سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة


كتاب الجامع


تأليف:
العالم العلامة

الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة البَهلوي العماني


الجزء الأول



حققه وعلق عليه
عيسى يحيى الباروني






بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف
الحمد لله الواحد القهّار، الكبير المتعال، لا مِثْل له ولا نظير ولا عديل، وهو السميع البصير، العدْلُ في قضائه، الرحيم بعباده، اللطيف بجميع خلقه، الناظر لأهل سمائه وأرضه، المشكور على نعمائه. المبتدئ بنعمته على غير السائلين، والمتفضلُ على غير المستحقين، نحمده وهو أهله. ونستعين على ما ننال() إلاَّ به. ونتوكَّل عليه توكُّل من يعلم إيمانه أنَّ كل نعماء() فمن عنده، وما مسته لأواء فمن جناية يده. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.() وصلى الله على محمد النبي،وآله الطاهرين، وسلّم تسليماً.



الباب الأول في الأخبار

ثم نبدأ بذكر الأخبار المرويّة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم التي () تتعلق بها أحكام الشريعة، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تأويلها وتنازعوا في صحة الحكم بها؛ لأنَّها قواعد الفقه و(أُصول دين الشريعة()) لحاجة المتفقه إلى ذلك، وقلة استغنائه عن النظر فيه والاعتبار في معانيه، فالواجب عليه إذا أراد علم الفقة 1أن يتعرّف أُصول الفقه وأُمهاته، ليكون بناؤه على أُصول صحيحة ليجعل كل حكم في موضعه ويجريه على سننه، ويستدل على معرفة ذلك بالدلالة الصحيحة، والاحتجاجات الواضحة، وأن لا يسمّي العلة دليلاً، والدليل علّة، والحجة علّة، وليفرّق بين معاني ذلك، ليعلم افتراق حكم المفترق، واتفاق المتفق؛ لأني رأيتُ العوام من متفقهي أصحابنا، ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا وتكلم عند النظر ومحاجّة الخصوم بما ينكره الخواص منهم، وأهل المعرفة بذلك؛ لأنَّهم ربما وضعوا اللفظة في غير موضعها ونقلوا الحجة على() غير جهتها، واستعملوها في غير أماكنها.
والله نسأل أن يوفقنا وإياهم لما يقرّبنا إليه، ونحن نذكر بعد هذا في كتابنا هذا من هذه المعاني، ونبيِّن من ذلك ما يرغِّب() إلى الله في توفيقه لنا ومعونته على ذلك.

باب في الأخبار المروية عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم

وهي التي تتعلق الأحكام بها، ويختلف الفقهاء في معانيها ( نسخة تأويلها) وتنازع الحكم في معانيها. فمنها أخبار المراسيل، وأخبار المقاطيع، والأخبار الموقوفة، وأخبار المتن، وخبر الصحيفة، والخبر الزائد على الخبر الناقص، والخبر المتعارض لغيره من الأخبار. والخبران يردان من طريق أو طريقين يكون أحدهما خاصاً والآخر عاماً. والخبران يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً.
فأمّا أخبار المراسيل فهو أن يرفع() الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولم يشاهد النبي عليه السلام. فواجبٌ أن يكون بينه وبين النبي صلى اللّه عليه وسلّم صحابي فلا يذكره(). وإما أن يكون قد سمع من الصحابي فاقتصر على ما روي له ولم يجتمع إلى ذكره مرة أَخرى أو يكون صحَّ عنده الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالإخبار عن ذلك الصحابي ويسنده إلى صلى اللّه عليه وسلّم .
وأما أخبار المقاطيع، فهو أن يروي الرجل الخبر عن صلى اللّه عليه وسلّم فيسقط في الوسط رجلاً فلا يذكره في إِسناده، فإذا ترك ذلك الرجل، انقطع الخبر إلى حيث ترك الرجل.
وأما الخبر الموقوف من الأخبار، فهو أن يَروى الخبر عن الصحابي والتابعي فيوقف الخبر عليها.
وأما أخبار المتن، فهي التي تَروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا يَذكر من رواها من الصحابة ويعتمد على صحتها وتسمى مثل هذه الأخبار() (المتن).
وأما خبر الصحيفة، فهو أن يروي الراوي الخبر إلى أن ينتهي به إلى رجل فيقول: عن أبيه عن جدّه ولم يذكر ذلك المذكور النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فإذا كان هذا الخبر على هذا الوصف ونحوه سمّي خبر الصحيفة.
وأما الخبر الزائد على الناقص، فإنَّه إذا ورد خبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم من وجه، وروّي ذلك الخبر أيضاً من وجه آخر إلاَّ أن أحد() الخبرين فيه زيادة لفظة استعمل الزائد من الخبرين؛ لأن فيه فائدة لم تذكر في الخبر الآخر، ولم يوردها الراوي الثاني معه، لما قد يجوز أن يكون أحدهما شاهد القصة إلى آخرها() فيسمع ما لم يسمع الآخر ويشاهد ما لم يشاهد الآخر، فلذلك استعمل الزائد من الأخبار.
وأما الأخبار المتعارضة، فمثل ذلك أن يُروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، خبرٌ بإباحة شيء، ويُروى خبر آخر فيحظر ذلك فيوقفا() جميعاً، وينظر المتقدم منهما من المتأخر بالتاريخ، ليعلم الناسخ من المنسوخ. نحو ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : "أنَّه سهى في صلاته فسجد قبل التسليم". وروي عنه() "أنَّه سجد بعد التسليم"، فتنازع الناس في ذلك واختلفوا في الناسخ منهما من المنسوخ والمتقدم من المتأخر.


وأما الخاص والعام من الأخبار، فنحو قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : "حيث ما أدركتك الصلاة فصلِّ."()، فهذا عموم يوجب جواز الصلاة في كل موضع، وروي عنه صلى اللّه عليه وسلّم : "نهى() عن الصلاة في المقبرة والمجزرة والمزبلة والحمَّام وقارعة الطريق ومعاطن الإبل". وكأن هذا خبر خصَّ بعض ما اشتمل عليه عموم الخبر الآخر، فالخاص يعترض على العام. ولا يعترض العام على الخاص، وكذلك الخبر المفسَّر يقضي على المجمل، ولا يقضي المجمل على المفسر.
وأما الناسخ والمنسوخ فهو نحو ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه قال: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور أُلا فزوروها ولا تقولوا هجراً".()
وأما الأخبار التي تنازع الناس في تأويلها عند مبايعاتهم على شروطً بينهم. فمنها ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : "أنَّه نهى عن شرطين في بيع".() هذا ما اتفق الناس على إبطال البيع به. وهو أن يبيع الرجل الغلام لغيره بثمن معلوم على أن يبيع له المشتري غلاماً بثمن معلوم أو ثمن يتفقان عليه، فهذا ونحوه لا يجوز في البيع بإجماع الأمة.
وأما ما اختلفوا في جوازه وفساده فهو نحو ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : "أنَّه اشترى من جابر بن عبد الله بعيراً وشرط جابر ظهره من مكة إلى المدينة. فأجاز صلى اللّه عليه وسلّم البيع والشرط".() وروي عنه: "أنَّ عائشة اشترت بريرة لتعتقها، فاشترط البائع ولاءها لنفسه، فأجاز صلى اللّه عليه وسلّم () البيع وأبطل الشرط" وقال: "الولاء لمن أعتق"(). وروي: "أنَّ تميماً الداري باع داراً واشترط سكناها فأبطل النبي صلى اللّه عليه وسلّم البيع والشرط".() واختلفت الرواية() في مقدار مدة السكنى. فقال بعض الرواه: أنَّه اشترط سكنى سنة وقال() بعض() اشترط سكنه أيام حياته. فيحتمل أن تكون هذه الأخبار بعضها ناسخاً وبعضها منسوخاً، ويحتمل أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلّم ـ تركهم وهذه الأخبار ليجتهدوا فيها آراءهم.

والذي عندي ـ والله أعلم ـ أن خبر بريرة كان شرطه غير جائز؛ لأنَّه اشترط ما لا يجوز تملّكه، وهو الولاء الذي جعله النبي صلى اللّه عليه وسلّم كالنسب لقوله: "لحمة الولاء كلحمة النسب". () والنسب لا يجوز تملكه لهذا الخبر، فلذلك أبطله النبي صلى اللّه عليه وسلّم .
وأما خبر جابر بن عبد الله في بيع البعير إذ اشترط ركوبه من مكة إلى المدينة،لم يكن في نفس عقد البيع وإنَّه كان على وجه العارية، وقد روي هذا أيضاً. وأما خبر تميم الداري فإنَّه يحتمل أن يكون الخبر الذي روي إنَّه اشترط في البيع سكنى الدار أيام حياته، فإن الجهالة بمدة أيام حياته لا يصح البيع معها؛

لأن ذلك غير معلوم، ولذلك بطل البيع والشرط، ولو كان شرط السكنى مدة معلومة لكان البيع جائزاً؛ لأن البيع إذا شرط فيه شرط له قسط من الثمن معلوم جاز البيع.() والله أعلم.
وإذا ورد خبر أن أحدهما ينفي الفعل والآخر يوجب إثباته، كان الإثبات أولى إذا لم يُعلم المتقدم منهما من المتأخر ولا الناسخ من المنسوخ، وهذا على أُصول أصحابنا يصح إلى ما يذهبون إليه من() الحظر والإباحة والأوامر. وقد وافقنا الشافعي في هذا المعنى.
ومن الأخبار الموقوفة لتعارضهما وطلب الدلالة على المتقدم منهما من المتأخر، وأما ما أُريد ببعضها دون بعض نحو ما روي أنَّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم "نهى عن الشرب قائماً". وروي "أنَّه شرب من زمزم قائماً"() فوجب اتفاق الخبرين، وكان المرجوع إلى قول الله تعالى: وكلوا واشربوا () فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال كان عليها الآكل والشارب، إلاَّ أن تخصّ في بعض الأوقات وبعض الأحوال.
وروي عنه صلى اللّه عليه وسلّم" أنَّه نهى عن الشرب من فم السقاء". وروي أنَّه خنث السقا وشرب منه، أي عطفه، وأما الشرب من فم السقا الذي ورد النهي عنه، فقيل: إنَّه للإشفاق أن تكون فيه دابة.



مسألة في التقليد الجائز

تقليد الصحابة في باب الأحكام وما كان طريقه طريق السمع، أَلا ترى أنك تحكي عنهم الإجماع. فإن كان الخبر منقولاً عن بعضهم إذا لم ينقل عن أحد منهم خلافاً لذلك، ويجوز تقليد الواحد منهم أيضاً إذا قال قولاً ولم ينكر عليه غيره، وإن علم له مخالف في الصحابة فلا، وخلاف التابعي عليهم ليس كخلاف بعضهم على بعض؛ لأنَّه ليس في طبقتهم؛ لأن الصحابة هم الحجة التامة، أَلا ترى أن الله تعالى جعل شهادتهم على الناس كشهادة الرسول عليهم بقوله: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً. () فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم إذا كانت شهادتهم كشهادة الرسول عليه السلام عليهم مثل قوله: ويتبع غير سبيل المؤمنين نزله ما تولى ونصله جهنَّم وساءت مصيرًا.() والخارج من قول الصحابة متبع لغير سبيل المؤمنين، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه قال:"لا تجتمع أُمتي على ضلال".() فإذا لم ينقل الاختلاف فيهم، وكان المنقول عن بعضهم وترك المخالفة عن الباقين وهم حجَّة الله جلَّ ذكره في أرضه على عباده، دلَّ تركهم لمخالفة القائل منهم على تصويبه، ومن ادَّعى على أن في ضمائر بعضهم غير ما كان في الظاهر منهم، أو نفيه منعتهم كان مخطئا،ً وطعن على الصحابة إنَّهم لم يقيموا الحجَّة لله عزَّ وجلَّ() بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف،()ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث والأخبار في عصر غير الصحابة مع الاختلاف، ويجوز الاعتراض عليهم في أدلَّتهم، ولا يجوز الاعتراض على الصحابة لما ذكرنا، ويجوز للعامة تقليد العلماء والاتِّباع لهم فيما لا دليل لهم على التفرقة بين أعدل أقاويلهم في باب الشرع، وما كان() طريقه طريق الاجتهاد واستسلامهم للعلماء كاستسلامهم للحكام فيما يحكمون به لهم وعليهم فيما لا عِلم لهم بصوابه. وكذلك تقليد الجاهل لمن لاُ يتَّهم في الدِّين، والله أعلم.



باب في ذم التقليد

قال الله تبارك وتعالى في كتابه: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون.() وقال جلَّ ذكره: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولًا.() وقال عزّ وجلّ: إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب.() وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرَّة فنتبرَّأ منهم كما تبرَّأوا منَّا كذلك يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النَّار().
وهذا المعنى كثير في القرآن وفي السنَّة، من ذلك: أنَّ رجلاً أصابته شجَّة فأجنب، وقد اندملت عليه فاستفتي له فأُمر بالغسل ولم يروا له عذراً فاغتسل فكزَّ فمات. فأُخبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله".() ففي هذا دليل على إنَّه لم يجعل للمستفتي والمستفتي له عذراً، والله أعلم. ولعلَّ المفتي لم يكن أهلاً لذلك، ونحن نعوذ بالله من غلبة الأهواء ومسامحة الآراء وتقليد الآباء، وإيَّاه نسأله أن يجعلنا من المتَّبعين لكتابه الذابِّين عن دينه والقائمين بسنَّة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم.


باب في الناسخ والمنسوخ من القرآن

وإذا رفع الصحابي خبراً عن الرسول عليه السلام بإيجاب فعل وَجَبَ العملُ به على من بلغه() من المكلفين إلى أن يلقى خبراً غيره ينسخ ذلك الخبر، كان على من عمل بالخبر الأول الرجوع إلى الثاني وتركُ العمل بالأول. وكذلك الحاكم يعمل بما قام عليه الدليل عنده من أقاويل العلماء، فإذا قام له دليلٌ بعد ذلك على قولٍ آخر هو أرجح عنده من الأول عمل بالثاني، وترك العمل() الذي حكم به واستعمله، والله أعلم، وإذا لم يرجح عنده أحد الدليلين، واستوى القولان عنده من كل الوجوه واعتدلا أخذ المتعبِّد بأي الأقاويل شاء، وبالله التوفيق.
والنسخ على ثلاثة أوجه: () وجهان منهما مفهومان عند العامة، فأحدهما انتساخ الشيء من كتاب قبله إلى كتابٍ آخر، والآخر نسخ الشيء وتحويله وتبديله، هذا هو الذي يفهمه الناس في القرآن والسنَّة جميعاً.
والوجه الثالث: أن يحصي الشيء على عامله ويحتفظ به عليه نحو قول الله جلَّ ذكره: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحقٍ إنَّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون() يريد ـ والله أعلم ـ إنا كنا نحصيه عليكم حتى نعيد ذكره إليكم فتعلمون إنَّما() تجزون بما كسبت أيديكم.
وأما انتساخ الكتاب من كتاب كان قبله إلى كتاب بعده فقد أخبرنا الله تعالى أن القرآن في لوحٍ محفوظ بقوله: بل هو قرآن مجيد في لوحٍ محفوظ () وبقوله: يمحو الله ما يشاء ويثبت عنده أَم الكتاب() وإذا كان القرآن عنده في أم الكتاب في لوح محفوظ ثم أنزله على محمد صلى اللّه عليه وسلّم فإنَّما أنزله على محمد نسخة ما في ذلك اللوح المحفوظ والكتاب المكنون، وذلك الكتاب عند الله في موضعه. وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه كان يوماً قاعداً في أصحابه إذ ذكر حديثاً فقال: (ذلك أو إن نسخ القرآن) فقال رجل كالأعرابي: يا رسول الله ما ينسخ أو كيف ينسخ؟ فقال: "يذهب بأهله ويبقى رجال كأنهم النعام) يعني حلَّة الطير".
واختلف الناس في أول سورة أُنزلت، فقال بعض: أول سورة أُنزلت إقرأ باسم ربك الذي خلق() وآخر سورة أُنزلت (المائدة) وآخر آية أُنزلت: واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون() ، وقال آخرون: وآخر آية أُنزلت(): لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ()، وسنذكر من الناسخ والمنسوخ ما يكون فيه دلالة على معرفة الناسخ الذي يجب العمل به والإيمان بالمنسوخ الذي نُهينا عن العمل به بعد نسخه بإذن الله وتوفيقه. قال الله تبارك وتعالى: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها. () يعني خيراً منها: لكم أو مثلها في العمل والفرض ـ نسخة في العمل والفضل ـ أو ننسها: نتركها على حالها والله أعلم. وقال قوم من أهل التفسير: أو ننسها، فلا تقرأ على وجه الدهر، يقول صاحب هذا التفسير(): أي ننهى عن قرآتها فلا تقُرا حتى تنسى، وفي الرواية أن النبي – صلى اللّه عليه وسلّم – فُرض عليه الصلوات الخمس قبل الهجرة بنحو سنة. وصلى عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس بعد هجرته سبعة عشر شهراً، وكانت الأنصار وأهل المدينة يصلون إلى بيت المقدس نحو سنتين قيل قدوم النبي – صلى اللّه عليه وسلّم – إليهم، وكان النبي – صلى اللّه عليه وسلّم- بمكة فصلى إلى الكعبة() ثماني سنين إلى أن عُرِجَ به إلى المقدس، ثم حوَّل إلى قبلة بيت المقدس() لئلا يتهمه اليهود ولا يكذبونه لما كانوا يجدون من صفته معهم ونعته في التوراة. فقال اليهود: يزعم محمد إنَّه نبي، وقد استقبل قبلتنا واستنَّ بسنتنا فما نراه أحدث في نبوته شيئاً،

وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم – وهي قبلة إبراهيم عليه السلام، فكره النبي صلى اللّه عليه وسلّم قبلة اليهود، فسأل جبريل عليه السلام أن يسأل له() ربه أن ينقله إلى قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، فقال له: إنَّما أنا عبد مثلك، فانصرف من عنده، وكان النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ يقلِّب نظره نحو السماء فأنزل الله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام.() وأنزل تبارك وتعالى: فمن بدله بعد ما سمعه فإنَّما إثمه على الذين يبدلونه . ()
وكان الموصي يسلم والوصي يلزمه ذلك. وكان الرجل يوصي بجميع ماله فلا يدع لورثته شيئاً، فأنزل الله تبارك وتعالى: فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه() فردّهم() رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ إلى الثلث.
وأنزل جلَّ ذكره: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ()
وكان الرجل إذا حضره الموت لم يورث زوجاته ولا بناته ولا الصغار من أولاده، وإنَّما يورث من أولاده من يحمل السلاح أو يقاتل على ظهور الخيل، فأنزل الله تعالى: وليخشى الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً الآية.
وكانت الوصية للوالدين والأقربين جائزة واجبة بقوله عزّ وجلّ: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ()ثم نسخت هذه الآية بآيات المواريث التي() في سورة النساء، وقال قوم ممن يقول بأن السنّة تنسخ القرآن: إنَّما نسخها قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (لا وصية لوارث)().
وكان فرض الصيام واجباً في الحضر والسفر بقوله جلَّ ذكره: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات. () ثم رخَّص بعد ذلك للمسافر والمريض. وقوله: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم على اليهود والنصارى والملل من قبلكم لعلكم يعني() لعلكم تتقون الأكل والشرب والجماع وغير ذلك مما نهي عنه في الصوم، وقال تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين. فقال قوم: يطيقون الصيام من غير مشقة() مرض، وقال قوم: يطيقون الإطعام، وقال قوم: كانوا يطيقونه ثم عجزوا عنه، وقال قوم: إنَّها منسوخة نسخها فرض الصيام. وأما قوله تعالى: فمن تطوع خيراً فهو خير له()، إن أطعم مسكينين كل واحد نصف صاع بُرّ فهو خير له، هكذا وجدت في بعض التفسير() فالواجب إطعام واحد يقال نسخها قوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للنَّاس وبينات من الهدى والفرقان () يعني من الحلال والحرام والله أعلم. وقوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر
وأما قوله: الذي أنزل فيه القرآن
عني نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في كل ليلة قدر، ما يحتاج إليه الناس لسنتهم والله أعلم. قوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
اليسر:

السعة، والعسر: الضيق، ولولا إنَّه رخص للمريض والمسافر لكان قد ضيّق عليهما. وأما قوله: "ولتكبروا الله على ما هداكم"، فقال قوم من أهل التفسير: يكبِّرون على الضحايا والذبائح التي هداكم لتأديتها، وقال قوم: يكبِّرون على إِثر رمضان ليلة الفطر() وقوله: فابتغوا ما كتب الله لكم
يعني الولد. وأما قوله: والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم، فإنَّه كان الرجل من العرب في صدر الإسلام يعاقد (نسخة يعاهد) رجلاً أجنبياً، يعني يحالفه على النصرة له على عدّوه يقول: "هدمي هدمك، ودمي دمك، تنصرني على عدوي وأنصرك على عدّوك. ترثني وأرثك، فلا يورث قرابته من ماله شيئاً". ثم نسخها قوله جلَّ ذكره: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله
()يعني في() اللوح المحفوظ من العقد والحلف الذي كان يفعله الناس، والقرابات أولى والله أعلم.
وأما قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم() يعني مسلَّطون على النساء في الضرب الذي أمر الله به والتأديب. نسختها آية القصاص: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى() في قول بعض أهل() التفسير وقال قوم: الآية التي يُذْكَرُ فيها الضرب والتأديب غير منسوخة، والرجل() كان يقتص من زوجته وتقتْص منه فنسخ الاقتصاص بين الزوجين بقوله: الرجال قوامون على النساء()، أي مسلطون، وأما قوله: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل() يعني: بالظلم، فلما أُنزلت هذه الآية قالوا: ما بالمدينة مال أعز من الطعام. فكان الرجل يتحرج الأكل في بيوت الأهل، نسختها: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم() الآية. وقال قوم: ليس هذا نسخ، هذا تخصيص لبعض الآية. وهذا القول أنظر عندي؛ لأن حقيقة النسخ بأن يدفع حكم المنسوخ بكليته. وأما قوله: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة.()نزلت هذه الآية في الفداء الذي أخذه النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ في أُسارى بدر فعاتبه الله على ذلك ثم أباح له الفداء بعد ذلك بقوله تعالى: فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء()، فكانت هذه الآية ناسخة للأولى. وأما قوله: يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة () نسختها: أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة(). وأما قوله: يسألونك ماذا ينفقون () فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحضُّ المسلمين على فعل الصدقة فسألوه عن ذلك فأنزل الله جلَّ ذكره: يسألونك ماذا ينفقون؟ قل: العفو،()وهو ما فضل من() القوت، فإن كان من أصحاب الذهب والفضة أمسك لقوته وعياله ويَصدَّق() بالباقي.
وإن كان ممن يعمل بيده أمسك قوت يومه وأنفق الباقي، نسختها قوله: وما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين () ثم نسخها قوله تعالى الآية التي في سورة براءة: إنَّما الصدقات للفقراء والمساكين ()
ويروى عن النبي إنَّه قال: "تصدقوا فإن صدقة السر تقي مصارع السوء وتدفع ميتة السوء"().

وقوله جلَّ ذكره: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج() كان الرجل إذا حضره الموت يوصي لزوجته بسكنها ومؤونتها سنة كاملة. ثم نسختها الآية التي قبلها: والذين يَتوفَّوْن منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بانفسهن أربعة أشهر وعشراً () وبطلت الوصية لها بقوله عليه السلام: " لا وصية لوارث "() وصار المفروض لها الربع والثمن من مال زوجها، وأما قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام () الآية.
ولما() نزل تحريم الخمر قال المشركون: كيف لمن شربها منكم قبل تحريمها ؟ وما حالَ من مات منكم وقد سماه الله رجساً من عمل الشيطان وقد مات منكم من مات على شربها ؟ فأنزل الله: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتَّقوا وآمنوا الآية () وأما قوله تبارك اسمه: يا أيها الذين آمنوا لا تَحِلَّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدْي ولا القلائد ولا آمِّين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربِّهم ورضواناً() لحجِّهم،
وذلك أنَّ بعض الصحابة أرادوا أن يقطعوا هدْياً لقوم سرقوا لهم أموالاً بالمدينة وساقوها عليهم فأنزل الله عزَّ وجلَّ: لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناًلحجهم، فحرَّم بهذه الآية القتال في الشهر الحرام وما سيق إلى البيت من هدْي ثم نسخها بقوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهمإلى قوله: واقعدوا لهم كل مرصد()،ونسخ ذلك بقوله: إنَّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا() وأما قوله: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها. ()يقال: كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم من باب بيته ولم يخرج منه فإنَّما() كان يثقب في() ظهره ثقباً يخرج منه وإن كان خباء رفعه وخرج من ظهره، نسختها: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون. ()
وأما قوله عز وجل: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس،()كان الرجل إذا حلف على قطع رحم لا يكلمه أو في معروف() كان لا يفعل ذلك ليُبِرَّ القسم لئلا يأثم فأنزل الله: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس. وكان الرجل إذا حلف من قوم إذا أغضبه أحدهم خاف أن يحنث فأخبره الله أن الوفاء باليمين معصية فقال: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم() يعني ـ والله أعلم ـ إذا تعمدوا في باب الإثم.
وأما قوله: والمطلقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ولا يحلُّ لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنًّ إن كن يؤمنًّ بالله واليوم الآخر وبعولتهنَّ أحق بردهنَّ.()كان الرجل إذا طلق زوجته واحدة واثنتين كان أملك بردِّها مالم تتزوَّج حتى تكون ثلاث تطليقات فتصير أملك بنفسها، وقال قوم: إذا()

طلَّقها ثلاثاً ما لم تتزوج نسختها الآية التي في سورة الطلاق، قول الله عزَّ وجلَّ: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة، إلى قوله: لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف().
وأما قوله: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة.() كان الرجل قبل الإسلام إذا مات وترك امرأته، قام إليها ابنه من غيرها أو وارثه من قرابته إذا لم يكن له ولد طرح ثوبه على امرأة حميمه، فيرث نكاحها بالمهر الأول مهر الميت ثم يُمسكها، فإن كانت شابَّة جميلة ذات مال عجل بها رغبة في مالها وشبابها، وإن كانت كبيرة دميمة أمسكها ولم يدخل بها وضارَّها حتى تفتدي منه إليها بمالها ثم يخلي سبيلها، فأنزل الله هذه الآية: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينةوهو الزنا والله أعلم. وقال قوم: هو النشوز، فإذا فعلت ذلك حلَّ له أخذ المهر منها والفداء، فكان() الناس كذلك حتى نشزت جميلة بنت عبد الله بن قيس() من زوجها ثابت بن قيس الأنصاري مرتين تشكو ثابتاً بن قيس فيردها أبوها إليه ويقول: يا بنية ارجعي إلى زوجك واصبري، فلما رأت أن أباها لا يُشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه وذكرت إنَّها له كارهة فأرسل إلى زوجها فقال: يا ثابت: مالك ولأهلك؟ قال: والذي بعثك بالحق نبياً ما على ظهر الأرض أحب إليّ منها غيرك، وإني لمحسنٌ إليها جهدي، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقولين فيما قال ثابت؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق يا رسول الله، ولكن تخوَّفت أن يدخلني النار. يعني إنَّها مبغضة له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترُدِّين عليه ما أخذتِ منه ويخلي() سبيلك؟ قالت: نعم، قال: يا ثابت ما تقول أترضى أن ترد عليك ما أخذت منك وتخلي سبيلها؟ قال ثابت: نعم يا رسول الله قد أخذتْ مني حائطاً ترده عليّ وأُخلي سبيلها، فردَّت عليه وخلَّى سبيلها، فكان هذا أول خلعٍ في الإسلام ()، فنُسخ العضل وأخذ المال كرهاً، وأما قوله جلَّ ذكره: ()والمحصنات من النساء إلاَّ ما ملكت أيمانكم() فحرَّم بهذه الآية كل امرأة لها زوج ثم نسخ هذه الآية، وخصَّ بعض حكمها سبايا "بني المصطلق" وغيرهن ولهن أزواج مقيمون في دار الحرب فقال قوم: بل استثنى في هذه الآية: إلاَّ ما ملكت أيمانكميعني: من السبايا، وأما قوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة() وفي قراءة عبد الله ابن مسعود: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فلا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ، يعني من الأجل الأول والله أعلم. قيل إنَّ هذه متعة كانت في صدر الإسلام للمسلمين ثلاثة أيام، حيث اعتمروا عمرة إلاَّ ما قال بعض يعرفها القضاء، فلما قضى عمرته حرَّمها ونهى عنها أشد النهي، وكان الرجل ينطلق إلى المرأة من أهل مكة فيستمتع منها بشيء يتفقان عليه بأمر الولي فإذا تمَّ الأمر() ورغب في زيادة زادها، ولم() يحضر الولي وإنَّما يكون على العقد الأول، فإذا مات أحدهما لم يرث الحي منهما، ولم تكن عليها منه عدَّة، نسختها آية العدة والمواريث، ومن قال بأن السنَّة تنسخ الكتاب يقول: نسخ بقول النبي عليه السلام "لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدين".()


باب آخر في الناسخ والمنسوخ

والنسخ لا يقع إلاَّ في الأمر والنهي ومن يجوز ذلك في الخبر؛ لأنَّه ليس يجوز أن يقول الصادق جلَّ ذكره إنَّه يكون وكذا وكذا، ثم نسخ ذلك بأن يقول: إنَّه لا يكون، أو يقول: إنَّه يكون ثم يقول: إنَّه لا يكون وكذلك في الماضي: هذا هو الكذب. والله تعالى يتعالى عنه علواً كبيراً، وقد اختلف الناس في هذا الباب على وجوه قال قوم: إنَّ المنسوخ ما رفع تلاوته وتنزيله له كما رفع العمل به "نسخة بتأويله". وقال آخرون: النسخ لا يقع في قرآن قد نزل وتلي وحكم بتلاوته صلى الله عليه وسلم ، ولكن النسخ ما أبدل الله منه في حكمه من التفسير الذي قد أزاح عنهم ما كان يجوز أن يمتحنهم به من الأمور الشداد، والأمور العظام التي تعبَّدها من كان قبلهم من الأمم، وهرب هؤلاء من أن يقولوا إن الله جلَّ ذكره ينسخ شيئاً بعد نزوله، بعد أن عمل به المؤمنون عن ربهم بحضرة نبيهم صلى الله عليه وسلم ،وزعموا أنَّ من وصف الله بذلك فقد وصفه بالبداء، وقال آخرون: إنَّما هو الناسخ والمنسوخ أنَّ الله جلَّ ذكره: نسخ القرآن من اللوح المحفوظ الذي هو أُم الكتاب، والنسخ لا يكون إلاَّ من أصل. وقال آخرون: بل يجوز أن ينسخ قرآناً أنزله بأن يبدل به آية أُخرى بعدما نزلت به الأولى. فتتلى الآية التي() كانت التي ويكون العمل على الأخرى. وقد يجوز أن يرفع الله تلاوة الأولى كما رفع العمل بها. واختلفوا في وجه آخر، فقال قوم: لا ينسخ القرآن إلاَّ بقرآن مثله واحتجوا بقول الله تبارك وتعالى: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها .
ولا يكون ما ليس بقرآن خير من القرآن، وقال آخرون: بل السنّة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخ السنّة. وقال آخرون: السنَّة إذا كانت بأمر الله تعالى من طريق الوحي، وإن لم تكن ما أوحي به فيها قرآناً فإنَّها تنسخ القرآن. فإذا كانت على طريق الاجتهاد والرأي فإنَّها لا تنسخ () بل لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليجتهد في أمر مُحكم بخلاف ما في القرآن بل الأمر بحكم() الاجتهاد وفيها منه حكم مبين. قالوا: والقرآن ينسخ السنّة عن أمر الله أو باجتهاد رسول الله() صلى الله عليه وسلم ، وهذا التفسير من السنّة إنَّما يحتاج إليه من يُجيز الاجتهاد ويجيزه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما من أبى ذلك، فإن السنّة لا تكون عنده إلا بأمر الله جلَّ ذكره، والسنّة عنده تنسخ القرآن، والقرآن ينسخ السنّة.
والنظر يوجب () أنَّ القرآن والسنة حكمان () كل واحد منهما بالآخر. ويدل على ذلك قول الله جلَّ ذكره: وما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحي يوحى()

فأخبر جلَّ ذكره أن الكل من عنده وبأمره. واختلفوا في ذلك من وجه آخر، فزعم قوم أن الآيتين إذا أوجبتا حكمين مختلفين، وكانت إحداهما متقدمة للأخرى، فالمتأخرة ناسخة للأولى لقول() الله عزَّ وجلَّ: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين() نسخه قوله بعد ذلك: ولأبويه لكل واحد منهما السدس
وقال: فإن لم يكن له ولد، وورثه أبواه فلأمه الثلث() فالآخرة ناسخة للأولى، ولن يجوز أن تكون لهما الوصية والميراث. وقال آخرون: بل ذلك جائز وليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ، وإنَّما نسخ الوصية للوارث بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا: فالناسخ لا يكون إلاَّ ما يجوز() اجتماعه والمنسوخ() فلا() يجوز الحكم بهما في حال واحدٍ على إنسان واحدٍ، والنظر يوجب عندي ـ والله أعلم ـ أنَّ الوصية للوالدين والأقربين
غير منسوخة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا وصية لوارث" ليس نسخٌ لها وإنَّما هو بيان لحكمها() لأنَّه من ليس بوارث من والدين وأقربين فالوصية لهم واجبة، ومن لم() يقل إنَّها واجبة فعنده إنَّها جائزة، فهذا يدل على أن النهي صلى الله عليه وسلم بيَّن() أنَّ الوصية لا تجب لمن كان وارثاً والله أعلم. واختلفوا في ذلك من وجه آخر فقال قوم: الناسخ والمنسوخ قد يكون في وصف الله والثناء عليه، وفيما ليس بأمر ولا نهي من الخبر وغيره، وقد بيَّنا قبل هذا ما نذهب إليه ونختاره وهو قول أهل الحق: إنَّ النسخ لا يجوز أن يكون إلاَّ في الأمر والنهي، وقال قوم ممن ليس يلتفت إلى قولهم إلاَّ إنَّهم على حال ينسبون إلى أهل القبلة: إن الآية المنصوص عليها زعموا مفوض إليها نسخ القرآن وتبديله، وتجاوز بعضٌ فأفرط حتى خرج من الدين بقوله إن النسخ يجوز على سبيل الابتداء() وهو أن يأمر الله بالشيء، وهو لا يريد في وقت أمره أن يغِّيره ويبدله ولا يبدله، ثم يبدو له فيغير ذلك ويبدله وينسخه جلَّ ذكره وتعالى عمَّا قالوا، وعندهم إنَّه لا يعلم الشيء حتى يكون إلاَّ ما يقدِّره، فيعلمه على تقديره. وزعم قوم ممن يدّعي علم القرآن: إنَّما أُنزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة، وهذا غلط عندي لما ذكرنا من أمر النسخ لا يكون إلاَّ في الأمر والنهي؛ لأنَّه قد يجوز أن يكون قد نزل بكلمة ناسخ لما() تقدمه في النزول بها، كذلك القول فيما نزل بالمدينة، فمن الحجة على من أبطل بالنسخ() وأفسده ورأى أن القول به كالقول بالبداء، ما وجدناه من أفعال الله جلَّ ذكره وهو يُحيي الإنسان، ما كانت الحياة أصلح له في التدبير ثم يميته، ويصحّه ما دامت الصحة أصوب في تدبيره تعالى ثم يسقمه. ومن الحجة عليهم أيضاً اختلاف شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم في الأحكام لا في التوحيد والوعد والوعيد، ونسخ بعضها البعض، فإن أنكر منكر وزعم، أنَّ شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم كانت متفقة، وأن شيئاً منها لم ينسخ ما تقدَّمه فالحجة عليه قول الله عزَّ وجلَّ عن المسيح() صلى الله عليه وسلم حين يقول: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم.() وبتحريم صيد السمك يوم السبت على من حرّم ذلك عليه، وتحليل ذلك لنا، و بالكف عن العمل يوم السبت، وما أمر به بنوا إسرائيل من ذلك وإباحته لنا.
ودليل آخر هو قول الله تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم
() والحجَّة على من زعم أنَّ النسخ لا يكون حتى ترفع تلاوته ما نسخ الله من التوراة بالقرآن وهما متلّوان جميعاً. فأما نسخ القرآن

بالسنة فقد قال به أكثر أصحابنا، واحتجوا بأن الله فرض علينا سبع عشرة ركعة في كل يوم وليلة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سنَّ على() المسافر بعض ذلك جميعه() فإذا() احتجَّ محتجٌ مما قال: إنَّ القرآن لا ينسخه إلاَّ قرآن، وأن نسخ فرض صلاة المقيم بقول الله جلَّ ذكره: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا.() وأن الآية إنَّما أوجبت القصْر على الخوف، وقد أجمع المسلمون من أهل الصلاة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم بقصر الصلاة في حال الأمن دون الخوف، وهذا يدلُّ على أنَّ الآية ليست ناسخة والله أعلم.
وأما من زعم أن السّنة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخ السنَّة، فإن من الحجَّة عليه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يصلي إلى بيت المقدس بغير قرآن نزل، ثم إنَّ الله نسخ ذلك بقرآن أنزله، وحوّل القبلة إلى الكعبة.
وأما من قال: إنَّ نسخ القرآن مفوض إلى الأئمة فإنَّهم احتجوا بأن الرسول عليه السلام كان يجتهد رأيه() في الأحكام. قالوا: فإذا كانت السنة اجتهاداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد يجوز أن ينسخ القرآن بالسنَّة، وإذا جاز نَسْخُ القرآن بالسنَّة من طريق الأحكام، وتفويض الأحكام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: فجائزٌ للإمام بعده الذي نصَّ عليه أن يجتهد فيما فوِّض() إليه فالحجة عليهم غير قليل، من ذلك قول الله جلَّ ذكره: قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلاَّ ما يوحى إلي() وقوله عزَّ وجلَّ: وما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحي يوحى() وأما من زعم أن الله جلَّ ذكره وتعالى علواً كبيراً لا يعلم الشيء حتى يكون، فأجاز بذلك البداء على الله، كما أجاز غيره النسخ على أخبار الله وصفاته؛ فالحجة عليه قول الله جلَّ ذكره: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين() ثم قال: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنَّهم لكاذبون() فأخبر بما يقولون قبل أن يقولوا، وأخبر أنَّهم() لو ردُّوا كيف كان حالهم فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون، وعلم ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، ونظائر هذا كثير في هذا القرآن وغيره وبالله التوفيق.


باب في المحكم والمتشابه

اختلف الناسُ في المحكم والمتشابه فقال قوم: إنَّ المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ.
وقال قوم: إنَّ المحكم هو الفرائض والوعد والوعيد، وأن المتشابه هو القصص والأمثال.
وقال قوم: المتشابه هو قوله: ألم وألمص. وكهيعص، وحم. وما يحتمل تأويلين() في اللغة، والمحكم هو الذي تأويله تنزلة() تجب في القلب معرفته عند سماعه، والمحكم عندنا ـ والله أعلم ـ ما كان حكمه معلقاً بظاهره لا يحتمل وجهين مختلفين كقوله: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وقوله: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.() وقوله: وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون.()وقوله: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم() ونحو هذا. والمتشابه فهو لا يعلم المراد به في ظاهر "تأويله"() تنزيله؛ وإنَّما يرجع في حقيقة ذلك من وجوه التأويل المحكم له كقوله جلَّ ذكره: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله.() وقوله: تجري بأعيننا جزءاً لمن كان كُفِر.() وقوله: خلقت بيدي،() وعملت أيدينا .()وقوله: يضل من يشاء ويهدي من يشاء() وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون،() فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم.() ويدل على ما قلنا قول الله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتَّبعون ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاء تأويله.() يقول ـ والله أعلم ـ: إنَّ الذين في قلوبهم مرض وهم المبطلون إنَّما يبتغون ما يتعلَّقون به ويرونه حجَّة إن كانوا متأويلين من أهل الملة، ويظنون أن َّ فيه مطعناً إن كانوا ملحدين فيما يحتمل تأويله في ظاهره وبالله التوفيق.


مسألة القرآن دليل نفسه
وإنَّه معجز بعجيب نظمه لا يقدر الخلق على أن يأتوا بمثله.

إِنَّ() رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، جاء به قوماً كانوا هم الغاية في الفصاحة والعلم باللغة والمعرفة بأجناس الكلام() جيّده ورديئه، فشتم آبائهم وأسلافهم وقبّح أديإنَّهم وضعَّف أخبارهم، وهم أهل الحمية والأنفة والخيلاء والعصبية، فقرعهم بالعجز؛ لأن يأتوا بمثله، ومكَّنهم من الفحص والبحث والاحتيال، وأمهلهم المدة الطويلة، وأعلمهم أنَّ() في إتيانهم بمثل الذي أتى به في جنسه ونظمه ما يوجب إحقاقهم وإبطاله ـ حاشا لهم من الباطل ـ ، فبذلوا في إِطفاء نوره ودَحْضِ حجّته أموالهم وآبائهم وأبناءهم وأنفسهم، ولم يعارضوا ما احتج به عليهم من كتاب ربه بأرجوزة، ولا قصيدة، ولا خُطْبة، ولا رسالة. فصحَّ بهذا() إنَّهم لو قدروا على ذلك ما تركوا إلى() بذل الأموال والأنفس.
وإن () قال قائل: ما يدريك() لعل العرب قارضت() القرآن وأتت بمثله فخفي ذلك وانْكَتَم. قيل: لو جاز ذلك لجاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هزمه عدّوه يوم بدر فَسُتِرَ ذلك عنا ونُقِلَ إلينا خلافه، ولجاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قُتِلَ في بعض مغازيه فكُتمنا ذلك ونُقِلَ إلينا أنَّه مات على فراشه، على إنَّه قد روي ما امُتحن به صلى الله عليه وسلم في أصحابه يوم أُحد وغيره من الأيام وما نِيْلَ منه في وجهه، وما هجي به وادعيَ عليه من السِّحر والكهانة والجنون، وقد طعن الملحدون في القرآن وأَلَّفوا في ذلك الكتب، ولو كانت العرب قد عارضته بمثل الذي أتى به فأبطلت حجته لاشتهر ذلك. ولكن أحق بالظهور لشهرته وعِظَم الخطب فيه من سائر ما ظهر؛ لأنَّه أغرب وأعجب وأقطع وأشنع، ومحال أن يكون ينقل إلاَّ دوِّن ويترك الأجل القطع() وبالله التوفيق.

وقد زعم قوم من أهل الكلام أن الحجة في القرآن إنَّما هو ما فيه من الأخبار عن الغيوب،و () الله جلَّ ذكره مَنَعَ العرب و () صرفهم عن معارضته إلاَّ إنَّه في نفسه مُعْجِز، قيل لهم: لو كان هذا على ما ذكرتم كان الواجب في الحكم أن يستحق نظمه؛ لأن الأعجوبة في عجزهم علة() مع قدرتهم على ما أجود منه وأفصح كائن يكون أعظم وأجلّ وأدلّ على المراد. فقد() طعن بعض الملحدين في القرآن فقال: نجد الإنسان إنَّه() يقول في القرآن: الحمد لله منفردة، ورب العالمين منفردة، وكذلك كل لفظة من القرآن، فإذا كان يمكنه أن يأتي بمثل هذه الألفاظ منفردات فقد صحَّ القدرة عليها، وإذا كان قادراً عليها فما الذي يمنعه من جمعها ومتى يدركه العجز عند اللفظة الثانية والثالثة والرابعة وما() البرهان على ذلك؟ فعارضهم بعض المتكلمين فقال: أخبرنا() عن البكاء المفجم ليس() يقدر على() أن يقول: قِفَا نَبْكِ منفردة، ومن ذكرى حبيب منفردة، ثم كذلك كل لفظة من هذه القصيدة: فإذا كان يمكنه أن يأتي بها منفردات كان قادراً على ذلك، فما الذي يمنعه من جمعها ونظمها النظم الموزون؟ ومتى يلحقه العجز في اللفظة الثانية والثالثة والرابعة؟ فلم يجدوا في ذلك فرقاً() والحمد لله.
وقد قال بعض الجهال، من() يتهم بالإلحاد ويُطعن عليه به ويدَّعي عِلْمَ اللغة والفصاحة، إذا قرئت بين يديه الآية أو السورة من القرآن يروم أن يعارض به أشعاراً مقولة،ٍ وخُطَباً لبعض المتقدِّمين معلومة، ويقال() ما الفرق بين ذي وذلك؟ والذي يدل على جهله أن ما فعله لو كان مما يُتعلق به لسبق إليه القوم الذين أورد عليهم الرسول عليه السلام هذا الكتاب، فهم كانوا أعلم باللغة وأقدر على الكلام المنظوم البليغ الفصيح، فلما تركوا ذلك وقصدوا إلى الحرب التي تأتي على الأنفس والمال، علمنا أنَّ مَنْ بعْدهم عما عجزوا عنه() أعجز عنه، وأن هؤلاء إنَّما يعارضون بما ذكرنا للجهل الذي فيهم والتعجرف، والأموال والمحاربة،() ولما كان أولئك وإن كانوا أولئك كفاراً يستحقونه ولا يتقدَّمون لمداواتهم() وأخطارهم.


باب مسألة القول في المتشابه
فأما المعنى في متشابه الكتاب فإن الله جلَّ ذكره خَلَقَ عباده ليمتحنهم فيثيبهم كما قال جلّ وتعالى: إنَّه يُبدؤ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط () ، فعرضهم بخلقه إِياهم على المنازل وأشرفها وهو الثواب الذي لا خلاف بين أهل العقول في أنَّه أشرف من التفضل. والله جلّ وتعالى جواد كريم، لا يقتصر لعباده (على ما غيره أعلا وأشرف)، () إذا كان ذلك حكمة وصواباً، ولو كان القرآن كله محكماً لا يحتمل التأويل، ولا يمكن الاختلاف فيه لسقطت المجنة() فيه وتبدلت() العقول وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل واستوت ومنازل العباد، والله يتعالى أن يفعل ما هذا سبيله، بل الواجب في حكمته، ورحمته ما صنع وقدّر فيه، إذ جعل بعض محكماً ليكون أصلاً يرجع إليه، وبعضه متشابهاً يحتاج فيه إلى الاستخراج والاستنباط، وردَّه الحكم وإِعمال العقول والفكر. ليستحق بذلك التواب الذي هو العوض، فإن قال قائل: أفما كان الله قادراً على أن يوصل العباد إلى الثواب من غير محنة؟ قيل له: إن الله على ذلك لقادر() وعلى ذلك() قدير، وليس كل ما يقدر عليه يفعله ـ جلّ عن ذلك وتعالىـ، بل لن يفعل إلاَّ الحكمة والصواب من التدبير، ولو كان يعطي منزلة العامل المجتهد من لا عمل له ولا يساوي() دون المؤمنين في الجنة بنبي الله عليه السلام في منزلته ودرجته إِذ كان اللهُ على ذلك قادراً، الذي أفسد هو،() ما سأل عنه السائل ولله المنّة.


باب الرد على من يدعي الزيادة والنقصان في القرآن

أما الذي يدلُّ على إبطال قول من يدّعي0 فيه الزيادة والنقصان وأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يجمعه حتى جمعه أصحابه بعده فهو كتاب الله الذي لا يحتاج معه إلى غيره، قال الله جلَّ ذكره: وإنَّه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد() وقال الله عزَّ وجلَّ: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون () وقال تبارك وتعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق () ونحو هذا في القرآن كثير. وفي بعض هذا ما يغني عن الرد على من ذكرنا لغيره، ويبطل القراءة الفاحشة والروايات الكاذبة على أصحابه وما يروون عن المصحف المنسوب إلى عبد الله بن مسعود وما جعله الله وغيره من المصاحف التي لم تظهر في محفل قطّ. ولو ظهرت لم تُدْرَ لمن هي وما قصتها. كذلك ما حكي عن عبد الله بن مسعود من الزيادة والنقصان، وإني لأعجب ممن يقبل من

المسلمين قول من يزعم أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ترك القرآن الذي هو حجته على أُمته والذي تقوم به دعوته والفرائض التي جاء بها من عند الله، وبه يصح الذي بعثه الله داعياً إليه، مفرَّقاً في قطع الحرف الذي لم يجمعه ولم يضمه ولم يحصِهِ ولم يحكم الأمر في قراءته وما يجوز من الاختلاف فيها وما لا يجوز، وفي إعرابه ومقداره وتأليف سوره، وهذا لا يُتَوهم على رجل من عامة المسلمين. فكيف برسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ (نسخة) وكيف برسول رب العالمين وعلى آله الطيبين؟ وقد قال رجل ممن يذكر بعلم القرآن: إن مما يدل على خطأ من ذهب إلى مذهب من ذكرنا أن الله جلَّ ذكره أنزله على رسوله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ في ثلاث وعشرين سنة كلما أُنزلت آية وسورة قرأها على أصحابه في صلاته وحضر() وجملة() المهاجرين وخيار الأنصار والذين يلونهم في الأقدار. فربما قرأها() على العوام وفي المواسم العظام، لأن فيه فروضهم وحلالهم وحرامهم ووعدهم ووعيدهم والاحتجاج عليهم ولهم، وكانوا أهل عناية وتعظيم له وحرص عليه يدرسونه نهارهم ويصلون به في ليلهم ويتفقهون فيه ويتفهمون معانيه ويقرئ بعضهم بعضاً في مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم وفي غيره من مساجدهم ومشاهدهم، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم مع ذلك يحثهم على التعليم ويرغَّبهم فيه ويقول: " خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه()" وكان يقول عليه السلام "إن هذا القرآن مأدبة() الله فتعلموا مأدبته".()
ومن غير الجامع المأدبة هي المدعاة إلى الحق وهو القرآن والمأدبة هي المدعاة إلى الطعام يعني الوعاء والله أعلم. رجع قال يوم أُحد في الشهداء: " زمِّلوهم في ثيابهم وقدِّموا أكثر القوم قرآناً "()مع قول غير هذا كثير وترغيب شديد، وكانوا هم الحجة على من غاب منهم "نسخة" عنهم، وعلى التابعين بعدهم، كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم حجّة عليهم، فإن تشاجروا في شيء منه ردُّوه إلى الله والرسول.() والرسول قائم عليهم وحريص على تعليمهم، رفيقا بتأديبهم. "نسخة" ومؤدب لهم. وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لم() يخفَ على من كان على هذه الصفة، وسار على هذه السيرة ناسخ من منسوخ، ومكي من مدني وتقديم من تأخير. وكيف هم شهود للقصة، حضور للتنزيل، وإنَّما هو في مغنم أو فداء أو عفو أو قتل أو أسر أو قبض أو صدقة أو صلاة أو صيام أو نُسُكٍ أو تحريم ربا أو زناً أو خمر أو خنزير أو قصاص في حدٍّ أو ميراث، وفيهم ينزل وإليهم يرجع، ولقد حفظوا من سنن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم وأحكامه وأحاديثه، وأخلاقه وسيره ودلالاته، قبل مبعثه أضعاف ما بين دفَّتي المصحف، يعلم ذلك جميع الفقهاء، ويخبرك ذلك جميع العلماء، والعرب مخصصون بشدة الحفظ وحُسْنِ البيان، وقد كان للنبي صلى اللّه عليه وسلّم كتّاب يكتبون الوحي، لا يدفع ذلك صاحب خبر ولا حامل أثر، وكان منهم ابن أبي سرح، وزيد ابن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بنت أبي سفيان، فإن لم يكن القرآن مجموعاً مكتوباً في زمان رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم، فأي شيء كان يكتب هؤلاء؟ وكيف يجوز على القوم الذي ذكرنا أحوالهم أن يتركوا جمع القرآن، والوقوف على تأليفه ومقدّمه ومؤخره، وهو إنَّما أُنزل عليهم وفيهم

على ما تقدم في شرح العالم الذي ذكرنا في صدر هذا أهل الفضل، ومما يدل على حفظهم لَمِا استُحْفِظوا له، وقيامهم بما استكفوا إياه، إنَّهم كانوا علماء لنظم السور وتأليف الآي، لا يحرِّفون الحكاية، ولا يقصرون في التأدية، إن أول ما نزل القرآن بمكة إقرأ باسم ربك الذي خلق . فأول ما نزل بالمدينة سورة (البقرة)، وآخر ما نزل سورة (براءة). فلو كانوا إنَّما ألَّفوا السور على تقدير رأيهم لقدّموا() في المصحف المقدّم وأخروا المؤخر، ففي تقديمهم سورة البقرة وفي تأخيرهم سورة براءة دليل على إنَّهم اتبعوا ولم يبتدعوا، وحكموا ولم يتخرصوا، ولن يخفى على ذي لب إنَّهم لم يكونوا ليتركوا على وضع السور ما عاينوا، وشاهدوا الأمر على ما ذكرنا صفته على ما حكينا، ولقد وَعَوْهُ وأحصوه حتى عرفوا منْ جَمَعَهُ من الأنصار، وكم حفظه() ومن حَفِظَهُ من المهاجرين ومن بقيت عليه السورة والسورتان من أصحاب الحروف، وجمال الوجوه، وكل ما قلنا مشهور معروف، وكذلك قال أبو ذر رحمه الله: (لقد تركنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم وما يقلّب طائر جناحيه في السماء إلاَّ وعندنا منه علم)، فكيف يجهل تأليف السور ومواضع الآي، أمة قد شهدت أول ذلك وآخره وقد اختارهم الله جلَّ ذكره لصحبة نبيّه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ وليكونوا حجة كما قال جلَّ ذكره: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً () وقد روى أصحاب الحديث الذين لا يبالون ما رووا على أصحابهم، أن القرآن كان مفرّقاً حتى جمعه أبو بكر الصديق، وروى آخرون أنّ الذي جمعه عثمان وإنَّهم أخذوا آية من هاهنا وأُخرى من هناك، وأن الرجل كان يجيء بالآية، ويسأل عنها الشهود ثم يكتب، وأن زيد بن ثابت لمَّا أمره عثمان بن عفان أن يكتبه في المصحف فَقَدَ آيتين حتى وجدهما عند رجلين من الأنصار.
وأن زيداً وغيره من الصحابة تولَّوا تأليف السور والآيات، وهذه أخبار مطعون عليها، ويقال إنَّ الزنادقة قد دّسوا الزيادات، والأحاديث في أحاديث الأمة، بل الأدلة قد قامت من طريق العقل أن السور كانت معروفة مؤلفة في زمان رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، وأن القرآن قد كان فُرغَ من جمعه. وقد روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال لعبد الله بن مسعود: إقرأ عليّ، فقال عبد الله: أقرأ وعليك أُنزل؟ قال أُحب() أن أسمعه من غيري() فقرأ سورة النساء حتى إذا بلغ: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ()، استعبر رسول ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ فكفّ
عبد الله.

وروى عبد الله بن عمر فقال: أرسل إليّ رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ فقال له: (ألم أُخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار)()، قال: قلت بلى يا رسول الله، قال: (اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أفضل() من ذلك فشددتُّ فشدَّد عليّ فقال: إقرأه في عشرين، فقلت: إني أطيق من ذلك فشددتُّ فشدَّد عليَّ فقال: إقرأْه في سبع لا تزد على ذلك)() فلو لم يكن القرآن مجموعاً مؤلفاً كيف كان يقرأه عبد الله في شهر أو في سبع، ومن طريق آخر إنَّه بلغه عن عبد الله بن عمر يقرأ القرآن في أربعين ليلة فاستزاده حتى بلغ إلى سبعة أيام.
وروي() أن مجاهداً قال في الحجر: نزل مع سورة الأنعام خمسمائة ملكٍ يحفّون بها.
وروي عن الشعبي() وهو الإمام في عِلْمَ القرآن قال: لم يُجمع القرآن على عهد رسول ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ إلاَّ ستة كلهم من الأنصار، فلو يكن القرآن كله مجموعاً على عهد رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، ولم يكن كلاماً نزل عليه مؤلفاً بأمر رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ كيف كان يجمعه ويحفظه هؤلاء الستة.
وعن قتادة عن أنس قال: قُرأ القرآن على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم من الأنصار، أبيّ، ومعاذ، وزيد، وأبو زيد، وأبو أيوب. والأكثر من الصحابة قد قال:() يحفظ من القرآن السور المعدودة. وفيهم من يحفظ السورة والسورتين، فالقرآن كله قد كان فيهم محفوظاً متلوّاً، ألا ترى أن كثيراً منا اليوم ممن لا يقرأ القرآن ظاهرا،ً فلو قرأ بين يديه قارئ منه شيئاً فزَلَّ عن موضعه أو أسقط كلمة لانتبه لذلك ولشعر() بذلك وأنكره.
وروي أن جبرائيل عليه السلام كان ينزل كلَّ عامٍ فَيُقْرِئ رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم القرآن مرّة، حتى إذا كان العام الذي قُبِضَ فيه رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم عرضه() ذلك العام مرتين.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنَّه قال: حين صنع عثمان بالمصاحف ما صنع، والله الذي لا إله غيره ما أُنزلت سورة إلاَّ وأنا أعلم حين أنزلت، وما من آية إلا وأنا أعلم فيمن أُنزلت، قيل "نسخة" قال: كانت() الآية إذا أُنزلت، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : اجعلوها في موضع كذا.
ويدل على ما قلناه ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه قال: (من تعلَّم القرآن فنسيه حُشِرَ يوم القيامة أجذم)، فلو لم يكن القرآن مجموعاً محفوظاً على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم، لم يكن لِذِكْرِ هذا الوعيد معنى.
وروي عنه صلى اللّه عليه وسلّم إنَّه قال: (عرضت عليّ الذنوب فلم أر ذنباً أعظم ممن حمل القرآن ثم تركه). وفي بعض ما ذكرنا ما يدل على أن القرآن في عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم قد كان مجموعاً محفوظاً والله أعلم. والذي عليه جُلُّ فقهاء أصحابنا أن القرآن ينسخ القرآن، ويُنسخ بالسنّة، كما أن السنُّّة تُنسخ بالسنَّة، وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنَّة لا تنسخ القرآن.
ولعل هذا مذهب بعض البصريين، وحجة هؤلاء أن القرآن لا يُعلم نسخه، إلاَّ بخبر من الله تبارك وتعالى، أو الرسول عليه السلام، أو إجماع الأمة على النسخ، أو تقوم دلالة على نفس الخطاب، ولم تقم الدلالة من هذه الوجوه، قالوا: وقد قال الله جلَّ ذكره:

ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها()، والسنَّة فليست مثل القرآن، والسنَّة وإن كانت حكم الله تعالى، فليست مثل القرآن في نفسه معجزة، قال الله جلَّ ذكره: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.()والسنَّة ليست بنفسها معجزة، فإذا لم تكن مثل القرآن() لم تجز أن تنسخ القرآن، والحجة لمن أجاز نسخ القرآن بالسنَّة، قالوا: لأن القرآن حكم الله جلَّ ذكره، والسنَّة حكم الله يُنسخ أحدهما بالآخر، واحتجوا بقول الله جلَّ ذكره: وما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحي يوحى ،() فالكتاب دالٌ على أن يُخبر عن الله جلَّ ذكره، فهو ينسخ أحكامه بعضها ببعض، (وفي نسخة) أحكامها ببعضها ببعض، مرة من الكتاب، ومرة على لسان نبيه عليه السلام. والله أعلم بالأعدل من القولين.

باب في الأسماء وما يدل على مسمياتها

قال الله تبارك وتعالى: الرحمنُ علَّم القرآنَ خَلَقَ الإنسان َ علَّمه البيان() فأخبره الله جلَّ ذكره أنَّ() البيان في اللسان، ولذلك لزمت الحجة، فإذا ورد() الخطاب المخاطب بأمر أو نهي لزمت حجته وانقطع عذر، المخاطب به إذا كان من أهل ذلك اللسان، ولولا ذلك لما علم فرق ما بين الأمر والنهي والإباحة والحظر. ولما عُرِفَ قول القائل: قم أو اقعد أو تكلم أو اسكت أو تعال أو اذهب أو خذ أو اترك، فجعل الله تعالى هذه الأسماء دلائل وعلامات ليعلم بها الخلْقُ ما خوطبوا به ليمتثلوه ويقصدوا إليه، فخاطبهم بما يعلمونه لتجب الحجة عليهم. فمن الأسماء ما يقع فيها الاشتراك بين مسمياتها، ومنها مالا يقع الاشتراك فيه.
فما يقع الاشتراك فيه، يعرف المراد منها ويزول الشك عنها، بالبيان بمقدمة أو بصفة أو بإيماء أو إشارة أو دلالة يقع من بيان المراد ويصحُّ معه التكليف. مثل ذلك أن يقول القائل: لفلانٍ يدٌ، احتُمل أن يكون أراد اليد التي هي الجارحة التي تبطش()بها، واحتمل أن تكون اليد التي هي المنَّة والنِّعمة، واحتمل أن تكون هي اليد التي هي التصرف في الملك، فاسم اليد على الإطلاق يقع على هذه الأشياء كلها، فإذا أراد المتكلم بذلك الإخبار عنها ليبين لمن خاطبة بقرينة() أو أصله فعلم المخاطب له بالصلة أو بمقدمة ليزول الشك عن المخاطب. فقوله: فلانٌ كتب هذا الكتاب بيده، عُلِمَ بذلك أنَّه أراد بذلك اليد التي هي الجارحة التي يكتب الناس بها. وإذا قال: لفلان عندي يد بيضاء، علم إنَّه أراد بذلك المنَّة والنعمة. وإذا قال: هذه الدار في يد فلان، علم بذلك إنَّه أراد بذلك اليد التي هي الملك والتصرف، فما يعلم بصلة() أو بمقدمة غير ما يعلم بإطلاق اللفظ به ويقطع ويقع الاسم عليه بمنفرده، فالواجب أن يعتبر الخطاب بصلته أو بمقدمته،()وما يتعلق به ليصح مراد المخاطب "نسخة: مراد الآمر وقصده"، فإذا قال القائل: واحد، فقد أخبر عن أدني العدد. وإذا قال: اثنان، فقد أخبر عن ثنيته العدد. وإذا()

قال: ثلاثة، فقد أخبر عن جمع عدد هذا كله.()وإذا() قال: ثوب، فقد دلّ على جنس وأدنى العدد، وإذا قال: ثوبان، دلّ على التثنية والجنس. وإذا قال: ثلاثة أثواب، دلّ على الجنس وعلى جماعة أدناها ثلاثة وأقصاها ما لا غاية له.
ومن لا يعرف موضع الخطاب، لم يعلم فائدة الكلام والتبس عليه ضروب الخطاب، والله أعلم وبه التوفيق.
ثم إن الله تبارك وتعالى إنَّما جعل الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم المأمور غرض الآمر ومراد المخاطب، والحكيم لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا يأمر بما لا يُفهم عنه، ألا ترى إنَّه غير جائز أن يأمر أحداً بالقعود، وهو يريد من القيام، لأنَّه إنَّما يأمر لتمثيل() أمره، فإذا لم يبين مراده، لم يكن أن يُمتثل أمره، ولم يتهيأ أن يعتقد طاعته فيما كلفه إياه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يُجز أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب، وتمام فصل الكلام أن() تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر؛ لأنَّه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم، وهو يريد التقييد والخصوص، ثم() لم يقرنه بدلالة تبين عنه، كأن قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراده منهم، ويتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فالخطاب إذا ورد فللعموم صيغة، كما أن للخصوص صيغة، وللأمر صيغة، وللنهي صيغة، ولكل وجه من وجوه الخطاب صيغة يُعرف بها حكمه، ويدل المخاطب به على معناه، ولن يجهل ذلك أو شيئاً منه أحد من أهل اللسان والمعرفة به من أهل اللغة والبيان، (غير أن العرب لسعة لغتها وكثرة معاني كلامها تعبِّر عن الخصوص بلفظ العموم وعن العموم بلفظ الخصوص)،() وعن الحقيقة بلفظ المجاز وعن المجاز بلفظ الحقيقة.
وهذا معروف بينهم ومنسوب عندهم، وعليه أدلة موضوعة به من مقدمة الكلام وصلته، وبالإشارة المعهودة عندهم على ما يتعارفوا بينهم، فما فرَّق به الدليل نُقِلَ عن موضعه وصيغته، وعلى هذا النحو جرت المخاطبة من الله تعالى في محكم كتابه، خاطبهم باللسان العربي المبين. فعلى هذا يجب أن يعتبر الخطاب من الله جلَّ ذكره أو من رسوله صلى اللّه عليه وسلّم، فما ورد بلفظ العموم أُجري على عمومه ما لم يخصه دليل الخصوص، وما جاء بلفظ الخصوص أوقف على خصوصه ما لم يطلق() دليل العموم، وفي هذا المقدار كفاية لمن أراد الله إرشاده وبالله نستهدي، وعليه نتوكل.
فالخطاب إنَّما يرد من الله عزَّ وجلَّ بلغة من يخاطبهم لأنّه مريد() لإفهامهم بقوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه ليبين لهم،() فالقرآن إنَّما أُنزل بلغة القوم الذين بعث فيهم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وهو مشتمل على ضروب من الخطاب،()فمنه المفسر الذي يُستغنى بلفظه عن بيان غيره، ومنه المُجمل الذي لا يُستغنى عن معرفة بيانه، ومنه المُحكم الذي يعرفه السامع، ومنه المتشابه الذي يفكِّر في تأويله العالم، ومنه ما يحتمل الوجوه التي لا يجوز القطع على شيء منها إلاَّ بدليل يُعلم() ما المراد منها. ومنه الإيجاب والإلزام، ومنه الترغيب والإرشاد، ومنه الفرض والندب، ومنه الإباحة والحظر،() ومنه الكناية والتصريح، ومنه الحقيقة والمجاز، ومنه الخصوص والعموم، ومنه التعريض والإفصاح، ومنه الإطالة والإيجاز، والحذف، ومنه الإشارة()

والتلويح، ومنه التأكيد والترديد، وكل ذلك معروف في لغة العرب. وعلى اختلاف() هذه الضروب تختلف معاني أحكامها، ولكلٍّ ضرب منها صورة تُعرف بها وصيغة أُوضعت() لها يعرف السامع بذلك قَصْدَ المخاطب وغرض المتكلم، فمن عرف ذلك وضع الخطاب موضعه، ولم يعدل به إلى غير جهته، ومن قصر علمه عن شيء من ذلك، (وضع الخطاب موضعه ولم يعدل به إلى غير جهته)،()ومن قصر علمه عن شيء من ذلك التبس عليه ما قصر علمه عنه ولم() يدرك ذلك من() لم يكن عاقلاً مميزاً، وبالله التوفيق.
فالواجب أن يُعتبر كل خطاب بحسب المعروف في اللسان، لأنَّه() منه ما يفترق ولا يتفق، ومنه ما يتفق ولا يفترق، ومنه ما يتفق لفظه ويختلف معناه، () وكل ذلك معروف عند أهل اللسان.
وقد جعلوا للشيء الواحد أسماء كثيرة كالأسد والسيف والفرس والحمير،() وغير ذلك مما يكثر وصفه ويطول ذكره، وقد سموا بالاسم الواحد أشياء كثيرة، وسموا بالاسم الواحد الشيء وخلافه، كالأقراء ونحوها، وقد كُّنوا عن الشيء باسم غيره، وأشاروا إلى الشيء باسم غيره، وأشاروا إلى الشيء بمعنى غيره، واستغنوا عن الاسم بالإشارة إلى العين() واكتفوا بالإيماء عن الكلام، وأرجو أن أبين معنى ذلك بعد() هذا إن شاء الله.



باب في أحكام القرآن

قال الله تبارك وتعالى: وإنَّه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.()وقد طعن قومٌ من الملحدين في القرآن لاختلاف القراءة() واختلاف() أهل العلم في قول الرسول عليه السلام: "أُنزل القرآن لنا على سبعة أحرف كلها شافٍ كاف". فأما الملحدون فلا معنى لقولهم وطعنهم من هذا الوجه؛ لأنَّهم ذهبوا من الاختلاف إلى التناقض ولم() يجدوا ذلك بحمد الله، وليس من المحال أن يُنزل الحكيم() كلاماً() يأمر بحفظه ودرسه، ويبيح في قراءته الوجوه الصحيحة، وقول الرسول صلى اللّه عليه وسلّم شاهدٌ بما قلناه، فأما تفسير قول الرسول عليه السلام: أُنزل القرآن على سبعة أحرف، قال بعض أهل العلم بالقرآن: ذهب إلى السبعة() الأحرف: وعد، ووعيد، وحلال وحرام، ومواعظ، وأمثال واحتجاج. وقال بعضهم: حلال، وحرام، وأمر، ونهي، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال، وقال قوم: هي سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن، لأنَّه لا يوجد فيه حرف واحد قرئ على سبعة أحرف. وقال بعضهم: هي سبع لغات في الكلمة، وقد تكلم أهل العلم في هذا المعنى وأكثروا، وبيَّنوا معاني قولهم بالاحتجاج الصحيح، وهو معروف في آثارهم، وكلٌ قد قال فيه بما يحتمل جوازه، ألا ترى أن الألفاظ قد تختلف ولا يختلف المعنى لاختلاف الألفاظ، والاختلاف فرعان:

اختلاف تغاير واختلاف تضاد لا يجوز، وليست واحدة. ـ والحمد لله ـ في شيء من كتاب الله تعالى، إلاَّ في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ، واختلاف التغاير جائز، وذلك قوله: وادَّكر بعد أمة() بضم الألف، والتشديد أي بعد حين. وبعد أمة بفتح الألف والتخفيف وتبيين الهاء، أي بعد نسيان، إلاَّ أنَّه قد يجوز أن يكون قد اجتمع المعنيان ليوسف ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، وكذلك قوله: إذ تلقونه بالتخفيف وسكون اللام، وتلَّقونه بالتشديد وفتح اللام، ولأنَّه قد يجوز اجتماع المعنيين() فيه؛ لأنَّهم قتلوه وقال: إنَّه كذب.() وكذلك قوله: بعد بين أسفارنا على الخبر. وباعدعلى الدعاء. وكذلك قوله: قال لقد علمتما أنزل هؤلاء () بفتح التاء وعلمتُ برفعها؛ لأن المعنيين صحيحان موجودان، وأشباه هذا كثير.


باب() في تكرير القصص والألفاظ

وقد طعن قوم في تكرير القصَّة بعد القصّة والقول بعد القول، فليس لطاعن في هذا تعلُّق والحمد لله، والسبب في ذلك أنَّ الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسُّوَرِ المختلفة، فلو لم تكن() الأنباء والقصص مثنَّاة ومكرَّرة، لوقعت قصة موسى عليه السلام إلى قوم، وقصة عيسى عليه السلام إلى قوم، وقصة نوح عليه السلام إلى قوم، فأراد الله تبارك وتعالى بلطفه ورحمته، أن ينشر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع ويُثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الإفهام.
وأما تكرير الكلام من جنس واحد بعضه() يجزي عن بعض كتكراره في قل يا أيها الكافرون وفي سورة الرحمن، فإن القرآن نزل بلسان القوم وعلى مذهبهم، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاقتصار إرادة للتخفيف والإيجاز؛ إلاَّ أن() افتنان المتكلم والخطيب في الفنون، وخروجه عن شيء إلى شيء أحسن من اقتصاره في المقام على فنٍّ واحد، وقد يقول القائل في كلامه: والله لا أفعله ثم والله لا أفعله، إذا أراد التأكيد() وحسم() الأطماع من أن يفعله كما يقول: والله أفعله بإضمار (لا) إذا أراد الإيجاز والاختصار. قال الله جلَّ ذكره: كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون،() وقال جلَّ ذكره: فإنَّ مع العسر يُسرا إن مع العسر يسرًا() وقال: أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى() وقال: وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذ لله.()
كل هذا يريد به التأكيد للمعنى الذي كرَّره في اللفظ، وقد يقول الرجل لغيره: اعجل اعجل والمراد() في ارم ارم.
قال الشاعر: هلاّ سألت جموع كندة *ش* يوم ولّوا أين أينــا.


وقال آخر: كم نعمة كانت لكم *ش* كم كم وكم جئنا فجئنا.
وطعن قومٌ في تكرير معنىً بلفظتين مختلفتين، مثل قوله: الرحمن الرحيم وقوله: يعلمُ سرّكم ونجواكم() والنجوى هو السر، فطعنوا في غير مطعن، وذلك أن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تستعمل في لغتها ما أنكروه وطعنوا فيه؛ فإنَّما يكرر المعنى بلفظتين مختلفتين لاتساعه ولاتساع اللغة في الألفاظ، وذلك قول القائل: آمرك بالوفاء وأنهاك عن الغدر، وآمرك بالتواصل وأنهاك عن التقاطع، والأمر بالتواصل هو النهي عن التقاطع. ونحو قوله: لا تَجُرْ عليه ولا تظلمه فكرر المعنى لما اختلف اللفظان كما يقول: نديم وندمان وعلى مثال قوله: رحيم ورحمان، ويروى عن ابن عباس إنَّه قال: الرحمن الرحيم إسمان رقيقان() أحدهما أرق من الآخر الرحمنالرقيق و الرحيمالعاطف على عباده الرؤوف، وقد يكون هذا على التكرير والتأكيد، والله أعلم. وقوله: فغشَّاها ماغشَّى() فأوحى إلى عبده ما أوحى() ولا طائرٌ يطيرُ بجناحيه() والطيران لا يكون إلاَّ بجناح، ومثل هذا من الكلام كثير كقول القائل: كلّمتّه بلساني ونظرتُ إِليه بعيني، ويقال: بين زيد وبين عمرو، وإنَّما البين واحد، يراد به بين زيد وعمرو. قال أُويس:
ألم تكسف الشمس شمس النهار مع النجم والقمر الواجب.
والشمس لا تكون إلا بالنهار() فكَّرر وأكَّد، ولا شاهدوا على ما ذكرنا أعدل من الشعر() المشهور، وقد روي أنِّ ابن عباس كان إذا سُئِلَ عن شيء من غيوب() القرآن أنشدهم من الشعر ما يعرِّفهم إياه. وروي عنه إنَّه قال: الشعر أو علم العرب وهو ديوانهم، فتعَّلموا الشعر وعليكم بشعر الحجاز() فإنَّه شعر الجاهلية، وقد فسرَّ القرآن وتأوَّله رجال منهم: قتادة والضحّـــاك ومجاهد وغيرهم. وروي عن مكحول أنَّه قال في الرجل يقرأ القرآن فيمرُّ بالآية فيتأوّلها على تأويل لم يسمع به وهو يرى إنَّه على ما يؤوَّل.() قال: لا بأس بذلك مالم يعزم عليه، ولولا جهل كثير من الملحدين وعنادهم ما احتج للقرآن بالشعر ولا بغيره؛ لأنَّهم وإِن كانوا مكذِّبين بين رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم، فهم مقرُّون بأنَّه جاء بهذا القرآن وأنَّه أورده على العرب، وقرَّعهم بالعجز عنه، وجعله حجَّة لنفسه.
وأدنى منازل رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم أن يكون رجلاً من فصحاء العرب، لا يتأخر عن النابغة والأعشى بالعلم باللغة، وما يجوز فيها وما لا يجوز، وهذا مالا يدفعه عن مصدّق ولا مكذّب، فكيف يجوز أن يحتجّ بقول هذين، ولا يحتج بقول نفسه، وكيف صار حجّة على غيرهما، ولم يكن هو حجة عليهما.
ولكنّ العلماء لما علموا من سَعَةِ الحق احتجوا بشعر الماضين قطعاً للشغب وإِزاحة العلَََّة وبالله التوفيق.
جاءت الرواية أنّ العرب كانت تفتح كلامها باسمك اللهم على سبيل التبرُّك وتصدِّر به كتبها، وكان المسلمون يفعلون ذلك في صدر الإسلام فجرى بذاك ما شاء الله. ثم نزلت: اركبوا فيها باسم الله مجراها ومُرساها ، فأمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم أن يصدروا بهذا وهو قوله:


"بسم الله" فجرى بذلك ما شاء الله. ثم نزلت: قل اعوا الله أو ادعوا الرحمن() أمر أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فجرى بذلك ما شاء الله. ثم نزلت: إنَّه من سليمان وإنَّه بسم الله الرحمن الرحيم.() فثبتت هذه تسمية تجعل في أول السور ويفتتح بها القرآن، وفي صدور الكتب. إن ذكر الله بركة على من ذكره باسمه، فقال أهل الكوفة: "فاتحة الكتاب سبعة آيات. أولهن بسم الرحمن الرحيم". وأبى ذلك أهل البصرة وأهل المدينة. وروي عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن فاتحة الكتاب قال: "هي أْم القرآن ثم قرآها فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وقال: إنَّها آية من كتاب الله، ولا أعلم بين أصحابنا خلافاً إنَّها من السبع المثاني، واختلف الناس في معنى التسمية الله جلّ وعزّ أو الِإله() فقال قوم: مأخوذ من النور، وقال قوم: مأخوذ من الولهان؛ لأن القلوب تله إليه، وولههم() إليه هو تعلّق أنفسهم بالرغبة إليه، والانتظار للفرج من كل كربة من عنده، والفزع إلى غياثه، والخوف من عقابه فقال: () يجوز تسمية المألوه إليه إلهاً. كما قالوا للمؤتمِّ به إِماماً، ويقال: إنَّه الأصل في الإله، ولكن لما كَثُرَ استعمال الناس لذلك في الدَّعاء خففت، وقال قوم: الإِله هو الذي تحق له العبادة. وقال قوم: هو اسم سمّى به نفسه على سبيل الاختصاص. كما قال عز وجل: هل تعلم له سمّيا.()وأظن هذا الذي يذهب إِليه أصحابنا، والله يوفقنا وإِياهم برحمته. وقد طعن كثير من أعثار الملحدين في قول الله عزّ وجل: الرحمن الرحيم وفي قوله: الحمد الله رب العالمين وفي كثير من القرآن. فقالوا: إِذا كان عندكم الرحمن الرحيم معناها واحد، فلم جاز تكريرهما والإيجاز أفصح؟ وكذلك قالوا: كيف جاز أن يقول: الحمد الله وهو الله، ولم يقل الحمد لنا؟ وهذا من جهلهم بمخاطبات الناس وقُصورهم عن عِلْم اللغة.
فأما قوله تعالى:الرحمن الرحيم؛ فإنَّ العرب الذين خوطبنا بلغتهم يقولون: نديم وندمان، والذي قد تغدَّى وتعشَّى غديان وعشيان وصبحان، وغبقان للذي قد اصطبح واغتبق. وهو كقولهم: رحيم وراحم وقدير وقادر. والرحيم وهو الراحم وعليم وعالم، وتكرير اللفظتين المختلفتين وإن كان معناهما واحد في كثير من اللغة، تقول العرب: جاز مجيزٌ، وأما قوله: الحمد لله رب العلمين؛ فإن للمخاطبات منازل ومراتب، ألا ترى أن مخاطبة الرجل لابنه، والسيد لعبده والملك لرعيته تختلف من بمخاطبة الرجل لأخيه. يقول الرجل لابنه: أما تعلم أن من الحق عليك أن تبرَّ أباك. والإمام يكتب أمر: الإمام أمير المؤمنين بكذا وكذا ليقع للسامعين موقع الإجلال والتعظيم.
واختلف الناس في تأويل أوائل السور: ألم، وألمص، والمر، وحم، وحم عسق، ونحو هذا، فقال قوم: هي أسماء للسور()

وافتتاح لها. وقال قوم: أسماء للسور وابتداء لمن يقرأها، وقال قوم: ليس كذلك؛ لأن القرآن ليس فيه شيء لا معنى له، وهذه أسماء() المعاني. وقال بعضهم: إنَّها حروف إذا وُصِلَتْ كانت هجاء لشيء يعرف معناه. وروي عن عكرمة إنَّه قال: " آلم" قسم، وعندي والله أعلم وعلى نحو ما سمعت أنَّ لهذه() الحروف معاني تبتدأ بها السور ويُعلم بها انقضاء ما قبلها، وأن القارئ قد أخذ في أخرى، وهذا معروف في كلام العرب، وأن الرجل منهم ينشد فيقول: بل وبله، ويقول: بل ما هاج أحزاناُ وشجواُ قد شجا، وقوله، بل ليس من الشعر، ولكن أراد أن يعلم قد قطع() كلامه، وأخذ في غيره وأنََّه مبتدئ للذي أخذ فيه، وقال قوم: كانت العرب تُعرِضُ عند قراءة رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم استثقالاُ له ولا تسمع، فجعلت هذه الحروف عند أوائل السور ليكون() سببا لاستماعهم لما بعدها. فإنَّهم كانوا إذا استمعوها استغربوها، وتعلَّقت أنفسهم بها، وكان ذلك سبباُ لاستماعهم. وإذا كان هذا في اللغة التي خوطب العرب عليها جاز تأويلنا، والله أعلم. وقال قوم: الحروف المقطعة تجوز أن يكون لله تبارك وتعالى أقسم بها كلها فاقتصر على ذكر بعضها من ذكر جميعها فقال: ألم، ويرد() جميع الحروف المقطَّعة كما يقول القائل: تعلَّم (أ ب ت ث)، وهو لا يريد تعليمه هذه الحروف المقطعة الأربعة دون غيرها؛ ولكنه لما طال أن يذكرها كلها اجتزأ بذكر بعضها، والله نسأله التوفيق لمراده من ذلك.

مسألة
في الرد على من زعم أن الخطاب إذا وقع وَرَدَ بصيغة الأمر.

أن علينا التوفيق() لما يحتمل من الحُكْم حتى يُعلم أن المراد به أمر ونهي أو ندب أو تخيير أو غير ذلك، يقال له: لو كان الخطاب إِذا وَرَدَ بصيغة الأمر يوجب التوقف علينا عند وروده، لم تكن في وروده فائدة؛ لأنَّا قبل وروده متوقفون، وبعد وروده متقفون، فلا فائدة في وروده، فلما كان الأمر يقتضي الفعل، وكان له صيغة تُعرف في اللغة التي خوطبنا بها عَلِمنا من() قال بالتوقف غالط، وبالله التوفيق.
والذي يذهب() إِليه شيوخنا والأشبه بأصول أئمتنا أن الأمر إذا ورد بفعل، قد خُصَّ بوقتٍ فللمأمور اتِّباعه() في أوله أو وسطه أو آخره، وتعجيل الفعل في أول الوقت أفضل، وإذا ورد الأمر بفعل غير مخصوص() بوقت، فإن تأخيره جائز عندهم إلى آخر أيام الحياة، والنظر يوجب عندي ما لم يكن() مخصوصاً() بوقت فالواجب تعجيله أول أوقات الإمكان. الدليل على ذلك أن الأمر إذا ورد مطلقاً ولم يقيد بوقت، أن وروده لا يخلو من أن يلزم ذلك على الفور مع القدرة، أو يجوز للمأمور التأخير إلى آخر أيام حياته أو إلى وسائط بين الفور وآخر العمر مجهول، والوسائط أيضاً مجهولة الأوقات، ولا سبيل إلى علم ذلك. وإذا كان مجهولاً لم تصحُّ العبادة به؛ وما كان آخره مجهولاً لم يعرف() ووسائطه لم تعرف، لم يلزم فعله، وإِذا بطل هذان الوجهان صحّ إيجابه على الفور والله أعلم؛ لأن الآمر إذا أمر لم تجب له الطاعة عليه وأزاح عنه العلل فكأن الآمر يريد تعجيل الفعل ـ فعل المأمور به ـ، لم يكن للمأمور تأخير الفعل عن أول أوقات الإمكان . ويدل على هذا قول الله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض أُعدَّت للمتقين () فأوجب علينا المسارعة إلى الأفعال التي تؤدِّينا إلى الجنة والمغفرة، والله أعلم.



مسألة صورة الأمر في اللغة

أن يقول الآمر "إِفعل"، مثل قوله تعالى: أقيموا الصلواة وآتوا الزكوة واركعوا مع الركعين() وقوله: با أيها الناس اتّقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم() ومثل قوله: يا أيها الذين آمنوا واتقوا الله وكونوا مع الصادقين،() وصورة النهي أن يقول الآمر: لا تفعل، مثل قوله جلَّ ذكره: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلى قوله: ولا تقتلوا أنفسكم إِن الله كان بكم رحيما() ومثل قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله،() فإذا ورد الخطاب معرّىً من القرائن المقيدات() والمقدمات فهو أمر ونهي، واللفظة قد ترد مقرونة بقرينة أو بصلة أو بمقدمة فتدل على التخيير أو الندب مثل قوله تعالى: فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير() وكقوله: فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر() وقد أجمع الجميع أن الأكل منها غير واجب وأَّنا فيه مخيّرون، فالآية لم ترد إلاَّ مقرونة بالتوقيف وإن ما() يدل على قدرة الآمر وعجز المأمور فمثل قوله عزَّ وجلَّ: قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم () ومعلوم أن الله تعالى لم يرد منهم أن يجعلوا أنفسهم حجارة أو حديداً، إذ ليس في طاقتهم وقدرتهم؛ وإنَّما أراد أن يبين عجزهم. وأما الذي يدل على التهدد والزجر فمثل قوله تعالى: أفمن يلقى في النار خير أم يأتي آمناً يوم القيامة، اعملوا ما شئتم إنَّه بما تعملون بصير() وكقوله جل وعز: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون() وكقوله(): وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانظروا إنا منتظرون() فهذه الآيات لم ترد إلاَّ على مقدمات قبلهن وقرائن بعدهن تدل على التهدد والزجر. وأما الذي يدل على الإطلاق بعد الحظر فمثل قوله جل ثناؤه: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون().
وكقوله: وإذا حللتم فاصطادوا() وقد أجمعوا جميعاً أن الاصطياد والانتشار غير واجبين. () وأما الذي يدل على التكوين دون امتثال الأمر فمثل قوله جلَّ ذكره() كونوا قردة خاسئين() قد() تقدمت المعرفة إنَّهم غير قادرين على تكوين أنفسهم قِرَدة؛ فدلت المقدِّمة على التكوين دون امتثال الأمر، والله خاطبنا بما تعقل العرب في خطابها والعرب تقول: إفعل ولا() تفعل أمراً ونهياً() فإذا أمر من تجب طاعته والانقياد لأمره كان على المأمور إتيان ما أُمر وبالله التوفيق.


باب في الربا

قال الله تبارك وتعالى: وأحل الله البيع وحرَّم الربا() واختلف الناس في معنى الربا فرجع كل منهم إلى ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم إنَّه قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرُّ بالبرِّ والشعيرُ بالشعيرِ والتَّمرِ بالتمرِ والمِلْحِ بالمِلْحِ سواءٌ بسواء فمن زاد() واستزاد فقد أربى)() فقال قوم: ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ما حرَّمه وهو() فيما() يكال وفيما يوزن، فكل شيء مما يكال أو يوزن مما نُصَّ عليه، أو لم ينص عليه بعينه فالربا فيه؛ لأنَّه نبّه عن ذلك صلى اللّه عليه وسلّم بما يدخل في الكيل والوزن، وكل شيء من طعامٍ وغيره ففيه الربا، فهذه كلمة أصحاب الرأي. وقال قوم: العلة فيما نص النبي صلى اللّه عليه وسلّم بعينه فيما يُكال أو يوزن من طعام وسائر ما يؤكل. وقال قوم: الربا فيما بيَّنه النبي صلى اللّه عليه وسلّم دون غيره وهي سنَّة الأجناس التي ذكرها() وقال قوم: النص فيما نص عليه في كل مقتات ومدّخر، فهذه علة هؤلاء، وبعضهم جعلوا علته() ما يزكّى، وعلى هذا النحو جرى الاختلاف بين أسلافنا. ومنهم() من جعل الربا فيما أنبتت الأرض (نسخة بما أنبتت)، وكانت هذه علَّة لمن قال بهذا القول لأنَّها أعمُّ. واحتج من نفى القياس ولم يعتبر قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيما حرَّم من البيوع من معنى النص، واقتصر على المذكور دون غيره واحتج بقول الله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربا،() قالوا: قوله عزَّ وجلَّ: وأحل الله البيع وحرم الرباخاصاً، وهو ما أخرجه من جملة المباح من البيع بالستَّة يقال لهم: لو كان قوله عزَّ وجلَّ: وأحل الله البيع وحرم الربا يبيح التفاضل في كل عقد إلاَّ ما خصته السنة؛ لوجب أن يكون قوله تعالى: وحرم الربامانعاً من التفاضل لتساوي الظاهرين وورودها()

معاً في سياق ونسق واحد، بل الواجب أن يكون الاستدلال بتحريم ثمن الربا على تحريم التفاضل أصحّ وأولى في الاستدلال على إباحة التفاضل بإباحة البيع؛ لأن الربا في اللغة هي الزيادة والفضل في الجنس الواحد، وبالله التوفيق.
وأحد أصولهم التي جرى فيها الاختلاف بينهم فيما هو أن الله جلَّ ذكره لما حرَّم بيع البر بالبر إلاَّ مِثلاً بمثل، على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم وجب عند القائسين تحريم بيع الأرز بالأرز إلاَّ مثلاًّ بمثل؛ لأن الأرز معهم في معنى البر، ثم هم مع() ذلك مختلفون في العلَّة التي من أجلها صار الأرز مقيساً على البر، فقال بعضهم: هما متفقان من أجل أنهما مأكولان، (وقال بعضهم: لا بل إنَّهما مكيلان، وقال بعضهم: لا بل إنَّهما مكيلان مأكولان. وقال بعضهم: لا بل إنَّهما مقتاتان ومدَّخران)() وقال بعضهم: لا بل لأنَّهما يزكيان، فكلُّ جعل علة الربا أحد هذه المعاني التي اعتمد عليها وبالله التوفيق.
فمن ذهب إلى أن العلة في الربا هو الاقتيات والادِّخار واحتج بذلك بأن قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم، لما ذكر أجناساً مقتاتة مدَّخرة، وخصَّها بالذكر فذكر أغلى ما يُقتات منها، وهو البر وما دون() ذلك وهو الملح الذي يدَّخرونه لإصلاح أقواتهم والانتفاع به في أغذيتهم، علم ذكره أغلى القوت ورجوعه إِلى دونه، وذكره الملح بعد ذكره البر مع تفاوت ما بينهما من البعد، على أن العلة هي المقتات المدَّ لتخصيصه إياه بالذكر، ومن ذهب إلى أن العلة المأكول احتج بأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لمَّا ذكر أجناساً مأكولة، وخصَّها بالذكر فذكر أغلى المأكول منها وهو البر وما دونه() وهو الملح، عُلِم بذلك أن رجوعه إِلى الملح مع ذكر البرِّ مع ما بينهما من التفاوت والبُعْدِ على أن العلة المأكول وهو الجنس لتخصيصه ذلك بالذكر، واحتج من ذهب إِلى أن العلَّة في الربا الكيل() المأكول ذهب إِلى مثل ذلك المعنى أيضاً، واحتج من ذهب إِلى أن العلة في ذلك ما يتعلق فيها وجوب الزكاة فيه، قال: إن الشعير والبر والتمر أجناس يتعلق فيها وجوب الزكاة، فوجب أن تكون العلة عنده ما ذكر. فهذه العلل يقرب بعضها من بعض، وإِن كان بعضها أخص من بعض، فكلها حجج لمن قال بالقياس والعبرة. وكذلك من ذهب أصحابنا إِلى أن العلة في التحريم ما أنبتت الأرض بما أنبتت؛ أنَّه لما كان مما وردت فيه الشريعة تحريمه، وأثبت النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ اسم الربا فيه هو هذه الأصناف الستة، وكلها من نبات الأرض وجب عندهم أن تكون العلة هي الأرض، وكذلك من ذهب إِلى ما يوزن بما يوزن لا يجوز؛ لأنَّه لما كان محرَّمه الرسول عليه السلام من هذه الأصناف، فمنها ما يُكال وما يوزن، فكل ما يكال بما يكال لا يجوز، وكذلك ما يوزن بما يوزن لا يجوز، وقد روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنََّه قال: " إِذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " ولهذا الخبر إِن كان صحيحاً تأويل، والله ولي التوفيق؛ لأن آية الربا توجب حكماً " في الظاهر وهذا الخبر يوجب ظاهره حكماً"()

غيره ولا يخلو هذا الخبر من أن يكون متقدماً للآية، أو يكون معها أو يكون بعدها، فإن كان الخبر مع الآية فهو بيان لها أو مستثنياً لبعض ما خصّ من جملتها، فإن كان بعدها فهو ناسخ لبعضها فقد ورد تخصيص لبعضها، أو مبين لغرضها أو ناسخ لها. وإن كان قبلها() اعتبروه() معنيان: أحدهما: أن يكون منسوخاً بها، والآخر: أن يكون مرتبة عليه فتكون جارية على عمومها إلاَّ فيما خص الخبر من جملتها. والنظر يوجب عندي أن تكون علة ما يُكال في المكيل، وعلة ما يوزن في الموزون؛ لأن الخبر وَرَدَ بذكر ما يُكال أو ما يوزن إلاَّ أن يمنع من ذلك خبرٌ مسلّم أو اتفاق من الأمة والله أعلم. وروي أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ (ابتاع بعيراً ببعيرين)() وروي أنَّه (أجاز عبداً بعبدين) وهذا اتفاق منهم (إلاَّ إنَّه يدٌ بيد)() وأجاز أبو حنيفة تمرة بتمرتين، وفلساً بفلسين، وحبة بحبتين، وأجاز الشافعي بيع الحيوان بعضٌ ببعض، ثم نقض قوله فمنع من بيع السمك بعضه ببعض، (والجراد بعضه ببعض)() وهو حيوان، فإن كانت علَّة الأكل فالإبل والبقر والغنم حيوان ويؤكل() أيضاً فنسأل الله الهداية.
وأيضاً فإن أحد ما يدل على جواز القياس والقول باجتهاد الرأي عند الحادثة للعلماء مما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه كتب إلى أبي موسى الأشعري، وروي أنَّه كتب إلى شُريح أيضاً بمثله أنْ (قس الأمور وانظر الأشباه والأمثال، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس هُديتَ فيه لرشدك أن تراجع الحق فيه، فإن مراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل).


