البــعد الحضـــاري


للعقــــــــــيدة الإباضـــــــــــــية



تأليف: الدكتور فرحات الجعبيري

العنوان الأصلي للبحث:

تحليل ما يتعلق بأصول الدين من التراث

الإباضي بالمغرب في القرون التالية:

10- 11- 12 هـ/ 16- 17- 18م


قدم هذا الكتاب للإحراز على شهادة التعمق في البحث العلمي بكلية الآداب بالجامعة التونسية بإشراف الأستاذ محمد الطالبي ونوقش في شهر جوان 1986.


وتكونت اللجنة المناقشة من:

الأستاذ محمد اليعلاوي: رئيسا.
الأستاذ سعد غراب: عضوا.
الأستاذ محمد الطالبي: عضوا.


وقبل بدرجة حسن جدا.

اعتذار:
نعتذر لدى القراء الكرام لما بقي أثناء الطبع من هنات رغم حرصنا على تلافي ما أمكن تلافيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
1408 / 1987



الإهــــــداء


إلى والديّ الحبيبين.
وإلى زوجتي.
وإلى أخي محمود.
وإلى كل مسلم غيور ربّاني.
أهدي هذا العمل المتواضع عسى أن يقرب بين المسلمين وأن يؤلف بين القلوب لتكون كلمة الله هي العليا.
فرحات

الرمـــوز

ت :قبل التاريخ : توفي(ت93 هـ).

/ : العدد على يمين الخط: تاريخ هجري. وعـلى يــساره: تاريخ ميلادي. مثال1408/1987.

/ : الرقم قبله يشير إلى الجزاء أو المجلد, وما بعده إلى الصفحة .

= : التعليق يتواصل في الصفحة الموالية.

المحشي : محمد بن عمر ابن أبى ستة (ر.147).

البارونية : المكتبة البارونية بجربة حومة الحشان.

الجواهر : الجواهر المنتقاه لما أخل به كتاب الطبقات( ر.124).

المشارق : مشارق أنوار العقول للسالمي (ر.200).

المنهج : الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس بن سعيد الرستاقي (ر.221).

ج : جزء.

خ : مخطوط.

د. رقم1 : مجلد نسخة سالم بن يعقوب من مصر موجود بمكتبته جربة.غيزن.

المعجم المفهرس:أي لألفاظ الحديث:لونسنك.

بالنسبة إلى المخطوطات:نذكر عدد الصفحات أو الورقات ثم عدد الاسطر بكل صفحة ثم المقاس.

(مثال) 51. 24. 17/ 5, 12 صم، ر. خاصة فهرس المصادر المخطوطة.

ر : راجع.
ص : صفحة.
ط : طبعة.
م : مجلد


E.I. :Encyclopedie de I’ Islam.
E.I.ancienne ed. EI2 nouvelle ed.
G.A.L.:Brockelman G.,Geschichte der Arabischen Litteratur, 2 ed, Leyde 1943- 1949.
A.I.U.O.N.: Annali dell, Istituto Universitario Orientale di Napoli.
F.O.:Folio Orientalia, Krakow.
I.B.L.A.:Institut des Belles letters Arabes. Tunis.
J.S.S.: Journal of semitic studies.
R.A.:Revue Africaine.
S.I.:Studia Islamica.

أبواب البحث وفصوله



الباب الأول: إطار القضية العام.

الفصل الأول: الاباضية وتسمية الفرق.
الفصل الثاني: التراث الكلامي عند الاباضية.


الباب الثاني: الإلهيات.

الفصل الأول: الاباضية والمحكم.
الفصل الثاني: الاباضية والمتشابه.


الباب الثالث: الإنسانيات.

الفصل الأول: القضاء والقدر.
الفصل الثاني: الوعد والوعيد والخلود.

تقديم سماحة الشيخ

أحمد بن حمد الخليلي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المجلي لوجه الحق بنور برهانه، وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فقد قضى الله- ولا راد لما قضى- أن تنقسم هذه الأمة- كغيرها- إلى شيع وأحزاب( كل حزب بما لديهم فرحون)، ولما عندهم منصورون، ومما باعد الشقة بينها وضاعف محنة الانصداع التي تعانيها إخلاء الأكثرين إلى مواريثهم الفكرية التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم، وتلقفوها من أشياخهم وأساتذتهم، حتى اعتبروها أنها الأصل،فطوعوا لها نصوص الدين لأن الدين- في نظرهم- لا يبصر إلا بمنظارها، ولو كانت تلك النصوص كاشفة عن عوارها مباينة لها بينونة الحق من الباطل، مفارقة لها مفارقة الضياء للظلام.

ومن حيث إن أصول الدين هي قواعده التي يقوم عليها صرحه الشامخ كان الاتفاق والاختلاف فيها مقياسا للالتقاء والافتراق، والتقارب والتباعد بين فئات الأمة، وإن مما يعزي نفوسنا، ويسلس همومنا أن يلتقي جمهور الأمة على أمهات هذه الأصول، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه،ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله، وإنما اختلفوا في تفاصيل هذا الإيمان.


ويرجع هذا الاختلاف إلى أمرين:

أولهما: التفاوت في فهم النص وتأويله حسبما يترجح أنه المراد.

ثانيهما: تحفظ بعض الفئات من بعض النصوص التي لم تصل إلى درجة القطع، إما لريب في نقلتها ونقلها وإما لمعارضتها بما هو أقوى منها في نظر المتحفظين في حين أن الفريق الآخر يكون مقتنعا بتلك النصوص فيعتد بها ويعول عليها، وثم أمر آخر

له مساس بكلا الأمرين وهو الاختلاف في ترجيح النص على العقل أو العكس، فمن طوائف الأمة من بالغ في تقديس العقل حتى جعله الأصل في فهم الدين، وضرب بكل نص خالفه عرض الحائط إن لم يمكنه تأويله بما يتفق مع المفاهيم التي استقر عليها عقله؛ ومنهم من أهمل جانب العقل فلم يستبصر بنوره في فهم مقاصد النصوص، وإنما اكتفى بالانسياق وراء ظواهر ألفاظها فاقتنع بالشكل دون المحتوى؛ ومنهم من وفق للتوسط بين أمرين فجمع بين النص الثابت والعقل السليم.

وإن من يمعن نظره في التراث الإباضي الفكري- متجردا عن العوامل النفسية والمؤثرات الوراثية- يدرك كل الإدراك أن الإباضية أكثر فئات هذه الأمة اعتدالا وأسلمها فكرا، وأقومها طريقا وأصحها نظرا، وأصفاها موردا ومصدرا.

فهم لم يلقوا بالعقل في زوايا الإهمال لأن الله خاطب بوحيه أولي الألباب ونعى على قوم لا يستخدمون عقولهم في فهم الحق ودرك الحقيقة، ونادى عليهم بالخذلان، وسجل عليهم بالخسران، كما هو واضح في كثير من آيات الفرقان، غير أنهم لم يرفعوا العقل فوق مستواه ولم يعطوه أكثر مما يستحق فلم يؤثروه على النص، وإنما جعلوه وسيلة من وسائل فهم مراده، وتعيين مقاصده، قطعا أو ظنا، وهم في كل ذلك ينطلقون من فهم عميق للغة النص التي تستخدم تارة في حقيقتها وأخرى في مجازها حسبما تقتضيه أصولها مراعين في ذلك جميع القرائن والأحوال التي تعين على تشخيص المراد.

وقد زخر التراث الفكري الإباضي ببحوث واسعة جامعة في أصول الدين فاضت بها أقلام أساطين علماء الإباضية المتبحرّين الذين نذروا حياتهم لنصرة الحق وقمع الباطل بنصب الحجج ودرء الشبه، فتعاقبوا منذ القرن الأول الهجري على الاضطلاع بهذا الواجب وأداء هذه الرسالة غير أن من دواعي الأسف أن السواد الأعظم من المسلمين ظلوا محرومين من الانتفاع بهذه الكنوز الغالية إما لعقد نفسية سببتها القطيعة التي اصطنعت بين أبناء هذه الأمة رغم كونها تعبد إلها واحدا، وتدين بملة واحدة وتؤمن برسالة واحدة، وإما لقصور في تصور ما تعتقده هذه الطائفة من الحق وما تستند إليه من الحجج.

وإن من أشائر البشائر أن نرى جماعة من رواد الدعوة الإسلامية ودعاة وحدة هذه الأمة- سواء كانوا من الإباضيين أو غيرهم- تحفزهم الغيرة على الحق إلى نفض الغبار الذي تراكم على هذا التراث الفكري وإزاحة السدود التي أرختها عليه القرون الغابرة ليبرز وجهه المشرق للناظرين ويتجلى جمالة الأخاذ لطلاب الحق وعشاق الحقائق.

ومن بين هؤلاء الساعين لهذه الغاية النبيلة أخونا الفاضل الشيخ فرحات ابن علي الجعبيري الذي طوف بفكره الوقاد بين معالم هذا التراث عبر العصور المتتالية منذ

القرن الأول الهجري إلى قرننا هذا، وأرسل يراعه الملهم إلى أعماق محيطات هذا التراث وبحاره فعاد بحصيلة واسعة من جواهر الفكر ازدان بها عق أطروحة أخينا العزيز التي اختصها بهذا الموضوع بعد ما شقق عنها أصداف اللبس بتحليلاته الواسعة وبيانه الفياض، فكانت أطروحته بحق منهلا لكل وارد، ومنتجعا لكل رائد بما فيها من فتح لأقفال كانت مغلقة وتجلية لحقائق كانت مستورة.

وقد أولى عنايته الخاصة بالتراث المغربي في الثلاثة القرون الهجرية العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، لأن موضوع بحثه، سوى أنه ألم في مناقشاته وتحليلاته بما قدمه علماء المذهب في هذا المجال في سائر القرون، سواء كانوا من أهل المشرق أو من أهل المغرب.

وإن فضيلته- إذ يقدم هذا البحث العلمي إلى رادة الفكر الإسلامي المتحررين من العقد النفسية والعصبيات المذهبية- ليرجوا ونرجو جميعا أن يكون لهذا البحث أثر إيجابي في وقف الإشاعات الباطلة التي تصدر عن القلوب المريضة وتقذف بها الألسنة المغرضة وتسيل بها الأقلام المأجورة لتمزيق شمل أمتنا الإسلامية وهي أحوج ما تكون إلى رأب الصدع وجمع الشمل والمودة والوئام.

والله نسأل أن يجمع شمل عباده المؤمنين على ما يحب ويرضى وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

أحمد بن حمد الخليلي

مسقط/ 10 المحرم الحرام 1407هـ

تقديم الأستاذ محمد الطالبي

بسم الله الرحمان الرحيم

وأفضل الصلوات على خاتم الأنبياء والمرسلين.

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)( آل عمران3/103)

لكن، بالرغم من تحذير القرآن، تفرق المسلمون، وكفر بعضهم بعضا، وأهرقوا دماءهم بأيديهم، وما زالوا يهرقونها...

ولقد ورد بالمدونة الكبرى، برواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك، إمام دار الهجرة، ما نصه:

" قلت: أرأيت قتال الخوارج، وما قول مالك فيهم؟- قال: قال مالك في الإباضية والحروية، وأهل الأهواء كلهم: " أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا". قال ابن القاسم: وقال مالك في الحرورية وما أشبههم:" إنهم يقتلون إذا لم يتوبوا إذا كان الإمام عدلا." فهذا يدلك على أنهم إن خرجوا على إمام عدل، وهم يريدون قتاله ويدعون إلى ما هم عليه، دعوا إلى الجماعة والسنة، فان أبوا قتلوا." (المدونة الكبرى، ط. مصر 1323،ج 2ص47).

كان عبدالله بن إباض الذي ينسب إليه المذهب الإباضي مسلما مخلصا، ويعد المذهب الذي وضع أسسه من أقدم المذاهب الإسلامية، إن لم يكن أقدمها كلها. ولم يكن مالك، إمام دار الهجرة، أقل منه إخلاصا إلى الإسلام وغيرة عليه. وكان ابن القاسم من أتقى أصحاب مالك وأصدقهم ورعا، ولم يكن سحنون، الذي عنه دون المدونة، يقل عنه تقي وورعا.

لكن الحقيقة المرة تبقى هي: استحل مالك دماء الإباضية ومن يدعوهم بأهل الهواء. واستحل بصفة أعم أهل القبلة، على ورعهم وإخلاصهم في كثير من الأحيان، دماء بعضهم بعضا، وتلاعنوا مليا، وعوض أن يعتصموا بحبل الله جميعا، ويتحابوا فيه وفيهما بينهم، تفرقوا، وتقاتلوا، وتجاذبوا الله كل إلى جانبه، واغتصبوه كل إلى نحلته.


فما الحل؟

وما زالت موجات التكفير سائدة إلى يومنا هذا، والدماء سائلة؟ّّ!

