بسم الله الرحمن الرحيم


تمهيد قواعد الإيمان


« فتاوى الشيخ سلطان بن محمد البطاشي »





جـ «1» (72-78)


ومما هو مضاف إلى الكتاب عن شيخنا البطاشي اسم الزوج يطلق على الواحد أم على الاثنين ويكون مثل الشفع في التسمية أم لا؟


الجواب: لا يحسن عندي أن يكون الزوج كالشفع، لأن الشفع اسم للاثنين، والزوج اسم لكل واحد معه آخر فيقال فيهما: زوجان لا شفعان، والله أعلم.


* مسألة: وعنه وما ذكرته من السؤال في الرجوع بتاء الفاعل إلى ما عليه أصل البناء من السكون؟


فالجواب عنه: أن ذلك لا يمكن أن يكون لوجهين:

أحدهما: أن كون المبني على حرف واحد مانع من السكون.

والثاني: أن تاء الفاعل يسكن لأجلها ما قبلها، فإذا سكنت هي التقى ساكنان على غير حدة، وذلك ممتنع لا في حالة الوقف، والله أعلم.

وما ذكرته من السؤال عما قيل أن ألف الإلحاق تتميز عن ألف التأنيث إلى وقعت في آخر اسم يوازن شيئاً من أوزان الأسماء، وإن وقعت في آخر اسم لا يوازن شيئاً من أوزان الأسماء، فه تأ

الجواب عنه: أن ذلك ظاهر في الاسمين المذكورين في كتابك، وهما أجلا بفتح حروفه الثلاثة اسم لكان وبردا يفتح حروفه الثلاثة اسم لنهر دمشق، فإن ألفهما تأنيث، إذ ليس في الأسماء ملحقين به، فتعينت ألفهما للتأنيث.

وأما سؤالك عن الجمع بالألف والتاء فشرطهما أن تكونا مزيدتين، وشروط زيادة التاء احتراز على نحو تاء أبيات، وشرط زيادة الألف احتراز عن ألف نحو قضاة، ولأنهما أصليتان.

وأما تعليل اختيار هذين الحرفين للجمع المؤنث فإن كل واحد منهما له دخل في الجمعية على انفراد، كرجال في الألف، وقضاة في التاء، وقد يجتمعان في نحو: صياقلة وصيارفة فلذلك أوثرا على غيرهما في الجمع المؤنث السالم، والله أعلم.

أما السؤال في تسكين تاء الفاعل فيؤتى، وأما السؤالان الأخيران فلا، وأما خطك في ذلك التعريف فكله يؤبى لتداخل بعض حروفه في بعض.



* مسألة: وعنه: قال أبو نبهان شعراً:

وقد كان من أوصافها في صـفـاتـها***على العكس كون العكس شرعاً دعى ليا

وصف الشيء نعته في الواصف له، والصفات جمع صفة هي كالعلم للموصوف بما كان من خَلْق أو خُلُق، وذهب قوم إلى أن الصفة هي الوصف وليس بصحيح.

وقال في موضع آخر:

تجلى ظــهوراً بالصـفــات لذاتــه***إلى طوره فاندك من نورها شهبا


تجلى بمعنى ظهر، ونصب ظهوراً على المصدر، والظهور نفس التبيين يقال: ظهر الشيء إذا بان، والصفات جمع صفة وهي ما بان به الشيء من غيره على ما به هو في نفسه.

وذهب قوم إلى أنها هي الوصف، وقد مضى فيما مضى أنه ليس بصحيح، انتهى كلامه نقلاً بحروفه رحمة الله عليه ورضوانه لديه.

فانظر فيه قال: فقد صح من فحوى كلامه رحمه الله تعالى أن الوصف كلام الواصف للموصوف، حيث يصفه بصفته فافهم رحمك الله.

وقد ذاكرتني سابقاً في قول القائل: أنا أفقر الخلق إلى الله، وأحوجهم إليه، فأجبتك بما أجبتك، ثم ظهر لي جواب ثان وهو: كل إنسان يرى بالنظر إلى نفسه أنه كذلك، وإن كان غيره مثله، وهذه طريقة مستمرة في الكلام.

ومنه قوله تعالى: وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ، أي أن كل واحدة من تلك الآيات ، ترى بالنظر إلى نفسها أكبر من أخواتها .

ومنه قول الأنمارية وقد سئلت عن بنيها أيهم أفضل فقالت: فلان، ثم قالت: بل فلان، ثم قالت: تكنتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها.

ومنه قول القائل:

من تلق منــهم تقل لاقـيت سـيـدهــم***مثل النجوم التي يسري بها الساري


ومن جواب عنه: أن الله تبارك وتعالى يقول: وربك على كل شيء حفيظ ، هكذا أظن الآية أو ما يشبهها إن لم تكن كذلك بحروفها ، والمعنى في ذلك فيما أرجوه ، أن كل شيء من مثقال الذرة وما دونها وما فوقها محفوظ عنده ، لا يعزب عن علمه منه شيء .

وأما الحفظ لمعنى الكلاءة من الآفات هو مختص بمن يريد سبحانه أن يكلأه منها، فظهر بذلك أن الحفظ الأول عام، والثاني خاص، والله أعلم.


ومن جواب عنه أيضاً:

إن الله مولى جميع خلقه ومولاهم في الدنيا والآخرة، والمعنى أنه مالكهم وقاهرهم، وأما وليهم ومواليهم ومولاهم بمعنى ناصرهم فلا يكون إلا للمؤمنين، ومن ذلك قوله تعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم . الأولى عامة ، والثانية خاصة فافهم ، والله أعلم .


ومن جواب عنه آخر: أن الصراط رويت في السبع فيه، القراءات الثلاث: الصاد الخالصة، والسين الخالصة، وهي الأصل والصاد مبدلة منها في اللغة العالية، والثالثة إتمام الصاد صوت الزاي إلا أني لا أعرب كيفية اللفظ به، وأما الزاي الخالصة فقد عرفنا فيه أنه خطأ، والله أعلم.


وعنه أيضاً: ما الوجه في كتابة الصلوة والزكاة والحيوة والربوا بالواو، عرفني بذلك؟


الجواب: أما كتابة الصلوة والزكوة والربوا قيل أنهما على لغة من يفخمها، والله أعلم. فانظر في جميع ذلك ثم لا تأخذه منه إلى الحق.


* مسألة: وعنه أيضاً: أن عظم الشمس مقدار كبر الدنيا كلها، برها وبحرها مائة مرة وستين مرة، وأن سدرة المنتهى في السماء السابعة، وأن علم الخلائق لا يجاوزها أحد من الأنبياء ولا من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، ولا مبلغ علمهم إليها.


وعنه: السبرات هي الليالي الباردة اللاتي يكون فيها البرد الشديد.


* مسألة: وعنه: وهل شيء من سور القرآن إذا بدأ بقراءتها لا يجوز تركها إلى بعد تمامها؟


الجواب: لا أعلم في إلا ما قد قيل من الكراهية في سورة الأنعام. والله أعلم.



جـ «1» (172-174)



بسم الله الرحمن الرحيم

وجدت هذا الجواب عن الشيخ العالم الرباني سلطان بن محمد البطاشي رحمه الله، والأول منقطع، وفي بعض الروايات فإن الأمة لما اختلفت هذا الاختلاف الكثير، وقد صدق قوله في الحديث الشهير ، وكان الكذب من بعضهم في بعضها ، مقطوعا به ، واجبا رده لقوله ( ألا وسيكذب علي من بعدي فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو عني قلته أو لم أقله ، وما خالفه فليس عني قلته أو لم أقله) ، والروايات في ذلك على وجهين .

الوجه الأول: ما يكون سبيله سبيل الأمر، والنهي، فيجوز التضادد بين بعضه وبعض من حيث الناسخ والمنسوخ، فيقال في الناسخ: ثابت وفي المنسوخ باطل، وذلك كتحليل المتعة وتحريمها، والنهي عن زيارة القبور، ثم الأمر بها بقوله: «ألا فزوروها ولا تقولوا هجراً».

ومن حيث الخصوص والعموم كقوله ( إذا أدركتك الصلاة فصل ) ،ثم استثنى في حديث آخر مواضع لا تجوز الصلاة فيها ، فيقال : في الأول عام ، وفي الثاني خاص ،وكلاهما ثابت، إلا أنه لا يقبل ذلك عندنا إلا ما تقررت عليه شريعتنا ، وما خالفها وصح في إجماع أصحابنا فيقال فيه مردود ، وهذا الوجه يجوز فيه التضاد بين الروايات وبينهما وبين الآيات .

فأما مثال التضادد في ذلك بين الروايات من حيث الناسخ والمنسوخ، ومن حيث الخصوص والعموم فقد مضى، وأما مثال التضادد بينها وبين الآيات، فهو كنحو وجوب الوصية للوالدين في سورة البقرة، ثم نسخها بقوله :( ألا لا وصية لوارث ) .

ومن حيث الخصوص والعموم كنحو قوله تعالى في سورة النساء: وأحل لكم ما وراء ذلكم ، في ذكر المحرمات من النساء ، ثم حرم أن يجمع بين المرأة وعمتها ، وبينها وبين خالتها .

وأما مثال التضاد بين الآيات من حيث النسخ ما ثبت فيمن توفى عنها زوجها أن تعتد حولاً كاملاً من قوله تعالى:

وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ، نسخت تلك العدة بقوله تعالى: يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا .

ومن حيث الخصوص والعموم ما ثبت من تحريم المشركات، من قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ، وتخصيص بالتحليل للمشركات الكتابيات بقوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ، بيان القول على الوجه الأول الذي يخرج مخرج الأمر والنهي .


والوجه الثاني: الذي يخرج مخرج الخبر كالتوحيد والوعد والوعيد فبيان القول فيه أنه لا يجوز التضادد فيه بين الروايات، ولا بينهما وبين الآيات، ولا بين الآيات وما أوهم المضاددة بحسب ظاهره، فهو مردود بالتأويل على الموافقة، فما احتمل له وجه حق عند الراسخين في العلم فلا يجوز رده كنحو ما يروى عنه ( سترون ربكم )

وقوله : ( لا تزال النار تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه ، فَتَقُولُ قَطْ قَطْ ) ، وقوله ( إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان ) ، وقوله في أهل الجنة ( فإذا الرب قد أشرف عليهم ) .

فهذا ونحوه مما يخرج له تأويل حق عند العلماء، فلا يجوز رده، وما لم يحتمل وجه حق مثل أن يقال: إن ذات الله تعالى ترى بالأبصار، وأن فسقة الموحدين يخرجون من النار وينعمون في الجنة مع الأبرار، وأن الله يغفر لهم ذنوبهم على الإصرار، وأن شفاعة الرسول على من يموت منهم على غير توبة واستغفار ، فهذا ونحوه مردود واجب الإنكار ، محتمل من ذلك وجه حق فهو دقيق ، كم في بحره بالرد له من غريق وغريق ، فالواجب الاحتراز من سلوك هذا الطريق ، الاكتفاء فيه بأن يقول قوله المسلمين .

فهذا ما يسر الله من الكلام على الروايات والآيات ، فكن من علمه على إتقان ورسوخ ، واعلم أن الوجه الثاني لا يجوز أن يكون فيه ناسخ ولا منسوخ .



جـ «1» (248-249)



* مسألة: عن الشيخ العالم سلطان بن محمد البطاشي:

باسم الله والحمد لله، وصلى الله على رسوله وآله وسلم.

وبعد: فالمثبتون لرؤية الباري، والنافون لها كلهم يحتجون بقوله تعالى: ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني .

فقال المثبتون: إنه تعالى علق الرؤية باستقرار الجبل، وهو أمر ممكن والمعلق بالممكن ممكن.

وقال النافون: إنه سبحانه وتعالى علق الرؤية باستقرار الجبل حالة التجلي، وهو محال، والمحال بالمحال محال.

قلت: وجه استدلال المثبتين أنهم نظروا إلى استقرار الجبل من حيث هو هو فجعلوه ممكناً، ووجه استدلال النافين أنهم نظروا إلى استقرار الجبل حالة التجلي، فجعلوه حالاً، ولا يخفى على من سلك طريقة الإنصاف، ولم يركب متين الاعتساف، أنه سبحانه لو أراد إمكان الاستقرار لما أتى بعده بقرينة التجلي، الذي يستحيل معه الثبوت والقرار، ولجاء بالكلام على وتيرة واحدة، كأن يقول: فلما نظر إلى الجبل اندك، ولكنه أتى بقرينة التجلي اللاحقة للدلالة على أنه مراد منظور إليه في الآية السابقة، فيكون التقدير فيها، ولكن انظر إلى الجبل حالة تجلي رب العزة هل يثبت أم لا؟ فإن ثبت فسوف تراني.

وكذلك يتصل الكلام ويتلاءم، ويأخذ بعضه بحجزة بعض، فيكون من باب التعليق بالمحال، وإلا تفكك الكلام وتنافر، فلم يكن بين الاستدلال وبين التجلي طباق، وخرج النظم على الالتئام والاتساق، فيلذق كل ذي ذوق سليم. شعراً:

وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ***يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا

غيره:

وكم من عائب قولاً صحيحا***وآفته من الفــهــم الــســقــيم

والله بكل شيء عليم.




جـ «2» (14-26)



* مسألة: وما هو مضاف إلى الكتاب عن الشيخ العالم سلطان بن محمد البطاشي، والرد على المدعين بالخروج من النار:

الحمد لله على فتحه الجليل، وعلى صنعه الجميل، وعطائه الجزيل، وإلهام نكت التنزيل، لتبكيت من ضل عن التأويل.

والصلاة والسلام على أفصح من نطق بالضاد، وألقم الحجر كل من عارض وضاد، وعلى آهل وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق الجهاد، وجاهدوا أهل الزيغ بالتي هي أحسن، فكانوا حجة الله في أرضه على عباده، وعلى جميع النبيين والمرسلين، لمزيد قيام الحجة على العالمين.

أما بعد: فقد وقفنا على مذهب صاحب الكشاف، وقوله بتأييد الخلود في النار، لأهل الشكر والإنكار، وفسقة أهل التوحيد والإقرار، واعتراض صاحب الحاشية بالرد عليه مدعياً خروج فسقة الموحدين من هذا الحكم، فأردنا أن نتكلم في ذلك على حسب ما عرفناه عن أهل العلم، والحق أن علماء المسلمين لم يألوا جهداً في الكشف والبيان، عن مثل هذا الشأن، فأفحموا كل من عاب مذهب الحق وشان، ولكن لا يكاد يجد بداً من التكلم في ذلك كل من أطلق العنان، صوب هذا الميدان.

فنقول: لو وجدنا سبيلاً في الحق إلى تصحيح القول بالخروج من النار، لكنا إلى ذلك في غاية الاحتياج والافتقار، لقبح أعمالنا، وتفريطنا في جنب مولانا الواحد القهار، على أننا نرجو ثوابه أنه كان حليماً غفوراً، ونخشى عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً، ولكنا لم نجد فيه إلا أن يقلا في حق من يدعيه، بل أن يقال في حق من يدعيه، بل أن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً، وقد وجدنا من ينتحل نحلة الإسلام، ويأتمون بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام، مختلفين في ذلك على ثلاثة مذاهب متضادة الأحكام.

فذهب المعتزلة والأباضية والخوارج إلى تأييد الخلود لجميع العاصين من المشركين والموحدين.

وذهب آخرون إلى العكس من هذا، فادعوا خروج الجميع وسووا في المصير إلى الجنة بين العاصين مشركاً أو موحداً، وبين المطيع.

وذهب أهل السنة والشيعة والرافضة إلى خروج عصاة الموحدين من حكم التأبيد في الخلود، دون أهل الشرك والجحود، فكانوا لكثرتهم أشد على الناس في الإضلال، وإن كان من يدعي خروج الجميع أشد من الضلال، فتوجه بخطابنا إليهم لتعويل أكثر الناس عليهم، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين.

فنقول وبالله نستعين: إن هؤلاء الجماعة احتجوا على ذلك بوجود، أخذوها من أئمتهم المطاعة:

أحدها: أن غاية ما أخبر به الكتاب المبين، في وعيد عصاة الموحدين، أنهم في النار خالدين، والخلود ما لم تضم إليه كلمة التأبيد، قد يقتضي معنى الدوام ولا يفيد، ولكن يراد به

المكث الطويل، الذي ينقطع ويبيد، للموافقة بينه وبين حديث الخروج من النار، الوارد في عصاة أهل التوحيد، والدليل على ذلك قول لبيد. شعراً:


فهل حدثت عن أخوين ما داما***على الأيام إلا ابني شمــــام
وإلا الفرقدين و آل نعش *** خوالد ما تحدث بانهدام

وقوله في معلقته:

* صماً خوالد مما يبين كلامها *

وقول غيره، يشبه أن يكون قول الأعشى شعراً:

لن تزالوا كذلكم ثم لا زلت***لكم خالداً خلود الجبـــــال


وقد علم علماً قطعياً كون الانصرام والنفاد في الخلود المذكور في هذا الجهاد، وقدر القاضي في تفسيره، وتبعه البيضاوي بمعنى الانقطاع في الخلود، فقالوا: لو أفاد في أصل وضعه الدوام، لكان ضم الأبد إليه في اللغو في الكلام، واستدلوا على التفرقة بين الكفار، وعصاة أهل الإقرار، بتنويع الأبخرا عن أهل الوعيد بالنار، حيث قيل في بعض المواضع: خالدين فيها أبدا ، وفي بعضها حذف الأبد : هم فيها خالدون ، وفي بعضها : إنهم في النار ،بحذف الخلود والأبد معا .

وثانيها: ما ذكره علماء البيان من أن تقديم المسند إليه، وإتلاف حروف النفي يفيد تخصيصه بنفي الخبر عنه، مع ثبوته لغيره، فلا يكون قولك ما أنا فعلت هذا إلا لفعل قد تحقق كونه، ووقع التردد في فاعله من هو، فنفيت أن تكون فاعله أنت، وأثبته لغيرك ،أي ما أن فعلته مع أن مفعول لغيري، ونحوه قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب : ولولا رهطك لرجمناك ، بعد قوله هناك ، حكاية عنهم علينا بعزيز .

فقد صرح أئمة التفسير: هذا التركيب يقتضي نفي عزة شعيب عليهم، مع ثبوتها لرهطه، وإلا لم يصح جوابه إذ قال لهم: يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ، فإذن لا محيد ولا محيص عن إفادة معنى التخصيص ، في قوله تعالى في الكفار : وما هم بخارجين من النار ، المختصون بنفي الخروج منها ، مع ثبوتهم لغيرهم من الأشرار ، وليس ذلك الغير إلا عصاة أهل الإقرار .

وثالثها: غفران ما دون الشرك من الأوزار، من قوله تعالى: لمن يشاء .


ورابعها: تعذيبهم بقدر أعمالهم السيئة، ثم يخرجون إلى الجنة بالجزاء بأعمالهم الحسنة، من قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .

وخامسها: حديث الشفاعة، قوله ، فيما يزعمون على أثر كلام طويل ، : ( ثم أشفع ، فيحد لي حدا ،فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، فأقول يارب لم يبق في النار إلا من حبسه القرآن ) ، أي وجب عليه الخلود على وجبه التأبيد من أهل الكفران ، وقوله : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) ، إلى غير ذلك من الوجوه التي لا فائدة في تعدادها ، ويكفي عن الجواب في الوجوه المذكورة .


الجواب: عن الوجه الأول في إعدادها: لأنه الباب المدخول منه إليها، وبشدة كون أشدادها، فنقول في الجواب عنه، ونسأل تبارك وتعالى أن يوفقنا في أقوالنا لسدادها: إن الخلود موضوع في لسان العرب لمعنى الدوام المستمر الذي ليس له انصرام، فحديث الخلود ينافيه منه بمنزلة إلا روي من الأنعام، قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلك الْخُلْد أَفَإِنْ مِتّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ ، والخلود المسموع من لسان العرب في ذلك الجهاد ، ليس انقطاعه وضعه بمستفاد ، وإنما استفيد من الأخبار ، عن الواحد القهار ، فلا بقاء لوجود إلا الله ، الذي وجب لذاته الوجود .

وقد اتفق المختلفون في الخلود على أن التأبيد لا يقتضي ولا يفيد إلا معنى الدوام الذي لا ينقطع ولا يبيد، وقد صح فيه الانقطاع بالإضافة إلى الدنيا بما ليس عليه بمزيد، من كلام المعبود، كما صح الانقطاع في الخلود، ومن دليل كلام العبيد، قال الله تعالى في مسجد الضرار لنبيه المختار: لا تقم فيه أبدا ما دمت حيا ، أو ما دام المسجد مسجدا ، وقال له في المنافقين : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ، لا تصل على أحد منهم مات ما دمت حيا لأنه مات على كفره .

مما هو نص في ذلك بل لإنكار قوله في حق اليهود من الكفار: ولا يتمنوه أبدا ،أي الموت أبدا : أي ما داموا في حياتهم الدنيا ، فكان مفهوم هذه الشريطة من التأبيد بمنزلة : الثنيا لأنهم من جملة الكفار الذين قالوا : يا مالك ليقض علينا ربك ، والعياذ بالله من النار .

وكما أخذت العرب من الخلد قولهم للأحجار، خوالد، فقد أخذوا من الأبد قولهم للوحوش: أوابد، وفي أهل المذاهب من يدعي خروج أهل الوعيد من أهل الشرك، وعصاة أهل التوحيد، فله على قول مذهب المدعين لخروج عصاة الموحدين، أن يحتج على خروج المشركين، بانقطاع التأبيد من حيث ما لأولئك أن يحتجوا على خروج عصاة الموحدين، بانقطاع التخليد.

ولأن يحتج بحديث خروج الكل الوارد من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص فيما يزعمون: (ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها) ،لا فيها أحد من حيث ما لأولئك أن يحتجوا بحديث خروج البعض، وله أن يحتج بالغفران للكل من قوله تعالى: قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم : من حيث ما لأولئك أن يحتجوا بالغفران لبعض من قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فدليل الآية بدليل الآية ، ودليل الرواية بدليل الرواية ، ودليل انقطاع التخليد بدليل انقطاع التأبيد .

ولقائل أن يقول على قود هذا المذهب المنقول: إن العرب كما أخذت من الخلد خوالد الأحجار، فقد أخذت من الأبد أوابد وحوش القفار، وهذه الأوابد أقل بقاء من تلك الخوالد في الاعتبار، وكلها يصير إلى الانقطاع والدمار، فيكون على حسب ذلك خروج المشركين من النار قبل خروج عصاة أهل الإقرار، ولن تكون من أهل البدع والأهواء أن يدعي عكس تلك الدعوى فيقول بعدم التسليم لانقطاع الخلود المذكور، في تلك الأشياء، لأنه من كلام أهل الجاهلية العمياء، وهم يعتقدون فيها الثبوت والدوام، لأنهم على خلاف ملة الإسلام


بدليل قول زهير بن أبي سلمى. شعراً:

ألا لا أرى على الحوادث باقيا ***و لا خالدا إلا الجبال الرواسيا
و إلا السماء و النجوم و ربنا ***و أيامنا معدودة و اللياليا

فلو لم يكن مراده بالخلود معنى الدوام لما غالى حتى أشركها في الدائم مع الله سبحانه وتعالى، بخلاف القول في التأبيد، فإن انقطاعه بالإضافة على الدنيا ليس عنه محيد، لوروده في القرآن المجيد، فيكون الخروج من النار للمشركين دون عصاة الموحدين، فالاعتراض بغفران ما دون الشرك، فإنه معلق بالمشيئة، ولا بحديث الشفاعة، فإنه مردود لانسداد باب الانقطاع في الخلود.

ولمن أجاب عن هذا الشيء العجاب، أن يقول في الجواب: أن الخلود وإن أفاد في أصل وضعه معنى الدوام أبداً لآباد، فانقطاعه يستفاد من جواز انقطاع التأبيد، إذ لا يكون أشد منه لأنه يفيد ما يفيد، فيعم الخروج أهل الشرك، وعصاة أهل التوحيد، وإذا قد انفتحت هذه الأبواب، فلمن يدعي زوال هذا العقاب والثواب من أهل الجنة والنار، أن يحتج على دعواه بانقطاع التأبيد لئلا يستوي في زعمه الفاسد من البقاء الدائم المعبود والعبيد، وهو الغاية القصوى من الجهل بمعاني الكتاب والسنة والإجماع وحجة العقل.

فانظروا إلى هذه المذاهب الفاسدة كيف خرجت من باب انقطاع الخلود والتأبيد، فصار البناء على هذه القاعدة في باب الدعوى والاحتجاج بمثابة واحدة إن صح بعضه صح كله، والقول في الفساد كذلك.

فإن قيل: لم يكن انقطاع الخلود والتأبيد يقتضي التساوي بين تلك المذاهب في الدعاوى، وقد وقع الإجماع على أن المشركين لا يخرجون من النار، وقد رووا عن النبي ...ج عصاة أهل الإقرار ولا قائل من المسلمين بزوال الأبرار... والفجار ومستقرهم الجنة والنار ؟

قلنا: لما خالفوا الوعيد، واختلفوا بينهم ذلك الاختلاف الشديد، فروى بعضهم خروج عصاة، فلم يتم إليه افتراؤه حتى ضم إليه افتراء انقطاع التخليد، وزاد بعضهم رواية حديث يقتضي خروج المشركين، وضم إليه افتراء انقطاع التأبيد، ليتم له ما ادعاه من الإفك المبين.

علمنا أن الإجماع واقع على خلاف ما يرجوه أولئك الطماع، من الخروج والانقطاع، اتباعاً لتلبيس شياطينهم إبليس المطاع، حتى كان على قود هذه الضلالة زوال الأبرار والفجار، ومستقرهم في الجنة والنار، مع أ،ه أدخل شيء في الإحالة أقرب من القول بانفراد أهل الوعيد أو بعضهم بالخروج لا محالة، لأنه من القياس على ما شوهد من زوال الدنيا وأهلها، ولا بأس إذ قد جاز في تلك العقول الموقعة بانقطاع الخلود والتأبيد، وهو على خلاف أوضاعهم المعروفة.

فظهر بهذه المعاني الشهيرة أن باب انقطاع الخلود والتأبيد، مفتاح لشرور عديدة إذ سد انسدت، وإذا فتح انفتحت بأنواعها فوضى، والشر يلد بعضه بعضاً.

فكذلك استوت تلك المذاهب في باب الدعوى والباطل بين أهله أشد من الحرب في العدوى، إذ كل من يدعي خلاف ما به يخبر التنزيل، ولم يكن رده إلى موافقة صحيح التأويل، فادعاؤه غير مسلم، سواء أسنده إلى النبي أو أحد من أصحابه أو أحد من التابعين لهم بإحسان ، أو أتاه المدعي من تلقاء نفسه ، والعكس من هذا بعكسه بدليل ما جاء في الحديث عن النبي ( ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده ،ألا وسيكذب علي من بعدي، فأعرضوا ما أتاكم عني على كتاب الله ، فما وافقه فهو عني قلته أو لم أقله ، وما خالفه فليس عني قلته أم لم أقله ).

وقد أورد هذا الحديث الشهير فخر الدين الرازي، وهو من السنة في التفسير الكبير، والشيخ ابو سعيد، ومن من الأباضية في كتاب «الاستقامة» لكان في إيراده الخير الكثير، حيث أفاد جواز أن يسند إليه ما لم يكن عنه إذا وافق الكتاب المنير، ورد ما قاله أن خالفه، ولن يخالفه، ولكن على سبيل الفرض والتقدير، وما نحن بصدده في انقطاع الوعد والوعيد، من قبل المنافي للقرآن المجيد، لأنه نوع من الأخبار التي يستحيل عليها جواز النسخ والتبديل، وإنما هو على الخصوص في الأوامر والنواهي على ما دلت عليه النصوص.

وأما أن يرجعوا إلى العدل والإنصاف، ولكن لا يكون ذلك إلا بالإقرار، والاعتراف بأن الخلود والتأبيد لا يفيدان في الآخرة إلا معنى الدوام الذي لا يبيد، وأنهما من الأمور الإضافية، فهما بالإضافة إلى الدنيا منقضيان لا بقضائها، وبالإضافة إلى الآخرة دائمان لدوامها وبقائها.

وبأن الغفران المطلق، والغفران المعلق، من الآيتين الكريمتين على ما سنذكره إن شاء الله في تفسيرهما في الجواب على الوجه الثالث، وأما أن يثبتوا على ما هم فيه من اختباط العشوى، فتكون تلك الدعاوى في الباطل مستوية الأقدام، وفيه ما فيه على سبيل الإيهام، لخروج مدعيه على ملة الإسلام، نعوذ بالله من الخذلان المبين، ونسأله الاعتصام بعروة حباله المتين.


والجواب عن اعتراض القاضي والبيضاوي، بأن الخلود لو لم يفد في أصل وضعه غير الدوام، لكن تقييده بالتأبيد من اللغو في الكلام، أن الأبد وإن وافق الخلود على معنى استغراق زمان الاستقبال، فكونه طرفاً له ليس من اللغو، فيصح به الاعتدال للدليل البين بصلوح قط ظرفاً لما الجازمة مع اتفاقهما على معنى استغراق الزمان الماضي، وكون لما كقط في هذا المعنى من أحد الفصول بينهما، وبين لم على ما دل عليه استقراء الأصول، وكون مضمون هذا الحرف مصروفاً لهذا الظرف، مع اتفاقهما على استغراق الماضي من الزمان، من الدليل الواضح البيان، على تمادي جهل من زعم أن التفنيد بكلمة التأبيد للخلود المفسر بالدوام، مع اتفاقهما على معنى استغراق زمن الاستقبال من اللغو في الكلام.

على أنه كلامه أولى بأن يطرح ويلقى، فلا يلتفت إليه ويصغى، لا تقييد المظروف بظرفه لمزيد التأكيد والتقرير، ليس بأشد من اتباع الموصوف بوصفه للبيان له والتفسير، وليس بأشد من التكرار للفظ واحد مرتين أو مراراً، بما قد أغنى الإشهار عن إيراد بعضه في هذه الأسطار، وكلام الله ورسول عليه الصلاة والسلام، وكلام العرب العربا في الجاهلية والإسلام، لعي هذا المنهج المستقيم، لكاد يفوت حصره رقم الأقلام، حتى وقع

التوسع في الناس تثنية الفاعل وجمعه وهو مفرد، ولا بأس لأجل تكرير الفعل مع ما فيه من الالتباس، وبه فسر على ما قيل على أحد الوجوه الصحيحة في التأويل.

قوله تعالى:

ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ، أي ألق الفريقين مرتين ، وقوله تعالى : حتى إذا جاء أحدكم الموت قال رب ارجعون أي أرجعني أرجعني أرجعني ثلاثا ، ثم إذا عرفت أن تقييد الخلود المفسر بالدوام ، بكلمة التأبيد غير عزيز وجود مثله في ، واعلم أن ورود الوعد والوعيد على هذه الطريقة يحسن لفائدة جلية ، ونكتة دقيقة ،وذلك أن الدوام في الشيء ، وإن أفاد وجود في زمان الاستقبال على سبيل الاستغراق ، لا ينافي كون الانفصال في أثناء أجزاء زمانه انفصالا ، ما لا يعتد به إلا من جهة إفادة أصل الوضع إياه، بل من جهة ما أثبتته العرب في محله من تنزيله معظم الشيء ، وجلة منزله كله، ما لا يفيد به من أقله ، فحسن ورود التقييد للخلود بكلمة التأبيد ، دفعا لما عسى أن يخطر بالأوهام من جواز الانقطاع ، في أثناء الدوام ، ولسد الطريق المؤدية لتلك المذاهب المردية .

فإن معنى قوله تعالى: خالدين فيها أبدا ،أي دائمين فيما دواما لا انقطاع ما لا جزء من أجزاء الزمان المستقبل ، كما أن قول القائل : زيد لما يفعل ، يفيد نفي الزمان الماضي على سبيل الاستغراق ، فإذا قيد بقط ، التي هي موضوعة لهذا المعنى تأكد الاستغراق من جهتين ، فارتفع احتمال بعض الانفصال في أثناء الاتصال
.

فظهر أن التقييد للدوام والتأبيد، كالتقييد لمضمون لما الجازمة بقط، وأن اعتراض القاضي والبيضاوي بما ذكرناه من ذلك قد سقط، على أنهما من فرسان ميدان التفسير، ولهما في البحث والتنقير، عن نكتة ولطائفة تطويل وتقصير، ولكن أحب الشيء يصم السميع ويعمي البصير، ولن يزيد الباطل أهله غير تخسير.


الجواب: عن الاغترار بتنويع الأخبار عن الفجار: بأن قيد فيهم تارة أنهم في النار، وتارة بزيادة التخليد على سبيل الإطلاق، وتارة مقيداً بالتأبيد أن ذلك مما يحسن على مقتضى علم البيان، أن يكون وارداً في الكلام، على سبيل الافتتان، لما يكون من اختلاف أساليبه من نكتة جليلة الشأن، وكما أن ذلك التنويع في الأخبار عن الفجار، فقد جاء مثله في أهل الجنة الأبرار، فكما لا خروج لأحد من هؤلاء، فكذلك لا خروج لأحد من أولئك، فتدبر هذه القاعدة، فإنها في الوعد والوعيد بمثابة واحدة.

ثم إذا عرفت ذلك فاعلم أن الناس فريقان في غير موضع من القرآن: فريق اهتدى فحق له الجدي، وفريق ضل واعتدى فهو في متالف الردى فريق في الجنة وفريق في السعير ـ خالدين فيها أبدا ـ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ولا يظلم ربك أحدا ، أما ورود التنويع على ذلك الترتيب ، فيحسن أن يكون لما في الانتقال من الرتبة الأولى إلى الثانية ، ومنها إلى الثالثة ، من مزيد الترغيب والترهيب .




والثالثة هي الغاية القصوى في المبالغة في الوعد والوعيد، لذكر التخليد في الجنة والنار، مقيداً بالتأبيد لإزالة الإيهام الذي يدخل في خلد السامع جواز الانصرام، ولقرع الأسماء لذلك الإشباع حسماً للأطماع، في رجاء الانقطاع، وإلا فقوله: وفريق في السعير ، بلا مزيد كاف في باب الوعد والوعيد ، ولكن يزيد على وجه التقرير ، والتأكيد لفظ الخلود الخلود ، مقيدا بالتأبيد لنكتة لا يعرفها إلا ذو ذوق سليم ، وطبع مستقيم . شعرا :

ومن يك ذا فم مرّ مريض***يجد مرّاً به المــاء الزلالا

والقرآن إنما أنزل بلسان العرب، مصبوباً في قوالب أساليب كلامهم، والعرب من شأنهم أن يأتوا بالبليغ تارة، وبالأبلغ أخرى، لاختلاف المقامات والأحوال المقتضية، لاختلاف العبارات والأقوال، فلكل مقام مقال، ولكل حال مقتضى، والعدول عنهما لا يرتضى.

ولأمر ما أخرس الشقاشق، وأسكت اللقالق، ولم يصب أهل التفسير في الكتاب على اختلاف عبارتهم في الإيجاز والإطناب إلا قطرة من آذيه العذب النمير، ولفظة من مآذيه الشافي في أدواء الذنوب، المؤدية إلى عذاب السعير والإحاطة بكلية ما فيه من النكت المدفونة، والغرائب المشحونة محال لغير علام الغيوب.

فهذه جملة الأجوبة عن الوجه الأول متعلقاً، متوسطة بين التقصير والتطويل، فاعرفها واجعل عليها التعويل، واستنبط منها الجواب لكل مسألة: ترد عليك من هذا الباب، والله الموفق والهادي للحق والصواب.


جـ «2» (98-105)


وفي الضعيف إذا لم يعرف الفرق بين شهرة الدعوى، وشهرة الحق، فداخله الشك في أن فلاناً اشتهر عنده ضلالة أم لا، فلم يدر أن ذلك قد اشتهر عنده أم لا، فلم يبرأ منه أيكون سالماً أم لا عذر له إلا أن يعرف أن ذلك قد اشتهر عنده ضلالة، إذا كان مشتهراً عنده، ويبرأ منه، أو صار في إشكال من أمره، فيقف عنه أو يتولاه على ما جاز، أو لزم عليه، ولا يكون سالماً على هذه الحالة، لشدة الجهالة إلا بأحد هذه الوجوه الثلاثة التي قدمناها آنفاً؟

أرأيت إذا كان يتولى المسلمين على براءة ممن برئوا منه، وشهر معه ضلال فلان أو رآه يفعل معصية لا عذر له في ركوبها، فلم يبرأ منه بعينه، بل يبرأ في الجملة، وعلى الشريطة أيكون سالماً أم لا؟

وإن كان غير سالم فما معنى قول شيخنا الحبيشي ، إذ قال اليحيائي : هل تبرأ من السنية ؟ قال : لا ، قال له : هل تتولى الأباضية؟ قال:نعم ، قال له رحمه الله: إذن أنت تبرأ من السنية رغم أنفك، هكذا رفع لي عنه، فعلى هذا يكون سالما مع ولايته للأباضية على من برئوا منه ، إذا لم يبرأ من أحد بعينه على ما ذكرنا من شهرة ضلاله أو معاينة فسقه .

ومن كلام له أعني الحبيشي نقلا : وأما منزلة القاتل مع السائل والسامع ،فإن لم يحتمل معهما مخرج إلى الحق في قول المسلمين ، فيسعهما الوقوف عنه ، إن ضاقا عن البراءة منه ، وتجري ولايتهما لمن برئ منه من المسلمين ، وإلا فممن خالف الحق ولو في حرف واحد ، فالبراءة واجبة منه على من يلي به حتى يرجع إلى الحق ، ويتوب إلى الله من ذلك . انتهى .

وكذلك إذا اشتهر معه طاعة أحد فلم يتوله لأجل المانع الذي منعه من البراءة من الأول، وتولى كل ولي للمسلمين أيسلم أم لا؟ وهل من فرق بين أن يشتهر معه صلاحه أو يشاهده، أي ذلك الصلاح بنفسه أم لا فرق في ذلك؟ اهدني إلى وجه الحق، وارشدني إلى طريق الصدق؟


الجواب: وعلى معاني ما يوجد في ذلك أن الشهرتين متشابهتان جداً، فالتفريق بينهما دقيق لا يكاد يوقف عليه إلا بالهداية من الله والتوفيق، والأصل في ذلك أن الدعوة لا تنتقل عن حالها، ولو تظاهرت بها الأخبار، فتشاهرت في كل دار، وقابل الشهرة قابل الدعوى التي لا يجوز تحقيقها على من عليه وقعت إلا بقيام حجة عليها من غيرها، وإلا فهي دعوى، فتارة تكون محتملة للصدق والكذب، وتارة تكون من الكذب البحت.


فالأول: نحو ما اشتهر وظهر في كتب القوم، من الروايات الدالة على سعادة من برئ منه المسلمون بحكم الظاهر، فهذا ونحوه محتمل للصدق والكذب، فلا يجوز قبوله ولا رده، ورواته أولى بما رووا، فإن صدقوا فلأنفسهم، وإن كذبوا فعليها، فإن كان ما ورده فيهم حقاً


فقد دخلوا في ولاية المسلمين أنه أراد التي نَعم نِعم جميع المؤمنين، ولا يضرهم من أجروه فيهم من البراءة الظاهرة.

ومثال الكذب في الدعوى التي تحتمل الصدق ما قد تشاهر في اليهود من دعوى قتل المسيح، وفي النصارى من دعوى إلهيته، وفي الشيعة من دعوى أن الأمين فصدها عن حيدرة ونحو ذلك مما يطول به الوصف.

وأما شهرة الحق فهو ما اشتهر مما هو في الأصل واقع، فالعلم به ضروري ليس له دافع، ولو أجمع على خلافه أهل الدنيا في ضرب المثل لما جاز قبولهم كما ترى في هذا القرآن الكريم الذي صح عندنا بالتواتر أنه هو الكتاب المنزل من عند الله، على لسان رسول الله، محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، وما قد صح عندنا بالتواتر الصحيح، أراد من تواتر ديننا عن الأئمة السالفين وغير ذلك مما يطول به الوصف، فظهر أن لا فرق بين الشهرتين، إلا كون شهرة الحق قد تحقق أصلها في الواقع وتلك بالعكس، وذلك شيء لا يبلغ إليه إلا بالتوفيق، اللهم اجعلنا من أهله يا كريم.

فظهر بذلك أن شهرة الدعوى إذا قضت على أحد بشيء فلا يجوز قبولها جزلاً، وبقي الكلام في شهرة الحق فنقول على معاني ما يوجد: أنها إذا قضت على أحد يحدث في نفس الجملة من ردها، أو رد شيء منها أو الشك فيها أو في شيء منها، فلا يسع من بلغ إليه ذلك جهل تضليل راكبه، أو حدث في تفسير الجملة مما تقوم به الحجة من العقل، فكذلك أيضاً، إلا أنه أرخص من الأول، لما يوجد في بعض القول من السعة له إذا ضاق عن البراءة، أو حدث باستحلال لحرام، أو تحريم لحلال في الدين، فالقول فيه كذلك أيضاً إلا أنه أرخص مما قبله، لأنه في الأصل مما لا تقوم به الحجة إلا بالعبادة، إلا أن أكثر القول في هذا والذي من قبله بعدم الرخصة في جهل ضلال راكبها، أو حدث على وجه الانتهاك بما يدين المحدث بتحريمه، فأكثر القول فيه أنه ما لم يتوله العالم بحدثه ذلك، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منه من أجله أو يقف عنهم فانظر في ذلك.

فتلك أربع مراتب بعضها فوق بعض، فضع كل واحدة في موضعها تصب إن شاء الله، والله أعلم.

فانظر في جميع ذلك ولا تأخذ منه إلا الحق.


* مسألة: ومنه: جواب آخر لهذه المسألة: أن الفرق بين شهرة الدعوى وشهرة الحق غامض دقيق، لا يهتدي أحد إليه إلا بفض الله وتوفيقه، والفضل بينهما على معنى ما يوجد فيه عن أهل العدل، أن كل شيء أصله دعوى، فلا يزال على ذلك ولو تواترت به الأخبار في كل دار، ولا يجوز قبوله بذلك الاشتهار، وأن كل شيء أصله حق، ولا يجوز قبوله بذلك الاشتهار، وأن كل شيء أصله حق، فالآخذ بما فيه من الاشتهار فيه محق، وذلك شيء ليس له طريق إلا الهداية والتوفيق.

وأما ما ذكرت من معنى الالتباس، على الضعيف من الناس، في التمييز بينهما، وقد أدى إليه الاشتهار كفر أحد، فضعف عن البراءة منه، لخوفه أن تكون تلك الشهرة شهرة دعوى فكفى بما رفعته عن شيخنا الحبيشي رحمه الله في الرخصة لمن ضعف عن البراءة من أهل الأحداث، مع ولاية المسلمين على براءتهم منه، وذلك خارج على معنى ما يوجد


في الأثر عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله، من قوله في الرواية عنه: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم إلا أن الأحداث تخرج على أربعة أوجه:

أحدها: أن تكون في نفس الجملة، أو في شيء منها، فهذا مما لا يسع من علمه جهل ضلال راكبه، ولا جهل ضلال المتولى له، ولا جهل ضلال الشك فيهما، أو في أحدهما، حتى قال القائل بذلك، أنه لا يعلم فيه اختلافاً.

وثانيها: أن يكون الحديث في تفسير الجملة، أو في شيء منه مما تقوم به من العقل، فهو كما مضى في الوجه الأول، إلا أنه قد قيل فيه في بعض القول: أنه يسع من علمه جهل ضلال راكبه ما لم يبن له علم ذلك، والأول أكثر.

وثالثها: أن يكون الحدث على وجه الاستحلال من تحليل الحرام، وتحريم الحلال، مما لا تقوم الحجة به في الأصل إلا بالسماع، فالقول فيه كالقول في الحديث في تفسر الجملة من الاختلاف.

ورابعها: أن يكون الحدث على سبيل الانتهاك، لما يدين المحدث بتحريمه، فيخرج فيه ما قد ذكرنا من الأثر المرفوع عن الإمام جابر رحمه الله.


فانظر فيما أدته الشهرة إليك من أي شيء من الوجوه الأربعة، وأنزل كل شيء منها في موضعه، إلا أنه فيما عندي إذا ضاق عامة عن تصحيح ذلك على أحد بعينه، فيجزيه أن يبرأ من أهل الصفة، كائناً من كان حتى تقوم عليه الحجة بشيء من الأحداث في أحد بعينه، مما لا شك فيه، والله أعلم.
فانظر في جميع ذلك ثم لا تأخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: ما قولك سيدي في الجاهل يلزمه أن يعتقد من قتله عثمان هم المصيبون على الحقيقة في قتلهم له وفي غيره، وكذلك من قتلهم علي بن أبي طالب من أهل النهروان، أيلزم الضعيف أن يعتقد أنهم مصيبون في ذلك، أم كافي الضعيف أن يقول قولي قول المسلمين؟


الجواب: إن من حبنا لك أن تترك هذه المباحث المؤدية إلى الشك في هذا المذهب الصحيح، والذي يوجد في ذلك عن الشيخ أبي سعيد، أن العاقدين لعثمان هم المنكرون عليه، والمنكرون عليه هم القاتلون له، والقاتلون له هم العاقدون لعلي بن أبي طالب، والعاقدون لعلي هم المنكرون عليه، أو نحو هذا من الكلام إن لم يكن بحروفه، والمنكرون على علي هم المقتولون بالنهروان، وهم الفرقة المسماة بالمحكمة بقولهم: لا حكم إلا لله، وعنها تفرع هذا المذهب الصحيح فمن بلغه أمرهم، وضاق عن تصويبهم، وتولى المسلمين الذين يتولونهم فقد تولاهم.

وإن لم يتول المسلمين على ولايتهم، وشك فيهم فلا معنى لقوله، قوله فيهم قول المسلمين، لأنه إذا شك فيهم، وفي ولاية المسلمين لهم، لم يكن قوله فيهم قول المسلمين إلا لقلقة اللسان.فاترك عنك أمثال ذلك، نجانا الله وإياك وجميع المسلمين سلوك سبيل المهالك، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن خطر في قلبه ذكر شيء من الأفعال الضمان أو الذنوب، لم يعلم حقيقته كيف يلزمه فيه ليتخلص منه في ذلك الحال، ثم نوى الخلاص، وسؤال العارفين عما يلزمه من ذلك الذي خطر في قلبه، فهل تجزيه الدينونة بالخلاص، ويجوز له فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى تأخيره من حال إلى حال، من غير عذر عن طلب المعبر، أم لا يجوز له التأخير، ولا يسعه إلا أن يقوم في ذلك الحال متى ما ذكره بطلب المعبر حيث كان.

أرأيت أن تأخر بقلة عمله وظنه أنه يجوز له التأخير، فمات على نية الخلاص، وسؤال العارفين، أيكون سالماً عند الله تعالى بنيته أم غير سالم؟

وكذلك إذا نسي الضمان والذنب، أيكون معذوراً بنسيانه، وفي حالة توبته ورجوعه إلى مولاه ذاكراً للفعل إلا أنه كثرت عليه التبعات والذنوب، وصار كل ما وجد فرصة يسأل عن تبعاته وذنوبه، ومرة يسأل عن أمر دينه، وبعض الأحيان مشتغل بخلاصه وأمر دنياه؟

أرأيت من كانت هذه نيته وأفعاله إذا سهى عن شيء كان ذاكراً له عند توبته، أيكون معفواً عنه بنسيانه أم لا؟


الجواب: إنما تذكره فعرفه من أفعاله الماضيات على ثلاث وجوه:

أحدها: أن يكون حراماً في الإجماع.

وثانيها: أن يكون حلالا في الإجماع.

وثالثها: ما يختلف فيه بالرأي، ولا هلاك عليه إلا في الوجه الأول، وهو على ضربين أحدهما: أن تلزمه فيه التوبة مع الخلاص كالمظالم، والثاني: أن تلزمه فيه التوبة فقط.

فأما الذي تلزمه فيه التوبة مع الخلاص إذا كان منه على انتهاك لما دان بتحريمه، وكان على مقدرة من الخلاص منه، ووجد المعبر له علم ذلك فلا يسعه جهله، وعليه طلب علم ذلك حتى يتوب منه ويخلص نفسه من ضمانه.
وأما الضرب الثاني: وهو الذي لا تلزمه فيه إلا التوبة، وكان قد انتهكه من الدينونة بتحريمه، فيسعه جهل علمه، وترك السؤال عنه، إذا تاب لله منه بعينه أن هدى إليه أو في جملته من كل معصية لله كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وشرب الخمر والزنى على غير الإكراه، وما قد انتهك.



جـ «2» (136-163)


ومما هو عن شيخنا العالم سلطان بن محمد البطاشي على نسق كلام عنه متقدم: وأما ما أنت له طالب، من بيان الكلام عن علي بن أبي طالب، وما يروي فيه من سعادته على لسان رسول الله ( اللهم والي من والاه وعادي من عاداه ) ، فهذه طريقة عند من صحت معه توجب ولايته على الحقيقة ، وعلى من صح معه ذلك فله التزام ولاية نفسه ،والبراءة مما يأتيه من ضد الحق وعكسه ، أو لا يجوز الباطل من أحد من العبيد من أجل أنه سعيد ، وعلى من لم يصح معه ذلك فيه أن لا يكذب به ، لأنه من الغيب الذي يحتمل كونه بلا ريب ، ولكن لا تجوز له التحقيق لما صح فيه عند هذا الفريق .