مسألة

الخطاب إذا ورد مطلقاً وظاهره خطاب معروف وهو على إطلاقه، وإذا ورد مقيداً فهو على تقييده، ألا ترى إنَّه لو قال قائل: فلان كافر، كان ظاهره أنَّه كافر بالله، وإن كان يحتمل أن يكون أراد الطاغوت. وكذلك لو قال: فلان مؤمن، فالظاهر أنَّه مؤمن بالله، وإن كان يحتمل أن يكون أراد القائل أنَّه مؤمن بالطاغوت.


باب فيما يذكر الشيء ويراد غيره إذا كان من سببه.

قال الله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا() فذكر أنَّهم يخادعون الله، وإنَّما يخادعون رسوله. وكقوله عزَّ وجلَّ: من شرِّ الوسواس الخنَّاس ، فذكر الوسواس، والوسواس هو الفعل، والفعل ليس له شر، وإنَّما الشر للفاعل، فذكر الوسواس وأراد الموسوِس وهو إبليس لعنه الله. وهو مثل قوله جلَّ ذكره: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلاَّ دعاء ونداءً() فذكر الناعق وأراد المنعوق به، وإنَّما أراد ذكر الداعي وأراد الدواب؛ لأن بهم ضُرِبَ المثل، والعرب إذا أرادت ذكر الشيء قد تُجريه على اسم ما يقرب منه أو سببه. وكذلك قوله تعالى: ما إنَّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة() فذكر أن المفاتيح تنوء بالعصبة، وإنَّما العصبة هي تنوء (من) المفاتيح؛ لأنَّها تجد ثقلها والله أعلم.
وكذلك قوله جل اسمه فيما حكى عن موسى عليه السلام أنَّه قال: فعصيتَ أمري ؟() والأمر لا يعصى، وإنَّما يعصى الآمر. وقوله جل ثناؤه: وجاء ربك والمَلَكُ صفّاً صفّاً() أي جاء أمره والله أعلم. ونحو قوله: مُلاقُوا ربهم() وقوله: إلى يوم يلقونه() وإنَّما يلقون ما وعَدَهُمْ من خير وشرْ "ولو ترى إِذُ وقفوا على ربهم"() وهو يعني على ما وعدهم ربهم. ويدل على ذلك قوله: أليس هذا بالحق؟ قالوا: بلى ورِّبنا() وكذلك قول الناس: من مات فقد لقي الله أي لقي جزاء عمله، وقد أجمع الناس على صحة الرواية عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أن "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان".()
وقد أجمع أهل الصلاة أن الله لا يجوز أن يراه أحد من أعدائه في الآخرة، ومما يذكر الشيء ويراد معناه قوله عزَّ وجلَّ: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم() فجعل استسلامهم للقتال قتلاً منهم لأنفسهم، ومما يضاف الفعل إليه إذا كان من سببه مثل قوله عزَّ وجلَّ: فأخرجهما مما كانا فيه() وإنَّما أخرجهما فعلهما، فأُضيف إليه إذ كان من سببه، ومما يقرب من هذا المعنى قوله جلَّ ذكره: فزادهم رجساً إلى رجسهم() ولم يزدهم رجساً. ولكن لما ازدادوا عند نزولها عناداً وكفراً جاز أن يضاف ذلك إليها. وقوله جل وعز: فلم يزدهم دعائي إلاَّ فراراً() لمَّا ازدادوا نفوراً عن دعائه إياهم إلى الله جل وتعالى جاز أن يقول: إن دعاءه زادهم نفوراً لقربه منه قولهم: راوية ماء، والراوية هي البعير الذي يُستقى عليه الماء، فإذا كثر صحبة الشيء للشيء أُجري عليه اسمه كقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم: (الجفاء والقساوة في الفدادين) يعني الزراع أصحاب البقر التي يُحرث عليها والفدادون هي البقر، واحدها فدان بالتخفيف، فأجرى على أربابها اسمها، ونحو ذلك مما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه (نهى عن عسب الفحل) قال أكثر أهل اللغة: أنَّه إنَّما نهى عن الكري الذي يؤخذ على ضراب الفحل، فذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من كسب المال، وقال بعض الشعراء يهجو قوماً حبسوا عليه غلاماً أعاره إياهم() فقال شعراً:
ولولاعسبه لتركتموه وشر منيحة عَسْبٌ معار.



باب الاضمار والكناية

وأما الإِضمار: فمثل قوله عزَّ وجلَّ: حرمت عليكم أمهاتكم() يعني تزويج أمهاتكم، فأضمر التزويج. وأما الكناية: فمثل قوله عزَّ وجلَّ: هن لباس لكم وأنتم لباسٌ لهن() كقوله: لتسكنوا إليها() فما كان على هذا أو يجري مجراه فهو الكناية، وكقوله: أو جاء أحد منكم من الغائط () فذكر الموضع وكَّنى عن السبب الذي يكون فيه، وكذلك العذرة هي فناء الدور سميت الأنجاس التي تلقى بفناء الدور باسم المكان،
وكذلك النجو مأخوذ اسمها من المكان الذي يذهب إليه الإنسان وينتهي بحاجته إليه، وهو المكان المرتفع، تسمِّيه العرب إذا ارتفع من الأرض نجوة.
هذا ومثله مما يُذكر الشيء ويُراد غيره ويكنى عن ذكره أيضاً.
ومن الكناية أيضاً قول المغيرة بن شُعبة أنَّه قال: (كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم إذا ذهب لحاجةِ الإنسان ذهب فأبعد المذهب)، يعني الغائط فأكنى عن ذكره.
ومن الإضمار أيضاً قوله عزَّ وجلَّ: فاستشهدوا عليهن أربعة منكم() فأضمر ذكر الزنا. ومن الإضمار أيضاً قوله عزَّ وجلَّ: واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا() يعني من قومه، فأضمر (من) ولذلك نصب قومه، وكقوله عزَّ وجلَّ: ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة() يعني الأرض، فأضمرها في الخطاب والله أعلم. وفي موضع آخر: ما ترك عليها من دابة() يعني الأرض، والله أعلم، وكقوله: حتى توارت بالحجاب() يريد الشمس، فأضمر ذكرها، وكما تقول الناس لإِنسان: ما بها أعلم (من) فلان، يعنون بذلك القرية والبلدة والمدينة ونحوها. وكقوله تعالى: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق() فأضمر في الخطاب أنَّه ضرب فانفلق، وأضمر ذكر (ضرب).

باب في الخاص والعام

وأما الخاص والعام فمثل قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم: (الصلاة خير موضع، فمن شاء فليقلل ومن شاء فليُكْثر)، هذا عموم في كل وقت، والخاص المعترض عليه مثل قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم: (لا صلاة بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح، حتى تطلع الشمس)() والخاص يعترض على العام، والعام لا يعترض على الخاص، وليس مثل هذا يكون نسخاً؛ لأن النسخ حقيقة أن يُرفع الكلّ. وأما ما سمي() الشيء باسم الفعل قبل كونه، قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم () فسماهما شهيدين ولم يقع الفعل منهما؛ ولما جاز أن يشهد مثلهما ويكون في الحال الثانية ممن يشهد، ويستحق الاسم جاز أن يجري عليهما اسم ما يستحقان() من بعده، وكذلك قوله عز وجل فيما حكاه عن صاحب الملك: إِني أراني أعصر خمراً() وليس بخمر في حال العصر، وإنَّما يعصر عنباً حلالاً، ولكن لمَّا جاز أن يصير خمراً، ويستحق اسم الخمر من بعد، جاز أن يسمى بالاسم الذي ينتقل إليه. وكذلك الصيد يسمى صيداً قبل اصطياده ويقع عليه اسم الصيد فسمي صيداً أيضاً بعد أخذه. وقد يجري على الشيء اسم فعل قد انقضت أوقاته، نحو قوله جلَّ ذكره: فأُلقي السَّحرة ساجدين () فأجرى عليهم في حال سجودهم، وبعد توبتهم وإسلامهم إِسم السحر الذي كانوا عليه قبل إسلامهم، وكذلك قوله عز وجل: والذين يُتوفَّون ويذرون منكم أزواجاً() يعني بذلك ـ والله أعلم ـ اللواتي كن أزواجاً، ومثل هذا كثير، ويوجد في اللغة جوازه. وأما ما يجئ لفظه لفظ الآمر، والمراد به الخبر مثل قول الله: اعملوا بما شئتم إنَّه بما تعملون بصير() فابتداؤه كالأمر وهو خبر قُرِنَ بوعيد. وكذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم: "من كَذَبَ عليَّ متعمِّداً مقعده من النار"() فهذا خبر عن جزاء فعل.
ومن الأخبار ما روي: "إنَّما() أدرك الناس من كلام النبوة، إِذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئت"() قيل هو إخبار عن جزاءٍ مثل قوله عز وجل: اعملوا ما شئتم().
وأما أدوات الخفض فإن بعضها ينوب عن بعضٍ نحو قول الله جل اسمه: ثم لأُصَلِّبنَّكم في جذوعِ النخل() وكقوله: قد نرى تقلُّب وجهك في السماء() يعني إلى السماء.
وقوله: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف() يعني بما فعلن في أنفسهن من البروز وطلب الأزواج، وقوله عز وجل: وإنَّ منها لَمَا يَهبطُ من خشية الله() يعني بخشية الله. وقوله: له معقِّبات من بين يديه ومن خلْفه يحفظونه من أمرَ الله() يعني بأمر الله. والله أعلم.


باب فيما يوجب العقل
في باب التوحيد وإثبات النوة

وإنَّما() يميزون بين النبي والمتنبيّ لا يجوز أن يرد السمع بخلافه، ألا ترى أنَّا إِذا قلنا: علَّة المتحرك الحركة. فلا يجوز أن يتحرك إلا بحركة، ولا يجوز أن يرد السمع بخلافه، فيقول أثبتوه متحركاً بغير حركة، وكذلك إِذا قلنا السكون علة الساكن، ولا ساكن إِلا بسكون، ولا يجوز أن يرد خبر فيقول: أثبتوه ساكناًَ بغير سكون، فهذه علل لا يجوز انقلابها، ولا يجوز أن يأتي السمع بخلافها. وأما القائسون في باب الحلال والحرام فجائز عندهم، أن يرد السمع بخلافه؛ فإذا () كان ذلك يجوز() كان علّة طريق القائسين غير علة ما لا يجوز انقلابه؛ لأن العلة التي يوجبها العقل لا يختلف فيها العقلاء، ألا ترى إنَّهم قد اختلفوا في العلل التي قد أثبتوها أُصولاً لهم وتأويلاً يرجعون إليه، ومعقلاً يفزعون إليه في استنباط الحكم عند الحوادث النازلة بهم، التي لا نصّ عليها باسمها. فقال الشافعي: علة الربا في المأكول دون غيره، وخالفه عاقل مثله وهو مالك بن أنس فقال: علة الربا الاقتيات والادخار، وخالفهما عاقل مثلهما، وهو أبو حنيفة فقال: علة الربا الكيل والوزن، فهذا الاختلاف منهم، يدل على ما يوجبه العقل على ضربين، فضربٌ متعلق بالعلم الحقيقي الذي لا يجوز عليه الانقلاب، وضرب متعلق بعلم الظاهر الذي لا يكون معلومه معتقدا،ً() وقد يجوز أن يرد ما يوجب اعتقاد خلافه نحو قول الله تعالى: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً()، وقوله: فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار() ونحو ذلك والله أعلم.
والحكم حكمان: حكم بأصل موقف عليه، وحكم بفرع بقياس مستخرج بأصله. فحكم الأصل موقف عليه بعينه، ألا ترى أنَّه لو كان حكم الأصل مستخرجاً، وحكم الفرع مستخرجاً كان لا فرق بين الفرع وأصله، وكاد يكون الفرع أصلاً والأصل فرعاً، والقياس لا يصح إلاَّ على أصل متفق عليه، على ما بيَّنا من اختلافهم من التفاضل في البيع قياساً على الخبر المروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الربا بقوله عليه السلام: (البُر بالبُر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والذهب بالذهب والفضة بالفضة والملح بالملح)() فاستخرج كلٌ من القائسين علَّة هذا من الخبر، وقاس عليه الحادث، واستنبط منها حكماً على ما قدمنا ذكره من اختلاف بعض القائسين من المتفقهة من مخالفينا، وعلى نحو هذا اختلف علماؤنا في البيوع، ووجه آخر أُبينه لك من اختلافهم في العلَّة. قال أبو حنيفة: دم الرعاف نجس قياساً على دم المستحاضة (نسختين) الاستحاضة، ودم الرعاف ينقض الطهارة عنده؛ لأن دم الاستحاضة ينقض الطهارة.
قال مالك: دم الرّعاف لا ينقض الطهارة؛ لأن علة نقض الطهارة من دم الاستحاضة؛ لأن مخرجه النجاسات، ومخرج الرعاف ليس من مخرج النجاسات، ولا مخرج ينقض الطهارة. وقول أبي حنيفة نحو قول أصحابنا؛ لأن العلة في ذلك النجاسة، وكل دم هذا حكمه؛ دم رعاف أو غيره، ووافق الشافعي قول المالك في قوله وعلَّته. وقال أبو بكر الأصم دم الرعاف ينقض الطهارة، لأن دم الاستحاضة دم عِرْقٍ، ودم الرعاف دم عرق وكل منهم رجع إلى أصل متفق عليه، وقاس علَّته عليه وهي الاستحاضة. وقال مالك والشافعي وأبو بكر الأصم وداود: إِن دم الاستحاضة ليس بنجس، وعندي أن ذلك خطأ منهم؛ لأنَّه دم، وقد سمى الله الدم أذى، وعمَّ الدم بتحريمه لقوله عز وجل: حُرِّمت عليكم الميتة ولحم الخنزير() وقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم: "إنَّه دم عرق، ودم الرعاف دم عرق"() ومخرجه مخرج النجاسات، وإذا اعتورته هذه الأسباب فأقل أحواله أن يكون نجساً ينقض الطهارة والله أعلم.

وكلٌ قد اجتهد وقاس وشبَّه الحادثة إِذا وردت بأصل متفق عليه من الكتاب والسنَّة والإِجماع، والمانع من القياس قد ترك المناصحة لنفسه، وقد روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قاس واجتهد في بعض الحوادث، ومن ذلك أن الخثعمية لما سألته فقالت: يا ر سول الله: "إن أبي شيخ كبير ولا يستمسك على راحلته، وقد أدركته فريضة الحج، أفأحج عنه؟ فقال صلى اللّه عليه وسلّم لها: "أرأيتِ لو كان أبيك دينٌ فقضيتيه أكنتِ قاضيه عنه؟ قالت: نعم. قال: فدينُ الله أحقُّ، أو قال أولى"()، فقد شبَّه لها وتركها والاستدلال لما() بيّنهما من وجه القياس، والله أعلم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: يا رسول الله إني هششت وأنا صائم فقبَّلت، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : "أرأيت لو مضمضت فاك أكنت مفطراً ؟ قال: لا. قال: فذاك ذاك"() وقيل إنه اجتهد في الحروب برأيه وغزواته. وروي عن عائشة أنَّها كانت توجب إِعادة الطهارة من الكلمة الخبيثة. وقولها في "الاكسال مُنكر على من ترك الغسل منه"() وتقول: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه. وقولها في "الاسكال منكرة" على من ترك الغسل منه كيف أوجب عليه الحد، ولا يوجب عليه صاعاً من ماء، يعني الغسل، وهذا يدل على أن الصاع من الماء كافٍ للغسل، وقولها: ولا يتوضأ أحدكم من الكلمة العوراء يقولها لأخيه؛ يدل على إنَّها كانت ترى نقض الطهارة من الكذب المتعمّد عليه ما يذهب إِليه أصحابنا، وكثير من الصحابة قد قالوا بالقياس في الحوادث واجتهدوا آراءهم فيها وللحوادث التي كانت بينهم من الاختلاف في الحوادث يدلُّ على ما قلنا، وتركهم التكبُّر على بعضهم البعض، والتخطئة لهم البراءة منهم يدلُّ على أن الحق في اختلاف المختلفتين والله أعلم. فالواجب على المتفقه إنَّه يتأمل هذه المعاني وأن يعتبر أحكامها عند النوازل به منها، وبالله التوفيق.



مسألة

الحادثة إذا حدثت لا تخلو من حكم الله فيها، إما أن يكون منصوصاً عليها بأخص أسمائها، أو يكون منصوصاً عليها في الجملة مع غيرها، والاختلاف بين الصحابة في الحوادث وما يتنازع العلماء فيه من الأحكام لاختلاف المذاهب في المختلف فيه.
فقال قوم: كان اختلاف الصحابة على طريق القياس والاجتهاد. وقال قوم: كان اختلافهم استخراج الحكم بالدليل المستنبط به، والاختلاف أيضاً قد يقع بين العلماء في نفس المنصوص؛ لأن من العلماء من يقول: بالعموم، ومنهم من يقول: بالخصوص. وربما كان اختلافهم من وجه آخر؛ لأن من العلماء من يقول: إن الأوامر على الوجوب، ومنهم من يقول: هي على الندب، ومنهم من يقول: الأوامر إذا وردت كانت على الوقف لا حُكْم لها حتى يرد بيان يرفع الشبهة عن المأمورين، ويزيح العلل عنهم، وإذا كان هذا هكذا فالاختلاف قد يقع عليه في المنصوص عليه بعينه. ويقع الاختلاف أيضاً في المنصوص عليه باسمه في الجملة، ألا ترى إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلّمكيف يقول: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم)() ثم أجمعوا أن بيع الذهب بالفضة أحدهما بالأخرى غير جائز إذا كان أحدهما غائباً. وقد نهى (عن بيع المنابذة والملامسة) ولم يقل: كيف شئتم إلاَّ المنابذة والملامسة، فهذا يدلُّ على أنَّه قد قال: بيعوا كيف شئتم إلاَّ ما نهيتكم عنه من البيوع، والله أعلم.


باب في التذكية

قال الله تبارك وتعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنَّه لفسق،() وقال جلَّ ذكره: ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام() وقال جلَّ ذكره: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير إلى قوله: إلاَّ ما ذكيتم() وحرَّم الله تعالى الحيوانات التي أباح أكلها من سائر ما حرَّم الله من الحيوان إلاَّ بعد التذكية لقوله تعالى: إلاَّ ما ذكيتمولا يخلو قوله: إلاَّ ما ذكيتمالذكاة الدموية والشرعية، فمن قول الجميع أنَّه لم يرد اللغوية وإنَّما أراد الشرعية للوقف() عليها؛ لأن الذكاة في اللغة هي الشق على ما سمعنا من أهلها. وأجمعوا أنَّه لو شق شقاً لم يوقف عليه، لم يجز أكله ولا يناول شيئاً من ذلك. فعلمنا أن الذكاة المشهورة المطلوبة هي الشرعية؛ لا كلُّ ما يستحق اسم ذكاة في اللغة فتجب أن تكون هي ما لا عصيان فيها، لأن الشرع لا يرد بالمعاصي، والذبائح ما ليس له أو بالسكين المغتصبة أو المسروقة عاصياً في الذبائح، والفعل واحد في الوقت الواحد من فاعل واحد لا يكون طاعةً ومعصية، وقد حصل هذا الفاعل على ما ذكرنا عاصياً في فعله، واستعمال السكين المغصوبة في الذبح أو ذبح الشاة المسروقة لا يجوز أن تكون تلك الحركة التي تحرك() بها، والذبح الذي ذبحه وهي معصية تكون طاعة، إذ الذكاة طاعة، والمتعدي في شاة غيره معصية، والطاعة والمعصية متنافيتان. وإذا بطل أن تكون طاعة، فقد بطل أن تكون ذكاة شرعية. وإذا بطل أن تكون ذكاةً شرعية لم يجز بها تناول الحيوانات، فإن قال قائل: الغاصب يكون عاصياً في الفعل وفي السرقة ولا يكون عصيانه مبطلاً لذبحه. قلنا أيضاً: فإنَّ سرقته معصية واستعماله في الذبح معصية أُخرى كرجل سرق طعاماً فهو عاص بالسرقة، فإذا كان() أكله حصلت له معصية أخرى في الأكل، وكذلك الذابح لها عاصياً (نسختين)، عاصٍ باستعماله كعصيانه في سرقتها، وإذا كان هذا هكذا فقد ثبت ما قلناه. فإن قال: في أي موضع من السكين منع استعمال السكين: قيل له: نسختين. وقلنا له: أجمع الناس جميعاً أن ليس له أن يذبح بها، فإن قال قائل: وليس ورود النهي في هذا الموضع ما يمنع "نسختين لما يمنع" من أكلها إذا

ذُبحت فَلِمَ منعت من أكلها ؟ قيل له: منعنا من أكلها لما تقدم من ذكرنا له، وإن لم يأت بالذكاة الشرعية ولو كان ورود النهي في الآلة التي يذبح بها لا يمنع من أكلها للزم الشافعي المبيح لها أن يقول: الذبح بالسن والظفر أن يؤكل، فلما قال أنَّه لا تؤكل لنهي الله والرسول له عن ذلك، فلزم أيضاً أبا حنيفة وأصحابه ممن أجاز أكلها على ما وصفنا، قال: إذا ذبح بالسن والظفر النابتين() في موضعهما لم تؤكل الذبيحة، وأما مالك فأجاز أكلها إذا ذُبحت بالسن والظفر سواء كانتا نابتتين أو غير نابتتين فاعتمدنا() على ما تقدم ذكرنا له، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم إنَّه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو مردود)، وقد عمل هذا المتعدي على شاة غيره أو بسكين مغتصبة عملاً عليه نهي النبي صلى اللّه عليه وسلّم، وإذا كان منهياً كان فعله مردوداً ولم يكن مجوزاً() وبالله التوفيق.


باب في الزنا

اختلف الناس في اسم النكاح "نسختين في اسم الزنا" في اللغة، قال الله تعالى: الزاني لا ينكح إلاَّ زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلاَّ زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين() على قولين؛ فقال بعضهم: إن معنى ذلك والمراد به هو الجماع نفسه، وقالت الفرقة الثانية: هو عقد النكاح، وهذا هو القول، لأن العرب تسمّي العقد نكاحاً؛ لأنَّه يبيح النكاح، فسمي السبب باسم المسبب، وإذا كانت الأمة على قولين فيفسد أحدهما صحّ الآخر، وقد نظرنا فإذا هو العقد دون الجماع، الدليل على ذلك قول الله جلَّ ذكره: الزاني لا ينكح إلاّ زانية، فهذا عموم في الخطاب، فلما كان الزاني قد يزني بغير زانية كالصبية والمجنونة والمغلوبة على عقلها بالنوم علمنا أن هذا الخطاب لم يرد به ما قال مخالفونا، لأن العموم إذا ورد ولم يرد تخصيص منه بدليل فالواجب إجراؤه على عمومه، ولو خصصنا هذا العموم وحملناه تخصيصاً كنا قد أجزنا على إخبار الله تعالى الكذب؛ لأنَّ مخالفينا ذهبوا إلى هذا الخطاب، إنَّما هو إخبار فلو كان خبراً لم يكن صدقاً لقيام الدليل على خروج بعض ما تضمَّنه الخبر، وليس بمنكر في اللغة أن يرد الخطاب ورود الخبر في الظاهر والمراد به الأمر، ألا ترى() إلى قول الله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء() فظاهره هذا خبر، والمراد به الأمر والإلزام. وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين() فظاهره ظاهر الخبر عن كون الغلبة عند القتال، والمراد بذلك الفرض والإلزام. ومثل هذا في القرآن كثير، فقوله: لا ينكح إلاَّ زانية نهي عن تزويج غير الزانية. ويدل على ذلك قوله عزَّ وجلَّ: وحرم ذلك على المؤمنين() يعني هذا المذكور والله أعلم ـ بأن هذا وذلك معناهما واحد في اللغة. فإن قال قائل: ما تنكرون()

أن يكون معنى قوله عزَّ وجلَّ: وحرم ذلك على المؤمنين، لا يريد به ما ذهبتم إليه، وذلك لو أن رجلاً زنى في غيبة زوجته أو زنت فلم يعلم زوجها، لم تقع الحرمة بينهما عندكم، فما أنكرتم أن لا يتوجه() حكم الآية إلى ما ذهبتم إليه. ولو كان تأويلكم صحيحاً لوجب أن يلزم من زنى من الزوجين أن يحرم على الآخر عند نفسه؛ لأنَّه قد حرّم بفعله الزنا أن يكون من المؤمنين، قيل له: قد أجمعت الأمة إنَّها لا تُحرم عليه زوجته، ولا يحرم عليها زوجها إذا استتر زنا أحدهما عن الآخر، والإجماع منعنا() على() القياس إذ لاحظَّ للقياس() مع التوقيف. فإن قال: فالعلة موجودة في وجود التحريم وهو الزنا، قيل له: قد عرَّفناك أن() الإجماع قد منع من ذلك، وقد يحض الإجماع بعض ما يشتمله الاسم فيكون حكمه قد خرج من جملة ما دخل تحت الاسم، وليس يمكن() ذلك مع العلماء وبالله التوفيق.
فإن قال: فإذا تابا من زناهما هل يجوز أن يرجعا إلى حكم المؤمنين ويعود إليهما بنكاح جديد أو بغير نكاح؟ قيل له: ليس له أن يرجع إليهما كما لم يكن للملاعن أن يرجع إلى زوجته، وإذا كذَّب نفسه وتاب من قذفه إياها بالزنا من قبل أن يحكم إذا جرى مجرى العقوبة أو كان حدّاً من الحدود لم() يرتفع بالتوبة، وهذا مثله بتوفيق الله إياها في إصابتها الحق دون الفرقة الأخرى التي قد شذَّت عنه وخفي عليها معنى خطاب الله تعالى لم تجز لها الرجعة في التوبة وغير التوبة، وإذا كانت الأمة قد اختلفت في حكم على قولين، فأخطأ من ذهب إلى أحد القولين وأصاب الفريق الثاني، ولا يجوز أن يكون الحق خرج من أيديهم جميعاً، وإذا كان البعض في يده الحق كان هو كالأمة وحده، فإن قال: لم قلتم إن هذه الفرقة لما كانت مصيبة لهذا الحكم دون غيرها من الناس كان قولها محكوماً به في كل مكان؟ قيل له: قد قلنا: إن الحكم إذا كان مطلوباً من الأمة قام الدليل على خطأ بعضهم، وذهابه عن الحق كانت الطائفة المصيبة كإجماع الأمة وكانت هي الأمة، وجاز أن يُحتجَّ بقولها وأن الله تعالى أخبر أن الإجماع هو الحجة، والحق لا يخرج منه إذا كان في الجميع من ليس بحجَّة والباقي منهم هم الحجة، وإذا كانوا هم الحجة جاز أن يحتج بالإجماع، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: فما تقولون في الواطئ في الحيض؟ قيل له: نرى تصويب من قال بالتفرقة بين الزوجين إذا اتفقا على الوطء في الحيض من طريق العمد من جهة النصرة لهم، فإن قال: وكذلك من وطئ في الدبر قيل له: هما عندنا سواء في باب الحكم، فإن قال: فما وجه جواز ذلك عند من قال به؟ قيل له من قبل: إن أهل اللغة يسمون الدخول في المضيق زناً، فلما رأينا الواطئ في الدُّبر والحيض داخلين في المضيق عليهما علمنا أنهما قد استحقا اسم الزنا، والزاني يفرق بينه وبين زوجته على ما تقدم قولنا في أول المسألة.
فإن قال: وما الدليل على جواز قولكم، وأي موضع ذلك في اللغة؟ قيل له قول الشاعر:
ولست بزان في مضيق لأنني *ش* أحب وساع العيش والخلق الرحبا()
وقال آخر: وإذا قذفت إلى زنا قعرها *ش* غبراء مظلمة من الأحفار.
والرواية عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم (لا يصلِّي أحدكم وهو زناء) ممدود غير مشد النون، يريد والله أعلم؛ الحاقن، يعني بذلك الذي يجمع البول في مثانته حتى يضيق به، فلما كانت العرب تسمي الدخول في المضيق زناء،

وجب أن يجري حكم الزنا عليه والله أعلم. قال الكسائي وأبو عبيدة: هو الذي يجمع بوله في مثانته ويضيق عليه. قال: فأصل الزنا المضيق؛ لأن الزنا الذي يوجب الحدّ ما كان بالفرج لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : (العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدِّق ذلك ويكذبه الفرج)،() وكل من دخل بفرجه في ضيق مضيق عليه فهو زان، وكل من استحق اسم الزاني فالحدّ واجبٌ عليه إلاَّ ما قام دليله، ودليلٌ من طريق القياس يدل على صحة ما قلنا، إنَّا لما رأينا الأمة قد أجمعت على حِرمان قاتل العمد ممن يصير (ماله إليه)() في الحال الثانية، فلما تسرّع إلى ارتكاب ما نهي عن فعله مُنِعَ من الإِرث الذي كان يستحقه بترك ما ارتكب مما نهي عن فعله. فكذلك الواطئ في الحيض المتعمِّد لركوب ما نهي عنه لا يستحق ما كان يستحقه بترك ما ارتكب() مما نهي عن فعله من الوطء في الحيض، ولما كانت سنَّة أجمع الناس على قبولها والعمل بما وجب القياس عليها، ألا ترى أن() ما روي عن عمر ابن الخطاب وبذلك قال مالك بن أنس في رجل خطب امرأة في عدَّتها من طريق العمد أنَّه لا يحل له تزويجها بعد انقضاء عدَّتها ويُحرم عليه تزويجها أبداً فحرم بمعصيته() ما كان مباحاً له بتركها، ونحو هذا قد يجري مجرى العقوبات والله أعلم. والزنا في اللغة هو الدخول في المضيق، وقد مضى الاستشهاد على ذلك من قول الشاعر فيما مضى من أول المسألة.


المسألة لله والدعاء فريضة
يقول الله جلَّ ذكره: وقال ربكم ادعوني أستجيب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين،() وقال جلَّ ذكره: وإذا سألك عبادي عن فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون() وقال جلَّ ذكره: واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليماً() وقال: أدعوا ربكم تضرعاً وخفية إنَّه لا يحب المعتدين(). ففيما تلونا من آيات القرآن ما يدل على ما قلنا وعلى فضل الدعاء وكِبَرِ منزلته، وعلى أن الإجابة فيه مضمونة إذا وقع على الوجه المرَغّب فيه دون المحظور منه؛ لأن ما لا يجوز ليس يقع الضمان بإجابته أن ليس() في الحكمة أن تقول للناس: سلوني ما لا يجوز أن أُجيبكم إليه؛ لأن ذلك يقع على غير فعل الحكيم، ويدل على ذلك أيضاً ما يعرفه الناس من مسألة العبد ربه الرحمة والغفران عند حادث يحدث به لا يأمن أن يكون عقاباً، وعند توبته من ذنبٍ قد سلف منه، فإن الدعاء في مثل هذا وأشباهه قد يلزم فعله ولا يجوز تركه؛ لأن المسلمين جميعاً يعيبون على من أعرض عن ذلك، ولم يفزع() إليه. واختلف الناس في الدعاء، فقال قوم: الواجب أن يدعوا الإنسان ويكون سؤاله مقيداً في العقد والضمير، بشريطة() حكم الله فيه وما هو أعلم به من حق تدبيره لئلا يقع دعاؤه موقع الاعتراض على ربِّه والحكم عليه؛ لأن العبد هو المربوب فلا حكم

له على سيِّده فيما هو أملك به وأعلم بوجهه منه، وقال قوم: قد يحسن إظهار ما يضمر في ذلك في أُمور، ولا يحسن في أُمور أُخرى. وذلك كقول القائل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي واغنني ما كان الغناء خيراً لي، وهذا لعمري شائع في الدعاء والمسألة.
وعندي أنَّه لو أُفرد الدعاء والمسألة بالحياة والغناء بغير إظهار شرط الخير كان جائزاً إذا كان عقده وضميره على ما يدعو به المسلمون. وقال قوم: الدعاء والمسألة لا يحتاج معها إلى ضمير يعتقده ولا يشترط معها،() ولا إظهار ذلك أيضاً، لأن موضع الدعاء والمسألة هو على ذلك، ولا وجه لاشتراط الدعاء فيه بإظهار لفظ و () لا يعتقده ضميره، وعندي أنَّه يجب إذا دعا ربه وسأله أن يفقره أو يميته أو نحو هذا، فلا بد له من إظهار الاشتراط، بأن يقول ما كان الفقر خيراً لي في ديني، وما كان الموت أنفع لي من الحياة، ولا يرسل المسألة في مثل() هذا إرسالاً والله أعلم. لأن من لم يشترط في مثل هذا الموضع خرج دعاؤه مخرج السخط والاستصغار لنعم الله عليه، ولا ينبغي للعبد أن يسأل إلاَّ ما يكون بدعائه مطيعاً. ولا يجوز أن يسأل ربه ما لو فعله لم يكن ـ لعله كان فعله ـ خروجاً من الحكمة، وذلك مثل قولهم: اللهم أحي لي من أمتّ من أهلي، وقرابتي قبل يوم القيامة، وأرجعهم إلى الدنيا، واجعل مدة عمري ألف سنة، وهب لي مُلكاً مثل مُلك سليمان بن داود النبي عليه السلام، فلو فعل هذا ودعا به كان جاهلاً متحكماً على الله تعالى، وخروجاً من() حد مسألة المتهيب الخاضع إِلى حد مسألة المتحكم الملزم. وليس من مسألة العبد لسيده في شيء وإنَّما يجرى مجرى الأمر والإِلزام وإيجاب الفروض، والمسألة وإن كان لفظها لفظ الأمر فإنَّها تتفضل بما يطلق له اسم الأمر بما يجامعها من القصد والإِرادة والخضوع() والاستكانة والتواضع ونفي الأنفة، ولهذا لم يجز أن يُقال: إن العباد يؤمرون الله وينهون بدعائهم له ومسألتهم إياه، وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الأمر والمسألة يقعان على حد واحد، فزعموا أنَّه لم يسم دعاء الله، ومسألته أمرا استعظاماً لله تعالى، وكأنهم ذهبوا إلى أن قائلاً لو قال ذلك لم يكن مخطئاً. ولسنا نذهب إلى ذلك بالذي نختاره: إنَّما يطلق له اسم المسألة والدعاء، ويقع على غير حد الأمر والنهي، ووجدت بعض من يتخصص بالنحو يذكر أن لفظ الأمر والنهي على وجهين، فما كان لمن هو دونك فهو أمر ونهي، وما كان لمن هو فوقك() فهو مسألة.
وقال بعضهم: وما كان لله فهو دعاء كأنَّه يذهب إلى أن يسأل() الله عز وجل أن يفعله، فهو وإن كان مسألة فهو دعاء أيضاً، وإن كان مسألة الله عز وجل تخص بهذه() الصفة ويفرد بها وهذا وجه شائع، ألا ترى أنك تقول: دعوت الله بكذا غير قولك دعوت فلاناً إلى كذا.
وأما مسألة الله للعبد فهو عندي ـ والله أعلم ـ إنَّها للترفق والاستعطاف، والدلالة على موضع الحضّ مثل قوله: ولا يسألكم أموالاً إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا() وقوله: إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم.()
ودعاء العبد ربه فهو مسألة الخاضع المستكين، ومن هذا ونحوه لم يجز أن يدعو داع فيقول: (يا رب لا تجر عليّ ولا تظلمني، وإن كان معلوماً أن الله لا يفعل شيئاً من ذلك، لأن هذا للفظ

)() وما شاكله يخرج عن حد خطاب التعظيم والهيبة والإجلال، فمن أجل ذلك لم يجز هذا وشبهه في دعاء الله تعالى، وجاز أن يقال: ربنا ولا تحملَّنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا() وإن كان من حكم الله أن لا يحمّل أحداً ما لا طاقة له به إذا كان هذا الكلام يدل على الخضوع والاستكانة وعلى الانقياد وليس من الأول في شيء، وكل شيء سأله السائل ربه أن يفعله فهو عندي على ضربين: أحدهما شيء من حكم الله أن يفعله دعا به الداعي أو لم يدع به، وشيء من حكم الله أن لا يفعله إلاَّ بعد دعاء، وأما المعنى الذي من حكمه أن يفعله يدع به فكالذي حكاه الله عز وجلّ من دعاء ملائكته وسؤالهم إياه واستغفارهم للمؤمنين فقالوا: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم() الآية. وقد علمنا أن الله تعالى يُدخل المؤمنين الجنة وأنَّه يغفر للذين تابوا، دعا بذلك داع أو لم يدع.
وأما الضرب الذي ليس من حكم الله أن يفعله إلاَّ بعد الدعاء، كدعاء الأنبياء للأشياء التي لولا دعاؤهم بها لما تفق كونها على سبيل ما اتفقت عليه من الكثرة وتقادير الأوقات لعلم الله جل وعز؛ لأن ذلك لا يكون موجبا للحجة ولا واقعاً موقع (نسخة: موقعاً للمصلحة) إلاَّ بأن يكون بعد ذلك الدعاء وقد علمنا بأن المسلمين يوجهون دعاءهم إلى الله في النصرة على المشركين وفي استسقاء الغيث وفي كشف ما يكون() من المكارة وفيما يشبه ذلك، وجرى مجراه رغبة إلى الله جلَّ ذكره وطمعاً في أن يكون اجتهادهم سبباً لاجتلاب ما سألوه، فقد يكون ذلك على أن من الدعاء ما() لم يكن الشيء المسؤول فيه وإن كنا لا نعرف كل شيء من ذلك بعينه فيما سواه، ولكنّا نعلم في الجملة أن مما ندعو به أن الله يفعله ـ دعونا به أو لم ندع به ـ ومنه ما نعلم أن الله جلَّ اسمه لا يفعله إلا بأن ندعوه به، ومنه ما لا ندري من أي الصنفين هو، فنحن ندعو به لحسن الدعاء لما في ذلك من الوجهين والله أعلم. فإن قال قائل: ما وجه الدعاء لما معلوم أن الله يفعله بغير دعاء؟ قيل له: وجه ذلك ما يكسبه() الداعي فضل الطاعة بالدعاء، وما يرجو له من الثواب عليه، وما يتعجل من الانتفاع به من خشوع قلبه والتأديب لنفسه، وأيضاً فإن الدعاء ما() يجرى مجرى التسبيح() والتقديس وسائر ضروب الذكر الذي يفعله المسلمون فكل وجه يحسن فيه تسبيح() الله وتقديسه، فهو يحسن منه دعاؤه ومسألته، وعلى أن للداعي بما يعلم أن الله يفعله بغير دعاء يتعرض() للإِجابة إِذا كان وقوع ما يقع من ذلك الشيء الذي دعا الله به ـ وهو لا محالة فاعله ـ قد يقع على وجه الإجابة وعلى غير وجه الإجابة؛ لأن إجابة الدعاء إنَّما تكون بأن يريد الله جل ثناؤه، وأن يفعل ما يفعل إجابة مسألة الداعي، وفيما سأل ليس بأن يفعل ذلك بعد الدعاء فقط، ألا ترى أن سبيله ألا() يفعله إلاَّ بدعاء()، لعله أراد أن يفعله بلا دعاء أو قد فعله بعد دعاء الداعي على غير وجه الإجابة لدعائه غير (كان)() مجيب له فيما دعا، وإن كان قد فعل ما أراد الداعي بدعائه أن يفعله، وكذلك أيضاً إن ما() يفعله بغير دعاء فقد صح أن يفعله على وجه الإجابة لدعاء الداعي، فإذا جاز أن يقال إن الله تبارك وتعالى يجيب الملائكة في دعائهم (للمؤمنين)() وأهل التوبة بالمغفرة ودخول الجنة؛ لأنَّه عز وجل يفعل()

ذلك (مريداً له)() الإِنعام على من يغفر له، والإِنعام على الملائكة بإجابة دعائهم، ويدل على ذلك لو أنَّ إِنساناً عزم على صلة رجل وبرّه بمال يدفعه إليه، فبعث رجلاً فسأله ذلك وهو لا يعلم عزمه ونيته، لجاز أن يقول: إني كنت قد عزمت على هذا وعملت عليه، وما كنت لأغفل وأعرض عنه، وأنا الآن أفعل ذلك ليجتمع لي أمران: أحدهما قضاء حق مسألتك، والأخرى قضاء() حق الرجل الذي سالت فيه، لكان بهذا القول محسناً مجملاً وموجباً على السائل (شكراً)() عند أهل المعرفة والعقول، وهذا الذي يقوّي عندي قول من يقول: إن الإجابة بموافقة الإرادة، ولا يشترط في ذلك شيئاً من هذه الجملة. وقد اختلف (الناس)() في إِجابة الله عزَّ وجلَّ من يدعوه، فقال بعض المعتزلة: إن ذلك ثواباً للداعي() وإن الكافر والفاسق لا يستجاب() لهما دعاؤهما؛ لأنَّهما ليسا من أهل الثواب()؛ ولأن إجابة الله عندهم للداعي تشريف له ورفع من منزلته، وهذا القول عندي غلط من قائله؛ لأنَّه ليس بمستحيل() بأن يقع() من الله إجابة لبعض خلقه على غير جهة تشريف للداعي، بل يجوز أن يكون على سبيل الاستصلاح له والاستدعاء بذلك إلى طاعته، وربما كان في ذلك (مزجرة)() لبعض خلقه كنحو الإجابة لدعوة المظلوم، وإن كان ذلك المظلوم مشركاً أو فاسقاً (كما)() ورد الخبر بذلك: (إن دعوة المظلوم والحاج والوالد مستجابة)()؛ وفي رواية أخرى: (إن دعوة المظلوم لا يردها راد حتى تقصد إلى السماء)، ومثل هذه الأخبار كثير ولو كانت الإجابة لا تكون إلاَّ تشريفاً وتعظيماً للداعي، لم يجز أن يجيب النبي صلى اللّه عليه وسلّم سائلاً يسأله شيئاً حتى يكون مؤمناً تقياً، وهذا ما لا يذهب فساده على() أحد من أهل الصلاح والله نستهديه() لما يحبه ويرضاه. وأيضاً فإن الإجابة قد تكون تشريفاً وقد تكون احتجاجاً واستعطافاً،()كنحو ما يتعارفه الناس من أن إنساناً لو سأله عدو له حاجة قضاها()، وهو غير منصرف لقضائها من عدواته، لم يكن فعله قبيحاً، بل يعتد بذلك الزيادة في نبله ودالة على حالته() وسعة صدره، وأنَّه بذلك قد استعطف عدوه وينشطه() حتى يكون له ولياً بعد أن كان() له عدواً() وبالله التوفيق.
وذهب بعض من يقول بالوعيد: إن الله يجيب كل داع يدعوه على الشريطة التي لا يجوز() أن يخرج الدعاء إلاَّ عليها. وزعموا أن الله جلَّ ذكره قد تضمن بقوله: أدعوني أستجيب لكم،()وقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان.()قالوا: ولم يخص بهذا ولياً دون عدو، ولا مؤمناً دون كافر، قالوا: فقد دل على عموم كل داع على سبيل التي أمر الله بالدعاء عليها؛ لأنَّه إذا خالف ذلك خرج من جملة المتضمن لهم بالإجابة؛ لأن المتضمن لهم الإجابة هم الذين يفعلون ما أمروا به من الدعاء دون غيرهم. وكان بعض شيوخنا يناظرني() في هذه المسألة ويحتج عليّ بشيء توهمت أنَّه كان يذهب إليه ويعتقده() ويقول به، وهو أن الله جلَّ ذكره لم يتضمن الإجابة لكل من دعاءه بما أمره أن يدعوه به، وإنَّما أعلم العباد أنَّه ذو إجابة لدعوة الداعي. وهذا وصف قد يتحصل لإجابة البعض، كما أن وصفه لنفسه بأنَّه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، قد تتحصل المغفرة للبعض دون الكل، والذي نختاره() ونذهب إليه() أن الإِجابة قد تكون ثواباً وغير ثواب، وقد تكون للمؤمن وغير المؤمن، بحسب ما يعلم الله جل ثناؤه في فعل ذلك من الصلاح، للحجة التي ذكرناها فيما تقدم ذكرنا له، والله نسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه.



مسألة

روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم من طريق أنس صلَّى الظهر ذات يوم، جلس ثم قال: (سلوني عما شئتم ولا يسألني اليوم أحد منكم عن شيء إلاَّ أخبرته؛ فقام الأقرع بن حابس فقال يا رسول الله: الحج علينا واجب كل عام؟ فغضب صلى اللّه عليه وسلّم حتى احمّرت وجنتاه فقال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا، وإن لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأُتوا منه ما استطعتم).()وفي هذا الخبر دليل على أن الأمر بالفعل لا يوجب إلاَّ فِعْلاً واحداً، إلاَّ أن تقوم دلاته بتكريره.

مسألة

القياس لا يجوز إلا على علة، ولا يجوز أن يقاس إلا على معلول وهو أن يرد حكم المسكوت عنه إلى حكم المنطوق() به بعلة تجمع بينهما، ولا يجب تسليم العلة لكل من ادّعاها، ولا تسلَّم بدليل، ولو جاز() تسليمها بغير دليل لجاز لكل أحد أن يدعي ما يشاء ويعتلّ به. فإن قال قائل: ما الدليل على صحة العلة؟ قيل له: إن ذلك يستدرك من وجهين: أحدهما أن ينصب العلة فتجري على معلولاتها، ولا يمنع من جريانها نص، فإذا جرت في جميع معلولاتها ولم يكن هنالك مانع من جريانها، دل على صحتها (نسختين) على صحتها، والوجه الآخر يوجد الحكم بوجودها ويرفع بارتفاعها. ومثل ذلك أن() التحريم في الخمر متعلق بالشدة. والدليل على ذلك أن العصير حلال، فإذا حصلت الشدة فيه حصل التحريم، فإذا() زالت الشدة عنه وصار خلاً حل وارتفع التحريم، فقد رأينا (التحريم)() معلقاً بها يوجد بوجودها ويرتفع بارتفاعها، فلما كان التحريم معلقاً بها يوجد بوجودها ويرتفع بارتفاعها فإذا رأينا هذه الشدة في غير الخمر لحقناه() به للعلة الجامعة بينهما، فإن قال قائل ممن ينفي() القياس: إن قولكم يؤدي إلى أن لا يحكم بصحة العلة حتى يعلم جميع الشريعة، ولا يشذ عنا خبر وهذا ما() لا يضبط، لأنا لا نعلم صحتها إلاَّ أن نعلم جريانها في كل المعلولات، ولا نعلم جريانها() في كل المعلولات إلاَّ أن نعلم الشرع كله، وأن لا يكن() في الشريعة خبر يمنعها من جريانها في معلولاتها، وذلك ما لا نعلمه إلاَّ أن نعلم الأخبار كلها، فإذا علمنا جميع المعلولات وجميع الأخبار حكمنا بصحتها، وهذا ما لا يضبط؛ وهذا أقوى ما عارضوا به فيما علمنا وراموا الكسر به على القائسين، يقال لهم: هذا إلزام() فاسد، وذلك أنكم تقولون في الأخبار مثل هذه() لأنكم تحكمون بالخبر وإن كنتم تجوزون (نسخة) تجوز لم تعلموه، فإن لزمنا ألاّ() نحكم بصحة العلة حتى نعلم الأخبار كلها لزمكم أن لا تقولوا الخبر حتى تعلموا جميع الأخبار كلها وبالله التوفيق.


مسألة

الدليل على من قال: إن العموم لا يستغرق الجنس، قال الله جلَّ ذكره: وما تسقط من ورقة إلاَّ يعلمها ولا حبَّة في ظلمات الأرض() وقوله عزَّ وجلَّ: وما من دابة في الأرض إلاَّ على الله رزقها() لا يدخل في هذا الخصوص والله أعلم.

مسألة

الخنزير بمجموعه مُحرّم، ولا يجوز الانتفاع منه بشيء، فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون التحريم إنَّما وقع على ما ذكر في الآية فلم() لا يكون الشحم منه مباحاً؟ (نسخة) خالصاً مباحاً، إذ ظاهر الآية خص منه اللحم بالتحريم، قيل له: إن الله تبارك وتعالى حرَّم شحم الخنزير وغيره من وجوه: أحدهما الإِجماع وكفى به حجة؛ ووجه آخر أن الخنزير محرّم بكليته حتى شعره؛ لأن الله جلَّ ذكره قال: أو لحم خنزير فإنَّه رجس أو فسقاً() فرد الكناية إلى أقرب() المذكور وهو الخنزير، ألا ترى إلى قوله: أو لحم خنزير فأتى بذكر الخنزير بعد اللحم، فرد الكناية إليه فقال: فإنَّه رجس، وهذا موجود في اللغة، يجوز() أن يقول للعربي() أكرم غلام زيد فإن له عليّ حقاً()، يريد بذلك زيداً وإن كان يجوز أن يريد العبد؛ لأن زيد أقرب المذكورين، وإذا كان في اللغة جائزاً وجب القول به عموماً. ووجه آخر بأن لا يتوصل إلى شحم الخنزير إلاَّ من وجهين: إِما بعد قتله، أو في حياته، فإن أخذناه في حياته فالنبي صلى اللّه عليه وسلّم جعل المأخوذ منه ميتة بقوله: (ما قُطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة)،()كذلك لو أخذنا شحم الشاة في حياتها كان محرَّماً، وإن أخذنا ذلك بعد إِتلافه فالذكاة غير لاحقة به؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أخرج الخنزير من جنس ما يذكى وجعله في حيز ما يجب() قتله وإِتلافه قد() وجب()؛ قال عليه السلام: (بعثت بكسر الأصنام "نسخة الصليب" وقتل الخنزير وإِراقة الخمر)()، وإذا كان هذا على ما بيَّناه وذكرناه لم يتوصل إلى أخذ شحمه من طريق لا يسمى() ميتة، وفي الإِجماع كفاية عما ذكرناه وبالله التوفيق.


مسألة

قال الله تبارك وتعالى: والذين هم لفروجهم حافظون إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانكم فإنَّهم غير ملومين()، وظاهر هذه الآية يبيح نكاح الزوجات (والإِماء)() في كل حال، ثم قال جلَّ ذكره: فاعتزلوا النساء في الحيض() فخصَّت هذه الآية نكاح كل حائض في وقت حيضها حتى تطهر.() ثم سئل النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن سبايا() أوطاس من الإِماء، (فنهى عن وطء الحوامل منهن حتى يضعن، وعن الحوائل حتى يحضن)،()
والحائل التي يأتيها() الدم حالاً بعد حال، والله أعلم. فما خصّ الإِباحة بتحريم وقت فهو حرام، والباقي على إباحته، وإطلاق الكتاب بجوازه والله أعلم.
واختلف أصحابنا في الصغيرة من الإماء، فقال بعضهم: تستبرأ() أربعين يوماً قبل الوطء، وقال بعضهم بخمسة وأربعين يوماً، قياساً() على الحرَّة الصغيرة، وكلٌّ منهم قد() ذهب إلى تأويل بقوله() واختياره، والقياس لا يصح إلاَّ على أصل متفق عليه، وليس في ذلك أصل متفق عليه. والحرَّة الصغيرة أيضا إنَّما تؤخذ بالعدَّة وتعتد بعد الوطء، وهم أوجبوا استبراء الصغيرة من الإِماء من غير وطء، وإنَّما أوجبوه بانتقال ملك فلا أدري بأي علة قاسوا أو بأي أصل شبهوا. والحرَّة لا تجب عليها العدَّة بانتقال ملك الزوجية، فأين موضع الشبهة (نسختين)() الشبه، ووجه القياس فيجب أن ينظر في ذلك والله الموفق للصواب. ويوجد في الأثر لمحمد بن محبوب() إنَّه إذا ربّاها صغيرة في بيته جاز له وطؤها دون أن تستبرأ، وإن ربّاها غيره من عدل أو خلافه، أو امرأة لم يجز له وطؤها إلاَّ بعد استبراء، ويوجد لغيره، قال: إذا ربّتها امرأة لم يستبرئها المشتري، والاستبراء في اللغة هو: الاستكشاف للأمر()، والمشكل وأي إشكال في الصغيرة؟ وإلى الله نرغب في توفيق وهدايته.


مسألة

قال الله تعالى: فاقض ما أنت قاض() لم يكن أمراً منهم له بقتلهم فيكونوا قد أعانوا على قتل أنفسهم، ويستحق فرعون به مدحاً إذ سارع إلى طاعتهم، بل كان هذا القول منهم تسليماً للقضاء وقنوعاً بما أعدَّ الله لهم() من الجزاء، ومثل هذا مشهور في كلام العرب. وقال أبو سحر الحملي:
فتيقّني أني كلفت بكم() ثم اصنعي ما شئت عن علمي()

مسألة

احتج قومٌ بأن الله لا ينقل العباد من تخفيف إلى تثقيل، يقال له() إن الله تعالى قد نقل المؤمنين من تخفيف إلى تثقيل بأمره إياهم بقتال() المشركين بعد أن كانوا بذلك غير معتدين،()فقال: إلاَّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً() فقد صاروا بالتخلف() عن القتال متوَعَّدين بعد أن كانوا به غير مأمورين.



مسألة

ما دلَّ عليها البيان في ظاهره تعزية() لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم وإعلاماً بما في أيدي المشركين من زهرة الدنيا غير موصول بنعيم الآخرة وإنَّما هو فتنة لهم في العاجلة() ووبال عليهم في الآجل() قال جلَّ ذكره: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى.() وقال جلَّ ذكره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنَّما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون،()كل هذا القول من الله تعالى تعزية لنبيّه صلى اللّه عليه وسلّم () وقال تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا إنَّما نملي لهم خير لأنفسهم إنَّما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين،() وقال عزَّ وجلَّ: ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون() الآية. وقال عزَّ وجلَّ: ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله إنَّ الله عزيز ذو انتقام،() فكل هذا إخبار من الله عزَّ وجلَّ وتحذير في أواخر هذه الآيات ما يدل على تأويل أوائلها. ألا ترى إنَّه لما قال جلَّ اسمه: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا() لم يدع ذلك الكلام مُنقطعاً من البيات حتى قال: ولنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى. ولما قال جلَّ ذكره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم لم يَدَع الكلام مرسلاً فيكون تأويله مشكلاً حتى وصله بأن قال: إنَّما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وكذلك الآيتان اللتان ذكرناهما بعد هذا أوصل كل آية منهما في آخرها بخبر يدل على تأويل ما قبله فتبيْن هذا تجدْه كثيراً في الكتاب فإن من سبق له التوفيق اجتزأ بالتبيُّن.()


مسألة

إتفق علماؤنا فيما تناهى إلينا عنهم أنَّ من لزمه فرض الصلاة والزكاة والحج والصدقة، والعتق عن يمين حنثها أو نذور وجبت() عليه الوفاء بها، وما كان من سائر الحقوق التي أمر الله بفعلها، ولا خصم له من المخلوقين فيما مما هو أمين في أدائها، ولم يؤدّها ولا أوصى بها أنَّه لا شيء على الوارث، ولا تعلُّق عليه أداؤها ولا أداء شيء منها كان الهالك تاركاً لذلك من طريق النسيان أو العمد. واختلفوا فيه إذا أوصى بها وأمر بإنفاذها، فقال سليمان بن عثمان() وغيره: يجب إخراج ذلك من جملة المال، واحتجوا بأن ما() كان واجباً إخراجه من جملة المال على المأمور أيام حياته، لا يجب زواله من جملة المال بعد الموت، وسبيله سبيل سائر الحقوق المأمور بإخراجها من جملة المال، واحتجوا أيضاً بقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم لما سألته الخثعميّة() فقالت: (يا رسول الله إني أبي شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة وقد أدركته فريضة الله في الحج، أفأحج عنه: فقال صلى اللّه عليه وسلّم: أَرأيت أن() لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية لذلك؟ قالت: نعم. فقال: فدْين الله أحق).() فقالوا: قد شَبَّه الحج بالدين، فلما كان الدَّين من رأس المال كان الحج مثله والله أعلم.
قال موسى() ابن علي، ومحمد() بن محبوب، وأبو معاوية()، وأبو المؤثر() وغير هؤلاء من الفقهاء: ما كان من هذه الحقوق التي ذكرناها من الحج وغيره ترجع إلى الثلث إذا أوصى به الميت، وهذا هو الذي يوجبه النظر عندي، ويشهد بصحة الخبر، وذلك أن الدَّين قضاؤه وإن لم يوص به.
والحج لا يوجب() قضاؤه إلاَّ بعد الوصية باتفاقهم جميعاً على ذلك. وأيضاً فإن الدَّين لو قضي عنه في حياته بغير أمره أسقط عنه أداؤه، وكذلك بعد وفاته باتفاق. ودليل آخر أن المريض لو كان عليه دَين وحجَّ ولم يخلف وفاء لقضائهما() أنَّه يبدأ بالدَّين فيقضى ولو كان سبيله سبيل الدَّين لضرب له معه. ودليل آخر قول الله تعالى: وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجله .()
فالإنسان لا يتحَّسر على ما لا يقدر على فعله، وكذلك قوله جل اسمه: قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت() إنَّما يطلب الرجعة إلى ما فاته من الواجب()، وغير الواجب لا يطلب، وإنَّما شبهه رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم بالدَّين، فإن المرأة سألته عن الأداء فشبَّه ذلك بأداء الدّين إذا قضته عنه كان قضاؤها عنه كقضائها الدَّين عنه إذا قضته، ولم تسأله عن الوجوب فيرد الجواب عنه والله أعلم وبه التوفيق.


مسألة

كل مسألة لم يخل الصواب فيما من أحد قولين، ففسد أحدهما لقيام() الدليل على فساده صح أن الحق في الآخر. وكذلك إن صح أن الحق في واحد منهما بعينه فالآخر فاسد، قال الله جلَّ ذكره: فماذا بعد الحق إلاَّ الضلال فأنى تصرفون().


مسألة

اختلف الناس في القياس على أربعة أضْرُب، فذهب بعضهم على إِثباته في التوحيد والأحكام جميعاً. وذهب آخرون إِلى إِثباته في التوحيد ونفيه في الأحكام، وذهب آخرون إِلى إٍثباته في الحكم ونفيه في التوحيد وذهب آخرون إِلى نفيه في الحالين "جميعاً"،()وهذا قول داود() و بعض أهل الحديث. والقياس في نفسه هو تشبيه الشيء بغير هو الحكم به هو والحكم للفرع بحكم أصله() إذا استوت علَّته وقع الحكم بسببه "نسختين" من أجله. ومثل ذلك أن الله جلَّ ذكره حرَّم قفيز البُرِّ بقفزين على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، فأجمع القائلون بالقياس أن القفزين من الأرز بقفزين حرام مثله؛ لأنَّه مساوٍ له في علته التي وقع التحريم بها، ثم اختلفوا بعد اتفاقهم على استوائهما() في التحريم في العلة التي وقع التحريم من أجلها، ما هي؟ فزعم قوم أن البر إنَّما حرَّم؛ لأنَّه مكيل، والأرز مكيل مثله. وقال بعضهم: لا، بل من أجل أنَّه مأكول. والأرز مأكول مثله. وقال قوم: لا، بل وقع التحريم؛ لأنَّه مكيل ومأكول، والأرز فيه هذان المعنيان مساوٍ به.
وقال بعضهم: لا، بل وقع التحريم، لأنَّه مزكّى والأرز مثله أيضاُ مزكّى، تتلو هذه المسألة مسألة أو لها الدليل على من قال: العموم لا يستغرق الجنس، وهو مكتوبة قبل باب الوصايا في آخر الكتابة في السابع من النسخة. وعلى أثر هذه المسألة مسألة في صيغة الأمر مكتوبة بعد باب حدِّ السارق الآخر من الكتاب تجده إِن شاء الله، وتدبره لئلا يلتبس عليك.


مسـألـة
قال الله جلَّ ذكره: لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم ()، وقال عز وجل: ولا تأكلوا مما يذكر اسم الله عليه() كان هذا الخطاب يوجب تحريم كل طعام لم يذكر اسم الله عليه من حيوان أو غيره، إذ ليس في نفس الآية تفضيل لطعام() من طعام، فلما اتفق أهل الإِسلام على أن المقصود الظاهر في هذه الآية الحيوان دون غيره، صحَّ أن الآية خاصة وإن كانت في الظاهر عامة، وجاء في التفسير أن المشركين قالوا للمسلمين: لِمَ تأكلون ما قتلتم؟ يعنون ما ذكيتم، ولا تأكلون ما قتل الله لكم يعنون الميتة، فأنزل الله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنَّه لفسق،() وقوله عزَّ وجلَّ: لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم()، وقال جلَّ ذكره: ولا تكونوا من الذين كذبوا بآيات الله فتكونوا من الخاسرين() فكان ظاهر هذا الخطاب يدل على الخصوص، فلما قال: إنَّه لا يحب الظالمين كان هذا القول دليل على أن هذا الفعل محرّم() على كل() من فعله من المخاطبين.
وكذلك قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا،() فعرَّف السمع والبصر والفؤاد بالألف واللام ولم يتقدم لشيء منها ذكر، فاستدللنا على أنَّه إنَّما قصد بالتعريف إلى الجنس، فكان كل سمع وبصر وفؤاد، وفعل صاحبه ذلك الفعل فهو مسؤول عنه فصار كل من وقف() ما ليس له به علم مأزوراً في فعله وإن كان ظاهر النهي خاصاً للمخاطب() في نفسه.
وأما قوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساءٍ() فدلَّ هذا أن من سخر ممن هو شر منه فلا شيء عليه، إذ النهي وقع عمن يمكن أن يكون خيراً ممن سخر منه. ونظير ذلك قوله جلَّ ذكره: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلاَّ جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم،()وكذلك قوله عز وجل: ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان،() فدل ظاهر الخطاب لعلة على تحريم التداعي، بالصفات والعلامات والأسماء إذا كانت ملقبة به ظالماً له فيه. وفي الرواية أن يقول له: يا كافر يا فاسق، والألقاب في اللغة هي كل من نصب علماً على شخص فعرف به فهو يسمى لقباً له.


مسألة

قال الله تبارك وتعالى: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأنَّ جهنَّم من الجنة والناس أجمعين،() ففي هذه الآية دليل من الله تعالى لمن يغفل عنه خطابه على أنَّه لم يفوِّض الأمر إلى عباده ليستبدّ كل امرئ منهم بمراده، كما زعم الملحدون في آياته، المنكرون لأحكام كتابه، إذ قالوا: فقد شاء الله من الخلق أن يؤمنوا وكره منهم أن يكفروا. وأحب الكافرون أنُفسهم أن يكفروا، فكانت محبتهم غالبة لمحبته، ومشيئتهم ظاهرة على مشيئته. فهم إن شاءوا أن لا يكفروا نفذت مشيئتهم، والله تعالى عندهم فقد شاء من الخلق ألا يكفروا فلم تنفذ مشيئته، وأراد أن يؤمنوا فلم يبلغ إرادته فكيف يكون كذلك وهو يقول عزَّ وجلَّ: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنَّما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون()، أفليس في هذا القرآن دليل لِأُولي التمييز والأبصار على أنَّه لا يستطيع من يسبق له الخذلان أن يدخل في ملة() أهل الإيمان؟
ولا يقدر أحد ممن سعد بالإسلام على الخروج من الإيمان إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فلا سابق لأمره ولا رادَّ لحكمه، خالق الخلق ومدِّبر الأمر، تعالى عما يقول المبطلون علواً كبيراً.


مسألة

ذكر ترتيب ما نزل من الأحكام في القرآن، فكان() محتاجاً من الرسول عليه السلام إلى بيان فهو غير منفك من ثلاثة أقسام: إما أن يكون لو ترك الناس مع ما يحتمله القرآن لم يصلوا إلى حكمه إلاَّ ببيان، أو يكون مما لو تركوا مع ظاهر لفظه إلى توقيف على حكمه لوجب عليهم إنفاذ الحكم به على كل ما دخل تحت اسمه، إذا كان ممكناً لهم باستعمال كل ما دخل في جملة ظاهره أو يكون مما لو دخلوا مع ظاهر لفظه لوجب عليهم أن يأتوا من حكمه بما إذا أتى آتٍ بمثله كان مؤدياً لفرضه، إذ قد فعل ما ندب في الظاهر إلى فعله، فإن() لم يكن مستوعباً لجميع ما يحتمله ظاهر لفظه، فأما ما كان الناس قبل وجوبه يفعلونه ويعرفونه فنزل القرآن موجباً له باسمه منفرداً، فالواجب عليهم أن يأتوا بالفعل الذي يتعارفونه متجرداً ما لم يردهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم (فيه حكماً مجرداً أو ينقصهم بما يحتمله ظاهره حكماً منفرداً ومحال أن يدعهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم)() فيما كانت هذه الصفة بلا بيان إذا كان لله جل() ذكره فيه مراد غير ما تظهره() تلاوة القرآن. وأما ما كان الناس لا يعرفونه قبل أن ينزل القرآن بوجوبه ولم يكن جائزاً في صفتهم أن يأتوا بكل ما دخل تحت اسمه على كمال حقه لعجز بينهم (نسخة) لعله بعجز() منهم عن() القيام بكل ما شرطه، وبيَّن() لهم إنَّهم لم يؤمروا إلاَّ بالبعض، إذ محال أن يتعرض من الأحكام بما لا طاقة لهم به، ولم يعلموا بالبعض الذي يجب عليهم المسارعة إلى فعله، ولم يأت في القرآن توقيف على حد، فمحال أن يدعهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم مع ظاهر القرآن حتى يتبعه بيان.


مسألة

قال الله جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً.() فكان أمر الله المؤمنين بالقيام بالقسط أمراً عاماً لهم أجمعين، والقسط الذي أمرهم بالقيام به لا ينفك من أحد أمرين: إما أن يكون قسطاً معلوماً بعينه فتكون الإشارة دالة عليه دون غيره، أو لا تكون الإشارة وقعت على قسط معلوم بعينه فتكون دالة على ما وقع عليه اسم قسط. فلما كانت الإشارة بالألف واللام دالة على التعريف ولم يكن معَنا() دليل على قسط بعينه معروف، صحَّ أن هذه إشارة إلى الجنس، فوجب علينا القيام بكل ما وقع عليه اسم قسط. وأما قوله عزَّ وجلَّ: إن الله يأمر بالعدل والإحسان() إلى آخر الآية. فلما لم تقم الدلالة() على عدل بعينه وجب القيام بالعدل كله، وأما قوله: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل() إلى آخر الآية، وأخبر أن هذا العدل لا يستطاع بين النساء فعله، فقد صحَّ أن هذا هو الفعل (نسختين) العدل الذي يؤدي إليه الاجتهاد من ترك التفضيل بينهن؛ لأن من لم يمل كل الميل كما قال الله عزَّ وجلَّ، ولئن فضَّلنا بعضهم وإن لم يفضل بعضاً على بعض فهو عادل في الحكم، لأنَّه لم يتعدّ أمر الله، والله أعلم.
وأما قوله جلَّ ذكره: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين() فأمر عباده المؤمنين أن يقيموا بالقسط في السرّاء والضرّاء على الأولياء والأقرباء والأنفس والآباء، فجرى حكم القسط عليهم أجمعين. ولم يرخص في ذلك لأحد من العالمين. وأيضاً فإن جعل القيام بالقسط فرضاً يجب على الكافة ولم يوجبه على الخاصة دون العامة؛ لأنَّه تعالى دعاءهم باسم المؤمنين، والمؤمنون يدخل فيهم الحكام وغير الحكام، فلم يجب لأحد من أهل الإسلام أن يرى مقاماً لله فيه مقالاً ليدعه اتكالاً على غيره والله أعلم. ولم يجعل الأمر في تسمية القسط في الدِّين مردوداً إلى اجتهاد المتعبدين، وتختلف فيه آراؤهم وتتحكم فيه أهواهم، فما رأوه حسناً في عقولهم فعلوه، وما قبح في أنفسهم اجتنبوه. بل دعاهم إلى فعل ما ارتضاه لهم، حسنٌ أو قبيح عندهم، فقال عزَّ وجلَّ: إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا.()

مسألة

الدليل على أن() المعصية لا تكون إلاَّ من قاصد إليها قول الله جلَّ ذكره: وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم.()


مسألة
قال الله تبارك وتعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء()، فلو لم ينقل إلينا بيان حكم المطلقات لكان الواجب علينا أن يجري() على كل من وقع عليه اسم مطلَّقة ثلاثة قروء، إذ لم يذكر في هذه الآية صغيرة ولا كبيرة ولا مؤيسة ولا غير مؤيسة ولا حائل (نسخة) غير حائل من حامل ولا مدخول بها من غير مدخول بها، فلما قال تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهم ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن() وقال تعالى: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها()، ففرَّق جلَّ ذكره بهذه الآيات بين حكم المطلّقات ببيان هذه الآية. فإن قال قائل: ما الدليل على أن تلك الآية مجملة وأن() هذه الآيات مفسرات دون أن تكون (تلك)() منسوخة أو تكون ناسخة وهذه الآيات منسوخات؟ قيل له: لا يجوز أن يقضي على آية ـ قد أُحكم تنزيلها ـ بنسخٍ بغير دليل.


مسألة

إن سأل سائل فقال: من أين جاز أن تكون() قصص الأنبياء ويعاد ذكرها في القرآن؟ وما وجه الحكمة في ذلك؟ والتكرار عند الفصحاء غير جائز؟ وقد تجد القصة الواحدة لبعض الأنبياء قد كرِّرت وأُعيدت في غير موضع في القرآن؟ يقال له: إن لله جل ثناؤه في إعادتها حكمةً لطيفة، وهو أن الرجل إذا سمع الموعظة لم يعد عليه ذكرها خفي عليه قدرها وذهب عليه فضلها، فإذا وعظ بها مرة بعد مرة صارت نصيباً() لخاطره وفكره ووفقاً على همه وذكره، ولذلك صارت الخطباء تعيد الموعظة الواحدة في كل مقام ومشهد، وتردد القصة في كل محفل ولا يسمّى ذلك عيباً.()وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه كان يردد الآية من القرآن مراراً. قال الله جلَّ ذكره: ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب() ولم يقل تقرؤوا آياته فتكون قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلّم مرة واحدة مجزية عن إعادة ذكرها حالاً بعد حال، بل قد ذم (من)() يمر بالآيات فلا يتدبرّها، ويرى المعجزات فلا يتأملها، فقال جلَّ ذكره: وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون،() وقد ذكر بعض العلماء أن إعادة قصص الأنبياء في القرآن وذكر أخبارهم عليهم السلام بخروجها() إلى المواضع المختلفة ودخول الناس في المواضع القاصية قوماً بعد قوم، فاحتج بما عليه فصحاء العرب من الخطباء والشعراء أنَّهم يعيدون الخطبة والشعر ليسمعه من لم يكن سمعه، ولو لم يعيدوا ذلك لفات المتأخر ولم يسمعه إلاَّ من شاهده في أول. وهذا أيضاً وجه من الصواب إن شاء الله.


مسألة

قال الله جل ثناؤه: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة،() فإن قال قائل: فنحن نعلم أنَّه محال أن يكون عشرة إلاَّ كاملة؛ لأنَّها متى نقصت لم يجز أن تسمى عشرة؛ قيل له: هذا القول له وجهان: أحدهما البيان الذي تؤكد به العرب وتبين() المعنى به، والآخر كان ممكناً أن يظن ظان أن من صام عشرة أيام لا يكون له من الأجر كما يكون لمن وجد الهدي، فلما كان كل واحد منهما ينوب مناب الآخر في أداء الفرض، كما أن صلاة العاجز عن القيام قعوداً يؤدي بها الفرض، وصلاة القائم يؤدي بها الفرض وجاز النسك، بيّن الله هذا الصيام يكمل له الأجر فليلحقه() بمن يجد (نسختين) نحو الهدي والله أعلم.


مسألة
وأما قوله جلَّ ذكره: ما بعوضة فما فوقها()، وقوله: فيما نقضهم ميثاقهم()، فهذه ما صلة() تقدير ذلك: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها() والله أعلم.


مسألة
الدليل لمن قال بتأخير الحج من أصحابنا وما وجب فرضه لغير وقت محظور()، أن الله تعالى أوجب الحج على نبيه صلى اللّه عليه وسلّم وعلى سائر أُمته فلم يحج النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلاَّ بعد عشر حجج من هجرته، ولا أَنكر على من تخلَّف عن الحج من أُمته، فهذا() فرض لم يخير الله تعالى بوقته؛ وإنَّما فعله النبي صلى اللّه عليه وسلّم بعد وجوبه بزمان، واحتج من يخالفهم في ذلك فقال: إن كل فرض لم يؤقت على أداء فرض فالواجب المسارعة إلى فعله إذا لم يبين إباحة التأخير لأدائه في الكتاب ولا في السنة. واحتجوا أيضاً أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يكن يلزمه الحج إلاَّ في تلك السنة التي حجَّ فيها، ولو كان الحج لزمه قبل ذلك لكان له عذر لإصلاح شأن المسلمين() المؤمنين ويشغل محاربة المشركين، وأما الحج فقد كان واجباً على الناس أجمعين. وقد بعث بأبي بكر الصديق وبعث معه علياً على الموسم، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم من طريق ابن عباس نَّه قال: (عجّلوا الخروج إلى مكة فإن أحدكم لا() يدري متى ما يعرض له من مرض أو حاجة).()


مسألة

ذكر ما ورد خاصاً في غير ظاهر التنزيل وثبت حكمه على الخلق عاماً بدليل، وأما ما يجري ظاهره من الأخبار مجرى الخصوص وصحبه دليل يرد حكمه إلى معنى العموم فمنه قول الله جلَّ ذكره: فلينظر الإنسان ممَّ خلق()، وقوله: أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين()، وقوله: وبدأ خلق الإنسان من طين()؛ وقوله تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر()، فهذه الآيات كلها في لفظ مخصوص في الظاهر، إذ الذكر فيها وقع باسم الإنسان ولم يقع باسم الناس، ويتيقن حكمها في معنى العموم الدلالة على خروج جمعها (نسختين) جميعها على() الخصوص إلى العموم، إن دخول الألف واللام في الإنسان دالة على التعريف، والمعروف إذا لم يكن قبل التعريف مذكوراً بنفسه فيكون التعريف إشارة إلى شخصه، صحَّ أن التعريف راجع إلى الجنس كله؛ وأما قوله جلَّ ذكره وبدأ خلق الإنسان من طين()، فآدم عليه السلام، وإذا خلق آدم من طين فالناس كلهم مبتدؤون من طين، لأنَّهم ذريته إلاَّ حواء وحدها. فإنا() لا ندري ما اسمها تسمى ذرية له أم لا؟ غير أنا نعلم أنَّها خلقت منه لقول الله تعالى: خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها()، وأما قوله تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلاَّ من استثنى، ويدل على ما قلنا أن هذا اسم الجنس، إلاَّ أن الاستثناء لا يكون إلاَّ من جملة كثيرة. وأما قوله تعالى: خلق الإنسان (نسختين): إنا خلقنا الإنسان من نطفة() فخرج مخرج الخصوص والمعنى للعموم وخرج آدم عليه السلام بدليل.


مسألة

اتفق أصحابنا فيما علمت أن الحاكم إذا استحلف الرجل على دعوى، فقد قطع الخصومة بينه وبين خصمه بعد أن يحتج على المدعي: هل لك بيِّنة؟ فإن ادّعى بيِّنة فأهدرها ورضي باليمين بدلاً من إقامة البينة، فإذا أهدر ببينته وأبطلها لم يسمع منه الحاكم البينة بعد اليمين. ونحو هذا يقول به داود() بن علي. وأما أبو حنيفة والشافعي، فيسمعان البينة بعد اليمين ويحتجان بما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه قال: (شاهدا عدل خيرٌ من يمين فاجرة)()؛ وهذا الخبر إن صح طريقه فيحتمل التأويل والقول بما قاله أصحابنا: إن اليمين جُعلت لقطع الخصومة، وهي أيضاً في معنى الإبراء من الدعوى، ألا ترى أنَّه لو أنكر فقال المدعي: قد أبرأته من دعواي ثم أقام البيِّنة لم يسمعها منه، فكذلك إذا استحلفه لم يسمع() البيِّنة؛ لأنَّه رضي باليمين. فهذا يدل على أن اليمين جعلت لقطع الخصومة والله أعلم.
ويدل على ذلك أيضاً ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه أتاه آت فقال له: "يا رسول الله إن فلاناً أخذ مالي منعني حقي، أو قال: جحدني أو كلام هذا معناه. فقال له النبي علية السلام: أعندك بيِّنة؟ قال: لا، قال: فيمينه، قال يا رسول الله: إذاً يحلف ويذهب مالي، قال له رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم: ليس لك إلا ذلك"() ، فهذا يدل على أنَّه ليس للمدَّعي بعد اليمين غيرها بقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم "ليس لك إلا ذلك" والله أعلم.


مـسـألـة

إِتفق أصحابنا _ إلا من شذَّ عنهم بقول لا عمل عليه_ أن الإمام والحاكم أن يهجما() على السارق والقاتل والممتنع با () لحق في بيته وأمنه الذي كان قبل ذلك ومن كان في معناها من المتعدين() وإخراجهما إلى حيث ينصف الحاكم بينهما "نسخة" منهما؛ وأجمعوا "على"() أنَّهم لا يهجمون على مديون استدان برأي صاحبه بحق استدانَه برأي صاحبه ولو تولى بدفعه. واختلفوا فيه إذا حكم الحاكم عليه بتسليم الحق فخرج عن موضع حكم الإمام أو تأخر() في الحبس ولم يسلم الحق الذي قضى به الإمام عليه وأمره بتسليمه، فقال بعضهم: يأمر الحاكم ببيع ماله وتسليم ما ثبت() عليه من حق، وبهذا يقول محمد بن محبوب. وقال آخرون: يدعه في الحبس أبداً إلى أن يعطي الحق من نفسه وينتهي بالغائب حالاً يبلغ إياه() من موت أو أوبة أو غير ذلك، ولا يبيع الحاكم عليه ماله في حياته وبغير أمره. فإن قال قائل: لِمَ جاز الهجوم على بعض المغلوبين بالحق دون مطلوبين، وكل ممتنع بحق عليه مطلوب به؟ قيل له: إن الغريم الذي تحمَّل الدين بأمر صاحبه ليس بمتعدٍ عليه ولا جانٍ على ماله بل هو مالك له دون من صار إليه منه، فلذلك جاز أن لا يهجم عليه ولا يؤذى ولا يرّوع (كما يروع)() المتعدي بالهجوم عليه في أمنه، كما يهجم على أهل المنكرات في منازلهم والأماكن التي يستترون بمنكرهم فيها، ولهؤلاء أيضاً بتعدِّيهم من أهل المنكر الذي يجوز الهجوم عليهم في منازلهم ليخرجوا إلى حيث لا يمتنعون بباطلهم، ويدل على ما قلنا أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم (بعث بلالاً فاستدان له ديناً فلما حلّ طولب بالدَّين، أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم أني طولبت() بالدَّين الذي تحملته وقد ضيِّق عليّ في المطالبة وشدِّد عليّ فيه، فأمره النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن يتوارى عن أهل الحقوق إلى أن يتيسر ما يقضون به)()، فلو كان التواري لا يستر بلالاً من الغُرماء لم يأمره النبي صلى اللّه عليه وسلّم بذلك. فهذا يدل على افتراق حكم المتعدي وغير المتعدي وبالله التوفيق. وأيضاً فإن السارق والمتعدي على مال غيره تناولا مالاً لغيرهما باعتداء منهما على صاحبه، ولم ينتقل ملك صاحبه عنه فهما ظالمان له في كل حال. وقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم (لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو آوى محدثاً)() يدل على ما قلنا؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم منع بهذا القول أن يؤويه() أحد فلما لم يكن له مكان يستره علمنا أن كل موضع كان فيه ستر له. وبالله التوفيق.


مسألة في إنكار المنكرات

إذا رجا الإنسان قبول أهل المنكر وأمكنه القول كان واجباً عليه أن ينهى عنه، وإن يئس لم يكن عليه أن ينهى إذا كان قد نهى مرة واحدة؛ لأن النهي مع الإِياس بعد ذلك يكون نفلاً، ومع الرجاء وغلبة الظن يكون فرضاً، وما كان آمناً على نفسه وهو يرجو مع ذلك وظنٍ يغلب عليه بأن() يُبل منه الحق، فعليه أن يقول ويدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال الله تبارك وتعالى: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحا (). ومع الإِياس من القبول فالفرض عليه من() القول مرة واحدة فيما يكون الإِنكار بالقول. فإن قال قائل: أليس الله تبارك وتعالى قد ذمّ قوماً تركوا الإِنكار على أهل السبت، ومدح قوماً أنكروا عليهم؟ فقال: وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون()، قيل له: أولئك تركوا النهي مع الرجاء، والدليل على ذلك قول الله تعالى فيما أخبر عنهم إنَّهم قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون؛ فإن قال: أليس قد أنجى الناهي وعذَّب القاعدين()؟ قيل له: بل عذَّب الذين امتنعوا من القبول بقوله تعالى: وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون()، فإن قال: أيجوز للمؤمن أن يجالس أهل المنكر والسفَّه وهم يخوضون في منكرهم وباطلهم؟ قيل له: لا يجوز ذلك. فإن قال: لم لا يجوز ذلك؟()

قيل له: بل يجب عليه الإِعراض عنهم إلى أن يتركوا ذلك. فإن قال: فلم نهيتم المؤمن عن مجالسة الظالمين وأهل السفه في حال منكرهم وخوضهم وباطلهم؟ قيل له: إن الله عزَّ وجلَّ قد نهى نبيه صلى اللّه عليه وسلّم عن مجالستهم بقوله عزَّ وجلَّ: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء() بعد الإنكار عليهم والموعظة لهم، ويدل على ذلك قوله عزَّ وجلَّ: ولكن ذكرى لعلهم يتقون، وقال تبارك اسمه في موضع آخر: فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم(). وقال جلَّ ذكره: والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما() زعموا ـ والله أعلم ـ أنَّهم يعرضون عنهم وينكرون عليهم، ومعنى قوله: لا يشهدون الزور أي لا يشاهدون أهله ولا يجالسونهم في حال ذلك منهم، وإذا جازوا بهم أعرضوا عنهم، وإن أمكنهم أنكروا عليهم، بالوعظ لهم والتخويف والله أعلم. فإن قال قائل: فإن كان منكرهم بدعة عن أحد أهل المذاهب هل يحضر مجالسهم؟ قيل له(): إن حضر لمناظرتهم مع الرجاء أنَّهم يقبلون منه أو يقبل منه أحد منهم أو بعض من يحضرهم فجائز، فإن قال: فإن كانوا في المسجد؟ قيل له: يكون في عزلة من ذلك المسجد إذا كان ينتظر الصلاة، ويظهر مع ذلك الكراهية لما هم عليه. فإن قال: فلم() لا يجوز أن ينكر الواحد على الجماعة؟ قيل له: ليس عليه أن ينكر على الجماعة إلاَّ عند الطمع() الغالب عليه والأمن على نفسه وإنَّهم يقبلون منه إلاَّ أن يكون قادراً عليهم. فإن قال: لِمَ لا يجوز ذلك؟ قيل له: إن الله عزَّ وجلَّ لم يوجب على الواحد أن يقاتل أكثر من الإِثنين، فإن قال: أليس قد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه قال: (المقتول دون ماله شهيد)()، وقال عليه السلام: (أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جور)()؟ قيل له: قد قال ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلّم، والمعنى في ذلك أن الإِنسان إذا قاتل على ماله من يرجو أن يظفر به ويمتنع من تعدّيه، فقتله المتعدِّي، فهو شهيد؛ لأنَّه إِذا جاءه مائة رجل بالسلاح فله أن يقاتلهم مع علمه أنَّه لا يبلغ منهم مراده من المنع، وأما قتاله لهم إنَّما يؤدي إِلى قتله دون سلامته، فهذا قاتل لنفسه وألقى بيده إلى التهلكة. وإنَّما() الذي يتكلم بالحق عند سلطان جائر، فقتل عليه فهو أن يتكلم بكلمة حق وهو يرجو بها النجاة في الدنيا والآخرة من تصويب دين المسلمين، أو بنهي السلطان عن منكر يفعله وهو يرجو أن يقبل منه وينتهي عن ذلك، ويحسن موضع النهي معه ويقتل عليها فهذا ونحوه. فإن قال: فهل يجوز أن يتزيّا أحد المسلمين بزِيّ يعرف به الفساق ويبينون به من غيرهم كالجبابرة() وعمالهم وأهل الذمة؟ قيل: لا ينبغي للمؤمن أن يلبس شيئاً من زيِّهم ولا بتزيّا به لئلا يتهمه من يراه، ويجب على المستور من الناس أن لا يفعل فعلاً يتهم من أجله، كما لا يجوز له مجالسة المنهوكين في المواضع الوعرة، كما لا يجوز للمؤمن أن يتشبه بزي أهل الذمة في زيهم، ولا يؤثم الناس بفعل يفعله بنفسه؛ لأنَّه يصير متهماً بأنَّه منهم. والله أعلم.


مسألة

أجمع علماؤنا على أن إقامة الحد لا تكون إلاَّ لأئمة العدل، ولا يجوز أن يعمّها غير العدل من الأئمة، ولا يجوز عندهم الرفعان إليهم فيها ولا في شيء منها. فإن قال: فيجب أن يكون الجبار إذا() قام الحد ثم قدر عليه الإمام أن يقيمه ثانية ويعيده عليه؟ قيل له(): الجبار قد تعجل وتعدَّى وفعل فعلاً غيره أولى به منه ولا تجوز إعادته.
والدليل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم: (إدرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم)() ولا شبهة أولى من حد أقيم() على تأويل. فإن قال قائل: لِمَ لا يقيم الحد كل إنسان قدر عليه مطيعاً كان أو عاصياً؛ لأن الأمر به عامّ لقول الله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة()، وقوله جلَّ اسمه: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة()، والأمر به عامّ كما قال: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة()، وقوله: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا()، فهذا كله لأمر به على العموم، والمطيع منهم كالعاصي، بحضور الإمام وغير الإمام في ذلك سواء، وكقوله عز وجل: وإنْ طائفتانِ من المؤمنين اقْتَلَوا قأصْلِحُوا بينهما فإنْ بَغَتْ إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله() فهذا كله عامّ قيل له: الأمر بإِقامة الحد ليس بعامّ، الدليل على ذلك إِجماع الأمة أن الشاهد لا يقوم بالحد إِذا قدر عليه، فإجماعهم على بعض خروج المخاطبين دليل على أنَّه مخصوص. فإن قال: فما أنكرتكم أن يكون الرّفعان إلى الجبار غير جائز؟ قيل له: لسنا نجيز الرفعان إِليه إِلا فيما يكون الحق فيه واحداً: فان قال:ولِمَ لا يجيز() الرفعان إليه في جميع الحقوق التي ليست بحدود؟ قيل له: إنَّما لم يجز() ذلك لأن() لا يحكم على المسلمين برأيه؛ لأنَّه ليس من أهل الرأي وأن() طاعته غير واجبة على المسلمين، وإِن() كان ذلك كذلك فلأحد الخصمين أن يأخذ يغير رأي هذا الحاكم ممن يكون له الرأي فيمتنع من قبول حكمه عليه. فإن قال: فلِمَ جوَّزتم الرفعان إليه فيما يكون الحق فيه واحدا؟ قيل له: إنَّما جاز أن يرفع إليه في حق متفق عليه على سبيل الاستعانة به كما يستعان بالعوام على بعضهم في حق يمتنع عن تسليمه إلى ربه. فإن قال: فما أنكرتم أن يكون الرفعان إلى الجبار لا يجوز في كل شيء لأن في ذلك الشدّ على عضده والتقوية لسلطانه. قيل له: لو كان في ذلك الشد على عضده وتقوية سلطانه، كان المستعين ببعض الفساق من الرعية على غيره في أخذ الحق عليه، واستعان به على أمر بمعروف أو نهي عن منكر أمره الله به كان شاذاً على عضده، قد قوّاه على فسقه ومعاصيه، فلما كان المستعين بالظالم على القيام بالحق والنهي عن المنكر ليس بمعين له على ظلمه وفسقه، وجب أن يكون المستعين بالجبار على حق هو له ليس بمقوٍ له (على)() فسقه. فإن قال: أليس في ذلك إبهام أن الحكم يجب له؟ قيل له: إن توهَّم ذلك من توَّهمه فلا يضر إلاَّ المتوهم

دون من لا() يأتمنه() ولا يقلده ولا يرى له منزلة الحاكم، وليس إذا استعان بالعوام على خصومنا كان ذلك إبهاماً أن الحكم يجب لهم، وإنَّما هم بمنزلة استعانتنا به على اللصوص إذا خفنا منهم، فإن قال: فهل تقلده() في شيء من الأحكام؟ قيل له: لا. ولا نحتكم إليه فيما لا نعرفه(). فإن قال: فهل للعوام أن يحتكموا إليهم فيما لا يعرفون العدل فيه()؟ قيل له: لا يجوز() للعوام أن يحتكموا إليهم إلاَّ فيما يعرفون العدل فيه من قول المسلمين؛ لأن الجبار غير مأمون في حكم ولا هو للحكم أهلاً. فإن قال: لِمَ لا تقلدونه؟ قيل له: إنَّما يجب أن يقلدوا من أوجب الله لهم عليهم الطاعة ليقلّدوه ذلك. ولا يجب أن يقلدوا من ليس له عليهم طاعة، وإنَّما قلنا إنَّه لما يكن في المصر من يلزمه هذا الحق الذي يمتنع به هذا الظالم صرنا به إلى هذا الجبار، ليلزمه الحق. وذهابنا إليه بهذا الظالم كذهابنا إليه في الاستعانة به على تغيير المنكر الذي لا نقدر على تغييره إلاَّ به. وإنَّما وجب أن يرفع() إلى حكام العدل فيما يعلم الحكم فيه وفيما لا يعلم()، وأن نأتمنهم على ذلك ونقلدهم لوجوب طاعتهم وفرض الطاعة لهم والانتهاء إلى أمرهم، والله أعلم وبه التوفيق.


