذ لم نتولَّها ، وإن لم يكن بلغ بها ذلك كفراً عند الله في دينه كنا لم نهلك بالبراءة منها وكنا قد دنا فيها بدين الله إذ قلنا ديننا فيها دين الله ودين رسوله ، وإنـمـا قـال الـمسلمـون فـي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " الذي " .
إكفار من أكفر وآمن أهل قبلتهم بحكم جاء من الكتاب في كل من أتى كبيرة أوجب الله عليها النار ومن أتى شيئا مما يجب به عليه حد في الدنيا مما سن رسول الله عليه السلام من الحدود مما لم يجيء فيه حد في كتاب الله مثل المحصن الزاني الذي يجب عليه الرجم وشارب الخمر وكل ما أجمعت عليه أنه كبيرة ، فمن أتى شيئاً من ذلك فهو ضال مستوجب لاسم النفاق والكفر .
ومما لم يجيء فيه وعيد من الله في كتابه ولا حد في الدنيا ولا سنة من النبي عليه السلام يجتمع عليها ، ففعل فاعل من ذلك شيئاً يتكاثر في أنفس المسلمين فعله ، وقفنا فيه وقلنا الله أعلم قولنا فيه ، وديننا دين الله ودين النبي ودين المسلمين ، لأن الله قال : {وَلَا تَقْفُ مَـا لَيْـسَ لَـكَ بِـهِ عِـلْمٌ إِنَّ السَّمْـعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (1) .

وقال فيما ذكر من قول الملائكة إذ قال : {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} (2) . فوقفوا عما لم يعلموا . وكان وقفنا فيما وقفنا فيه مما يسع الناس جهله ، ولو ضللها رجل وأكفرها برأي منه ولم يدن على الله بذلك أنه أمره بذلك ، كان ذلك أهون علينا ، لأن الناس إنما هلكوا بما دعوا على الله ما لا يأتون عليه ببرهان من كتاب الله ولا سنـة نبـيه عـليـه السـلام مجتمـع عليهـا لأن الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء : آية 36 .
(2) سورة البقرة : الآيتان 31 - 32 .

يقول : {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ } (1) . وإنما هلكت الخوارج وكل من خالفنا من أهل القبلة بأنهم دانوا بشيء وادعوا في ذلك بأن الله أمرهم بذلك ، فضلوا بما ادعوا على الله مما لم يأتوا عليه ببرهان من كتاب الله ولا من سنة رسول الله مجتمع عليها فاستحقوا عندنا اسم الكفر والنفاق بما ادعوا على الله من خلاف الحق .
وزعم محبوب أن هذه المرأة كافرة عنده بين يدين به على الله وأنه أمره أن يكفرها ، فسألناه من أين أدعى ذلك ؟ فقال في قوله : {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا} (2) . فقلنا له ، أكل معصية كفر ؟ فقد أخبرنا أن للمؤمنين ذنوباً ، فقال : {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (3) . والسيئات معاص ، فمن

أين زعمت أن كل معصية كفر ؟ فلم يأت ببرهان على ما قال يعقله المسلمون من الكتاب ولا من سنة مجتمع عليها لأنا وجدنا المعاصي على ثلاثة وجوه : كبيرة مكفرة لأهلها لما جاء فيها من الوعيد من الله في كتابه أو الحدود في دار الدنيا الجميع عليه ، ومعصية صغيرة مغفورة عن أهلها وهم عن إصابتها مسلمون ، وهو قول الله : {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (4) . فعلمنا أن للمؤمنين صغائر من ذنوبهم معفوا عنها ما لم يصروا عليها ، أو مشبهة بالكبيرة لم يأت فيها حكم معلوم من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الزمر : آية 60 .
(2) سورة النساء : آية 14 ، وقد سقط من المخطوطة قوله تعالى : " ويتعد حدوده " .
(3) سورة النساء : آية 31 . (4) سورة النساء : آية 31 .
كتاب ولا سنة فوقفنا عمن أصابها وقلنا ديننا فيها دين الله ودين النبي والمسلمين ، فإن يكن أهلها بلغوا بها كفراً لم تعلمه فلسوا لنا في ولاية إذ زعمنا أن ديننا فيها دين الله ودين النبي ودين المسلمين . وإن تكن غير مكفرة لأهلها كنا وقفنا (1) ، فلم نهلك فيما وقفنا إذ لم نبرأ فكان ديننا فيها ما دان النبي والمسلمون ، ووجدنا أئمة المسلمين المهتدين وأئمة الهدى يؤتي أحدهم بالمعاصي ، فإذا لم تكن معصية توجب عليها حدا كف وتاب .
ووجدنا المسلمين إذا أقاموا الحدود على أحد استتابوه من بعد أن يقيموها عليه ، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسارق ، إذا قطع أمر به فحسمت يده بعد قطعها ثم أتى به إليه ، فقال له : تبت إلى الله ؟ فقال : تبت إلى الله ، فقال : اللهم تب عليه ،

فرجعت ولايته إذا تاب من جرمه . فعلى الأئمة أن يستتيبوا كل من أقاموا عليه حدا لأنه قد بلغ به ذلك عندهم كفراً فلا يسعهم أن يتركوه على كفر قد بان لهم منه ولا يستتيبوه منه .
وقد أُوتي عمر بن الخطاب بالمغيرة بن شعبة فشهد عليه أربعة بأنهم رأوه بين رجلي امرأة مجتهدا في الحركة قد جلس منها مجلس الرجل من أهله ، فقال ثلاثة منهم : رأينا فرجه في فرجها مثل المرود في المكحلة ، وقال الآخر : لم أره ، ولكني رأيتهما متجردين وهو جالس منها مجلس الرجل من أهله ، فأجمعوا له جميعاً على تجرده ومجلسه منها مجلس الرجل من أهله ، وتفرقوا في رؤية الفرج ، فجلد الذين زعموا أنهم قد رأوا فرجه في فرجها ، ورآهم قاذفين فجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة واستتابهم ولم يجلد المرأة ولا المغيرة ولا الشاهد الرابع ، ولم يستتب المرأة ولا المغيرة ولا الشاهد الرابع .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " وقفنا " : زيادة من عندنا .
ولو كان ذلك بلغ بواحد منهم عند عمر كفراً لاستتابه ، ولو كان ما ذكر من تجردهما وجلوسه منها مجلس الرجل من أهله مكفراً لهما عنده لكان الشاهد الذي شهد عليهما بالتجرد وبالجلوس منها مجلس الرجل من أهله كفراً عند عمر لما رماها به مما لم يقبل قوله فيهما ، واستتابه من إكفاره إياهما بما وصف منهما . لأن من أكفر مؤمناً فهو أولى بالكفر منه ، ولم نجده استتابهما ولا استتاب الشاهد الرابع بما رماهما من

التجرد والاجتماع ولم يجلده كما جلد الثلاثة الذين شهدوا عليهما ، ولم يستتبه كما استتاب الثلاثة الذين حدهم ، فوقفنا لوقفه عن كل من كان مثله فأمر في الوقف . أنزله الله في كتابه لا يستطيع أحد جحده ولا دفعه لأن من جحده جحد بالتنزيل ، قال الله للثلاثة الذين تخلفوا : {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} (1) . وهم ثلاثة نفر من الأنصار ، مرارة بن ربعي وكعب بن مالك وهلال بن أمية ، تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك من غير عذر ، فأمسك رسول الله عنهم وأمر المسلمين أن يمسكوا عنهم ، ولم يظهر منهم براءة ، فوقف حتى يأتيه الوحي من الله . ولم يكن رسول الله متكلفاً يقول بلا علم ، وكان كما وصفه الله في قوله :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة : آية 106 .
{إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} (1) من ربي ، فما أمره الله ائتمر ، وما زجره الله عنه ازدجر ، وما سكت الله عنه سكت حتى يأتيه به البيان .
فلما أن وقع حدث الثلاثة أمسك عنهم حتى نبَّأه الله من أخبارهم ، ولو كان بان له كفر أحد منهم بفعله لم يتركه رسول الله على كفر قد بان له منه ، لا يستتيبه ولا يقوم بحق الله عليه ، فأمسك عما لا يعلم حتى جاء العلم من الله فيهم وأنزل توبتهم فقال : {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ

وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (2) .
وقد بيَّن الله - أيضاً - في كتابه فيما أنزل في أمر عائشة ما لا يستطيع أحد أيضاً ردّه ، إذ قال فيها أهل الإفك ما قالوا وقذفوها بما قذفوها فلم يقم رسول الله عليهم بحد ولا قول إذ لم يأته الخبر من الله فيهم . فاستشار رسول الله في أمر أهله عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد ، فقال عليّ بن أبي طال : يا رسول الله ، النساء كثير ولم يضيق الله عليك ، وقال أسامة بن زيد : يا رسول الله ، أهلك ، فلا نعلم إلا خيراً ، وإن تسأل الخادم يصدقك . فاستعذر رسول الله على المنبر فقال : يا معاشر المسلمين : من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ووالله ما علمت إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت إلا خيراً ، يعني صفوان بن المعطل ، الذي وجد عائشة في المكان (3) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام : آية 50 .
(2) سورة التوبة : آية 118 .
(3) يشير بذلك إلى " حادثة الإفك " ، وما أرجف الناس به عقب غزوة بني المصطلق ، أو المريسيع ، حين عاد النبي صلى الله عليه وسلم وتخلفت عائشة عن الهودج لتبحث عن عقد لها .

(10)
سيرة أبي الحواري محمد بن الحواري العماني (1)
إلى أهل حضرموت

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى أبي عبدالله ، وأبي عمر ، وأبي يوسف محمد بن يحيى بن عبدالله بن مرة ، وأحمد بن سليمان ، ومحمد بن عمر ، وعبدالرحمن بن يوسف ، إخواننا من أهل حضرموت ، من أخيهم أبي الحواري محمد بن الحواري العماني .
سلام عليكم ، أما بعد ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأوصيكم بتقوى الله في سركم وجهركم ، وأن تكونوا على ما أمر الله حريين ، وأن تعملوا بالعدل في رعيتكم وتقسموا بينهم بالسوية ، وأن تأمروا بالمعروف وتجلوا أهله عليه ، وتنهوا عن المنكر وتردوه على من عمل به ، وتنزلوا كل ذي حدث حيث أنزله حدثه وفيهم حكم كتاب الله ، وتحيوا فيهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسيروا فيهم بسيرة أئمة الهدى في حد الغضب فيكم والرضى . ولا يخرجنكم الغضـب من الحـق ولا يدخـلنـكـم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو الحواري محمد بن الحواري العماني : هو أبو الحواري القري المعروف بالأعمى . وكان من علماء عمان الأجلاء في القرن الثالث الهجري ، وممن أثر عنهم الأخبار العمانية . وكان أبو الحواري ممن يقف عن موسى بن راشد ، لا يتولاهم ولا يبرأ منهم . ( أنظر أيضا السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 153 ) .

الرضى في الباطل ، ولا تعاطوا أمر الناس عن قدرتكم عليهم ما لم يأذن الله لكم فيهم ، ولا تخافوا في الله لومة لائم ، واجعلوا الناس عندكم في الإنصاف سواء ، واحذروا أن يستميلكم إلى أحد منهم هوى ، ولا تركنوا إلى أهل الطمع والجهل والعمى ، فإن الله قد حذر نبيه صلى الله عليه وسلم فتنتهم ، فقال : {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ

اللَّهُ إِلَيْكَ} (1) . وقال : {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} (2) .
وقـال : {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَـن يُغْنُوا عَنـكَ مِـنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّـالِـمـِينَ بَعْضُـهُمْ أَوْلِيَـاء بَعْـضٍ وَاللَّهُ وَلِـيُّ الْمُتَّقِينَ.} (3) .
ونوصيكم بطاعة الله ، أن تعملوا بها ، وتدعوا إلى الوفاء بها وأن تحضوا على إقامة شرائع الإسلام والرضى بالحلال واجتناب الحرام ، وأن تعلموا بفرائض القرآن فيما ساءكم أو سركم أو نفعكم أو ضركم ، وأن تسمعوا وتطيعوا لمن ولاه الله أمركم فيما أطاع الله فيه ، وأن تعاونوا على العدل ، وتولوا أهل طاعة الله ولا تولوا أهل معصية الله على معصيته ، فإن الله قد قال : {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : آية 49 . (2) سورة هود : آية 113 .
(3) سورة الجاثية : الآيتان : 18 - 19 .
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } (1) .

وازدجروا عن العصبيات والحميات ، فإنها من الأخلاق الجاهلية ، وأدوا إلى الله جميع ما افترض عليكم من فرائضه وحملكم من أمانته من الصلاة والزكاة وضعوها في مواضعها واعلموا أن من وفى بها فهو من الله على رجية (2) من الإثراء له في سعيه والإيجاب له منه من ثوابه والمزيد له من فضله . ومن سترها أو شيئا منها فقد خان الله ليس من الله في شيء ، وقال الله : {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (3) .
وقد قيل إن هذا لمن بخل بما فرض عليه من الزكاة في ماله ، فلا يقبل الله صلاة من كان في زكاته خائناً ، وقد قال : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (4) .
فمن لم يؤت زكاته لم يقم بما أنزل الله إليه من فرائضه ، وشرائع دينه ومن يبخل فإنما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المجادلة : آية 22 . (2) الرجية : ما يرجى .
(3) سورة آل عمران : آية 180 (4) سورة المائدة : آية 68 .
يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء { والله هو الغني الحميد } (1) .

وإياكم وتوليد الفتن ، وتعاونوا على العمل بكتاب الله وما أنزل الله من الكتاب والسنن وما توفيقكم وإيانا إلا بالله ، وصلى الله على محمد النبي وعليه السلام . وقد وصل إليّ كتابكم تسألون عن خبر معرفة ما قد سبق من أهل عمان وغيرهم ، وذكرتم من الأحداث والأمور السالفة من أهل عمان وغيرهم ، وذكرتم في أمر سعيد بن زياد (2) وكيف كان ذلك .
فالذي بلغنا أن سعيد بن زياد بعث قائداً إلى أهل الإحداث من الشرق فلما وصل إليهم وكان بينه وبينهم ما قد كان فلما ظهر سعيد عليهم واستولى على بلادهم وأراد دمارهم ، فبلغنا أنه بعث رسولا إلى موسى بن أبي جابر (3) وقال سعيد للرسول أن يقول لموسى بن أبي جابر إن سعيداً بقطع نخيل بني نحو (4) فقال له موسى فيما بلغنا : {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} (5) .
فلما رجع الرسول إلى سعيد بن زياد وأخبره ما قال موسى بن أبي جابر ، أقبل سعيد
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة فاطر : آية 15 .
(2) سعيد بن زياد : أحد ولاة الإمام محمد بن عفان (177 - 179 هـ ) .
(3) موسى بن أبي جابر الأزكوي : من علماء وفقهاء عمان في القرن الثاني الهجري .
(4) بنو نحو : بطن من الأزد .
(5) سورة الحشر : آية 5 .

بن زياد على قطع النخل وهدم المنازل . فهذا الذي بلغنا من خبر سعيد بن زياد وقول موسى بن أبي جابر ، وفي ذلك فيما بلغنا قول وائل بن أيوب وقد سألوه عن أحداث سعيد بن زياد وقد قتل وأحرق ، وأسد (1) ، فقال وائل فيما بلغنا ، أما من قتل سعيد ممن قتل من المسلمين فهو حقيق بالقتل ، وأما من قتل ممن لا يستحق القتل وما أحرق من المنازل والأمتعة ، فإن كان الذي بعثه إماماً عدلاً كان ما صنع في بيت مال المسلمين . فبلغنا أنه قال : فأما من حرق ممن حرق من أصحاب راشد فلو ألقي في النار لكان لذلك أهلا . وأما من حرق ممن لم يحرق فلو كان الذي بعثه إماما عدلا لكان ذلك في بيت مال المسلمين فهذا الذي حفظنا من خبر سعيد بن زياد وما كان من أحداثه وما كان من قول موسى بن أبي جابر رحمه الله لرسول سعيد بن زياد ، وحفظنا ذلك عمن حفظنا من أهل العلم المأمونين على ذلك .
وذكرتم في أمر القادم الذي قال فيه وارث بن كعب (2) إنه لم يأمر بقتله ، فالذي بلغنا عن خبر عيسى بن جعفر (3) القادم من العراق في زمان الوارث بن كعب رحمه الله ، فبلغنا أن عيسى بن جعفر لما هزمه الله وأظـهـر المسلمـين عليـه وقـتل من قـتـل مـن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أشد أسدا : صار كالأسد في أخلاقه . أسد عليه : اجترأ . آسد بين القوم : أفسد .
(2) الوارث بن كعب الخروصي : ولي الإمامة عمان في سنة 179 هـ بعد عزل محمد بن أبي عفان وظل إماما إلى أن توفي غريقاً في سنة 192 هـ .

(3) هو عيسى بن جعفر بن المنصور : أخو السيدة زبيدة وابن عم هارون الرشيد . أرسله هارون الرشيد إلى عمان عاملا عليها في سنة آلاف مقاتل فيهم ألف فارس وخمسة آلاف راجل وذلك أيام إمامة الوارث بن كعب الخروصي ، ولكن العمانيين انتصروا على الجيش العباسي انتصاراً ساحقاً وسجنوا عيسى بن جعفر .
أصحابه وأخذ عيسى بن جعفر أسيراً وحبسوه في سجن صحار ، وخرج الإمام وارث بن كعب إلى محاربة عيسى بن جعفر ، فلما بلغ إلى بعض الطريق إلى قرية يقال لها سيفم (1) فلقيه الخبر بهزيمة عيسى بن جعفر فرجع وارث بن كعب الإمام إلى عسكر نزوى . فلما بلغه أن عيسى بن جعفر في السجن فبلغنا أن الإمام وارث بن كعب قام على الناس خطيباً : يا أيها الناس إني قاتل عيسى بن جعفر فمن كان معه قول فليقل ، فبلغنا أن علي بن عزرة ، وكان من فقهاء المسلمين ، قام فتكلم فقال فيما بلغنا : إن قتلته فواسع لك وإن لم تقتله فواسع لك ، فأمسك الإمام عن قتله وتركه في السجن . فلما كان بعد ذلك بلغنا أن قوماً من المسلمين وبلغنا أن رجلا منهم يقال له يحيى بن عبدالعزيز يرحمه الله ، وكان من أفاضل المسلمين ، ولعله لم يكن تقدم عليه أحد في زمانه بعمان يشابه ذكر عبدالعزيز بن سليمان بحضرموت ، فبلغنا أنهم انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام حتى أتوا صحار في الليل فتسوروا السجن على عيسى بن جعفر فقتلوه في السجن من حيث لا يعلم الوالي ولا الإمام فيما بلغنا ، فهذا الذي حفظنا من خبر عيسى (2) بن جعفر .