لا يملك أي فرد منا بمفرده، ولا تملك أي مجموعة إسلامية وحدها مهما ضاقت رقعتها أو اتسعت، حلا سحريا، ما لم تتطور العقليات، وتنشرح الصدور إلى السماحة، والتسامح، واحترام آراء المخالف.

ولا شك أن الدراسات المقارنة لمختلف المذاهب الإسلامية مما يعين على تطور العقليات، وانشراح الصدور إلى التسامح والاحترام المتبادل، بفضل ما توفره هذه الدراسات من فهم أعمق، وأكثر إنصافا وموضوعية لآراء الموالين والمخالفين.

وتنصهر الدراسة التي قام بها الأستاذ فرحات الجعبيري ضمن هذه الدراسات المقارنة. فلقد استطاع، بأقصى ما يمكن من الموضوعية التي لا تخل باعتقاد المعتقد ولا تشوه معتقد غيره، أن يقارن بين أصول الإباضية، وإليهم ينتمي سلوكا ومذهبا، وبين مقالات مخالفيهم، مع توخي الاختصار، والاقتصار على أمهات المسائل، حتى تبقى الدراسة في حدود معقولة كيفا وكما.

ونحن نعتقد أن الدراسات المقارنة، وقد فتح بابها منذ قرون كل من كتب من علمائنا في "مقالات الإسلامية" و"الملل والنحل"، هي طريق المستقبل، لا فقط داخل أسرنا الإسلامية على اختلاف اجتهاداتها، بل أيضا في مستوى كل عائلات أهل الإيمان على اختلاف أديانهم ومللهم ونحلهم. فهذه الدراسات- إذا ما روعي فيها هدوء الأعصاب، وأقصى ما يستطيعه المؤمن الملتزم عقيدة وسلوكا من موضوعية، وكل كائن ذي عقل حتما ملتزما من حيث يشعر ولا يشعر سواء في ذلك المعتقد وغيره المعتقد- فإنها ستنير لكل طالب حق إن لم يكن الحق فما يقرب من الحق، إذ في النهاية لا يعلم حق العلم إلا الله. ولكل أن يختار سبيله إلى الله حسب ما يمليه عليه ضميره واجتهاده.

ولقد اجتهد الأستاذ فرحات الجعبيري، وقام بدراسته بجد وإخلاص وحماس، واختار أن يركز بحثه على أصول الدين عند إباضية المغرب في الفترة التي تتراوح من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر. هـ (16-17-18 ميلاديا). فاستخدم لذلك، زيادة على ما توفره المراجع، المصادر الأساسية المطبوعة والخطية، وقام بتحقيقات ميدانية في مكتبات الأوساط الإباضية بالجزائر وليبيا وتونس وعمان، وقد ساعده على ذلك انتماؤه إلى المذهب الإباضي انتماء اعتقاد وسلوك.

إن هذا الكتاب الذي أنجزه الأستاذ فرحات الجعبيري يمكن أن يعتبر خدمة هامة وثمينة للفكر الإباضي والإسلامي عامة، ولوجه من وجوه حضارتنا المغربية التي هي في حاجة أكيدة إلى البحث حسب الطرق والأساليب الجامعية.


محمد الطالبي

تونس في 18/9/86

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين


المقــدمــة

إن كنت أنسى فلا أنسى رحلتي الأولى إلى وادي ميزاب. جمادى الأولى 1387/أو ت1967 حيث فتح الله بين أيدينا مكتبات عشش فيها العنكبوت وباض وفرخ لأن المفاتيح لم تمس أقفالها منذ ما لا يقل عن ربع قرن، إلى جانب مكتبات عامرة، زاخرة تنبض فيها الحياة.

وهكذا فتحت العين وامتدت اليد.

فلا غرابة حينئذ في أن يستوقفنا ما في تلكم الخزائن من تراث، وكانت الجولة الأولى في لقاء مع تنظيم ديني اجتماعي استطاع أن يصمد أمام الزمن ألا وهو نظام العزابة عند الإباضية في جربة.

ثم تبعتها رحلات أخرى إلى هناك، مع حرص على تنظيم ما بقي من مثل هذا التراث في جزيرة جربة، خاصة بالمكتبة البارونية ومكتبة سالم بن يعقوب، إلى أن يسر الله الانطلاق في رحلة علمية ثانية دفعت بنا إلى الطواف في أنحاء جبل نفوسة معقل الإباضية الأول في بلاد المغرب، كما ساقتنا إلى جناح الإباضية الثاني في بلاد المشرق بلد عمان. فماذا عن هذه الرحلة العلمية الثانية مع التراث الإباضي؟.

التراث الورث والورث والإرث والوارث والإراث واحد، وهو ما ورث، وأصل التاء فيه واو، هكذا نقل ابن منظور في لسان العرب عن الجوهري في صحاحه وابن سيده في مخصصه، وقد وردت الكلمة بهذه الصيغة في قوله تعالى:( وتأكلون التراث أكلا لما ) (80الفجر19).

وقد وردت في قوله عليه السلام:" وإليك مآبي ولك تراثي"(1) مع العلم أن الأنبياء لا يرثون، فميراثه عليه السلام حينئذ للوارث الحق الذي لا إله إلا هو.( إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) (19 مريم40).

فالكلمة بهذه الصيغة وصيغها الأخرى تدل على كل ما يخلفه الهالك لورثته. ومن هذا المفهوم اللغوي والشرعي اتسعت الكلمة لتدل على كل ما تخلفه الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة.

فهل سنحلل في هذا البحث كل ما أنتجه الإباضية في المغرب طيلة ثلاثة قرون 12،11،10هـ وخلفوه لمن بعدهم؟.

إن مثل هذا الدراسة مفيدة ولا شك لكنها في حاجة إلى جمع من المختصين في شتى الفنون لتتكامل جوانبها وتؤتي أكلها بعد حين.

وما دام هذا مستحيلا علينا الآن، فإننا حاولنا أن نساهم في هذا البناء فاستقرأنا ما عثرنا عليه من تراث مكتوب(2) –وهذا كثير- عسى أن نستكنه أساسا من أسس الفكر الإباضي.

وما دام بحثنا يندرج ضمن الدراسات الحضارية بقسم العربية بكلية الآداب بتونس، ونحن نعلم أن كلمة حضارة تعني جملة مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي التي تنتقل من جيل إلى جيل في مجتمع أو مجتمعات متشابهة(3) رأينا أن نسلك مع تحليل هذا التراث مسلك الدراسات الحضارية، فماذا عن هذا المسلك؟

بناء على منطلقنا الأول(4) في البحث جمعنا ما تيسر جمعه من هذا التراث في شتى الفنون وهو في جله مخطوط، والمطبوع منه في عداد المخطوط، عدا بعض النصوص التي كتب لها أن ترى النور بمنهج معاصر نقدي(5)، فتشبعت المسالك واتضح أن نزعة الشمول ستؤدي إما إلى الطول الذي لا نهاية لـه، وإما إلى الاختصار المخل الذي لا يجدي نفعا.

وبهذا تحول مسار البحث من العموم إلى الخصوص، وكانت الوقفة عند باب من أبواب هذا التراث ألا وهو باب أصول الدين أو علم الكلام. وقد حاولنا تركيز هذا المسار على ثلاثة أسس ستكون الخيط الذي يربط بين أطراف هذا النسيج.


وهذه الأسس هي:

1- التحري في فهم النصوص الإباضية داخل الفكر الإباضي لأنه ككل فكر يقوم على نظام متكامل يربط بين جميع أوصاله. فلا يمكن على سبيل المثال أن نفهم أي

نص إباضي فهما صحيحا إذا لم نضعه في إطاره من مسالك الدين وهي: الظهور والدفاع والشراء والكتمان.

2- التراث الإباضي تراث ديني عالمي: ماذا أفاد؟ وماذا استفاد؟ فمحاولة المقارنة حيث تمكن المقارنة ستكشف بقدر الإمكان عن الأخذ والعطاء والإيجابيات والسلبيات في هذا التراث.

ومثل هذه المقارنة ليست مفتعلة لأنك قل أن تجد أثرا إباضيا متقوقعا على نفسه بداية مما روي عن إمام الإباضية جابر بن زيد(93/710-711) إلى آخر ما وصلنا مما طبع من الإنتاج الإباضي: الخوارج من أنصار الإمام علي كرم الله وجهه لسليمان بن داود بن يوسف(6)، بل إنك تجد الإشارة خاصة في كتب أصول الدين إلى سائر الرسالات السماوية وكذلك الديانات الوضعية مثل الزرادشتيه والبوذية.

3- التراث الإباضي لا للتراث وإنما للحياة: وغرضنا من هذا أن نثبت أن ومضة الحاضر ليست إلا لحظة خاطفة بين ماض سحيق ومستقبل عريض فماذا عن الماضي لإنارة المستقبل؟ لعلها دروس وعبر في عالم طغت فيه الدراسات المادية إلى حد أن الناس أعرضوا أو يكادون عن كل ما هو روحي.( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) (12يوسف111).

واعتمادا على هذه الأسس فإننا لن نقف من هذا التراث كما يفعل كثير من المسلمين اليوم وقفة المتأفف المكظوم، وإنما نقف منه بناءة تنفض عنه غبار طواحين الزمن عسى أن تتقشع سماء وجهه، لينير بأصالته مستقبل أمتنا(7)، هذه الأصالة التي ما يزال أعداء الإسلام يحاولون اجتثاثها من تحت أرجلنا، ولن ندرك مثل هذه الغاية عسيرة المنال إلا إذا بالقارئ المستنير بمختلف فنون العلم العصرية إلى النتيجة المرجوة تدريجيا دون أن يصطدم في ثنايا البحث بالإخلاص بمعطيات المنهجية التي تحرص على أن تكون موضوعية أو أقرب ما يكون إلى الموضوعية لأن الموضوعية الصرف لم يدركها في ما نعلم إنسان لم يؤيد بالوحي، ولن يدركها إنسان إلا إذا تجرد من كل مكوناته، وإن تجرد منها فلا يمكن أن يكون إنسانا.

وقبل أن أعرض مراحل هذا البحث لا يفوتني أن أذكر بعملين معاصرين استفدت منهما استفادة لا تنسى:

أولهما: أطروحة دولة باللغة الإنجليزية قدمها الأستاذ عمرو خليفة النامي(8) بجامعة كمبردج 1971 عن تطور الفكر الإباضي.


تتكون من قسمين كبيرين:

القسم الأول: يضم 396 صفحة وقد قام على الفصول التالية: نشأة الإباضية، التعريف بإمام الإباضية الأول جابر بن زيد، التعريف بإمام الإباضية الثاني أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة، الفقه الإباضي، العقيدة الإباضية، فرق الإباضية، والولاية والبراءة، مسالك الدين والإمامة.

القسم الثاني: لم نتمكن من الاطلاع عليه وفهرست الأطروحة تشير إلى أنه تحليل لنصوص في العقيدة والفقه حققها الباحث تحقيقا علميا وهي:

-القسم الثاني من الباب الأول من كتاب قواعد الإسلام لإسماعيل الجيطالي: لم يطبع ولم أطلع عليه.

- كتاب أصول الدين لتبغورين بن عيسى الملشوطي مرقون بمكتبتي.

أجوبة ابن خلفون لأبي يعقوب يوسف بن خلفون( في الفقه المقارن) مطبوع.

إن هذه الأطروحة أغنتنا بمقدمتها عن إعادة عرض الدراسات المعاصرة عن الإباضية في مقدمتنا هذه(9).

كما أن هذه الأطروحة بفصولها الأولى حددت أمامنا معالم نشأة الفكر الإباضي بوضوح، الأمر الذي ساعدنا على التوسع في مناقشة تسمية الفرق وتوضيح موقف الإباضية من براءة الانتساب إلى الخوارج. كما أنها بفصلها الخامس عن العقيدة الإباضية(201-330) في الإلهيات والإنسانيات وضحت لنا نشأة العقيدة الإباضية وعرفتنا بمصادرها إلى القرن التاسع هـ/ الخامس عشر م تعريفا موسعا.

أما عن مرحلتنا المقررة في البحث فقد اكتفت بتعداد المصادر دون تحليليها.

ولهذا نعتبر عملنا امتدادا لما قدمته هذه الأطروحة حيث عرفنا بتوسع بما وقع ذكره من المصادر.

كما أن عملنا هذا يتجاوز مرحلة الوصف والتعريف إلى إبراز البعد الحضاري لهذه العقيدة.

ولا ننكر أننا مدينون لهذا العمل خاصة لما جاء فيه من دقة في التعريف بوجود الإباضية عبر الزمن ضمن الأطروحة أو في التحقيق.

ثانيهما: أطروحة دكتوراه دولة باللغة الفرنسية قدمها الأب بيار كوبرلي بالسربون سنة 1982، وهي بحث في العقيدة الإباضية في ثلاثة مجلدات، مجلدان أساسيان ومجلد للملاحق.

وقد ضم المجلدان الأولان 655صفحة. أما المجلد الثالث فقد ضم 208 صفحة وهي ترجمة لنصوص في العقيدة الإباضية مع 74 صفحة لنصوص عربية في العقيدة الإباضية أيضا(10).