فيكون حكم على عنده حكم غيره عند الناس يواليه إذا استحق الولاية، ويعاد به بالظاهر إذا استحق العداوة، وعلى كل واحد من الفريقين أن يقف فيه على حدة لا يرجح عنده إلى ضده، فتكون ولايته بالحقيقة واجبة على من صح معه ذلك، وعداوته بالظاهر واجبة عند من لم يصح معه ذلك، إذا أتى شيئاً مما فاعله هنالك، ولا تضره تلك المعادات المروية من قوله ( وعادي من عاداه ) ، لأنها على من صحت عنده ، وتأدت إليه دون من لم تصح عنده لقيام الحجة بها عليه ، ولا تقوم الحجة بذلك إلا من وجهين :

أحدهما: السماع من لسان رسول الله ،وذلك في حقنا مما لا سبيل إليه .

والثاني: الشهرة الصحيحة التي توجب العلم الضروري الذي لا يجوز عليه الشك، وذلك لم يصح فيه إلا من طريق الخصم فلم يجز تحقيقه عند أهل العلم، وتركوه لأهله.


فإن صدقوا فيه فلهم، وإن كذبوا فعليهم إلا أن يكلفوا الناس علم ما فيه لديهم، ولم يعذروهم من البراءة منهم أو الرجوع إليهم فيكونوا بالبراءة أولى.
وأما عداوة الظاهر في ولي الحقيقة إذا أتى شيئاً من الباطل، فلا بأس بها بل هي لازمة على من لم تصح معه سعادته، ولئن عاداه بالظاهر فقد وافق ولايته في الباطن في جملة التي نتولى فيها جميع أولياء الله.

وأما ما يكون من على الأفعال الباطلة فالبراءة منها لازمة على من صحت معه سعادته، وعلى من لم يصح معه ذلك، لا فرق بين الفريقين إلا في ولاية نفسه، والله أعلم بالصواب.
وأما بيان بطلان التحكيم فنقول: أنه باطل لوجهين:

أحدهما: أن الله تعالى قد حكم في كتابه العزيز فجعل لقتال الباغين غاية ينتهي إليها، فقال تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ، فالكف عن قتالهم لأجل التحكيم ، مخالفة لحكم الله العزيز الحكيم .



والثاني:

أن التحكيم لو جاز فلا يجوز أن يكون ممن خصم، وأحد الحكمين عمرو بن العاص الذي شد على عضد معاوية العاص، فكيف يجوز حكمه في صحيح الإمامة، وقد جعل معاوية بن أبي سفيان إمامه، وقد شق بإمامته الباطلة عصى المسلمين.

كلا إن هذا شيء ظاهر البطلان، لا يجوز قبوله من علي ولا ممن شايعه على ذلك من الأعوان، ولو سلك الفريقان من يتولاه ومن يبرأ منه طريقة الإنصاف لشهدوا عليه جميعاً بما آتاه من باطل التحكيم، وما بعده من قتل من أنكره عليه من الفريق المستقيم، وكان كل واحد منهما واقفاً على حده الذي يخصه من ولاية نفسه، بحكم الحقيقة والبراءة منه على ذلك، بحكم الظاهر من غير تضليل من بعضهما لبعض على التزام ما لزمه من الفرض، ولكن لو صح الإنصاف لما كان الاختلاف، وقد قال الله تبارك وتعالى: ولا يزالون مختلفين ، وقال رسول الله ( وستفرق أمتي إلى ثلاثة وسبعين فرقة والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه تختلفون ) .

وأما حضور ابن عباس عند تحكيم الحكمين بين أولئك الخصوم، فيحتمل وجوه حق ليس في شيء منها بملوم، فلا دليل فيه على صواب التحكيم، إن صح حضوره، والله بكل شيء عليم.

وأما ولايته من قبل علي على البصرة بعد ذلك من غير ظهور توبة منه، فكذلك أيضاً إن صح لا يدل على تصويبه وتخطئة الخارجين عنه، المنكرين عليه، وماذا على الوالي إذا حكم بشريعة ربه المعبود، ولو كان من قبل رئيس النصارى أو اليهود.

وأما محاجته عن علي لأهل النهروان، فيحتمل أنه لم يبن له باطل التحكيم، ولما بينوه له صح منه لهم التسليم، وليس في كثرة عام الإنسان ما يدل على تصويبه في كل الذي منه قد كان.

فلا تكن في اليأس من بيان الصواب في ذلك لأهل النهروان، دون علي وابن عباس، فرب رمية من غير رام تصيب الغرض فيحصل بها المرام، ورب قليل العلم يبدأ في بعض المسائل من تبالغ علمه في الحلال والحرام، وقد قيل في مثل بديع: قد يدرك الضالع شأو الضليع، ولا يصيب الحق من كثر علمه إلا بتوفيق مولاه ذي الجلال والإكرام، وقد سلم سلمان وبلال، وهكذا أمية بن أبي الصلت، وبلعام، فلا يغتر العالم من إحاطته بالعلم بالخاص وبالعام، فقد يكون العلم رحمة ونعمة، وقد يكون بلاء ونقمة، والعياذ بالله تعالى من ذلك، ونسأله التوفيق لسلوك أحسن المسالك.

على أننا لا ننكر ما يروى في علي بن أبي طالب من المحاسن والمناقب، ولا نرد ما يروى من سعادته من غير تحقيق إذا لم يصح ما يوجب علينا العلم بذلك، فليزمنا النص ونقول: إن من يرى منه بظاهر الحكم على ما صح منه عنده من ارتكاب الإثم، ولم تقم عليه الحجة بسعادته فهو مصيب.

وأما من قامت عليه الحجة بسعادته فتولاه، وصوب باطل حدثه من أجل أنه عالم، وأنه سعيد فهو بذلك في ضلال بعيد.

وأما الضعيف فإذا لم يتول محدثاً قامت عليه الحجة بباطل حدثه، وأشكل لعيه إنفاذ الحكم فيه، ولم يبرأ من العلماء على براءتهم منه، ولم يقف عنهم من أجل ذلك برأي ولا بدين، فنرجو له السلامة إن شاء الله تعالى، والله أعلم
أقول قولي هذا، وأستغفر الله الغفور الرحيم، وأتوب إليه إنه تواب رحيم، من جميع من خالفت فيه الحق في هذا وغيره، وحدث فيه عن نهج الصراط المستقيم، والحمد لله رب العالمين.




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، قال الناقل : انتهى ما انتخبناه ، بالخاء المعجمة ، من حاشية هذا الكتاب ، فمنه ما أخذنا أكثره لفظا ، ومنه ما أخذناه معنى دون لفظ ، مجتنبين فيه للإطناب ، ومقتصرين على ما فيه الفائدة من أوله إلى آخر الأبواب ، ومنه ما قد رددناه حيث قلنا : قال الناقل على تحري العدل والصواب ، فنسأل الله الملك الوهاب أن يهب لنا على ذلك من عنده حسن الثواب ، وأن يهدينا عند كل سؤال إلى الحق في الجواب ، وأن يجعلنا من العالمين والعاملين ، الداخلين في الفعل الصالح من كل باب ، وأن يختم لنا به ، ويعيننا عليه ، ويقينا سوء الحساب .

وأن يحسن مآبنا إليه، والله عنده حسن المآب، وأن يجعل ألسن الأقلام التي تخط لنا، أو تحص عنا من الكلام، شاهدة لنا عنده بالثبات على ملة الإسلام، وبالتوبة من جميع العصيان والآثام، وأن يعيذنا من النار، ويدخلنا من فضله دار السلام، إنه لطيف خبير، وهو على كل شيء قدير.

وقد كانت خاتمة الكلام، من هذا الكتاب، في شفاعة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، فبقى لنا أن نقول فيها، بحسب ما عرفناه بالعقول، ورأيناه في الأثر المنقول، وها نحن نشرع في ذلك فنقول:

إن الشفاعة في اللغة: هي الإعانة بالتوسل في طلب العفو والصفح، عن مستحق العقاب.

وفي الشرع: هي الإعانة بالتوسل إلى الله في موقف الحساب، في طلب الإذن منه للمؤمنين بالمصير إلى دار الثواب، وصاحبها الأعظم نبينا محمد ، قد خص فيها بالابتداء دون غيره من الملائكة والأنبياء ، تشريفا له من الملك المعبود ، ببعثه لها في المقام في المقام المحمود ، فيكون هو الفاتح لبابها ، فيشفع ، ثم لا يشفع من بعده من يشاء من أصحابها ، ولا لعصاة أهل التوحيد والإقرار ، خلافا في الدين لمن خصها في زعمه ، أو أشرك فيها عصاة الموحدين ، حيث جعلوا قاعدة مذهبهم ذلك على شفا جرف هار ، من دعوى الخروج لهم من النار ، وقد خلصوا من الاستدلال لمذهبهم المذكور ثلاثة أمور :

الأول: أنهم جعلوا معنى الشفاعة في الشرع مثل معناها في اللغة، على سبيل البت والقطع.


والثاني: ما يروونه في الحديث الذين زعموا عن النبي ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) .

والثالث: أن الأبرار لا حاجة لهم إلى شفاعة نبينا المختار، إذ كل منم بمقتضى وعد الله إلى ثوابه واصل، فالشفاعة في حقهم باب من تحصيل الحاصل.


والجواب عن الأول: أن أكثر موضوعات الشرع يخالف معناها لغة، معناها شرعاً، فلا يكون الخلاف بين المعنيين في الشفاعة بدعاً.

والجواب عن الثاني: أن روايتهم بإثبات الشفاعة لأهل الكبائر تضادها رواية أصحابنا بنفيها عنهم، وإذ تنافت الروايتان فالمرجع فيهما إلى أحكام القرآن المبين، الذي هو حبل الله المتين، من تعلق به نجا، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، وسنتلوا عليكم إن شاء الله أحكامه المحكمة في ذلك عند الجواب عن الثالث، فخذوها من هنالك.

والجواب عن الثالث: أن الاقتصار في نفي الشفاعة عن الأبرار على اعتبار ما خيل إليهم فيها من تحصيل الحاصل جهل وضلال باطل، لا يدعيه عاقل، له حظ من الذوق السليم المدرك للطائف المعاني، التي تضمنتها الآيات والذكر الحكيم، فإن كون الشفاعة للأبرار على الخصوص له أبه ظاهرة جلية، من النصوص الإلهية، في أحكام دنياوية، وأحكام أخروية، ولا ينكرها من الناس إلا موءوف الحواس، ومن كان في هذه أعمى عما هو أقوم قيلاً، وأقوى دليلاً، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.

فأما أشباهها من النصوص في أحكام الدنيا، الذي يقضى بكونها للأبرار على الخصوص، فقوله تعالى تشريفاً لنبيه وتكريماً: وتنبيهاً للمؤمنين وتعليماً: يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ، وقوله إخبارا عن حملة العرش : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ، إلى قوله : وذلك هو الفوز العظيم ، وقوله تعالى لنبيه : فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين .


وقوله حكاية لدعاء نبيه إبراهيم :

رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ، وقوله حكاية لنبيه نوح : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، إلى أمثال ذلك من الدعوات ، وما أشبهها في ذلك من أحكام ، فقد أخبر الله عن حياة المؤمنين وسلامتهم في دار السلام على سبيل الدوام ، فقال : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ، خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً .

ثم أخبر عنهم بأن بعضهم يحيي بعضاً هنالك بما قد ثبت لهم من ذلك فقال: تحيتهم فيها يوم يلقونه سلام ، وقال : دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ، وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ، إلا قيلا سلاما سلاما .

وقد أخبر عن الملائكة بأنهم يدعون لهم هنالك كذلك فقال:

وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ .


فدلت هذه النصوص كلها من دعاء الملائكة والمؤمنين بالصلاة والتسليم على نبينا الكريم، ودعاء حملة العرش بالغفران للتائبين المتبعين سبيل رب العالمين، واستغفار النبي وغيره من الأنبياء للمؤمنين والمؤمنات ، ودعاء أهل الجنة فيها لبعضهم من بعض بالحياة والسلامة ، ودعاء الملائكة لهم بذلك في دار المقامة على أن لا حظ من هذه الدعوات لأهل الإصرار ، من عصاة أهل التوحيد والإقرار ، وما شفاعة الرسول إلا نوع دعاء بخير من جنس هذا الدعاء المنقول ، فكيف يصح العدول بها عن أشباهها عند من له أدنى مسكة من أهل العقول ، مع أن هذه الدعوات على قياس مذهبهم الباطل ، كلها من تاب تحصيل الحاصل .

فإن قالوا: إن أهل الكبائر من أهل الإقرار بالإسلام، قد دخلوا في عموم استغفار الملائكة عليهم الصلاة والسلام، حيث قال الله حكاية عنهم : ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم .

قلنا: إن كانوا داخلين في هذا الاستغفار، من حيث أنهم من أهل الأرض، فالمشركين أيضاً مثلهم، وأنتم مثلنا لا تقولون بذلك في أهل الشرك، فظهر في هذا العموم المنصوص أنه قد قضى عليه معنى الخصوص، لأن الاستغفار المذكور بالمؤمنين مخصوص على نحو ما في سائر النصوص، مع أنه يحتمل أن يكون للعموم، فيفيد معنى السؤال والدعاء لأهل الأرض، طلب الستر والإمهال، كما قيل في قوله تعالى : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ، فيكون استغفارا في أمر الدنيا .

فإن قالوا على التفسير الأول: إن المشركين قد أخرجهم الدليل، فلي لهم إلى الشفاعة من سبيل؟

قلنا: وكذلك عصاة أهل التوحيد، قد أخرجهم الدليل عنها، فليس لهم حظ منها، لما قد أثبتناه هاهنا، فليس عليه من مزيد، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

فإن قالوا: إن استغفار الأنبياء والمؤمنين والمؤمنات يعم من الأمة العاصي والمطيع، فكذلك شفاعة الشفيع، لأن الإيمان على معنيين:

أحدهما: معنى الإيراد منه لا معنى التصديق، فيوصف به العاصي من هذا الفريق.

والثاني: الإيمان المشفوع بالعمل الصالح، فيدخل في اسم المؤمنين والمؤمنات بهذا الاعتبار فريق من الأبرار، وعصاة أهل الإقرار؟

قلنا: إن المراد بالإيمان هاهنا هو الإيمان الشرعي، وهو الإيمان المشفوع بالعمل الصالح، لا الإيمان اللغوي الذي هو التصديق فقط، وعلى تقدير التسليم لذلك، فالمؤمنون اسم عام للفريقين للأبرار والمصدقين من الفجار، ولكن قد خص هذا التعميم دعاء حملة العرش العظيم، حيث كان منهم الاستغفار، نصاً في فريق الأبرار، فدخلوا في منطوقه، وخرج بمفهومه فريق الفجار، فظهر بما ذكرنا من الآيات الكريمة، والحجج المستقيمة.

إن سنة الله جارية في الصالحين من أهل السماوات والأرض بالدعاء، من بعضهم لبعض، فتارة يكون من الفرض كالأمر لأهل الإسلام بالصلاة على نبينا والسلام، وتارة يكون من السنة كالتحية الفاشية بين أهل الجنة، وتارة يكون من الشروط التي يتوقف عليها إذن المولى لأهل الجنة بمصيرهم إليها، كالشفاعة التي جاء في الحديث أنها أحد الأمور الثلاثة، التي لا يكون دخول الجنة إلا بها، وهي رحمة الله، والعمل الصالح، وشفاعة النبي .

إلا أن العمل الصالح والشفاعة، كلاهما من رحمة الله، فإذن لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، لأن أعمال العاملين وإن تمادت أعمارهم إلى آلاف من الأعوام، لا يفترون من الصلاة والصيام وغيرها من سائر العبادات، وأنواع القيام، لا يوازي واحدة من النعم، التي هي تحصيل الطعام والشراب، وتسهيل انحدارها حتى يستقر في الأقصاب، وتحويل أعيانها بآلات الانهضام، وتعديل تقسيمها إلى ثلاثة من الأقسام، وتنويل الجسد القسم الصالح منها بما أودع فيه من الآلات التي يصدر تفريقه في كل جزء من أجزائه عنها، وتنزيل قسمي الفساد مماطاً أذاهما عن العباد راحة للأجساد، وتنبيهاً على أن ابن آدم في حال كماله، وأحسن أحواله، لا ينفك من الخبث واحتماله.

فيكف من قبل ذلك إذا كان نطفة من مني يمنى، ومن بعده حيث يصير بعد موته جيفة ينفر منها الأحب الأدنى، فما هو في افتخاره واختياله، وتماديه في غيه وضلاله، غير مكترث بقبائح أعماله، إلا عظيم الجهل، وتشديداًّ نفحة من ربه الذي غمسه على هذا من حاله، في فضله ونواله، دع ما عدا هذه النعم، من غرائب الفطر، ودقائق الخلق التي أودعها باطن الجسم وظاهره، فعجزت عن وصفها الأفهام، ولم تصل إلى كنهها الأوهام، لكي يتم للعبد بهذا الترتيب الصحيح، الذي يعجز عن تفصيله حذاق أهل التشريح، أمر التعديل والترشيح، لخدمة مولاه الذي هداه، ولهذه النعم أولاه.

ثم وراء ذلك من النعم الخارجة عن الأجساد، فضلاً من رب العباد، ما لا يحصى بتعداد، فإذا كانت صالحات الأعمال وإن حملت متضائلة متقاصرة عن مقابلة أدنى هذه النعم، التي تصير إلى نفاد، فكيف بها في مقابلة نعيم الآخرة الذي لا ينفد أبداً الآباد، وهي لهم مهيئة حاضرة، كلما أرادوها رحمة وفضلاً من مولانا الكريم الجواد.

وإن قال في كتابه العزيز: تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ، فلا شك أن جعله العمل البيان مقابلا لهذه الأنعام ، يخص رحمة منه وفضل وإكرام ، ولولا ذلك ولله الحمد لكان العبد إلى استحقاق العقوبة أقرب منه إلى استحقاق المثوبة .

ألا ترى إلى ما في الخبر من سيد البشر ، أنه قال : ( ما منكم أحد يدخل الجنة بعمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ، وروي عنه قال : ( لو أخذني الله أنا وأخي عيسى ما فعلت إلا هاتان الإصبعان لعذبنا عذابا لم يعذب به أحد من العالمين ) ، وذلك لأن العاملين وما يعملونه من صالحات الأعمال ، وما لهم عليه من الثواب العظيم ، من عند ربهم الكريم ، في جنات النعيم ، كل شيء من ذلك في وصفه ، من خالص رحمة الله وفضله وكرمه ولطفه ، فكيف يبلغون حقيقة شكره وحمده ، بأقوال وأفعال واعتقادات لم تكن لهم إلا رحمة وفضلا من عنده ، ولو بالغ كل منهم في ذلك بما فوق جهده ، وأفنى نفسه وإذا بها في عبادته واجتهاده وجهاده وورعه وزهده .

ثم إن عرفت ذلك فقد تبين بالدليل القاطع، وتعين بالبرهان الساطع، أن لا حق على الله في الأصل لأحد من عباده، ولو اتقاه حق تقاته، وجاهد فيه حق جهاده، لأن نعم الله عليه لا تحصى، وكل ذلك لا يوازي شكره واحدة منها، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها، وهو لم يعطها حقها من الشكر، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له.

وعلى هذا يخرج ما في الحديث عن أبي بن كعب: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» ولكنه تبارك وتعالى رؤوف رحيم غني جواد كريم، ذو مَنّ وفضل عظيم، لم يكلف عباده من الحمد والشكر والطاعة إلا دون ما أعطاهم إياه من الاستطاعة، وجعل بفضله جزاء عملهم اليسير، ما ادخره في الآخرة من الثواب والملك الكبير، فهم يستوجبون عليه ذلك بمقتضى وعده الصادق انتهاء، وإن كان في الأصل لا حق لهم عليه ابتداء، فمن رد إثبات السببية في الآية في دخول الجنة بالأعمال، بما هو باعتبار وعد الله الصادر عن الرحمة والفضل، ومورد النفي لها في الحديث، إنما هو باعتبار عدم الاستحقاق في الأصل، فإثبات سببية الأعمال في الآية مبطل لدعوى الجبرية، الذين يعتبرون التفضل دون الأعمال.

ونفي السببية في الحديث مبطل لدعوى القدرية القائلين باعتبار الأعمال دون التفضل، فإذن لابد لدخول المكلفين الجنة من اعتبار صالحات الأعمال التي جعلها الله برحمته وفضله سبباً لذلك النوال، ولذلك كان الالتجاء إلى الله من أصحاب القلوب الطاهرة عادة بينة ظاهرة، مستمرين عليها في الدنيا والآخرة، ولو كانوا أعلى يقين من السلامة، والفوز بأنواع الكرامة، من ربهم في دار المقامة، فهم في الدنيا في موقف الحساب، يطلبون بذلك إنجاز ما وعدوا به من الأجر والثواب، وفي الجنة يطلبون به دوام الحمد والشكر لمولاهم.

ألا ترى كيف قال الله فيهم : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وقال فيهم : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ، فأخبر عنهم أنهم يدعونه بإتمام نورهم ، وغفران ذنوبهم في حال ما تسعى بين أيديهم وبأيمانهم
تلك الأنوار ، يبشرون بجنات تجري من تحتها الأنهار ، فكان كل من هو إلى الله أقرب ، فأمره في الخوف والخشية منه أغرب ، وكل من كان لخطابه أسمع وأوعى ، فهو لحقوقه أرعى ، وله في السر والعلانية أسأل وأدعى ، وكل من كان في سبيل الخيرات أسلك وأمشى ، فهو لنفسه أملك ولربه أخشى .

ولذلك كان من ذلك للأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم ،ما لم يكن لغيرهم من الأولياء، ألا ترى كيف قال الله فيهم : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ، وقال : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ، فهم على جلالة أقدارهم ، وتيقنهم بالسلامة من أخطارهم ، مدارون بين الخوف والرجاء ، ويكثرون لربهم الدعاء والتضرع واللجاء ، فلم يكن ذلك ممدودا منهم من باب التحصيل الحاصل ، كما كانت الشفاعة للأبرار ممدودة منه في المذهب الباطل ، وما هي في الحقيقة إلا نوع من الدعاء بالخير ، فتكون لأهل الصلاح لا غير ، إلا أنها لا تكون إلا من الأعلى للأدنى ، بخلاف غيره من الدعاء ، فإنه قد يكون كذلك كاستغفار كل نبي للمؤمنين والمؤمنات ، وقد يكون بالعكس من ذلك ، كصلاتنا وتسليمنا على النبي ، وقد تتبعنا آيات الكتاب الحكيم ، وروايات أحاديث النبي الكريم ، فلم نجد فيهما من الدعاء بالخير في أمور الآخرة لعصاة الموحدين من نصيب ، والانتفاع بشفاعة شفيع ، ولا قرابة قريب .

فأما دعاء الصالحين فالكلام فيه قد مضى، وأما الشفاعة فقد قال الله تعالى فيها : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وقال : وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ، وقال : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ، وقال : يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ، وقال : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ، وقال : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ، فدل ذلك كله على نفي الشفاعة من غير أهل الطاعة .

وإن كان فيه عموم يحتمل التخصيص في التأويل، فالعموم يجري على حكمه المفهوم، من ظاهره المعلوم، حيث لا يقوم على التخصيص دليل، وما إليه هاهنا قط من سبيل، لأن الدليل قائم بمنطوقه ومفهومه، على إجراء هذا الحكم على عمومه في جميع الفجار، من المشركين وعصاة أهل الإقرار.

ولئن أشكل شيء من ذلك لما أشكل قوله تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، فإن ظاهره قد حكم وقضى ، بانحصار الشفاعة في الفريق المرتضى ، والعاصي من أهل الإقرار مسخوط عليه ، فكيف تتوجه شفاعة الشفيع إليه ، وتقدير الآية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه بحذف العائد المنصوب ، إلا أن يقول هؤلاء العمي القلوب : إن تقديرها لا يشفعون إلا لمن ارتضى له الشفاعة ، ويجعلون عصاة الموحدين ممن ارتضاها لهم ، لثبوتها بزعمهم عن النبي ، فيصح حينئذ دعواهم ، لولا ما بها من اتباع شيطانهم الذي أغواهم ، حتى قادهم بأذمة التلبيس والتسويل ، إلى التعكيس وضلال التأويل ، فنبذوا ما حكم الله وقضى ، من قصر الشفاعة على أهل الارتضى ، فجعلوها بما يخيل إليهم في الفريق المسخوط عليهم .

ومما يوافق هذه الآيات من صحيح الروايات، ما روي عن النبي أنه قال على المنبر : ( يا عباس عم رسول الله ، ويا فاطمة بنت محمد ، ويا آل محمد جميعا ،إني والذي نفسي بيده عند ربي لمطاع مكين فلا تغرن امرئ نفسه ) ، ويقول : ( أنا عم رسول الله أو تقول ابنة محمد أو من آل محمد اشتروا أنفسكم من الله فإنكم إن لم تفعلوا هلكتم مع من عرفتم هلاكه ، إني على الحوض يوم القيامة فارط فيرد علي ناس من أصحابي ، ثم يأتيني رجل قد عرفته من أصحابي ليختلجن بفروة رأسه عظم ، ثم لآخذن بحجزته فأقول : أرسلوه إنه من أصحابي فيؤخذ بيدي فكاكا أرسل أرسل ، فإنه والله ما مشى بمدك قدما ، وإنما مشى بعدك القهقرى ليدخل جهنم فلا أستطيع له شيئا ، الحذر الحذر يا آل محمد ) .

وما روي عن جابر بن زيد أنه لما نزل : وأنذر عشيرتك الأقربين ، جعل رسول الله يتفخذ أفخاذ قريش فخذا فخذا حتى أتى على بني عبدالمطلب فقال : ( يا بني عبدالمطلب إن الله أمرني أن أنذركم ، ألا وإني لا أغني عنكم من الله شيئا ، ألا وإن أوليائي منكم المتقون ) .

وما روي عنه أنه قال : ( ألا لا أعرفن أحدكم يأتي ببعير له رغاء وبقرة لها خوار وبشارة لها ثغاء ، فينادي يا محمد يا محمد ، فأقول لا أمكن لك من الله شيئا فقد بلغتك ) .

وآيات الكتاب المبين وروايات أحاديث الرسول الأمين مشحونة بالوعيد، واللعن على عصاة أهل التوحيد، حتى تحصل في بعض كتب الحديث أن الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم نحو تسعة عشر صنفاً من عصاة هذه الأمة، خلافاً لما نقلوه من الشفاعة لهم عمن أخذوا من ضلال الأئمة، بناء على قاعدة مذهبهم في دعوى الخروج لهم من النار، وغفران ما دون الشرك والأوزار، بغير توبة واستغفار، وإنها لقاعدة مجتثة من فوق أحكام الله في كتابه، وأحكام رسول الله في سنته، ما لها فيهما من قرار، وإنها لتوشك أن تنهار وتنهد بهم في نار جهنم إلا أن يتوبوا من أهوائهم، صادقين في ارعوائهم، وأنى لهم، وقد سيط حب الباطل بلحومهم ودمائهم وهم أشد حرصاً عليه حين يكونون في دمائهم.للهم يا مالك الملك، إنا نعوذ بك فأنقذنا بفضل من كل هلك.

والحاصل في هذه من القول الفاصل بين الحق والباطل، أن حديث شفاعة النبي المختار، لأهل الكبائر من عصاة أهل الإقرار، أحد الوجوه التي يحتجون بها على خروجهم من النار، وقد تردد هؤلاء الجهال في مذهبهم هذا بين ثلاثة أقوال:

فتارة يدعون للعاصي، غفران ما دون الشرك من المعاصي، من قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فوقعوا في هذا التأويل في تكذيب التنزيل ، لأدائه إلى التبطيل ، لما تكرر فيه من الأخبار ، عن هؤلاء الأشرار ، بعذابهم في النار ، لأن الصحيح من أحكام الكتاب ، ثبت الغفران ، وجب انتفاء العذاب .

وتارة يحتجون بما يزعمون، من حديث الشفاعة، وقد تقدم أن لا حظ لهم في دعاء الصالحين في الدنيا، ولا يوم تقوم الساعة، اللهم إلا أن يدخلوا في الاستغفار الدنيوي، الذي معناه طلب الستر والإمهال، إذ لا شركة لهم فيما يقتضي رحمة الآخرة، على حال من الأحوال،

بدليل ما قد ثبت عليهم من اللعن، المتوجه إليهم في الدارين بلا جدال، حيث قال الله تعالى: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ، إلا أن يقولوا : إن الآية الكريمة نزلت في المنافقين الذين رموا عائشة رضي الله عنها ، والمنافقون مشركون في السريرة ، وإن كانوا مسلمين في العلانية ، لدليل قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين ، فوقع اللعن في الدارين على هؤلاء الرامين بكونهم مشركين .

فنقول: إن ظاهر الآية لا يدل على أن المراد بالذين يرمون، المنافقون المذكورون، وعلى تقدير التسليم بهذه الدعوى، فالعبرة بعموم الحكم لا بخصوص السبب، ولا أن على اللعن في الدارين هي الرمي وحده، فتناول اللعن في الدارين كل رام مشركاً أو موحداً، لكل مزية قد اتصفت بتلك الصفات المذكورة، وكون العبرة بعموم الحكم لا بخصوص السبب طريقة شهيرة، ونظائرها في القرآن وغيره كثيرة.

وتارة يزعمون أن عصاة أهل الإقرار يعذبون بقدر أعمالهم في النار، ثم يخرجون منها إلى الجنة منعمين مع الأبرار، فإن كان ذلك مأخوذاً من قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها و من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ، فالجزاء بالأمثال على سيئات الأعمال عام في أهل الشرك والإنكار لعصاة أهل التوحيد ، وإن كان مأخوذا في الحديث عن النبي ، فإن كان فيه عصاة أهل التوحيد يعذبون بقدر أعمالهم ، فهو موافق لما في القرآن من الآيات ، في جزاء الذين كسبوا السيئات بأمثالها ، ونفي الخروج من النار الثابت عندهم في الأخبار زائدا على ما اتفقت عليه الآيات والروايات ، من الجزاء للعصاة ، بمثل ما كسبوا من السيئات .

فوجب طرح المزيد الذي يفيد بظاهره تكذيب القرآن المجيد، المصرح لهم بالخلود في دار الوعيد، ولا حجة لهم فيما يزعمون، من طرح كلمة التأبيد، عند ذكر عقاب عصاة أهل التوحيد، على تقدير التسليم لذلك يكفي بالخلود وحده، دليلاً على الدوام الذي لا يبيد، حتى لو طرح ذكر الخلود مثلاً في حقهم، لكفى في حق الأشرار، ذكر وعيدهم في النار إذ متى صح الدخول فيها افتقر الخروج منها إلى دليل محكم لا يحتمل غيره التأويل، وذلك ليس بموجود في التنزيل، والحديث الذي يخالف أخباره لا يجوز عليه التعويل.

ثم إن المذكور في الآيات والروايات، من جراءات أهل الإساءات، بمثل ما كسبوا من السيئات، عام في الأشقياء مشركاً وموحداً، لا يخص منهم أحداً وهي مثلية دائمة مؤبداً، وتقديرها بالحق لا يدخل تحت علم الخلق، لاختصاص علمه بالخالق تبارك وتعالى، لما قد ظهر بحيث لا ينكر من جهل الخلق بمعرفة المماثلة بين عقوبات الدنيا، وبين الأحداث التي يعاقب أهلها عليها عند العوام من المسلمين، كالحدود على الزنى فإنها قد تكون قتلاً بالسيف إن كان الزنى بذات غير محرم، وقد تكون رجماً بالحجارة إن كان ممن أحصن، وقد تكون مائة جلدة إن كان ممن لم يحصن، وأقل القدر الذي تجب به إحدى العقوبات الثلاث التقاء الختانين، وما هو إلا لذة يسيرة، في جنب تلك العقوبات الكبيرة.

وقد تكون هذه العقوبات كذلك على من أفنى في الزنى زمانه الطويل من غير تفرقة بينه وبين من أصاب منه ذلك القدر القليل، وهكذا القول في الحد من شرب الخمر، من غير ما فرق بين من احتسى منه حسوة، وبين من شرب منه ملء فرق، فإذا كان الأمر كذلك في العذاب الأدنى فلعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.

ولعل الحكمة في تأبيد عقاب الآخرة، أن العصاة لما عصوا إلها عظيماً لا نهاية لعظمته، عاقبه عقاباً لا نهاية له، فكان هؤلاء في ترددهم في ثلاثة الأحوال أحقاء بأن يخاطبوا بقوله تعالى: والسماء ذات الحبك ، إنكم لفي قول مختلف ، يؤفك عنه من أفك ، أفلم يروا إلى الحق الأبلج ، الدامغ للباطل اللجلج ، في سنة الله التي قد خلت في كتابه ، حيث قال في خطابه في وعد أهل ثوابه ، ووعيد أهل عذابه ، تارة : خالدين فيها أبدا ، بالجمع في التعبيد ، بين التخليد وكلمة التأبيد على طريقة التأكيد ، كقوله في أهل الجنة : جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ، وكقوله في أهل النار : أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

وتارة يكون الاقتصار على ذكر الجنة والنار، كقوله في أهل الجنة : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، وقوله في أهل النار : لا جرم أن لهم النار ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة ، الجارية على هذه الوتيرة ، التي لا يجهلها إلا أعمى البصيرة .

فكمال اختلاف العبارات الثلاث، في وعيد أهل النار، ولا يقتضي خروج فسقة أهل الإقرار، والكل فريقان في غير موضع من القرآن : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة و فريق في الجنة وفريق في السعير
، فالحكم فيها بالثواب والعقاب واحد ، لا يختلف عند أولي الألباب ، المتقنين لأحكام الكتاب ، الحاصلين عند ورود الشبهات على الجواب ، الموافق للحق والصواب .

وقد قال الله تعالى : ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ، فكما لا يبدل القول لديه في حق أهل الوعد ، كما لا يبدل القول لديه في حق أهل الوعيد ، وحصل الضد على ضده كثير ، كما جاء حمل النظير على النظير .

فإن قالوا: قد صرح أئمة التفسير أن حرف النفي إذا وليه الضمير أفاد تخصيصه بالخبر فعلاً كان أو صفة كقوله تعالى إذا كان الخبر صفة : وما أنا بطارد الذين آمنوا ، وقوله : وما أنت عليهم بوكيل
، وقوله : وما أنت عليهم بعزيز ، ونحو ذلك حيث قالوا في هذه الصور بتخصيص نفي هذه الأخبار عن الضمائر الواقعة بعد حرف النفي ، مع ثبوت الاتصاف بها لغيرهم ، فتكون هذه الأخبار متحققة الوقوع ، ولكنها من غير هؤلاء الذين وقع ضميرهم بعد حرف النفي ، فدل مثل ذلك من قوله تعالى في المشركين : وما هم بخارجين من النار ، وقوله : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ، على أن الخروج لبعض أهلها يتحقق الوقوع ، ولكنه لغير المشركين الذين ولي ضميرهم حرف النفي ، وما هم إلا عصاة الموحدين ؟ .


قلنا: إن الله تعالى قال في أهل الجنة : وما هم منها بمخرجين ، فصورة تركيب الكلام في الفريقين فيلزم من دلالة الكلام على الخروج من النار لبعض أهلها ، دلالة الخروج من الجنة لبعض أهلها ، ولا قائل بذلك متأولا منهم ، فظهر أن لا محيص إلى القول في ذلك كله بالتخصيص .

على أن بعض أهل البلاغة قد نص على المنع في هذه الصور، أن يكون التخصيص لكون ذلك عنده في الخبر الفعلي خاصة، كقولك: ما أنت سعيت في حاجتك، بتقديم الفاعل المعنوي وإيلائه حرف النفي لقصد التخصيص، بخلاف نحو تلك الصور، فإن الضمير فيها يكون فاعلاً معنوياً مقدماً لإفادة التخصيص، لأنه لو كان كذلك والحالة هذه، لزم بقاء ما يلي اسم وهو ممنوع، ولزم في المعنى إيلاؤها خبرها داخلة عليه الباء، وهو ممنوع في الرواية عن أبي علي الفارسي، فتعينت تلك الصور أنها من باب تقوية الحكم، لا من باب التخصيص.

وظهر بما ذكرنا من هذا كله أن جميع ما يحتجون به من ذلك على خروج عصاة الموحدين من النار، قد قيل بمثله في أهل الجنة من غير دعوى منهم لخروج أحد من أهلها، ففرقوا بين ما جمع الله من الأحكام الواردة على أسلوب واحد من أساليب الكلام، فجعلوا لأهل الوعد بالثواب من الخلود والتأبيد ما لم يجعلوه لبعض أهل الوعيد.

وصورة الأخبار واحدة في الفريقين الأبرار والفجار، أنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، والعلم عند الله في هذا وغيره، وإليه ترجع الأمور، فيجزي كل عامل بحسب عمله الجزاء الموفور.

ثم إن من لم يكن له نصيب من لطف الله الرحمن الرحيم، وتوفيقه للهداية إلى صراط المستقيم وكان في أسر عدوه الشيطان الرجيم، واتكل في تفسير القرآن والحديث على فهمه السقيم، ولك يكن له حظ من الذوق السليم، فقل ما يوجد شيء من الآيات، وصحيح الروايات المحكمات، فضلاً عن المتشابهات، إلا وفيه معنى الاحتمال، لوجه من وجوه تأويلات الضلال، فيصح حينئذ مذهب من يذهب من الضلال إلى انقطاع عذاب المشركين، لأن أشد ما جاء في وعيدهم بالنار قوله تعالى : خالدين فيها أبدا ، والأبد في اللغة اسم للدهر ، واسم للدائم ، فيكون له أن يحتج في دعواه فيقول : إن المعنى خالدين فيها دهرا منكرا يحتمل التنكير ، لمعنى التقليل والتكثير ، وأيهما كان في التقدير فلا ينافي خروجهم من عذاب السعير .

فتلك الدعوى لمن قالها من أهل البدع والأهواء، وكذلك إن فسر الأبد بالمعنى الثاني فقيل: خالدين فيها دائماً، فإن الدوام قد لا يدل على عدم الانحسام، بدليل قوله تعالى : والذين هم على صلاتهم دائمون ، فإن دوامهم عليها ينقطع بموتهم وبغيره من الأشغال التي لا بد لهم منها في حياتهم ، فكل هذه التقادير حاملة لهذه الوجوه الباطلة .

وكذلك لو قال قائل من رأيه العائل: إن المشركين غير مقطوع فيهم بالوعيد، كما قال هؤلاء في عصاة أهل التوحيد، واحتج على ذلك بقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به

وبقوله : قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم .

فقال: إن الله قد حكم فيهم بحكمين مختلفين: نفي الغفران وإثباته، فلا يقطع عليهم بواحد منها، لكان كلامه حاملاً لوجه من الوجوه، وإن كان في الحقيقة باطلاً وهلم جراً إلى أن تأتي على جميع أحكام الله في كتابه، وأحكام رسوله في سنته، فلن تجد فيهما إلا ما شاء الله ما هو حاصل لوجه من وجوه الحق، ووجه من وجوه الباطل، فلو صح العدول عن واضحات الأدلة، وجاز التثبيت بكل علة، والمصير إلى ما يحتمله لفظ من التأويلات المضلة، لما تميز العلماء من الجهال، والهدى من الضلال.

ولكن أبى الله إلا أن يكون الحق يصدق بعضه بعضاً، ويكذب ضلال التأويل من القلوب المرضى، ألا وإن الله أنكر على اليهود أربعة أشياء:

أحدها: قولهم : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات .

وثانيها: دعوى الغفران مع الإصرار حيث قال : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه .

وثالثها: ما جاء في تفسير قوله تعالى: وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ، أن المراد به ما ادعوه من شفاعة آبائهم الأنبياء لهم .

ورابعها: قولهم لموسى : أرنا الله جهرة .

فورثها من هذه الأمة هذا الفريق، فهو في قعر بحرها غريق، وبأعظم نيرانها حريق، حيث كانوا مثلهم فيها على التحقيق، إلا أن أولئك يدعونها من تلقاء أنفسهم، وزاد عليهم هؤلاء فيها حيث ادعوا فيها غير مقبول أنها من حكم الله والرسول، والله تعالى يقول : هم فيها خالدون ، وهم يقولون : هم منها خارجون ، والله تعالى يقول : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فعلق الغفران لما دون الشرك بالمشيئة المبهمة ، ثم أوضح إبهامها وأزال إيهامها بقوله في آيات أخرى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ، وقوله بعد ذكر أنواع من المعاصي : ومن يفعل ذلك يلق أثاما ، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا .

والله تعالى يقول : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وهم يقولون بالشفاعة لأهل الكبائر المسخوط عليهم ، والله تعالى لا تدركه الأبصار ، وهم يقولون : إنها تدركه بلا مبالاة في مصادمة هذه الأخبار بالرد والإنكار ، فأثبتوا ما نفي ، ونفوا ما أثبت ، فاعتبروا يا أولي الأبصار .

ولولا تسترهم في ذلك بالتأويل، لكانوا من المشركين الرادين لأحكام التنزيل، فصدق فيهم قول رسول الله إمام الأئمة : ( إن المرجئة يهود هذه الأمة ) ، ثم إن ما يروونه من الشفاعة لأهل الكبائر من الموحدين فيه احتمال وجه حق في تأويل المهتدين ، وذلك أن يقال : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي إذا تابوا منها ) ، كما كان كثير من إطلاقات القرآن والحديث ، مردود إلى حكم التقييد ، بما يناسبه من المعنى السديد ،

كقوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية ، وقوله : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ، في أحد التفسيرين .

وقول النبي : ( سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له ) ، فإن ذلك وإن كان مطلقا من اللفظ ، فهو مقيد في المعنى بشرط التوبة ، إذ لو كان المعنى في إثبات الشفاعة لهم على غير ذلك ، والمسلمون يدعون الله بشفاعة نبيه لهم ، لكانوا يدعون الله بأن يجعلهم من أهل الكبائر وهو دعاء باطل ، لا يذهب إلى جوازه عاقل .

ألا وإن القرآن الكريم بحر الله العظيم، فيه المحكم والمتشابه، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والمفصل والمجمل، والمبهم والموضح، والناسخ والمنسوخ، فيجب على الناظر فيه أن يرد متشابهه إلى محكمه، ومطلقه إلى مقيده، وعمومه إلى خصوصه، وإجماله إلى تفصيله، وإيهامه إلى إيضاحه، ومنسوخه إلى ناسخه، فيضع كل شيء في محله من ذلك وإلا غرق في مآله، بتأويل ضلاله، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وقد تكلمنا في ذلك بحسب ما بان لنا من الدلائل الواضحة، والبراهين النيرة اللائجة، وأنا لكثير النحب، لو تفضل الله على عبيده العاصين من أهل توحيده بغفران ذنوبهم، وحطه ما عليهم من الأوزار، وبشفاعة نبينا المختار، وبخروجهم من النار بقبيح أعمالنا، وثقل أحمالنا، وخوف تضييع رأس مالنا، وخسراننا في مآلنا، فيكون لنا من غفران ذنوبهم ذنوب مثل ذنوبهم.

ولكن الطريق إلى ذلك مسدود، والقول بخلاف الحق مردود، والله تعالى لا يقبل ممن تعدى حداً من الحدود، وسينكشف ذلك في يوم مجموع له الناس ويوم مشهود، لم يكن تأخيره إلا لأجل معدود.

وإنا لفي الدعاء له والتضرع إليه واللجوء منه بين الخوف والرجاء، نرجو رحمته، ونخاف عذابه، إن عذاب ربك كان محذوراً.

ولكن ظننا فيه الجميل، وفضله علينا جزيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وقولنا في هذا وغيره قول المسلمين، وديننا دين النبي محمد ، ودين الصحابة الراشدين المهتدين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

ونستغفر الله ونتوب إليه من جميع ما خالفنا فيه المسلمين، واتبعنا فيه غير سبيل المؤمنين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم عليه وعلى آله أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



جـ «3» (149-158)



حذف سؤالها.

الجواب: إن المسألة التي ذكرتها قد تكفل بإيضاحها شيبة الإسلام، وتكلمنا نحن عليها بما شاء الله من الكلام، وفيه ما يكفي عن الإعادة، غير إنما ذكرته من وقوع الواقع في البحر، لا يكفي لإغلاق باب التوبة عنه حتى يدركه الغرق، وكذلك احتمال السبع لمن يحضره الموت، وكذلك إحاطة العدوّ به حتى يقع به منهم ما لا يمكن بقاؤه معه، حتى دل ذلك أن الغرغرة وما يشبهها في المعنى هو الموجب لإغلاق التوبة، وأما ما قبل ذلك من المقدمات المفضية إلى ذلك فباب التوبة فيه من فضل الله مفتوح، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وذكرت عن شيخنا أبي نبهان الخروصي العماني: من اجتزأ المحرم بتوبة في الجملة من معاصيه اجتزأ المستحيل بذلك، حتى يتوب من كل شيء بعينه، فهذا ظاهر، ومعنى التوبة في الجملة أن يتوب إلى الله من جملة معاصيه، أو من جملة ذنوبه، أو من جميع حوبه، أو ما أشبه ذلك، وكان في المعنى كذلك، ومعنى التوبة من كل شيء بعينه، أن يتوب المنتحل من كل معصية عصى بها مولاه ذا الجلال، على وجه الدينونة بها والاستحلال، يفصلها واحدة واحدة، حتى يأتي على جميعها وأما إذا تاب المنتهك إذا دان بتحريمه في الجملة، فتوبته تأتي على جميع معاصيه، ما ذكره منها وما نسيه.

إلا أنه يلزمه الاستمرار على الندم، كلما خطر بباله ذكر ما مضى من ذنوبه، وتقدم من ذلك من شروط صحة توبته، وبه فسر قوله تعالى : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ، والله أعلم .

* مسألة: وعنه: وفيمن سب مسلماً عند جملة من الناس بالزنى والباب محق في السريرة، ماذا عليه في أحكام الظاهر؟ يظهر توبته عند هؤلاء الجماعة أم تجزيه السريرة؟

الجواب: إن القذف للمسلمين بالزنى عند من لم يعلم كعلمه حرام، ولو كان في الباطن من الصادقين، فإنه عند الله بذلك من الكاذبين، لقوله تعالى : لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء ، فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ، أي ولو أنهم عند أنفسهم هم الصادقون .

والتوبة لابد منها، فإما أن تكون لازمة عليه عند من وقع القذف لديه، فلا أعلمه أن التوبة لله، وتوبة الجهر من ذلك المراد منها أن تكون باللسان، لا باعتقاد الجنان وحده، والله أعلم.



فصل


وعنه: وأما ما ذكرت من كون النظر إلى المصلوب، فإنه من كبائر الذنوب، فلا أرى أني أحفظ فيه شيئاً، وعندي أنه من العموم الذي يراد به الخصوص، كأن يكون صلبه من الظالم،

فينظر إليه نظر رضا وسرور وشماتة به، أو يكون صلبه من العدل فينظر إليه نظر غضب وسخط للحق وأهله، والله أعلم.




فصل


وعنه: وأما ما ذكرت من أمر صاحب الكبيرة، إذا لم يتب ونسيها وحفظها بعد إحرامه في صلاته، فإن كانت مما دون الشرك، وكانت من ذنوب الجهر، وكانت الصلاة فرضاً فيخرج فيه قولان:

أحدهما: أنه لا يجوز له قطعها، وتكفيه عزيمة القلب على التوبة، حتى يفرغ من صلاته، لأن ذنوب الجهر من شرطها التوبة باللسان، وعزيمة الجنان، ما لم يمنع من الكلام مانع عدم القدرة عليه، ومن جهة الشرع، والصلاة مانع شرعي، عن كلام الآدميين بالقطع، فلا جواز له في أصل ولا فرع، إلا ما خص فيها بالجواز كما لا يخفى.
فتكفي من ذلك عزيمة القلب على التوبة، لأنها الأصل فيها، وهي روح التوبة، فلا فائدة في حرمة اللسان بها، إذا تجردت من عزيمة الجنان.

والثاني: أنه يقطعها ويتوب من كبيرته، لأنها محبطة لجميع صالحاته، فضلاً عن صلاته وحدها، فكيف يجوز أن يبقى على صلاته، مع وجود ما يبطلها فيقطعها ولا بأس، حتى يبنيها على أساس.

والأول: يوجد عن السيد مهنا بن خلفان غير أنه احتج عليه بقوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم ، وهو احتجاج فيه بحث ، كما هو معلوم في تفسير الآية الكريمة حيث قيل : إن المطلوب بالنهي عن إبطالها إنما هو بارتكاب الذنوب ، فهو من دليل إحباط الحسنات بارتكاب السيئات ، فتكون من الحجة على تقديم التوبة على الصلاة ، وقطعها لأجلها .
والثاني: رواه لي بعض الإخوان أنه أخذه من مشافهة شيخنا الرباني أبي نبهان، وهو موضع رأي لا يجوز له أن يدان، وينظر لنفسه من كان له على ترجيح أحدهما يدان، والله أعلم فنظر في جميع ذلك، ثم لا تأخذ منه إلا الحق.

* مسألة: وعنه: وفي رجال صحبوا امرأة أجنبية، فارتمت في بئر أو بحر أو رأوها تقع من مركوبها أو ما أشبه ذلك مما أشبه ذلك مما يضر بها، وخافوا عليها الهلاك، ألهم أن ينقذوها بما أمكن، أو يثبتوها حتى تستقر سالمة أم التعفف أولى وأحسن؟

الجواب: إن الذي يخشى منه الهلاك على المرأة الأجنبية إذا وقعت فيه، أو شارفت الوقوع فيه، فليزم من يقدر إنقاذها من ذلك أن ينقذها، ولو بمس ما هو محرم مسه منها في حال الاختيار، والضرورات قد تبيح بعض المحجورات، وهذ من ذلك، وربما يخشى على تارك ذلك منها أن يكون ضامناً إذا قدر على إنقاذها، فأسلمها إلى الهلاك، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وما تقول في المصلي إذا سلم عليه وهو في صلاته، أيلزمه رد السلام بعد فراغه من الصلاة أم لا؟

الجواب: إن المسلم ينهى عن التسليم على المصلي، فإذ سلم فلا أحفظ في وجوب الرد على المصلي من بعد الصلاة شيئاً، ولعله يتوجه معنى التخيير له بين الرد وعدمه، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: إن الإنسان لا يخلو من السهو أو الذنب، فينبغي له أن يتوب ويستغفر الله من فعله ذلك، من حين ما قارف المعصية.