وبلغنا عن بشير بن المنذر - رحمه الله - أنه كان يقول : إن قاتل عيسى بن جعفر لم يشم النار . فهذا الذي حفظنا من قول المسلمين إذا قتل والي المسلمين في ولايته أو قتل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيفم : قرية عند النهاية الغربية من منطقة أسفل جبل الكور في وادي سيفم ، وهي على بعد ستة أميال أسفل نجد البرك .
(2) عيسى بن جعفر : كتب في المخطوط : " سعيد بن جعفر " .
قائد المسلمين في مسيره أو قتلت سرية المسلمين ، إن دماءهم للمسلمين دون أوليائهم ، وللمسلمين أن يقتلوا من قتلهم كيف ما قدروا عليه في غيلة (1) أو غير غيلة ، وفي ذلك آثار المسلمين قائمة معروفة ، فيمن مضى من أوائل المسلمين . وإني أكره ذكرها مخافة ضياع الكتاب من قبل أن يصل إليكم ، وأرجو أن هذا مما لا يذهب عليكم إن شاء الله ، فهذا ما حفظنا من قول المسلمين .
وسألتم ، وكيف كان قتله ؟ فالذي بلغنا أن الصقر بن محمد بن زائدة ، كان قد بايع المسلمين على راشد بن النظر الجلنداني وأعان المسلمين بالمال والسلاح ، فلما أزال الله ملك راشد بن النظر الجلنداني الفاسق وغير نعمته وأظهر دعوة المسلمين وكلمتهم ، فلما كان بعد ذلك خرج قوم من أهل الشرق من بني هناة وغيرهم بغاة على المسلمين ، فلما ذكروا ذلك للصقر بن محمد بن زائدة ، فبلغنا أن الصقر (2) قال : ومن يقول ذلك وان أخاه مريض عنده في الدار ، فلما هزم الله البغاة وظفر المسلمون بهم تحقق

على أخي الصقر ابن محمد أنه كان مع البغاة ، فعند ذلك اتهموا الصقر بن محمد بالمداهنة لما ستر عنهم أمر أخيه ، وكان الإمام يومئذ غسان بن عبدالله (4) رحمه الله . فبعث الإمام سرية إلى الصقر بن محمد بسـمائـل ، وكـان ذلـك اليـوم الوالـي بسمائـل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الغيلة : اسم من الاغتيال . وغاله يغوله غولا واغتيالا : أهلكه وأخذه من حيث لا يدري .
(2) كتب في المخطوطة : " الصر " . (3) المداهنة : أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن .
(4) كانت إمامة غسان بن عبدالله اليحمدي من سنة 192 هـ إلى سنة 207 هـ .
رجل يقال له أبو الوضاح ، فرفع أبو الوضاح الصقر بن محمد إلى الإمام ، وخرج أبو الوضاح معه فيما بلغنا ، وبلغنا أن موسى ابن محمد رحمه الله خرج مع السرية ، فلما كان في بعض الطريق في موضع يقال له نجد السحامة (1) التقت السرية وأبو الوضاح في ذلك الموضع والصقر بن محمد مع أبي الوضاح وموسى بن علي معهم فيما بلغنا ، فبينما هم في مسيرهم إذ اعترض قوم من الشراة للصقر بن محمد فقتلوه وهم سائرون في الطريق ، ولم يكن لأبي الوضاح وموسى بن علي قدرة على منه الشراة من قتل الصقر بن محمد . وبلغنا أن موسى بن علي رحمه الله خاف على نفسه ، فقلت لمن حدثني بهذا الحديث : فما قال موسى ابن علي ؟ فقال : إن موسى خاف على نفسه ، فلو قال شيئا لقتلوه (2) . فهكذا كان قتل الصقر بن محمد فيما بلغنا وحفظنا هذا عمن حدثنا من أهل العلم المأمونين على ذلك . وبلغنا أن الجلندى بن

مسعود (2) رحمه الله قتل جعفر الجلنداني وابنيه النظـر وزائدة على كتاب بيـعة كانـت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نجد السحامة : كتبت أيضاً " نجد السحامات " أو " نجد السحما " .
(2) يذكر السالمي نقلا عن مصادر قديمة : " ولم يكن من الإمام غسان إنكار على من قلته ، وكانت تلك الأيام صر الدولة وقوتها وجمة العلماء . فيحتمل سكوت الإمام أحد وجهين : إما أن يكون قد صح معه أن صقرا بايع عليه ، واستوجب بذلك القتل ، فأسر إلى بعض الشراة أن يقتله ولم يتشهر هو بقتله كي لا تكون عصبية . وإما أن يكون قد احتيل للقاتل أن يكون قد قتله بحق علمه ، كما احتملوا ذلك في قتل عيسى بن جعفر . وإما خوف موسى على نفسه لو أنكر فلم يتحقق ذلك ، وإنما هو نفس خوف وظن لما رأى من الشدة في الشراة والله أعلم " . (انظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 93 - 94 ) .
(3) الإمام الجلندى بن مسعود : كان أول إمام من أئمة عمان لما انفصلت عن الدولة الأموية في أواخر أيامها وأوائل قيام الدولة العباسية .

منهم على المسلمين ، فلما صح ذلك عند الجلندى رحمه الله أرسل إليهم ، ولم تكن بينهم محاربة فيما بلغنا إلا ما ظهر من كتابهم ، فقدمهم الجلندى فضرب أعناقهم على ذلك الكتاب فيما بلغنا . وبلغنا أن الجلندى فاضت عيناه دموعا فلما نظر إليه أصحابه وعيناه تفيضان بالدموع قالوا : أعصبية : يا جلندا ؟ فقال لهم : لا ولكن الرحم فيما بلغنا ، وكانوا من قرابته جعفر وابناه . فهذا الذي بلغنا من قتل الصقر بن محمد بن زائدة ، والذي بلغنا من خبر الجلندا وقتله لجعفر الجلنداني وابنيه على كتاب البيعة ، ولم يبلغنا ولا سمعنا أن الإمام غسان كان منه إنكار لقتل الصقر ابن محمد بن زائدة ،

وكان ذلك في أيام صدر الدولة وقوتها بأهلها وكان في تلك الأيام جمة من العلماء ، فهذا ما بلغنا من قتل الصقر بن محمد بن زائدة عمن حدثنا من العلماء بذلك .
وسألتم عن المسير الذي ساره المهنى (1) إلى بني الجلندى ، فالذي بلغنا أن المغيرة بن رسن الجلنداني ومن معه من بني الجلندا أو من غيرهم من أهل الفتنة خرجوا بغاة على المسلمين ، وكان أبو الوضاح والياً للمهنئ على توام ، فقتلوا أبا الوضاح وهو والٍ على توام . فلما بلغ ذلك المسلمين ، وكان أبو مروان رحمه الله والياً على صحار ، فسار أبو مروان ومن معه من الناس ، وسار معه المطار الهندي ومن معه من الهند فيما بلغنا ، فلما وصلوا إلى توام وهزم الله الفاسقين وقتل منهم من قتل وهرب من هرب وفرق الله شملهم عمد مطار الهندي ومن معه مـن سـفهاء الجـيـش إلى دور بـني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو الإمام المهنى بن جيفر (226 هـ - 227 هـ ) .
الجلندى فأحرقوها بالنيران فيما بلغنا ، وفي الدور دواب مربوطة من البقر وغيرها ، فبلغنا أن رجلا من السرية كان يلقي نفسه في الفلج (1) حتى يبتل بدنه وثيابه ثم يمضي يمشي في النار حتى يقطع حبال الدواب وتنجو بنفسها من النار . فبلغنا أنهم أحرقوا خمسين غرفة أو سبعين ، فبلغنا أن نسوة من بني الجلندى خرجن هاربات على وجوههن إلى الصحراء فلبثن بها ما شاء الله من ذلك واحتجن إلى الطعام والشراب وكانت معهن أمة (2) فانطلقت الأمة فيما بلغنا إلى القرية في الليل ، ووجدت شيئاً

من السويق (3) وسقاء من أسقية اللبن ، فعمدت إلى الفلج فاحتملت في سقائها من الماء وأبصرها رجل من السرية وقد توجهت بذلك السويق والماء فأدركها الرجل ، فعمد إلى السويق فأخذه وصبه في الرمل ، وعمد إلى الماء فأراقه ، ثم انصرف عنهن خلى (4) النسوة يصرخن ، فهذا الذي بلغنا من أمر المسير الذي سار فيه أبو مروان إلى بني الجلندى بتوام ، وما كان فيه من أمر الحريق وغيره من الأحداث ، ولم يقولوا لنا إن أبا مروان أمر بذلك ولا نهى عنه ولعله قد نهى عنه ، فلم يقدر على ذلك ولم يقبل قوله . ثم بلغنا أن الإمام بعد ذلك بعث رجلين إلى القوم الذين أحرقت منازلهم فدعوا إلى الإنصاف وأن يعملوا ما وجب لهم من الحق ، والله أعلم ما كان بعد ذلك ، فهذا الذي حفظنا من المسير الذي فيه أبو مروان ولم نسمع أحداً من المسلمين يقول : إن
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفلج : النهر الصغير . (2) أمة : جارية .
(3) السويق : الخبز القديد . (4) خلى تخلية : ترك .
ذلك الحق كان صواباً ، بل هو باطل معنا ، والله أعلم بالصواب . ولم نعلم أن الإمام صار إليهم ، وإنما بعث إليهم قائداً فيما بلغنا يقال له الصقر بن عزان وكان من المسلمين ، فبلغنا أنه توافى معه بتوام اثنا عشر ألفاً من الناس .
وسألتم عن أمر دار راشد هل كان فيها أحد من البغاة أو لم يكن فيها ، إلا أن داراً كانت بسمد نزوى وكانت لقوم توارثوها ، وكانت الدار عقوداً على الطريق الجائز ،

وأحسب أنه كان فوق العقود الغرف ، وكانت تلك العقود يقعد فيها أهل الريبة (1) ، فبلغنا أن امرأة مضت في الطريق في تلك العقود في الليل وكانت تلك العقود مظلمة ، فاعترض لها رجل من الفساق في تلك العقود ، فبلغ ذلك غسان الإمام رحمه الله فبلغنا أن غسان أرسل إلى أصحاب الدار وأمرهم أن يهدموها ، وحكم عليهم أن يسرجوا فيها بالليل حتى ينظروا من يكون فيها من أهل الريبة ، فعمد أصحاب الدار فيما بلغنا وأخرجوا خلف الدار طريقاً للناس في أموالهم ، وكان الناس يمرون في تلك الطريق .
فلما خربت الدار بعد ذلك رجع أصحاب الدار إلى الطريق التي كانوا أخرجوها للناس فأخذوها وعمروها ، ورجع الناس إلى طريقهم الأول ، ولو أن أصحاب الطريق لم يفعلوا ذلك لما أمرهم أن يسرجوا في العقود ، ولعل الإمام كان يهدمها ، وهو وجه الحق إن شاء الله ، فهذا غسان قد أمر يهدم الدار لما بلـغه أن أهـل الريـبة إنـما يقعـدون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنظر عن هذه الدار ( حميد بن رزيق : الفتح المبين ص 228 ، والشعاع الشائع ص 37 ، والسالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 95 - 96 ) .
في تلك العقود ، فكيف لو كان فيها أحد من البغاة لكان أعظم وأشد عقوبة .

وذكرتم في كتابكم تسألون عن جميع ما كان من أوائل المسلمين وسيرهم في أهل القبلة من قتل وهدم ، فهذا ما نعجز عنه ويقصر علمنا ، وقال : {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (1) إلا أن نجيبكم بما علمنا من قول المسلمين وآثارهم .
وسألتم عن سلاح أهل البغي إذا تلف لمن يضمنه المسلمون ، ومن قال منهم إنه يغرق ويحرق وينهب إذا استغنى المسلمون عنه وتقطع عنهم المادة ، وقلتم إن هذا كلام وجدتموه عن أبي نضر ، وقلتم هل فرق بين أهل القبلة والمشركين في إتلاف المال ، وقلتم ما الفرق لأن أموال المشركين لهم حتى تغنم وهذه لهم ولا غنيمة فيها .
وذكرتم في أمر أبي بكر الصديق رحمه الله ووصيته ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه إلى الشام ألا يقتل شيخاً كبيراً ولا صبياً صغيراً ولا امرأة ولا تخرب عامراً ولا تقطع مثمراً . فاعلموا رحمكم الله أن من الحق والعدل والذي عرفناه مما مضى عليه سلفنا أنهم لا يستحلون دم من خرج عليهم أو خرجوا عليه من أهل القبلة إلا بعد الدعوة والإعذار والإنذار ، فإذا سار الإمام ومن معه من المسلمين إلى عدوهم لم يبدءوا بقتال عدوهم ولْيتأنَّ لهم حتى يبدءوهم بالدعوة لهم والإعذار إليهم ، فإذا دعوهم فأبوا أن يـقـبلـوا الـدعـوة ويكـفـوا عـن الـحـرب ، جـازهـم أن يبـيـتوهم بعد ردهم الدعوة عليهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء : آية 85 .

ومبارزتهم لهم بالحرب . وكذلك المشركون إذا غزاهم المسلمون ممن كانت له ذمة وعهد أو لم يكن له ، فإذا دعوهم فردوا الدعوة استحلوا قتلهم وسباء ذراريهم وغنم أموالهم . وقد بلغنا عن بعض فقهاء المسلمين أنه قال قد بلغتم الدعوة ، فلا دعوة لهم ، فإذا غزاهم المسلمون في بلادهم فما دامت الحرب قائمة ونارها مستعرة وراية المشركين من أهل الحرب واقفة ، فأموال أهل الحرب صرح (1) للمسلمين أن يأكلوا مما ظهروا عليه من أموال أهل الحرب رغداً بلا حساب ، ويطعموا دوابهم بلا حساب ويغرقوها ويحرقوها ويقطعوها ويهدموها وتقطع عنهم المادة من بعد إبلاغ الدعوة إليهم وإقامة الحجة عليهم ، ويردوا دعوة المسلمين ولا يقبلوها ، فإذا وضعت الحرب أوزارها وقرت بالهدى أقدارها وأطفأ الله بنصره نارها ، حرم ذلك كله جميعاً وردوا الخيط والمخياط وصارت ناراً وشناراً (2) وغلولاً (3) . وقال الله جل ثناؤه : {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (4) .
وقيل : هذا في خيانة الغنيمة ، فمن أكل من بعد ذلك شيئاً من قبل القسمة أو أطعم دابته شيئاً من قبل قسمة الغنيمة أو حرق شيئاً من الغنيمة أو غرقها أو قطع مثمراً أو خرب عامراً فعليه غرم ذلك كله للمسلمين . ولا تكون الغنيمة ولا يجب الخمس فيها إلا من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " هرح" .
(2) الشنار : أقبح العيب والعار ، والأمر المشهور بالشنعة .

(3) غله غلولاً : خان : أخذ الشيء في خفية . (4) سورة آل عمران : آية 161 .
بعد الهزيمة وازدجار العدو ، ثم تكون الغنيمة من بعد ذلك في كل شيء ما دون الأصول ، إلا أن تكون ثمرة مدركة فهي غنيمة وفيها الخمس ، وإن كانت ثمرة غير مدركة فهي تبع للأموال ، فهذا ما عرفنا من قول المسلمين وسيرهم في أهل الشرك . ولا يقتل الشيخ الكبير ولا الصبي الصغير ولا امرأة ، لأنهم ليس عليهم جزية إلا أن يقاتلوا ، فإن قاتلوا قوتلوا حتى يفوا . وقد قال من قال من المسلمين إن الصبيان إذا قاتلوا قوتلوا حتى ينتهوا أو يقتلوا وإن أعان الشيخ الكبير والمرأة على القتال قتلا ، وأما الصبيان فلا يقتلوا حتى يقاتلوا وإن قاتلوا قوتلوا ، فهذا ما عرفنا من قول المسلمين في أهل الشرك من أهل الحرب . وقد قيل في أصولهم وقراهم (1) ، إذا ظهر عليها المسلمون فقد قيل فيها ثلاثة وجوه ، إن شاء الإمام ردها على أهلها ، وإن شاء الإمام أخرج منها الخمس وقسمها بين المقاتلة واحتجوا بذلك بما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ، أخرج خمسها وقسم الباقي بين المقاتلة ، وإن شاء الإمام جعلها صافية تكون للآخر يأكلها بعد الأولى ، واحتجوا في ذلك بما فعل عمر بن الخطاب رحمه الله بفارس ، جعلها صافية يأكلها الآخر بعد الأول ، وإنما كان عمر جعل فارس صافية فيما بلغنا واحتج في ذلك بقول الله : {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} إلى قوله : {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْـوَانِـنَـا الَّذِيـنَ سَـبَقُونَـا بِالْإِيمَـانِ وَلَا تَجْـعَـلْ فِـي قُلُوبِنَا غِـلًّا لِلَّذِيـنَ آمَنُـوا رَبَّنَا إِنَّـكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " قرايهم " .
رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (1) . فبلغنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله قال : استوعبت هذه جميع الناس ، أو قال جميع المسلمين ، فلذلك جعلها صافية (2) وهذا هو المعمول به اليوم ، فهذا مما لا يذهب عليكم إن شاء الله .
وقد بينا كيف يجوز حرق أموال أهل الحرب وإغراقها وقطعها وهدمها خزيا لهم وصغاراً ، أو إنما يكون هذا ما دامت الحرب قائمة كما وصفنا وعرفنا من قول المسلمين .
وقال من قال من الفقهاء إن من كان من أهل الشرك يغزو المسلمين فلا دعوة لهم ، فإن دعوا فأجابوا فالدعوة حسنة ، من أجاب الدعوة قبل منه وحقن الإسلام دمه ، وأحرز (3) ذريته وماله .
فأما أهل القبلة فلا بد من الدعوة ، فإذا ردوا الدعوة حل قتلهم وتبييتهم ولا يحل منهم سباء ولا غنيـمة ، وإنـما أحـل الله السـباء والغنيـمة وسـار به رسول الله صلى الله عليه
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يشير إلى الآيات : 6 - 10 من سورة الحشر .
(2) وضع عمر بن الخطاب الأسس المالية للدولة العربية . ومع أن عمر بن الخطاب اهتم بمصلحة المسلمين بالدرجة الأولى ، فإنه راعى مصلحة المغلوبين وأوصى بالرفق بهم فكان يذهب إلى بيت المال خمس الفيء ، وخمس الغنيمة ، التي ورد ذكرها في القرآن في سورة الأنفال آية 41 {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} . وكان أربعة أخماس الفيء أو الغنيمة يقسم في صدر الإسلام بين المحاربين حتى دوّن عمر بن الخطاب

الدواوين وقدر أعطيات الجند وأرزاقهم . ولم يقسم عمر بن الخطاب الأراضي وتركها بأيدي أصحابها يزرعونها ويؤدون عنها الخراج . ( أنظر أيضا : ابن آدم القرشي : كتاب الخراج ص 4 -5 و ص 13 ، وأبو يوسف : كتاب الخراج : ص 13 - 14 ، والبلاذري : فتوح البلدان ص 265 - 266 ، والطبري : تاريخ الأمم والملوك ج4 ص 229 ، وابن خلدون : كتاب التاريخ ج 2 ص 115 ، والقلقشندي : صبح الأعشى ج 13 ص 324 ) .
(3) أحرز الشيء : حازه وصانه .
وسلم في أهل الشرك ، وأما أهل التوحيد فلا إلا ما كان يستعان به عليهم في قتالهم من سلاح أهل البغي وكراعهم (1) .
وفي كتابكم تسألون : وما الفرق لأن أموال المشركين لهم حتى تغنم وهذه لهم ولا غنيمة فيها . فاعلموا رحمكم الله أن الذي فرق بين أموال أهل الشرك وأموال أهل القبلة السنن الماضية التي يهتدي بها ليس لأحد فيها اختيار ولا قياس ، كما أن أهل الشرك من العرب تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم ولا لهم عهد ولا ذمة ولا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام أو القتل .
وأما أهل الشرك من العجم تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم ولهم العهد والذمة وكلا الفريقين مشرك ، فجاءت بذلك الآثار والسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبطل ها هنا الرأي والقياس . وإنما نحن نتبع ولا نبتدع ، وقال الله وعلى المحصن الرجم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاهما زانٍ وكان على المحصن خلاف ما على البكر .
وقال الله : {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2) . وكان طلاق الحرة ثلاث تطليقات بكتاب الله ، وطلاق الأمَة اثنتان في الأثر الذي تركه كفر . وكذلك الفرق بين أموال المشركين وأموال أهل القبلة ، لأن الإيمان يجمع أهل القبلة جميعاً الباغي والمبغي عليه ، لأن الله يقول : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكراع : اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير .
(2) سورة البقرة : آية 229 .
(3) سورة الحجرات : آية 9 .