مسألة في أهل الذمة

وإذا ظفر الإِمام بأرض المسلمين وفيها ذمة، قد كان عقدها لهم جبار تلك الأرض الذي كان قد استولى عليها قبل الإِمام، لم يكن للإمام أن ينقض ذِمّة الجبار ويحل عليه ما عقد لهم، وكذلك إن كان الجبار قد أخذ منهم الجزية لأعوام قد نقضت في حال استيلائه على تلك الأرض، فإن قال قائل: فلِمَ جعلتم فعل الجبار كفعل الإمام في العهد وأخذ الجزية، وعندكم إنَّه لا يستحق أخذها؟ قيل له: لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم: (المسلمون يدٌ على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم)(). فهذا الخبر يوجب إسقاط أخذ الجزية منهم بعد أن أخذها من هو أدنى المسلمين بتأويل والله أعلم.


مسألة في العطية() وإعطاء المحبة

وإذا أخذ بعض الجبابرة والكفار بالله العظيم مسلماً فقال له: إنْ لم تصوبني أو تقرّ بأن ديني صواب قتلتك، وكان من عادته أن يقتل على مثل ذلك، أو يقتل من رد عليه أمره، وغلب على ظنَّه إنَّه إنْ لم يفعل له ذلك قتله، فإنَّ له أن يُظهر له ما أراد منه بلسانه ويكره ذلك بقلبه، وكذلك إن خاف منه أن يضربه الضرب الشدد الذي يؤدي إلى تلف نفسه، وإن خاف الحبس دون القتل، والضرب وأمن به العطش والجوع اللذان يؤديان إلى التلف، فليس له أن يقول ذلك ولا يصوّبه ولا يزكيه في فعله، فإن قال قائل: فإن خاف أن يأخذ() ماله، أوكان من عادة الكافر ذلك أو الجبار، هل له أن يقول ذلك ليخلص ماله عنده() ويسلم به؟ قيل له: إِن كان ما يأخذه من ماله يؤديه إلى هلاكه وهلاك عياله فله أن يقول، وإن كان ما يأخذون() منه مالاً يضره كثير الضرر وله ما بقيته ويقيت عياله أو يرجع إلى كفاية وسلامة، فليس له أن يصوّب الكفر لأجل المال.
فإن قال قائل: فلِمَ لا يجوز للمؤمن أن يصوّب الكفار ويظهر الرضى بدينهم ليخلص به المال لجاز لمن له ديْن على الكفار أو أحد من ملل() المشركين لا يقدر على استخراجه من أيديهم إلا أن يظهر لهم الموافقة في دينهم، وأن يقول: دينكم هو الحق ودين من خالفكم هو الخطأ، ليستخرج بذلك ماله منهم وهذا مالا أعلمه يجوز في قول أهل العلم. فإن قال: أليس() قد أذن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم للحجاج بن عياض لما استأذنه في الذهاب إلى مكة ليقول في النبي ما يرضي الكفار به ليستخرج ماله من أيديهم وديْنه الذي كان له عليهم فأذن له على ذلك؟ قيل له: إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم لم يأذن للحجاج في القدّح في الرسول، ولا بالقدح في الإسلام ليستخرج بذلك ماله منهم، وإنَّما أذن له بأن يرضيهم بالقول في النبي صلى اللّه عليه وسلّم إذا خاف على نفسه منهم القتل إِذا وصل إِليهم ليستخرج ماله(). فإن قال: فإن كلَّفه الجبار أن يجي له الخراج من الناس؟ قيل له: عليه أن يهرب منه إِن قدر على فعل ذلك، فإن فعل شيئاً من ذلك كان ظالماً ضامناً شاداً على عضده، فإن قال: فإنِ الجبار أمره بضرب رجل أو قتله، وقال له: إن لم تقتله قتلتك؛ هل أن يجي نفسه بهذا الفعل؟ قيل له: ليس أن يجي نفسه بتلف غيره، ولا يفدي النفس بمثلها، وإنَّما يجوز أن يفديها بدونها، فإن قال: فإن أخذه الجبار بشرب الخمر أو الميتة أن يأكلها، هل له فعل ذلك؟ قيل له: نعم إِذا خاف على نفسه؛ لأن الله جلَّ ذكره قد أباح ذلك في الاضطرار بقوله عز وجل: فمن اضطر في محضةٍ غير متجانف لإِثْم()، وقال عز وجل: فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ()، فإن قال: فإن كلفه أن يقذف المحصنات، أو يقول في أحد من المسلمين ما ليس فيه، هل يجوز له ذلك؟ قيل له: نعم إذا خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد المؤدي إِلى الهلاك، فإن قال: ولِمَ أجزتم قذف المحصنات هو كذب عليهن، وكذلك القول فيالمؤمن بما ليس فيه ولا يشبه هو كذب.
وقد أباح الله جلَّ ذكره عند الاضطرار الكذب لقوله: إلاَّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان()، فعذره في هذا الحال وهو يقول: إن الله ثالث ثلاثة وهذا أعظم الكذب؛ لأنَّه كذب على الله تعالى، فالكذب على المسلمين أيسر إذا لم يعرف المعاريض، فأما إذا عرف المعاريض فليس له أن يقول إذا قدر()، ألا ترى إنَّهم لو قالوا له: قل إن محمداً يكذب على الله، وهو يعرف محمداً آخر يكذب على الله في تنزيل أو تأويل، فقال محمد كذاب: (وهو يعني محمد الكذاب)()، فإن قال(): فإن كلَّفه الزنا وخاف القتل إن لم يفعل؟ قيل له: لا يجوز له ذلك؛ لأن الزنا ظلم للمرأة فليس له أن يظلم غيره ليحيي نفسه.

فإن قال: فإن كانت المرأة راضية بذلك مطاوعة له هل له ذلك؟ قيل له: لا يجوز له أيضاً ذلك ولو طاوعته؛ لأنَّه ظلم لها لما يكلِّفها (نسختين) يلحقها من العار والعيب القبيح، والإِثم العظيم عند الله عزَّ وجلَّ، وإذا كانت بذلك راضية؛ لأنَّ الله جلَّ اسمه لم يأذن لها بأن ترضى به، فرضاها بما لم يجعل الله الرضاء لها به لا() يصير غير ظلم() منه لها، كما أن لو رضي رجل بأن يقتله هذا المؤمن ليخلّص به نفسه إذا أكرهه الجبار على أن يقتله لم يكن له ذلك، وإن الله لم يجعل له الرضاء بذلك، فإن قال: فإن أُكرهت المرأة على الزنا؟ قيل له: عليها أن تمسك جوارحها وليست هي كالرجل؛ لأن الفعل منه، فالمرأة ليس لها فعل (نسختين منها فعل) ولا تحرم عليها إلاَّ المطاوعة وترك الاضطراب وليس سبيلها كسبيل الرجل.
فإن قال: فخبرني عن مؤمن أخذه الجبار بمال كثير يطلبه منه، وعلم أنَّه إن لم يدفع إليه هذا المال إنَّه يقتله. أيجوز أن لا يدفع ذلك إليه وهو يقدر عليه؟ قيل له: لا يجوز إلاَّ أن يدفعه إليه إذا كان عنده، إنَّه يقتله إن لم يدفعه إليه، وعليه أن يفدي نفسه بالمال وإلاَّ كان عاصياً لربه، فإن قال: ولم قلتم ذلك؟ قيل له: إن الله أوجب عليه أن تكون نفسه أبّر عنده من ماله وأن ينفق ماله() في صلاح نفسه، فلا صلاح لنفسه أكثر ولا أولى من أن يفدي نفسه من القتل. وأيضاً فإنَّه لو لم يكن عليه أن يفدي نفسه بماله لم يكن له أن يفدي بدرهم واحد وإن كان ماله كثيراً إذا كان الفداء بالمال غير واجب، وإذا وجب فداء النفس بالمال كان بالقليل والكثير، ألا ترى أن الفقهاء جميعاً أوجبوا عليه أن يشتري الماء بالثمن الكثير مع وجود البدل وهو الصعيد، فإذا امتنع بالغلاء لم يكن عليه. وغلاؤه أن يدفع في ثمنه ما يخاف أن يضرّه إخراجه من ماله فإِحياء نفسه() أولى، وكذلك لو وجده بملكه كله ليشرب من خاف على نفسه الموت من العطش أن يشتريه بجميع ماله ولا يقتلها، وهو يقدر على فدائها وكان على صاحب الماء أن يرد عليه فضل قيمة الماء في موضعه. فإن قال: فإن كان عنده أن الجبار يأخذ منه الفداء، ثم يقتله هل له أن لا يدفع إليه شيئاً؟ قيل له: نعم. لأن هذا يتلف مالاً في غير نفع، وكل من أنفق ماله بغير() نفع في عاجل ولا آجل فهو آثم. فإن قال: فإن كانت نجاته من هذا الجبار بجميع ملكه هل له أن يدفع إليه؟ قيل له: نعم، عليه أن يحيي نفسه بما يقدر عليه.
فإن قال: أرأيت إن كان بعض المسلمين في يد عدو، وقد أسره وطلب فداء عليه، كان على() المسلمين تخليصه بشيء من مالهم؟ قيل له: على الإِمام أن يخلصه من بيت المال، فإن لم يكن إماماً فعلى المسلمين تخليصه، إلاَّ أن يكون المال الذي يطلبه إذا دفعوه إليه أضعفهم (وقويَ العدُّو به على جميعهم)() أو ضعفوا به عن عدّوهم فهو أشد ضرراً منه عليهم، فحينئذ لا يدفعون إليه شيئاً ولا يلزمهم؛ لأنّ قتل واحد أيسر على المسلمين من جميعهم، أو ذهاب الحق من أيديهم، فإن قال: ولم أوجبتم عليهم() بتخليصه المال؟ قيل له: لأنَّ عليهم أن يخلصوه بأنفسهم وأن يقاتلوا عنه ليخلصوه إذا رجوا() ذلك وكان الغالب على ظنهم أن يقدروا على تخليصه فتخليصهم إياه بالمال أيسر. فإن قال: فلم أوجبتم على المسلمين أن ينفقوا أموالهم في صلاح غيرهم؟ قيل له:

على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر إذا رجوا() القدرة على ذلك بأنفسهم وسلاحهم ودوابهم، وهذا إِجماع من الناس. فإن قال: فإن أخذه الجبار بمال ولم يكن عنده إلاَّ وديعة لغيره، هل كان عليه أن يفدي نفسه بها؟ قيل له: نعم ويضمن؛ فإن قال: فهل له أن لا يسلمها حتى يقتل؟ قيل له: ليس له أن يقاتل عليها إذا كان عنده أنَّه ألا يتخلص من القتل ويؤخذ فلا يبقى ولا تبقى هي أيضاً، وإنَّما يجوز له أن يقاتل عليها وعلى ماله، وإذا كان بين الخوف والرجاء، فأما إذا كان العدو عشرة وهو وحده وليس في عادته عند القتال أن يغلب عند القتال اثنين منهم، كان محاربته إياهم قتلاً منه لنفسه، فإن قال: فإن طولب بمال ولم يجد إلاَّ مالاً لغيره هل يقصد إليه فيأخذ منه ويخلص به نفسه، قيل له: نعم وعليه الضمان، فإن قال: ولم أبحتم له أخذ مال غيره ليحيي به نفسه، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : (لا يحل مال امرئ مسلم إلاَّ بطيب نفسه)؟ قيل له: على صاحب هذا المال إذا علم بظلم الجبار، وأنَّه يريد قتله، وقد على تخليصه به، كان عليه أن يخلصه من القتل بهذا المال كما قلنا فيما تقدم من كلامنا في أول المسألة، وأيضاً فلا خلاف بين أهل العلم أن رجلاً لو كان في سفرٍ أو حضر وعدم الطعام وخاف على نفسه الهلاك من الجوع، ولم يجد ما يأكله إلاَّ مال رجل مسلم أنَّه يأكل منه بغير رأي صاحبه، ويضمن، ويحيي نفسه من الموت، ولا أعلم في هذا اختلافاً بين أهل العلم واختلفوا فيه إذا وجد الميتة وهو يقدر على أكلها ووجد طعاماً لرجل مسلم فقال أكثر العلماء: يأكل من المال ويضمن ولا يأكل من الميتة. فإذا كان الإِجماع من الناس على أن للإنسان أن يحيي نفسه بمال غيره من الطعام؛ الذي هو مال بغير رأي صاحبه، كان إحياؤه نفسه بمال غيره جائز وعليه أن يضمن.
وقال بعض فقهاء مخالفينا ـ ولعل ذلك قول الجميع منهم ـ ووافقهم على ذلك أبو معاوية عزازين الصقر() وغيره من الفقهاء من أهل عُمان في قوم ركبوا سفينة() في البحر فخافوا الغرق والهلاك لشدة الحب() أن لهم أن يلقوا ما فيها من حمولة الناس وأموالهم ليخلصوا أنفسهم من الموت إذا رجوا ذلك بإلقاء أموال الناس في البحر ويضمنوا القيمة. ويوجد في الأثر عن أبي معاوية (أيضاً)() وإن كان صاحب المتاع رمى بمتاعه من غير مواطأة() كانت بينه وبينهم فسلموا كان له عليهم ضمان المتاع على عدد رؤوسهم ، وأن الحاكم يحكم له عليهم بذلك، فإن قالوا فإن أمن القتل بالسيف أو خاف الضرب الشديد؟ قيل له: الضرب قد يأتي معه القتل(). فإن قال: فإن خاف الحبس وأمن القتل والضرب؟ قيل له: إذا كان الحبس فلا() يدفع من أموال الناس شيئاً، ولا من وديعته إلاَّ أن يخاف على نفسه من شدّة البرد والحر ما يؤديه الحبس إلى تلف النفس والله أعلم.


باب() تأويل آية من القرآن
فإن قال قائل: ما معنى قول الله تعالى: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً()، أيقول(): إنَّه لم يكن له علم قبل ذلك عندما ألزمهم من الفرض الأول؟ قيل له: هو عالم بما كان وما يكون ولا يخفى عليه شيء، ولكن خفَّف عليهم وألزمهم هذا الفرض الثاني والله أعلم وأحكم؛ ولما كان المسلمون أقلاءَّ في صدر الإسلام وكانت نيَّاتهم أقوى فرض الله عليهم الفرض الأول لقوة نياتهم، ولما كثر المسلمون وكان الحرص منهم على قتال العدو ضعيفاً خفَّف المحنة عليهم وألزمهم هذا الفرض الثاني والله أعلم.




مسألة في الغصب
وإذا غصب رجل جبار حباً، فزرعه في أرض نفسه فنمت وطالت، فوجدها صاحبها المغصوبة منه، فإن الجبار إن شاء قلعها وأخذها، وإن شاء أخذ قيمتها وهي على تلك الحال. فإن قال قائل: فما الفرق بين غصب النخل والحب؟ قيل له: إن صاحب الحب لا يقدر أن يصير إلى حَبِّه لهلاكه وذهاب عينه وصاحب الفسلة يقدر عليها لأنَّها قائمة العين فحق صاحبها (عنها)() لم يزل فلما زالت عينه (وتلف بالتعدي كان مضموناً بالبدل أو القيمة، وما كانت عينه قائمة لم تكن الخصومة إلاَّ في عينه)() والله أعلم.


مسألة
أجمع أصحابنا على جواز الإِقامة للمسلمين في بلد قد غلب عليها الجبابرة، وأن تعمر فيه الأموال، وتزرع فيه الزرائع، ويغرس فيها الأشجار، مع علمه بأنَّهم يأخذون منه الأموال على سبيل الخراج من غير أن يستحقوا ذلك المال، وأنَّهم يستعينون به على ظلمهم وبغيهم. فإن قال قائل: ليس() في ذلك تقوية لهم، وشدّ على أعضادهم، فما أنكرتم أن لا تجوز الإِقامة معهم للمسلمين لما ينالوا منهم من المنافع والأموال التي يستعينون بها، ولولا() يأخذون من زرائع المسلمين وثمارهم لم تكن بهم إقامة (معهم)()، وهلاَّ قلتم: إن إِقامتهم على الظلم في هذا البلدان بسبب من أقام معهم من المسلمين لما يأخذون منهم؟ قيل له: قد تجوز للمسلمين الإِقامة في أملاكهم في المواضع التي لم يأت في سكنها حظر من قبل الله عزَّ وجلَّ، ويزرعون فيها ويعمرون الأموال ويغرسون الأشجار، وإن كانوا يعلمون أن الجبابرة يأخذون منهم بسببها أموالاً تؤدي إلى تقويتهم على ظلمهم إذا كانوا إنَّما يزرعون ويعمرون لنفع أنفسهم وستر عيالهم، وإصلاح أحوالهم وللمسلمين أيضاً. ولكن إذا كانوا يزرعون ويعمرون وينوون بذلك تقوية الجبابرة والمعونة لهم، فهم عصاة لله في فعلهم. فأما إذا كانت نيّاتهم أن يزرعوا لأنفسهم ولنفقة عيالهم وصلاح للمسلمين()

، فلا إثم عليهم، وأيضاً فلو كان ما يزرعون لأناس() ومرادهم في ذلك الصلاح وقصدهم فيه الخير يكونوا() آثمين بذلك إن علموا أن أحداً يظلمهم ويأخذ منهم بسببه شيئاً يقوى به على ظلمه لكان الله تبارك وتعالى يقطع الغيث ولا ينزله، ولا ينبت به العشب إذا كان يعلم أن الكفار يزرعون به وتكثر عليهم أموالهم وتسمن به مواشيهم ويزيد عددهم، وفي ذلك قوَّتهم على عدوهم من المسلمين، ألا ترى أنَّه لو قطع عنهم المطر لهلكوا في بواديهم؛ فإن قال: فمن أين جاز للمسلم أن يقيم في بلد يعلم أنَّه يظلم فيه ويناله بسبب إقامته الظلم والذل()؟ قيل له: لا يحرم على المسلم أن يفعل فعلاً تناله منفعة جزيلة وينجو به من ذل الفقر. فإن() كان يعلم أنَّه يناله بعض الذل والظلم، إذا كان يعلم الذي يناله من عز الغنى أكثر كما يجوز للمسلم أن يعمل لأهل الذمة؛ إذا كان احتاج عملاً ينال به عزاً يرفعه عن الفقر ومسألة الناس. وإن كان في ذلك إذلال النفس واحتمال المكروه الذي هو دون غيره إذا كانت نيّته أن يزرع لمنفعة نفسه وستر عياله، ولو لزم هذا لكان لا يجوز للمسلمين تخليص أسراهم من يد عدّوهم بمال إذا قدروا على ذلك؛ لأن في ذلك تقوية لهم وإعانة منهم على أنفسهم، وقد أباح الله جلَّ ذكره معاداة المشركين في كتابه فقال: حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. فإما منا بعد وإما فداء()، وقد فعل رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يوم بدر ورجع قوم منهم فحاربوهم، ولم يكن نيته عليه السلام تقويةً منه لهم ولا تقوية على محاربته. وإنَّما كانت إرادته منهم التوبة التي كان يرجوها منهم، فإن قال: فلِمَ منعتم من حمل السلاح والطعام إليهم؟ قيل له: أما في غير المحاربة فلسنا نمنع من ذلك إلا أن يكون الحامل ينوي بذلك معونة لهم به وتقويتهم، فحينئذ لا يجوز؛ وأما في وقت الحرب فلا يجوز ذلك للإجماع من الأمة ولولا الإجماع لكان جائزاً، ومع ذلك فإن منع الإمام يوجب ترك الركون() والانتهاء إلى أمره ومخالفته حرام. فإن قال: فيجوز للمسلم أن يقيم لهم " نسخة معهم" ويبايعهم. قيل له: نعم ما لم يعلم أنه أغصب أو حرام، أو أنَّهم يكرهونه على تصويب الباطل ويلحقونه إلى إظهار شيء من الباطل(). فإن قال: أفيجوز للمسلم الغزو معهم؟ قيل له: نعم إن() الله عز وجل أمر بذلك في كتابه أمراً عاماً لقوله: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر() ، وقال جلَّ ذكره: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم() ، وقال تعالى: قاتلوا الذين يلونكم من الكفار (). وأيضاً فإن القتال جائز بغير إمام الله والله أعلم.


مسألة في عمل المغشوش
وللإمام أن يمنع في عمل المغشوش من الدارهم وغيرها، والمزيف والمكحل من الدنانير، وما يصنعه أهل الصناعات من الأمتعة وأهل الأسواق، وله أن يزجر عن ذلك ويعاقبهم عليه بما يراه زجراً لهم، وأدعى لهم إلى التوبة مما هم عليه من الفعل. فإن قال قائل: لِمَ جاز للإِمام المنع عن ذلك وإن لهم " نسختين" له مع ذلك التعزير والعقاب لهم على ذلك؟ قيل له():إن الغش منكر وظلم منهم لبعضهم بعضاً، فإن قال: فهل له أن يمنع من المعاملة بذلك المغشوش؟ قيل له: لا. ليس للإمام أن يمنعهم عن المعاملة بما يتراضون به فيما بينهم. فإن قال: ولِمَ جاز أن يعاقب على فعل ثم لا ينهى عن الرضى به؟ قيل له: إنَّها أمتعة وأملاك وأموال للناس، وإن كانت مكسورة أو فاسدة أو متغيرة بفعل أربابها؛ فإن حق أربابها لم يزل عنها ولا ملكهم، ولها مع ذلك قيمة فإذا وقف المشتري على عيبها أو عرَّفه البائع جاز للبائع والمشتري، ولم يكن للإمام أن يمنع الناس أن يتصرفوا في أموالهم وإن كانوا أفسدوها.


مسألة في الدَّيْن المضيق على صاحبه
ولو أن رجلاً عليه ديون كثيرة من أموال اغتصبها، ومظالم ارتكبها وله مال يملكه بقدر ما عليه،لم يكن له فيما بينه وبين خالقه أن يتصرَّف فيه، ويحسبه على قضائه في تلك المظالم، إلا بقدر ما يكفيه لقوته الذي يبلغه إلى قوت مثله. فإن قال قائل: فإن وهب منه شيئاً أو باع أو اشترى شيئاً منه أو تزوج عليه، أكان يجوز له ذلك؟ قيل له: نعم هو ملكه وله أن يتصرف فيه تصرف الملاك(). كل ذلك يجوز ويحكم به الحاكم، وأما في بينه وبين ربه فهو آثم، فإن قال: ولم قلتم أنَّه يكون مأثوماً مع تجويز كم له التصرّف فيه؟ قيل له: إن هذا المال هو مال له، وله أن ينفق منه ويتصرَّف فيه كيف شاء، وإنَّما قلنا لا يجوز له ذلك فيما بينه وبين الله؛ لأن أصحاب المظالم مضيقون عليه فليس له أن يحبس عليهم مالهم، وإذا كان يقدر على تسليم حقوقهم وهم غير موسعين عليه فيها كان حبسه ذلك عنهم معصية لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم (مطل الموسر ظلم)()؛ والمغصوب منه والمتعدي عليه في ماله بمنزلة المطالب المضيق عليه، لأنَّه غير مبيح له لمن ظلمه ولا موسع عليه في تأخير حقه الذي هو غير ماله أو قيمته، فإن قال: فما تقول إِن كانت هذه الأموال من ديون تحملها من أربابها، فعل عليه إِثم إن حبسها عنهم ولم يدفع إليهم بدلها؟ قيل له: هذا غير آثم في حبسها عليهم إلاَّ أن يطالبوا أو يضيقوا فحينئذ يكون آثماً إن حبس عليهم وهو يقدر على ذلك، فإن قال: فلم فرقتم() بين الديون والمظالم وما تحمله برأي أربابه وبين ما تحمله بغير رأيهم؟ قيل له: إن الدَّين الذي تحمله برأي أربابه وأنفسهم بذلك طيبة فهو غير آثم، إلاَّ أن يضيقوا عليه ويطالبوا ولا تطيب نفوسهم بحبسه عليهم، فحينئذ يأثم بتأخيره إِياه عنهم وهو يجد السبيل إلى دفع حقوقهم، وأما المتعدي على الناس في أموالهم والآخذ لهم بغير رأيهم، وأنفسهم بذلك غير طيبة، وهم مضيقون عليه وطالبون له أن يجدوا السبيل إِلى مطالبته وقد حرَّج الله عليه حبسه مالهم عليه وتأخيره عنهم حقوقهم؛ فإن قال: فهل لوارثه أن يحبس من هذا المال شيئاً لقوت يومه أو من() كان يجوز لمن ورث عنه إِذا مات المتعدي وأقرَّ بهذه الديون؟ قيل له: لا يجوز؛ لأن الميت كان مالكاً لذلك المال والوارث ليس بمالك له إِلا بعد أن يقضي تلك الديون كلها، قال الله جلَّ ذكره: من بعد وصية يوصى بها أودين()؛ فإن قال: فإن كان عليه زكاة كثيرة هل يأثم بتأخيرها ؟ قيل: لا يأثم إِن أخرَّها إلا أن يطالب بها الإِمام أو من يطالبها بأمر الإمام، فحينئذ إِن أخَّرها كان آثماً، فإن قال: فإن لم يكن إِمام هل يضيق عليه إن أخَّرها الزمان الطويل؟ قيل له: لا يأثم بتأخيرها إِلا أن يرى()

الفقراء بسوء حال من جوع أو عري فحينئذٍ يأثم إن أخَّرها عنهم. فإن قال: ولم قلتم: إنَّه يكون عاصياً بتأخيرها ولم تطلب منه؟ قيل له: إن الفقراء ليس() بخصوم فيها وإِن كانوا يستحقونها، فالله تعالى جعلها حقاً لهم، فإذا كانوا شديدي الحاجة إِليها وهو يعلم بذلك كان آثماً إن حبسها عنهم، فإن قال: ولم جعلتم لمن عليه زكاة ولم يطالب بها أن يكون غير آثم بتأخيره إِياها؟ قيل له: لا تمانع بين أهل العلم أن أهل القرى والمواضع في أيام النبي صلى اللّه عليه وسلّم وفي عصور الأئمة كانت تجب عليهم الزكاة، وكانوا يحبسونها إلى أن يصل القابض لها، ولو مضى لذلك المدة الطويلة. فهذا يدل على أن تأخيرها غير مخرج صاحبها من() عدالته ومنزلته، فإن قال: فإذا لم يكن لهذا المغتصب والمتعدي والذي عليه الديون من المظالم أن يحبس عن أصحاب الحقوق حقوقهم، ويؤخر هذا المال في يده، فلِمَ أجزتم له بيعه والتجارة فيه؟ قيل له: فإذا لم يكن المال الذي هو() في يده هو الذي اغتصبه بعينه، وأخذه بغير رأي صاحبه، وهو مالك له في الحقيقة، وليس لأصحاب المظالم عليه على ماله سبيل، وليس هو مالٌ لهم بل هو ماله، وإنَّما قلنا إنَّه يأثم بتأخيره إِياه عنهم لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم (مطل الموسر ظلم).() فإن قال: فإذا قلتم إنَّه مالك لهذا المال في الحقيقة وإِن مُلكَ أصحاب المظالم زائل عنه، فقولوا: إن له أن يهبه أو يتَّجر بع ولا إِثم عليه. قيل له: إنَّما قلنا إنَّه آثم لتأخيره عن قضائه في المظالم؛ لأن الله قد أمره بذلك وهو آثم بمخالفته أمر الله. ويدل على ذلك أن المسرف يكون عاصياً في إِنفاقه ماله وهو عاصٍ لربه بنهي الله إِياه، مع ذلك فهبته وعطيته وبيعه وشراؤه جائز؛ لأنَّه ملكه وإِن كان في فعله آثماً؛ فإن قال : ولم لا يجوز أن يكون الفقراء خصوما فى مطالبته الزكاة إذا غاب الإمام وعدم، وأن يقوموا في ذلك مقام أصحاب الدَّين، إِذ الزكاة هي لهم؟ قيل له: إن الزكاة هي لجماعة الفقراء وليس هي لقوم منهم دون قوم غيرهم بأعيانهم فيكونوا خصوماً فيها، ألا ترى أن الذي عليه الزكاة لو لم يعطها لهؤلاء الخصوم وأعطاها غيرهم جاز له، فلذلك قلنا ما قلنا وبالله التوفيق.


مسـألـة

اختلف علماؤنا في رجل مات وعليه دين لرجل، ولم يوص إلى أحد من الناس، ولم يكن لصاحب الدَّين بيِّنه على الميت، فقال بعضهم: إن قدر على شيء من مال الهالك من العروض والحيوان أخذه سرّاً وباعه واستقضى منه وقبض حقه ويقيم نفسه في ذلك مقام الحاكم.
وقال آخرون: ليس له ذلك ويكون متعدياً في الظاهر والباطن؛ لأنَّه يفعل بغير أمر الله؛ لأنَّه ليس بوكيل فيما يبيع ولا وصي. فأجمعوا على أنَّه إذا وجد في مال الهالك مثل عين() ماله من الجنس الذي له من الذهب والفضة، أو ما يضبط بالكيل والوزن ويتساوى ولا يختلف أن له أخذ ذلك إِذا قدر عليه سرا،ً ولا يأخذه جهاراً، ويواجه بأخذه ظاهراً، لأنَّه يكون متعدِّياً في الظاهر.
وقوله ليس بحجة في دعواه، فإن قال قائل: أليس للحاكم أن يقضي عن الميت الدِّين من ماله، فلِمَ لا يجوز لصاحب الدين إذا عدم البيِّنة وعدم الحاكم، وقدر على أن يأخذ من مال الميت مما خلفه فيبيع ذلك، ويقضي دينه منه؟ قيل له: إِن الحاكم هو الذي جعل لذلك ونصب له، وليس ذلك للعوام، ولو جاز ذلك جاز لرجل من العوام أن يقوم فيبيع من مال الميت ويقضي عنه دينه، كما يجوز للحاكم. فإن قال: فإن جحده وقدر على شيء من ماله، هل له أن يأخذه من ماله؟ قيل له: إذا جحده أو هلك فكان ذلك سواء؛ لأنَّه لا يقدر على أخذه منه بالجحد والموت، فإن قال: لِمَ لا يأخذه ويقتضي حقه من ماله ببيع أو قيمة، ويكون هذا اتفاق بينهم() ؟ قيل له: ليس له ذلك عند هذه الطائفة من أجل أن عين ماله غير ما أخذه،فلا يجوزأن يملك هذا المتاع إِلا بشراء، ولا يجوز له أيضاً أن يتصرف بالبيع في مال لا يملكه، إِلا بوكالة أو وصاية أو بملك تقدم له فيه. فإن قال: فإن وجد دراهم، هل له أن يأخذها من ذهب له عليه؟ قيل له: وهذا أيضاً لا يجوز، فإن قال: لِمَ لا يجوز والذهب والفضة بعضه ببعض، ويحمل بعضها على بعض في الزكاة وهما أَثمان للأشياء؟ قيل له: لا يجوز؛ لأن الدراهم تحتاج إلى مصارفة، ولا يجوز أن يملكها إلا به وذلك يتعذر عليه. فإن قال: أليس " قد أذِنَ رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم لهند بنت عتبة وقد شكت إليه من زوجها أبي سفيان بن حرب أنَّه قطع عنها وعن أولادها الكسوة والنفقة، فأمرها رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أن تأخذ من ماله بغير إذنه"() ؟ قيل له: ورد لخبر بأنَّه أذِنَ لها أن تأخذ حقها وحق صبيانها من ماله، وليس في الخبر أنَّه أمرها أن تأخذ غير ما يجب لها وتبيعه وتملكه() عليه من حق منعها إياه، سوى ما صار إليها، بل الذي يجب أن يكون() الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي صبيانها من ماله، وللمرأة على زوجها حقوق مختلفة من حَبٍّ وتَمْرٍ وأُدم ودُهن وثياب، وصداق وغير ذلك، فكل شيء أخذته فهو من جنس حق لها، وأيضاً؛ فإنَّه إن صح أنه أذن لها أن تأخذ غير الذي لها، وغير عين حقها عليه، فإنَّها أخذت بحكم حاكم، ومن حكم له حاكم بأخذ حق له في مال غريمه جاز له أخذه وبالله التوفيق.

مسـألـة في اللقطة
اختلف الناس في اللقطة لما جاءت من الأخبار المختلفة فيها، فروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم: " سأله أعرابي عن لقطة لقطها فقال له: عرّفها سنة فإن جاءك مدّعيها بوصف عقاصها ووكائها فهي له، وإلا فانتفع بها"().
وروي أن زيد بن ثابت التقط صُرَّة فيها مائة دينار فجاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال له: (عرّفها سنة فمن جاءك بالعلامة، وقيل إنَّه قال: أمارتها، ووعاؤها، ووكاؤها، فادفعها إليه، ثم جاءه بعد انقضاء السنة فقال: يا رسول الله عرَّفتها سنة، فقال: عَرّفها سنة أخرى، ثم جاءه بعد انقضاء السنة الثانية فأخبره أنَّه قد عرَّفها. فقال: هو مال الله يؤتيه من يشاء). وقال بعض مخالفينا أنَّه قال: (هي لك وهي مال الله يؤتيه من يشاء)؛ ولم يصح معنا

هذه الزيادة، فيحتمل أن يكون الأعرابي التقط شيئاً يسيراً، ويحتمل أن يكون الأعرابي فقيراً فأمره بالانتفاع بها، فهو إذاً أحق بها لفقره. وأما أمره لزيدٍ بن ثابت بتعريفها لسنتين، فيحتمل أن يكون لعظم خطرها رجاء أن تصير إلى صاحبها، وقال بعض أهل العراق: لا تدفع اللقطة إلاَّ بشاهدي عدل، كقول بعض أصحابنا إنَّها مال، والأموال لا تدفع إلاَّ بالبينة، واتباع السُنَّة عندي أولى إذا كانت مخصوصة بهذا الحكم من سائر الأموال، وبالله التوفيق.
وقد قال بعض مخالفينا ـ ووافقه على ذلك بعض أصحابنا ـ إن للملتقط أن يردها إلى مكانها ولا شيء عليه، وهذا عندي غلط من قائله؛ لأنَّه عرّضها للتلف بإلقائه لها بعد أن صارت في يده وخلصت لصاحبها عنده، وخالف أمر النبي عليه السلام في أمره إِياها بحفظها وتعريفها، فأقلُّ أحواله أنَّه ضامن لها، واتفق أصحابنا على تضمين الملتقط اللقطة إذا عرّفها حولاً، وأمروه بالصدقة بها، ولم يسقطوا عنه الضمان بعد أن يُفرقها على الفقراء، ووافقهم على ذلك الحسن البصري. وأمروه بحفظها لصاحبها، بأن يتصدق بها بعد الحول إذا لم يعرف ربّها، وألزموه بعد ذلك ضمانها ولم يجعلوه إن سرقت خصماً في مطالبتها إذا وجدها مع سارقها، ونحن نطلب لهم الحجة في ذلك إن شاء الله. والقاصد إلى أخذ() اللقطة لا يخلو بأن() يكون تناولها لنفسه، أو تناولها ليحفظها لصاحبها، أو تناولها غافلاً في أخذها لا ليخون ربّها فيها، ولا محتسباً في أخذها لمالكها. فإذا كانت أحوال اللقطة لا تخلو من هذه الوجوه الثلاثة، والنظر يوجب عندي إن كان قصد إلى أخذها لنفسه ثم عزم على ردِّها وتاب من نيته وفعله، فعليه الضمان في حال أخذه مال غيره بتعدِّيه فيه، فالضمان الذي يلزمه بها لا يبرئه منها، إلاَّ الخروج إلى صاحبها منها، وإن كان أخذه لها غافلاً في أخذها فالضمان أيضاً يلزمه؛ لأن الخطأ في الأموال يوجب الضمان، وأرجو أنَّه لا إثم عليه إذا لم يقصد إِلى التعدي. وأما إن كان أخذها ليحفظها على ربها محتسباً لأخيه المسلم في ماله وحفظه له متأولاً بذلك قول الله تبارك وتعالى: وتعاونوا على البر والتقوى()، ولئلا يكون قد قدر على حفظ مال أخيه المسلم فيدعه حتى يتلف، فهذا عندي أنَّه لا ضمان عليه لأنَّه في الابتداء محسن، وإذا كان في ابتدائه محسناً لم يكن لها ضامناً، قال الله تعالى: ما على المحسنين من سبيل().
وأما محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة فكان يقول: إذا أشهد الملتقط عند أخذها أنَّه يحفظها لصاحبها ثم جاء صاحبها بالعلامة أو البيِّنة، فادّعى ضياعها لم يكن لها ضامناً، وإن لم يشهد وادّعى ذلك مع المخاصمة أنَّه يضمن.
وأما الحسن البصري فقد قدمنا ذكر مذهبه فيها وتضمينه إياها لصاحبها، ولم ينقل عنه فيما علمت: "إذا أخذها متعدياً ولا غير متعدٍ". والذي يوجبه النظر عندي ما تقدم ذكره من اختياري فيها أن الملتقط إذا التقط ما يجب عليه تعريفها مما يعرف بوصف يوصل إلى معرفته، وهو عازم

على أن يعرفه ويقوم بحق الله فيه، وحفظه لصاحبه فضاع منه بغير خيانة كانت منه، لم يكن لها ضامناً؛ لأنَّه لم يتعدَّ فيه ولم يتعمدَّ، وإنَّما فعل ما أمره الله به من حفظ غيب() مال أخيه المسلم والحفظ عليه، وما أمره النبي عليه السلام من التعريف لها. وفي الرواية أن الحسن البصري كان من قوله: إن الملتقط للمال إذا كان محتاجاً إليه، كان أحق به من غيره، ولم ينقل عنه قبل التعريف ولا بعده، وإذا التقط الرجل شيئاً مما يعلم أنَّه لا يبقى مدة التعريف حتى يهلك قبل ذلك، ويتلف بفساد. أو كان الشيء الملتقط مما لا يوصل إلى معرفته بعلامة، كالقطعة من الذهب والفضة، والكسر من الصوغ أو طرف سبيكة، أو ما لا تكون له علامة فيوصل إلى الحاكم بها، فإن على الملتقط لذلك الحفظ والنظر لصاحبها، وأن يفعل ما فيه الحظ له؛ لأن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه المسلم إذا أمكنه ذلك. وكذلك الإمام، عليه أن ينظر لربها ما فيه الحظ له فيه إذا انتهى إليه ذلك أن يكون تعريف اللقطة حيث مجامع الناس وفي الأسواق، وحيث تتناقل الأخبار بذلك.
وقد قال بعض أصحابنا: إن تعريفها في المساجد التي يحضرها الناس للجماعات والجوامع، وهذا لعمري أبلغ الإِنذار بها، وفي نفسي من ذلك سبب()؛ لأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ قال للأعرابي الذي بال في المسجد: (إنَّما بنيت هذه المساجد أو قال: جعلت المساجد لذكر الله والصلاة)()، وينبغي للملتقط أن يكون على حفظ ما يوصله إلى معرفة اللقطة له من العلامات والأدلة كحفظه لها، والعلامة التي سمّاها النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ عقاصها ووكائها هو الوعاء الذي يكون فيه من خرقة أو جلدة أو غير ذلك يقوم مقامه، أو يكون في معنى ذلك، وكذلك سمت العرب ما يشد به رأس القارورة عقاصها، لأنَّه كالوكاء (نسختين) كالوعاء، والصمام ما يدخل في فم القارورة فهو سدّ به رأسها وليس ذلك عقاصها، والوكاء هو الخيط الذي يشد به، يقال: أوكيت إكياء وعقصتها اعقاصاً إذا شدَّ العقاص عليها، وإذا جعل لها الجاعل عقاصاً، فقال: عقصتها.
والرواية عن عمر بن الخطاب كان يشدد في أمر اللقطة على ملتقطها، ويأمر الملتقط أن يوافي بها الموسم فيعرفها هنالك.
وأما ابن عباس والشافعي ومالك فكانوا يأمرون بأن يعرِّف بها على أبواب المساجد وفي الأسواق، وحيث اجتماع الناس ومواضع العامة، فإن وجد لها ربّاً، و إِلاَّ فهي له في قول مالك والشافعي، ولا أعرف لابن عباس في ذلك قولاً في حكمها غير ما ذكرنا عنه، والذي نختاره أن الملتقط إذا قصد إلى أخذها محتسباً لرّبها في حفظها عليه، غير متعد فيها، وكان فقيراً فليأكلها وهو أحق بها بعد تعريفه إِياها سنة، إذا كانت مما يوصل إلى معرفتها، وكانت مما تبقى إلي تلك المدة، وإن كان غنياً تصدَّق بها بعد المدة على الفقراء، وإِن صح لها مالك رجع بقيمتها على الملتقط غنياً كان أو فقيراً، إلاَّ أن يختار ربها الآخر، فإن قال قائل: لم حكمتم بوجوب الضمان عليه بعد أن برئت ذمته منها؟ قيل له: إنَّما حكمنا له بالرجوع عليه كما حكم لمن ملك مالاً حلالاً في الظاهر يأكله وينفق منه، ثم

يستحقه عليه بعد ذلك مستحق، فلا يكون غاصباً فيما تقدم من فعله قبل الدرك، وهو مال الله تبارك وتعالى يحله لواحد وقتاً ويحرمه عليه وقتاً، والضمان قد يلزمه بغير التعدي لعلة من طريق التعدي.
وقد روي أن ابن عمر مع زهده كان إِذا مرّ بثمرة ساقطة التقطها وأكلها. وأما ابن عباس فالرواية عنه قال: من وجد من سقط (نسختين) سقاط المتاع فلينتفع به، كالسوط والنعلين والعصا وشيء من سائر المتاع، وقد قال: يُجوِّز ذلك كثير من أصحابنا، وقال ابن عباس: وإِن رجع إِليه صاحبه ردّه إِليه، كذلك في الرواية عنه، والله أعلم.
وروي أن عبد الله بن عمر كان مع رجل في بعض الطريق، فرأى صاحبه ديناراً ساقطاً فمد يده إليه ليأخذه، فضرب ابن عمر يده، فقال مالك وإِياه، ونهاه عن أخذه. وأما جابر بن زيد فالرواية عنه أنَّه كان يكره أخذ اللقطة.
وأما من وجد ركازاً فهو أحق به، وليس عليه فيه تعربف، وهو دفن في الجاهلية. وإِن وجده ظاهراً على وجه الأرض فلا أحفظ فيه قولاً، وأحب أن يكون سبيله سبيل اللقطة أنَّها عندي بمنزلة ما يسقط من الناس من الأموال؛ لأنَّها مخالفة لوصف الركاز الذي هو كنز والله أعلم.
وإن وجد الصبي اللقطة أخذها الإِمام من يده ودفعها إلى ثقة يعرِّفها، فإن لم يجد لها طالباً فهي للصبي إن كان فقيراً فكان أحق بها من غيره من الفقراء، وإن() ظهر الإِمام على من يعرف بالتعدي على أموال الناس والخيانة لهم في أموالهم قد التقط لقطة، فعندي أنَّه يأخذها من يده ويجعلها في يد نفسه من الناس ليعرِّفها، فإذا مرّت المدة ولم يعرف لها ربّاً، ردّها إليه إِن كان فقيراً، وإِن كان غنياً تصدَّق بها على الفقراء. واتفق أصحابنا في اللقطة على من التقط لقطة لها أمارة أنَّ عليه تعريفها والمبالغة في طلب ربها سنة كاملة.
واختلفوا في تسليمها، فقال بعضهم: لا يجوز دفعها إلاِ بشاهدي عدل مع دعوى المدّعي لها؛ لأنَّها مال، والأموال لا تجوز أن تنتقل على وجه الحكم ولا يحكم لمدعيها بها إلاَّ بشاهدي عدل لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (على المدعي البينة وعلى المنكِر اليمين). وقال الباقون ـ وهم الأكثر وعلى قولهم العمل وإليه نذهب ـ أن اللقطة مخصوصة بحكم، وعلى ذلك النقل وعمل الناس، فإن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أمر بتسليم اللقطة إلى من جاء يدّعيها وجاء بعلامتها وهو وعاؤها ووكاؤها، وقد قال النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (عقاصها ووكاؤها) فلما جعل النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ هذه العلامات موجبة للتسليم إِلى من جاء بها دل على أنَّها تقوم مقام الشاهدين، وكانت اللقطة مخصوصة بهذا الحكم، فالاقتداء بالرسول عليه السلام أوْلى من تأويل من لا يؤمن معه الغلط، قالوا: فإن لم يجدر ربها وعدم معرفة صاحبها تصدَّق بما ملتقطها على الفقراء، وأجمعوا على تضمينه إياها بعد ذلك، وجعلوا الخيار لربها إذا جاء يطلبها، وصح أنَّه كان مالكاً لها، إن شاء أخذ بدلها مثلها أو الثواب الذي هو عوض عنها، ولم أعلم أن أحداً من أهل الخلاف عليهم أوجب الضمان على الملتقط لها إذا بالغ في طلب ربها ثم تصدق بها بعد سنة أو سنتين على ما جاء الخلاف بينهم، وقد وجدت أن لأبي أيوب وائل بن أيوب فيمن لزمه ضمان من مال الناس لا يعرفهم من تجارة أربى فيها، أو ضمان التجاهل في البيع والشراء ثم رغب في التوبة، أن عليه أن يتصدق بها على الفقراء إذا لم يعرف أرباب تلك الأموال التي ضمنها

وأخذها، ولم يوجب عليه بعد الصدقة ضماناً، وقد شككت في قوله في اللقطة، وأظن أن سبيلها عنده في زوال الضمان بعد الصدقة بها سبيل ما جناه التاجر في تجارته وما لزمه من الضمان في معاملته، وعندي أن أمر اللقطة أيْسر في باب العذر والله أعلم.
والحجة توجب عندي أن اللقطة إذا أخذها الآخذ لها على وجه التعدي أو الغفلة، أن سبيله في أمرها() سبيل من يلزمه ضمان مال لأحد من الناس لا يعرفه، إذا تصدَّق به على الفقراء بعد إياسه لمعرفة صاحبه. وإذا تناول اللقطة وكان أخذه إياها ليحفظها لصاحبها من طريق الاحتساب والقربة إلى الله في ذلك، وأن لا يضيّع مال امرئٍ مسلم بين ظهراني المسلمين وهم يقدرون على حفظه، لم يلزمه الضمان إذا تصدق بها على الفقراء بعد إياسه من معرفة صاحبها، قال الله جلَّ ذكره ما على المحسنين من سبيل()، ويدل على صحة ما قلنا فعل عبد الله بن يحيى الحضرمي لما ظهر على اليمن واستولى على خزائن السلطان الذي كان بها مما كان جباه على سبيل الخراج من أموال أهل اليمن، واختلطت الأموال فلم يعرف لها ربّاً فتصدق بها على الفقراء، ولم يَرِدِ الخبر أنَّه ألزم نفسه ضمان تلك الأموال، ولو كان يعتقد أن ضمانها يلزمه، لم يقصد إلى مال غيره ويتلفه على أربابه ويلزم نفسه الضمان، وكان ينبغي على هذا أن يكون في فعله ذلك متعدياً حاشاه الله مما لا يليق في صفته.
وأيضاً قد روى الناس وأصحابنا فيهم أن علي بن أبي طالب لمّا هزم طلحة والزبير قصد إلى ما كانا جبياه من أموال أهل البصرة على وجه الخراج وأنَّهما يستحقان في حال تقدمهما عليه، عمد إلى تلك الأموال وفرَّقها بين أ صحابه، فبلغنا أنَّه حصل لكل رجل منهم خمسمائة درهم وكانوا إثني عشر ألف رجل، ولا يجوز أن يكون علي بن أبي طالب فرَّقها على أصحابه، مع علمه بأن أربابها يوصل إِلى معرفتهم، فلما جعلها الإِمام في عزّ دولته على سبيل ما تجعل الزكاة التي هي صدقة للفقراء، فهذا يدل على أن هذه الأموال التي لا رب لها يعرف أن سبيلها سبيل ما يتصدق به، ولم يرَ أحد فيما علمنا أن علياً ألزم نفسه ضمانها، وكل مال أُيس من معرفة ربه أنَّه مصروف في الفقراء والمساكين، واللقطة مال من هذه الأموال التي ذكرناها، مع أنَّه قد روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ (أن زيد بن ثابت جاءه وقد التقط صُرَّة فيها مائة دينار فأمره رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أن يعرِّفها حَوْلاً، ثم جاءه فقال: يا رسول الله قد عرَّفتها حولاً، فقال له: عرّفها حولاً آخر، ثم جاءه فقال: يا رسول الله إني قد عرَّفتها حولاً ثانياً كما أمرتني. فقال: خذها وانتفع بها فهو مال الله يؤتيه من يشاء). فقال بعض أهل العلم: إنَّه أمره أن يعرّفها حولا ثانياً لكثرتها، وقال بعض: خصّ زيداً بذلك والله أعلم. فإن قال قائل: فإن كان الملتقط لها فقيراً هل له أن يأكلها؟ قيل له: نعم يجوز له أن يأكلها بالفقر أيضاً، فإن قال: فهل يجوز له أن يأكل زكاة عليه إِذا كان فقيراً وقد عزلها وميَّزها ثم افتقر وهي قائمة في يده بعد، هل له أن يأكلها؟ قيل له: لا يجوز ذلك لأنَّها عليه، ولا يجوز أن يُبرأ من دين هو عليه إلاَّ بأدائه إِياه، فإن قال: فإن لم يؤدها حتى مات وخلف ولداً، هل لولده من بعده أن يأكلها إذا كان فقيراً؟ قيل له: لا يجوز ذلك، فإن قال: أليس الزكاة هي للفقراء فلِمَ لا يجوز لهذا الفقير أن يأكلها؟ ولِمَ لا تكون كاللقطة تجوز لمن التقطها ولوارثه أكلها والجميع فقراء؟ قيل له: إن اللقطة جائز

أكلها للفقراء وهي لهم ولمن التقطها أن يأكلها بإجماع الأمة إذا كان فقيراً، فلما كان له أكلها جاز لولده أيضاً أكلها، والزكاة هي دين عليه للفقراء، وما كان عليه فلا يجوز أن يكون له، وكذلك ولده مأمور بعده بإخراجها فليس له أن يأكلها؛ لأنَّها عليه في تركة أبيه. وأيضاً فإن الميت لا يدفعها إلى أحد ممن يلزمه عوله في حياته، فإذا لم تكن هذه وجبت له في حياة الميت لم تجب له بعد وفاته؛ لأنَّه ليس بوارث لها. فإن قال: أليس الإِمام إذا دفع شيئاً منها جاز له أخذه؟ قيل له: نعم؛ لأن الإِمام إذا دفعها زالت عن الميت، ولو دفعها إليه وهو حي أيضاً جاز له أكلها، فجائز له أن يدفعها إلى من يلزم الميت عوله إذا كان فقيراً. فإن قال: فلِمَ قلتم: إِن الإِمام لا يجوز له أن يدفع إلى رجل من زكاة قد اجتمعت عليه لحدوث فقره وكان فقيراً قد اجتمعت عليه وهو محتاج إليها؟ قيل له: الدليل على ذلك الإِجماع على أن الإِمام إذا قبض من رجل زكاة ماله فجعلها في بيت المال، ثم حدث له الفقر أن على الإِمام أن يدفع إليه من بيت مال المسلمين. فإذا دفع إِليه من بيت المال فقد صار إِليه ما دفع أو شيئاً منه، ولا فرق بين الكل في أكله إِياه وبين البعض منه والله أعلم.


مسألة

إِختلف أصحابنا فيمن حلف عن بيع شيء معين فبادل به، فقال محمد بن محبوب: يحنث ولم يره غيره حانثاً. والنظر يوجب عندي وقوع الحنث على ما ذهب إليه أبو عبد الله؛ لأن البدل يسمى بيعاً على التوسع، والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى أولئك الذين اشْتروا الضَّلالة بالهدى()، فسمى استبدالهم الكفر بالإيمان شراء منهم لذلك، والله أعلم.
إلا أن محمد بن محبوب لم يمض في هذا على أصله؛ لأن من مذهبه أن رجلاً لو بادل مالاً بمال لم يكن للشفيع في ذلك شفعة وجعل في البيع الشفعة، ويسمى بدل الأرض بالأرض قياضاً، والقياض عنده بيع ـ والله أعلم ـ ما وجه ما ذهب إليه. والنظر عندي يوجب في القياض الشفعة؛ لأنَّه بيع عند الجميع وبالله التوفيق.


مسـألـة

أجمع علماء أصحابنا فيما علمت على المنع من مصافحة أهل الذمة، وأن يعادوا إذا مرضوا، وأن يكنّوا إذا خوطبوا، وأن يُبدأوا بالسلام إذا لقوا؛ والنظر لا يوجب عندي ذلك إلا من قصد إلى تعظيمهم والإِجلال لهم بذلك. ألا ترى إلى قول الله جلَّ ذكره: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبَرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين(). ثم قال: إنَّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدِّين وأَخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تَولَّوْهم ومَنْ يَتولَّهم منكم فأُولئك هُمُ الظالمون().

مسـألـة
فإن قال قائل: لِمَ جاز لأهل الشروط تكرار ذكر البيع وغيره في الكتاب، ولم يجيزوا بذكره مرة واحدة عن إِعادة ذكره مرة ثانية حتى قالوا:اشترى فلان جميع الأرض، وهذا كلام حتى أعادوا هذا فقالوا: اشترى؟ قيل له: هذا كلام ليس بتام حتى يوصل بأسباب البيع والأسماء، والأسباب إذا فصلت بين اسم المشتري واسم المشترى منه احتيج إِلى إعادة ذكر " اشترى " مرتين، ليكون كلاماً تاماً، وقد جاء في القرآن في مثل هذا كثير يدل على صحة ما قلناه، وهو قول الله جلَّ ذكره: قل إن الموت الذي تَفِرُّون منه فإنَّه ملاقيكم() ، فأُعيد ذكر الثانية لانقطاع ما بين خبر الأولى وما بين خبرها. ولو قيل: إن الموت الذي تَفرُّون منهُ ملاقيكم لجاز، غير أن الذي جاء في القرآن أفصح، ومثل ذلك قول الله تعالى: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالةٍ ثم تابوا من بعد ذلك وأَصَلحوا إن ربَّك من بعدها لغفور رحيم( وقوله عز وجل: ثم إنَّ ربك للذين هاجروا من بعدما فُتِنُوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لَغفورٌ رحيم(). فلما دخل بين "إن" وخبرها كلام ليس من جنس الخبر، أُعيدت "إن" ليقرأ خبرها منها والله تعالى أعلم.


باب في ذنوب الأنبياء صلى() الله عليهم أجمعين

اختلف الناس في ذنب آدم عليه السلام وذنوب سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، مع إجماع أهل العلم على أنَّها كلها كانت صغائر، وأن الأمر فيها لم يكن على ما يأتي به الجهال من القُصّاص، ولا ما يرويه بعض أهل الحديث عن جهلة أهل الكتاب. وقال قوم: إنَّها كانت عمداً مع الذكر المنهي إلا أنهم كان معهم عليه السلام من الخوف والوجل والإشفاق ما لا يكون عند مثلهم. قالوا: لو لم تكن عمداً لم تكن ذنوباً، قالوا: والدليل على ذلك أن إبليس قد ذكره النهي حين قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (). وقالوا: وكيف يكونان ناسيين وهو يذكرهما، واحتجوا بقول الله: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ()، يجوز أن نسي التوعد() دون النهي. وقال قوم: كان ذنبه عن قصد الأكل، ولم يكن كالرجل يريد الشيء فيفعل غيره على طريق السهو، ولكنه كان غافلاً عن النهي وناسياً له، قالوا: وقد ذكَّره إبليس النهي فلم يواقع الذنب في ذلك الوقت. بل لمَّا وافق دعاؤه وغروره مع ماكان آدم عليه السلام

محتاجاً له مائلاً إليه بطبعه الذي هو طباع البشر سوّى ذلك في نفسه، واستغرقه حتى غفل عن النهي ونسيه، واحتجوا بقول الله تعالى: ولقد عهدنا آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً، قالوا: وذلك كالرجل يكون صائماً يشتغل بضرب من الشغل حتى يغلب عليه فيستغرقه فيأكل ويشرب من غير قصد لذلك إلا أنَّه ساهٍ عن الصوم، قالوا: وهذا الضرب من السهو والإغفال مرفوع عن المسلمين، وقد يجوز أن يؤاخذوا به وليس بموضوع "نسختين" بمرفوع عن الأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنَّهم حملوا ذلك لعظم أخطارهم، وارتفاع قدرهم، وعلو درجاتهم، لما شاهدوا من الآيات والبيِّنات؛ ولأنَّهم القدوة والأئمة ما وضع على غيرهم، وقد قال الله جلَّ ذكره: يا نساء النبي لستنَّ كأحدٍ من النساء
() ، ثم قال: مَنْ يَأتِ مِنْكُنَّ بفاحشةٍ مُبيَّنةٍ يُضاعفْ لها العذاب ضعفين
() ، وذلك لعظم أخطارهن. ولما شاهدنه، وقال رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم: "إني أوعك كما يوعك رجلان منكم"، وقالوا: وهذا الضرب من السهو والغفلة يمكن التحفظ منه، وليس مما يخرج عن قدرة العباد، إلا أن الله وضعه بلطفه ورحمته عن المؤمنين، كما وضع سائر الصغائر عنهم، ولو أخذهم بها كان ذلك عدلاً، وقال بعضهم: بل كان ذنب آدم عليه السلام من جهة الغلط في التأويل، وحين اجتهد وأخطأ، وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله عليهم، كأنَّه كان قيل له عليه السلام: لا تأكل من هذه الشجرة، وأُريد بذلك جنس تلك الشجرة أو نخلة، كما قيل للمريض: لا تأكل من هذا اللون من الطعام يكون بين يديه يشار إليه، وإنَّما يراد الكل مما هو من جنس ذلك اللون، فيقال: فتأوَّل() عليه السلام إنَّما نهي عن تلك الشجرة التي أُشير له إِليها دون ما هو مثلها من جنسها، فأكل منها وهو يرى أنَّه غير منهي عن ذلك. قالوا: وكان الواجب عليه أن يتحفظ ولا يتقدم حتى يستعلم؛ لأن الوحي كان يأتيه، قالوا: وليس للأنبياء صلوات الله عليهم أن يجتهدوا في الحوادث إذا كان الوحي غير منقطع عنهم، ولغيرهم من بعدهم أن يجتهدوا لانقطاع الوحي، ولعدم الرسول أو غيبته، وقال بعض هؤلاء: للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أن يجتهدوا فيما لم يأت فيه بعينه أمر ولا نهي، فأما ما أتى فيه النهي فعليهم أن يتوقفوا ويتحفظوا على الذي اجتهد فيه آدم ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لم يكن مما يخاف فواته، كأمور الحرب وما أشبهه، وإنَّما كان أمراً مال إليه بطبعه وعملت فيه الشهوة له، وآخر ما أقدم عليه إلا أن يستأمر ويستعلم ما كان في ذلك ضرر ولا مكروه، قالوا: وقد يجوز أن يباح للأنبياء صلوات الله عليهم الاجتهاد في الحوادث وفي الفتيا. فأما ما أشبه قصة آدم صلوات الله عليه مع نزول الوحي وكان الواجب فيه الانتظار، قالوا: فإن قال قائل: إنكم أردتم تحسين قصة آدم صلوات الله عليه فزدتموها قبحاً، وذلك أنكم جعلتم الذنب ذنبين فأخبرتم بأن() يكون اجتهد فيما لم يكن له أن يجتهد فيه مما أكل مما نهي من أكله؛ قلنا له: ولا سواء؛ لأنّا إنَّما أردنا أن يزيل عنه أن يكون ذاكراً لنهي ربه في وقت إقدامه على ما أقدم عليه، وهو إن كان جمع بين الأمرين اللذين ذكرتموهما فلم يأت واحداً منهما وهو ذاكر لنهي ربه إياه عنه، وليس بمنكر أن يكون ألف ذنب من هذه الوجوه أيسر وأصغر من ذنب واحد مع الذكر المنهي() عنه في وقت الإِقدام عليه؛ قالوا: وأي ذنب أقبح من أن يكون نبي من الأنبياء قد رفع الله درجته، وأئتمنه على وحيه، وجعله خليفة في عباده وبلاده، يسمع ربه يناديه: لا تفعل؛ لأنك إن فعلت

فعلت، فيمضي قدماً مختاراً للدنية قاصداً لقضاء شهوته غير منقلب إلى نهي ربه، ولا منزجر عن وعده (نسختين) ووعيده؛ قالوا: فإن قال: وكان آدم عليه السلام عالماً بأن ليس له أن يجتهد فيه قد كان تقدم إليه في ذلك. قيل له: فقد() يجوز أن لا يكون أتاه في ذلك أمر من جهة السمع، وإنَّما كان يجب عليه لفكره ونظره، ففكَّر ونظر فعدل على الواجب، كما يخطئ الناظر المجتهد، وأما الكلمات التي تلقَّاهن آدم عليه السلام من ربه، فالذي وجدت في الرواية عن ابن عباس أنَّهن أي: (ربِّ إِني تُبت إِليك وأصلحت) فجاءه الجواب: إِذاً أرجعك إلى الجنة، واستغفر آدم ربه فتاب عليه إنَّه هو التواب الرحيم، ويروى عن الضحاك قال: الكلمات هنَّ قول الله تعالى: قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين()، ووجدت عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن قالوا: هن: ربنا ظلمنا أنفسنا، والذي عندي ـ والله أعلم ـ ما يدل به عليه ظاهر الكتاب، وفي بعض الروايات ما يدل عليه أن الله عز وجلَ كان أوحى قبل ذلك أن من أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً ثم ندم على ما فاته، وعزم على أن لا يعود، واعتقد على أنَّه ظالم لنفسه فيما صنع من أنَّه قد خسر وخاب إن لم يغفر له ذنبه، وعلمت صحة جميع ذلك منه، فإِني أتوب عليه، فتلقى آدم ذلك من قول ربه وعمل به صلوات الله عليه، ويدل على هذا ما أخبر جلَّ ذكره في كتابه حاكياً عنهما أنَّهماقالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين().
وفي هذا تحذير من() صغير من المعاصي وكبيرها، وذلك أن الله جلَّ ذكره أهبط نبيّه عليه السلام من جنة كان أنعم بها عليه من أجل صغيرةٍ من الصغائر، فكيف لمن اجترأ عليه وارتكب كبائر ما نهي عنه، والله نسأله العصمة والتوفيق.

مسألة في الضالة

قال الله تعالى جلَّ ذكره: واعلموا أنَّما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم()، وقال النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (دماؤكم وأموالكم عليكم حرام)()، فالواجب على من وجد أنَّه تملك في قرية من قرى الإسلام، أو حيث يكون مثلها محظوراً على الناس تملكه، فعليه أن يتَّقي الله تبارك وتعالى فيها، ولا يقصد إلى أخذها إلاَّ قصداً محتسباً لصاحبها بالاحتياط له في حفظها، وتجنبه إِياها عندي أسلم من أخذها، لما ورد من التشديد في أمر الضالة. وروي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: "لا يؤوي الضاَّلة إلاَّ ضالّ".
وقال عليه السلام: (ضالة المؤمن حرق النار، والكَف عن أخذها خير من التعرض إليها، إذا لم يكن عارفاً لربها)()، فإن قال قائل: لِمَ لا يساوي بين الضالة واللقطة وهما مال، وهل الضالة إِلا مال يلتقط كالدراهم والدنانير مال يلتقط؟ قيل له: إن الضالة لا تكون إلا في الحيوان، وقد فرَّق النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بيم الضالة

واللقطة في الحكم. والعرب لا تعرف الضالة في الدراهم والدنانير فلا يقع عليها اسم ضالة، والمتعارف من كلام العرب أن يقول قائلها: ضلَّت إبلي وضلت غنمي، ولا يقول: ضلت دراهمي ودنانيري.
وقد سئل النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم عن ضالة الإبل فنهى عن أخذها وأمر بتعريف اللقطة. فهذا فرق بين حكم الضالة وحكم اللقطة؛ ودليل آخر على أن الضالة التي تُوعّد على أخذها بالنهي أنَّها غير اللقطة التي أمر بتعريفها، وأمرهُ بأن يعرّفها أمراً منه بأن يأويها، والضالة اسم خاص للحيوان، والضالة في كلام العرب هو أن، يتجاوز الغرض المقصود إلى غيره فيكون القاصد له إذا أخطأه ضالاً عنه، وهذا لا يقع إلاَّ من قاصد يريد شيئاً فيصيب غيره، ويحتمل أن يكون المؤدي للضالة المتوعد عليها بما ذكرنا عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، هو الحابس لها بمعنى المنع لها عن ربها، إلاَّ من حبسها لربها ليحفظها له، وهذا تأويل يسوغ. وقد روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال للقائل عن الضالة: (هي لك أو لأخيك أو للذيب)(). فهذا الخبر يدل على ذلك التأويل. وأما عمر بن الخطاب فالرواية عنه أنَّه قال: أصحاب الضوالّ هم الضالُّون ما لم يعرِّفوها، والله أعلم بتأويل هذه الأخبار، وهذه الأخبار التي وردت مختلفة يحتمل أن يكون بعضها ناسخاً لبعض، ويحتمل أن يكون لاختلاف أحكام الضوال واختلاف المواضع، وإِذ لم يعلم المتقدم منهما من المتأخر، ولا الناسخ منهما من المنسوخ، جاز أن يكون لاختلاف أجناس الضوال ولاختلاف البقاع، لأن التعبد جائز بمثل هذا كله، وسنذكر ما يتوجه التأويل في ذلك في موضعه إن شاء الله.
وأما ما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ في الضالة أن ناساً من بني عامر قالوا: (يا رسول الله إنا نجد هوامل من الإِبل في الطريق؛ فقال رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: ضالة المؤمن حرق النار)() وقيل: (نسختين). وروي أن رجلاً من أصحابه أمر ببقرة كانت لحقت ببقرة في الرعي فطردت، وقال: قال رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (لا يؤوي الضالة إلاَّ ضال). وروي أن رجلاً قال له: يا رسول الله: (كيف ترى لنا في ضالة الغنم؟ فقال له: خذها فإنَّما هي لك أو لأخيك أو للذئب)(). قال: فما تقول في ضالة الإِبل؟ قال: فاحمرّ وجهه وغضب، وقال: مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربّها()؛ وفرَّق ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بين ضالة الإِبل وضالة الغنم، لأن الإِبل تقدر على ما لا يقدر عليه الغنم، ورود المياه مع بعدها عنها والصبر عنه، وأكل الأشجار وحذاؤها أخفافها وسقاؤها ما تقدر به على شرب الماء. والغنم لا تقدر على ما تقدر الإِبل، وضالة الإِبل باتفاق لا يجوز أخذها ولا يكون الآخذ لها إلاَّ متعدِّياً في أخذه إياها، فيحتمل أن تكون الضالة التي ورد الخبر بالوعيد على أخذها هي ضالة الإِبل، إذ قد صح البيان فيها بهذا الخبر، وأن الضالة التي قد قال فيها رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (هي لك أو لأخيك أو للذئب)، هي غير الإِبل لأن ضالة الإِبل قد صح النهي عنها، فيحتمل أن تكون الضالة التي أباح أخذها رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ من جملة ما توّعد عليه من أخذ الضوال ما يخرج من البلدان، وصارت نحو المواضع التي لا يصلب أربابها إليها ولا يرجع مثلها إلى القرى التي خرجت عنها، والله الموفق للصواب.

فمن وجد بعيراً ضالاً لا يقدر على ورد الماء وأكل الشجر، فليس له أن يأخذه، فإن أخذه وجب عليه أن يرده إلى ربه؛ لأنَّه مال لغيره متعدياً في أخذه لنهي النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ عن ذلك وكان ضامناً له حتى يرده إلى ربه، لأن من أخذ مالاً هو ملك لغيره متعدياً بأخذه كان عليه أن يرده إلى ربه، وليس له أن يرده إلى الموضع الذي أخذه منه. وإن خلَّى سبيله فتلف كان ضامناً أيضاً؛ لأنَّه كان في أخذه له متعدياً، وإن أخذ رجل بعيراً ضالاً قد رآه في حال مضجعه لا يقدر على ورد الماء ولا أكل الشجر، فقصد إلى حفظه وردَّه إلى صاحبه، فهو مطيع لله جلَّ ذكره في فعله، إذ قصد إلى حفظ مال أخيه المسلم؛ لأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لم ينه عن أخذ بعيرٍ هذا وصفه، فإِن تلف البعير في يده لم يكن ضامناً إذ لم يكن تلفه منه ولم يكن معه حذاؤه وسقاؤه، والذي لأجله منع النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ من أخذه. فإن قال قائل: لِمَ أجزت أخذه والنبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ قال: (لا يؤوي الضالة إلاَّ ضال)()، وقال عليه السلام: (ضالة المؤمن حرق النار)()، والظاهر يمنع من أخذه. قيل له: إنَّما هذا الوعيد لمن فعل ما قد نهي عنه، وأما من تقرَّب إلى الله تعالى بأخذ البعير وحفظه على ربه في حال كان فيها لو ترك لتلف، وليس معه شرطه الذي نهى النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ عن أخذه لأجله، وإذا كان هذا هكذا كان مطيعاً في فعله لقول الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى. ومعلوم أن من البر والتقوى أخذ البعير المعلوم في ظاهر العادة. وأنَّه إن لم يؤخذ تلف فأخذه وحفظه لربه احتساباً ممن فعله، ولا يكون المحسن مسيئاً ولا معلوماً، وإنَّما يكون داخلاً في النهي من جنس بعير لغيره على نفسه واقتطعه عن ربه متعدِّياً في أخذه، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه قال: (من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرِّفها)، فهذا يدل على أنَّه إِذا عرَّفها فحبسها على ربّها كان مأجوراً. وروى أصحاب الحديث من مخالفينا عن الزهري أنَّه قال: كانت الإِبل أيام عمر بن الخطاب مؤتلفة تناتج لا يمسكها أحد، حتى كان في أيام عثمان فأمر ببيعها بعد تعريفها، فإن جاء لها ربٌ دفع إليه ثمنها. واختلف في النفقة على البعير إذا حبسه على ربه ولم يجد سبيلاً إلى النهوض بنفسه، فقال بعضهم: للمنفق على ربه النفقة. وقال آخرون: لا نفقة له على رب البعير؛ لأنَّه مقطوع بفعله ولا مفروض له بأمره، ولا وكله بالنفقة على بعيره، وهذا القول الأخير أشبه بمعنى السنة، وأقرب إلى النفس؛ لأن فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يلزم في النفس من فعل الواجب ولا يجب أن يكون به بدل، وبالله التوفيق.
وروي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (ضالة المؤمن حرق النار) وقال عليه السلام: (لا يؤوي الضالة إلاَّ ضال). فذهب بعض الناس إلى أن اسم الضالة يقع على اللقطة، وإنَّما ضمانها غير زائل وإن عرّفها بظاهر الخبر.
وقد ذكرنا هذه المسألة وشرحنا هذه الأخبار وغيرها مما هو في معناها من الأخبار في غير هذا الموضع. ومن قال بأن اللقطة يقع عليها اسم ضالة فعندي أن قوله غلط، لأنَّ اللقطة لا يقع عليها اسم ضالة، والضالة إنَّما تكون في الحيوان، ولا يعرف الناس في كلامهم غير هذا ـ والله أعلم ـ لأنَّهم يقولون في اللقطة ضاعت وسقطت، وفي الحيوان ضلَّت وذهبت، ونحو هذا وجدته لأبي عبيدة قاسم بن سلام.




الباب الثاني في الوضوء ونحوه
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين() الآية. ففرض الطهارة بالماء من كتاب الله عزَّ وجلَّ ومن سنة نبيه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، فأما من الكتاب فقوله جلَّ ذكره: وأنزلنا من السماء ماء طهوراً() يعني مطهَّراً؛ لأن الطهور في اللغة هو الفعول للطهارة، ومن السنة قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء)()، فكانت هذه الصفة منه عليه السلام مضارعة الآية. وفي رواية أخرى عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلاَّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه)()؛ ولا اختلاف بين الناس في تأويل هذا الخبر، والاتفاق حجة، والاختلاف منهم رأي، واتِّباع الحجة أَوْلى من اتباع الرأي الذي ليس بحجة، والماء الطاهر المطهر باتفاق الأمة: ماء السماء، وماء البئر، وماء العيون، وماء البحر. إلاَّ في قول عبد الله بن عمرو بن العاص في ماء البحر وحده، واتباع السنة أوْلى من قول (نسختين) اتباع عبد الله بن عمرو. ولما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ عن رجل سأله عن ماء البحر. فقال: رسول الله إنا نركب البحر على أرماث لنا وتحضرنا الصلاة وليس معنا ماء إِلا لشفاهنا، فقال رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (هو الطهور ماؤه والحل ميتته)()، والأرماث جمع رمث في البحر، وهي الخشب المضموم بعضها على بعض. ويدل على ذلك قول جميل شعراً:
تمنيت من حي بثينة أننـا على رمث في البحر ليس لنا وكر.
وماء طاهر لا يجوز التطهر به للصلاة: الماء المستعمل والماء المضاف إلى صفة لا يُعرف إلاَّ بها مما لا يتميز منها ولا يقع عليه اسم ماء مطلق، كنحو ماء الباقلاء، وماء الزعفران، وماء الورد، ونحو ذلك مما هو طاهر في نفسه غير مطّهر للأحداث، إلاَّ أحداث لا تزول إلاَّ به، وإذا كان عند رجل ماء مستعمل وماء مطلق وحضرت الصلاة وأراد الطهارة، لم يعرف المستعمل منها فإنَّه يمسح بها جميعاً ويصلي صلاة واحدة، ولو كان أحدهما نجساً صلى صلاتين (نسختين) من كل واحدة منهما مرة بعد أن يغسل بالماء الأخير مواضع الماء الأول منه. ومن غسل بعض جوارحه ثم نواه للطهارة وبنى على مسحه لم يُجْزه؛ لأنَّه قدَّم عمله على نيته، ولا تجوز الطهارة إلاَّ بتقديم النية لها بأسرها، فإن كان عنده ماءان: أحدهما مستعمل وهو في السفر فأراق أحدهما ولم يعرف الباقي، أنَّه يتوضأ بالباقي منهما ويتيمم، فإن كان الماء الباقي هو المستعمل وقع التيمم موقعه من الطهارة، وإن كان الباقي هو الذي له أن يتوضأ به فقد() وقع موقعه من الطهارة، وخرج به من العبادة وأداء الفرض الذي عليه ولم يدخل التيمم عليه ضرراً() والله أعلم.

والفرائض في الطهارة للصلاة ست خصال: الماء الطاهر، والنية، وغسل الوجه، واليدين. ومسح الرأس، وغسل القدمين. والحجة في وجوب النية قول الله تعالى: وما أمروا إلاَّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين() والنية عقد بالقلب، وعزيمة على الجوارح؛ والحجة في وجوب التطهر بالماء الطاهر قول الله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهوراً()، وقد تقدم هذا المعنى في أول المسألة. والحجة في وجوب غسل الأعضاء قول الله عزَّ وجلَّ: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين()،وحدُّ الوجه المفترض غسله من أول منابت شعر الرأس إلى أصل الأذن، وما أقبل من الوجه إلى الذقن، الدليل على هذا قول الله:
قد نرى تقلب وجهك في السماء() الآية. والوجه في لغة العرب() ما واجه الشيء. فإن قال قائل: فإن مقدم الأذنين مواجه بهما، قيل له: الأذن وإِن واجه بها الإِنسان فلا يعرفها الناس وجهاً ولو كانت وجهاً، لأنَّها مما يواجه به لكان الصدر أيضاً يجب غسله مع الوجه لأنَّه يواجه به.
والحجة في غسل المرفقين مع اليدين قول الله عزَّ وجلَّ: وأيديكم إلى المرافق ، فإن قال قائل: لِمَ أوجبتم غسل المرفقين وهما حدَّان، والحدُّ لا يدخل في حد المذكور؟ قيل له: لما خاطبنا الله تبارك وتعالى بغسل اليدين إلى المرفقين وهما حدَّان اعتبرنا ذلك من أبناء الحد، يدل على معنيين: أحدهما لا يكون داخلاً في حكم المذكور وهو غسل اليدين، والآخر داخل فيه؛ ورأينا المحدودات على ضربين: فحدّ من جنس المحدود فحدّه داخل فيه، ومحدود إلى غير جنسه فحدُّه لا يدخل فيه. فأما المحدود الذي يدخل في جنسه فهو ما قال الله تعالى: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم() أي مع أموالكم، وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: فلما أحس عيسى منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله() أي مع الله. وأما المحدود إِلى غير جنسه فحده لا يدخل فيه. وهو ما قال الله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل()، فذلك حدّ وانتهاء، وكذلك قوله جل ثناؤه: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً() أي ركباناً. فلما كان المرفقان حدَّين من جنس ما حد الله (نسختين) ما حدّ إليه وجب أن يدخلا معه في الغسل، وأيضاً فإن غسل المرفقين مع اليدين واجب بإِجماع الأمة، وهو أقوى حجة عند النظر، وبالله التوفيق. ومسح جميع الرأس واجب في الطهارة عند بعض أصحابنا، والنظر عندي يوجبه، والحجة لمن ذهب إلى هذا الرأي قول الله تعالى: ثم ليقضوا تفثهم.وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق()، فأفاد بهذه الآية أن الطواف بالبيت العتيق جميع البيت. وكذلك قوله في التيمم: فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم() أنَّه جميع الوجه باتفاق الأمة. فهذان دليلان لأصحاب هذا الرأي، وقال أكثر أصحابنا: إن مسح بعض الرأس من مقدّمه يجزي للماسح. والحجة لهم على ذلك ما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه (مسح بعض ناصيته) والناصية بعض الرأس وهو مقدمه، وروي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه (مسح بعض رأسه)، ففي هذين الخبرين مع أصحاب الحديث ضعف، ولهم دليل آخر أن الماء المذكور يقع على الكل وعلى البعض في اللغة، وأن

العرب تسمي البعض باسم الكل كنحو قوله عزَّ وجلَّ: تدمر كل شيء بأمر ربها() ولم يدّمر الكل. وكذلك يسمى بعض الماء باسم الماء، ويسمى بعض النار باسم النار؛ ولأصحاب هذا الرأي أيضاً أدلة غير هذا كثيرة، منها قول القائل: مسحت يدي بالمنديل، لا يريد الكل، وكذلك مسحت يدي بالأرض، معقول أنَّه لا يريد جميع الأرض؛ ومسحت رأس اليتيم بيدي، لا يريد كل الرأس، ونحو هذا والله أعلم، وهو الموفق للصواب.
والحجة في وجوب غسل القدمين وأن الغسل أولى من المسح عليهما وإِن كانا في التلاوة سواء؛ لأن بعض القراء قرأوا: "وأرجلَكم" بالنصب، وبعض قرأُوا: "وأرْجُلِكم" بالخفض. فمن قرأَ بالنصب فصل بين المسح والغسل بالإِعراب، وكل ذلك أشبه بفعل النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ وبأمره لأمته، لأنَّه المنقول إلينا عنه فعل الغسل، وما نقل إلينا من قوله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (ويلٌ للعراقيب من النار)()، فهذا نهي يوافق ما أوجبت القراءة التي تذهب إليها، على أن الأغلب من القراء على ما يذهب إليه فنحن مع الأغلب منهم، وقد أمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ـ بلزوم الجماعة، والدليل من ذلك الإِجماع أنَّهم أجمعوا جميعاً أن من غسل قدميه فقد (أدى)() الفرض الذي عليه.
واختلفوا فيمن مسح عليهما فنحن معهم فيما اتفقوا عليه، والإِجماع حجة، والاختلاف ليس بحجة. اختلف الناس في غسل بعض الأعضاء، فقال بعضهم: يجوز تقديم ما تأخر ذكره في تلاوة الآية، وقال بعضهم: لا يجوز إلاَّ على الترتيب الذي ذكره في التلاوة. وذهب أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير ما لم يقصد المتطهر بذلك الفعل مخالفة السنَّة؛ والنظر عندي يوجب أن يكون على الترتيب الذي ذكره في الآية، لأن قوله عزَّ وجلَّ: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم()، قالوا: و () هنا واو النسق. قال ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ على الصفا: (ابدؤا بما بدأَ الله به)()، فدلَّ بسنته عليه السلام على أن فعل ذلك يكون متوالياً، فإن عارض معارض بقول الله تعالى: ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق()، فقال: أرأََيت لو قدّم الطواف أو أتى الأول من المذكور في الآية أليس كان جائزاً، فما أنكرتم (نسختين) أنكرت أن يكون هذا مثله؟ يقال له: إن الذي عارضت به لا يلزم، وذلك أن المذكور ها هنا فرض وغير فرض، فلا بأس بتقديم بعضه على بعض؛ لأن الطواف بالبيت فرض عليه، فالواجب تعجيله، فإن أخّر ما ليس بفرض مما ليس له وقت معلوم فلا بأس بذلك، فإن احتج محتج بقول الله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين()، فقال: أليس مأمورة بالسجود قبل الركوع، وعليها الركوع قبل السجود، وإِن كان ذكر السجود هو المتقدم؟ قيل له: الانفصال من ذلك قريباً إِن شاء الله. وذلك أن التعبد كان لمريم عليها السلام في خاصة نفسها وكان ذلك التعبد لأهل ذلك العصر. والتعبد علينا خلافه، لأن الله جلَّ ذكره قال: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا()، ووجه آخر من الدليل أن العرب تسمي الركوع سجوداً والسجود ركوعاً، وهو ما قال الله تعالى: وظنَّ داوود أنَّما فتناه فاستغفر ربه وخرَّ راكعاً وأناب()

والركوع ها هنا السجود أي خرَّ ساجداً. وكذلك قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين() أي اسجدي مع الساجدين، والله أعلم. والعرب تقول للشيخ إذا انحنى من الكبر: سجد، وتقول للنخل إذا مالت: نخل سواجد، وسجد الجمل إذا خفض رأسه، وهو معروف في اللغة، ويدل على ذلك قول لبيد شعراً ():

أليس ورائي إن تراخت منيّتي***لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبّر أخبار القرون التي مضت***أدبُّ كأني كلما قمت راكع

والعرب تسمى السجود ركوعا والركوع سجودا
والسنة فى الوضوء للصلاة ست خصال: التسمية، وغسل اليدين، والاستنجاء ، والمضمضة، والاستنشاق، والمسح بالأذنين؛ والحجة في التسمية قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم: "لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله على وضوئه"() الفائدة في هذا ما يتصرف الإنسان من الطاعات فأرشدنا رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أن الاعتصام بذكر الله في تصرفنا فيما أردناه من الطاعات لله عز وجل، والحجة في غسل اليدين قوله عليه السلام: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنَّه لا يدري أين باتت يده" والحجة فى الإستنجاء بظاهر التنزيل وهو ما أثبته من المدح لأهل قبا قول الله تبارك وتعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهّرين ؛والحجة فى المضمضة والاستنشاق هو ما

( نقل عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ من فعله() مواظباً عليه وأنه كان يبدأ بهما قبل الأعضاء، فهذه سنة منقولة إلينا عنه عملاً منه في الليل والنهار. والحجة في مسح الأذنين مستنبط من الإِجماع وهو أنَّهم أجمعوا جميعا أن الماسح عليهما لا يجزيه من المسح على رأسه، والمحرم لا يجزيه الأخذ من شعرهما من تقصيره في إحرامه، فدلّ هذا على أن حكمهما خارج من حكم الرأس وحكم الوجه. وقد أجمعوا من بعد إجماعهم على أن ليس على المتيمم أن يُمرَّ يده عليهما مع مسح الوجه. والإِجماع يدل على خروجهما من حكم الرأس وحكم الوجه وصارتا بهذا الدليل سنَّة على حيالهما، وبالله التوفيق.


مسألة في الفرائض التي لا تتم الصلاة إلا بها

سبع خصال: النية والطهارة والسترة الطاهرة، وطهارة الموضع الذي يستقر المصلي عليه، والعلم بالوقت، والتوجيه إلى الكعبة، والقيام منتصباً عند فعل الصلاة، والحجة في وجوب النية هو ما تقدم من ذكرنا له وهو قول الله جلَّ ذكره: وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدِّين() ، وقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم: "نية المؤمن في العمل خير من عمل لا نية فيه"(). الدليل على ذلك قول الله جلَّ ذكره: ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألْف شهر() وليلة القدر فيه. روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم أنَّه قال: "يحشر الناس يوم القيامة بأعمالهم". والحجة في وجوب الطهارة قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم() الآية، والحجة في وجوب ستر العورة قول الله عزَّ وجلَّ: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يوارى سوآتكم وريشا، ولباس التقوى ذلك خير(). وقوله عزَّ وجلَّ: خذوا زينتكم عند كل مسجد()، وأجمعوا أن المصلي إِذا صلى وهو عريان يجد السبيل إِلى السترة الطاهرة أن صلاته باطلة، وما جاءت به السنة تؤكد() ما قلنا، وهو قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (ملعون من نظر إِلى عورة أخيه ـ أو قال ـ فرج أخيه)()، والحجة في وجوب طهارة الثوب هو ظاهر التنزيل، قال الله عزَّ وجلَّ: وثيابك فطهر()، وقوله: وخذوا زينتكم عند كل مسجد()، والزينة لا تكن نجسة مستقذرة، وأجمعت الأمة أنه لا يجوز أن يصلى بالثوب النجس مع الإمكان لغيره. والحجة في طهارة الموضع قول الله عزَّ وجلَّ: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً() وهو الطاهر. وقول النبي عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً)()، والمسجد() ما استقرت عليه مساجد المصلي، ونهي النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ عن الصلاة في معاطن الإِبل والمزابل والطرقات ما يدل على أنَّه لا يصلي إلاَّ في البقعة الطاهرة، والحجة في وجوب الصلاة بعد العلم بدخول الوقت وأنَّه لا تجوز على غير علم قول الله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس() يعني زوالها ، أفادنا بهذه الآيةمواقيت الصلاة وأما ماروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في تعريف جبرائيل عليه السلام له مواقيت الصلاة دلالة على العلم بها، ومن اتفاق الأمة ما يدل على صحة ذلك أنَّهم أجمعوا أن الله جلَّ ذكره لا يتعبدهم بمجهول.
والحجة في وجوب التوجيه() إلى الكعبة ما قال الله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره()، والحجة في وجوب القيام قول الله عزَّ وجلَّ: وقوموا لله قانتين()، وقوله: الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم() فأفادنا بهذه الآية أحوال المصلي، فحال القيام مع القدرة، وحال القعود مع العجز، وحال الاضطجاع مع المرض وعدم الاستطاعة. والدليل على ذلك أيضاً قول الله جلَّ ذكره: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين() يعني راغبين. وقد قيل: دائمين، والله أعلم. وقوله عزَّ وجلَّ: يا مريم اقنتي لربك()، ومعناه اطلبي القيام لربك والله أعلم. والذي ينبغي للإِنسان إِذا أراد الوضوء للصلاة بأن يذكر اسم الله قبل أن يدخل يده في الماء لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه)()،

والذكر قد يكون بالقلب، فمن أراد الوضوء() لله() تعالى أو شيء() مما يقرب إِليه فقد ذكر اسم الله عنده. عنده وهذا يدل عليه وعلى صحته قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إنَّما الأعمال بالنَّيات ولكل امرىءٍ ما نوى)()، وإِن كان بعض أصحابنا قد أطلق إِجازة الطهارة بغير نية إِذا أتى بصفة الفعل المأمور بها وأثبتها له، وأظن أصحاب هذا القول يذهبون إلى الأمر بالنية من النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لأمته ترغيباً لهم في نيل الثواب، كقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: "لا صلاة لجار مسجد إلا في المسجد"()، فلما كان جار المسجد إِذا صلى في غير المسجد مؤدياً الفريضة بإجماع الأمة، كذلك عندهم قول النبي ـ صلى الله عليهم وسلَّم: "لا وضوء لمن يذكر اسم الله على وضوئه"؛ إنَّما أراد به تضعيفاً لثوابه، فعندهم أن هذا من الرسول عليه السلام حثٌّ وترغيب لأمته فيما تَشْرُفُ أعمالهم به. وعندهم أيضاً أن قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم: "إِنما الأعمال بالنيات" أنه عمل وإِن لم تكن له نية؛ لأنه ليس في الخبر لا عمل إِلا بالنية كما تقول العرب: "الرجل بعشيرته والمرء بقومه والإِنسان بنفسه وهو رجل وإِن لم تكن له عشيرة"، وهذا على تأكيد الخبر والمجاز. والذي نختاره نحن أن لا يكون متطهراً لوضوء الصلاة أو لغسل جنابة إلا بنية وقصد؛ لأن الوضوء فريضة، والفريضة لا تؤدى إِلا بالإِرادات وصحة العزائم ونحو هذا، قال خلف بن زياد() النجراني() في سيرته عندما أمر به وحث عليه قال: ولتحضركم مع ذلك نياتكم بابتغاء الوسيلة إليه والنجاة عنده في أداء حقوقه واتقاء نهيه؛ لأن الله عز وجل لا يقبل الطاعة ممن أطاعه إلا على ذلك() من النية؛ لأن كل فعل أوجبه الله على أحد من عباده فمحال أن يكون خارجاً منه إلا بأدائه وليس بمؤد له من لم يقصده إلى أداء فرضه. ويجب للمتطهر إذا أراد أن يغسل يده للطهارة من حدث نوم الليل ألا يدخلها في الماء حتى يغسلها ثلاثاً لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاًً فإنه لا يدري أن باتت يده"() ، وهذا عندنا على الندب لا على الفرض يدل على ذلك ما روي في خبر آخر أنه قال عليه السلام: "فإنه() لا يدري أين باتت يده" منه إِشفاقاً أن يكون وقعت على موضع نجس من بدنه، وهذا كان قبل وجوب الاستنجاء بالماء، وقد خالفنا في تأويل الخبر داود ومتبعوه وذهبوا إلى أن غسل اليد على الفرض بظاهر الخبر. وحكم الجنب والحائض والنفساء حكم الطاهر في الاسم لما روي أن حذيفة بن اليمان لقيه النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ فمد يده ليصافحه فقبضها وقال: إني جنب، فقال: النبي عليه السلام: " "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً"() أو قال: "المؤمن لا يكون نجساً"، ومن لم يجد ماء فعليه أن يتيمم بالصعيد مقيماً كان أو مسافراً؛ لأن ظاهر الآية يدل على ذلك، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن التيمم لا يجب إلا للمسافر دون المقيم، وذكر أن الآية التي فيها ذكر التيمم إنما هي على صفة العليل والمسافر.
ونحن على ظاهر الآية إذا لم نجد دليلاً يدل على خلاف الظاهر، وكل ما وقع عليه اسم ماء مطلق فالتطهر به جائز كدراً كان أو صافياً، راكداً كان أو جارياً، سخناً كان أو بارداً؛ لأن هذه صفات كلها للماء وكل ما وقع في الماء من كافور أو ريحان أو دهن فاعتبره، فإن كان ناقلاً للماء عن اسمه ومغيراً له عن حاله ووصفه لم يجز التطهر به. فإن قال قائل: لِمَ منعتم من التطهر بالماء المضاف وقد أجمع الناس على التطهر بماء البحر؟ قيل له:

التطهر بماء البحر مخصوص بسنة النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لقوله: "الطهور ماؤه والحل ميته"() فأخذنا في هذا بقول الرسول عليه السلام، وأخذنا في الأول بكتاب الله عز وجل، وكل() ماء وجد متغيراً ولم يعلم أن تغيره من نجاسة فهو محكوم له بحكم الطهارة؛ لأنّا على يقين من أنه كان طاهراً ولسنا على يقين أنه قد صار نجساً، وليس شكنا في زوال الطهارة عنه بموجب ثبوت() النجاسة فيه، فكذلك كل ما كان على يقين من تمام طهارته ثم شك في فسادها لم تجب عليه إعادتها. وكذلك من تيقن أنه قد أحدث ثم شك أنه قد تطهر فشكه غير مزيل لتيقنه. وقد روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنه قال: " لا وضوء إلا من صوت أو ريح"() ؛ وهذا خبر له تأويل وشرح طويل ولن يخفى على خواص أصحابنا إن شاء الله؛ لأن الكتاب لهم جمعناه() وإياهم قصدنا به، لأن المرجوع إليهم والمعول() عليهم.
ومن كان بحضرته ماء نجس وهو عطشان، وحضرته الصلاة وهو محدث، جاز له أن يشرب منه إذا كان مضطراً إليه؛ لأن الله جل ذكره قد أمره بإحياء نفسه وليس له أن يتطهر به "للصلاة، لأنه ليس من الماء الذي يجوز أن يتطهر به إذا كان غير مميز مما قد نهي عن التطهر"() به ولا منفصل منه؛ والله تعالى إنما أمره أن يتطهر بالماء دون غيره. والذي نختاره للمسلم إذا أراد التطهر أو البراز في الأرض أن يقتدي برسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ في فعله والإتباع لأمره والانتهاء عما نهى عنه في أدائه وعزمه، وأن لا يستقبل القبلة بغائط ولا بول. وقد روي عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنه كان من آدابه أنه لا يكشف إِزاراً إذا أراد حاجة الإنسان حتى يقرب إلى الأرض، وروي عنه من طريق عبد الله بن عمر " أن رجلاً مرَّ به ـ صلى اللّه عليه وسلّم وهو يريد البول أو في حال أمر() البول فسلَّم عليه فلم يردّ عليه السلام" فينبغي لمن رغب في الاقتداء برسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ في آدابه أن لا يسلّم على أحد وهو مشتغل ببول ولا غائط، ولا يرد البائل أيضاً السلام. وقد () قال بعض أصحابنا: إن عليه أن يرد السلام إذا فارق الحال التي كان عليها. وكذلك قالوا في المصلي إذا سلَّم عليه الداخل إليه: أن عليه أن يرد عليه السلام إذا فرغ من صلاته، في الرواية ما يدل على سقوط رد السلام في تلك الحال وبعدها؛ لأنه ليس في الرواية أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ رد السلام على المسلم بعد ذلك، لأن رد السلام فرض، والفرض لا يجب إلا أن يوجبه ما يوجب التسليم له ، ولسنا نوجب ذلك إلا أن يوجبه اتفاق أو سنة؛ وقد روي عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنه نهى عن الغائط والبول في الأحجرة، وفسَّر ذلك بعض أهل العلم فقال: إنما نهى عن ذلك عليه السلام " لأنها مساكن إخوانكم من الجن"() ، ويروى عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنه قال: "إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه"() ؛ ففي هذا دليل أنه قد نهى عن الاستنجاء من البول والغائط باليمين، وإذا كان الرجل متطهراً ثم أصاب ظاهر يده بنجاسة() فعلق به منها شيء نقض طهارته، فإن قال قائل: لِمَ حكمتم عليه بنقض طهارته وألزمتموه إعادتها وقد كان متطهراً قبل الحدث،

وما أنكرتم أن يكون حدوث الحدث به لا يوجب زوال "الطهارة المتقدمة له، ولِمَ لم يأمروه بإماطتها عن يده أو بغسلها بالماء ويكون على أصل ما تقدم من"() طهارته؟ قيل له: هذه معارضة فاسدة ومطالبة غير لازمة، وذلك أن الله تبارك وتعالى لم يجعل له إذا أراد أداء فرض الصلاة ولم يجز له الدخول فيها إِلا أن يجتمع له اسمان: أحدهما الطهر، والآخر التطهر، والطهر يكون من النجاسة، والتطهر يكون بالماء، لأنّا قد أجمعنا وإِياكم أن رجلاً لو كان طاهراً من النجاسة وغير متطهر بالماء وصلى، لم يكن مؤدياً لفرضه حتى يجتمع له اسم الطهر والتطهر، فلما كان هذا المتطهر إذا أصابته النجاسة لا يسمى في حالة ذلك إلا متنجساً غير متطهر، وجب زوال حكم عليه لحدوث ما به من زوال حكم() ما كان عليه قبل ذلك.
فإن قال: فإذا غسله فقد حصل له اسم طاهر ومتطهر؟ قيل له: هذا أيضاً غلظ منك، وذلك أن اسم التطهر لا يصح له إلاَّ بعد اسم الطهر. والدليل عليه أن الأمة اجتمعت، أن رجلاً لو تغوط وبقي أثر الغائط على بدنه، ثم تطهر للصلاة وغسل سائر أعضائه ثم رجع إلى الاستنجاء من الغائط، أنه لا يكون متعبداً() بذلك التطهر الذي فعله قبل الاستنجاء. ولا فرق بين أن يكون الغائط ظاهراً هنالك منه شيء، أو على رأسه إذا كان ذلك على جسده، فإن قال: لِمَ فرقت بين الطهر والتطهر وما أنكرت أن يكونا اسمين ومعناهما واحد؟ قيل له: إِن الله تعالى ذكر في كتابه الطهر والتطهر، وجعل لكل واحد منهما حكماً بقوله: ولا تقربوهن حتى يطهرن() يعني من الحيض والنجس وينقى، ثم قال: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله()، ولو أنها نقيت من الدم وغسلت مواضع الدم كان سائر جسدها طاهراً، ولا يجوز لزوجها مع ذلك مجامعتها حتى تطهر بالماء، وهذا تأويل أكثر أصحابنا. ووافقهم عليه أبو حنيفة، واحتجوا بقول الله تعالى: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله قالوا: فليس يخلو كلام رب العالمين من فائدة، فلما ذكر الطهر ثم ذكر التطهر، علمنا أنه قد أفادنا وجعل لكل واحد منهما حكماً، وقد قال بعض أصحابنا بغير هذا التأويل، ونحن نذكره بعد هذا الموضع إن شاء الله.