* مسألة: وعنه: وفيمن خطر في قلبه ذكر شيء من الأفعال الضمان أو الذنوب، ولم يعلم حقيقته كيف يلزمه فيه، ليتخلص منه في ذلك الحال، ثم نوى الخلاص وسؤال العارفين عما يلزمه من ذلك الذي خطر في قلبه، فهل تجزيه الدينونة بالخلاص، ويجوز له فيما بينه وبين الله تعالى تأخيره من حال إلى حال، من غير عذر عن طلب المعتبر، أم لا يجوز له التأخير، ولا يسعه إلا أن يقوم في ذلك الحال متى ذكر يطلب المعبر حيث كان؟

أرأيت إن تأخير بقلة علمه وظنه، أنه يجوز له التأخير، فمات على نية الخلاص، وسؤال العارفين، أيكون سالماً عند الله تعالى بنيته أم غير سالم؟

وكذلك إذا نسي الضمان والذنب، أيكون معذوراً بنسيانه، وفي حالة توبته ورجوعه إلى مولاه، ذاكراً للفضل إلا أنه كثرت عليه التبعات والذنوب، وصار كلما وجد فرصة يسأل عن تبعاته وذنوبه، ومرة يسأل عن أمر دينه، وفي بعض الأحيان مشتغل بخلاصه وأمر دنيا؟

أرأيت من كانت هذه نيته وأفعاله، إذا سها عن شيء كان ذاكراً له عند توبته، أيكون معفواً عنه بنسيانه أم لا؟

الجواب: إنما تذكره فعرفه من أفعاله الماضيات على ثلاثة وجوه:

أحدهما: أن يكون حراماً في الإجماع.

وثانيهما: أن يكون حلالاً في الإجماع.

وثالثهما: ما يختلف فيه الرأي ولا هلاك عليه إلا في الوجه الأول، وهو على ضربين:

أحدهما: أن يلزمه فيه التوبة مع الخلاص كالمظالم.

والثاني: أن تلزمه فيه التوبة فقط، فأما الذي يلزمه فيه التوبة مع الخلاص إذا كان منه على انتهاك لما دان بتحريمه، وكان على مقدرة من الخلاص منه، ووجد المعبر له علم ذلك، فلا يسعه جهله، وعليه طلب علمه ذلك حتى يتوب منه، ويخلص نفسه من ضمانه.

وأما الضرب الثاني وهو الذي لا يلزمه فيه إلا التوبة، وكان قد انتهكه مع الدينونة بتحريمه، فيسعه جهل علمه، وترك السؤال عنه، إذا تاب لله منه بعينه إن هدي إليه أو في جملته من كل معصية لله، كأكل الميتة والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، والزنى على غير الإكراه، وما قد انتهكه.



ومن كلام الشيخ سلطان بن محمد:


أمر الإله الاســـــتقـــامة وهـــي***ما بين الركون هديت والطغيــان
من فاستقم لا تركنو للظلم لا***تطغو محيطاً ما بها الطرفان
الإفراط والتفريط مكتنفاً بها***للنهي زجراً عنهما لا آن
ما أعظم التكليف باستخلاصها***من بين تهلكتين للإنسان
ولأنها صعبت ودقت واختفت***محجوبة عن أكثر الأذهان
قد شيبت هود النبي محمداً***فيما رووا عنه أولو العرفان
يا رب فاجعلني إليها أهتدي***قولاً وفعلاً واعتقاد جناني
وتولني في الصالحين ونجين***من كل ما يفضي إلى الخسران
إني لقد أسرفت إسرافاً على***نفسي فلا تقنطن من الغفران
إني إليك أتوب فاقبل توبتي***واغفر ذنوبي وامحون عصياني
وأحلني دار المقامة في غد***دار الكرامة منزل الرضوان
فضلاً لعبدك من لدن ورحمة***فلأنت ذو الإكرام والإحسان


وله أيضاً:


إلهي مودع السر المصون***عن التحقيق في أقصى الذهون
بهذا الهيكل المحسوس مني***قد اصطحبا إلى رب المنون
فيفترقا لموت فيه حكم***الحياة بنص قرآن مبين
على ما جاء في الشهدا وكون***الجميع كهم نفيس مستبين
ولكن قد بقى عنها شعوراً***بوجه حياة مقطوع الوتين
فلم يك خلقهم من بعد هذا***سوى رحم بغيب في الدفين
وفي الروح التي قد فارقت***وعندك فيهما علم اليقين
إلى عود اصطحابها لبعت***ذووه من الشدائد في فنون
فما اصطحبا فهب يا إلهي***على ما ترتضيه من الشؤون
وهب لي مستقيماً في نجاة***من الطغيان ربي والركون
وأخلصني لوجهك يا إلهي***لدى متحركي ولدى سكوني
وفك من ارتهان الحوب نفسي***فكاكاً قبل إغلاق لا رهون
وتوباً ثم عفواً ثم غفراً***ومغفرة وعوناً يا معيني
لعبدك إنني إن لم تغثني***تليل لليدين وللجبين
إليك أتوب فاقبل لي مثاني***وهب توفيقك الكافي من بيني
وما افترقا فتوقيه وصوناً***لكل منهما من كل هون
بغيبة برزخ عميت علينا***حقائق ما به غير الظنون
وما تعني من التحقيق شيئاً***ولو من عالم فطن تبين



وفي عود اصطحابهما لبعثي***فآمني المخاوف يوم ديني
وحاسبني ليسر بعد أخذي***كتابي يا إلهي باليمين
ومن أهل الشفاعة فاجعلني***شفاعة أحمد الهادي الأمين
وعن دار العقاب فزحزحني***وفي دار الثواب اجعل عدوني
وهب لي قرة فيها لعيني***بإخواني الذين تقدموني
وخفف عني الخطط اللواتي***أجوز بهن في السفر الشطون
إلى أن أستقر بها سليماً***بخيرات تقرّ بها عيوني
فما عودتني إلا جميلاً***فعاملني بذلك كل حين




جـ «3» (199-201)


وما تقول في العبد إذا نوى بقلبه، ولفظ لسانه، أن كل شيء يعلمه من أعمال البر في طول عمره، فهو لله تعالى، هل تجزيه هذه النية؟ أم لا تجزيه إلا أن يقدمها عند فعل كل طاعة؟ أرأيت إن حضرته نية صالحة، أن يعمل شيئاً من أعمال البر من صدقة لازمة، أو هدية غير لازمة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ضيافة أو إصلاح بين الناس، أو إخلاص لنفسه مما قد لزمه من الضمان؟

وبالجملة فكل عمل يعمله العبد من طاعات ربه وفضائه ووسائله، وجميع أعمال البر إذا عارضه خاطر نجس ووسوس له الشيطان في نفسه، وخطر في قلبه نية فاسدة، يريد بذلك الفعل ذكراً أو شكراً أو علماً أو اطلاعاً أو رضاً من المخلوقين، فما يصنع هذا العبد الضعيف، بصرف تلك النية الفاسدة، وحديث النفس، ووسوسة الشيطان قد اجتمعا عليه، فتفض شيخي وسيدي على هذا العبد، دله على شيء يستعين به على صرف ما ذكرت في المسألة؟

الجواب: إن هذه النية كافية في الأعمال المذكورة، وهي على خلوصها، الروح والأعمال له كالصورة، وأما ما يخطر بباله من الخواطر الشيطانية، فذلك على مر الزمان، مما لا يخلو منه الإنسان، وخواطر البال كأمواج البحر متتابعة، في كل حال من الأحوال لأقرر بها في الآثام، إلا في حالة المنام، ولا حيلة إلى دفعها من العباد، إلا بعدم الاعتقاد، ولما نزل قوله تعالى : وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، شق ذلك على المسلمين حتى قالوا : لئن أخذنا الله بذلك لنهلكن .


وقد بكى بعض الصحابة من ذلك، حتى سمع نشيجه فيما روى أهل التفسير، لأن الاية الكريمة، جاءت في الخواطر على طريق العموم، فأنزل الله عقيبها، تخصيصاً لها وتخفيفاً على المؤمنين قوله : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وحط عنهم ما لا يستطيعون دفعه منها ما لم يعتقدوه ، وقد جاء في الحديث عن النبي أنه قال : ( عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما حدثوا به أنفسهم وما أكرهوا عليه ) ، فكان حديث النفس معفوا عنه ، عند عدم الاعتقاد له ، وذلك فضل عظيم من المولى الكريم ، والله أعلم .

* مسألة: وأما من لم تعرفه من الورثة، ولم تقم عليك الحجة به، وكنت على نية الأداء لما يلزمك من الحق المستحقة، ومت على ذلك فأنت في ظاهر أمرك بذلك مت سالماً غير هالك، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وما تقول في قارئ القرآن، إذا أعجبته قراءته وصوته، ولم يعجب به غيره، أيدخل عليه الرياء والعجب أم لا؟

الجواب: إذا لم يرد بذلك الإعجاب، ورياء الناس، وإنما قد سره ما من الله به عليه من ذلك فلا حرج ولا بأس، وقد قال الله تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا هو خير مما يجمعون .

* مسألة: وعنه: وقد صرحت لي شيخي في أداء الزكاة على تفضيل السر على الإطلاق في الواجب وغيره، أيكون هذا المعنى عموماً في جميع أعمال البر، من فرض أو نفل أو لشيء مخصوص إذا لم يدخل في قلب هناك لا رياء ولا عجب؟

الجواب: أرجو أن المجاهرة بالفرائض أفضل، لنفي التهمة عن نفسه بأدائها، وليقتدي به من يراه الناس، وأما القرآن فقد ورد فيه في الصدقة وجميع الأعمال البدنية، كمقتضي تأدية حق العبودية، بتفضيل السر فيها، وقد قيل في تفسير قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ، أنهم أخفوا لله طاعة ، فأخفى لهم عليها ثوابا ، ولعل الفضل في ذلك يختلف باختلاف المقامات والدرجات والأحوال ولكل درجات مما عملوا .

فطوبى لمن تقبل الله منه عمله، أسره أو أعلنه، والله أعلم فانظر في جميع ذلك، ثم لا تأخذ منه إلا الحق.



جـ «3» (237-242)


* مسألة: وكذلك إذا مر في الغيلة كلب أو أصابتها نجاسة من بول أو غيره، إذا استهلكت النجاسة بالماء والتراب والتبن، أتطهر أم لا إلا بعملها في الجدار وجفافها ويباسها؟

الجواب: أما ما أصاب الغيلة من النجاسة المعارضة لها، فإذا صب عليها من الماء ما يغلب عليها، فأرجو أن تطهر بذلك.

* مسألة: وعنه: والثوب إذا كان به القمل وترك أياماً، وربما مات القمل فيه يتنجس الثوب أم لا؟
الجواب: أرجو أن الثوب على هذا لا بأس به، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفي الزوجين إذا مرض أحدهما ولم يقدر على الخروج من بيته، ولا على القيام للبول والغائط، ولا يقدر على الاستجمار والاستنجاء منهما، فهل يلزم الصحيح منهما فيما بينه وبين الله تعالى أن يعين المريض، وينجيه ويطهره، ويحمل عنه عذراته وأقذاره؟ أم لا يلزمه إلا أن يفعله استحباباً؟

الجواب: إن كان يقدر على تأجير من يقوم به أو على تحصيله، فلا أقول بلزوم ذلك عليه، وإلا فما يبلغ إليه أحد الزوجين من الضرورة إلى صاحبه، فلأن تركه بضرورته لما في الحديث عنه أفضل الصلاة والسلام: «أنه لا ضرر ولا إضرار في الإسلام» والله أعلم.

* مسألة: وعنه: في دابة في المساجد والبيوت، ولا أعرف بحقيقة اسمها، وعسى يكون اسمها ثغباً، ومنهم من يسميها أم الفعيان، ولا أعلم بمرغاها أنها تأكل الأقذار، ومسترابة أم تروث في المساجد، وروثها له رائحة كريهة، ما حكمه طاهر أم نجس؟ ويجوز قتلها أم لا إذا لم يكن منها أذى إلا ذلك؟

الجواب: إن كانت هذه الدابة هي الثغبا المعروفة بأكل الأفاعي، فهي تشبه السبع من جهة افتراسا للحيات، فيكون ذرقها أدنى إلى الفساد، وإن كانت في النظر من أنواع القنوع، فيرجع أمر ذرقها إلى مرعاها، فيكون أدنى إلى الفساد مع استرابتها فيه، وعسى أن يلحقه معنى الاختلاف عند عدم الاسترابة لما فيها من شبه بالحية في العض، وإن كانت الحية أخنز منها وأخبث، وعلى ثبوت كونها من المؤذيات بعضها وزرقها فيخرج فيها جواز قتلها، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: ما تقول فيمن جرحه سيف أو سكين، ولم يظهر شيء من الدم في الحال، ثم خرج من بعد دم ما حكم السيف والسكين، أمثلهما طاهر أم نجس؟ إذا لم يبن فيه شيء من الدم؟

الجواب: أحكامهما الطهارة حتى يبين عليهما شيء من الدم أو النجاسة، إلا أن يكون المجروح نجس البشرة كالكلب فيتنجسان بما يلحقهما من رطوبة إذا خرج، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: والثوب إذا أصابه دم كثير، فغسل غسلاً جيداً، ولم يقدر على إخراجه حتى لا يبقى له عين ولا أثر، فبقي الثوب متغيراً من ذلك الموضع الذي أصابه الدم لم يمح أثره بالكلية، حتى لا يبقى له بقية، فما يعجبك من القول طاهر وتجوز به الصلاة أم لا؟

الجواب: يختلف في زوك النجاسة في الثوب بعد المبالغة في غسلها:
فقيل: ببقائه على حكم أصله من النجاسة، وقيل بطهارته.
وقيل: بتغيره شيء من الأصباغ الطاهرة، وفيه دليل على موافقته للقول الثاني في الطهارة، فيكون في الطهارة قولان، وفي النجاسة قول واحد، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: والشرص والذباب والبعوض والفراش وما أشبهه، إن وقع في السمن وما أشبهه من المائعات فمات فيه، فهل يحل أكله أم لا؟

الجواب: إن ذلك من نوع ما ليس له دم أصلي، فلا يفسد بما يقع فيه من المائعات، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن طرح حصاة بها نجاسة من دم أو بول أو غائط أو غيره من النجاسات في نهر جار، أو في بحر أو في ماء راكد فوق الأربعين القلة، أيكون ما يطير من ذلك الماء عند طرحها طاهراً أم نجساً؟

الجواب: أرجو أن ما طار من طش الماء المذكور عند طرحها فيه أحكام الطهارة، لأنه لا يتنجس بما قد وقع فيه من ذلك، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفي أرض البيوت يصيبها بول الدواب وبول الصبيان وروثهم، وخروق الدجاج وأثر الكلاب، وتجمع ويطير منها الغبار مختلطاً بتراب الغبار، ما حكم الغبار طاهر أم نجس؟

الجواب: إن الغبار إذا كان من النجاسة وأثر فيما أصابه فهو نجس، فإن احتمل كونه من النجاسة أو من غيرها من الطهارة فحكم الطهارة به أولى، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: والكلب إذا تخلل في الماء الجاري، وكان الماء بقدر غيز الزجر أو نصفه أو ثلثه أو ربعه، ويخرج من اسفل الكلب جارياً، ما حكم هذا الماء أطاهر أم نجس؟

الجواب: إن الماء الجاري طاهر إلا ما غلب عليه من النجاسة على أحد أوصافه الثلاثة، ولا غلبت النجاسة بشرة الكلب عليه فيما عندي، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: والبول إذا طبخ بالنار حتى ينعقد ملحاً أحكم هذا الملح طاهر أم نجس، لأنه موصوف في كتب الطب لزوال البياض من العين؟

الجواب: إن ملح البول نجس، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وبيض الدجاج إذا جرت فيه خطوط الدم قليلاً كان أو كثيراً، ما حكم هذا البيض أحلال أكله أم حرام وطاهر أم نجس؟

الجواب: إن قولك فيه خطوط الدم يقتضي تنجيسه وتحريمه، فإن كان كما في الأثر به عروق حمرة في غير دم صريح فلا بأس به، وهو طاهر حلال، إلا أن شيخنا الرباني أبا نبهان أشار في كلامه بعد أن ذكر ذلك إلى أنه مما يجوز دخول الرأي عليه، إلا أن تحليله وتطهيره على هذا أظهر، والله أعلم.



جـ «3» (332-333)


* مسألة: وعنه: الشيخ نصير بن محمد: سأله الشيخ سلطان بن محمد: عن المتوضئ إذا ركض في سيره بعد الوضوء من عذر من خوف أو مطر، أو يخاف فوت قوت الصلاة لضيق وقتها؟
فقال: لا بأس عليه في وضوئه، ولا يبلغ به إلى نقض، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وما تقول في الوضوء للميت بعد غسله أهو لازم أم لا؟

الجواب: ليس بلازم إلا على سبيل المبالغة في الغسل، مثل وضوء المغتسل من الجنابة.

* مسألة: وعنه: وفيمن أصابه دم من موضع من جوارح وضوئه فتوضأ ولم يغسله قبل وضوئه ناسياً، هل يتم له وضوؤه أم لا؟
أرأيت إذا ذكر بعدما صلى به، فهل تتم له صلاته أم لا تتم، ويلزمه ابتداء وضوئه وصلاته؟
أرأيت إذا كان ما أصابه من الدم في كفيه أو في قدميه، ثم غمسهما في النهر، ومكث فيه بقدر استنجائه من بول أو غائط، إلا أنه لم يخص بالطهارة ذلك الموضع الذي فيه الدم ناسياً، ولم يعلم به أنه زال قبل وضوئه أم لا فتوضأ على معنى ما ذكرت؟

الجواب: إن كانت النجاسة في يديه أو رجليه، وقد كان منه قبل الوضوء من غمسهما في النهر ما يزول به الدم في الاعتبار أجزاه، ولو لم يخصه بعينه في الغسل.
وإن كان في فمه فقد أتى عليه من الغسل قدر ما يزول به، ثم زاده مضمضة ولو مرة واحدة أجزاه.
وإن كان في الأنف فيكون كمن ترك المضمضة، وقد ترك الترتيب فيما يكون فيه بعد ذلك في مواضع وضوئه، فيكون بمنزلة من ترك ما قبله في عدم انعقاد وضوئه قبل غسل الدم، ويلزمه عند فساد وضوئه بشيء من هذه الوجوه، أن يعيد صلاته إذا صلى به، والله أعلم.




جـ «5» (46-56)


ما تقول في صلاة المنفرد خلف صلاة الجماعة في مسجد لا إمام فيه أتتم صلاته أم لا كان قد دخل في صلاته قبلهم أو بعدهم، وكذلك إن صلوا مسافرين جماعة بعد إمام المسجد، ثم جاء أناس فصلوا فرادى في ذلك الوقت فرضاً أو نفلاً أتتم صلاتهم أم لا؟ تفضل بيّن لنا ذلك مأجوراً إن شاء الله.

الجواب: أما صلاة المنفرد في حال صلاة الجماعة حيث تجوز الصلاة بصلاتهم في المسجد لم تثبت فيه صلاة الجماعة، وقد دخل في صلاته بالإحرام قبلهم فيوجد معنى الترخيص في تمامها.

وإن كان ذلك في مسجد فيه صلاة الجماعة ثابتة فقد قيل بفسادها مطلقاً.

وقيل: ما لم يصل أكثر صلاته فإن كان قد صلى أكثرها تمت له ولا أحفظ في ذلك نصاً إذا لم يكن قد دخل قبلهم في الصلاة ولعل ذلك أشد لمعان أخر تدل على ذلك في الأثر.

ولعل الحديث المروي عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا بصلاة الإمام» مما يحتمل التأويل فيجوز أن يحمل على ظاهره ويجوز أيضاً أن يحمل على معنى تضعيف الأجر كقوله في الحديث الآخر: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» غير أني لا أحفظه نصاً ولكنه عندي غير خارج من الصواب، ولاسيما على قول من يقول في صلاة الجماعة بفرض الكفاية وإن كان المشهور أنها فرض عين عند كمال شروطها، والله أعلم.

وأما صلاة المنفردين فرضاً أو نفلاً في حال صلاة المسافرين فرضاً بحيث تجوز(1) صلاة أولئك بصلاتهم فإن اتفقت صلاتهم على فرض واحد فعندي أنه أشد ولعله لا يخرج من الرأي لوجود الاختلاف في جواز صلاة المقيمين بصلاة الإمام المسافر.

وإن اختلفت صلاتهم في الفرض فأرجو أنه أرخص إذ لا معنى للقول بجواز صلاتهم معهم على هذا.

وأما النفل في صلاة السنة والنافلة من الجماعة الأولين في حال صلاة جماعة المسافرين ما يدل على معنى الاختلاف في جوازها كما جاء الاختلاف في ذلك والله أعلم.


* مسألة: وعنه وما ذكرته من النخامة الآتية من المصدر إذا سرطها المصلي بعد أن صار على مقدرة من لفظها فلا أعلم فيه إلا نقض صلاته به، وأما نجاستها فلا أعلمها نصاً أنها نجسة إلا ما يوجد عن شيخنا العلامة أبي نبهان من الاستدلال على جواز القول بنجاستها بما يوجد في الأثر من نقض الصلاة بها، وذلك يستلزم نقض الوضوء أيضاً ولكنه لم يصرح به فيكون القول بطهارتها وعدم نقض الصلاة بها ما لم يسرطها المصلي بعد أن يصير على مقدرة من لفظها أولى، والله أعلم.

* مسألة: وأما كون عصيان المرء في أثناء صلاته فإن كان يشرك في نفسه فعندي أنه يحسن الاختلاف فيها كالوضوء فتتم بتمامه وتفسد بفساده على معنى القولين في ذلك.

وإن كان بشرك أو ما دونه من ذنوب العلانية فعندي أنها تفسد بذلك، والله أعلم.

* مسألة: وأما ما ذكرت من الجهر في الصلاة فإن كانت الصلاة فرضاً وكان الجهر لاستماع صاحبه الذي وعده ليلاقيه فأرجو أنها تنتقض بذلك.
وإن كان من أجل خوفه أن يصدعه أو يشوش عليه باله فيشغله عن صلاته فأرجو أنه لا تنتقض به لأنه من مصالحها إن صح ما أراه في ذلك.
وإن كانت الصلاة نفلاً فلا بأس عليه في الأمرين، والله أعلم.

* مسألة: وهل يخرج القول في المصلى إذا وقعت منه معصية كبيرة بعد الإحرام بقلبه أن تكون صلاته غير فاسدة أم فسادها بالإجماع.

الجواب: لم أحفظ في كون ذلك في صلاته شيئاً وعسى أن يكون القول في الوضوء والصلاة واحداً لأن في جواز دخول الرأي في نقض الوضوء والصلاة بذلك ما يدل على اطراده في جميع الأعمال البدنية فيكون مما يختلف في فساده صورة مع المعصية بالنية لا ما إفساده بذلك معنى فلا شك فيه إلا أن يتوب، والله أعلم.

* مسألة: وفي الشبه والصفر والحديد والنحاس هل تجوز بهما الصلاة اضطراراً أو اختياراً؟ وإن كان فيهما اختلاف أو كراهية فما يعجبك فيهما يرحمك الله؟

الجواب: إن في التحلي بذلك في حال الصلاة تكريهاً من المسلمين، وما لم يقصد المصلي بذلك خلاف المسلمين لعناده فلا يبين لي أنه يقتضي في صلاته كون الفساد، وأما على غير التحلي به كحمل السكين والخنجر والمنقاش على نحو ما يستعمله الناس في اللباس، فلا أرى به من بأس، إلا أن إلقاء العلائق التي هي عن كمال الصلاة شواغل وعوائق، هو الحسن اللائق بأهل الصلاح، وفقنا الله وإياك للفلاح، والله أعلم.

* مسألة: وما تقول في وقت الغيم المانع عن رؤية الشمس فقد قيل: إن على كل إنسان أن يتحرى وقت الصلاة لنفسه، فإذا تحرى وقت الصلاة قد حضر ثم شاوره أحد من الناس يريد يقضي فرضه فهل يجوز له أن يأمره بالصلاة ويقول له صلِّ وإن الصلاة قد حضر وقتها إذا كان المشاور له لأمر الجماعة أم لا يجوز له ذلك ويقول له إني قد تحريت وقت الصلاة بنفسي وعندي قد حضر وقتها، وإن شاء الله لأصليها في هذا الوقت، وأنت إن كان في
تحريك لها كذلك فصلها وإن كان عندك غير ذلك فلا تصلها على الشك،

أو يقول له: قس على نفسك لأن المخاطب بالتحري كل إنسان تعبده مولاه بأداء ما افترضه عليه.

الجواب: إذا أراد أن يخبر غيره بما قد تحراه من حضور الوقت فليخبره فإنه في تحريه كذلك بأن عليه فيما يخصه أن يتحراه بنفسه لنفسه، فإن وافق تحريه تحري من أخبره بذلك صلى وإلا انتظر حتى يكون في تحريه أن وقت صلاته قد حضر، والله أعلم.

* مسألة: والمصلي إذا نصب سترة من حجارة قدر شبر أو ذراع فهل ينقض عليه صلاته ما كان في قبلته من النجاسات من بول أو غائط أو دم أو ما أشبه ذلك إذا كانت تلك النجاسات خلف السترة عن موضع سجوده بقدر ذراعين.

الجواب: إن السترة حاجز بين المصلي وبين ما خلفها من النجاسات والمارات التي ينقض مرورها للصلاة فلا تضره إن شاء الله إلا على قول من يقول في السترة إن من شرطها أن تكون ساترة لذلك عن المصلي فلا يرى ما خلفها من مفسدات الصلاة فتعتبر السترة على هذا القول أهي ساترة لما وراءها، والله أعلم.

* مسألة: وكذلك إذا وقع في أذن المصلي صوت يعنيه أو لا يعنيه ففهمه أتنتقض صلاته أم لا؟

الجواب: ما قد ولج في سمعه ففهمه بقلبه بلا تعمد فلا أبصر نقض صلاته به، وقل ما يخلو أحد من ذلك، والله أعلم.

* مسألة: وما تقول فيمن صلى وفي عمامته نجاسة سها عنها أتنتقض صلاته أم لا؟ وهل فرق بين النجاسة إذا كانت في العمامة أم في خرقة ومتروكة في العمامة؟

الجواب: إن كان قد صلى بعمامة نجسة فعليه بدل صلاته، وإن كان قد صلى وقد صر فيها نجاسة يابسة فعسى أن يشبهه ما يوجد في الأثر من الاختلاف في صلاة من صلى بسكين مغمودة فيها دم يابس، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في هذه الرواية التي رويت عن النبي ، في المصلي أنه قال : ( لو يعلم المار بين يدي المصلي لانتظر أربعين خريفا ) ، يكون هذا المرور بينه وبين سجوده أو قدامه ،لأجل أحد من الإخوان ذكر لنا أن المرور قدام المصلي لا بينه وبين سجوده ، ويكون المار آثما والمصلي لا نقض عليه ، فكيف سيدنا يكون هذا المار آثما ، بماذا يستحق الإثم إذا مر قدام المصلي ولم ينقض عليه ؟ .

الجواب: لم نجد للمرور المذكور نصاً في حد عن أصحابنا، وفي أثر قومنا أنه يحد منه إلى محل سجوده.
وفي قول ثان إلى ثلاثة أذرع.

وفي قول ثالث قدر رمية حصاة.
ويشبه عندي أن يكون الأولى في ذلك هو القول الأول.
ولعل الثاني لا يبعد عن الصواب، لأن المراد بالمرور المذكور هو المرور الذي يحل به التشوش على المصلي فيكون المار على تعمده مأثوماً لأنه شوش على المصلي ما كان منه من حضور باله وإلقائه عن نفسه ما يصده عن اشتغاله.

وأما الثالث فتقدير الرمية بالحصاة غير معلوم فقد يكون بعيداً وقريباً ومتوسطاً فالتحديد بالقولين الأولين أولى، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفي المريض إذا لم يقدر على القيام ولا على القعود ولا على الوضوء ولا على قراءة الصلاة ولا على معرفة أوقاتها، فهل ينحط عنه فرض الصلاة أم لا؟

ومن عجز عما افترض الله عليه هل قيل بلزوم من يقيمه في مرضه من أقربيه أو غيرهم أن عليهم أن يوضئوه بالماء أو ييمموه بالصعيد إذا لم يقدر على الماء ويكبروا له لصلاته أم هذا مستحب غير لازم.

الجواب: إن عليه عند عجزه عن ذلك أن يكبر لكل صلاة فرض أو وتر على قول خمس تكبيرات وعلى قول ست تكبيرات، وأما ما بقي من السؤال فأحتاج فيه إلى مطالعة الأثر، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن رأى في ثوبه جنابة يابسة ولم يعلم بها متى خرجت من موضعها الذي عادتها تخرج منه أنها من يوم أو يومين أو أقل أو أكثر فما الحكم في صلاته على هذه الصفة؟ وما الذي يجب عليه في ذلك؟

الجواب: إذا احتملت تلك الجنابة أن تكون من غيره في صلاته، وإذا لم تحتمل إلا أن تكون منه وقد تحتمل أن تكون حيّة أو تكون ميتة، وعلى أشكالها فالاحتياط بغسله أولى، وأما في الصلاة فإن كانت تحتمل أن تكون من بعد صلاته الأخيرة، فلا بدل عليه وإلا فالاحتياط ببدل صلاته الأخيرة أولى، والله أعلم.

* مسألة: على أثر مسائل عنه في وقت المطر المشتد إذا لم يعرف الإنسان وقت الصلاة قد حضر فبقي منتظراً يرجو سكون المطر ويظن في الوقت سعة ثم خرج من بيته أو غير بيته في مكان استقر فيه فبان له وقت الصلاة تقرب إلى الفوت فتوضأ ولم يدرك وقت الصلاة إلا فائتاً أو كان قد كربه بول أو غائط فلم يقدر على إمساكهما كما قيل: لا صلاة لمحتقن فتفرغ منه واستبرأ وذهب إلى الماء واستنجى وتوضأ ولم يدرك وقت الصلاة إلا فائتاً ما يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى؟

الجواب: لا حيلة له في معرفة الوقت إذا حال بينه وبين معرفته حائل، وإنما غايته أن يتحرى وقت الصلاة والتحري ليس فيه معنى معرفته بالقطع، وإنما يكون على معنى الظن الغالب فلا لوم على من أخطأ وقت الصلاة من أجل ذلك، وما لم تمكن الصلاة إلا بفعله من الطهارة

والوضوء وأما ظنه من نحو ما ذكرته من بول أو غائط فلابد من تقديمه على الصلاة ولو فات الوقت إذا لم يكن قصّر في المسارعة إلى ذلك حتى بقي من الوقت ما لا يمكنه إلا فعل ذلك، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وما تقول في المصلي صلاة فريضة إذا سها في ركعة عليه أن يقرأ فيها فاتحة الكتاب ثم زاد : قل هو الله أحد ، حتى بلغ إلى ولم يكن له ، ذكر فوقف عليه ، ولم يتمها ، فأتم صلاته وسجد سجدتي الوهم ، أيجوز الوقف هاهنا ، أم يعجبك أن يتم السورة ولا يقف ؟ وما يلزم من فعل هذا جاهلا ؟ .

الجواب: على معنى ما يوجد في ذلك أن لا بأس بوقف هنالك، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن تعور في إصبعه فخرج منه دم ولم ينقطع عنه ذلك الدم وقد حضر وقت الصلاة ما يفعل؟

الجواب: يصلي جالساً ويحفر للدم حفرة ويخلي اليد في الحفرة والدم يسيل منها وهو يصلي فهكذا سمعت الشيخ سلطان يقول.

* مسألة: وعنه: وفي أي وقت ذكر من ليل أو نهار إلا ثلاثة أوقات لا تجوز فيها صلاة فرض ولا نفل إذا طلع قرن من الشمس حتى يتم طلوعها، وإذا غاب قرن منها حتى يتم غروبها، ونصف النهار في الحر الشديد إلا يوم الجمعة والقول في الصلاة على الميت ودفنه كذلك، والله أعلم.




جـ «5» (123-132)


وما تقول في الذي جاء إلى المسجد ووجد الجماعة يصلون ولم يدخل معهم وصلى بمن بقي من لم يصل مع الإمام الأول أصلاتهم تامة أم لا؟وهل فرق بين من لم يجد الجماعة قد صلوا وبينهم بيّن لنا ذلك.

قال: أما في حال صلاة الإمام الثابتة إمامته في جماعة فلا يجوز لأحد أن يصلي في المسجد حيث تجوز الصلاة بصلاته جماعة ولا فرادى.

وأما بعد تمام صلاته بالجماعة فمختلف في الجماعة الثانية حيث تجوز الصلاة بصلاة الأولين من المسجد فقيل: تجوز، وقيل: لا تجوز، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: ما تقول شيخنا في المصلي بالناس جماعة إذا كبّر عند قيامه من السجود بعد استوائه قائماً وكذلك عند استوائه قاعداً، أيضر ذلك صلاته وصلاة من يصلي خلفه أم لا؟ أفتنا يرحمك الله.

الجواب: إن تكبيره في هذا الموضع في غير محله فهو كمن لم يكبر ولا أحب الائتمام بمن هذه عادته، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن عليه قعود في صلاته للتحيات فقام ساهياً وسبّح له واحد من الصف فأتى الساهي بتكبيرة من قيامه ما تقول في صلاته وصلاة من صلى خلفه، أتتم صلاته وصلاة من صلى خلفه أم تنتقض صلاة الجميع؟

الجواب: كان عليه أن يكبر إذا وصل إلى الحالة التي هو محق فيها حين يضع ركبتيه على الأرض فإن تعمد فكبر عند ابتداء ضرورة فلا يخلو إلا أن يكون على علم بالمنع من ذلك أو على جهل.
وأخشى عليه مع العلم فساد صلاته والجهل ألحقه بعض بالعلم.
وأبى آخرون فجعلوه كالنسيان فلم يفسدوا به الصلاة، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفي جماعة صلوا في سرح المسجد وفيه محراب وما اتصل الصف الأول على يمين أو شمال قصر وأتوا بصف ثان بجهل منهم أو بعلم، أصلاتهم تامة أم منتقضة؟

الجواب: إني لا أحفظ في ذلك نصاً وعلى تحري الحق في ذلك فأقول ليس لهم أن يصفوا صفاً ثانياً قبل كمال الصف الأول.
وأخشى عليهم فساد صلاتهم على التعمد مع العلم بذلك، والجهل عسى أن يخرج فيه معنى الاختلاف، والله أعلم.

* مسألة: على أثر مسألة: عنه في إمام الجماعة سدعه شيء في مواضع وضوئه أو في بقية جسده غير مواضع وضوئه ولم يستيقن في نفسه أنه خرج منه دم أم لا لليلِ حائل عن رؤيته، أيجوز له أن يكون إماماً ويصلي بالجماعة أم لا يجوز له ذلك؟
ويلزمه أن يحضر ناراً لينظر إلى الموضع حتى يكون على طهارته عن يقين.
أم لا يلزمه ذلك حتى يصح عنده باليقين أنه خرج منه ما ينقض وضوئه أم لا؟
أرأيت إن صلى بهم على ذلك قبل أن يصح عنده أنه خرج منه دم أم لا؟

ثم بعد بان له في الموضع دم فائض من الجرح أم غير فائض ما حال صلاته وصلاة من صلى خلفه أتكون تامة أم منتقضة أم فيها اختلاف؟

الجواب: إذا احتمل الحال خروج الدم من تلك الضربة وعدم خروجه فليس له في الحكم أن ينظره على سبيل اللزوم، إلا أن يحتاط وإلا فهو غير ملوم، حتى يصح عنده خروج دم قد فاض من الجرح وغير الفائض لا يلزمه به نقض وضوئه إلا أن يكون على رأي.

وما وجده من الدم بعد الصلاة فإن احتمل خروجه بعدها فلا نقض فيها.
وإلا فعليه أن يعيدها ويخبر الجماعة الذين صلى بهم إلا أن يكون رآه بعد فوات وقت الصلاة فيكون احتمال خروجه من بعد أن صلاها أولاً فلا يلزمه أن يعيدها، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفي المأموم إذا رفع رأسه من السجود أو من ركوعه قبل الإمام ساهياً إذا ذكر أيرجع إلى سجوده وركوعه أم يقف منتظراً للإمام ليتبعه إذا كان قد قضى بما عليه من التسبيح.

الجواب: يرجع إلى حاله من ركوعه أو سجوده ما دام إمامه هنالك، ولا أعلم فيه غير ذلك إلا إذا ذكر سهوه وقد خرج الإمام من حد الركوع أو السجود فأرجو أن يتبع إمامه ولا يرجع إلى تلك الحالة التي فارقها الإمام، ويجزيه سجود السهو إن شاء الله، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفي إمام وجماعة يصلون فرضاً أو نفلاً ثم حدث على السترة ما ينقض عليه صلاته مثلاً لحقه شيء أدماه ففاض الدم من جرحه أو شيء من أسباب النقض الحادث عليه في صلاته بغير اختياره.
فما تقول في صلاة الجماعة المأمومين من كان عن يمينه وشماله تامة أم منتقضة أم فيه اختلاف؟وإن كان فيه اختلاف صرح لنا أعدل الأقوال.

الجواب: إن كان لما أصابه ذلك خرج من الصف وسد الباقون فرجته فصلاتهم تامة وإن بقي هنالك حتى قضوا حداً تاماً أو ما زاد عليه وكان هذا قد أخذ القفوة كلها بحيث لم ينل الجماعة من الإمام شيئاً.
فعلى معنى ما يوجد في ذلك أن صلاتهم مختلف في تمامها وفسادها، والقول بفسادها أكثر.
وإن كان الجماعة عن يمينه وشماله ونالوا من الإمام شيئاً فصلاتهم تامة فيما عندي، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن يأتي إلى المسجد فوجد الجماعة يصلون فرضاً أو نفلاً والإمام قد كبر تكبيرة الإحرام فدخل معهم في الصلاة فوجّه وأحرم وترك الاستعاذة وقراءة الحمد واستمع من الإمام قراءة السورة وفي نيته أن يأتي بهما بعد تسليم الإمام من تلك الصلاة فلما سلم الإمام سلم معه وسها أن يقوم يأتي بما بقي عليه من صلاته فلم يذكر إلا في نفس صلاة غيرها، ما يصنع في ذلك وما يلزمه ومن أحرم خلف الإمام وترك قراءة

الحمد واستمع من الإمام قراءة السورة على معنى ما تقدم في المسألة ففي أي موضع يعجبك الاستعاذة بعد إحرامه أم بعد قيامه لقراءة الحمد؟

الجواب: عليه بدل تلك الصلاة إذا ذكرها في وقت تجوز فيه الصلاة ويعجبني أن يستعيذ إذا أراد قراءة الحمد من الركعة الثانية لقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، والله أعلم .

* مسألة: وعنه: وفي المسافر إذا وافق صلاة جماعة في شيء من مساجد الله تعالى ولم يعلم بحال إمام الجماعة بارّاً أم فاجراً ما الأفضل له أن يدخل في صلاة الجماعة أم يصلي منفرداً إذا كان حال الإمام مجهولاً وإذا جهل الأفضل وصلى منفرداً أيكون ذلك تقصيراً منه وسوء ظن بالمسلمين أم لا؟

الجواب: إذا ترك الصلاة خلفه لجهله به والاحتياط على نفسه في صلاته أن لا يوليها من يجهل أمره فهو عندي من الحزم الذي لا يلحقه به في ذلك تقصير والله ولي التوفيق والتيسير.

* مسألة: وعنه: وافقت الشيخ سلطان بن محمد في سفر وصلى بنا الظهر والعصر جمعاً في جماعة في وقت العصر ثم أتى بعد ذلك هلال بن محمد ومن معه من الجماعة للمسجد فأمره الشيخ سلطان أن يصلي مكانه في المحراب بمن معه من الجماعة، وقال الشيخ سلطان: نحن مسافرون وأنتم مقيمون ولا نقطع عليكم فصلوا جماعة تماماً بعد صلاة المسافرين في المسجد في موضع واحد والله أعلم بالصوب.

* مسألة: وعنه: وفي المصلي جماعة، إذا لم يحفظ قراءة التحيات الأولى ولا قعود لها ولا إتمام الركعات فهل يكفيه احتفاظ الجماعة المأمونين إذا سألهم عن ذلك فقالوا له: قعدنا للتحيات وصلاتنا تامة بما فيها من الركعات.
وكذلك يحدث على هذا السائل لا في كل وقت ولا في كل صلاة بل إذا تردد قلبه في أمور الدنيا فلم تطب نفسه بتلك الصلاة وصار كلما خطر ذلك بقلبه ولم يحفظ ما ذكرت في المسألة قام يصلي صلاته مرة أخرى فما يعجبك لهذا السائل الاكتفاء بسؤال الجماعة المأمومين أم يعيد صلاته؟
تفضل على هذا السائل دله على شيء يعمله لصرف هذا التردد الذي يحدث عليه في صلاته ويغيب حفظها عليه، وما صفة هذا أيكون حكمه مثل الشك الذي قيل فيه إنه من شك في حد من حدود الصلاة فلا يرجع إليه بعد خروجه منه ومجاوزته له أيكون هذا مخالفاً لذلك.

الجواب: إن كان قد صلى خلف إمام مأمون على ضبط الصلاة أو في جماعة مأمونين لمثل هذا فيكفيه عندي إخبارهم له بتمامها.
وإلا فصلاته له مرة أخرى أحبّ إليَّ إلا أن يكون ذلك عن وسوسة معتادة فليمض فيها على أغلب ظنه حذراً من الشيطان أن يعتاده، فيوقعه من نحو ذلك في زيادة، والله أعلم.


* مسألة: وفي إمام جماعة وجد بعدما صلى في ثوبه دماً بقدر الظفر أو أكثر وفيما يظنه أنه شائع مستجلب إلا أنه لا في جسده شيء من الجراح ولا علم أنه لحقه شيء أدماه، فهل يلزمه إعادة صلاته وإخبار من خلفه من الجماعة المأمومين أم لا يلزمه؟
أرأيت إن أحببت له إعادة صلاته فما يعجبك في الجماعة المأمومين يعيدون صلاتهم مثله أم لا.
وهل يجوز له أن يصلي مرة أخرى إن كان لازماً عليه إعادتها أو احتياطاً غير لازم ويكتم ذلك عن الجماعة المأمومين ولا يخبرهم بذلك أم لا يجوز له ذلك ويلزمه إعلامهم في الوجهين جميعاً.


الجواب: إن الدم غير المسفوح أصله أرجو أنه يختلف فيه على ثلاثة أقوال:

أحدها: أن حكمه حكم الدم المسفوح مفسد قليله وكثيره.
وثانيها: أن حكمه حكم الدم النجس غير المسفوح.
وثالثها: أن يكون حكمه حكم الأغلب من أموره فيكون على حكم ما هو الأغلب عليه من الدماء.

وبالجملة فيعجبني له أن يبدل صلاته ويخبر الجماعة بذلك فيختاروا لأنفسهم ما يريدون من الاحتياط أو تركه إلا أن يشاوروه فيحب لهم ما يحب لنفسه لأن الموضع موضع شبهة، حتى لو كان الدم مجتلباً غير أصلي فالصلاة به لا تنفك من الاختلاف، ولاسيما إذا كان مقداره كالظفر فصاعداً فكيف إذا كان هو ما فوق ذلك من الدماء الأصلية التي ليس في نجاستها اختلاف واستحباب البدل المذكور سواء قولنا به فات وقت الصلاة أم لا وإن كان الاستحباب ما دام وقتها قائماً أظهر وأجلى، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن لم يفرق بين الضاد والظاء في قراءته وكتابته وذلك مبلغ قدرته أتتم صلاته ويجوز له أن يكون إماماً أم لا، ويلزمه تعليمهما مع العارفين حتى يحكمهما أم لا؟

الجواب: إن الضاد والظاء المعجمتين حرفان مختلفان في الخط واللفظ فلا يجوز وضع أحدهما موضع الآخر في الحالتين ويجب على اللافظ بهما أن يفرق بينهما مع القدرة في اللفظ كما يجب عليه التفريق بينهما في الخط، إلا في ألفاظ يجوز التعاقب بينما فيها من أجل اشتقاقها تارة من مادة فيها الضاد وتارة من مادة فيها الظاء، نحو قوله تعالى : وما هو على الغيب بظنين .

فقد ثبت في الخط والقراءة بالحرفين لاشتقاقه من الضن الذي هو البخل بالضاد ومن الظنة التي هي التهمة بالظاء وقد قيل بالتفريق بينهما أن الضاد لها ثلاثة مخارج من جانبي اللسان ومن جانبه الأيمن فقط، ومن جانبه الأيسر فقط، وأن الظاء لها مخرج واحد وهو طرف اللسان كالنطق بالذال المعجمة وتبطل صلاة من وضع فيها أحدهما موضع الآخر

على العمد مع القدرة على التفرقة بينهما وتتم صلاة من لم يقدر على التفريق بينهما لعجز لسانه عنه، ولكنه لا يؤم إلا من كان مثله في ذلك إلا أن يكون ممن يجعل الظاء كالضاد في
النطق ولم يقرأ سورة فيها ظاء فهو في جواز إمامته على هذا كمن يحسن التفرقة بينهما، والله أعلم.




جـ «5» (263)


* مسألة: وما تقول فيمن تعود يقرأ بعد صلاة الصبح وصلاة العصر شيئاً من الأدعية أو يصلي شيئاً من النوافل ويتفرغ لذلك جهده فإذا سافر لم يتفرغ في ذلك الوقت؟

الجواب: إن ذلك الوقت أفضل استفراغ طرفي النهار، وفيه –على قول- اجتماع الملائكة بعد صلاة الصبح وصلاة العصر.
وفي قول: بعد صلاة المغرب.

فإذا لم يتفرغ في ذلك الوقتين أو شغله شاغل عن ذلك الوقتين فيدعو بعد عشاء المغرب أو بعد العشاء الآخرة أو بعد صلاة الفجر، ويكون دعاؤه ما أمكنه قاعداً أو ماشياً أو راكباً فيفعل ذلك حد طاقته ومبلغ جهده، ولا بأس بالدعاء وقراءة القرآن ولو على الرواحل، قال الله تعالى : الذين يذكرون الله قياما وقعودا .

* مسألة: ومنه: وفيمن يصلي سنة صلاة الظهر والعشاء الآخرة ركعتين وجاء رجل وصلى أربع ركعات، ولفظهن طاعة لا قال: سنة ولا يريد خلافاً للمسلمين يجوز هذا أم لا؟ صرح لنا ذلك مأجوراً إن شاء الله.

الجواب: لا يجزي عن السنن وأما صلاة الطاعة فهي طاعة جائزة، والله أعلم.



جـ «6» (34-35)


وما تقول في الرش على قبر الميت إذا لم يوجد إلا بالشراء، وعلى قبر جاره لازم أم تطوع رشه إذا لم يوجد إلا بالشراء، بيّن لنا ذلك أم بينهم فرق وبين رش قبر الميت أو رش قبر جاره بيّن لنا ذلك.

الجواب: أما رش قبر الميت بالماء فهو مما يخرج الصلاح له فيجوز شراء الماء له مما قد أوصى به لجهاز موته.
وأما رش قبر جاره بما يشترى من الماء من ماله فلا معنى له ولا يجوز أن يكون ذلك من جهاز موته إلا أن يرضى به الورثة وهم يملكون أمرهم، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وقال: إن المراد بالدعاء في صلاة الميت بين تكبيرة الثالثة والرابعة وما تيسر من الدعاء كاف إن شاء الله، وتكفي الاستعاذة مرة واحدة بعد تكبيرة الإحرام عند افتتاح قراءة الحمد، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: ما تقول في امرأة غسلت الموتى ومن بعد ذلك الغسل وجد دم سائل يقطر من عينها فقلت لشيخي البطاشي: ما تقول في ذلك؟

فقال: إن كان الغسل جافاً فيعاد غسلها ثانية ثم يحشى موضع الدم قطناً أو ما أشبهه، وإن كان الغسل الأول لم يجف فيكفي غسل موضع الحدث ولا يعاد عليها الغسل، وإن لم ينقطع عنها الدم فلا حيلة عليه.