وقد تمثلت الأطروحة في ثلاثة أقسام:

قام القسم الأول منها على عرض تاريخي لنشأة الإباضية وعقيدتهم مع تحليل لنصوص في العقيدة.

أما القسم الثاني وهو أساس البحث فقد عالج القضايا التالية: الذات والصفات، خلق القرآن، القضاء والقدر، نفي الرؤية، الإمامة.

وأما القسم الثالث فهو ترجمة وعرض لبعض النصوص في العقيدة الإباضية.

واضح من خلال هذه الأطروحة أن النصوص الأساسية المعتمدة ترجع إلى القرن 8/14 وما قبله وإن كان الباحث قد استفاد أيضا من النصوص المتأخرة.

والمهم بالنسبة إلينا أننا استفدنا من هذا البحث خاصة من حسن العرض والقدرة على الوصف وعرض أسس العقيدة مع المقارنة مع الفكر الإسلامي والنصراني في كثير من الأحيان.

إلا أن الأطروحة على ما فيها من دقة فإنها لم تتوسع في تحليل النصوص المقررة في مرحلتنا ق 10، 11،12هـ، كما أن صاحبها اكتفى بالتعريف بالعقيدة لأن عمله يندرج ضمن قسم الدراسات الدينية، بينما آلينا على أنفسنا، وهذه العقيدة جزء من كياننا، أن نبين أثرها الفعال في البيئة التي تدين بها.

وأن التقينا في بعض القضايا مثل الذات والصفات، وخلق القرآن ونفي الرؤية والقضاء والقدر فإننا تجاوزنا ذلك إلى تحليل قضيتي الوعد والوعيد والخلود وتركنا مبحث الإمامة والولاية والبراءة وهما من الأصول الاجتماعية لأن البحث تجاوز القدر المطلوب.


أما عن مراحل هذا البحث فتتمثل في ثلاثة أبواب:

أما الباب الأول: فقد أقمنا على فصلين، فحاولنا أن نحدد إطار القضية العام في الفصل الأول حيث نزلنا الإباضية المنزلة التي يختارون لأنفسهم بين الفرق الإسلامية، وخصصنا الفصل الثاني للتعريف بعلم الكلام مع عرض سريع لنشأته عند الإباضية خاصة مع تعريف مختصر بمصادره إلى القرن9/15 وتحليل موسع لمصادر المرحلة المقررة في البحث 12،11،10 هـ/18،17،16 م بما فيها من إنتاج مبتكر وشروح ومختصرات .

أما الباب الثاني: فقد حاولنا أن نحدد فيه كل ما يتعلق بالله تعالى من المباحث الكلامية، فأقمنا الفصل الأول على ما يغلب الاعتماد فيه على ما جاء محكما من القرآن الكريم كقضية وجود الله تعالى وأسمائه وصفاته، وما يجب في حقه، وما يستحيل، وجاء الفصل الثاني موضحا موقف الإباضية من المتشابه خاصة في قضية الاستواء ونفي الرؤية وخلق القرآن.

أما الباب الثالث: فقد حرصنا فيه على تحليل مسألتين تتعلقان بأسس الصلبة بين الله وبين الإنسان، فجاءت أولاهما في الفصل الأول وهي قضية القضاء والقدر وما يتعلق بها من مباحث وجاءت الثانية في الفصل الثاني وهي قضية الوعد والوعيد وما يتعلق بها من مباحث.

تلك هي دعائم هذا البحث وإن بدت واضحة الآن فإننا لم نصل إلى ذلك إلا بعد أن اعترضتنا صعوبات جمة أبرزها:

- عناء في استقراء عدد كبير من المخطوطات وضبط فهارس لتحديد موضوعاتها ولتيسير الاستفادة منها عند الحاجة.

- عناء في ضرورة الاطلاع على أكثر ما يمكن من نصوص غير إباضية لأننا قررنا منهجا مقارنا من بداية البحث.

- عناء في التنسيق بين هذه النصوص مع ضبط إطارها الزمني. مع العلم أن هذا التحديد الزماني والمكاني كلفنا نصيبا من العناء، إذ كثيرا ما تعوزنا المادة الكافية فنضطر إلى اعتماد مصادر من المراحل السابقة أو اللاحقة، أو مصادر من إباضية عمان رغم أن البحث ينحصر في إباضية المغرب يعني جبل نفوسه وزوارة وجربة ووادي ميزاب(11) وقد حرصنا على ذكر ذلك في إبانة، وهذا لا يعتبر خللا في البحث لأن علماء هذه المرحلة استفادوا ممن قبلهم وقد أخذ من جاء بعدهم عنهم، بل في كثير من الأحيان نطعم مواقف الإباضية بمواقف لغير الإباضية وذلك في مواطن الاتفاق.

ومهما حاولنا أن نلم بشعب العقيدة الإسلامية بين مختلف الفرق بمنهج مقارن فإنه يصعب الإلمام بكل شتاتها لذلك جاءت الإشارات إلى هذه الفرق حسب مقتضيات البحث وحسب توفر ما أمكن توفره من المصادر والمراجع، وقد حرصنا على الرجوع إلى مصادر كل فرقة بصفة مباشرة إلا إذا تعذر ذلك، كل ذلك رغبة منا في الأمانة العلمية بقدر الإمكان.

كما حاولنا أن نوفر بين يدي القارئ كل ما يساعده على الفهم، ونلح خاصة على ما سعينا إلى توفيره من تراجم لكل من ذكرنا من علماء الإباضية –إلا ما تعذر علينا من تراجم بعض علماء عمان- وذلك لعدم توفر جلها في كتب التراجم المتداولة، ونلح أيضا على ما يوفره البحث من نصوص، وقد يطول الاستشهاد بها عن قصد، لأن هذه النصوص هي دعامة هذا البحث ومنطلقه، والكثير منها ضرب من التحقيق لأنها مقتبسة من مخطوطات نادرة وكل ذلك حتى لا تتهم استنتاجانا بالادعاء، وحتى يتمكن القارئ من المقارنة بينها وبين ما يتوفر بين يديه من نصوص غير إباضية لجأنا إلى إيراد شيء منها أحيانا وإلى الإحالة على مصادرها أحيانا أخرى.

وتبقى في النهاية خاتمة البحث في رأينا سبيلا من سبل تبيين حاجة المسلمين إلى توظيف تراثهم لتتضح أمامهم مسالك المستقبل.

تلك هي قصارى الجهد، فما كان من سداد في هذا البحث فمن الله وما كان من خطاء فمني، ومهما تبين لك أن العمل متكامل فإنك تحس إذا رجعت إليه أنه في حاجة إلى تشذيب وتحسين، وتكفينا في هذا قولة أبي الفرج الاصبهاني:" إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده، لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا المكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.".

ونحمد الله تعالى أن رفع عن الناس الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه كما ثبت في الحديث الشريف.

رب أنعمت فزد.

تونس في 4ذي القعدة الحرام 1405

21 جويلية 1985

الباب الأول

الإطــار الــعــام للـقضيـــــة



الفصل الأول

الإباضية وتسمية الفرق


تمهيد:


قال تعالى:( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (8الأنفال46)

وقال:( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) (آل عمران 103).

هل امتثل المسلمون وأهل الكتاب من قبل لهذه النصوص وأمثالها وكانوا أمة واحدة؟.

إن الناظر في حياة الأمم قديمها وحديثها لا يحار في الإجابة عن هذا السؤال.

نعم تفرق الناس فكانوا مللا ونحلا، وشيعا وأحزابا، وفرقا ومذاهب شتى، هذا شأن البشر، مذ عرف للإنسان تاريخ، فلأهل الصين مذاهبهم وكذا أهل الهند وأهل فارس وكذا أهل الكتاب.


فما هو السبب يا ترى؟

لعل يرجع إلى أمر غريزي في الإنسان إذ لكل شخص ميوله الخاصة، لكن لو كلن الأمر على هذه الحال لكون كل إنسان فرقة لذاته وفي هذا نظر.

أو لعله يرجع إلى تفاوت الناس في مداركهم العقلية مما يحتم اختلافا في وجهات النظر تجاه الأحداث والنصوص المعتمدة،ولكل ديانة نصوصها.

أو لعل الأمر يعود إلى حب الذات واتباع الهوى واحتقار الآخرين.

كل هذه الافتراضات متفرقة أو مجتمعة يمكن أن تكون من أسباب افتراق الناس إلى طوائف.

فالاختلاف بين الناس ليس أمرا غريبا بل هو قانون من قوانين الحياة ولولاه لظلت الحياة على وتيرة واحدة من أقدم العصور.

ولكن المشكل الذي يحار العقل في استكناهه هو ما ينتج عن هذا الافتراق من تنازع وتدابر وتنافر قاست البشرية منها ويلات وما تزال.

وهذا الداء يكون عياء إذا كان النزاع بين أهل الرسالات السماوية وبصفة أخص بين المسلمين بداية من العقد الرابع من القرن الأول للهجرة.

وهذا ما دفع المعري (363- 449 / 973- 1057) إلى أن يصيح من أعماق محابسه الثلاثة:.......ليت شعري ما الصحيح؟

ليست مهمتنا في هذا البحث أن نحل اللغز الذي حير المعري وغيره من المفكرين وإنما يحدونا الأمل على أن نفهم جانبا من واقع الأمة الإسلامية- وهي وإن تعددت فيها الفرق ما تزال تحمل اسم الأمة- انطلاقا من قسم من تراثها حسب مقتضيات موضوع البحث.

ولا يخفى على أي باحث أن كل قضية هي جزء لا يتجزأ من نظام فكري متكامل إلا أن المنهج العلمي يفرض التجزئة من أجل بلوغ الحقيقة فلا بد إذن من عزل الخلية عن كيانها لوضعها تحت المجهر.

فلنحاول أن نضع قضية الافتراق تحت مجهر البحث لندرك ما الذي جعل كتب المقالات والملل والنحل تسمي الإباضية إباضية وتحشرهم في زمرة الخوارج؟ وما هو رد فعل الذين أطلقت عليهم هذه التسمية من خلال تراثهم عامة وبصفة خاصة في المرحلة المقررة في البحث؟.


مناقشة تسمية الفرق:


تجمع كتب المقالات والملل والنحل(1) أن جميع الفرق الإسلامية ترجع إلى اتجاهات ثلاثة أطلقت عليها هذه التسميات: أهل السنة، الشيعة، الخوارج.

ثم تحرص على أن تكون الإحصائية مطابقة لحديث الرسول عليه السلام:" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة".

وفي رواية أخرى:" ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية كلهم يدعي تلك الواحدة"(2) .

ثم بعد هذا الإجماع ينطلق الاختلاف حول ادعاء الفرقة الناجية.

وأنت وإن قرأت تراث كل فرقة على حدة تحسب أنه لا يوجد في الأمة الإسلامية إلا أهل الإيمان والصلاح والتقوى بحيث لا تشك بأنهم جميعا من أهل الجنة(3) .

وإن أنت قلبت الصفحة وقرأت قراءة ثانية من خلال موقف كل فرقة من الفرق الأخرى تخلص إلى أن جميع المسلمين كفار وأنهم جميعا من أهل النار.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقسيم للأمة جاء يعكس أحداث الفتنة الكبرى التي انطلقت بمقتل عثمان سنة (35/ 656)(4) وما يزال المسلمون إلى يومنا هذا يتنفسون ما تصاعد منها من دخان. وهذه أهم المراحل لمجرد التذكير.

مقتل عثمان (35 / 656).
مبايعة علي بن أبي طالب (35/ 565)(5) .
معركة الجمل(36/ 567)(6).
معركة صفين (37/ 657) (7)


لقد أسفرت معركة صفين عن انقسام المسلمين إلى ثلاث كتل:

كتلة علي بن أبي طالب.
كتلة معاوية بن أبي سفيان (8).
كتلة المحكمة: أي التي رفضت التحكيم(9) .

واستمر الصراع بين هذه الكتل على أشده حتى انتهت الدولة الأموية فواصلت الدولة العباسية نفس المنهج في هذا الصراع.

والمشكل المطروح هنا كيف انبثقت هذه التسميات التي استقرت في كتب التاريخ وكتب المقالات؟ ولم تحولت كتلة معاوية وبالتالي الأمويين إلى أهل السنة وصارت جماعة علي شيعة واعتبرت المحكمة خوارج؟

يصعب أن نقرر رأيا نهائيا في القضية وليس لنا أن نأتي بالقول الفصل في معضلة سال في شأنها من المداد ما لا يقدر.

لكن الذي لا نشك فيه هو أن هذه التسميات المستحدثة تعكس مجرى الأحداث في القرن الأول نعني الأحداث السياسية والسياسة جزء من الدين كما لا يخفى.