فلم يخرجهم بغيهم من الإيمان فيحل من أموالهم [ ما يحل ] (1) من أموال أهل (2) الشرك .
وهذا مما يذهب عليكم إن شاء الله . وأما قولكم في أموال المشركين ، لهم حتى تغنم ، فهو كذلك ، هم أملك بها ما دامت في أيديهم وليست بحرام على المسلمين إذا قدروا عليها ، إذا كانوا حرباً للمسلمين ، إنما تكون أموال المشركين ، وهي حرام على المسلمين ، ما تمسكوا بعهدهم وذمتهم ، فإن لم يكن لهم عهد وذمة مع المسلمين فأموالهم حلال للمسلمين إذا قدروا عليها ، فإذا غزاهم المسلمون فقدروا على أموالهم حلال للمسلمين إذا قدروا عليها ، فإذا غزاهم المسلمون فقدروا على أموالهم بلا حرب من المشركين علم المشركون منهم أو لم يعلموا ، فهي غنيمة للمسلمين وفيها الخمس ، ولا يحدث فيها ما حدث من إتلاف لها ، وإذا كان على هذه الحال لم يجز للمسلمين إتلافها حتى يخرج منها الخمس .
وإذا كانت الحرب قائمة بين المسلمين والمشركين فلا تكن غنيمة إلا بعد الهزيمة ، وللمسلمين أن يحرقوها ويغرقوها ويخربوها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بهم ، يخربون دورهم إذا تحصنوا فيها ، ويقطعون نخيلهم خزياً لهم وصغاراً كما قال الله تبارك وتعالى : {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} (3) . فإذا وضعت الحرب أوزارها حرم ذلك على المسلمين وصارت فيئاً وغنيمة (4) وبطل في ذلك الرأي والقياس .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ما بين القوسين ساقط من المخطوطة ، مضاف من عندنا لاستقامة المعنى .
(2) أهل : زيادة من عندنا .
(3) سورة الحشر : آية 5 .
(4) في الإصطـلاح : الفـيء ما يؤخـذ صـلحا ، أو بـدون حـرب ، والغـنيمة ما تؤخذ بـحـرب أو عنوة .
فإذا قدر المسلمون على أموال أهل الشرك بلا حرب فهي حلال لهم وفيها الخمس كما قال الله تبارك وتعالى : {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} (1) . وإنما كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يريد أن يلقي عيراً لقريش وهي مقبلة من الشام يريد أن يقطعها بلا محاربة ، وفي ذلك قال الله : {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} (2) . فكان غنيمة المال بلا محاربة ففاتهم عير المشركين ولقوا الحرب من المشركين فنصره الله عليهم ، والشوكة ها هنا هي الحرب . ولسنا أنا كتبنا إليكم هذا أنكم جاهلون به ، ولكن جواباً لما كان في كتابكم إلا أن يكون معناكم لغير ما كتبنا به إليكم ، فهذا ما عرفنا من قول المسلمين في أهل الشرك .
وأما أهل البغي من أهل القبلة فلا يحل منهم إلا دماؤهم من بعد إبلاغ الدعوة وإقامة الحجة عليهم ، فيدعون إلى حكم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى الدخول فيما خرجوا منه من الحق ، وأن يلقوا بأيديهم إلى المسلمين وأن يعطوا الحق من

أنفسهم الذي وجب عليهم فامتنعوا عنه ، فإذا ردّوا دعوة المسلمين ولم يقبلوها حل قتالهم ودماؤهم ولا تحرق أموالـهم ولا تـخـرب مـنازلهم ولا تقـطع أمـوالهـم مـن قـبـل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال : الآيتان : 5 ، 6 .
(2) سورة الأنفال : آية 7 .
المحاربة ولا من بعدها ، ولا يحل منهم سبي ولا غنيمة ، وإنما أحل الله السبي والغنيمة وسار به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل الشرك ، وأما أهل التوحيد فلا .
فالذي عرفنا من قول المسلمين عن أبي عبدالله محمد بن محبوب (1) رحمه الله في الإمام إذا سار بمن معه من الناس إلى أهل البغي فكان من جيشه بسط أيديهم في نهب الأموال وإحراق المنازل ، فإن ركب ذلك راكب من جيشه أخذ الراكب لذلك بجنايته في ماله دون بيت مال المسلمين ، فإن لم يصح على فاعل بعينه وكان جيشه هم الذين ركبوا ذلك بلا رأيه وصح ذلك عليهم كان على الفاعلين له ، وإن كان ذلك بأمر الإمام ورأيه وهو يعلم أن ذلك خلاف مسيرة المسلمين ضمن ذلك هو ومن فعل ذلك بأمره وإذنه في مالهم دون مال المسلمين .
وإن فعل ذلك بإذنه ورأى أن ذلك حلال له فهذا خطأ وهو في بيت مال المسلمين . والذي أخذناه من آثار المسلمين الصحيحة في رجل ولاه الإمام بعض أمور المسلمين

فحرق وعقر النخل والشجر وقتل الدواب بغير أمر الإمام الذي ولاه ، وان عليه ما عقر وقتل وحرق وأفسد ، فغرم ذلك عليه في ماله ، إلا أن يكون له في ذلك حجة بينة وأمره واضح يشهد به أهل الثقة بأن الغرم الذين صنـع كانـوا امتنـعـوا أن يعطوا الحـق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توفي أبو عبدالله محمد بن محبوب ، وهو على قضاء صحار سنة 260 هـ .
من أنفسهم ونصبوا له الحرب وقاتلوه فلم يقووا عليهم ولم يقدروا على ما قبلهم من الحق إلا بما صنع بهم ، وأنهم لم يعطوا الحق من أنفسهم إلى أن يبلغ منهم ما بلغ . فإذا كان ما قتل من الدواب وعقر من النخل والشجر وأحرق على هذا الوجه فعليه غرم ما قتل من الدواب وعقر من النخل وحرق ، وعلى الإمام في مال الله ، إذا كان ذلك منه على الشبهة والخطأ فعلى الإمام أن يؤدي عنه خطأه . فهذا ما حفظناه من قول المسلمين وآثارهم أنهم لا يحلوا حرق منازل أهل القبلة ولا قطع أموالهم ، امتنعوا ببغيهم أو لم يمتنعوا .
والذي عرفنا من قول المسلمين وعلمائهم أن أهل البغي من أهل القبلة يستعان عليهم بسلاحهم ، فما تلف منه في حال المحاربة فلا ضمان على المسلمين وهو أصح القول عندنا وأكثر القول معناه وفيه كفاية لمن أخذ به وهو الذي نأخذ به . وما بقي منه ولم يتلف (1) في أيدي المسلمين فهو أمانة في أيديهم حتى يؤدوه إلى أهله وإلى ورثتهم ، وأما أن ينهب أو يحرق (2) أو يغرق فإذا استغنى المسلمون عنه فلا نعرف هذا من

قول المسلمين أن أموال البغاة تنهب والنهب هو بمنزلة الغنيمة وأموال أهل القبلة لا غنيمة فيها .
وبلغنا أن علي بن أبي طالب يوم الجمل أمر ألا يجهز على جريح وألا (3) يتبعن موليا ولا غنيمة في أموال أهل القبلة ولا سباء على ذراريهـم ، فـمـن كـان مـعـه شـيء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " يلتفت " .
(2) كتب في المخطوطة : " تحرق " .
(3) " أمر ألا يجهز على جريح وإلا " : كتب في المخطوط : " ألا لا يجازن على جريح ألا لا " .
فليرده ، فهذا الذي جاء به الأثر عرفناه من قول المسلمين أنهم على هذا ، إلا أنهم قد اختلفوا في بيوت خزائن الجبابرة من أهل القبلة إذا صح أنه من جبايتهم . فوجدنا (1) عن أبي معاوية عزان بن الصقر رحمه الله أن علي بن أبي طالب لما كان يوم الجمل وظهر على طلحة والزبير ، أخذ ما كان من جبايتهم وفرقة على أصحابه ، وكانوا اثني عشر ألفاً ، فصار إلى كل واحد خمسمائة درهم ، فوجدنا هذا في التقييد عنه ، وكان عزان بن الصقر من فقهاء المسلمين . وسمعتُ فيها نبهان بن عثمان وهو يقرأ جواباً عن أبي عبدالله محمد بن محبوب رحمه الله في المسلمين إذا ظهروا على الجبابرة فما وجدوا في بيت مالهم وصح أنه من جبايتهم واحتاج المسلمون إليه جاز لهم أن يأخذوه . وسمعنا فيها قولا آخر ، أن عبدالله بن يحيى طالب الحق رحمه الله لما ظهر على بلاد اليمن عمد إلى خزائن الجبابرة من جبايتهم ففرقها على الفقراء ، فقد

بلغنا هذا وهذا في جبايتهم من الناس إذا صح أنه جبايتهم . فأما أموالهم التي هي لهم فلم نعلم أن أحداً من المسلمين أجاز شيئاً منها ، وفيها قول آخر ، وهو المعمول به المجتمع عليه ، أن ما في بيوت خزائن الجبابرة هم أولى به وذريتهم أولى به .
وبلغنا أن المرداس رحمه الله مر به مال من جباية الجبابرة محمول إلى عدوهم الذي خرجوا عليه ، فأخذ من المال عطاءه ، وقـال لأصـحابـه : مـن كـان لـه عطـاء فليأخـذ
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " فوجنا " .
عطاءه ، وترك ما بقي من المال . وبلغنا عن الجلندا بن مسعود رحمه الله لما خرج عليه شيبان (1) فهزمه الله وأشياعه وأتباعه وخرج خازم بن خزيمة (2) قال للجلندى أن يسلموا إليه سيف شيبان وخاتمه ، فبلغنا أن الجلندى قال : سيف شيبان وخاتمه أمانة في أيدي المسلمين حتى يؤدوها إلى ورثة شيبان ، فأبى خازم أن يرجع عنهم إلا بذلك ، فحاربهم وحاربوه حتى قتل الجلندى رحمه الله .
وقال بعض الفقهاء من المسلمين : إذا ظهر على الجبابرة فوجد في بيت ما لهم مال وسلاح وطعام ووجد خيل فما وجد في أيديهم أو في بيت ما لهم فهم أولي به وذريتهم ولا يحل أخذ شيء من ذلك إلا أن يصح ظلمهم فيه لأحد من الناس ببينة عدل فترد الظلامة بعينها على أهلها ، فإن لم تعرف الظلامة بعينها وصحت بالبينة العادلة بوزن أو كيل أخذ ذلك لأهل الظلامة ، فما وجد في أيدي الجبابرة أو في بيت ما لهم أنهم أولى به .

ونحسب أن هذا عن محمد بن محبوب أيضاً وهو الذي أدركناهم يعملون به ، وهذا ما عرفناه من قول المسلمين وعلمائهم من أهل القبلة .
وسألت أبا المؤثر عن جبار من أهل القبلة خرج باغياً على المسلمين وسار معه قوم من المشركين ، فقال : إن المشركين الذين ساروا مع الجبار لهم من الحرمة كحرمة البغاة من أهل القبلة ، إذا كان إمامهم من أهل القبلة كان المشركون معه بمنزلة أهل القبلة لا تغنم أموالهم ولا تسبي ذراريهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو شيبان الخارجي إمام الصفرية ، جاء إلى عمان بجيش هارباً من الخليفة العباسي السفاح وأرسل إليه الجلندى بن مسعود جيشا هزمه ومن معه وقتله . ( السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 71 - 72 ) .
(2) خازم بن خزيمة الخراساني : أرسله أبو العباس السفاح لاستعادة عمان من الإمام الجلندى بن مسعود .
وسألتم : هل يجوز أن يهدم المسلمون مصنعة (1) قاتل عليها أهل البغي بعد أن ظهر المسلمون على أهل البغي ؟ فالذي عرفنا من قول المسلمين وعلمائهم أن المسلمين إذا ظفروا بعدوهم وظهروا ولم يهدموا لهم داراً ولم يغنموا لهم مالا ، فإن كانت هذه المصنعة مرصداً للبغاة يجتمعون عليها ويحاربون فيها المسلمين ويتخذونها ويتمنعون فيها فإنها تهدم وتخرب . وقد قال الله تعالى : {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (2) . فبلغنا أن المنافقين اتخذوا هذا المسجد مرصداً لقتل النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم ، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرقه . فإذا كانت هذه المصنعة مرصداً للبغاة ، جاز هدمها ونسفها كما وصفنا لكم ما فعل غسان الإمام رحمه الله بأصحاب الدار . وليس أموال أهل القبلة ومنازلهم كأموال أهل الشرك ومنازلهم . وقد كان أبو المؤثر (3) يأمر الناس بحرق منازل القوم الذين دخلوا في دعوة القرامطة وذلك لما حاربوا القرامطة ،

وكان يأمر بحرق منازل قوم دخلوا معهم في دعوتهم لأن لا يرجعوا يسكنونها ، فقلنا له : إن كان هؤلاء القوم بغاة فعليهم غرم ما أحدثوا ، وإن كانوا مشركين ، فأموالهم غنيمة ، فلم تحرق صوافي المسلمين ؟ فأعرض عن كلامنا مغـضباً ، وقـال : لابد لهـم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصنعة والمصانع : الحصن والحصون .
(2) سورة التوبة : آية 107 .

(3) كتب في المخطوطة : " وقد كان أبو " دون النص على الاسم . وكتبنا نحن " وقد كان أبو المؤثر " . وأبو المؤثر الصلت بن خميس ، من علماء وفقهاء عمان في القرن الثالث الهجري ، وفي الأثر أن ذهاب دولة القرامطة من عمان كان في أيام أبي المؤثر ، وأنه أمر بحرق بيوتهم فقال له قائل : إن كان القوم مسلمين فلا يجوز حرق بيوتهم ، وإن كانوا مشركين فبيوتهم فيء للمسلمين ولا يجوز حرقها بعد ذهابهم " فأعرض عنه وقال : لابد للقوم من مخاصم !! احرقوها لئلا يرجعوا إليها " ( انظر أيضا : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 212 ) .

من مخاصم . وكان يحرق منازلهم لأن لا يرجعوا يسكنونها ، وليس الذين أحرقوا منازل الناس قوما يعرفون بأعيانهم ولكن أهل دعوتهم ، أحرقوا منازل الناس ، ودماءهم ، وكان قد ألحقهم بالشرك . وقد يجمع أهل الشرك وأهل القبلة في أحكام ، وفرق بينهم في أخرى ، فإنما الأحكام التي يجمعون فيها مثل السرقة (1) والزنا . وأما الأحكام التي تفرق فيها مثل القذف وشرب الخمر ، الحد على أهل القبلة ، ولا حد على أهل الشرك .
وكذلك يقطع المادة عن أهل الشرك من بعد الحجة عليهم والدعوة لهم وكذلك إذا حاربهم المسلمون وكانوا حرباً لهم . وتقطع المادة عن البغاة من أهل القبلة من بعد إقامة الحجة عليهم وإبلاغ الدعوة إليهم فيردوها ولا يقبلونها .

فإن قال قائل : ما الفرق بين أموال أهل الشرك وبين أموال أهل البغي من أهل القبلة ؟ كان جوابنا له في ذلك أن نقول له : إن أئمتنا على ملة وإنا على آثارهم مهتدون ، وبالذي مضوا عليه مقتدون ، وقد ينسخ التنزيل بعضه بعضاً وكذلك السنن تنسخ بعضها بعضاً ، وإنما نعمل بآخر التنزيل ونعمل بآخر السنن (2) . وقد تـنسخ السنة (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " السرق " .
(2) قال الله تعالى : {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} سورة الرعد : آية 39 . وقال الله تعالى : {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } سورة البقرة : آية 106 . وقال الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} سورة الحج آية 52 والنسخ لا يقع إلا في الأمر والنهي وليس في الخبر ، ( انظر فيما يتعلق بالناسخ والمنسوخ : القلهاتي : الكشف والبيان ج1 ص 357 - 372 ، وأبو القاسم هبة الله بن سلام : الناسخ والمنسوخ ، والبغدادي : الناسخ والمنسوخ ، وتفسير القرآن الكريم للطبري ، والبيضاوي : أنوار التنزيل وأسرار التأويل ) .
(3) يعتبر الحديث الشريف والسنة النبوية الشريفة المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد =

ما في الكتاب (1) والسنة تصديق للكتاب . وقد قال الله : { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } (2) ، فنسخ الدية في هذا الموضع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يتوارث أهل ملتين ) (3) فمضت السنة ، هكذا سمعنا من فقهاء المسلمين ، ووجدنا ذلك عـن محمد ابن محبوب رحمه الله .
وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حد على الخمر أربعين جلدة . وجلد عمر ابن الخطاب ثمانين جلدة بعدهما (4) فوجدنا (5) عن الربيع رحمه الله أنه قال : مضت سنة (6) من تركها هلك .

والمسلمون على ذلك إلى يومنا هذا يحدون شارب الخمر ثمانين جلدة ، ولو أن إماماً حد على الخمر أربعين جلدة وقال : هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمه الله ، ما قبل منه ذلك ولزالت إمامته وخلع منها ، ووجبت البراءة منه . وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم لما وادع المشركين عام الحديبية وكتب الهدنة فيما بينهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= القرآن الكريم ويقول الله تعالى عن نبيه عليه الصلاة والسلام : { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } سورة النجم : الآيتان 3 -4 . والسنة تبين القرآن الكريم وتفصل الأحكام المجملة التي وردت في القرآن الكريم كما تخصص العام ، وتقرر أحكاماً لم ينص عليها الكتاب .
(1) انظر أيضاً في الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة : الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 2 ص 277- 278 .
(2) سورة النساء : آية 92 .
(3) روى الشيخان ، البخاري ومسلم ، عن الرسول عليه الصلاة والسلام : ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ) بينما يرث اليهودي النصراني وبالعكس لأن الكفر كله ملة واحدة ( انظر في هذا الموضوع : أحمد كامل الحضري : المواريث الإسلامية ص 19 ) .
(4) " بعدهما " : أي بعد النبي عليه الصلاة والسلام ، وبعد أبي بكر الصديق .
(5) " فوجدنا " : كتب في المخطوطة : " فوجنا " .
(6) " مضت سنة " : أي أصبحت متبعة بعد عمر بن الخطاب .
: " من محمد رسول الله " فقال له المشركين عام الحديبية لو نعلم أنك رسول الله ما حاربناك . فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على الرسالة ، أعني الاسم ، فيما بلغنا ، وكتب ، من محمد بن عبدالله فلما وقعت المكاتبة بين عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان في الحكمين كتب علي ابن أبي طالب : من عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى معاوية ابن أبي سفيان ، فكتب إليه معاوية : لو نعلم أنك أمير المؤمنين ما حاربناك فدع عنك اسم الإمارة . فبلغنا أن ابن عباس رحمه الله أشار عليه بذلك وروى له ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، ترك اسم الرسالة لما كره

ذلك المشركون ، وكتب : من محمد بن عبدالله . فلما أشار ابن عباس على عليّ ابن أبي طالب بذلك - فيما بلغنا - فترك اسم الإمارة وكتب : من عليّ ابن أبي طالب ومن معه من المسلمين إلى معاوية بن أبي سفيان . فلما بلغ لك المسلمين وصلوا إليه وأنكروا عليه ، وقالوا : ما حملك على أن تخلع اسماً سماك به المسلمون ، ولم يقبلوا من ابن عباس ما أشار به عليه وفارقوه على ذلك حتى رجع إلى اسم الإمارة . وكذلك هذا الذي حد على شرب الخمر أربعين جلدة ولم يقبل منه ، وقد احتج بما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز للناس ، ويجوز للناس ما لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد يحل للنبي ما لا يحل للناس ، وقد يحل للناس ما لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم . وقد حرم الله على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنافقين إذا ماتوا وأحل ذلك للناس ، وقد أحل للنبي صلى الله عليه وسلم هبات النساء أنفسهن وحرم ذلك على الناس ، وقد قيل إنه حرم عليه الطلاق وحلل الطلاق للناس ، لقول الله تعالى : {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب : آية 52 .