جـ «6» (66-68)


* مسألة: وفيمن كان مسافراً في شهر رمضان فنوى في الليل: إن قدرت أصوم فأصبح يومي –إن شاء الله- فاطراً فلم يفطر يومه وأصبح صائماً ما يكون حال صومه على هذه النية تام أم يلزمه البدل على هذه النية؟ وهل توجد هذه النية في الأثر معلقة بهذا الشرط: إن قدرت على الصوم وإلا أفطرت أم لا توجد ولا تجوز؟

وكذلك فيمن نوى في الليل في وطنه، إني أصبح –إن شاء الله- مسافراً فاطراً فلم يسافر ولم يفطر في ذلك اليوم نوى الإفطار فيه ما يكون حال صومه يومه تام أم لا؟

وهل يجوز تقديم نية الإفطار في الوطن قبل خروج المسافر من عمران بلده، أم لا يجوز إلا بعد خروجه من عمران بلده؟


الجواب: إن كان قد نوى السفر من الليل على غير قصد الوقوف دون الفرسخين، وكان منه في نيته ذلك الشرط وخرج من عمران بلده قبل الفجر فأرجو أن له شرطه فيتم له صيامه مع القدرة عليه ويجوز له الإفطار عند عدمها وأرجو أن ذلك لا يخلو من الأثر، وإذا أصبح في نهار شهر رمضان في وطنه على نية الإفطار لغير ما إجارة له فأرجو أن لا يعذر من البدل ولو صام يومه ذلك بدليل ما في الحديث عن النبي : ( لا صيام لمن لا يثبت الصيام من الليل ) ، فكيف إذا أصبح على نية الإفطار ، ولا يعجبني لمن أراد سفرا أن ينوي الإفطار في بلده ، ولكن إذا خرج من عمرانها قبل الفجر حذرا عن مفاجأة للصبح له على هذه النية قبل الخروج من العمران ، إلا إذا كانت نيته : إن سافرت غدا فقد نويت الإفطار ، والله أعلم .

* مسألة: وعنه: وفيمن رأى في ثوبه جنابة يابسة ولم يعلم بها متى خرجت من موضعها الذي عادتها تخرج منه إنها من يوم أو يومين أو أقل أو أكثر وهو صائم الشهر المفروض عليه صومه وهو شهر رمضان قد وجدها بالنهار فما حكمك في صومه وصلاته على هذه الصفة؟ وما الذي يجب عليه في ذلك؟

الجواب: إذا احتملت تلك الجنابة أن تكون من غيره فلا بأس عليه في صوم يومه، ولا في ما معنى من صومه، وإذا لم يحتمل إلا أن تكون منه فقد يحتمل أن تكون حية وأن تكون ميتة وعلى إشكالها هذا فالاحتياط بغسله وبدل يومه أولى، والله أعلم.




جـ «6» (124-136)


وفيمن عليه زكاة من قبل ذهب أو فضة فإذا أخرجها غوازي نحاس على حساب صرف القرش حسب ما وجهت عليه أيكون مؤدياً لها أم لا؟ لأن مراده بهذا لأن يعطيها جملة من الفقراء كل منهم بما شاء أجنبياً أو قريباً فتفضل أوضح لي ما رأيته من آراء الفقهاء فالحاجة داعية إلى أرخص ما فيها من الآراء.

الجواب: على معنى ما يشبه ذلك يحسن فيه خروج معنى الاختلاف، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن عنده بعض المال تجب عليه فيه الزكاة ويتحير عند إخراجها لما وجد في الآثار من كثرة الأقوال والاختلاف في حد الفقير الذي يجوز له الزكاة وفيمن يستحقها وفي إعطائها غير أهل الولاية.

ويوجد في بعض الآثار يروى عن رسول الله ( لا تحل الصدقة للغني ، ولا لذي مرة سويّ ) ، والمرة القوة هكذا وجدته .

ويوجد من بعض الآثار قال أبو المؤثر: رفي لي في الحديث أن رجلاً سأل عمر بن الخطاب "رض" شيئا ، فقال له ، أنت قوي فاشتري لي خصينا بدرهمين ، وقال له : احطب بهذا ،ما معنى هذا ؟ وما تأويله ؟ أتكون الزكاة محجورة على من كان ذا قوة على الكسب والحرث ، إلا أنه غير مستقيم بكسبه ، وغير مستغن به على غيره في النظر بما يعطى من الزكاة يجعلها في كسوته ومعاشه ، فهل يجوز أن يعطى هذا على هذا أم لا ؟ .

وقد يوجد في بعض الآثار أن النبي كان يعطي المنافقين من الصدقة وهو عالم بنفاقهم ، فما عندك شيخنا في هذا ، صحيح عن النبي أم غير صحيح عنه ؟ .

وقد يوجد من جوابات بعض المتأخرين في معاني الزكاة قد قيل فيمن لم يعرفه بفقر ولا غنى: فليسأله فإنه يخبر عن نفسه ما معنى هذا السؤال عموماً لكل من يشهد لنفسه بالفقر كان أميناً أم غير أمين؟ أم هذا السؤال للأمين خاصة لا لغيره من الخائنين أو المجهولين؟

أرأيت إذا كان غريباً سائلاً لا يعرف ما صفة حاله بأمانة ولا بخيانة ولا يعرف بفقر ولا بغنى وعليه آثار الفقر فهل يكون قوله حجة بالفقر ويجوز أن يعطى من الزكاة ومن كل شيء يكون مرجعه للفقراء أم لا يجوز؟


الجواب: قد قيل في حد الفقير: أن لا يكون عنده ما يغنيه من غلة ماله لسنة أو من ثمرة إلى ثمرة أو ما يغنيه من ذهب أو فضة أو ما يغنيه من حرفة أو صناعة يدر عليه من نفسها ولو يوماً بيوم فمن لم يكن له شيء من ذلك فقد بلغ حد الفقر الذي يجوز له به أخذ الصدقة، وقد دخل في الحرفة والصناعة ذو المرة السويّ فإن المراد به والله أعلم، من كان قادراً على أن يكسب لنفسه ما يغنيه إلا أن الحرفة والصناعة تختلف فمنها ما يغني صاحبه فيكون به غنياً ومنها ما ليس يغنيه فيكون بعد في حد الفقر.

وأما شروط المعطى من الصدقة من بعد أن يكون فقيراً فقد قيل: إن الولاية فيه شرط لإنفاذ الصدقة فيه وهذا قول فيه تشديد.

وقيل: إن الولاية ليس بشرط لأن ظاهر الآية أن الصدقة للفقراء مطلقاً وعسى أن يكون هذا هو الأحسن لقوله تعالى في المنافقين : إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ، ففيه دليل على إعطائهم منها .

ثم إن الناس نوعان: فقير وغني فمن عرفته بالفقر من علمك أو من شهادة من لا تشك في صدقه جاز لك أن تعطيه من الصدقة، ومن لم تعرفه بالفقر، ولا شهد على فقره عندك من لا تشك في صدقه فهو المجهول فلا تعطه من الصدقة حتى تسأله هل هو فقير يستحق الصدقة أم لا؟ ولا يكلف نيته على دعواه للفقر لأن الفقر والغنى في الغالب من السرائر التي لا يطلع عليها من الخلق إلا صاحبها فكم من صاحب مال كثير تستفرغ غلته لوازم كثيرة قبل الحول فيبقى فقيراً، وكم من فقير في ظاهره غني في باطنه، فتكون دعوى من يدعي لنفسه الفقر مقبولة ما لم يصح كذبه لأن الفقر هو الأصل في الناس والغنى حادث فلا ينتقل عن الأصل إلى الحادث إلا بإقرار أو علم العالم به، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وهل لمن رأيته يعمل الخبائث والمناكر ويعلم التتن والبنج وغير ذلك يعطى من الزكاة.

* مسألة: وعنه: ويجوز للرجل أن يبيع زكاته ويكسو بها الأيتام أو يطعمهم منها إذا كانوا فقراء ولا يحسن القب.


الجواب: إن مستحق الزكاة إذا كانوا لا يحسنون تصريفها في مصالهم جاز لمن يدفعها إليهم أن ينظر لهم فيها ما يصلحهم كانوا أيتاماً أو غيرهم.


قلت له: وما صفة هذا المستحق للزكاة إذ الأيتام لم يبلغوا الحلم كيف يعرف حالهم بأمانة ولا خيانة أو كانوا مطيعين أو عاصين في ظاهر أمرهم وأفعالهم أتجوز لهم الزكاة أم لا؟


الجواب: إن الصبيان لهم حكم السلامة من الخيانة والعصيان، وهم مفطورون على فطرة الإيمان حتى يبلغوا الحلم فيخاطبوا عند ذلك بالتكليف فهنالك يكونون إما مطيعين وإما عاصين، وبقى الكلام في أوليائهم الذين تجري على أيديهم أمور طعامهم وكسوتهم إن كانوا مأمونين على ما يقبضونه من الزكاة جاز تقبيضهم لها، وإلا فلا، ويحتار المبتلي في صرف الزكاة إليهم على وجه يسعه عند المولى سبحانه وتعالى، والله أعلم.


* مسألة: على أثر مسألة: عنه: وهل يلزم صاحب المال قيام الحجة على البيدار حتى يخرج للزكاة من تلك الغلة التي أخذها بعمله من ماله أم لا يلزمه؟ ويكفي منه إعلام بيداره أن عليه فيما يأخذه من غلة ماله زكاة وإن أخبره ولم يخرجها عمداً ما يلزم صاحب المال في ذلك، وغن لم يعلم به أنه أخرجها أم لا أيلزم سؤاله والبحث عنه؟


الجواب: إن البيدارة إذا كانت على وجه الشرك في مال تجب فيه الزكاة فكل من الشريكين الهنقري والبيدار متعبد بنفسه في إخراج مال الله عليه من حق ولا يلزم أحدهما تضييع الآخر شيئاً، وإخبار البيدار بذلك من المستحب لا من اللازم فيما عندي، ولاسيما إذا كان البيدار من أهل الجهل باللازم إلا أنه لم يسأله فمن الفضل أن يخبره بماله وعليه، وإلا إذا لم يسأله ولم يبين له تضييعه ففي السكوت عنه لا يتوجب اللوم إليه ومن حبي إخباره بذلك إقامة لحجة الله عمل بها أو أباها، والله أعلم.


* مسألة: على أثر مسألة عنه: فيمن طنا شيئاً من النخيل فغلجت النخيل قبل أن تصير تمراً فصارت حشفاً لا تصلح إلا لطعام الدواب فطلب المستطني من الطاني مسامحة شيء من الدارهم فنظر الطاني لنفسه الأصلح أن يسامحه ولا يسترجع النخيل فهل يلزم الطاني زكاة من الدراهم التي أخذها المستطني أم لا عليه فيه زكاة؟


الجواب: ما أدري ما هذا الحشف أيقع به نقض الطناء أم لا، فإن كان يقع فيه نقض الطناء فسامحه مخافة النقض لما يرجوه من التوفير له للزكاة فلا يبين لي عليه زكاة فيما سامحه إياه، وإن كان مما لا يقع النقض به فأرجو أن عليه فيما سامحه الزكاة، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن عنده أرحام وأقارب وجيران عندهم فضلة دراهم من إلى أموالهم أو كسب أيديهم واحتيالهم أو بأي وجه كانت فضلتهم ثم يشترون بها مالاً ولا ويتركون أنفسهم محتاجين إلى الزكاة وغيرها من الكفارات ولو تركوا تلك الفضلة لعولهم وعول من يلزمهم عوله ربما أنها تكفيهم لو تركوها فهل يجوز على هذا أن يعطوا من الزكاة ومن كل شيء يكون مرجعه للفقراء أم لا يجوز ذلك؟


الجواب: إن من كان له ما يغنيه من الغلة ثم يستفرقه في شراء الأصول فيبقى فقيرا، فهذا عندي ليس فقيراً مستحقاً للصدقة لأن في الحديث عن النبي : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرة سَوِيّ ) ، ولا لمتأثل مالا ، فمتأثل

المال يحتمل وجهين : أحدهما أن يتأثل المال فيشتريه بما يأخذه من الصدقة ، والثاني أن يتأثل المال فيشتري بغلته التي تغنيه ، ولو جاز ذلك أن يكون فقيرا على هذا من أمره لصارت للأغنياء الكبار مندوحة ،وسعة يحتالون بها على أخذ الصدقة إذا أنفذوا غلتهم لشراء الأصول ، وهيهات هيهات أن يكون الأمر كذلك ، والله أعلم .


* مسألة: وعنه: وفيمن أعطى زكاته رجلاً في ظاهر أمره فقير ثم سأله فقال له: إنه فقير وهو فيما بينه وبين الله تعالى غني عنده شيء يغنيه يكفيه من دراهم وغيرها لأن الفقر والغنى لا يطلع عليهما أحد من الخلق إلا الله تعالى وصاحبهما.

أرأيت إذا لم يسأله عن فقره لأن المعطى يعلم به أنه في ظاهر أمره فقير ولم يعلم بعد بغناه حتى مات فهل يبرأ هذا من الزكاة على هذا أم لا إن كان آخذ الصدقة أميناً عارفاً مستحقاً للصدقة أو كان جاهلاً لا معرفة له بذلك.


الجواب: إن دافع الصدقة قصّر في ترك سؤاله عن فقره وكان ينبغي أن لا يكتفي بظاهر حاله قبل سؤاله، لما في باطنه من احتماله، ولكن لا أقدر على القول بتغريمه ما لم يصح معه غناه كان الدفوع إليه أميناً أو غير أمين وإن كان لا أمين عند التصريح أبعد من الشك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: إني سمعت الشيخ سلطان يرفع عن الشيخ ناصر بن جاعد عن والده الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس: أنه لا يعطى أحد من الزكاة حتى يُسأل أفقير هو أم لا فيعطيه بعد سؤاله له، هذا سمعته من الشيخ سلطان وهذا منه على سبيل التحريض والاحتياط.

* مسألة: وعنه: قلت فه فيما بلغني من إخراج الزكاة فقال: لا بأس عليك –إن شاء الله- إن وصلت مع ثويني قل له: إنكم لا سويتوا ترتيباً في إخراج الزكاة ما دام القبض تراه العيون والآن جدوا وافر مكنوز تفضل علينا بالمسامحة هذه السنة والدور خير عن النزاعة بين المستقعد وأهل البلد ويقول: يكفي هذا الكلام فإن سمح بها فالمطلوب وإن لم يسمح قل له على الذي يخصني وتفضل اعذرني من أهل البلد وبما عليّ أؤديه.

قلت له: ما تقول إن سمح بها وأهل البلد أكثر لا يخرجها والذي يخرجها في غير موضعها فقال: لا بأس عليك في ذلك ومأجور –إن شاء الله- أنت كففت عنهم الظلم وهم مسئولون عنها إن ظلموها وعليهم فيما بينهم وبين الله تعالى.

قلت له: ما تقول في تأديتها لهم قبضهم لها أيبرأ صاحبها بتسليمه لهم أم لا؟


فقال: لا يبرأ ويلزمه إخراجها ثانية إلى الفقراء المستحقين.


* مسألة: وعنه: وما تقول في امرأة عندها مال تبلغ فيه الزكاة ومعها ولد فقير أيجوز لها أن تعطي ولدها زكاة مالها إذا كانا في بيت واحد مشتركين في المال وفيما يحصله الولد من خدمته وإذا لم يجز ذلك أيجوز لها أن تعطيه ليعزلها ويقضي بها دينه أو يشتري

بها كسوة أو تعطيه زكاة مالها وترجع الزكاة وخدمة الولد ومال والدته في بيت واحد مشتركين ما الذي يعجبك من القول؟


الجواب: فيجوز لها أن تعطيه زكاة مالها إذا كان فقيراً ولم تكن فوضته غلة مالها قبل إدراكها، وإن كانا مشتركين في الطعام وإن كانت فوضته غلة مالها على وجه المنحة له منها قبل إدراكها فالغلة له وزكاتها عليه إذا كان فيها نصاب الزكاة، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في ولد الغني إذا كان معتزلاً عن والده وهو فقير أيجوز أن يعطى من الزكاة أم لا؟ وإذا لم يجز أن يعطى من الزكاة أيجوز أن تعطى زوجته إذا كانا جميعاً في بيت واحد؟


الجواب: إذا كان فقيراً ولم ينبه من عياله فإن كان قد التزم له بجميع ما يحتاج إليه، ولم يكن عليه دين فهو غني بغنى أبيه ولا يعجبني دفع زكاته إليه، وإن كان قد التزم له لبعض ما يحتاج إليه مثلاً بالطعام جاز له أن يعطيه ما يكتسي من زكاته وإن كان عليه دين جاز له أن يعطيه من زكاته لوفاء دينه وهكذا القول في زوجته أي زوجة ولده إذا التزم بقيامها كله من ماله أو ببعضه أو لم يلتزم به، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن اشترى مالاً ببيع الخيار إلى مدة خمس سنين أو أكثر أو أقل زكاته على البائع أم على المشتري وهل يضاف بيع الخيار على مال الأصل إذا لم تبلغ الزكاة في مال الأصل إلا إذا أضيف عليه بيع الخيار تفضل بالجواب مأجوراً إن شاء الله.


الجواب: فعلى قول من جوزه فالغلة يختلف إذا كان البيع قبل الإدراك ففي أكثر القول فيما أرجو أنها للمشتري فزكاتها عليه وتضاف إلى ماله لمبلغ النصاب.


وقيل: إنها للبائع وعلى هذا فزكاتها عليه والله أعلم فلينظر في جميع ذلك ثم لا يؤخذ منه إلا الحق.

* مسألة: وعنه: وأشاورك شيخي في أمر عناني في إخراج الزكاة عندي أقارب قد اجتمع لهم الفقر والستر عن المعاصي الظاهرة إلا أنهم لا من أهل الفضل في الدين والورع ولا يجتنبون عن الدخول في الشبهات، ويتكفون بثياب الزينة لهم ولعيالهم أعني ثياب السواد والحمرة لا ثياب الحرير فهل يجوز لي أن أعطيهم من زكاتي وتكون لي خلاصاً منها؟

وكذلك إن كان عندي بيدار فقير أيجوز لي أن أعطيه من زكاتي إذا لم أرد يعطيني له عن مكافأة شيء من أشغاله في مالي غير لازم عليه؟


الجواب: إذا كانوا من أهل الستر ولم يظهر عليهم من المعاصي ما يكونون به في حد البراءة وهم فقراء.

وكذلك البيدار الفقير على معنى ما ذكرت فلا أرى بأساً في إعطائهم من الزكاة، ولكن لا يستفرقها فيهم فيما أحب له وليجعل نصيباً منها في أهل الفضل والصلاح من أهل العدل، والله أعلم.

* مسألة: على إثر مسائل عنه ومن أخر زكاة ماله وتركها عنده بمن يسأله من الفقراء والذين يعطيهم منها لم يعلمهم أنه من الزكاة أيكون له خلاص منها أم لا؟


الجواب: إن كان يعرفهم أنهم مستحقون لها ولا يرجو منهم مكافأة على ما يعطيهم إياه فلا يلزمه إخبارهم أنه من الزكاة، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن أعطى من الزكاة شيئاً من التمر أيجوز له أن يطعم منها دوابه أم لا؟


الجواب: إنه كذلك بعدما يقبضه على ما جاز له في حكم غيره من ماله فلا يمنع من تصرفه فيه بمثل ذلك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: والزكاة أيجوز للولد أن يعطي منها والديه إذا كانا فقراء؟ وكذلك الزوج أيجوز له أن يعطي زوجته، والزوجة أيجوز لها أن تعطي منها زوجها إذا كانا فقراء؟


الجواب: قد قيل: يجوز للولد أن يعطيها بنيه البالغين إذا لم يكونوا أغنياء كالمعتزلين عنه وهم فقراء أو فيما لا يلزمه لهم مما يجوز إنفاذ الزكاة فيه.

وكذلك الولد لوالده إن لزمه عوله.

وكذلك المرأة تخرج الزكاة لزوجها المستحق كما أمر به ابن مسعود رحمه الله زوجته أجازها رسول الله في حديث مشهور ، وأما هو يعطيها زوجته فمختلف فيه ، فما لم تكن غنية فيه بغنائه مما لا يلزمه لا يتلزمه .


* مسألة: على إثر مسائل عنه: وما تقول في إنفاذ الزكاة فيمن جد ماله وفيه رطب وبسر وتركه في مكان لصلاحه حتى يصير البسر والرطب تمراً ثم اجتاحه السيل أوسرق أيكون غارماً للزكاة إلا إذا لم يميزها من ماله فذهب الجميع.

وكذلك إن أكلت منه دابة أو سرق منه شيء قليل ولم يعلم به ولم ينكره أيكون معذوراً أم لا؟

وكذلك إن ميزها من ماله وتركها في مكان يأمن عليها فيه وصار منتظراً لها الأفضل ليدفعها إليه فذهبت أو ضاعت أيلزمه غرمها أم لا؟

وهل يجوز له تأخيرها في ماله بعد جداده لصلاحها أم لا يجوز له ذلك ويلزمه تمييزها من ماله في ذلك الحال إن كان بسراً أو رطباً أو تمراً.


الجواب: يختلف في زكاة الرطب والبسر فعلى قول من لا يوجبها فيهما فلا تبعة عليه من قبل الزكاة حتى يصير إلى حد التمر وإن تلفا قبل ذلك فلا شيء عليه.

وعلى قول من يوجبها فيهما فعلى قول من يجعل الزكاة في الذمة فهي عليه بقي أو تلف.

وعلى قول من يجعلها شريكاً فما كان على نظر الصلاح فيها ولم يتعد فيها ما يجوز للأمين في أمانته فلا بأس عليه إذا تلفت من قبل أن تصير إلى أهلها وأرجو أنه إذا ميزها من ماله وتركها في موضع يأمن فيه عليها، ينتظر بها أهل الفضل من الفقراء، ثم تلفت قبل أن تصل إلى أهلها فعندي أنه لا غرم عليه على هذا إلا أن يكون على رأي من يجعلها في الذمة وإلا فهو كذلك.

وإذا كان ينتظر بها الأفضل من الفقراء فلا أرى مانعاً من تركها في جملة ماله حتى إذا وجد لها من ينتظره من أهلها ميزها منه يومئذ.

وإن ميزها من قبل وتركها عنده بمنزلة الأمانة فهو أحوط، والله أعلم.




جـ «6» (232-233)


وقال الشيخ نصير بن محمد: سمعت الشيخ سلطان بن محمد فيمن تحدث عليه دراهم من بيع أصل ماله أو من بيع مال خيار أو من صنعة يديه أو من غلة ماله أو من أي وجه كانت وبالجملة إذا كانت عنده دراهم في يديه من غلة ماله أو من كسب يديه أو احتياله أو بأي وجه كانت ودخلت عليه أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشرة ذي الحجة كانت هذه الدراهم التي في يده بقدر استطاعته إلى الحج ورجوعه وعول من يلزمه عوله فيلزمه الحج على ما تقدم عنده من الاستطاعة.



جـ «6» (246-263)


* مسألة: والقول بتحليل الضبع ومن جعلها من الصيد فأوجب فيها الفدية بكبش أيخرجها ذلك من حيز اسم السباع لاشتهارها أنها من ذوات الأنياب أم لا؟
وكذلك السنور حكمه سبع أم لا؟

فتفضل بجواب ما سألناك عنه عن الترتيب ولا تسأم منه فترديه، فقد اختلف الموجودون فيه من فقهائنا والسلام، من صغيرك الحقير المذنب أحمد بيده.


الجواب: إن الضبع لا يخرجها القول بتحليلها من جنس السباع وحيزها فهي منها في الاسم وخارجة عنها في الحكم على القول بتخصيصها مع الثعلب بالحل من بين أنواع جنسها فانظر فيه ثم لا تأخذ من جميعه إلا ما وافق الحق من أخيك سلطان بن محمد بيده.



* مسألة: وعنه:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الكريم الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان من فضله ما لم يعلم، وصلى الله على رسوله محمد وآله وصحبه وسلم.

أما بعد؛ فقد قرأنا في كتاب الاستقامة وكتاب المعتبر، فوجدنا مصنفهما الشيخ العلامة الأكبر، قد حكى فيهما الخلاف والنزاع، بين أهل العدل في تحريم ذوات المخالب من الطير وذوات الناب من السباع، على اختلاف ما تحت جنسها من الأنواع.

ثم حكى بعد ذلك عنهم في كتاب الاستقامة الإجماع على تحليل الثعالب والضباع، وأشبع القول في تقرير ذلك ما شاء الله من الإشباع، فكان ذكر الإجماع على تحليلها بعد نص الخلاف فيها بعينها محل إشكال وإلباس في حق بعض الواقفين عليه من الناس، فخطر بالبال أن نتكلم بما فتح الله لنا في حل هذا الإشكال، فنقول وبالله نجول:

إن الشيخ العلامة من فحول علماء أهل الاستقامة وكفى شهادة على غزارة علمه ما أورده فيه شيخنا الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس من مدحه له في كلامه النفيس، كما هو معلوم في آثاره التي ضربها سوى على مناره، فلا يكاد يجهل من كان مثاله في صحة المعقول حتى يضع الفروع مواضع الأصول، وما أوهم ذلك من كلامه المنقول، فهو على أحسن وجوهه محمول.

والذي يحمل عليه كلامه في موضع الإجماع موضع الخلاف والنزاع أن يقال: إن الإجماع على وجهين:

أحدهما: أن يكون من الأصول التي لا يجوز خلافها في قول المهتدين، برأي ولا بدين.


والوجه الثاني: أن يكون إجماعاً في المسائل الفرعية على أحد ما قيل من الأقوال الجائزة المرضية كما هو معلوم في كثير من الوجوه الشرعية، كحجب الجد في باب الميراث للإخوة وحجب الأم عن الثلث بالاثنين منهما وتعصيب الأخوات عند البنات ومسائل التمويل ومسائل الرد إلى غير ذلك من المسائل التي لا تحصى في هذا المختصر بالعد.

وربما توهم بعض المتعلمين لقصور الباع أن ذلك من الوجه الأول من الإجماع.

وربما صح الإجماع في القول والعمل على خلاف ما ليس في ثبوته من خلاف كما هو معلوم عند أصحابنا من أهل عمان ومن إجماعهم في قولهم وعملهم في إقامة الإمامة في صلاة الجماعة والأصل فيها أن يتولاها المؤذن كما هو معلوم في المنقول على الرسول والخلفاء الراشدين ، فلم يكن ذلك من الإجماع الذي هو من أصول الدين .

فيجب حمل كلام الشيخ في حكاية تحليل الثعالب والضباع، بعد النص عليها بالخلاف فيها كغيرها من ذات الناب من السباع، على هذا الوجه من الإجماع، على القول والعمل فيها بذلك بعد ثبوت النزاع، ولذلك أورد الشيخ فيه ما أورده من التأكيد والإشباع، لتقرره في الأفهام، وتكرره في الأسماع، وكفى بما ذكرناه في الصور المذكورة من الإجماع عليها بعد أن صحت فيها الاختلافات المشهورة.

فانظروا في الفرق بين الوجهين، واحملوا كلام العلماء على أحسن الوجوه في التأويل، ولا تضعوا أحدهما موضع الآخر فتضلوا على سواء السبيل، حيث استقر أمر الشريعة على

تخصيص عموم القرآن بالسنة كما هو معلوم في الإجماع على تخصيص عموم قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلك ، في آية النكاح بما صح في السنة من حيث تحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، وحديث تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها .

ثم هاهنا محل إشكال آخر حيث جاء صحيح النقل بالاختلاف بين أهل العدل في تحريم كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع إذا كانت من حقها في الظاهر أن تكون محرمة بالإجماع لما ثبت في تحليلها من دخولها في العام من آية الأنعام من الاندفاع في تحريمها، حيث استقر في علم الشرع على سبيل البت والقطع تخصيص عموم القرآن بأحد أربعة أمور: إما بقرآن مثله، وإما بسنة رسول الله ، وإما بإجماع أولي الألباب ، وإما برأي بعض أهل الصواب .

فيكون التخصيص بأحد الثلاثة السابقة من باب الأصول، فحبل الخلاف نية بالرأي مقطوع غير موصول، وتخصيصه بالوجه الرابع محل اختلاف بالرأي فهو فيه مقبول.

فكيف جاء في صحيح النقل عن أهل العدل الاختلاف المنقول، فكيف جاز حيث استقر في علم الشرع على سبيل البت والقطع، تخصيص عموم الكتاب مثله بأحد الثلاثة وجوه إما من الكتاب، وإما بسنة رسول الله ، وإما بإجماع أهل العدل فيكون اعتراضه على العموم بأحد الوجوه الثلاثة ، كما هو معلوم واجب القبول ، فخلافه بالرأي مردود غير مقبول ، لأنه من جملة الأصول .

وقد جاء في الحديث عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي أنه قال : ( كل ذي مخلب من الطير وذي ناب من السباع حرام ) ، فكان بحسب ظاهره في التأويل مخصصا لها بالتحريم من جملة إفادته آية سورة الأنعام من التحليل العام ، ولكن جاء صحيح النقل بالاختلاف في تحريمها بين أهل العدل ، فما وجه القول بتحليلها الممنوع بحسب ظاهره هذه الحديث المرفوع ، والاحتجاج عليه بالعموم بالخصوص مدفوع ؟

فنقول في الجواب عن هذا الإلباس المقتضي لوجود الجرح والباس، في صدرو من لا يعرفه من الناس على تحري الحق والصواب، رجاء الأجر والثواب، فنقول: إن تخصيص العموم لا يمنع من جواز الخلاف والنزاع، حتى يقترن بالإجماع، ولا يكون كذلك من الحديث إلا المنقول بالتواتر فأجمع عليه أهل العدل، خلفاً عن سلف، وكابراً عن كابر، وليس من هذا الباب حديث تحريم الطبول ذوات المخالب والسباع ذوات الناب، فيقتضي جواز الخلاف فيه وجود علل وأسباب، فتكون في الأحكام الشرعية تخصيص العام به في المسائل الفرعية، كما ترى الأمر كذلك في كثير من الحديث الثابت خلافه بالرأي بين العلماء بلا نكير لعدم الاتفاق على ثبوته بين السامعين من الصحابة والتابعين، فيجري مجرى مسائل الفروع، فخلافه بالرأي جائز غير ممنوع.

وكذلك جاء النهي عن رسول الله ، عن أكل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع حتى كاد يقع عليه الإجماع .

ثم اختلف أهل العدل في تفسيره فقيل: إنه نهي تأديب.

وقيل: إنه نهي تحريم فخص به ما أفادته آية الأنعام، في التحليل من التعميم فظهر من هذا البيان، أن تخصيص العموم قسمان، قسم يقع عليه الإجماع فخلافه حرام في كل زمان، وقسم جاء فيه الاختلاف بالرأي بين الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان.

وسنورد –إن شاء الله- في بيان القسمين من تفسير آية الأنعام، ما يكون أنموذجاً يستدل به على كل ما سواه من تخصيص العام، فنقول في هذا الشأن والميدان العريض الطويل:

قال الله تبارك وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، توبيخاً لعبدة الأصنام، على ما شرعوه بأهوائهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام، قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، والآية فيها ثلاثة وجوه :

أحدها: أن تفسر بالوجه الأعم فيكون العموم نفي تحريم المعلوم شاملاً لجميع ما يطعم أي يذاق بالفم من طعام أو شراب أو غيرها حتى السم والتراب ثم يخرج بالتخصيص ما شمله عموم التحليل من المحرمات على ما سنذكره من التلخيص فيكون التقدير في قوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ، أي شيئا محرما على طاعم يطعمه أي ذائق يذوقه .

وثانيها: أن يعتبر بالمعنى الأخص فيكون نفي وجود التحريم المستفاد من العموم شاملاً للدماء واللحوم، ويكون التقدير في ذلك: قل لا أجد ما أوحي إليّ محرماً أي دماً ولحماً محرما على طاعم يطعمه بطعمه أي ذائق يذوقه إلا ما استثنى.

وثالثها: أن تفسر بالوجه المتوسط بين الوجهين وهو أن يكون في وجود التحريم شاملاً للطعام وحده فيكون للتقدير في ذلك: قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً أي طعاماً محرماً، ويدخل فيه الدم بأنه من الطعام بالمعنى الذي تفعله به أهل الجاهلية زمان المجاعة فيما روي عنهم.

ويشهد للوجه الأول والآخر ما تقدم من كلام الله تعالى في سورة الأنعام، إذ قال : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ، إلى قوله تعالى : إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ، وقوله تعالى بعد ذلك : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ، وقوله : قالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ، ثم جاء بعد ذلك قوله : قل لا أجد ، الآية ، فعم بنفي وجود شيء من محرم جميع ما يذاق بالفم إلا ما استثنى فيها ، وما وقع عليه من غير المستثنى من الكتاب أو السنة أو الإجماع ، أو الرأي الذي يجوز فيه الخلاف أو النزاع .

ويشهد للوحه الأوسط قرينة الاستثناء فإنها دلت بالمعنى على وجود شيء محرم إنما هو اللحم والدم.

وهل الوجه الأول أرجح الوجوه الثلاثة أم لا؟


فنقول: نعم إنه بالفوائد أملأ وذلك لوجهين:

أحدهما: أن التفسير بالمعنى الأعم يستلزم بكثير وجوه الخصوص فيبعث الناظر في تخصيص سائر المعلومات إلى تتبع النصوص فيزداد نظره في الدقائق قوة عوض على الحقائق.

وثانيها: أن التفسير بالمعنى الأعم في التحليل بطرق الوحي الذي نزل به جبريل أقوى في توبيخ المشركين على التحليل والتحريم بطرق الوحي من الشيطان الرجيم.

وفي قوله : قل لا أجد فيما أوحي إلي ، دليل على أن التحليل والتحريم لا يكون إلا بطريق الوحي من الملك الجليل ، وعلى أن الكتاب والسنة والإجماع والرأي كلها حاصل من طريق الوحي عن الله من فضله الجزيل ، لأن الإجماع والرأي مأخوذان من سنة الرسول ، فما وجد فيهما من التحريم وصح به تخصيص ذلك التعميم : فهو في الحكم الموجود فيما أوحي إليه ، فكان في المعنى من جملة المستثنى والله أعلم .

ولا يشكل عليكم تفسيرنا للمعلوم بكل ما يذاق بالفم على العموم فيدخل فيه ما لا يؤكل ولا يشرب كالتراب والسموم، فإن الطعم هو الذوق بالفم بدليل ثبوته في المشروب كما ثبت في المأكول، إذ سمعنا الله تبارك وتعالى يقول في نهر طالوت حكاية عنه إذ قال لقومه عند خروجهم لقتال جالوت : إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه ، أي ومن لم يذقه فإنه مني .

وقال في صفة الجنة : فيها أنهار من لبن لم يتغير طعمه ، أي ذوقه ، فظهر أن الطعم هو الذوق بالفم ، فيعمم جميع ما يذاق به على الإطلاق ، إلا أن القرينة تدل على إرادة الخصوص كما ذكرنا في الوجه الثاني والثالث من تفسيره بالمأكول لقرينة الاستثناء المنصوص والله أعلم ، فتوجه لي وجهان في تفسير هذا التعميم :

أحدهما: أن يفسر بالمعنى الأعم فيكون عاماً في جميع المعلومات منه والمأكولات والمشروبات إلا ما استثناه من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فحرمه في حال الاختيار، وأحله في حال الاضطرار.

ثم كان المعروف في لغتهم أن الميتة التي تموت حتف أنفها ألحق بها أشياء من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب، من سورة المائدة وما لم يذكر اسم الله عليه من سورة الأنعام فخصها بالتحريم من جملة التحليل المستفاد من ذلك التعميم.

ثم جاء تخصيصه أيضاً من الكتاب والسنة والإجماع بتحريم الصيد على المحرِم حتى يحل وتحريم صيد الحرم على المحرم والمحل.

ثم جاء تخصيصه أيضاً بتحريم ذبائح المشركين إلا أن يكونوا من أهل الكتاب سلماً للمسلمين.

ثم جاء تخصيصه أيضاً بتحريم القرد إلحاقاً له بحكم الخنزير، وإن وقف بعض أهل العدل عن القول بتحريمه فليس بمقتض لتحليله عند من به خبير.

ثم جاء تخصيصه أيضاً بتحريم ذبيحة الأعجم والأقلف البالغ فهذه التخصيصات أكثرها قد صح عليه الإجماع، وبعضها ما لا نعلم فيه اختلافاً بادياً إلينا بنظر لمرسوم أثر أو سماع.

وأما تخصيصه المسموع من اختلافات أهل العدل في مسائل الفروع، فمنه ما جاء تحريمه من كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع.

ومنهم من خص هذا التخصيص فقال: إلا الثعالب والضباع.

ومنه التحريم الشهير فيما ليس من السباع كالخيل والبغال والحمير وفيما ليس من ذوات المخالب من الطير كالرخم والغربان والنسور.

ومنه تحريم ذبيحة السارق وذبيحة الناصب وذبيحة الصبي، وذبيحة الأقلف اليهودي وذبيحة أهل الكتاب لشيء من الأصنام إذا ذكروا اسم الله عليها، وذبيحة الصابئين وذبيحة من لم يذكر اسم الله عليها على وجه النسيان، وتحريم ذبيحة المقطوع رأسها عند الذبح عمداً وتحريم الضحية المذبوحة قبل تمام صلاة العيد في الجماعة، وتحريم الذبيحة لغير التضحية بعد طلوع الفجر من يوم الأضحى قبل تمام صلاة العي في الجماعة إلى غير ذلك ما لم نذكره من اختلاف أهل العدل في باب ما يحل ويحرم من الحيوان وكله على قول من يقول في ذلك بالتحريم من التخصيص لما أفادته آية الأنعام في التحليل من التعميم.

وعلى قول من يقول في ذلك بالتحليل فالعموم فيه باق بحاله على ما أفاده ظاهر التنزيل فهذه تخصيصات ذلك العموم فيما عرفناه من إجماع أهل العدل واختلافهم في اللحوم.

وأما تخصيصه بغيرها من المعلومات المأكولات والمشروبات فمنه ما تنجس من المائعات فأخرجته النجاسة من باب الحلال الطاهر إلى باب النجس الحرام.

وأما تخصيصه بغير المذكور فكثير، وفي آثار المسلمين شهير، فمنه الخمر ومحرم النبيذ وكل مسكر وفتر حرام في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام، فجعل المسلمون من ذلك التتن والبنج والأفيون وغالب استعمال التتن بالإنفاق، بين السفهاء والفساق، بالمضغ وشرب الدخان والاستنشاق، والبنج يشرب دخانه والأفيون بأكله اتباعاً من مستعملها في ذلك كله لهوى نفسه وشيطانه، ويلحق بذلك كل مهلك من السموم، أو مضر كالتراب ونحوه على العموم، ومن تخصيصه تحريم ما قد تنجس من المائعات بما لا خلاف فيه من النجاسات فلم يمكن تطهيره بشيء من المعاني فهذا ونحوه من تخصيصاته في مسائل الدين، فلا خلاف في تحريمه بين المهتدين، إلا من اضطر في مخمصته إلى شيء مما يعصم من الهلاك من هذه المحضورات سوى المسكرات غير متجانف لإثم فإن ربك غفور رحيم.

وأما المسكرات فقد جاء الاختلاف بالرأي في الخمر ويلحق بها في ذلك محرم النبيذ ولا يخفى ما في التتن والبنج من عدم العصمة في المخمصة من الهلاك والله أعلم بالأفيون فإن صحت شريطة العصمة من الهلاك بشيء من ذلك في المخمصة عند عدم الحال وعدم ما لا خلاف في جوازه عند الضرورة من الحرام فيشبه أن يخرج في جوازه معنى الاختلاف كالخمر لأن الله تبارك وتعالى لم يستثن في الخمر عند الاضطرار.

وكذلك رسول الله لم يستثن بعلة التغيير والإسكار ، فجاز معنى دخول الاختلاف على ذلك كما جاز على الخمر عند الاضطرار إليها في مخمصة أو إجبار على ذلك من الجهار والله أعلم .

وأما التحريم في هذا الباب بالرأي في مسائل الفروع التي اختلف فيها أولو الألباب فكثير جداً فليطلب من مظانّه من الآثار من كتب المسلمين المطولات الكبار، ولنذكر من ذلك من المشروب، ما يوافق ما نحن بصدده من الغرض المطلوب.

فمن ذلك ما صح فيه النهي عن النبي عن الشراب الذي من طبيخ البسر والحلقان والتدنوب .

واختلف أهل العدل في تأويله فقيل إنه نهي تحريم.

وقيل: نهي تأديب مع ثبوت تحليله.

ومنه اختلاف أهل العدل في تحريم الخمر إذا انتقلت إلى الخل فقيل ببقائها على النجاسة والتحريم.

وقيل: بانتقالها إلى الطهارة والحل مع ورود الحديث عن النبي بإراقة الخمر فكان ما يدل على إضاعة المال لو جاز انتقالها إلى الطهارة والحلال .

وفي القول برجوعها إلى الطهارة والتحليل، ما يدفع هذا الدليل.

فالاختلاف في تأويل النهي عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير هل هو نهي تحريم أو نهي تأديب كالاختلاف في

تأويل النهي عن الشراب المتخذ من البسر وما فيه من التذنيب.

والاختلاف في تخصيص التحليل العام من آية الأنعام كالاختلاف في التحريم والحل في الخمر إذا انتقلت إلى معنى الخل وكله من تخصيص عموم التنزيل بما جاز من الرأي في التأويل، وقد نبهنا بهذا القدر القليل من التخليص لبيان هذا الفرض الجليل، ليعلم الواقف عليه أن تخصيص عموم القرآن يكون تارة بالكتاب والسنة والإجماع.

وتارة يكون بالاختلاف والنزاع، وإن تخصيصه بالرأي في مسائل الفروع أكثر من تخصيصه بالدين والحكم المقطوع وإن في الروايات ما يجوز الاختلاف في لزوم العمل به كما أن الأمر كذلك في بعض الروايات.

فظهر أن اختلاف أهل العدل في تحريم كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع مع ورود تحريمها لأنه لم يصح في ثبوته إجماع، وإنما صح النقل باختلاف في ثبوته بين أهل العدل، فمن وضع أحد النوعين المذكورين في التخصيص والحديث موضع الآخر فما له من الهلكة من شفيع ولا مغيث، إلا أن يتوب فيبدل الطيب بالخبيث.

وقد اقتصرنا على ما ذكرنا من التنبيه على التخصيصات العامة في الدين أو الرأي للمتعبدين عامة وبقيت وراء ذلك تخصيصات خاصة فكل من أتى في طعام أو شراب ما ليس له فيه دين أو رأي مثل البيوع وأنواع السحت والسرق والاغتصاب وجميع ما يكون تحريمه على معين من الناس لسبب من الأسباب وتعديد تخصيصات العامة والخاصة بالتحريم بما أفادته آية الأنعام من عموم التحليل يحتاج إلى مصنفات كبيرة، فلا تسعه هذه الكراسة الصغيرة، وكله والحمد لله مشروح في كتب المسلمين فصار المعنى في الآية الكريمة : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ، أو منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة ، أو ما أكل السبع إلا ما ذكيتم ، وما ذبح على النصب ، أو ما لم يذكر اسم الله عليه ، أو لحم قرد ، وهلم جرا إلى أن تستوفي التخصيصات بأسرها .

ولا يلتبس عليكم كون بعض التخصيصات المذكورة من القرآن متقدماً في التلاوة على آية العموم، فإن ترتيب القرآن في التلاوة على غير ترتيبه في النزول فتخصيص المؤخر بالقدوم كما نسخت عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرة مع تقديمها في التلاوة عدة الحول مع تأخيرها فيها وذلك واضح لا إشكال فيه إن شاء الله.

واعلموا أن تخصيص التعميم من أهل العلم بمعاني القرآن العظيم، وسنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، لأنه علم يصح به الدخول من بابه إلى معرفة دقائق علم الشريعة ولبابه، والجمع ما أوهم التضاد في أحكام الله في كتابه، وسنة رسول الله ، وآثار الصحابة ، ولأن أدق ما في الكتاب العزيز معرفة التمييز للمتشابه من المحكم ، والموضح من المبهم ، والمطلق من المقيد ، والمنسوخ من الناسخ ، ولا يتقن معاني ذلك من أهل العلم إلا الراسخ ، ومن جهل حتى ضيع شيئا منه فبينه وبين الحق أميال وفراسخ ، ومن أحكم ذلك من النزيل فقد صب وجه الحق في التأويل ، واهتدى فيه إلى سواء السبيل .

ولا يصح الجمع بين ما أوهم التناقض والاختلاف في أحكام الله إلا بهذا العلم الجليل، وأكثر ضلالات المخالفين إنما حصلت لجهلهم بما يكون من هذا القبيل.

ألا وإن علم الخصوص قد أخذ كل واحد من هذه العلوم، فصح أن يكون أنموذجاً لجميعهاً كما سنقف عليه من هذا الكتاب المرقوم.

وأما بيان كونه قد أخذ من الموضح والمبهم فإن الخصوص إيضاح لما في العموم من إبهام.

وأما بيان كونه من المطلق والمقيد فإن الخصوص تقييد لما في العموم من إطلاق.

وأما بيان كونه قد أخذ الناسخ والمنسوخ فإن الخصوص نسخ لبعض ما في العموم، ثم إن الخصوص والعموم أعم من النسخ لأن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي فلا يكون في الأخبار والخصوص والعموم يقع على الجميع في قول الأخبار، وليشهد لدخول

الخصوص على عموم الخبر المنصوص، ما قد صح من قول أولي الأيدي والأبصار، بتخصيص عموم المهاجرين والأنصار، فأخرجوا أناساً منهم بعدما شهد لهم برضاهم عنه ورضاه عنهم قد صنف صاحب المصنف في تخصيص عموم الأخبار، كتاباً سماه كتاب التخصيص رداً على المخالفين في احتجاجهم بعموم القرآن والحديث لولاية المحدثين الدالة على مذهبهم الخبيث، فظهر أن علم التخصيص والتعميم مفتاح لغوامض علم معاني الكتاب الكريم، والله بكل شيء عليم.


ويشهد لتفسير التخصيص بالمعنى الأول الأعم، وبالمعنى الآخر المتوسط في الرتبة بينه وبين تفسيره بالمعنى الأخص ما قد تقدم الآية الكريمة من السورة الحكيمة، حيث قال : إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ، ثم قال : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ، فدل ذكر فلق الحب والنوى وإخراج الحي من الميت والميت من الحي وما بعده إلى آخره على ضروب المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمركوب وما عداه من الموهوب من فضل الله على العباد من الأموال والأهل والأولاد ، فأبى الشيطان الرجيم إلا أن يقسم بعزة مولاه الرحمن الرحيم فقال –على ما حكى الله عنه في القرآن الكريم : فبعزتك لأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين ، وقال : لآمرنهم فليغيرن خلق الله ، أي دين الإسلام ، الذي هدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، فأدرك منهم بسوء اختيارهم ما تمناه ، فحكى الله عنهم بعد هذه الآيات الكريمة بعض ما تبعوا فيه الشيطان ، من خصالهم الذميمة ، فقال : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .


ثم شهد عليهم في ذلك بالخسران فقال : قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء عليه قد ضلوا وما كانوا مهتدين .

ثم عاد إلى ما بدأ به من ذكر الفضل عليهم والإنعام فقال : وهو الذي أنشأ جنات معروشات ، فبدأ بذكر الجنات ذوات العرش ، وختم ذكر الحمولة والفرش إلى آخر الاحتجاج عليهم ما حرموه من ثمانية الأزواج .

ثم قال بعد ذلك كله : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ، الآية ، فدل نفي وجود التحريم على شموله لجميع ما ذكرناه من ضروب ما أنعم به عليهم على وجه التعميم ، ودل قوله : على طاعم يطعمه ،

على خروج ما عدا المطعوم ، مما شمله هذا العموم ودخل فيما يطعم أي يذاق بالفهم مما ليس بمأكول ولا مشروب كالتراب والسموم ، ثم خرجت منه في جملة المنصوص من المحرمات بالخصوص ، والله أعلم .

* مسألة: وعنه: ومن كان جاهلاً بمعرفة الذبح فذبح ذبيحة فقص منها نصف الجرين أعنى الجرعوب الذي يمر فيه الماء والعيش المأمور بذبحه وقطعه حتى ماتت الذبيحة أتكون هذه الذبيحة حلالاً على هذا الذبح أم تكون حراماً؟

وكذلك من قطع رأس الذبيحة فزال رأسها أو بقي متعلقاً بشيء من إهابها خطأ أو نسياناً أو جاهلاً بمعرفة الذبح أتحرم هذه الذبيحة على هذا الذبح أم تكون حلالاً؟


الجواب: لا أحفظ في ذلك نصاً، والذي أرجوه أن قطع نصف الحلقوم الذي يمر فيه الماء والعيش لا يكفي للذبح.

وفي قطع رأس الذبيحة على الخطأ فأرجو أن لا يحرمه.

وأما على العمد فلا أقطع فيه بشيء، وعسى أن أطاع فيه الأثر، إلا من المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب "رض" ، أنه نهى في الذبيحة عن النجع والفرس ، فالنجع أن يبلغ الذبح إلى النخاع وهو على فسره الزمخشري : العرق المستبطن لما تعلق من الرقبة في رأس فقار الظهر ، والفرس : كسر الرقبة .

فأما كسر الرقبة قبل موت الذبيحة فيحرمها بلا شك فيكون النهي عنه نهي تحريم.

وأما النجع الذي هو قطع الرأس فيخرج عندي في المعنى على العمد أنه كذلك لأن النهي قد انتظم الحالتين جميعاً، وقد صح التحريم في إحداهما فينبغي أن تكون الأخرى كذلك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وسألته عن صفة يصفها لي للحفظ تكون بالغة في ذلك.


الجواب: خذ مرمكي وسعد هندي وفلفلاً أبيض ولبان مصطكي وزعفران أجزاء متساوية تعجن بعسل النحل وتؤكل على الريق أو تشرب سبعة أيام فإن شرب أو أكل أكثر من ذلك خيف عليه السحر.

وصفة عمله: أن تأخذ هذه الأدوية بالأجزاء وتدقها دقاً ناعماً وتنخلها حتى تصير كالغبار.



* مسألة: على إثر مسائل عنه:

فيمن نظر إلى دابة تأكل من أموال الناس بغير رضاهم أيكون لحمها حلالاً للناظر إذا أعطاه صاحبها منها أو اشتراها من عنده؟

وكذلك إن كان يطعمها من أموال الناس بغير رضاهم؟


الجواب: إن الدابة إذا كانت أصلها حلالاً لا يحرمها ما تغتذيه وتعتلفه من أموال الناس بلا إذنهم ولا رضاهم، وضمان ما فيه الضمان من ذلك على صاحبها ولا يتعدى إلى تحريم لحمها، والله أعلم.