مسألة في غسل الوجه

والوجه ما واجه به الإِنسان؛ لأن العرب لا تعقل إِلا ما ظهر لها وواجهها، وإنَّما خوطبت بما تعرفه في لغتها، وليس انكشاف الشعر من مواضعه بزائد في طهارته، وغسل مواضع اللحية واجب؛ لأنَّه مواجه به إذا لم يكن هناك شعر، فإذا ظهر فيه شعر يستره ولم يمكن وصول الماء إليه إلاَّ بماء جديد، وذلك شديد أو غير شديد ـ لم يجب غسله؛ لأن اسم غسل() قد زال عنه، وليس يصح عندي ما قاله بعض أصحابنا في إيجاب تخليل اللحية، ولا قول من أمر بذلك استحباباً، ومن فعله فهو عندي غير ملوم. ومن تركه فليس بمتأثم، ولا أعلم اختلافاً بين أحد من الناس، أن الوجه الذي أمر الله بغسله بالماء هو الوجه الذي أمر بمسحه بالصعيد، ولا أعلم خلافاً أن المتطهر بالصعيد لا يجب عليه تخليل اللحية()، ولا يؤمر بذلك استحباباً. واتفاقهم على أن تارك ذلك مؤدّ لفرضه ماسحاً لجميع وجهه دليل على أن اسم الوجه غير لاحق بالمواضع الذي يواريه شعره. ومن كان أقطع اليد أو ممتنعة لعذر، كان الفرض عليه فيما بقي وسقط فرض ما عدم إِذا امتنع بالعذر، فلا() يجب عليه التيمم مع ذلك، وإِن كان قد خالفنا فيه بعض أصحابنا فأوجب المسح بالماء والتيمم بالصعيد في وقت واحد. فأوجب أحد الفرضين مع القدرة والوجود، والتزم مع العدم والعذر فرضين فيجب أن ينظر في ذلك، وذكر محمد بن جعفر في الجامع مع إِجازة التطهر بالنبيذ لمن عدم الماء ويتيمم أيضاً. والذي عندي أن الواجب عليه التيمم بالصعيد؛ لأن صاحب هذا النبيذ لا يخلو أن يكون واجداً الماء() أو عادماً له، فإن كان عادماً له فالتيمم طهارة له، وإن كان واجداً له فالنبيذ غير مجزي() عنه؛ لأنَّه أبعد في الإِجازة من الماء المستعمل، وتخليل الأصابع في المسح غير واجب بإِجماع، وإن كان إيصال الماء إلى مواضع التخليل واجباً، وفي هذا دليل على أن من أصابه الماء في مواضع الوضوء والتطهر من الجنابة إذا لم يمر الإِنسان يده عليه مع الماء أنَّه يجزيه إِذا جرت اليد على الأكثر منه في قول من رأى إِمرار اليد مع الماء واجباً في الطهارة.



مسألة في إيجاب النية

قال الله جلَّ ذكره: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين() وأجمع المسلمون أن التطهر عبادة تَعَبَّدَ الله بها عباده، فلا يجوز إلاَّ بنية، وقد روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرىء ما نوى)()، فإذا لم تكن للمتطهر نية لم يكن له ذلك العمل، ووجه آخر: هو أن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنَّما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أُضيفت() إليه النية.
الدليل على ذلك قول الله عز وجل: ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. إنَّما نطعمكم لوجه الله() مدحهم() الله تعالى بإنفاقهم لأموالهم إذا كانت المقاصد لله عزَّ وجلَّ، وقال عز وجل في موضع آخر: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس() فذمهم بالإِنفاق؛ لأنَّهم لم يقصدوا الله جلَّ ذكره بها. وقد استوى الإِنفاقان في الظاهر، وهذا منفق وذلك() منفق، حصل أحدهما طائعاً بالإِخلاص والقصد إلى الله جل وعزَّ، والآخر عاصياً لتعريه من هذه الحال (نسختين) هذه الحالة مع تساويهما في الإِنفاق. وأيضاً فإن الإنسان لو أصبح غير ناوٍ للصوم واشتغل عن الأكل والشرب، والمنكح حتى غربت الشمس لم يستحق اسم صائم ولا يسمى مطيعاً؛ لأنَّه معرى عن الإِمساك مع النية، وما أتاه فهو صورة الصوم، ولو تقدم هذا الإِمساك بنية من الليل لسمّي مطيعاً واستحق اسم صائم؛ وإِذا كان هذا هكذا فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على طاعة ولا معصية، وقد

الله تبارك وتعالى: ليبلوكم أيكم أحسن عملا()، فالإِنسان إذا لم يعمل ما أُمر به بقصد واختيار لم يُسَمَّ مطيعاً، وإنَّما يسمى() المطيع مطيعاً أن يرقب أمر المطاع فيأتيه امتثالاً لأمره، فحينئذ يستحق اسم مطيع. وقد أجاز أبو حنيفة الطهارة بغير نية مع إِجازته للقياس والقول به، والأولى لمن قال بالقياس أن لا يجيز الطهارة إلاَّ بالنية؛ لأن التيمم عنده بدل من الطهارة، وقد قامت الدلالة عنده أن هذا البدل لا يجوز إلاَّ بقصد ونية، فالذي أبدل منه أولى أن لا يجوز إلاَّ بنية. وإذا كان هذا هكذا وجب إِحضار النية للطهارة وسائر العبادات بظواهر الأدلة التي ذكرناها، وبالله التوفيق. فإن احتج محتج لأبي حنيفة فقال: إِن التيمم قد نزل النص فيه بالنية والطهارة بالماء معراة من هذا التعبد وفي (نسخة) التعبيد، ألا ترى إلى قول الله عزَّ وجلَّ: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً()، والتيمم هو القصد في اللغة، قيل له: ليس فيما أوردت دلالة (نسخة) على صحة مقالتك. وذلك أن الله تعالى أوجب عليه قصد التراب، وليس في أمره لقصد التراب دلالة أن التيمم يفتقر إلى النية؛ لأن الإِنسان قد يقصد التراب، فإذا وجده وصار إِليه يأتي بالتيمم بغير نية، ولو كان أمره جلَّ وتعالى بقصد التراب يوجب النية في التيمم، لكان أمره بطلب الماء يوجب النية للطهارة، فإن قال: إِن الأمر بطلب الماء لا يوجب النية. قيل له: أيضاً أمره بقصد التراب لا يوجب النية، وبالله التوفيق.
وإذا تطهر الإِنسان للنافلة جاز له أن يصلي به الفريضة، الدليل على ذلك أن المتطهر لا يوجب عليه أن يصمد بالطهارة صلاة بعينها، وإنَّما أمر أن يعتقد الطهارة لرفع الأحداث، فإذا اعتقد رفع الأحداث صار طاهراً لما يوقع من الصلوات، فإذا أتى بكمال الطهارة فحصوله طاهراً عند اعتقاده لرفع الأحداث، وإذا كان هذا هكذا جاز له أن يصلي بتلك الطهارة ما شاء من الصلوات إلى أن يحدث، ودليل آخر أن الإِنسان لا يخلو من أن يكون طاهراً عند تطهره، أو ميقاً على حدثه، ولا يجوز أن يكون طاهراً من جهة محدثاً من جهة. وإذا كان هذا هكذا فحصول الطهارة برفع الأحداث، وإذا كانت الأحداث مرتفعة فالصلاة مقبولة بالطهارة التي حصلت.
فالواجب على الإِنسان استصحاب النية للعبادات إذا أراد فعلها، واستصحابه لها هو أن لا ينقلها من عمل موفيه إلى غيره، وأما غروب النية من غير أن يكون هو الناقل لها ولا يقدح في الاستصحاب، ولا أعلم في ذلك() خلافاً والله أعلم وبه التوفيق.
وحد الوجه من منابت شعر الرأس إِلى الذقن وإلى الأذنين، سواء إن كان المتطهر ذا لحية أو غير لحية، والمنشا داخل في الوجه، وهو البياض الذي بين العارض والأذن، وليس عليه إِيصال الماء إلى أصول شعر اللحية، الدليل على ذلك أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ توضأ واحدة واحدة، وليس في وسع الإِنسان وطاقته إِيصال الماء إِلى أصول الشعر إِذا كان كثيفاً بمرة واحدة، فإن قال قائل: بلى في وسعه أن يبتل البلة من أصول الشعر، قيل له: هذا دعوى تدَّعيه والمشاهدة خلافه، ولو كان الأمر على ما ذكرت لم تكن له فيه دلالة؛ لأن الموصل البلَّة إلى أصول الشعر لا يسمى غاسلاً، وإنَّما يسمى ماسحاً، والوجه أخذ فيه الغسل لا المسح، وإذا بطل أن يسمى() غاسلاً فالمسح غير واجب في الوجه، إذ الغسل معنى والمسح غيره، ويدل على ذلك تفرقة الله جل وعلا بين الغسل

والمسح، فجعل محل الغسل وجهاً، ومحل المسح رأساً؛ وإذا كان هذا هكذا فأكثر ما في الباب أن يسمى ماسحاً إِيصاله البلة إِلى أصول الشعر والغسل ساقط، والكلام بيننا في الغسل لا في المسح، وبالله التوفيق.
وأما مسح المرفقين فقد تقدم ذكرنا له فيما فيه الكفاية إن شاء الله، وتنازع الناس في مسح الرأس، فقال قوم: يمسح جميعه، وقال آخرون: الربع، وقال آخرون:الثلث، وقال آخرون: بالناصية، وقال آخرون: أقل ما يقع عليه اسم ماسح. وتنازعوا أيضاً في الاستنشاق، فقال قوم: واجب ولا يصح اسم الطهارة إِلا به، واحتجوا بقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ للقيط بن صبرة: (إذا استنشقت فأبلغ إِلا أن تكون صائماً)()، قالوا: والأوامر على الوجوب؛ وقال قوم: غير واجب. واحتجوا بقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ للسائل عن الطهارة: (توضأ كما أمر الله)()، فردّ ذلك إلى القرآن، والذي يوجبه النظر عندي أن الطهارة لا تتم إلا به لقول النبي عليه السلام للقيط بن صبرة، وقوله لغير لقيط: (إِذا توضأت فضع في أنفك ماء ثم استنشق)()، والاستنشاق واجب بالسنة كوجوب سائر الأعضاء بالقرآن، قال الله جلَّ ذكره: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما()؛ وقوله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله()، وقال: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى()، ولو صح اعتراض المعترض لقول الرسول عليه السلام: (توضأ كما أمرك الله) يوجب زوال وجوب الاستنشاق، وإِن كان النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ قد أمر به وفعله لكان قول من تعمد على هذا المذهب، ويقول به يرى إجازة المسح على الخفين بالسنة التي ذكرها لكان مسح الخفين أيضاً باطلاً عنده على مذهبه، وبالله التوفيق.
اختلف الناس في حكم الأذنين، فقال قوم: هما من الرأس، وقال بعضهم: هما من الوجه، وقال آخرون: ظاهرهما من الرأس، وباطنهما من الوجه، فمن ذهب إلى أنَّهما من الوجه غسلهما مع الوجه، ومن ذهب إلى أنَّهما من الرأس مسحهما مع الرأس؛ ومن ذهب إلى أن ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه مسح ظاهرهما مع الرأس وغسل باطنهما مع الوجه. والنظر يوجب عندي أن مسحهما غير واجب، ولست أنكر أن يكونا من الرأس، وإنَّما تنازع أهل العلم أنَّهما من الرأس المأمور بمسحه أم لا؟ والوجه أيضاً من الرأس، ألا ترى أن الرجل المطاع إذا أمر أن يؤتى برأس إنسان أنَّه يوجب على المأمور أن يأتي بالرأس المركب على العنق والوجه معه، وإن خص باسم متفرد به، ويدل على أن الأذنين ليستا من الرأس المأمور بمسحه. وأن() الناس يتنازعون في مسح الرأس، فمنهم من أوجب مسج جميعه، ومنهم من أوجب الثلث، ومنهم من أوجب الربع، ومنهم من أوجب أقل القليل منه ما لم ينقص عن مقدار ثلاث شعرات. فقال الموجب الكل: لو مسح جميع() رأسه وترك أذنيه أجزأه ذلك. فمن قوله: إنَّهما ليستا من الرأس المأمور بمسحه، ومن قال بالثلث أو الربع قال: لو أتم الربع أو الثلث بالأذنين لم يجزه ذلك، فدل من قولهما أنَّهما ليستا من الرأس المأمور بمسحه. ومن قال يجزيه مسح أقل القليل قال: لو مسح أذنيه لم يجزه ذلك،

فكان فيما ذكرناه دلالة أنَّهما ليستا من الرأس المأمور بمسحه، فهذا يدل على أنَّها سنة على حيالها() مرغب في إِتيانها، لأن ذلك واجب. ويدل على ما قلنا أيضاً أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أوجب على المحرم يوم النحر أن يقص رأسه أو يحلق، وأجمعوا أنَّه لو كان على أذنيه شعر كثير فأخذ منهما لم يكن محلاً بذلك، ولو كانتا من الرأس لأجزى ذلك عنه. وأجمعوا أنَّه لو حلق رأسه كله وترك الشعر الذي على أذنيه لسُمِّي حالقاً رأسه، ولم يقل أحد فيما علمنا أنَّه ترك بعض شعر رأسه فإذا() كان هذا هكذا كان القول ما قلنا دون ما ذهب إليه مخالفونا. فإن قال قائل: ما ينكر باطنهما من الوجه؛ لأنَّهما مما يواجه به الإِنسان فيحسب إِذا كان الوجه مما يواجه به الإِنسان إِذا كان الوجه مأخوذ من المواجهة وباطنهما مما يواجه به الإِنسان، فيجب أن يدخل في جملة الوجه، قيل له: هذا غلط من الاعتلال؛ وذلك أن الوجه ليس مأخوذاً من المواجهة، إِذ لو كان مأخوذاً من المواجهة لسمِّي الصدر وجهاً لأنَّه مما يواجه به، وقد يواجه غير الوجه أيضاً فلا يستحق اسم وجه، والله أعلم.
ولما رأيت الناس يتنازعون في وجوب مسح القدمين أو غسلهما وأحببت() غسلهما ومسحهما أن يؤتى بهما في مسح الصلاة والطهارة لها به يوجب() القراءتين، وإِن أتى بغسل يشتمل على المسح أجزأه ذلك، وقد اتفقوا على صحة القراءتين، وأن الآية قرأها الصحابة بالنصب والخفض، فالخفض يوجب المسح، لأنَّه معطوف به على الرأس، والنصب يوجب الغسل، لأنَّه معطوف به على الوجه واليدين. وأجمع الكل على أن القراءتين صحيحتان فصارتا بمثابة() الآيتين، والآيتان إِذا أوردتا ولم يكن في الأخذ بواحدة رفعاً للأخرى وأمكن استعمالهما وجب إتيان ما تضمنتاه، فإذا كان هذا كذا فالواجب أن يأتي المتوضئ بغسل يشتمل على مسح ليكون في ذلك استعمال القراءتين.
فإن قال قائل: أما ما ذكرتم في الخفض لا يوجب مسحاً، ألا ترى أن العرب قد تكلمُ بمثل هذا، يقول قائلهم: تقلدت سيفاً ورمحاً، وأكلت خبزاً ولبناً، وعلفت الدابة تبناً وماءً. ومعلوم أن الرمح لا يتقلد، والماء لا يعلف، واللبن لا يؤكل. وإذا كان هذا هكذا، كان قوله عزَّ وجلَّ: وأرجلكم لا يوجب مسحاً وإنَّما يوجب غسلاً، ألا ترى إِلى قول العرب: جحرُ ضبٍ خربٍ، فخفض من طريق المجاورة، لأنَّه معطوف على ما يقتضي في الحكم، قيل له: لسنا ننكر أن ترد هذه اللفظة في باب العطف، فلا يراد بها أن يكون حكمها حكم ما عطف عليها عند قيام الدلالة، وإنَّما ينتقل ذلك عند الضرورات. فلو أمكن لنا لتقلدنا الرمح ولعلفنا الدواب بالماء(). لم ينقل عن موضع (نسختين) عن موجب العطف، ولما أن كان الخراب لا يكون() إلاَّ للبقاع، والضب لا يوصف إلاَّ بالخراب، نقل ذلك ضرورة، وليس لمستنكر أن يؤمر بمسح الرِجلين؛ إذ ذلك جائز فيهما بحكم المعطوف أن يكون على ما تقدم من المذكور؛ وأن يكون حكمه حكمه. ألا ترى إذا قال العربي: ضربت زيداً وعمراً والضرب ممكن فيهما، يوجب أن يحكم أنَّهما مضروبان، وإن كانت اللغة، يقال: ضربت زيداً وعمراً أكرمت، إِلاّ أن الظاهر من اللفظ ما قلناه.
وإذا كان ذلك كذلك، وجب على المتوضئ أن يأتي بغسل يشتمل على مسح لا يجزي، لعله لأن يجزي أحدهما عن الآخر، بموجب القراءتين والله أعلم.

والمستحب للمتوضئ للصلاة أن يتوضأ ثلاثاً لكل عضو مأمور به، فإن توضأ واحدة فهو الفرض إِذا عمَّ الجارحة بها، لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (أنَّه توضأ واحدة واحدة، ثم قال: هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلاَّ به، ثمَّ ثنَّى فقال: من ضاعف ضاعف الله له، ثم أعاد الثالثة وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)() وأكره أن يكون الوضوء متفرقاً، لأن من نقل كيفية الوضوء عن النبي عليه السلام لم يذكر أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ فرَّق وضوءه، ولا أعلم واحداً منهم فرق الوضوء إلاَّ في موضع واحد. وقوله عليه السلام: (هذا وضوء لا تقبل الصلاة إِلا به)() مع فعله له في موضع واحد يدل على ذلك، لأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ مقتدىً به في قوله وفعله. ومن زعم أن تفرقة الوضوء جائزة صعب عليه إِقامة الدليل؛ وأوجب الله تعالى الطهارة على المحْدثِين، فإذا أراد الإِنسان القيام إلى الصلاة وهو محْدِث أتى بالطهارة التي خاطب الله بها المحْدثين بقوله: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة... والله أعلم؛ وإِذا أردتم القيام إِلى الصلاة وأنتم محدثون، وقيل أيضاً إن معنى قوله جلَّ ذكره: إذا قمتم إلى الصلاة يريد من مضاجعكم من النوم، والذين خوطبوا بالتيمم هم الذين خوطبوا بالماء عند وجوده، فالمتطهر لم يدخل في هذا الخطاب. فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون كل قائم إِلى الصلاة فواجب عليه التطهر، سواء إِن كان محدثاً أو متطهراً، قيل له: هذا سؤال لا يصح لأحد،؛ لأن هذه الآية لو حملت على ظاهرها لاشتغل الإِنسان بالطهارة دهره عن الصلاة؛ لأنَّه إِذا تطهر ثم أراد القيام إلى الصلاة لزمه التطهر، وإِن كان متطهراً فلا يتوصل إِلى الصلاة واشتغل، وإلاَّ بطل هذا الوجه صح أن الخطاب للمحدثين، ولو كان هذا الخطاب لكل قائم إلى الصلاة لم يكن في قوله فائدة: أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فدل ما عقَّب به من الكلام أن الله جلَّ وعلا لم يرد كل قائم إلى الصلاة، وإنَّما أراد المحدثين دون المتطهرين؛ فإذا ثبت للإِنسان طهارة جاز له أن يصلي بها ما شاء من الصلوات إلى أن تزول طهارته؛ ودليل آخر أن الإِنسان له حالان: حال خوطب فيها بالطهارة، وحال خوطب فيها بالصلاة. ولا يخاطب بالصلاة إِلاَّ من سقط عنه فرض الطهارة والله أعلم.


مسألة

وإذا كان عند إنسان ماء يخاف على نفسه إن استعمله؛ من برد أو عطش يلحقه فيتلفه وهو محدث، وقد أُمر بالصلاة فلا يحل له أن يستعمله لطهارة، فإن استعمله لذلك كان عاصياً لربه، وكذلك المغتصب للماء والسارق() له أيضاً؛ لأن الطهارة عبادة وفعلها ثواب يستحقه من فعل تلك العبادة التي أُمر بها، فإذا فعل ما نهي عنه كان فعله معصية لا يكون طاعة ولا يثاب عليها فاعلها، وإذا كان الإنسان في موضع يقدر على الماء لم يكن له أن يتيمم للجنازة؛ لأن الله تعالى أباح العدول إلى التراب عند عدم الماء، وأما عنده وجوده() الماء والقدرة على استعماله فلا سبيل إلى العدول عنه.
وقد وجدت محمد بن جعفر يذكر في الجامع أن من خاف فوت الجنازة في الحضر، ولم يكن الماء بحضرته وهو محدث أن يتيمم ويصلي، والله أعلم ما وجه هذا القول؛ ونحن نطلب الحجة لهذا القول الذي ذكره إن كان قولاً من قول أصحابنا رضي الله عنهم. فإن قال قائل ممن يحتج بهذا القول: إني رأيت الله تبارك وتعالى أباح التيمم إذا خشي الإنسان فوات() الصلاة، وإن كان يصلي إلى الماء بعد خروج وقتها. ألا ترى أن الإنسان إذا كان في موضع بينه وبين الماء مسافة، وهو يقدر علىيه بعد خروج الوقت أنَّه يأمر أن يتيمم ويصلي، وإن كان يقدر على الماء بعد خروج الوقت لئلا تفوته الصلاة، ورأينا الجنازة تفوت المحدث؛ قلنا: إنَّها بمثابة الصلاة التي يخشى فوتها. قيل له: صلاة الجنازة لا تشبه الصلاة التي شبهتها بها؛ لأن الحاضرين للجنازة لا يخلوا أن يكونوا غير متطهرين كلهم أو فيهم متطهر، أو يكون من حضرها فيهم محدثون غير متطهرين أو يكون من حضرها فيهم متطهرون بالماء وغير متطهرين، فإن كان الكل محدثين،

فقد قال الكل من الناس: إن عليهم أن يتطهروا بالماء، ثم يصلُّوا، إلاّ أن يكونوا في موضع قد أيسوا من وجود الماء، ويخاف على الميت إن أخَّروه إلى وجود الماء، فحينئذٍ يجتمعون على التيمم ويصلّون عليه. وإن كان بعض من حضر الجنازة متطهراً بالماء؛ ومنهم من ليس متطهراً به، ففرض الصلاة لزم المتطهرين بالماء دون من كان محدثاً؛ لأن الصلاة على الجنازة فرض على الكفاية إذا قام بها البعض سقط عن الباقين؛ إذا كان الفرض قد لزم المتطهرين بالماء دون المحدثين لم يكن للمتنفل أن يتيمم في الحضر إلاّ بطهارة الماء، إذ وقت النفل في كل زمان إلاّ وقت منع التنفل فيه، والله أعلم.
ووجه آخر من الدليل يوجب صحة ما قلنا، إن الأمة اجتمعت على أن من خشي فوات() الجمعة لم يكن له التيمم، وإن فاتته فليس له أن يصلِّيها إلاّ بطهارة الماء. فلو كانت العلة التي ذهب إليها من قال: يجوز() التيمم لصلاة الجنازة هي فوات الصلاة، لوجب أن يجيز التيمم لمن خشي فوات الجمعة أن يتيمم، والجمعة وسائر الصلوات المفروضات أشبه؛ لأن الجمعة ليس بفرض على الكفاية. كما أن صلاة الظهر ليس بفرض على الكفاية، لو شبه بالظهر كان دليله أهدى من أن يشبه بالصلاة التي موضوعها() على الكفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين. فإن قال: إن الجمعة لها بدل، والجنازة ليست لها بدل. قيل له: إذا أقتَّ() أنت الجمعة صار لها بدل، فعليك توجب أن لا تفوتها، والذي أوجب له الصلاة بالتيمم على الجنازة فليس بواجب عليه إتيان تلك الصلاة، ولا يشبهها بالصلاة التي ليس له تركها. وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد، وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين، فهو قوله: اتَّبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم ولا تَتَّبعوا مِنْ دونه أولياءَ قليلاً ما تذكَّرون()، والسنة أيضاً مأخوذة من الكتاب، قال جلَّ ذكره: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول()، وقال: فإن تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر()؛ وقال جلَّ ذكره: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم()؛ وقال: من يطعٍ الرسول فقد أطاع الله()؛ وقال: فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شَجَرَ بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرَجاً مما قضيت ويُسَلِّموا تسليماً(). وقال: وما ينطقُ عن الهوى، إن هُوَ إلاّ وحيٌ يوحى().
والسنة عملٌ بكتاب الله، وبه وجب اتِّباعها، والإجماع أيضاً عملٌ بكتاب الله وبالسنة التي هي من كتاب الله؛ لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلاّ من الرسول ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ. والسنَّة أيضاً على ضربين: فسنَّة قد اجتمع عليها، وقد استغنى بالإجماع عن طلب صحتها؛ وسُنَّة مختلف فيها، لم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها. فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب.



مسألة
وإذا كان عند الرجل ماءُ، وهو محدث من غائط أو بول ولا يكفيه لغسل حدثه، وطهارة أعضائه "نسختين" أعضاء بدنه، أنَّه كان عليه في قول بعض أصحابنا بالاستنجاء، فإذا حصل طاهراً ولم يجد ماء لأعضائه يتيمم. وكان عند أصحاب هذا القول مخاطباً بالآية: فلم تجدوا ماء فتيمموا() ، وقال بعضهم: عليه إماطة النجاسة ونقلها عن بدنه ثم يستعمل الماء لأعضائه التي خوطب بتطهيرها بالماء عند قيامه إلى الصلاة، والتطهر يوجب عندي أنَّه مخير في استعماله لأيهما شاء؛ لأنَّهما فرضان، وغسل الأعضاء بالماء فرض عند وجوده، وغسل النجاسة فرض بالماء عند وجوده، وإذا لم تقم دلالة على أحدهما كان مخيّراً في استعماله الماء لأيهما شاء، والله أعلم.
وإذا كان محدثاً ولا نجاسة في بدنه وعنده من الماء ما لا يكفيه لغسل أعضائه المأمور بغسلها إذا أراد الصلاة. كان المأمور به استعمال الماء على ما يكفيه من أعضائه، ويتيمم لما بقي منها؛ وقال بعض مخالفينا منهم أبو حنيفة وداود: إن عليه أن يتيمم ولا يستعمل الماء؛ لأن الله جلَّ ذكره لم يُتعبد بطهارة واحدة بالماء وبالتيمم، واحتجوا بقول الله تعالى: فلم تجدوا ماءً فتيمموا() ، فمعناه عندهم ما لم تجدوا ماء تتطهرون به، وهذا ماء غير مطهر لنا.
قال: وإذا لم يكن عنده ماء لا يكفي إلا لبعض أعضائه فهو عندي غير واجد للماء الذي أمر بالطهارة به، فالواجب عليه التيمم، وليس عليه استعمال الماء الذي لا يطهر، والذي قلنا أشبه بالسنَّة وأَولى بالحجة، وذلك أن الله جلَّ ذكره أوجب بالغسل على كل عضو على انفراد، ولم يقل إذا عجزتم عن غسل بعض أعضائكم فلا تستعملوا الماء، فالواجب أن يستعمل ما قدر على استعماله؛ الدليل على ذلك قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: " إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم"() ؛ وهذا يقدر أن() يغسل بعض أعضائه فعليه إتيان ما استطاع، ودليل آخر، أنَّه لا يجوز له العدول إلى التراب وهو واجد للماء، قال الله تعالى: فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا()؛ فجعل شرط التيمم بعد عدم الماء، والماء موجود فليس له أن يعدل إلى التراب حتى يفنيه()، فيدخل في قوله تعالى: فلم تجدوا ماءً، ولم يقل الله عزّ وجل: فلم تجدوا ماءً ما يكفي أعضاءكم، فإذا كان هذا هكذا وجب عليه استعمال الماء، فإذا عدم الماء وبقي من أعضائه شيء عدل إلى التراب بظاهر الآية، والله أعلم.


مسألة

وإذا كان عند رجل ماء واجتنب (نسختين) وأجنب رجل وطهرت امرأة من حيضها، ومات إنسان، كان بعض أصحابنا يذهب إلى أنَّه يجود به على من يشاء منهم. والنظر عندي يوجب أن يغسل به الميت، أو يدفعه إلى من يغسل؛ لأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ قال: "اغسلوا أمواتكم"()، وهو داخل في الفرض بالأمر ولم يخاطب في الجنب والحائض، وإذا() كان هو الجنب، فهو أولى به وليس له دفعه إلى غيره، لأنَّه مخاطب بالطهارة إذا كان قادراً عليها بالماء، وهو قادر على ذلك، والله أعلم.
وإذا كان الماء للميت فهو أحق به، وليس لأحد أن يأخذه لنفسه إلا أن يخاف واحد على نفسه العطش فله إحياء نفسه ويضمن لورثته بالثمن() في أكثر قول أصحابنا، والله أعلم.



مســألة في الطهارة

ثبت أن رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أمر بالاجتمار؛ والاجتمار() إزالة النجو بالحجارة الصغار، ويسمى حصى أيضاً، وتسمى جمار مكة حصى لصغرها. ألا ترى إلى قول الشاعر:

هي الشمس إلا أنَّها تسحر الفتى***ولم أر شمساً قبلها تحسن السحرا.
رمت بالحصى يوم الجمار فليته***بعيني وليت اللهَ صيَّره جمراً.

ويقال للمستنجي بالحجارة: استطاب الرجل، ومنه قيل: استطاب، فهو مستطيب إذا استنجى؛ يريد بذلك أنَّه طيب نفسه بإزالة الأذى عنها. فإذا وجد الإنسان الماء لم يكن له استعمال غيره؛ لأن فيه غاية الاستطابة، ولأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أراد بالاستنجاء الاستطابة، وبالماء أبلغ الاستطابة والتنظيف. وسواء تعدَّى النجو للمخرج أو لم يتعده لعموم اللفظ.
والقائل: إن الاستنجاء بالحجارة أو غيرها للمتغوط الذي تعدى الغائط مخرجه محتاج إلى دليل؛ فإن قال
قائل: لِمَ قلتم إن استعمال الماء عند وجوده لا ينبغي غيره، وقد أمر النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بالحجارة

وأجاز الاستنجاء بها؟ قيل له: أمر النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بذلك وأراد الطهارة، إلا أن الشافعي أجاز الاستنجاء بحجر واحد إذا كان له ثلاثة أحرف، مع روايته للأعداد ثلاثة عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، فأقامه مقام ثلاثة أحجار، وعدل عن المنصوص، وقال: كذلك قال داود: أنَّه يكفي المستنجي بما ينقيه، ولم يخص بالذكر حجراً يوصف ولا غيره، قال: ولو أنقي بحجر واحد أجزأه، وكذلك قال: ولو أعدل() عن الحجارة إلى الخزف أو الخزف والخشب أن ذلك يجزيه، وقال أبو حنيفة: عليه() أن يزيل ما عدا المخرج، وإجماعهم يدل على أن المراد التنظيف.
وبعد، فقد أجمع مخالفونا على تصويبنا باستعمالنا الماء، ولم نوافق أحداً منهم إذا عدل عن الماء بادعائه إجازة ذلك أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ خيَّرهم في أي هذه الطهارات شاؤا فعلوا.
وقد أمر الله تعالى باجتناب الخبائث، وأوجب إزالة النجاسات عن الأبدان والثياب للصلاة، لئلا يقربها المخاطب بها إِلا بعد طهارته، فالواجب على المتعبد إزالتها، وقد عرفنا أن الماء طهور يعني مطهراً. فهو مطهر لنا لقول الله جلَّ ذكره: وأنزلنا من السماء ماء طهورا(). وقوله: ليطهركم به()، وعلى من ادَّعى غيره إقامة الدليل، والوضوء من المذي واجب لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (الوضوء من المذي والغسل من المني)()، فالطهارة واجبة منه باتفاق الأمة. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنَّه قال: "لو جرى فسال على فخذي لم أقطع منه الصلاة". وسنَّة النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ قاضية عليه، والنوم مع الاضطجاع ينقض الوضوء لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إن الوضوء على من نام مضطجعاً)()، وروي ذلك عن ابن عباس عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، وكان أبو موسى الأشعري لا يرى النوم ينقض الطهارة على كل حال، ومن طريق ابن عباس أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ سجد فنام، حتى غط فنفخ، فقام فصلى، فقلت: يا رسول الله قد نمت، فقال رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إنَّما الوضوء على من نام مضطجعاً)()، وقال ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (العينان وكاء السَّهْ)()، والوكاء هو الخيط الذي يشد به رأس القربة، فجعل ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ العينين وكاء الدبر من طريق المجاز، وأن السَّهْ في اللغة هي حلقة الدبر على ما يرى العرب. ويسمى أصل كل شيء السَّهْ، ومنه قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ في الوكاء حيث قال في اللقطة: أعرف عقاصها ووكاءها. يريد بذلك الخيط والعقاص الوكاء، فجرى هذا المعنى من النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ في النوم الذي ينقض الطهارة منه في معنى قول الله تعالى: حرمت عليكم الميتة()، ثم قال ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إنَّما حرِّم أكلها)() فصار المحرم منها مخصوصاً، كذلك النوم الذي ينقض الطهارة منه مخصوص بالاضطجاع والله أعلم.
والوضوء لا يجب مما مسَّته النار، فإن قال قائل: فقد روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه توضأ مما مسَّت النار، قيل له: الوضوء في لغة العرب مأخوذ من النظافة. الدليل منه قول الشاعر:

مساميح الفعال ذوو أناة***مراجيح وأوجههم () وضاء.


يريد من النظافة، فقد يمكن أن يكون المراد بالوضوء في النظافة في هذا الموضع وهو غسل اليد استحباباً لا إِيجاباً، فلسنا نوجب فرضاً بغير دليل، ولو كان موجباً للوضوء الذي للصلاة كان ما روي عنه من غير هذا الموضع معارضاً له، وذلك أنَّه أتى بكتف موربة، والموربة الموفرة فأكل منها ولم يتوضأ، والموربة هي الموفرة غير الناقصة في اللغة، ويدل على ذلك قول بعض الشعراء: وكان لعبد القيس عضو مؤرب.
يعني تاماً غير ناقص. وروي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه أُتي بسويق فشربه، ومضمض فاه وصلى؛ وروي عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (لا وضوء من طعام أحلَّ الله أكله)()، والوَضوء بفتح الواو اسم الماء الذي يُتوضأ به، والوضوء بضم الواو اسم الفعل. وكذلك السَّحور بفتح السين اسم الطعام الذي يؤكل في السَّحر، والسُّحور بضم السين اسم الفعل. والوَقود بفتح الواو اسم الحطب، والوُقود بضم الواو اسم اللهب. قال الله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة()، يريد حطبها والله أعلم، ومنه قول الشاعر:

فأمسوا وقود النار() في مستقرها***وكل كفــور في جهنم صائر.

يريد أمسوا حطبها. وقال آخر أيضاً:

أحبُّ المـوقدين إليّ موسى***وحرزةُ() لو أضاء لنا الوُقود.

ويريد أضاء اللهب والله أعلم.

وأما الوضوء مما مسَّت النار على ما جاءت به الرواية عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه أمر بالوضوء مما مست النار، وهو عندنا غسل اليد والفم، وكانت الأعراب لا تغسل منه وتقول: فقد الطعام أشد علينا من ريحه. فأفاد رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بغسل الأيدي مما مسّت النار من الأطبخة والشواء من الدّهونية()، يقولون: إذا غسلوا أيديهم وأفواههم من الأطعمة توضأنا، هكذا نعرف في اللغة والله أعلم.
وروي عن الحسن البصري أنَّه قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي() الهم (نسخة) اللّمم، والوضوء مأخوذ من الوضاءة ومن النظافة والحسن، منه قيل: وضيء الوجه، أي نظيفه وحسنه، فكأن الغاسلَ وجهه وضاه أي نظَّفه وحسَّنه، ومن غسل عضواً من أعضائه فقد وضاه، والوضوء الذي في كتاب الله هو الغسل.
والمتوضئ يقول: مسحت، والمسح خفيف الغسل؛ لأن الغسل للشيء تطهير له بإفراغ الماء، والمسح له تطهير بإمرار الماء، وقد كانوا يجتزئون بالقليل من الماء ولا يسرفون. وقد كان رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ يتوضأ بِمُدَّيْن() من ماء، والمد قيل: إنَّه رطل وثلث برطل زماننا. فهذا يدل على أنَّه كان يمسح أعضاءه وهو لها غاسل؛ والغسل عند أصحابنا هو إفراغ الماء وإِمرار اليد على البدن، وهو قول مالك وابن() عُلَيَّه؛ وأما غيرهم() فصب الماء عندهم بظاهر اللغة، واحتج من ذهب إلى هذا المعنى بقول بعض الشعراء():

وبتنا جميعاً ناعمـين بلذّة***تحدّثني طوراً وأنشدها الغزَلْ.
وجاءت سحابةُ فاغتسلنا بقطرها***وما علمت كفي عراكاً لمغتسل.

ويكره لطم الوجه بالماء عند الطهارة، فإذا مسح بدنه بالماء فقد غسله، ألا ترى أن الجنب إذا اغتسل ثم ذكر عضواً من أعضائه لم يصبه الماء أنَّه يمسحه من بلل بدنه، وفي الرواية عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ (أنَّه اغتسل من جنابة فرأى في بدنه لمعة لم يصلها الماء فعصر حمته() عليها ومسحها)()، فهذا يدل على أن الماء المستعمل إِذا لم يباين الجسد يجوز لنا استعماله في الجزء الذي فاتته الطهارة.

مسألة في الاستنجاء

والاستنجاء مأخوذ من النجو، وهو ما ارتفع من الأرض، وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجته استتر بنجوة، وقالوا: ذهب() ينجو، كما قالوا: ذهب يتغوط إذا أتى الغائط، وهو الموضع المطمئن من الأرض. ثم يسمى الحدث نجواً باسم الموضع، (واستحق لعلة)()، واشتق لاسم() الحدث اسم من المكان الذي ينتهي إليه به، كما سمي المتمّسح بالأحجار الماسح بها مستجمراً؛ لأن الحجارة الصغار تسمى جماراً، كما تسمى حجارة العقبة جماراً. ومنه الحديث: (إذا توضأت فاستجمر، وإذا استجمرت فأوتر)، والاستنشاق من الاستنثار مأخوذ من النثرة، وروي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال للرجل: (ضع في أنفك ماءً ثم استنثره) والنثرة في اللغة: الأنف.

باب في المياه() وأحكامها

قال الله جلَّ ذكره: وأنزلنا من السماء ماء طهورا()، فالطهور الذي يطِّهر الشيء، وهو الفعول للطهارة، ولو تركنا والظاهر() كنا نحكم بتطهير كلَّ ما لاقاه الماء الذي سماه الله طهوراً، غير أن أدلة قامت في بعض المواضع فامتنعنا لذلك عند قيام الأدلة؛ وكل موضع تنازع المسلمون فيه فطهارته حاكمة بما قلناه، وقد تنازع المسلمون في القليل من الماء إذا دخلته() النجاسة فلم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً، فقال القائلون: الماء نجس مع ارتفاع أعلام النجاسات. وقال قائلون الماء طاهر إذا لم يكن فيه شيء من أمارة النجاسة، والقرآن قد أورد() أن الماء طهوراً، فهذا الطاهر يوجب أن يكون البول قد طُهر بغلبة الماء عليه مع ارتفاع أعلام النجاسة التي حلت. فإن() الله عز وجل قلب عينه؛ لأن الله جل وعلا يجعل الماء بولاً، والبول ماء، والقائل() إن الماء غير مطهّر في هذا الموضع محتاج إلى دليل، ودليل آخر أن الله عز وجل قال: وأنزلنا من السماء ماء طهورا، والطهور في لغة العرب هو الفعول للطهارة، وهو الذي تعرف منه تطهير() الشيء بعد الشيء، والماء الذي لا الشيء، والماء الذي لا يطهِّر الأشياء لا يستحق هذا الاسم؛ لأن الإِنسان إذا عرف من عادته من غذائه المتعارف، ومن شربه المتعارف، لم يسمَ أكولاً ولا شروباً، وإنَّما يسمى أكولاً إِذا أكثر الأكل، ومنه سمي شروباً إذا كثر شربه، فظاهر الآية يوجب أن الماء الذي سماه الله طهوراً إِذا لاقى شيئاً من النجاسات طهَّرها بتسميته إِياها ماء طهوراً فالواحب إِجراء العموم على ظاهره، إلاَّ ما قام عليه دليله؛ ووجه آخر: أجمع المسلمون جميعاً أن الماء() قد يحكم له بحكم الطهارة، وإن حلته النجاسات ما لم يتغير له لون ولا طعم ولا ريح()، وإنَّما اختلفوا في الحدود والنهايات. والحدود لله تعالى، وليس لأحد من الأمة أن يضع حداً يوجب بوضعه في الشريعة حكماً إِلاَّ أن يتولى وضع ذلك الحد كتاب
ناطق أو سنَّة ينقلها صادق عن صادق. أو يتفق على ذلك علماء أمة محمد ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ.

فإن قال قائل: إن الماء لا ينجس عينه، وإنَّما يمتنع عن استعماله من طريق المجاورة، إِذ لا يصل إِلى استعماله إلا ومعه جزء من النجاسات؛ لأن الماء لا ينجس() عينه. لأن الماء جسم والبول جسم، والأجسام لا تتداخل، وإنَّما تتجاور، فلذلك قلنا: يقال لمن ذهب إِلى هذا وجعله دليلاً لنفسه واعتمد عليه بمذهبه (نسختين) لمذهبه واعتقاده حجة لنفسه، أن قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ()ـ قاضٍ على فساد قولك، بقوله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (الماء لا ينجسه شيء إلاَّ ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه)()، ينجسه وليس للمفعول (نسخة) للعقول مجال عند ورود الشرع؛ لأن المطهر للماء هو المنجس له على لسان نبيه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ إذ الطاهر والنجس إسمان شرعيان، فالواجب علينا تسليم ما ورد الشرع() به وبالله التوفيق.
ثم يقول له: هب() أنا سلمنا لك ما زعمت فخبِّرنا عن هذه المجاورة حتى ننتهي عن() استعمالها إلى ذلك الموضع وتمثيله() ما هي، (نسخة) ما هو؟ ويقول: خبرنا عن نقطة بول وقعت في البحر ما حدّ المجاورة() التي تمنع بها؟ فإن قال: حيث بلغت الحركة، لأنا نتيقن أن النجاسة تسري إلى موضع الحركة، قيل له: لم يبين لنا شيء إذ الحركات مختلفة، فبين لنا حد هذه الحركة، ما هي؟ أحركة قوي؟ أم ضعيف؟ أم صغير؟ أم كبير؟() أم بسقوط بعرة؟ أو ما يكون روز() الفيل؟ فإن قال: ليست الحركة ما ذهبت إليه (نسخة) إليها، وإنَّما الحركة وقوع واقع فيه، قيل: المسألة قائمة لأنا نحتاج أن نعلم الواقع ما صورته صغير أم كبير، ونحتاج أن نعلم المسافة التي تقع() فيها كم() مقدارها، وهذا لا يضبط ولا يوجد إلى بيان ذلك سبيل. ثم تقول له: نسلم لك ما ادَّعيت، لِمَ أثبتَّ المجاوزة إلى آخر الحركة؟ فمن قوله: إنا لا نعلم أنَّها لا تسري من المحل الذي حلته إلاّ إلى مقدار موضع الحركة. قلنا له: خبرنا عن آخر الحركة، هل ثبتت النجاسة فيه؟() فمن قوله: نعم، قلنا له: فإذا حركنا آخر الحد ثم لا يثبت إلى آخر حركة أخرى، فإن قال: إنا قد علمنا أنَّها إذا سرت من محلها إلى آخر حدّ الحركة لم يبق فيها من القوة ما يسري إلى آخر حد الحركة ثانية؛ قيل له: فهل زعمت() هذا في النجاسة الأولى؟ فإن كانت النجاسة قليلة مثل النملة يجب أن تثبت() حركتها إلى آخر حد حركة الأولى؛ لأنا نعلم أن ليس فيها من القوة ما يسري إلى آخر حد الحركة، فيجب أن يقول:() إذا كانت النجاسة قليلة لا تجعل الحركة حدّها، وإذا كانت كثيرة ثبتت حركات، فلما أن أسرت سويت بين قليل النجاسات وكثيرها، وضعيفها وقويِّها، بطل اعتلالك() لضعف النجاسة، والاعتماد على ما تقدم ذكرنا له من قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: "الماء لا ينجسه شيء إلاّ ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه"() والمياه() ثلاثة: فماء مضاف إلى الواقع فيه، وماء مضاف إلى الخارج منه، وماء مضاف إِلى ما كان يقوم به، فالماءان المتقدم ذكرهما لا يجوز التطهر بهما وإن كان طاهرين.

إذِ اسم الماء لا يقع عليهما مطلقاً، والماء الذي ورد الشرع به من الذي استحق اسم الماء مطلقاً، ألا ترى إلى قول الله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً()، وماء يضاف إلى مكان، فجائز التطهر به؛ لأن إِضافته إلى المكان لا يخرج عن حد الماء المطلق، إذ الماء لا يقوم إلاَّ في محل، فإن قال قائل: إن الظاهر يوجب استعمال كل ما() وقع عليه اسم ماء مقيداً كان أو مطلقاً، إذ تقييده لا يخرجه من استحقاقه اسم الماء. قيل له: لا أعلم أن أحداً أجاز التطهر بما ذكرت، وإنَّما الخلاف بين الناس في الماء المستعمل، فأما ما ذكرنا فلا خلاف فيه فيما علمنا والله أعلم.
فإن قال: فإن أصحاب أبي حنيفة يجيزون التطهر بالنبيذ، قيل له: إنَّهم لم يبيحوا ذلك لاستحقاق اسم الماء، وإنَّما أجازوا ذلك بسنَّة ادَّعوْها، والكلام بيننا وبينهم فيها. والدليل على أنَّهم لم يبيحوا ذلك من طريق الإسم، وأنَّهم قالوا: التطهر بالنبيذ واجب عند عدم الماء ففي ذلك دلالة لأنَّهم() لم يجيزوه من طريق الاسم. والدليل على ما قلناه أن الله عزَّ وجلَّ خاطبنا بما يعقل() العرب في لغتها؛ والعرب تعقل بالمقيد ما لا تعقله بالمطلق، وتعقل بالمطلق ما لا تعقله بالمقيد، الدليل على هذا قول الله تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم(). فأخبر أن اليهود قالت، وأطلق القول إطلاقاً، ولم يفتِِ كيف الوجه الذي استحق القول به هذا الاسم. إلاَّ أن الإِطلاق يوجد (نسخة) يوجب في اللغة أن القول هو قول باللسان واعتقاد بالقلب، وقال في موضع آخر: يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم()، فلم يطلق القول حتى قيده؛ لأن() لا يتوهم أحد أنَّه أراد بالقول كما خبر عن اليهود فقيده ولم يطلق. وقال في موضع آخر: يقولون في أنفسهم() فسمى اعتقاد الضمائر قولاً، ولا يطلقه إِذ لو قال لحكمنا أنَّهم قالوا: بألسنتهم واعتقدوا بقلوبهم، فلما أراد القول الذي لا يرد بورود الإِطلاق قيَّده، ولما كان القول المطلق معقولاً() في اللغة، وهو قول باللسان واعتقاد بالقلب لم يحتج إِلى شرحه وتبيينه عندما خبَّر عن اليهود ما خبَّر، وإذا كان هذا هكذا ثبت أن المطلق يعقل ما لا يعقل بالمقيد؛ وأن المقيد يعقل به ما لا يعقل بالمطلق، وبالله التوفيق.

وقد() تنازع الناس في التطهر بماء البحر، فقال بعضهم: لا يتطهر به إِلاَّ إِذا أُلجىء إِليه ولم يكن معه ماء غيره؛ وقال بعضهم: التيمم أحب إِلي منه، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال الجمهور من الناس: جائز عندهم التطهر بماء البحر والعذب المطلق عليه اسم الماء، والصواب ما قالت هذه الفرقة إذ السنَّة وردت بصحة قولها لما روي أبو هريرة قال: سئل النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ فقيل: (يا رسول الله إِنا نكون على أرماث لنا في البحر وليس معنا ماء إلاَّ لِشِفاهِنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: هو الطهور ماؤه والحل ميتته)(). وقد قال جل وعز: وأنزلنا من السماء ماء طهورا(). وسمَّى رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ ماء البحر طهوراً، والمفرق بينهما مع وجود الأدلة محتاج إلى دليل. والأرماث جمع رمث، والرمث هو الخشب المضموم بعضها إِلى بعض، الدليل على ذلك قول جميل شعراً:

تمنيت من حبي بثينـة أننا***على رمث في البحر ليس لنا وكر.

وأما من ادعى من أصحاب أبي حنيفة عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ من إجازته() التطهر بالنبيذ، فلو ثبت قولهم لم يكن فيما ادعوه دلالة على أن التطهر بغير الماء جائز، وذلك أن النبيذ أصله المنبوذ، فنقل من مفعول إلى فعيل، كما يقول: مقتول وقتيل، ومجروح وجريح، واسم النبيذ قد يقع على الماء الملقى في الطرق()، وإِن لم يماع (نسختين) ينمع التمر في الماء. الدليل على ما ذكرناه قول الله عزَّ وجلَّ: فنبذوه وراء ظهورهم()، وقوله جلَّ ذكره: لنبذ بالعراء وهو مذموم() أي ألقيناه، ويدل على ذلك قول بعض الشعراء:

فخبَّرني من كنتُ أرسلتُ إنَّما ***أخذتَ كتابي معرضاً بشمالكا()
نظرتَ إلى عنوانه فنبذته***كنبذك نعلاً اختلقت() من نعالكا.

وإذا كان اسم النبيذ واقعاً على الماء والتمر من قبل أن يمتزجا، يكن فيما ادعوه دلالة على صحة ما اعتقدوه؛ والدليل على ما قلناه التمر لا() يماع في الماء، قول الرسول عليه السلام عند مشاهدته له: (تمرة طيبة وماء طهور)()، فأثبت ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أن في الإِدارة ماء وتمراً ولو إنماع لم يستحق اسم الماء، واسم التمر، وقول الرسول ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ هو الحكم بين المختلفين؛ ولو ثبت التطهر بالنبيذ في زمان من الأزمان كان منسوخا؛ً لأن() ليلة الجن التي روى الخبر فيها عن ابن مسعود عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ كانت من (الأزمان)() بمكة ونزل فرض التيمم بالمدينة، فكان التيمم عند عدم الماء ناسخاً للنبيذ، والمنسوخ قد ارتفع حكمه والحكم به (نسختين) فيه غير واجب والله أعلم؛ والعلة التي ذكرها أصحابنا في آثارهم عند اختلافهم في الماء إذا حلته النجاسة؛ وكم قدره ونهايته يكيل القلة فأكثر قولهم: إن القلة هي الجرة التي تحملها الخدم في العادة الجارية من استخدامهم العبيد لها()، واللغة توجب غير الجرة، والقلة اسم يقع على الجرة الصغيرة والكبيرة، والكوز الصغير والكبير، وذكر الشافعي أن القلة قربتان ونصف بقلال() هجر؛ والقلة مأخوذة من استقل فلان بحمله، وأقله إِذا أطاقه وحمله، وإنَّما سميت الكيزان قلالاً؛ لأنَّها تُقل بالأيدي وتُحمل ويُشرب منها؛ فهذا يدل على أن القلة اسم يقع على الكوز الصغير والكبير. والجرة والجب الذي يستطيع القوي من الرجال أن يقله ويحمله، ويدل على ذلك قول جميل شعراً:

فظللنا بنعمة واتكأنا***(فشربنا من الحلال قللة).()


واختلف الناس في مقدار الصاع والمد؛ فقال أهل العراق: الصاع ثمانية أَرطال، والمد رطلان، وذهبوا إلى خبر النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: "كان يغتسل بالصاع"، وزعموا أنَّه كان (يغتسل)() بثمانية أرطال. وأما أهل الحجاز، فلا يختلف معهم أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد رطل وثلث، يعرفه عالمهم وجاهلهم لكفارة الأيمان والزكاة وصدقة النسك وصدقة الفطر، وإلى هذا يذهب أصحابنا. وأما الفرق فهو ستة عشر رطلاً، والقسط نصف صاع، فهذه مكاييل أهل الحجاز.


مسألة
اختلف أصحابنا فيمن نسي ماء في رحله وهو مسافر، وحضرت الصلاة ولم يعلم فتيمم وصلى، ثم وجد الماء وعلم به بعد فراغه من الصلاة، فقال بعضهم: عليه الإعادة، وقال بعضهم: لا إعادة عليه، الحجة لأصحاب القول الأخير أن الله أوجب عليه التيمم عند عدم الماء؛ لأنَّه علق التيمم بعدم الوجد() لا بعدم كون الماء، وقد (لا)() يوجد الشيء وهو في موضعه. ولم يقل الله جلَّ ذكره: فإن لم يكن ماء فتيمموا؛ وإنَّما قال: فلم تجدوا ماء فتيمموا()، وقد يكون الشيء المطلوب() في موضعه ولا يجده من يطلبه، فإذا لم يجده فقد حصل الشرط الذي يجوز به التيمم وصلى كان مصلياً كما أمر، ولا إِعادة عليه والله أعلم؛ والحجة لأصحاب الرأي الأول أن العبادات إذا لزمت الأبدان فليس جهل وجود الماء بمسقط فرض ما وجب من فرض طهارة الصلاة؛ وذلك مثل رجل يحتلم فينسى الاحتلام ويتوضأ ويصلي، فإذا علم بجنابته وجب عليه الإِعادة، وكانت غفلته ونسيانه لا يسقطان عنه ما وجب عليه من فرض الإِغتسال؛ وكذلك الصغير إِذا وجب في ماله الزكاة وهو لا يعقل، ثم بلغ وعلم ما وجب عليه من إتيان الزكاة على أصول أصحابنا، وهو اتفاق بينهم، وجهله لم يسقط عنه فرض ما وجب من الزكاة. قالوا: فكذلك جهله بالماء وهو في رَحْلِهِ لا يُسقط عنه فرض الطهارة بالماء بل عليه إِتيانه عند علمه.
وأظن أن الشيخ أبا مالك كان يختار هذا ويقول به وحجته به، وذلك() أنَّهم أجمعوا() وهذه عندي أنظر()، وذلك أنَّهم أجمعوا وأرجوا أنَّه إجماع من مخالفيهم أيضاً، أن رجلاً لو لزمه كفارة عن ظهار فلم يعلم بأن الرقبة كانت في ملكه، أن عليه أن يرجع فيعتق الرقبة. ولم يكن نسيانه بكونها في ملكه بمسقط لزومها له، وكذلك المأمور بطهارة الماء إِذا جهل كون موضعه من رحله() لا يسقط عنه ما أُمر بإتيانه أيضاً، فإن اتفاقهم في الرقبة هو أصل العلة ينبغي أن يرجعوا إليه عند الاختلاف، وحكم القائسين من أن يرجعوا عند التنازع إِلى الأصل المتفق عليه، وهذا القول بأصولهم أشبه والله أعلم وبه التوفيق.



مسألة
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم من طريق بلال قال: حدثني مولاي أبو بكر رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يقول: ( لا يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله)() فإن ثبت الخبر الذي رواه مخالفونا أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أمر بالوضوء مما مست النار، فإنَّه يحتمل أن يكون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدسم؛ لأن الوضوء في كلام العرب مأخوذ من الوضاء وهي النظافة والحسن. ومنه يقال: فلان وضيء الوجه، أي حسن نظيف، قال الشاعر

مساميح الفعال ذوو أناةٍ***مراجيح وأوجههم وضاء.

والأمر إذا ورد بالوضوء كان ظاهره يوجب على المتعبد أن يأتي بفعل يسمى به متوضياً، وإذا وضّأ يده من الزهومة سُمّي بذلك متوضياً، وخرج مما تعبد به إلاّ وضوء أجمعوا أنَّه لا يجزئ إلاّ هو، والوُضوء بضم الواو هو اسم الفعل، والوَضوء بفتح الواو وهو اسم الماء المتوَضأ به، وكذلك الوُقود بضم الواو اسم اللهب()، (والوَقود بفتح الواو اسم للحطب)() قال() الشاعر:


فأمسَوْا وَقود النار في مستقرها ***وكلُّ كفور في جهنم صائر.

أراد أمسوا حطبها، وقال الشاعر (في معنى اللهب)() أيضاً شعراً() (الذي هو فعل الموقد)()

أحب الموقدين إلي موسى***وحرزة لو أضاء لنا الوُقود.

وكذلك السُّحور بضم السين فعل الأكل، والسَّحور() بفتح السين اسم للمأَكول، وعلى هذا يكون إعرابه وبالله التوفيق.


مسألة

قال الله تبارك وتعالى: وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً() وقال: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض()، فالماء الطاهر هو ما نزل من السماء وما خرج من الأرض اختلاف بين الناس في ذلك قبل أن يختلط بغيره أو يضاف إلى شيء يعرفونه()، وقال() النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، وقد سُئل عن ماء البحر فقال: " الطهور ماؤه والحل ميتته")، وهو داخل في جملة ما تلونا من كتاب الله عزّ وجل، فكل ما نزل() من السماء، أو وجد على وجه الأرض، أو نبع من موضع، فهو الماء الذي جعله الله طهوراً، عذاباً كان أو مالحاً، خالطه ما مرّ عليه أو لم يخالطه، كالماء الجاري على السبخة أو الحمالة() ونحو ذلك ما لم يخرجاه من عموم الآية، ولا يجوز التطهر بماء الورد وماء الزعفران وما كان من نحوهما؛ لأنَّه خارج من عموم الآية؛ ولأنَّه استحال عن الماء المطلق الذي هو طهور بغير إضافة. ولا يجوز أيضاً الطهور (نسختين) الوضوء بماء الباقلاءّ والحمص؛ لأنَّه في جملة المأكولات كالمرقة التي يتأدم بها، ولا يجوز التطهر بالنبيذ، ولأن الخل لا يجوز التطهر به وهو أطهر منه، فأما الماء الذى قد توضّي به أواغتسل به فإن التطهر منه فلا() يجوز لما روي أبو هريرة عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه: "نهى عن الجنب أن يَغتسل في الماء الدائم"()، فقيل له: يا أبا هريرة كيف نفعل؟ قال: تتناوله تناولاً، فلولا أن غسله فيه من الجنابة يؤثر فيه تأثيراً يمنع من استعماله لم ينه عنه. ولا يجوز صرفه عنه إلاّ بمعنى يوجب التسليم والله أعلم، وهذا القول يدل على المنع من استعمال كل ما قد استعمل لطهارة الصلاة، ولقول عمر ـ رضي الله عنه ـ: " لا يسلم مولاه يأكل من الصدقة يأكل من أوساخ الناس أرأيت إن توضأ إنسان بماء أكنتَ شاربه؟"، ولقول ابن عباس: " إنَّما يغسل بالماء أن تقع فيه وأنت جنب"، فأما إذا اغترف منه فلا بأس، كما قال أبو هريرة حين روى الخبر، روي عن عليّ وعن ابن عمر أنَّهما قالا: "خذوا للرأس ماءً جديداً"، وروي نحو ذلك عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، ألا ترى أنَّه لو غسل يديه إلى المرفقين ثم ردّه إلى الأصابع لم تعده الأمة متوضياً مرتين، ويدل على ما قلنا أن رجلاً لو كان في سفر ولا ماء عنده، وعند رفقائه ماء فمنعوه منه، لم يبح له أحد من الفقهاء أن يتطهر بغسالتهم، وفضل ما تطهروا به مما لاقى() أعضاءهم، بل قيل له: تيمم، وأبطلوا جواز الوضوء به، ولولا ذلك لم يجز تيممه. ويجوز استعمال الماء المستعمل في إزالة الأنجاس، لأنَّه يزيل() النجاسة بطهارته في نفسه؛ فأما التطهر به من غير نجاسة في الإنسان؛ فإنَّما ذلك لإنفاذ العبادة بالطاهر. والله أعلم.


مسألة
الدليل على أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به للصلاة ولو كان في نفسه طاهر، لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه نهى عن الوضوء بفضل وضوء المرأة، والفضل في اللغة البقية الفاضلة، واحتمل أن يكون البقية من مائها الذي فضل عنها.
واحتمل أن يكون فضل ما لاقاه بدنها()، لعله() بعد استعمالها إياه، فلما ثبت أن كان يتنازع هو وعائشة من إناء واحد الماء للطهارة، (تقول له: أبق لي، ويقول لها: أبقي لي)() كان الوجه الآخر هو الصحيح، وهو الذي استعمل والله أعلم.
فإن قال قائل: فإن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ خص المرأة بذلك فلم أدخلتم الرجال مع النساء إن صح وسلم لكم خصومكم مع طعن من طعن في الخبر من المتفقهة()، وهو ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ إنَّما نهى عن فضل المرأة والنساء يدخلن() مع الرجال، ولا يدخل الرجال مع النساء؛ وإن() المؤنث إذا انفرد لم يدخل المذكر فيه، فإذا أخبر عن المذكر دخل المؤنث فيه؟ قيل له: إن الرجال والنساء يدخل() بعضهم مع بعض في الخطاب والأمر والنهي، وقد ثبتت السنة بقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (من أعتق شقصاً() له في عبد قُوِّمَ عليه) وكانت الأمة في معناه بإجماع، وإن كان() الذكر في العبد دون الأمة؛ كذلك ماروت عائشة عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (إذا مست المرأة فرجها انتقضت طهارتها)() ، فكان الرجال مع النساء، ويدل على صحة هذا التأويل قول الله عز وجل: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة(). وكان المحصَنون في معناهم، ويجب على قاذف المحصنين ما يجب على قاذف المحصنات من الحكم، وإن كان الذكر خص به المحصنات دون المحصنين. وكذلك قال الله جلَّ ذكره: فإذا أُحْصِنَّ فإنْ أَتَيْنَ بفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما على الْمُحْصَنَاتِ من العذاب() ، لكان العبد في حكم الأمة باتفاق، وإن الذِّكر خص به الأمة دون العبد. وأما أبو يوسف صاحب أبي حنيفة كان يرى الماء المستعمل() نجساً، وهذا من عجائبه كما قيل في الخبر: حَدِّثْ عن() بني إسرائيل ولا حرج.


باب في الاغتسال من الجنابة

والواجب على الجنب أن يتطهر للصلاة قبل الاغتسال، ثم يغتسل؛ لأنَّه مخاطب عند قيامه للصلاة بالطهارتين جميعاً، إذا كان جنباً بظاهر الآية والله أعلم.
وقد قال بعض أصحابنا: إن عليه إحدى الطهارتين، غسل الأعضاء إذا كان محدثاً في غير جنابة، وغسل سائر البدن إذا كان جنباً، والواجب على المغتسل من الجنابة أن يتبع بالماء سائر جسده، لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ من طريق أبي هريرة أنَّه قال: ( بُلّوا الشعر ونَقُّوا البشر، فإن تحت كل شعرة جنابة)() ، يعني بذلك والله أعلم أن() من الحكم لا أن هناك موضعاً لها ولا حالَّة فيه، ولا يجزيه إلا إمرار اليد على سائر البدن مع إفراغ الماء عليه؛ لأن الاغتسال لا يعقل عنه إلا هكذا. يقال: "غسلت ثوبي"، لا يعقل عنه إلا باليد، وغسلت النجاسة وطهرت الثوب والإناء، كل ذلك باليد. وقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: "وأنقوا البشر" فيه (نسختين) ليس فيه دليل على ما قلناه والله أعلم. وليس للمقيم ولا للمسافر من التطهر بالماء عند الخوف منه لشدة البرد إذا خافا على نفسيهما الهلاك منه، أو ما يؤدي إليه، لما روي أن() عمرو بن العاص اجتنب وهو أمير على جيش في غزوة ذات السلاسل، فخاف من شدة الماء، فتيمَّم وصلى، فلما قدم على رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ ( أخبره أصحابه عن ذلك، فقال: يا عمرو لِمَ فعلت ذلك؟ أو قال: من أين عَلِمْت ذلك؟ فقال: يا رسول الله)() سمعت الله يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إنَّ اللهَ كان بكم رحيماً () فضحك النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ ولم يردّ عليه شيئاً. والذي يتيمم به المسافر عند عدم الماء هو الصعيد الذي ذكره الله في كتابه، وهو التراب دون ما سواه، لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم: (جُعلت لي الأرض مسجداً، وجعل لي ترابها طهوراً)()، وقد أجاز أصحابنا التيمم بالتراب وما كان في معناه، ومن ادَّعى زيادة (معنى في الخطاب)() كان عليه إقامة الدليل، وإذا عدم الجنب الماء أجزأه التيمم في الحضر والسفر، وإذا وجد الماء اغتسل ولم يكن عليه إِعادة ما صلى بالتيمم، لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لأبي ذر: (الصعيد الطيب الطهور يكفيك ولو إلى سنين، فإذا وجدت الماء فأَمْسِسْهُ جِلْدك)() وفي خبر آخر: فإنَّه خير؛ فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون الاغتسال ندباً دون أن يكون واجباً لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: فإنَّه خير؟ قيل له: ليس في هذا دليل على أنَّه ندب، بل الأمر إذا ورد بالفعل فهو على الوجوب إلى أن يقوم دليل بخلافه. وقال الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكمً()، فليس في() هذا مما() يدل على أنَّه فرض ولا() ندب والله أعلم. أعلم.
وأجمع() علماؤنا على ما تناهى إِلينا منهم أن من تعمّد لتأخير الغسل وهو جنب في شهر رمضان أنَّه يصبح مفطراً، لما روى أبو هريرة عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (من أصبح جنباً أصبح مفطراً)()، واختلف أصحابنا فيما يجب من القضاء عليه فقال بعضهم: يقضي يوماً واحداً، وهذا على قول من قال: إنَّ كل يوم من رمضان فريضة، وقال بعضهم: عليه قضاء ما مضى من شهره، وهذا على قول من ذهب إلى أن رمضان عبادة واحدة وفرض واحد، كالصلاة بجميع ركوعها عبادة واحدة، إذا فسد بعضها فسد سائرها، وتعلقوا بظاهر الخبر. وقال بعضهم: عليه قضاء شهره، وكلهم قد اتفقوا على أنَّه قد
هتك حرمة الشهر بالإِفطار، مع علمه بنهي الرسول عليه السلام، واختلفوا فيما يلزمه من الكفارة.

فبعضهم أوجب عليه قضاء شهره (وكفارة المتعمد للإفطار، وبعضهم أوجب عليه قضاء شهر)()
، وجعل ذلك كفارة لهم (نسخة) له. واختلفوا في الناسي، فقال بعضهم: عليه قضاء يومه الذي أصبح فيه مفطراً: وتعلقوا بظاهر الخبر، وأسقط القضاء عنه آخرون، وقال(): الناسي لجنابته لا لوم عليه، ولا يقال له: لِمَ لم تعلم بها فصار مخاطباً لها() بالغسل، فإِن علم بها بالنهار() فليس له حينئذ تأخير الغسل، واتفقوا على إِسقاط الكفارة عن الجاهل بالحكم، فإن قال قائل من مخالفينا: فلِمَ قلتم ذلك؟ وقد روت عائشة: (أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ كان يصبح صائماً، فيغتسل من جنابته من جماع من غير احتلام)، قيل له: يحتمل أن يكون ناسياً لجنابته وأخَّر الغسل في الوقت() الذي كان له تأخير الغسل فيه فغلبه النوم حتى أصبح، ويحتمل أن يكون التأخير ما ذهبتم إليه من التأخير على العمد بقوله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (من أصبح جنباً أصبح مفطراً) هو عموم، وفيه تفسير الخبر الذي رويتموه من طريق عائشة، وقد أجمعنا نحن وإِياكم على أن الناسي لا لوم عليه والنظر بيننا في العمد، فخبرنا عموم يقتضي العمد والنسيان، فلما أجمعنا على أن الناسي لا شيء عليه، وجب الوجه الأخير، وهو ما قلناه، وهو العمد الذي أراده النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ ونهى عنه، وهذا أحد قولين: (نسختين) وهو قول الشافعي إذ ليس عندكم أنَّه أخَّر جنابته تعمّداً لتأخير الغسل حتى أصبح ففيما رويتموه() بيناه دليل على فساد معارضتكم وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: إِن المجامع يصير() جنباً في اللغة، فما أنكرتم أن يكون قوله عليه السلام: (من أصبح جنباً) أي مجامعاً؟ قيل له: (هذا ليس)() بمشهور في اللغة، فإن كان جائزاً فيها فهو لنا دونك، إِذ الجنب يشتمل على اسمين، فنحن تعلقنا بالعموم، فمن ادّعى التخصيص كان عليه إِقامة الدليل، فإن قال: فإن الله تبارك وتعالى أباح الأكل والشرب والجماع إلى آخر الليل، فأوجب الغسل من الجماع فيجب أن يكون وقته بعد الليل، قيل له: إِذا كان قد زجرنا عن تأخير الغسل على لسان نبيه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بقوله: (من أصبح جنباً أصبح مفطراً) علمنا أنَّه قد خصَّ بعض هذه الجملة من هذا الوقت الذي كان أباحه لنا في حكم() ما حظره علينا من حكم النهار، إِذ الغسل من أحكام الجماع الذي منعنا منه ومن قليله في النهار والله أعلم.
ألا ترى أن الصلاة لها أول وآخر، فالمتعبد بها يوقعها فيه، وفي أي وقت منه، ثم مع ذلك لا يجوز فيه إِلاَّ بالطهارة، فقد خصَّ للطهارة وقتاً من أوقات الصلاة، وكذلك الغسل من الجماع خص له وقتاً من أوقاته والله أعلم.

مسألة

اختلف أصحابنا في الجنب يغتسل للجمعة، فقال بعضهم: يجزيه ذلك للجنابة، ويكون بذلك متطهِّراً؛ وقال بعضهم: لا يجزيه ذلك عن طهارته للصلاة من الجنابة، وهذا هو القول عندي، والنظر يوجبه، والسنَّة تؤيده. وإن توضأ لنافلة أو لقراءة في مصحف، أو لجنازة أو سجود قراءة القرآن، أجزأه أن يصلي به فريضة، وهذا باتفاق منهم فيما علمت؛ فإن قال قائل: لِمَ قلت إنَّه إذا اغتسل للجمعة لم يجزه للجنابة، وقد أجزت له وضوءه للنافلة من الفرض، وما الفرق وجميع ذلك نفل؟ قيل له: الفرق بين هذه الأشياء وبين الغسل للجمعة أنَّ عِلَّة الطهارة أن ينوي دفع الأحداث، أو ينوي ما يؤدي بتلك الطهارة الفرائض والنوافل، فيغني ذلك عن نية رفع الحدث، فإذا صح ذلك ثم توضأ لنافلة، فالنافلة لا تؤدَّى إلاَّ بعد رفع الحدث، كما لا يؤدَّى الفرض إِلاَّ بعد رفع الحدث، وكذلك سجود القرآن لا يأتي به إِلا متطهراً؛ لأن ذلك عندنا صلاة، وأما المصحف فلا يمسه إلاَّ متطهِّر، ومسُّه محرَّم بقول الله تعالى: إنَّه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلاَّ المطهرون()؛ فلا يمسَّ المصحف إلاَّ طاهر. وكذلك في الخبر، فصار معنى ذلك؛ النافلة التي لا تجوز إلاَّ برفع الحدث، ولو أراد أن يصلي فرضاً أو نفلاً أو قراءةَ قرآنٍ أو سجود قرآن لما ندب أن يتوضأ ثانية؛ لأن المقصد في ذلك رَفْع الحدث، وقد رفع بطهارته الحدث، فلا معنى في الأمر بإعادته، وأما غسل يوم الجمعة فليس القصد في ذلك رفع الحدث. وإنَّما القصد في ذلك تجديد الفعل من أجل الوقت. والدليل على هذا أنَّه لو دخل عليه يوم الجمعة وهو مغتسل لما() أجزأه ذلك الغسل، ولاحتاج أن يغتسل ثانية، فهذا يدل على أن المقصد في ذلك رفع الحدث، كما كان ذلك فيما ذكرناه والله أعلم.

وإذا نوى فتوضأ ثم عزمت نيته أجزأته نية واحدة، ما لم ينقلها فيحدث مع الفعل أنَّه يتبرَّد بالماء أو يتنظف به. فإن قال قائل: إذا كان الوضوء عندكم لا يجزي إلا بنية، فلِمَ لايحتاج الإنسان إلى دوام النية إلى أن يفرغ من الفعل الذي كان له ينوي؟ وما الفرق بين أوّله وآخره؟ قيل له: إذا نوى الطهارة في حال مباشرة الفعل لها فليس عليه ذكر ذلك إلى أن يفرغ منها؛ لأن توقي النسيان إلى أن يفرغ من الفرض لا يمكن، وتلحق فيه مشقة، ألا ترى أن الصوم لا يجزئ إلا بنية، ثم ينسى صاحبه وينام ويأكل ناسياً ولا يضره ذلك. وكذلك لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بنيّة، ثم قد ينسى ويسهو ولا يضره ذلك إذا عرض له ما ذكرناه باتفاق؛ لأن استدامة ذلك إلى أن يفرغ من الفرض يشق ويؤدي() إلى بطلان الفرائض والله أعلم. وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه سلَّم ـ أنَّه قال: ( لا صيام لمن يثبت الصيام من الليل)،() فأجاز تقديم النية في الصيام والطهارة، كذلك عندي والله أعلم.
غير أن نية الطهارة مع الدخول فيها، وكذلك النية في الصلاة والزكاة والحج مع الفعل لذلك، والنية للصيام وقتها أبعد، وكان التقدير في الصيام كغيره، غير أن الصيام وقته طلوع الفجر وهو وقت لا تتهيأ لأكثر الناس ضبطه، ولأن أكثر الناس فيه نيام. فلو أخذوا أن يكونوا في الوقت متأهبين() لشق عليهم مراعاة وقتهم ولحقهم في ذلك ضرر شديد. فإذا نوى فهو على نية، وعليه استصحابها، واستصحابه لها هو أن لا ينقلها إلى غير ما دخل فيه ونواه، وبالله التوفيق.


مسـألة
ومن أصبح بجنابته وهو صائم من غير عمد بتأخيرها كان عليه قضاء يومه لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ من طريق أبي هريرة أنَّه قال: ( أصبح جنباً أصبح مفطراً )(). وقال أبو بكر محمد بن داود: روينا عن عروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، والنخعي أنَّهم كانوا يأمرون بالقضاء لمن أصبح جنباً، وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع من كتابنا هذا.

مسـألة

ومن تيقَّن حدثاً ثم شك، هل تطهر أم لم يتطهر() كان على حدثه، ومن تيقن طهارة ثم شك، فلم يدر أحدث أم لم يحدث، فهو على طهارته. الدليل على ذلك أن التيقّن لا يرتفع بالشك؛ لأنَّه تيقن بعلم، وما شك فيه بغير معلوم، والمعلوم لا يرتفع بغير معلوم. ووجه آخر هو أن الله عزّ وجل قد أوجب علينا إتيان الطهارة، فإذا تيقنا الحدث فقد ارتفعت الذمة بالطهارة، ولا يجوز أن يرفع ما تيقنا وجوبه بالتجويز، والواجب عليه أن يأتي ما يكون به على يقين من أداء ما افترض الله عليه. فإذا كان هذا هكذا فشكه فيما أمر به ـ أوقعه أو لم يوقعه ـ لا يزيل عنه ما تيقن وجوبه، والأحداث التي تنقض الطهارة وتوجب الغسل بالكتاب والسنَّة والإجماع ثلاث: خروج الماء الدافق من الرجل الذي له رائحة كرائحة() الطلع، وهو الثخين الأبيض، وقد يصفر من علَّة إلاّ أن الرائحة لا تنقطع عنه، وهو الذي عند خروجه توجد اللذة، وتنقطع بعده الشهوة، ويفتر الذكر عن هيئته الأولى، سواء كان خروجه في نوم أو يقظة، خرج ذلك بعلاج أو بغير علاج يوجب الغسل للآية وهو قول الله عزّ وجل(): وإن كنتم جُنُباً فاطهروا()، ولا تنازع بين أهل العلم فيما ذكرناه. وكذلك المرأة إذا انقطع حيضها فعليها الغسل بإجماع الأمة، فقد روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال في الحيضة: "إذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي"()، وإذا ارتفع دم النفاس فالغسل واجب باتفاق الأمة. واختلف أصحابنا في المرأة ترى ما يراه الرجل في المنام من الاحتلام أفتنزل؟ فقال بعضهم: لا غسل عليها حتى يكون ذلك باختيار منها بعلاج، والنظر يوجب عندي صحة قول من أوجب عليها الغسل إذا أنزلت باختيار أو غير اختيار وبعلاج أو غير علاج، وماء المرأة أصفر رقيق، وهو يخرج من ترائب الصدور، وماء الرجل من الصلب، قال الله جلَّ ذكره: يخرج من بين الصُّلب والتَّرائِب ()، يريد به صلب الرجل وترائب المرأة. ولا تنازع بين الناس في ذلك.

وقد روي أن امرأة سألت النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ فقالت: (يا رسول الله برح الخفاء؛ المرأة ترى في النوم ما يراه الرجل. فقال النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم: وعليها الغسل إذا أنزلت)(). وفي التقاء الختانين اتفاق من أصحابنا وكثير من مخالفينا أن الغسل يجب بذلك، وإن لم يكن إنزال ماء لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: "إذا قعد الرجل من المرأة بين شعابها الأربع وأجهد نفسه فعليه الغسل أنزل أو لم ينزل"()، ولما روت عائشة قالت: (كنت أفعله أنا ورسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ـ) تريد الاغتسال من التقاء الختانين. وروي عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل"(). والتقاء الختانين اسم لا يصح إلاّ بعد غيبوبة الحشفة ويلتقي ختانه وختانَها. وقد روي أن في الإكسال الغسل، وهو هذا المعنى الذي ذكرنا، والإكسال هو انكسار الذكر قبل الإنزال. كذا ذكر ثعلب في كتاب خلق الإنسان، فقد قال بعض الشعراء:

ولست بخوّان لجاري وإنْ نأى***محافظة مني وإن غاب جاريا.
ألا إن في الإكسال حق دراية***بتركه إجلالاً لما قد يرانيا .

يريد أن البقية من الوطيء الإنزال فقد أفعل ولا أتمكن من اللذة بالإنزال، والحد قد وجب والله أعلم.
أجمع أصحابنا أن الجنب لا يصح له صوم إلاّ فيما لا يلحقه فيه لائمة وهو النسيان، وترك التفريط في ذلك، والدليل على ذلك أنَّه لما كانت الحائض لا يصح منها صوم ولا صلاة لعدم الطهارة، وكان الجنب لا تصح منه الصلاة لعدم الطهارة، وجب أن يستويا في باب الصوم والله أعلم.

مسألة في نقض الوضوء

وإذا لمس الرجل المرأة أو غيرها بيده وهو متطهر كان على طهارته، فإن قال قائل: إن ذلك ينقض الطهارة، واحتج بقول الله تبارك وتعالى: أوْ لامَسْتُم النساء()، قيل له: هذا غلط منك في تأويل الآية، لأنَّ اللمس في هذا الموضع هو الجماع، وإنَّما ذكر اللمس وقد أراد الجماع، فأكنى عنه باسم غيره على مجاز اللغة؛ والدليل على ذلك قول الله جلَّ ذكره: أوْ لامَسْتُم النساء ، وهذا طريقه طريق التفاعل. والتفاعل لا يكون إلاّ من فاعلين، فإن قال: فقد قرئ أوْ لمَسْتُم النساء. وأجمعوا أن القراءتين صحيحتان: أوْ لامَسْتُم النساء
يوجب التفاعل، أوْ لمَسْتُم
يوجب وقوع الفعل للاَّمس() وحده. ولا يوجب التفاعل. قيل له: قد دلّت الآية الأخرى على المراد، وهو قوله جلَّ ذكره: وإن طلَّقْتُموهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تمسُّوهُنَّ وقد فَرضتم لهنَّ فريضة فَنِصْف ما فرضْتُم(). وقد أجمعوا أن اللمس ها هنا هو الجماع دون غيره، ولا فرق بين الظاهرين، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: (اللمس المذكور في القرآن هو الجماع)() وأما ابن مسعود فروي عنه أنَّه قال: (اللمس دون الجماع) في قول الله تبارك وتعالى: ولا جُنُباً إلاّ عابري سبيل حتى تَغْتَسِلوا()، عن علي وابن عباس أنهما قالا: هم المسافرون.


مسألة

قال أكثر أصحابنا: من نام متكئا وزالت مقعدته عن موضع استواء جلوسه انتقضت طهارته، وقال بعض على قول منهم: إن طهارته لا تنقض حتى يضع جنبه نائماً، وهذا القول مع قلة استعمالهم له عندي أنظر؛ لأنَّ السنة تشهد بصحته لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ إتكأ على يده نائماً، حتى نفخ فقام فصلى، فقيل له: إنك نعست، فقال ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: ( تنام عيني ولا ينام قلبي )، ولم يُعد الطهارة، فقال من ذهب إلى أن نقض طهارة من نعس متَّكئاً أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ ليس كغيره، لقوله عليه السلام: ( تنام عيني ولا ينام قلبي ) يقال لهم: إن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ مستوٍ هو وغيره في حكم البشرية إلا فيما أخبرنا أنَّه مخصوص به، وكيف وقد نام حتى طلعت الشمس عليه، ولو لم ينم قلبه لم يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يذهب وقتها ويصلِّيها في غير وقتها هو وأصحابه، والله أعلم بتأويل الخبر الذي يعتمدون عليه.


مسـألة

والقهقهة في الصلاة تنقضها، وتنقض الطهارة تعظيماً لشأن الصلاة، ولا تنقض الطهارة في غير الصلاة، ولا ينكر مثل هذا في الشرع، ولا يجب أن يقاس على غيرها وهي سنَّة على حيالها، ولكن إن وجدت حادثة في معناها جاز أن يقاس عليها، ألا ترى أن النوم مضطجعاً ينقض الطهارة، والنوم في حال القعود لا ينقضها، ولو نام إنسان على وجهه في السجود انتقضت طهارته إذا لم يكن في الصلاة، ولو كان نومه في حال السجود للصلاة لم تنتقض طهارته، ومثل هذا في الشرع لا ينكر.


مسـألة

اختلف محمد بن محبوب وموسى بن علي في محجوب البصر يؤمُّ في الفريضة، فأجاز موسى بن على ذلك، ولم يجز محمد بن محبوب، وكذلك اختلافهما في العبد وغيره، وإذا اختلفا انظر() ما أيده الدليل وعمل به أهل العلم قبلهما، ولم يرجع في ذلك إلى تقليد واحد منهما بغير دليل والله أعلم.
وقول محمد بن محبوب أنظر لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: ( يؤمكم أقرؤكم)() فيقدم؛ إلا في القاريء من هو أنقض حالاً ممن هو أعلى منه درجة في الفضل الذي يؤدي إلى صلاح في الدين في الإمامة بقوله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ " (يؤمكم أقرؤكم )، وهذا دليل يوجب منع تقديم من هو أنقص من غيره حالاً، ألا ترى أن المرأة لا تؤم ولا تتقدم؛ لأن فيها دليل النقصان عن رتبة إمامة الرجل، وكذلك رتب إمامة الرجل()، ورتب لهم إذا اجتمعوا من فيه زيادة، وله رتب ليست لغيره مع استحقاقهم اسم الفضل، وهذه فضيلة لا تجوز إضاعتها والله أعلم.


مسـألة

والعلة في المعنى هي التي يطلب منه الدليل، والدليل هو حجة الله على الخلق، والحجة هي التي يحتج بها الإنسان على خصمه، وهو فعله ولم يعدم صحة معرفة هذا وما يشاكله من ناصح نفسه واجتهد لها ورغب إلى الله تعالى في إرشاده وطلب بتعليمه وجه الله، وما التوفيق إلا بالله.



مسـألة في السارق إذا قطع

قال بعض أصحابنا: عليه ضمان ما قطعت يده من المسروق، وقال بعضهم: إذا قطع فلا ضمان عليه، وقد روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ من طريق أبي هريرة أنَّه قال: ( إذا قطع السارق فلا ضمان عليه ) وأفتى أبو هريرة فيما روي عنه إنَّه أوجب على السارق الضمان إذا قطع.
فقال أبو حنيفة: أقبل خبره عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بزوال الضمان، وأرد قول أبي هريرة بوجوب الضمان.

مسـألة

وروي أبو هريرة عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَه قال: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسل سبع مرات أولاهن وأخراهن في نسخة أخراهن بالتراب)()، وأفتى أبو هريرة بغسل الإناء من ولوع الكلب ثلاث مرات، فقال أبو حنيفة: أقبل فتياه وأجعله دليلاً على حفظ نسخ الخبر عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ؛ لأنَّه لا يكون يفتي بغير ما حفظه عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ ما هو سنة عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، قال الشافعي: أقبل خبره في غسل الإناء سبعاً ولا أقبل فتياه لما يجوز أن يكون قد نسي الخبر، لأنا قد تعبدنا الله بتصديق الرأي إذا كان عدلاً، ولا نتعبد بنسخ السنن المروية، يقول من يجوز عليه الغلط وتعمد الكذب فانظروا رحمكم الله إلى هاتين الأعجوبتين من قول هذين الإمامين، وتفكروا في ذلك تعلموا فضل الله عليكم.