إن موازين القوى ودولاب الحكم استقرت لدى الأمويين لذلك صاروا الممثل الرسمي فهم حينئذ أهل السنة(10) ولا يخفى ما في هذه التسمية من استهواء للعامة وحتى الخاصة، ونحن نعلم مؤازرة كثير من العلماء للحكام باسم اختيار أخف الضررين ثم إن مرور الزمن أعطى هذه التسمية نوعا من القداسة إلى أن نسيت كلمة أهل وتحولت إلى النسبة المباشرة؛ سني وسنيون. وإذا علمنا أن جل من وصلت إلينا كتاباتهم في الفرق ينتمون إلى هذا التيار نتبين كيف ينبغي الاحتراز من مثل هذه الكتب.

أما كتلة علي بن أبي طالب (40/ 660) التي كانت في المنطلق مدافعة عن حق شرعي ومخمدة لثورة معاوية الهادفة سرعان ما رميت بالعلوية ثم بالشيعة وواضح ما في كلمة التشيع من روح التعصب للأشخاص لا للمبادئ، وزاد القضية استفحالا قصر الإمامة على آل البيت ففي هذه التسمية حينئذ حرب نفسية ضد هذه الكتلة التي عملت الدولة الأموية على استيعابها أحيانا وعلى إبادتها أحيانا أخرى ومع ذلك فإن هؤلاء تحمسوا للتسمية وتبنوها.

وللمرء أن يتساءل أليس لهؤلاء نصيب من السنة أم أن جميع ما جد فيهم من انحراف أو ما نسب إليهم سجل، بينما تناسى الناس ما جد في الدولة الأموية من انحراف وظلوا يسمونهم أهل السنة وإن كان بعض خلفائهم منحرفين.

نكتفي بهذه الإشارة السريعة إلى كتلة الإمام علي، ولنقف عند الكتلة الثالثة لأنها منطلق بحثنا.

فلماذا لم يبق هؤلاء محكمة وصاروا خوارج ثم أهل الأهواء والبدع؟ لا شك أن هذه الكتلة أذاقت كتلة معاوية- الأمويين ثم أهل السنة- الأمرين(11) لأن المنتمين إليها رفعوا شعارا يرجو كل مسلم تحقيقه، ألا وهو أن إمامة المسلمين ليست مقصورة لا على القرشيين عامة ولا على آل البيت وإنما هي حق لكل من توفرت فيه شروطها هذا مع ما أوتوا من فصاحة إلى حد أن عبد الملك بن مروان (65- 86/ 685- 705)(12) اكتفى بسجن واحد منهم بعد أن كان عازما على قتله وهو يقول:" لولا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك"(13) .

وبما أن هذه الكتلة كانت من القوة بمكان فلا سبيل إلى محاربتها إلا بسلاح ديني فتاك ألا وهو تهمة الخروج من الدين(14) .

والمبرد- ويبدوا أنه علوي، إذ يصلي على علي وعترته في كل كتابه- وإن أتى بأخبار هذه الكتلة تحت عنوان" من أخبار الخوارج" فإنه يورد الحديثين اللذين يثبتان أن الخروج يعني المروق من الدين.

أما الأول فقد جاء نصه كما يلي: بعد انتقاد رجل وصف" بأنه مضطرب الخلق غائر العينين ناتئ الجبهة" لقسمة الرسول عليه السلام لغنائم جاءت من اليمن أدى إلى غضبه عليه السلام فقال:

"إنه سيكون من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا ترى شيئا وتنظر من الرصاف(15) فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق(16)" (17).

وأما الحديث الثاني فيروى عنه عليه السلام أنه لما وصفهم قال:" سيماهم التحليق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم علامتهم رجل مخدج(18) اليد". وفي حديث عبدالله بن عمرو:" رجل يقال له عمرو ذو الخويصرة أو الخنيصرة"(19) هذا ما ذكره المبرد ويحسن أن نشير إلى المهلب بن أبي صفرة (7- 83/ 628- 702)(20) في ما نسب إليه من افتراء الأحاديث على الخوارج.

فالتسمية مغرضة حينئذ وإن لطفت في كثير من الأحيان بتغطيتها بالخروج السياسي على علي بن أبي طالب(40/ 660) وإن كان الأمر على هذه الحال فلماذا لم يسم طلحة (28 ق هـ 36/ 596- 656) (21)والزبير (36/ 656)(22) ،

وقد خرجا على علي من قبل، خوارج ولم يطلق هذا الاسم على معاوية إذ هو الآخر شق عصا الطاعة على الخليفة الشرعي ووقف ليحاربه في صفين ألا أنه خرج يطالب بدم عثمان؟ أم لأنه انتصر في ما بعد بالخديعة التي أقرها جميع المؤرخين بمن فيهم أنصار معاوية إلا أنهم اعتبروها من باب الدهاء والحكمة بينما اعتبرها الآخرون من باب الخيانة وكفى.

ثم أضافت كتب الملل والنحل ثلاث صفات قارة للخوارج: أهل الأهواء. أهل البدع والمارقة. عدا بعضا منها تنسب شيئا من الاعتدال أو القرب من السنة أو من أهل السنة لبعض الفروع المنبثقة من الخوارج(23) إلا أن هذا العنوان الأخير يغطي عادة ذلك الاعتدال.

بهذا نفهم أن هذه التسميات لم تكن منزلة كما أنها لم تكن اعتباطية وإنما هي تابعة من واقع مرير عرفه المسلمون إثر ثلاثين سنة من الأمن والطمأنينة عرفوها تحت ظلال الإسلام الصرف الذي لم تشبه شائبة المشاكسة والافتراق (24).

وقبل أن نبين موقف الإباضية من هذه الأحداث من خلال تراثهم يحسن أن نثبت نصوصا متضاربة في الحكم لمن عرفوا بالخوارج أو عليهم.

فهذا الإمام علي عندما سئل عنهم قال:" هم من الكفر فروا" (25).

وهذا المبرد يقول:" والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الأكاذيب ومن ذي المعصية الظاهرة" (26).

وهذا عروة بن أدية (تـ58/ 678) يموت شهيدا لأنه قال كلمة حق أمام سلطان جائر وذلك عندما سأله زياد ابن أبيه (1- 53/ 622- 673)(27) عن نفسه فقال: أولك لزينة وآخرك لدعوة وأنت بعد عاص لربك" (28).

وهذا قول أحمد أمين (1374- 1374/ 1886- 1954م):" لقد كان في الخوارج كل العناصر التي تكون الآدب: عقيدة راسخة لا تزعزعها الأحداث وتحمس شديد لها، تهون بجانبه الأرواح والأموال، وصراحة في القول والعمل لا تخشى بأسا ولا ترهب أحدا، وديمقراطية حقة لا ترى الأمير إلا كأحدهم ولا العظيم إلا خادمهم، ورسم الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه رسما مستقيما واضحا لا عوج فيه ولا غموض يجب أن يعدل الخليفة والأمراء، وإلا يقاتلوا حتى يعزلوا أو يقتلوا ويجب أن يسير المسلمون حسب نصوص الكتاب والسنة من غير أن ينحرفوا عنها قيد شعرة، وإلا يقاتلوا ليحل مسلمون مخلصون طاهرون، ويجب أن يسلك السبيل إلى ذلك من غير

تقية ومن غير مجاملة ولا مواربة ويجب أن يقابل الواقع كما هو ويشخص كما هو ويعالج كما هو على طريقة عمر بن الخطاب لا على طريقة عمرو بن العاص.

ووراء ذلك كله نفوس بدوية- غالبا- فيها الاستعداد للقول وفصاحة اللسان وفيها كل ما نعهده في البدوي من قدرة على البيان وسرعة البديهة وأداء للمعنى بأوجز عبارة وأقوى لفظ"(29) .

إنك إذا قرأت هذه النصوص ما أخالك إلا أن ترجو من الله تعالى أن يجعلك خارجيا وأن يميتك خارجيا وأن يحشرك في الجنة خارجيا لأن مثل هذه الصفات لا تحيد عن القرآن والسنة قيد أنملة إذ هم فروا من الكفر وهم أسود النهار ورهبان الليل لا يعرف الكذب والمعصية إليهم سبيلا، كما أنهم يصدعون بكلمة الحق ويدافعون عنها بكل ما أوتوا من قوة.

وهذه شهادات من غير الخوارج أما إذا قرأن إنتاجهم وهو مثبوت في كتب الأدب والتاريخ فإنك سترى العجب العجاب مما يجعلك تقر أنهم مسلمون بأتم معنى الكلمة.

لكن رويدا ولا تتسرع في حكمك واقرأ ما جاء عن الخوارج في كتب المقالات وخاصة ما نسب إلى بعض الفرق منهم.

وخذ لك على سبيل المثال قول الأشعري(30) (330/ 942):" فالفرقة الأولى منهم (الخوارج الإباضية) يقال لهم الحفصية" كان إمامهم حفص ابن أبي المقدام". زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار أو عمل الخبائث من قتل النفس واستحلال الزنا وسائر ما حرم الله من فروج فهو كافر برئ من الشرك..."(31) .

ويقول الملطي( 377/ 988)(32) :" فأما الفرقة الأولى من الخوارج فهم المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم في الأسواق فيجتمع الناس على غفلة فينادون: لا حكم إلا لله ويضعون سيوفهم في من يلحقون من الناس، فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا"(33) .

ويقول البغدادي(429/ 1037) (34):" والذي جمعهم (الأزارقة) من الدين أشياء منها قولهم بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون... ومنها قولهم إن القعدة ممن كان على رأيهم عن الهجرة مشركون وإن كانوا على رأيهم..."(35) .

ولا أخال إنسانا يتمنى أن يكون خارجيا بعد أن يقرأ مثل هذه النصوص التي يستحل بعض أصحابها ما حرم الله ويكفرون بالرسل ويروعون الناس في الأسواق ويعتبرون مخالفيهم مشركين.

وليس لنا في نهاية الأمر أن ننتصب حماة للخوارج أو مشنعين عليهم وإنما غايتنا بإيراد القسم الثاني من هذه النصوص أن نبين ما جنت على الإباضية خاصة من العنت والعناء وما يزال علماؤهم يكتبون- وهم في قفص الاتهام- لإبعاد هذا النسب ولمسح هذه التهم وما يزال الناس يكتبون عن الفرق وعمدتهم هذه المصادر وأمثالها فيزيدون في تركيز هذه التهم وإبعاد الهوة بين الإباضية وبين بقية المسلمين وكأن الاباضية ليسوا من الإسلام في شيء، لأنهم هم الصنف الوحيد الذي بقى من هؤلاء الخوارج (36).

والسؤال المطروح الآن تقليدي عند الاباضية- هل الاباضية من الخوارج؟ وإن كان غير الإباضية يعتقدون أن الخارجية قصرت عليهم الآن وكفى.

لقد اتسمت الحركة الإباضية بالسرية الكاملة في بداية نشأتها ولذلك يصعب على غير الإباضية أن يتصوروا بوضوح حقيقة علاقة هذه الحركة بحركة الخوارج.


والمتتبع لأقدم المصادر في هذا الشأن يدرك ما يلي:

1) أن المعارضة التي مني بها عثمان في الست سنوات الأخيرة من حكمه شرعيه، وهي منبثقة من الواقع الإسلامي ولا دخل ليد أجنبية في ذلك إذ تسكت المصادر عن دور عبدالله بن سبأ(37) الأمر الذي تلح عليه المصادر الأخرى.
2) خلافة علي شرعية (35- 40/ 656- 661).
3) طلحة والزبير ومن معهما هم الفئة الباغية ومحاربة علي إياهم واجب شرعي(38) .
4) محاربة علي لمعاوية شرعية.
5) علي أفسد بيعته بقبوله التحكيم.
6) إمامة عبدالله بن وهب الراسبي(39) الذي بايعه المحكمة بيعته شرعية.
7) يبرءون من علي لقتله أهل النهروان(39 مكرر) ويعتبرون أن عليا لم يقتلهم عن ديانة وإنما عن هوى في نفسه.

وخلاصة القول إن المحكمة على حق يرون مثلهم الأعلى في الحكم خلافة أبي بكر وست سنوات من خلافة عثمان وخلافة علي حتى قبوله التحكيم.

وهؤلاء هم من بقي من النهروان (40).

وقد كانت المصادر الإباضية تسميهم المحكمة أو أهل النهروان أو الحرورية (40مكرر)، أو المسلمين أو جماعة المسلمين.

وكان على رأس هؤلاء عروة بن أدية(41) الذي قتله عبيد الله بن زياد ابن أبيه وأخوه أبو بلال مرداس(42) هو الذي انطلق شاريا إثر موت أخيه واتضح أمره خاصة مع عبيد الله بن زياد(43) .

وقد رأينا أن أبا بلال اتصل بعائشة مع جابر بن زيد (44)، فبتحول موقف أبي بلال إلى الشراء اعترفت المحكمة بالرئاسة لجابر بن زيد.

وقد سلك جابر بن زيد مسلك الكتمان والتقية، وأمره بقتل خردلة(45) أكبر دليل على ذلك.