* مسألة: وأيضاً شيخنا إذا كانت في بيتك سنانير وأردت أن تنقل منهن شيئاً أين تضعهن في البلدان أم في الفيافي وإذا أردت أن تقلت منهن يجوز لك ذلك والسنانير اللاتي في بتيك لهن حق من العيش وعلى صاحب المنزل رفع الضرر عنهن أم لا؟ ويجوز ضرب السنانير أم لا؟ عرفني في جميع ذلك.


الجواب: إذا أخرجهن إلى موضع مباح من أي موضع كان لم يضق عليه ذلك، ولا نعلم أنه متعبد بالإنفاق على السنانير وإنما يأكلن من خشاش الأرض، وقتلها يجوز إذا ضرت وأضرت ولم يمكن دفعها بدون ذلك.
وأما قتلها لغير شيء فلا يجوز، والله أعلم.





جـ «6» (277-279)


* مسألة: وفيمن نذر لله تعالى بطعام يؤكل في المسجد كذا يأكله من شاء الله من الناس ولم يخص به أحداً من قوام المسجد ولا غيرهم أيلزم هذا النذر أم لا؟

وإذا دعي أحد إلى الطعام أيجوز له أن يأكل مع الذين في أيديهم هذا الطعام أمناء كانوا أو غير أمناء ويعرفهم أو ليس يعرفهم؟


الجواب: إن النذر ليأكله في المسجد من ليس له غرض في الأصول إلى المسجد إلا عرض الأكل باطل عندي فالوفاء به لا يجوز لأنه مما لم يبن المسجد لأجله.

وأما من دخل المسجد لمعنى يجوز له وصادف هذا المأكول ودعاه صاحبه إلى الأكل معه فيجوز له ذلك والله أعلم فانظر في ذلك ثم لا تأخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن مرض فقال في مرضه: ناذر لله تعالى متى ما شفاني ربي من هذا المرض إني لا أركن إلى الدنيا ثم شفاه الله تعالى من مرضه ما يلزمه فيما قال؟ وما صفة الركون إلى الدنيا؟


الجواب:

قد جاء في تفسير أن الركون هو الميل اليسير فإن كانت لهذا الناذر فيه نية فيكون على ما أرده به في نيته وإن لم تكن له فيه نية فقد لا يخلو الإنسان من الميل اليسير إلى الدنيا، والدنيا يدخل فيها المباح اللهم إلا أن يكون من أهل الزهادة المتقطعين إلى الله في العبادة، الذين لا يتناولون من الدنيا إلا ما تلجئه إليهم الضرورة من سد جوعه أو ستر عورة وقليل ما هم، ويعجبني لهذا إن لم يكن من هذا الصنف الأخير أن يتلافى نذره بالتفكير، لوجود التقصير في أكثر الناس للميل اليسير إلى هذا الأدنى الخسيس الحقير.

وإن قيل: إن تناول المباح على النية التي فيها صلاح ليس به من جناح، فيستحيل بذلك عن كونه من الدنيا فيدخل فيما هو من الآخرة في المعنى.
وإن كان من الدنيا في الصورة فعسى أن يكون هذا الجواب لا يخرج من الصواب، ونحن أدنى إلى التصور عما هو أقل من هذا فانطروا فيه ثم لا تأخذوا منه إلا ما وافق آثار أولي الألباب والله أعلم.



جـ «6» (294-295)


* مسألة: وفيمن عقد شهرين متتابعين كفارة لما لزمه من صلاة أو صوم شهر رمضان وبدا له سفر أيجوز له الإفطار مثل لو بدا له سفر في شهر رمضان أم فرق بين ذلك؟


الجواب: لا يبين لي أن صيام الكفارة أعظم من شهر رمضان وقد جاز الإفطار فيه، فينبغي أن يجوز فيها، ولكن بتناول صوم ما بقي من أيامها إذا وصل إلى وطنه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وهل يجوز للمتهم بالسرقة أن يحلف بمسجد اللجيلة أو يغلظ عليه بشيء من الأيمان مثل الكعبة وغيرها.


الجواب: لا يجوز ذلك.



جـ «7» (12-15)


* مسألة: في موات بين بيوت وبستان عرضه قدر خمسة أذرع أو أقل أو أكثر، وصاحب البستان يحوزه ويمنعه، فجاءت النساء تأوي إليه لقضاء حوائجهن بنظر بعضهن إلى بعض ويحدثن بعضهن بعضاً، وكذلك يُنظر إليهن من أعلى البيوت والنخيل والأشجار، لأنه غير مسقف فتأذى أهل البيوت من الرائحة، وربما تأذى جماعة المسجد بل إنه مضت على ذلك سنون وأعوام، فهل من أراد من أهل البيوت التأذي بهذه الرائحة أن يمنع الداخل في هذا الرم أم لا؟

قلت له: وهل على الحاكم أو له أن يحكم على صاحب هذا الرم أن يسد بحذاء الطريق الجائز إذا صح ذلك من قبل، ويجعل له طريقاً من ماله أو من موضع آخر غير الذي ذكرنا إذا لم يمتنع النساء من الدخول فيه بغير سدة إن رفع له أو صح معه أخبرنا مأجوراً.


الجواب: إن مأوى النساء لقضاء حوائجهن في هذا الموضع من المنكر الذي يجب إنكاره على بد القادر لما في ذلك من إبداء عوراتهن لبعضهن من بضع وللناظرين عليهن من أعلى البيوت، أو من النخيل والأشجار من الأمر بالمعروف الذي يلزم فعله على من قدره، ولاسيما إن كان مأواهن هنالك حادثاً.
ويجوز للحاكم أن يأمر بإقامة الجدار الذي كان من قبل مانعاً من الدخول والأصل في الموت الذي بين البيوت والأموال تركه بحاله أولى لمرافق أهل تلك الأملاك، فالحادث

عليهم فيه من الضرر معروف عنهم وعلى كونه متروكاً لمرافقتهم فليس لأحدهم أن ينفرد بمكله حتى يصح له تقدم ملك فيه البينة العادلة، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: ما تقول في النخلة النائفة على الطريق وكلا المالين لرجل واحد.


الجواب: إن كانت لا ترد الماشي ولا الراكب فينبغي السكوت عن الإنكار على صاحبها لصرفها وزوالها.


قلت له: فإن كانت لا ترد الماشي ولا راكب الحمار بل ترد الركاب والراكب عليها، وكذلك إن كانت مخطرة على الذي يمر أسفلها.


قال: يجوز الإنكار منها وأخافه لازم على القادر فيما أرجو، والله أعلم.


* مسألة: على إثر مسائل عنه:

وما تقول فيمن رأى صبياً يتيماً أو غير يتيم يضر في مال ناس لا من أهله أيلزم من رآه أن يأخذ ما في يده ويدفعه إلى صاحب المال، ويخبرهم بالصبي ويخبر أهل الصبي أمناء كانوا أو غير أمناء على أدب الصبي أم لا يلزمه ذلك.
وكذلك إذا رأى حرّاً بالغاً يسرق أموال الناس ولا يقدر يردعه أيلزمه أن يخبر من سرق عليه؟ وإذا خاف على نفسه أو ماله من السارق أيلزمه أن يخبر الذين سرقهم إذا كان لا يقدر على أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ما يصنع هذا المبتلي؟



الجواب: إن ما رآه في يد الصبي مما يعلم أنه أخذه من مال غيره بلا رضى من ربه فيعجبني أن يحوز ذلك منه لأهل ولا يتركه يتلف وهو قادر على حفظه ولا يعجبني أن يخبر بذلك من أوليائه من لا يؤمن عليه من ضربه من مجاوزة الحد الشرعي.

وأما من وجد من البالغين يضر أموال الناس فإن قدر على دفعه دفعه، وإن عجز عن ذلك قال لصاحب المال: عندي لك شهادة في كذا إن حصّلتُ لك في ذلك شاهداً آخر أديت شهادتي ولا يخبره به قبل ذلك إذا كان يخاف منه أن يتعدى الحد الجائز له فيه.


* مسألة: وفي ولي المرأة إذا عامل أخته أو ابنته آواها حين ننشز من عند زوجها وضمها في بيته أيكون عميلها بعد أن يقيم الزوج عليه الحجة أم لا؟


الجواب: نعم إذا تبين له نشوزها من زوجها ولم يصح معه جوره عليها، فليس له أن يأويها، وإذا آواها على هذه الحالة كان آثماً ظالماً، والله أعلم.


جـ «7» (155-157)


* مسألة: وفي رجل توفي وترك زوجتين إحداهما لم تظهر لها ورقة صداق فادعت أنها أعطته إياها ليخلفها فلم يرجعها وتشاجرت هاتان الزوجتان فما ترى لها شيخنا في شرع الله وأحكامه؟ أفتنا في ذلك لينفصل هذا التشاجر بينهما.


الجواب: إن الحقوق لا تثبت بالدعوى إذا أنكرها المدعى عليه حتى تقام عليها حجة شرعية، وهذا كاف لفهم هذه القضية.


* مسألة: وعنه: إذا أرسل رجل ماله عند إنسان فمات المبعوث عنده المال فادعى أن ماله صار عند إنسان آخر قد مات، أيكون له حجة في مال هذا الرجل الثاني أم لا؟


الجواب: إذا أقر أن ماله الذي ائتمن عليه هذا للرجل أنه قد خرج منه نصار إلى رجل آخر لم تبق له حجة على أمينه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن أراد سفراً عن بيته، وكان هو وزوجته ساكنين في البيت فجمع هذا الرجل جميع أثاثه في منزل معلوم من البيت، وقفل عليه وقبض المفتاح رجلاً، وقال له: قشاري كله في ذلك المنزل المقفول فتوفي صاحب البيت وادعت زوجته أن لها في ذلك المنزل شيئاً من القشار، هل يسع القابض للمفتاح أن يقبضها شيئاً منه أم لا؟ تفضل بالجواب.


الجواب: أرجو أن حكم ذلك له من أجل انفراده به عن مخالطة زوجته.
وما قيل في الزوجين والمتشاركين فإنما هو من أجل الخلطة والمشاركة في المكان الذي تخالطا فيه وتشاركا لا في المنزل الذي قد انفرد به أحدهما، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن ابتاع شيئاً من الأصول من زوجته فحازه الزوج وبقى في يده سنين عديدة، وكان يغيب عنها زماناً ويرجع إلى وطنه، ثم سافرا معاً فتوفي الزوج في سفره ورجعت المرأة إلى وطنها، ثم ادعت فيما ابتاعه منها أنه لم يكن إلا تقية وغصباً أو حياء منها، هل تسلم لها دعواها فتكون مصدقة فيما ادعته أم لا؟


الجواب: إن الحكم ما باعته له واشتراه هو منها من مالها ماض في الظاهر على أحكام السلامة مما تدعيه من الغصب والتقية، إلا أن تقوم على دعواها هذه حجة شرعية، وإلا فهو له في حياته ولورثته بعد مماته، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وكذلك فيمن قايض زوجته أصيلة بأصيلة فحاز الزوج أصيلته، وحازت الزوجة أصيلتها وكل واحد منهما فسل وزرع ومن بعد توفي الزوج وأرادت الزوجة أن ترجع أصيلتها الأولى، وادعت التقية والغصب أيقبل دعواها أم لا؟


الجواب: لهذه على نحو ما تقدم في المسألة الأولى، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وإذا اختلف الزوجان في حق الزوجة على زوجها هل هو عاجل أو آجل، فادعت الزوجة أنه عاجل، وادعى الزوج أنه آجل فالقول قول الزوجة مع يمينها في أن حقها معجل إلا أن يقيم عليها بينة أنه مؤجل، والله أعلم.




جـ «7» (220-222)


* مسألة: وقد ذكرنا لك في ذلك حد الشهرة الصحيحة التي تقوم بها الحجة وما كان دون ذلك من أقاويل العامة التي لم يكن معها في قلب من بلغته علم ضروري، لا يجوز عليه الانقلاب إلى خلافه فليس بحجة ولو كثرت الأقوال إذ الشهرة الصحيحة لا تكون بالسماع لأقاويل الكثير من النساء والرجال وإنما هي علم يجده الإنسان في قلبه لا يختلف ولا يتحول ولا يتبدل ولو شهد على خلافه مائة ألف من الأخيار، ولم يشهد، ولكن في ضرب المثل.

* مسألة: وعنه: وما حد الشهرة الصحيحة التي يجوز الحكم بها في الأوقاف وغيرها؟


الجواب: ليس كثرة القائلين في الشيء بحكم من الأحكام، ولم يكن فيهم من يوثق بقوله مما تقوم به حجة ولا من الشهرة الصحيحة في شيء، وإنما الشهرة الصحيحة هي العلم الموجود في القلب الذي لا يجوز عليه الانقلاب المأخوذ من تظاهر الأخبار الذي لا يجوز الشك فيه، كما نعلم أن نبينا محمداً ، هو ابن عبدالله بن عبدالمطلب ، وأن أبا بكر الصديق رضوان الله عليه ، هو ابن أبي قحافة ، وأن عمر "رض" هو ابن الخطاب ، ولم نرهم ولا آباءهم إلى غير ذلك من الناس والبلدان مما لا يمكن حصره في هذا المكان ، وهذا هو حد الشهرة الصحيحة لا ما يقال : إنها من الخمسة فصاعدا ، والله أعلم ، فلينظر فيه ثم لا يؤخذ منه إلا الحق .






ج«7» (270-272)


* مسألة: وفيمن طلق زوجته ولها عليه صداق وهو معسر لا يقدر على تسليمه ولا تسلم شيء منه فما يجب لها عليه؟


الجواب: إن صداقها يكون ديناً عليه يؤديه متى قدر عليه أو على شيء منه لقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة .



وإن كانت له حرفة ومكسبة لا تفضل عن مؤنته يوماً بيوم فليس لعيه أن يؤدي منها شيئاً، وإن كانت فيها فضلة عن مقدار ذلك أدى ما فضل، والله بهذا وغيره أعلم.


قلت له: وإذا كان والداه معهما مال هل يلزمهما أن يسلما عنه؟


الجواب: لا يلزمهم ذلك وهذا شيء معلوم عند العارفين وغيرهم.
وكذلك لا يجوز المعسر الذي صحت عسرته بشهادة أحد من الثقات والمأمونين، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن عليه حق لأحد رجلاً كان أو امرأة فجاءه رجل آخر فقال الذي له الحق: أنا أعطيك حقك عن هذا الذي لك عليه الحق سابقاً وأريد منك ومع كذا كذا يوماً فرضي صاحب الحق بالوسع، وصار الذي له الحق منتظراً لحلول الأجل فلما انقضى الأجل طلب صاحب الحق حقه من هذا الذي احتال عليه الحق فرجع هذا الرجل الآخر عن الوفاء وإتمام القبالة فهل له الرجوع وينحط عن هذا الحق ويرجع حقه على الذي عليه له في الأصل إن كان الذي عليه الحق في الأصل حياً أو ميتاً يثبت على ورثته أم يثبت على الرجل الآخر الذي احتال عليه برضاه؟

أرأيت إذا لم يقل هذا الرجل الآخر الذي احتال عليه هذا الحق للذي له الحق: إني ضامن لك بحقك هذا عن هذا الذي عليه في الأصل وبقول الذي له الحق: قبلت حقي من عند هذا إن غاب أو طلع فهل يحتاج إلى هذا اللفظ الصريح أم يكفي إن قال: أوفيك حقك عن هذا وأخذ فيه وسماً أيثبت عليه بهذا اللفظ أم لا يثبت ويرجع هذا الحق على الذي عليه في الأصل؟


الجواب: إن قوله لصاحب الحق: أنا أوفيك حقك وعد لا يقتضي عليه ضماناً في الحكم فإن وفى به فأجره إن كان من أهله على ربه، وإلا فليتب إليه من خلف وعده لأنه من ذنبه، وكفى بهذا القدر من الجواب عما زاد من معاني المسألة لأنه هو الأساس، والله أعلم بالصواب.


* مسألة: وعنه: قلت له: ما تقول فيمن زوج ابنته رجلاً فقيراً وعند والديه مال، فهل يجوز الشرط وثبت على والديه أو على أحدهما إذا شرط أبو المرأة عليهما عند التزويج فقال لهما: كل حق واجب ولازم يكون على ولدكما لابنتي من القيام وغيره فلزومه عليكما، وتكونان كفيلين عن والدكما لما يجب لابنتي على ولدكما.


الجواب: إذا قابلوه وشرطا على أنفسهما ورضيا بالكفالة عن والدهما فقد ثبت عليهما ذلك.




جـ «7» (304-307)


والأصل في الموات الذي بين البيوت والأموال تركه بحاله أولى لمرافق أهل الأملاك، فالحادث عليم فيه من الضرر ومصروف عنهم وعلى كونه متروكاً لمرافقهم فليس لأحدهم أن ينفرد منه بملكه حتى يصح له تقدم ملك فيه بالبينة العادلة، والله أعلم.


الجواب: وعنه: ما تقول فيمن بنى غرفة في داره فأراد أن يجعل مصباحاً على طريقه التي له خاصة يمر بها إلى داره وبحذاه فرضة قد جعل عليها جداراً قدر خمسة أذرع ارتفاعاً أو أقل أو أكثر ولا يمكن تسقيفها لأن الرم للمسجد والمفسل فيه قائم وربما تعمد للنظر من ذلك المصباح، ينظر من كان بتلك الفرضة أدلية أن يسد مصباحه؟


قلت: وإن ثبتت هذه الفرضة على هذه الصفة ولو تعطل المغسل الذي للمسجد هل على الحاكم أن يجبر أهل هذه الحالة أن يسدوا كل مصباح يكشفها ما كان من الحدث قبل تمكنه من البلد أو بعد ويأمرهم أيضاً أن يعلوا جدر هذه الفرضة حتى يمتنع النظر من الراكب والماشي.

وكذلك يمنع وكيل المسجد أن يغسل في ذلك المغسل بعدما خرب واندثر لأنه إذا فسل الآن يضر بهذه الفرضة.

وما يثبت من هذين الفرضة أم المغسل أم يكونا كلاهما ثابتاً أم لا؟ عرفنا وجه الصواب مأجوراً إن شاء الله.


الجواب: إذا ثبتت الفرضة مأوى جائزاً للنساء في غسلهن لم يكن له أن يحدث عليها من الكوي ما ينظر منه إليهن إلا أن يجعل فيه من المسامير ونحوها ما يمنع من ذلك، وما قد ثبت من الكوي المشرفة عليها، ولم يصح أنها حدث بغير الحق فحكمها وحكم الفرضة على حالهما، وتحتال النساء لأنفسهن في ستر عوراتهن ويجتهد أهل تلك الكوي في غض أبصارهم عن الإشراف إليهن.
وإذا ثبتت الفرضة والمغسل الذي للمسجد كان لكل واحد منهما حكمه على انفراده، فلا إزالة لأحدهما عن الآخر، ولوكيل المسجد أن يغسله، والله أعلم فلينظر في هذا وذاك ثم لا يؤخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: وما تقول شيخنا فيمن له بيتان وبينهما رحى وأراد أن يخلطهما والرحى قاطعة بينهما لكن سطحها نازل وأراد صاحب البيتين أن يسطحهما سطحاً ثانياً حتى يساوي سطوح بيوته أله ذلك، وإن تواطأ وتنقل في ذلك السطح الثاني الذي هو عمله وهو أعلى من سطحها بقدر ثلاثة أذرع ومركب الجذوع في بيوته إن ستر الربع منها أعنى من أرباعها الفارق عن البيوت حتى يساوي ستار بيته مخافة اللصوص، وذلك الربع لها لا له أواسع له ذلك أم لا؟ تفضل ببيان ما أراك الله.


الجواب: والذي عندي أن ذلك حدث فلا يجوز غلا برضى من يملك إباحته وحصره، والله أعلم، فانظر في ذلك ثم لا تأخذ منه إلا الحق.

* مسألة: وعنه: قلت له: ما تقول فيمن أدرك ماله دكانة لنخلة وجانب من الدكانة على وجه الفلج وجانب منها على كفاف الطريق، ثم ضاعت هذه النخلة، أيجوز لي أن أصلحها وأرجعها إلى ما كانت عليه؟


الجواب: يجوز لك إصلاحها وبنيانها على ما كانت، وكل شيء لم تعلم باطله فيجوز لك أن تقتفي فيه ما أدركت من فعل غيرك فيه ما لم تعلم باطله.


* مسألة: وعنه: وأشاورك في أناس نزلوا عندنا ساكنين وعندهم بعض المواشي بقرب محلتنا بل سكونهم في السيح لا في أملاك أحد وإن جيراننا من أهل تلك المحلة جملة يشكون إليَّ من غنم هؤلاء الساكنين بقربهم، ولا يخفى عليك ضر الغنم وتأذى منهم جيرانهم، فهل يجوز لي أن أقول لهؤلاء الساكنين أن ينتقلوا عن ذلك المكان الذي سكنوا فيه إلى مكان ثان بعيد عن المحلة، فإنهم إذا بعدوا ربما يخف ضرهم أم لا يجوز لي ذلك؟


الجواب: أما منع من يسكن هذا الحريم من أهل المواشي الذين لا يمتنعون من مضارة أهل البلد فإن كانوا من أهل البلد الذين لهم المنازل والأموال، فلا يبين لي نقلهم من هنالك على الجبر، وإنما يمنعون من مضارة الناس.
وإن كان هؤلاء من الغرباء الذين ليس حالهم كذلك فعسى ألا يبعد نقلهم من السكون حيث تقع منهم المضرة، والله أعلم.


جـ «8» (66-75)


* مسألة: وفيمن ابتلي مال موقوف لطائفة من الناس يفرق عليهم يوم الحج، وفيهم الحاضر البلد وفيهم الغائب منها أيجب لهم جميعاً أم للحاضر دون الغائب إذا لم تعرف السنة المتقدمة فيه، وإذا وجب لهم جميعاً كيف يصنع بحق الغائبين منهم ذلك اليوم، ويوم الحج يفوت، تفضل عرفني وجه الرشاد فيه لعلي أقتفيه ولك إن شاء الله جزيل الثواب؟


الجواب: إذا لم تدرك لذلك سنة فالقبيلة كلها في ذلك الموقف عليهم شرع صغيرهم وكبيرهم ذكرانهم وإناثهم حاضرهم وغائبهم والحيلة من لم يحضر منهم عند التفرقة في ذلك اليوم أن يوكلوا أحداً من الحاضرين يقبض لهم نصيبهم منها، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وإذا كان التوقيف لأهل الحارة الفلانية لمن حكمه، وهل فرق بين أن يكون لأهلها أو لسكانها أوضح لها، تفضل أوضح لي الفرق بين هذه الألفاظ الثلاثة والحكم فيها وكذلك اللفظ لبني فلان أو لأولاد فلان، للرجال والنساء في اللفظتين أم في إحداهما دون الأخرى، وإذا انقرض من له الموقوف أو خربت الحارة وتشتت أهلها لمن يرجع، وهل فيه رأي أن يكون مرجعه للفقراء فيتوسع به من بذلك ابتلي، عرفني بجميع ذلك؟


الجواب: قد وجدنا في لفظة الأهل المضاف إلى القرية عن الشيخ جاعد بن خميس أنهم هم الذين وآباؤهم وأجدادهم بها لا الحادثين وقد ذكر الشيخ في ذلك أنه استدل عليه بما أشبه إن صح.

وأما سكان القرية كذا فإذا لم يكن سكناً محدوداً في وصيته أو سنة فيلحق معناه كل من نزل بها فنام أو جامع.

وأما ما أوقف لمحلة كذا إن لم تدرك له سنة فيشبه أن يكون لعمارتها.

وأما أولاد فلان فيدخل فيهم الذكر والأنثى بلا خلاف نعلمه.

وأما بنو فلان فيدخل فيه أناس على خلاف بالرأي فيه.

وأما إذا انقرض الموقوف عليهم ولم يعرف الموقف فيلحقه حكم المجهول بما فيه من القول بالرأي.

وأما خراب الحارة التي بها هذا الوقف لأهلها فخرابها لا يبطل ذلك وهو لهم حيث كانوا، إذ ليس من شرطه أن يفرق فيها على معنى المسألة، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن وقف رحا في حياته وتركها في محلة أناس ينتفعون بها، فلما توفي جاء ورثته وأرادوا أن ينقلوا هذه الرحى في محلتهم إلى بلد آخر وقالوا نحن

أحق بما وقفه صاحبنا ولم يرض الآخرون بذلك أيمنعون من تنقيل هذه الرحى وتترك مكانها بحالها أم لا يحال بينه وبينها وهم أحق بها من غيره؟


الجواب: أما الرحى التي أوقفها الهالك في حياته فجعلها في موضع معلوم فهو أولى بها ذلك الموضع ولا سبيل لورثته في نقلها، إذ لا ميراث لهم فيها، وهم وغيرهم في معنى الانتفاع بها في موضعها سواء إلا المانع وإلا فهو كذلك، والله أعلم، فانظر شيخنا ولا تأخذ إلا ما وافق الحق والصواب.


* مسألة: وعنه: وفي حوض المسجد إذا كان البنيان الدائرية به ضيفاً فأراد من بيده مال المسجد أن يزيده بنياناً جديداً ويجعله أوسع من هيئته الأولى، ويزيده رفعة ويزيد في الحوض بلائل أيجوز له تسليم أجرة هذه الزيادة من مال المسجد على هذه الصفة أم لا؟


الجواب: إن ذلك من صلاح عماره ويعجبني أن لا يكون من مال عماره، والله أعلم، وطالعوا كتاب المساجد الذي ألفه شيخنا العالم الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس فعسى أن تجدوا فيما أورده رحمه الله من التلخيص شيئاً من الترخيص، فإنه لم يكن عندنا.


* مسألة: وعنه: وما تقول في نخلة يقول أهل البلد: إنها لأوقاف وأحد يصرجها إلا أنها لم تعرّف لأي مسجد فمنهم من يقول لمسجد الفرفاة ومسجد حميم، ومنهم من يقول لمسجد الفرفارة ومسجد اللجيلة مشتركة، والله أعلم.

كيف الخلاص لمن بلي بشيء من غلتها وما يصنع بغلتها فيما أقبل وفي بقية أموال الأوقاف من نخيل ومواضع أيجوز للمحتسب أن يقبل فيهن قول الشهرة من أهل البلد لأمين وغير الأمين إذا كانت مشتهرات عند أهل البلد والمحتسب يطنيهن عن كل سنة، ولا أحد يتعرض له من أهل الأموال ولا أحد ينكر عليه أترى عليه بأساً أم لا؟


الجواب: إن النخلة المذكورة إذا صحت أنها للمسجد واختلف العامة فيه فقال بعضهم أنها لمسجد كذا، وقال آخرون أنها لمسجد كذا، فإن كان من أحد الفريقين المختلفين في ذلك أحد من الثقات عمل بقوله، وإلا فلا تقوم الحجة بخائن، ولا متهم، ولا مجهول، ولو كثروا وأحق ما بها على أن تنفذ غلتها في عمارة المسجد الجامع لأهل البلد أو أكثرهم في الصلاة والعبادة، وإن لم تصح أنها للمسجد إلا من قول أمثال هؤلاء وأحق ما بها أن تكون للفقراء وليس كثرة القائلين في الشيء بحكم من الأحكام، وليس فيهم من يوثق بقوله مما تقوم به حجة ولا من الشهرة الصحيحة في شيء، وإنما الشهرة الصحيحة هي العلم الموجود في القلب الذي لا يجوز عليه الانقلاب المأخوذ من تظاهر الأخبار التي لا يجوز الشك فيها كما نعلم أن نبينا محمداً هو ابن عبدالله بن عبدالمطلب ، وأن أبا بكر الصديق ـ رضوان الله عليه ـ هو ابن أبي قحافة ، وأن عمر "رض" هو ابن الخطاب ، ولم نرهم ولا آباءهم إلى غير ذلك من الناس والبلدان مما لا يمكن حصره في هذا المكان ، وهذا هو حد الشهرة الصحيحة ، لا ما يقال إنها من الخمسة فصاعدا فلينظر ثم لا يؤخذ منه إلا الحق .


* مسألة: ومنه: وفيمن عليه ضمان لمسجد، والمسجد له أموال فاضلة من عماره ولا يرجى له دثار، فيعمره بهذا الضمان، وليس له وكيل ثقة، فمن عليه هذا الضمان ما يصنع في الخلاص منه؟


الجواب: لا حيلة عندي إلا ادخاره لإنفاذه في محله متى يجد السبيل، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن في ماله نخلة لمسجد أو ما يشبه ذلك من الأوقاف أنه لا يجوز لوكيل المسجد أن يفسل تلك النخلة في غير موضعها إلا بعد قلعها، ويفسل مكانها، وإذا لم يعلم مكانها فيفسل مع ما يبيح له صاحب المال إذا لم يكن الموضع الذي يفسلها فيه أدنى من موضعها الأول.


* مسألة: وعنه: وقلت لشيخي البطاشي: هل يجوز لي إذا أردت أن أكاسر بدراهم المسجد الذي في يدي بالدراهم التي من صرف النحاس التي يسمّونها البنيس آخذهن بسعر القرش على ما يستقر في الأسواق أي أعطي للمسجد القروش وأنا آخذ بنيس المسجد فقال في جوازه لي أما في الحكم فلا يمكن إلا بقابض منك ودافع لك وأما في الواسع فلا يخلو من الإجازة إذا كان ذلك بعدما يستقر القرش في الأسواق، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي نخلة لمسجد أو فطرة أو ما أشبه ذلك من الأوقاف، والنخلة معروفة وبقربها وهي في ماله، ولكن موضعها مجهول لم تقم عليها الحجة من شهادة عدول ولا شهرة حق إلا من قول أناس من أهل البلد مجهولي الحال ليس فيهم من يقول هاهنا، ومنهم من يقول هاهنا، ولم يجتمعوا على موضع واحد، فقال من له الأرض: تفسل هاهنا قريباً من الموضع الذي قال فيه أولئك المجهولون، فما يعجبك لهذا الوكيل أو المحتسب أن يفسل تلك النخلة حيث يأمره مَن له الأرض ويترك قول مَن لا يثق بقوله أم ماذا يصنع؟


الجواب: عند جهالة موضع الأصل وعدم قيام الحجة عليه بشاهدي عدل في الحكم، وبالمأمونين في الواسع مع إقرار صاحب المال في ماله مجملاً فيخرج له من ذلك المال أصل متوسط لا من الخيار ولا من الضعاف، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن قبض شيئاً من الدراهم من طناء أموال الوقوفات من مسجد وفطرة وما أشبه ذلك، فهل يجوز له أن يكاسر بهن قروشاً عن الغوازي عن تبديل الصرف عن هذا ربما في زماننا يتبدل على كذا كذا صرفاً، والقروش ربما أنه لا يتبدل لصرفها عن القروش.

أرأيت إن احتاج المسجد إلى خدمة فيه بغوازي فكسر هذا المحتسب من قروش المسجد فنقص ثمنه عما أخذه سابقاً فهل يلزمه ضمان ما نقص من ذلك أم لا يلزمه شيء أيعجبك أن يتركهن بحالهن كما قبضهن؟


الجواب: إن كانت الحاجة إلى ما يكون من صرف النحاس الذي للمسجد داعية في الحال أو قريباً منه في الاستقبال، فيجب تركه لصرفه وإنفاذه في محله، وإن كان المسجد مستغنياً عنه وصار أمره إلى تركه وحفظه إلى ما يدري من الزمان فأخذ القروش بصرفها

منه أولى من نظر الصلاح، والله يعلم المفسد من المصلح، وكذلك في ظاهره من الإحسان وما على المحسنين من سبيل، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: في مال الأوقاف من مسجد وفطرة وما أشبه ذلك إذا اندثرت واحتاجت إلى الفسل وغيره من المصالح، وليس لها وكيل يأخذ أجرة على ذلك، وقد ابتلي بها أحد من الناس محتسباً فيها لله تعالى عن الضياع بالكلية فهل يجوز لهذا المحتسب أن يؤجر عليها مساومة بغير مناداة رجلاً يختصه ويطمئن به قبله على فسلها وعلى جميع ما ذكرت من مصالحها، وإن كان الأمين في هذا الزما قليلاً إلا ما شاء الله تعالى، فما تقول في ذلك؟

أرأيت إذا كان هذا المحتسب يعلم أن المناداة على ما ذكرت من الإجارات أولى وأوفق وأقل أجرة من المساومة إلا أنه ليزابن على تلك الخدمة كل من يريد، فمن المستأجرين إلى قيام معه عند خدمته ليخدمها بما تصلح ومنهم من لا يحتاج إلى ذلك ليخدمها بما تصلح حضر المحتسب أو غاب وكان ذلك أيسر للمحتسب فما يعجبك في ذلك.

وكذلك في خدمة المساجد وفي حصاد نخيل الفطرة وفي التقطير بغلتها الصائمي شهر رمضان أيجوز لهذا المحتسب أجرة من يختصه على ذلك بغير مناداة ولو زادت أجرته عن أجرة غيره من لا يطمئن به قلبه على نحو ما ذكرت من معاني المسألة.


قال: إذا لم يحصل للعمل المذكور أحد من الأمناء على أن يأجره مثل أجرة الذين لا يؤمنون عليه، وإنما حصل الأجير الأمين على ذلك بأكثر من أجرة غيره ممن لا يؤمن ولا يجد المحتسب بعد اجتهاده أجيراً من الأمناء، إلا بتلك الأجرة المذكورة، ولم تكن زيادتها زيادة فاحشة فيجوز عندي لهذا المحتسب على هذا تأجير الأمين بما زاد من الأجرة على تأجير غيره من الخائنين أو المجهول، وما هو في ذلك إلا محسن وما على المحسنين من سبيل، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في المسجد رهيف وأراد أرباب المسجد أن يرضفوا له جداراً من ماله أيجوز عليه الرضيف من ماله أم لا؟
وكذلك نخيل المسجد الذي لا يسقيهن فلج وهن فيهن بيدار أتجوز له البيدارة تامة منهن أم لا؟


الجواب: إن كان الجدار لا يخشى منه من انهدامه من أجل ضعفه فيعجبني ترك زيادة بنيانه حتى يصير إلى حدّ الخطر، والبيدارة على قدر العناء وعلى من على يده مال المسجد أن يجتهد في ذلك ولا لوم عليه بعد الاجتهاد ما لم يصنع شيئاً لا عذر له فيه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في صرح المسجد إذا كان له باب ودرج من جانب الفلج، ولا له باب غيره هل يجوز أن يحدث له باب ودرج من جانب الحجرة إذا كان ذلك أصلح لعمار المسجد لأنه أقرب إلى منازلهم بعد فراغهم من الصلاة ويكون ذلك الحدث من مال المسجد أم لا يجوز ذلك؟

وهل يجوز أن يشترى من مال المسجد الدّهن ليسرج به للقراءة إذا كان لا من عادته أن يسرج فيه؟

وفي صرح المسجد إذا احتاج جداره إلى خدمة لتقويته وتوثيقه وإلى باب أيكون له حكم المسجد ويجوز أن يخدم من مال المسجد ويُشترى له باب أم لا؟


الجواب: أما فتح باب من جدار الصرح من جهة الحجرة وبنيان درج له على وجه الحدث فلا يبين لي من عمار المسجد ولا أقول بجوازه على هذا من مال عماره.

وأما حدث السراج له للقراءة عليه والصلاة فعندي أنه مما يختلف في جوازه من مال عماره، ويعجبني جوازه إذا كان فيه فضلة عما يحتاج إليه من صلاح جدرانه وسقفه.

وأما حدث باب خشب وتركيبه في باب الصرح السالف فإن كان لمعنى صيانة المسجد من دخول الدواب ونحوها فيه فيعجبني جوازه لأنه على هذا من عماره وإن كان تركيبه لا يفيد شيئاً من نحو ذلك فيعجبني تركه.

وأما إذا كان جدار الصرح مستقيماً بذاته على أصله السابق فلا يعجبني أن يزاد عليه برضفه إلا إذا ضاع منه شيء فيجوز صلاحه من ماله وإلا فليترك بنيانه بحاله إلا أن يتصدق عليه أحد فيزيده من مال نفسه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن قبض من مال المدرسة شيئاً من الدراهم وأراد الخلاص منها، أيجوز له أن يعمر بها في مالها إذا كان المال مندثراً أو يحتاج إلى فسل أو غير ذلك من القيام فيه، ويكون له خلاص فيما بينه وبين ربه من هذا الضمان، أم يؤجر بهذه الدراهم أحداً يعلم بها، وما يعجبك من الخلاص له؟


الجواب: إن كانت السنة قد مضت بعمارتها وعمارة مالها من غلته فإذا عمّره بما صار عنده من غلته فهو وجه خلاص له إن شاء الله، وإن لم تتقدم في ذلك سنة فعمارته بذلك لا تجوز في الحكم وتجوز في الواسع في نظر الصلاح، والله أعلم.




جـ «8» (109-110)


* مسألة: قد سمعت الشيخ البطاشي رحمه الله يقول: أخاف عليك من زيادة القرح بمال الفلج إذا لم تصح منه منفعة زيادة ماء.


فقال لي: إذا أردت أن تتشجع فاخلعه ولا عليك بأس –إن شاء الله- إن كانت سنته يزاد بها أعني بدراهم قرح الجبل فجائز لك ذلك –إن شاء الله-.
وإن لم تدرك فيه سنة متقدمة أدركتها بنفسك أو سمعتها من ثقة أو أمين أو بشهرة من أهل البلد ولو لم يكونوا ثقات فجائز أن تقتفي في ذلك خدمة للفلج على ما سمعته منه، وإن لم تدرك له سنة ولا سمعت فيه سنة من ثقة أمين أو شهرة حق فلا أقدر أحدث فيه سنة.


قلت له: فما أعمل إن عزمت على وكالة الفلج؟

فقال: أحضر أهل البلد جميعاً كل من يملك من الفلج شيئاً حتى النساء.


قلت له: ما أقول في مخاطبتي لهم في أخذ العشر منه؟


قال: قل لهم: قولوا: قد أقمناك وكيلاً في هذا الفلج وجعلنا لك العشر منه والدراهم التي تقعد بها بادة هذا الفلج، ويقولون جميعاً: قد رضينا بذلك.


قلت له: فإن كان فيهم غائب أو يتيم؟


قال: لا بأس عليك إذا حضر جابة البلد ممن لهم النظر في ذلك.








جـ «8» (139-144)


* مسألة:

وفي خيران البحر التي هي معتادة للشابك ويطلع ويهبط البحر فيها حتى تيبس أيصح حوز الخيران التي يبس ماؤها أم لا؟
وإذا وجدت أجدادك حائزين قبلك ما تقول في حوزهم أيصح لك ميراث ذلك الحوز والشابك صرح لنا ذلك مأجوراً إن شاء الله.


الجواب: إن ما وجدته في يد موروثك مما يحتمل فيه الحق والباطل، ولم تعلم أنت باطله فيجوز لك التسمك به ألا ترى إلى ما يوجد في الأثر من حريم البحر وإلى البنيان الذي قد صار ساحله دون الحريم الشرعي فإن كل أحد أولى بما في يده من ذلك، ولورثته من بعده أن يتمسك به حتى يصح باطل إحداثه في الظاهر، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول فيما فضل من المكسورة من خدمة ظرف الفلج أيجوز أن يحدث له تزييد أم لا، وهل تجوز المدادة على خدمة الفلج أم لا، وللمستأجرين الغير من الخدمة المجهولة بعدما استوجبوها وهل للوكيل غير ما أوجبهم الخدمة.

وما تقول في أهل البلد إذا صح منهم مرافقة لبعضهم إلا واحد مخصوص لا يتزابنون في قعد ماء المكسورة أيجوز للوكيل أن يزابنهم ويغلي عليهم أم يسعه الإمساك منهم؟


الجواب: يقتفي في الخدمة بادة الفلج سنته المدرسة، والله أعلم.

وتجوز المدادة على خدمة الفلج إذا كان أصحابه لم تعاملوا على ترك المزابنة لبعضهم بعض، وفي الخدمة المجهولة الغير، وكذلك للوكيلي الغير وإذا لم يتعاقدوا على ترك المزابنة لبعضهم وربما ترك كل واحد منهم المزابنة من ذات نفسه، فأرجو أنه لا يضيق عليه والوكيل إذا لم يرد أخذ الماء بنفسه وإنما أراد أن يغليه عليهم فلا يبين في جواز المزابنة عليهم، والله أعلم، فانظر فيه ولا تأخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: في فلج له دراهم فاضلات عن خدمة ظرفه فهل يجوز أن يحدث له بهن زيادة قرح صحت زيادته منفعة ماء أم لا كان له سنة مدروكة إنما فضل يزاد به قرح أم ليس له سنة.


الجواب: لا يخدم به حدثاً حتى تكون منفعته ظاهرة وإلا فأخاف الضمان على من خدم من قعد الفلج ما لا مصلحة له فيه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: قال الشيخ نصير بن محمد رحمه الله: أظن سمعت الشيخ سلطان يقول: شحوب الفلج إن فرق بين الذي يؤجر عليه من بادة قعده، ومن قبض شيئاً من وصية هالك فأراد إنفاذهن في صلاح الفلج الذي يؤجر عليه من بادة قعده، يجوز له على ما سبق فيه من العادة الجائزة والسنة الثابتة والذي يؤجر على وصية هالك لا يجوز له إلا من الصوار الأعلى الذي يجمع الكل ولا يكون أعلى منه شيء من الأصورة، والله أعلم.

ويجوز للذي يريد أن يؤجر على الفلج أن ينفذ بما عليه من الضمان أو من وصيته إذا أراد الأجير أن يأخذ من حديد الفلج ومحاجيله ومجاذيبه ليخدموا بهن فيه الذي مجعولات لخدمته، والله أعلم.

والذي ينفذ بما عليه في صلاحه في ظرفه من الكبس أو لشحوب ولم تصح منفعة في الفلج أعنى زيادة ماء لا عليه بأس وخلاص له إن شاء الله.


* مسألة: وعنه: ويوجد في الأثر في طريق المنازل أربعة أذرع فهل عندك كذلك أم غير ذلك ويكون عموماً لجميع المنازل أم لشيء مخصوص.


الجواب: ليس عندنا إلا ما يوجد في الأثر حمل الحكم على العموم هو الأصل حتى يصح الخصوص ولم يصح عندنا خصوص بعض المنازل بذلك دون بعض، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي رم بين أموال وفيه طريق وأراد أحد من أصحاب الأموال أني يعبث ويترك الطريق بقدر ما يكفيها أم يترك الجميع؟


الجواب: يعجبني إذا كان الرم بين مالين وفيه طريق أن يتركه بحاله لمرافق المسلمين، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: في رجل له في مال عامد مصرّج وجانبي الوجينين المال له وأعلاه وأسفله أصورة له ولغيره فأراد هذا الرجل أن ينظر لماله الأصلح ويحدث صواراً من ذلك العامد بجعة منه لأمر سابق يشرب ماله من ذلك الصوار، أيجوز له ذلك أم لا، وكان لماله صورا باق؟

أرأيت إن كان العامد غير مصرج أيجوز له أن يحدث لماله صواراً على ما ذكرت لك في السؤال؟


الجواب: على معنى ما يوجد في الأثر إن كانت الساقية جائزاً والوجيز الذي يريد منه الفتح له فإنه يجوز له ذلك من غير مضرة على أربابها.

ولا أعلم فرقاً بين المصرجة وغيرها إلا أن المصرجة يلزمه فيها إصلاح ما ضيعه بالصاروج.

ويعجبني بعد الفتح لذلك أن يسد صواره الأول ويكون للثاني بدلاً منه، والله أعلم.

فانظر في جميع ذلك ثم لا تأخذ منه إلا الحق.


قلت له: وإذا كانت الساقية ليست هي الجائز الذي يجمع الكل لكنها لجملة من أهل البلد، والصوار الذي يعجبك أن يسده ويكن الثاني بدلاً منه لا يمكله بنفسه عليه فيه شركاء ما يعجبك لهذا أن يفتح صواراً على ما في المسألة الأولى أم يعجبك تركه؟

أرأيت إن كانت الساقية لأربعة أنفار وكان أحدهم ماله في صدر العامد والوجينان له والمسألة بعينها أيجوز له أن يفتح صواراً أم لا؟


الجواب: يجوز فتح المتقدم ذكره بلا شرط لسد الأول.

وإنما قلت بسده لا على اللزوم والساقية الأخيرة ليست بجائز وإنما الجائز ما كانت تسقي خمسة أموال ولخمسة أنفس على معنى ما يوجد، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي عامد لأربعة أنفار وكان أحدهم ماله في صدر العامد وجانبي الوجينين المال له فأراد هذا الذي ماله في صدر العامد أن يحدث فيه صواراً إن رَضِيَ أرباب العامد وإن كرهوا أيجوز له ذلك أم لا؟


الجواب: إن الساقية المذكورة إذا كانت تسقى لأقل من خمسة أنفس فليس بجائز وعلى ذلك فلا فتح لصوار إلا عن رضى من الشركاء.


* مسألة: وعنه: وفي الطريق التي في أموال الناس تمر على الدكوك والجلب والسواقي وتهاس وتسقى بالماء فهل يحكم بها طريقاً، ويجوز المرور عليها، ويكون المار سالماً م ضمان ما حمله نعلاه أو رجلاً أم لا يجوز المرور عليها؟


الجواب: إن كان المار يعرف أنها حادثة على صاحب المال فالمرور يحتاج فيها إلى إباحته بحكم أو اطمئنانة حتى يموت فتثبت على ما هي في حياته.
وإن كان أحد لا يعرف حدثها ووجدها كذلك ولم يصح باطلها فأرجو أن المرور فيها جائز، والله أعلم.


* مسألة: على أثر مسائل عنه:

وما تقول في الفلج إذا كان ماراً بين الأموال في البلد، وأجّر الوكيل مَن يشحب الفلج الذي يخرجه الشاحب من الحصى والرمل من الفلج أيجوز له أن يرميه في الأموال التي بحذا الفلج؟

وإن كان لا يجوز له ذلك أيلزمه حمله ولا يضعه إلا في المكان المباح، وهل على الوكيل بأس إذا أتاه الشاحب في أموال الناس بغير أمره؟


الجواب: قد يوجد في الأثر أن للشاحب أن يرمي الشحب على جانب الوجينين ولو كان ممر الفلج في أموال الناس لأن حكم الأرض حكم الساقية لأهل المالين في أكثر القول فاطلين المخرج منها هو لأهل تلك الأموال ويكون في أرضهم حيث لا ضرر منه ولا إضرار.




جـ «8» (168)


* مسألة: وأشاورك شيخي في ناس نزلوا عندنا ساكنين وعندهم بعض المواشي بقرب حلتنا بل إن سكونهم في السيح لا في أملاك أحد الأرباب عامي كل من أهل البلد يدعي تملك شيء من البقاع، ولم يتقدم منه فيها عمارة ولا بناء طين فهل يحكم بهذا الموات لأحد إذا لم تقدم فيه بشيء من العمارة أو بناء طين؟


الجواب: أما ملك الفيافي والقفار فهو لله سبحانه وتعالى وحده، وليس للعباد إلا ما يترفقون به منهم، وقد قيل إن لكل بلا د من ذلك ما بطؤه خفهم وحافرهم وأرجو أن ذلك لا على سبيل الملك لهم ولكنه على سبيل اضطرارهم إليه، فيكون المنع لغيرهم من أجل ذلك أن يزاحمهم عليه.




جـ «8» (194-200)


* مسألة: وما تقول فيمن أوصى بدراهم لمن يغسل الميت ويحفر قبره وحفر القبر واحد وغسله واحد ألهما الأجرة أم لمن يغسله ويحفر قبره أم ترجع الوصية للورثة؟ بين لنا ذلك.


الجواب: على معنى هذا اللفظ الذي فيه عطف الصلة على الصلة لموصول واحد فلا تكون الوصية إلا لمن يجمع بين الصلتين اللتين هما الغسل والحفر لا لمن ينفرد بأحدهما، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن ائتجر لقراءة القرآن العظيم عند قبر في مقبرة معروفة غير أن القبر وحده مجهول لا يعرف أنه في أولها ولا في أوسطها ولا في طرفها أين تكون قراءته؟

وهل يجوز أن يؤجر أحداً ليقرأ معه هو وإياه ساعة واحدة ويبتدي أحدهما من البقرة والثاني من المعوذتين.


الجواب: إن كان قد استؤجر أن يقرأ بنفسه فلا يحسن مشاركة غيره له في ذلك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في الفلج الذي صح فيه ضياع وأراد أهله أن يسدّوه ليصلح بالصاروج فلما أن أراد أن يطلقوه ما تقول فيمن يريد أن يستقعد من تلك الجملة وقد جعلوها تلك القعادة لهذه الجملة لمغرمه، وهي لا تدري ذلك اليوم لمن من الناس أو لموقوف أو لأغياب أو للفلج صار ذلك في النظر من القائمين به وبأمره.

قلت: أرأيت إن كان منه غير في حال سدّه أيكون سبيله للقعادة كسبيل ما وصفت لك أم لا وهو الأول والآخر؟ افتنا في ذلك مأجوراً إن شاء الله.