مسـألة

اختلف أصحابنا في المرأة تجامع ثم تحيض قبل الاغتسال، فقال بعضهم: إذا طهرت اغتسلت غسلاً واحداً للجميع، وهو قول أكثرهم؛ وقال بعضهم: عليها غسلان، وهذا الذي نختاره، لأن الله تعالى أوجب على الجنب التطهر بقوله جلَّ ذكره: وإن كنتم جنباً فاطّهروا(). فهذه لفظة مشتملة على الذكور والإناث، فعليها الاغتسال من الجنابة بأمر الله تعالى لها بذلك، وقد أمرها رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ عند إدبار الحيضة بالإغتسال، بقول ـ صلى اللّه عليه وسلّم: ( إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي)()، فعليها أن تغتسل بالكتاب والسنة غسلتين؛ فإن قال قائل ممن يخالف هذا() القول: أليس لها إذا عدمت الماء كان لها أن تتيمم تيمماً واحداً باتفاق؟ وكذلك يجب أن يكون حكم المبدل منه؛ قيل له: ومن سلم لك ذلك، ولا يجوز أن يكون ذلك() باتفاق قبل الحسن، ويقول بعده بخلافه هكذا أظن به من مع علمه واطلاعه على معرفة الاختلاف والله أعلم.


باب في التيمم

الطهارة بالصعيد واجبة عند عدم الماء لقول الله عز وجل: فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً()، والصعيد في كل كلام العرب وهو التراب، وقيل أيضاً هو ما صعد على وجه الأرض منها، ومعنى قوله: طيباً
هو الطاهر الحلال، والله أعلم.
والتيمم في لغة العرب هو الطلب، وقد يقال إن معنى تيمموا صعيداً أي اقصدوا() صعيداً، وهو ما تصاعد على وجه الأرض؛ وأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ تيمم بالتراب، وقال للسائل: ( هو كافيك ما لم تجد() الماء ولو إلى سنين)()، وكان أمره بذلك مضارعاً لفعله، وكان الكتاب شاهداً بهذه السنة، واتفقت الأمة أن التراب يؤدي به الفرض عند عدم الماء، واختلفوا فيما سوى ذلك عن غير التراب، ونحن معهم على ما أجمعوا عليه حتى يتفقوا فيما اختلفوا فيه، والشاهد من اللغة على صحة ذلك أن العرب تسمي التراب صعيداً ولا تسمى ما سوى ذلك صعيداً. وفرض التيمم أربع خصال: النية، والصعيد الطيب، وضربة للوجه، وضربة لليدين، الحجة لوجوب النية والصعيد الطيب قد تقدم بيان ذلك، وأما وجوب الضربتين فهو ما رواه عمار بن ياسر وعبد الله بن عمر أنهما قالا: تيممنا مع رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، فضربنا ضربة للوجه وضربة لليدين().
ولا يجوز أن يصلي المصلي صلاتين فريضتين بتيمم واحد، إلاّ في حال جمعهما، فإنَّهما في الحكم في الصلاة كصلاة واحدة، وقد وجدت لبعض أصحابنا البصريين تجويز الصلاتين، والثلاث بتيمم واحد، وأن التيمم عندهم الصعيد طهارة تامة كالماء، فإن عارض معارض فقال: لم أجزتم أن يصلي المصلي التطوع الكثير بتيمم واحد إذا كان في مقام واحد؟ قيل له: أجزنا ذلك كما قلنا في الجميع() لأن التطوع وإن كثر فهو كالصلاة الواحدة إذا كان في مقام واحد.
الدليل على الفرق بين صلاة التطوع والصلاة المكتوبة، أن التيمم لا يجوز للفريضتين إلاّ بعد دخول وقتها، والتيمم للتطوع جائز في كل وقت إذا أراد المصلي التطوع، وليس للمتطوّع وقت معلوم. والفرض له وقت معلوم، ووجه آخر هو ما أجمعوا عليه من أن تكبيرة الإحرام، لا يجوز للمصلي بها فريضتين ويجوز أن يصلّي بها للتطوع ما شاء المصلي في مقامه، فهذا يدل على افتراق حكمها والله أعلم. وإذا تيمم الرجل لصلاة الفريضة فقضى به الصلاة فليس له أن يصلي التطوع حتى يحدث له تيمماً غيره بعد طلب الماء، والإياس منه كما فعل قبل ذلك لصلاة الفريضة. فإن قال قائل: لِمَ أوجبتم عليه التيمم الثاني وطهارته لم تنقض من تيمم الفريضة؟ قيل له:

لما كان مخاطباً بالفريضة لزمه طلب الماء لها، فلما أيس وجب عليه البدل، وهو التيمم، فكذلك لما قضى الصلاة وأراد صلاة غيرها لم يكن مخاطباً بها، ولا وجب عليه فعلها لزمه عند قيامه إليها طلب الطهارة التي خوطب بها من أراد الصلاة، فلما لم يجد الطهارة المأمور بها للصلاة وهو الماء كان عليه البدل وهو التيمم.
اختلف الناس فيما يجوز التيمم به، فقال بعضهم: يجوز بالتراب والرمل والنورة والزرنيخ وما أشبه ذلك. وقال بعضهم: لا يجوز التيمم إلاّ بالتراب وحده، ورأيت أصحابنا يقولون: بجواز() غير التراب ويقيمونه مقامه. والنظر يوجب عندي أن التيمم لا يجوز إلاَّ بالتراب دون غيره؛ لأن الخطاب من الله تعالى يدل على ذلك لقوله عزَّ وجلَّ: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة... إلى قوله: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً()، فدلَّ جلَّ ثناؤه من يعقل عنه الخطاب بقوله: فلم تجدوا ماء فتيمموا
على أن ما أمر به بمسحه من الأعضاء يجب غسله بالماء إذا وجده، ولا يجوز التطهر لمن فقده إلاَّ بالصعيد وحده، وقال النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (لا تقبل صلاة بغير طهارة) (نسختين) (بغير طهور). وروي عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (لا إيمان لمن صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له)()، وقد تعلق بعض مخالفينا بظاهر هذين الخبرين، فقال: من لم يجد الماء والصعيد وعدمها سقط عنه فرض الصلاة، ونحن نبين هذا المعنى في موضعه إن شاء الله. قال الله تبارك وتعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه()، فالواجب على الإِنسان أن يأتي من المسح ما يسمى له ماسحاً وجهه ويديه، ولو تركنا والظاهر لأجزنا مسح بعض الوجه لاستحقاقه اسم ماسح، غير أن الأمة أجمعت أن عليه أن يأتي بالمسح الذي يستوعب الوجه كله، فعدلنا عن موجب اللغة إِلى استيعاب الوجه بالاتفاق، وبقي التنازع بين الناس في اليدين. والقول عندنا أن كل من سميَ ماسحاً بيده فقد امتثل ما أُمر به إلا ما قام عليه دليله، والإِنسان إِذا مسح كفيه سمي ماسحاً يديه()، فإذا استحق هذا الإسم خرج من العبادة. فإن قال قائل: اليد تسمى إلى المنكب يداً، فهلا() أمرت باستيعابها؟ قيل له: الواجب على المتعبد أن يأتي بما يسمى به ماسحاً يده، فهذا الاسم يستحق، فإن قال: فالإنسان يسمى ماسحاً يده إِذا مسح أصابعه، ألا ترى إِلى العربي يقول: قطعت يدي السكين، إذا قطع إِصبعه ولو لم يبْنها، قيل له: لولا أن الأمة أجمعت أن ما دون الكف لا يجزي لأجزناه، ولكن لاحظَّ للنظر مع الإِجماع فكل من يسمى ماسحاً يده سقط فرض المسح عنه، إلاَّ موضعاً قامت الدلالة له()، ويدل على ما قلنا أن الكف يسمى يداً ما أجمعت عليه الأمة من أن في الدّية خمسون() من الإِبل، ولو كانت اليد المطلوبة إلى المنكب كان الإِمام إذا قطع كف السارق مع الأمر له بقطع يده أن يكون قاطعاً بعض يده. ودليل آخر أن بعض المخالفين لنا الموجبين المسح إِلى المرافق والقائلين: إن اليد إِلى المنكب، قالوا: لو قطع يد السارق من الساعد كان عليه ما عدا الكف حكومة. ففي هذا دلالة أن اليد المطلوبة الكف وحده، ألا ترى أنَّهم أوجبوا ديَة، وحكومة في اليد التي أمر الله بمسحها، وهي التي أمر الله بقطعها في السرقة، وإذا كان على ما ذكرنا كان الكف هو المأمور بمسحه وبالله التوفيق().

والموجبين إلى المنكب (نسختين) المناكب ولله الحمد والمنَّة، فإن التيمم بدل من الطهارة بالماء، والبدل ينوب مكان المبدل عنه. يقال لهم: هذا غير لازم لنا، ولو كان الأمر على ما ذكرتموه لما جاز أن يقتصر بالتيمم على الوجه واليدين؛ لأن "هذا بدل من ستة أعضاء، فلّما قلتم إِنّ هذا، وإن كان بدلاً من الماء فإن بعض الأعضاء ينوب مناب الكل، فغير منكر أيضاً أن ينوب الكف مناب الذراع"، فإن قالوا: إن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ مسح اليد إلى المرفقين في التيمم: وروى غيرنا أنَّه مسح إلى المنكبين قيل لهم: رويتم أيضاً أنَّه مسح إِلى الكفين ولفظ به. فلما اقتصرتم على بعض ما رويتم ولم تعملوا بكل أخباركم فإن() كانت الأخبار ولم يعلم الناسخ منها من المنسوخ، ولا المتقدم منها من المتأخر، وجب اتفاقها، وكان المرجوع إِلى حكم القرآن بالاستدلال عليه باللغة التي خوطبنا بها والله أعلم. ولا يجوز التيمم إلاَّ بالتراب دون غيره، وهو الصعيد الذي سماه الله صعيداً وأمرنا بالقصد إِليه، فأما ما أجازه مخالفونا من التيمم بالنوْره والزرنيخ والرماد فذلك عندنا خطأ، فإن قال بعض من يحتج لمن أجاز التيمم بغير التراب الخالص: إِن الصعيد مأخوذ مما تصاعد على الأرض وعلاها، فالتراب وغيره يستحق هذا الاسم؛ يقال له هذا إِغفال منك، إِذ ليس اسم الصعيد مأخوذ من الصعيد، ولو كان كلُّ ما ارتفع من الأرض وعلاها يسمى صعيداً لكان الحيوان، وما كان في معناه يسمى صعيداً بل اسم الصعيد اسم علم ليس باشتقاق. ألا ترى إلى قول الشاعر:

قومٌ حنوطهم الصعيد وغسلهم***نجع الترائب والرؤوس تقطعت()

ويدل على ذلك أيضاً ما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: "جعلت الأرض مسجداً وجعل لي ترابها طهوراً"()، والمتيمم إذا وجد الماء وقد دخل في الصلاة قطعها، ولزمه فرض طهارة الماء، ووافقنا على هذا أبو حنيفة، وأما الشافعي وداود قالا: إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء مضى في صلاته، ولم تكن رؤية الماء وهو في الصلاة حدثاً يوجب قطعها؛ الدليل على صحة قولنا أن التيمم بدل الماء، فإذا وجد المبدل منه عاد إليه وترك البدل؛ لأن "الأبدال كلها هذا سبيلها عندنا وعندهم، ألا ترى أن وجود الماء عندنا وعندهم حدث قبل الصلاة: والأحداث لا تختلف قبل الصلاة وبعد الدخول فيها، فيجب أن يكون في كل موضع يوجب هذا الحدث، فالطهارة بوجوده واجبة؛ لأنّ الأحداث لا تختلف أحكامها سواء حدث في الصلاة أو قبلها؛ وقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: "فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" عموم فوجب (نسختين). يوجب استعماله عند وجدانه في الصلاة وقبلها والله أعلم، وليس للمسافر أن يتيمم للصلاة قبل دخول وقتها، فإن تيمم لها قبل دخول وقتها عند عدمه للماء وإياسه من وجوده له كان تيممه باطلاً، لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة..
إلى قوله: .. فلم تجدوا ماءً فتيمموا() معناه ـ والله أعلم ـ إذا أردتم القيام إلى الصلاة وهي الصلاة المعهودة فليس له أن يتقدم بالطهارة قبل دخول وقتها على موجب الطهارة، غير أن الأمة أجمعت أنّ له أن يتقدم بطهارة الماء قبل دخول الوقت، فسلِّم ذلك للإجماع؛ وتنازعوا هل له أن يتقدم بالتيمم قبل دخول الوقت والقرآن ورد بعد دخول الوقت؟ فنحن على موجب الآية عند التنازع، فإنا() رأينا الأمر بالآية والخطاب لها بعد دخول الوقت كان الواجب استعمال ذلك في وقته بالماء، والصعيد فلما رخّص لنا تقديم الماء قبلنا الرخصة من الله تعالى وعملنا بها وبقيت طهارة الصعيد على حكمها والله أعلم.
فإن تيمم لنافلة أو لجنازة أو لصلاة وجبت عليه من طريق النذر، أو لصلاة فائتة تركها بنسيان أو غيره، فقد ثبتت له الطهارة، فإذا دخل وقت الصلاة صار مخاطباً بالطهارة: فلم تجدوا ماءً
عاد التيمم والله أعلم.

مسألة
وجائز التيمم في أول وقت الصلاة وفي وسطه وآخره، لقول الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة..
إلى قوله ..فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً ولم يشترط إذا قمتم من آخر الوقت، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن له التيمم في آخر وقت الصلاة، وليس له التيمم في أول الوقت لما يرجو من وجود الماء، وهذا القول الذي ذهبنا إليه من قول بعضهم أنظر، لأن الله تعالى عقّب ما ذكر من ذِكْر الطهارة بالماء: فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً، فكان من أراد القيام إلى الصلاة وقد خوطب بفعلها عند دخول وقتها، فالواجب الطهارة له بالماء، فإن لم يجد الماء تيمم، وليس عليه أن يؤخرها إلى آخر وقتها، بل يجب تعجيل الصلاة لما يلحق التأخير من الأسباب والعوائق، والمخصِّص لوقت دون وقت محتاج إلى دليل؛ وأجمعوا إن الإنسان إذا كان في موضع يعلم أنَّه يصل إلى الماء قبل خروج() الوقت أن عليه قصد الماء: وليس له أن يتيمم؛لأنَّه داخل في قوله: إذا قمتم إلى الصلاة
وهذا يقدر() أن يأتي بالطهارة التي أمر بها وهو الماء، وليس له أن يعدل إلى التراب إذا علم أنَّه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت، ولا تنازع بين أحد من أهل العلم في ذلك والله أعلم.
وإذا تيمم ثم وجد الماء في رحله بعد أن صلى، كانت صلاته ماضية؛ لأنَّه فعل ما أمر به، وقد كان غير واجد للماء، وليس وجدانه له في حالة ثانية ما يوجب أنَّه كان واجداً للماء مثل وجدانه للماء مثل وجدانه إياه، ألا ترى أن الإنسان قد يضيع منه الشيء فيطلبه فلا يجده وهو موجود في العالم، فيسمى (غير واجد له) وليس كونه في الدنيا بموجب أن يكون واجداً له،

ولو كان الأمر على ما ذكره بعض أصحابنا من إعادة الصلاة، كان من ضاع() له شيء غير جائز أن يقول غير واجد له، لأنَّه موجود في العالم، والوجود هو القدرة على الشيء المأمور باستعماله، وقد يقدر() عليه ويمنع من استعماله، وفي (نسخة)؛ لأن الوجود قد يحصل ويوجد، إلاّ أن الواجد قد يحصل له سوى استعماله له إذا لم يستعمله، فإذا وجد الماء بثمن وكان الثمن يجحف به من ذهاب نفقته أو رحله، وخشي عند إخراج ذلك الثمن من يده على نفسه لم يكن عليه شراء الماء وتيمم، وهذا لا تنازع فيه بين الناس فيما علمنا. فإذا وجده بثمن وكان الثمن غير مجحف به وجب عليه شراؤه؛ لأن القادر على الثمن قادر على الماء ،فإذاوجده بثمن يجد مثل ذلك الماء بدون ذلك الثمن إذا كان الوقت قائماً، فأما إذا لم يجد إلاّ ذلك الماء فالواجب عليه شراؤه، لأن الثمن المطلوب() منه حيث لا ماء غيره، وكذلك إذا جاء إلى بئر وليس عنده حبل ولا دلو وجب عليه شراء حبل ودلو ليتوصل إلى الماء إذا وجد السبيل إلى شرائهما، وبالله التوفيق.
وإذا تيمم المسافر ودخل في صلاة ثم رأى الماء أن عليه أن يقطع الصلاة ويرجع إلى الطهارة بالماء، فإن قال قائل: لِمَ أوْجبتم عليه الخروج من الصلاة وقد دخل فيها بأمر الله جلَّ ذكره، وقد تطهر بالطهارة التي أمر الله بها عند عدم الماء، وحصل بها طاهراً، وكان مأموراً بالصلاة؟ قيل له: عليه استعمال الماء عند وجدانه إياه لعموم الخبر، وهو قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (الصعيد الطَّيب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج، فإن وجدت الماء فأمْسِسْهُ جلدك)() ولم يذكر في صلاة من غير صلاة؛ قال الله تعالى: وإنْ كُنْتمْ مَرْضَى أو على سَفَرٍ أوْ جَاء أحدٌ منكم من الغائط أو لاَمَسْتُم النساء()، الدليل على أن للجنب أن يتيمم إذا لم يجد الماء،

لأن الله جلَّ ذكره في ابتداء الآية بأنواع الطهارات بالماء، فلما قال: وإن كنتم مرضى أو على سفر
أراد أن تكون طهارة التيمم مقام الطهارات بالماء والله أعلم، فوجب أن يكون قوله: أو لامستم النساء
كناية عن الجماع، وليقوم ذلك مقام قوله: وإن كنتم جُنُباً فاطَّهَّروا()، ويؤكد ذلك ما روي عن عمار أنَّه أجنب فتمعّك في التراب، فقال له رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إنَّما يكفيك هكذا، ومسح بكفّيه وجهه ويديه)()، ومن طريق أبي ذر أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ سُئِلَ عن الجُنُب أيتيمم؟ قال: (التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء فَلْيُمِسَّه بشرته)()، وظاهر الخبر يدل على أن الغسل باليد ليس بواجب والله أعلم؛ والتيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين، كما لابد لكل عضو من ماء جديد. وقد روي مثل ذلك عن عمار أنَّه قال: (تَيَممنا في سفر عند رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بضربتين: فضربة للوجه، وضربة لليدين)() ولا يجوز التيمم عندي إلاّ بالتراب دون غيره لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (جُعلت لي الأرض مسجداً وجعل ترابها طهوراً)()، وهذا اللفظ المنقول عنه يوجب ما قلنا، والله أعلم. والتيمم() أن يضرب بيديه على الأرض ويفرق بين() أصابعه، ولا بأس أن ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما ضربة أخرى فيضع اليسرى على ظاهر يده اليمنى ويمرّها على ظاهر الكف، ثم يعمل كفه اليمين() على ظاهر كفه الأيسر مثل ذلك، وإن أخطأ شيئاً من مواضع الوضوء لم يصبه التراب أجزأه، وليس عليه أن ينوي بالتيمم فريضة ولا صلاة تطوع، ولكن ينوي به طهارة للصلاة، أو لرفع الحدث. وقد وجدت في الأثر() لبعض أصحابنا البصريين أن التيمم لا ينقضه إلاّ وجود الماء أو الحدث كطهارة الماء باقية لهم، ولعلهم يحتجون بقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك)() والله أعلم. والتيمم لكل مسافر طال سفره أو قصر، لأنّ عموم الآية وظاهرها يوجب ذلك؛ وكذلك كل مريض يخاف زيادة مرض بالماء، وروي عن ابن عباس أنَّه قال: نزلت هذه الآية فيمن به جراح أو قروح، ومن صلى وبه دم ولم يمكنه غسله صلى كما أمكنه من جبائر أو غيرها، ولا إعادة عليه، ألا ترى أن المستحاضة تصلي مع سيلان دمها، ومن أجنب ولم يجد من الماء ما يكفيه لغسله وهو في سفر تيمم لأن الله جلَّ ذكره قال: وإن كنتم جنباً فاطهروا، فمن لم يدخل في هذه الجملة ممن أجنب دخل في قوله: ولم تجدوا ماءً فتيمَّموا، لأن هذا غير واجد لما أمر الله به والله أعلم. وقال بعض أصحابنا: من نسي الماء ولم يعلم مكانه وهو عنده أو في رحله وتيمم وصلى، ثم علم بمكانه أنَّه() لا قضاء عليه: لأنَّه غير واجد للماء، وقال بعضهم: عليه القضاء، والنظر يوجب عندي هكذا لأن الناسي للرقبة في ملكه لا يجزيه الصوم الذي هو بدل منها؛ وكذلك من صلى بثوب نجس ولم يعلم، أو نسي نجاسته أو صلى على غير طهور وهو ناس لحدثه، فعليه القضاء، وهذا باتفاق منهم والله أعلم وبه التوفيق.

وإذا خوطب الإنسان بفعل الصلاة وقد حضر وقتها فلم يجد ماء ولا صعيداً فإنّ عليه الصلاة، وليس عجزه عن وجود ما يتطهر به لها يسقط عنه فرضها، كما قال بعض مخالفينا: واحتج بما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (لا تقبل صلاة بغير طهور) واعتمد على ظاهر الخبر، ونفى أن تكون الصلاة مقبولة إذا لم تكن طهارة، واحتج بأن الله جلَّ ذكره، لا يكلف الإنسان صلاة غير مقبولة. وهذا عندنا لمن قدر على الطهارة، الدليل على ذلك أن الصلاة قد وجبت بقول الله تعالى: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة
، وقد تيقنا ثبوتها، وما تيقنا ثبوته فلا نزيله إلاّ بدلالة، والخبر الذي احتج به محتمل أن لا تقبل صلاة بغير طهور ممن يقدر عليه.
فإذا كان الاحتمال واقعاًَ لم ينتقل عما تيقناه؛ فإن قال: إن من شأننا التعلق بالعموم، والخصوص، ولا يزيل الظاهر بما يحتمل من الخصوص إلاّ بدلالة؛ قيل له: والآية أيضاً محتملة أن تكون():وأقيموا الصلاة
، وليس فيه إذا كنتم طاهرين، وقد() تعلق كل منا بعموم، واحتمل قول مخالفينا التخصيص، ومن أُمر بفعل شيئين فعجز عن فعل أحدهما لم يسقط عنه فعل ما قدر عليه، وقد أمر بالطهارة والصلاة، فعجزه عن الطهارة لا يسقط عنه فرض الصلاة والله أعلم. ألا ترى إلى قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)() وهذا مستطيع للصلاة ومعذور عن الطهارة. ووجدت أن ابن جعفر() يذكر في الجامع: أن عليه أنه ينوي() التيمم ويصلي إِذا لم يجد ماء ولا تراباً ولا أعرف وجه قوله في هذا، فإن كان قولاً لأحد من علمائنا فسواء إن كان من طريق الإِيجاب والاستحباب الأمر بالنية للطهارة، فيجب أن يكون منوباً للطهارة بالماء() لأن التيمم بدل من الماء والله أعلم.
واختلف أصحابنا فيه إذا وجد الماء وقد خرج الوقت، فقال بعضهم: عليه قضاء تلك الصلاة؛ لأنَّه صلاها بغير طهارة، والحجة لأصحاب هذا الرأي: إنَّما خص بوقت، فخروج الوقت لم يسقط إلاَّ فعله أو بدلاً منه، ألا ترى إلى النائم والناسي خروج الوقت لا يسقط عنهما فرض الصلاة، فإن قال قائل: إن النائم والناسي إنَّما وجب عليهما بقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ ولولا ذلك لكان سبيله ما لم يرد به وجوب فرض والله جلَّ وعلا أن يفرق بين أحكام المتشابهات. قيل له: لقد رأينا من جعل له حكم الإِفطار من صومه لعجزه عنه عن البدل، وإِن خرج الوقت بل القضاء يجب عليه مع القدرة أحد أدلة من قال: بإيجاب البدل عليه إِذا وجد الماء وإن خرج الوقت، والله أعلم بالأعدل من القولين.

وقال بعضهم: لا قضاء عليه، وهذا القول عندي أنظر؛ لأنَّه صلى كما أمر، فوجود الماء بعد خروج الوقت لا يوجب عليه قضاء قد زال في وقته والله أعلم؛ فيجب لمن صلى بغير طهور لعجزه عن الطهارة وقد كان معذوراً أن يأتيها إذا قدر عليها، ولا فرق بين الصلاة والصوم عند من أوجب القضاء على المصلي بغير طهور عدم الطهارتين الماء والتراب، والنظر يوجب عندي أنَّه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء إيجاب لفرض ثانٍ ولا يجب إلاّ بخبر يوجبه التسليم؛ لأن الله تعالى قد فرَّق بين العاجزين في الحكم، فأوجب على العاجزين عن الصوم القضاء، ولم يوجب على العاجزين عن الصلاة القضاء، والقياس يؤيد ما اخترناه؛ لأن القياس صحيح أن يشبّه الصلاة بالصلاة أولى من أن() يشبه الصلاة بالصوم، وذلك() أن الله تعالى أوجب على المرأة الصلاة كما أوجبها على الرجل.
كما أسقط عنها الصلاة في حال الحيض والنفاس لعجزها عن الطهارة، ثم لا بدل عليها، كذلك يجب أن يكون الرجل تسقط عليه الصلاة بعجزه عن الطهارة، ثم لا بدل عليه، فمن شبه العاجز بالعاجز والصلاة بالصلاة، أولى ممن يشبه الصلاة بالصوم وبالله التوفيق.

وإذا امتنع الماء بغلائه وبلغ فوق ثمنه، وكان في شرائه على من عدمه ضرر كثير، جاز له التيمم والاستبدال() به عنه، والاستغناء بالتيمم، وليس له أن يتلف جزءاً من ماله يضر() نفسه، الدليل على ذلك أن ثوبه لو كانت عليه نجاسة فغسلها فلم يخرج أثرها لم يكن له قطعهُ، ولا إخراج جزء من ماله ولا إتلافه، وإذا قطعت يد المتعبد من المرفق وجب عليه أن يغسل موضع القطع؛ لأنَّه ظاهر موضع الوضوء؛ فإن قال قائل: ما أنكرتم أن لا يلزمه غسل ذلك من قبل أن هذا الموضع لما كان باطنا في الابتداء قبل القطع، ولم يلزمه غسله أن يكون بعد القطع كذلك؟ قيل له: هذا خطأ من قِبَلِ أنَّه لو أصابته في ساعده جراحة لها غزر فبري() فيلزمه غسل الموضع؛ وكذلك لو ذهب جلده وزال، لزمه غسل ذلك الموضع، وإن كان باطنا قبل ذهاب الجلد، والله أعلم.
وإذا نسي المأمور بالصلاة الماء في رحله في حال() السفر حتى صلى بالتيمم، قال بعض أصحابنا: يجزيه ولا إعادة عليه إذا تيمم وذكر الماء بعد فراغه من الصلاة، فإن صلاته تامة لعدم القدرة على وجود العذر وهو في السفر؛ فإن قال قائل: فما تقول في الناسي للقراءة في الصلاة، ليس هو غير قادر عليها في حال النسيان ولم يسقطْ ذلك عندكم() فرض القراءة؟ قيل له: هذا غير لازم، وذلك أنا لم نقتصر على عدم القدرة فقط بل ضممنا() (لعله جمعنا) إليها معنى آخر وهو العذر ألا ترى إلى المكفر عن الظهار لما نسي الرقبة أنَّها في ملكه وصام أنَّه لا يجزيه الصوم؛ لأن النسيان بمجرده لا يسقط الفرض حتى ينضم إليه معنى آخر والله أعلم؛ ومن لزمه() عتق رقبة ولم يجد إلا نصفا سقط عنه وكان عليه الصوم؛ ومن لزمه فرض الطهارة ولم يجد إلا ما يكفي بعض أعضائه للطهارة كان عليه أن يتوضأ بما معه من الماء ويتيمم لما بقي من أعضائه؛ الفرق بينهما أن الرقبة لو قطع بعضها لم تجز عن العتق، ولو قطع بعض الأعضاء كان الفرض باقيا في الباقي منهما، ودليل آخر، أن الفرض في كل عضو دون الآخر؛ فإذا توضأ بما معه من الماء لبعض أعضائه التي قد انفرد كل عضو منها بالأمر بغسله بقي الأمر بوضوء باقيه، فإن وجد الماء لبقاء الخطاب في باقيه، وإلا تيمم والله أعلم.
وقال بعض مخالفينا: إن فرض الطهارة يسقط عنه لأنَّها لا تجزي عنه ويتيمم()، وإذا اجتنبت المرأة ثم حاضت، لم يجب عليها الغسل لأجل الجنابة من قِبل أن الإغتسال ليس بواجب بعينه، وإنَّما يجب بغيره من العبادات في الصلاة وقراءة القرآن، وهذا المعنى ساقط عنها بالحيض، فلذلك سقط عنها الغسل من جهة الجنابة.

باب فيمـا ينقض الطهـارة

الذي ينقض الطهارة بإجماع الأمة خروج الغائط والبول أو أحدهما إذا كان ينقطع وقتا ويعود وقتاً، وخروج الريح من الدُّبر، وغيوب الحشفة في الفرج، والنوم مضطجعاً، وزوال العقل بجنون أو سكر أو مرض، والمذي والودي والمني ودم النفاس؛ واختلفوا فيما سوى ذلك وفي الرواية من طريق ابن عباس (أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ كان ينام متكئا حتى ينفخ، ثم يقوم ويصلي، فقلت: يا رسول الله إنك نمت، فقال:إنما تنتقض طهارة من نام مضطجعا(() فهذا يحتمل أن يكون في كل حال في صلاة وغيرها.


مسـألة
إذا دخل الصبي في الصلاة ثم بلغ، عليه الخروج مما هو فيه؛ وعليه أن يتطهر للصلاة، ويأتيها إذا كان مدركاً لوقتها، ومن أدرك ركعة والوقت قائم فهو مدرك للوقت إذا كان متطهرا. وإذا قدر على الطهارة ولم يبق في الوقت ما يأتي بركعة، والوقت قائم ، فهو غير مدرك لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: )من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك الصلاة(()، فإن قال قائل: لم وجب عليه الخروج مما دخل فيه، وقد كان مأموراً بها وَفَعَلَ الطهارة التي أتى بها؟ قيل له: لما بلغ لزمه الفرض، فوجب أن لا يأتيه إلا بطهارة يقصدها، وصلاة ينويها، لأنَّه صار في جملة المخاطبين بالآية وهو قول الله تعالى: وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين() وقد كان قبل ذلك زائلاً عنه الخطاب، وإن قال: وكيف يعلم بلوغه وهو في الصلاة؟ قيل له: البلوغ يقع من وجوه، أحدها: حدوث المني، ومنها استكمال السنين التي هي حد للبلوغ، وإن اختلف الناس في ذلك الوقت، وإذا بلغ في النهار لم يلزمه صوم ذلك اليوم من رمضان، ولا يجب عليه القضاء، وإن كان قد قال بالقضاء كثير من أصحابنا، لأن اليوم الذي بلغ فيه غير مخاطب في بعض النهار فلا يلزمه صوم ذلك اليوم، ولا يجب عليه قضاؤه ولا قضاء ما مضى من الشهر، لأن اليوم الذي بلغ فيه غير مخاطب بصومه؛ لأن صوم بعض اليوم لا يجوز. ولا يصح الصوم إلاّ بنية من الليل. فإن قال: فما الفرق بين الصوم والصلاة؟ قيل له: اختلاف حاليهما() في الأوقات، لأن في الصوم وقتاً يشتغل به من أوله إلى آخره، ولا يجوز إيقاع الصوم في بعض وقته؛ والصلاة لها وقت لا يوجب الاشتغال به من أوله إلى آخره. وجائز أن يُؤتى بها في بعض وقتها، فالمدرك للركعة مع ثبوت الطهارة والوقت قائم مدرك للوقت، فمن لزمه الخطاب بعد انقضاء بعض() وقت الصوم() لا يمكنه أن يأتي به لما ذكرناه آنفاً أن وقته مخالف وقت الصلاة، والقضاء إنَّما يجب إذ الخطاب قد لزم فلم يأته أو عذر بتركه، فأما من لم يخاطب بالشيء فالقضاء عليه غير واجب والله أعلم.
اختلف أصحابنا في المتوضئ يمس الفرج وهو ناسٍ، فقال بعضهم إِذا مسَّ ذلك وهو ناسٍ لم تنتقض طهارته؛ لأن الناسي لا لوم عليه، وكان() في التقدير غير فاعل إِذا لم يقصد إلى الفعل، وقال بعضهم: عليه النقض للطهارة في المسِّ، ناسياً كان أو عامداً، والنظر يوجب عندي إِعادة الطهر على الطهر من مسّ متعمداً أو ناسياً،

فإن احتج محتج ممن أسقط عن الناسي الطهارة، وإِن كان القاصد إلى المس ممنوعاً من ذلك بخبر النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، ووجب عليه إعادة الطهر عليه لركوبه المنهي() بالقصد إلى فعل ذلك؛ والناسي فليس بقاصد إلى فعل خالف فيه نهياً؛ يقال له: ما أنكرت أن يكون نقض الطهارة يجب بالعمد بالخبر، ويجب نقض الطهارة على من مسَّ ناسياً بالدليل فيكون الخطأ والعمد سواء، لاتفاقنا على أن خروج الريح من الدبرّ تنقض الطهارة بالعمد والقصد لإِخراجها، وخروجها بغير قصد وعمد ينقض الطهارة أيضا، فنقض الطهارة يجب بالعمد والسهو جميعاً، وكذلك بالجنب أوجب الله عليه الغسل، وأوجبه عليه الرسول عليه السلام أيضاً، فخروج المني ناقض للطهارة بالاختيار، وبالاحتلام الذي يخرج بغير اختيار، وكذلك قول رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ (إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين إِليتيه فلا ينصرف حتى يسمع() صوتاً أو يشم ريحاً())، وقد علم أن ذلك إِذا خرج فليس باختيار من المصلى، وكذلك قد أوجب الرسول ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ على المستحاضة الطهارة في الصلاة، واختلف في حكم طهارتها، وما يخرج من المستحاضة فليس باختيار منها، فهذا يدل على أنّ ما أوجب الوضوء فهو على() العمد والسهو سواء، والله أعلم وبه التوفيق.

وقال بعض أصحابنا: من تطهر لصلاة بعينها ثم شك في طهارته أنَّه لا يصلي بتلك الطهارة حتى يتيقن أنَّه لم يحدث، وهذا قول عندي فيه نظر؛ لأن الطهارة مأمورٌ بها من كان بها محدثاً، فإذا حصلت له وتيقنها كان له أن يصلي ما شاء بتلك الطهارة ما لم يحدث، فإذا تيقن ثبوت الطهارة لم يكن شكه فيها هل أحدث أم لم يحدث() لم تجزه صلاته حتى يتيقن الطهارة التي يدخل بها الصلاة، لا تجزيه إِلا بيقين.
الجواب عن هذا: أن الخبر قد صح عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ بالأمر() بالثبات على اليقين المتقدم في الطهارة بقوله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إذا شك أحدكم فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً)()، فلما جعل عليه السلام البناء على الصلاة مع وقوع الشك، كان ينبغي أن يكون استفتاح الصلاة مع وقوع الشك في الطهارة، ولا فرق بينهما وبالله التوفيق.
وإذا ثبت الخبر عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ فليس إِلا اتباعه، وقد وافقنا الشافعي في هذا وقال: من ثبت له حكم يقين بشيء لم يزل الحكم عنه إلاَّ بيقين ثانٍ، ثم لم يمض على قوله واستقامته في هذا الباب حتى قال في رجل وجد رجلاً ملفوفاً في ثوب فضربه بالسيف فقطعه على نصفين، أنَّه لا شيء على القاطع حتى يعلم أن الملفوف كان حياً، والحياة قد تقدمت بيقين، فلا يجب أن يزيل ما تيقنه من حكم الحياة للشك المعترض، هل يحدث فيه موت؟ وقال أهل المدينة إِذا ضرب المتيمم بيده على الأرض أجزأه، علق بيده شيء أم لم يعلق، وهذا القول (غلط عندي)() ممن قال به، الدليل على ذلك قوله جلَّ ذكره: فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه() يعني من الصعيد وقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (جعلت لي الأرض مسجداً. وجعل لي ترابها طهوراً)()، فمن مسح بغير التراب فلم يمسح بالصعيد، والله أعلم.
والتراب النجس هو عندي كالماء النجس، وتراب الآجر والخزف هو عندي كالماء المستعمل؛ لأن اسم التراب قد زال عنه، وصار مضافاً إِلى غيره()، وتغير بالصنعة، لعله بالصفة الحادثة فيه كالماء المستعمل الذي قد تغيرّ عن وضعه الأول لحدوث الواقع فيه والخارج منه، والله أعلم.


مسألة
وغيبة المؤمن من كبائر الذنوب، لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (غيبة المؤمن تفطر الصائم وتنقض الطهارة)()، ولا تنقض() الطهارة وتفطِّر() الصائم ـ وهما أكبر طاعات المؤمنين ـ إِلاَّ كبائر الذنوب وهذه الغيبة التي نهى عنها رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ هي الغيبة للمؤمنين، ألا ترى إلى قوله عليه السلام: (أذيعوا عن() ذكر الفاسق تعرفه الناس)()، وروي عنه ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (ما لكم تورَّعون عن ذكر الفاسق، أذكروا الفاسق بما فيه تعرفه الناس)().
وقال الله تبارك وتعالى: أبصر بهم وأسمع() أي بَصِّرّ بهم وسمعّ، ففيما أمر رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لتعريف الفاسق إِعلام الناس إِياه والإِذاعة به وبأخباره لئلا يغتر به أحد من المسلمين، دليل على أنَّه إنَّما نهى عن غيبة المؤمن دون غيبة الفاسق،ويدل على ذلك أيضاما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (لا تتبعوا عورات إخوانكم)() فهذا يدل من قوله على أن الأمر بالستر على زلة المؤمن وغفلته، وأن يحذر من الفاسق ويعلن بخبره على جهة النصح للمسلمين لئلا يغتر به أحد منهم، ويحسبه من جملة من يستنام إِليه في() أمر الدين والدنيا، والله أعلم.



مسألة
والواجب على المتطهر للصلاة أن يأتي بها على ترتيب القراءة، وعلى ما عليه عمل الناس، وليس بمفروض ذلك عليهم في الكتاب ولا في السنة والله أعلم؛ وكان الشافعي لا يجيز طهارة الأعضاء للصلاة إِلاَّ على ترتيب قراءة آية الطهارة، وأنكر على من خالفه في ذلك، وأجاز هو غسل اليسرى قبل اليمنى، وأن يبتدئ المتوضئ من المرفقين إلى الكعبين مع قول الله جلَّ ذكره: إلى المرافق وبالله التوفيق.
ومن توضأ لفريضة أو نافلة أو لصلاة بعينها فهو على طهارته ما لم يحدث، وهذا القول يدّعي فيه مخالفونا بالإجماع عليه من الصحابة. والواجب غسل الفم وداخل الأنف من الجنابة. الدليل على ذلك قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (فبلّوا الشعر وأنقوا البشرة)() فلما كان الفم وداخل الأنف يباشران الفعل وجب غسلهما لاستحقاقهما اسم البشرية والله أعلم. وأيضاً فإن من خالفنا في هذا وقد() وافقنا في غسل داخل الأذن، وداخلُ الأنف كداخل الأذن، فإن احتج بشعر الأذن؛ لأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أمر بأن يبلّ الشعر قيل له: فيجب غسل داخل الأنف للشعر الذي فيه ولا فرق في ذلك، والله أعلم.


باب في غسل الميت
وواجبٌ غسل الميت قبل دفنه، لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إغسلوا موتاكم)()، وغسل الموتى فرض على الكفاية إذا قام به() بعض الناس سقط على الباقين، وفي رواية() عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (يغسل المحرم بماء وسدر)() والمستحب للفاعل() أن يبدأ عند غسل الميت بميامنه، والفرض في ذلك غسلة واحدة، والمأمور به ثلاث غسلات، ولا ينظر الغاسل إِلى عورته: (لنهي النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أن ينظر المؤمن إِلى عورة أخيه المسلم)()؛ لما روي عنه عن جابر بن عبد الله، وللزوجين أن يغسل كل واحد منهما صاحبه؛ لأن العصمة باقية بينهما بعد الموت()، قال الله جل ثناؤه (نسخة) ذكْره: ولكم نصف ما ترك أزواجكم() وقال: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً() والمدّعي قطع العصمة بينهما محتاج إلى دليل؛ وإِذا ماتت المرأة وقد طهرت من الحيض، أو من الجنب، أجزأه غسل واحد؛ لأن غسل الميت فرض على الأحياء، وغسل الحائض والجنب هو المتعبد به في حال() حياته، فلا ينتقل إِلى غيره: والغسل من الجنابة والحيض والنفاس يجب بالطهارة، والميت قد زالت عنه الصلاة، ولا يؤخذ من شعر الميت ولا من أظفاره وإن كان فاحشا، فإن فعل ذلك كان مخطئاً؛ لأن الإِنسان ممنوع من التسلّط() في جسد غيره إلاَّ بدليل يوجبه ما يوجب التسليم له. والمحرِم إذا غسِّل لم يكفن إلاَّ في ثوبه، ولا يمسّ بطيب ولا يخمر رأسه، لما روي() عن ابن عباس عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ ذلك، وأجمع الجميع أن() الماء القراح جائز لغسل الأحياء والأموات. والمقتول (في المعركة أ)() لا يغسل؛ لأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ قال:

(دم المقتول في سبيل الله يفوح مسكاً يوم القيامة)()، وفي هذا من الأخبار كثير في دماء الشهداء، ومن قتل في غير المعركة فليس هذا سبيله، ولا يجوز شق بطن الحامل إذا ماتت، ومن شق بطنها فقد أخطأ؛ لأن الحمل لا يعلم() حقيقته، ولا يشق بطنها، ولا يعلم أيكون() أم لا يكون()، واختلف الناس في حكم الميت هل هو نجس بعد الموت، أو طاهر؟ فقال أصحابنا: نجس حتى يطهر، وقال بعض مخالفيهم: هو طاهر وغسله ليس بمطهرّ له؛ لأنَّه نجس، وإنَّما هو عبادة على الأحياء. وروي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم() ـ أنَّه قال: (المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً)()، فإن كان الخبر صحيحاً فحلول الموت فيه لا ينقل حكمه عمّا كان عليه قبل ذلك والله أعلم.
وامرأة يفرق شعرها عند غسلها، وكذلك في الرواية عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم() ـ أنَّه سئل عن امرأة ماتت: (فأمر() بفرق شعرها عند غسلها) وكذلك في الرواية، والكفن() من رأس المال لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم()ـ في ميت مات بحضرته فقال: "كفنوه في ثوبيه"() فأضاف الملك إليه. وقد غلط من ذهب إلى أن الكفن من ثلث ماله، ويكره تضعيف الثياب وكثرتها على الميت لما روت عائشة: (أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة)()، ومن طريق غيرها (أنَّه كفن في ثوبين): والمأمور به في الكفن البياض من الثياب للذكور والإِناث،

لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: "عليكم بهذه الثياب البياض() ألبسوها أحياءكم، وكفنوا بها موتاكم فإن من خيار ثيابكم()، ولا يجوز الكفن للرجال إذا كان من القز أو الحرير: ويقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ وقد أخذ قطعة من ذهب وخرقة من حرير وقال: (هذان محرَّمان على رجال أمتي ومحللان() لنسائها)() وكفن المرأة في خمسة أثواب، وكذلك روي أن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ رفع في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب()، ويستحب الطيب للميت ويتبع به مواضع السجود، ويستحب تعجيل دفن الميت، لما روي عن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (لا ينبغي أن تحبس جيفه مسلم بين ظهراني أهله)(). ويكره أن يسرع بالجنازة إِسراعاً عنيفاً، ويكره أن يتقدم الجنازة؛ لأنَّها متبوعة والمستحب هذا() وإن تبعها أحد راكباً فلا بأس، وأولى بالصلاة على الميت عندي أفضل القوم لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (ليؤم القوم أفضلهم)()، وهذا الخبر عموم ولم يخص ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ صلاة من صلاة. وقال أصحابنا غير هذا، فإن اعتلَّ معتلٌ بقول الله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض() قيل له: قد يكون الأولى بالميت من طريق الرحم عبداً أو ذمياً فلا يكون أولى به في الصلاة.
واختلف الناس في غسل الميت يغسل ثم يحدث قبل أن يدخل أكفانه. فقال بعضهم: يعاد عليه الغسل ما أمكن، وقال أصحابنا: يعاد عليه الغسل خمس مرات ثم يدرج في أكفانه، وقال غيرهم: إِذا غسل ثم أحدث لم يعد عليه الغسل ثانية ووضِّيء وضوء الصلاة، (وقال آخرون: يغسل الحدث وحده، والنظر يوجب عندي أن يوضأ وضوء الصلاة()، لأن فرض غسله قد سقط بالغسلة الأولى، وإعادة الغسل عليه لا يلزمهم؛

لأنَّه فرض ثانٍ لا يجب إِلاَّ بخبر يقطع العذر ويلزمه() العمل به، والنبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لم يجمع بين الحي والميت في الحرمة، ويجب أن يفعل فيه كما يفعل في المحدث الحيّ إِذا أحدث بعد سقوط الغسل عنه، والله أعلم. وغسل الميت فرض على الكفاية إِذا قام بغسله البعض سقط عن البعض الآخر، لقول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (إغسلوا موتاكم)() فهذا خطاب للمسلمين، فكل ميت من أهل الإِسلام واجب غسله لأمر النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ، إلاَّ الشهيد فإن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ خصَّه من جملة موتى المسلمين فأخرجه منهم بالنهي عن غسله بقوله: (زمِّلُوهم في ثيابهم ودمائهم)()، والشهداء هم الذي يقتلون في الحرب، وليس كل مقتول ظلماً هو شهيد، وإِن كان قد خالفنا كثير من مخالفينا فزعم أن كل مقتول ظلماً فهو شهيد، حتى ذكر أن الساقط من النخلة، ومن سقط عليه شيء فقتله فهو شهيد، والشهداء() عندنا هو المتفق عليه من قتل في حرب المسلمين محارباً معهم، ومعنى قوله عليه السلام: (زملوهم في ثيابهم)() أي لفّوهم فيها، وكل ملفوف فهو مزّمل.



باب في الحائض
الثاني من كتاب الوضوء وما ينقض الطهارة
ونحو ذلك من النجاسات وغير ذلك.



بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين:
اختلف الناس في الحائض تسمع آية السجدة. فقال بعضهم: عليها أن تسجد، وقال آخرون: إِذا طهرت سجدت، وقال أصحابنا: لا سجود عليها في ذلك، وهذا هو الذي يوجبه النظر، ويدل اللبّ عليه، لأنّ الأمة أجمعت أن الحائض لا صلاة عليها وأنَّها ممنوعة من الصلاة لأجل حيضها، فإذا بطل فرض الصلاة عنها لعِلَّة الحيض فالسجدة أولى أن لا تجب عليها، وأيضاً فإن نفس سجود القرآن مختلف في إيجابه على الطاهرة، فأما الحائض فلا معنى لسجودها إِذْ السجود صلاة، والصلاة لا تجوز بغير طهور، ولا سبيل للحائض إِلى الطهر، إنَّما يجب بزوال الحدث، وحدث الحائض قائم بحاله، ومحال أن تكون الحائض بالماء متطهرة وحيضها موجود، والموجِب عليها السجود في حالها بعد التطهر من الحيض أيضاً محتاج إلى دليل؛ واختلف أصحابنا في الجنب يقرأ القرآن، فروى عليّ بن أبي طالب قال: كان رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لا يمتنع عن قراءة القرآن إلاَّ إذا كان جنباً، وروي عن ابن عمر أنَّه سئل عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ فقال: لا، قيل له: فآية، قال: ولا نصف آية. وروي عن ابن عباس أنَّه أجاز للجنب أن يقرأ القرآن الآية والآيتين. وروي عن غير هؤلاء من الصحابة إِجازة القراءة للجنب، والمشهور مما عليه من الفقهاء أن الجنب لا يقرأ القرآن لما عندهم في ذلك من الروايات الصحيحة، وضعّف بعض أصحاب الحديث ما روي عن علي بن أبي طالب. وبعض المتفقهة ممن أجاز القراءة للجنب تأول حديث علي بن أبي طالب على غير وجهه، فإذا كان الجنب ممنوعاً من قراءة القرآن فالحائض أولى عندي بالمنع؛ والله أعلم.

ولا تجوز للجنب الصلاة حتى يتطهر، وكذلك لا يجوز للحائض حتى تطهر وتتطهر؛ وقالت الفرقة المجوزّة للجنب قراءة القرآن: إن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ يذكر الله في كل أحواله، والذكر لله قد يكون قرآناً وغير قرآن، وكل ما وقع عليه اسم ذكر الله تعالى فغير جائز أن يمتنع منه أحد. قال: ولو كان الخبر في منع الجنب من قراءة القرآن صحيحاً لم يجز رد الحائض إليه قياساً، وكان الله تعالى قد أباح للناس أجمعين تلاوته وخصّ الجنب بالمنع من جملة من أذن له بذلك، وبقي الباقي على الإِباحة، وقد غلط من ذهب إلى إِجازة القرآن للجنب والحائض من حيث تأولّه الروايات والمنع لهما من ذلك. ولعمري لولا الخبر الوارد بذلك لكان الاستكثار من ذكر الله بالقرآن في كل الأحوال أفضل لمن فعله()، ولكن لاحظّ للنظر مع ورود الخبر، ولله أن يتعبد عباده بما شاء، ألا ترى إلى قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ (الصلاة خيرٌ موضوع، فمن شاء فليقللْ ومن شاء فليكثر)()، @@ومع ذلك فالحائض والجنب ممنوعان من الصلاة مع قول النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لحذيفة بن اليمان وقد أجنب وقد امتنع من مصافحة النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ لأجل جنابته، فقال له النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ: (المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً)() وبالله التوفيق.
واختلف علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين في الحائض ترى الدم وقد دخل وقت الصلاة، فقال بعضهم: إذا حاضت وقد دخل الوقت فعليها إِعادتها إذا طهرت، وقال بعضهم: إذا حاضت وقد دخل
من الوقت بقدر ما لو تطهرت وصلت قضت صلاتها فأخرتها حتى حاضت أنّ عليها قضاءها إذا طهرت، وإذا كان دون ذلك فلا قضاء عليها، وأما بعض مخالفينا فإنَّه يرى أنَّه

لا قضاء عليها إذا حاضت في وقت الصلاة، لأنَّها كان لها أن تؤخر الصلاة بالتوسعة لها في ذلك فإن حاضت في وقت كان لها أن تأخر الصلاة فيه، ثم منعت من الصلاة بالحيض الحادث عليها، لم تكن مضيعة لصلاتها، ولا إعادة عليها إِلاَّ أن تكون قد أخرتها إِلى آخر وقت الصلاة، أو في حال لو أرادت أن تصلي لم يكن لها في الوقت ما تقضي فيه الصلاة، وقول أصحابنا أقوى في باب الحجة والله أعلم؛ لأنَّها خوطبت بالصلاة وأمرت بفعلها فالأمر بالفعل لا يسقط التأخير.
واختلفوا أيضاً إِذا طهرت وقد بقي من الوقت اليسير الذي لا يمكنها فيه التطهر والصلاة، فرأى عليها بعض الفقهاء تلك الصلاة لأنَّها طهرت وهي في الوقت، وأسقط عنها الصلاة آخرون، واختلفوا أيضاً في التعاويذ تكون في الرجل والمرأة، ثم يجنب الرجل وتحيض المرأة، وفي مسّ الدراهم وعليه ذكر الله أو شيء من القرآن فرخص() فيه بعض الفقهاء وشدّد فيه آخرون، وفي الرواية عن عائشة إنَّها قالت: (كنت أغسل رأس رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ وأنا حائض)()، وغُسلُها في يديها، لأن حكم اليد حكم سائر البدن، إلاَّ موضعاً فيه نجاسة قائمة، وإِذا لم يكن() هنالك نجاسة مرئية أو محسوسة لم يجب أن يتغير حال الإِنسان عن حكم حاله التي كان عليها؛ واتفق أيضاً جلّ علمائنا على أن الحائض إذا طهرت من الحيض لم يجز لزوجها غشيانها إِلاَّ بعد التطهر والاغتسال أو الصعيد عند عدم الماء؛ ووجدت قولاً في الأثر لبعض أصحابنا أجاز ذلك قبل الاغتسال: والأول هو الذي يوجبه النظر، وعليه العمل عندنا؛

وجماعة من وجوه فقهاء مخالفينا يقولون بذلك عندنا: والذي يذهب إليه من جوز غشيانها إذا طهرت من الحيض قبل التطهر حجته؛ إنَّها لا تخلو أن تكون حائضاً أو تطهرة، فإن تكن حائضاً لم تؤمر بالصلاة ولم يكن لزوجها وطؤها، وإن كانت طاهرة مأمورة بالصلاة ـ إِذ الصلاة لا يؤمر بها إِلا من كان طاهراً ـ فلزوجها غشيانها؛ وحجة أصحاب القول الأول إنَّهم أجمعوا مع مخالفيهم على تحريم وطئها لأجل حيضها. ثم اختلفوا في إِباحة وطئها بعد انقطاع دمها، واتفقوا على إِباحتها بعد التطهر بالماء، فهم على الحظر() حتى يجمعوا على ارتفاعه وإباحته وبالله التوفيق.
واختلف أصحابنا في المرأة تجنب() ثم تحيض قبل أن تغتسل، فقال بعضهم: إذا طهرت اغتسلت غُسلين؛() لأن فرض كل واحد منهما غير الفرض الآخر، وهي مأمورة بالتطهر من كل حدث منهما، ولا تخرج مما أمرت به إلاَّ بفعله. وقال آخرون: يجزيها غُسل واحد للجميع؛ لأن النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ كان يطوف على نسائه في الليلة ثم يغتسل لذلك غُسلاً واحداً. ولو أن رجلاً كان محدثاً ومعه ماء قليل وليس عنده غير ثوب نجس، والماء لا يكفيه لحدثه وطهارة ثوبه كان له أن يستعمله لحدثه إن شاءِ، وإن شاء لطهارة ثوبه لأن تطهير الثوب للصلاة فرض؛ يقول الله عزَّ وجلَّ: وثيابك فطهر()، والتطهر من الحدث بالماء فرض عند وجوده بقوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم() الآية. وقال أصحابنا: إنَّه يستعمل الماء لحدثه ويصلي بالثوب، واختلف أصحابنا في المرأة تجامع ثم تحيض قبل الاغتسال، فقال بعضهم: إذا طهرت اغتسلت غسلاً واحداً للجميع وهو قول أكثرهم. وقال بعضهم: عليها غسلان وهو الذي نختاره؛ لأن الله تعالى أوجب على الجنب التطهر بقوله جلَّ ذكره: وإن كنتم جنباً فاطهروا()، فهذه لفظة مشتملة على الذكور والإِناث فعليها الاغتسال من الجنابة بأمر الله تعالى لها بذلك،

وقد أمرها رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ عند إِدبار حيضها بالاغتسال؛ لقول ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ (إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلَّي)()، فعليها أن تغتسل بالسنة والكتاب غُسلين(). فإن قال قائل ممن يخالف هذا القول: أليس إِذا عدمت الماء كان لها أن تتيمم تيمماً واحداً بإتفاق؟ وكذلك يجب أن يكون حكم المبدل منه، قيل له: ومن يسلم لك ذلك، والحسن يقول عليها طهارتان، والطهارة تكون بالماء وبالتيمم أيضاً، ولا يجوز أن يكون باتفاق قبل الحسن ويقول بعده بخلافه. هكذا يظن به مع علمه وإطلاعه على معرفة الاختلاف والله أعلم.

باب في النجاسات

أجمع الناس على جواز استعمال الجلد المذكَّى والمطهر والتطهر بما فيه من الماء، وإن لم يكن مدبوغاً، وتنازعوا في استعمال جلد الميتة إذا دبغ، واختلف أصحابنا أيضاً على قولين، فجوز بعضهم استعماله بعد الدباغ، وقال آخرون: الميتة لا يطهرها الدباغ. وحجة من لم يجوِّز قولُ النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)()، والحجة لمن أجاز الانتفاع به بعد الدباغ قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أيما إِهاب دبغ فقد طهر)()، وظاهر هذا الخبر يبيح استعمال كل جلد محرم علينا استعماله قبل الدباغ، إِذ العموم يوجب ذلك، إلاَّ ما قام دليله، وهذا الذي نذهب إِليه ونختاره، إِجازة الانتفاع بجلد كل ميتة بعد الدباغ إِلاَّ جلد الخنازير(). فإن قال قائل: لم تركت الخبر ولم تستعمل عمومه والظاهر يوجب استعمال العموم؟ قيل له: قد قام الدليل على تخصيص الخنزير. فإن قال: وأي شيء خصّه؟ قيل له: القياس خصّه. فإن قال: وأي قياس خصَّ ذلك العموم؟ قيل له: إن الخنزير نجس بعينه، وإذا كانت النجاسة بعينها محرمة لم يصح فيها طهارة والعين قائمة، والميتة قد كانت غير نجسة ثم تنجست بالتحريم، فلما نقلها الرسول ـ صلَّى الله عليها وسلَّم ـ من نجاسة إلى طهارة لم يدخل فيه ما لا توجد الطهارة فيه والله أعلم، فإن احتج محتجّ لمن لم يجوِّز الاِنتفاع بجلد الميتة إذا دبغ بقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)() قيل له: هذا خبر ضعيف قد تكلم فيه بعض حملة() الأخبار، ولو كان ثابتاً لم تكن فيه دلالة على ما ادّعيت؛ لأن من شأن أهل العلم أن يعتبروا الخبرين إِذا وردا، فإذا كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً اعترضوا بالأخص على الأعم، ولا يعترضون بالأعم على الأخص، فقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)() لا يفيد أكثر مما أفاد في الآية، وهو قول الله تعالى: حرمت عليكم الميتة()، ومن شأن العلماء أن يطلبوا الخبر الذي فيه زيادة وفائدة، وقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)(). فقد خص بعض تلك الجملة فأدخلها في خبر() الإِباحة، وإذا كان هذا هكذا وجب أن يعترض بقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)() على قوله (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)()، لأن هذا عام وذلك خاص، فإن قال بعض من يحتج لمن لم يجوز الانتفاع بالإهاب بعد الدباغ فقال: ها هنا خبر ورد لا عموم فيه، وصمد الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إلى الجلد بعينه، وهو قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء بإهاب ولا عصب) فالتعارض قد وقع، وإِن تعارض الخبران وجب أن يوقفا، ورجعنا إلى قول الله جلَّ ذكره: حرمت عليكم الميتة، والآية توجب تحريم الميتة في جميع جهاتها، فلو() كان خبرك يبيح الجلد وخبرنا يمنع منه علمنا أن هذا طريقه الخصوص والعموم. يقال له: هذا خبر قد تكلم فيه بعض أهل النقل، ولو كان ثابتاً ما لزمنا ما ألزمت()، وذلك أن خبرك ورد بتحريم الإِهاب، ونحن فلا نبيح استعماله مع استحقاق اسم الإِهاب، ولا نجيز استعماله حتى يزول عنه اسم الإِهاب؛ لأن العرب إنَّما تسمي الجلد إِهاباً ما لم يدبغ، فإذا دبغ سموْه أديماً فنحن لم

نبح استعماله إلاَّبعد زوال اسم الإِهاب عنه. والدليل على صحة ما قلناه من اللغة قول الشاعر حيث عاب رجلاً ووضع منه وعيَّره() إذ كان فقيراً ثم استغنى فقال شعراً:

قد كان نعلك قبل اليوم من أهب***فصرت تخطر() في نعل من الأُدم.

فهذا يبين ما قلناه وبالله التوفيق.
واتفق أصحابنا فيما علمت على استعمال صوف الميتة وشعرها وريشها وخالفنا الشافعي في ذلك فحرم الشعر والوبر والصوف والعظام والقرن، واحتج بقول الله عز وجلَّ: حرمت عليكم الميتة()، قال: فاسم الميتة مشتمل على جميعها، لا فرق بين شعرها وصوفها ولحمها لعموم الآية، يقال: إن الله تعالى لم يشر إلى عين بعينها، وإنَّما تركنا مع الاسم فكل ما وقع عليه اسم ميتة فهو محرم تناوله، لم تقم الدلالة على استحقاقه اسم الميتة، والتحريم غير واقع عليه؛ وقد تنازع الناس في وقوع اسم الميتة على الشعر والوبر، ولا دليل يدل على وقوع اسم ميتة عليه: فمن تعلق بعموم الآية قوبل بعموم مثله، وهو قول الله تعالى: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين()، ولم يخص بعد هذا العموم الميتة ولا غيرها، فإن قال: من أصوافها وأوبارها وأشعارها إذا لم تكن ميتة، قيل له: حرمت عليكم الميتة إلاَّ الصوف والشعر والوبر، ويكون كل منا متعلق بالعموم يطلب به، والصحيح ما قال أصحابنا. الدليل على صحة مقالتهم أن الشعر والوبر والصوف والعظم والقرن لم يدخل في ذلك التحريم عند قوله: حرمت عليكم الميتة() لما روي عن النبي ـ صلَّى الله
عليه وسلَّم ـ إنَّه مر بشاة لمولاة لميمونة، وقد كانت أعطيتها من الصدقة وقد ماتت، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به؟()، قالوا: يا رسول الله إنَّها ميتة) تعلقوا بما تعلق به الشافعي، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم ـ : (ليس الأمر كما وقع لكم إنَّها إنَّما حرَّم أكلها)، فرد التحريم إلى ما يؤكل دون ما لا يؤكل، فهذا يبين أن التحريم لم يقع على ما جوزه أصحابنا، وإنَّما يقع على ما يؤكل منها والله أعلم، ودليل آخر يدل على صحة هذه المقالة قول الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة)()، وأجمع الكل على أن لو قطع عضو من أعضائها وقع عليه اسم الميتة، ولو جز شعرها ووبرها لم تسم ميتة. وكان في إجماعهم دلالة على تفريق بين ما يؤكل وما لا يؤكل، والعظم عندي على ضربين: فعظم يؤكل، وعظم لا يؤكل، والعظم الذي لا يؤكل داخل في خبر الحظر()، والعظم الذي يؤكل فخارج من خبر الحظر، فإن قال قائل: ما العلة في النهي عن استعمال إهاب الميتة إلاّ بعد الدباغ، وهو إنَّما يوضع به ملح أو رماد أو تراب، ويجعل في الشمس، وما الذي نقل هذا من غير ما حكي عنه() ؟ قيل له: التعبد قد ورد بذلك، وقد يرد الشرع على إيجاب فمنه بألفاظ، ومنه مالا يعقب بألفاظ، وما عقب بألفاظ قد لا يكون علة وقد يكون علة. فأما ما يكون علة فقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إِذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم() ، فكان ما عقب به من ذكره خير لكم علة لما رغَّب،

وقد لا يعقب الخطاب بذكر شيء والعلة قد تعلمها() إنَّها للمصلحة من فعل الحكيم، وما يعقب بالألفاظ قد لا يكون الحكم معلقاً به، وإنَّما يجري بطيب() النفس بسبب المحث على فعله والمرَّغب فيه؛ لأن الإِنسان يحب النظافة ويختارها، وفيما أمر عليه السلام من دباغ الإهاب وتغييره عن حاله الأولى ضرباً مما تميل إليه النفس وتختاره حتى يكون ذلك مما يشتمل عليه إتيانه؛ الدليل على ذلك ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه دخل على سعد بن أبي وقاص. فقال: يا رسول الله أوصي بمالي؟ قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير وإِنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم)() فأراه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه فيما نهاه عنه صلاحاً لمخلفه() وعيالهم ليسهل() عليه ما أمره به، ولم يعلق الحكم بغنى الورثة ولا بفقرهم، ويدل على هذا أيضاً؛ لو كان للإِنسان ألف دينار وكان له ورثة لم يجز له أن يزيد على الثلث في الوصية حبةَّ، ولو لم يكن في الحبة غنى للورثة. وأجمعوا أن لو خلفّ درهماً واحداً ووارثه يملك ألف دينار لم يكن له أن يزيد على الثلث حبة واحدة، وإن لم يكن له في الحبة غنى لوارثه وبالله التوفيق.
وإِن احتج محتج بأن إهاب الخنزير إذا دبغ طهر، واحتج بقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)()، فقال: هذا عموم يشتمل على ما يقع عليه اسم إِهاب، يقال له: وكذلك قال الله تعالى: وما أكل السبع إلا ما ذكيتم()، وهذا عموم يدخل فيه الخنزير وغيره، فإن قال: إِلاَّ الخنزير، يقال له: إِلا إِهاب الخنزير، وبالله التوفيق.



مسألة

قال أصحابنا باستعمال السمن الذائب() إِذا حكم له بحكم النجاسة للسراج؛ لأنّ ما عرض فيه من النجاسة لم تحرم() عين السمنّ()، وإنَّما منع من استعماله للأكل لاختلاط النجاسة به، فإن قال قائل: لم لا يكون محرماً الانتفاع به لأجل نجاسته لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها)()، قيل له: الشحمّ حرّمه الله عليهم بعينه فعينه محرّمة عليهم: والشحم والسمن الحلال المعترض عليهم النجاسة ليس كذلك، بل إنَّهما عرض فيهما من النجاسة، فقد قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فإن كان مائعاً فأريقوه وإِن كان جامداً فألقوها وألقوا ما حولها)().
ولو جاز الانتفاع به ما أمرنا بإراقته، وهو ينهى عنه إضاعة المال، ألا ترى إلى سؤر الكلب لما لم يجوِّز الانتفاع به أمرنا بإِراقته، ولمّا مرّ بشاة مولاةٍ لميمونة وهي ميتة لم يجوِّز الانتفاع بها في الحال بوجه من الوجوه لبقي المعنى الذي به يتوصلون إلى الانتفاع به مع حصول النجاسة في الحال الثاني وهو الدّباغ، فلو كان للسمن وجه يجوز الانتفاع به مع حصول النجاسة فيه لما أمرنا بإراقته، قيل: إن الأمر بإراقته لا يوجب ترك الانتفاع به من قبل أن إراقته فيه إستهلاك، وقد يقع فيه الاستهلاك بوجه وينتفع به مثل الدباغ والسراج وغيره أيضاً، فإن الذي أفادنا الأمر بإراقته هو المانع من أكله، وقد روي عنه _ صَلى اللّه عليه وسُلمُ _ أنه أمر بالاستصباح به من طريق عليّ، وإٍذا كان الأمر على هذا حملناه على الوجه الذي يقع فيه() الانتفاع به، وإن كان استهلاكاً إذا لم يكن ذلك الانتفاع بالأكل. وإذا جاز الانتفاع به بعد الدباغ وإن كان نجساً أباح ما كان ممنوعاً من أجله والله أعلم.


مسألة()

وإذا وقعت نجاسة في ماء فظهر فيه طعمها أو ريحها أو لونها نجس ما وصلت إليه، قليلاً كان الماء أو كثيراً، إلا أن يعلم أن ما وقع منها في طائفة ولم يصل إلى بقيته، فتكون هذه البقية مما يجوز التطهر بها لزوال النجاسة عنها؛ فلذلك قلنا إن الناحية التي فيها النجاسة لا يجوز التطهر منها، والأخرى طاهر يجوز التطهر منها؛ لأن الله تعالى حرَّم النجاسة فلما علم كونها فيه فشُرْبه واستعماله حرام، ولا يشبه الماء الراكد الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة؛ لأن الماء الراكد لا يرفع() النجاسة من حيث حلت، والجاري فما دونه تدفع النجاسة من موضعها حتى لا يعلم مكانها "فما لم يُر لها أثر، ولم يعلم موضعها فجائز الوضوء بالماء الجاري حتى يرى أثر النجاسة فيه، أو يغلب ذلك الرأي فتقوى صحته في النفس والله أعلم.
والماء الجاري على ضربين " الأول: فجارٍ فيه نجاسة متجسدة لا ينجس بها منه إلاَّ ما طابقها ولقيها من أجزائه بأجزائها دون سائره، ثم إذا انتقلت دفعت مادة الماء إلى مكانها فطَّهرته، والضرب الثاني من الجاري أن تكون النجاسة فيه مما حلته تفرقت أجزاؤها وصار على سبيل المجاورة، فحكمه النجاسة إِلاَّ أن يكثر عليها الماء() فتصير فيه كالمستهلك، فحكم ذلك الطهارة لتلاشي النجاسة فيه والله أعلم".


مسألة

روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (لا يبولنَّ أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه)() قال أصحاب الحديث(): الظاهر ولغير() البائل الممنوع أن يتوضأ منه، والنظر يوجب عندي أن النهي عن التوضيء منه لقلته؛ لأن الراكد من الماء قد يكون كثيراً، ويدل على ما قلنا قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ "حكمي على() الواحد منكم حكمي على الجميع" لقول الله عز وجل: وما أرسلناك إلا كافة للناس . وليس إذا ذكر واحداً بمنع أو إباحة لم يدخل فيه معه غيره() في باب العبادة، والحال() بينهما واحد() والله أعلم؛ والماء الراكد على ضربين: فراكد قليل، وراكد كثير، وقد روي من طريق آخر أنَّه قال عليه السلام: "الماء الدايم"()، فالخبر إذا سلم طريقه وصح نقله، فالنهي عن القليل الذي لا يحمل النجاسة لقلته، ويؤيد ذلك قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ : "الماء لا ينجسه شيء" يريد والله أعلم إنَّه لا ينجسه شيء لكثرته وغلبته على النجاسة، وإذا وقع في ماء بير أو غيرها إنسانٌ، فمات فيه أخرج منها ونزح ماؤها كله أو مقدار ما فيها من الماء إذا لم يقدر على نزح مائها كله، لما روي() عن ابن عباس وابن الزبير أنَّهما نزحها زمزماً من زنجي وقع فيها فمات، والتقدير لأصاحبنا في نزح البير النجسة أربعين دلواً أو خمسين دلواً، إنَّما هو مقدار ما فيها من الماء قبل أن يزيد ماء العيون، هكذا ظنّي أن قصدهم هذا، والله أعلم.

وقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة وجابر بن عبد الله أن الجنب إذا اغتسل في الماء أفسده، والميت أولى بفساد الماء إذا مات فيه؛ ولا يجب غسل جوانب البئر إذا نزحت للإجماع على ذلك؛ ولأن الذي يلاقي جوانب البئر من الماء النجس يزيله عنها ما يقع من جوانب البئر، لأنَّه ماءٌ جار أو يرده إلى الماء الراكد فيها فلا تبقى على جوانبها نجاسة، ولا يشبه الآبار مما وصفنا الأواني؛ لأن ما لاقى جوانب الأواني لا يزيله إلاَّ الغسل عنها، إذ لا يمتنع() من جوانبها. وفي الرواية أن الصحابة أن اختلفوا في فأرة ماتت في بئر، فأمر بعضهم أن ينزح منها أكثر مما أمر به الآخر، واتفقوا على نزحها، وإنَّما الاختلاف بينهم في قلة الماء وكثرته، ولم ينقل مقدار الماء الذي كان فيها، ومثل هذا يحتمل التأويل في قلة الماء وكثرته ومع وجود الطعم والرائحة والله أعلم. وقد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (لا يبولنَّ أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه)()، قال داود: ولغيره أن يتوضأ منه، يقال له: إن الراكد قد يكون قليلاً وقد يكون كثيراً. فما ينكر أن يكون أراد() عليه السلام الماء القليل؛ فإن قال: هذا عموم، وكلٌ ما وقع عليه اسم راكد فالبائل فيه ممنوع من التطهر منه بظاهر الخبر. قيل له: ما تنكر أيضاً أن يكون غيره ممنوعاً منه، وإن خصَّ البائل بالذكر دون غيره لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (حكمي على الواحد منكم حكمي على الجميع)() فإن قال: فإن البائل قد خص بهذا الحكم، قيل له: عليك إقامة الدليل، والظاهر معنا() والعموم أيضاً، ويقال له: ما تنكر أيضاً أن يكون قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ:

(فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك)() أن التعلق بهذا العموم واجب، فيكون هذا خطاباً لكل محدث من جنابة قد كان تيمم ثم وجد() الماء. إلاَّ من منع منه بنجاسة؛ فإن احتج بخبر ذؤيب الخزاعي، قيل له: إن الإجماع منعنا من مشاركة غيره معه، وإذا ورد التوقيف لم يكن معه للنظر حظ وبالله التوفيق.
وقد روي من طريق عائشة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه: (نهى عن إلقاء النجاسات في الماء)() ولم يذكر راكداً، ولا غيره؛ وفي هذا الخبر دليل على أن حكم البول في الماء والتغوط فيه سواء، وقد فرق داود بينهما في الحكم والله الموفق للصواب.
إختلف أصحابنا في رجيع الأنعام فحكم بنجاسته بعضهم، ولم يرَ ذلك آخرون، ويوجد عن أبي عبد الله أن رجيع الخيل والحمير وما لا يجتر فلا بأس برجيعه، وقال العباس والمغيرة: إن رجيع مالا يؤكل لحمه من الخيل والحمير وما أشبههما أولى أن يكون نجساً، وما يؤكل لحمه هو أشبه بالجواز في حكم التطهر، لأن الناس اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، ولم يختلفوا في بول ما لا يؤكل لحمه، والله أعلم؛ وقال بعض أئمتنا ممن يذهب إلى تنجيس البئر إذا حلتها النجاسة القليلة وهي بمدذاحرها() إنَّها تنزح خمسين دلواً بعد أن تكون الدلو طاهرة، وتطهر الدلوا بعد فراغ النزح بها، فإن كانت النجاسة متجسدة لها غير قائمة في البئر لم يطهرها النزح الذي ذكرناه فيها إلاَّ بعد إخراجها من البئر، قال وإن وقعت الدلو في بئر أخرى قبل أن يغسل نزحت البئر الثانية أيضاً خمسين دلواً بعد أن يطهر الدلو، وكذلك كل بئر هذا سبيلها. قال:

وإذا بقي فيها دلو واحدة من الخمسين لم تنزح() في ذلك اليوم (نسختين) المقام وأُخرت إلى اليوم الثاني استقبل نزحها من أوله، وقد كان يجب من() أصله أنَّه لا يوجب إخراج غير ذلك الدلو الباقية التي تتم بها نزح البئر وتطهر به؛ لأن إِبقاءها في البئر قبل() إِخراجها لم يجب إخراج غيرها، كذلك إِذا عادت إليها لم تحدث حكماً لم يكن في حال كونها في الماء والله أعلم.
وأما أبو حنيفة فقال: لو استقى من طوي نجسة فصب في طوي طاهرة حكم للطوي بالنجاسة، قال: وإِذا نزح منها مقدار ما صب فيها من الطوي النجسة عادات إلى طهارتها ولم يوجب إِخراج ما صب فيها من النجس، وفرق الشافعي بين الوارد من() النجاسة على الماء وبين المورود() عليه، ثم ناقض من قبل إنَّه قال: القلتين من الماء إذا وردتا على النجاسة أو وردت النجاسة عليهما()، فسوى في هذا الموضع بين الوارد والمورود عليه، وكذلك في أقل من القلتين كذا يقول() والله أعلم()، ونسأله التوفيق. وإذا اجتنبت المرأة ثم حاضت لم يجب الاغتسال من الجنابة من قبل أن الاغتسال ليس بواجب لعينه، وإنَّما يجب لغيره من العبادات به في الصلاة وقراءة القرآن وهذا المعنى ساقط عنها بالحيض، فلذلك سقط عنها الغسل من جهة الجنابة.


مسألة في الخاص والعام

ومعرفة الخصوص والعموم نحو قول الله عز وجل: ولا تَنكحوا المشركاتِ حتى يؤمنَّ()، فحرم جميع المشركات بعموم هذه الآية، ثم خص من جملة ما حرم نكاح المشركات الكتابيات لقوله عز وجل: والمحصنات من المؤمنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم() فخص المشركات الكتابيات من سائر جميع ما حرم من المشركات، ونحو ذلك ما نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن بيع ما ليس معك، فكان هذا تحريماً عاماً، ولا يجوز للإنسان بيع شيء ليس في ملكه ثم خصّ من جملته السَّلم وهو بيع ما ليس معه.



مسألة
إختلف الناس في أبوال الدواب، واتفقوا على أن بول الخنزير وبول ابن آدم نجس، وعندنا أن الأبوال كلها نجسة بدليل قول الله تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث()، والأبوال كلها مما تجتنب() وتستقذر، وهي() في حيز الخبائث، فإن قال قائل: لم حكمتم بتنجيس بول ما يؤكد لحمه، وقد خالفكم بعض العراقيين من أصحاب أبي حنيفة؟ قيل له: قد وافقونا على أن بول جميع السباع والبهائم التي لا يؤكل لحمها إنَّه نجس، وادعوا طهارة بول ما يؤكل لحمه ولا فرق بين ما يؤكل لحمه؛ إذ الأبوال كلها سواء في المعنى، الدليل على ذلك أنا رأينا فيما لا يؤكل لحمه شيئين مائعين أحدهما الدم، والآخر البول، فلما اتفقنا جميعاً على أن حكم دم ما يؤكل لحمه كحكم دم مالا يؤكل لحمه، كان البول بالبول أشبه في باب القياس والله أعلم؛ واختلف الناس في بول الغلام قبل أن يطعم الطعام، واتفقوا على أن بول الجارية نجس قبل أن تطعم الطعام، وعندنا أنَّهما سواء في النجاسة لما روي عن علي بن أبي طالب سأل النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن بول الرضيع: فقال يُنْصَحُ بول الصبي بالماء ويغسل بول الجارية
وفي أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بغسل بول الجارية ـ وهي لا تطعم الطعام ـ دليل على أن بول ما يؤكل لحمه نجس.


مسألة
وجائز الصلاة بالسترة إذا كانت من شعر الميتة وصوفها ووبرها لقول الله عز وجلَّ: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين() وقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في شاة مولاة لميمونة: (إنَّما حرّم أكلها) وشعر الخنزير محرم استعماله؛ لأن التحريم وقع عليه بكليته لأنَّه أقرب المذكورات إِلى الكناية؛ وإنَّما اختلف الناس في أبعد المذكورات إلى الكناية، والخنزير أقرب المذكورات، والإِجماع على ذلك هو كافٍ إن شاء الله، فإن قال قائل: ما معنى قول الله عز وجلَّ: أو لحم خنزير فإنَّه رجس() إِذا لم يكن التحريم مقصوراً على اللحم؟ قيل له: قد يمنع الإِنسان من الشيء لأجل الشيء، ألا ترى أنك تقول لمن تجب عليه طاعتك: أكرم غلام زيد فإن له علي حقاً، وأقرب المذكور إلى الكناية زيد، فليس يستنكر أن يقول: (أو لحم خنزير)، فإن الخنزير رجس والله أعلم، فإن احتج بعض المتأخرين بأبي عبيدة في طهارة الماء لغلبته على النجاسة الواقعة فيه، فإن قال قائل: وجدت الله تعالى يعبد بعبادات عرّفت المتعبدين بعضها توقيفاً عليها بعينها ودلّهم على بعضها بأسمائها فنهى عن البول وأمر باجتنابه، فكل ما وقع عليه اسم بول فقد دخل في حكم المنهي عنه، إلاَّ أن تقوم دلالة بتخصيص شيء منه، فينتقل حكمه، وكذلك أمرنا بالتطهر بالماء وجعله طهارة للمتعبدين، وكل ما استحق اسم ماء فجائز التطهر به إِلاَّ أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، فإذا اجتمع ما أمرنا() باجتنابه من البول والجنابة منه لطهارته وهو الماء: اعتبرنا حكمه بالأسماء والعلامات() الدال عليه فما استحق من اسمه كان حكمه ما دخل (ونسخة) اسم ما كان، فحكمه ما دخل تحت اسمه، ولله تعالى أن يجعل البول ماء، ويجعل الماء بولاً،

ألا ترى إلى أن ما اجتمع عليه أهل دعوتنا أن ما كان من الكرش نجس، وهو الفرث وهو مجتمع الطعام الطاهر والماء والعلف، فإذا اجتمع هذان الطاهران في قرار واحد وتجاورا نقل الله حكمهما عن حكمهما قبل ذلك، وانتقل اسم الطهارة عنهما إلى اسم النجس يفترقان من محلّهما، فيلقي الكرش البول إلى المثانة فيكون له حكم النجاسة، ويلقي الفرث إلى الأمعاء فيصير له حكم الطهارة، وكذلك نقلت أحوال عصير العنب من تحليل إلي تحريم، ثم إلى تحليل والجوهر واحد، وإنَّما تتغير أحكامه بتغير أسمائه وانتقالهما لتغيير أوصافه والله أعلم، وهو الموفق للصواب.
وقد كان هاشم بن عبد الله الخراساني يقول بقول أبي عبيدة في الماء،() ويوافقه فيه بغلبة الاسم، ووجدت في الأثر، قال الوضاح بن العباس: سألت والدي عن قدر الماء الذي يغتسل فيه الجنب، قال: خمس جرار؛ وقال سليمان بن سعيد بن مبشر(): سألت والدي سعيد بن مبشر عن قدر الماء الذي يستنجي منه() الرجل، قال: نحو قربتين من ماء، وقد قيل لأبي عبد الله: أتأخذ بذلك؟ قال: نعم، يعني خوض أبي عبيدة ذلك الماء قال: قيل له: فهل يجوز الوضوء من مثل ذلك الماء الذي خاضه أبو عبيدة؟ قال: لا، قال: قلت، فإن() مسّ منه ثوباً رطباً فطار منه هل ينجسه؟ قال: ما أبلغ به إلى فساد صلاته، ويدل على أنّ صب الماء بغير إِجراء اليد عليه غسل يكفي قول أبي على موسى بن علي في جراب كنز() بماء نجس أن ينكل ويصب عليه الماء صباً، وكذلك قالوا في بول الصبي يصب عليه الماء صباً، وقالوا في جراب تبول عليه شاة: إن صب الماء على ظاهره يكفي ولم يشترطوا إجراء اليد عليه.



باب في سُؤر السباع

إتفق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ومالك بن أنس على إجازة سؤر الكلب وطهارة فضل مائه وكذلك سائر السباع وأكل لحومها، وضعَّفَ الخبر المرويَّ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في خبير في تحريم لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، طعنوا في بعض رجاله، والخبر قد ينقل عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ويكون صحيحاً عند بعض، وفاسداً عند آخرين، إلى أن تقوم حجة الفاسد، والصحيح كالشاهد يكون عدلاً عند معدل، ساقط الشهادة عند معدل آخر، والله أعلم. الدليل لمن قال بتنجيس سؤر الكلب ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبع مرات أولاهن وآخرهن بالتراب)().
وهذا الخبر منقول عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق أبي هريرة، وأما ما روي من طريق ابن معقل (والثامنة بالتراب)، والزيادة عند أصحاب الحديث معمول بها إذا صحتّ في أحد الخبرين كانت عندهم فائدة، قالوا والنبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لا يسمّي طهور الإِناء وهو طاهر، وقالوا أيضاً: وقد نهى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن إضاعة المال، وفي نسخة الماء، وقد أمرنا بإراقة الماء من ولوغ الكلب فلو لم يكن نجساً لم يأمر بتضييع ما أمر بحفظه، واحتج بعض من احتج بقول أبي عبيدة ومالك أن الله تعالى سمَّى الجنب طاهراً وأمره أن يتطهر بالماء الطاهر، فقال: وإن كنتم جنباً فاطهروا وقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً)، قالوا: والتضييع لا يكون إلاَّ ما لا عوض عليه عاجلاً ولا آجلاً، ألا تراه أمرنا بالطهارة للصلاة ومن كان طاهراً. وفي ذلك إراقة الماء وإتلافه، وكذلك الزكاة أمر بإخراج المال وقد أمر بحفظه، ويقال: طهر الرجل أعضاءه وتطهر للصلاة، والطهور يقع عليه اسم الطاهر والنجس، وأما داود بن علي فيوجد عنه أن الإِناء يغسل عنده من ولوغ الكلب، والماء عنده طاهر يجوز استعماله وغسل الإِناء من ولوغ الكلب على الاختلاف بين الناس اتفاقاً قبل الاستعمال له، ولا يلزمه غسله على من لم يرد استعماله باتفاق من الناس على ذلك. وكذلك الثوب وغيره من الأواني والله أعلم.




باب في سؤر الهر

اختلف الناس في سؤر الهر، فقال بعضهم: سؤره نجس كسؤر الكلب، وقال آخرون: سؤره طاهر، واحتج هؤلاء بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنه كان يصغي الإِناء إلى الهر ليشرب، وقال بعض مخالفينا: يغسل الإِناء من ولوغ الهر مرة أو مرتين، وقال داود: الحيوانات كلها طاهرة إلاَّ المشرك فإنَّه نجس عنده وسؤره طاهر معه، وقال الشافعي: سؤر الحيوانات كلها طاهرة إلاَّ الكلب والخنزير، وقال أبو حنيفة: سؤر المشرك طاهر، وروي عن مالك في سؤر المشرك قولان أحدهما أنَّه نجس، والآخر أنَّه طاهر، وقال أبو حنيفة، سؤر المشرك طاهر وسؤر الكلب نجس، والمشرك عندي أنَّه كلب نجس من قِبلَ أن الله تعالى سماه نجساً بقوله: إنَّما المشركون نجس()، وسمى المشركين قردة وخنازير؟، وسمى الكافر كلباً، قال: فمثله كمثل الكلب ، وقال: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون()، وقال عزّ وجلَّ: أولئك هم شر البرية()، فأخبر جلّ وتعالى: أنَّه لا أحد ممن خلق وبرأ أ نَّه أشر من الكافر، والله نستهديه لما يحبه ويرضيه.
وسؤر السباع ولحمها عند أبي عبيدة حلال، وضعَّف خبر من روى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في خيبر من تحريم لحوم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير والحمر الأهلية؛ ووافقه على ذلك مالك بن أنس، وكانا في عصر واحد، وأما ما ذهب إليه أصحابنا من أهل عمان من كراهيتهم لأكل لحومها وإن أكل آكل منهم ذلك لم يخطّوه() فلا نعرف في قصدهم لذلك وجهاً، لأن الناس على قولين، منهم من قال: بقول أبي عبيدة في جواز أكلها وطهارة سؤرها، ومنهم من قال: الخبر() وصحح الإِسناد وحرّم به الأكل والسؤر، والنظر عندي يوجب صحة الخبر لأن إِسناده ثابت ورجاله معهم عدول، وانتشار الخبر في المخالفين وقولهم به كالمشهور فيهم، وعندي أن لحم جميع السباع حرام وسؤرها نجس، إلاَّ السنَّوْر، فإن سؤره ليس بنجس لقول رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات)()، فخصّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ السنّوْر من جميع السباع، (وإنَّه كان ليصغي إِليه بالإِناء ليشرب)؛ وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه سئل عن الماء يكون بالفلاة وما تؤويه من السباع فقال: (إذا زاد الماء على قلتين لم يحمل الخبث)()؛ ومعلوم أن سؤر السباع لو لم ينجس شيئاً من الماء لم يكن للتفريق بين ما زاد على القلتين وما دونها معنى والله أعلم.
ودليلنا على من وافقنا في التحريم للحوم السباع وخالفنا في سؤرها أن السؤر أيضاً نجس، إنا لما رأينا الخنزير حرام لحمه ولبنه وسؤره نجس بالإِجماع، وجب أن يكون كلّ ما حرِّم لحمه ولبنه من السباع سؤره نجس، فإن احتج محتج فقال: إِنكم تحوّزون سؤر السنّور وتحرمون لحمه وهو سبع، ونحن أيضاً حرّمنا لحم السباع وجوزنا سؤرها، قيل له: ليس يلزمنا هذا في السباع؛ لأنّ السباع لا بلوى علينا بها ولا نكاد نبتلي بها كالسنور الذي خففت المحنة عنا به لأجل البلوى به والله أعلم. وسؤر السباع وسائر النجاسات كالبول وغيره مما لا عين له قائمة فإنَّه يطهر بثلاث غسلات،

لما روى أبو هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إِذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يده)() احتياطاً من كل نجاسة أصابتها في حال نومه نحو كلب لحسها، أو بال عليها، أو وقعت على نجاسة، أو في نومه مما يتوهم أصابتها في حال() نومه، وأبو هريرة روى الخبر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ. قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً)()، وروى الخبر جميعاً ثم فتواه في ولوغ الكلب ثلاث غسلات ثم لا يختلف عنده من خالفنا أن سؤر الكلب وبول الإنسان وغيره من النجاسات المائعات في البئر حكمها واحد في باب التطهير، وموافقتهم لنا في باب تطهير البئر يدل على صحة قولنا إِذ لم يختلف واختلف قول من خالفنا والله أعلم.
وأما سؤر ما لا يؤكل لحمه كالحمار الأهلي، وما يؤكل لحمه من الطير فرخص فيه أشياخنا، لأجل أنَّه لا يمتنع منه في البيوت كنحو الفأرة والسنور وما جرى مجراهما، وأيضاً في الطير تأخذ الماء بمنقارها فلا يتيقن اختلاط لعابها بالماء، ولا تأخذ بألسنتها مثل السباع والله أعلم، وذكاة البهائم طهارة لإِهابها، ودباغ جلد الميتة ذكاته وطهارة له لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أيما إِهاب دبغ فقد طهر)()، فإن قال قائل: فعموم هذا الخبر يوجب تطهير جلد الخنزير؟ قيل له: إن الخنزير لا تصح فيه الذكاة، والسباع والميتةُ لقول الرسول عليه السلام: (إنَّما حرم أكلها)() والخنزير؛ فرد التحريم فيه إلى جميعه، كقوله عز وجلَّ: أو لحم خنزير رده إلى العين بكليتها؛ لأنها أقرب المذكور والله أعلم، ولم تختلف الأمة فيما تناهى إلينا في جواز صوف الميتة والوبر منها والشعر في حياتها وبعد مماتها وليس ذلك جائز في الخنزير والله أعلم.
والقهقهة في الصلاة تنقض الطهارة والصلاة جميعاً، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق إبراهيم النخعي وكان يفتي بذلك، وكذلك روى الحسن وأبي العالية، وروي عن محمد بن سيرين إنَّه قال: كنا صبياناً إِذا ضحكنا في الصلاة نؤمر بإعادة الطهارة والصلاة، ومعلوم أن الأمر بذلك كان في أيام الصحابة، وكان ذلك ظاهراً فيما بينهم ولم يعب() هؤلاء الرواة بروايتهم إلاَّ بعد ثبوتها عندهم.

والرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق أبي العالية إنَّه قال: أمرنا بإعادة الصلاة والطهارة من القهقهة في الصلاة، والقصة في ذلك مشهورة: وهو أن أعمى جاء يريد الصلاة وبادر إلى الجماعة مع النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ والناس في الصلاة معه، فتردى في بئر فضحك بعضهم، فأمر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بإِعادة الصلاة والطهارة على من قهقه، وحدثنا محمد بن علي الداودي عن ابن الأعرابي أحمد بن محمد بن زيد "عن محمد بن عيسى المدايني، عن الحسن ابن قتيبة عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري" عن عمران بن الحصين عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (من قهقه في الصلاة أعاد الطهارة والصلاة) وليس() في المأكول والمشروب وضوء لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (أنَّه أكل كتف شاة ثم صلَّى ولم يتوضأ). ولما روى جابر بن عبد الله أن آخر الأمرين عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (ترك الوضوء مما مست النار) ولو كان فيه وضوء لكان ذلك أظهر وأشهر من حكم الغائط لكثرة البلوى به وملامسة النساء باليد() لا يوجب الوضوء، لما روت عائشة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (إنَّه كان() يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ). وبهذا القول كان يقول علي وابن عباس. ألا ترى أن الله جلَّ ذكره ذكر لمس النساء عند الأمر بالتيمم بدلاً مما في ابتداء الآية فكنى باللمس على الجماع، والله أعلم.