وما أن صعد عبيد الله بن زياد العنف حتى ظهرت في صفوف المحكمة حركة تدعو إلى التخلي عن الكتمان وإلى استعمال العنف ورد القوة بما هو أشد منها يتزعمها نافع بن الأزرق (46).

أما جابر بن زيد( 93/ 710- 711) ومن معه وخاصة منهم عبدالله ابن اباض(47) رأوا ألا سبيل إلى النجاة بحركتهم إلا بالقعود وتركيز حركة ثقافية محورها حفظ تعاليم الإسلام(48) .


وبهذا انقسمت المحكمة إلى حركتين متعارضتين:

- حركة جابر بن زيد وقد بقيت محافظة على مسالك المحكمة وبقيت تحمل نفس التسميات التي ذكرها نافع مع أن المنافح عنها بصفة علانية هو عبدالله بن إباض(49) مع تغليب التسميتين الأخيرتين "المسلمون" "جماعة المسلمين" وإضافة "أهل الدعوة".

- حركة نافع بن الأزرق ومن والاه(50) وقد تبنت في ما تذكر المصادر غير الأزرقية مبدأ رد القوة بالقوة اعتمادا على الأسس التالية:

1) اعتبار دار المخالفين دار شرك.
2) إقرار مبدأ الاستعراض(51) أي قتل كل من يعترضهم من المخالفين بما في ذلك الأطفال والنساء.
3) ضرورة الخروج والهجرة(52) إلى معسكرهم أي دار الإسلام.
تحريم القعود(53) عن الحرب واعتبار القعدة مشركين (54).

وبقيت حركة جابر بن زيد وعبدالله بن اباض تنتظر إلى أن تحول قول جماعة نافع بن الأزرق إلى عمل فبرئت منها لأنها رأت فيها خروجا عن الدين بتحميل النصوص القرآنية مالا تتحمل من التأويل (55).

وعلى هذا الأساس فهم جابر بن زيد وعبدالله بن إباض الخروج بأنه مروق من الدين، وهذا عبدالله بن إباض يقول في رسالته إلى عبد الملك:" إنا برآء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام في ما ظهر لنا، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فنبرأ إلى الله منهم" (56).

وبهذا المفهوم تستعمل المصادر الإباضية حديث المروق من الدين.

وعلى هذا الأساس نفهم لماذا يرفض الإباضية تسميتهم بالخوارج رفضا باتا لأنهم يعتبرون أن الخوارج هم المارقة من الدين.

وإن استعملت بعض المصادر القديمة كلمة خوارج وهي تعني جماعة المسلمين فإنها كانت تميز بين الخوارج وتعتبرها مرادفة للشراء(57) وبين خوارج الجور.

وأن تكون الكلمة مرادفة للشراء أي اعتزال الحكم الجائر على ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم على طريقة أبي بلال مرداس بن حدير(58) .

بينما خوارج الجور تعني المروق من الدين، والناظر في نصوص الإباضية المتعارفة مثل خطبتي أبي حمزة الشاري(59) في مكة والمدينة وفي سيرتهم العملية عندما تحملوا أعباء الإمامة يتبين أنهم يبرأون من الخوارج بهذا المفهوم قولا وعملا ويعتبرون أعمالهم من الضلالات والبدع.

وهذا أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري (140- 144/ 757- 761) يتولى محاربة الصفرية في القيروان عندما استنجد به أهلها(60) .

فالفارق واضح حينئذ بين " أهل الدعوة" وهي التسمية التي غلبت على من عرفوا في ما بعد بالإباضية وبين الخوارج بالمفهوم الذي بينه الإباضية.

فإن كان هؤلاء يعتبرون دار المخالفين دار شرك ويقولون بالاستعراض والخروج وتحريم القعود فإن أهل الدعوة يعتبرون دار المخالفين دار توحيد عدا معسكر السلطان فإنه دار حرب لا دار شرك(61) .

ولا يقولون بالاستعراض ولا يستحلون من المحاربين إلا دماءهم ولا سبي ولا غنيمة على طريقة علي بن أبي طالب مع طلحة والزبير.

كما يقولون ألا هجرة بعد الفتح ويقررون مبدأ القعود عن الثورة وسموا ذلك مسلك الكتمان حيث لا يجيزون الخروج إلا إذا صار عددهم نصف عدد العدو وكذا العدة والطاقة.

فثبت حينئذ أن التسميات التي اختارها هؤلاء الناس لأنفسهم منذ تاريخهم المبكر هي" المحكمة" "المسلمون" "جماعة المسلمين" "أهل الدعوة" كذلك انضافت في ما بعد "أهل الحق" و"أهل الاستقامة".

كما قبلوا على ما يبدو التسمية التي أسندت إليهم وعرفوا بها عند كتاب المقالات من القرن الرابع هجري وهي" الاباضية" ويبدو أنها لم تظهر لأول مرة إلا في عقيدة من عقائدهم معروفة بالدينونة الصافية لعمروس ابن فتح (283/ 896) (61 مكرر).

إلا أن كلمة "أهل الاستقامة" و"أهل الدعوة" بقيتا مستعملتين مع "الاباضية" وان غلبت في العهود الأخيرة كلمة الاباضية. (مع غلبة تسمية أخرى تختلف بين إباضية المشرق وإباضية المغرب وهي "الوهبية".

وإن رأى إباضية المشرق أنها نسبة إلى الإمام عبدالله بن وهب الراسبي فإن إباضية المغرب يرون أنها نسبة إلى الإمام عبد الوهاب بن رستم (171- 211/ 787- 826)(62) إثر التصدع الذي طرأ في صفوف الإباضية من قبل من أنكروا إمامة عبد الوهاب.

ولم يتأفف الإباضية في ما نعلم من نسبتهم إلى عبدالله بن إباض لأنه أحد أئمتهم وإن اعتبروها مجرد تسمية للتمييز وإلا فهم متمسكون بتسميتهم الأولى:" جماعة المسلمين" وهي المحببة لديهم مع "أهل الدعوة".

وإن تعجب بعضهم(63) من تأفف الإباضية من حشرهم في زمرة الخوارج وحاول أن يلطف من الحدة الواردة في كتب الملل والنحل وفي كتب المحدثين على الخوارج عامة (64)ويسعى آخر(65) إلى أن يمسح السبة بإبراز مزايا الخوارج واعتبارهم أنصار الإمام علي فإن هذا لا يحول من الواقع شيئا فإن الاباضية قاسوا من هذه النسبة من إخوانهم المسلمين آلاما كثيرة وسنركز خاصة على ما جاء في نصوص القرون المقررة.


ولنذكر بعضا من هذه الآلام في ما يلي:

- إخراج سحنون (160- 240/ 776- 854) إياهم مع جملة من أخرج من جامع عقبة عندما طهر- حسب رأيه- هذا الجامع من أهل الأهواء والبدع(66) ولعلهم لو لم يكونوا تحت هذا العنوان لبقوا، وإن كان قرار الإمام صارما فلا حياة إلا لمذهب مالك (93- 179/ 712- 795)(67) .

- واقعة مانو(283/ 896)(68) التي لم يبق فيها من علماء الإباضية إلا اثنان بعد أن كانوا أربعمائة والتي تقرب فيها إبراهيم الثاني الاغلبي (261- 289/ 874- 901) أحسن قربى إلى الله عندما ثبت لديه كفرهم (69).

- حملة المعز بن باديس(406- 453/ 1015- 1061) على جربة (431- 1039)(70) .

- إزالة الإباضية من منطقة قصطيلية (الجريد): فنزل عسكر لصنهاجة على قلعة بني درجين أرسله المعز بن باديس فحاصرها حصارا شديدا وذلك سنة (440/ 1048) فلما اشتد عليهم الحصار ولا منجد لهم خرجوا عليهم خروج رجل واحد يقاتلون حتى قتلوا عن آخرهم واستبيح ما في القلعة وهدمت وأحرقت (71).

- تخريب يحي بن إسحاق الميورقي (ت633/ 1236) لسدراته ووارجلان سنة 726/ 1326، وإن كانت حملته أوسع من الهجوم على الإباضية يقول الدرجيني في ذلك:" فلما كانت سنة ست وعشرين أو سبع وعشرين دخلها يحيى بن إسحاق الميورقي المتلثم فهدم كل ما دار عليه سورها إلى المسجد وعادت وارجلان كأن لم تغن بالأمس" (72).

هجوم درغوث باشا على جربة سنة 960/ 1553" فهاجمهم درغوث باشا ودخل الجزيرة ونزل على الساحل القبلي واجتمع أهل الجزيرة وقاتلوا قتالا شديدا وترادفت العربان مع درغوث باشا فانهزم أهل الجزيرة واستشهد منهم ألف ومائتا شهيد(73) ثم بعد حين أعدم شيخها داود التلاتي(967/ 1560).

هذا شيء مما نال الإباضية من الضير نتيجة نسبتهم إلى الخوارج.

كما أننا مهما نوهنا بالخوارج لضم الإباضية إليهم فلن نقلب وجه التاريخ ونمسح ما فعل.

أما من حيث التأليف الدفاعية في باب العقيدة فما تزال تبرأ من الانتساب إلى الخوارج منذ كتب أهل الدعوة في العقيدة وقد كتبوا كثيرا في هذا الباب.

فهذا جابر بن زيد كان يأتي الخوارج فيقول لهم:" أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين فيقولون نعم. وحرم الله البراءة منهم بدين فيقولون نعم. فيقول: أو ليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ فيقولون بلى. فيقول وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين. فيقولون نعم. فيقول هل أحل ما بعد هذا بدين فيسكتون"(74) .

وهذا عبدالله بن إباض يبرأ من الأزارقة(75) ويقول الشماخي:" وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم" (76).

كما ينسب إليه الأزكوي ما يلي:" والبراءة ممن زعم أن كل دار يحكم فيها بغير ما أنزل الله لا يعذر أحد بالمقام فيها حتى يهاجروا وأن الميت والقاتل والزاني والسارق وصاحب الموبقات في دار هجرتهم مسلمون وأن فيها الثواب عند الله، وأن دار الهجرة ليس فيها منافق ولا فاسق وأن ليس فيها ما كان في دار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إنكارهم جلد شارب الخمر وهم يجلدون من أخطأ محبتهم وهم الأزارقة وأصناف الخوارج" (77).

وهذا عمروس بن فتح الملوشائي يقول:" وقالت الصفرية بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد واستحلوا سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم(78) .

وهذا أبو زكرياء يحيى الجناوني (ق 5و 6/ ق 11و 12)(79) يقول:" وليس منا من قال إن الهجرة باقية بعد فتح مكة وليس منا من قال كل من يحل دمه يحل ماله"(80) .

وهذا تبغورين بن عيسى الملشوطي (6/ 12) يقول في الصفرية:" ولو كانوا (البغاة) مشركين كما قالت الصفرية:" إن كل من أصاب ذنبا مشرك يحل سبيه" لحل منهم السبي والغنيمة كما قالوا وزعموا" (81).

ويقول أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (6/ 12): "وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله تعالى:( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون )(6 الأنعام 121) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها" (82).

ويقول أبو عمار عبد الكافي(6 /12):" وقالت الصفرية إن كبائرهم (أهل الملة) كفر شرك، وأسماءهم كفار مشركون محاربون كأهل حرب النبي صلى الله عليه وسلم تسفك دماؤهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم وهم مع ذلك قد تورث أموالهم، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم، ويحجّ معهم، ويصلى معهم، فقسمت الأزارقة واختارت فأخذوا ما أبوا وتركوا ما كرهوا"(83) .

وجاء في آخر رده عليهم ما يلي:" ومما يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا هجرة بعد فتح مكة" وقد أتى الناس على منازلهم بعد فتح مكة وغيرها من البلدان فلم يضيق على أحد منهم في اللحوق به صلى الله عليه وسلم "(84)(85) .

وهذا إسماعيل الجيطالي(750/ 1349) يقول:" ومن الناس من ضلوا من قبل فرز ما بينهما (كبائر الشرك وكبائر النفاق)(86) ، فزعمت الأزارقة أن المعاصي كلها كبائر شرك وكفر واستدلوا بقوله تعالى ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) (33 الأحزاب 36) وفي أمثاله من القرآن . وقالت النجدية منهم: الكبائر كلها شرك وأما الصغائر فلا"(87) .

وهذا أبو القاسم البرادي (9/ 15) يبين أن الإباضية ليسوا من الخوارج فيقول:" والمؤمن عند الخوارج هو المصوب لرأيهم المهاجر إلى معسكرهم المعتقد اعتقادهم، فهذا عندهم مؤمن مسلم وإن ترك الصلاة وشرب الخمر وزنا وسرق" وقال قبل ذلك:" والمؤمن عندنا (الإباضية) في أحكام الآخرة هو الموفي بجميع الدين وفي أحكام الدنيا هو المقر"(88) .


أما القرون الثلاثة التي تعنينا فقد جاءت فيها صيغة البراءة من الخوارج قائمة على منهجين:

المنهج الأول: منهج مجرد خلال بعض النصوص عند التعرض لبعض مسائل الخلاف مثل قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قضية الأسماء والأحكام(89) .