الجواب: فعلى حسب ما يوجد في الأثر إن أنفق جباة للفلج على قعادة شيء منه لإصلاحه وهم مأمونون على ما يكون بأيديهم الفلج، ولم يتف أرباب الماء على أن يسلم كل أحد منهم ما ينوبه بغير قعادة جاز للقاعد والمقتعد وإن كانوا مجهولي الحال أو ظاهري الخيانة فلا يبرأ من اقتعد منهم بالتسليم إليهم حتى يعلم أنه قد بلغ، والله أعلم، فانظر في جميع ذلك ثم لا تؤخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: وفيمن دخل في مال حرام على معنى البيدارة فيه بجزء من غلته أيحل له ذلك أم لا؟
وهل لمن اشترى منه شيئاً من تلك الغلة أو وهبه له أم لا؟ كان هذا العامل فقيراً أو لا؟


الجواب: إن فساد أصله مما يجب فساد الفرع لأجله، فلا يجوز للبيدار بعد علمه أن يأخذ مه أجراً على مساعدة الظالم على ظلمه وعلى تقدير أخذه من المال فيلزمه ضمانه والتوبة من إثمه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: في وكيل الفلج لا ثقة ولا أمين هل يجوز لمن أراد أن يقتعد من مكسور الفلج من عند هذا الوكيل ويتولى إنفاذ ما اقتعده بنفسه في مصالح هذا الفلج، أم لا يجوز القعد إلا من عند الثقة أو الأمين لا غير؟


الجواب: إذا اقتعد منه بعدل السعر جاز له إذا وضع القعد في محله، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن أجر على خدمة وشرط على المستأجر الخشن من ظهر له ونظر المستأجر صورة الخشن ورضيَ به ودخل في الخدمة ثم بعد ذلك رد عليه الخشن في الخدمة، وأما في الصورة فما تخلفت عن حالها السابق.

الجواب: لا حجة على الصورة ونظر الخشن لعلة وإنما الحجة على زيادة الخشن مع الخدمة وصلابته عن حاله السابق، ولكن إذا لم يغيّر المستأجر على مَن أجره وبقي في خدمته إلى تمامها لا بأس على مَن أجره فيما بينه وبين الله، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: في مستأجري الفلج إذا استأجر أحد على شيء من قطع الصفا ومسافته معلومة.


الجواب: فعندي أنه لا يستحق الأجرة إلا بعد تمام الخدمة، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: في أجرة العبيد الذين لا أحد يعرفهم انهم أحرار أم مماليك لأنهم لا من البلد أيجوز لأحد أن يؤجرهم ويدفع لهم الأجرة؟

وهل يكون فرق بين أجرة العبيد والأحرار أم يكونون كلهم أحراراً حتى يصح أنهم مماليك؟

وهل على الوكيل بأس إذا أجرهم ويدفع الأجرة لمن أجره منهم؟


الجواب: إن الحكم في الأسود والأحمر من بني آدم الحرية فيجوز التأجير كل من بلغ منهم الحلم وعقل ودفع أجرته إله بلا خلاف نعلمه في ذلك حتى يصح على أحد منهم بعينه معنى الرق في موضع جوازه عليه.

ولا يجب على المؤجر سؤالهم هل هم أحرار أم عبيد، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن أجر رجلاً إلى موضع من الأماكن يقضي له حاجة فذهب الرجل فأصابه قتل أو كسب أو غير هذا حدث عليه من حوادث الزمان أترى بأساً على من أجره أم لا؟


الجواب: لا ضمان على المؤجر ما لم يكن خروجه على جبر، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وهل يجوز قعد مال الوقوفات من مسجد وغيره مثل فطرة وما أشبهها إذا شرط المحتسب بأموالهن أو الوكيل على المقتعد إني إقعدك زراعة هذا المال إلى مدة سنة بكذا من الثمن غير النخيل والأشجار، فاتفقوا على ذلك هل قيل في هذا بشيء من الكراهية أم لا؟

وهل فرق في القعد بين أن يكون أرضاً بيضاء ولها شرب أو ماء معلوم أو يكون له مال فيه نخيل والمقتعد لا له إلا زراعة الأرض والنخيل لرب أصل المال أم لا فرق في ذلك؟


الجواب: لا بأس بقعد المال والأرض والماء على هذا ولو فيها نخيل وشجر إذا كان النخل والشجر غير داخلتين في القعادة.


قال غيره: نعم هذا عندي صحيح، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن أعطى إنساناً دابة بنصف ولدها أو أكثر أو أقل أيجوز له ذلك أم لا؟


الجواب: إن الدابة وولدها لصاحبها وليس للذي أخذها منه إلا عناه عن طعامه ومعناتها وهي باقية في ملك صاحبها.


* مسألة: وعنه: قلت له: إذا أردت ان أطني شيئاً من مالي أو أبيع شيئاً من متاعي فهل لي أن أقول للدلال إن ابتاع هذا أو صح طناء فلك منه دلالتك وإن لم يعجبني ثمنه تركت بيعه أو طناه فلا لك فيه دلالة فهل لي هذا الشرط ويثبت عليه أم له أجرته؟


قال: إذا رضي بالشرط بقلى الدلالة لمن يبِنْ لي عليك بأس إلا إذا غيّر المشتري بعد الواجهة فقد انتقض الشرط.

وفي قول آخر: إن هذا الشرط مجهول، فإذا أنقضه الدلال فله عناؤه.

وإذا لم ينقضه لم يبِنْ لي عليك بأس –إن شاء الله-.


* مسألة: وعنه: وفي رجل هلك وكتب لمن يغسله بعد موته بعضاً من الدراهم وعركه رجال كثير كيف تكون الدراهم للجميع أم للرجل الذي يعتقد عليه غسل الموتى؟


الجواب: إن الغاسل للميت هو الذي يعركه مع صَبِّ الماء عليه أو داخل الماء فالوصية له إذا كانت لمن يغسله غسل الموتى لا لمن يقرأ لفظ النية له، والله أعلم.


* مسألة: على إثر مسائل عنه فيمن قبض دراهم من طناء مال مجهول ليصوم بغلته أو كان وصياً لهالك إذا لم يجد ثقة ولا أميناً ظاهر الأمانة يستأجره على الصيام كيف الخلاص له؟


الجواب: يحفظ أمانته حتى يجد السبيل إلى الخروج منها بمن يجوز تأجيره، والله أعلم.


جـ «8» (230-233)


* مسألة: وفي أرض لإنسان بحذاء عامد سلطاني وفي الأرض برادة فوق العامد وقدام البرادة ثلاث نخلات فقشع رب المال البرادة وأراد أن يفسل مكان البرادة فوق العامد أيجوز الفسل مكان هذه البرادة إذا لم يكن هنالك من قبل سابقاً من الفسل وفي هذه الأرض طريق تابع الماء وسماد ووسع الأرض من العام لأناس غيره ستة أذرع؟ تفضل عرفنا إن كان الفسل يجوز لهذا الرجل رب الأرض في هذا الموضع.

وكذلك إذا كان له ثلاث فسلات على العامد أيجوز له أن يفسل بين الفسل أكثر من ثلاث نخلات.


الجواب: إذا كان بين العامد وبين أملاك الغير سبعة أذرع هي ملك لهذا الرجل وفسحَ من فسله الصرم عن هذ العامد مقدار ذراع وترك طريق الساعد ثلاثة أذرع فلا إنكار عليه إلا في صرف ما قد ناف على العدد والطريق بعد ذلك الفسح، ويجوز له أن أرضه التي هي موضع البرادة إذا فسح الفسح المذكور فيما عندي إن صح، والله أعلم، فلينظر في ذلك ثم لا يؤخذ مه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: وفي رجل هلك وترك مالاً وفي ذلك المال نخلة لبعض الأوقاف فقسموا المال واشترطوا عند قسمتهم شرب تلك النخلة على من يأخذ المال الذي يأخذ موضع تلك النخلة ويكون سالماً فيما بينه وبين ربه، ومن شرب هذه النخلة إن كان شريكه أميناً على شربها أو غير أمين؟


الجواب: إن شرب النخلة من جملة الماء لا يحتال بأن يكون من بعضه في القسمة فلا فرق في ذلك بين الخائن والأمين، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: فيمن أراد أن يعمل في مال اليتيم من بيدارة وغيرها إذا لم يكن في مال اليتيم وكيل ثقة ولا أمين ظاهر الأمانة.


الجواب: أما عمله فيما يخرج المصلحة لماله من غير أن يكون هو الواسطة في تقبيض غلته من لا يؤمن عليها فلا نرى مانعاً من جوازه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: ما تقول إذا كانت عادة البلد لا يحرمون عن طرقهم ولا سواقيهم ولا عن بعضهم بعض إذا وجد الإنسان جاره حارماً عنه بقدر ذراع أو ذراعين أحرم عنه مثل ذلك وذلك منهم لقلة علمهم.

وهل يسعهم ذلك وإن كان على الطريق شيء من النخيل أو الأشجار لا له إحرام شرعي أيجوز أن يصرف كان الفسل يغل أم لا.

وإن كان باقياً شيء من أصول النخل والأشجار على الطريق ولا له إحرام أيجوز لربه أن يفسل في موضع أصول النخل والأشجار الذي كان له سابقاً أم لا يجوز له إذا أراد أن يبدل الفسل في ماله ويكون لا يحرم إلا كإحرام الفسل السابق والفسل السابق لا له إحرام شرعي.


الجواب: إن هذه سنة باطلة فإذا وقع الأمر كذلك على الطريق وبين الحاجزين من غير أن يدخل جذر النخلة المفسولة أو الشجرة في الطريق أو في مال الجار فيحسن تركه بحاله مع صرف ما قد ناف على الطريق جزماً وعن مال الجار بشرط عدم رضاه بذلك.

ومن فسل عليه جاره فيعجبني للمفسول عليه إذا أراد مقابلته بمثل فسله له يحتج عليه بصرفه.

فإن لم يقبل منه ذلك وتركه جاز له أن يقابله بمثله.

ومن أدرك في ماله نخيلاً دون الفسح الشرعي عن جاره أو عن الطريق ولم يعلم باطل ذلك جاز له أن يفسل مكانه بعد قلعه أو انقلاعه لا في مكان آخر من نحو ذلك، والله أعلم.


* مسألة: على إثر مسألة: عنه:

وما تقول في الطرق الجوائز وغير الجوائز مثل طريق تابع الماء والسماد وغيرهن أيكون إحرامهن سواء أم لكل طريق إحرام معلوم؟


الجواب: أرجو أن لكل طريق حريماً معلوماً ولكن لم يحضرني تفصيله الآن، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وكذلك إن أراد الفسل في ماله كم عليه أن يحرم عن ساقية العامد؟

أرأيت كان جانب من ماله جانبي الوجينين له المال وجانب آخر جانب وجين العامد المال له وجانب عليه مال لغيره أيكون الإحرام كله سواء أم فرق في ذلك؟


الجواب: أما حريم الفسل عنه فإن كان الوجينان له فلا حريم في ماله لماله ولكن يتوقى ما يضرّ الساقية في النظر.

وإن كان أحد الوجينين لغيره فأرجو أن الحريم عنها يكون من نصف الساقية، والله أعلم.


* مسألة: فأما ما أخذه الرجل من مال المسجد بالقياض من غير التفات فلا أحب الدخول فيه بأخذ منه بالبيع والشراء، ولا بوجه من وجوه التصرف فيه لمعنى ملكه، ولو كان العوض أحسن من ذلك، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن جهل الفظ الشرعي في قياض الأموال بعضها ببعض.

مثاله: أن يقول أحد المتقابضين لصاحبه، أتعطيني مالك الفلاني لأعطيك مالي الفلاني أو تقايضني لفظ عامي فإذا أحرز كل منهما ماله في القياض فما تقول في هذا القياض حلال جائز أم لا؟

أرأيت إذا لم ينقضه أحدهما على صاحبه فهل قيل في هذا وما أشبهه بشيء من الشبهات على أحد من هذين المتقابضين بجهالتهما لفظ الشرعي أم لا شبهة عليهما؟


الجواب: إذا قال أحدهما بهذا اللفظ ولم يجبه الآخر بإتمام ذلك ودفع كل واحد من أصحاب المالين ماله للآخر وأخذ منه ماله على معنى القياض والمعاوضة فهذه أمور تجوز في التعارف وفي الواسع الذي يطمئن إليه القلب، ولا شبهة عندي على من تمسك بذلك حتى يطالب بما عليه في ذلك بالحكم فيكون القول فيه بعد ذلك على ما يرى فيه أهل العلم، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول شيخنا في أبي الصبيّة إذا أراد شركاؤهم القسمة؟


الجواب: إن أبا الصبيّة يقوم مقامها في مقاسمة بشركائها إذا كان يحسن المقاسمة، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وهل يجوز لي أن أحضر مع قاسمي المال إذا كان في المال الذي قسموه نصيب لأيتام.


الجواب: يجوز لك ذلك إذا لم يبنْ لك حيف على اليتيم ويكن سهمه أحسن من سهام البالغين، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي رجل هلك وترك مالاً وأولاداً أيتاماً وبالغين وقسموا ما ترك مالكهم من مال وغيره قبل بلوغ الأيتام بغير وكيل ثقة يقاسم للأيتام ثم إن الأولاد البالغين أحرز كل منهم سهمه وسهم خليصه من الأيتام أو كان غير خليصه وقد كان في الأولاد البالغين رجل منهم في ظاهر أمره أمين يتسمى بالدين فهل تجوز مبايعته وشراء ما في يده إذا كان من مال الهالك وما عنده وأكل طعامه وواسع في أحكام الله تعالى جميع ما عنده وفي يده حتى يصح أنه بعينه من تركه الهالك أو مال الأيتام.

وهل قيل في هذا وما أشبهه أن التنزه عنه أحسن والأخذ فيه بالحكم واسع لمن احتاج إليه.


الجواب: إن ظاهر الحكم يقضي بما في يد الرجل مما لا دليل على ماله بغير حجى أه له فيجوز في الحكم لمن لم يصلح معه غير ذلك جميع ما يجوز منه في ملكه.


جـ «8» (321-328)


* مسألة: وقد تفكرت شيخنا فيما نظرتي فيه من أمر التقديم فيه على السماد فرأيته تقديماً أو سلفاً على غير كل ثوج معلوم أدنى إلى الفساد.


وما ذكرته عن الشيخ ابن أبي نبهان شبيه بالحيلة التي يفعلها بعض أهل الزمان في قعد النخيل والأشجار حتى إذ آن حصاها أنفقوا على الطناء صورة مع البقاء على القعد معنى، ولكن أهل الأموال في محل الحاجة إلى السماء ولعله غالباً لا يتأتى إلا بتقديم شيء من الدراهم.

فالأحسن في نظر المبتلي بذلك أن يجعل بينه وبين صاحب السماد على وجه السلف بوزن الدراهم معلوم على سماد معلوم بكيل ثوج بينهما معلوم إلى أجل معلوم.

وإعداد الأثواج كذلك حتى تكون معلومة بينهما أسهل من بقاء النفس من ذلك في حرج، ولا أظنه يقبل من قبل الجهالة بما يسعه الثوج من السماد بعد أن يكون معلوماً بينهما عند السلف، لأن أكثر المعمولة بالسلف يكفي في حقها أن تكون بكيل أو وزن يعرفه المتعاملون إجمالاً، وإن كانوا يجملونه تفصيلاً كما هو معلوم في المن المسكدي والصاع المسكدي ونحوهما مما يعرفونه بالتسمية، وإن كانوا يجملونه قدر التباس في السدس والكياس.

فانظر في ذلك، فإن رأيت فيه سعة لما أردته من قضاء ذلك الوطر فالأصل هو الرجوع إلى ما في الصحيح من الأثر، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن باع على أحد شيئاً من التمر أو شيئاً من جواني الأرز أو شيئاً من ظروف الحب بكذا كذا من الثمن نسيئة إلى أجل معلوم ثم إن هذا المشتري أحرز ما اشتراه وحركه أو نقله من موضعه أو شيئاً منه، وإن لم يقدر على نقل جميع ما اشتراه ثم إن هذا المشتري أراد أن يبيع ما اشتراه بثمن الحاضر فهل لهذا البائع أن يشتري ما باعه من الرجل الذي باعه إياه على أن يتفقان عليه من الثمن حاضراً أم يكون هذا البيع محجوراً غير جائز؟

الجواب: إذا قبض ما اشتراه من ذلك بثمن مؤجل جاز له أن يبيعه على بائعه بثمن معجل، إذا لم يتقاولا على ذلك عند المبايعة الأولى، والله أعلم.


* مسألة: وعنه، في الصبيان الذين لم يبلغوا هل تجوز مبايعتهم وقبض الثمن من أيديهم والشراء من عندهم، ودفع الثمن إليهم في الأشياء اليسيرة مثل السمك وغيره مما يكال أو بوزن أو شيء يباع بلا كيل ولا وزن إذا لم يعلم أن آباءهم أخرجوهم لمثل ذلك.

وكذلك يجوز لآبائهم أو غير آبائهم تدبيرهم لشراء ما ذكرت في المسألة ودفع الثمن إليهم وقولهم حجة فيما في أيديهم إذا قالوا: اشتروه وأدوا ثمنه إلى مالكه، أو قالوا أُهدي إليهم أم لا حجة قولهم أن بيعهم وشراءهم لمثل ذلك فضلاً عما فوقه ولا يجوز في الحكم حتى يعلم البائع لهم والمشتري منهم أنهم مخرجون لذلك من آبائهم.

ويجوز في الواسع من الاطمئنانة بيعهم وشراؤهم لما قد ذكرت في الأشياء اليسيرة إذا اطمأن القلب أن ذلك قد كان من قِبل آبائهم أو خرج في النظر مخرج الصلاح لهم عند معرفتهم لحفظ مالهم.

وأما ما في أيديهم فحكمه لهم أقروا به لغيرهم أو ادعوه لأنفسهم لأن إقرارهم به لغيرهم لا يجوز عليهم.


* مسألة: وعنه: وفيمن باع جراب تمر أو أكثر فعرف المشتري ما فيه من جسن نوع التمر ومسَّه بيده وسلَّم الثمن ثم إن البائع قال للمشتري: الذي تريده من التمر لأعزله عن تمري، فقال المشتري: أريد مداً ومداً أو أكثر ولم يحركه بنفسه ولا نقله من موضعه أعني المشتري، ثم إن البائع عزل تمر المشتري أو حضر من يكفيهما جميعاً فعزله عن تمره وقال له المشتري: هذا التمر بكذا كذا من الثمن، فقال: مشتري أو قال كما في لغة العامة أبغاهن بهذا الثمن، ثمن إن المشتري قال للبائع: إذا أتاك فلان أو فلان أو فلان يعرفهم البائع بقبضه تمري كل من يصلك من هؤلاء المذكورين فما تقول شيخنا في هذا البيع، ومدة الإمارة جائزان في دين الله تعالى أم فيهما شيء من الكراهية؟


الجواب: إذا عرف المشتري نوع التمر الذي اشتراه وقبله على ذلك اللفظ عامي لا شرعي وقبض التمر هو أو أمينه فهو بيع تام إن شاء الله على معنى ما يخرج من تعارف الناس في ألفاظهم، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن باع على رجل شيئاً من السلعة بالحاضر وصبر عليه من دات بأسه فلما انقضت المدة التي أخذها المشتري اشترى البائع الأول من عند المشتري شيئاً من السلعة وقطع دراهمه من عند الذي عليه بعدما انقضت المدة فلا بأس عليه بذلك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: فيمن بايع رجلاً شيئاً من السلعة تمراً كان أو حباً أو غيره بثمن معلوم ثم جاء آخر فبايعه من جنس تلك السلعة بأزيد ثمن أو أقل فتجادلوا ورضي الجميع فقيل في ذلك: إنه لا بأس عليهم بذلك، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وفيمن أراد أن يطني شيئاً من ماله بعضه دارك وبعضه لم يدرك ما يفعل وما يقول للطاني؟


الجواب: يقول للطاني الذي يطنيه: طنيتك ما أدرك من الثمرة وما لم يدرك فأنا ممك فيه متى ما يدرك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في طناء الحناء والقت والفندال والزرع، وكل شيء لا تصح فيه زيادة على كل يوم إذا تركه المستطني عن الجزاز في الحال حتى زاد زيادة قليلة أو كثيرة فهل يقع نقض الطناء ويجوز الغير للجميع إن شاء أم لا غير لهما إذ قد عرفوا تلك الزيادة.

وهل يجوز في هذا شرط عند العلماء إلى كذا كذا يوماً أم لا يجوز الشرط في ذلك؟

وهل تجوز مسامحة الطاني من تلك الزيادة قبل وجودها أم لا تجوز المسامحة وهذا شيء مجهول؟

أرأيت إذا لم يغير أحدهما على صاحبه والطاني تطيب نفسه من تلك الزيادة عند الطناء وعند الجزاز إلا أنه لم يظهر ذلك بلسانه إلا في قلبه لم يخاطبه المستطني بذلك فهل تجزي نية الطاني للجميع أم لا؟


الجواب: إن الشرط في بيع ما لم يدرك وتصح فيه الزيادة على تركه عن القطع أو القلع لا يجوز.

فإن وقع البيع في ذلك على غير شرط الترك ثم تركه المشتري حتى زاد انتقض فإذا برأ البائع المشتري أو يبايعه ثانية جاز ذلك فيما أرجو والمدرك وما لا يزيد فبيعه جائز مطلقاً بلا شرط، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن أقر بما في يده لغيره من زوجاته أو والديه أو غيره أيجوز بيعه وشراؤه لهم أميناً كان أو غير أمين، ويقبض منه الثمن أو يقبضه الثمن من الأصول والدواب والأواني والسلاح وكل ما كان في يده من الأنواع.


الجواب: أرجو أن الأصول في أخذها منه أضيق، فيحتاج ذلك إلى وكالة له في البيع من مالكها وقبض ثمنها كذلك.

وأما العروض إن كان ثقة أو أميناً لا يرتاب في قوله وادعى أمر صاحبها له ببيعها ففي الواسع لا يخلو جواز شرائها منه من الترخيص.

وإن كان ليس بثقة ولا أمين فليس إلى جواز ذلك من سبيل، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: فيمن باع دابة وشرط على المشتري إهابها أو شيئاً من لحمها موزوناً أو غير موزون مثل الكبد أو ما في بطنها من اللحم الذي تسميه العامة السلخ له لا في البيع أيجوز هذا البيع أم باطل لا يثبت.


الجواب: نحفظ جواز استثناء الرأس والإهاب إن كان مبيعاً للذبح.

وأما ما في بطنها فلا أحفظ فيه شيئاً ويشبه أن يكون استثناء مجهول من معلوم إن تتامماه ثم وإن تناقضاه انتقض فتكون الدابة بعد الذبح لصاحبها البائع لها عند المناقضة وعلى مشتريها الذابح لها فصل ما بين قيمتها مذبوحة وقيمتها حية إلا إذا لم يكن بين القيمتين فضل، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن قال له والده أو غيره من الأباعد الأجنبيين: اشتر لي عبداً أو بهيمة والقائل إن كان أميناً أو غير أمين فهل يجوز له شراء ما ذكرت ولا يلزمه ضمان ما أصابها من الضرب أو الجوع أو العري، ويلزم فاعله ولا يلزم المشتري شيئاً مما ذكرت أم لا يجوز له الشراء؟


الجواب: إن لا أحفظ في ذلك شيئاً، ونرى المسلمين شاهراً ظاهراً يبيعون عبيدهم في الأسواق وغيرها من الأمكنة والآفاق، ولا يسألون عن مشتريهم أهو من أهل الإيمان والأمانة أو من أهل الخيانة والنفاق.

فإذا كان الشراء في هذا النوع لا يجوز أن يتولاه أحد إلا أهل الثقة لكان البيع فيه كذلك، إلا أن يكون المشتري ثقة وقد جاء في الأثر في بيع المال المشترك: لا يجوز بيعه إلا لمن يأمن منه البائع ظلم شريكه فأشبه أن يكون في العبيد والدواب كذلك.

ولكن ذكر الشيخ العالم الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس أن ذلك لا يكون على إطلاقه فرخص لمن لا يجد المشتري الأمين أن يبيعه على من كان من المشترين.

وقد تأول في ذلك ما يروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه لا ضرر ولا إضرار في الإسلام فكان المفهوم من ذلك أن البيع والشراء في نحو ذلك أن يكون مأموناً من الظلم إن وجد وإلا فلا بأس به لغير المأمون عند عدمه، لأن إطلاق المنع على ما جاء في الأثر في المسألة المذكورة يقع منه الناس في الضرورة لوجود حاجتهم إلى مثل ذلك وقلة الأمين من الورى الذي يجوز له الشراء، والله أعلم، إلا أن المشتري لغيره لا في محل ضرورة إلى ذلك إلا أن يكون في مخصوص من الأمور فأولى ما به أن يتولاه إلا لمن يتهمه في ذلك بارتكاب محجور، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي رجل اشترى دابة ولم يحرزها ولم ينقلها من مكانها ثم جاء رجل آخر فاشتراها على شرط على أن يُطيِّب نفس المشتري الأول فلم يفعل المشتري الثاني ما شرط عليه من تطيب نفس المشتري فجاء المشتري الأول، وجد الدابة في يد المشتري الثاني فتشاقا فيها جميعاً فغلب المشتري الثاني على المشتري الأول فذبح الدابة، ما تقول في هذين البيعين البيع الأول بغير إحراز والثاني بشرط فهل يحر لحم هذه الدابة لمن أراد اشلراء من لحمها بعد علمه بقضيتها؟


قلت: أرأيت إن رضيَ المشتري الأول وطابت نفسه من الدابة أيحل لحمها لمن يشتري منها ويكون رضاه حجة بعد ذبحها أم لا حجة؟


الجواب: يوجد في الحديث عن النبي أنه قال : ( المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ) ، وعلى هذا ، فإذا تبايعا دابة حاضرة بيعا جائزا ، وقد صحت الواجبة بينهما على ذلك ، فالدابة للمشتري


ولا خيار لهما في بطلان البيع بلا علة توجب التفضل ، إلا أن يتفقا على تغييره ، فيكون البائع على هذا ليس له إلا ثمن دابته ، والدابة لمشتريها ، والثاني ليس له من ذلك شيء .

فإن ذبحها المشتري الثاني في حال ما هي في الحكم لمشتري الأول بلا إذنه فيخرج ذبحه لها على هذا مخرج ذبح المغتصب، ويحل لحمها إذا طابت نفس صاحبها عن ذابحها أو مشتري لحمها ولو من بعد الذبح على قول من لا يحرّم ذبيحة لمغتصب، ولعله أكثر القول فيها، والله أعلم.





جـ «9» (114-122)


* مسألة: وما تقول أبر الله قسمك وجعل مع ملائكته وأنبيائه اسمك -إن شاء الله- في نقض البيع الخيار هل يكون الغير للبائع والمشتري وورثتهما من بعدهما ما دامت مدة الخيار باقية؟

وذلك مثل رجل عندنا بإزكي باع ماله بيع خيار إلى مضي خمسي سنة وطلق زوجته ولها منه ابن وسافر عنها إلى بندر عباس بالعام الأول في عسكر السيد، وما جاء عنه خير أنه حي ولا أنه ميت إلى اليوم، أما هو فمفقود لا يجوز لأحد أن يغير ويبدل في ماله برضى المشتري بالخيار حتى تنقضي أربع سنين مذ صح الكسير ثم يكون النقض لورثته بعد ذلك.


الجواب: إن المجهول أمره في الحياة والموت من السائرين لحرب العجم الذين صار عليهم الكسير في البندر لا يكفي في حكم الفقد عندي وحكم الغيبية به أولى لمعان تدل على ذلك.


قلت له: أرأيت إن كان لمطلقته عليه صداق ولولده عليه نفقة وكسوة لوم يترك لهما درهما ولا ديناراً هل لمطلقته نقض هذا البيع المذكور في مال مطلقها، لتستغله لها ولابنه الذي هو ويكون صداقها والدراهم التي تنقض بها البيع الخيار جميعاً في المال؟

وهل يجبر المشتري على النقض إذا كان المشتري لا يرى بالنقض.


الجواب: إن من له حق على الغائب فيرجع أمره فيه إلى الحاكم العدل أو إلى جماعة المسلمين الصالحين فيكون له ما يحكمون به وكذا فرض النفقة لأولاده الصغار من هؤلاء الأخيار، إلا أن يكون الأخذ على سبيل الانتصار فذلك يكون في السريرة لا العلانية، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن باع بيتاً له وقبض ثمنه وهو جاهل بذرعه وعدد جذوعه لا يدري بما فيه من الجذوع ولا يدري كم عرضه وطوله أيصح له نقض البيع في البيت أم لا والبيع من مدة عشرين سنة؟


الجواب: إن كان نظره قد أحاط بما باعه فليس له تغيير البيع لجهالته بما قد ذكرت، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن جعل اللفظ الشرعي في بيع الأموال وشارئها، مثال أن يقول أحد المتبايعين لصاحبه: أبايعك مالي الفلاني بكذا من الثمن، أو تبايعني مالك الفلاني بكذا من الثمن فإذا أحرز المشتري ماله وقبض البائع ما اتفقا عليه من الثمن فما تقول في هذا البيع حلال جائز أم لا؟

وهل يجب له الغير لمن يطلب نقض هذا البيع من أحدهما بعد حوز المال وتأدية الثمن أم لا يجب له الغير؟

أرأيت إذا لم ينقضه أحد على صاحبه فهل قيل في هذا وما أشبهه بشيء من الشبهات على أحد من هذين المتبايعين بجهالتهما لفظ الشرعي أم لا شبهة عليهما؟


الجواب: إذا قال أحدهما بهذا اللفظ ولم يجبه الآخر بإتمام ذلك ودفع صاحب المال ماله لمن صدر منه لفظ الشراء وقبض منه الثمن فهذه أمور تجوز في التعارف وفي الواسع الذي يطمئن إليه القلب.

ولا شبهة عندي على من تمسك بذلك حتى يطالب بما عليه في ذلك بالحكم فيكون القول فيه بعد ذلك على ما يرى فيه أهل العلم، والله أعلم.


* مسألة: ومنه: وفيمن يبيع ماله أو يقايض به وفيه بعض النخيل للأوقاف واشترط عليك شربه فإذا قال المشتري أو القابض: قبلت منك هذا المال على هذا الشرط أو على شرب النخيل التي للأوقاف فاتفقوا على ذلك، فهل يحتال على هذا المشتري شرب النخيل المذكورات وينحط شربها من هذا البائع ويكون سالماً عند الله تعالى إن كان المشتري من عنده الذي احتال عليه هذا الشرب أميناً على شرب هذه النخيل أو غير أمين؟


الجواب: على معنى ما في الأثر من بيع ما فيه شركة لمن لا يملك أمره إنه لا يجوز، إلا لمن لا يخشى منه الظلم لشريكه الذي لا يملك أمره إلا أن يصير الشريك الذي يريد البيع في حال الضرورة إلى ذلك ولم يجد من يشتري منه من الأمناء، فقد رخص في جواز هذه الصورة الشيخ العالم الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس لما في الحديث منه عنه الصلاة

والسلام أنه لا ضرورة ولا إضرار في الإسلام، والله أعلم، فانظر في هذا وذاك ثم لا تأخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: وفي رجلين تبادلا بحمارين وأحرز كل واحد حماره فغيّر أحدهما على الآخر من غير عيب يجب له في الشرع فقال الرجل المطلوب منه الغير إن كنت تريد مني أن أرجع إليك حمارك فسلم لي كذا وكذا من الدراهم فما يكون حال هذه الدراهم أتكون حلالاً أم حراماً؟


الجواب: أرجو أن يختلف في الإقالة، فقيل: إنها بيعة ثانية.

وعلى هذا فلا بأس في ذلك.

وقيل: إنها فسخ البيع ولا زيادة على الثمن، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن اشترى ماء أو مالاً ببيع الخيار فهل يثبت ويجوز له شراؤه أصلاً قبل فكاكه من بيع الخيار؟

وهل فرق في هذين المعنيين إن كان البيع الخيار السابق لغير مشتريه أصلاً أو كان البيع الخيار السابق لمشتريه أصلاً.


الجواب: إن كان بيع الأصل لمشتري الخيار جاز ولا يحتاج إلى نفكاكه من بيع الخيار المقدم فيما عندي.

وإن كان لغيره فالمشهور المنع من جوازه قبل فكاكه وهو الصحيح المعمول به عندنا، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: فيمن اشترى مالاً بالخيار على أن مراده الأصل لا حيلة في روم غلته فبقي عنده ما شاء الله من السنين يستغله أخذاً بقول من أجاز له أخذ الغلة على هذه النية ثم بعد ذلك استحالت نيته عن إرادة شراء هذا المال فوالى به غيره بلا مشورة من ربه ولا لفظ إحالة منه لمستحيله فبقى عند المستحيل ما شاء الله من السنين هل على هذا المحيل رد في الغلة لصاحب الأصل.

فإن كن عليه ذلك أيجب عليه رد ما استغله بنفسه أو رد ما استغله المستحيل أيضاً، أيجب عليه أم ليس عليه من ذلك شيء؟ وإن كان هذا لا يتعرى من الاختلاف تفضل بين لنا ما تراه إلى الحق أقرب لأني سمعت منك كلاماً أن المشتري إذا استحالت نيته عن روم الأصل ليرد الغلة لأنها أحلت بتلك النية وعند ذهابها فترجع الغلة إلى أربابها هذا معنى قولك رحمك الله تعالى والمسألة هي إلا ما بهذه من زيادة الإحالة ففي الأول رددنا الغلة أخذاً بما أعجبك من القول فيها وخروجاً من شبهة الاختلاف وفي هذه أخرنا إلى أن يصلنا جوابك.

فإن رأيت للمبتلي أسلم رد الغلة كالأولى فلابد من اتباع اختيارك إيجاباً في موضع اللزوم واستحباباً في موطن النقد.

وإن ملت إلى الرخصة بعد رؤيتك لها عدلاً من القول فيحلو لي الأخذ بها لما مضى، وأخذ بغيرها فيما أتى الله إن شاء الله ولكن منك أطلب الدلالة والإرشاد لما هو أقوم قيلاً وأهدى إلى الحق سبيلاً أدام الله وجودك في بلاده وأبقاك رحمة الله لعباده إنه رؤوف بالعباد.



الجواب: نعم إن هذا مما يختلف في الأصل.

فإذا اختار المشتري بالخيار دراهمه ونقض البيع بالخيار لكن أكثر القول أن عليه رد الغلة وإن رجع الصبحي في بعض مسائل خلافه.

وأما بالإحالة مع عدم نقض البيع من المحيل أو المستحيل فلا أعلم وجوب رد الغلة على أحدهما إذا كان لهما نية في شراء الأصل.

ومن لا نية له فيه منهما فيلزمه رد ما استغل وليست الإحالة كرفع الخيار فيما عندي ولا يلزمه في الإحالة مشاورة البائع لأنه يحيل حقه من الشراء وذلك مما له إلا أن يكون المحال له جهاراً يخلف منه القهر للبائع في ماله فلا يجوز أن يسلط عليه في البيع له إلا أن يكون برأيه في غير موضع التقية ولا حياء مفرط إن كان هو ممن يجوز عليه في الحق أمره، والله أعلم، فلينظر فيه.


* مسألة: وعنه: قلت له: له يجوز بيع الخيار المشترك أعني بين شركائه والشريك يبايع شريكه حصته أم لا؟


الجواب: يجوز ولكن ربما أنه يوجب فيه النقض.

فإن تتامموه ثم وإذا غيّر أحدهما على صاحبه ففيه الاختلاف.


* مسألة: على إثر مسائل عنه:

فيمن قبض شيئاً من الدراهم من طناء مال قد بيع بالخيار وأراد هذا الرجل التخلص من تلك الدراهم فسال المشتري بالخيار ما مرادك من هذا المال أصله أم الغلة؟

فقال المشتري بالخيار: ما مرادي أصله وأنا مرادي قبض مالي عن الذهاب لأجل دراهمي حصلانات عند من عنده هذا المال، هذا المشتري بالخيار اشتراه من مشتر غيره على سبيل الإحالة لا من عند صاحب المال في الأصل وهذا المشتري نظر المال إلى أن يحصل غيره.


فقال: الغلة أريدها أسألك ما أصنع في الخلاص من هذه الدراهم أقبضهن صاحب المال في الأصل أم المشتري الأول أم المشتري الثاني الذي في يده المال؟

وإن كانت المسألة فيها شيء من الاختلاف هل يجوز لهذا المبتلي بهذه الدراهم أن يقبضهن المشتري بالخيار ويقبضهن صاحب المال في الأصل احتياطاً لنفسه ليكون خارجاً


من الاختلاف سالماً من الضمان، أم يكون هذا الحال من إضاعة المال؟ تفضل سيدي دلني بما يعجبك من الخلاص لي.


الجواب: فإذا لم يرد أصله وإنما أراد الغلة بشرائه فلا بيع ولا شراء، فالمال على هذا بعد على ما به من الحال فالغلة للمشتري على أكثر ما فيه على قول من أجازه.

وقيل: الغلة للبائع وإنه أول قليل.

وعلى هذا فالخلاص متردد بين البائع الأول والمشتري الأول لا لغيرهما، فانظر في ذلك، والله أعلم.


قلت له: فإن قال المشتري الأول كذلك إنما مراده الغلة ولم يرد الأصل.


قال: فعلى هذا فالغلة للبائع الأول وهو صاحب الأصل، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي شيخ بلد باع وقفاً مؤبداً تؤكل غلته في يوم عرفة بيع خيار والرجل البائع سلطان على أهل البلد، وليس لأحد من أهل البلد يقدر أن ينكر عليه، والمشتري عالم بوقف هذا المال، وهو مشهور عند أهل البلد أنه وقف فمات البائع والمشتري فأنكر أهل البلد على ورثة المشتري بعد موتهما وأرادوا أن يرجعوا المال على ما كان عليه من وقفه فعارضهم ورثة المشتري وقالوا لأهل البلد: أنتم لم تنكروا في أيام حياة البائع والمشتري هذا المال فما الحكم فيه بينهم والبائع لم يترك شيئاً من المال لما يفك هذا المال من بيع الخيار؟
وإذا خلف هذا البائع بعض المال لا يفي الحقوق والضمانات التي عليه أيدخل في هذا المال مع أهل الحقوق والضمانات وهو يستغل هذا سنين كثيرة.


الجواب: لا يجوز البيع والشراء المذكور في مال الوقف وهو فعل منكر.
ولو مات البائع والمشتري ولو سكت العالمون بذلك من أهل البلد عن النكير والمسلمون في أخذ ما استغله المشتري من مال البائع أو المشتري على التخيير وذلك عند التسليم والخصم بدعوى أهل البلد ولا حجة له في سكوتهم عن الإنكار على موروثه المشتري إذا كان الأصل كذلك وعند عدم التسليم والتخاصم فمرجع الأمر إلى الحاكم، والله أعلم، ومال الوقف مرود على أصله ولو لم يكن في مال البائع وفاء لما أخذه من قيمته من المشتري، والله أعلم فلينظر فيه ثم لا يؤخذ منه إلا الحق.




جـ «9» (180-181)


* مسألة: وما قولك في المتسلف إذا آن وفاء سلفه على من سلفه وكان للمتسلف بعض الدراهم على آخر فقيل له عند ذلك الرجل أن يشتري له بما عليه له من الدراهم تمراً إن كان سلفه لتمره فقبض ماله أيجوز ذلك أم لا؟

الجواب: لا بأس عليه أن يقبض سلفه ممن أمره المتسلف بأذائه عنه، والله أعلم.

* مسألة: والقرض جائز للدراهم والحبوب وغيرها إذا كان مثلاً يمثل أم فيه قول لا يجوز إن كان من أحد يستدل عليه بالرضى أو من عند أحد لا يدخل عليه بالرضى إذا لم يعلم كراهيته.


الجواب: القرض يجوز في كل ما يدرك له مثل، وأرجو أن الحيوان يتعذر فيه درك المثل، وإنما ذلك في الأغلب فيما يكال أو يوزن. والله أعلم.




جـ «9» (325-337)


* مسألة: وما تقول في الحامل خط الجهار إذا بان له بأس من قبله في ماله أو حال والحامل لا يعلم أو لا ما به أيضمن أم لا؟ بيّن لي ذلك وأنت المأجور.


الجواب: على حسب ما أتحراه من الحق في ذلك أن هذا يشبه الخطأ في الضمان دون الإثم إذا وقعت منه مظلمة على أحد من الناس، والله أعلم، فانظر فيه ثم لا تأخذ منه إلا بعدله.


* مسألة: وعنه: وفي من أمّر في ماله من لا يقدر على منعه ماء بيت المال فيسقي به لا على من يجوز له ولم تكن ثم ساقية جائز من قبله، فإذا وجده يفيض في ماله أيتركه بحاله، ولا يلزمه شيء مما فاض منه في ماله أم الأولى سدّه ويضمن عندك في سده أم تركه أسلم مع علمه بتعدي من أمّره في ماله وظلمه أم لا؟

وإن كان مثلاً يطرح هذا الفلج في فلج آخر أو في ساقية أخرى والمال في ذلك الحال لغيره من الفلج الآخر أيجوز لصاحبه أن يأخذ من جملة الفلجين قدر مائة مع اختلاطهما أم لا إذا خاف ذهاب ماله إذا تركه سدى.


الجواب: إن في سده على هذا الوجه نوع إعانة له على باطله وظلمه، فأخاف عليه منه الضمان إن فعله في خطئه أو عمده، ولو لم تكن الإعانة له من قصده وتركه كذلك في ماله تبعة عليه فيه فيما أرجو، وإن كان من نفعه فإنه قد أجراه على الباطل من لا يقدر على دفعه.

وأما أخذه من ذلك بمقدار ما له فيه فلا يبعد عندي من إجازة لما أجد في ماء الفلج، إذا خلطه الجبار فلم يتميز بعضه من بعض جاز من له فيه شيء أن يأخذ من جملته قدر ما له فيه من الماء، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: إن من له على غائب حق فليرجع أمره فيه إلى الحاكم العدل، أو إلى جماعة المسلمين، فيكون له ما يحكمون لربه إلا أن يكون الآخذ له منه على سبيل الانتصار فقيل: يجوز له أن يأخذ حقه على سبيل الانتصار لكن يكون في السريرة لا العلانية، والله أعلم.


* مسألة: ومنه: وأما ما ذكرته من أمر الرجل الذي أحسن إليه بعض المتقربين إلى الله تعالى فإن كان قد قربه على شرط الكفالة بما يحتاجه فلا بأس عليه فيما يأمر به عبيده بما هو داخل في شرطه، وإلا فلابد لجواز ذلك من إذنه أو استدلال عليه بالرضى في الواسع من اطمئنان نفسه بذلك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول شيخنا فيمن ينصر الظالم عند سلطان جائر لغياب حق مسلم مذا على المعينين على الظلم أتجزيهم التوبة أم لا؟ تفضل علينا بالجواب.


الجواب: لا أدري ما هذا النصر المذكور وذلك عندي لا يعدو أحد أمرين إما أن يكون ظلم الظالم لمال هذا الرجل على وجه الدلالة عليه منه فالدليل ضامن فيما قيل.

وإما أن يكون على غير وجه الدلالة على الظلم، وإنما يكون على وجه الأمر له به وكان الأمر غير مطاع عند المأمور فعسى أن تجزيه التوبة عن الضمان من بعض ما قيل، وإن كان مطاعاً عنده فالضمان لما يكون من الظلم الذي أمر به لازم له، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وأما ما ذكرت من السؤال من الفرق بين التعارف والاستدلال فعندي أن الاستدلال يقع في خاصّ من الناس والتعارف أعم منه كما هو معلوم من الأشياء التي تباح بين الناس وهما من واد واحد يُسقيان بماء واحد في المعنى والحكم وإن افترقا في الخصوص والعموم والإثم وكلاهما مأخوذ من طمأنينية النفس وسكونها في ذلك على رضى المالك.

وعسى أن يكون في حد لطمأنينة التي سألت عنها ما لو وقف المأخوذ من ماله على الأخذ على المأخوذ من ماله لم يستح منه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: والذي عرفتك به أولاً وجوابك لا عربت معناه، فمعناه إذا كان الرهن بعشرة قروش وقال رجل للراهن: أترضى أن أفك لك مالك بثمانية قروش فقال: نعم، فقبض منه الثمانية وفكه بستة قروش، يرضى الذي بيده الرهن أيحل هذان القرشان لهذا الرجل المتوسط في هذا الحال أم لا؟ هذا بيان الذي عرفتك به.


الجواب: إن لك لا يحل للواسطة وإنما هو أمين على فداء الرهن بما أرسله به الراهن من الحق.

فإن طابت نفس المرتهن عن شيء منه فهو راجع إلى الراهن، إلا أن يقبض ذلك الحق كله ويعطي الرسول منه شيئاً فهو له حلال على ذلك.

وكذلك إن أمر أن يقبض ذلك الحق على وجه العطية له منه ويدفع إليه الباقي والله أعلم، فانظر شيخنا على أي حالة كانت هذه العطية واعمل على كل شيء منه بحسب ما له من الجواب.


* مسألة: وعنه: وفيمن عمل غيلة لمسجد ولم تصطلح إلا بالماء أيجوز أن يسقي من مال كل أحد برضاهم أو بغير رضاهم أم لا يجوز ذلك؟


وكذلك في بنيان المسجد وصلحه بالغيلة كله جائز من ماء أهل البلد أم لا؟

وكذلك في نزح الفلج إن كان لا يجوز إلا برضى من له الماء أيكون الضمان على المحتسب للمسجد أم على مستأجر الغيلة إذا لم يأمره إلا من مائه؟


الجواب: إذا كان ذلك بنفس الفلج عن سقيه المعتاد فلا يجوز الأخذ منه للغيلة وما أشبهها إلا برضى من له الماء، وإن كان لا ينقصه عن ذلك فأرجو أنه يختلف في جوازه.

ويعجبني في مثل هذا إذا لم يشترط الأجير الماء على من أجّره ولا شاوره من أين يأخذه وأخذ الماء بنفسه فلا بأس على من أجّره عندي في ذلك خصوصاً إذا لم يحضر عند ذلك أو حضر ولم يبن له أنه أخذ الماء على وجه الباطل، ففي كون ذلك من الأجير سعة من الضيق لمن أجره ولو كان قد أخذه فيما غاب من أمره على وجه ما لا يحل له، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: ما تقول فيمن أجّر رجلاً إلى موضع من الأماكن يقضي له حاجة فذهب الرحل فأصابه قتل أو كسب أو غير هذا حدث عليه من حوادث الزمان، أترى بأساً على أجره أم لا؟


الجواب: لا ضمان على المؤجر ما لم يكن خروجه ذلك على الأجير، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي مار الطريق إذا وجد على الطريق بئراً أو حوضاً ودلو نزف لا لزجر فهل يجوز له استعمال هذا الدلو للنزف من هذه البئر للشرب والوضء وغيره من منافع الماء بما يحتاج المار إليه إذا لم يعلم بحقيقة هذه البئر وما تشتمل عليه قد جعل لذلك وعلى ذلك، أو علم من أناس مجهولي الحال يقولون: إن تلك البئر وما تشتمل عليه قد جعلت لذلك المذكور، فهل يكون قولهم حجة أم لا؟

أرأيت إن أحدث في دلوه وحبله خطأ غير عمد فهل يلزمه ضمان ما أحدثه فيها من الضياع أم لا يلزمه؟


الجواب: إن الحكم يمنع من استعمال مال الغير إلا برضاه والواسع من الاطمئنان بإباحة ذلك من مالكه يبيح له ذلك.

ويعجبنا الأخذ بالحكم في موض السعة والأخذ بالواسع من الاطمئنانة في محل الحاجة إلا إذا لم تكن هناك اطمئنانة فالمنع لا غير إلا لضرورة يخشى منها على نفسه من العطش، وعليه الضمان لما أضافه بالعمد من الدلو والحبل وبالخطأ أيضاً في موضع المنع من استعمالها ولا ضمان في الخطأ في محل جواز استعمالها، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وسئل عن رجل أخذ تراباً من أرض لقوم لم تزرع، ثم مات مالكوها وانتقلت من وارث إلى وارث، وأراد هذا المبتلي خلاص مما حمله من تلك الأرض أله أو عليه أن يرد إلى تلك الأرض مثل ما أخذ منها أم عليه أن يتخلص إلى مالكيها في الحال أو حين لزوم الضمان؟


الجواب: ما دامت تلك الأرض في ملك صاحبها في حياته أو ملك ورثته بعد مماته فعندي لا يخلو من الرخصة أن يرد إليها مثل ما أخذ من ترابها إلى موضع إن عرفه أو


موضع آخر منها إذا كان صلاحاً له إذا جهل موضعه الأول إذا تعذر عليه أو تعسر قسم ضمان ذلك في الورثة.

وأما إذا انتقلت تلك الأرض عن مالكها الأول أو ورثته من بعده ببيع أو أعطية أو وصية أو أشبه ذلك من قبل أن يتخلص من ذلك التراب فلا يكون الضمان لمن انتقلت إليه تلك الأرض، ولا يجوز رد مثله إلى تلك الأرض، وإنما ضمانه لمالكها الأول في حال الأخذ أو ورثته من بعده، والله أعلم، فلينظر فيه ثم لا يؤخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: وفيمن عليه ضمان مجهول لا يعرف كثرته من قلته فما الذي له وعليه إن أراد الخلاص منه أيجزيه التحري له إذا اطمأن قلبه إنه أدى أكثر منه؟

أرأيت إذا كان الضمان لهالك وتحرى هذا المبتلي لذلك الضمان أيكفيه أن يدفعه إلى الوراثين له بغير قسمة بينهم، لأنه في الأصل غير معلومين عنده، أم ليس له إلا أن يقسمه بينهم على قدر ميراثهم منه؟


الجواب: عند جهل الضامن لمقدار ما عليه من الضمان فليس عليه لخلاصه منه أكثر من تحريه مع اعتقاد التأدية لما يصح عليه بعد ذلك من الزيادة وعند موت صاحبه فيجوز له أن يدفعه إلى بعض الورثة بأمر الكل أو إليهم كلهم بحضرتهم على وجه قسمته بينهم لكل منهم ما ينوبه منه أو على وجه طيب أنفسهم عليه بتركه لهم غير مقسوم، والله أعلم فلينظر فيه ثم لا يؤخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: ومن وجد في يد عماله نباتاً ينبتون به في ماله ويقولون: هذا النبات من فحلا فلان كان للعمال أمناء أو غير أمناء كان رب الفحل حاضراً أو غائباً وسنة أهل البلد يتعاطونه ولا يتبايعونه.