باب في النجاسات

النجس اسم يقع على معنيين، أحدهما يكون نجساً لعين، والآخر نجسا لنجاسة حلت به، فما كان نجساً لعينه فزوال اسم النجس عنه غير جائز ما كانت عينه باقية كالدم والعذرة والبول ونحو ذلك، والضرب الثاني يسمى نجساً بحلول نجاسة فيه فزوال ما صار به متنجساً يرفع اسم النجس عنه، ويدل على أن بعض أصحابنا كان يذهب إلى أن النجاسات أعيان مرئية يحكم بتنجيس ما لا قته في حال تعلقها به وظهورها عليه، وإذا كانت عين النجاسة قائمة بشيء تقدمت له الطهارة انتقل إلى حكم ما لاقاه من النجاسة، فإذا زالت النجاسة عنه بماء أو غيره، وذهبت عين النجاسة منه عاد إلى حكم ما كان عليه من حكم الطهارة والاسم الأول قبل حدوث النجاسة فيه، ألا ترى إلى قولهم في الأرض يصيبها البول أو غيره من النجاسات فحكم() المكان نجس به حتى يصب الماء عليه أو تذهب عنه بغير ماء، وكذلك قالوا في النعل والخف يطأ بها في النجاسة فهما نجسان، فإذا ذهبت عين النجاسة عنهما صارا طاهرين، وكذلك ما ذكر عن محمد ابن جعفر في الجامع أن البيض إِذا كان رطباً وحمله المصلي في ثوبه أن صلاته تفسد لحكم نجاسته بالرطوبة التي خرج بها من المخرج النجس، فإذا صلّى به وقد جفَّ وليس عليه أثر رطوبة أن صلاته جائزة، وكذلك قالوا في الدواب يضعن أولادهن ملطخين بالدماء وغيرها من الأنجاس.

فإذا جف ما ظهرعلى أبدانهن من النجاسة بشمس أو تراب أو لحس أم فذهبت عنه عين النجاسة صار حكمه حكم الطاهر، وكذلك قالوا في الشاة وغيرها من الدواب تأكل النجاسة بفمها وتشرب النجس وينقلب() ببدنها في البول، فإذا ذهبت عينه بتراب أو شمس أو ريح أو غير ذلك عاد إلى حكمه من الطهارة، وكذلك ما يعاين من منقار الدجاجة من العذرة، والجلالة من الحمير، والبقر، وأكل السنور للفأر وظهور الدم بفمه، فإذا غابوا ثم عادوا في مدة قصيرة ولم يعاينوا عليهم من تلك النجاسة شيئاً حكموا لهم حكم الطهارة()، وصار سؤرهم طاهراً، وكذلك قالوا في عظم المشرك وعظم الميتة وقرنها نجس في حال() الرطوبة النجسة به، فإذا جفت وزالت الرطوبة صار طاهراً عندهم، ونحو هذا من قولهم كثير، ويدل على صحة هذا ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (أيما إِهاب دبغ فقد طهر)() فلما كان إِهاب الميتة يطهر بالملح أو بالشمس أو بالتراب (نسخة) أو بتراب أو ما تذُهب الرطوبة منها التي هي عين النجاسة وجب أن تكون عين النجاسة إذا زالت عن الشيء صار طاهراً، والله أعلم، فإن قال قائل: إن النعلّ تأكلها الأرض فتذهب عين النجاسة وما لاقته النجاسة، قيل له: هذا إغفال ممن احتج به، وذلك أن النعل قد يطأ بها في المائع من النجاسات، كالبول والماء النجس والدم وما جرى مجراه،

فتنشف النعل منه حتى تنتهي إلى ظاهرها أو دون ظاهرها فلا يؤمر صاحبها أن يجتنبها إذا تطهر للصلاة لبسها حتى يأكل الأرض النعل إِلى منتهى ما بلغت النجاسة إليه، أو تفنى، فلما أجازوا له الصلاة فيها ولبسها والقدم رطبة إِذا زالت عين النجاسة عنها، علمنا أن هذه علة تكلفها بعض المتأخرين، لقول من ذكرنا قوله من المتقدمين، والله أعلم وبه التوفيق. فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون هذا من قولهم في غير الإِنسان المتعبد، فأما من لا عبادة عليه فلا،لأنَّهم لم يقولوا بمثل هِذا فيما مسّ البدن والثوب والحصيروالأوانى، فلمالم يقولوا إلا بتطهيرذلك بالماء كان هو الدليل على أنّ ما يطهر بغير الماء إنَّما خص به من لا عبادة عليه، قيل له: هذا غلط من قِبل أنا متعبَّدون بأن نجتنب الأنجاس، وإنَّما ذكرنا تعبدنا فيه بأن لا نمسه ولا نستعمله ولا نباشره في حال طهارتنا، وأن ما() لاقانا منه فحكمه النجاسة وعلينا العبادة منه بالطهارة. ألا ترى أن العلة لهم غير ما توهمت أنَّهم قالوا إن من رعف أو قاء أو خرج منه فيه دم أن زوال عين النجاسة عمن لحقه ذلك حكمه حكم الطهارة من غير تطهير بالماء؛ وكذلك ما روي عن محمد بن جعفر في الجامع: من توضأ وعلى بعض الجوارح منه نجاسة قائمة العين، نحو الدم أو غيره، فمسه بحجر أو مسه له غيره، أو بنى على مسحه لم يؤمر بغسله بالماء؟ وكذلك ما ذهب إِليه بعضهم من جواز أكل الخبز إذا عجن بماء نجس فأذهبت النار عين الرطوبة منه، فهذا يدل على ما قلنا دون ما توهمت، والله أعلم.




مسألة في أواني الطين

إذا أصابتها نجاسة وهي رطبة، غسلت بالماء وقد طهرت، وإذا() أصابتها وهي يابسة فتلوحتها) ودخلتها النجاسة فيها لم تطهر بغسل ظاهرها، واختلف أصحابنا في تطهير ما كان هذا وصفه وَحَلَّتْهُ النجاسة حتى خالطت جسمه، قال قوم: يطهر بثلاثة أمواه، كل ماء يبقى فيه يوماً وليلة، ثم يراق الماء منه، وقال بعضهم: ثلاثة أمواه أيضاً، يكون كل ماء في الليل وفي النهار، يصبّ الماء منه ويقام في الشمس، فيكون في الليل فيه الماء والنهار في الشمس فارغاً من الماء ثلاث مرات على هذا ثم يطهر، وقال بعضهم: يطهر بماء واحد يكون فيه يوماً وليلة، قال بعضهم: لا أجد لذلك حداً، ولكني اعتبر الوقت وحال الإِناء إذا حلته النجاسة وفيه ماء أو رطب أو يابس فارغ من الماء فآمرُ بصبّ الماء فيه، ثم أحكم له بحكم الطهارة بقدر ما يغلب على ظني أن الماء الطاهر قد بلغ إلى حيث انتهت إِليه النجاسة، قياساً على بول الأعرابي لما بال في مسجد الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فأمر بصبّ الماء عليه وحكم بطهارته، وهذا عندي هو الذي يوجبه النظر ويشهد بصحته الخبر، والله أعلم.
وإذا جف الإِناء وسائر أواني الطين بشمس أو ريح أو مدة أذهبت منه عين النجاسة ورطوبتها، فإنَّه يصير طاهرا بغير ماء قياساً على ما اتفق عليه أصحابنا من الأرض إِذا حلتها النجاسة، فذهبت عينها بشمس أو ريح أو مدة طويلة، أنّ حكم الموضع يصير طاهراً، وكذلك أواني الطين إذ هي من الطين، هذا سبيلها والله أعلم، وأما الذي نجده لأصحابنا أن أواني الطين لا تطهر إلاَّ بالماء، ولا أعرف لهم فرقاً فيما حكمه في الظاهر واحد من الأرض، وما خرج من طينها والله نستهديه لما يقرب إليه.



مسألة

إختلف السلف في الفأرة ونحوها إِذا ماتت في البئر كم ينزح منها، ومع اختلافهم في ذلك أجمعوا أن تنزح بعضها ويطهر الباقي منها، وذلك أن الميتة أول ملاقاتها للماء لا يلحقه منها إلا أجزاء خفيفة من ظاهرها ليس من شأنها الاختلاط بالماء بل تعلوه، وما كان هكذا فسريع الانحدار إلى الدلو إذا كانت الأجزاء يسيرة، وإذا كانت الأجزاء يسيرة لم يحتج إلى كثير نزح، فإذا زادت الأجزاء زيد في النزح منها بقدرها، وإذا() كثرت وغلبت ينزف ماؤها كله إن قُدر على ذلك، فإن لم يقدر على ذلك فبقدر مائها كما روي عن ابن عباس وابن الزبير في زمزم لما تفسخ الزنجي فيها نزف ماؤها كله بعد إِخراجه أو إخراج ما قدر عليه منه أمر بسد العيون بالخرق وغيرها، والقياس أن الماء قد فسد كله كما لو كان في الأواني، ولكن رأوا أن ذلك يوؤل إلى مشقة في باب العبادة .
ومما يقع في الماء فيموت فيه مما ليس به دم سائل كالعقرب والذباب() والنحل ونحو ذلك، فليس بمفسد للماء، وقد روي أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه"() ، وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق أنس أنَّه قال في ذلك "فامقلوه ثم أخرجوه ثم أمقلوه" فإن كان الخبر صحيحاً فمعلوم أن بعضها يموت من ذلك، ولم ينقل عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فيما بلغنا أنَّه حكم بإفساد طعام مات فيه مثل هذا() ، كدود الخل والبعوض والدبي وما أشبه هذا، وأما الضفدع ونحوه كالسنجاب الذي يعيش في الماء ويموت فيه ولا يفسد هذا الماء بموته فيه كالسمك الذي في البحر موته فيه ذكاته كذكاة صيد البر الذبح، ويدل على ذلك ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: "الطهور ماؤه والحل ميتته"() ، يعني أنَّها لا تفسد الماء، وإنَّما يفسده لو مات فيه ما لا يعيش فيه والله أعلم .

ولو أن معناه ما ذكرناه لم يكن الذكر() مقروناً بحكم الماء معناه،والسؤال لم يقع عنها وروي عن ابن عباس في برمة لحم وقع فيها طائر فمات أنَّه قال: "يؤكل اللحم ويراق المرق"() ، والذي عندي أن الخبر لم ينزل مفسراً، والواجب أن يعتبر، فإن كان الطائر مات فيها وقد سكنت أُكل اللحم بعد أن يغسل ويصبّ المرق، وإن كان مات في حال غليان البرمة لم يؤكل اللحم ولا المرق، لأن النجاسة قد تداخلت في اللحم والله أعلم.
إختلف الناس في المشرك إذا أسلم، قال بعضهم: يؤمر بالاغتسال استحباباً: لملامسة() الأنجاس، وقال بعضهم: لا غسل عليه ولا يؤمر بذلك إلا أن يعلم أنَّ به نجاسة، فإذا لم يكن على بدنه نجاسة ظاهرة من() عين مرئية من نجس، كان له حكم الظاهر من أصحاب هذا القول لا يأمرونه بالغسل إذا خرج إلى الإسلام إيجاباً ولا استحباباً، وقال بعضهم: الغسل عليه واجب، لقول الله تعالى: إنَّما المُشْرِكون نجس() ، فظاهر الآية أوجب له اسم النجس، وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق أبي هريرة "أن رجلاً أسلم على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فأمره بالغسل" ،وهذا القول يذهب إليه أصحابنا، فإذا ثبت هذا الخبر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فهو أقوى حجة لأصحابنا، فإن قال قائل: إن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمر المشرك بالاغتسال، ولم يعرِّفنا لماذا أمره إيجاباً أو استحباباً أو لعله بنجاسة كانت عليه؟ قيل له: الأمر من النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إذا ورد فالواجب استعماله، وإِباحة الأمر به واتِّباع الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فيه حتى تقوم دلالة بغير ذلك، وعلى من ادَّعى غير الوجوب إقامة الدليل، وبالله التوفيق. والحجة لأصحابنا أن المشرك إذا توضأ في حال شركه، أو كان جنباً فاغتسل ثم أسلم: أنَّه على حدثه وعليه الاغتسال من جنابته، وحدثه باقٍ على جهته،لأنه لم يغسل ولم يتطهر على الدينونة لله تعالى بذلك، لأنَّه لم يكن تعبّده بتلك الطهارة أن يأتي بها إلا بعد خروجه إلى الإسلام، وإنَّما فرض الله الوضوء والغسل ديناً وتقرّباً إلى الله بهما، لأن الطهارة إنَّما جعلها الله للصلاة لأنَّه لم يكن يدين في حال كفرة بطهارة ولا صلاة، ولا تعبّد الله بها في حال شركه فيقعان منه موقع العبادة والقربة إليه، فكما لا تجزيه صلاة في حال شركه بتلك الطهارة فكذلك الغسل والطهارة، لأن الغسل لو كان طهارة في تلك الحالة لجازت به الصلاة إذا كان الله تعالى، إنَّما جعل الوضوء والغسل لتجوز الصلاة بهما، فعليه إذا أسلم وقد كان جنباً أن يعيد غسله، وكذلك إن كان توضأ في حال كفره بالله العظيم،

أن يعيد الوضوء إِذا كان بذلك متقرباً إلى معبوده، إِذا كان الوضوء كالصلاة في التعبد، والله أعلم. فإن قال قائل: فما تقول في المسلم إِذا توضأ ثم ارتد؟ قلنا له: كفره حدث ينقض طهارته، فإن قال: ولِمَ، وقد فعلها في حال وقت كانت مقبولة منه؟ قيل: لما كانت عملاً من أعمال المسلمين توقع به الصلوات الآخرة لما() كان مسلماً، فلما كفر حبط هذا العمل منه بقول الله جلَّ ذكره: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين() فلما كان خاسراً لأعماله بكفره لم تثبت له مع الكفر طهارة وغيرها من أعماله، ودليل آخر وهو قول الله تعالى: إنَّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا() فهو نجس بقول الله جلَّ ذكره، ومن ثبت له اسم نجس لم يكن متطهراً ولم يستحق اسم تطهر مع استحقاقه اسم النجس، والله أصدق المسمِّين وبه التوفيق؛ وفيما أجمعوا عليه دليل أن المرتد لو عقد على امرأة نكاحاً في حال ردته أن نكاحه باطل، وكذلك لو عقد له عليها في حال إِسلامه ثم ارتد أن نكاحه يكون باطلاً أيضاً، سواء كان بدأه في الكفر أو الإِسلام، وكذلك عقده للطهارة في الكفر يبطل بالارتداد يكون باطلاً، والله أعلم

مسألة

وروث ما يؤكل لحمه غير نجس، الدليل على ذلك ما روي أن الجن شكوا إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قِلَّة الزاد، فقال عليه السلام: (كلّ ما مررتم بعظم قد ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم عريض()، وكلما مررتم بروث فهو علف لدوابكم، فقالوا يا رسول الله: إن بني آدم ينجسونه علينا)؛ فعند ذلك (نهى رسول الله ـ صلَى الله عليه وسلَّم ـ أن يستنجى بالروث والرمة)، فلو كان نجساً لم يقولوا إِن بني آدم ينجسونه علينا، وينهى هو ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن تنجيسه عليهم، والله أعلم.



باب في أمر الدّم

ودم الرعاف نجس عند أصحابنا، لا خلاف بينهم فيما علمنا إنَّهم يقولون بتنجيسه، ووافقهم على ذلك أبو حنيفة فقال بتنجيسه قياساً على دم الاستحاضة؛ وقال مالك: دم الرعاف لا ينقض الطهارة؛ لأن علة نقض الطهارة عنده المخرج؛ فدم الاستحاضة مخرجه مخرج النجاسات، ومخرج الرعاف ليس مخرج النجاسات ولا مخرجاً ينقض الطهارة، وقال أبو حنيفة: إن العلة بنجاسته، فكل دم هذا حكمه، دم رعاف أو غيره؛ والنظر يوجب عندي أن المستحاضة لما كان دمها ينقض الطهارة بإِجماع إذا كان مخرجه مخرج النجاسات، وإنَّه أذىً وإنَّه دم عرق، لقول رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ؛ فيجب أن يكون هذا أوْلى وأقوى في باب الاحتجاج، وكل دم عرق فهو نجس؛ لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ نبَّه عن نجاسة الدم بقوله عليه السلام: (إنَّه دم عرق) فهو نجس وناقضٌ للطهارة()، وإذا كان القياس على أصلين أو ثلاثة أصول فهو أقوى من التعلق بأصل واحد، والسنَّة تؤيده وحكم الشريعة يوجبه، كان الراجع بقياسه إلى أصلين أعم لعلَّته.
والقياس لا يصح إِلاَّ على أصل يجتمع() عليه، فكل القياسيِّين، ومن تعاطى الحكم بالقياس، ورام الحكم به ورجع إلى أصل بقياسه واستنباط علته وما اختلف فيه، فلا() يكون أصلاً ولا يقاس عليه. ومن رعف فلم()
يرقأ دمه ولم ينقطع فإنَّه يصلي قاعداً ويتوقى ثيابه أن يصيبها الدم، ولتكن صلاته جلوساً في رمل أو رماد، وحيث لا يسر() به الدم فيحفر بين يديه خبّة() يقطر الدم فيها، ويصلي كما يمكنه بطهارة الماء إِلاَّ موضع الحدث إِذا لم يمكنه فيسدّه، ولا يمتنع من خروجه، هكذا قال أصحابنا، وقال بعضهم: ويتيمم لما بقي من موضع طهارته، والنظر يوجب عندي أن المرعوف ومن لم يرقأ دمه أن الجمع للصلاتين يجزيه قياساً على المستحاضة، وهذا أشبه بأصول أصحابنا،

لأن المستحاضة جاز لها الجمع بالمشقة، وكان() الجمع من الله لها تخفيفاً عليها ورخصة، وكذلك الجمع للمسافر رخصة من الله له لمشقة السفر، وقد قال بعض أصحابنا: إن المبطون يجمع الصلاتين للمشقة عليه في الطهارة عند كل صلاة والتعب الذي يلحقه، وكذلك قالوا بجواز الجمع في اليوم المطير للمشقة، والذي أختاره فيمن رعف أو كان في معناه ولم ينقطع دمه أن الجمع له جائز، والله أعلم.
إختلف الناس في دم الرعاف، هل هو حدث ينقض الطهارة؟ فقال مالك: لا ينقض الطهارة، وقال أبو حنيفة: ينقض الطهارة، وعلة أبو حنيفة في نقض الطهارة من دم الرعاف، أن دم الاستحاضة يزيل الطهارة بإجماع، فلما كان دم الاستحاضة ينقض الطهارة بإجماع كان دم الرعاف مثله في نقض الطهارة، وعلة مالك أن دم الاستحاضة ينقض الطهارة لمخرجه، ودم الرعاف ليس بمخرج ينقض الطهارة، والعلة لأصحابنا أن دم الرعاف ينقض الطهارة؛ لأن دم الاستحاضة دم عرق، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ: "فكل دم عرق نجس وينقض الطهارة"() لمقال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: "إن دم الاستحاضة من عرق"، فكان في هذا الخبر توقيفاً منه أن خروجه من العرق علة لإزالة الطهارة، وبالله التوفيق.
وكلٌّ قد قاس على أصل متفق عليه، والحكم عند القائسين حكمان: حكم بأصل موقف عليه بعينه، وحكم بفرع بقياس، فحكم الفرع مستخرج بأصله، وحكم الأصل موقف عليه بعينه؛ ولو كان الأصل مستخرجاً() وحكم الفرع مستخرجاً، كان لا فرق بين الفرع وأصله؛ وكان يكون الفرع أصلاً، والأصل فرعاً، ويلزم مالكاً والشافعي لما() قالا: لأنَّ دم الرعاف ليس بنجس، لأن مخرجه غير نجس، فيجب أن يحرما الوطء في دم الاستحاضة،

لأن الله جلَّ ذكره حرَّم دم الحيض وحرَّم الوطء فيه بقوله: هو أذىً ، ودم الاستحاضة هو أذىً، والمخرج واحد، ولا يقبل مالك بخروج الدم من مخرج غير نجس، وبالله التوفيق.
ودليل آخر لنا أن دم العرق نجس، وكل دم من عرق وغيره فهو نجس لوقوع الاسم عليه، وإذا تعلقنا بأصلين، أحدهما: أن دم الحيض نجس، ودم الاستحاضة فهو دم عرق، فكل دم عرق أو غيره فهو نجس، إذا كان الدمّان نجسين، وكل دم عرق فهو نجس بسنَّة النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إلاّ ما قام دليله؛ وغسل الدم وغيره من الأنجاس عندنا واجب قليله وكثيره، ولا تجد فيه حداً لما روت أسماء بنت أبي بكر إنَّها سألت رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فقالت يا رسول الله: "إن دم الحيض قد يصيب الثوب، فقال عليه السلام: اقرصيه بالماء" فدم الحيض قد يصيب منه القليل والكثير، وهذا الخبر صحيح مع أهل الخلاف لنا في نقلهم، ومن خطئهم فيما ذهبوا إليه من تحديدهم في النجاسة قدر الدرهم والدينار في الكف واللمعة، وأن هذا المقدار لا بأس به عندهم مع العلم بكون النجاسة، وفي ظاهر هذا القول منهم من الوحشة ما يغني ذكره وحكايته عن الاحتجاج على قائله، ويردع الألبّاء عن التشاغل به وإظهار فساده، وبالله التوفيق؛ قال بعض المتفقهة من مخالفينا: إن المصلي إذا صلَّى بثوب فيه دم كثير وهو عالم بذلك أن صلاته جائزة وهو عاصٍ لربه، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمر بغسل الدم من الثوب للصلاة، وغسل الثوب لذلك تعبّد، والدم ليس بنجس عنده، وأن المصلي عنده مطيع بالصلاة عاصٍ لتركه أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في غسل الثوب، وهذا في الخطأ أعظم مما تقدمه، وقالت فرقة منهم أخرى: إذا لم يعلم بالنجاسة حتى صلَّى جازت صلاته، وإن علم بها قبل أن يصلي فسدت، واحتجوا بخبر أبي نعامة أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ صلَّى بنعليه بعض صلاته وفيهما قذر، ثم علم فخلعهما وبنى على صلاته، وهذا القول فيه نظر، والحجة توجب إبطاله، ولأن الخبر أيضاً واهٍ عند أصحاب الحديث،

وقد أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أي يصلي في الثوب الطاهر كما أمر أن يصلي المأمور بالصلاة وهو طاهر، وليس جهله بنجاسة في ثوبه يوجب عذره لأداء الفرض الذي عليه، ولو كان جهله بالنجاسة يوجب عذره إذا جهلها لكان له عذر في النجاسة إذا كانت في بدنه ولم يعلم بها، فلما اتفق الجميع أن الجاهل بحدثه حتى يقضي صلاته أن عليه إعادتها كان الجاهل بالحدث في ثوبه كذلك، إذا كان المصلّي مأموراً بالتطهر للصلاة وطهارة الثوب لها لا فرق بينهما، والله أعلم.
وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا قولاً يوافق قول من اعتمد على خبر أبي نعامة، وذلك إنَّه قال: إن استقبال العذرة للمصلي تفسد صلاته إذا علم بها قبل الصلاة، وإن علم وقد صلّى بعض صلاته صفح بوجهه عنها وبنى على ما صلّى، وهذا القول يلحقه عندي النظر ما لحق غيره والله أعلم.
واختلف الناس في الثوب الذي يصيبه الدم فيبقى أثره بعد الغسل، فقال قوم: لا يطهر إلاّ بزوال الأثر، وقال آخرون: إذا غسل فزال الطعم والرائحة فقد طهر، وقال آخرون: إذا يولغ في تطهيره حتى يتغير، وإن بقي له أثر فقد طهر، وهو قول أصحابنا، ولعمري إن غسل ذي اللون لا يوصّل إلى تطهيره إلاّ هكذا، ولو كان يجب غسل النجاسة حتى تذهب بزوال أثرها وطعمها ورائحتها على قول من ذهب إليه من مخالفينا لوجب على المختضبة بالحنّاء النجس لا تطهر منه حتى يسلخ() جلدها، ولكان على الخاضب لحيته ورأسه بالحناء إذا حلته النجاسة أن يحلق لحيته ويقطع جلده، فإن قال قائل: فإن الله تبارك وتعالى لم يأمر بحلق اللحية إذا حلتها النجاسة، وإنَّما أمر بغسلها لأنَّه حرَّم حلق اللحى؟ قيل له: ولم يأمر بقطع الثوب وإنَّما أمر بغسله ونهى عن إضاعة المال، فإن قال: قطع الثوب ليس فيه كثير ضرر، قيل له: لم يبح لنا إدخال الضرر في المال والنفس، والله أعلم


باب في الصلاة على الجنازة

إِتفق أصحابنا في تكريه الكلام خلف الجنازة إِلاَّ بما يكون في طاعة الله تعالى من قراءة القرآن، أو التسبيح، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسؤال والجواب عن أمر الدين، واختلفوا في جواز الكلام وإباحته بعد هذه الكراهية، فقال قوم: إلى أن يصلّي على الميت، وقال قوم: حتى يوضع في قبره، وقال آخرون: حتى يدفن ويرش عليه الماء، كل() ذلك تعظيم للموت، وفي الرواية أن المسلمين كانوا في بدء الإِسلام إذا أرادوا دفن الميت، وعند وضعهم إِياه في قبره لم يجلسوا حتى يدفن، كل ذلك تعظيم منهم للموت، حتى مرَّ بهم حبر() من أحبار() اليهود وفيهم رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فرآهم قياماً، فقال: (وهكذا نفعل بموتانا، فجلس ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وأمر أصحابه أن يجلسوا)()، ولعل ذلك كان منه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ليخالفهم في فعلهم لئلا يتوهموا إنَّه اقتدى بهم، والله أعلم.
وكذلك روي أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كان إِذا قلّم أظافره() دفنها، فبلغه أن بعض اليهود قال اقتدى بنا محمد في هذا الفعل، فروي إنَّه كان بعد ذلك ينثرها يمينه وشماله (نسختين) وشملة، والله أعلم.


مسألة في الصلاة على القبر

اختلف أصحابنا في الصلاة على القبر، فأجازها بعضهم، ولم يجزها آخرون، وحجة من أجازها أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ صلَّى على النجاشي وهو بالحبشة بعد أن أتاه خبر موته بمدة، فجمع أصحابه بالمدينة وصلَّى عليه. وحجة من لم يجوِّز الصلاة على الميت بعد أن يدفن أن الصلاة على النجاشي كانت مخصوصة، وهذا القول أشيق() إلى نفسي، والنظر يوجبه.
والذي عندي ، والله أعلم ـ أن النجاشي لم يكن صُلّي عليه، ومن لم يكن يُصلّى عليه فجائز أن يصلّى على قبره؛ لأن الصلاة على موتى المسلمين واجبة، فمن صُلي عليه من المسلمين فقد سقط الفرض عمن() لم يصلّ عليه لقيام البعض بذلك، لأن صلاة الموتى وجوبها على الكفاية، وإذا سقط الفرض لم يبق الكلام إلاَّ في النفل، ولم يرد خبر يجوِّز() صلاة النفل على القبور، ولا أجمع الناس على ذلك العمل على ما الناس عليه اليوم، إذ الإِجماع تقدم في ذلك، ولا بخبر() يقطع العذر بوجوبه. ومما يدل على أن الصلاة على القبر لا تجوز إذا كان قد صلّي عليه، أنّا وجدنا الأمة جميعاً هي تسافر إلى قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ زائرة له من كل وطن ونازح على مشقة السفر وعظم المؤنة، مع الرغبة وطلب الفضل من الله، والثواب على ذلك، ومع ذلك فلا يصلّون على قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إذا وصلوا إِليه، ولو كانت الصلاة جائزة على القبر لكان قبره ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أحق القبور بذلك وأوفر أجراً على الصلاة، فلما أجمعوا على ترك ذلك، واقتصروا على الدعاء، علمنا أن قبر غيره أولى بأن لا يجوز أن يصلي عليه بعد أن يدفن، وبالله التوفيق. ولا تجوز صلاة الجنازة إلاَّ بقراءة فاتحة الكتاب لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (كل صلاة لا يقرأ() فيها فاتحة الكتاب فهي خُداج)()، ولم يخص صلاة من صلاة، ولا يخرج منها إِلا بالتسليم لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)() يعني الصلاة، وهذه صلاة،

ولا يجوز إثباتها إلاَّ بطهارة لقول النبي عليه السلام: (لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول)() ولا يصلّى على عضو من أعضاء المسلمين، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمر بالصلاة على موتى المسلمين فلا يجوز أن يصلّى على ميت في موضع ورد النهي عن الصلاة فيه لأن النهي لم يرد بتخصيص صلاة من صلاة؛ وإِذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى() المشركين قصد بالصلاة على قتلى المسلمين ودعا لهم، وإِذا فات المصلّي من صلاة الجنازة شيء أعاده لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فليصلّ ما أدرك وليبدل ما فاته). وقال أصحابنا: لا إعادة عليه فيما فاته، والإِنسان مخيّر إذا وضع الميت في قبره بين القعود والقيام، إن شاء قام وإن شاء قعد، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ مرّ به حبر من أحبار اليهود وهو وأصحابه قيام، وميت من المسلمين يدفن، فقال اليهودي: هكذا نفعل عند دفن موتانا، فقعد النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وأمر أصحابه بالقعود؛ ولا يدفن الميت في ثلاث ساعات نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن دفن الميت فيهنّ: عند طلوع قرن من الشمس حتى ينفصل، وعند غروبها حتى تغيب، ونصف النهار عند استوائها في كبد السماء حتى ترتفع، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بعض الصحابة أنَّه قال: (نهانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن الصلاة في ثلاث ساعات من النهار وأن ندفن فيه موتانا)() وذكر هذه الأوقات، والنصرانية واليهودية إذا ماتت وفي بطنها حمل من مسلم دفنت مع أهل ملّتها، لأن الحمل الذي في بطنها لا تعلم حقيقته، أَحيَّ أم ميت؟ أنفخت فيه الروح أم لم تنفخ فيه؟ ويستحب لمن وسع عليه وكان موسراً أن يوضع تحته في قبره مضرَّبة أو غيرها ،من شيءليّن لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ألقيت تحته قطيفة في قبره، ويكره أن يذبح على القبر، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (لا عقر في الإِسلام)()، لأن العرب كانت تنحر على قبور موتاها، ويكره القعود على القبور، والمشي عليها، والتجصيص لها، والبناء عليها، وإظهار العمارة فيها() ، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (خير القبور ما درس)()، وروي أن عبد الله بن عمر مرّ بقبر قد بني عليه بناء فسأل عنه فقيل له: هذا قبر عبد الرحمن بن أبي بكر أحبّت أخته عائشة أن تجعل عليه ضلالاً، فقال: فقولوا لها إنَّما يظله عمله، فلما بلغها ذلك قالت: صدق عبد الله، وقد كان بعض الفقهاء يكره المشي بين القبور بالنعل، برواية ذكرها عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ

أنَّه أمر أصحابه بخلع النعال بين القبور، والمستحب للمصاب بمصيبة الموت أن يقول ما روت أم سلمة زوج النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إِنَّا لِله وإِنَّا إِليه راجعون() اللهم إني عبدك فاحتسب() مصيبتي فأجرني عليها (نسخة) فأجرني فيها وأبدلني بها خيراً منها). وكذلك يستحب أيضاً تعزية أهل الميت لعظيم الأجر في ذلك. وكذلك يستحب لجار الميت وقراباته أن يتخذوا لورثة من أهل المصيبة به() طعاماً، لما روي من طريق عبد الله بن جعفر وأنَّه لما جاء نعي جعفر قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لبعض أهله: (إصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتى ما شغلهم)() وجائز البكاء على الميت، لا من طريق النوح والقول المحرم، وقد بكى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على ولده إبراهيم عليه السلام، وقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أخذ ابنه وهو يجود بنفسه فوضعه في حجره وبكى، فقال له عبد الرحمن (أظنّه بن عوف) أتبكي وتنهانا عن البكاء؟ فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إنَّما أبكي رحمة له، إنَّما نهيت عن صوتين أجمعين فاجرين: خدش الخدود وشق الجيوب ورنة الشيطان)()، وفي رواية أخرى عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في مثل هذا المعنى أنَّه قال: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت مزمار عند نغمة، وصوت مرنّة عند مصيبة)()، وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق عمر وعبد الله بن عمر أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (فإن() الميت يعذب ببكاء أهله) وهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول، ولم يرد وروده الأخبار التي ينقطع العذر بصحتها، قال الله تبارك وتعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى()، وقال جلَّ ذكره: فكلا أخذنا بذنبه() وإِن() كان الخبر صحيحاً، فوجب() التأويل فيه ـ والله أعلم ـ أنَّه ما أمر به الميت من الفعل المحرم فهو يعذب بذاك البكاء المنهي عنه، والفعل الذي لا يجوز، ووجه آخر أن النساء كن() يبكين() أمواتهن بعد مجئ الإِسلام بما كن يبكين به موتاهن في الجاهلية، من المدح لهم بذلك من الأفعال التي كانوا يأتونها، ويسرفون بما عندهم، فقيل: إِن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ مضى بامرأة وهي تبكي على ميت وتقول: أنت الذي أغرت على بني فلان وعلى ديارهم وقتلت أبطالهم وكذا() وكذا من() الأفعال القبيحة في الإِسلام، فقال عليه السلام: (لا تبكي بهذا فإن الميت يعذّب بهذا البكاء الذي هو عندك مدح)() والله أعلم.
ويستحب لمن حضر الميت وهو يجود بنفسه أن يذكره بما يقربه إلى الله تعالى: لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (لقنّوا موتاكم شهادة أن لا إله إلاَّ الله)()، وواجب غسل الميت قبل دفنه لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أغسلوا موتاكم)()، وغسل الموتى فرض على الكفاية إذا قام بذلك بعض سقط عن الباقين، وفي الرواية أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (يغسل المحرم بماء وسدر)() والمستحب للغاسل أن يبدأ غسل الميت بميامنه، والفرض في ذلك غسلة واحدة، والمأمور به ثلاث غسلات.


مسألة

أجمع الناس على ما تناهى إِلينا من أقاويلهم على جواز السجود على ما أنبتت الأرض، واختلفوا على ما لم تنبته الأرض، نحو الصوف والجلود والقز والإِبريسم وما جرى هذا المجرى، وأجمع علماؤنا على جواز الصلاة على ما أنبتت الأرض دون غيره، ويوافقهم على ذلك أهل المدينة من التبع، والحجة لهم في ذلك قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (جُعلت لي الأرض مسجداً. وجعل لي ترابها طهوراً)() فلولا الإِجماع لم يجز السجود إِلا على أديم الأرض وحده، فلما اتفقوا على جواز ذلك على الأرض وما أنبتت وجب التسليم للإِجماع، وبقي الباقي في جملة ما لم يؤمر بالسجود عليه، والمجوز للسجود على شيء طاهر غير ما أنبتت الأرض محتاج إلى دليل، وكره أصحابنا السجود على الثياب والفضة والذهب، وإن كان ذلك مما أنبتت الأرض كراهية تأديب()؛ لأن تركهم الأمر لإِعادة الصلاة لمن سجد على ذلك يدل على ما قلنا، والله أعلم.
ولا أظن كراهيتهم للسجود على بعض ما دخل في جملة الإِجماع إلاَّ للتواضع والتذلل لله تعالى في حال السجود؛ ولأن في إجازة ذلك ما يؤمن معه من دواعي الفخر والخيلاء، وما يدخل صاحبه في زيّ الأعاجم والمترفين والمتنعمين، لما() كانوا عليه من الاقتداء بالسلف الصالح، أهل التواضع والتقشف، ولبس الخشن، (وأكل الخشن)()، والإِقتصاد في المطاعم والمشارب() والملابس، ولذلك كرهوا الركوب على سروج النمور، ومنعوا عن ذلك، لأن فعل ذلك وإِباحته منهم لا يؤمن معه() الدخول في قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (من جرّ ثوبه في مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة)(). وقد روي أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (أُهديت إِليه حلّة فلبسها في الصلاة ثم نزعها وألقاها عن نفسه، وقال: إنَّها شغلتني عن صلاتي)() فهذا فيما نراه ـ والله أعلم ـ من قولهم كنحو كراهية النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لبس الحلّة المشهورة في السنَّة، وقد كان علي بن أبي طالب يكره لبس جلود الثعالب المدبوغة، وسائر الملابس الداعية إلى مشابهة زِيّ المترفين والجبابرة والمتنعمين على غير وجه التحريم،

وهذا يدل على ما تأوّلناه لأصحابنا من نهيهم من ركوب سروج جلود النمور، والسجود على الثياب والذهب والفضة، وقد يحتمل أن تكون كراهية على لبس القز ولخوف() النجاسة، وقد كان أكثر من يقوم بذلك في ذلك العصر الأعاجم والمجوس، وغيرهم من أهل الذمة، ومن لم يفرق بين الدبوغ وغيره والطاهر والنجس؛ ويدل على هذا كراهة السلف أكل الجبن، وقال: إنَّه وضع الأعاجم، وربما جعلوا فيه الأنفحة الميتة، وإنَّما ذلك إِشفاق منهم من() تناول الحرام. ومن اضطر إلى أكل الميتة جاز له الأكل منها إلى أن يزول ما به أبيح له الأكل؛ سواء كان في سفر() أو حضر لأن الآية التي أباحت أكل الميتة لمضطر لم تخص وقتاً من وقت، ولا سفراً من حضر، بقوله تعالى: إنَّما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه() والذي أُهِلَّ به لغير الله هو ما ذبح للأصنام والأوثان؛ لأن الذابح لهذا كان يرفع صوته كما يرفع المسلمون أصواتهم عند الذبح بذكر الله، والإهلال رفع الصوت في اللغة؛ ومن هذا قيل للمولود: أهلَّ، إذا صاح()، إذا سمع صوته قيل: استهل. فجعل الله تبارك وتعالى تحريم ما ذبح لغير الله كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، ويبين أمر من اضطر إلى أكل ذلك في الموضع() الذي لا يجد فيه غيره، فخاف على نفسه الموت إن لم يأكله أن له أن يأكل ذلك، ولا إثم عليه في أكله؛ قال أصحابنا: فإن كان المضطر في حال بغي على المسلمين، أو متعدٍ عليهم، لم يجز له أكل ذلك، ولم يبح الله تعالى له أكل الميتة، وعليه الامتناع عن أكلها، وإن كان في أكلها حياة نفسه فليس له أن يحي نفسه بها من الموت، وظاهر الآية يدل على قولهم وعلى غيره أيضاً، وفي نفسي من هذا التأويل شيء والله أسأله التوفيق والهداية لما يحب ويرضى، وعندي ـ والله أعلم ـ أن معنى قوله: غيرَ باغ ولا عادٍ وغير باع في الأكل ولا متعدٍ في الأكل؛ لأن العادي هو المتعدي الذي قد تعدى إلى ما نهاه الله عنه، لأن من أكل في غير الاضطرار فهو في أكله متعد وباغ، وإذا كان مضطراً إلى ذلك كان معذوراً في هذا الأكل، وكان فيه غير باغ ولا عاد؛ لأن الأكل إنَّما أُبيح له إذا خاف على نفسه الموت؛ ولأنه يحيي نفسه به، وليس خروجه لبغي أو غير بغي مما يمنع من إحياء نفسه إذا قدر على ذلك وبالله التوفيق.


مســألة

قال أكثر أصحابنا: إن الحائض إذا طهرت من حيضها لم يجز وطؤها إلاّ بعد غسل يكون مطهراً لها للصلاة، فإذا() غسلت بماء نجس أو بماء مستعمل فهي على حكم الحائض، وقال بعضهم ـ وهو كالشاذ من قولهم: إن حيضها إذا ارتفعت عادت إلى ما كانت عليه من الطهارة؛ وهذا القول عندي أنظر؛ لأن مجيء الحيض هو الذي أزال حكم الأولى عنها، وكذلك ارتفاع الحيض يوجب ردّها إلى ما كانت عليه قبل مجيء حيضها من الطهارة، إذ الحيض اسمٌ وجب رفع الطهارة، وارتفاعه يوجب زوال اسمه وعودها إلى ما كانت عليه والله أعلم.
ويقال إلى من ذهب إلى أن المرأة لا تطهر بزوال الحيض ولا تحل لزوجها أن يطأها حتى تغتسل بالماء الطاهر الذي هو طهر الصلاة و إلاّ فهي في حكم الحائض، ما تقول في الذميّة والمجنونة المطبّق عليها إذا انقضى حيضها واغتسلت بالماء، أليس الوطء منها يكون حلالاً لزوجها؟ فإن قال: نعم، يقال له: فالذميّة والمجنونة يغتسلان الغسل الذي هو طهر للصلاة، أو طهر من النجاسة، أو طهر تعبد، فإن كان من نجاسة، فأي نجاسة تكون في غير موضع الدم؟ وإن كان تطهراً للصلاة فمتى يصح ذلك منها؟ وعندي أن الذميّة والمجنونة إذا طهرتا من الحيض، وارتفع الدم عنهما، كان غسل الذميّة بلا نية لأنها قد أقرت على دينها، والمجنونة لا تغتسل وإن تولّى غسلها عاقل ولا يجب أكثر من ذلك، فمن قولك إباحة وطؤها على هذا وعدم الغسل سواء، بل اغتسال العاقلة بالماء المستعمل أشبه بالطهارة وآكد في باب الجواز، وعندك إنَّه ليس بطهر، ولا تكون متطهرة وبالله التوفيق.
وإذا قامت المجنونة واغتسلت الذمية اغتسلتا بنية الصلاة، كالمتيمم إذا وجد الماء اغتسل فكان بغسله متطهراً لما يستقبل من العبادات والله أعلم. وإنَّما يجب التكليف على ما يمكن، ألا ترى إلى قول الرسول عليه السلام: "لا صلاة بغير طهور ولا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"() ، وكذلك في طهارة البدن والثوب والموضع إنَّما كان ذلك على القدرة والإمكان، فإذا جاءت العوارض وحدث العجز سقط() اللزوم وتغيرت الأحكام لوجود العذر، والله أعلم .



كتاب الصلاة
باب في الأذان


الذي يؤمر به المؤذن إذا أراد الأذان، أن يكون على طهارة الصلاة، إلاّ في صلاة الصبح، فقد اتفق الناس على إجازة إلاّ في شهر رمضان، فإنَّه لا يؤذن إلاّ بعد طلوع الفجر لما في ذلك من منع الناس عن الأكل، وخاصة العوام الذين لا يعرفون الأوقات، وإنَّما يرجعون في ذلك إلى تقليد المؤذنين، وينبغي له أن يرفع صوته بالأذان لما في ذلك من الفضل، وفي الخبر أن كل شيء بلغ إليه صوته شهد له يوم القيامة، وقد قيل: يستغفر له.
وقد كان بعض الفقهاء يختار أن يكون المؤذن حسن الصوت عالياً()، وقد كان بعض المتقدمين من أصحابنا قد ذكره الشيخ لي، أنَّه كان يقول: إني راغب() أن أكون مؤذناً وأكره() التقدم، وروى ابن عباس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (يؤذِّن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم) ويستحب أن يكون المؤذن فقيهاً عارفاً بالأوقات، بصيراً بما يجب على المقيم للصلاة()، وما() يفسدها ويثبتها، وقد بلغني أن محمد بن محبوب رأى رجلاً يقيم الصلاة() ثم أراد أن يتقدم عن موضع الإقامة فأمسكه؛

ولعل ذلك كان هو إمام المسجد؛ لأن محمد بن محبوب يؤكد في الإقامة، قال الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله()، وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً()، واتفقوا على أن الأذان المقصود به الصلوات المفروضات، واتفقوا على أن التطوع لا أذان له ولا إقامة، واتفقوا على أن من أدرك شيئاً من الجماعة فلا أذان عليه ولا إقامة، واختلفوا في تقليد المؤذنين والصلاة بأذانَهم، فقال بعضهم: لا تقليد في أوقات الصلاة، وأن الفرض لا يؤدي إلاّ بيقين، قال الشيخ ـ رضي الله عنه ـ: كان قول ابن أبي عمر أخذه عن بعض المتقدمين من أصحابنا، والجمهور من الناس يذهب إلى أن المؤذنين أنَّهم حجة في أوقات الصلوات لأن أهل الإسلام حجة، والدليل على ذلك ما عليه الناس() أن القوم يكونون في المسجد فيأتي المؤذن، فيؤذن فيقيم() ويصلى بهم ويكون الإمام غيره وهو في جماعتهم، وقد تقدّم قعوده مع القوم قبل دخول الوقت، وكذلك المرأة تكون في منزلها والرجل الأعمى يسمعون الأذان في مثل الوقت الذي يرجونه ولا ينكرونه، فيصلّون بأذان المؤذن، ولا تجد الفقهاء يمنعون عن ذلك ولا لهم مع تعليمهم الناس أمر الدين يشترطون عليهم ترك تقليد المؤذنين، وقال كثير من أصحابنا بإجازة الأذان قبل دخول الوقت() لصلاة الجمعة والفجر؛ ووجه قولهم إن بلالاً كان يؤذن بليل فردوا الجمعة قياساً على السنة من فعل بلال، فإن قال قائل: لِمَ لم تردوا غير الجمعة من الصلوات قياساً على الفجر كما رددتم على() الجمعة، وما الفرق بين الجمعة وغيرها من سائر الصلوات من الجماعات وغيرها؟ قيل له: لما نبّه النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من العلة التي أوجبت إجازة الأذان للفجر قبل وقته بقوله عليه السلام: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أم مكتوم)()، ثم قال في خبر آخر: (إن بلالاً يوقظ نائمكم ويرد غائبكم)()، كانت هذه العلة موجودة في صلاة الجمعة؛ لأن أكثر عادة الناس في أيام النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، أن صلاة الصبح تفوتهم عند النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فقال عليه الصلاة والسلام: (من سمع نداءنا() فليجب) كانت الجماعة عنده إذا فاتت لم تلحق، وكذلك الجمعة إذا اشتغل الناس عنها بنوم أو بغيره وفاتت لم تلحق وغير الجمعة يلحقها من فاتته مع إمام غيره، والله أعلم.

والقول الثاني لأصحابنا: إن الأذان لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة إلاّ صلاة الفجر، فهذا القول يوجبه النظر عندي، وذلك أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (إذا حضرت الصلاة فأذّنا وأقيما) فهذا الخبر يوجب ظاهر الآن() يوجب() الأذان إلاّ بعد دخول الوقت، وهو حضور وقت الصلاة، وكان جواز الأذان للفجر قبل وقته مخصوصاً من جملة ما نهي عنه، لأن() أمره بالأذان بعد حضور وقت الصلاة نهي عن ذلك قبل دخول الوقت والله أعلم .
وسألت الشيخ أبا مالك رضي الله عنه فقلت له: أكون في منزل حيث لا أرى الشمس، ولا أعرف الوقت دخل أو لم يدخل، وأسمع المؤذِّن فأصلِّي بأذانه؟ فقال: إن كان المؤذن فقيها ـ ولعله أراد فقيهاً بأوقات الصلاة ـ وهو مع ذلك عدل لأنه لا يستحق اسم الفقيه إلاّ أن يجتمع له اسمان: معرفة وورع، لأن اسم فقيه اسم مدح والله أعلم.
واتفق أصحابنا فيما علمت أن عدد الأذان الذي جاءت به الراية خمس عشر كلمة، والإقامة سبع عشر كلمة، والمؤذنون في أيام النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ثلاثة: بلال، وابن مكتوم، وأبو محذورة، وكان الشافعي يقول في التقديم في التثويب في أذان الصبح، ثم كرّه ذلك من بعد، لأن أبا محذورة لم يروِ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وهو الذي علّمه النبي الأذان، وأما بلال فروي أنَّه كان يتثاءب في أذان الصبح، ولم يكن الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ علّمه الأذان، وإنَّما علّمه عبد الله بن زيد الأنصاري، والثقة بخبر مَنْ علّمه النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وسمع منه وأخذ عنه، أولى بالقبول ممن أخذ من صحابي وغير النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ؛ وكان بدء الأذان أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أَهمَّه الإعلام بالصلاة،

وقد كان استشار الصحابة في ذلك، فأشار بعضهم بالناقوس، وقال بعضهم: ينصب بالأعلام، حتى أهمهم ذلك، فرأى عبد الله بن زيد الأنصاري الأذان في المنام، فأخبر النبي _ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فقال: علِّمْه بلالاً، وقال: إن عمر نهى بلالاً عن التثاؤب في الأذان، فكان بلال يؤذن بليل، فإذا طلع الفجر الأخير أذّن ابن أم مكتوم، وقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرد قائمكم، فإذا سمعتم أذان ابن أم مكتوم فصلّوا)()؛ واختلف الناس في الأذان، فقال بعضهم: هو فرض، وقال آخرون: هو سنة، وقال بعضهم: هو فرض على الكفاية، وإلى هذا ذهب المدني وأبو ثور، وقال مالك: من صلّى في بلد لم يؤذن فيه فصلاته باطلة، إلاّ أن يؤذن هو؛ واحتج من قال: بأن الأذان سنّة وأن الفرض لا يدعه النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في سفر ولا حضر،

وقد أمر بلالاً يوم الخندق وقد تهوّر الليل أن يقيم ولم يؤذن، واحتج من ذهب إلى إيجاب فرضه إنَّه إنَّما لم يأمره بالأذان لفوات وقته، لأن الأذان إعلام بوجوب الصلاة، فإذا فات وقتها كان فعلها قضاء، فلذلك لم يأمر() بالأذان، واحتج من قال: بأن الأذان سنَّة أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قد أمر بلالاً وقد طلعت عليهم الشمس أن يؤذن ويقيم، وصلّوا جماعة في بعض أسفاره، والقصة في ذلك مشهورة؛ وقال من ذهب إِلى أن الأذان فرض أن الصلاة في السفر والحرب قد سقط بعض فرضها، فلما كان الفرض يسقط بعضه في السفر والحرب ووقت المشقة، ولم ينكر أن يكون الأذان يسقط في مثل الحال التي كان عليها النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في() السفر. يقال لمن احتج بهذا أن الفرض قد يسقط بعضه ولا يجب سقوطه كله إِلا بنسخ ووجوب بدل منه، فإِن قال: إِن الصوم قد يسقط في السفر كله فلا يفعل فما أنكرت أن يكون الأذان مثله؟ قيل له: إن الصوم إذا سقط رجَع إلى بدل، وكذلك فرض الطهارة بالماء يسقط عند عدمه ويرجع فيه إِلى بدل، ولو كان الأذان فرضاً إذا سقط أُعيد منه بدل، فلما لم يقل أحد بإِيجاب بدل من أذان دلّ على أن الأذان ليس بفرض؛ وايضاً فإن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قد عرَّف أوقات الصلاة وقال: (ما بين هذين الوقتين) ولو كان الأذان فرضاً كان الاشتغال به يمنع من الوقت الأول الذي حدّه النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من الوقت، فلما كان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قد حدَّ للصلاة وقتاً، ثم كان الأذان فرضاً، منع وقت فرض الأذان والاشتغال بتأديته عن تأدية الصلاة في الوقت الذي حدّه لها، فيكون وقتها وقتاً واحداً. فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون ما ذكرت لا يمنع من القول بفرض الأذان، وإنَّه لما كان من أعمال الصلاة لم ينكر أن يكون لها وقت من أوقات الصلاة كما قلتم في الجُنب بغسله في شهر رمضان وقت من أوقات الجماع، وإِن كان يبيح() له الجماع والأكل والشرب في الليل كله. قيل له: إِن الفرائض لها أوقات محظورة بها مأمور بفعلها فيه، ثم وجدنا الأذان يفعل في أوقات مختلفة في الليل لصلاة الصبح قبل دخول وقت الصلاة وبعد وجوب الصلاة في النهار، وعلمنا أن سبيله غير سبيل الفرائض، ألا ترى أن بلالاً كان يؤذن بليل والفرض المأمور بفعله إِذا لم يكن محظوراً في وقت، ولم يوقف المتعبد عليه، لم يمكنه إِلى الوصول إلى فعله في الوقت المأمور به، وبالله التوفيق.

وقد قال بعض الفقهاء إن أذان بلال كان للسحور، وقد أجمعوا أن الأذان كان دعاء إلى الصلاة، وحثًّا() عليها، وإعلاماً بوقتها، ولا يجوز أن يُعلم بها ويدعو إِليها قبل وقتها ولما حضر() وقتها، والنظر يوجب عندي أن الأَذان ليس بفرض، الدليل على ذلك قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إذا حضرت الصلاة فأذّنا وأقيما وليؤمكم أسنكم)()، فلما أجمعوا أن الأَصغر لو تقدم الأَسنَّ() لجازت الصلاة، دل على أن ذلك يوجه إِلى التأديب دون الفرض والله أعلم؛ وروي عن أبي محذورة أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ علّمه الإِقامة سبع عشر كلمة، وروى جماعة من الصحابة أن بلالاً كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وزِيد في الإِقامة عند قوله: (قد قامت الصلاة) للتفرقة بين الأذان والإِقامة، ولا ينبغي للمؤذن أن يؤذن إِلا على طهارة، فإن أذّن على غير طهارة كره له ذلك، كما يكره للجنب أن يدخل المسجد. وليس للمرأة أن تؤذن، فإن أذنت أحببنا أن يعاد الأذان لأنها ليست ممن يؤذن لأنها مأمورة بخفض الصوت، ورفع الصوت للرجال، ألا ترى إنَّها تصفق في الصلاة إذا عناها أمر، والرجل يسبِّح، لذلك لا يسمع صوتها، ولا يتكلم المؤذن في أذان لأنه اشتغال بغير ذلك، وإعادة أذانه أحب إليّ، ويؤمر بالأذان والإِقامة في الحضر والسفر، وإذا ترك المسافر الأذان فحاله أيسر لأجل ماله من التخفيف في السفر، والله أعلم؛ ويروى أن الشيطان يدبر إِذا سمع الأَذان، فإذا سكت المؤذن أقبل هو()، ولا يجوز الأَذان قبل الصلاة ومن أذّن قبل دخول الصلاة أعاد أذانه، هكذا روي أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم)()، قالوا: والأَذان بالليل للعلة المذكورة في الخبر لا للصلاة، ويجلس المؤذن بين كل أذان وإقامة، إلاَّ المغرب، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (بين كل أذانين صلاة إلاَّ المغرب) يعني المهلة، والله أعلم.


باب في الصلاة

قال الله تبارك وتعالى لنبيه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال()، وقال عز وجلَّ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين() وقال جلَّ ذكره: فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون().
ويقال في الخبر: (إن أول ما يحاسب به العبد الصلاة)، وفي الرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق ابن عباس أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بعث معاذاً وقال له: (إِنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله عز وجلَّ افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)().
وقال عليه السلام عام حجة الوداع: (أيها الناس إنَّه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدَّوا زكاتكم طيبة بها أنفسكم وأطيعوا وُلاة أُموركم تدخلوا جنة ربكم)()، فقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (صلوا خمسكم)،

وهو قول الله تعالى:والصلاة الوسطى() يدل على الفرض خمس، وأن الوتر ليس بفرض، ولو كان الوتر فرضاً لقال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ستاً، ولم يكن لقول الله تعالى: والصلاة الوسطى معنى نعرفه، إِذا الوسطى لا تكون إِلا ما كان قبلها من عدد مساوياً لما بعدها، وتسمى متوسطة إِذ هي بين شيئين مستويين، فهذا يتهيأ في الخمس ولا يتهيأ في الست، فإن قال قائل: إِن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (زادكم الله صلاة سادسة)()، قيل له: قال زادكم ولم يقل زاد عليكم، يريد بذلك الثواب، والله أعلم. وقال الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلاَّ عابري سبيل حتى تغتسلوا()، وقال الله تعالى: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلاَّ قليلا()، فالذي ينبغي لمن قصد إلى الصلاة أن يقوم إليها بأولى الجهات() فيها، غير متشاغل() بغيرها، ولا متكاسل عن أداء فرضها. وقد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق عروة عن أبيه إنَّه قال: (إذا حضر الخلاء وأُقيمت الصلاة فابدأُوا بالخلاء)(). ويروى عنه من طريق عائشة عليها السلام إنَّه قال: (إذا وضع العَشاء وحضرت العِشاء فابدءوا بالعَشاء)() فالواجب على المرء أن يلقي علائقه قبل القيام إليها،

ليقوم مقبلاً بجوارحه عليها، منصرف الهمة إليها، منقطع الخواطر عن غيرها، فإذا قام إليها بهذه الصفات التي أمرناه بها فشكّ فيها أو سها عن بعضها بما لا يكون من فرضها، ولا تتم إلاَّ به من أعمالها لمن() يكن خارجاً يتعرض() للسهو عنها إِذ قد جرى() بحسب طاقته؛ ولم يكلف الله أحداً ما ليس في قدرته؛ وللمصلّي أن ينصرف() عن صلاته إِذا كان عنده إنَّه صلاّها ولو لم يكن متيقناً لما روي أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (صلَّى بأصحابه ركعتين ثم سلّم وقام لينصرف، فقال له رجل أَقصُرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: إني نسيت ولا إنَّها قصرت)()؛ وزعم بعض مخالفينا إنَّه بنى على صلاته بعد أن سألهم، وقال أصحابنا: إن كان ذلك في وقت كان الكلام في الصلاة جائزاً قبل أن يرد نسخ الكلام في الصلاة.
وفي هذا الخبر دلالة على أن المصلي إِذا انصرف عن صلاته على أنَّه قد صلاها لما عنده من اليقين كان مؤدياً لفرضه، ولو كان لا ينصرف إلاَّ عن يقين لا شك فيه كما قال أصحابنا لما كان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ينصرف عن ركعتين حتى أخبره أصحابه إنَّه انصرف من غير يقين، ولو كان انصرف عن يقين لم يصدّقهم ويعود إِلى الصلاة ويزيل يقينه، وهذا يدل على جواز غير هذا أيضاً في باب العبادات؛ وقد عظمت مائدة هذا الخبر وجلّ خطره؛ لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ خرج من الصلاة ولم يكملها،

وعنده أنَّه قد فرغ منها، فجائز للناس أن يخرجوا من الفرائض إِذا كان عندهم في الظاهر إنَّهم قد أكملوا وإن لم يعلموا ذلك علماً يقيناً لا يجوز عليه الانقلاب؛ ومن سها عن تكبيرة الافتتاح أعاد الصلاة من أوّلها لأنه لم يدخل فيها، ومن شكَّ فلم يدر أكبّرها أم لم يكبّرها، فالأصل إنَّه لم يأت بها فلا يخرج من فرضها إلاَّ بيقين؛ قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)()، ولا يحرم فيها إِلا ما كان محللاً من الكلام وغيره إلاَّ بالإحرام؛ وقد ذهب أكثر أصحابنا أن تكبيرة الإِحرام وغيرها مما هو في الصلاة إِذا جاوز المصلي موضعه لم يعده إذا شك فيه ولم يرجع إليه، ونحن نختار قول من فرَّق بين تكبيرة الإِحرام وسائر التكبير الذي في الصلاة؛ لأن ذلك ليس بفرض كتكبيرة الإِحرام، ألا ترى لو تركها المصلّي ونسيها كانت صلاته فاسدة لإجماع الأمة، ولو ذكر أنَّه نسي غيرها من التكبير أن صلاته لا تفسد ولو كثر، حتى قال أهل الخلاف على أصحابنا أنَّه لو عتمد لترك ذلك كله فإن صلاته ماضية، ومن كبّر تكبيرة الإحرام قبل إمامه وهو يرى أن إمامه قد كبّر، أعاد التكبيرة بعد أن يكبّر إِمامه لأنَّه نوى الاقتداء به ثم سبقه وكان واضعاً التكبير في غير موضعه، وكذلك إِن سلَّم وهو يرى بأن الإِمام قد سلَّم أو سبق إمامه في ركوع أو سجود أن عليه أن يرجع إِلى حاله حتى يفعل إمامه ذلك الفعل ثم يتبعه ولا ينتظر إِمامه حتى يلحقه، ومن سها حتى قدَّم شيئاً قبل شيء عاد إلى فعل ما نسي ثم فعل الذي بعده والذي كان فعله باطلاً.
والتشهد الأول فرض في الصلاة لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فعله وأمر به،

وقول من خالفنا في هذا باطل؛ وكل من قدم شيئاً من فرائض الصلاة قبل وقته وأّخر شيئاً منها عن موضعه بطل ما قدَّمه وما أخره وعاد أتى بالأول() ثم نسق عليه بالثاني، وإن تعمد لفعل ذلك فسدت صلاته، والذي يؤمر به المصلي إِذا قصد إِلى الجماعة أن لا يسرع المشي خوف فواتها() لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (إِذا سمع أحدكم الإِقامة فليأت الصلاة وعليه السكينة والوقار فليصل ما أدرك وليعد ما فاته)().
والذي يؤمر به أهل الجماعة إِذا أرادوا الصلاة خلف إِمامهم أن يليه منهم أهل العلم بالصلاة والفضل منهم، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (ليليني منكم أُولوا الأحلام والنُّهى)()، وفي الخبر أن ابن مسعود هو الذي كان وراء ظهر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (في صلاته بالجماعة، وقيل إن عمر بن الخطاب كان يؤخر من لا يعرفه من الصف الأول؛ وقال: لا ندع خلف نبينا عليه السلام من لا نعرفه، وقد قيل: إِن عمر كان يفعل ذلك حذراً على رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ)() من مكيدة أعدائه من المنافقين وغيرهم، والرواية عن ابن مسعود إنَّه قال: ( كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يسوّي مناكبنا، ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) والصف الأول أفضل، والأخبار كثيرة في فضل صلاة المصلي في الصف الأول. والرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: ( خير صفوف الرجال أولها، وخير صفوف النساء آخرها)()، وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: ( إن الله وملائكته يصلّون على الصف الأول)().

إختلف أصحابنا في بدء فريضة الصلاة كيف افترضت، فقال بعضهم: افترضت في ابتدائها صلاة السفر ركعتين، ثم زيد في صلاة المقيم وتركت صلاة المسافر بحالها، وقال بعضهم: افترضت في الابتداء صلاة المقيم أربعاً ثم حصلت عن المسافر فقصرت وتركت صلاة المقيم.
والذي عندي ، والله أعلم ـ أن الصلاة افترضها الله في القرآن جملة ثم بيّن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ هذه الجملة بالسنَّة، وبيّن أن الفرض في الجملة على المقيم ما هو، وهو ما عليه الناس من صلاة المقيم والمسافر. والذي أتوهمه أن أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب كان يقول بهذا من غير يقين مني لذلك، لأني وجدت له قولاً في كتابه المعروف بالخزاية يدل على هذا. قال: إن الله تعالى افترض الصلاة والزكاة جملة وفسّرها رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم بالسنَّةِ، وهكذا بالقياس، والأشبه والأقرب إلى النفس لعدم صحة الأصل، ويدل على صحة ما استدللناه أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وأصحابه قبل نزول

فرض الصلاة بالقرآن إنَّما كان يصلّون النوافل، فلما جاء فرض الأمر بالإلزام في الجملة وبيَّنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالسنّة أزاح الشبهة، ولو كان الفرض لازماً في الابتداء ركعتين فزيد في صلاة المقيم، لكان صلاة المسافر في المغرب ركعتين، وأيضاً فلما أجمعت الأمة أن صلاة المغرب في الحضر والسفر ثلاث ركعات، سواء كان المصلي مقيماً أو مسافراً، دلَّ على أن الذي ذكرناه أَوْلى بالصواب وأشبه بالسنة، وكذلك الجمعة ركعتين ليس بظهر لمن صلاها مقيماً أو مسافراً، والله أعلم.


مسـألة

روي عن النبي صلى الله عليه من طريق ابن عمر أنَّه نهى أن يصلي الرجل صلاة في يوم مرتين، وفي هذا الخبر دلالة أن خبر معاذ منسوخ به، وقال أبو حنيفة: إن قرأ المصلي بالفارسية جازت صلاته، واحتج له بعض أصحابه بقول الله تعالى: وإنَّه لّفي زُبُرِ الأَوَّلين() ، وإن زبر الأَولين غير العربي، وإذا صلى الرجل خلف الصفوف وحده لم تجز صلاته، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلمَّ (إنَّه رأى أبا بكر يصلي خلف الناس، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: زادك الله حرصاً ولا تعد) ، وقال بعض أصحابنا: إن كان خلف الصفوف قصَد الإمام جازت صلاته، وفي() الخبر يمنع جوازها، والله أعلم.


مسألة في ترتيب الأئمة

روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (ليؤمّكم أقرؤكم لكتاب الله، فإن كانوا في القرآن سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في ذلك سواء أكبرهم سناً، فإن كانوا في ذلك سواء فأقدمهم هجرة)() ، وقال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إنَّما جعل الإمام إماماً ليؤتم به)() ، وقال: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)() ، ومن جمع بين العلم والقراءة كان أَولى بالإمامة ولأنه قد جمع من الخصال ما هو أولى بها من غيره، وإذا استووا كان أكبرهم سناً لما في النفوس من تعظيم ذوي الأسنان، فإذا استووا في ذلك فأثبتهم ورعاً وصلاحاً، لأنه لا يخفى على ذي لب إنَّه قد جمع من الفضائل ما لا يرغب عن اتباعه إلا ناقص. ولذلك كرهنا إمامة الفاسق مع جواز الصلاة خلفه، لما فاته من تعظيم النفوس له من جهة الدين، وإن كان ذلك من طريق الحكم، ولا يشبه الفاسق في هذا المشرك، لأنه لو تاب وقد صلَّى لم تكن عليه إعادة صلاته، ولو أسلم الكافر وقد كان قد() صلى أعاد صلاته، ألا ترى إلى قول رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (الإِمام ضامن)()، وهذا حكم على كل إمام، وفي حال هو فيها إِمام، فلولا أنَّه مؤدّ فيما يؤدي عن نفسه وعن غيره لم يكن فيها ضامناً، ألا ترى أن مدرك الإِمام في الركوع تجوز ركعته، فإن قلنا: فإن عليه قضاء ما فاته، وقد قال كثير من أصحابنا مع مخالفيهم: إن ركعته جائزة ولا إِعادة عليه منها، وهذا يبين لك إنَّه فيما يؤدي عن نفسه مؤد عن غيره؛ وكذلك القارئ إِذا صلى خلف الأمي لم تجز صلاته؛ لأن الذي يؤدي عن نفسه لا يصلح أن يكون أداء عن القارئ، وكذلك ما تؤدي المرأة عن نفسها لا يصح أن يكون أداء عن الرجل، فإذا صلى القارئ خلف الأمّي جازت صلاة الإمام، وفسدت صلاة القارئ، كامرأة صلَّت برجل ونساء، إن صلاة النساء جائزة وصلاة الرجل فاسدة، وكذلك الأُمّي بالأُمّي، وكذلك الإِمام إذا كان ممن فرضه في صلاته الإِيماء لم تجز خلفه صلاة من يركع ويسجد إِلا من ركع وسجد لا إيماء() له فيما هو ركن صلاته؛ وكذلك المتوضئ خلف المتيمم من الجنابة، وكذلك الطاهر من النساء خلف المستحاضة، والمتوضئ خلف من به سلس البول؛لأن هؤلاء صلاته ضرورة، فإذا زالت الضرورة قبل تمام الصلاة أعادها لاستحالة وجود الضرورة والقدرة. والله أعلم.

مسألة
إختلف علماؤنا في الصلاة على الصفا والسجود عليه، فجوَّز ذلك بعضهم وكره آخرون، والنظر عندي إنَّه لا يجوز، الدليل على ذلك قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً()، وكل ما صلح أن يكون طهوراً منها صلح أن يكون مسجداً للمصلي عليها، والله أعلم.

مسألة
وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (لن() يلج النار أحد صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)، ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها()، وهذا خبر له تأويل، وفيه دليل على بقاء وقت العصر إلى قبل غروب الشمس، ويدل على صحة هذا التأويل قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يوم الخندق: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم ناراً)()، وقول الله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار()، يعني بذلك ـ والله أعلم ـ صلاة الفجر وصلاة العصر؛ وهذا يدل على بقاء وقتها إلى آخر النهار، والله أعلم.
وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (بين كل أذانين()صلاة إلاَّ المغرب) يريد بالأذانين ـ والله أعلم ـ الأذان والإِقامة ، فأجرى على الإِقامة اسم الأذان لدوام حجتهما.
وتعلق قوم بقول الله جلَّ ذكره: فسبحه وإدبار النجوم() على أن تأخير صلاة الصبح أفضل، فقالوا: إن النجوم لا تدبر إلاَّ في آخر الليل، وقال بعضهم: هذه الآية يريد() بها الحث على ركعتي الفجر، والمأمور بفعلهما قبل ركعتي الفرض، والله أعلم، ومن ذكر ركعتي الفجر بعد صلاة العصر أخَّر قضاءهما إلى وقت جواز صلاة النوافل، وإذا كان عند بعض مخالفينا أن الوتر في ذلك الوقت لا يجوز فعله فركعتا الفجر أبعد في الجواز من الفعل في ذلك الوقت، وقد جوَّز أصحابنا في ذلك الوقت لهما، ولم أعرف وجه جواز قولهم وبالله التوفيق. ومن أدرك من العصر ركعة فعليه قضاء الصلاة بعد خروج الوقت المنهي عن الصلاة فيه لخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (من أدرك من صلاة العصر ركعة فقد أدركها)() يدل على إنَّه قد نهى عن هذه الأوقات والله أعلم، وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في بعض الأخبار إنَّه قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إِذا ذكرها، فذلك وقتها) ولا كفارة عليه غير ذلك، ففي هذا الخبر دليل على أن الكفارة تجب على غير الناسي والنائم والله أعلم.



مسألة
قال الله تبارك وتعالى:واذْكُر ربَّك في نفسك تَضرُّعاً وخيفةً ودون الجهر من القول() وقال:ادعوا ربكم تضرُّعاً وخفية () تأويل هذا عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ إنَّه قال: (يجهر بها جهراً في خفض() صوت ثم يقرأ السورة) فهكذا نقلت الأئمة ما روي أبو سعيد الخدري قال: (أمرنا نبينا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أن نقرأ في صلاتنا فاتحة الكتاب وما تيسر)() ، وقال أبو هريرة: (أمرني رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أن أنادي، أن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة)() ومن طريق عبادة بن الصامت عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعداً)()، وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (إنَّه أمر أعرابياً أن يقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)، ومن اقتصر على آية واحدة() قصيرة بعد فاتحة الكتاب أجزأه ذلك والله أعلم، ومن طريق آخر إنَّه قال: (بفاتحة الكتاب ومعها شيء من القرآن)، وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّه قال: (كل صلاة() لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خُداج)() زعم أبو حنيفة ذلك على نفي الفضيلة والكمال والصلاة مع (ترك)() فاتحة الكتاب جائزة، وهذا غلط منه. وقد بيَّنا معنى الخُداج في غير هذا الموضع من كتابنا.


مسألة في تارك الصلاة

اختلف أصحابنا في تارك الصلاة عمداً فقال بعضهم: يُقتل إِذا فات وقتها، وقال آخرون: يضرب حتى يفعلها، لا يُرفع عنه الضرب حتى يفعل الصلاة أو يقتل بالضرب، والنظر يوجب عندي أن لا يقتل ما دام مقرّاً بفرضها، فإِذا جحد فرضها قُتل؛ لأن الأمة أجمعت أن مؤخر الحج والصيام والزكاة لا قتل عليه ، وقد قال أبو بكر الصديق: (لأَقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)()، فإذا لم يجب على تارك الزكاة قتل كان تارك الصلاة مثله والله أعلم، والذين قتلهم أبو بكر رضي الله عنه على الزكاة جحدوا فرضها، ولو أقروا لم يقتلهم فلذلك قلنا إن حكم فرض الصلاة كحكم الزكاة والله أعلم، قال الله تبارك وتعالى: ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره () فنزلت هذه الآية على أن الصلاة على الميت والقيام على قبره أمر معمول به، فدل على ذلك أيضاً ما روى أبو هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (من صلّى على جنازة وانصرف كان له من الأجر قيراط، ومن تبعها وصلَّى عليها ثم قعد حتى يدفن الميت كان له من الأجر قيراطان)(). ولم تختلف الأمة في وجوب غسله وتكفينه وحمله والصلاة عليه، الدليل لمن قال من أصحابنا: إِن تارك الصلاة يجب عليه القتل أنَّه لما كان الإِيمان عملاً على البدن لا يقوم به غيره ولا يسدّه مسدّه بمال، وكانت الصلاة عملاً على البدن لا يقوم به غيره ولا يسدُّ (مسدَّه بمال، وكانت الصلاة عملاً على البدن لا يقوم به غيره ولا يسدّ)() مسدها بمال وجب الجمع بينهما من هذه الطريق.
وإذا كان هذا هكذا وكان تارك الإِيمان يُقتل، كان تارك الصلاة يُقتل أيضاً، ودليل لهم آخر أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لما نهى عن قتل المصلّين دل على أن تارك الصلاة يقتل، والحجة لمن لم يوجب القتل أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لما قال:

(لا يحل دم امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق)()، ولم يدخل تارك الصلاة في هؤلاء دل على سقوط القتل عنه وتأخير عقوبته، ودليل لهم آخر بأن تارك الصوم لا يقتل باتفاق، والصلاة مثله، والحجة على هذا لمن أوجب القتل بأن الصوم لا يُقتل تاركه، لأن الصوم قد يجبر ويصلح بالمال في حال من الأحوال، وليس كذلك غيره من الإيمان، والصلاة تصلح بالمال وتقوم مقامه، ويدل على ذلك قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فرقُ ما بين الكفر والإيمان ترك الصلاة)() وبالله التوفيق. ويروى عن الشافعي أنَّه كان يذهب إلى قتل تارك الصلاة، وذهب بعض أصحابه إلى مثل قول بعض أصحابنا في إيجاب الضرب على تارك الصلاة حتى يأتي الضرب على نفسه، وروي عن زفر() وهو أحد فقهاء العراق أنَّه كان يوجب على الحاكم أن يمنع تارك الصيام من الأكل والشرب ويحصل له الصوم بذلك لأن رمضان عنده مستحق صومه، فلذلك أوجب الصوم لتارك الأكل والشرب وإِن لم يرده ولم ينوه، وبالله التوفيق..
روي أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (نهى عن الصلاة في الثوب الواحد)()، وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في خبر آخر أنَّه (نهى عن الصلاة في ثوب واحد ليس على عاتق المصلي منه شيء)()، فأما إذا كان متوشحا به فقد رويت إباحة ذلك عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فإن سلم طريق الخبر الأول فهو يدل على قول أصحابنا أن المصلي إذا صلّى بثوب ولم يتوشح به أو لم يستر ظهره وصدره من غير عذر أن صلاته باطلة، فنهي النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن الصلاة في الثوب الواحد إذا كان على ما وصف() علماؤنا فهو صحيح، والله أعلم وبه التوفيق.



مسألة

اختلف أصحابنا في المصلي يخرج من الصلاة بغير تسليم، قال بعضهم: ليس له الخروج من الصلاة إلاَّ بعد التسليم وقراءة التحيات، فإن قصر على ذلك كانت عليه الإِعادة، والحجة لمن ذهب إلى هذا الرأي قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)() فلما كان الدخول فيها لا يصح إِلا بالتكبير (كان الخروج منها لا يصح إلاَّ بالتسليم. وقال بعضهم: إن الدخول فيها لا يصح إِلا بالتكبير)() والخروج قد يصح بالتسليم وغير التسليم، لأن الإِحرام عليه الاتفاق والخروج من الصلاة فيه اختلاف. والحجة لأصحاب هذا القول أن الخروج لم يكن معلقاً بالتسليم دون غيره، وقد يكون الخروج كنحوه بالتسليم وبغيره، وهذا نحو ما قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (الشهر تسعة وعشرون يوماً)() ليس يوجب أن يكون شهر إلاَّ تسعة وعشرين يوماً، وكذلك قوله عليه السلام: (العمد قود وليس كل ذي عمد قود)()، وكذلك قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (الإِمامة في قريش، أن لا إِمامة إلاَّ في قريش)() مع قول عمر رضوان الله عليه وهو أحد الرواة لهذا الخبر (لو كان سالم حياً ما خالجني فيه الشكوك) وكقوله عليه السلام: (إِذا ماتت الفأرة في السَّمن الذائب فأريقوه)() فليس الحكم معلقاً بها دون غيرها، وإن لم يذكر العصفور ونحوها، بل يكون ذلك معلق الحكم بالمذكور وما كان في معناه، وكذلك قوله عليه السلام: (لا قطع إلا في أربع دينار)() ، وكان هذا الحكم معلقاً بالمذكور وغيره والله أعلم. وهذا القول عندي أنظر، وعليه أكثر أصحابنا، وقد روي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال لبعض من كان يعلّمه الصلاة: (فإذا رفعت رأسك من السجود وقعدت وقلت فقد تمّت صلاتك)()، وهذا أيضاً بدلاً عن() صحة اختيارنا، فإن قال قائل: إن هذا الخبر صحته تبيح إسقاط قراءة التحيات إذا كان التخيير مباحاً له بين القول والترك، وهو ما عبتموه من قول أبي حنيفة، قيل له: إن أبا حنيفة أغفل المعنى في هذا الخبر وذهب عن تأويله، وليس بتخيير وإنَّما المعنى، والله أعلم: إنك إذا قعدت وقلت فقد تمت صلاتك، وقال الله جلَّ ذكره: ولا يُبْديِنَ زِينَتهُنَّ إلاَّ لِبُعولتهن أو آبائهن() لأنَّها تبدي لواحد منهم دون الآخر على معنى التخيير، وإنَّما معنى الآية ـ والله أعلم ـ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن، والله أعلم.


مسـألة

وإذا قام إمام القراة() قدامهم والمرأة أمام النساء في الصلاة وهي إمام لهن، أو قامت المرأة إلى جانب الرجل في الصلاة، أو قام المأموم على يسار الامام، وكذلك من كان في معناهم لمن خالف ترتيب النبي ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ لهم في الصلاة، فصلاة هؤلاء كلهم باطلة، ولا يكونون مطيعين في صلاتهم مع مخالفتهم للنبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على ترتيبه إياهم، وقد قال الله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم() .


مسألة

ومن() ذكر صلاة عليه لم يكن صلاّها حتى فات وقتها لم يجز له أن يصلي غيرها حتى يصليها، إلاّ صلاة هو في آخر وقتها، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (لا صلاة لمن عليه صلاة)، وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ(أنَّه فاته أربع صلوات يوم الخندق فصلاهنّ على الترتيب) وفعله ذلك بيان له (به)() عن قوله: أقم الصلاة ، وفعل النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إذا وقع على جهة البيان فهو على الوجوب. الدليل على ذلك فعله لأعداد الركعات، وكذلك فعله لمناسك الحج إذا كان بياناً عن جملة قوله: ولله على الناس حجّ البيت()، وكذلك سبيل ما يقع من أفعاله بياناً عن جملة مذكورة في الكتاب وهو على الوجوب إلاّ أن يقوم دليل، فإن قال قائل: لو كان الترتيب واجباً ما أسقطه البيان، قيل له: النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ جعل وقتها الذكر، لقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فليصلها إذا ذكرها)() فإذا عدم الذكر لم يحصل وقت لها، فلذلك لم يجب اعتبار وجوب الترتيب عند النسيان حسب اعتبارها عند الذكر، فإن قال: فيجب اعتبار الترتيب إذا كان أكثر من يوم وليلة، قيل له: إذا زاد على يوم وليلة سقط الترتيب، لأن الترتيب يقع فيه ثمّ ينتقل الترتيب إلى يوم ثانٍ لقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (خمس صلوات كتبهنّ الله في اليوم والليلة)()، ففصل بين كل يوم وليلة وما يأتي بعده بهذا، والله أعلم.



مسألة

وينبغي لإمام المسجد أن يستخلف بعده رجلاً عند الحدث والغيبة لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أنَّه جاء والناس في الصلاة يؤمهم أبو بكر فأشار عليه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أن أقم مكانك فتأخَّر وقدَّم النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وصلَّى بهم)() فصار ذلك فضلاً() بجواز الصلاة بإمامين والله أعلم.


مسألة()

وإذا وجد العاري ثوباً وقد صلّى بعض صلاته لبسه وأعاد، وكذلك المتيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة نقض ما صلّى وأعاد، وكذلك كل من أُمر بالصلاة على وصف فلم يفعل لعذر أو لعجز ثم قد ارتفع العذر عنه وعاد إلى ما كان مأموراً بفعله ما لم يكن قضى ما اُمر به بفعله مع العذر والله أعلم. وأما ما كان مأموراً بالصلاة في الابتداء على وصف، ولم يكن أُمر بغيره فعجز ووجب العذر ثم انتقل إلى حال() ثانية فلزمه زيادة الفرض لم يلزمه الخروج مما أُمر به حتى يتم، وهذا مخالف للأول، نحو الأمة تعتق وهي في الصلاة فعليها ستر رأسها والبناء على ما صلّت لأنَّها لم تكن في ابتداء الصلاة مأمورة بستر رأسها، فلما عتقت() لزمها زيادة فرض وهو ستر الرأس، وكذلك المقعد إذا حدث() له الصحة بنى على صلاته قائماً، إلاّ أن يكون صحيحاً قبل ذلك فحدث له العجز فيه فعذر بالحادث فأمر بالقعود ثم وجد القدرة إلى ما كان عليه من() حال القيام المأمور به في الصلاة قبل ذلك، فهذا ينقض صلاته ويبتديء، وأما من علم شيئاً من القرآن في الصلاة لم يكن يعلمه ولا يعلم شيئاً من القرآن قبل ذلك أنه بنى على صلاته وهذا زيادة فرض في الصلاة، ألا ترى أن أهل (قبا) لما جاءهم الخبر بتحويل القبلة وهم في الصلاة تحولوا إليها، وبنوا على صلاتهم، وكان التحوّل في الصلاة بالخبر الواصل إليهم زيادة فرض، والله أعلم.


مسألة

أجمع الناس على أن من صلّى بصلاة إمام جاهلاً بحاله، ثمّ تبين له أنَّه من أحد أصناف المشركين، أنَّ عليه إعادة الصلاة وإن خرج الوقت، وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا أنّ رجلاً صلّى بقوم في بعض أسفارهم نحو سنة، ثم تبين لهم أنَّه كان مشركاً فأوجب الفقهاء عليهم الإعادة لما صلّوا خلفه، ووجدت في الأثر عن الوضّاح بن عقبة في رجل صلّى بقوم وهو على (غير)() طهور عمداً منه ثم أخبرهم بعد ذلك أن عليهم البدل، فإن كان الوقت قد فات فلا بدل عليهم، وفي هذا القول نظر لأنَّهم قد أدّوا فرضهم على ظاهر ستر إمامهم وسلامة حاله عندهم، ثم أخبرهم بعد سقوط الفرض عنهم بفسقه لعمده في الصلاة بغير طهور، والنظر يوجب عندي أن لا بدل عليهم بقوله، والله أعلم.
وأما قوله: فإن كان الوقت قد فات فلا بدل عليهم ففيه أيضاً نظر، لأنّ الفرض إذا لزم البدل لم يسقط بذهاب الوقت، والله أعلم، وإذا أحدث الإمام حدثاً فسدت صلاته بذلك، أو تقدّم حدثه قبل الصلاة ولم يكن علم بحدثه، أو صلّى بثوب نجس ثمّ علم بحدثه في الصلاة وجب عليه الخروج من وقته، وبنى القوم على صلاتهم بإمام أو غير إمام، وهذا قول أكثر أصحابنا، وحجتهم في جواز صلاتهم أن كلاّ مؤدٍ لفرض نفسه؛ وفي قول بعض أصحابنا أن صلاة المأموم تفسد بفساد صلاة إمامه، وأن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم، وحجة أصحاب هذا الرأي أن الإمام يتحمل من صلاتهم() عنهم ما لا تتم الصلاة إلاّ به وهو القراءة والسهو الذي يلزمهم معه وغير ذلك.
والقول الأول هو الأكثر والنظر يوجبه. اتفق أصحابنا أن المصلِّي للعصر يدرك وقتها ما دامت الشمس بيضاء نقية، لما روى بعض الصحابة أنَّه قال: (صلَّينا مع النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ والشمس بيضاء نقية). واختلفوا فيمن صلّى بعد ذلك، فقال بعضهم: يدركها إلى أن يغيب من الشمس قرن، وقال بعضهم: حتى تصفّر الشمس، لما روى بعض الصحابة (أنَّه صلّى مع النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ صلاة العصر والشمس على رؤوس الجبال كعمائم الأنصار)() يعني صفراء، وقال قوم: غيبوبة القرن من الشمس هو صفرتها وتغيير ضوئها، واختلف أصحابنا في هذا القول الآخر على قولين: فمنهم() من قال: المصلي في هذا الوقت الذي ذكرناه مؤدّ لفرضه كان ذاكراً أو نائماً أو ناسياً، وقال بعضهم: هذا وقت للنائم والناسي، وأما الذاكر فآخر وقته قبل اصفرار الشمس وغيبة القرن،

لما روى في ذلك من الرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس للغروب)() ـ وفي خبر آخر ـ (إذا تضيَّقت للغروب) يعني مالت للغروب، قام فيقرأ أربعاً لا يذكر الله فيها إلاّ قليلاً. وهذا يدل على أن المدرك لذلك الوقت الناسي والنائم،لأنَّه لو كان الوقت وقتاً لهذا لم يكن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يذكرأنهاصلاة المنافقين، وكان يقول: إنَّها صلاة المطيعين، وأصحاب الرأي الأول يحتجون على صحة قولهم، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (من أدرك من صلاة العصر ركعة فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك من صلاة الصبح ركعة فقد أدرك الصلاة)()، واحتجاجهم بظاهر الخبر، والأول أحب إلينا وأثبت، والقول به أقوى في باب الاحتياط؛ وأجمعوا أن من صلّى وهو يرى أنَّه متوجه إلى القبلة ثم تبين أنَّه كان صلى لغير القبلة لمانعٍ منعه من غيم أو غيره أنَّه لا إعادة عليه في الوقت ولا في غير الوقت، وأجمعوا أنَّه لو صلّى وهو يرى أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنَّه صلى في غير الوقت أن عليه أن يعيدها متى علم بذلك الوقت، وأجمعوا أن أول وقت الصلاة أفضل وأوفر على المصلِّي ثواباً، وإن كان قد خالفنا في ذلك بعض العراقيين في أن آخر وفت الصلاة أفضل، وقد خالفهم بعض مخالفينا ممن غلط في ذلك كغلطهم، فقال: أول الوقت وآخره سواء في أداء الفرض واستيعاب الأجر (نسخة) استيفاء الأجر، الدليل على صحة قول أصحابنا أن من لزمه فرض فسارع إلى أدائه كان أوفر لثوابه إذ قد يجوز على من أخّره أن يحرمه الموت قبل أن يؤديه، إلاّ في الوقت الذي أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بتأخير الصلاة فيه، لقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ:؛ (إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)()، وهذا خبر يخص به صلاة الظهر وحدها من سائر الصلوات لأجل العلة التي ذكرها ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ، ويدل أيضاً على فضل تعجيل الصلاة قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله)() ، وأقل ما للمصلي في أول وقتها أن يكون عليها محافظاً ومن المخاطرة بالشغل والنسيان عن الأوقات خارجاً، ورضوان الله إنَّما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين()، والله أعلم.



مسـألة

لم يختلف أصحابنا في صلاة الظهر والعصر أنَّهما بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين، وإن قال قائل ممن خالفنا في ذلك: لمَ لم توجبوا مع فاتحة الكتاب سورة أو شيئاً من القرآن؟ قيل له: الدليل قام لنا من إجماع الأمة مع موافقة من وافقنا على ذلك؛ مثل الحسن بن أبي الحسن وغيره من التابعين، مع ما روي لنا ونقل إلينا عن الرسول عليه السلام في ذلك، فإن قال: فإن السّنة التي ادعيتموها غير صحيحة عندنا، فما الدليل الذي قام لكم من إِجماع الأمة؟ قيل له: وجدنا الأمة توجب الإِجهار في كل موضع قرئ فيه بفاتحة الكتاب وسورة، وكل موضع لم يجهر بالقراءة فيه فإنَّما يقرأ بفاتحة الكتاب وحدها، ثم أجمعوا على أن صلاة الظهر والعصر لا إجهار فيهما بقراءة، كان هذا دليلاً لنا أنَّه لا يقرأ فيهما إلاَّ بفاتحة الكتاب وحدها، فإن قال: ما أنكرتم أن يكون ترك الاجهار فيهما لأنَّهما من صلاة النهار، وصلاة النهار لا جهار فيها؟ قيل له: لو كانت العلة في ذلك أنَّهما من صلاة النهار لوجب أن لا يجهر في صلاة الصبح وصلاة الجمعة لأنَّهما من صلاة النهار، فلما أجمعوا جميعاً أن الإِجهار بصلاة الجمعة وصلاة الصبح واجب دل على فساد ما ادعيت وسقوط ما به عارضت، فإن قال: صلاة الصبح مختلف فيها انها َمن صلاة الليل أو من صلاة النهار، والجمعة فلإجماع() عليها بالإِجهار مخصوصة بذلك، قيل له: فحكم المختلف فيه مردود إلى الحكم المتفق عليه، وقد أريناك فساد علَّتك التي نصبتها وعارضتنا عليها.
فإن قال قائل: فإن القائسين لا يقيسون على المخصوص، قيل له: ومن وافقك أن الجمعة مخصوصة وهي فرض باين بنفسه قد أجمع المسلمون عليه؟ فإن قال: ما أنكرتم أن تكون فيها قراءة مع فاتحة الكتاب وإن لم يجهر فيهما؟ قيل له: هذا ظن منك وغلط وذهاب عن الدليل، وذلك أنّا وجدنا الصلاة الواحدة في الليل والنهار يجهر فيها بما فيه فاتحة الكتاب وسوره، ويخفى ما فيه قراءة فاتحة الكتاب وحدها، فهذا دليل مع ما قدمنا ذكره على ما ذكرناه، وسقوط لما عارضتنا به ولو كان لا إجهار فيهما لأنَّهما من صلاة النهار، ولم يكن ترك الإجهار لأنَّهما بفاتحة الكتاب وحدها لكانت صلاة الليل يجهر فيها، ولم يكن ما يقرأ فيه بفاتحة الكتاب وحدها (من)() صلاة المغرب والعشاء الآخرة يخافت فيها بالقراءة فيما لا قراءة فيه بغير فاتحة الكتاب، والله أعلم.



مسألة

إتفق أصحابنا على إيجاب الصلاة بالثوب النجس إذا لم يجد المصلي ثوباً غيره وإن كان المصلي في نفسه طاهراً متطهراً، قالوا: وفرض الإستتار بالثوب وإن كان نجساً غير زائل عنه به، وإن كان قد خالفهم في ذلك الشافعي وأصحابه من أهل الحجاز، فقالوا: يصلي وهو عريان. وأما أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق أجازوا له الصلاة إذا كانت النجاسة أقل من ملاة، وإذا كانت النجاسة مستفرغة له، خيرَّ المصلي بين أن يصلي فيه أو يصلي وهو عريان، الدليل لأصحابنا على صحة مقالتهم إجماع الجميع على أن من لا يستمسك بَوْله ولا غائطه أنَّ عليه الصلاة.
وكذلك من كانت به جراحات لا ترقأ ولا ينقطع منها الدم أن فرض السترة على هؤلاء ولو امتلأت بالدم والنجاسة، ولم يُسقط الله فرض السترة من أجل أنَها نجسة لا يجدون إلى غيرها سبيلاً، ففي هذه الأشياء دلالة على أن من لا يجد سبيلاً إلى ثوباً طاهر أن فرض السترة في الثوب الذي ليس بطاهر واجبُ بغير الثوب الطاهر في الصلاة واجب أيضاً، وأن السنَّة جاءت بأن المستحاضة تصلي وإن كان دمها يقطر ولا يمكنها حبسه، وإن امتلأ ثوبها وقطر على حصيرها، وهذا يدل على أن فرض السترة على المصلي وإن كانت غير طاهرة إذا لم تجد ثوباً طاهراً، وقد روي أن عمر بن الخطاب كان يصلي وأن دمه ينبعث من الطعنة، وقد وافقنا على هذه المقالة الحسن بن أبي الحسن ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وأيضاً فإن فرض الإستتار واجب بالثوب الطاهر، والنجس كان في الصلاة أولى إذا عدم الطاهر.