وهذا واضح في قول المحشي(11/ 17):" وسموا صفرية لاتباعهم عبدالله بن الصفار وقيل لأنهم خرجوا من دين الله....(90)

وقوله:" قالت الصفرية(91) من أتى بالقول وضيع العمل فهو مشرك".

وقوله:" النجدية (92)من الخوارج(93) فزعموا أن الناس لا يحتاجون إلى إمام وإنما عليهم أن يقيموا كتاب الله في ما بينهم.

وليس ذلك بشيء لأنه يدعو إلى السيئة في دين الله والتعطيل لحدود الله وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد أمر الله عز وجل أن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأن تقام حدوده على ما بينها في كتابه" (94).

قد يستشهد بنص طويل تحليلي من كتاب الموجز في وجوب الإمامة.

وقد سلك هذا المسلك يوسف المصعبي أيضا حيث يقول:" والصفرية من الخوارج كما نبه إلى ذلك أبو عمرو عثمان بن خليفة في رسالته الموضوعة لبيان الفرق"(95) .

ويقول أيضا:" عمل الخوارج يعكس هذه القاعدة الفقهية :" كل ماله يورث حرام غنيمته وكل مال يغنم حرام ميراثه" (96).

ومثله عمر أو ستة إذ يقول:" والمارقة من الأزارقة والنجدية والصفرية القائلين بأن الإيمان كله توحيد والمعصية كلها شرك واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم بفعل المعصية بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني رسول الله وإنه بعثني بالحق والبعث بعد الموت فإذا قالوها فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم إلا بحقها قيل وما حقها يا رسول الله؟ قال: زنا بعد إحصان وارتداد بعد إيمان وقتل النفس ظلما وعدوانا" (97).

وقال جابر بن زيد :أزيد رابعة من كتاب الله وهي قتل الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله"(98) .

" ومع هذا يستحلون من مرتكب الكبيرة المناكحة والموارثة وأكل الذبيحة" (99).

فواضح من خلال هذا المنهج أن القضية لم تنس مع بعد الزمن، ونصوص العقائد ملحة على التمييز بين الإباضية وبين الخوارج ونكتفي غالبا بالاستشهاد بنصوص السلف من أمثال أبي يعقوب أو السوفي دون أن ترجع إلى القضية من جذورها.

وهذا يختلف عن المنهج الثاني اختلافا جوهريا وهو منهج الردود.

المنهج الثاني: عرفت مناطق الإباضية في هذه المرحلة تقلصا واضحا إلى أن انحصرت في جبل نفوسة وجربة ووارجلان ووادي ميزاب.


وعايشهم في مناطقهم وأتباع المذاهب الأخرى خاصة منهم المالكية وظلوا ينبزونهم بالخارجية في قوالب متعددة أهمها:

1- التكفير والبعد عن السنة.
2- الحق مع الأكثرية.
3- بغض الصحابة.
4- رد شهادتهم لدى القضاة ومنعهم من التجارة أحيانا.
5- الفرقة الناجية هي المذاهب الأربعة.

وسلكوا في هذا مسالك شتى أبرزها كتابة رسائل هجومية منسوبة إلى أصحابها مثل رسالة صولة الغدامسي والبهلولي(100) وبعض علماء طرابلس أو رسائل خفية الاسم تلقى في مساجد الإباضية في وارجلان والجزائر فاندفع الإباضية بحماس للرد على هذه التهم التي ما كان يمكن أن تكون لولا حشرهم في زمرة الخوارج.

التكفير والبعد عن السنة:

يقول الشماخي(10/ 16): قولك:" ومن المعلوم الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو ما عليه أهل السنة والجماعة".

أقول: ما ادعيت لنفسك تدعيه لنفسها كل فرقة وهذا فصل أتعب الأولين والآخرين وعليك أن تبين أهل السنة...

اعلم أن المعتزلة تقول نحن أهل العدل والتوحيد والحق معنا، ونحن على ما عليه الصحابة بل على ما كان عليه أفضل الأمة بعد الشيخين أعني أمير المؤمنين عليا وعنه أخذوا وهو باب مدينة العلم الراسخ الذي لا يصله أحد.

وأهل الشام من المرجئة يرون أنهم التابعون لما عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن غيرهم اجتمع على قتل الإمام المظلوم.

والشيعة يقولون الحق في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الأمة ظلموهم وتمسكنا بهداهم ورفضوهم واعتصمنا بهم.

وأهل التحكيم يرون أن الأمة مالت إلى الدنيا بين ظالم وناكث وباع ومحكم الرجال في دين الله وترك حكم الله في قوله ( فقاتلوا التي تبغي) (101) وإنهم فقهاء الأمة وكبراء الصحابة وأهل التقى:

والقعدة- أعنى من قعد عن الفتنة- يقولون إن الناس تورطوا في الفتنة وسلمنا بعد قوله عليه السلام:" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"(102) .

ولكن نسأل الله أن يقودنا إلى خير الأعمال ما يكون سببا لنجدتنا من النار" (103).

وفي لهجة دفاعية متحمسة تبين هذه المصادر أن تسمية أهل السنة والجماعة تسمية فضفاضة إذ تجد من الاختلاف في العقائد بين من يضمهم لواؤها في كثير من الحالات أكثر مما تجده من خلاف مع فرق أخرى لا يضمها هذا اللواء.

وهذا رد الشماخي:" قولك:" وأهل السنة كلهم متفقون على واحد".

أقول :ذلك يأباه من أخبرتك عنهم به بل يعدونهم فرقا كثيرة" (104).

ويكفي أن نذكر بإحراق كتب الغزالي (105)لأنه اعتبر أن الحق ليس مقصورا على الأشعري وتفسير مالك للداء العضال كما نقله ابن حبيب:" ذلك أبو حنيفة(106) ضلل الناس بوجهين الإرجاء ونقص السنن بالرأي فهو عندنا أشأم مولود في الإسلام ضل به خلق كثير وهم متمادون في الضلال بما شرع لهم إلى يوم القيامة"(107) .

ومدار هذه الردود مع ما فيها من الاعتزاز والتحدي الممزوج بالرفق أحيانا على ما يلي:

- ليس الحق مقصورا على واحد منهم (يقصد المذاهب) ولا في جميعهم بل الحق ما وافق الكتاب والسنة والإجماع.

وآراء الاباضية لم تخرج في يوم من الأيام عن هذه الأصول فهم أبعد الناس عن الكفر مذهبهم سني لا محالة وإن لم يحشرهم الناس في ظلال أهل السنة.

كما أن حشر الاباضية في زمرة الخوارج جعل التهم تسلط عليهم اعتمادا على أن:

الحق مع الأكثرية وأن الفرقة الناجية هم المذاهب الأربعة:

فهذا أبو عبدالله الصدغياني يرد على أن الكثرة ليست دليلا على الحق:" وتستظل ببني العباس وبني أمية(108) شراب الخمور، ومظهري الفجور بغاة، قطاع الطرق، وهم الأشعرية كلهم يدانون بكم وتنتصرون بهم... وقد كان نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فنجا في السفينة وحده ومعه ثلاثة من بنيه ونساؤهم.. وتبع فرعون موسى بأربعين ألف ألف، فلما خرجوا من البحر بعدما غرق فرعون قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، (7 الأعراف 138) . ثم عبدوا العجل ثم قالوا لموسى : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24) . قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ، (5. المائدة 24و 25) فسماهم الله فاسقين... وقال : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ، (5. المائدة 100)(109) فالكثرة حينئذ بصريح القرآن ليست دليلا على الحق.

" كما أن قلتهم وهجرتهم ضمن القليل الذين جعلهم الله حجة على العباد وقليل من عبادي الشكور ، (34. سبأ 13) . وقليل ما هم ، (38. ص24).

وقلت: تفرقوا (الاباضية) في البلدان بعضهم بعمان وبعضهم في المغرب. ولقد هاجر إبراهيم وحده ولوط. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فارا منم قومه وهؤلاء جعلهم الله حجة في الدنيا بعضهم بالمشرق وبعضهم بالمغرب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد قيام البراهين الساطعة والحجج القاطعة" (110).

وعلى هذا الأساس يقلب الصدغياني الحجة فتصير الكثرة سبة والقلة مدحة.

ويندرج ضمن هذا السياق اعتبار الإباضية من فرق الخوارج الضالة عدم انضوائها تحت لواء" المذاهب الأربعة" وفي ذلك يقول أبو مهدي: "وأما قول من قال: المذاهب أربعة فذلك قول ليس له مستند ولا برهان إذ لم تذكر الأربعة في القرآن

ولا نص عليها صاحب الشرع والبيان بل قال: "ستفترق"(111) ولم يقع الإجماع من الصحابة على الأربعة... وإنما حدثت المذاهب الأربعة في القرن الثاني هـ/ الثامن م، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر واحدة ناجية وأنتم تدعون أربعا المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية فقد خالف قولكم أصلكم"(112) .

ويورد التعاريتي لمحمد بن عبد العظيم المكي الحنفي:" اعلم أنه لم يكلف الله أحدا من عباده أن يكون حنفيا أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم والعمل بشريعته"(113) .

وقال فيها أيضا نقلا عن الجلال السيوطي في كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض بعد كلام:" فليعلم أن من أخذ بأقوال الشافعي أو أحمد أو أبي حنيفة أو مالك ولم يرد قول من اتبع منهم ومن غيرهم إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن أو السنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه، أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا شك فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفا ولا إنسانا ناصرا له في جميع الأعصار المحمدية وقد اتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة" (114).

بمثل هذا الدفاع نفهم لماذا تسمى الإباضية بأهل الدعوة أو جماعة المسلمين كما أنهم لم يقبلوا أن يكون لهم مقام في الحرم المكي كما فعلت المذاهب الأربعة (115)، وهم يعتبرون أنفسهم أهل تقييد لا أهل تقليد ويعتزون بأنك لا تجد للإمام الذي نسبوا إليه مسألة فقهية ففقههم تبلور شيئا فشيئا وإن كان منطلقه جابر بن زيد، لكن لا تجد في كتب الإباضية هالة تقديس للإمام جابر رغم اعتراف سائر العلماء له بسعة العلم.

وتحس أن هذه القضايا لا تمس الانتساب إلى الخوارج مباشرة لكنك إذا تأملت مليا تدرك أنها نابعة من ذلك الانتماء.


ويتجلى هذا بصفة أوضح في تهمة: الطعن في الصحابة:

معلوم أن لهجة الإباضية الأولى كانت حادة تجاه عثمان في الست سنوات الأخيرة من حكمه وكذلك تجاه علي بعد قبوله التحكيم أما مع معاوية وعمرو بن العاص فحدث ولا حرج وقاعدتهم في ذلك أن الصحابة رغم صحبتهم للرسول عليه السلام يمكن أن يصيبوا ويمكن أن يخطئوا في اجتهادهم(116) .

إلا أن لهجة الاباضية في هذه القرون قد نقصت حدتها نسبيا وانهم يحفظون في كتب العقيدة" وندين بتصويب أهل النهروان" وسلكت أحد المسالك المعروفة وهو الولاية (117).

وهذا ما يقوله يوسف المصعبي:" وكذا ما عليه أصحابه الراشدون المهتدون رضي الله عنهم وأخصهم به العشرة الكرام البررة الذين بايعوه تحت الشجرة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين وجعلنا لآثارهم تابعين وبسننهم مستمسكين غير مبدلين ولا مغيرين إلى أن نلتحق بدار كرامتهم آمين.

ونعتقد أن الكل عدول يهتدي بهم، ونمسك عما شجر بينهم كما يحكى عن السيد عمر بن عبد العزيز أنه قال: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا.

فالله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا والكعبة قبلتنا والصحابة قدوتنا.

وقد وردت آيات وأحاديث في مدحهم خصوصا وعموما وليست رسالتنا موضوعة لبسط الكلام"(118) .

وقد عدد هذه النصوص أبو مهدي (10/ 16) بعد أن قال" قولك: بلغنا عنكم أنكم تبغضون بعض الصحابة فيا سبحان الله كيف نبغض الصحابة مع ورود النصوص في فضائلهم والثناء عليهم كتابا وسنة يأبى الله ذلك والمسلمون بل هم عندنا في الحالة التي ذكرهم الله عليها من العدالة والنزاهة والطهارة والثناء والمدحة.

قال الله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ، (3. آل عمران110).

وهم بالحالة التي وصفهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال:" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (119).

وغير ذلك من المدح والثناء عليهم.

اللهم زدنا محبتهم واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين (120)".

ولا تفهم هذه النصوص إلا بالتذكير بإطارها التاريخي حيث صار الاباضية يعيشون في طور الكتمان والهجومات عليهم عديدة فنحس أنهم عدلوا من موقفهم في هذه القضية دون أن يخلوا بأصول مذهبهم خاصة إذا أخذت النصوص بالمفهوم العام فلا شك أن الإباضية يترضون على الصحابة ونص أبي مهدي أكثر وضوحا من حيث التعميم وما أخال أبا مهدي لو سئل عن معاوية وعمرو بن العاص خاصة أن تكون إجابته من هذا القبيل.