وإنما كتبنا بهذا المعنى لأنه يغفله أهل الخاصة من أهل البصيرة ، ويذهب عن العامة . فافهموا رحمكم الله المعنى في هذا ، وأحاديث هذه الأشياء التي حدثت عليكم وأغلقت المعنى على العامة لما نرجو أنه لا يكون فتنة تحل من أموال المشركين ما لا يحل من أموال أهل البغي من أهل القبلة ، إلا أن تحرق البغاة منازل الناس وتقطع أموالهم فإنهم يعاقبون بمثل ما عاقبوا . وقد حفظنا عن بعض الفقهاء فيمن يقطع نخل الناس على


الحرام أنه يقطع من نخله مثل ما قطع ، واحتج بقوله تعالى : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } (1) .
وقد قيل : من أحرق بالنار أُحرق ، وليس لنا ولكم إلا الحق واتباع آثار من مضى من فقهاء المسلمين . وقال الله تبارك وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} (2) ، {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (3) ، وقال : {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (4) .
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (5) .
وقال : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (6) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل : آية 126 .
(2) سورة النساء : آية 94 .
(3) سورة الحجرات : آية 6 .
(4) سورة النساء : آية 94 .
(5) سورة المائدة : آية 8 .
(6) سورة المائدة : آية 2 .


وقال الله : {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} (1) . {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} (2) .
و {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} (3) .

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} (4) .
{وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (5) .
{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} (6) .
واختلفوا من بعد ما جاءهم الكتاب بغياً بينهم ، والفرقة عقوبة من الله مهلكة ، والألفة رحمة من الله ونعمة أمر بها في الدنيا وخص بها في الآخرة وجعلها للذين يتقون ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وآمنوا بآيات الله واتبعوا رسوله (7) والنور الذي أنزل معه ، وأمروا بالمعروف وما أحل الله من الطيبات ، ونهوا عن المنكر وما حرم الله من الخبائث ، واتقوا الله حق تقاته ، وكانوا من المفلحين . فاتقوا الله وكونوا مع الصابرين ، واتبعوا سبيل المتقين ، وَما توفيقنا وإياكم إلا بالله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 26 . (2) سورة النساء : آية 27 .
(3) سورة المائدة : آية 77 . (4) سورة آل عمران : آية 103 .
(5) سورة البقرة : آية 231 . (6) سورة الروم : الآيتان : 3 - 32 .
(7) في المخطوطة : " رسله " .


(11)
ومن آثار أهل نزوى
جواباً من محمد بن الحسن

بسم الله الرحمن الرحيم

قال : الجاهل بحرمة الحدث إذا وافق العالم على البراءة في شريعة اعتقاده في دينه فقد بريء بما بريء به العالم .
ومن لفظ محمد بن روح (1) فيما أحسب : إذا اتفق في دينونة الحق بحكم البراءات في جميع المذكور والمسموع من الصفات واختلفوا في الشهادات ، والحكم فيه حكم أهل الدعاوى .
ومن جواب محمد بن الحسن (2) أيضاً وعن إمام عقد له الثقات وهو غير ولي لك ثم صح عندك العقدة وحملت لك الولاية على ذلك ثم فسخوا عقدة ذلك الإمام الذي عقدوا له الإمامة ، وبعقدهم لذلك الإمام حملت ولايته ، قلت ، ما حالهم معك جميعاً؟! فحالهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمد بن روح : من علماء وفقهاء عمان في القرنين الثالث والرابع للهجرة ، وكان أبو عبدالله محمد بن روح بن عربي ، من الطائفة النزوانية ومن الذين اشتهروا في الرد على الفرقة الرستاقية . والمعروف أن الرستاقية يبرءوا من موسى بن موسى وراشد بن النظر بعد عزل الصلت بن مالك من الإمامة . ( انظر أيضاً : السالمي : تحفة الأعيان ج1 ص 167 ، 220 ) .
(2) محمد بن الحسن : كان من علماء وفقهاء عمان وكان معاصرا للإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب (320 هـ - 328 هـ ) . وفي فترة حالكة من تاريخ عمان حين جاء إليها محمد بن بور عاملا عليها من قبل المعتضد العباسي سنة 280 هـ إلى أن ولي الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب الإمامة سنة 320 هـ ، أي في فترة أربعين عاما ، بايع أهل عمان ست عشرة بيعة أو أقل أو أكثر وكان ممن بايعوه في تلك الفترة محمد بن الحسن ( السالمي : تحفة الأعيان ج1 ص 206 - 208 ، 218 - 220 ) .
معك جميع من صح معك كفره منهم برئت منه ، ومن لم يصح معك لم تبرأ منه .


وعنه أيضاً : وعن ولي لك يتولى من تبرأ منه ، وقد كان كفره شاهراً وغير شاهر ، وكان وليك ممن يبصر الولاية أو لا يبصرها أيجوز لك أن تتولى بولايته ؟!
فإن كان وليك يبصر الولاية والبراءة توليت بولايته ، وإن كان لا يبصر الولاية والبراءة لم تتول بولايته ، وإن تولاك على براءتك ممن تولى هو وكان من الضعفاء أهل نحلتك قبلت منه ، وإن كان من أئمتهم لم يقبل منه وبرئت منه إن لم يتب إلا أن يقيم لك الحجة في ولاية من برئت منه ، فإن لم يتولّك الضعيف على براءتك ممن يتولاه هو ممن تبرأ أنت منه برئت منه .
وعنه أيضاً ، وكذلك إن تولاكم على البراءة من عدوكم ، وإلا برئتم منه بعد إقامة الحجة عليه في أمر علي وعثمان ومعرفة قول المسلمين فيهما .
وعن رجل من ضعفاء المسلمين طلب معرفة الحق باجتهاد منه لطلب السلامة والنجاة فبحث عما يلزمه من دين المسلمين فأرشد على قبول فرائض الله والعمل بها في حين وجوبها وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج ، والولاية لأولياء الله والعداوة لأعداء الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به ورسوله وقبول نصائح المسلمين ، وكان من اعتقاده الولاية لجميع من أطاع الله وعمل بما يرضي الله والبراءة لجميع من عصى الله وعمل بما يسخطه الله .


ثم من بعد هذا فمن صح معه منه ما يجب عليه فيه البراءة بحكم المسلمين بريء منه ، ومن صح منه معه ما يجب عليه الولاية بحكم المسلمين تولاه ، فهل يكون هذا الرجل قد وافق المسلمين ؟! وهل يجب على من عرف منه هذا الاعتقاد أن يقول له إنه لا يجتزئ (1) بهذا حتى يخرج إلى العلماء فيبحث عن الأحداث التي كانت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأحداث التي كانت في أيام الصلت بن مالك وراشد بن النظر ، ويسأل عن الباغي في الدين والناكث فيبرأ منه ، وعن الصادق المتمسك بالحق فيتولاه . فهذا الرجل الضعيف الذي طلب الحق باجتهاد منه على طلب السلامة والنجاة على ما وصفت من صفته ، فهذا على ما وصفت موافق للمسلمين فيما أقرّ لهم وظهر منه ، ومن يحمل أن يخرج إلى العلماء فيبحث عن الأحداث التي وصفت ، فينبغي لمن حمل عليه فيما لا يلزمه أن يتوب ولا يحمل على هذا الرجل ما ليس عليه في حكم المسلمين .
وعنه أيضاً ، وذكرت في موسى بن موسى ، وراشد بن النظر ، هل يسع جهلهما ؟! فنعم يسع جهلهما من لم يلق الحجة فيهما وفي حدثهما بأحد المعاني التي تلزم بها الحجة فيهما وفي جميع المحدثين من خلق الله في الحكم سواء .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تجزأ واجتزأ بالشيء : اكتفى .


ومن سيرة محمد بن روح : واعلموا أن وقوف الشك واسع للعالم والجاهل ودين يدين الله به ، وليس هو شك في الحق ولا خروج منه ، وذلك أن المسلمين استعملوه . ولا يكون وقوف شك أبداً إلا فيما يسع جهله ، لأنه لا يحل الشك فيما يسع جهله ، لأنه من شك في البراءة من رجل وتولى من برئ منه فقد برئ منه في حكم الدين ، ولا يعتقد الشك ديناً لأنه ليس في الدين شك ، وإنما يكون شك في الحدث أنه مهلك أو غير مهلك ، وأن ذلك الحدث أحدثه ذلك الرجل أو لم يحدثه ، فشك في هذا وتولى من برأ من المحدث ، ولا يترك ولايته لأنه محتمل أن يكون محدثاً أحدث حدث فسق فقد أصاب من برئ منه فتولاه على براءته ، ومحتمل أن يكون المحدث لم يخرج حدثه من حكم فلم يحل له هو أن يبرأ منه على هذا ولم يحل له هو أن يترك ولاية وليه على براءته ممن أحدث حدثاً قد علم هو منه حدثه وشك فيه حرام باطل ، فقد وافق هو هذا المتبرئ من هذا المحدث بولايته للمتبرئ ، وليس للمتبرئ أن يحمل عليه البراءة من المحدث لأنه لزمه في وليه الذي أحدث الحدث وقوف سؤال ثم برئ منه هذا المتبرئ منه على حدثه ، فظهر من هذا أمر يحتمل أن يكون باطلا .
ومن سيرة محمد بن روح أيضاً : وليس في ديننا إنكار على من تولى عليّ بن أبي طال إلا على الشريطة ، وكذلك ليس لنا إنكار على من برئ من عمر بن الخطاب إلا على الشريطة أنه كانت سريرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه موافقة لعلانيته .


والولاية لعلي بن أبي طالب وشهرة فضله لا يخطئ من تولاه على شهرة فضله ، فمن تولى علي بن أبي طالب لم يحل لنا أن نخطئه ولا نترك ولايته بل يجب علينا أن نتولاه .



(12)
سيرة سؤال في الولاية والبراءة
لبعض فقهاء المسلمين .

بسم الله الرحمن الرحيم

قد اجتمعت كلمة أهل عمان بحمد الله ومنَّه على أمر واحد ودين قيم وهو دين الله الذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمنهم من تولى الصلت بن مالك رحمه الله وبرئ من موسى بن موسى وراشد بن النظر . ومنهم من تولى الصلت بن مالك وتولى من برئ من موسى بن موسى وراشد بن النظر ، ولم يتول من تولاهما ووقف عنهما وقوف سائل طالب للحق مسلم للمسلمين على دانوا به لله فيهما وعلى إيجاب السؤال عن المحدثين إذا علم بحدثهم في معرفة الحكم إذا اختلف أهل الحق في ذلك ووقعت التخطئة لبعضهم بعضاً حتى يعرف المحق من المبطل من جملة المختلفين والحمد لله رب العالمين .
وإن سأل سائل فقال : ما تقولون في أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ؟ قلنا له ، إن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند المسلمين في الولاية . فإن قال من أين وجبت ولايتهما على المسلمين ؟ قلنا له : من

وجوه شتى ، أحدها الشهرة لأن صحة إمامتهما شاهرة مع المسلمين ولا شك فيها ولا ريب ولا خلاف .
فإن قلت : فما قولكم في عثمان بن عفان ؟ قلنا له : في منزلة البراءة عند المسلمين .
فإن قال : من أين وجبت البراءة من عثمان بن عفان وقد تقدمت ولايته وصحت عقدة إمامته مع فضائله في الإسلام ، وفي تزويج النبي له عليه السلام بابنتيه واحدة بعد واحدة ؟ قلنا إن الولاية والبراءة هما فرضان في كتاب الله لا عذر للعباد في جهلهما ، وقد أمرنا الله تبارك وتعالى أن نحكم وندين له في عباده بما يظهر لنا من أمورهم ولم يكلفنا علم الغيب . ثم وجدنا أصحاب النبي عليه السلام قد قدموا عثمان إماماً لهم بعد عمر بن الخطاب رحمه الله ، ثم قصدوا إليه فقتلوه على ما استحق عندهم من الأحداث التي زايل بها الحق وسبيله ، فمن قال إن عثمان قتل مظلوماً كان قد أوجب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم البراءة بقتلهم لعثمان بن عفان وألزم البراءة من علي بن أبي طالب لأنه وضعه المسلمون بعد عثمان إماماً لهم . على الإمام إقامة الحدود ولم يغير ذلك علي إبن أبي طالب ولم ينكره ولم يقم الحد على من قتل عثمان ، وحارب من طلب بدمه وهو طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام ، ولو لم يكن مستحقاً للقتل وأنه مظلوم لكان عليّ قد كفر لقتاله لمن طلب بدم عثمان بن عفان . فلما قاتل علي والمسلمون من طلب بدم عثمان وصوبوا من قتله وأقرهم عليّ بين يديه وكانوا


أعوانه وأنصاره ، كان دليلا على أنهم محقون في قتله لأن إجماعهم على ذلك حجة لغيرهم ودليل . وأما قولك زوجه النبي ببنـتيه واحدة بعد واحدة فإنا لا ننـكـر ذلـك ولا
يكون عثمان مستوجبا للولاية بتزويج النبي صلى الله عليه وسلم له (1) بابنتيه . ولو كان عقد النبي له بالنكاح موجباً للرجل المشرك الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد زوجه بابنته زينب قبل التحريم بين المسلمين والمشركين مع قول الله تبارك وتعالى : {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } (2) ، فهذا مبطل لاحتجاجك علينا بتزويج النبي صلى الله عليه وسلم له بابنتيه .
وأما قولك : إنه كانت له فضائل في الإسلام متقدمة ، فإن الأعمال بالخواتيم في الآخرة ، لا بالفضائل الأولى (3) .
فإن قالوا : فما تقولون في علي بن أبي طالب ؟ قلنا له ، إن علي ابن أبي طالب مع المسلمين في منزلة البراءة .
فإن قال : من أين وجبت عليه البراءة وقد كان إماماً للمسلمين وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه (4) مع فضائله المشهورة وقتاله بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم المشركين .
قلنا له : أوجبنا عليه البراءة من وجوه شتى ، أحدهما أنه ترك الحرب التي أمر الله بها للفئة الباغية قبل أن تفيء إلى الله ، وأحدها تحكيم الحكمين في دماء المسلمين وفيما لم يأذن الله به الضالين المضلين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرهما ويخوفهما أصحابه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " له " : زيادة من عندنا ليستقم النص .


(2) سورة النساء : آية 48 ، وآية 116 .
(3) كتب في المخطوطة : " لا بالفضل الألية " .
(4) الختن : الصهر ، زوج الابنة ، والجمع : أختان .

وأحدها بقتله أهل النهروان وهم الأفضلون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم الأربعة آلاف رجل من خيار الصحابة رحمهم الله . والأخبار بذلك تطول ويضيق بها الكتاب ويتسع بها الجواب ولم نعد كتابنا هذا لشرح (1) جميع أخبارهم ، وإنما أردنا أن نلوح لكم ونذكر بعض الذي كان من أحداثهم ، لتكونوا من ذلك على علم ومعرفة لتعلموا ضلال من ضل وخالف وشغب عليكم وبالله التوفيق .
فإن قالوا : فما تقولون في طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام ؟ قلنا له : إنهما عند المسلمين بمنزلة البراءة .
فإن قال : من أين وجبت عليهما البراءة ؟ قلنا له : بخروجهما على عليّ بن أبي طالب والمسلمين وطلبهما بدم عثمان بن عفان فإرادتهما إزالة عليّ بن أبي طالب عن إمامته ، وقالا حتى يكون الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم إماماً غيره ، بعد رضائهما به وبيعتهما له وأعطيا صفقة أيديهما (2) على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى قتال من خرج يطلب بدم عثمان بن عفان .


فإن قال : فما تقولون في الحسن والحسين ابني علي ؟ قلنا له : هما في منزلة البراءة ، فإن قال : من أين أوجبتم عليهما البراءة وهما ابنا فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قلنا له ، أوجبنا عليهما البراءة بتسليمهما الإمامة لمعاوية بن أبي سفيان وليس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " الشرح " . (2) صفقة الأيدي تعني توكيد البيعة .
قرابتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم تغني عنهما من الله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بعض ما أوصى به قرابته : يا فاطمة بنت رسول الله ، ويا بني هاشم ، اعملوا لما بعد الموت ، فإني ليس أغني عنكم شيئاً ، أو نحو ذلك من الخطاب . فلو كانت القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تغني عن العمل لم يقل ذلك لهم النبي . فهذا نقض لقول من يقول إن القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم مغفور لهما . وقد وجدنا الله يهدد (1) نبيه بقوله : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} (2) . فقد بطل ما خاصمت به أيها الخصم واحتججت به من قبل القرابة للنبي صلى الله عليه وسلم .
فإن قال : فمعاوية بن أبي سفيان في أي منزلة عندكم ؟ قلنا له : في منزلة البراءة .
فإن قال : من أين أوجبتم عليه البراءة ؟ فقلنا له : بمحاربته لعليّ ابن أبي طالب والمسلمين ، وطلبه بدم عثمان بن عفان ، وتحكيم الحكمين ، وباغتصابه الإمامة لنفسه دون المسلمين ، وبسفكه دماء المسلمين الذين حاربوه مع علي بن أبي طالب ، منهم عمار بن ياسر الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وغيره من أفاضل المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .


فإن قالوا : فما تقولون في أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص؟ قلنا : هما عند المسلمين في منزلة البراءة . فإن قال : من أين (3) أوجبتم عليهما البراءة ؟ قلنا له من
وجوه شتى ، أحدها الحكومة بين عليّ ومعاوية لأنهما كانا الحكمين في ذلك ونبذا حكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوط : " يهد " .
(2) سورة الحاقة : الآيات : 44 - 47 .
(3) " من أين " : أضفناها لإستقامة المعنى .
الله وراء ظهورهما مع ما قد شهر من عداوتهما للمسلمين (1) قبل ذلك والبغض لهما والبراءة من دينهم والبغي عليهم .
فإن قال قائل : فيزيد بن معاوية ، فما قولكم فيه ؟ قلنا له : إن يزيد بن معاوية في منزلة البراءة . فإن قال : من أين قلتم البراءة واجبة لازمة ؟
قلنا له : من وجوه شتى ، أحدهما بدخوله مع أبيه في الفتن التي قدمنا ذكرها وبولايته لأبيه ، وبأخذه الإمارة بعد أبيه ، وبقتله الحسين بن علي بكربلاء ، وبقتله الأنصار وأبناء الأنصار بالمدينة ، وخرابه منازلهم ، وسعيه في الأرض فساداً بعد أبيه . فإن قال قائل : من أين قلتم أنكم أولى بالحق من غيركم وما أنكرتم أن يكون المخطئون وغيركم المصيب للحق دوننا ؟


قلنا له : زعمنا ذلك ، وقلنا وأنكرنا أن يكون الحق في غيرنا دوننا وانا وجدنا الله تبارك وتعالى قد فرق بين أهل الصلاح وأهل الفساد في كتابه في مواضع شتى من ذلك قوله عز وجل : {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (2) . في غير موضع من كتاب الله عز وجل التفرقة بينهم ، ثم وجدنا من خالفنا يجمع بين أهل الصلاح وأهل الفساد ، ويجمع بين القاتل والمقـتول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني بالمسلمين هنا : الخوارج .
(2) سورة ص : آية 28 .
وبين الظالم والمظلوم فيتولونهم ويستغفرون لهم ، فعلمنا خطأهم من كتاب الله تبارك وتعالى ، وضلالهم وخروجهم من الحق وزيغهم عن سبيل المسلمين ، إلا من دان بما ذكرنا من جمع الجميع من أهل الصلاح وأهل الفساد بمنزلة واحدة بعد أن فرق الله جل وعلا بينهم في المنازل ، كان مخطئاً متعدياً آثماً فيما دان الله به في ذلك ، معلوماً خطؤه بما قدمنا ذكره في الكتاب . فهذا من أوضح السبل وأبين الأدلة وأقوى حجة على من خالفنا ، وبالله التوفيق .
وأيضاً فإنا وجدنا أئمة المسلمين الذين هم الحجة لرب العالمين على المستعْدين قد أجمعوا على البراءة من هؤلاء الذين ذكرناهم بالبراءة ، وإجماعهم حجة لنا وعلينا


التسليم لهم والاتباع فيما دانوا به إذا كانوا هم الحجة البالغة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أمتي لا تجتمع على خطأ ) .
معنى قوله : أمتي هم الذين اتبعوه وسلكوا سبيله ولم يخالفوه ، وليس أمته كل من صلى وصام وأقر بالإسلام .
وقد قال الله عز وجل : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (1) . فعلمنا أن قوله (2) عز وجل وعلا {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } مخصوص ، لأنـا وجدنا فـي أهـل الصـلاة الفسـاق والـسراق وسـفاك الدمـاء ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة : آية 143 . (2) في المخطوطة : " قول " .
فعليه (1) أن الله تبارك وتعالى لا يجعل أعداءه هم الشهداء على عباده ويكونون له حجة ، وإنما الحجة لله على عباده أهل العدل منهم والصدق والنُوَّام بالحق دون غيرهم ممن ذكرنا ، فهذا أيضاً دليل على ما قلنا وبالله التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
فإن قال قائل من الناقضين : ما معنى قول الشيخ أبي الحسن رحمه الله ( لم نقلد ديننا إلا الرجال ) (2) كيف تفسير ذلك ؟


الذي عرفت من المسلمين إنما ذلك ، أي لم نقلد ديننا الذين لا بصر لهم . وكذلك وجدت في كتاب ينسب إلى أبي المؤثر ، قال والاتساع في رأي العلماء فيما لم يأت فيه كتاب ولا سنة . ووجدت في سيرة ابن زائدة على مثل ذلك ، وإن اختلف اللفظ .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " فعلى " .
(2) " إلا " : زيادة من عندنا .



(13)
سيرة لبعض فقهاء المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على جميع آلائه ونعمه ، ونعوذ به من حلول سطواته ونقمه ، ونستهدي الله بالهدى ، ونلجأ به من الضلالة والتسكع في غمرات الجهالة .


وبعد ، فقد كانت لأهل عمان دعوة أطاعوا بها الرحمن ، وجامعوا عليها أهل الإيمان ، وفارقوا بها حزب الشيطان ، وكانوا يدعون إليها من أجابهم ، ويظهرون الحق حيث بلغ طولهم . وكان الحق الذي انتحلوه وقبلوه وفارقوا عليه أهل البدع أنه " لا طاعة لمخلوق في معصية خالقه " (1) ، ولا ولاية لمن عصى الله بالإصرار منه على معصيته (2) .
ولم نقصد إلى شرح وظائف الإيمان فنصف ذلك ، وهم الذين كانوا بالحق وبه يعدلون ، حتى عرض لهما ما يعرضون لأهل عمان من المحن ، ونـوادر الفتـن . وقد قـال الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " . حديث شريف . انظر : القسطلاني : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج 10 ص 219 باب وجوب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن تلك الطاعة معصية ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . ومن الأحاديث في ذلك : اسمعوا واطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي .... وقال عليه الصلاة والسلام : السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة .
(2) قال الله تعالى : {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . سورة آل عمران : آية 135 .
تعالى : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (1) . وقال تعالى : {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} (2) . فعند ذلك اختبرهم الله بالفتنة النازلة فيهم ، فضل كثير من الناس وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ، فحصل بعد ذلك الحق في أيدي بقية من العلماء ، وميز الله الخبيث من الطيب ، وكان الله على كل شيء شهيداً . وكان مما انفرد به أهل الحق من جملة المختلفين أنه لا ولاية للشاكين


في أمر المحْدِثين ، ولا ولاية للمتولين لأهل الحدث على حدثهم ، المقدّمين إماماً على إمامهم بلا حجة أقاموها عليه ، الناكثين عليه الناقضين لعهده . وقد قال الله تعالى : {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (3) . وقال تعالى : {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} (4) . ثم خمدت بعد تلك الفتنة دعوة الحق في عُمان ، وصار بقية من العلماء يظهرون الحق في سيرهم ويدعون إليه من أجابهم ويتولون عليه من قبله منهم ويطفئون البدع .
ثم نشأ من بعد ذلك ضعفاء لا علم لهم فشكوا في الحق وتحيروا وادعوا منازل العلماء . وكان مما دانوا به من الباطل وانتحلوا من البدع أن قالوا : ليس علينا أن نتكلف علم ما غاب عنا ولا نتعرض لما يسعنا جهله مما تقدمنا ، وإنها قد كانت فتنة لم نعلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة محمد : آية 31 . (2) سورة السجدة : آية 13 .
(3) سورة الإسراء : آية 34 . (4) سورة النحل : آية 91 .

ونعرف المحق منها من المبطل ، ولا أقام فيها أحد من أهل الحق حجة تقطع فيها عذر مبطل ولا تبين فعل مصيب ، وأن أهل الدار فيها كل مخصوص بعمله ، فمن تولى الجميع توليناه ومن وقف منهم توليناه ، فضلوا بما انتحلوا والحم لله ، وتركوا القيام لله بالحق في عباده ، ونقضوا عهد الله الذي أخذه عليهم في القيام بالحق وأن يبينوا للناس

إذ كانوا ق ادعوا منزلة العلماء ودوا على المسلمين قولهم ، ولم يروهم حجة فيما أظهروا من الحق وبينوا ، وكذبوهم فيما قالوا إذ لم يقبلوه ، وقالوا إنهم يسعهم جهل معرفة ذلك . فنعوذ بالله من أهل هذه المقالة ومن اتباع أهل الضلالة ، لأنهم قالوا التماس الحق في ذلك من جملة التجسس وتحسس العورة ، وزعموا أن الله نهاهم عن ذلك وشكوا في أمر المحدثين . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً) . وقـال المسلمـون : " مـن تـولـى محدثـاً بعد مـعرفته بحـدثه لـحق بحكمه " .
وقد انتحت هذه الفرقة المارقة عن الحق أقاويل يوجد صفتها والرد عليهم فيها في سير المسلمين . وقد بلغنا عنك يا أبا علي (1) أنك قد جامعتهم على ذلك ووليتهم رقاب المسلمين ورضيت منهم أن قالوا إنهم يتولـون المسلميـن علـى براءتهـم من مـوسى بـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان " أبو علي " من العلماء والفقهاء الذين عاصروا الفتنة بين أناصر الصلت بن مالك ، وأنصار موسى بن موسى وراشد بن النظر . وكان أبو علي في أثناء تلك الفتنة التي انتهت بعزل راشد بن النظر في سنة 277 هـ ، في صحار حيث وقعت فيها بعض المناكر بسبب أنصار كل من الصلت بن مالك ، وراشد بن النظر .
موسى وراشد بن النظر ، وأنهم يتركون ولاية من تولاهما ويقفون عنهما وقوف سائل مسلم للمسلمين على ما دانوا لله فيهما ، وعلى إيجاب السؤال عن المحدثين إذا علم

حدثهم . فاعلم أرشدك الله إن كان الأمر على ما بلغنا فقد ركنت إلى أهل الضلال ، وأعيذك بالله من ذلك ، واعلم - أصلحك الله - أن القوم أوهموك ولم يصرحوا لك ما عندهم ، ولكن اختبرهم يتبين لك ما كتموك من باطلهم . وقد قال الله تعالى : {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} (1) .
أما قولهم إنهم يتولون ، فإنهم إنما فعلوا ذلك رغبة فيما عندكم من الدنيا ، ووجدوا أئمتهم يقولون إنهم يتولون من يبرأ منه فتوسعوا بذلك وتولوه على أنهم غير خارجين من مذهبهم على ذلك .
وأما قولهم إنهم يتركون ولاية من تولى موسى بن موسى وراشداً ، فإنهم يتولون لا نعلم أن أحداً يتولاهما اليوم ممن تلزمنا ولايته ، ولو تولاهما متول لما برؤوا منه ، فافحصهم عن ذلك (2) ، وقل لهم ما تقولون فيمن تولاهما ، من تولى راشدا وموسى ممن تقدم؟! ما حاله عندكم؟! فإن ذلك من أقوى حججك عليهم ، ويتبين عند ذلك ما أوهموك من أمرهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة : آية 13 .
(2) فحصه وأفحصه عنه : أبعده .
وأما قولهم إنا مسلمون للمسلمين فيما دانوا به فيهما ، فاعلم أنهم إنما يقولون إن المسلمين هم أئمتهم الذين يقولون إن كلا مخصوص فيما يعلمه ، وأن من خطّأ أولئك

فهو المخطئ ، فأولئك هم المسلمون الذين سـلموا لهـم فافـهم ما غـطوا عليك مـن اعتقادهم .
واعلم أن المسلمين إنما قالوا إنهم يقبلون من الضعفاء إذا جهلوا معرفة حكم الحدث ، أن يقولوا قولنا قول المسلمين ورأينا رأيهم وديننا دينهم ، ونحن سائلون بعد أن يعرّفهم المسلمون قولهم في المحدثين ، فإذا تولوهم على ذلك ولم يكن لهم دين ينتحلونه على دين المسلمين قبلوا ذلك منهم بعد الدينونة بالسؤال والبراءة من جميع أهل الضلال ، وترك الشك والارتياب .
وأما إذا كانوا أهل بدعة ، وإنما يظهرون إلى المسلمين أشياء يوهمونهم بها أنهم موافقون لهم ، لم يقبل منهم ذلك ، وقيل لهم كما قال أبو مودود حاجب (1) لحمزة القدري (2) لما قال له : يا أبا مودود اقبل مني أن أقول لك إن الحسنة من الله والسيئة من العباد ، فقال له هي من الناس مقبولة وأما منك فـلا ، وأنا أعـرف مذهبك وما تـريد . وكذلك أنت يا أبا علي ، إن كنت كما ترجو أنك على مذهـب المسلميـن ، فـقـل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو مودود حاجب : من العلماء والفقهاء العمانيين في القرن الثالث الهجري .
(2) حمزة القري : نسبة إلى مذهب القدرية الذين كانوا يقولون إن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها . وكتب في المخطوطة : " حمزة القدرة " .

لهؤلاء القوم إن المسلمين لا يرون الوقوف عن أهل الإحداث المستحلين لإحداثهم المحرمة عليهم واسعاً إلا بالدينونة والسؤال لمن جهل معرفة الحكم ، وقل لهم إن موسى وراشداً قد استحلا ما حرما بحدثهما وخروجهما على الإمام بغير حجة أقاماها عليه عند علماء المسلمين من أهل الدار ، فلا يسع معرفة كفرهما ، فمن قصر علمه عن معرفة الحكم تولى المسلمين على براءتهم من هؤلاء المحدثين ، وَقبل منه المسلمون ذلك إذا لم يكن له دين ينتحله غير دين الحق دان بالسؤال في معرفة الحكم .
ويقال لهم إن المسلمين يبرءون من موسى وراشد وممن تولاهما ومن الشادين أعضادهما (1) ومن وقف عنهما وقوف دين أو شك أو قال إنه يتولى من تولاهما ويتولى من يبرأ منهما ويتولى من وقف عنهما ، وقد قال إن كلا مخصوص بعلمه فيهما لأن هذا مذهب الإرجاء (2) بعينه . فالله الله في نفسك يا أبا علي وفي المسلمين أن يلبس على الضعفاء من المسلمين أمر دينهم ، وتدخل في دولة المسلمين من يتولى وليهم ولا يعادي عدوهم ، فإني قد جشمت نفسي لك هذه النصيحة على ضعف من معرفتي ، لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنما الدين النصيحة ) . وكان إذا ألد (3) شيئا كرره ، فإن رغب هؤلاء القوم إلى الدخول في مذهب المسلمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي الذين كانوا يقومون بالمناكر والأعمال التعسفية ضد من يقول بغير رأيهم .
(2) مذهب المرجئة أو الإرجاء : هم الذين لا يكفرون أي إنسان مهما ارتكب من المعاصي ما دام قد اعتنق الإسلام ونطق بالشهادتين وظهرت هذه الطائفة خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري . ( انظر : البغدادي . الفرق بن الفرق ص 19 ، والشهرستاني : الملل والنحل ص 257 - 259 ) .

(3) ألد شيئاً : خاصمه . منعه . دافعه . جادله فغلبه .

وضعفوا عن البراءة من موسى وراشد بحدثهم بمعرفة الحكم في ذلك ، فاعرض عليهم سيرة المسلمين التي فارقوا فيها أهل البدع وبينوا فيها ضلالة من ضل ممن خالفهم وهي السيرة التي توجد عن أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله ، وقل لهم إن المسلمين هذا قولهم ، فإن تولوهم على ذلك فهو الحق ، والحمد لله رب العالمين . والا فضع لهم كتاباً اشرح لهم فيه أمر دين المسلمين على مثال ذلك ، فإنه أشفى وأبين لقطع معذرة الضالين . وليس بيننا وبين أحد من الناس شيء نبغضه عليه إلا ترك الحق والركون إلى الباطل ، وليس علينا أن نحملهم على البراءة ممن تقدم ممن دخل عليه الخطأ في دينه ولا يكونون مسلمين إلا بذلك ، ولكن إذا أقروا للمسلمين بدينهم تولوهم عليه ولم تكن لهم نحلة يدعون إليها الناس غيره فهذا هو الحق ، ويكون ذلك شاهراً ، وتكتب به كتاباً لأن لا يظن ظان الحق أن كان في أيديهم ، كما زعم منهم من زعم أنك رجعت إلى مذهبهم . ولا تنبذن نصيحتي هذه خلف ظهرك وتركن إلى الذين ظلموا فإن الله تعالى يقول : {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} (1) . وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} (2) الآية .
وقــال تــعـالــى : {وَدُّوا لَــوْ تُـدْهِـنُ فَيُـدْهِـنُــونَ} (3) . فـاسـتـخـبـر الـقـوم واسـتــبــر
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة هود : لآية 113 .
(2) سورة الإسراء : الآيتان : 74 - 75 . (3) سورة القلم : آية 9 .

أمرهم (1) ، فإذا وافقوك على مذهب المسلمين فاجعل ذلك شيئاً ظاهراً يكون لك حجة عند المسلمين ، لأن المسلمين قد عرفوا موضع مخالفيهم ، ولا تجامعهم بغير حجة . فهل ترضى لنفسك أن تلقى غداً بين يدي ربك الله تعالى أئمة المسلمين مثل أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب ، وأبي محمد عبدالله بن محمد بن محبوب ، وأبي القاسم سعيد بن عبدالله ، وأبي مالك غسان بن محمد بن الخضر ، وأبي قحطان خالد بن قحطان ، وأبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة ، وأبي الحسن علي بن محمد (2) وجميع أئمة المسلمين رحمهم ضلالتهم ، وأنت مجامع لمن خالفهم وممن قد بيّن فساد نحلته وعرف الناس موضع ضلالته ، فالله الله يا أبا علي في نفسك وفي ضعفاء المسلمين !! لا تلبس عليهم أمر دينهم وتخالف على أئمتك ، فإنهم قد بينوا ضلالة من جامعت وفارقوهم ، وقد أراد مجامعتهم غيرك من المسلمين فلما لم يقبلوا منه الحق فارقهم ولم يقاربهم إلى تركه ، ولا تدخل في دولة المسلمين من لا يدين بدين الحق . فإذا أردت موافقتهم على سير المسلمين الذين بينوا فيها الحق ، لأن ليس سبيل هؤلاء سبيل من يوافقك على دينك ويريد أن تدخله في ولايتك فتنسب عليه الإسلام ثم تتولاه على ذلك ، لأنه قد بلغنا عن بعض المسلمين أنـه إذا أدخـل مـمن كـان يدين بـغيـر ديـن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) استبر أمرهم : اختبر أمرهم .
(2) يشير هنا إلى بعض أسماء فقهاء وعلماء عمان في القرن الثالث الهجري ، الذين كانوا يبرءون من موسى وراشد بن النظر .
المسلمين ويدعو إليه ، أن يرجع إلى مذهب المسلمين فلم يقبلوا منه ذلك إلا بعد أن يصل إلى من دعاه إلى غير دين الحق فيعلمه أنه دعاه إلى غير الحق ، ولم يقبلوا منه كما قبلت أنت من هؤلاء . وهؤلاء قوم كانوا يدعون إلى غير دين المسلمين فإذا أردت موافقتهم فافعل كما فعل المسلمون ، وإن كنت وافقتهم على الحق ولم يكن الحق كما شرحنا فاجعل في ذلك كتاباً إلى جميع الصالحين عن أهل عمان وعرفهم موضع الحق الذي اتبعوك عليه يكون ذلك حجة عند المسلمين ، فهذه نصيحتي لك ، فأعوذ بالله أن تنسبها إلى غير ما قصدت إليه ، والله على ما نقول وكيل .
واعلم أنك إن ركنت إليهم بغير حجة ولا فحص منك لهم عن مذهبهم وجمجمت الأمر فيه دعونا المسلمين إلى غير ما دعوت ووطئنا آثار أسلافنا والحمد لله رب العالمين .
فقد شرحت لك اعتقادهم ، فافهم ذلك وتبينه منهم ، وهذه نصيحتي لك إن قبلتها ، وحجتي عليك إن رددتها ، جعلك الله ممن يحب الناصحين .
ونسأل الله أن يهدينا وإياك لما يحب ويرضى ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً (1) .

ورضيت منهم أن قالوا : تتولى المسلمين على براءتهم منهما ، فهلا أغمضت نظرك في الآثار ورجعت عن ركونك إلى الفجار !! فقد علمـت قـول أبـي سعـيد الكدمي وأبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب بعدها عبارة " تمت السيرة " ثم أكمل الناسخ النص .