مسألة

إختلف أصحابنا في الصلاة في الثوب المغتصب والأرض المغتصبة على قولين: فأجازها أكثرهم ورووا() انَّما وقعت طاعة من عاص، وأن الفعل وقع موقعه من أداء الفرض، وعلى المصلي رد الثوب إلى صاحبه والخروج من() الأرض المغتصبة منه، وكان ممن يقول بهذا القول وأيَّده واحتج له أبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب فيما حفظه لنا عنه أبو مالك رضي الله عنهما، وكان ممن ينصر الآخر() ويقوله ويستدل على صحته أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب. وهو مشهور من قوله، وكان آخر ما يحتج به أن قال: رأيت الصلاة طاعة أمر الله بها، ورأيت الثوب المغتصب قد نهى الله المغتصب له في كل حال أن يلبسه، وكان فرض الصلاة وشرطها ومالا تقوم إلاَّ به الإستتار بالثوب الطاهر والقرار الطاهر الذي يكون عليه، فلما كان الثوب الذي يقف فيه للصلاة والقرار الذي يكون عليه للصلاة قد نهي عنها، وأُمر برد الثوب على صاحبه، والخروج من الأرض في كل أقواله، لم يجز أن تكون الصلاة واقعة منه، وكانت الصلاة مأموراً بها منهياً عنها، لأنَّها لا تقوم إِلا بما قد نهي عنه، لم يجز أن تكون طاعة مأموراً بها، والطاعة والمعصية متنافيتان. ومما يؤيد قوله إِن المصلي مأمور بالصلاة في الأرض الطاهرة من غير غصب ونجس، كما أُمر بالصلاة في ثوب طاهر من غير غصب ونجس، فلما كان المصلي في الأرض النجسة مخالفاً لما أمر به كانت صلاته فاسدة بالإِجماع، وجب أن يكون إِذا صلَّى في الأرض المغتصبة تفسد صلاته لمخالفة الأمر فيها، وكذلك القول في الثوب المغتصب والنجس، لأن النهي عن الأرض المغتصبة والثوب المغتصب كالنهي عن الصلاة في الأرض النجسة والثوب النجس، وهذا القول أقرب إِلى النفس وأصح دليلاً.





مسألة

وستر العورة واجب في الصلاة، ومن لم يستر عورته في الصلاة وهو يقدر على ذلك كانت صلاته باطلة بإجماع الأمة؛ والمرأة كلها زينة إلاّ الوجه والكفين، قال الله تبارك وتعالى: ولا يبدين زينتهن إلاّ ما ظهر منها()، وهو الوجه والكفّان بإجماع الأمة، لأن الشاهد ودافع الحق إليها لا يصلون إلى معرفتها عند المشاهدة لها إلاّ بكشف الوجه، ومن أظهر منهن شيئاً من زينتهن مع نهي النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن ذلك في صلاتها، كانت صلاتها باطلة لأنَّها صلاة منهي عنها. قال محمد بن محبوب: صلاة المرأة جائزة في بيتها مكشوفة الرأس، فإن احتج محتج فقال: إنَّها مستترة ببيتها، قيل له: لو جاز ذلك لجاز للمستتر في بيته من الرجال أن يصلي كاشفاً عورته، أو بثوب يشف أو في الليل، فلما أجمعوا على فساد صلاة هؤلاء صحّ ما قلنا، ولا أعلم أن أحداً من الموافقين أو فقهاء المخالفين جوَّزوا ذلك، والله أعلم، وهو ولي التوفيق.


مسألة

واختلفوا في القدمين، وروي عن أم سلمة زوج النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (تغطي المرأة ظهر قدميها)()، وللأمة أن تصلي مكشوفة الرأس باتفاق الناس، وكذلك أُم الولد والمدبرة تصليان مكشوفة الرأس لثبوت الرق عليهما، والمانع لنا من أُم الولد مكشوفة الرأس محتاج إلى دليل لثبوت الرق عليها، إذ لا دليل يدل على حريتها() بالولادة، ولا بموت السيد إذ لم يخلف منها ولداً، والواجب على المتعبد بالصلاة أن لا يأخذ لها إلاّ سترة طاهرة لقول الله تعالى: خذوا زينتكم عند كلّ مسجد()، والعرب لا تعقل الزينة المستقذرة والمجتنب، لأن المستقذر المجتنب داخل في حيز() الخبائث، ولا تجوز الصلاة إلاّ في سترة واسعة يغطي بها المصلي عورته، ويخالف بين طرفيها على عاتقه إذا كان قادراً على ذلك لما روي أبو هريرة عن النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: (لا يصلِّي أحدكم في الثوب الواسع ليس على منكبيه منه شيء)() ولما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (صحبت رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في بعض غزواته، وكانت عليَّ بردة صغيرة فاجتهدت أن أُخالف طرفيها على عاتقي فلم تنل، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلّم ـ: إذا كان واسعاً مخالفاً بين طرفيه وإن كان ضيقاً فاشدده على حقويك)()، ومن أسبل إزاره في الصلاة خيلاء فلا تجوز صلاته، لما روى عبد الله بن مسعود عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (من أسبل إزاره في الصلاة فليس من الله في حلٍّ ولا حرام)()، وقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فضل الإزار في النار)()، ومن طريق أبي هريرة أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (ما تحت الكعب من الإزار في النار)، وفي رواية ابن مسعود (رأى رجلين يصليان أحدهما ينقر سجوده والآخر يرخي إزاره في الأرض، فقال: أحدهما لا ينظر الله إليه، والآخر لا يغفر() الله له)() وفي الرواية أن الذي لا ينظر الله إليه هو صاحب الإزار، وصلاته مقرونة بالوعيد غير جائزة، ولا يجوز للمصلِّي أن يشتمل الصمَّاء، ومن صلَّى على ذلك كانت صلاته فاسدة لنهي النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن لباس الصمَّاء في الصلاة، فلما كانت الصلاة لا تقوم إلاّ بسترة، وهذه سترة منهي عنها كانت الصلاة باطلة. وللمرأة أن تطيل ذيلها، ولا اختلاف بين أهل العلم في ذلك من مخالف وموافق، وصلاة الواصلة شعرها بشعر غيرها جائزة، وإن() قال قائل: لم أجزت() صلاة الواصلة مع نهي النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ولم تجز صلاة اللابس الصمّاء، والنهي واقع بهما جميعاً قيل له: لباس الصمّاء هو أحد ما لا تقوم الصلاة إلاّ به وهي السترة. والنهي عن وصال() الشعر بالشعر ليس هو من شرط الصلاة ولا مما تقوم الصلاة إلاّ به، وإنَّما توجه() النهي إلى الفعل الذي ليس هو من الصلاة (ولا مما تقوم)() الصلاة إلاّ به، فالنهي لم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يكن النهي قادحاً في الصلاة، وقد لعن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة والنابصة() والمتنبصَّة والقاشرة والمتفلجات لِلْحُسْن)() ولا يقدح جميع ذلك في الصلاة.

ولا تجوز الصلاة في المقبرة ولا المجزرة ولا المزبلة ولا على ظهر الكعبة وقارعة الطريق، ولا في معاطن الإبل ولا في الحمام، لما روي عن ذلك من النهي عن ابن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، وقد اختلف أصحابنا في جواز هذه المواضع، وجائزة الصلاة عندنا في مرابض الغنم، ولا تجوز في معاطن الإبل للرواية الثابتة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إذا حضرت الصلاة في مرابض الغنم فصلِّ، وإذا حضرت وأنت في معاطن الإبل فلا تصل)()، والله أعلم ما وجه الحكم في افتراق حكميهما في باب التعبّد، وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه سئل عن الإبل فقال: (إنَّها جن، من جنِّ خلقت). ومرابض الغنم قد تكون في حال طاهرة فيجوز أن يكون أمرهم بالصلاة في مرابض الغنم إذا كان مواضعها طاهرة لعلمه بما يعلمون من نهيه إياهم عن الصلاة في المواضع النجسة، فإن قال قائل: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ للسائل: (حيث ما أدركتك الصلاة فصلِّ)() يدل على ما تقدّم من قولك. قيل له: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً)()، فهذا الخبر معترض على خبرك الذي رويته لأن خبر (حيث ما أدركتك الصلاة فصلِّ) أعم، وخبر: (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً) أخض، والأخص يقضي على الأعم، فإذا أخذنا بالخبرين جميعاً ولم يسقط أحدهما كان قوله عليه الصلاة والسلام: (حيث ما أدركتك الصلاة فصلِّ) إلاّ في موضع ليس بطاهر().


مسألة

أوجب الله تعالى على من خوطب بالصلاة التوجه إلى الكعبة لقوله تعالى: فَوَلِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره()، فإذا كان المصلي على التوجه قادراً وجب عليه استقبالها، وإذا كان المصلي مشاهداً لها صلَّى إليها من طريق المشاهدة، فإذا كان عنها غائباً استدل عليها بالدلائل التي نصبها الله تعالى عليها، مثل الشمس والقمر والأرياح والنجوم وما أشبه ذلك. ولا خلاف بين أهل الصلاة في إيجاب ذلك عليه، فإذا خفيت عليه الأدلة سقط عنه فرض التوجه، وكان عليه فرض التحري نحوها، فإذا صلَّى بعض الصلاة ثم انكشفت له الدلالة() التي يستدل بها إلى الكعبة توجه إليها، وبنى على ما مضى من صلاته، لأنّ فرض التوجه لزمه عند علمه بالجهة لما روي عن ابن عمر قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ أتاهم آتٍ فقال: إن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ اُنزل عليه القرآن وأُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبِلوها، وفي هذا الخبر دليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وكانت وجوههم نحو الشام فاستداروا إلى الكعبة، وكذلك إذا صلَّى جميع صلاته ثم علم لم تكن عليه إعادتها خرج الوقت أو لم يخرج، ويدل على هذا ما روي بعض الصحابة أنَّه قال: (كنا مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، وصلَّى كل واحد منا على خياله، ثم أصبحنا فذكرنا للنبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فقرأ: أينما تولوا فثمّ وجه الله()). ولا تجوز الصلاة المفروضة في الكعبة، وإن كان بعض أصحابنا قد جوزوا() ذلك، الدليل على أنَّها لا تجوز أن الله تبارك وتعالى أوجب على القائم إلى الصلاة استقبالها، وفي أمره باستقبالها نهي عن استدبارها واستدبار بعضها. فألزم المتعبد استيعاب جميع الكعبة والاستقبال على قدر طاقته، والمصلي في الكعبة قد ترك شيئاً من الكعبة مع قدرته على استقبالها، ولو سمي المتوجه إلى بعضها مستقبلاً للكعبة لسمي المستدبر لبعضها مستدبراً للكعبة، وقد روي أن جابر بن زيد رأى رجلاً يصلي على الكعبة فقال: من المصلي؟ لا قبلة له. ويجوز أن يصلي في الكعبة تطوعاً لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ صلَّى فيها ركعتين تطوعاً، فيجوز لمن فعل ذلك تأسيّاً برسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ؛ وكذلك يجوز التطوع على الراحلة وهو سائر حيث ما توجهت راحلته إذا ابتدأ بصلاته نحو القبلة، وقد روي ذلك عن ابن عباس وأنس بن مالك أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كان إذا سار وأراد أن يصلي تطوعاً على راحلته استقبل بناقته القبلة وكبر ثم أرسلها حيث ما توجهت؛

وفي الرواية عن ابن عمر أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كان ربما أوتر على الراحلة، والذي نختاره للمصلي إذا أراد الصلاة أن يجعل تلقاء وجهه شيئاً قائماً مثل السارية والعصا، فإن لم يقدر على شيء خطّ في الأرض أمامه خطاً، لما روي عن أبي هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إذا صلَّى أحدكم فليجعل بين يديه تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاً، فإن لم تكن معه، فليخطّ بين يديه خطاً ثم لا يضره ما مرّ بين يديه)() وقد خالفنا بعض أصحابنا في الخط والسترة، وقال: إن الصلاة لا يقطعها شيء وليس هي كالحبل الممدود، وقد غلط من قال منهم بهذا القول الذي() روى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في العصا والخط، وفي أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بذلك دليل على أن الصلاة تفسد ببعض ما يمر بين يدي المصلي لأن أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لا يخلو من فائدة.
وقد روي عن طلحة بن عبد الله أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (إذا كان بين يدي المصلي مثل مؤخرة الإنسان لم يبال ما مرّ بين يديه)()، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (يدرأ المصلّي نفسه ما مرّ بين يديه ما استطاع)() دليل على ما قلنا، وغير هذا من الأخبار عن عمر بن الخطاب وغيره ما يدل على ذلك؛ ويأمره أيضاً أن يمنع المار بين يديه وهو في الصلاة، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمره بذلك؛ وفي الرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق أبي سعيد الخدري أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (يدرأ المصلي عن نفسه ما استطاع فإن أبى أن يمتنع المار فليقاتله فإنَّما هو شيطان)()، فلتنظر في هذا الخبر لأن آخره نظر، لأنَّه قد روي عنه عليه الصلاة والسلام من طريق آخر أنَّه قال: (لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم)()، فإذا صحّ الخبران لم يكن أحدهما ناقضاً للآخر فكأنَّه قال عليه الصلاة والسلام: إن الصلاة لا يقطعها شيء إلاّ ما أمرتكم بقتاله أو إصرافه؛ وعلى كل حال فإن المار بين يدي المصلِّي من غير عذر إذا لم يكن ممن يقطع الصلاة مروره آثم، والله أعلم، لقول عمر بن الخطّاب: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لأقام حولاً خيرٌ له.
والواجب على المصلِّي أن لا يدخل الصلاة إلاّ بنية لما ثبت من إيجاب النيات عند إيجاب (نسخة) إنفاد العبادات؛ ولا تفتتح الصلاة إلاّ بالتكبير لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (مفتاح الصلاة التكبير)()، وفي رواية أخرى عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)()، وقول الرجل يعلمه الصلاة: (إذا قمت فكبِّر)، وقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (صلُّوا كما رأيتموني أصلي)، وليس في هذه الروايات كلها أنَّه أمر برفع اليدين مع التكبير ولو صحّ ذلك قمنا به()، وروى مخالفونا أنَّه رفع ولم يرفع، ولو صحّت الرواية بذلك كان العمل على ما مات عليه الرسول عليه الصلاة والسلام،

وإذا لم يكن مع مخالفينا خبر لقطع العذر بأن كان الرفع آخر عمله، واحتمل أن يكون أولاً، واحتمل أن يكون آخراً لم يكن بد() من العمل بأحدهما، وكان المرجوع إلى الأصل وهو أين يرفع مع ما قد ثبت من الخبر عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه نهى عن رفع اليدين في الصلاة لقوله: (ما بالكم ترفعون أيديكم في صلاتكم كأنَّها أذناب خيل شُمس)() فلم يختلف معنا من خالفنا في رفع اليدين في صحة هذه الرواية، وإنَّما خالفونا في تأويل الخبر، وإذا لم يكن معهم ظاهرنا كما يتعلق بظاهر الخبر أهدى منهم سبيلاً، وأعمال الصلاة كلها من ركوع إلى () سجود أو قيام أو قعود بالتكبير، ولا خلاف بين أحد أنَّه ليس بفرض سوى تكبيرة الافتتاح، وإذا ركع المصلِّي فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم. ما أراد، والمستحب له أن يأتي بثلاث، وإذا سجد فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى ما شاء، والمستحب له أيضاً أن يقول ذلك ثلاث مرات، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه أمر أصحابه عند نزول قول الله تعالى: فسبِّح باسم ربك العظيم() أن يجعلوها في الركوع، ولما نزلت: سبّح اسم ربك الأعلى()، قال: (اجعلوها في سجودكم) ولم يأمر بعد ذلك والله أعلم. والمعروف في الآثار عن محمد بن محبوب أنَّه كان يأمر بقول (سبحان ربي العظيم) وبحمده في الركوع، وفي السجود سبحان ربي الأعلى وبحمده؛ وتأول ذلك من قول الله تبارك وتعالى: سبِّح اسم ربك الأعلى()، واتّباع النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أولى.
ولا يجوز السجود على الصوف والجلود والخز والقز، لتنازع الناس في ذلك، ولأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم _ أمر المصلي أن يمكنّ جبهته من الأرض، ولولا اتفاق الناس على السجود على ما أنبتت الأرض لما كان جائزاً، ويدل على أن السجود على غير الأرض وعلى غير ما وقع عليه إسم الإجماع مما أنبتت الأرض غير جائز قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)(). وفي رواية أخرى: (وجعل لي ترابها طهوراً). ويدل على أن ما لم يكن من الأرض فليس بمسجد للمصلي كما أن لم يكن تراباً لم يكن طهوراً عند عدم الماء، ووافقنا على هذا أهل المدينة ومن ذهب مذهبهم على أن المصلي أن يسجد على سبعة أرآب لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولم ير أحدكم() فيما علمت أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ سجد على أقل من ذلك، وقد روي من طريق العباس

بن عبد المطلب عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إذا سجد العبد سجد معه سبعة أرآب) وهي الجبهة والكفان والركبتان والقدمان، ولا يجوز الإِقعاء في الصلاة ولا افتراش الذراعين في السجود لما روي عن علي بن أبي طالب أنَّه قال: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (يا علي إني أحبّ لك ما أُحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي، ولا تقرأ راكعاً ولا ساجداً ولا تنظر قبل وجهك ولا عن يمينك، ولا تصلي وأنت عاقص شعرك، ولا تقعد على عقبيك في الصلاة، ولا تفترش ذراعيك في الصلاة كما يفترش الكلب، ولا تعبثن() بالحصاة)() ونهى عليه السلام (عن عقبى الشيطان)()، وعقبى الشيطان هو أن يضع المصلي إِليته على عقبيه، والإِقعاء هو أن يقعد على إِليته وقدميه وينصب الركبتين، وأما التسليم فواحدة هو أن يصفح بوجهه على يمينه ثم يصفح على يساره ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، وقد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (سلَّم واحدة وسلم اثنتين)() وكيف فعل المصلي فقد خرج من الصلاة.
وقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)(). فكل ما وقع عليه اسم ما يستحق أن يسمى به المصلّي مسلماً فقد أخرج() به من الصلاة، ومعنى قوله ـ صلّى الله عليه وسلَّم ـ تحريمها التكبير يريد ـ والله أعلم ـ أنَّه حرَّم عليه ما كان محللاً له قبل ذلك من الكلام وغيره والله أعلم، وإِذا عنى الرجل أمرٌ في الصلاة سبّح لذلك والمرأة تصفق. جاءت الرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إِجازة ذلك، ويستحب للمصلي أن يجعل نظره أمام وجهه، وأحب إِليّ أن يكون موضع سجوده، لأن في ذلك ضرباً من الخشوع، قال الله تبارك وتعالى: الذين هم في صلاتهم خاشعون()، فإن نظر المصلي ما علا رأسه من سقف أو سماء بطلت صلاته، لما روي عن أنس ابن مالك عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (ما بال قومٍ يرفعون أبصارهم في صلاتهم قِبل السماء)()، وأسند في ذلك قوله عليه السلام: (لينتهنّ عن ذلك أو لتخطفنَّ أبصارهم)()، ولا يضع المصلي يديه في خاصرتيه في حال صلاته

لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (أنَّه نهى عن الاختصار في الصلاة) والاختصار الذي نهى عنه عليه السلام هو هذا، والله أعلم.
فإن اعترضت للمصلي في صلاته حيّة أو عقرب قتلهما إذا خافهما في قول أصحابنا، وليس في الخبر إجازة قتلهما في الصلاة مع الخوف ـ والله أعلم ـ بوجه ما ذهبوا إليه من اشتراطهم الخوف. ولما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ : (اقتلوا الأسودين في الصلاة، الحية والعقرب)() ، واختلف أصحابنا في صلاته إذا قتلهما، فقال بعضهم: يبني على صلاته. وقال آخرون: يبتدئ، والأول أنظر لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمر المصلّي بقتلهما ولم يرد الخبرأنه أمره بإعادة ما صلّى، والفعلان وقعا بأمر الله تعالى، فالموجب عليهما ابتداء الصلاة يحتاج() إلى دليل؛ وكذلك عندي أنَّه لو أشار إلى إنسان ليس في الصلاة ليقتلهما لم تفسد صلاته؛ وقد روي أن سليمان بن عثمان دخل في صلاة جماعة وصلّى مع الناس شيئاً من الصلاة ثم فسدت صلاة الإمام، فدفع سليمان رجلاً ليتقدم، وبنى على صلاة الإمام، وفي الأثر أيضاً: أن رجلاً نعس في ركوعه مع الإمام وبحذائه بعض الفقهاء يصلّي فنخسه ليتبع الإمام، والنخس والدفع هما عندي أكثر من الإشارة، والله أعلم .
وقد روي ( أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كان يصلي وعلى يمينه رجل يصلي بصلاته ودخل معهما جابر بن عبد الله، فقام على شمال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فأدارهما خلفه وهو في الصلاة)() وقد اتفق الجميع على جواز العمل القليل في الصلاة، وأكره العمل في الصلاة وإن قلّ لغير الصلاة، لأنَّها عبادة الله تعبّدبها، فلا يشتغل المصلي بغيرها. قال الله جلَّ ذكره: فمن كانَ يرجُو لقاءَ ربِّهِ فلْيَعْملْ عملاً صالحاً ولا يُشرِكْ بِعبادَةِ ربِّه أحداً() وقد روي ( أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ حمل في صلاته أُمامة بنت أبي العاص بن ربيعة وهي ابنة ابنته زينب)() ـ والله أعلم ـ إذا أراد الركوع والسجود كان ذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة أو بعده؛ وفي الرواية أنَّه كان يحملها إذا قام ويضعها إذا ( ركع وسجد)() ، وقد قال أصحابنا: إن للمرأة أن تحمل ولدها في الصلاة على هذا الوصف وترضعه إذا بكى وخافت أن يشتغل قلبها عن صلاتها، ولعلهم ذهبوا في ذلك إلى هذا الخبر، وإذا جاز للمرأة في ولدها حمله في الصلاة فللنبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أجوز لأن ولد الولد ولد، وقد روي ( أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قرأ سورة مريم في ركعة من صلاة الصبح، وقرأ في الثانية قل هو الله أحد،

فسئل عن ذلك فقال عليه السلام: سمعت صبياً يصيح فظننت أن أمّه خلفي فرحمته)() .
ومن حوّل وجهه في الصلاة عن القبلة مختاراً لذلك، وكان يجد السبيل على الاستدلال عليها فلم يفعل، فسدت صلاته بإجماع الأمة، فإن فعل ذلك في حال الضرورة جازت صلاته بإجماع الأمة، لأنَّهم أجمعوا أن المحارب يصلي حيث ما توجه، فعندي أنَّه ما كان في معناه كان مثله، وكانت ضرورة كالمطلوب والمريض الذي لا يجد السبيل إلى الانتقال، ونحو هؤلاء، وتجوز صلاة النافلة إلى غير القبلة إذا ابتدأها مستقبلاً بوجه القبلة لما تقدم من ذكرنا لذلك من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم _ ، ولا يجوز أن يصلي في ثلاث ساعات من النهار: إذا طلعت الشمس حتى ترتفع، وإذا تصنعت() للغروب، ونصف النهار، لما روي عن بعض أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: ( نهانا رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن الصلاة في ثلاث ساعات عن النهار وأن نقبر فيهن موتانا)() وذكر هذه الأوقات، وفي رواية أخرى عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ( أنَّه نهى عن الصلاة نصف النهار، وقال: إنَّها ساعة تشجر() فيها جهنم ) ولهذا الخبر ذهب أصحابنا إلى جواز الصلاة نصف النهار إلا في الحر الشديد، وأجمع الناس على جواز الصلاة يوم الجمعة نصف النهار، لأن في الرواية التي ذكرناها إلا يوم الجمعة، لأن جهنم لا تشجر فيه، ولا يجوز للإنسان أن يصلي نافلة إذا كان مخاطباً بالجماعة، لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)() .
ومن تعمَّد ترك الصلاة حتى فات وقتها فعليه قضاؤها، لقول النبي ـ صلَّى الله عيه وسلَّم ـ : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها)() فإن قال قائل ممن يخالفنا: إن المتعمد عاصٍ ولا إعادة عليه لخروج الوقت الذي أُمر أن يوقع الصلاة فيه، وإنَّما أُمر بإعادة الصلاة إذا كان نائماً أو ناسياً، قيل له: النسيان في اللغة على وجهين: أحدهما ذهاب الحفظ، والآخر الترك، قال الله جلَّ ذكره: نسوا الله فنسيهم()، أي تركوا أمر الله فتركهم من رحمته وثوابه، والله أعلم.
وكذلك قوله عزّ وجل: ولقد عهدنا إلى آدم من قبلُ فنسي ولم نجدْ له عزماً() يدل على ذلك، واللوم لا يلزم إلا المتعمد للترك، ومن ذهب عنه الحفظ فلم يذكر لا يقال له: لِمَ لَمْ تحفظ، فلما كانت الصلاة مفترضة عليه واجبة بأمر الله تعالى لم يسقط عنه النسيان لإيجاب النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ذلك عليه، فالناسي التارك للعمد وذهاب الحفظ يجب عليه استحقاقه اسم تارك، ومن ارتد عن الإسلام لم تجب() عليه إعادة ما ضيع من الصلاة في حال ارتداده بلا خلاف بين أحد، والصلاة تجب على من حصل منه الإيمان،

ألا ترى إلى قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (أُدْعُهُم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)().
ومن ترك الصلاة من طريق (الاستحلال كان مرتداً بذلك، يُقتل إن لم يتب باتفاق، وإن تركها من طريق)() التهاون حتى يخرج وقتها كما يترك سائر المفروضات مع اعتقاده لوجوبها على هذا الوصف لم يلزمه عندي القتل، وقد قال كثير من أصحابنا: يُقتل وإن كان دائناً بفرضها، والمجنون والمغمى عليه لا قضاء عليهما إذا أفاقا مع خروج وقت الصلاة إذا لم يكن الوقت دخل من قبل زوال العقل لعدم الدليل على إيجاب ذلك عليهما؛ ومن نسي صلاة لا يعرفها صلّى صلاة يوم وليلة. فإن قال قائل ممن يخالفنا في ذلك: لم أوجبتم عليه خمس صلوات، وإنَّما عليه صلاة واحدة، وما أنكرتم أن لا يجب عليه ما ذكرتم حتى يعرف أي صلاة عليه؟ قيل له: فإن الذمة إذا لزمها فرض() عمل لم يزل الفرض إلاّ بأدائه، وفي أمرنا له بخمس صلوات أمراً منّا له بإبراء ذمته مما لا مخلص له إلاّ بفعله، ومتى أمرناه بغير ذلك لم يمكنا أن نقول له: قد برئت ذمتك، لو قلنا له لا تصلي حتى تعلم ما ضيعت كنا قد أمرناه أن لا يصلي لجواز عدم ذكرها حتى يموت ويبقى الفرض عليه، وإن ذكر أن عليه صلاة وهو يصلي قطع صلاته إذا كان الوقت ممدوداً للصلاة وصلّى الأولى() ثمّ صلّى هذه التي هو فيها، لقول() النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فليصلها إذا ذكرها)(). وفي خبر آخر أنَّه قال عليه الصلاة والسلام: (فذلك وقتها)()، ولم يخص وقتاً من وقت ولا مصلٍّ من غير مصلٍّ، وقد قال بعض أصحابنا: يصلي التي هو فيها ثم يصلي التي نسيها، وإذا فرغ من صلاته المنسيّة ابتدأ التي قطعها، لأن الصلاة الواحدة لا تؤدّى متفرقة، والذي يقول من مخالفينا بأنه يبنى على ما كان صلّى من الأولى بعد أن قطعها محتاج إلى دليل.


مسألة

وللإنسان أن يصلّي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه() إليها، وكذلك يجوز أن يصلّي راكباً وراجلاً من طريق الإيماء، قال الله جلَّ ذكره: فإن خِفتم فرجالاً أو ركباناً() والمريض على حسب طاقته، والعُريان يصلّي قائماً، لقول الله: وَقُومُوا لله قانِتين()، لأن فرض الصلاة على من قدر على القيام بإجماع الأمة()، فالفرض إذا وجب على وجه لا() يسقط إلاّ بما يجب به سقوطه كفرض القيام لا يسقط إلاّ بالعجز عنه، قال أصحابنا: العراة يصلّون قعوداً.
وإذا شكّ المصلي في سجوده أنَّه سجد واحدة أو اثنتين زاد سجدة أخرى ليكون على يقين، وقال موسى بن علي: إذا شكّ أنَّه صلّى ثلاثاً أو أربعاً وهو في القعود يأتي بما فيها ليكون على يقين، قال: فإن كان قد صلّى أربعاً لم تضرّه تلك الركعة الخامسة لأنَّه كان بقي عليه التسليم، وإن كان قعد للثالثة فقد أتى بالرابعة وتمت صلاته، وقال بعض مخالفينا: إذا شكّ في ثلاث ركعات أو أربع ألغى ما شكّ فيه وبنى على يقينه، وروى في ذلك خبراً عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فيجب أن يعتبر معنى قولهم، لأن أصحابنا قد وافقوا أهل هذا القول في السجود، وفارقهم موسى بن علي في عدد الركوع على غير الوصف الذي ذكرناه من قوله، والتسليم على غير العمد (لا يقطع الصلاة)() بإجماع الأمة، وسجود السهو بعد التسليم، في رواية ابن مسعود عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ(أنَّه سجد بعد الصلاة)().
وينبغي للآباء والقائمين بأمور الأطفال أن يعلموهم الأذان والإقامة والصلاة وشرائع الإسلام إذا صاروا في حال يعقلون ما يراد منهم لئلا تذهب طائفة من الزمان عند بلوغهم في التعليم، لأنهم إذا كانوا قبل البلوغ عالمين أتوا بالعبادات عند البلوغ على الفور، وهذا من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به()،. وقد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها)().
والأذان والإقامة ليستا بفرض كما قال بعض مخالفينا: ولو كانتا فرضاً للزمتا كل إنسان في خاصة نفسه، وعندنا أنَّهما على الكفاية، ولو كانتا فرضاً لأوجبهما من قال بوجوب فرضها على كل مصلٍّ، فلما وافقنا من خالفنا أن المنفرد بصلاته لا أذان عليه، ولا إقامة، صحّ ما قلنا.

ويستحب للمؤذن أن لا يأخذ أجراً على الأذان، فإن أخذ أجراً فلا شيء عليه عندنا، وكذلك المعلّم، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قد أوجب لتعليم القرآن عوضاً لما بيّناه في غير هذا المكان.
وصلاة الجماعة فرض على الكفاية، وينبغي لمن سمع الأذان والإقامة أن لا يتخلف عن الجماعة لقول الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم()، والأذان أمر به النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وهو الداعي لنا به إلى الصلاة، وفي الرواية: (أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار لا قائد لي، فهل لي رخصة أن أصلّي في بيتي؟ قال: هل تسمعن النداء؟ قال: نعم، قال: أجب النداء)()، وقيل: إنَّه أمر أن يشد له حبلاً إلى المسجد، وخبر شد الحبل انفرد به أصحابنا وفيه نظر، وفي الرواية أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بضعاً وعشرين درجة، وفي إثبات النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ للمنفرد بالصلاة ثواباً وإن كانت الجماعة أكثر ثواباً إسقاط لقول من أوجب الجماعة فرضاً على كل إنسان في خاصة نفسه. وقد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلاّ من عذر، قيل: يا رسول الله وما عذره؟ قال: خوف أو مرض)()، وفي رواية أخرى عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: ( لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد)() وهذا عندي ـ والله أعلم ـ حث على الجماعة، وترغيب في نيل الثواب الذي ينال الجماعة، لأنَّهم أجمعوا أن جار المسجد إن صلّى في بيته فقد أدّى فرضه، ومما يدل على الترغيب في الجماعة ما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إذا ابتلّت النعال فالصلاة في الرّحال)().

وكذلك إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة، و (نهى عليه الصلاة والسلام أن يصلّي المصلي وهو يدافع الأخبثين)() وهو يعني الغائط والبول، ومن طريق زيد بن أرقم أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: ( إذا وجد أحدكم الخلاء وسمع النداء فليبدأ بالخلاء)() وإذا سمع المدعو إلى الصلاة (فليأتها وعليه السكينة والوقار)() وكما قال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إذا ذهب أحدكم إلى الصلاة) وفي رواية أخرى: ( إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار وليصل ما أدرك وليبدل ما فاته)().
وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم هجرة، فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً ولا يُؤم الرجلُ في بيته، ولا في سلطانه ولا يُجلس على تكرمته إلاّ بإذنه)() والتكرمة الفراش والمخدة، فالواجب على المرء امتثال ما أمر به النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من فرض وندب() في الصلاة وغيرها، وأجمعوا على أن الإمام إذا كان يحسن أداء ما يلزم في الصلاة من قراءة وغيرها أن إمامته جائزة، وإذا() كان في المؤمنين من هو أقرأ منه وأكبر سناً. وإمامة العبد والأعمى والخصي لعلة، والصبي، جائزة إذا كان بالوصف الذي وصف رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ؛ قال محمد بن محبوب: لا تجوز الصلاة خلف أحد من هؤلاء، وإمامة الصبي غير جائزة لأنَّه غير مخاطب بالصلاة، والجماعة تجب على المخاطبين، ولا تنعقد إلا بهم و الإمام الذي لا يحسن القراءة لا يجوز أن يأتم به من يحسن القراءة ولكن يكون إماماً لمثله، وإن كان يحسن ما يؤدي به الصلاة من القراءة وغيرها فجائز، وإمامة ولد الزنا والمنبوذ وولد الملاعنة جائزة، والمانع من ذلك محتاج إلى دليل، ولا يجوز أن تؤم المرأة رجلاً، ولا تنازع بين الأمة في ذلك؛ والخصي لا يكون إماماً إتفاقاً، وليس على النساء صلاة الجماعة وإِن حضرت صلاتهن جائزة، وإن جمعت فكانت التي تؤمهن في وسطهن في الصف الأول. وروي أن عائشة كذلك كانت تفعل، وسقوط الجماعة عن النساء بإجماع، وينبغي أن لا() يكبّر الإِمام حتى يستوي القوم خلفه، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه أقبل عليهم بوجهه فقال:

(سوّوا صفوفكم ثلاثاً)() يقول ذلك، ثم قال: (لتقوّمُنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم)()، وفي خبر آخر: (تراصّوا بين صفوفكم فلا() يخللنكم الشيطان)()، وفي خبر آخر: (وسطوا الإِمام وسدّوا الخلل)()، والمنفرد بصلاته خلف الإِمام فاسد صلاته، فإن قال قائل: لِمَ حكمتم بفسادها وقد قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (حيثما أدركتك الصلاة فصلّ)()؟ قيل له: هذا خبر عام، وخبر سدّوا الخلل ورصّوا صفوفكم أخصّ، والأخص هو المعترض على الأعم. وروي عنه ـ صلّى الله عليه وسلَّم ـ (أنَّه رأى رجلاً يصلّي خلف الصف وحده، فأمره بالإِعادة)()، ولا يجوز للمأموم أن يسبق الإِمام بشيء من أفعال الصلاة، فإن سبقه متعمداً خرج بذلك من أن يكون مأموماً متبعاً وفسدت صلاته، لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إنَّما جعل الإِمام إماماً ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا)(). فمن أتى بصلاته على غير ما أُمر به كانت صلاته باقياً فرضها عليه، وإن سبق إمامه ناسياً رجع إلى حدِّه الذي خرج منه بالنسيان ليكون متبعاً لإِمامه، ولا تجوز صلاة المأموم إِلا بفاتحة الكتاب، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن لا يقرأ خلف إمامه، واحتجوا بقول الله تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون() فاعتلّ من ذهب إلى هذا القول بظاهر الآية. والحجة عليهم ببيان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا صلاة إِلاَّ بفاتحة الكتاب)()، وخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ هو المعترض على الآية، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ هو الموكل بالتبيان، فإن قال قائل ممن يحتج بظاهر الآية: إنَّه قد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (ما بالي() أنازع القراءة)()، قيل له: قد ثبت عنه الخبر، وأبين من هذا أنَّه قال عليه السلام: (أتقرؤن خلف الإِمام؟ قالوا: نعم بهذه() هذا، قال: لا تقرأُوا إلاَّ بفاتحة الكتاب فإن الصلاة لا تجوز إلاَّ بها)()، والمستحب للإمام أن يخفف

بأصحابه إِذا صلى بهم، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إِذا صلَّى أحدكم فليخفف فإن فيكم الضعيف وذا الحاجة، وإذا صلّى وحده فليطل ما شاء)()، وقيل: إنَّه كان إِذا جلس الجلسة الأولى للتشهد كأنه على الرضف، والرضف الحجارة المحمية، وجائز للإمام أيضاً أن يخفف عند أمر يحدث، لما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إني لأقوم() إلى الصلاة وأنا أريد أن أطيل فيها، فأسمع بكاء الصبي فأوجز مخافة أن أشق على أُمه)() ولا يجوز للإِمام إِذا أحس بدخول أحد() في صلاته أن ينتظره، لأن الانتظار عمل ليس من أعمال الصلاة، قال الله جلَّ ذكره: فمنْ كانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عملاً صالحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحداً() ، فإذا طوّل في الركوع والسجود والقراءة لأجل الداخل ليلحق به صار الفعل لله وللداخل في الصلاة، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى إجازة ذلك؛ وإذا صفّ الرجل مع المرأة على التحاذي بطلت صلاتهما، لأنَّهما ممنوعان من ذلك، ولكل واحد منهما مقام أبانَه رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ به، وإذا ترك كل واحد منهما مقامه بطلت صلاته، والذي يأمر هما به أن تصفّ المرأة خلف الرجل، والرجل خلف الإمام. وإذا أُقيمت الصلاة في المسجد قطع من في المسجد صلاته لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ : ( إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)() ، والذي عندي ـ والله أعلم ـ أن إقامتها تكبيرة الإحرام، وهو الدخول فيها، ولأنَّه عليه السلام لم يقل إذا قمتم للصلاة، وقد ذهب بعض أصحابنا أن عليهم أن يقطعوا عند الإقامة للصلاة لهذا الخبر، واجب() لمن وافق الجماعة أن يصلّي بصلاة الإمام إذا أدّى فرضه، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه رأى رجلين لم يصليا معه فقال: ( ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام فليصل معه فإنَّها له نافلة)() ، وقد خالفنا في هذا بعض أصحابنا، ولعلهم ذهبوا إلى ما روي عن ابن عمر أنَّه قال: ( لا تصلوا صلاة كل يوم مرتين)() ، ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتطهرين لثبوت طهارته عند الجميع، وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فصلاة الحرب إذا كانت جماعة لم تنعقد عندي بأقل من خمسة أنفس، لقول الله تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلّوا فليصلُّوا معك() . والطائفة في هذا الموضع إثنان فما فوقهما لأنَّه قال: فليصلوا معك وهذا جمع، ثم قال: ولتأت طائفة أُخرى لم يصلوا فليصلوا معك.



مسألة في افتتاح الصلاة

وافتتاح الصلات التكبير، والتكبير هو ما نقلته الأمة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عملاً وقولاً، وهو أنَّه كان إذا افتتح الصلاة قال: ( الله أكبر ) فليس لأحد عندي مخالفة هذا النص، وقد وجدت محمد بن جعفر يذكر في الجامع أن من افتتح الصلاة بغير التكبير مثل قوله: الله أعلم، والله أجل أنه يجزيه ويقوم مقام قوله الله أكبر، فهذا عندي خلاف النص والله أعلم ما وجه قوله وهو قريب من قول أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة أجاز للداخل في الصلاة أن يفتتح بعد التكبير مما هو تعظيم الله، واحتج بأن التكبير تعظيم لله فكل من دخل في الصلاة بما هو تعظيم لله فصلاته بذلك عنده جائزة، وأما الشافعي فقال: لا يجوز افتتاح الصلاة إلا بالتكبير وحده، وخالف من وجه آخر قال: وإن قال المصلي الله الأكبر مكان الله أكبر فصلاته جائزة، قال: لأنَّه قد أتى بالتكبير المنصوص وزاد ألِفاً ولاماً، قيل له: قد زاد هذا لا ماً وياءَ وأتى بالتكبير المنصوص، فقال لأن التكبير يحتمل أن يكون كبيراً وغيره أكبر منه، فلذلك لم أُجوّزه، وهذا غلط منه إذ عدل عن الصواب بعد أن اعتقده فلم يوفق، وقد قال الله جلَّ ذكره: الكبير المتعال فلو كان في ذكر الكبير نقصان عن غاية التعظيم لم يسم نفسه بذلك، وقد اتفقنا على أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كان إذا افتتح الصلاة قال: الله أكبر. وقد قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ : ( صلوا كما رأيتموني أصلي)() فقال أحدهما: هذا يتوجه إلى المرئي دون المسموع، وقال: الآخر() هذا يتوجه إلى المرئي والمسموع لأن العرب يجري عليها إسم المرئي بقول القائل منهم: رأيت الله يقول كذا وكذا، أو: سمعت الله أوجب ذلك، لا فرق عندهم بينهما في حكم المسموع، وقد خالف عندي المرئي والمسموع، وبالله التوفيق .


مسـألة

في قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام؛ الذي يوجد في الجامع وغيره أن محمد بن محبوب كان لا يوجب على المصلي خلف إمامه قراءة شيء من القرآن، وقد نقل إلينا رجوعه عن ذلك، وأما من قال من الفقهاء إن حجرة تكون في فيه أحب إلي من القراءة خلف الإمام فغلط، وهذا القول يقارب قول أبي حنيفة، فإن قال من احتج لأبي حنيفة من أصحابه: فإن الصلاة تصح وإِن لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج)()، والخداج هو النقصان، فقال: وقد أثبتها النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ صلاة ناقصة، وأنتم تنفون أن تكون هنالك صلاة، فقيل له: قد نقل إلينا عنه عليه الصلاة والسلام خبران أحدهما هذا الذي ذكرته والآخر قوله عليه الصلاة والسلام: ( لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بأم القرآن)()، فمن استعمل الخبرين أولى ممن يلغي أحدهما، وقد نفى بهذا الخبر أن تكون له صلاة، كما قال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا صلاة بغير طهور)، والخداج() على ضربين، ولعمري أن أصلها النقصان كما ذكروا، فخداج ينتفع به وهذا الذي يسمى أخدج إِذا كان في أطرافه نقصان، وخداج لا ينتفع به وكما يقال: خدجت الناقة إذا ألقت جنينها ميتاً، هكذا وجدت في كتب أهل اللغة، فهذا نقصان لا ينتفع به، فالخداج الذي أراده النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ هو الذي لا ينتفع به لأنَّه نفى أن يكون له صلاة في الخبر الأول، وأيضاً فإن العراقيين عندهم أن الإنسان إِذا صلَّى ولم يقرأ في صلاته بأم القرآن وقرأ آية من القرآن أن صلاته تامة غير ناقصة، فلا تعلقوا بتأويلهم، ولا تعلقوا بالخبرين، والله أعلم().




مسألة

وقد() قال الله: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل() وقال جل ثناؤه: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا() فأول وقت صلاة الظهر زوال الشمس لا تنازع بين أهل العلم في ذلك. وآخر وقتها إلى أن يصير ظلُّ كل شيء مثله، وأول العصر إذا زاد الظل على كل شيء مثله، ولا يكون آخر وقت الظهر أول وقت العصر على ما ذهب إليه بعض مخالفينا لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (ليس في النوم تفريط؛ وإنَّما التفريط في اليقظة أن تؤخر الصلاة حتى تدخل وقت الأخرى)()، فجعل ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لكل صلاة وقتاً وأن التفريط ما لم يدخل وقت الأخرى، والتفريط في اللغة هو أن المتقدم في الشيء يسمى مفرطاً لأنَّه قدَّم التقصير فيه، ومنه قول الشاعر:

فاستعجلونا وكانوا من صحابنا***كما تعجل فراط الوارد

وآخر وقت العصر إلى أن يدرك المصلي ركعة منها قبل غروب الشمس، وكذلك كلُّ صلاةٍ إذا لحق منها مقدار ركعة والوقت قائم فقد أدركها، لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق أبي هريرة أنَّه قال:( من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها)() .
وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس لا تنازع بين العلماء في ذلك، وآخر وقتها إلى أن يغيب الشفق() لما روي ذلك عن ابن عمر أنَّه قال: (وقت المغرب إذا غربت الشمس إلى أن يغيب الشفق) قال الشافعي: وقت المغرب وقت واحد، فخالف الناس بقوله هذا، لأن الوقت الواحد لا يمكن أن يؤدي الإِنسان فيه الصلاة، وقال بعض أصحابه: الوقت الذي أراده الشافعي مقدار ما يتطهر الإِنسان ويصلي في عادة الناس، وقال بعض أصحابه: إِذا غربت الشمس مقدار التطهر وصلاة ثلاث ركعات فما كان فوق هذا فهو قضاء الصلاة، وأول وقت العشاء الآخرة من مغيب الشفق إلى نصف الليل.

وقال بعض أصحابنا: إِلى ثلث الليل، وبعد ذلك صلاة الوتر إلى طلوع الفجر، لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إِنَّ الله قد زادكم صلاة سادسة هي خير لكم من حُمْر النِّعم. ألا إنَّها صلاة الوتر ما بين صلاة العشاء الآخرة إِلى الفجر)()، فإن قال قائل: وأي شفق تجب صلاة الآخرة به، وهما شفقان أحدهما أحمر والآخر أبيض؟ قيل له: إِختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: الشفق الأول وهو الأحمر، وقال بعضهم: هو الشفق الأبيض الذي بعد الأحمر، ونحن نختار قول من أوجب الفرض بالشفق الأول منهما، فإن قال قائل: ما الذي دلّك على عدل هذا الرأي والفرض إِذا كان يجب بالإِسم وكل واحد من الشفقين إسم للشفق الذي يراد به الفرض، وما تنكر أن يكون من صلَّى بالأول صلَّى بغير يقين؟ والفرائض لا تؤدى إِلا باليقين. قيل له: لما قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إِلى أن يغيب الشفق) فتركنا مع الإِسم، فالإِسم هو المطلوب والتعلق بأوائل الأسماء جائز، فإذا قيل: غاب الشفق إِستحققنا الاسم، ولو كان مراده ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ الأبيض دون الأحمر لبيّنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إِذ هو المبعوث بالبيان، وكان يقول (حتى يغيب الشفقان)، فلما لم يقل ذلك وتركنا مع الإِسم راعينا استحقاقه والله أعلم.
وأما الصلاة الوسطى فعندي أنَّها صلاة العصر، وقد روي عن بعض الصحابة أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمره بالمحافظة على العصرين، والعصران في اللغة بعد طلوع الشمس وقبل غروبها، وفيه قال الشاعر في العصرين:

أماطله العصرين حتى يملني***ويرضى بنصف الدين والأنف راغم



مسألة
في معرفة الفجر والشفقان الأحمر والأبيض في السماء

فالأحمر في أُفقها والأبيض فوقه، ويغيب الأحمر ويصير الأبيض في محله، وبين غيبوبة الشفق الأحمر وبين غيبوبة الشفق الأبيض، كما بين غيبوبة الشمس إلى غيبوبة الشفق الأحمر فيما سمعنا والله أعلم.
والفجر فجران، فجر يطلع إِذا بقي من الليل مقدار الساعة التي يستطيلها الناس من الوقت والساعتين فيتطاول إلى ربع السماء كذنب السرحان، وهكذا روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، والسرحان ولد الذئب، وهذا الفجر لا يكون ببياضه أسفل، ويكون أسفله سواد، ثم ينحط إلى المشرق ويبقى أصله مثل قيد الرمح في رأي العين طويلاً ثم يبدو شبه() الخطوط والغبار في السواد الذي أسفل منه حتى يغلب ذلك البياض السواد، ثم يختلط بالبياض الفوقاني ويعترض يمنة ويسرة فهو الفجر الذي يحرم الطعام به ويوجب صلاة النهار، وإذا() أردت أن تعرف ذلك فقف في موضع تطالع منه طلوع الشمس، فإذا طلعت علمت ذلك الموضع، ثم إذا كان الليلة الثانية وقفت في ذلك الموضع وطلبت الفجر عن يسرته على مقدار ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع في رأي العين فيتبين لك ما وصفت لك من الفجرين بإذن الله، وإذا كانت ليلة قمر فإنَّه ليس يبين لك جيداً كما وصفته إذا كانت ليلة مظلمة؛ وإذا أردت أن تعرف زوال الشمس في أي زمان كنت ولم يكن بحضرتك من يعرّفك الزوال وقفت في موضع مستوٍ من الأرض قبل أن تزول الشمس فتعلم قدميك في الموضع الذي بلغ في رأسك ثم تنحَّ عنه ثم تعود إليه، فما دام الظل ينقض فالنهار في الزيادة، فإذا انتهى نقصانه وزاد قليلاً فقد زالت الشمس لأن الفيء في أكثر الزمان باق، فإذا صار ظل كل شيء مثله من موضع الزوال فهو آخر وقت الظهر؛ ويجب أن يعلم الفيء من الموضع الذي زاد الظل بعد انقضائه، فإذا زاد عن ستة أقدام ونصف من الموضع الذي زاد الزوال فقد دخل وقت العصر، وغروب الشمس مدرك وقته بالعيان؛ وإذا كان في الليلة غيم أو حائل بينهما وبين الشمس نظرت إلى المشرق الذي بحذائها والشمس إذا انحطت حتى يبقى بينها وبين موضع() غروبها مقدار ذراع ابتدأ السواد من المشرق ومقداره قامة في نظر العين، فإذا أغرب() بعض الشمس صار على السواد حمرة كالعصابة، حتى إذا غابت الشمس كلها فسار() ذلك السواد في تلك الحمرة، فإذا لم يبق من الحمرة إلاّ شيء يسير وغابت الشمس وتبين لك ذلك في اليوم الذي لا يكون فيه بينك وبين الشمس حائل فتستدل بما قلت لك بتوفيق الله. وقد قيل: إن أحد دلائل الشفق الأحمر إذا خفي وقته بغيم، أو حال() حائل بينه وبين الطالب له، وإذا ظهرت النجوم الصغار وبانت وكثرت فقد غاب الشفق الأحمر، وينبغي أن يستدل على صحته بما يقصد إليه الإنسان إلى طلب ذلك في الليلة التي لا غيم فيها ولا حائل بين الشفق والطالب ومعرفته، وبالله التوفيق.

مسألة في القبلة
ولا تجوز الصلاة إلاّ بالتوجه إلى الكعبة مع القدرة عليها، والمصلي لا يخلو من ثلاثة أحوال فمصلٍ() بحضرة الكعبة ذو بصر، فالواجب عليه استقبالها من طريق المشاهدة، ومصلٍ حاضر لها ليس له حاسة تدركها فالواجب عليه أن يتوجه إليها من طريق الخبر، وكذلك إذا غاب عنها ولم تكن له حاسة يدرك بها الدليل() عليها رجع إلى الخبر. ومصلٍ غائب عنها فعليه أن يستدل عليها بالأعلام المنصوبة من الشمس والقمر والنجوم والرياح، وإذا لم يكن ممن يعلم ذلك وجب عليه أن يتعلم الدلائل عليها بالشمس والقمر والنجوم والرياح، فإذا عرف المصلي هذه الدلائل استدلّ بها على الجهة التي يقصد بالصلاة إليها؛ وقد روي عن علي بن أبي طالب أنَّه قال: أوضح الدلائل على القبلة الرياح، ولعمري أنَّه قد قال قولاً لأن الرياح أربع، والكعبة لها أربع جهات، فلكل جهة منها ريح يستدل بها عليها، وهي دبور، وصبا، وتسمى قبول؛ وجنوب وشمال. وقد قيل: إن العرب تسمي الرياح بهذه الأسماء بالكعبة لأنَّها قبلة لأهل الدنيا، فلما رأت الرياح جاءت فضربت الجانب الذي من الشمال لعله سموها شمالاً، ولما جاءت فضربت وجه البيت سموها قبولاً وصبا لأنَّها جاءَت من قبل البيت، ولما جاءت وضربت ظهر البيت سموها دبوراً لأن الظهر يسمى دبراً، قال الله تعالى: ومن يولهم يومئذٍ دبره() يعني ظهره، والله أعلم .


صفة الأرياح لاستدلال القبلة:

ويقال حد ريح الشمال من موضع القطب إلى غروب الشمس عند استواء الليل والنهار، وحد ريح الدبور من هذا المغرب إلى مغرب سهيل، وحد ريح الجنوب من مغرب سهيل إلى مطلع الشمس عند استواء الليل والنهار، وحد ريح القبول من هذا المشرق إلى حد القطب، والنظر يوجب عندي أن الإنسان إذا كان جاهلاً بالقبلة وهو عارف بالدلائل التي يستدل عليها بها من الرياح والنجوم والشمس والقمر، أو يجد من يتعرفها به أو يعرفه الدلائل عليها فإنَّه لا يعذر بجهلها، وعذره مقطوع لقيام الحجة عليه بما ذكرنا، والله أعلم.
قال الله جلَّ ذكره: ليبلوكم أيكم أحسن عملا
() فكل() من تعبد بالتقرب إلى الله به فهو حسن لا يدخل في حيز القبائح، ومن أتى قبيحاً وفعله فقد تقدم الدليل له باستحقاقه العقاب على ذلك، ولا يدخل في حيز الطاعات وإِن كان الحكم واقفاً به فأمر الله عز وجل بإتيان الصلاة ليبلونا بها أينا أحسن عملاً؛ وقد قال الله جلَّ ذكره: وما أمروا إلاَّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء
()، والأمر قد وقع بإتيان الصلاة فلا يجوز إتيانها إلاَّ بالإخلاص لله جل وعلا()، والمخالف فيها لله تعالى غير مخلص له بها؛ بل قد تبع الشيطان وخالف الرحمن، فإذا صلَّى في أرض مغتصبة فقد بارز ربَّه، بمقامه بين يديه، إذِ الله قد نهى عن اللبث فيها، وأمره أن لا يأتي الصلاة في بقعة نهاه عنها.
والصلاة على ضربين مع علمنا بهيئتها وصورتها، فصلاة نُهي عن إتيانها، وصلاة أُمر بإتيانها، فالتي نهي عن إتيانها هي التي فعلها في الأرض المغصوبة، لأن الله جلَّ ذكره قال لا يصلى هاهنا، فإذا أوقع هذه الصلاة فقد أتى بصلاة منهي عنها، ولا تكون هذه الصلاة المنهي عنها التي أُمر بفعلها، ولا تسقط هذه الصلاة التي نهي عنها فرض الصلاة المأمور بها وتعبد بفعلها،

وإذا كان الأمر على ما ذكرنا فمحال أن تكون صلاة واحدة مأمور بها منهي عنها في حال واحدة، ألا ترى أن القيام والركوع والسجود منهي عن جميع ذلك في هذا المكان ويستحق العقاب عليه، والصلاة التي أُمر بها هي التي تكسبه الثواب ويكون بها طائعاً بفعل واحد، والفعل الواحد من فاعل واحد وفى ( نسخة) على مكان واحد فى وقت واحد لا يكون طاعة ومعصية؛ وقد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)() فإن كان الخبر ثابتاً فالرد لا يقع في الفعل، لأن الفعل لا يبقى (ببقاء)() وقتين وإنَّما يرد حكمه. فإن قال قائل: إِن الله جل اسمه أوجب أحكاماً بوطء محرَّم وأثبت أموالاً به ونقل الأملاك بالبياعات المنهي عنها، وأثبت الحدود بالشرط() الذي غصبه الإِمام فرددنا هذه الصلاة، وإن كان منهياً عن فعلها في الغصب إلى ما ذكرناه من وطءِ وبيعٍ وإِقامة حد قياساً، قيل له: أما ما تشبهه لعله شبهته غير مشتبه، لأن من شأن القائسين أن لا يردوا شيئاً إلى شيء إلاَّ بعلة تجمع بينهما، ألا ترى أن الشافعي رد الأرز إلى البر لأنَّه مأكولاً، وإن كان الأرز غير مذكور في السنة عندما ذكر تحريمه في باب الأكل والتفاضل. فالعلة عنده الأكل، وذهب أبو حنيفة إلى رد الموزونات والمكيلات إلى الستة الأشياء المنصوص عليها في باب التحريم عند التفاضل من طريق الكيل والوزن، فخبِّرنا عن العلة الجامعة بين الصلاة والبيع ما هي، والبيع أصل والصلاة أصل؛ وليس من شأن القائسين أن يردوا أصلاً إلى أصل ومع ذلك إنا نستودعك() ذلك ونسلمه لك، فما العلة الجامعة بين هذين الأصلين؟ فإن قال: البيع الذي حكمنا به مجوز مع ورود النهي فيه، وكذلك الصلاة مجوزة مع ورود النهي فيها، قيل له: فكانت العلة الجامعة بينهما هو النهي، ومن شأنك أن العلة إِذا لم تجز في معلولاتها بطلت فيحتاج أن يجري النهي في كل شيء وتمضيه، فلما كانت ها هنا أشياء منهي عنها لا يمضيها ويحكم بفاسدها بطلت العلة لأنَّها إذا لم تجز في معلولاتها بطلت، وعندك أن النهي عن بيع الصيد وعن أكله لا تجوز استباحتها لأجل النهي، وكذلك عن عقد النكاح على المحرم لا يجوز لأجل النهي ولا يصح شيء من ذلك، ثم يقال له: ما الفضل() بينك وبين من عارضك؟ فقال: البيع المنهي عنه على ضربين، فضرب مجاز، وضرب لا يجاز، فإن جاز لك أن ترد الصلاة إِلى الضرب المنهي عنه وقد اخترته حكماً جاز الآخر أن يردها إلى الضرب الذي نهي عنه وأُبطل حكماً وديناً، لأن علتك النهي وعلته النهي، ولم صرت أنت أولى بعلتك منه بعلته، ومن رد الصلاة إلى الصلاة أولى ممن ردها إلى البيع والمكان بالمكان أشبه، والسبب المانع بالسبب المانع أشبه،

فلما قلت مع من وافقك: إن الصلاة على الأرض النجسة غير جائزة لأن الله جلَّ ذكره نهى المصلي أن يصلي عليها إذا كانت هناك نجاسة، وجعلت النهي دليلاً لإِبطال صلاته، فكذلك قال أيضاً في المكان الثاني: إن المنع ما دام قائماً من رب البقعة فلا صلاة في البقعة لأنَّه ممنوع من فعلها مع المنع() كما منعت من فعلها مع كون النجاسة في البقعة ما دامت النجاسة قائمة، فإذا زال السبب المانع جاز للمصلي أن يصلي وزوال السبب المانع في الأرض النجسة، وزوال السبب في ألأرض التي لم يأذن بها في الصلاة فيها زوال المنع، و () شبه المكان بالمكان والنهي بالنهي والسبب بالسبب أولى ممن ردّ الصلاة إلى البيع؛ فإن قال: فإن الأرض المغصوبة قد أذن سيدها فيها بالصلاة فتجوز الصلاة فيها؟ قيل له: إذا وقع الإِذن زال المنع، والعلة فيها المنع، كما أن العلة في الأرض النجسة كون النجاسة، فلا يعتل بما يزول سببه على ما لم يزل سببه، ووجه آخر أن أئمة العدل لا يوصفون بالغصب؛ والإِمام لا ينسب إِليه ذلك لأن الغاصب فاسق والأئمة لا تكون فسقة، فكأنك قلت: إن إِماماً أخرج نفسه من الإِمامة بالفسق لغصبه السوط، ألا ترى إلى قول الله عز وجلَّ: وإذا ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهنّ قال: إني جاعلك للناس إماماً قال
إبراهيم: ومن ذريتي أيضاً قال الله لا ينال عهدي الظالمين () فلم يجبه أن يجعل من ذريته إماماً إذا كان ظالماً . فإذا أخرج نفسه من الإمامة بالإِقدام على محاربة الله صار رجلاً من الرعية، فكأن رجلاً من الرعية تعدّى على زانٍ فجلده الحد بين الزاني وبين الرعية ، والرعية إذا جلده واحد منهم واجب أن لا يسقط عنه ما وجب عليه من الحد ، وحاشا الأئمة أن توصف بالغصوب ، بل هم المطهرون المبرؤون من الأدناس ، غير أن المناظر إذا لم تكن له حجة وقلّ دينه () لجأ إلى الشغب، والتعلق بمثل هذه الأشياء والطعن على الأئمة وإدخال تجويز ما لا يجوز على مثلها؛ منْ فعل ما يكفرهم مع الوصف لهم بالأسماء الشريفة، والله ولي التوفيق .


مسألة

اختلف أصحابنا في السجود على كور العمامة في الصلاة فجوَّزه بعضهم وكره آخرون، ولم يقدم على بناء الأمر له بإعادتها، وأفسدها بعضهم، وهذا القول الأخير عندي أنظر بدليل ظاهر كتاب الله: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثرِ السُّجودِ()، فأخبر جلَّ ذكره أن السجود له تأثير في الوجه، فمدح المؤمنين بدوامهم على الصلاة التي أثّر سجودها في وجوههم، ومن سجد على كور العمامة فأدام() فعل ذلك لم يكن في وجهه تأثير سجود ولا سمة الممدوحين بكثرة السجود في وجهه، ولا ينبغي للإنسان أن يرغب في ظهور علامة كثرة صلاته وسجوده وليعلم الناس ذلك منه وليستدلوا بما ظهر إليهم في وجهه من كثرة فعله، لأن في ذلك ضرباً من النفاق والله أعلم؛ وقد روي عن الحسن البصري: (لأكوننّ بريئاًَ من النفاق أحب إليّ من طلاع الأرض ذهباً)() يعني ملؤها، وروي عن عطاء بن أبي رباح أنَّه قال: (خفّفوا على الأرض؛ يريد بذلك السجود، يقول: لا ترسل نفسك على الأرض إرسالاً ثقيلاً فيؤثر في وجهك() ـ لعله جبهتك ـ أثر السجود) والله أعلم.
وروي عن مجاهد سأله رجل فقال: إني أخاف أن يؤثر السجود في جبهتي، فقال: إذا سجدت فتجافَ، يعني خفف نفسك وجبهتك على الأرض؛ ومن الناس من روى الخبر بالخاء، ومنهم من رواه بالجيم ومعناهما يتقارب ويؤول إلى معنى واحد والله أعلم، والسجود مأخوذ من التضامم والميل.


مسألة في غسل الميت

لم تختلف الأمة في وجوب غسل الميت قبل الصلاة عليه وتكفينه وحمله والصلاة عليه، وروى عن الحسن بن أبي الحسن عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لما قبض نبي الله آدم ـ عليه السلام ـ أتته الملائكة فغسّلوه بالسّدر والماء وكفّنوه في وتر من الثياب ثم لحدوا له() ودفنوه ثم قالوا: هذه سنّة ولد آدم من بعده).
ومن طريق ابن عباس: (أن آدم لما حضرته الوفاة أتته الملائكة بحنوط من الجنة، وكفن من الجنة فغسّلوه ثلاث غسلات: أولهنّ بماء قراح، والثانية() بماء وسدر، والثالثة بماء فيه كافور، وكفّنوه في ثلاثة أثواب فصلّوا عليه وكبّروا أربعاً وقالوا: يا آدم هذه سنّة ذريتك من بعدك).



باب في أمر الصلاة

والصلاة من طريق اللغة الدعاء، قال الله جلَّ ذكره لنبيه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: خُذْ مِنْ أَموالهم صَدَقَةً تُطَهِّرَهم وتُزَكِّيهم بها وصلِّ عليهم () أي أدْع لهم. وقوله جلَّ ذكره لنبيه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: وصلوات أي دعاء الرسول، وأما الصلاة الشرعية فهي() ما ضمّ إلى الدعاء والركوع والسجود والقراءة وغير ذلك مما وقف الرسول عليه الصلاة والسلام عليه وبيّنه من مراد الله بقوله تعالى: أقيموا الصلاة ويدلك على أن الصلاة دعاء من طريق اللغة، أن الصلاة على الميت دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود والله أعلم، والركوع في اللغة الإنحناء، يقال للشيخ إذا انحنى من الكبر: قد ركع، ويدل على ذلك قول لبيد شعراً:

أليس ورائي إن تراخت منيتي***لزوم العصا تُحنى عليها الأصابع؟
أخبّر أخبار القرون التي مضت***أَدِبّ كأني كلما قمت راكع

ويجوز أن يسمى الراكع ساجداً غير أنَّه ليس بمستعمل في الصلاة، وأما جواز ذلك في اللغة فمعروف عند أهلها، ويسمى السجود ركوعاً والركوع سجوداً، والله أعلم؛ والسجود مأخوذ من التضامم والميل، يقال للبعير إذا خفض رأسه ليركب: سجد البعير، وسجدت النخلة إذا مالت، وهذه نخل سواجد: أي موائل؛ ويقال لمن وضع جبهته على الأرض: ساجداً، لتضاممه، ويجوز أن يسمى ساجداً لخشوعه وتذلّله، والله أعلم؛ وكل شيء خشع وذلّ فقد سجد، ومن ذلك سجود الظلال إنَّما هو استسلامها وانقيادها، وكذلك قول الله جلَّ ذكره: ألم تَرَ أنَّ الله يسجد له مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض() الآية، كل ذلك استسلام وانقياد، والله أعلم.

وأما السعي المأخوذ به إلى الجمعة فهو الحثّ عليها والوصول إليها، (فمن وصل إليها)() وفعلها ماشياً أو راكباً فقد سعى، وقول من قال: إن السعي لا يكون إلا على القدمين خاصة فغلط، الدليل على ذلك قول طرفة:

سعيتُ إليهِ والرماحُ تَنوشني***وطرفي يخوض الموت والقلب ثابت

فخبّر عن نفسه بأنَّه سعى إليه وهو راكب، وأما قولهم إذا دعوا إليك (بسعي)() ويحفد وهو المبادرة، وأصل الحفد في اللغة مداركة الخطو والإسراع، يقال: حفد الحادي وراء الإبل إذا أسرع وتدارك خطوه، وكذلك قيل للعبيد والإماء حفدة، لأنَّهم يسرعون إذا مشوا للخدمة. قال الله عزّ وجل: وجَعَل لكم من أزواجكم بنين وحفدة() يريد ـ والله أعلم ـ أنَّهم بَنُون وهم حفدة، قال الشاعر:

حفد الولاية حولهنّ وأسـ***ـلمت بأكفهن أزمّة الأجمال

والقنوت أصله القيام، يدل على ذلك ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (أفضل الصلاة أطولها قنوتاً)()، أي أطولها قياماً، وإنَّما سمي الدعاء قنوتاً لأنَّهم يدعون به وهم قيام، على ما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان منه سبب، والقنوت ينصرف على وجوه، قال الله جلَّ ذكره: يا مَريم اقْنُتي لربِّك() أي دومي على طاعة ربك، والله أعلم، وقوله جلَّ ذكره: وكانت من القانتين() أي من الدائمين على طاعة الله تعالى.



مسألة في فرائض الصلاة

والفرائض في الصلاة خمس خصال باتفاق: تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع، والسجود، والجلوس للتشهد. واختلفوا فيما سوى ذلك، وقد قيل: إن من الواجب على المصلي الاعتدال بعد الفراغ من الركوع والجلسة بين السجدتين والصلاة على النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، والحجة في وجوب فرض تكبيرة الإحرام قول الله تعالى: وكبِّره تكبيراً() معناه: عظّمه تعظيماً، والله أعلم، وقوله جلَّ ذكره: وربّك فكبِّر() هو معناه تكبيرة الإحرام، والحجة في وجوب القراءة قول الله جلّ وعلا: فاقرؤا ما تيسر من القرآن()، وقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب)()، وأجمعت الأمة أن المصلي وحده إذا صلى بغير قراءة أن صلاته باطلة. والحجة في وجوب الركوع قول الله جلَّ ذكره: اركعوا واسجدوا() وقوله: والذين يبيتون لربهم سجَّداً وقياماً()، والحجة في وجوب التشهد أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كان يعلم أصحابه التشهد كما يعلّمهم السورة من القرآن، فلذلك يدل على تأكيده ووجوبه، والحجة في وجوب الصلاة على النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قول الله جلَّ ذكره: إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً()، والحجة في وجوب اعتدال الركوع والجلسة بين السجدتين قوله عليه الصلاة والسلام: (اعتدلوا في ركوعكم وسجودكم ولا ينبسطنَّ أحدكم كانبساط الكلب)()، والحجة في وجوب التسليم قوله عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)().




مسألة في سجدتي السهو

وسجدتا السهو واجبتان؛ على كل من سها، بالسنَّة المنقولة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه فعل ذلك، واختلف الناس في حكمها من الصلاة، فقال قوم: هما جبر ما لحق في الصلاة من ثلم، وقال قوم: هما ترغيم للشيطان، والله أعلم.



مسألة في التوجه

روى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب وعائشة أنَّه كان إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدُّك ولا إله غيرك، واختار أصحابنا أن ضموا إلى هذا توجيه إبراهيم عليه السلام: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين() ولعلهم اقتدوا في ذلك ببعض الصحابة والتابعين، واختلف أصحابنا في المصلي وحده والداخل في صلاة الإمام إذا أحدث وهو في التشهد، فقال بعضهم: إذا قعد قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت الصلاة ولو كان مأموماً، وقال بعضهم: إذا قعد وقال شيئاً من التشهد فقد تمت صلاته()، وقال بعضهم: ما لم يتم التشهد ويخرج من الصلاة بالتسليم فعليه الإعادة، لأن الصلاة عند صاحب هذا القول ما بين الإحرام والتسليم، وقال محمد بن محبوب: إذا بلغ إلى (والصلوات والطيبات) ثم أحدث فقد تمت صلاته، وأجمعوا أنَّه إن تعمد للخروج من الصلاة قبل تمام التشهد من غير حدث أن عليه الإعادة، واختلفوا في صلاته إذا تمَّ التشهد وانصرف من غير تسليم، فقال بعضهم: صلاته تامة، وقال بعضهم: صلاته فاسدة إذا تعمد لذلك، ولا تفسد بالنسيان، وقد قال بعضهم: حتى يسلّم كان ناسياً أو متعمداً، وقد روي عن علي أنَّه قال: إذا قعد الرجل مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته. وروي عنه أيضاً أنَّه قال: من وجد قيئاً أو رعافاً وقد تشهَّد فليقم وقد تمت صلاته ولا ينتظر الإمام.







مسألة

والائتمام بالصبي في الفرض والنفل غير جائز، وقال بعض أصحابنا: يجوز في النفل، الدليل على صحة اختيارنا أن الجماعة لا تنعقد إلاَّ بالمخاطبين المأمورين بالصلاة لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إِذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكما وليؤمكما أكبركما)()، وهذا خطاب يتوجه إلى المكلّفين البالغين دون من لا يلحقه الخطاب لصغره وطفولته، فإن قال قائل: إن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أثبت للصبي حجاً فما أنكرتم أن تثبت له الصلاة؟ قيل له: ليس كل من ثبت له الصلاة جائزاً أن يؤتم به؛ بإِجماع الجميع أن المرأة لها الصلاة ولا يجوز الائتمام بها، فإثبات الصلاة لا يكون دليلاً على انعقاد الجماعة، ولسنا ننكر أن تكون للصبي صلاة كما يكون له حج. فإن قال قائل: فهل يثاب على حجه؟ قيل له: إِن طريق الثواب طريق التفضل لا الاستحقاق، لأن الكبير المخاطب يستحق الثواب على الطاعة بنفس الفعل، لأن المخاطب بالطاعة عليه من نعيم الله جل وعلا ما لو قوبل فعله من طريق الطاعة بها لصغر عندي() هذا الثواب على الطاعة، فدلَّ بهذا أن الثواب طريقه طريق التفضل إذا كان الله جلَّ ذكره يأمر وينهى ولا يجعل على ذلك ثواباً، وإنَّما سمّي مستحقاً لأن الله جلَّ وعلا تفضل بالوعد على الطاعة، وإذا كان هكذا فجائز أن يتفضل على الصغير بما شاء.



مسألة

الدليل على فساد صلاة الرجل بقيامه إِلى جنب المرأة في صلاة واحدة أن المرأة مقامها خلف مقامه بقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (خير صفوف الرجال المقدم، وخير صفوف النساء المؤخّر)() فإن بان صفوفهن من صفوف الرجال واختلاف المقام يوجب فساد صلاة الرجال، ويدل على ذلك لو أن لو ائتم بالمرأة فسدت صلاته، وليس هذا معنىً يوجب فساد صلاته غير اختلافهم في المقام، وهذا المعنى موجود في قيامه إِلى جانب المرأة لأنَّها منهية عن القيام إلى جنبه، وكذلك هو منهي عن القيام إِلى جنبها، كما أنَّه منهي عن الائتمام بها، والله أعلم.
وإنَّما أوجبنا فساد صلاته، لأن الرجل هو المختص بفساد الصلاة من جهة الاختلاف دونها عند الجميع في حال اقتدائه بها، (وأيضاً فإِن الإِمام)() منهي عن القيام في وسط الصف كما أن الرجل منهي عن القيام إِلى يسار الإِمام فيجب أن يكون النهي يوجب حكم الفساد، والله أعلم.



مسألة

وستر العورة واجب في الصلاة لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا تقبل صلاة حائض إلاَّ بخمار، وإِن صلَّت وبعض فخذها أو بعض ساقها مكشوفاً فسدت صلاتها)() وإنَّها لم تعلم كماأنّها لو صلَّت وبثوبها نجاسة لم تعلم بها إِلاَّ بعد فراغها أعادت صلاتها. الدليل على أن صلاة المأموم منعقدة بصلاة الإِمام وأنَّها تفسد بفسادها، اجتماعهم جميعاً على أن الجمع لا يصح إِلاَّ بجماعة، فلو كان واحد منهم مصلياً لنفسه لم يكن لإِجماعه معنى ولجاز أن يفتتح كل واحد منهم مصلياً لنفسه، وتصح لهم الجمعة مع الاجتماع، فلما لم يصح إِلا باعتبار دخولهم في صلاة الإِمام دلّ على أن صلاتهم منعقدة بصلاته، وإِذا لم يقدر العريان على ثوب يستر به عورته صلَّى قاعداً ويومئ إيماء لأن فرض الستر آكد من الأفعال؛ والدليل على ذلك أن الرجل يبتدئ التطوع على الراحلة إيماء. وليس له أن يصلي بغير ستر مع القدرة عليه، وإِذا كان هكذا لزمه فعل ما هو ستر له وصلى إيماء من قبل أنَّه لو ركع وسجد لبدا من عورته ما لم يكن يبدو إِذا أومأ إِيماء، وإنَّما قلنا إن فرض القيام يسقط عنه أيضاً من قبل أنَّه ليس في أصول() صلاة الإِيماء فأمرناه بالقعود في الصلاة ليأتي بها على نحو ما في الأصول، والله أعلم.
ويحتمل عندي أيضاً من جهة النظر أن يجوز له أن يصلي قائماً ويركع ويسجد بغير ستره، فإن قال قائل: لِمَ أجزت صلاته قائماً بغير سترة؟ قيل له: إن الركوع والسجود فرض أيضاً، فإن كان الستر فرضاً من فروض الصلاة فلما لم يمكنه فعل الستر وأمكنه بعض فروض الصلاة كان عليه فعل ما أمكنه وعُذِرَ بترك ما عجز عنه، والله أعلم.
وإِذا كان الثوب نجساً فعند أصحابنا أنَّه يصلي به قائماً إذا لم يجد ثوباً طاهراً، والنظر يوجب عندي أن له أن يصلي قاعداً على ما ذهبوا إليه، ويلقي الثوب النجس عن نفسه ويصلي عرياناً قاعداً لأنَّهما فرضان: السترة الطاهرة مع الوجود، والقيام مع القدرة، وإذا كان مدفوعاً إلى ترك أحدهما كان له أن يترك أيهما شاء لاستواء أحوالهما، والله أعلم.




مسألة

واتفق أهلُ الصلاة جميعاً على أن الحرّة المسلمة إِذا بلغت وجب عليها أن تستر رأسها، وأنَّها إذا صلَّت وجميع رأسها مكشوف فسدت صلاتها، ووجدتُ قولاً في الأثر ينسب إلى محمد بن محبوب أنَّه أجاز للحرة أن تصلي في بيتها كاشفة رأسها ـ والله أعلم ـ إن كان هذا قولاً له فعلى أي وجه أجاز ذلك؟ واختلفوا إِذا كان بعض رأسها مكشوفاً، فقال أبو حنيفة: إذا انكشف من رأسها ربع شعرها أو ثلثه لم تفسد صلاتها، وإِن انكشف ربع ساقها أو ثلثه فسد صلاتها ولا تفسد بدون ذلك، وقال أبو يوسف صاحبه(): حتى يكون النصف من جميع() الرأس والساق، ثم حينئذ تفسد صلاتها ولا تفسد بدون ذلك، وقال أصحابنا: عليها ستر جميع رأسها وسائر جسدها في الصلاة إلاَّ ما أُبيح لها بالإِجماع، وهو الوجه والكَّفان، وهذا هو الصواب؛ لأن المرأة كلها زينة يجب أن تستر كل ذلك مع الإِمكان، فإن ظهر من ذلك شيء ولو قلّ فسدت صلاتها، وقد أغفل أبو حنيفة ومن وافقه سبيل الصواب فيما انتحلوا إذ لا خبر قلدوا ولا إِلى أصل موجب أوجبوا، جوزوا التقليد، والتقليد لا يجوز عند دخول الدليل الصحيح من الكتاب والسنة والإِجماع أو حجة العقل، وإنَّما يجب التقليد في حال يعدم فيها المقلد صحة الاستدلال من الجهات التي ذكرناها، والدليل من أوجهٍ منها قائم ولا معنى للتقليد، والدليل على إِغفالهم؛ لأن أهل الصلاة أجمعوا في الأصل أن على() المرأة تغطية (رأسها جميعاً)() إِذا دخلت في الصلاة، ثم اختلفوا في جواز صلاتها بعد إِجماعهم، فالفرض عليها إذا أجمعوا ندباً أن عليها أن تغطي جميع رأسها، واختلافهم ليس بحجة في كشف بعض رأسها، فإن قال قائل: لما اختلفوا في فساد صلاتها وجب ثبوتها حتى يجتمع على إِبطالها، قيل له: هذا القول يدل على إِغفالك موضع الإِجماع، وذلك أن الإِجماع يوجب على المرأة بوصف فلا تكون مؤدية لفرضها إِلا به ويقال له: لا تخلو المرأة في تغطية رأسها من أحد أمرين، إِما أن يكون الواجب عليها تغطية جميعه فكشف البعض غير المغطَّى منه، وحكم القليل بما يجب من التغطية كحكم الكثير، أو لا يجب عليها تغطية رأسها، فإن قلت: ليس عليها تغطية جميع رأسها كذلك الإِجماع، ويقال له: خبّرنا عن المرأة إذا صلّت وبعض فرجها مكشوف، أتجوز صلاتها عندك؟ فإن قال: لا، ولا بد من هذا الجواب يقال له: أتفسد صلاتها بانكشاف القليل من فرجها كما تفسد بكثير الانكشاف منه؟ فإن قال: نعم، يقال له: لِمَ قلت ذلك؟ فإن قال: لا، عليها ستر جميعه إذا أمكن، وظهور بعضه يفسد الصلاة، قيل له: فكذلك بعض الساق أو الرأس يفسد الصلاة إِذا أمكن؛ لأن عليها ستر جميعه، وأجمع الكل من أهل الوفاق وغيرهم من مخالفيهم أن الصلاة للأمَة جائزة مع انكشاف جميع رأسها وأن تغطية رأسها في الصلاة ليس بواجب عليها.



مسألة

أجمع أهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر)()، وفسّر ذلك علماؤنا فقالوا: النهي منه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن صلاة النفل، وهذا هو الصحيح لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)()، فالصلاة التي نسيها أو نام عنها يصليها في كل وقت. كما قال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إلا في الوقت الذي نهى عن الصلاة فيه باتفاق، وهو عند طلوع الشمس وعند غروبها، وإذا كانت في كبد السماء قبل الزوال، والأخبار كلها صحيحة، والقول بها جائز، والعمل بها ثابت، والغلط في التأويل، والله أعلم. وقد روى أصحاب الحديث من مخالفينا أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (لا تصلَّوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة)() وروي عنه (أنَّه كان إذا صلَّى فريضة صلَّى بعدها ركعتين إلا صلاة الصبح وصلاة العصر)() ، وروي عن علي بن أبي طالب أنَّه صلى بأصحابه في بعض أسفاره صلاة العصر ثم دخل فسطاطه وصلى ركعتين، ورووا أيضاً أن علياروى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس)() ، فانظر إلى تناقض أخبارهم وتركهم النظر في تأويلها إن كانت صحيحة في تأويلهم عندهم كما رووها، وكيف يكون عليّ هو الذي روى الخبر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بالنهي عن الصلاة في ذلك الوقت ثم هو الفاعل لما روى من النهي عنه، وهذه الأخبار إن كانت صحيحة فلها تأويل عندنا صحيح إن شاء الله، وذلك أن قوله عليه السلام: (لا تصلوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة)() فهو بعد أن تغيب، وارتفاعها هو ذهابها كما تقول الناس: ارتفعت البركة، وارتفع القحط عن الناس، وارتفع الغلاء عن المسلمين، وهذايبيّن معنى الخبر الذي رواه أصحابنا، ويؤيده ويدل عليه ما رواه علي بن أبي طالب عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: ( لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس)0() والله أعلم. وأما ما روي أن علياً صلى بأصحابه في السفر صلاة العصر ثم دخل فسطاطه وصلى ركعتين، فهذا يدل على أنَّه صلَّى صلاة كانت عليه ذكرها في ذلك الوقت، ألا ترى أنَّه هو الذي روى الخبر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس)() ولسنا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها،

لأنّا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده أن يكون صحيحاً، وإِن لم ينقلها معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار، ولم يستقص في الكلّ، علم ذلك الخبر ولم يشتهر بينهم، وقد تختلف الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها أو لانقطاع بعض الأخبار أو اتصالها وقلة حفظنا فيها، وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر، ومنهم من ينسى من الخبر شيئاً فيغير معناه أو يزيد فيه، ومنها ما ينقل على وجه القصص أو لفائدة الأدب أو لغيره، والصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإِجماع لذلك()، وكذلك اختلفت الأخبار وأحكامها، والله أعلم.
وقد روي عن عائشة بلغها أن أبا هريرة روى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (الشؤم في ثلاثة: في الدار والدابة والخادم) فقالت: غلط أبو هريرة، دخل عليَّ النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وهو يقول: (لعن الله اليهود تقول: إن الشؤم في ثلاثة)() فسمع آخر الخبر، ونحو ذلك ما روي أنس بن مالك في الحائض حتى() تسأل النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم عن حكمها فأنزل الله جلَّ ذكره: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن() فكانت إِذا حاضت عندهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها وأخرجوها من البيت، وكان عند أنس فيما أظن أن الحائض في حال حيضها نجسة، حتى نزلت الآية، فبيّن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمرها في حال حيضها أنَّها كسائر النساء الطاهرات في حال الطهارة، ويدل على ذلك ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال لعائشة: (ناوليني الخُمرة وهي المصلى، فقالت: إِني حائض، فقال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: ليست الحيضة في كفّك)() .





مسألة في الصلاة أيضاً

ولا تجوز صلاة السكران ولا المغلوب على عقله، لأن الفرض لا يجوز إِلا بنيّة ، ومن لم يقل بوجوب الفرض لم يجز فعله لأنَّه لم يعد إلى تأدية ما أُمر به ، وليس السكر بمسقط عنه فرض الصلاة التي خوطب بها في وقتها ، وقد غلط قوم في قولهم : إن السكران نهي عن الصلاة في حين سكره ، واحتجوا بقول الله جلَّ ذكره : لا تَقْرَبُوا الصلاة وأنتم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون () ، وليس التأويل على ما ذهبوا إليه لأن الله تبارك وتعالى لا يسقط عن المكلفين الفرائض لتشاغلهم عنها، ولا بفعل ما نهاهم عنه، والمعنى في ذلك أنَّه نهاهم عن السكر الذي لا يعقلون معه الصلاة، والله أعلم . ولا تجوز الصلاة إلا بالقراءة العربية، ولا الأذان إلا بالصفة التي أخذت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد خالفنا في ذلك أبو حنيفة ، وأجاز الأذان بالطوسية )نسخة) بالفارسية لمن لم يحسن العربية ، وهذا خطأ منه لأن الأذان الذي وقّفنا عليه رسول صلى الله عليه وسلم هي ألفاظ بالعربية ، والفارسية غيرها فإن زعم أن الفارسية هي العربية كابر عقله وكفى مؤنته ، وإن اعترف بأن الفارسية غير العربية ، قيل له : ولِمَ أجزت غير ما أمر به صلى الله عليه وسلم؟ فإن قال : لأن الفارسية ترجمة العربية ، قيل له : إن نفس قولك ترجمة بالعربية دليل على أن غير العربية ، وأنَّها غير ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قال أبو حنيفة أيضاً قولاً أقبح من هذا ، زعم أن قراءة القرآن تجوز بالفارسية في الصلاة بها، وهذا إغفال من قائله ، ومن كتاب الله يدل على فساد قوله، وقوله تعالى منْ قوله الحق محتجاً لنبيه عليه السلام على مكذبيه:ولقد نعلم أنَّهم يقولون إنَّما يعلِّمه بشر ، لسانُ الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسانٌ عربي مبين () ، فلو كان القرآن العربي يتهيَّأ بنقل إلى لسان الأعجمي لكان ابتداؤه أيضاكان أعجمياً فنقل إلى لسان عربي ، ولكانت الحجة لا تكون به للنبي صلى الله عليه وسلم على أعدائه فيما أضافوه إليه مما قد برَّأه الله منه، فتدبر ما قلنا واستعن بالله عما () سواه ، والله التوفيق.



والواجب على القائم إلى الصلاة أن يحضرها بقلب حاضر وجوارح خائفة ، وأنَّه في مقام عظيم بين يدي ربِّ رحيم كريم ، يناجي فيخفى كلامه() ولا يخفى عليه شيء () ما ينطوي عليه ضميره . وروى بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال ( آمرك بثلاث وأنهاك عن ثلاث ، آمرك بصيام ثلاثة أيام في كل شهر ، ولا تنام إلا عن وتر وركعتي الضحى ، قال: ونهاني عن التلفت في صلاتي التفات الثعلب ، وأن أقعى إقعاء القرد ، وأن لا أنقرها نقر الديك ) () ، وقال أحدهم في ذلك شعرا:

ولا تنقرن الأرض نقر الخطفة***كديكٍ يرى حباً فواقا بالنقر


وأما الثلاث الأوائل فليس بفرض فعل ذلك عليه بإجماع الناس، وأما الإقعاء والنقر في السجود فهما يفسدان الصلاة ، وكثرة التلفت الذي يشغل المصلي عن صلاته فهو أيضا مفسد ، وليس بمفسد في الصلاة ما كان دون ذلك من التلفت ، ولكن ينقص فضل الصلاة ، والله أعلم وأحكم . وروى أن() النبي صلى الله عليه وسلم سار ومعه أصحابه في بعض غزواته فرقدوا فذهب بهم النوم حتى طلعت الشمس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنكم كنتم أمواتاً فردّ الله إليكم أرواحكم ، فمن نام عن الصلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها )() ، واتفق الناس على أن البالغ إذا زال عقله بنوم أو سكر حتى يخرج وقت الصلاة أنَّ عليه الإعادة، والنائم والناسي يقضيان بالسنَّة، والسكران باتفاق الأمة، والله أعلم.




باب في صلاة الجمعة

اختلف أصحابنا في صلاة الجمعة خلف الجبابرة، فقال بعضهم: تجوز معهم وهم الأقل، وحجتهم في ذلك أن الجمعة وجبت في الأصل مع الإمام العادل باتفاق الأمة، وهي واجبة مع الإمام العادل للاتفاق على ذلك، واختلفوا في لزومها مع غير العادل، فقالوا: لا يوجبها إلاّ حيث أوجبها الإجماع، ولا دليل لنا على وجوبها مع غير العادل، وقال الباقون: إن الجمعة تجب مع العادل وغير العادل لأن فرضها واجب() بأمر الله تعالى بقوله: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله() فهذا أمر عام، فلا يزول فرضها إلاّ بالإجماع، وإن() لم يكن في الأمر عادل ولا غير عادل، وهذا الأخير عندي أشبه القولين وأقربها إلى الحجة، فإن قال قائل ممن خالفنا في ذلك فقال: لِمَ تجوِّزون الصلاة خلف الجبار مع فسقه جمعة كانت أو غير جمعة؟ قيل له: نعم لأن الجمعة عليه فرض كما أنَّها فرض على سائر المسلمين، فإذا صلاها فهو مؤدٍ لذلك الفرض، وصلاته ماضية مع فسقه، لأن الفسق لا يفسد الصلاة، وذلك أن الفاسق لا يعيد صلاته إذا ترك فسقه كما يعيد صلاته إذا كان غير متطهر، وإذا كان فسقه لا يفسد صلاته، فصلاة من صلى خلفه أحرى أن لا يفسدها، فإن قال: أوليس الكافر بالله لا تجوز الصلاة خلفه؟ قيل له: نعم، فإن قال: فما الفرق بينه وبين الفاسق؟ قيل له: إن الكافر بالله إنَّما تجب عليه الصلاة بعد خروجه إلى الإسلام، كما أن المحدث إنَّما أمر بالصلاة بعد أن يتطهر، ولا تجوز الصلاة خلفهما لأنَّهما أُمرا بالصلاة بعد الإسلام والتطهر، والعاصي لربه الفاسق في فعله مأمور بالصلاة مع فسقه ومعاصيه، فإن قال: أفليس الغاصب لا تجوز صلاته في الموضع الذي اغتصبه على قول بعض أئمتكم؟ قيل له: نعم. فإن قال: أوليس هذا الجبار قد غصب مقام الإمام العادل ومنعه منه والإمام هو أولى بذلك الموضع منه؟ قيل له: إن موضع الإمام للصلاة ليس بملك ولا يجوز أن يكون مغصوباً، ولكن قد منع الإمام من موضع هو أولى به منه فصلاته جائزة مع ذلك ؛ لأنَّه عزم أن لا يدع الإمام يصلي فيه، كما أن الجبار إذا منع إمام المسلمين عن دخول البلد الذي فيه الجمعة فإن صلاته جائزة لأنَّه مع ذلك مأمور بالصلاة. فإن قال: أوليس قد روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (من صلَّى بقوم وهم له كارهون فلا تجوز صلاته)()؟ قيل له: هذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد)() لم يرد بذلك إلاّ نقصان أجرها، والله أعلم.
فإن قال: فإن نهى الإمام الجبار عن الصلاة هل تجوز الصلاة خلفه؟ قيل له: ليس للإمام أن ينهى الجبار عن صلاة ليس هو حاضر لها لأن في ذلك إضاعة الفرض وترك إقامة الصلاة.