ولا يخفى أن هذه التهمة وجهت للإباضية من أجل الخارجية وقد علمنا أنها تسمية تمازج فيها المفهوم الديني (المروق من الدين) مع المفهوم السياسي (الخروج عن علي) بالنسبة إلى غير الإباضية طبعا.

وقد انبنى على هذه المواقف تهمة عملية وهي رفض شهادة الإباضية في هذه المرحلة في طرابلس ومنعهم من التجارة في البلدان التي يحكمها إسماعيل بن شريف سلطان مراكش (1083- 1139/ 1671- 1726) (121).

وهذه فقرات من الرسالة التي وجهها يوسف المصعبي لأهل طرابلس وعلى رأسهم أحمد باشا.

"وذلك أنه بلغنا أن جماعة من أهل الجزيرة شهدوا في قضية في مجلسهم الشريف وتنفيذهم الأحكام الشريفة. وأخبركم بعض من يدعي العلم من الواشين أن شهادتهم غير مقبولة فدخلت وسوسة لقلوبكم وقلوب أولي الألباب فأدهشتهم وحاروا في الجواب لتصوير كلام الواشي في قالب الصواب وعدم اطلاعكم على عقيدة الجماعة في الكتاب.

ولما بلغنا ذلك وجب علينا أن نخبركم بعقيدة الجماعة أولا ونكافح الواشي وحده ثانيا بسنان اللسان وواضح البرهان ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم ، (8. الأنفال42).


فرتبت الرسالة على أصل وفرع وخاتمة:

فالأصل في بيان عقيدتنا التي نحيى عليها ونموت إن شاء الله" (122).

" ولنصرف العنان إلى بيان الفرع الموعود بذكره فأقول وبالله التوفيق:

" هذا الأصل المتقدم إنما قصدت به إيضاح المعتقد لذوي الإنصاف من الإخوان الولاة والقضاة والعلماء ذوي الإحسان دون كل غبي متعصب متعسف كذاب سباب...

وأي بهتان أعظم من رمي المسلمين بالطعن فيهم وإدخالهم عموما في جملة من ترد شهادته من أهل الفسق والضلال من الفرق الضالة والمضلة من الروافض والخوارج... (123).

... قال أهل العلم: والغالون هم الخوارج المارقة والصفرية وأشياعهم وغلوهم هو حكمهم بأن جميع المعاصي شرك وجميع العصاة مشركون وبنوا على ذلك تحليل دماء المسلمين وأموالهم وسبي ذراريهم وكفروا بعض الصحابة بذلك رضي الله عنهم إلى غير ذلك من خبائثهم".

ثم أورد نصوصا غير إباضية في تجويز قبول شهادة المبتدع:" والأصح قبولها إن كان ضابطا ورعا ولم تكن بدعته كفرا ولم يكن يدعو إليها".

فإذا نص هؤلاء الأئمة على جواز قبول شهادة من ذكر مع ما هم عليه من اعتقادهم فكيف بشهادة من كانت عقيدته ما رأيت وسمعت..."

ثم أورد نصوصا عديدة تبين أن الدين ليس منحصرا في المذاهب الأربعة.

"قال الغزالي: من زعم أن الحق مقصورا على واحد من النظار بعينه فهو إلى الكفر أقرب" (124).

" الخاتمة: أسئله للواشي في مسائل مختلفة لإبراز عجزه وجهله"(125) .

وفعلا لعبت الرسالة دورها وعادت شهادة الإباضية إلى نصابها في طرابلس.

ويذكر عيسى ابن أبي القاسم الباروني (12/ 18) ما يوحي بأن نفس القضية- أي رفض شهادة الإباضية- حدثت في تونس.

ولا شك أن العزابة تصدوا لهذا الأمر لكن لم نعثر على نص التصدي ونرجح أن يكون لسعيد الجادوي أو يوسف المصعبي اعتمادا على التاريخ الوارد في الوثيقة التي أوردها عيسى الباروني (سنة 1120 ربيع الثاني/ جويلية 1708).

" وبعد فقد اتفق علماء تونس على تجويز شهادة العزابة في العموم والخصوص لا سيما أهل الصلاح لأن شهادة من أتى بالقول والعمل أبلغ ممن أتى بالقول وضيع العمل" (126).

"000وأن القادح فيهم يستتاب من ذلك، فان تاب وإلا قتل شرعا."

حرر بتاريخ أشرف الربيعين 1120/ جويلية (127)1708 بمحضر الأمير حسين باي بن علي (1117- 1147/ 1705- 1734).

إن اتضح أن محور هذه الوشايات يقوم على اعتبار الإباضية من الخوارج وطعنهم في الصحابة فإن وشاية أخرى حددت الطعن في الشيخين ونتج عنها قرار سلطاني من إسماعيل بن شريف سلطان مراكش(11 ذي الحجة 1082- 27 رجب 1139/ 14 أبريل 1672- 30 مارس 1727) يمنع تجار جزيرة جربة من تعاطي التجارة في البلدان التي يحكمها.

وهذه فقرات من الرسالة التي وجهها سعيد الجادوي (12/ 18) إلى السلطان المذكور:" أتى إلى سيادتك نمام، ونسب إلينا ما لا ينسب إلى مسلم... من بغض الشيخين أبي بكر وعمر وغيرهما... فوالله العظيم ونبيه الكريم(128) ما هذه إلا فرية عظيمة... وأما نحن فنقول فيهما سيدا أهل الجنة لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة...." (129).

ثم يورد عدة أحاديث ويختم بـ" هذه أحاديث تدل على أفضلية الشيخين وإنما أوردناها لنعلم من قال فينا خلاف معتقدنا فيهما" (130).

ونفهم من هذا الطعن خطأ القادح بين المحكمة الذين يرون أن المثل الأعلى بعد الرسول صلى الله عليه وسلم يتجلى في أبي بكر وعمر وبين الرافضة الذين يرون أنهما اغتصبا الخلافة من علي بن أبي طالب.

ومهما يكن من أمر فإن المسألة ترتكز عادة على عثمان وبصفة أخص على علي وقد بينا كيف أن الردود تأتي عامة عدا رسالة يوسف المصعبي لأحمد باشا(131) .

وبعد أن استجلينا هذا لا ينبغي أن نغفل عما جاء في هذه الردود من المبالغات ولا يخلو أي رد من المبالغة خاصة إذا كان دفاعا عن العقيدة.

وأبرز نقطة يتجلى فيها ذلك ما أورده أبو مهدي من أحاديث في الثناء على أهل عمان والعجم والبربر بعنوان فضائل مذهبنا.

" وفضائل مذهبنا ولله الحمد لا تحصى قديما وحديثا فلو ذكرنا أكثرها في الكتاب لرأيت العجب العجاب ولكن نذكر لك بعضها. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدع وبشر ببعض فضائل أهل مذهبنا على رؤوس الأشهاد فقال:" الصخرة لأهل عمان بعرفات" (132)، وذلك معروف إلى اليوم ولا ينكره إلا متجاهل وذلك دليل الكرامات.

وقد صح أيضا قوله عليه السلام بأوضح البيان " ليكثرن رواد حوضي من أهل عمان"(133) .

فيا لها من بشارة ما أعظمها وإشارة ما ألطفها.

وذكر أيضا فضائل الفرس من العجم وذلك لما نزل عليه قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ، (5. المائدة 54) أشار إلى سلمان الفارسي وكان جالسا بين يديه فقال:" لعلهم أن يكونوا من رهط هذا".

وكذا للأفاضل البربر من العجم مثل الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم وما وصاه به جبريل عليه السلام عن البربر وذلك معلوم غير مجهول.

... وإنما صرنا إلى ذكر هذا إزالة للبس وتكذيبا لقول من يقول إن بني مصعب (ميزاب) ليسوا على شيء من الدين" (134).

والملاحظ أن أبا مهدي لم يختلق هذه الأحاديث وإنما استقاها من كتب السير والطبقات.

ولم يكن ورودها في هذه المصادر إلا رد فعل على ما انتحلته بقية الفرق لإثبات أصالتها.

وهذه عقلية سادت المجتمع الإسلامي خاصة في القرن الثاني ه/ الثامن م حيث اكتسى الصراع الديني صبغة عرقية جنسية حاربها الإسلام بقوة ولكل منطقة شعوبيتها.

والملاحظ أن هذه الأحاديث يقول فيها أحمد الخليلي مفتي عمان إن بعض ما يتعلق بعمان والعجم وارد في الصحاح وقد ثبت في أهل عمان حديث ابن برزة الاسلمي في صحيح مسلم:" لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك" وقد ترجم له مسلم بباب فضل أهل عمان. وكذلك روى أحمد في مسنده:" إني لأعرف أرضا ينضح بجانبها البحر تسمى عمان، الحجة منها بحجتين لو أتاهم رسولي ما سبوه ولا ضربوه".

كما أن ما روي في العجم منه ما هو ثابت كحديث أبي هريرة عن الشيخين:" لو تعلق الدين بالثريا لناله رجال من الفرس" وفي رواية :" من العجم".

إلا أن ما يتعلق بالبربر يذكر الخليلي أنه لم يطلع على شيء منه في مجاميع مسند الربيع بن حبيب عمدة الإباضية في الحديث.

كما أن أغلب هذه الردود جاءت حادة اللهجة ويصعب على أي إنسان يقرأ مثل هذا القول:" إن لم تجيبوني بكل ما سألتكم عنه فدماؤكم وأموالكم حلال من الله ورسوله"(135) ، أن يبقى محايدا.

ومن أمثلة ذلك قول عيسى الباروني:" أيها الجاهل تزعم أنك علامة زمانك ونحرير أوانك تدعي العلم باللسان وتجهله بالجنان..." (136).

"أيها الجاهل أشبعك الله بالهم والغم والحزن في الدنيا والآخرة" (137).

ومهما يكن من أمر فإن جل هذه الرسائل تعترف بأن قضية التسمية ترجع إلى الفتنة الكبرى التي حيرت العقول.

فهذا الشماخي يقول:" وهذا فصل أتعب الأولين والآخرين"(138) ، كما أن عمر أبا ستة يقر بما يلي:" ما (الفتنة الكبرى) تحيرت فيه الأفكار ودهشت به عقول أولي الأبصار... وهي الواقع الأربع الواقعة بين الأصحاب الأخيار، فتنة الدار، وفتنة الجمل، وفتنة صفين وفتنة النهروان" (139).

لكن ليس باليد حيلة فلابد من موقف من هذه الفتنة مع العلم أن الحياد نفسه موقف.

وقد حاول صاحب المجموع المعول أن يعدد من تخير هذا الموقف المحايد من سلف الإباضية معتمدا على تأويل نصوص عامة وردت في آثارهم محورها قول جابر بن زيد في ما يسع جهله:"... وإنما عليه الإمساك عن جميع ما لا يعرف حتى يعلم الحق من ذلك فيتبعه والباطل فيتجنبه(140) "، فذكر منهم إسماعيل الجيطالي وأبا يعقوب الوارجلاني وركز على الدرجيني لأنه لم يثر القضية في كتاب الطبقات.

ولقد أشرنا من قبل إلى أن لهؤلاء مواقف من هذه الأحداث سوى صاحب الطبقات وما سكت عنها حيادا وإنما سكت عنها تقية لأن الإباضية في منطقة الجريد كانت تحتضر من جراء هجومات الفاطميين والصنهاجيين عليها لأنهم يضعونها تحت لواء الخارجية(141) .

ويتفرد عمر أبو ستة هذا في ما نعلم بهذه الدعوة إلى التوقف في القضية ويلح على ذلك إلحاحا كبيرا وقد جاءت رسالته كلها دعوة إلى التآلف بين المسلمين

فيقول:" وعلى هذا القول بالتوقف(142) ينبغي حمل غالب الأمة ولا يلزمهم البحث عن ذلك... وهذا القول (التوقف) أقرب الأقوال إلى السلامة...إن البحث والتعلق بما شجر بينهم رضوان الله عليهم أجمعين تكلف وفضول لمن لم يعلم ذلك حيث كان مما يسع جهله "(143).

كما يقول في نصيحة الختام:" أوصيكم إخواني وإياي بتقوى الله العظيم في السر والعلانية وإياكم والغلو في الدين فإنه لا يتبرأ إلا ممن يتعين منه ارتكاب البدع والإصرار على المعصية(...) وحمدا لله أن جمهور الأمة على الحق وأن الأصل في جميعهم السلامة حيث أعاذهم الله من عبادة الأوثان"(144) .

فمن كل هذه النصوص العنيفة في رفض الانتساب إلى الخوارج نفهم ما أصاب الإباضية من ضير وعنت من جراء حشرهم تحت لواء الخوارج بمعنى المروق من الدين.