روح (1) وأئمتهم إذ قالوا : نتولى المتبرئ منهما والواقف عنهما والمتولي لهما إذ حكموا في حكمهما بالدعاوي . فكيف جاز لك قبول هذا وما نعلم أنهم لم يروا منهما لما صحت الموافقة بينك وبينهم على ذلك ، فكيف ولايتهم لمن برئ منهما !! فاحذر سبيلهم إذ أوهموك أنهم يتولون المسلمين على براءتهم منهما وأحكامهم فيهما ، فليس الأمر كما قالوا وإلا فأوضح أمر المسلمين فيهما الذي حكموا به واختبرهم هل يتولون من حكم بذلك الحكم؟
وأوضح لهم أن خروجهما هو البغي نفسه !! فما قولهم فيمن حكم بذلك واختبرهم عمن حكم فيهما بأحكام البدع ماذا يتولونه ؟ وكذلك من حكم في حدثهما بحكم دعاوى من أئمتهم ما حاله عندهم ؟ وكذلك من حكم في حدثهما بحكم دعاوي من أئمتهم ما حاله عندهم ؟ ولو أنك أغمضت نظرك في مذهبهم وتصفحته لوضح لك ما قلته ، وكذلك سيرتهم في البلاد لو استنبطت عنها لعرفتها . إذ كانوا يضمرون خلاف ما يظهرون ، ومنهم من قد اختصصته وقربته وأهلته ليروي ، والمعلوم خلاف ما تراه من أشياء تستنبطانها ، فهلا فحصت عن سيرته في مال الله وما يتظاهر عنه فيه !! وكذلك

استعماله من لا يؤمن من أهل بيته !! فطريقته لأصحابه في العـقوبـات فـي النـاس مـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سبق أن أشرنا إلى أبي عبدالله محمد بن روح بن عربي وإلى أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي والذين ردوا على الفرقة الرستاقية ، وسميت فرقتهم بالنزوانية . وقد ألف أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي كتاباً بأسره في الرد على الرستاقية أسماه : " كتاب الإستقامة " ( انظر السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 167 ) .

غير أن جعلت له ذلك ، ومنهم من يظهر لك الزهادة في الأمر وهو أشهى إليه ، وتلك شاهد بما أقرّ به فيما يدخل نفسه فيما لا يعنيه ، وله سرائر لو تصفحتها لظهرت لك ، ولا تغترّ بقطافة ألسنتهم ، واحذر أن يفتنوك عما أنهم الله به عليك ، وانظر لنفسك السلامة واهرب بدينك ولا تكن كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسـه ، واذكـر قول الله : { وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } (1) ، وقوله : { وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } (2) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة هود : آية 113 .
(2) سورة الكهف : آية 51 .

(14)
سيرة لبعض فقهاء المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى من بلغه كتابنا هذا من المسلمين ، سلام عليكم ، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، ونوصيكم بتقوى الله والاجتماع على طاعته وإصلاح ذات البين وبذل النصائح فيما بينكم بصدور سالمة وقلوب صادقة وكلمة جامعة ، والألفة والتعاون على عون الإسلام وعقده وميثاقه ، واشكروا نعمة الله عليكم ، فإنه قد أنعم عليكم بنعمة لا تبلغون شكرها ولا قدرها إذ كنتم أعداء متباغضين أذلة مستضعفين ، فمنّ عليكم بالإسلام ، رحمة منه واختصاصاً بلا يد حسنة قدستموها إلا ما أراد أن يمن به ، ويبلو أخباركم وأنتم بين أظهر قوم من أفصح ألسنة وأشد قوة وأبلغ قضية وأدرى للكتاب ، فهداكم الله على ما عندكم وبصركم بما تجهلون ، وألف بين قلوبكم وجمع بين كلمتكم وفلج حجتكم على جميع أهل الملة ، وأعز نصركم بعد الذلة وكثركم بعد القلة وبلغكم ما لم

تكونوا تأملون ، وشفى صدوركم ، وأذهب غيظ (1) قلوبكم على عدوكم بذنوبهم ، وقذف الرعب في قلوبهم ، فهذه أعظم نعمة . والتنازع في الأمر بعد الكلمة الجامعة واليد الواحدة أعظم مصيبة وأعجلها عقوبة ، فاحذروه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " غيض " .

وقد بلغنا خبر راعنا وراع قلوبنا ما لسنا نصف لكم وإن جهدنا ، مما وقع فيه التشاجر بينكم والاختلاف فيما لا يختلف فيه من يبصر دينه ويعرف ربه ويخشى عقابه ، وما لم يختلف فيه أحد من هذه الأمة قبلكم .
فاعلموا أن أحب الأمور إلى الله وإلى المسلمين أعمها منفعة وأجمعها كلمة وأصلح لذات البين ، وإن أبغضها عند الله وأمقتها عنده وعند المسلمين ما فرق الملأ وصدع الشعب وخالف الكلمة . وأنتم قد اختلفتم (1) في رجلين يلي الله القضاء بينهما عنده إذا وقفا بين يديه ، فاتقوا الله !! ثم اتقوا الله !! فإن كل من يدعو إلى الفرقة ويعيب إخوانه فإنه صغير المنزلة مفتن في الحالات . أرأيتم رجلا من أهل الفريقين وصف الإسلام لبعض من يخالفه من ظَلمة هذه الأمة فقبل الرجل ما وصف له ثم ذكر له أمر رجلين ، قال المستجيب ، أمّا ما وصفت لي فاقبله ، وأما هذان الرجلان فوالله ما أذكر أحدهما بولاية ولا ببراءة ، ولكن أكف عنهما وأصمت .

فإن قلتم كان ذلك يسع فقد صدقتم .
وإن زعمتم أنه لا يسع حتى يبرأ من أحدهما ويتولى الآخر فقد علمتم أن جميع من خالفكم ممن ترضون برأيه وتردون إليه فقهه ما ألبس عليكم لم يصدق واحد من الفريقين على الآخـر فيقـطـع عـذره . لكـنا ومَن قبلنا لا نقطع بالبراءة ولا نعجل عـجلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " اختلتم " .

خرق ولا نسفه سفه جاهل كل براءة تدعو إلى الفرقة . فإن قال أحدهما إني عاينت من أحدهما ما لا تسعني إلا البراءة ممن يتولاه فإنا نسأل كذلك : أرأيت إن رأيت رجلاً مسلماً يزني أو يسرق أو يعمل مما يوجب به عداوة الله وعذابه فجاء الذي رآه فقال إني رأيت فلاناً يعمل بكذا وكذا لعنه الله وأنا بريء منه ، ولم يره أحد غيره ، وينكر الرجل ما قيل فيه أتبرءون منه كما برئ منه الرجل الذي رآه ؟!
فإن زعمتم أنه لا يسعه إلا البراءة في السر والعلانية فقد ضيقتم وكلفتموه ما لا يطيق ، وألجئ إلى الشر والضيق .
وإن زعمتم أنه لا يسعه إلا البراءة منه في السر ويتولاه في العلانية فذلك الحق وذلك الذي أردنا منكم .

والذي نريد منكم أن تكفروا شيعكم وما تفرقون به بين المسلمين ويشتغل بعضكم ببعض عن عدوكم ، فإن كنتم لابد فاعلين ففي أنفسكم ولا تظهروا ما يفرق به بلادكم ويبعد ويخالف بين كلمتكم .
واعلموا انه لم يهلك من هلك من هذه الأمة إلا بالبغي والتكلف والترك لما أمر الله به فأنا آمركم بما أمركم الله به من الاجتماع من الألفة والأخوة والعصمة بالطاعة وهي الحبل المتين ، ومن دعاكم إلى ما لم يكلف الله العباد بمعرفته ، وفي الإجابة إليه تفريق وتشتيت وتفريق جماعتكم وفساد ذات بينكم فاحذروه واتهموه واهجروه واعرضوا عنه ولا تقبلوا قوله ولا تجيبوا دعوته فإنه أقرب الناس إليكم ضرا ، وقولوا جميعاً ، نستعين بالله من جميع ما أصبنا مما لا ينبغي . ونحن نتمسك بالدين الذي كنا عليه قبل الاختلاف في الحلال والحرام ، والدعوة التي كنا عليها ، وما اختلف الرجلان في رقابهما ، والله ولي الحساب بينهما .
ومن أظهر الرضى بالإسلام قبلنا منه ولم نتعنته ولم نلتمس ما وراء ظهره ولم نكشف (1) مما ليس لنا كشفه ولا ينبغي لنا بحثه .
ومن زعم أن هذا لا يسعه حتى يبرأ من أحدهما ويكلف العباد البراءة منه ويتولى أحدهما ويكلف العباد ولايته ، فإنا نسأله الحجة على ذلك ، نسأله عن رجل أصاب

بعض ما يصيب الناس من الذنوب التي تجب فيها الحدود فأقيم عليه الحد فمات فما منزلته ؟
فإن زعمتم أنه عدو لله فقد صدقتم . ونحن نسألكم عن رجل من المسلمين يسأل عن ذلك المحدود وما منزلته ، قال والله لا أدري ولكن أبرأ منه ولا أتولاه ، فإن زعمتم أن ذلك يسعه فقد أصبتم ، وإن زعمتم أنه لا يسع الشك في المحدود ، وأن السائل فيه هالك ، فقد خالفتم جماعة المسلمين ، وأنتم إذاً ليس فيكم جاهل ولا يسلم عندكم إلا عالم بالأمور كلها ، وهذا أضيق ما يصير الناس إليه من القول ، وما لم يسبقكم إليه أحد من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في المخطوطة : " نكشفه " .

هذه الأمة علمناه . وإن أبيتم (1) ألا توسعوا لمن يجهل المسلمين وقد قال الله تعالى : {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} (2) . فليحذر كل امرئ منكم أن يقول قولا فيه فساد وفرقة بين الناس وعيب فيحمل وزره ووزر من يتبعه بغير علم . ولا يقول أحدكم إني لم أقل إلا ما أعلم وهو الحق ، وكذلك القائل لذلك منكم . بل من قال قولا فيه فساد وفرقة وعيب بضعيفهم وجاهلهم فهل لأمرهم زجرة لعدوهم ، فقد أثم وأتى من الأمر ما لا يحل وليس من

أخلاق المسلمين . بل المسلمون أهل ستر وتعاطف وبر ونصح ونظر لله في الخاصة والعامة . فنذكركم الله وبالإسلام وحقه وحرمته لما أخذتم في أمركم في الذي بينكم والذي يجمع الله به شملكم وكلمتكم ويصلح به ذات بينكم ويذهب نزغ الشيطان عنكم .
هذا جهدنا بالنصح والشفقة ، فإن تقبلوا حظ أنفسكم ، وإن تردوا فقد أعذرنا إليكم النصيحة والحجة ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليماً .
(تمت السيرة)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " وإن بيتم " .
(2) سورة النحل : آية 25 .

(15)
عن القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى (1) رحمه الله
في الفرق بين الإمام العالم وغير العالم

بسم الله الرحمن الرحيم

قــال الـله تـعـالـى : {وَإِذْ أَخَـذَ اللَّهُ مِـيـثَاقَ الَّذِيـنَ أُوتُـوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (2) .
ألا فاعلموا رحمكم الله أنه قد ظهر في الإمامة بعمان أمور وأسباب تخوفنا معها وقوع الالتباس على منتحلي الدين والشبه على ضعفاء المسلمين فرأينا أن نبين ما وجدناه في الأثر وحفظناه عن أهل العلم والبصر خوفاً أن يضيق علينا كتمان ما علمناه ، وترك ما حفظناه ، ووجدنا مع ضعفنا وقلة بصيرتنا وعلمنا . فمن وقف على كتابنا هذا فلا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب ، وأنا أستغفر الله من كل خطأ مني فيه وفي غيره وما التوفيق إلا بالله ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توفي القاضي أبو عبدالله محمد بن عيسى في أوائل القرن السادس الهجري سنة 501 هـ أو 502 هـ . ( السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 258 ) .
(2) سورة آل عمران : آية 187 . وردت بعض الأخطاء في كتابة هذه الآية في المخطوط .

اعلموا أنه قد بلغنا عن بعض أهل زماننا أنهم يقولون من جاز لهم ولايته جاز لهم عقد الإمامة عليه وتفويض أمور الأمة إليه كان عالما أو غير عالم ، وأنه يجوز للإمام

الذي هو غير عالم أن يتصرف في أمور المسلمين تصرف الإمام العالم ، وأنه لا فرق عندهم في ذلك بين العالم وغير العالم . فهذا رحمكم الله فيه الفرق البعيد والبون الشديد . قال الله تعالى : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (1) .
وقد وجدنا وحفظنا في الإمام أن يكون عالما ، وأقل ما يكون في منزلة من يجوز للإمام أن يجعله والياً . ولا يجوز للإمام أن يجعل والياً على التفويض ولو كان وليَّاً إلا أن يكون عالماً ، وأقل ذلك أن يكون عالماً بأحكام الولاية والبراءة . وأمر الإمامة أعظم من أمر الولاية . فمن كان لا يجوز للإمام أن يوليه على جانب من المصر لقلة علمه وضعف بصيرته وكيف يجوز للمسلمين أن يقلدوا الإمامة على المصر كله ويفرضوا إليه أمور الأمة ؟! وكيف يجوز له الدخول فيما لا يعرف عدله ولا يهتدي سبيله ؟! وهذا مشهور (2) معروف في الآثار . إلا أنه يوجد عن بعضهم أن الإمام إذا لم يجد والياً كافياً ممن له علم وبصر ووجد والياً فيه جلد وقوة وكفاية وله عنده ولاية وهو قليل العلم ضعيف البصر ، جاز له أن يوليه ويجعل عليه مشرفا ينظر صنيعه وسيرته ويتفقد أمره ورعيته ، فإن تبين له عنه ما يوجب عزله عزله . وقيل هكذا كان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الزمر : آية 9 .
(2) كتب في المخطوطة : " مشور " .

يفعل عمر بن الخطاب رحمه الله في شيء من ولاته (1) .
وأما إذا ولى من له علم وبصر بعدل ما يوليه عليه لم يلزمه أن يجعل عليه مشرفا ، ولا يلزمه البحث عن أموره ولا عن سيرته إذا كان له إلا أن يطلع منه ويظهر إليه عنه ما يوجب عزله ، فإنه يعزله ، وهذا الفرق بين ولاية الوالي العالم والوالي الذي هو غير عالم .
وأما الفرق بين الإمام الذي هو عالم والذي هو غير عالم فالذي يوجد في الأثر عن المسلمين إذا قدروا على عالم يصلح للإمامة عقدوا عليه وفوضوا الأمور إليه ، وإذا لم يقدروا على عالم يصلح للإمامة وخافوا على أنفسهم وبلادهم أن يستولي عليها الجبابرة وأهل الخلاف وتذهب دعوتهم ولم يجدوا من يقدمونه إماما إلا رجلا قليل العلم ضعيف البصيرة وهو لهم ولي وعندهم ورع أنهم يقدمونه إماما على شروط يشترطونها عليه في العقد فيما لا علم له به من أمور المسلمين أن لا يفعله إلا بمشورة أهل العلم من المسلمين ، ويبيّنوا له جميع ذلك في شروطهم فصلا فصلا ، وإنما هذا عند الضرورة التي وصفناها , وإذا وجدوا إماما على هذا الوجه لم يدخل في شيء لا يعلمه ولم يفعل شيئا لا يعرف عدله ، فإن وجد أحداً من أهل العلم شاوره (2) وولاه الأمور وجعله حجة يلقى الله تعالى بها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " في شيء من " فقط ، وأضفنا نحن " ولاته " ليستقيم المعنى .

(2) كتب في المخطوطة : " شاوره " .

وإذا كان غير عالم بأحكام الولاية والبراءة فإنه يوجد أن لا يتولى أحداً ببصر نفسه إلا أعلام المصر ، وإن وجد أحدا من الأعلام فمن توجب له الشهرة والولاية فلا يسع جهل ولايته ، وكذلك يتولى برفيعة عالم مصره إذا رفع إليه ولاية رجل وقال إن فلانا (1) بن فلان ولي له ، أو قال : ولي المسلمين ، أو قال إنه يعتقد ولايته . وألفاظ الرفيعة أكثر من هذا ، فإن رفع إليه ولاية رجل بلفظ لا يعرفه إنه رفيعة صحيحة أو غير ذلك ، فيسأل من قدر عليه من العلماء عن ذلك اللفظ ، فإذا أفتاه العالم أو قال : إن تلك رفيعة يجوز له أن يتولى بها ، عمل يقول العالم وفتياه ، وتولى بحجته (2) .
وإذا كان الإمام غير عالم بأحكام الولاية والبراءة وهو من لا يجوز له أن يتولى ببصر نفسه لقلة علمه ثم رفع إليه العالم ولاية رجل بلفظ تام يجوز له ولاية الرجل به فتولاه برفيعته ، فلا يوليه على شيء من أمور المسلمين من حرب ولا حكم ولا ولاية على بلد إذا لم يعلم أنه عالم بعدل ما يوليه عليه ، حتى يقول له العالم بأنه عالم بعدل ما يوليه عليه أو أنه ممن يجوز أن يوليه على الأمر الذي يريد يوليه عليه ، ثم حينئذ يجوز له أن يوليه على ذلك ، وأما الرفيعة وحدها فلا ، فهذا هو القول . وإن كان قد قال من قال إنه عند الضرورة يجوز له أن يوليه على بلد إذا كان له وليا وَجعل عليه مشرفا ولا يجعل إليه الحكم وإذا جعل الإمام والياً عنده أنه غير عالم بالأحكام ويـخاف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتب في المخطوطة : " فلان " .
(2) كتب في المخطوطة : " وتولى بحجة " .

أن يحكم بلا علم ولا بصر فإنه يتقدم إليه ويشرط عليه أن لا يحكم بين الخصوم . ويوجد أيضاً في الأثر أن الإمام لا يؤمّر على حريه ولا يولي على رعيته إلا من كان عنده أنه عالم بعدل ما يوليه أو على محاربة عدوه غير عالم بما يوليه عليه ، أنه يستتاب من ذلك ويشد عليه ، وقد قدمنا ما يوجد عن بعضهم عند الضرورة فاسألوا عن جميع ذلك ولا تأخذوا منه إلا ما وافق الحق والصواب .
وإذا عدم الإمام والياً عالماً بعدل ما يوليه عليه ووجد رجلا له ورع وفضل وهو له ولي إلا أنه غير عالم بعدل ما يوليه عليه فولاه على بلد ورسلم له في كل أمر يحتاج إليه رسماً وفسره له وعرفه وجه الحق فيه وأن لا يعمل فيه إلا بمشورته ولم يخف منه مخالفة فيما شرطه عليه ، فلعل قد أجاز ذلك من أجازه فاسألوا عنه المسلمين . والكتاب الذي يكتبه الإمام ببيان ما يبينه له غير كتاب العهد ، وأما كتاب العهد الذي يكتبه الإمام للوالي إنما هو إذا كان الوالي عالماً بعدل ما يوليه عليه ، فأما الضعيف فقد بينا لكم ما عرفناه فيه . ولو كان الوالي العالم وغير العالم والإمام العالم وغير العالم بالسوية في الأمر والنهي والحل والعقد كما توهم من توهم لاستوى العلم وَالجهل ، ولم يكن للعلم فضل على الجهل . وقد قيل : " من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح " . وأيضاً :

فقد بلغنا عن بعض أهل زماننا كلام أوحشنا ، أن الإمام إنما يطلب لها من كان له قوة من المال والرجال ولو كان معروفاً بارتكاب الكبائر وانتهاك المحارم ، فإنهم إذا أرادوا أن يقدموه إماماً طلبوا منه التوبة فإذا تاب وافقوه على نسب الإسلام واستداموه ثلاثة أيام وعقدوا عليه الإمامة وفوضوا إليه أمور الأمة وأوجبوا له على المسلمين الطاعة ، ويحتجون بما فعلته الجماعة في تقديم الخليل بن شاذان (1) إماماً بعد استتابتهم له وموافقتهم إياه على نسب الإسلام ، ولعلهم أيضاً يحتجون بما يوجد في الأثر أن رجلاً من المسلمين استبرأ رجلا واستدامه وتولاه في ثلاثة أيام .
ولعلهم يحتجون أيضاً بما يوجد في الأثر أن الولاية بالموافقة في القول والعمل من غير أن يجد واحداً .
فاعلموا أنه يوجد في الآثار كثير على نحو هذا وله تأويل وتفسير فتخوّفنا أن يجهلوا تفسير هذه الآثار وما فعله مَنْ تقدم من الأخيار فيوسعوا لأنفسهم ما لا يسعهم ويستحلوا به ما لا يحل لهم ، وقد قيل كل (2) من تعسف مذاهب السلف بغير علم حرم التوفيق .
وقــد قـال الله تـعـالى : {يُحَــرِّفُونَ الْكَــلِــمَ مِـنْ بَـعْـدِ مَـوَاضِـعِـهِ} (3) ، وقـال عــز وجــل : {وَإِنَّ مِــنْـهُمْ لَفَـرِيقًا يَلْــوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِــالْكِتَــابِ لِتَــحْسَـبُـوهُ مِــنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولي الخليل بن شاذان في سنة سبع وأربعمائة أو في سنة بضع وأربعمائة ، ولعل وفاته كانت سنة 425 هـ . ( أنظر : حميد بن رزيق : الفتح المبين ص 245 - 246 ، وحميد بن رزيق : الشعاع الشائع باللمعان ص 67 - 68 ، والسالمي : تحفة الأعيان ج1 ص 236 - 244 ) .
(2) كتب في المخطوطة " " قل " .
(3) سورة المائدة : آية : 41 . كتبت الآية في المخطوطة خطأ فقمنا بتصحيحها .

الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} (1) . وقد قيل إن للعلم تأويلا وتفسيراً كما أن للقرآن تفسيراً ، فليس كل من حفظ شيئاً من العلم أحسن تأويله . فنحن نضعف ونعجز عن تفسير الآثار المتقدمة ، غير أنا نقول ما حفظناه ووجدناه خوفاً أن يضيق علينا كتمان ما علمناه ، والله تعالى نسأله التوفيق والهداية إلى أوضح الطريق .
فاعلموا رحمكم الله أن للناس منازل مختلفة الأحكام في الولاية والبراءة يطول شرحها ويكثر وصفها ، وفي التوبات والاستصلاح شرائط وأسباب يطول شرحها ويكثر وصفها ، وقد بيّن المسلمون في آثارهم ما فيه شفاء لمن تصفحه واعتبره إذا أخلص لله تعالى نيته ولم يتأوله على غير تأويله ولم يحرف الكلم عن مواضعه .
فأما من احتج بفعل الجماعة لما أرادوا تقديم من قدموه إماماً استتابوه ووافقوه وعقدوا له الإمامة ، فالذي سمعنا أن ذلك الرجل كان قد ظهر منه صلاح وحسن طريقة ونزاهة ووفاء عهد وقبول من المسلمين في أيام إمام غيره ، فلما حدث بالإمام ما حدث

جددوا له توبة على صلاح قد عرفوه منه قبل حاجتهم إليه وقبل تعريضهم له بالإمامة ، فهذا وجه يرجى فيه السلامة .
وإما أن يعترضوا رجلا معروفاً بالفساد في دينه مما يحرمه على نفسه ويطلبوا منه التوبة والموافقة على نسب الإسلام ، فيعطيهم ذلك طلباً للدولة والمملكة ، فكيف تجوز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : آية 78 .

لهم ولايته على هذا ؟! وكيف يجوز لهم عقد الإمامة عليه وتفويض أمور الرعية إليه وهو في موضع التهمة والإرتياب ؟! والموجود في الأثر أن الإمام إذا تظاهرت عليه التهمة بما يعطي المسلمين من التوبة جاز لهم عزله ولا يكون إماماً تهيما ، فإذا كان الإمام الذي ثبتت إمامته ونفذت أحكامه ، ووجبت طاعته يجوز عزله يتظاهر التهمة عليه ، فكيف يجوز لهم عقد الإمامة على من هو موضع التهمة والإرتياب ؟! وقد قال الله تعالى : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } (1) . ويوجد أن عثمان إنما عزلوه وحاربوه لما نزل عندهم بمنزلة التهمة فيما يعطيهم من التوبة وخافوه على دمائهم ، فعند ذلك استجازوا عزله ومحاربته حتى قتل ، وكان من أفاضل الصحابة ، فكيف يجوز لأهل هذا الزمان أن يعترضوا رجلا قد عرف بالفساد في دينه وطمع بالإمامة والمملكة إذا أظهر التوبة ؟! فهذا في النظر كأنه إلى التهمة أقرب وأشد في النظر وأبعد . وإنما الإستصلاح الذي

ترجى فيه السلامة ، أن يكون رجلا معروفاً بالستر والعفاف عند من يعرفه من أصحابه ولم يشهر له فضل عند الناس ولم تثبت له ولاية عندهم فاستصلحوه ووافقوه وتولوه على قاعدة تجوز بها ولايته ، فإنا نرجو له السلامة . وهذا إنما يبصره ويدخل فيه أهل العلم والبصر . وأما الضعفاء فلا ولاية تؤخذ برأيه ، ليس للضعيف أن يتولى ببصر نفسه إلا من قد قامت عليه الحجة وأوجبت له الشهرة الـولايـة مـثـل إمـام مصـر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة : آية 109 .

، وعالم مصر ونحو ذلك ، وإنما قالوا يتولى بالموافقة من كان عالماً بأحكام الولاية والبراءة ، وأما الضعيف فلا ، وفي هذه المسألة وحدها كفاية عما أردناه لأنه إذا كان عالماً لم يخف عليه الوجه في ذلك ، وإذا كان ضعيفاً وقف ولم يدخل في شيء لا يعرف عدله ، وإنما المخافة على ضعيف لا يدري أنه ضعيف فيتأول الآثار على غير تأويلها ويعدل بها عن جهتها فيقتدي به من هو أضعف منه ويتبعه على خطئه ، فيصير الجهل عندهم علماً والباطل حقَّاً ، أعاذنا الله وإياكم من هذه الصفة !! .
ووجه آخر أن يكون الرجل متديناً بين ضلال ويستحل شيئاً من الحرام وعنده أنه حلال ، ولا يعرف بفساد في دينه إلا في مثل هذا الذي ذكرناه ، فإنه إذا تاب من ذلك ورجع إلى دين المسلمين كان من التهمة أبعد وإلى سكون النفس أقرب ، فإن تولاه أحد

بعد توبته لوقته لم نعنفه ولم نعب عليه إذا كان عالماً ، وأما الضعيف فقد تقدم القول فيه .
ووجه آخر ، أن يكون الرجل يرتكب من المعاصي ما يحرمه على نفسه ثم تاب ولم يعرف أن توبته بنية صادقة أو غير ذلك فهذا خبيث النية (1) ويخاف منه المعاودة ويوجد في الأثر أنه يستدام ويستبر أمره (2) حتى يعرف حسن توبتـه وإنابـته وتطـيب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " البتة " .
(2) كتب في المخطوطة : " ويستبرأ أمره " ، والمقصود : " ويستبر أمره " أي يختبر أمره .

القلوب من جهته ، ولعل قد قال من قال يستدام سنة كاملة ثم حينئذ نرجو أن تجوز ولايته لمن كان عالماً بأحكام الولاية والبراءة .
ووجه آخر ، أن يكون الرجل يعرف بالصلاح في أكثر أموره وتنكر منه الخصلة والخصلتان ، فهذا أيضاً في الاستصلاح أقرب .

ووجه آخر ، أن يكون الرجل محافظاً على دينه وتجري منه الهفوة ، وهذا يستر عليه ويؤخذ بيده وتقبل توبته وتقال عثرته .
وأما أن يكون الرجل يرتكب المحارم ويتجرأ على المظالم مع علمه أنها حرام عليه ثم تاب لطمع إمامة أو مملكة أو تزويج بامرأة أو غير ذلك من أمور الدنيا ، ويكون توبته لما ذكرناه ولم تكن لله تبارك وتعالى ، فهذه توبة كأنها زيادة في ذنبه ، فكيف تجوز ولايته ؟! وكيف يجوز تقديمه إماماً على رقاب المسلمين ؟! فافهموا ذلك !! ومنازل الناس وأحوالهم في التوبات والاستصلاح والولاية والبراءة مما يكثر وصفه ويطول شرحه ولكل منزلة حكم خلاف حكم منزلة الأخرى ، فمن حمل الناس كلها على حال بغير دليل خفنا عليه أن يضل عن سواء السبيل ، فافهموا هذا الفرق في ذلك ولا تحملنكم الشهوة لصلاح دنياكم بفساد دينكم !! وانظروا لأنفسكم ما فيه السلامة لها غداً ، فإن أردتم تقديم إمام وظفرتم برجل منكم له قوة ورجال على ما قد وصف المسلمون في سيرتهم وآثارهم كانوا هم الشفاء والرجاء والصلاح للدين والدنيا ، وإن عدتم عدنا فلا تجعلوها في غير موضعها ولا تسندوها إلى من ليس هو لها بأهل طمعاً في قوته

ورجاله وعشيرته وجاهه ، ولكن توخوا لها أفضلكم ديناً وورعاً وأكثركم علماً عقلاً . وقد بينا لكم في أول الكتاب ما يوجد في تقديم العالم وغير العالم وتوكلوا على الله واستعينوا به فإنه القائل : {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1) .
فمن وقف على هذا فلا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب ، وأنا أستغفر الله تعالى وتائب إليه من كل خطأ مني فيه وفي غيره .




(16)
وعنه أيضاً :
شروط شرطها القاضي أبو عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله
على راشد بن علي (1) وأصحابه

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد ، فإذا طلبتم مني الاجتماع والألفة وبذلتم من أنفسكم قبول النصيحة فإني راغب في مقاربتكم وموافقتكم وكاره لمباعدتكم ومفارقتكم ، غير أنه لا يصح اجتماع إلا على طاعة الله وطاعة رسوله ، فإنه جعل في طاعته المحبة والاجتماع والألفة وجعل في معصيته العداوة والبغضاء والــفـرقـة ، فـإن أردتـم منـي اجتـماعاً في الظاهـر فإنـي لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راشد بن علي : من أئمة وعلماء عمان الأفاضل في القرنين الخامس والسادس الهجريين . ولي إمامة عمان في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري بعد وفاة الإمام حفص بن راشد الذي كان قد ولي الإمامة بعد وفاة أبيه راشد بن سعيد في سنة 445 هـ . ولم نعرف تاريخا محددا لبيعته للإمامة . وتوفي الإمام راشد بن علي في سنة 513 هـ . وقد وجدنا في كتاب ( الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان ) لحميد بن محمد بن رزيق (71) أن وفاة راشد بن علي كانت في سنة ست وأربعمائة (406 هـ) . ونحن نرى أن هذا التاريخ بعيد الاحتمال أو أن يكون هناك خطأ ما في نسخ مخطوط الشعاع الشائع أو في تحقيقه ، لأن بيعة الإمام الخليل بن شاذان الخروصي ، كانت في سنة سبع وأربعمائة ، أو سنة بضع وأربعمائة ، وولى بعده الإمام راشد بن سعيد الذي توفي سنة 445 هـ ثم ولي حفص بن راشد بعد راشد بن سعيد ، ولما توفي حفص ولي إمامة عمان راشد بن علي . ( انظر أيضا : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 236 ، 243-244 ، 253 ، 258 ) .

يمكنني من ذلك غير ما أنا فاعل ، وإن أردتم اتفاقا في الظاهر والباطن فحتى أرى منكم غير ما أنتم عليه ، والله لا يستحي من الحق ولا ادهان في الدين . ونحن غداً

مسئول بعضنا عن بعض وقد قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَـى بِهِمَا فَـلَا تَتَّـبِعُـوا الْهَــوَى أَنْ تَعْـدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْـرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَـانَ بِـمَـا تَعْمَلُـونَ خَبِيرًا } (1) .
وقد أنزل الله كتابه وأرسل رسوله وأوضح دينه ، فلا جهل ولا تجاهل في الإسلام . وقد تقدم من المسلمين خلفاء وقضاة وأئمة وولاة أخبارهم شاهرة ، وسِيرهم معروفة ، فمن اتبع سبيلهم اهتدى ومن خالفهم ضل وغوى وقد قيل اتبعوا ولا تبتدعوا ، وقيل شر الأمور محدثاتها ، وقيل كل شيء ذهب منه شيء بقي منه شيء إلا الدين فإنه إذا ذهب منه شيء ذهب كله . والمسيء مخذول ، والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . فأول ما اشترطه عليكم أن تنصحوني وتعرفوني عيوبي وأن تقبلوا نصائح المسلمين ولا تردوا الحق على من جاءكم به بعيداً كان أو قريباً ، بغيضاً كان أو حبيباً ، وأن تتوبوا إلى الله تعالى من جميع ذنوبكم وتتقوه عز وجل في سركم وجهركم مع العمل بطاعته وأداء جمـيع فرائـضه واجتناب جمـيع محـارمه والاقـتداء بالسلف الصـالح مـن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء : آية 135 .

المسلمين مع الورع الصادق والوقوف عن كل شبهة ، وأن لا تعملوا عملا إلا بحجة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانتهاء عنه ، والموالاة في الله والمعاداة فيه ، ومشورة المسلمين ، أهل العلم والورع ، فيما يعرض عليكم من الأمور . وقد قال الله تعالى : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (1) . ولا تستبدوا برأيكم ولا تعجلوا في أموركم . ثم أحسن الرأفة بالرعية عامة وبأهل الصلاح خاصة والرفق بهم والعدل فيهم ، وأن يتفقد الإمام أمر رعيته وقضاته وعماله ، وإن اطلع على جور من عامل له أو غيره أنكر عليه ، وقام في ذلك بما يلزمه . ولا تطلبوا العلو والرفعة في الدنيا ، ولا تستنكفوا ولا ترفعوا أنفسكم عن أدنى منازل الدين . ولا يكون القاضي إما أن يعطى الأمر كله وإلا غضب وجذب يده ووقف عما يلزمه ، فإن من كانت هذه صفته لم يجز تفويض أمور المسلمين إليه ، إذ ليس ذلك من صفات المسلمين . فإن ولى الإمام والياً على بلد بمشورة غيره من المسلمين لا يغضب . وإن كان للقاضي والٍ على بلد فعزله الإمام بغير رأيه لم يغضب ولم يقف عما يلزمه ولم يترك ما يجب عليه ، وكذلك غير هذا من جميع الأمور . وأن تقتدوا بمن سبقكم من أئمة المسلمين وقضاتهم وولاتهم وأن تتبعوا سبيلهم ، وأن تهتدوا بهداهم ، وقد قال الله تعالى ومن : { يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (2) . وأن لا يحلف القاضي النـاس لنفسه بما يحـلف بـه الإمـام ، فـإن هذا لا نعلم أحداً سبق إليه مـن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران : آية 159 . (2) سورة النساء : آية 115 .

ولاة المسلمين وقضاتهم ، وإن تردوا الخيل التي أخذت من الرعية ، ومع ردها عليهم فلا يجبرهم القاضي على الخروج معه في غزوة ولا غيره إلا أن يتفق للإمام الخروج بنفسه في أمر يجب عليهم الخروج معه ولا يكون لهم عذر في ذلك . وأن تنصفوا الناس من أنفسكم في معاملاتكم ومدايناتكم ، فإن كان لأحد عليكم حق فلا تمطلوه ليرضى بدون حقه تقية أو ضرورة ، أو تلجئوه إلى أخذ شيء من العروض يأخذها بأكثر من قيمتها في البلد ، ولا تبيعوا ولا تشتروا لأنفسكم إلا أن توكلوا في ذلك في ذلك غيركم من الرعية ممن هو غير داخل معكم في حرمة وأمر ، ولا يعلم البائع أن الشراء لكم . ولا تقبلوا من الرعية الهدايا والعطايا ، وأن تمنعوا خدمكم وأصحابكم من ذلك . ولا تقبلوا من الناس أموالهم على وجه المعونة ، ولا ترسلوا إليهم في ذلك إلا أن يسرعوا هم من تلقاء أنفسهم ، أو يشير بعضهم على بعض من غير رسالة منكم ، ولا تتحملوا الديون إلا من ضرورة في نفقة أو كسوة أو تقووا (1) أمر المسلمين . ولا تبذروا أموالكم ولا أموال المسلمين حتى تحتاجوا إلى أموال الرعية وتأخذوا منهم على وجه القرض أو المداينة أو المعونة وتحتجوا أنكم فعلتم ذلك ضرورة أو حاجة ، فليس هذا مما يوجب لكم عذراً في أخذ أموال الرعية . وأن ترفعوا الطمع فيما لا يجب لكم

على الرعية ، وأن تسـووا في الحـق بـيـن القـريـب والبعـيد والحـبيـب والبغـيض ، ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " أو تعف " .

تصفحوا عن أحد وتؤمنوه ثم تأخذوه وتعاقبوه بعد الصفح والأمان . ولا تخرجوا إلى النواحي والبلدان بعسكر لا تضبطونه ولا تصدونه (1) عن الظلم والفساد . ولا تلزموا الناس ما لا يلزمهم من الخروج بل تعذروا من له عذر من مرض أو غيره . ولا تفوضوا أمر تجريح (2) الناس إلى العرفاء والجهال فتعتدوا وتأخذوا الرشا منهم . ولا تجبروا الناس على الخروج بلا زاد اتكالا على الضيافة من عند الناس ، ولا تجبروهم على الرباط بلا نفقة ، ولا تستفتحوا بلداً من بلدان أهل القبلة وأنتم لا تقدرون على أن تولوا عليها وتحموها ، وتأخذوها من ظالم وتسلموها إلى ظالم . وأن تبذلوا الإنصاف لأهل السر والسنينة (3) في حرق منازلهم وخراب أموالهم وتعرفونهم ذلك ، وكذلك جميع النواحي التي تجري فيها الأحداث من عساكركم وأصحابكم ، وتظهروا إليهم الإنصاف حتى يعلموا أن الحق عندكم مبذول لمن طلبه والباطل مردود على من فعله . ولا تخرجوا إليهم بعسكر يفعلون (4) عندهم مثل ما فعل عسكركم الأول .

وإذا شكت الرعية عاملا من عمالكم وطلبت عزله عنهم ، أن تعزلوه عنهم ولا تكلفوهم عليه البينة ، وأن تردوا مكاتباتكم إلى من كان عليه مكاتبات من سبقكم من المسلمـين ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " ولا تسدونه " .
(2) كتب في المخطوطة " تحريج " .
(3) السنينة : تصغير سنة ، والمراد هنا : السنة المجدة التي لا مطر فيها ولا نبات .
(4) كتب في المخطوط : " يفعلوا " .

وأن توفوا بعهدكم ووعدكم ، وقد قال الله : {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (1) . ولا تكتبوا لأحد رقاعا فارغة فإن ذلك يخرج مخرج السخرية والهزل ، وقد قال الله تعالى : { لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ } (2) . ولا تفوضوا إلى أحد الحكم بين الناس ولو كان لكم وليا حتى يكون ممن يبصر وجه الحكم . ولا تولوا واليا على بلد ولا على حرب ولو كان لكم وليا حتى يكون عالما بعدل ما تولونه عليه . ولا تأخذوا الزكاة من الناس بالقيد والحبس على التهم ، ولا تقولوا لمن تتهمونه بكتمان الزكاة إنا لا نقبل منك إلا بكذا وكذا ، وهذا كأنه حكم ، ولا يجوز الحكم بالتهمة ، وأن لا تبعثوا في طلب الزكاة من الناس غير الثقات لتوكلوهم في تسليمها إليكم ، فإنه قد قيل إن هذا لا يجوز . وأن لا تزيدوا خدمكم فيما تعطونهم من أجرة خدمتهم بخلاف سعر البلد ، ولا تأخذوا أعطياتكم بغير حساب ، فإن هذا لا يفعله صاحب دين ولا دنيا إلا ما شاء الله . وأن لا

تكتبوا إلى ولاتكم وأمنائكم رقاعا لا يجوز أن يعملوا بها ، وأن لا تنفوا المسلمين ولا تعاقبوهم بالتهم والظنون ، فإن العدول لا تهمة عليهم . وإن عاقبتم أحدا من المسلمين فعرفوه خطأه الذي أوجب عليه عقوبته عندكم ، وإن بلغكم عن أحد من أهل الصلاح ما تكرهونه فلا تعجلوا فـي عقوبتـه حـتى تظهـروا الحجـة عـليه عـند المسـلميـن . وأن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء : آية 34 .
(2) سورة الحجرات : آية 11 .