فإن قال: أليس الخطبة تقوم مقام ركعتين، وهم يعصون الله فيها، ولا تجوز أن يكونوا مأمورين بذلك؟ قيل له: ليس الخطبة تقوم مقام ركعتين لأنَّها لو كانت بدلاً من الركعتين لكان لمن لم يدرك الخطبة أن يعيدها أربعاً، وأيضاًَ فلو كانت تقوم مقام ركعتين لجاز أن يقال: بعض الصلاة يستقبل بها القبلة وبعضها يستدبر القبلة بها، فإن قال: قد يجوز أن يحضر المؤمن مكاناً يسمع فيه المنكر، قيل له: إن أمكنه إنكار ذلك فعليه إنكاره، فإن قال: فإذا لم يطق الإنكار على من سمع منه المنكر، أليس عليه أن لا يقيم معه ولا يقصد إلى حيث يكون ذلك المنكر؟ قيل له: ليس يجب عليه أن يدع المسجد لأن فيه معصية ولا يكن قصده إلى استماع المعصية بل لا يكون قصده إلاّ إلى الصلاة، وفعل الطاعة؛ الدليل على ذلك إجماع العلماء على أن مسجداً لو كان بقربه صوت مزمار أو بعض المنكرات لم يجب لأهل المسجد أن يعطلوه ويخربوه لأجل ما يسمعون من المنكر وهم فيه لا يطيقون دفع ذلك، وكذلك لا يجوز ترك الجنازة وتعطيل القيام بها وما يجب على المسلمين من فرض دفن موتاهم والصلاة عليهم إذا كان هناك() نوح وأصوات منكر() لا يمكن صرفها. وقد روي أن الحسن بن أبي الحسن (صحب جنازة وخلفها نَوْحٌ، فقال له رجل من أصحابه: يا أبا سعد أما تسمع إلى هذا المنكر؟ وهمّ الرجل بالانصراف، فقال له الحسن: يا هذا إن كنت كلما سمعت منكراً تركت لأجله معروفاً أسرع ذلك في دينك)، فإن قال: فهل للمسلمين أن يصلّوا جمعة إذا عدم قائم بها من إمام عادل أو جائر() ؟ قيل له: نعم: إذا كانت اليد للمسلمين() وهم القوَّامون() بإقامة الأئمة وإليهم الحل والعقد جاز أن يأمروا رجلاً من المسلمين يرضونه لصلاتهم فيصلي بهم الجمعة، فإن قال: أفيصلي ركعتين أو أربعاً بغير خطبة؟ قيل له: بل يصلي بهم ركعتين بعد خطبة يوّحد الله فيها ويثني عليه ويصلي على النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، فإن قال: ولِمَ أجزتم الجمعة مع غير إمام؟ قيل له: إن الأمر بها عام للمسلمين بقول الله تعالى: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله()، وقد كان أهل الكوفة أخرجوا عاملهم في ولاية عثمان بن عفان وسعيد بن العاص وقدّموا أبا موسى الأشعري فصلّى بهم ركعتين بعد خطبته، وكذلك أهل البصرة قدّموا الحسن بن أبي الحسن فصلى بهم ركعتين بعد خطبة وقد كانت قد خلت من أمير فهذا عمل أهل المصر()، ويدل على أن صلاة الجمعة واجبة مع الإمام وغير الإمام وفرضها على المسلمين عامّاً، ولم نعلم أن أحداً ينقل أن عثمان أنكر على أهل الكوفة ذلك الفعل الذي كان منه؛ لأن الإمام يعرِّف رعيته ما ذهب عليهم من دينهم وينكر فعل الخطأ منهم، ويرسل بذلك إليهم لأنَّه أحد المؤدبين لهم والمسؤول يوم القيامة عن رعيته، والله أعلم وبه التوفيق.


مسألة

ثبت أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (صلَّى بعرفة الظهر والعصر صلاة المسافر فكان يوم الجمعة)()، فهذا يدل على أن الإمام إذا سافر فوافق الجمعة كان حكمه حكم المسافرين، وقول من قال إن الإمام حكمه في الحضر والسفر وصلاة الجمعة سواء، وأنَّه حيث حضر الجمعة صلى الجمعة صلاة المقيم باطل، لأنَّه لم يجهر بالقراءة في صلاة الظهر بعرفة كما يفعل الإمام في صلاة الجمعة، والرواية بذلك صحيحة، فمن ادعى أنَّه جهر بالقراءة فعليه إقامة الدليل. والجمعة تنعقد باثنين فما فوقهما لأن الجماعة تنعقد باثنين لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إثنان فما فوقهما جماعة)()، وقوله عليه الصلاة والسلام لما رأى رجلان يصليان جماعة فقال: (هذان جماعة)()، ففي هذا الخبر دليل على أن جماعة في جمعة وغيرها تنعقد باثنين، وفيه() دليل آخر يدل على أن الاثنين جمع، وقد قال أكثر أصحابنا: إن صلاة الجمعة لا تنعقد باثنين حتى يكون أكثر من ذلك، وأقل ما قالوا مع اختلافهم ثلاثة: إمام ومأمومان، والخطبة للجمعة من شرط فرضها وليست بعضها فيها كما قال بعض مخالفينا في هذا إنَّها بدل من ركعتين، والمستحب للخطيب أن يتوكأ على قوس أو عصا أو سيف تأسياً برسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، وإذا أخذ الإمام في الخطبة قطع الناس الكلام واستقبلوه ما كانت وجوههم إلى القبلة، ولا أعلم أن أحداً رخص في الانحراف عنه. واختلف أصحابنا في كلام من يحضر الجمعة والامام يخطب فيها() فقال بعضهم: تفسد صلاته ويأمرونه بالخروج من المسجد ثم يدخل من باب آخر لأن الكلام عندهم يفسد الجمعة عليه لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (من لغا فلا جمعة له)(). قالوا: فلما كان الصمت عليه واجباً فترك الواجب وتكلم بما قد نهي عنه عند الخطبة، وهي مما لا تكون الجمعة، لا تصح إلاّ بها، ثم تصح له الجمعة، فأمروه بالخروج من المسجد وأمروه بالدخول إليه في جملة الداخلين؛ ليكون حكمة حكم من دخل معه في ذلك الوقت، وفاته ما كان يستحقه من الثواب بالسبق الذي لو لم يفسده بالكلام، كما فات من دخل معه ثواب السابقين إليها بالعدو كما جاءت الرواية في البَدَنة ثم نزلت إلى البيضة؛ وقال بعضهم: إذا تكلّم بذكر الله وما تقرّب إليه من الدعاء والتسبيح لم تفسد جمعته ولم يكن لاغياً، لأن اللغو: الكلام المكروه عندهم، لأن الجمعة تفسد به لأنَّه اللغو: وحجة الأول عندي أنَّها أقوى، والله اعلم. لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (من لغا فلا جمعة له ومن قال لجاره: صهْ، فقد لغا)() ومعنى صه اسكت، فلو كان بعض الكلام لا يفسدها لكان لا يفسدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال بعض: إن اللغو لا يبطل فرضها بل يكون المصلي وإن لغا مؤدياً لفرضه ساقطاً عنه، وإنَّما ورد النهي ليكمل الثواب لمن حضر لتأدية فرضه، لأن الكلام والإمام يخطب ليس بكلام في الصلاة، لأن الخطبة والوقت الذي هو فيه غير وقت الصلاة التي تفسد فيه أو تتم، وهذا النهي عند أصحاب هذا القول كنحو ما ورد النهي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من قوله: (لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد)() +-

وقد أجمعوا أن جار المسجد لو صلى في بيته لسقط عنه فرض الصلاة فمعنى قوله (لا صلاةَ لجار المسجد إِلا في المسجد)، أنَّه لا تضعيف لصلاته من الثواب، كذلك عند أصحاب هذا القول أنَّه منع ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من حضر الجمعة أن يتكلم والإمام يخطب من قوله: (من لغا فلا صلاة له)() على هذا المعنى والله أعلم. والرواية عن عمر رضي الله عنه أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (الجمعة يحضرها ثلاثة نفر؛ فرجل يحضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل يحضرها بدعاء فهو رجل سأل ربه إن شاء أعطاه وإن شاء منعه()، ورجل يحضرها بإنصات وسكون ولم يتخطَّ رقبة مسلم ولم يؤذِ أحداً فهي() كفارة له إلى الجمعة التي تليها)() ؛ وقد روي لنا أن محمداً ابن محبوب كان يقول على المنبر: إن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: ( صلاة الجمعة كفَّارة ما بعدها إلى الجمعة ما اجتنب العبد الكبائر)() ، ويجوز للرجل في صلاة الجمعة وغيرها التحول ليسد الفرجة وهو في الصلاة ولا يؤذِ أحداً لما روي في ذلك من الفضل أن أفضل خطوة في الأرض يخطوها المسلم خطوة يسدُّ بها فرجة في الصلاة أو فرجة في صف في سبيل الله، ونهى رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن الحبوة يوم الجمعة والخطيب يخطب، كذا جاءت الرواية، وعندي أن ذلك إنَّما يكون بالثوب لا باليد، لأن الرواية أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (كان إذا قصد احتبى() بيديه)، وهذا خبر يدل على جوازه في حال الانتظار للصلاة وغيره، ومن خصه كان محتاجاً إلى دليل. ويجوز أن يخطب الرجل ويكون الإمام غيره إذا كان المتقدم أولى بالصلاة، وقد تجوز صلاة الجمعة بلا إمام عند فقد الإمام لأن الله تعالى أمر بها أمراً عاماً، فغيبة الإمام لا تسقط فرض الجمعة لأن الأمر بها ليس فيه شرط إمام، والجمعة إذا فات وقتها صلاها أربعاً، ولا أعلم بين الناس في ذلك اختلافاً() ، فإذا أحرم الامام ودخل في صلاة الجمعة ثم تفرقوا ولم يبق معه أحد كان عليه إتمام ما لزمه فرضه لدخوله فيه، والموجب عليه غير ذلك محتاج إلى دليل، قال أصحابنا: يرجع ينقض صلاته ويصلي أربعا، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع() ، فإذا زالت الشمس من يوم الجمعة صعد الإمام المنبر ويؤذِّن المؤذن بين يديه، وخطب، وهو الذكر الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه، والله أعلم. لأن ليس بعد أذان يوم الجمعة ذكر يجب السعي إليه إلا الخطبة، ووجوب السعي إليه دليل على وجوبه وتأكيده، وآكد ذلك ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـأنَّه قال: (إذا قال الرجل لصاحبه: أنصت والإمام يخطب فقد لغا)() ، وأقل ما تصح الجمعة فيه من العدد ومن() يقع عليه اسم عدد من الرجال لقوله الله جلَّ ذكره: وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله()، وأقلّ ما تنعقد() الجمعة بأربعة أنفس، مؤذن يدعو إليها،

وإمام، ورجلان أقلّ الجمع، والله أعلم. وإن حضر الجمعة رجلان رجوت بأن يجزيء، لأن الاثنين يقومان خلف الإمام إلاّ النساء لم تكن جمعة، لأن الجمعة لا تكون ولا تنعقد إلاّ بالمخاطبين بها، لأن المتعَّبدين به شرط في تجويز صلاة الجمعة كالإمام، فحكمهم حكم الإمام، فمن لا يصلح أن يكون إماماً فيها لم يصح أن يكون شرطا في تجويزها، ومن أدرك الإمام وهو في التشهد فقد أدرك الجمعة، ويقضي ركعتين، لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فليصلّ ما أدرك وليبدل ما فاته)() ولا تجوز الجمعة إلاّ في مِصْرٍ أو في موقع إقامة الإمام، فأما المصر فلأجل أن عمر ـ رضي الله عنه ـ مصَّر الأمصار للجمعة، فصار على ذلك الاتفاق ولم يخالف عليه أحد في فعله، واختلفوا في هذه الأمصار، والاتفاق حجة والاختلاف فلا حجة به؛ وأما الاقامة فالحجة به أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لم يُروَ عنه(أنه صلى الجمعة في شيء من أسفاره)() وإن كان مروره على قرى كثيرة، الدليل على ذلك أن أهل الأمصار متى تركوا الجمعة عوقبوا وسقطت عدالتهم، وليس كذلك شأن أهل القرى، ولا يقيمها إلاّ ذو سلطان أو بأمره لأن فرض الظهر لا يسقط إلاّ بعد سقوط شرائط الجمعة، وفي شرطها الإمام المطلق أو بأمره، ألا ترى ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أُحرِّق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)() وإذا افتتح الامام الجمعة، ثم تفرق عنه الناس لعلة بعد() ما دخل فيها أتمّها() جمعة، قال أصحابنا: إذا تفرقوا عنه صلى ظهراً، والنظر يوجب عندي ما قلناه لأنَّهم اشتركوا (نسخة) اشترطوا فيما يحسب من أركانها وعليه بناؤها كلها، ألا ترى أن الإمام إذا أحدث بعد ما افتتح ثم استخلف عليها ولم يشهد الخطبة وفاته منها شيء يبني على ما بقي منها للزومه ذلك، والله أعلم؛ وإذا صلّى المأموم مع الإمام الجمعة فنسي سجدة لم يذكرها حتى جاوز حداً واحداً ليس فيه الإمام ولا هو في مثله أن صلاة تفسد، وفي نفسي من هذا معنى لأني لم أعرف وجه قول أصحابنا في هذا، والنظر يوجب عندي() ما نسي في آخر الصلاة، ولا تبطل جمعته لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فليصلّ ما أدرك وليبدل ما فاته)() والذي نسيه أو سبقه فقد فاته سواء كان دخل معه في الصلاة أو لم يدخل، لعموم الخبر، والله أعلم. ولقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم)()، ومن دخل المسجد والإمام يخطب جلس وأنصت ولم يركع، لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ:

(إذا قال الرجل لصاحبه أنصت والإمام يخطب فقد لغا)()، معنى هذا الخبر دليل على غلط الشافعي في تجويز صلاة التطوّع والإمام يخطب، وإذا كان ممنوعاً من الأمر بالمعروف مع وجوبه كان من صلاة التطوّع أشد منعاً، والله أعلم.
فإن تعلَّق بخبر رواه عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أن سالكاً() الغطفاني قال له النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (قم فاركع ركعتين ولا تعود لمثل هذا)()، يقال له: إنْ صحَّ هذا الخبر فقد منعه من العود إلى مثله، وقد روي من طريق جابر أنَّه دخل المسجد والنبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على المنبر ولم يذكر أن قال له وهو يخطب، فهذا يوجب أنَّه كان في غير الخطبة، وليس على النساء والعبيد والمسافرين جمعة، فمن حضرها منهم وصلاها أَجْزَأته عن فرضه بإجماع الأمة، وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: ( صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن دارها. وصلاتها في دارها أفضل لها من صلاتها في مسجد جماعة)() فلذلك لم تجب عليها الجمعة ولأن الجمعة إذا لم تجب إلا على أهل الأمطار فليس العبيد من أهلها، لأَن المصر لمواليهم والآية في الأحرار، ألا ترى إلى قوله تعالى: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع() وليس للعبيد() من البيع إلا ما أذن لهم فيه بعد إذن مولاهم() والآية فيمن له ذلك، وأقل الخطبة التي تصح بها الجمعة ويعقب بها صلاة العيدين ويتم بها النكاح ما حفظنا عن الشيخ أبي مالك رحمه الله وهي: الحمد الله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي وآل صحبه وسلم، اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين، وقال أبو حنيفة: تجزئ تسبيحة واحدة لأنَّها ذكر الله، وعندي أن تسبيحة واحدة لا يقع عليها اسم خطبة، ولا() لداخلٍ المسجد والإمام يخطب أن يسلم على الناس، وليس لهم أن يردوا عليه، ولا يشمِّت العاطس لأنَّهم أُمروا بالإنصات في حال الخطبة، كما أُمروا بالإنصات في حال الصلاة، لأنا نهينا عن الأمر بالمعروف في ذلك الوقت؛ واختلف أصحابنا فيمن صلى الظهر يوم الجمعة في بيته ثم حضر الجمعة أن صلاته الأولى تنتقض، ولزمه فرض الجمعة، في أن الأمر بالسعي لا يجتمع مع فرض الظهر، فقال بعضهم: الظهر هي صلاته التي صلاها ولا تنتقض، وتكون الجمعة له نفلاً، وإن قرأ الإمام

وهو يخطب يوم الجمعة آية فيها سجدة فلا بأس أن ينزل ويسجدها لأنَّه لو قرأها في الصلاة وسجدها() والخطبة أولى بذلك، ولا بأس أن يسافر الإمام وغيره يوم الجمعة ما لم يدخل المؤذن في الأذان لأن السعي يوجه() إلى يوم() الجمعة بالأذان، فما لم يلزمه السعي لم يمنع من السفر، والله أعلم. ولا يجوز لمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب أن يركع ولا يتخطى رقاب الناس، لما روي: أن علياً كان يخطب على المنبر يوم الجمعة وقد امتلأ المسجد وأخذ الناس مجالسهم وأتى الأشعب فجعل يتخطى حتى دنا منه ثم قال عليٌّ هذه الحمراء فقال: ما بال هذه الظباطرة حتى إذا أخذ الناس مجالسهم جاء يتخطى رقابهم .. نحو هذا الكلام، ومعنى الظباطرة الحمير، والله أعلم ما كان معنى كلام عليّ، وعلى أي حال كان معنى هذا الكلام منه، فإن كان أراد بهذا القول الأشعب وحده وقصده بهذا القول فهو يدل على ما كان يقال بينهما حالاً ليست بالصالحة، وليس للإمام ومن حضره أن يتكلم وقت الخطبة، فإن كان الخبر صحيحاً فيحتمل أن يكون علي لم يكن دخل في الخطبة، ويحتمل أن يكون خرج منه ذلك القول على وجه الموعظة للناس والله أعلم؛ والذي عندي أن الخطبة جزء من الصلاة، أو مما لا تقوم الصلاة إلاّ به، وان الكلام لا يجوز استباحته فيها ابتداءً ولا جواباً لما روى أبو هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصتْ فقد لغوت)() ولما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق أبي هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (من لغا فلا جمعة له ومن قال صهْ فلا جمعة له)()، ومعنى صه: أسكت؛ وفي رواية عنه أنَّه (كان يخطب فقرأ عليهم سورة، فأقبل أبو ذر على رجل إلى جنبه فقال له: متى نزلت هذه السورة؟ فأعرض عنه، فلما انصرف من صلاته قال له الرجل: مالك من صلاتك إلاّ ما لغوت، فسأل ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن ذلك فقال: صدق)() وروي عن ابن عباس أنَّه قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كالحمار يحمل أسفاراً)()، وروي أن علياً خطب قبل الزوال، والذي يذهب إليه أنَّه لا تجوز الخطبة للجمعة إلاّ بعد الزوال لإجماع العمل على ذلك، وما روي عن فعل عليّ في تقديم الخطبة قبل وجوب الصلاة. فلم() يرد الخبر مجيء الأخبار التي ينقطع بها العذر، وإن صحَّ ففعل غيره من الصحابة أولى أن يتبع لأن الحجة تؤيده()، ولا تجوز الخطبة للجمعة إلاّ من قائم، وقد روي أن علياً خطب قائماً فلم يجلس، فإن قال قائل: إن علياً خطب قائماً فلم يجلس لأنَّه قد كان فيمن يخطب من الناس (من يجلس() في خطبته كلها حتى يفرغ) فلذلك روي أن علياً كان يخطب قائماً، قيل له: هذا غلط منك في معنى الخبر وسوء تأويل ذهبت إليه، لأن الناس اختلفوا في الخطبة، فقال قوم: إن فيها جلسة خفيفة، وقال قوم: لا جلوس فيها، وإنَّما فعل عثمان في آخر أيامه للكبر، وقال قوم: إن ذلك أحدثه معاوية، والصحيح هو الذي أحدث الجلوس بعد عليّ، ولذلك روي على سبيل الإنكار لفعله أن علياً كان يخطب قائماً، ولو كان للخطبة جلسة خفيفة كما رووا أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فعل ذلك لروي أن علياً

كان يخطب قائماً إلاّ مقدار الجلسة التي ادعاها مخالفونا، فلما لم يرد ذلك صحّ ما قلنا وإن فائدة الخبر إجراؤه على ظاهره، إذ لا دليل لمن ادعى فيه تخصيصاً، ويؤيد هذا التأويل الذي ذهبنا إليه قول الله تعالى مخاطباً لنبيه بذلك: وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضُّوا إليها وتركوك قائماً() في حال الخطبة لا خلاف بين أحد من أهل القبلة في ذلك وبالله التوفيق. وقد جاءت الروايات الصحيحة مع نقل بعض من مخالفينا أن أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ كانا لا يقعدان في الخطبة، وأول من قعد معاوية، وروي عن الشعبي (نسخة) الشافعي أنَّه قال: إنَّما خطب معاوية جالساً حين كثر شحم بطنه ولحمه، وعن طاووس قال: الجلوس يوم الجمعة بدعة، وأول من فعله معاوية، ثم رووه من بعده؛ وليس على الإمام جمعة في السفر ولا تصلي في السفر إلاّ صلاة مسافر، وروي أن عمر بن الخطاب رحمه الله: (صلّى بأهل مكة ركعتين ثم قال: أتموها فإنا قوم سَفْر)() وأن علياً صلّى بالناس يوم الجمعة ركعتين ثم التفت إليهم فقال: أتموا صلاتكم، وكان يرى أن القصر على الإمام وغيره في السفر، وكان لا يرى الجمعة إلاّ في مصر جامع، ومن أدرك من صلاة الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى وتمت صلاته، ومن أدرك التشهد صلّى أربعاً وفاتته الجمعة، وهذا مذهب علي بن أبي طالب، وبين أصحابنا في هذا اختلاف، وقد كان في الصحابة من يخالف علياً في مثل هذه المسألة، وكان يرى أن من أدرك التشهد فقد أدرك الجمعة ويأتي بركعتين، والله أعلم بالأعدل من القولين. وقال() من تعسف مذاهب السلف بغير علم إلا حرم التوفيق، والجمعة يجب فرضها على من يصح فيه أوصاف العقل والحرية والبلوغ والمقام، ومن فرائض الجمعة الوقت والخطبة والنداء بالصلاة، فالحجة في لزوم إتيانها ما أمر الله تعالى به لقوله: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله() والذكر هو الصلاة، والسعي هو القصد على ما رواه بعض من يوصف بمعرفة اللغة أن في اللغة كذلك، وأجمعوا جميعاً أن الله جل ثناؤه خاطب بهذا الخطاب البالغين الأصحاء العقول من أهل الإقامة والحرية من الرجال دون النساء، وقرن الخطاب بالصفات ما كانت موجودة بالمخاطبين مما لزمهم فرضها، فإن صلى المسافر والعبد أجزأهم عن فرضها وهو إجماع فيما علمت، والله أعلم. وسنة الجمعة أربع خصال: الغسل ومسُّ الطيب والبكور() والإنصات للخطبة، قال أصحابنا: ليس على المسافر والعبد والمرأة جمعة، الإجماع على ذلك، وإذا حضروها صلوها مع الإمام وسقط الفرض عنهم، وفي نفسي من ذلك شيء لأنَّهم أتوا بما لم يؤمروا به وتركوا الفرض الذي أُمروا به، فأرى الفرض باقياً عليهم، والله أعلم؛ ولاحظَّ للنظر مع الإتفاق والنص .




باب في صلاة السفر

قال الله تبارك وتعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جُناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا() فأباح القصر المذكور في الآية بشرط الخوف فجعل القصر وإباحته للخوف، وأما صلاة السفر فليس عندي بقصر، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ سمّى صلاة السفر تماماً غير قصر، في رواية جابر بن عبد الله عن صلاة السفر: (أقصرها يا رسول الله؟ فقال: لا، لأن الركعتين في السفر ليستا بقصر إنَّما القصر واحدة عند القتال)() ثم ذكر الحديث إن لكل طائفة ركعة، ثم سلم وسلَّم من خلفه، وسلَّم أولئك من غير قضاء شيء منها، وعلى هذا النحو ما روى مجاهد عن ابن عباس أنَّه قال: إن الله فرض على لسان نبيكم الصلاة في الخوف ركعة، تأويله أنَّه أباح الإنصراف عنها نحو العدو لضرورة الخوف، ولولا ما أفسدت الضرب عن() الإنصراف، ويحتمل أن المراد أن تصلي طائفة ركعة مع الإمام ويمسك عن اتباعه وتنصرف مقبلة على العدو وتصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية مع الإمام، ثم قضت كل طائفة ركعة ركعة كما روى ابن مسعود وابن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، ويجوز أن يكون المراد بالقصر المذكور في الآية تخفيف بالسرعة، والله أعلم؛ ونزلت هذه الآية: فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً() يوميء إيماء مستقبل القبلة وغير مستقبلها، فهذا مع شدة الخوف، ومن الدليل على جواز الجمع بين الصلاتين ما أجمع عليه الكل على وجوب الجمع بعرفة، ومن قول مخالفينا: إن ذلك للمسافرين دون أهل مكة، والاعتبار في ذلك العذر والمشقة التي تلحق بترك الجمع؛ وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة أنَّهم أجمعوا لأن() الظهر لا يجوز تأخيرها بعرفة إلى وقت العصر، قلنا: وكيف يكون أصل() هذا أصلاً لها، وجاز للمسافر أن يجمع صلاتين في حال سفره ويضم الأخيرة إلى الأولى فيصليها في وقت الأولى، والأولى في وقت الآخرة فيصليها جميعاً فيه. وكذلك في صلاة المغرب والعشاء لما روى معاذ بن جبل، قال: (غزونا مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في غزوة تبوك، وكان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إذا ارتحل وقد زالت الشمس جمع، وإذا ارتحل قبل أن تزول الشمس أخّر الظهر وصلاها مع العصر قبل أن يمضي وقت العصر، وكذلك في المغرب والعشاء)()، وذكر بعض مخالفينا أن الجمع إنَّما يجوز أن يجر الثانية إلى

الأولى قياساً على الجمع بعرفة، وقال غير صاحب هذا القول من أهل الخلاف أيضاً: إن الجمع لا يجوز إلاّ أن يقرب بين الصلاتين، فيصلي كلّ صلاة في وقتها، وصاحب هذا القول قد غلط غلطاً لما رواه معاذ وغيره عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلّم ـ من أفعاله في أسفاره وفي الجمع بعرفة، والله الموفق للصواب؛ ولا يجوز الجمع للصلاتين إلاّ بنية تقدمها بعد دخول الأولى إلى قبل دخول الثانية؛ وحدُّ السفر عندي فرسخان مع انقطاع العمار وهو أقل ما يقع عليه اسم السفر، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (كان إذا سافر فصار بذي الحليْفة حاجاً أو غازياً قصر)()، وقصر الصلاة في أي سفر كان المسافر في سفره طائعاً أو عاصياً إذا كانت الصلاة عليه في جميع أحواله، مطيعاً كان أو عاصياً، والوجوب() عليه التمام في حال سفره إذا خرج عاصياً محتاجٌ إلى دليل، وقد أجمع المنسوبون إلى العلم إلاّ من لا يعد خلافه خلافاً أن للمسافر أن يقصر الصلاة مع الأمن من فتنة الكافرين، لما روى بعض الصحابة قال: سألت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين قال الله عزّ وجل: فليس عليكم جُناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا()، ونحن اليوم نقصر مع الأمن؟ فقال عمر رضي الله عنه: قد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فقال: (صدقة تصدَّق الله عليكم بها فاقبلوا صدقته) يعني الرخصة لأن الصدقة تفضيل() فسمي النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ الرخصة باسم الصدقة لأنَّها تفضّل وأن() الرخصة في تقصير الصلاة كان لأجل الخوف من الذين كفروا أن يفتنوهم وأن يحملوا عليهم في صلاتهم وتشاغلهم بها، ثم جعل الله هذه الرخصة ثابتة وإنْ أمِنَ الناس، وأما الجمع في الحضر الذي ادّعاه بعض مخالفينا فيما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ جمع في الحضر والله أعلم كيف كان جمعه إن كان ما رووه صحيحاً، وقد أجاز أصحابنا الجمع للمستحاضة في الحضر لروايات تثبت عندهم عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بإجازة ذلك، وأجاز بعض أصحابنا الجمع للمبطون في الحضر، والصحيح في اليوم المطير للمشقة والضرورة، والخبر() عندهم في ذلك. وعندي أن الله تعالى له أن يبتلي هؤلاء ويمتحنهم بأعظم من هذا، وإن كان عليهم في ذلك مشقة إذا صلوا كل صلاة في وقتها وهم مقيمون. وقد روي عن ابن عباس أنَّه قال: من جمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر، وإذا قدم المسافر إلى بلده ثم ذكر صلاة نسيها في سفره فإن عليه بدلها قصراً في قول أصحابنا، لأنَّه خوطب بها في السفر قصراً، والنظر يوجب عندي أن الناسي لم يخاطب في حال نسيانه وإنَّما خوطب بها وأمر بعملها لمّا ذكرها لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها)() فيجب أن ينظر في ذلك فإن النظر يوجب عليه التمام، ولقول الله تبارك وتعالى:

وأقم الصلاة لذكري() والذي اخترناه أشبه بأصولهم لأنَّهم قالوا: لو خوطب بالصلاة في وقتها وهو في السفر فأخرها إلى موضع تمامه، والوقت قائم أن يصليها تماماً؛ وقال أكثرهم: لو خرج في وقت صلاة وقد خوطب بها ولم يصلِّها حتى ينتهي إلى حدّ السفر والوقت قائم أن يصلي قصراً. وأما إن فسدت في السفر صلاّها في الحضر قصراً. فإن قال قائل: فما الفرق بين أن يجب عليه فعلها من طريق النسيان أو طريق الفساد؟ قيل له: الناسي إنَّما يجب عليه الفرض في() الوقت لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (فذلك وقتها) والذي فسدت عليه صلاته كان الفرض عليه في الوقت الذي صلَّى فيه، فلما علم بفسادها كان عليه البدل، فالبدل لا يكون إلاّ كالمبدل منه والله أعلم. وقد قيل: إن الفرض كان قد زال عنه للفعل الأول، وهذا فرض ثانٍ يجب في الوقت من طريق التعبد والله أعلم. وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي التوجه إليها. وكذلك يجوز أن يصلي راكباً وراجلاً من طريق الإيماء، قال الله جلَّ ذكره: فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً()، وللمريض أن يصلي حسب طاقته، والعُريان يصلي قائماً لقول الله تعالى: وقوموا لله قانتين() لأن فرض الصلاة على من قدر على القيام بإجماع. فالفرض إذاً وجب على وجه لم يسقط إلاّ بما يجب سقوطه ففرض القيام لا يزول إلاّ بالعجز عنه. قال أصحابنا: العراة يصلون قعوداً.
اختلف أصحابنا في الموضع الذي يجب قصر الصلاة فيه للمسافر، فقال قوم: إذا خرج من منزله يريد سفراً قصَر الصلاة، وقال بعضهم: إذا ابتدأ العمران بعمران بلده لم يَقْصر حتى يخرج من العمارة، والنظر عندي يوجب أن اتصال العمار لا يسمى به مسافراً من طريق اللغة لأن السفر مأخوذ من الإسفار، ومن كان في العمران لا يقال قد أسفر، ألا ترى أن المرأة إذا كشفت عن وجهها الغطاء يقال: أسفرت ويقال أسفر النهار إذا زالت عنه ظلمة الليل، والذي اخترناه قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة.






باب في صلاة الوتر

اختلف أصحابنا في صلاة الوتر، قال موسى بن علي: إنَّها سنة وليست بواجبة. وقال محمد بن محبوب: هي فريضة كسائر الصلوات المفروضات ولكل واحد منهم حجة نذكرها في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى، والنظر يوجب وجوبها وليس بفرض لما فيها من التأكيد، والواجب قد يكون فرضاً وقد يكون غير فرض لأن الفرض معناه في اللغة القطع والتقدير، ألا ترى إلى قولهم فرض الحاكم النفقة ومهرَ المثل، يراد بذلك أنَّه قدّر النفقة لمن حكم بها، وفرض مهر المثل أي قطع بذلك والله أعلم. وأما الوجوب() فهو اللزوم للفعل؛ يدل على هذا قول الله تعالى: فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا() وليس ذلك بفرض ولكن صار واجباً. ويدل على أن الوتر واجبٌ فِعْلُهُ ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق أبي سعيد أنَّه قال: (من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ)(). ولولا أدلة قد قامت لنا أنَّه غير فرض لقلنا بذلك، لأن أوامره على الوجوب، فقد أمر بفعله ولم يجعل له وقتاً معلوماً كسائر الفرائض، ولا يجب فعله إلاّ بعد العشاء الآخرة فدل بذلك على أنَّه من توابع الصلوات، ولا يُصلي جماعة والله أعلم. وقد اختلف أصحابنا في صلاة الوتر فقال بعضهم: يصلي ثلاثاً بإحرام واحد وتسليمة واحدة، وقال آخرون: يصلي ثلاثاً بإحرام واحد وتسليمتين، وخيّر صاحبُ هذا القول فقال: إن شاء وصل وإن شاء فصل. وقال آخرون: الوتر واحدة بعد ركعتين، والنظر يوجب عندي إجازة الواحدة والثلاث، والمصلّي مخيّر بين فعل الواحدة والثلاث، وما فعل من ذلك فقد وافق السنّة لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قد نقل عنه فعل الواحدة والثلاث وأنَّه أوتر بـ سبح إسم ربك الأعلى ، و قل يا أيها الكافرون، و قل هو الله أحد، وهذا يدل على أنَّه أوتر بثلاث ركعات. وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: ( صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)() وهو الوتر المفرد في اللغة. فمن أوقعه من طريق اللغة فقد فعل ما أمر به ما لم يخرج بذلك من الإجماع، إلا أنا نختار الثلاث في الحضر والسفر لأن الثواب يقع عليه أوفر لثقل مشقة الركعة، وفعل الثلاث أقرب إلى ما يخرج() به المصلّي من الاختلاف بين الناس، وفي الرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (وإذا استجمرت فأوتر). وقد استجمر بثلاثة أحجار في رواية ابن مسعود وغيره، وأما الشافعي فجوَّز الاستجمار بحجر واحد إذا كان له ثلاثة أحرف، فزعم أنَّه قد استعمل المعنى من العدد وأتى بالاسم الذي هو الوتر، وفي الخبر (إن الله وتر كريم). وما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في آدابه لأصحابه: (اكتحلوا وتراً لا تزيدوا واحدة)() .



مسـألة

والفجر فُجران؛ أحدهما: الأول وهو المشكل الذي لا يحرم شيئاً ولا يحله، وكانت العرب تسميه الكاذب، وهو مستدق() صاعد في غير اعتراض، وهو كالأشمط، والأشمط من الرجال إذا كان في رأسه سواد وبياض، كذلك الفجر الأول. وأما الفجر الثاني فهو المستطير، وإنَّما سمي مستطيراً لأنه منتشر فى الأرض وكل شيء انتشر فىالأرض يسمى مستطيرا وهو الفجر الصادق. قال جرير:

أراد الطــاعنون ليحـزنوني***فهاجـوا صـدع قلبـي مـا استـطارا

ومنه قول الله تبارك وتعالى: يخافون يوماً كان شره مستطيراً() أي مشتداً() وإنَّما الفجر الأخير فإن العرب كانت تسميه الصادق والمصدق وإنَّما سمته الصادق والمصدق لأنَّه يصدق عن الصبح؛ وبيّنه قول() أبي ذؤيب:

شغف الكلاب الضارياتُ فؤادَه***إذا رأى الصبح المصدق يفزع

وقال جرير:

فلما أضاءت لنا سُدفة***ولاح من الصبح خيطاً أنارا

والسُّدفة ضوء، أي بدا وظهر. وقال بعض المفسرين: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر() وقال: وهو بياض النهار من سواد الليل، ولذلك جعل النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ السحور غداءً لأنَّه بين الفجرين قبل أن ينتشر الضوء ويكثر، وكان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يسميه الغذاء المبارك، وأما الشفقان أحدهما أحمر والآخر بياض() يرى في المغرب والأبيض بعد الشفق الأحمر وبعد سواد يكون بينهما كالظلمة الساطعة ثم يطغو المغرب ويكون الشفق الثاني. والناس مختلفون في مقدار ما بين الشفقين، فاختلف الفقهاء في وقت وجوب صلاة العشاء الآخرة. وقال قوم: إذا غاب الشفق الأول وجبت الصلاة لأن الصلاة تجب بغيبة الشفق، ونحن نراعي وجوب الإِسم، وتعلقوا بقول من قال بأوائل الأسماء؛ وقال: وقال آخرون: لا تجب الصلاة إِلا بعد غيبة الشفق الثاني لأنا أُمرنابفعلها بعد غيبة الشفق، وما كان الشفق قائماً فنحن ممنوعون من الصلاة حتى يغيب والله أعلم بالأعدل من القولين؛ وفي الأخذ بالقول الثاني في( الاحتياط، والأخذ بالقول الأول فيه مخاطرة للإِختلاف؛ والقول الثاني عليه الاتفاق؛ وزوال الشمس التي يجب به فرض صلاة الظهر هوانحطاطها عن كبد السماء، وكبدها وسطها الذي تقوم فيه عند الزوال، يقال عند انحطاطها: زالت الشمس ومالت وزاغت الشمس.
وأما الصّماء التي() نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عنها في الصلاة فهو أن يلبس الرجل ثوبه ويشده على بدنه ويديه، وهكذا عند العرب صفة الصماء إذا تخلل() به ولم يرفع منه جانباً، وإنَّما سميت صماء لأنَّه يشد على بدنه، وبدنه كالصخرة الصماء التي ليس فيها صدع ولا خرق. وأما السَّدْل الذي نهى عنه النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في الصلاة وهو أن يرسل الرجل بثوبه على جانبيه ولا يضم طرفيه، وكذلك قيل لإِرخاء الستر على الزوجين أسدل عليهما.




مسألة

اختلف أصحابنا في عدد الوتر، فقال بعضهم: ثلاث ركعات في السفر والحضر، وقال بعضهم: واحدة جائزة وثلاثة أحبُّ إِلينا لزيادة العمل. واختلف من قال بالثلاث على قولين، فقال بعضهم: ثلاث ركعات لا يفصل بينهن، وقال آخرون: ثلاث ركعات يفصل بينهن بتسليم، والنظر يؤيد عندي() قول من قال بالثلاث من غير فصل بينهن في الحضر والسفر لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (أنَّه كان يقرأ في الوتر سبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الركعة الثالثة بسورة الإِخلاص)().
ولم يرد عنه أنَّه فصل بينهن بتسليم فيما علمت. وقد روي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من طريق ابن عمر أنَّه قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)(). وهذا الخبر الذي تعلق به من قال بالركعة الواحدة من أصحابنا وغيرهم، فيحتمل أن تكون هذه الركعة موصولة بغيرها على ما ذهب إِليه من قال بالركعة، ويحتمل أن تكون مفردة لأجل الصبح لأن فيه شرطاً إِذا خاف المصلّي أَن يفجأه الصبح، ومن احتجّ بجواز الواحدة فلا حجة له مع وجود الشرط، فاسم الوتر يقع على الواحدة والثلاث، ومن أتى بواحدة فغير خارج من الاختلاف، والذي قلنا أكثر احتياطاً وبالله التوفيق.





مسألة

أجمع الناس على أن صلوات() الفرائض لا تصلى على ظهور الدواب وهي سائرة إِلاَّ في حال الضرورة، والنوافل تصلى على ظهور الدواب في حال مسيرها وعلى الأرض، كل ذلك جائز في حال القدرة والعجز، وقد فعل النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ذلك ولم ينقل عنه أحد فيما علمنا أنَّه نزل عن دابته لصلاة نافلة، كما نقل عنه أنَّه كان ينزل لصلاة الفريضة، وروي عنه() ( أنَّه نزل لصلاة الوتر) فاحتج بذلك من أوجب فرض الوتر إذ أدخل حكمها في حكم الفرائض، وكان محمد بن محبوب ممن يقول بفرض الوتر ويلزم تاركه من الحكم الوعيد ما يلزم مَن ترك شيئاً من فرائض الصلاة، وأما موسى بن علي فكانت عنده سنة يؤكدها() على فعلها وليست بمفروض فعلها عنده، والحجة عنده أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (صلَّى الوتر على الراحلة، وصلاها على الأرض أيضاً) ولم ينقل عنه أنَّه صلّى الفريضة على الراحلة. فدلّ هذا من فعله على أنَّه قد أخرجها من حكم الفرائض، فإن احتجّ محتج ممن ذهب إلى قول من أوجب فرضها فقال: لما قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إن الله قد() زادكم صلاة إلى صلاتكم()) وذكر الحديث الذي فيه قصة() الوتر وكانت الزيادة في الشيء حكمها حكمه، علمت أنَّها فرض، وأن فعلها واجب. قيل له: قد زادكم() الله صلاة العيدين وصلوات من ركوع الضحى وركعتي الفجر ولم يكن فرضاً؟ فإن قال: إن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لا يخلو كلامه من فائدة ومعنى بينه() عنه، فلما خصَّ الوتر بهذه اللفظة علمنا أنَّها الفائدة، فما أنكرت أن تكون فائدتها تعريفنا فرضها، وما تنكر أن يكون معنى قول الله تعالى جلَّ ذكره: لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة() أي عليكم فقوله: زادكم الله بمعنى() زاد عليكم قيل له: هذا غلط في باب التأويل وليس إذا قام لنا دليل يدل على مجاز لفظه من طريق اللغة وجب العدول على موجب اللغة وحقيقتها، وحقيقة اللغة إنَّما هو لنا بخلاف ما هو علينا، وأيضاًَ فإن الوتر لما لم يجز معناه إلاّ بعد العشاء الآخرة دلّ على أنَّه من توابع الصلاة وليس بمفروض محظور() بوقت والله أعلم.





باب في صلاة العيدين

قال الله جلَّ ذكره: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلّى () قيل: إنَّها نزلت في صدقة الفطر وصلاة العيد والله أعلم. والرواية متواترة أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ صلَّى صلاة العيد وحرَّض عليها وأمر بها حتى أمر بخروج النساء إليها، ولولا الإجماع أنَّها ليست بفرض لكان هذا التأكيد يوجب فرضها. ألا ترى أن رواية أُم عطية حين قالت: (أمرنا رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أن نخرج في العيدين الغواني وذوات الخدور، وأمر الحُيَّض أن يعتزلن مصلّى المسلمين)(). وصلاة المرأة في بيتها في غير العيدين أفضل لها من الجماعة، ويستحب تعجيل صلاة الأضحى لما يرجع الناس فيه إلى ضحاياهم.
ويستحبُّ تأخير صلاة الفطر انتظار الناس لما يشغلهم من الصدقة فيه وزكاة النفس() المأمور بتعجيلها قبل الصلاة. ويستحب في يوم الفطر الأكل قبل الغدوِّ إلى الصلاة، وتأخير الأكل يوم النحر إلى بعد الصلاة اقتداءً برسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، ومن سنن التنفل غُسل العيدين: السواك والطيب واللبس الحسن. واختلف الناس في تكبير صلاة العيدين مع اتفاقهم أنَّها ركعتان، وقول ابن عباس: إن التكبير فيهما يجزيء بسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة تكبيرة وكلٌّ سُنَّة.




مسألة

في الخاص والعام ومعرفة الخصوص والعموم لقول الله جلَّ ذكره: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ() فحرَّم جميع المشركات بعموم هذه الآية، ثمَّ خصَّ من جملة ما حرَّم نكاح المشركات الكتابيات بقوله عزَّ وجل: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم()، فخصَّ المشركات الكتابيات من سائر ما حرَّم من المشركات، ونحو ذلك ما (نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن بيع ما ليس معك) وكان هذا تحريماً عاماً لا يجوز للإنسان بيع شيء ليس في ملكه ثم خصّ من جملته() السّلم وهو بيع ما ليس معك.




مسألة في التراويح

وصلاة التراويح في الجماعة أفضل من صلاة المنفرد لأنَّ النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (فضل صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد ببضع وعشرين درجة)() لم يخصّ جماعة من جماعة. وقد روي أن عمر بن الخطاب كان يأمر أُبيّ بن كعب أن يصلّي بالناس صلاة التراويح في شهر رمضان ويحثه على ذلك ويبعثه عليه. ولا يجوز أن يأمره بصلاة غيرها أفضل منها. وليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إلتمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان)() ويستحب التكبير ليلة الفطر لقول الله تبارك وتعالى: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم() فإذا أصبحوا طعِموا قبل الخروج إلى المصلّى، وكذلك روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كان يطعم غداة الفطر قبل أن يغدو إلى المصلّى ويؤخر الأكل غداة الأضحى إلى أن يرجع من الصلاة، ويعجبني أن يكون تأخير الأكل أيضاً إلى أن ينحر لقول الله تبارك وتعالى: فصلِّ لربك وانحر() فجمع بين الصلاة والنحر ولا أحب أن يفرق() بينهما بأكل ولا بما يكون() من نحو هذا.






مسألة


ولا تجوز الصلاة إلاّ بفاتحة الكتاب للإمام والمأموم، والذي يوجد في جامع محمد بن جعفر أن محمد بن محبوب كان لا يرى القراءة خلفَ الإمام، وروي أنَّه رجع عن ذلك، وأما ما يوجد لبعض فقهائنا: أنّ جمرة تكون في فيه أحبّ إليه من القراءة خلف الإمام، فهذا عندي إغفال من قائله والله أعلم. وهذا() مقارب() قول العراقيين لأنا نذهب إلى تخطئة أبي حنيفة في هذا المعنى. فإن احتجّ لمن اعتقد هذا القول محتجٌّ بأن الصلاة تصح له وأن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (كلُّ صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خُداج)() والخداج هو النقصان، قال: فقد أثبتها رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ صلاة ناقصة وأنتم تبغون أن تكون هاهنا صلاة؛ قيل له: قد نقل عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ خبران: أحدهما هذا الذي ذكرته، والآخر قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ الكتاب)() فمن استعمل الخبرين أولى ممن ألقى أحدهما، وقد نفى هذا الخبر أن تكون له صلاة كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة بغير طهور)() والخداج على ضربين، ولعمري أن أصله النقصان كما ذكروا؛ فخداج ينتفع به وهو الذي يسمى أخدج إذا كان في أطرافه نقصان، وخداج لا ينتفع به، كما يقال: خدجت الناقة إذا ألقت جنيناً ميتاً، هكذا وجدت في كتب أهل اللغة، فهذا نقصان ولا ينتفع به؛ والخداج الذي أراده النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ هو الذي لا ينتفع به لأنَّه قد نفي أن تكون له صلاة في الخبر الأول، وأيضاً فإن العراقيين عندهم أن الإنسان إذا صلّى ولم يقرأ في صلاته بأم القرآن وقرأ آية من القرآن أن صلاته تامة غير ناقصة، فلا تعلقوا بتأويلهم ولا تعلقوا بالخبرين والحمد لله.



مسألة

أجمع أصحابنا فيما تناهى إلينا أن القهقهة في الصلاة تقطعها وتفسد الطهارة، واختلفوا في القيء والرّعاف في الصلاة، فقال بعضهم: إنَّه ينقض الطهارة، والصلاة، وقال بعضهم: تنتقض الطهارة ولا تقطع الصلاة. والذي عندي أنَّه حدث ينقض الطهارة ويقطع الصلاة كالقهقهة المتفق عليها، قال مالك: لأن القهقهة لا تنقض الطهارة ولا الصلاة، وكذلك قوله في الرعاف، لأن من أصله أن قطع الصلاة والطهارة لا يكون إلاّ من حدث متفق عليه، ثم ناقض، فقال: إذا دخل المتيمم في الصلاة ثم وجد الماء انتقضت طهارته ولا تثبت الصلاة بغير طهارة وهذا ليس بحدث مجتمع عليه، وله قول آخر() يضادّ هذا القول وهو أن المتطهر بالتيمم إذا تمّت صلاته انتقضت طهارته. وهذا ليس بحدث مجتمع عليه إن كان حدثاً، وقد عاب أبو حنيفة على مالك إذ جوَّز الصلاة مع زوال الطهارة بالرعاف، وقال: إن الصلاة لا تثبت مع زوال الطهارة بالرعاف، يقول: يذهب فيتوضأ ويرجع يبني على ما كان قد صلّى، فدخل فيما عاب على غيره، وقد كان ينبغي أن يمضي على أصله ويوجب قطع الصلاة، لأن الحدث عنده يوجب قطع الصلاة كما قال في القهقهة ورؤية الماء في الصلاة لمن كان متيمماً، وعاب على مالك، وعند مالك أن الرعاف ليس بحدث يقطع الصلاة فكان بالعيب أولى، والله نسأله الهداية والتوفيق. ويلزم أبا حنيفة ومن قال بقوله أن يجبر التيمم إذا انتقضت طهارته بوجوده الماء وهو في الصلاة أن يخرج يتوضأ ويبني، كما زعم أن الذي زالت طهارته بالحدث يخرج ويتوضأ لا سيما وهو رجل يقول بالقياس، فتارة يزعم أن خروجه من الصلاة بغير حدث يفسد الطهارة، وتارة يقول إن خروجه منها بحدث لا يفسد الصلاة. وقال الشافعي: ورؤية الماء قبل الدخول في الصلاة ينقض طهارة المتيمم، ورؤية الماء بعد الدخول في الصلاة لا ينقض الطهارة ولا الصلاة، وعنده أنه رؤية الماء حدث ينقض الطهارة قبل الصلاة فلم() لا كان هذا الحدث ينقض الطهارة في الصلاة وهو حدث واحد؟.







باب في الزكاة

اختلف أصحابنا في رجل سلّم زكاة ماله إلى رجل من العوام، يؤديها عنه إلى أهلها ـ وهو عنده ثقة ـ فضيع الزكاة قبل أن تصل إلى الفقراء، فقال بعضهم: إذا أخرجها إلى ثقة وقبضها منه فقد زال عنه ضمانها قبل أن تصل إلى الفقراء، فضياعها بعد ذلك لا يوجب عليه الضمان، قالوا: كرجل دفع زكاة ماله إلى الساعي والقابض للزكاة بأمر الإمام، ثم تضيع قبل أن تصل() إلى الإمام فلا ضمان على من أخذت منه الزكاة، وهذا اتفاق في صاحب الإمام. وقال آخرون: إذا دفعها إلى صاحب الإمام فتلفت فلا ضمان على أحدهما، وإذا دفعها إلى ثقة عنده فتلفت قبل أن تصل إلى الفقراء، فعلى المرسل بها الضمان لأنَّه دفعها إلى أمين له فكأنها فقدت() في يده، وهذا القول أشبه وأقرب إلى النفس، وذلك أنَّه دفعها إلى ثقة فهو وكيل له في قضاء ما عليه فلا يزول عنه ما عليه من حق إلاّ أن يؤديه هو عن نفسه، أو يؤديه عنه وكيله، والإمام هو وكيل الفقراء في قبض حقهم من الزكاة، فإذا تلفت من يده أو يد رسوله الذي قبض هو قبضه فقد زال الضمان عن المزكي، لأن قبض الوكيل والموكّل سواء، فإن قال: فإن دفعها إلى جبار أو فاسق من الرعية هل يبرأ من ضمانها علمت أنَّها صارت إليهم أو لم تصر إليهم؟ قيل له: إن كان جعلهم رسلاً له بها إلى الفقراء فعلم أنَّهم() قد أدّوها عنه فقد زال الضمان عنه. وإن لم يعلم فالضمان باق عليه؛ فإن قال قائل: فإن وثب عليها جبار فأخذها بغير رأي صاحبها، ولا بطيب من نفسه فدفعها إلى الفقراء بحضرته وهو يرى ذلك، هل يبرأ من ضمانها؟ قيل له: لا يبرأ ولا يزول عنه الضمان. فإن قال قائل: ولِمَ لم يزل عنه الضمان وقد زالت وصارت إلى الفقراء؟ قيل له: لما وثب عليها الجبار فأخذها متعدياً على أخذها منه كان عليه ضمانها لصاحبها، فلا يجوز أن تكون لصاحبها ضمانها


والفرض زائل عنه، فإن قال: فهل للفقراء أخذ الزكاة المؤخذة من غير أن يدفعها إليهم المزكي؟ قيل له: لا؛ فإن قال: أو أليس هي لهم؟ قيل له: هي للفقراء، وليست لقوم منهم دون بعض، ولا هي من المال شيء معلوم دون غيره، وإنَّما يزول فرضها عن صاحبها بأن يقصد إلى إخراجها. فإن قال: فإن كان بيننا فقراء قد أضرّ بهم الجوع والبرد ولم يكن على أحدٍ منا زكاة، هل يلزمنا لهم غير الزكاة، وإن نحن تركناهم هل نحن آثمون بذلك؟ قيل له: الواجب عليكم أن تواسوهم من أموالكم إن لم تكن عليكم زكاة تدفعوا عنهم الضرر الذي بهم وإلاّ كنتم آثمين. وكذلك إذا كان أحد منهم متجرداً متكشفاً وليس عليه ما يستر به ويصلي فيه، ولم يكن هناك ثوب يواريه، فيجب على المسلمين ستره ودفع ما يصلي فيه وإلاّ كانوا آثمين، فإن قال: ولِمَ أوجبتم على الناس غير الزكاة للفقراء؟ قيل له: إن الله جلَّ ذكره أوجب على الناس حقوقاً غير الزكاة بقوله: ليس البرّ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضرَّاء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون() يعني أنَّهم اتقوا النار، والنار إنَّما تُتقى بأداء الفرائض فهذا يدل على وجوب أشياء في الأموال غير الزكاة. وفي السنَّة عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: (ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره طاوٍ)() فهذا يدل على أن المسلمين لا يتركون الفقراء بسوء الحال وهم يقدرون على تغيير حالهم من غير المفروض، لأن الفرض له وقت يعرف، وسوء حال الفقراء أوقاته مختلفة لا تعرف.



مسألة

الزكاة تجب في مال كل مسلم بالغاً كان أو غيرَ بالغ، مغلوباً على عقله أو عاقلا، لقول الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ : (أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها على فقرائكم)() ، وأطفال المسلمين ومجانينهم داخلون في حكمهم. فإن قال قائل: إن الخطاب لا يقع إلا على عاقل بالغ فكيف تكون الزكاة واجبة على من لا تلحقه المخاطبة؟ قيل له: إن الزكاة فيها معنيان: أحدهما حق يجب على الأغنياء فمن زال عنه() الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال الفرض عنه مبطلاً لما وجب في ماله، فإن قال: فقد قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أًَموالهم صدقةً تُطرهم وتزكّيهم بها() ، والطفل لا يطهره أخذ ماله، قيل له: هذا شيء لا يوصل إلى علمه، قد يجوز أن ينفع الله الطفل إذا بلغ بما أخرج الإمام والوصي والمتولي له من ماله قبل بلوغه، الدليل على ذلك ما روي (أن امرأة أخذت بعضد صبي ورفعته إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ، قالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)() وبعد فإنا لم نقل إن الزكاة كلها أوجبت() بآية واحدة فتحمل() الخلق على حكمها، قال الله جلَّ ذكره: وأَقيموا الصلاة وآتوا الزكاة() فلا يدخل في هذا الخطاب إلا عاقل بالغ، وقال: خُذْ مِنْ أًَموالهم صدقةً تُطرهم وتزكّيهم بها() فلا يدخل في هذه الآية إلا من تكون الزكاة طهارة له، وقال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ : (أُمرت أن آخذها من أغنيائكم)() فكل من وقع عليه اسم الغني من المسلمين صغيراً كان أو كبيراً، عاقلاً كان أو مجنوناً فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله، والمشرك لا يدخل في هذه الجملة لأن الكاف والميم من قوله: أُمرت أن آخذ الزكاة من أغنيائكم، راجعة على المسلمين بذلك، على أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمر معاذاً أن يقول لهم هذا بعد أن يُقِرُّوا بأن لا إله إلا الله وأنَّه رسول الله، والله أعلم وبه التوفيق. وأما من شبّه الصلاة بالزكاة فغلط، لأن الصلاة عمل على البدن ليس لأحد فيه حق، والزكاة دَيْن لقوم في ماله يخرجها هو، ويخرجها غيره بأمره، ويخرجها الإمام إلى أهلها إذا غاب أو منعها بغير رأيه، لأن الإمام حاكم يحكم بما يثبت عنده من حق على الغائب والحاضر والممتنع، والله أعلم وبه التوفيق. وقال بعض أصحابنا: من تصدق على فقير بصدقة فلا يرجع يشتريها منه ويأكلها من عنده، وعندي() أنَّهم تأوّلوا ما روي أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال لعمر: (لا تعد في صدقتك)() فإن كانوا اعتمدوا على هذا الخبر فعندي أنَّه غلط في التأويل، وذلك أن عمر حمل رجلاً على فرس في سبيل الله


ثمّ وجدها بعد ذلك تباع في السوق فاستأذن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أن يأخذها وقد كان أخرجها الله تعالى فمنعه رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن ذلك وقال: (لا تعد في صدقتك)() ، وفي بعض الروايات أن هذا الخبر آخره: (فإن الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع فيه) والنظر يوجب عندي جواز ذلك لأن الفقير قد ملك بالصدقة ما قد ملكه الغني، ولكل مالك ملكاً أنّ له أن يتصرف في ملكه. الدليل على ما قلنا إجماعهم على أن رجلاً لو تصدّق على فقير ممن يرثه شيئاً ثم رده الإرث إليه لجاز له وعاد في صدقته، وليس هذا هو المعنى الذي ذهبوا إليه، والله أعلم. واختلفوا في حمل الشعير على البُر في الصدقة، قال محمد بن محبوب: يحمل أحدهما على الآخر لتتم به الصدقة ثم يخرج منها؛ وأما وائل بن أيوب فكان لا يحمل الشعير على البر في الصدقة، ورآهما جنسين مختلفين وثمرتين متفاوتتين، وخالفه في أيامه موسى بن أبي جابر ورأى أن أحدهما يحمل على الآخر وبالله التوفيق.
وكان محمد بن محبوب لا يجوّز أخذ الذكر من البقر على الأنثى في الصدقة، وقال: لم أسمع بجواز ذلك، ورأى جواز أخذ ابن لبون مكان ابنةِ مخاض من الإبل في الصدقة، وهذا عنده سنَّة متفق عليها، فنزّل القياس مع وجود السنَّة؛ واختلف أصحابنا في زكاة المال إذا خفي مكانه فلم يعلم صاحبه أين دفنه، أو جهل معرفة من كان استودعه إياه ثم وجده بعد سنين كثيرة، وقد كانت الزكاة تجري فيه أو لم تكن الزكاة تجري فيه قبل ذلك، وهو نصاب تام أو أكثر من ذلك، وكذلك قولهم في المال يكون في البحر يبعث به صاحبه للتجارة حتى يأتي عليه زمان لا يرجوه صاحبه بعده()، ثم يرجع إليه، وكذلك الدَّيْن() يكون على مفلس لا يرجوه صاحبه أو على فقير أو على من جحده وحلف عليه (وما كان هذا سبيله من الأموال التي لا ترجى ثم ترجع إلى أربابها بعد ذلك فقال بعضهم()): عليه زكاة سنة واحدة ولا زكاة عليه فيما مضى من السنين، وقال بعضهم: عليه لكل سنة مضت زكاتها ولو كان في إخراجها استفراغ الجميع. وقال آخرون: عليه زكاة كل() سنة خلت إلاّ مقدار الزكاة التي وجبت فيه لأنها حق للفقراء فيه إلى أن يصير إلى حدّ النصاب ثم لا زكاة فيه بعد ذلك؛ والقول الأول شيّق إلى نفسي. وقد روي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله ميمون بن مهران لمظالم كانت في بيت المال أن يردّها على أربابها، ويأخذ


منها زكاة عامها، فإن كان مالاً ضماراً، والضمار من المال الذي لا يرجى، وقال أبو عبيدة: إذا رجى فليس بضمار، وهذا الخبر المروي عن عمر يدل على أنَّه كان يرى على المال الغائب الذي لا يرجى زكاة سنة واحدة إذا رجع إلى صاحبه، والله أعلم.
واختلف أصحابنا في فضل الصدقة الواجبة وغير الواجبة، فقال بعضهم: الفضل للمتصدق إذا أخفى صدقته ولم يعلن بإخراجها، واحتجّ من ذهب إلى هذا الرأي بظاهر قول الله: إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم()؛ ومما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال عندما ذكر المتقربين إلى الله بالأعمال الصالحة: (ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أعطت يمينه)()، وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه (نهى عن قسم الصدقة بحضرة الفقراء)()، واحتج من قال بإبدائها والإعلان بها أفضل، وكذلك سائر الطاعات أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ نهى عن الجذاذ في الليل، وأنَّه نهى عن الحصاد في الليل وهو الصرام، لأن الفقراء كانوا يحضرون الثمار ليأخذوا الصدقة عند الجذاذ، فنهى عليه الصلاة والسلام عن الجذاذ في الليل لئلا يخفى على الفقراء، وربما كان في ذلك فرار من الصدقة؛ وروي عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال لبعض أصحابه: (ليس لك من دنياك إلاّ ثلاث؛ ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو عملت فأبديت)() فرغب النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في إبداء العمل الصالح إذ لم يقل فأخفيت، ولعمري إن العمل إذا قرنه عامله بالنية والاحتراز من سوء ظنهم به ولئلا يستأثم الناس في نفسه لئلا تؤثر علامته في الإنسان بما يبدو منه، والمسلمون شهود الله على عباده، وهذا الرأي أشيق إلى نفسي إذا كان الفاعل قصده في فعله ما ذكرناه، والله أعلم.



مسألة

فرض الزكاة ثلاث خصال: استكمال النصاب، واستقرار الملك، واستكمال الحول، والحجة في استكمال النصاب قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة، وليس فيما دون عشرين ديناراً صدقة، وليس فيما دون مائتي درهم صدقة)()، والحجة في استكمال الحول قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)()، وقوله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (انتظر بأرباب الأموال حولاً ثم خذ منهم ما أمرتك به)().




مسألة

وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إن المسألة لا تحل إلاّ لثلاثة، إلاّ لرجل تحمل بحمالة بين قوم، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فليسأل حتى يصيب سِداداً من عيش أو قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة() من أهل الحجى من قومه أنَّه قد أصابته فاقة وأنَّه قد حلّت له المسألة، وما سوى ذلك من المسائل سحت)()؛ والفاقة: الفقر، والسداد: كل شيء سددت به حالاً فهو سِداد بكسر السين، ولذلك سمي سداد القارورة وهو صمامها لأنَّه يسد رأسها، وأما السَّداد بفتح السين فإنَّه الإصابة في المنطق، يقال: إنَّه لذو سداد في منطقه وتدبيره، وهذا خبر يدل على التشديد في المسألة لأنَّه قد حصر المسألة بهذا الخبر، ورخّص لهؤلاء الثلاثة. ومن طريق عمر() عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (لا تحل المسألة إلاّ من فقر مدقع، أو غُرم مفظع أو دمٍ موجع)() ومعنى الخبرين واحد إلاّ أن الألفاظ مختلفة، والله أعلم. وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلّم ـ أنَّه قال: (من سأل الناس عن ظهر غنى جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاًَ أو خموشاً أو جدوعاً في وجهه، قيل: يا رسول الله ما غناه؟ قال: خمسون درهماً أو عِدْلها من الذهب)() وفي حديث آخر عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (من سأل الناس ومعه أوقية فقد سأل الناس إلحافاً)()، وروي عن الحسن البصري أنَّه قال: (لا يعطى من الزكاة متأثل مالاً، والمتأثل الجامع)()، ولم يجد في المقدار حداً، والله أعلم.




مسألة

اختلف أصحابنا قي العوامل من الإبل والبقر وما اقتني في البيوت من الغنم، فقال بعضهم: الزكاة في جميع ذلك إذا بلغ كل جنس منها نصاباً لعموم قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ (في أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة)()، ولم يوجب بعضهم الزكاة في العوامل لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (في سائمة الغنم الزكاة وفي خمس من الإبل سائمة زكاة شاة)()، وهذا يوجب صحة الرواية، قال: (ليس في القتوبة صدقة ولا في الإبل الجارة صدقة)() والقتوبة التي على ظهرها الاقتاب، والجارة التي تجر بأزمتها؛ وعندي ـ والله أعلم ـ أن ذكر السائمة تسقط الزكاة في غير السائمة لأن أحد الخبرين فيه بيان غير الآخر، وأحد الخبرين أسقط فيه الراوي زيادة لفظة لم يحفظها الآخر، ولا يوجب إسقاط الزيادة لأن فيها معنى ليس في الخبر الآخر، وهكذا يعمل في سائر الأخبار نحو هذا، وروي عن ابن عباس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (إذا لم يجد المحرم النعلين فليلبس الخُفَّين)()، وروي من طريق ابن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (فليقطعهما أسفل من الكعبين)() وكان الخبران يرجعان إلى خبر واحد لأنَّه بيان عما يلبس المحرم عند عدم النعلين. ومن أوجب في العوامل الزكاة فلابدّ من ترك أحد الخبرين، فإن قال قائل: فإن زمان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كان يعطي الناس عن السواني فخرج كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على ما يعرفونه بينهم. قيل له: لو كان هذا لازماً كان عليك مثله فيما قال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على كل حرّ وعبد من المسلمين، إنّ هذا الشرط دخوله وخروجه سواء، فخرج كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على ما يتعارفونه، لأن أكثر عبيد أهل المدينة كانوا يومئذٍ في زمان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ مسلمين، فيجب أن يكون() في المشركين من العبيد الزكاة، وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (عفي لكم عن صدقة الخيل)()، فقال قوم: هذا عموم، وقال آخرون: إذا لم يكن للتجارة ومن باع ماشيته قبل الحول لا يكون فراراً عن الزكاة، كما أن الممتنع من الجماع لا زال يجب عليه الغسل لا يوجب في ذلك فراراً من العبادة التي هي الغسل. وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه كتب لوائل ابن حجر الحضرمي ولقومه: (من محمد رسول الله إلى الاقيال() العباهلة من أهل حضر موت بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وعلى التبيعة شاة، واليتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لا خلاط ولا وراط، ولا شناق ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام).
تفسير ذلك على ما تناهى إلينا، والله أعلم.
الأقيال ملوك اليمن دون الملك الأعظم، واحدهم قيْل أن يكون ملكاً على قومه ومخالفه ومحجره، والعباهلة الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه. وقوله عليه الصلاة والسلام: وعلى التبعية شاة، والتبعية أربعون من الغنم، واليتيمة يقال إنَّها الزيادة على الأربعين حتى يبلغ الفريضة الأخرى، ويقال أيضاً: إنَّها شاة تكون لصاحبها في منزله يحلبها وليست بسائمة، وتسمى أيضاً جمعهن() الربايب، وقد قال بعض الفقهاء: ليس في الربايب صدقة وربما احتاج صاحبها إلى لحمها فذبحها، فيقال عند ذلك أتام الرجل وأتامت المرأة، والسيوب الركاز، قال أبو عبيدة: ولا أراه أخذ إلاّ من السيب وهو العطيّة، يقال: هو سيب الله وعطاؤه. وأما قوله: الأخلاط والأوراط، فإنَّه يكون بين المشتركين عشرون ومائة شاة لأحدهما ثمانون، والآخر أربعون وهي مشاعة بينهما غير مقسومة فإذا أتى المتصدق


وأخذ منها شاتين ردّ صاحب الأربعين ثلث شاة فتكون عليه شاة وثلث، وعلى الآخر ثلثا شاة، وإن أخذ المتصدق من العشرين ومائة شاة، شاة واحدة، رد صاحب الثمانين على صاحب الأربعين ثلث شاة، فتكون على صاحب الثمانين ثلثا شاة، وعلى الآخر الثلث. وإنَّما أوجب رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في العشرين ومائة شاة، شاة واحدة، فهذا في الخليط والمشاع، لأن ظاهر السنّة تدل على ذلك وهو معنى الإختلاط، وفي رواية أُخرى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ما يدل على هذا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (وما كان بين خليطين فإنَّهما يترادان بالسويّة)()، والأوراط مثل قوله: ولا يجمع بين متفرق() ولا يفرق بين مجتمع، وقوله عليه الصلاة والسلام: لا شناق، فإن الشنق ما بين الفريضتين وهو ما زاد من الإبل على الخمس إلى العشرة، وما زاد على العشرة إلى الخمسة عشر، يقول: لا يؤخذ من ذلك شيء. وقوله عليه الصلاة والسلام: من أجبى فقد أربى، إلاّ جبا بيع الحرث قبل أن يبدو() صلاحه، وفي الخليطين اختلاف بين أهل العراق وبين أهل الحجاز، قال أهل العراق: إذا كان أربعون شاة بين رجلين مع راعٍ واحد مشاعة أو غير مشاعة، فلا يؤخذ منها شيء حتى يكون لكل واحد منهما أربعون شاة، وأهل الحجاز يعتبرون الراعي ولا يعتبرون الملك.
وقد كان هذا قول مالك بن أنس لا يوجب الصدقة إلاّ بعد أن يملك كل واحد أربعين شاة فصاعداً()، وهو قول أبي بكر الموصلي فيما أظن، والله أعلم. وقال أبو عمرو الوقصي: ما بين الفريضتين، وكذلك الشنق وجمعه أوقاص وأشناق، وبعض الفقهاء يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل خاصة، وهما جميعاً ما بين الفريضتين.






مسألة

والزكاة تجب في مال كل امرئ مسلم بالغ كان أو غير بالغ، مغلوب على عقله أو عاقل، لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أُمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردَّها على فقرائكم)() وأطفال المسلمين ومجانينهم داخلون في حكمهم، فإن قال قائل: إن الخطاب لا يقع إلاّ على عاقل فكيف تكون الزكاة واجبة على من لم تلحقه المخاطبة؟ قيل له: إن الزكاة فيها معنيان: أحدهما حق يجب للفقراء، والآخر حق يجب على الأغنياء، فمن زال عنه الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال الفرض مبطلاً لما وجب لغيره في ماله. فإن قال: فقد قال جلَّ ذكره: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها() والطفل لا تكون له طهارة في أخذ ماله، قيل له: هذا شيء لا يوصل إلى علمه، ويجوز أن ينفع الله الطفل إذا بلغ بما أخرج من ماله قبل بلوغه. وقد روي أن امرأة رفعت صبياً عندها بعضده إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فقالت: (يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك الأجر)(). ولعل محمد بن محبوب ذهب إلى جواز حج الصبي والعبد بهذا الخبر، والله أعلم بقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أُمرت أن آخذها من أغنيائكم)() فكل من وقع عليه اسم غني من المسلمين صغيراً كان أو كبيراً، مجنوناً كان أو عاقلاً، فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله، والنظر يوجب عندي أن من أوجب الزكاة المفروضة لأهل الذمة ولأهل الحرب إذا غاب من() بلدان المسلمين، وكان في دراهم قد غلط في تأويل السنَّة؛ لأن قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أُمرت أن آخذها من أغنيائكم) لم يدخل في هذا القول أهل الكفر بالله، لأن الكاف والميم من قوله: أُمرت أن آخذها من أغنيائكم، راجعان على المسلمين، وأيضاً فإن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمر معاذاً لما بعثه إلى اليمن أن يقول لهم ذلك بعد أن يقروا بالإسلام، وكان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة وابن عمرو الشعبي وعطاء والشافعي وداود ومالك يوجبون الزكاة في مال اليتيم؛ وأما ابن عباس وغيره من الصحابة فالرواية عنهم وعنه أنَّهم قالوا: لا تجب الزكاة في مال اليتيم حتى تجب عليه الصلاة؛ وأما أبو حنيفة فلم يوجب في مال اليتيم زكاة وأوجب عليه زكاة رمضان، والزكاة في اللغة مأخوذ من الزكا وهو النماء والزيادة،


سميت بذلك أنَّها تنمي المال، ومنه يقال: زكا الزرع وزكت البقعة إذا بورك فيها. ومنه قول الله تعالى: أقتلت نفساً زكيةً بغير نفس() أي نامية وزائدة. ومنه تزكية القاضي للشهود، لأنَّه رفعهم بالتعديل والذكر الجميل، يقال: فلان أزكى من فلان أي أظهر، ثم قيل: زكاة الفطرة، والفطرة الخلقة في هذا الموضع، ومنه قول الله تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها() أي الخلقة الجبلة التي جبل الناس عليها؛ واختلف أصحابنا في السلت المذكور مع الحبوب التي فيها الزكاة فقال بعضهم: هو اسم لجميع الحبوب، وقال بعضهم: هو الشعير الأقشر، والذي سمعت أنَّه ضرب من الشعير صغير الحب ليس عليه قشر والله أعلم. وكان سعد بن أبي وقاص فيما بلغنا في الحديث يكره بيع السلت بالبر لأنهما في جنس واحد عنده ؛ اختلف أصحابنا فى الثمار إذا تداركت فى وقت واحد نحو البر والشعير أن أحد الجنسين يحمل على الآخر لتتم به الزكاة، وهو قول أبي عبد الله ومحمد بن محبوب رحمه الله، وقال غيره من فقهائنا: لا يحمل أحدهما على الآخر، إنَّما تجب زكاة كل واحد منهما في عينه، فإن حصل ثلاثمائة صاع من كل جنس() بصاع النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ خرج الزكاة منه، وإن حصل من الجنسين ثلاثمائة صاع لم تجب في واحد منهما، ولا أكثر زكاة حتى يحصل من واحد ثلاثمائة صاع فصاعداً، ووجه قول محمد بن محبوب أنَّه يخرج على ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)(). والوسق يشتمل على جملة الكيل، سواء كان من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، وأيضاً فإنَّها كما كانت زكاة واحدة ووقتها واحد، كانت كالدراهم() والدنانير يحمل بعضها على بعض، وكذلك المكيل، والله أعلم. وأما الرقة التي أوجب النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فيها الزكاة بقوله عليه الصلاة والسلام: (وفي الرقة ربع العشر)() وهو الفضة مضروبة كانت أو مكسرة، والفضة المكسرة لا تسمى ورقاً حتى تكون مضروبة، فإذا صارت دراهم مضروبة سميت ورقاً، وفي الرواية (أن رجلاً من الصحابة قطع أنفه في بعض الوقائع فصاغ أنفاً من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أن يتخذ أنفاً من ذهب)()، والله أعلم بصحة الخبر، وأما الفضة فهو الرقة مضروبة هكذا تعرف في اللغة. واختلف أصحابنا في العوامل أو غير العوامل من الإبل والبقر، والسائمة وغير السائمة من الغنم، هل تجوز؟ لعله تجب الزكاة في جميعه أو في بعضه؟ فقال بعضهم: لا تجب الزكاة إلاّ في السائمة وهي التي ترعى،


وقال بعضهم: إذا كان في عملها الزكاة فلا زكاة فيها، وإن لم تجب فيما تعمل الزكاة ففيها الزكاة إذا كان عدداً تجب في مثله الزكاة، وقال آخرون: تجب الزكاة في العوامل وغير العوامل مما تكون في عمله الزكاة إذا كانت سائمة، لا فرق عند هؤلاء في ذلك، وتعلقوا بظاهر الخبر وهو قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (في خمس من الإبل شاة وفي خمس من البقر شاة. وفي الأربعين شاة، شاة)()، وهذا يحتمل أن يكون المراد به ما وقع عليه الاسم وما حمل في التأويل والتخصيص؛ والنظر عندي يوجب أن الزكاة واجبة فيما وقع عليه الاجماع من وجوب الزكاة في السائمة، فأما ما اقتني واستعمل فلا أرى الزكاة فيه واجبة والله أعلم. لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه لم يوجب في الكسعة صدقة، والكسعة هي العوامل من الإبل والبقر والحمير، وإنَّما سميت كسعة لأنَّها تكسع أي تضرب، والكسع أن يضرب الضرب الضرع باليد بعد أن ينضح بالماء البارد ليصعد اللبن. وفي الحديث أيضاً عنه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (لا صدقة في الإبل الجارة)() والجارة التي تجر بأزمتها، والله أعلم. وسميت جارة في معنى مجرورة، كما يقال: سرٌ كاتم، وأرض غامر، إذا غمرها الماء مفعولة في معنى فاعلة. وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله (ليس في الإبل العوامل، ولا في الإبل القطار، ولا في القتوبة صدقة)() والقتوبة التي يوضع الاقتاب على ظهرها، كما يقال: ركوبة القوم، وحمولتهم، وإنَّما أراد الصدقة في السوائم، وهي التي ترعى والله أعلم.
وأما ما أوجبه النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وجاءت به الرواية عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: (وفي الركاز الخمس)() قال أصحابنا: الركاز كنوز الجاهلية، ووافقهم على ذلك أهل الحجاز. وأما أهل العراق عندهم أنَّه المعادن، والقول عندي ما قاله أصحابنا، لأن اسم الركاز مأخوذ من أركز الرمح فأثبت أصله، فطريقة أصحابنا ومن وافقهم أهدى من طريقة من خالفهم في هذا وفي غيره، والله أعلم.




مسألة

والصدقة في الإبل واجبة إذا بلغت نصاباً، سائمة كانت أو غير سائمة، والنصاب هو الذي يلزم به أول الفرض، لما روي عن علي بن أبي طالب (نسخة) عن عمر بن الخطاب، أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (وفي الغنم في الأربعين شاة، شاة، فإن لم يكن إلا تسعة وثلاثين فليس فيها شيء)() ، وروت عائشة أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (في الأربعين شاة،شاة)() ولم يخص سائمة من غيرها، فالمسقط للصدقة من غير السائمة محتاج إلى دليل، وذكر السائمة في الرواية لا ينفي وجوب الصدقة في غير السائمة، لأن الأخذ بالخبرين بما فيهما من الزيادة أولى من إسقاط أحدهما. وأجمع الناس على وجوب الصدقة في الجواميس وإلحاقها بالبقر في حكم الصدقة، واسم البقر واقع عليها، ومحمولة على البقر، كالضأن والمعز محمول أحدهما على الآخر، ولا يؤخذ من الغنم في الصدقة الهرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المتصدق()، بذلك جاءت الرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وقال: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون الخمسة أوسق صدقة)() ، والذود خمس من الإبل، والأوقية أربعون درهماً، والوسق ستون صاعاًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً، ولولا الإجماع لوجب أن تكون الصدقة في كل ما وقع عليه اسم ذهب أو فضة، وفي الرقة ربع العشر ليس في ظاهره ما يدل على أن لا صدقة فيما دون عشرين مثقالاً ذهباً، ولا فيما دون مائتي درهم، وقد قال تبارك وتعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذابٍ أَليم)() فظاهر الكتاب يوجب الإنفاق منهما أو انفاقهما، وقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّ ـ: ( وفي الرقة ربع العشر)() بيان للمقدار الذي يجب أن يخرج منه .





باب في زكاة الفائدة*

ثم أجمعت الأمة على بيان ثان أنَّه لا يجب أن يخرج ربع العشر من هذا المال حتى يكمل المقدار الذي أجمعوا عليه، وهو عشرون مثقالاً، أو مئتا درهم، والفائدة في الذهب والفضة والماشية لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول، وقد رفع الشيخ أبو مالك رضي الله عنه عن أبي محمد بن عبد الله ابن محمد بن محبوب رحمهم الله أنَّه قال(): كان رأي أبي محمد؛ وذكره على وجه الحكاية لمذهب مالك. والنظر يوجب عندي الأخذ بهذا القول لما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)() والفائدة مال مخاطب صاحبها فيها يوجب الزكاة كخطابه في النصاب، والموجب في الفائدة الزكاة بعد شهره عند حلول الزكاة محتاج إلى دليل. وقال أصحابنا: تجب الزكاة في الفائدة مع الأصل عند حلول الزكاة في الأصل، ولا يعتبرون في الفائدة وقتاً غير وقت النصاب وبالله التوفيق. ولا تجب الزكاة إلاّ على المخاطب() بها من أهل الإسلام لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لمعاذ لمّا بعثه إلى اليمن فقال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادْعُهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)() فبيّن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بها أن الزكاة إنَّما خوطب بها من استحق اسم الإيمان، والزكاة واجبة في مال اليتيم لما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعائشة. واختلفت الرواية عن علي بن أبي طالب في ذلك إنَّهم قالوا: إن الزكاة في مال اليتيم واجبة، فإن قال قائل: فإن الزكاة خوطب بها من خوطب بالصلاة فلا تجب إلاّ على من تجب عليه الصلاة، واليتيم لا صلاة عليه. فكذلك ما أنكرتم إلاّ تجب الزكاة عليه، يقال له: لما قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أُمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم)() فكان فيمن يرجع إليه الصغار والكبار. وكذلك يجب أن تؤخذ من الأغنياء صغاراً كانوا أو كباراً.
ويدل على ذلك ما روي أن عائشة كانت تخرج من() أموال أولاد أخيها بحق ولايتها عليهم، وأجمع الناس على جواز إخراج البدل عما يجب من الزكاة. واختلفوا في دفع القيمة عن الواجب. واختلف أصحابنا في الشريكين إذا ملكا أربعين شاة وحال عليها الحول، فقال أكثرهم: فيها الزكاة، وكذلك قالوا في الخليطين إذا كان كل واحد منهما عارفاً بحصته من حصة صاحبه أن عليهما الزكاة إذا بلغت غنمهما أربعين شاة, وأن الصدقة تؤخذ من الجملة ويترادان الفضل فيما بينهما. وقال أبو بكر الموْصلي: لا تجب الزكاة على واحد منهما حتى يملك أربعين شاة، كانت الشركة خلطة أو مشاعة، هكذا حفظت عن الشيخ أبي مالك رحمه الله، والقول الأول هو الأكثر وعليه العمل، وظاهر السنّة تؤيده وتشهد بصحته، قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (في أربعين شاةٍ شاةٌ)() ولم يخص بوجوبها شركة ولا منفردة() بملكها وقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (وما كان من خليطين يترادان الفضل بينهما بالسوية)() يدل على ذلك. وليس في الحوائط المحبسة على الفقراء زكاة؛ لأنَّها لا ملك عليها معين من الناس(). وفي ثمار الأرضين المملوكة العشر إذا شربت بالسماء والعيون، وفيما سقي بالنواضح والسواقي ففيه نصف العشر بما روي عن() سالم بن عبد الله بن عمر أن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال:


(فيما سقت السماء والعيون أو كان بعلا العشر، وفيما سقي بالنواضح والسواقي نصف العشر)() والثمار إذا هلكت قبل الكيل، وكانت مجموعة وقبل أن تجتمع أمه لا زكاة فيها. وإن كيلت ولم تكن بالحضرة من الفقراء ومن يستحق قبض الزكاة منها فلا زكاة على أربابها، وإن لم يكن منهم تفريط في تأخير الزكاة. والنظر يوجب عندي أن لا زكاة عليهم؛ لأنهم أمناء لشركائهم من الفقراء ولا ضمان عليهم إلاّ بالتعدي فيها بخيانة تكون منهم بمنع أو تأخير، وليس في زراعة أهل الذمة ولا في ثمارهم صدقة، وإنَّما الصدقة على أغنياء المسلمين، وإنما يؤخذ منهم ما وافقوا عليه من العهد بينهم وبين المسلمين، والأرض الخراجية إذا بلغت فيها الزكاة كانت الزكاة في الكل، ولا يسقط الخراج شيئاً من() الزكاة لأن الخراج بمنزلة الإجارة للأرض، فأرض عمان ليست أرضاً خراجية. ولعامل الصدقة قبول الهدية لا() من طريق الرشوة، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قبل الهدية وقال: (لو أُهدى إليّ ذراع لقبلت)() ونهى العمال عن قبول الهدية إلاّ لمن() كان بينه وبينه ذلك جائزاً قبل الحكم والولاية. وجائز للغني أن يأكل من الصدقة إذا باعه غيره بالفقر()، ومن منع من أصحابنا من جواز ذلك فعندي أنَّه قد غلط، لأن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أكل من طعام تصدَّق به على بريرة، قال: (هو لها صدقة، ولنا من عندها هدية). والاقتداء برسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أولى، ومن وجد ركازاً قلَّ أو كثر كان عليه الخمس يخرجه إلى الفقراء إذا عدم الإمام؛ والركاز دفن الجاهلية، قال أصحابنا: () إن كان أقل من خمسة دوانيق فلا شيء عليه، ولم يرد الخبر بتحديد مقداره، واختلف أصحابنا في مستحقي الصدقة من الفقراء، فقال بعضهم: إذا ملك الرجل دون ألف درهم جاز له أخذ الزكاة، وقال آخرون: إذا ملك مائتي درهم لم يأخذ الزكاة، وقال آخرون: إذا كان في يده خمسون درهماً ناضة ـ أي مستغنىً عنها ـ لم يجز له أخذ الزكاة، وقال بعضهم: إذا لم تدرك ثمرته ثمرة أخرى جاز له أخذ الزكاة، وقال آخرون: إذا كان عنده من المال ما يكفيه ويكفي عياله غلته، ويفضل عنده لم يكن مستغنياً، وجاز له أخذ الزكاة، كل هذه الأقاويل قالوها من طريق الاجتهاد، وليس عندي للغنى والفقر حدّ لأنَّه قد يستغني بدرهم واحد لحركته وكسبه واحتياله واضطرابه ومعرفته بوجوه المكاسب، والآخر() لا يستغني بأضعاف ذلك لأنَّه قليل الحيل كثير الخوف، فإذا كان الرجل مستغنياً بصنعة يكتسب() منها بيديه لم يستحق من الصدقة شيئاً لاستحقاق اسم الغني لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا تحل الصدقة لغنيّ ولا لذي مرة سوي)(). والمرة: القوة، وقول الإنسان مقبول() في ادعائه المسكنة والفقر لأن الأصل لا ملك له، وكذلك يقبل قول ابن السبيل لأنَّه عازب عاجز عن بلده، لأنَّه في الظاهر غير قادر عليه، والغارم له حق في الصدقة ويعجبني أن لا يقبل قول الغارم، إلاّ ببينة لأنَّه في الأصل غير غارم، وكذلك العبد لا تقبل دعواه أن سيده() كاتَبَهُ إلاّ ببينة، والقرابة أحق بصدقة المرء إذا كانوا لها أهلاً إلاّ أقارب تلزمه نفقتهم، فهم به أغنياء،


وإذا كان فقيراً عنده ثم تبيّن غناه لم يكن عليه غرم ما دفع، لأن الله تبارك وتعالى إنَّما تعبده بأن يدفع الصدقة إلى فقيرٍ عنده، () ولم() يكلف أن يعلم مغيبه لأن حقيقة الفقير لا يعلمها إلاّ الله، فإن وجدها قائمة في يده أخذها منه إن قدر على استرجاعها بحاكم أو غيره ويسلمها إلى فقير غيره، ولصاحب الصدقة أخراجها على يد ثقة عنده، فإذا أخبره أنَّه قد أخرجها إلى مستحقيها فقد برئت ذمته وسقط الفرض عنه لأن قول الثقة فيما يوجب العمل حجة، ويدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا)() أمر بالتبيين عند خبر الفاسق، علمنا إنَّه قد أمرنا بترك التبيين عند خبر غير الفاسق، لأنه لو كان أمرنا بالتبيين عند خبر الفاسق وغير الفاسق، ولم يكن بين الفاسق وغير الفاسق فضل لم يكن لذكر الفاسق دون غيره معنى، وأُحب لصاحب الصدقة أن يتولى إخراجها بنفسه لأنه يكون على يقين من إخراجها وأدائها. والزكاة على وجوه: منها زكاة حول في عين أو ورق وماشية، فتلك يراعى فيها مقدار الملك وصفة المالك؛ فأما المقدار فالنصاب والحول، وأما الصفة فالإسلام ولزوم الخطاب. ومنها زكاة حرث تجب في الملك ولا يراعى بها وقت ولا مالك، وثمار أولاد المسلمين فيها الزكاة بإجماع الناس، والاختلاف فيما سوى ذلك. وإنَّما روي أن عليّاً بن أبي طالب كان يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع مولى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وهم أيتام، فقال أهل الكوفة: يحتمل أن تكون زكاة حرث، ويحتمل أن تكون زكاة غيره أو ماشية، وإذا احتمل هذا وذلك لم تكن حجة علينا في إسقاط الزكاة من أموال الأيتام لأنهم غير مخاطبين، وقالوا: وعلي بن أبي طالب هو الرافع للخبر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في: (رُفِع القلم عن الثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ)() وقد كان من قول علي أن الماعون الذي توعد الله على مانعه بالويل هو الزكاة، قالوا: فقد علمنا أن الصبي ممن لا يتوجه إليه الوعيد، فالحجة عليهم بأن الخبر ورد بأن علياً كان يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع، فالمدعي لتخصيص الخبر عليه إقامة الدليل. والخبر إذا ورد فالواجب إجراؤه على عمومه لا يُخص إلاّ بحجة، وأيضاً فلو كان ما احتجوا به من قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من رفع القلم عن الصبي يسقط الزكاة من ماله مع قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أُمرت أن آخذها من أغنيائكم)، فالصبي إذا كان ذا مال فهو مستحق لاسم الغني، والزكاة في ماله واجبة بظاهر قول النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، وكان النبي يسقط الزكاة من ماله لارتفاع القلم عنه في حال نومه. وقد أجمعوا أن الزكاة في ماله في حال نومه ويقظته.


مسألة

اختلف الناس في الغارم الذي يدفع إليه من الصدقة المفروضة، فقال قوم: هو الذي لزمه غرم غيره، وقال بعضهم: الغارم هو كل من تحمل ديناً لنفسه وعن غيره، فاسم غارم يقع عليه، وقال بعضهم: الغارم: من حمل ديْناً من غير إسراف فلزمه قضاؤه وغرمه، والنظر يوجب عندي أن الغارم الذي عليه الدين ولا يجد قضاؤه، ولا يقال لمن يجد القضاء غارم، وإن كان مثقلاً بالدين، والغرم في اللغة: الخسران، ومنه قيل: في الرهن له غُنُمه وعليه غرمه، أي له ربحه وعليه خسارته وهلاكه، والغُنْم الربح، وكذلك سميت الغنائم لإنَّها ربح ومال أفاءه الله المسلمين ونقله() إليهم. وأما الفقير فهو الذي عنده البُلغة، وأما المسكين فهو الذي لا شيء معه. وكذلك قيل: ما في بني فلان أسكن من فلان، يراد بذلك شدة المسكنة والفقر وسوء الحال. وقد قيل لأعرابي: أنت فقير، فقال: بل أنا مسكين، ويدل على ذلك قول الله جلَّ ذكره: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر)() المراد في ذلك ـ والله أعلم ـ الإخبار عن سوء حالهم وشدة فقرهم، وقد ذكرنا فيما تقدّم من كتابنا الاختلاف بين الفقهاء في معنى المزابنة، وجدت من طريق اللغة أن المزابنة مأخوذ من طريق الدين وهو التدافع والتخاصم، (فنهى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن بيع المزابنة)() لأن المتبائعين() إذا وقفا على الغبن وأراد المغبون() أن يفسخ والآخر يريد أن يمضي البيع تزابناً أي تدافعاً، واحتكما، والزبن هو الدفع يقال: زبنته الناقة برجلها أي دفعته، ويدل على ذلك أن مالكاً كان يجعل كل بيع وقع فيه غرر، ومخاطرة مزابنة للمخاصمة وللمدافعة التي تكون بين المختلفين فيه، وعن مالك أن المزابنة كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا عدده ولا وزنه، بيع شيء مُسمى من الكيل والوزن والعدد.





مسألة في أخذ الجزية

والجزية ساقطة عن النساء والصبيان والعبيد بإجماع الأمة، قال أصحابنا: ولا تجب على الزمنى والرهبان، ولا على الشيخ الفاني، وقد وافقهم بعض مخالفيهم على ذلك، والنظر يوجب أخذ الجزية منهم إلاّ من خرج بالإجماع، قال الله تعالى في كتابه: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون)()
فظاهر الآية يوجب أخذ الجزية من الرهبان والشيوخ وغيرهم إلاّ من خصّه بالإجماع، والله أعلم.