وكذلك إذا أتوا نباتاً من شيء من البلدان ولم يعلم أخذهم له على الوجه الجائز أم لا أيلزمه سؤالهم ويضيق عليهم ذلك في ماله ولم يعلم إباحة أهل الفحول لعمالهم؟


الجواب: إنه إذا لم يأمرهم بذلك فلا حرج عليه ولهم أحكام السلامة في الظاهر ما لم يصح على أحد ما به يخرج عنها، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: فيمن أخذ على صاحبه شيئاً من الوائج مما يتقاضاها الناس من بعضهم بعض مثل آلة الحمير وغير ذلك بلا رأيه ولا مشورته إلا أخبره بعد أيام ويدعي أن بينهما في مثل هذا تعارفاً وإدلالاً والرجل المأخوذ عليه ناكر ذلك ويقول: لا قضيت من بيتك حاجة إلا بمشورتك ورضاك، فهل يجوز في هذا تعارف وإدلال أم لا يجوز؟

أرأيت إن ذهب هذا المأخوذ كله أو بعضه من عند من أخذه فهل يلزمه ثمنه على ما يقول المأخوذ عليه وهل يلزم المأخوذ عليه يمين بالله العظيم أن ثمن ماله المأخوذ عليه كذا وكذا، إذا عدمت البينة عن ثمن هذا الذاهب على يد هذا؟


الجواب: لا تعارف عند وجود التناكر والقول قول صاحب الشي في عدم رضاه بأخذ الآخر له وهو مضمون بالحكم على أخذه وضمانه إن تلف على ما تشهد به البينة العادلة.

وإن لم تكن بينة فالقول في ضمانه قول الغارم مع يمينه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه قلت له: وإذا أمرت على أحد بشيء من الشغل وأردت أن أدفع له شيئاً من الدراهم مكافأة له فلم يقبلهن مني، وقال لي في البرآن من ذلك: ولا عليك شيء من الدراهم بعدهن في يدي فهل يصح ذلك البرآن لي أم حتى تكون الدراهم في يده.


الجواب: لا بأس عليك في ذلك إذا أبرأك مما أمرت عليه به ولو كانت الدراهم بعدهن في يدي.


قلت له: ولو نويت بهن له فقال لا آخذهن؟


قال: لا يبين لي عليك فيهن بأس.


* مسألة: وعنه: وفي عامد فلج مصرج قاطع الطريق ولا عليه قنطرة ليمر الناس عليها فهل يجوز المرور على هذه العامد المذكور ولا يلزم المار ضمان ما أحدث من وجين العامد أو طرفه إذا كان العامد والطريق مزمنين أزليين لا نعلم بأحدهما على الآخر.

أرأيت إذا اضطر العامد من كثرة المرور عليه ولا يعلم المار بتلك المضرة منه أو من غيره فهل يلزمه ضمان أم لا يلزمه حتى يعلم أنه أحدث في العامد مضرة.


الجواب: إن العامد على الطريق إذا لم يعلم باطل أحدهما فهما جميعاً ثابتان.
فإن ضيع أهل العامد شيئاً من الطريق أو المار في الطريق شيئاً من العامد فعلى كل أحد منهم إصلاح ما أفسده، ولا يلزمه من لا يعلم من نفسه أنه أفسد شيئاً من ذلك إصلاح ما يراه فاسداً لاحتمال لكونه من غيره، وما أصلحه على وجه التطوع فهو من إحسانه وخيره، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في امرأة لها زوج ومعها ولد من غيره أيجوز لولدها أن يصرف لها مثل البيع والشراء في مالها وغيره.

وكذلك أيجوز لولدها أن يشتري من عندها ويقبضها الثمن ويبايعها ويقبض من عندها الثمن بغير رأي زوجها.

وكذلك إذا أعطت ولدها شيئاً من الدراهم أو شيئاً من الطعام أو استقرض من عندها شيئاً من الدراهم أيجوز له أخذ جميع ما ذكرت لك ويكون جميع ما في يدها حكمه لها حتى يصح عند ولدها أن لولدها فيه شركة من دراهم وغيره، ويكون له حلال أم عليه فيه شبهة ويكون قولها لنفسها بما في يدها حجة أن ذلك من مالها لا لزوجها فيه حق، وإن ماله معزول عنها كانت أمينة أو غير أمينة.

وكذلك إذا سقى مالها من ماء زوجها استقعد له برضاه وأمره أتحرم غلته على ولدها بغير رضاه أم لا؟



الجواب: إن حكم ما في يدها لها من دراهم وغيرها ولو لم تقل إنه لها حتى يصح أنه لغيرها ويجوز لها أن تتصرف فيه بما جاز لها من بيع أو عطية لولدها أو غيرها.


ويجوز له أخذ ذلك منها بالبيع أو العطية أو القرض بلا رأي زوجها ولاسيما إذا كانت غير متهمة بأخذ ذلك من ماله.

فإن كانت متهمة بذلك فالورع اجتنابه، والحكم جوازه من أخذ في شيء بما جاز له في ظاهر الحكم فقد استمسك بالعروة الوثقى في قول أهل العلم إذا لا يلحقه على ذلك معنى الظلم وشرب مالها من ماء زوجها الذي له في الأصل أو بالقعد لا يخرج غلته عن ملكها، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن كبرت سنه وضعف حاله عن القيام والقعود وربما إذا أراد القعود لا يستطيع إلا بمساعدة غيره، وهو كامل العقل ويسمع ويبصر، أيجوز بيعه وشراؤه.

وإن كان أحد عليه ضمان له وقبضه حقه في يده أيكون له من حقه خلاص أم لا؟

وإن كان لا خلاص له إن قبضه حقه في يده ماذا يصنع من كان عليه ضمان له طالت المدة على حاله تلك أو قصرت.




الجواب: إن هذا يخرج حكمه عندي مخرج حكم الصحيح فلا فرق بينهما في جميع ما ذكرت.



* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن عليه ضمان لرجل هالك ولم يعرف جملة ورثته ولم يجد ثقة ولا أميناً يستدل به على ورثته ما يصنع بالخلاص هذا المبتلي أيجزيه أن يقبل قول العامة من الناس إذا أخبروه بورثة الهالك ودلوه عليهم، أيكون له خلاص من هذا الضمان فيما بينه وبين ربه إذا سلمه لورثة الهالك بدلالة هؤلاء مجهولي الحال إذا اطمأن قلبه إلى قولهم.

أرأيت إذا كان الضمان لامرأة ولم تبرز إليه أيجزيه أن يقبضه أحداً ممن يختصه غير أنه لا ثقة ولا أمين أن يقبضه المرأة عنه بأمره وبينه وبين المرأة جدار، وتكلمه المرأة وتقول: إن حقي بلغني وأنت يا فلان في الحل والبرآن أو لم تقل: يا فلان إذا قالت في الحل والبرآن.

أرأيت إذا برزت هذه المرأة لهذا الرجل الذي عليه هذا الضمان ولم يعرفها إلا بقول مَن يخبره بها: إن هذه فلانة أيكون سواء لا فرق بين المعنيين، برزت إليه أو لم تبرز إليه؟ تفضل بما يعجبك من القول لهذا الرجل إذا لم يجد في القرية التي عليه بها الضمان ثقة ولا أميناً ظاهر الأمانة.

أرأيت إن بقي أحد من ورثة الهالك الذي له الضمان لم يعرفه هذا الرجل الذي عليه الضمان ولم يعلم به ولم يخبر به أحد أيكون كمن عليه ذنب أو ضمان نسيه ولم يذكره بعد المتاب أيكون سالماً عند الله تعالى أم غير سالم؟



الجواب: أما في الحكم فلا تقوم عليه الحجة في خلاصة مما عليه للهالك إلا بمعرفة ورثته بعلمه أو بشهادة عدلين من المسلمين أو شهرة حق فيؤدي ما لزمهم لهالكهم إليهم على قدر أنصبائهم من ميراثه من بعد وصية يوصي به أو دين.


وأما في الواسع والجائز إذا صحت عنده معرفتهم بشهادة عدل واحد أو شهادة اثنين فصاعداً من المأمونين الذين لا يرتاب في قولهم فيجوز له إنفاذه فيهم على سبيل ما ذكرناه من قبل.

وأما الشهادة على معرفتهم بمن عدا هؤلاء المذكورين من الخائنين أو المجهولين فلا يجوز في الحكم ولا واسع اللهم إلا أن يسأل عن نسبهم كل واحد من هؤلاء وحده من حيث لا يعلم به الآخر فيتفقون في الورثة على نسب واحد فعسى أن يجوز الأخذ بقولهم في ذلك مع الاطمئنانة بصدقهم وسكون النفس إلى قولهم ولا تكاد تقوم الحجة في مثل هذا.



جـ «9» (392)


وسئل عنها الشيخ سلطان بن محمد البطاشي فقال: إن الذي قبضه الوكيل من مال الفطرة وهو غير ثقة ولا أمين عليه ضمانه ولا يبرأ منه إلا بتأديته في محله وما رده إليه الوكيل من مال المسجد عما دفعه إليه من مال الفطرة لا يحط عنه ضمان مال الفطرة، ويكون ما قبضه من الوكيل من مال المسجد أمانة عنده للمسجد حتى يجد السبيل إلى الخروج منه بوجه من وجوه الشرع، والله أعلم.



جـ «9» (395-397)


* مسألة: وسئل الشيخ سلطان بن محمد البطاشي فيمن تاب لله ورجع فأناب وأراد أن يتخلص من جميع ما تعلق عليه من الأسباب وكان قد لزمه لأحد من الناس ضمان في نفس لا ينجيه منه إلا الإرش والبرآن أو في مال لا يخلصه منه إلا أداء ما لزمه لأربابه أو الاستحلال وطلب ممن لزمنه له هذا الضمان الوجهين، وبادر بالإسراع في ذلك قبل حلول الحين، فلم يلق ممن له تلك التبعة ما يريد، فعاجله أولاً بأخذ الغرم فقال له: هيهات ذلك مني بعيد وطلب منه الحل فقال: ذلك أمر عليَّ شديد، لا بِذا يرضى ولا يرضي بذا ما ترى لهذا المبتلي أله أن يرفع عليه مع حكام المسلمين أن يقبل لماله من الضمان أو تسمح له نفسه بالبرآن ويجبره الحاكم على ذلك.

وما حال المبتلي بهذا الضمان عند الله تعالى إذا علم منه صدق النية في السر والعلانية إذا لم يجد أحداً يردعه عن ذلك أفدنا جواباً كافياً شافياً ولك الأجر.


الجواب: أما الضمان في النفس فعلى وجوه فإن كان في قتلها فهو أيضاً على وجوه، فمنها العمد، وفيها القود إن لم يرض أولياء المقتول إلا به.


وقيل: إنه لا يكون إلا بحضرة الإمام أو جماعة المسلمين عند عدمه وعسى أن يكون هذا على رأي من يجعله من الحدود.


وقيل: عليه أن يقود نفسه إلى أوليائه ولو لم يكن بحضرة أحد من هؤلاء ولكن أرجو أن شرط أن لا يخشى أن يفعلوا به ما لا يجوز فعله في القود وعسى أن يكون هذا على رأي من يجعله من الحقوق.


فعلى المعنى الأول: له سعة في اعتقاد نية القود إذا وجد الإمام أو جماعة المسلمين.


وعلى القول الثني: له سعة أيضاً في اعتقاد تلك النية عند ارتفاع المحذور منم هذا إذا لم يرض أولياء المقتول إلا بالقود.

وإن عفوا ونزلوا إلى الدية فلهم ذلك.

وإن لم يقدر عليهم وامتنعوا عن قبول أحد الحالين فهو في سعة من أمره حتى يرضوا بشيء من ذلك أو يعفوا أو يحضره الموت فيوصي لهم بالدية ومنها شهد العمد وفيه الدية عليه في ماله والقول في امتناعهم عن قبولها كذلك ومنها الخطأ وفيه الدية وهي على عاقلة القاتل وهو كواحد منهم.

وإن كان الضمان في النفس مما دون القتل فالجروح مختلفة منها فيه القصاص أو الدية، ومنها ما ليس فيه إلا الدية والقول في الامتناع من قبول ماله كذلك.

وأما ما لزمه من الحق من غير حدث في نفس فليس عليه بذله فإن أبى صاحبه عن قبوله وصار في سعة كما تقدم آنفاً، والله أعلم فانظر في ذلك.



قلت له: وفي قتل الجبابرة وأهل الظلم أيكون القاتل مثل ما تقدم فيه من الجواز عمداً كان أو خطأ أم بينهما فرق.



قال: إن قتل الجبار على وجهين: إما أن يكون بعد الحجة والامتناع عن الرجوع إلى الحق، وإما أن يكون غيلة بغير حجة مع كونه في الوجهين على العمد.

فعلى الوجه الأول: فقاتله مأجور إن كان في نية العدل.

وعلى الوجه الثاني: فيوجد في الأثر فيه اختلاف.

فعلى القول بالجواز فيكون القول فيه كذلك.

وعلى القول بالمنع فيخرج فيه ما قد مضى فيه من الجواب في المسألة الأولى.

وبالجملة: فالقتل أمره عظيم وكله محظور على وجه التحريم جزماً، إلا ما قد أبيح منه في مواطن تحتاج معرفتها إلى حدة ذهن ونور عقل، والله هو الهادي لمن يشاء من عباده إلى صراط مستقيم، وهو بكل شيء عليم.



جـ «10» (45-48)


* مسألة: وما تقول في الذي استغرق ماله بعد وفاته إذا أراد أحد من الفقراء أن يأخذ من ماله سراً، أله ذلك أم لا؟


الجواب: لم تصرح في المسألة من أي وجه كان الاستغراق لماله ولعل المراد به الاستغراق في المظالم المجهولة أربابها.

فإذا كان الأمر كذلك وقد مات الظالم المذكور على أحكام لزوم تلك المظالم عليه، فيجوز لمن صح عنده ذلك من أهل الفقر أن يتناول من ماله قدر ما لا يغنيه لفقره، فإن كان الأمر في ذلك مشهوراً فلا بأس في التناول منه في العلانية وإلا ففي السريرة لمن خصه علم ذلك من أهل الفقر على قول من أجازه له، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن اشترى أبوه مالاً من سلطان على علم منه أن ذلك المال كان لغير والده، وقد اغتصبه وبقى والده يحوزه ويستغله أيام حياته إلى أن مات ولم يعلم الابن أن والده قد تخلص منه لأربابه بما يجيزه له فما حكم هذا المال لهذا الولد على هذه الصفة حلال أم لا؟


الجواب: إن الذي قد باعه الجبار من أموال الناس على سبيل الاغتصاب والظلم واشتراه المشتري على ذلك والحجة قائمة عليه بعلم ذلك على ورثته فلا يبين لي جواز كونه ميراثاً بين ورثته والمغصوب أو من يقوم بالحق في مقامه أولى به من ورثته بعد حِمامه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن دخل في عمل في مال حرام على معنى البيدارة بجزء من غلته أيجوز له ذلك وتحل له تلك البيدارة؟

وهل لمن اشترى شيئاً من تلك الغلة أو وهبه له أم لا كان هذا العامل فقيراً أو لا؟

الجواب: إن فساد اصله مما يجب فساد الفرع لأجله، فلا يجوز للبيدار بعد علمه أن يأخذ أجراً على مساعدة الظالم على ظلمه وعلى قدير أخذه من المال فيلزمه ضمانه والتوبة من إثمه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: ومال الجبار الجابر المستغرق في مظالم هل قيل فيه: إنه حلال للفقير في حياته إذا كان مما لا يقدر على توزيعه في تلك المظالم أم لا؟


الجواب: لا أحفظ أنه قيل بذلك في حياته لتعلق الضمان في ذمته، ثم يكون في ماله بعد مماته، والله أعلم.

فانظر فيما أجبتك به من ذلك ثم لا تأخذ منه إلا الحق.


* مسألة: وعنه: قلت له: ما تقول في رجل جاهل ظالم لا يتوقى عن الدخول في الشبهات، وقد استولى على مال الأيتام وما أشبهها من الأوقاف والأفلاج وكان معه مال في ملكه غير تلك الأموال المذكورات، فما تقول شيخنا في مبايعته وأكل طعامه، وما عنده وفي يديه أنه حلال جائز إذا لم يصح أن ذلك الشيء بعينه من تلك الأموال المذكورة وتكون أحكامه له كأحكام ما في أيدي سلاطين الجور حتى يصح أنه مغصوب أم هذه المسألة أرخص من تلك أم مثلها أم أشد منها؟


الجواب: إن هذا الرجل الظالم الغاشم المشهور في أموره الذي لا يبالي بالدخول في محجوره وكان في يده ما يأكله بالباطل من مال غيره، ولم يكن له مال ولا حرفة غير ذلك المال المأكول بالباطل، فلا أقدر على تجويز ما في يده لمن يعلم منه ذلك وأخاف أن يكون التمسك بالحكم في ذلك من مدافعة شبه اليقين فإن كان له مال أو حرفة غير ذلك المال المأكول بالباطل فهذا موضع الاحتمال لكون ما في يده ملكاً حتى يصح أنه مم في يده لغيره من المال، فالورع اجتناب معاملته في ذلك لاسيما إذا غلب الحرام الحلال، ومن تمسك في ذلك بالحكم لم يكن من الضلال.


* مسألة: وعنه: وفيمن عنده شيء من مال مرجعه للفقراء من تمر أو دراهم من زكاة أو من ضمان لا يعرف ربه، أيجوز له أن يعطيه فقيراً واحداً وخلاص له من ذلك إذا لم يخرجه من الفقر إلى الغنى أم أفضل له أن يعطي جملة من الفقراء إذا كانوا كلهم محتاجين.

وإن أعطى فقيراً واحداً أيكون قد عدل عن الفضل؟


الجواب: إن دفعه لواحد من الفقراء على الشرط المذكور فقد بلغ محله ولا يجوز أن يقال فيه من بعد إلا أنه معذور.

وأما الأفضل له فإن كان له في ذلك سعة تندفع بها الخصاصة عن جملة من الفقراء فليفرقه فيهم إن شاء أن يجعل على هذا الوجه خلاصه، وإلا فالوجه الأول واسع والعمل به

سائغ، إلا أن يرى ضرورة أحد من الفقراء لا تندفع إلا أن ينيله من ذلك، فأخاف ألا يسعه أن يستغرقه في واحد تندفع ضرورته بأقل من جميعه، والله أعلم.





جـ «10» (114-117)


* مسألة: في امرأتين أرضع كل واحدة ولد صاحبتها ثم أتت واحدة منهما بابنة وواحدة بابن أيجوز أن يتزاوجا أم لا؟


الجواب: لا أرى بأساً الابن بالبنت التي لم ترضعها أمه عليه ولا أرضعته أمها لما قد كان من المراضعة بين أولئك الولدين، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: ما تقول في الأب إذا أمر رجلاً أن يزوج ابنته برجل آخر ثم توفي الأب قبل أن يزوج الرجل، أله أن يزوجه بعد وفاة الأب أم حتى يأمره الولي الذي بعده؟

وهل فرق بين الأب وغيره من الأولياء أم لا؟

والصبية والبالغ سواء أم لا؟ عرفنا وأنت المأجور من محبك أحمد بن سعيد بيده.


الجواب: أرجو في ذلك أن الأمر يبطل بموته قبل التزويج، فينتقل الأمر بذلك إلى من بعده من الأولياء.

والفرق بين الأب وسائر الأولياء أن الأب لا يشاركه في الأمر بذلك أحد، والأولياء غير الأب إن كانوا في درجة يجوز الأمر كل واحد منهم على انفراده فهم مشتركون في الولاية ولا أرى فرقاً في ذلك بين الصغيرة والكبيرة، والله أعلم.


* مسألة: ومنه: وما تقول إذا كان ولي المرأة في غير بلدها وكتب صكاً لأحد من أهل بلدها ليزوجها بمن شاءت أترى في هذا التزويج شبهة أم لا، إذا زوجت على ذلك، على الزوجة وعلى الزوج وعلى الشهود أم كلهم سالمون أم يلحق أحداً دون أحداً بيِّن لي ذلك.


الجواب: إنك إذا عرفت خط الولي وفيه الأمر بتزويج من يليها جاز لك ذلك في معاني الواسع من الاطمئنانة تعمل به وإلا فلا يجوز في الحكم.


* مسألة: وعنه: وفي امرأة أرضعت جارية وغلاماً متفرقين في النسب هل لأخي الغلام أن يتزوج بالجارية رضيعة أخيه هذه أم لا؟


الجواب: لا أرى في ذلك بأساً لأنها ليست بأخته وإنما هي أخت أخيه فجوازها هنا على نحو جوازه في النسب، والله أعلم.


قلت: وكذلك رضيعة الأخ يجوز لها تزويجها أم لا؟


قال: إن كان المعنى كما في الصورة الأولى فالجواب فيها واحد، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول فيمن عقد تزويجاً على رجل في الليل بغير نار ولا سراج بإذن ولي على حضرة شهود معروفين فلان وفلان وفلان والمتزوج فلان ينظر إليه حين يقبل التزويج ويسمع صوته غير شاكّ فيه على صداق معروف معلوم ثم جاز الزوج بالمرأة ونسل منها ومات من مات وورث من ورث على جهل منه بالنهي عن التزويج بالليل بغير نار أو سراج ما تقول في هذا التزويج وما يلزم هذا العاقد للتزويج بجهله؟


الجواب: يوجد في بعض القول جواز ذلك إذا كان الشهود يعرفون الزوج بالليل كمعرفتهم به في النهار، ولاسيما إذا كان التراضي بذلك من الزوجين من عدم التناكر بينهم، وأرجو أن ليس المحذور من ذلك إلا التناكر لأجل حيلولة الظلام بين الشهود والمشهود عليه.

وإذ قد صح التراضي بذلك التزويج فقد زال المحظور وثبت التزويج المذكور، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي رجل غشيم يزني كان زناه برجل أو امرأة ثم يعاود زوجته قبل أن يغتسل من جنابته ويجامعها فتم على ذلك زماناً ثم الآن يسأل هل عليه بأس في زوجته أم لا؟


الجواب: إن كان زناه قد استتر عن زوجته فعلى معنى ما يوجد في الأثر أنها لا تحرم عليه بذلك ومثل هذا حقيق أن لا يجاب، والله أعلم بالصواب.


* مسألة: وعنه: وما يحرم على الوالد من نظر أبدان زوجات أولاده أمثل النساء الأجنبيات؟

أم بينهن فرق ويكن أرخص له من النساء الأجنبيات في النظر إلى أبدانهن ويحرم عليه منهن مثل ما يحرم عليه من أمهاته وبناته وأخواته؟

أم يكون فرق بينهن في النظر إلى أبدانهن؟


الجواب: إن زوجات البنين من ذوات المحارم لآبائهم وهو صريح في محكم الآية التي في سورة النور فلا فرق بينهن وبين أمهاته وبناته وأخواه، والله أعلم.




جـ «10» (156)


* مسألة: والصبية إذا زوجها أبوها بغير رضاها قبل بلوغها هل لها الغير؟


الجواب: لها التغيير في التزويج بعد بلوغها إذا زوجها أبوها وهي صبية في قول المسلمين، والله أعلم.

جـ «10» (248-250)


* مسألة: وما تقول شيخنا في امرأة المفقود إذا لم تطلب النفقة من حين الفقد وطلبتها من بعد الفقد ألها في المدة الماضية أم لها ما تطلب؟ بيًن لنا ذلك.


الجواب: على ما يوجد ذلك في الأثر أن ليس لها نفقة في الحكم لما قد مضى من الأيام التي لم تطلب فيها النفقة، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: فيمن عنده ثلاث زوجات وقائم بحقوقهن غير النكاح يجد في واحدة منهن نشاطاً أكثر، وربما إذا أراد مجامعة الباقي بطل، ماذا عليه في هذا؟


الجواب: إن التسوية بينهن في الجماع إذا كان يجد من نفسه نفوراً عند بعضهما مما لا يدخل ثقلت في الوسع ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وما يكون عدم القدرة على المساواة فيه من نحو من قبل الطبع فهو من قبل الله فلا لوم عليه في الشرع، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن اضظر إلى الانتقال من بلده لسبب أعجزه منها، وله زوجة وأراد زوجته أن ترتحل معه فامتنعت عن ذلك هل له أن يرتحل عنها هو وأولاده ويتركها وحدها أم لا؟


وإذا أخذ ابناً له منها وهو ابن ست سنين وحمله وهو يبكي أيصح لهذا الأب أن يحمل ولده بلا إرادة مضرة لأمه، أفتنا في ذلك مأجوراً إن شاء الله.

وما تقول شيخي في حمل ابنته حين حملها لقيه رجل وقال له: لا يجوز أن تحمل ابنتك ماذا على القائل؟ أفتنا.


الجواب: إن كان يريد أن يرتحل بها إلى مكان فيه إنصاف أو كانت لا تخشى حيفه ولا تخاف ظلمه فترك إجابتها له إلى ذلك معصية لا يسعها القيام عليها ولا بأس عليه في تركها هنالك، وارتحاله عنها إلا أن يريد أن يقطع بها البحر فقد وجدنا في الأثر مجملاً أنه لا يلزمها أن تتبعه في ذلك، وعندي أنه محتمل التفصيل لأن طاعتها له فرض ولا فرق في النظر في لزوم أداء الفرض في البر والبحر عند المقدرة على ركوبه، والله أعلم.



* مسألة: وعنه: وفيمن عنده زوجة وهي ساكنة في بيته وربما يدخل بعض الرجال في بيته، فمنع هذا الرجل زوجته فقال لها: إذا جاء أحد من الرجال قولي له: لا تدخل صاحب المنزل ليس بحاضر، فقالت لزوجها: أخجل أن أمنع الداخل على بيتك، أيسع هذه المرأة أن تمنع الداخل أم لا؟

الجواب: لا يجوز لها أن تأذن بالدخول في بيته لأحد يكره دخوله فيه، ولاسيما إذا صرح لها بالمنع من ذلك.

وأما إن كان دخول الداخل المذكور بغير إذنها فقالت له: إنها تستحي من منعه فلا يلزمها أن تكون بواباً على باب داره ويحمل على باب داره من يشاء لذلك المعنى، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن عنده زوجة وهي في بيته وعندها في البيت ما تحتاج له لمئونتها سواء هذا الرجل إذا أراد الرجل الخروج من بيته أغلق الباب وأغلق عليها وحمل المفتاح معه أيسعه ذلك أم لا؟


الجواب: إن كان قد تركها فيه غير محتاجة لحاجة خارجة عنه، وكانت لا تستوحش في البيت من الوحدة أو كان عندها من يؤنسها فيه ممن تجوز له الخلوة معها فقد فعل ما جاز له، ولا بأس عليه فيما فعله، والله أعلم.


جـ «11» (36-39)


* مسألة: وفيمن طلق زوجته بشرط إن أعطته ورقة صداقها وكانت الورقة في غير تلك البلدة التي طلقها بها فاتفقا على أن تكتب له تبطيلاً عن ظهورها من بعد فرضي بذلك، ثم اجتمعا من بعد في البلدة المتروكة فيها الورقة فادعى أنه لم يرض بالمكتوب عن الورقة وأن المرأة زوجته لأنها لم تعطه الورقة، ما الحكم بينهما إذا صح رصاه بكتابة التبطيل وقبضه له من قبل إذا لم تعطه الورقة الواقع عليها شروط الطلاق؟


الجواب: وجدت عن الشيخ الصبحي إن كان قد قال لها بذلك على معنى الخلع فلا يقع الخلع بينهما، إلا أن تقبضه الورقة في مجلسهنا ذلك الذي قعدها فيه للخلع.

وإن كان على غير معنى الخلع حتى قبضته إياها وقع الطلاق.

وإن رضي عنها بتبطيلها في المجلس وكان ذلك على معنى الخلع في الحال لم يبن لي فيه شيء.

وإن لم تكن في المجلس على هذا المعنى فليس بشيء كما يدل عليه كلام الشيخ المذكور، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: في الذي يقول بطلاق أربعين زوجة ما أفعل الشيء الفلاني ففعل وراجع زوجه ثم فعل مرة أخرى أتطلق زوجته ثانية أم لا؟
وإن كان فيه اختلاف ما الذي تحب أنت؟ بيّن لي وأنت المأجور.


الجواب: إن هذا لا من لفظ الطلاق وإنما هذا يف ظاهره من باب القسم بغير الله إلا أن يكون قد نوى به الطلاق فأرجو أن يختلف في وقعه عليه بالنية عند قصور اللفظ عن إفادة المراد به.

ومن طلق أربعين زوجة فالزوجة الواحد لا تكون إلا واحدة ولا تأخذ من ذلك الطلاق إلا واحداً فيما أرجو، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وسئل هل يجوز الطلاق في الليل على النار إذا كانت معرفة الشهود للزوجين كمعرفتهم لهم في النهار أم لا يجوز إلا في النهار؟
وكذلك إذا اتفق الزوجان على الطلاق وتبرئة بما لها عليه من الصداق الآجل وما بقي لها عليه من العاجل أو يدفع له البعض من العاجل فهل يلزم الشهود على الطلاق فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعلموا المرأة لفظ البرآن الصريح الذي ثبت في الحكم، ويبرأ به الزوج عند الله تعالى ويعلم الزوج لفظ الطلاق الصريح إذا كان الزوجان جاهلين بذلك أم لا يلزمهم إلا أن يفعلوه استحباباً ويكفي دونه إذا قالت المرأة: بارئتك من صداقي أو قالت: بارئتك من الصداق الذي عليك حالي فهل يبرأ عند الله تعالى بهذا اللفظ إذا لم ترجع تحاكمه.

وكذلك إذا قال الزوج: فارقة فلان بنت فلان، أو قال: مطلقة فلان بنت فلان فهل يكفي هذا اللفظ للطلاق.

أرأيت إذا كان الشهود بلفظ الطلاق والبرآن الصريح للطلاق عالمين فهل لهم عذر بذلك إذا ابتلوا بالإشهاد على ذلك، ويجوز لهم الامتناع عن الإتيان بشهادة على ذلك أم لا يجوز لهم الامتناع عن الشهادة ويشهدون بما سمعوا من لفظ الزوجين على ذلك، وليس عليهم إثم من فعل غيرهم ثبت في الحكم أم لا؟


الجواب: إن شهادة الشهود في الليل مع اشتعال نار على القضايا يبصرون فيها المشهود عليهم جائزة ولا نعلم في ذلك اختلافاً والحاضرون عند مخالفة الزوجين إن كانوا لا يعلمون جواز البرآن للزوج من زوجته على الخلع فلا يلزمهم تعليم الزوجة ما يثبت به براءتها له في الحكم.

وإن كانوا يعلمون جواز ذلك له من الزوجة كراهيتها إياه مع أداء ما يجب لها عليه فنحب لهم أن يعملوها البرآن ما يبرأ به الزوج بينه وبين الله تعالى ومع علمهم بحالة الزوجة باللفظ الثابت في ذلك أخشى عليهم أن يكون سكوتهم عن التعليم بذلك من الغش ومن غش المسلمين فليس منهم.

وقولها في لفظ البرآن: بارئتك من صداقي ليس بشيء في الحكم إلا على ما يخرج في الواسع من الاطمئنانة يطمئن قلبه ولم يشك في إرادتها بذلك البرآن له، فيجوز له أن يتمسك بذلك ما لم ترجع عنه إذا كان فيما بينه وبين الله أن ذلك البرآن له منها على إساءة منه إليها ولا تقصير في واجب حقها.

وقوله لزوجته: مفارقة فلانة بنت فلان أو مطلقة فلانة بنت فلان يريد بذلك طلاقها فهو طلاق وما لم يطلب فيه حكماً أو يدعي فيه دعوى مسموعة وقد سار عنها على أنه قد طلقها بذلك فهو طلاق كاف إن شاء الله.

والشهود على القضايا إذا كانوا لا يحسنون ألفاظها حتى يعلموا المشهود عليه فيأتيها على وجهها فليشهدوا على ما يسمعون من ألفاظ المشهود عليه، ولا بأس عليهم في تأديتها كما سمعوها مستقيمة كانت أو ملحونة، وقد قال الله تعالى : ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا ، إلى تحمل الشهادة بشرط أن لا يجد المشهود عليه للإشهاد غير الذي دعاه إليه وإلى أدائها كما تحملها ، والله أعلم ، فلينظر في ذلك ثم لا يؤخذ منه إلا بالحق .


* مسألة: وعنه: وفيمن قال لزوجته: إن أعطيتني الورقة التي فيها صداقك العاجل والآجل ما حليلتي ما حليلتي أو ما حرمتي ما حرمتي هذا لفظه فأعطته الورقة وقبضها أتطلق زوجته بهذا اللفظ أم لا؟


الجواب: إن هذا لا من لفظ الطلاق إلا إن نوى به فيكون من الكناية عنه وتطلق زوجته إذا صح أنه نوى به بإقرار منه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في رجل قال لزوجته: مفارقة فلانة بنت فلان مفارقة فلانة بنت فلان مفارقة فلانة بنت فلان ثم سكت أو تكلك بشيء من الكلام ثم رجع وقال: مفارقة فلانة بنت فلان مفارقة فلانة بنت فلان، أيجوز له أن يرددها ويراجعها على طلاقه هذا أم لا؟

الجواب: إذا أراد بكل واحدة من هذه الألفاظ طلاقاً جديداً لا إخباراً عن الطلاق الأول وتأكيداً فالطلاق يتبع الطلاق، حتى يخرج بالثلاث إن كان قد دخل بها.

وإن كان أراد بلفظ الباقي بعد اللفظ الأول تأكيداً للأول ولا طلاقاً جديداً فيكون الطلاق فيما بينه وبين الله واحدة ولها أن تصدقه على ذلك إن كان عندها ثقة وإن كان لم تحضره في ذلك نية إلا أنه أراد بالفراق معنى الطلاق فأحب إليَّ أن يتركها، والله أعلم فلينظر في ذلك ثم لا يؤخذ منه إلا الحق.



جـ «11» (122)


وما تقول في المرأة المطلقة إذا انقطع عنها الحيض وهي بنت أربعين سنة أو خمسين سنة أو ثلاثين سنة وأرادت أن تتزوج ولم تبلغ الحد الذي حدوه للمؤيسات أيجوز لها ذلك أم لا؟


الجواب: إن كانت من قبل حاضت ولو مرة واحدة فالذي يدل عليه التنزيل أن عدتها لا تنقضي بمرور الأيام حتى تحيض ثلاث مرات أو تبلغ حد الإياس من المحيض فتعتد بالأشهر ولعله قد قيل بأرخص من ذلك، ولكنه ليس بمشهور عند المشهور، والله أعلم، من أخيك الفقير سلطان بن محمد.


ومن جواب عنه: إن المرأة إذا كانت على السن المذكور وقد انقطع عنها الحيض فلم يأتها إلا بالعلاج من الأدوية أو الكتابة ففي انقضاء العدة به اختلاف على ما يوجد في ذلك من الشيخ ابن عبيدان.

وحكي أن أكثر القول أن العدة تنقضي به وفيما عندي أنه كذلك، والله أعلم، فانظر في جميع ذلك ثم لا تأخذ منه إلا الحق.


جـ «11» (154-155)


ما تقول في رجل ذي يسرة عنده ولد أعمى والولد بالغ الحلم لا مال له أعلى الوالد له شيء إذا أراد منه لقوام معيشته وكسوته أم لا؟

وإن كان له عليه ما الذي له بيّن لي ذلك وأنت المأجور.


الجواب: إن كان ولده أعمى فقيراً وعاجزاً عن الكسب لقوته وكسوته وأبوه في سعة من المال فليزمه عوله على هذا الحال.

فإن قاته وكساه فذلك هو الذي عليه وإلا فيفرض عليه لكل يوم ربع الصاع الشرعي من الحب، ومن عمان من التمر وقدر بيسة صفر لإدامه وله من الكسوة ما يقيه من البرد والحر، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: والمملوك إذا تزوج معتوقة وأتت منه بأولاد أيكونون لسيّد العبد تبعاً لأبيهم أم يكونون أحراراً تبعاً لأمهم.


الجواب: إنهم تبعٌ لأمهم في التحرير فهم أحرار بلا خلاف نعلمه، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وأما التي ولدت لأقل من سنة أشهر منذ دخل بها زوجها فالولد لا يلحقه، وإنما هو ولدها إلا أنه إن كان قد ولدته لأكثر من ستة أشهر مذ صح عند التزويج عليها فيحتمل أن الحمل قد صح بعد العقد فلا يفسخ التزويج لأن في الحمل معنى احتمالات عذر لها فقد يكون الأمر كذلك من غير قصد منها للزنا مثل أن تكون نائمة فينشاها رجل وهي لا تشعر به أو يغلبها رجل على نفسها بالكره أو نحو ذلك مما لها فيه العذر عن الحكم عليها بالزنى ولو كانت متهمة به ولم تأت في حملها بعذر مقبول فعند احتمال العذر لها وصحة احتمال كون الحمل بها من بعد عقد التزويج فأقول إنه لا يفسد التزويج إلا أنه إن كان لما دخل بها تبين حملها ووطئها وهو يعرفها أنها حامل من غيره، فالله أعلم، وتحتاج في ذلك زيادة مطالعة من الأثر.

وإن كان قد دخل بها ولم يعلم بها حملاً من غيره وإنما تبين له بعد الوضع به أنه قد دخل بها وهي حامل لأجل أنها ولدت لأقل من ستة أشهر مذ دخل بها فأرجو على هذا أنها لا تحرم عليه وبعزلتها مدة نفاسها، والله أعلم، فانظر في ذلك ثم لا تأخذ من ذلك إلا الحق.


* مسألة: ومنه: قلت له: إن كانت والدتي تكره خروجي عنها هل يجوز لي الخروج بغير رضاها؟

قال: إن كان خروجك لطلب العلم وتعليم دينك وهي غير مضطرة إلى القيام وعندها ما يكفيها لمؤنتها ومعاناتها فلا يبين لي عليك حرج في ذلك إن شاء الله.





جـ «11» (180-181)


* مسألة: وما تقول في المرأة إذا كانت تمكث أيام حيضها ثلاثا فجاءها الحيض فمكثت أربعا ثم جاءت فمكثت خمسا ثم جاءها فمكثت ستا أتنتقل إلى الأربع أم هذه إثابة مترددة وتنتقل عن الثلاث؟ بين لي ذلك وأنت المأجور.


الجواب: إنها لا تنتقل عن الثلاث حتى تتم لها في كل واحدة من هذه الزيادات أربع مرات وتنتقل إلى ما يكون فيها من أربع مرات في المرة الرابعة أتنتقل أولاً إلى أربعة أيام إذا تم لها كذلك أربع مرات ثم تنتقل إلى خمسة أيام إذا تمت كذلك أربع مرات ثم تنتقل إلى ستة أيام إذا تمت بذلك أربع مرات فهذه قاعدة الانتقال على مذهب من يراه ولعله هو أكثر القول والمعمول به عندنا، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفي المستحاضة إذا لم تغسل بشرتها ورأسها للصلاة ولجماع زوجها إلا غسلها النجاسة عينها أترى لها رخصة في ذلك أم لا؟
وإن فعلت ذلك ما عليها؟


الجواب: إن المشهور معهم والمعمول به قديماً وحديثاً أن يكون غسلها من الاستحاضة كغسلها من الحيض إلا على رأي قليل شاذ يدل على إجازة اقتصارها على غسل الأذى، وبه تكون الرخصة فيما مضى وتصلح ما يستقبل، والله أعلم.


ومن جواب عنه أيضاً: إن الصفرة في أيام الحيض حيض، وإن الصفرة إذا لم يتقدمها الدم فليست بحيض إن الكلامين المذكورين في ذلك كلامهما صحيح لا تنافي بينهما والمعنى في ذلك أن الأيام لا تكون أيام حيض للمرأة حتى يظهر فيها الدم من بعد طهر عشرة أيام فتكون الصفرة من بعد تقدم الدم في الأيام التي صارت عادة الأيام حيضها حيضاً أي لا يلزمها الغسل والصلاة عند وجود الصفرة في أيام الحيض ولو انقطع الدم، حتى ترى في تلك الأيام طهراً بيناً لا صفرة فيه، ولا كُدرة فلزمها الغسل والصلاة ولو لم تنقض أيام عدتها إلا الجماع، فظهر بما ذكرنا من ذلك أن الصفرة لا تكون حيضاً حتى يتقدمها الدم وما لم يتقدمها الدم فلا حكم لها فافهم ذلك، والله أعلم.


جـ «11» (247-248)


* مسألة: نسألك شيخنا فيمن رأى سِقط نار ولم يُر أنه خرج منها ولا ما صار عليه فيها، فلما خمدت طلب فلم يُر له فيها شيء يستدل به أبداً أيكون حكمه الحياة أم الموت على هذه الصفة عند أهل المعرفة؟


الجواب: إن المفقود في عرف الشريعة مع فقهائنا كل من وقع من بني آدم في شيء مخطر محتمل لنجاة الواقع فيه وهلاكه به ثم لم يصح عليه أحد الأمرين فعلى معنى ذلك فإن كان الساقط في هذه النار محتملاً سقوطه فيها للأمرين ثم جهل خبره فهو المفقود ولو ترجح فيه أخدهما.

وإن كان سقوطه لا يحتمل سلامته من هلاكه بها لوجودها ما يدل عليه من ذلك على إحاطة الحاضرين عنده بمكان النار بحيث لا يمكن له منها الانقلاب فهو عندي بذلك على حكم الممات.

وإن كان مولانا الجليل قد قضى بالنجاة من نار نمرود اللعين لأبينا إبراهيم الخليل فذلك من كرامات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كما وقع لموسى وعيسى عليهما السلام من المعجزات الخارقة للعادات فلا عبرة بها في غيرهم إن صح ما أرجوه في ذلك وإلا بالرجوع إلى الحق أولى وأحق، والله أعلم.


جـ «11» (271-272)


* مسألة: وفيمن احتسب في مال اليتيم فقبض الدراهم وصرف المئات الذي عليه الضياع من خصب وعبيد وأثمار وبقيت الأصائل وأراد الخروج من قبض الأصائل والعبيد فما وجه المخرج من ذلك أيسعه الخروج أم لا؟


الجواب: قال الله تعالى : وأن تقوموا لليتامى بالقسط ، فهذا الرجل إن كان من جملة المخالطين بذلك لقدرته عليهم ، وعدم المانع له منه فلا يسعه التضييع ما قد خوطب به من القيام بمال هؤلاء الأيتام إلا ما يحصل القيام فيه عن تركه له من غيره من ثقات المسلمين ، أو يكون في حد العجز عن القيام به فهو المعذور في الحالين جميعا ، قال الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، والله أعلم .


* مسألة: وعنه: وفي وكيل اليتيم إذا أراد الخروج من مال اليتيم ولم يحضر جماعة المسلمين فيشهدهم على ذلك وخرج من الأصائل إلى رأيه وبقيت عنده دراهم اليتيم ماذا عليه؟


الجواب: إن كان يجد من يصح له القيام على مال الأيتام شرعاً بحاكم عدل أو جماعة من المسلمين فلا يخرج من ذلك إلا عندهم لأن في خروجه عنه من حيث لا يعلمون تضييعاً لمال اليتيم.

وأما إن كان عاجزاً عن القيام به أو له عذر بوجه من الوجوه الحق المحتمل إعلامه لهم شبيه بالإغراء لهم على التعرض لهم فالسكوت أولى به إذا كانت الحال كذلك، وذلك في الأصول ونحوها لإيماء ما أراد ما قد قبضه من ذلك بيده من الدراهم فلم أنه لا خلاص له منه إلا بوسعه في محله، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: وما تقول في الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم هل يجوز لأحد أن يأمر عليهم بشيء من قضاء حوائجهم بغير إذن آبائهم أم لا؟


الجواب: أما الأمر على الصبيان بشيء من الأعمال فلا يجوز في الحكم إلا برأي آبائهم وترك التعرض لهم بذلك أولى إلا أن يكون من مصالحهم، والله أعلم.





جـ «11» (292-293)


* مسألة: وفي رجل ملك وترك مالاً وأولاداً أيتاماً وبالغين وقسموا ما تركه هالكهم من مال أو غيره قبل بلوغ الأيتام بغير وكيل ثقة يقاسم للأيتام ثم إن الأولاد البالغين أحرز كل واحد منهم سهمه وسهم خليصه من الأيتام أو كان غير خليصه وكان في الأولاد البالغين رجل منهم في ظاهره أمين يتسمى بالدين، فهل تجوز مبايعته وشراء ما في يده وما عنده وأكل طعامه وواسع في أحكام الله تعالى جميع ما عنده وفي يده يصح أنه بعينه من تركه الهالك أو من مال الأيتام؟

وهل قيل في هذا وما أشبهه أن التنزه عنه أحسن والأخذ بالحكم أوسع لمن احتاج إليه.


قلت: أرأيت إن كان هذا الرجل ظالماً لا يترقى في الدخول في الشبهات وقد استولى على مال الأيتام أو ما أشبهه من مال الأوقاف والأفلاج وكان معه في ملكه غير تلك الأماكن المذكورات وتكون أحكامه كما في أيدي السلاطين الجور حتى يصح أنه مغصوب أم هذه المسألة أرخص من تلك أم مثلها أم أشدّ منها؟


الجواب: إن ظاهر الحكم يقضي بما في يد الرجلين بما لا دليل فيه على مالكيه غير حجة أنه لهما فيجوز في الحكم فيه لمن لم يصح معه غير ذلك جميع ما يجوز منهما في ملكهما غير أن الثاني المشهور في أموره الذي لا يبالي بالدخول في محجوره، وكان في يده ما يأكله بالباطل من مال غيره، ول يكن له مال ولا حرفة غير ذلك المال المأكول بالباطل، فهذا موضع الاحتمال لكون ما في يده ملكاً له حتى يصح أنه مما في يده لغيره من المال والورع واجتناب معاملته في ذلك لاسيما إذا غلب الحلال الحرام، ومن تمسك في ذلك بالحكم لم يكن من الضلال، والله أعلم.



جـ «12» (20-22)


* مسألة: وسئل هل للمرأة أن تعطي زوجها صداقها الآجل عطية ماضية في حياتها قبل مماتها؟


الجواب: يجوز لها أن تعطيه وتبرئه منه ولا عليها بأس إن شاء الله.

وعطيتها لزوجها في حياتاه إن كانت العطية من ضمان أو من غير ضمان.

ويجوز لمن تشهده هذه المرأة التي تبرئ زوجها من صداقها ولا في شهادته عليها بأس بذلك ولا عليها هي إن شاء الله.


* مسألة: وعنه: وفيمن عنده أولاد رجال ونساء فهل يجوز له أن يعطي من ماله أحداً من أولاده أو أولاد أولاده في حياته وبعد مماته؟ أم لا يجوز له ذلك؟


الجواب: أما عطية الوالد ففي الأثر أنها تجوز إذا جعلها بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين وإن خص بها البعض فلا تجوز.

وأما عطية ولد ولده ففي قول من يجعل ماله لأبيه فكذلك أيضاً لا تجوز إلا على نحو ما ذكرناه.

وعلى قول من لا يجعله فيجوز لهم والخروج من الشبهة أولى، والله أعلم.

* مسألة: وعنه: فيمن قبض شيئاً من الكتب أو المصاحف من يد رجل جاهل أمره لا يعرفه أميناً ولا خائناً فأقر القابض بعدما صارت في يده أنها لغيره أو موقوفات والقابض لم يصح معه أنها لغيره إلا من قول المقبض.

أرأيت إن كان فيهن كتابة وقف ولم يصح معه أنها ثابتة مع العارفين ويثبتون توقيف الكتب بتلك الكتابة؟ أم لا يجوز لهذا القابض تقبيض اليد التي قبض منها؟ أم كيف يصنع في الخلاص؟


الجواب: إن إقرار القبول منه في يده حجة عليه ولكن في الرخصة قد قيل بجواز رد ذلك إذا كان القبض منه، والله أعلم.





جـ «12» (52-57)


وبعد شيخنا فقد وصلت عندي امرأة غنية تريد مني أن أكتب عليها لولدها تسعة قروش فضة وأن أكتب لولديها بيتها الذي تسكنه وهو يساوي قدر خمسين أو ستين قرشاً ولها من الورثة زوج وهذان الولدان لا غير إلا أن الزوج ليس بأبي الولدين ويذكر أن هذا ليس حيفاً وألا أثره بل إن زوجها هذا قد اختار مالها من سنين وصار يستغله ولا يعطيها من غلته حتى كسوتها هذا وجه أول.

ووجه ثان: أنها طلقت عنه أعني زوجها هذا صداقها الآجل، وهو خمسون قرشاً إن ماتت قبله، وفي بلدنا هذا يكتبون ذلك ويثبتونه إلا القليل.

وإذا فكرنا في هذا البيت وجعلناه على أوفر القيمتين بستين قرشاً يكون له عنه الربع خمسة عشر قرشاً وقد أعلنت عنه خمسين.