لا تعرضوا لأحد في فعل منكر تأويلا منكم أنكم لم تأمروا تصريحا لم يلزمكم في العريض ، بل قد قيل إن التعريض بقوم مقام الأمر الصريح . وأن لا تعملوا بالآحاد من الأخبار التي لا عملها عند المسلمين ، ولا تحكموا بالشاذ من الأقاويل التي لا عمل عليها عند المسلمين (1) . وأن تقربوا أهل الصلاح وتدنوهم من أنفسكم وتبعدوا أهل الجهل والسفه وتنزلوا كلا منهم حيث أنزل نفسه ، وأن تعتذروا إلى من لحقه منكم جفاء من المسلمين . وأن ترجعوا في العبدة التي اشتريت من أبي الفرج ، والبيت الذي اشتري من عند موسى الفرقاني (2) إلى قول المسلمين وما يوجب الحق (3) في ذلك . وأن ترجعوا في حكم المال الذي بمنح إلى قول المسلمين ولا يستبد القاضي فيه برأيه دون المسلمين . وأن لا تعرضوا من عند أبي العرب بن أبي جابر بشيء من ماله بقرض ، ولا معونة ، ولا عارية ، ولا تمنع ورثة إبراهيم بن عبدالله عن ماله بغير

حجة ولا حكم ، فإنا لا نعلم أن في ذلك جوازاً ، وإذا سألكم أحد حاجة فإما نعم منجزه ، وإما لا مريحة ، فإنّ المماطلة عند العطاء تنغيص وتنكيل ، والمماطلة مع الحرمان سخـرية (5) وهـزل ، وكـلا الحاليـن مذمـوم عند ذوي الديـن وذوي المـروءة ، وإنـمـا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي يجب ألا يتخذ المسئول الإجراءات التأديبية أو ينزل العقوبات بالناس ، بناء على الأقوال التي ليس لها سند ، أو بناء على الأقوال الشاذة .
(2) الفرقاني : نسبة إلى مدينة فرق في عمان . وقد كتب في المخطوطة : " فرقاني " .
(3) " الحق " زيادة من عندنا .
(4) منح : إحدى القرى في المنطقة الداخلية في عمان . (5) كتب في المخطوطة " سخريا " .

يفعل ذلك من هانت عليه نفسه ودينه وعرضه . فإن قلتم إن ذلك من خدمكم وأصحابكم ، فلو علموا منكم الكراهية لم يتجرءوا (1) على ما تكرهونه إلا ما شاء الله ، فأما إذا كانوا يتقربون بذلك إليكم فإن عاره وإثمه راجعان عليكم . ولا تحرموا الفقراء والمساكين هذا المال فإن لهم فيه سهماً . ولا تقفوا عن شيء يلزمكم من حق الضيافة وتزيلوا عن أنفسكم اسم العذر والخلف في العهد والوعد والتهمة بذلك . وأن تؤمنوا من خوفتم من المسلمين وتردوهم إلى منازلهم ، فإن قلتم إنكم قد بذلتم لهم الأمان فلم يثقوا بأمانكم فلا أرى هذا يسقط به حجة عنكم ولا يوجب عند المسلمين عذركم إذا

كانوا قد عرفوا منكم الرجوع في وعدكم والتخويف بعد بذل الإمام خطه لهم بالأمان ، وخافوا أن يفعلوا معهم من بعد كما فعلتم من قبل (2) . وأن تبذلوا الإنصاف لأهل السر في تلك الأحداث الشاهرة وتفعلوا كما يوجد عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه كتب إلى بعض الأئمة : ( وعليك إظهار الإنكار في ذلك والطلب لمن فعله حتى يعلم الناس ومن فعل ذلك أن الحق معك والمعروف ، وأنك مؤثره عـلى مـا سـواه ، وتظهر الدعـاء إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " لم يتجروا " .
(2) " واو " العطف : زيادة من عندنا ليستقيم الكلام .

الإنصاف حتى تبسط لطالب الحق لسانه . وأنا أشير عليكم بذلك في الأحداث التي جرت في السر (1) وغيرها من النواحي والبلدان وجميع الأحداث التي تجري من عساكركم وأصحابكم ورعيتكم حتى يظهر عند الناس أنكم أنكرتم الباطل ولم ترضوا به ولم تواطئوا عليه ولم تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتزيلوا عن أنفسكم الأوهام الفاسدة . فأما إذا كنتم تنادون بتخويفهم وتظهرون الغضب على من تتهمون أنه أراد أن يكتب إلى الإمام ويعلمه بما جرى من الأحداث ، وكيف يتجاسر الضعيف والمظلوم أن يرفعوا إليكم ويشكوا وينتصفوا ممن ظلمهم ، وإياكم والتفخم

على الأمور بغير حجة ولا برهان وإياكم وسوء التأويل ، فإن يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أخوف ما أخافه على أمتي ثلاث : ذلة العلماء ، وميل الحكماء ، وسوء التأويل ) .
فانظروا لأنفسكم وسلوا المسلمين عما يجب عليكم ويلزمكم ، واتبعوا كتاب ربكم وسنة نبيكم وآثار الصالحين قبلكم ، ولا تميلوا بالناس يمينا وشمالا . واحذروا يوماً حذركم الله إياه فقال في محكم كتابه : {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (2) .
وأنا أستغفر الله مما خالفت فيه الحق والصواب ، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أرض السر : إحدى مناطق عمان .
(2) سورة البقرة : آية 281 .

(17)
توبة الإمام راشد بن علي عمل القاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري

بسم الله الرحمن الرحيم

أنا أستغفر الله وتائب إليه من جميع ذنوبي كلها قليلها وكثيرها صغيرها وكبيرها ، ظاهرها وباطنها ما علمت منها وما لم أعلم منها ، كان ذلك مني على العلم أو الجهل أو الخطأ أو النسيان أو التدين أو الاستحلال أو التحريم ، كنت متأولاً فيه أو دائناً به ، ومما ارتكبته وأمرت به مما عملته جوارحي أو تكلمته بلساني واعتقدته بقلبي ، وتائب إلى الله تعالى من السيرة التي سرتها بغير العدل مخالفة للحق (1) ، ومن كل خطأ مني في إلزام أهل النواحي الخروج منها ، ومن تركي النكير على نجاد بن موسى (2) بعد علمي بالسيرة التي سارها مخالفة للحق والعدل ، ومن ولايتي له على ذلك ، وتوليتي إياه بعد علمي بأحداثه وفعله . ومن الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير حق وأنفقـت فـي غـيـر أهلـها ومستحـقها ، ومن العقوبـات التـي عاقبـت بها بغـير الحـق أو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " للحق " : زيادة من عندنا .
(2) خرج على الإمام راشد بن علي ، الفرقة الرستاقية ومن زعمائهم آنذاك القاضي نجاد بن موسى ، ولكنهم انهزموا ، وقتل القاضي نجاد بن موسى سنة 513 هـ . ( انظر : السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص 259 ) .

تعديت فيها غير الواجب وأمرت بذلك مَنْ فعله ، ومن أخلاقي لك وعد وعدته ولم أوف به ورجعت عنه ، ومن تقصيري عن القيام بما يلزمني من الحق والعدل . ودائن لله تعالى بما لزمني في الأحداث التي أحدثت (1) في القرى على أهل القبلة من الخراب والحرق وأخذ الأموال وعقر الدواب ، والأحداث في تخريبها ، وما جرى من العساكر التي خرجتها ، ومن كل حرب حاربتها وسفكت الدماء فيها بأمري ، وملزم نفسي ذلك ، ما لزمني من حق وضمان ودية وأرش (2) وغير ذلك ، فأنا دائن لله بالخروج منه والخلاص إلى أهله ومستحقيه ، وقابل قول المسلمين ، وراجع إلى قولهم ، وقابل نصيحتهم ، ونادم على ما سلف مني في تخويفي أحداً من المسلمين أو عقوبته بغير ما يلزمه ، ومعتقد أني لا أرجع إلى ذنب أبداً . وإن علمت بذنب بعد هذه التوبة ولم أتب منه فهو داخل في هذه التوبة وهذه لازمة لي إلى الممات ، ومن كل تولية وال وليته ، ولم يكن لي أن أوليه . شهد الله وكفى بالله شهيداً ، ومن حضر من المسلمين .
وكانت هذه الـتـوبـة مـن الإمـام راشـد بـن علـي بحـضرة القاضي أبي عبدالله محمد بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " أحدث " .
(2) الأرش : دية الجراحة .
عيسى ، والقاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري ، والشيخ أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر ، وأخيه أبي جابر بن عمر بن أبي جابر ، وعلي بن داؤد ، وعبدالله بن إسحاق المنقالي ، وغيرهم من المسلمين . وكانت هذه الشهادة يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة (472) هـ ، نسخة (1) وتسعين وأربعمائة (492) هـ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي في نسخة أخرى خطية ، في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة (492 هـ ) .

(18)
جواب من أبي عبدالله محمد بن عيسى رحمه الله إلى الإمام راشد بن علي فيما سأله عن هذه التوبة وما رد عليه فيها

بسم الله الرحمن الرحيم

سألت عن التوبة التي دعاك الجماعة إليها ، والكتاب الذي كتبوه لك فيها .
فاعلم أني نظرت في ذلك على قدر ضعفي وقلة بصيرتي ، فرأيت الكتاب يشتمل على معان كثيرة يطول شرحها ، غير أني أذكر لك من ذلك ما يسر الله ، والله أسأله التوفيق لذلك .
أما توبتك من السيرة التي سرتها بغير العدل مخالفة للحق ، فإن كان ذلك قد جرى منك على الاستحلال والتصويب لنفسك فلا أرى هذه التوبة تكفيك ولا تصح لك ولا يقبلها المسلمون منك حتى تفسر ذلك تفسيراً غير هذا ، وتتوب منه بعينه على التفسير . وإن كان منك ذلك على التحريم والتعمد لمخالفة الحق عند فعلك فما كان فيها من تلف نفس أو مال فعليك الضمان والخلاص من حقوق العباد في الأموال والأنفس مع التوبة ، وإن كان ذلك منك جهلا بحُرمته وظناً منك أنه واسع لك من غير تعمد للحرام ولا قصد لمخالفة الحق والاستحلال لذلك ، بديانة وتأويل فقد يوجد مثل هذا أنه يخرج مخرج التحريم ، وقد تقدم القول في المحرم وما يلزمه من الضمان في الأموال والأنفس والخلاص من ذلك .
وأما توبتك من الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير الحق وأنفقت في غير أهلها ومستحقيها ، فالأمر فيه على نحو ما تقدم من الكلام في المحرم والمستحل ، فإن كان ذلك على وجه الاستحلال لما حرم الله فلا أراك تكتفي بهذه التوبة ولا تصح لك حتى

تفسر تفسيراً غير هذا وتتوب منه بعينه على التفسير ، وإن كان منك على وجه التحريم فقد تقدم الكلام في المحرم ، وعليك الخلاص من جميع ما أتلفته من الأموال والأنفس وإن كان ذلك على وجه العمى والظن أنه واسع لك فقد تقدم القول في ذلك أنه يخرج مخرج التحريم .
وأما توبتك من العقوبات التي عاقبت بها بغير الحق فإنها تجري مجرى ما تقدم من القول به ، والجواب واحد .
وأنا توبتك من حرب حاربتها وسفكت الدماء فيها بأمرك ، فإن كنت حاربت حرباً بعد حرب منها ما هو بالحق ومنها ما هو بالباطل ، فتبت من جميع ذلك فلا يجوز لك أن تتوب من الحق ، وعليك التوبة من توبتك من الحق ، وعليك أيضاً التوبة من الحرب التي حاربتها بالباطل . وإن كان على الاستحلال فقد تقدم الكلام في المستحل ، وإن كان على التحريم فقد تقدم أيضاً الكلام في المحرم ، وما يلزم في ذلك من الضمان في الأموال والأنفس . وإن كنت مخطئاً في جميع محاربتك من أول إلى آخر فقد أصبت من التوبة منها ، وأما الضمان فهو على ما تقدم به من الكلام في المستحل والمحرم .
وأما توبتك من ولايتك لصاحبك ، فإن كنت علمت منه حالا تحرم به ولايته عليك أو توليته على أول وجه لا يجوز لك أن تتولاه عليه ، فقد أصبت في توبتك من ولايته . وإن كنت توليته من أول وجه تجوز لك ولايته عليه ولم تعلم منه حدثاً مكفراً فقد

أخطأت في توبتك من ولايته بغير حجة (1) وعليك أن تتوب من توبتك من ولايته ، وإن كان قد صح عليه حدث مكفر بشهرة لا دافع لها ، أو بشهادة عدلين مع تفسير الحدث أو شهادة عالمين بالحدث بتفسير أو بغير تفسير ، أو شاهدت أنت عنه حدثاً مكفراً ، أو أقر عندك بذلك وتوليته من بعد ، فقد أصبت في توبتك من ولايته على هذا الوجه ، ولكن استتبه من ذلك ، فإن تاب وكان مستحلا ، فقد قيل إنه يرجع إلى حاله الأولى من الولاية ولا نعلم في ذلك اختلافاً ، وإن كان محرماً ففي أكثر القول أنه يرجع إلى ولايته ، وقيل قول آخر . ولا أرى لك أن تهمل أمره ولا أن تترك استتابته ولا الإنكار عليه إذا قدرت على ذلك ، فإن لم يفعل ولم تستتبه فأخاف أن تكون أتيت خلاف ما عليه أهل الحق والعدل من المسلمين .
وأما توبتك من توليتك إياه بعد علمك في أحداثه وفعله ، فإن كنت علمت منه حدثاً مكفراً ووليته على ذلك الرعية فجاز عليهم في أنفسهم وأموالهم وأنت محرم لذلك فأخاف عليك ضمان ذلك في أحداثه من تلف شيء مـن أمــوال النـاس أو أنـفسـهـم وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " بغير جة " .

كنت مستحلا لذلك فقد تقدم من الكلام في المستحل والمحرم والجاهل ما فيه كفاية إن شاء الله .

وأما قولك ، وملزم نفسك للعباد من حق وضمان ودية وأرش ، وأنك دائن بالخلاص منه ، فهذا هو الصواب إن صدقته بفعل وقيام في خلاص نفسك من حقوق الله وحقوق العباد . وأما القول وحده بلا فعل ولا قيام ولا اجتهاد في خلاص فما النفع في ذلك؟! وقد قيل لا ينفع التكلم بالحق إلا بإنفاذه ، وقال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (1) .
وإن كنت محقَّا في هذه الفصول كلها والمعاني التي دعاك الجماعة إلى التوبة منها ولم تكن منك خطأ في ذلك في الظاهر ولا في الباطن فتبت من الحق ليرضوا عنك ، فلم يكن لهم أن يدعوك إلى التوبة من الحق ولا لك أن تجيبهم إلى أن تتوب من الحق ، فإذا فعلتم ذلك جميعاً كان عليك وعليهم التوبة .
ولو أن الجماعة عند استتابتهم لك سلكوا بك مسلكا غير هذا المسلك الذي حملوك وحملوا أنفسهم عليه ، ربما كان أسلم لك ولهم وأخف وأسهل عليك وعليهم . ولولا مخافتي أن لا يسعني السكوت ولا التغافل عن جوابك فيما سألتني عنه لم أذكر لك شيئاً من هذا ، ولكنك سألتني عما يلزمك في تلك التوبة فاستصعبت الإمساك عن رد جوابك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الصف : الآيتان 2-3 .

، وقد ذكرنا لك ما قد ذكرته على قدر ضعفي وقلة بصيرتي ، فإن كان حقاً فهو من الله تعالى فخذ به ، وإن كان فيه مخالفة (1) للحق فلا تأخذ به ، وأنا أستغفر الله من كل ما خالفت فيه الحق والصواب (2) ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما .




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في المخطوطة : " مخافة " .

(2) وردت التوبة . وجواب القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله إلى الإمام راشد بن علي ، فيما سأله عنه من هذه التوبة في كتاب " تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان " للسالمي ج1 ص 166 - 171 . ثم أضاف السالمي بعد أن انتهى رد القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى للإمام راشد : " ولم نجد جوابا لكلامه وما ندري ماذا كان بعد هذه النصائح البليغة الصادرة عن صدق الإخلاص . غير أني وجدت أنه قتل رحمه الله في نزوى في موضع على طريق مساجد العباد غربي المقبرة الكبيرة التي تمر على حظيرة غلافقة ولم يسم قاتله ولم يؤرخ وقت ذلك " .


فهرس موضوعات
السير والجوابات
الجزء الأول
الموضوع الصفحة
تقديم حضرة صاحب
المعالي سمو السيد فيصل بن
علي بن فيصل وزير التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان .................. 3

مقدمة
بقلم الأستاذة الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف .................................. 5

1 - كتاب الأحداث والصفات تأليف أبي المؤثر .............................. 23
2 - سيرة تنسب إلى أبي قحطان خالد بن قحطان ............................ 86
3 - كتاب البيان والبرهان رد على من قال بالشاهدين تأليف
أبي المؤثر رحمه الله من نسخة معروضة على أبي الحواري .............. 155
4 - سيرة لبعض فقهاء المسلمين إلى الإمام الصلت بن مالك رحمه الله .... 186
5 - سيرة منير بن النير الريامي الجعلاني إلى الإمام غسان بن عبدالله.... 233
6 - سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس إلى أبي جابر محمد إبن جعفر..... 254
7 - سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون إبن اليمان .... 276
8 سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل حضرموت في أمر هارون بن اليمان ..... 308

9 - رسالة هارون بن اليمان إلى الإمام المهنى بن
جيفر في شأن محبوب بن الرحيل ............................................... 325
10 - سيرة أبي الحواري محمد بن الحواري العماني إلى أهل حضرموت .......338
11 - من آثار أهل نزوى جواباً من محمد بن الحسن ............................ 366
12 - سيرة السؤال في الولاية والبراءة لبعض فقهاء المسلمين ..................371
13 - سيرة لبعض فقهاء المسلمين ................................................ 379
14 - سيرة لبعض فقهاء المسلمين ............................................... 391
15 - عن القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى رحمه الله في الفرق بين الإمام العالم وغير العالم ................................................................... 396
16 - شروط شرطها القاضي أبو عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله على راشد بن علي وأصحابه ............................................................. 409
17 - توبة الإمام راشد بن علي على عمل القاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري ....................................................................... 419
18 - جواب من أبي عبدالله محمد بن عيسى رحمه الله إلى الإمام راشد بن علي فيما سأله عن هذه التوبة وما ردّ عليه فيها ...................................... 422 .
(تم وبحمد الله)

تم وبحمد الله إتمام طباعة هذا الكتاب على الشبكة في ليلة الاثنين بتاريخ 14 من شهر ربيع الثاني من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام ،،، نفع الله به المسلمين ورزقهم علم ما فيه من جواهر العلم المخزون وجزى الله طابعه وناشره خير الجزاء وجعله ذخرا ليوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . والحمد لله رب العالمين .
من إنجازات مجموعة : ( سرداب أبي عبيدة لرقن الكتب الأباضية ) .
www.facebook.com/groups/426320094113773/