ووجه ثالث: أن أم هذه المرأة أوصت لهذين الولدين وهما ابنا ابنتهما بعابية وأثر ماء من فلح اللمكي وكذلك العابية من سقى ثمن جملة الموصى لهما به يوم ماتت الجدة لعله قدر

خمسين أو ستين قرشاً، فأما اليوم فربما يكون قدر مائة قرش فلم يثبت شريك هذه المرأة القاسم لها في مال أمها بالنصف جميع الموصى بل أثبت نصفه وصار معها من الموصى به نصف النصف وهو الربع، وكأنها غير مستطيبة ما صار عندها منه، وتريد أن تكتب لها البيت عوضاً عن هذا، ومن أجل تلك الوجوه الأوائل ولابد أن يكون لخوف من الزوج أن يكابدها ويقاسمها ويضارهما في البيت إن صار له فيه نصيب فلم أجسر شيخنا أن أكتب هذا البيت حتى أسألك وأشاورك فتدبر سيدنا في هذا السؤال وأمعن النظر فيه وأفتني على حسب ما يبين لك فيه، وتسعة القروش اللواتي تريد أن أكتبها عليها فاتهم أخاه بذلك فخاصمه ونازعه فيها حتى كادا يتضاربان بالسلاح فأصلحت الأم هذه بينهما على أن تكتب المسروق تسعة قروش يستحقهن بعد موتها فكتب ثم رأت بعد ذلك أن هذا ليس بلازم عليها، وأن عليها أن تكتب لأخيه تسعة عوض ما كتبت له وأمرتني أن أكتب الورقتين فهل يجوز لي سيدي ذلك؟

وإن كان يجوز أكتبه إقراراً أم وصية أم كما تأمرني هي؟ أفتني في الثلاثة الوجوه كما أظنه وأرجو جواب الثلاثة التعاريف الأولية وجواب هذا ولا أهوى أن أنكد عليك لكن لقلة الإفاقة للمطالعة وعدم الكتب الواسعة فلتكن نفسك في الثواب على الجواب راغبة وطامعة.


الجواب: أما كتابة الدراهم لولدها على المعنى المذكور هنا فلم يبن لي جوازها لأنها لا تخلو من أحد ثلاثة وجوه: إما أن تكتب أنها أعطته إياها فيكون من الكذب وإما أن تقر له بها عليها فيكون الأمر كذلك أيضاً.

وإما أن تكون وصية ولها وجهان أن تكون من ضمان عليها له فيلزم المحذور من الكذب مع كونه الإرادة له إياها بعد موتها من مالها من المحجور أو تكون وصية مطلقة ولا وصية لوارث فامتنعن المسألة على جميع هذه الوجوه، إن صح ما فيها أرجوه، والله أعلم.

وأما كتابة بيتها للولدين فإن كان ذلك على وجه العطية منهما لهما فيجوز بلا ضمان إذا لم تكن في نيتها حرمان وزجها أن يرث منه شيئاً فيما بينها وبين الله لا في أحكام الظاهر عند الكاتب، إذا لم يصح عنده ذلك، ولكن ثبوت العطية يحتاج إلى إحراز كما هو معلوم، وإن كانت الكتابة على وجه الوصية فلا يجوز إلا بحق عليها لهما ولا يبين لي في الوجوه المذكورة ثبوت ضمان عليها لهما بذلك.

وما كتبته لزوجها من برآنه من صداقها إن ماتت قبله فإن كان من ضمان لزمها فلا عوض عليها بذلك لولديها.

وإن كان بلا ضمان فيلزمها أن تتوب وترجع من ذلك ولا ندري ماذا يكون من ذلك بعد موتها حتى تقطع بتعويض أولادها عن حقهم منه، ولا تدري أيضاً عن الحقيقة من برئها لأنه يمكن في الكون أن يكون من خلاف في يرثها في الحكم.
وأما ما شكت فيه من إبطال الوصية لهما من موروثها فلتعرضه على المسلمين فإن ألزموها إياها أدته على وجهه وإما فلا وصية لوارث، والله أعلم.

فانظر أيها الولد في جميع ذلك ثم لا تأخذ منه إلا الحق، من الوالد المحب الفقير إلى الله سلطان بن محمد بيده.


* مسألة: وعنه أيضاً: إذا وجد في صندوق الهالك مصحف أو كتاب أثر مكتبو فيه بخط إنسان آخر عن صاحب الصندوق أنه قد وقف هذا المصحف فلان بن فلان ما يصير ذلك المصحف للواقف أم لصاحب الصندوق أم المكتوب بخطه أنه قد وقفه.


الجواب: إن حكم ما في الصندوق لصاحبه ولا يزيل حكم ملكه في الظاهر تلك الكتابة وحدها إلا أن يعضدها ما يكون من الشهادة المقبولة شرعاً، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن وجد بخط هالك في دفتره مكتوب لإنسان خمسمائة قرش فضة من ضمان لزمه له ومكتوب في الدفتر: الله الله يا أخي فلان بن فلان قبض المذكور خمسمائة قرش فضة فلان بن فلان كتبه فلان بن فلان وأشهد الهالك على ذلك رجلاً، أيسع للرجل إذا كان عارفاً خط الهالك وشهد عنده الشاهد أن يقبض الدراهم المكتوبة له أم لا يسعه ذلك؟


الجواب: أحب له السلامة من الدخول في ذلك، إذا كان في الورقة من لا يملك أمره من الأيتام ونحوهم إلا أن يشهد على ذلك شاهدان من عدول المسلمين فيجوز له حينئذ أن ينفذ عن الهالك من ماله ما يشهدان به من ذلك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن وجد صرة ذهب أو فضة في مندوس هالك مكتوب فيها: هذا مال فلان بن فلان وفلان بن فلان كتبه الهالك فلان بن فلان أيكون للهالك أم للذي كتب له الصرة؟


الجواب: حكم لصاحب المندوس حتى يشهد على ما في تلك الكتابة شاهدان من عدول المسلمين، وعند عدم الشهادة المذكورة فلا يجوز التصرف في مال الغير لأجل تلك الكتابة وحدها، والله أعلم.



* مسألة: وعنه: وأما ما ذكرت من قضية كتابة الورقة لامرأة لابن أخيها فإن كانت الكتابة قد صح عنها اللفظ المقتضي من المعنى الذي أرادته من عطية أو إقرار أو وصية وكان خصم المكتوب له مقراً بذلك أو منكراً له وقامت عليه البينة به فتثبت العطية بشرط الإحراز ويثبت الإقرار في حياة المقر والمقر له ومماتهما وتثبت العطية المطلقة بعد موت الموصى بها لغير وارثه من ثلث ماله، والمقيدة بحق عليه للموصى له من رأس ماله كان وارثاً أو غير وارث.

وإذا تجردت الكتابة عن اللفظ المذكور وكانت بخط غير المكتوب عليه فما هي إلا صورة لا حياة لها.

وإن كانت بخطه من غير الخصمين أو قامت الحجة به أنه بخطه فعندي أنه يخرج في ثبوت ذلك المكتوب معنى الاختلاف ما في الكتاب أنه كلام أم لا، وعلى تقدير ثبوت الكتابة وبطلانها فيعم كل واحد منهما المالين جميعاً إلا أن تقوم الحجة في موضع ثبوت الكتابة على إرادة أحد المالين، والله أعلم.




جـ «12» (174-175)


* مسألة: وفيمن أوصى بدراهم لمن يغسل الميت ويحفر قبره وحفر القبر واحد وغسله واحد، ألهما الأجرة أم لمن يغسله ويحفر قبره؟ أم ترجع الوصية للورثة، بين لنا ذلك؟


الجواب: على معنى هذا اللفظ الذي فيه عطف الصلة على معنى الصلة الموصول واحد فلا تكون الوصية المذكورة إلا لمن يجمع بين الصفتين وهما الغسل والحفر لا لمن ينفرد بإحداهما، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وما تقول في امرأة أرادت مني أن أكتب عليها شهادة في مكتوب مما يوجد بخط الشيخ سيف بن خلفان كتبت فيه لأخيها بعد موتها ثلث مالها من بعد إنفاذ الوصية فهل واسع لي أن أكتب شهادتي في هذا المكتوب على هذه الصفة أم لا؟


الجواب: لا تجوز الوصية بثلث مالها بلا حق، ولا ضمان إلا أن تكون وصيتها الباقية تخرج منه فيكون الثلث للجميع، وإذا كان كذلك فهي جائزة.






جـ «12» (207-209)


أوصت الوالدة نبيهة بنت سلطان بن محمد البطاشية بما تحتاج لنفسها من مالها بعد موتها من جميع جهاز الموتى إلى أن تدفن في قبرها.

وبتمر وحلاء أو إدام وخلاء من مالها على رأي وصيها ليأكله من شاء الله من الناس الراجعين من دفنها.
وبعباسية غوازي صفر من مالها لمن يغسلها بعد موتها غسل الموتى.
وبثلاث محمديات غوازي صفر من مالها لمن يحفر لها قبراً تدفن فيه بعد موتها.
وبثلاث محمديات غوازي صفر من مالها يشترى بهن خل ليغسل به من شاء الله من النساء يوم الغسل من عزائها.

وقرش أفرنسيسي فضة من مالها لأقربائها الذين لا يرثونها.

وبخمس كفارات صولات كل كفارة منهن إطعام ستين مسكيناً ينفذن عنها من مالها على رأي وصيها.

وأجرة من يصوم عنها بعد موتها خمسة أشهر زماناً بدلاً لما لزمها بدله من صيام شهر رمضان.
وبإنفاذ هذه الأجرة من مالها على رأي وصيها.

ونخلتي برني من مالها المسمى الهناية من سقي فلج السباح من قرية إحدى بحدودهما وحقوقهما وبشربهما من الماء المعتاد لسنيهما من هذا الفلج ليفطر بغلهما من شاء الله من صائمي شهر رمضان وقفاً مؤبداً إلى يوم القيامة.

ومحمدية غوازي صفر من مالها لإصلاح فلج السباح من قرية إحدى من ضمان لزمها منه.

وبقرش إفرنسيسي فضة من مالها لمن يقوم بها في مرضها الذي يكون سبباً لموتها.

وبعشر محمديات غوازي صفر من مالها لفقراء المسلمين من ضمان لزمها الإيصاء به إليهم.

وبيتها المبني بالحجارة والطين الآيل إليها من الهالك عبدالرحمن بن بلعرب بن محمد البطاشي من حجرة قرية إحدى بما فيه لابنتيهما: نضيرة ومنى ابنتي عبدالرحمن بن محمد من ضمان لزمها لهما.

وبنصف قرش أفرنسيسي فضة من مالها لخفيه بنت ربيعة بن محمد وسالمة بنت هدى بن صلت البطاشيتين من ضمان لزمنها لهما.

وبنصف قرش أفرنسيسي فضة من مالها لشنونة بنت عدي بن بركات البطاشية من ضمان لزمها لها.

وبعباسية غوازي صفر من مالها لعبيدة بنت سرور وابنتها عيدرة بنت سنجور من ضمان لزمها لهما.

وقرش أفرنسيسي فضة من مالها لإخوتها من أبيها من ضمان لزمها لهم.

وبأن يشترى من مالها على رأي وصيها رحى حجر طفان ليستعملها للطحن من شاء الله من الناس ابتغاء ما عند الله من الثواب.

وبنخلة مهلبي من مالها المسمى الهناية من سقى فلج السباح من قرية إحدى بحدودها وحقوقها وشربها من الماء المعتاد لسقيها من ماء هذا الفلج لتنفذ غلتها في إصلاح هذه الرحى المقدم ذكرها هنا وفي إبدال ما لا يمكن استعماله للطحن من طرفيها طرفاً بعد طرف وقفاً مؤبداً إلى يوم القيامة.

وقد جعلت الوالدة نبيهة المقدم ذكرها هنا ابنتيها: نضيرة ومنى وصييها بعد موتها في قضاء دينها واقتضاء ديونها وإنفاذ وصاياها من مالها.

وأوصت لهما بعشرين محمدية فضة من مالها أجرة لهما على قيامهما بإنفاذ ما أوصت به إليهما.

أوصت الوالدة نبيهة هذه بقضاء وإنفاذ جميع المكتوب عليها هنا من مالها بعد موتها على رأي وصيها.

ولا يؤخذ بشيء مما كتبته هنا حتى يصح صوابه عند من أبصره بتاريخ ضحى اليوم الحادي عشر من شهر ذي القعدة من سنة 1239من الهجرة، وكتبه الفقير إلى الله تعالى سلطان بن محمد بن صلت البطاشي بيده.




جـ «12» (245-249)


* مسألة: وفي إنفاذ الوصايا إذا كان الكاتب غير عدل ولم يحمله إمام عدل أيجوز إنفاذ الوصايا والحقوق على الاطمئنانة؟

وإذا أنفذ أحد على هذه الصفة أيكون ضامناً أم لا؟

قال: فإذا كان ليس بعدل ولم تقم حجة حق فأين موضع الاطمئنانة تكون؟ إني لا أرى ذلك.
وإذا كان كذلك فلزوم الضمان له فيما أنفذه من مال الغير على هذا لا عن رضى جائز أولى به فيما أرى، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: سئل عمن أوصى بوصايا وأقر بدين عليه ومات على غير وصي له هل لمن هو ثقة من المسلمين في حينه أن يحتسب في إنفاذ وصاياه وقضاء دينه؟


قال: ففي الأثر من قول الشيخ أبي سعيد رحمه الله أن بعضاً أجازه.

وفي قول آخر: لا يجوز وإنه لهو الأكثر.


قال: فإن عارضه أحد من الثقات في دين الله محتسباً أيضاًّ وأراد منه أن يرجع فيما أخرجه من ماله فأنفذه في موضعه الذي له أيلزمه ذلك أو لا فيما أمضى.


قال: نعم على قول من لم يجز لا لقيامه عليه ولكي لما به في هذا الرأي من مانع لحرامه.


وعلى قول من أجازه فلا لجوازه له إلا أن يكون للمعارض في احتسباه حجة لا تدفع فيحكم عليه من لا مخرج له عن طاعته بالرد.


قلت له: فإن كان هذا المحتسب الداخل في هذه الوصية غير ثقة أيكون لي ما به من الاختلاف في الثقة وإن لم تكن له أمانة؟


قال: نعم في الواسع لا الحكم، فإنه لا يجوز حتى يصح في إنفاذه أنه أتاه على وجهه فيما أجازه وإلا فهو المأخوذ فيه على حال بضمانه.


قلت له: فإن كان الثقة في إنفاذه لذلك على هذا من مال الهالك قد تمسك برأي من أجازه والمعارض له أخذ برأي من لم يجزه في موضع ثبوته.


قال: فيجوز للحاكم أو من يجعله من أهل الثقة.


وعلى قول آخر: أو ما دونه من ذوي الأمانة منهم فيجيزه له فإن لم يكن فالصالحون من الجماعة أو من يقومونه.

وإن أنفذها غيرهم جاز له عن رأيه لدخوله في عموم من قد جعله أولاً يجوز إلا برأي الكل فيمنع عن رأى من المسلمين أهل الثقة والأمانة في ظاهر ما لهم من حكم في العدل.

وعلى هذا إن لو صح فمتى يمكن على قياده أن يكون في يوم ولا شك فيه أنه من الممتنع على من لزمه فأتى يجوز أن يعد في الحق رأياً إني لا أدريه فأدل عليه لظهور فساده.


* مسألة: ومن غيره. وفي معدوم البصر:

هل يكون وصياً ويكون جائز الإنفاذ لما أوصى إليه كالبصير من قضاء دين أو اقتضاء ديون وإنفاذ وصية أم لا؟


نعم يجوز أن يكون وصياً فيجوز له الإنفاذ لما صح وثبت وكان هو الوصي والاطمئنانة حجة في مثل هذا ما لم يعارضها ما يمنع من جوازها، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وأما الوصية إذا لم تصح بشاهدي عدل أو خط العدل على قول من أجاز خط العدل من المسلمين فلا يلزم الوصي إنفاذها.

وإن أراد أن ينفذ ما قدر عليه برضى الورثة إذا كانوا ممن يجوز رضاه في ذلك فجائز وما أراد تركه فله؟


قال الشيخ جاعد بن خميس: هكذا يبين لي في هذا وعندي أنه صحيح.

وفي جواز إنفاذ ما صح معه بعلمه اختلاف في القول بالرأي وما أوصى به عليه وحده فجائز على قول من لم يكن له هنالك معارض فيه بالحق، يكون له الحجة عليه بالمنع حتى تقوم به الحجة، وإلا فهو على المنع وعليه في الظاهر أن يمتنع ويجوز له في السر إنفاذه إن قدر على سره على قول من أجاز له ذلك في الأصل وخط الموصى مثل خط العدل على الأصح إن لم يكن أثبت وأصح، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن عليه حقوق الناس فأوصى بها عند رجل بلفظ ثابت وجعله وصية في إنفاذ ما أوصى به أيجوز للوصي أن ينفذ ما أوصى به هذا الرجل علانية أم لا؟

أرأيت إن وجدت هذه الحقوق بخط الموصى أو بخط غيره ما القول في ذلك إذا كان الورثة أيتاماً أو بالغين أو غائبين لكنهم أنكروا هذه الحقوق؟


قال: لا أعلم أنه يمنع من إنفاذها علانية ما لم يعارضه هنالك معارض تكون له الحجة بالمنع عليه ولا فرق بين خط الموصي وغيره من الكتاب بين المسلمين بالعدل على أصح ما قيل.

ويعجبني لكثرة ما جاء فيه من الاختلاف أن لا ينفذ من المكتوب شيئاً إذا كان الآمر فيه على ما ذكرته حتى يصح بغيره، والله أعلم.


* مسألة: وفي الوصي إذا كان الموصي قد أوصى بكذا قرشاً لليتيم فأخرجها الموصي من مال الهالك أتصير في يديه أمانة أم مضمونة؟

وإذا أراد أن يشتري بهذه القروش أصلاً أو خياراً على رأي من أجاز ذلك أيبرأ أم يحتاج أن يقبض ذلك ثقة ثم يرجعهن إليه وبعد ذلك تصير أمانة؟ تفضل بتصريح ذلك.


الجواب: فالذي يظهر في هذا أنها تكون في يده أمانة من مال الموصي لا ضمانة عليه، ولا هي من مال اليتيم حتى ينفذها الوصي فيما يكون خلاصاً للوصي أو يضيعها فتكون مضمونة عليه أو يدفعها إلى إمام أو حاكم عدل أو جماعة المسلمين أو من يقوم في ذلك مقامه أو من يكون من وصي جائز للوصاية أو وكيل صحيح للوكالة أو ولي ثقة لليتيم محتسب.

ولابد من الترتيب على ما يوجبه الحق في كل منهم فترد إليه أمانة فتكون حينئذ أمانة لليتيم في يده.

وإذا لم يجد لإنفاذها فيه مخالفاً احتسب له بأمر الحاكم أو الجماعة أو مشاورة من قدر عليه من أهل العلم والفضل جاز له في الواسع لا في الحكم على نظر الصلاح لمن قدر عليه ولا يحتاج في هذا إلى تقبيض الثقة دراهم اليتيم للشراء بها إن كان هو المحتسب له غيره جاز له الوجهان في حق الثقة دفعها إليه وإلى البائع مع شهادة العدول به لليتيم، والله أعلم.




جـ «12» (257-258)


إني وجدت في الآثار اختلافاً في قطع وصية الأقربين فقال من قال من أهل العلم: قطعها على ثلث درهم وربع درهم.

وقال من قال: على دانقين.

وقال من قال: على دانق ونصف.

وقال من قال: على دانق.

ومنهم من يقطعها على نصف صدية.

ومنهم من لا يقسمها إلا على أربع درجات.

ومنهم من يقسمها ما صح النسب.

وأنا لست ممن يعدل آراء المسلمين لقلة علمي وركاكة فهمي وتفضل بيّن لي الصدية ما صفته؟ وما هي؟

وكذلك بيّن لي ثمن الفضة: الفضة الخلاص أم فضة الجراز مثل الفرش.


الجواب: إنا نعمل في قطع وصية الأقربين على أقل ما قيل فيه وهو دانق ونصف هو سدس الدرهم وقد حَلا في أنفسنا تفريط من لا ينوبه منهم قدر ثلث إذا لم نجد للقطع على أكثر من ذلك حجة لا تسع مجاوزتها، ولعل كل قائل منهم قد اجتهد فيما قال من ذلك بمبلغ علمه وكلهم على صواب وقد اختلفوا، وأما الصدية فأرجو أنها الشاخة.

وعندي أن المراد بها هنا شاخة الفضة وهي ربع مثقال فنصفها يكون ثمن مثقال وهو الدانق متقاربان في القدر.

والفضة التي تكون منها الدرهم أو الصدية عندي أنها من الفضة المتوسطة غير المغشوشة.

وأما قسم وصية الأقربين على أربع درجات فلا أحفظه مما قيل به.

وعندي أن اختلافهم على قولين:

أحدهما: أ،ها تقسم على أربعة آباء ولعلهم نسول الأب وهم الإخوة وما تناسلوا ونسول الجد وهم العمومة وما تناسلوا ونسول جد الأب ونسول جد الجد وهكذا من جهة الجدات.

والثاني: أنها تقسم ما صح النسب، والله أعلم.



جـ «13» (13-15)


وفي امرأة أحضرت وراثها وهم أختها لأبويها وبنو أخيها لأبيها وقالت لهم: إن ابن ابنتي إذا مت لا يرثني وأريد أن أحيي له نصف إرث أبيه فما تقولون؟


قالوا: نقول خيراً ورضوا بذلك فأشهدتهم أنها قد أحيت له نصف إرث أمه من غير كتابة بلفظ حسن.

ثم إن المرأة ماتت وسأل الورثة كيف قسمة مال هذه الهالكة بينهم وبين ابنتها؟ أيكون لابن البنت الخمس وللأخت الخمس ولبني الأخ الخمسان أم غير ذلك؟ عرفنا الصواب فيه.


الجواب: أما باب التعويض فأرجو أنك أعرف به مني وأما على لفظك المذكور فكيف ما فعلوا في قسمه على الرضى الجائز من الورثة فهو حسن إن شاء الله تعالى، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: وفيمن تعدى على من يرثه وكان أقوى منه فصرعه وترك فوق بطنه ومرجه مرجاً شديداً حتى كاد تخرج روحه ثم تركه فقام على حال ضرير ذلك الوقت يزوع دماً ويسير من خلفه دماً فمكث بقدر أربعة أيام أو دون العشر فمات لما يكون ميراثه له حلال أم حرام عليه؟


الجواب: إذا كان قد أتى ذلك الحدث الذي تعدى عليه فيه حتى مات من أحله فهو في الحكم قاتله فيما عندي ولا ميراث للقاتل لمن يرثه على وجه الباطل.


* مسألة: وعنه: وفي رجل هلك وترك بنتاً وابنة ابن وثلاث بنات ابن ابن أسفل منهن أيكون السدس لابنة الابن الأولى مع البنت تكلمة الثلاثين تاماً؟ أم يكون ما بقي من نصيب البنت بين بنات الابن وابن الابن جميعاً للذكر مثل حظ الانثيين.


الجواب: عندي أن النصف للبنت والسدس لبنت الابن والباقي بين بنات ابن الابن وابن ابن ابن الابن الأسفل للذكر مثل حظ الأنثيين، والله أعلم.

هذه الجوابات كلها صحيحة خارجة على معاني الحق فيما عندي، والله أعلم.

من الفقير إلى الله سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي.


جـ «13» (17-29)


جواب من شيخنا البطاشي رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بيّن قسم المواريث لأحسن النبيين، وجعل كتابه المبين وسنة رسوله الأمين، وإجماع المسلمين المحققين أصولاً تتفرع عليها أراء أولو الألباب المهتدين، في كل حادثة لم يأت منها نصر مستبين.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله وأصحابه وإخوانه النبيين المرسلين، وطائعي عباد الله أجمعين.

وبعد: فقد وصلني سؤال السابق أيها الشيخ زهير بن فارس بن عدي الفارسي الفنجوي عمن هلك وترك من الورثة أولاد بن ابن وبنت أخيه من الأب والأم.

فأجبتك أن الأولاد بنت الابن نصف ما ترك ولبنت الأخ النصف على تنزيل أولاد بنت الابن منزلة أمهم فيما صح لها في إجماع المسلمين من قيامهما مقام البنت في أخذ النصف مما ترك أبوها.

وعلى تنزيل بنت الأخ من الأبوين منزلة أبيها فيما صح في سنة رسول الله ، وإجماع المسلمين من أخذ النصف الباقية بالعصوبة لأن المسكوت عنه مردوده إلى حكم المنطوق به .

ثم جاءتني من بعد مراجعة بسؤال آخر من الشيخ حميد بن سالم الدرمكي يريد إيضاح الحجة في ذلك ذاكراً أن السلف قالوا: ما دام أحد من الدرجة الأولى فلا حظ هذه لأحد من الدرجة الثنية كأنه يريد أن أولاد بنت الابن من ذوي الدرجة الأولى فلا حظ لهم عندهم، وبنت الأخ لأنه من ذوي الدرجة الثانية في قول أهل التدرج.

فأجبته بكلام حاصله تحريم الإدعاء على السلف بهذه الدعوى، وأوضحت له بيان ما هم عليه في ذلك من الاختلاف بالرأي وظنن أن ذلك لا يخفى عليكم.
وأنا قد أجبتكم بذلك الجواب على علم مني بأن أهل زمانكم إلا قليل منهم على خلافه قولاً وعملاً وحكماً ذاهبين في توريث ذوي المحارم إلى قصر الحكم على القول بالتدريج المذكور في تصنيف الشيخ محمد بن عامر المعولي المسمى بالمهذب المشهور.

وفي الحقيقة أن مسألتكم هذه ليست من غوامض المسائل في المواريث حتى تشتغل بالبحث والكشف عنها، ولكنها من ظواهرها التي ليس فيها من حيرة على أدنى أحد من على أهل البصيرة، إلا أنه لما أطبق أكثر أهل الزمان من مصر عمان على تعلم القسم بين أدنى الأرحام، من الكتاب المذكور الكائن من اسمه في النفس أنه من تسمية الشيء بالعكس لما فيه من قصر الحكم في باب الأرحام على القول بالتدريج وكانوا من القول بما هو أصح منه في أمر مريج، صارت المسألة من أعمض المسائل، وكان البحث والكشف عنها من أعظم الوسائل.

وهانحن نوضح القول في ذلك على حسب ما عرفناه واطلعنا عليه من آثار المسلمين لنخرج من حيز الدين، توجّه إليهم الإبعاد الشديد والإبراق والإرعاد والتهديد، على كتمان العلم عمن يجب إبذاله له من العبيد.

قال الله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ .

وقال رسول الله : ( من كتم علما من أهله ألجم بلجام من النار ) .

ومن أبيات شعر للشافعي :

فمن منح الجهال علماً أضاعه***ومن منع المستوجبين فقد ظـلم


ولأن إيضاح الحجة لمريد سلوك محجة الحق مما تفرق إليه النفوس كما تتوق إلى إبراز المعقول في صورة المحسوس.

حكى جار الله الزمخشري أنه قيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟


فقال: في حجة تتبختر اتضاحاً وفي شبهة تتظالع افتضاحاً فنقول: قال الله تعالى في آيتين: إحداهما في آخر الأنفال والأخرى في أول الأحزاب : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله .

فأولوا اسم لذوا بمعنى صاحب الأرحام من جمع رحم بكسر الحاء وهي قرابة النسب.

فظهر أن أولي الأرحام في المعنى هم أصحاب قرابات النسب وهم الجنس الموضوع لاستغراق أنواع قرابات الأنساب من ذوي السهام والعصبات وغيرهم وهذا هو المراد من الآيتين الكريمتين لأنهما ناسختان لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بأنواع هذه

الجنس، وهم الذين لم يكونوا من ذوي السهام ولا من العصبات وهذا هو المراد من إيراد الكلام في هذا المقام.

وإنما جاز استماع اللفظ الواحد لمعنيين مختلفين لعموم أحدهما وخصوص الآخر لأن اسم الجنس صالح لكله إلى أن يستغرقه بأسره وصالح لأن يراد به بعضه على ما تقرر في كتب المعاني بدليل قوله تعالى : رب العالمين ، وقوله : ليكون للعالمين نذيرا

فلفظ العالمين الأول ، عام يستغرق جميع ما خلق الله تعالى من الأجسام والأعراض ، ولفظ العالمين الثاني ، خصا بالجن والإنس ، وصورة اللفظ بحسب الظاهر واحدة .

فقد تقرر أن أولي الأرحام بالمعنى العام على ثلاثة أقسام: ذوو السهام والعصبات وغيرهم من ذوي القرابات.

فذوو السهام والعصبات قد وقع النص على كيفية توريثهم من الكتب والسنة والإجماع، فوجب التسليم له والاتباع لأن النصر يرقع معه حكم القياس إلا قيلاً من هذين القسمين، جاز عليه الرأي فصح فيه الاختلاف بين الناس وبقي قسم من هذه الأقسام غير منصوص على ما لأصحابه من السهام، وأكثر مسائل الشريعة كذلك، ولا بأس لما في رد المفهوم على حكم المنطوق من زوال الالتباس ولذلك قال الله تعالى : ونزلنا إليك الكتاب تبيانا لكل شيء لأن أحكام السنة والإجماع والقياس خارجة منه ومستندة إليه .

ولما كان أولوا الأرحام الخارجون من حيز ذوي السهام والعصبات مسكوتاً من النص في الأصول الثلاثة على ما لكل منهم من السهام كانت مسائل مواريثهم من مسائل الرأي فاختلف المسلمون في توريثهم على قولين: أحدهما أن توريثهم بالتدريج لهم كتدريج العصبات يجوز كل قريب كانت درجته أقرب إلى الميت جميع ما ترك.

وهذا القول كل ما أرادت الاحتجاج له وبقي الاعوجاج عنه لم أره إلا مغلوباً بالقول الثاني قوة أساسه المحكوم المباني، ولكني ضعيف نور البصيرة.

فالمراد من إخواننا الذين يذهبون إلى الكشف عنه بالحجج المنيرة وإلا فليكن منهم التسليم لأعدلية القول المقصود بمعاني الكتاب الكريم، لأن القرآن في حكم الكتاب والسنة والإجماع غير معتبرة عند وجود الاجتماع من ذوي السهام والعصبات في موضع ما يبقي للعصبات شيء بلا نزاع.

ألا ترى أن العصبات يأخذون ما بقي من ذوي السهام ولو بعدوا عن المواريث بآباء كثيرة ما دام النسب معروفاً في سنته عليه أفضل الصلاة والسلام.

ولا شك أن ذوي السهام والعصبات هم الأصول لأولي الأرحام الذين تعلقوا بهم وهم الفروع لهم فهم إذن مثلهم فيما أفادهم فيه الأثر المنقول.

ومن باب الأولية إلحاق الفرع بالأصل في مثل هذه القضية من أن يكون له حكم آخر على انفراده والله الهادي لمن يشاء من عباده، إلى طريق رشاده.

والقول الثاني: أن توريثهم بالتنزيل لكل واحد منهم منزلة من تعلق به من ذوي سهم أو عصبة.

فمن اختلافهم في ذلك قول الشيخين العلا ومسبح في بنت بنت وعمة: إن لبنت البنت النصف والعمة النصف.

وقول الشيخ أبي المؤثر: إن المال لبنت البنت دون العمة، فانظر إلى اختلافهم في ذلك مع أن بنت البنت من ذوي الدرجة الأولى والعمة من ذوي الدرجة الرابعة في قول أهل التدريج.

وقول الشيخين أبي المؤثر والفضل بن الحواري في بنت بنت وبنت أخ لعله من أبوين أو لأب فإن المال لبنت البنت.

وقول الشيخ أبي عبدالله محمد بن محبوب: إن المال بينهما نصفان فهذا شيء قليل في اختلافهم في ذلك، أو زدناه مثالاً ليعلم الواقف عليه أن العلماء المتقدمين لم يقصروا الحكم في باب الأرحام على القول بالتدريج كما قصره بعض المتأخرين فتلقاه أكثر الناس بالقبول وأنكروا قول من بغيره يقول من التوريث بالتنزيل المشهور له معاني التنزيل وسنة النبي التي تلقاها من الوحي بواسطة الأمين جبريل.

وإجماع أولي الألباب الذين لا يجوز عليهم التضليل فيمن الشهادة على ذلك بمعاني الكتاب والسنة ما قد صح فيهما من النص على سهام الذين تعلقوا بهم من ذوي السهام والعصبات فإن منطوق القسمة بين هؤلاء يفيد مفهوم القسمة بين أولئك.

ومن شهادة الإجماع قول المسلمين: إن كل حادثة عدم نص الحكم عليها من أحد الأصول الثلاثة فإنها تقاس على أقربها إليها وأي شيء أقرب إلى الصواب من تفريع توريث هؤلاء على تأصيل توريث أولئك في نصف الكتاب والسنة وأي داع إلى العدول من هذا الظاهر المكشوف إلى شيء غير مستند إلى شيء معروف.

فإن كان أهل التدريج قاسوا تدريج ذوي السهام والعصبات فكيف يقاسون على أحدهما دون الآخر.

وتدريج العصبات مستفاد من قوله : ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي عصبة ذكر ) ، فصح أن قوله : أولي أفعل تفضيل من الولي وهو القرب ، يكون المعنى فما بقي فلأقرب عصبة ذكر .

ولذلك صح انفراد الأقرب فالأقرب يجتاز جميع الميراث الباقي من ذوي السهام وأولوا الأرحام لا يشبهونهم في ذلك في كل موضع ولكن يشبهونهم في موضع كونهم من نسلهم ولا يشبهونهم في موضع كون بعضهم من نسل ذوي السهام وكون بعضهم من نسل العصبات لأنهم حينئذ فروع لفريقين.

فينبغي أن ينزل كل منهم منزلة أصله الذي تفرع منه، وإن كانوا يقولون: إن تدريجهم مستفاد من قوله تعالى : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، فيقول : قد تقدم منا الكلام في أولي الأرحام المذكورين في الآية ، وأن المراد بهم الجنس العام .

فأنواع ذوي القرابات فيه مستوية الأقدام لأن كون بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ناسخ لما تقدم من الموارثة في صدر الإسلام إلا أنه مبهم فبيّن إبهامه النص المحكم من الكتاب والسنة والإجماع من ذوي السهام والعصبات فارتفع في أكثر مسائلهم النزاع وأهمل ذكر أولي الأرحام الذين هم نواع واحد من أنواع الجنس العام لاندراج أحكام توريثهم في ضمن ما ورد في أولئك من النصوص المصرحة فيهم باشتراك كل منهم في الميراث على وجه مخصوص ولأنهم فروع لهذه الأصول.

والأصل يقاس عليه الأصل ما لم يمنع منه مانع بدليل قاطع في الشرع ولا دليل ثم يمنع من ذلك فينبغي أن يشتركوا في موضع ما يكون آباؤهم وأمهاتهم كذلك.

وكثير من مسائل المواريث وغيرها من الشريعة والعلوم البديعة يقول العلماء فيها بالمفهوم من منطوق ما أشبهها فيتبع منهم الإجماع على أشياء كإجماعهم على أن أولاد البنين وبني البنين وبينهم إلى أن ينقرضوا للذكر مثل حظ الأنثيين.

وعلى أن بني العصبات من الإخوة والأعمام وبني بنيهم وبني بنيهم إلى أن ينقرضوا عصبة منهم مثلهم يأخذون بعد آبائهم الباقي من ذوي السهام ويقع الاختلاف بينهم بالرأي في أشياء لتعدد المفهومات بتعدد النصوص التي تماثل تلك النوازل فيقع التساوي بين الاختلافات في القوة ويقع التفاضل بينهما أخرى.

فإن قلتم: أن تشبيه بنات العصبات من الإخوة والأعمام بآبائهن مدفوع بما جاء منه عليه أفضل الصلاة والسلام من تلك الرواية المأثورة أن المفهوم منهما أن من شرط العصابات المذكور فالمشهور بهم ينبغي أن يكون من الذكور حتى يصح أن ينزلوا منزلتهم في جميع الأمور.

فنقول: إن اندفع في ذلك فما قاله من تشبيه ذوات السهام بأمهاتهم كذلك لأن الأنوثة فيهن شرط لكونهن ذوات السهام وأبنائهن ذكور فلا يشبهونهن لانتفاء الشرط فيقتضي ذلك لانفراد بناتهن بالميراث من أبنائهن لأنهن المشبهات لأمهاتهن فيحصل من ذلك أن الإناث تحجب إخوتهن الذكور عن الميراث فيصبح تفضيل الإناث على الذكران على اختلاف ما أنزل الله في القرآن.

ولكن الحق في هذا أن يقال: إن أنواع أولي الأرحام الذين نحن بصدد ذكرهم في هذا المقام في تشبيههم ذكورهم وإناثهم بآبائهم وأمهاتهن مستوية الأقدام فلا يشبهونهم في جميع الأحوال والأحكام، لأن تشبيههم بهم على الحقيقة قد اندفع ظاهر مفهومه بالدليل القاطع من قول المسلمين ولذلك سقط حظهم عند وجود أحد من ذوي السهام والعصبات ووجود من المشبهين لهم على الحقيقة الذين يسمون باسمهم ويسلكون مسلكهم في كل طريقة.

فظهر بذلك حصول التساوي بين أنواعهم في كونها محجوبة عند وجود أحد ممن يرث بالفرض أو العصوبة.

لما تساووا في اندفاع الأخذ فيهم بظاهر المفهوم من منطوق ما جاء في آبائهم وأمهاتهم فحجبوا عند وجود أحد من هؤلاء المتقدمين ساوينا بينهم في الأخذ فيهم بظاهر المفهوم.

فنزلنا كلاً منهم في منزلة من تعلق به عند ارتفاع المانع من قول المسلمين على أن تشبيه بنات الذكور من العصبات بآبائهن حيث لا مانع منه غير مستبعد ولا منكور فلا يندفع بتلك الرواية.

ولو حكمنا باندفاعه بها لجزنا عن طريق الهداية لأن الحكم بالاندفاع يقتضي أن يقال في أولاد الأخوات من الأبوين وبنات الإخوة من الأب أن الميراث كله للإناث من أولاد الأخوات دون الذكور ودون بنات الإخوة من الأب كأنهن المشبهات في قولكم: لأمهاتهن في الأنوثة فيكن مثلهن ذوات سهام وإخوتهن ذكور فلا يشبهوا بهن أمهاتهن لأن الأنوثة فيهن شرط لكونهن ذوات سهام والمشبه بهن ينبغي أن يكون مثلهن في قولك.

وكذلك بنات الإخوة من الأب يسقط حظهن من الميراث في هذا الموضع من أجل أنهن إناث.

وهل هذا إلا باطل عندنا وعندكم لاتفاقنا وإياكم على الشريك بين أولاد الأخوات ذكورهم وإناثهم ولتنزيل بنات الإخوة من الأب تنزيل آبائهن فيأخذ أولاد الأخوات من الأبوين الثلثين كأمهاتهن وتأخذ بنات الإخوة من الأب الثلث كآبائهن.

وأيضاً فإن الرواية وإن خرجت للنساء عامة من حيز العصبات فهي مخصوصة برواية أخرى في تعصيب الأخوات وتخصيص العام له شهود كثيرة فلا ينكره إلا أعمى البصيرة.

وظهر أن تشبيه النساء بالعصبات حيث لا مانع ليس له من دافعن ولو أرخينا لكم العنان، وجربنا معكم في اندفاع هذا التشبيه الواضح البيان وملنا معكم في الجزم بقصر الحكم على تشبيه الإناث بالإناث والذكور بالذكران، لحصل لنا المطلوب من اندفاع القول بالتدريج، المقتضي للتفريج من كل من به منكوب لأن اللازم لتشبهكم هذا أن توافقونا في بنات البنات وبنات الأخوات من الأبوين أو من الأب فتقولوا: إن لبنات البنات الثلثين ولبنات الأخوات الثلث لاتفاقهن على صحة المشابهة لأمهاتهن في الأنوثة في قولكم.

فلابد لكم من أحد أمرين: إما أن تثبتوا على تشبيهكم فيبطل على قياسه القول بالتدريج.

وإما أن ترجعوا عنه وتقروا أن تشبيهنا أصح منه وكلا الأمرين لنا مفيد، ولدينا مزيد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

فنقول أيضاً إن بنات الإخوة ومن يماثلهن من العصبات من القليل في حقهن أن يقمن مقام آبائهن عند قيام أولاد البنات وأولاد بنات الابن مقام أمهاتهن فإنهن أقرب نسباً إلى

الموروث لانتسابهن إلى نسبته وكون إخوتهن وآبائهن من عصبة بخلاف أمثال هؤلاء من أولاد ذوي السهام إن ذكورهم وإناثهم لا تعصيب لهم ولا إسهام وآباؤهم قد يكونون من الزنج والموروث من صميم العرب في تقدير الكلام لأن الأمهات أوعية مستودعة والأولاد لآبائهم حقاً لا شك معه، ومنه قول المأمون بن الرشيد في لونه ابن أمه حيث قال لله دره ما أفهمه:

لا تزدري بفتى من أن يكون له***أم من الروم أو سوداء عجماء
فإنما أمهات الناس أوعية***مستودعات وللآباء أبناء


فإن صح منكم الإقرار بذلك ولم تقدروا على دفع كونهن أقرب نسباً إلى الهالك ولن تقدروا إن شاء الله أن تكابروا لما أوردناه من البيان الواضح هنالك فاعلموا أنا قد سلكنا طريقة الإنصاف بينهن وبين أولئك في تنزيل كل منهم منزلة من تعلق به فيشتركون في موضع ما يشترك الذين به هم متعلقون عملاً بالمفهوم من منطوق المنصوص الواردة في آبائهم وأمهاتهم عند زوال المانع عن العمل به من الدليل القاطع من قول المسلمين.

فاتقوا الله أيها المفتون والقاضون والعاملون، فلا تفتوا ولا تقضوا ولا تعملوا بما لا تعلمون فإنكم مسئولون عما تعملون، ولا يغرنكم ما ترونه في المسألة من اختلاف الرأي فإن رجح أحد الآراء بلا مرجح من فتيا أو حكم أو عمل فقد فعل ما لم يؤذن به له وعليه طلب العلم لأعدلها منه أو من غيره إن لم تكن له قوة بصر يفرق بها بين الراجح والمرجوح.

فإن ترك الأعدل ميلاً لهوى نفسه إلى العمل بالأنزل ففي قول الشيخ أبي سعيد: إنه أخذه بالجور، وزار عليه الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس فقال: والآخذ بالجوز جائر والجائر ظالم والظالم آثم والآثم هالك إلا أن يتوب وهذان الشيخان هما ما هما في الفضل والعلم فلا تجهل منزلتهما فتكون من أهل الظلم.

وإياكم أن تعرفوا الحق بالرجال فتكونوا معه ولكن اعرفوا الرجال بالحق ثم كونوا معه فقد قال الله تعالى : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولًا .

وفي كلام علي بن أبي طالب ما هذا لفظه: ألا وإن أبغض خلق الله إلى الله رجل قمس علماً غاراً بأغباش الفتنة عمياً عما في عيب الهدنة سماه أشيابهه من الناس عالماً ولم يغن في العلم يوما سالماً فاستكثر مما قل منه فهو خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن واكثتر من غير طائل قعد بين الناس قاضياً يتخلبص ما التبس على غيره وإن نزلت به إحدى المهمات هيأ لها حشواً من رأيه فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري إذا أخطأ أنه لا يدري أنه أخطأ أم أصاب خبّاط عشوات ركّاب جهالات، لا يعتذر مما لم يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرس قاطع يذرو الرواية ذور الريح الهشيم، تبكي منه الدماء وتصرخ منه المواريث فيستحل بقضائه الفرج الحرام والله بإصدار ما ورد عليه ولا أهل لما فرط به. انتهى كلامه.

واعلم أننا قد أوردنا في هذا المقام الكشف عن أعدلية القول بالتنزيل بلا تدريج، الأولى الأرحام من غير دينونة ولا تضليل لمن قال بغيره في موضع جواز القول بالرأي الأمري ضللنا وادعاه الإجماع من أمل الحق على القول بالتدريج فإنه بالتضليل أحق.

ونحن نروم من كل من يقف على كتابنا هذا من إخواننا في الدين لهم قوة بصر يرون بها أعدلية القول بالتدريج أن يكشفوا لنا عنه الغطاء لأن الحكمة ضالة المؤمن ونحن نطلب الحق فمن حيث وجدناه أخذناه وليست رؤية العدل بمقصورة على أحد معلوم فربما يكون العدل عند هذا أضعف عند الآخر وبالعكس، والله أعلم.

فانظروا في ذلك ثم لا تأخذوا منه إلا الحق وإنا نستغفر الله تعالى ونتوب إليه من جميع ما خالفنا فيه المسلمين، واتبعنا فيه غير سبيل المؤمنين.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته من محبكم:

الفقير إلى الله سلطان بن محمد البطاشي.




جـ «13» (115-118)


* مسألة: وهل تجوز الشكاية عند السلطان الجائر أم لا؟

الجواب: إذا لم نزد في الشكاية إليه في القضية الواقعة عنده فيختلف في جواز ذلك، والله أعلم.


* مسألة: وعنه: قلت له فيما بلغني من إخراج الزكاة فقال: لا بأس عليك إن شاء الله إن وصلت مع ثويني قل له: لا سويتم ترتيبها في إخراج الزكاة ما دام القيض تراه العيون والآن جد الناس وأوفر التمر مكنوزاً فتفضل علينا بالمسامحة هذه السنة وإلى الدور خير عن النزاعة بين المستقعد وأهل البلد، فجوابه لي أن هذا الكلام يكفي للتعريض فإن سمح بها فالمطلوب ذلك.

وإن لم يسمح بهاذ قل له: عليّ الذي يخصني بنفسي وتفضل اعذرني من أهل البلد، وبما عليّ أنا أؤديه.


قلت له: فما تقول: إن سمح بها وأهل البلد أكثر منهم لا يخرجها والذي يخرجها يخرجها في غير موضعها؟


قال: لا بأس عليك في ذلك ولا يلزمك شيء والمسئولون هم عنها وأنت مأجور إن شاء الله إن كففت عنهم يد الظلم فهم المسئولون عن إخراجها وتأديها إلى أهلها فإن ظلموها فعلى أنفسهم.


قلت له: ما تقول في تأديتها لهم أعني الجبابرة وقبضهم لهم أيبرأ صاحبها بتسليمه لهم أم لا؟


قال: لا يبرأ ويلزمه إخراجها ثانية إلى الفقراء المستحقين لها.


* مسألة: الآثار مشحونة بأن الجباية على غير الحماية حرام من أفعال الجبابرة.

وقد تقرر أن من رأيته مضيعاً لفرض فواجب عليك الإنكار عليه فما بال من علمت منه أنه لا يخرج الزكاة الواجبة عليه لا يحل لك جبره على إخراجها وقبضها منه وصرفها في مصارفها حتى يكون إماماً مستولياً على المصر كله حامياً له ناشراً في الأحكام الشرعية، اكشف لنا هذا اللبس، وارفع عنها هذا الوهم حتى نرى وجه الحق فيه مكشوفاً.


الجواب: سبحان الله وأي تعجب من هذا وعلى أي وجه ترتب هذا السؤال أهو على مسألة: الجباية بغير الحماية، أم على مسألة: إنكار المنكر وهما ليسا من باب واحد، ولا في معنى فإن مقتضى إنكار المكر أن تأمره بإنفاذ الزكاة إلا أن تقبضها منه وتنفذها أنت لكن يمنعك من إلزامه في الزكاة أنها فرض موسع في إنفاذه غير محدود بوقت معلوم فبطل إنكار المنكر في هذا الموضع إذ لا يلزمه إنفاذها في تلك الساعة بعينها إن كان دائناً بأدائها وناوياً له وأمر النية لا يطلع عليه أنت فبطل عليك وجوب إنكار المنكر عليك هذا إن لم يكن إمام يلزم دفعها.


فإن كان إمام يجب دفعها إليه فمن يقول: إنه لا يجوز له جبره على قبضها.
وإذا كان إمام ولم تكن له قدرة على تنفيذ الأحكام فقد تعين عجزه عن الحماية وبعجزه عن الحماية لا يحل له الجبر على الجباية.

واختلف في حد الحماية فقيل: حتى يحمي المصر كله وعمان كلها مصر واحد.


وفي قول بعض السلف: ولا يأخذ الزكاة على الجبر حتى يكون حاكماً يحمي برنا وبحرنا فيدل أنه ما لم يحمي المصر كله براً وبحراً فلا يحل له الجبر على الجباية وكأنه قول ثان.


وفي قول ثالث: فإذا حمى الكورة جازت له الجباية لوجدان الحماية.

فمثل صحا روما يتعلق عليها من البلدان ويتبعها كورة.

وكذلك الرستاق وما يتبعها من الأودية والرعايا.

وكذلك نزوى وكذلك سمايل وما يتعلق بها وكذلك في الباقي.

وفي قول رابع: فإذا حمى القرية جاز له الزكاة منها بالجبر، فمثل سمايل قرية بدون ما يتعلق عليها من البلدان والأودية.

وهكذا في الرستاق وسائر القرى الكبار.

والأخذ بهذا في الابتداء أقوم للدين وأظهر لأمر الله لأن الشيء قد يبدو صغيراً ثم ينموا فيصير كبيراً، ولا أقلّ من هذا في حد الحماية فلا يعتد في البلدان الصغار.د

فلو حمى بوشر مثلاً أو الدن أو أفلاج عرعر أو فرق أو كرشا لم تكن حماية.

والقائم بها ولو إماماً صحيح القعيدة من الأعلام إذا عجز عن غيرها فحكمه حكم المغلوب عليه العاجز عن القيام بأعباء الإمامة، والله أعلم.