وهذا ما حدا بمن جاء بعد هؤلاء من علماء أن يسلكوا نفس المنهج وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر.


محمد بن يوسف اطفيش(1236- 1332/ 1820- 1914)(145) :

إزالة الاعتراض على محقي أهل إباض ط حجرية على نفقة داود بن إبراهيم اليسجني 1314هـ.

- سعيد بن علي ابن تعاريت (ت 1355/ 1936) (146):

كتاب المسلك المحمود في معرفة الردود. ط. حجرية 1371 ص33- 39.

أبا إسحاق إبراهيم اطفيش (ت 1386/ 1966)(147) :

فصل في كتاب " الدين والعلم والحديث" لمحمد عبد الباقي بعنوان: الإباضية ليسوا خوارج وقد ورد ص258 وطبع مستقلا بعمان نشر مكتبة الاستقامة د. ت.

إبراهيم أبا اليقظان (1305- 1393/ 1888/ 1973)(148) :

دفع شبه الباطل عن الإباضية المحقة. خ بمكتبتي. بحث مختصر.

سالم بن يعقوب (على قيد الحياة)(149) :

كراسات بها بحث مطول عن أحداث الفتنة الكبرى وفيه بين أن الإباضية ليسوا خوارج. اطلعت عليها بمكتبته.
علي يحيى معمر( 1338- 1401/ 1919- 1980)(150) :

الإباضية في موكب التاريخ. الحلقة الأولى: نشأة الإباضية . مكتبة وهبة مصر 1384هـ.

الإباضية بين الفرق الإسلامية مكتبة وهبة القاهرة 1396/ 1976 وبه عدة فصول في الموضوع.

عمرو خليفة النامي(151) :

أطروحة عن تطور الفكر الإباضي بالانقليزية نوقشت بكمبردج 1971: 9- 43.

سالم بن حمود السيابي (152)(على قيد الحياة):

أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف مطابع سجل العرب، القاهرة 1979.

أحمد الخليلي (153)(على قيد الحياة):

استجواب الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة (عُمان) في يوم الاثنين 29 رجب 1404/ 30- 4- 1984، نشرته مجلة جبرين وهي مجلة نصف سنوية تصدرها اللجنة الثقافية بنادي طلبة عمان في الأردن: 29- 33.

وخلاصة القول فقد تبين أن هذه التسميات " أهل السنة، شيعة، خوارج" لم تكن وحيا من السماء كما أنها لم تكن من باب الصدفة وإنما تتنزل في واقع سياسي مائج لعبت فيه الشهوات دورا كبيرا فاختار من بيده السلطان أحسن الأسماء ورمى معارضيه بأسوئها.

وما أن ظهرت هذه الفرق على الساحة حتى ظلت كل واحدة تدعي لنفسها الصلاح والنجاة وترمي غيرها بالطلاح والهلاك.

وانقسمت كل فرقة على نفسها وكذا حدث للمحكمة إذ أفرز ضغط الولاة على أتباعها حركة ردت التسلط بأشد منه واعتبرت كل مخالف مشركا وأتبعت القول بالعمل فمرقت من الدين كما جاء في الحديث وخرجت منه.

وظل الناس يخلطون عن قصد وعن غير قصد بينها وبين من بقي من المحكمة على المنهج الأول، ولم يبق من هؤلاء عبر الزمان إلا من اختاروا لأنفسهم أسماء هي " جماعة المسلمين" "أهل الدعوة" " أهل الاستقامة".

وأبى هؤلاء الناس إلا أن يسموهم " إباضية" فقبلوا ذلك الاسم لأنه نسبة إلى أحد أئمتهم ثم أبوا إلا أن يحشروهم في زمرة الخوارج فرفضوا هذه التسمية بكل ما أتوا من قوة قولا وعملا وما يزالون.

وكلما زادوا إلحاحا في نفي هذه النسبة زاد غيرهم من الفرق الأخرى إلصاقها بهم إلا القليل ممن قال هم أقرب إلى السنة ثم صارت أقرب إلى أهل السنة ويضيف لها ما يعدلها مثل " المعتدلة". ومهما يكن من أمر سواء أضافوا الاعتدال أو لم يضيفوا بقي الإباضية تحت عنوان الخوارج.

وقد جنى هذا العنوان على الإباضية من الويلات مالا يحصى فلذلك قالوا عبر الزمان بلهجات متفاوتة يغلب عليها طابع الشدة- شدة المتهم الذي يريد أن يبعد تهمة هو منها براء- أطلقوا علينا ما اخترنا لأنفسنا من أسماء "أهل الدعوة..." أو حتى ما اخترتموه لنا " الإباضية" المهم ألا تقولوا خوارج لأن الله حرم التنابز بالألقاب.

وأخيرا ما يزال علماء الإباضية يرفضون هذا اللقب حتى وإن صار في بعض الأوساط مدحة وعلما على الثورة ورفض الظلم لأن هذه الكلمة محملة بثقل تاريخي معين، ويفهمها كل قارئ حسب معتقداته حتى لا أقول على هواه.

وخير القول أن يعمل المسلمون في ما اتفقوا فيه وأن يعذر بعضهم البعض في ما اختلفوا فيه مع فهم الإطار العام لهذه المصادر والحق ما وافق الكتاب والسنة والإجماع.

وبعد الوقوف عند الإطار العام يحسن أن نبين حقيقة علم الكلام وأن نتعرف على مصادره الإباضية.

الفصل الثاني

التراث الكلامي عند الإباضية


تمهيد:

قال الجاحظ (ت 255/ 869):" إنه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم..." (1).

وقال الطبري (ت 310/ 922):" ثم حدث في دهرنا هذا حماقات خاض فيها أهل الجهل والعناد- نوكي الأمة- والرعاع يتعب إحصاؤها ويمل تعدادها..." (2).

هذان موقفان متقابلان يدلان على أن وراء القضية معركة. فما هو علم الكلام؟ وما هي أسباب هذه المعركة؟ وما هي نتائجها في الثقافة الإسلامية؟ وأين يتنزل التراث الإباضي في هذا الخضم؟.


تعريف علم الكلام:

علم الكلام أو "أصول الدين" أو " علم التوحيد" هو ، حسب قول ابن خلدون (ت 808/ 1406)، (علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات الإيمانية"(3) . وهو حسب البرادي (ق 8- 9/ 14- 15):" النظر في العقائد القطعيات وما لا يحل الاختلاف فيه من الاستدلال بالأدلة العقلية والسمعية في أصول الاعتقاد وتثبيتها" (4).

والمقارنة بين هذين التعريفين تبين أنهما يتفقان في قيام هذا العلم على النظر والاحتجاج العقلي قصد إثبات العقائد الإيمانية القطعية كما تبين أنهما يختلفان في نقطتين:

الأولى: تتمثل في أن ابن خلدون اكتفى بذكر الأدلة العقلية بينما ذكر البرادي الأدلة السمعية فالتعريف الثاني أكثر شمولا خاصة إذا علمنا أن علم الكلام من العلوم الأساسية العقلية التي تنطلق من النص وأن المنهج المتبع لدى جل المتكلمين يقوم على التأويل وذلك برد المتشابه إلى المحكم.

الثانية: تتمثل في أن ابن خلدون اعتبر أن علم الكلام سني المنشأ يرمي إلى الدفاع عن مذهب السلف من أهل السنة ولذلك اعتبر أنه علم آني تزول فائدته بزوال السبب وقد أشار إلى ذلك بقوله:" فينبغي أن يعلم أن هذا العلم غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا"(5) .

بينما لم يشر التعريف الثاني إلى ما يوحي بقضية النشأة والحقيقة أن علم الكلام تبلور على يد المعتزلة وهم أول من أقام أسسه.

كما سكت أيضا عن النزعة الدفاعية الآنية واعتبره علما تحصيليا ينفع في كل زمان لتثبيت أسس الاعتقاد وإن كانت المصادر الإباضية الأخرى تذكر قضية دفع الشبه بصفة مطلقة مثل المحشي(6) والمصعبي (7).

ومهما يكن من أمر فإن علم الكلام ثبت أنه علم تحصيلي يرمي إلى تثبيت العقيدة بدفع جميع ما يحوم حولها من شبه دخيلة على الثقافة الإسلامية أو نابعة من كيانها.


وإن عرف هذا العلم بالتسميات التي أشرنا إليها من البداية فلأسباب أبرزها:

أنه عرف بعلم التوحيد إشارة إلى أبرز موضوعاته وهو توحيد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وعبادته(8) .

وعرف بعلم الكلام "إما لأنه كلام في كلام الله تعالى وقدمه وحدوثه وقد هزت هذه القضية أركان العالم الإسلامي ردحا من الزمن وامتحن فيها من امتحن وقتل من قتل، وإما لأنه في بيان طرق الاستدلال على أصول الدين أشبه بالمنطق في تنبيه مسالك الحجة في علوم أهل النظر وأبدل الكلام بالمنطق للتفرقة بينهما" (9).

وعرف بأصول الدين، ولعل ذلك يرجع إلى أن العقيدة هي الأساس التي يبنى عليها الدين أو إلى التمييز بينه وبين علم الفروع الذي عرف بالفقه"(10).

وأهم ما يستنتج من تعدد التسميات هو أن كل مجموعة نظرت إلى المسمى بمنظار محدد من حيث موضوعه أو من حيث منهجه أو من حيث غرضه ويبدو أن التسميتين الغالبتين هما :" علم الكلام" و"أصول الدين" ولعل الأوساط الفلسفية العامة ترجح الكلام بينما الأوساط الدينية تغلب أصول الدين.

وإن وقع الاختلاف في التسمية فإنه برز أيضا في القضايا التي تندرج ضمن هذا العلم وقد ضبط الشهرستاني (479- 458/ 1086- 1153) الأصول الكبرى التي عولجت في هذا الفن عند كل الفرق وهي أربعة:
1- الصفات والتوحيد فيها.
2- القدر والعدل فيه.
3- الوعد والوعيد والأسماء والأحكام.
4- السمع والعقل والرسالة والإمامة(11).

ونلاحظ أن الشهرستاني في هذا الحصر يكاد يغفل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ وإن أمكن حشره ضمن الإمامة فإنه يبقى مستقلا عنها خاصة عند المعتزلة، كما أنه لا يذكر الولاية والبراءة وهي أصل من أصول الإباضية. وعلى كل فذاك اجتهاد من الشهرستاني قصد منه السيطرة على موضوع حير العقول.

ويحسن أن نذكر أن المصادر الإباضية تكتفي بذكر أربعة من هذه القضايا أحيانا إلا أنها تصل بها إلى عشرة غالبا وهي:" التوحيد، القدر، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، ألا منزلة بين المنزلتين، والأسماء والصفات والأمر والنهي، والولاية والبراءة، والأسماء والأحكام" (12).

تلك هي محاور النزاع الفكري والدامي أحيانا بين مختلف الفرق الإسلامية وعليها مدار علم الكلام.

فما هي العوامل التي دفعت إلى هذا النزاع؟ وما هي أبرز انعكاساتها على الثقافة الإسلامية وأين يتنزل الإباضي عامة في هذا الخضم وبصفة خاصة تراث المرحلة التي تعنينا أكثر؟

ليست الأمة الإسلامية أول من عرف مثل هذا الجدل الفكري في شأن المعتقد فالناظر في الديانات الوضعيه مثل البوذية والزرادشتية يتبين أنهما أثارتا قضية الآلهة وتعددها وقضية الخير والشر ومصدرهما، وقضية الجزاء وما إلى ذلك(13).

أما الديانات التي نشأت عن تحريف الرسالات السماوية السابقة خاصة اليهودية والمسيحية فقد حاج القرآن أتباعهما وبين ضلالهما في مواطن عدة منها:

وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ، (9.التوبة 30).

وقد أشار عليه السلام إلى افتراق اليهود والنصارى(14) إلى فرق شتى وسيكون لهذا أثر واضح في التراث الإسلامي كله، ويهمنا هنا ما يتعلق بعلم الكلام الذي عايش هذا الرصيد الحضاري وحرص على رد جميع ما رمي به الاسلام من شبهات ولا يخفى أن الإسلام عمر بلدنا عرف أهلها كل هذه الديانات دون أن نغفل عن الوثنية التي كانت أول من حاربه بشدة واعتنقه أناس نشأوا على هذه العقائد منهم من كان مخلصا ومنهم من كان منافقا ماكرا.

والمتتبع لمسار المد الإسلامي يلمس أن العقود الثلاثة الأولى من تاريخه لم تعرف صراعا عقديا داخليا وإنما كانت كل القوى موجهة لفتح قلوب الناس واكتسابهم إلى حضيرة الإيمان.

لكن المتأمل في هذه العقود المشعة يلمس أن كل الفرق التي نشات من بعد وجدت فيها أساسا أقامت عليه بناء تصورها سواء من القرآن أو من السنة أو من فهم خاص لبعض الأحداث.

فالقرآن الكريم إذا استثنيت منه ما جاء في الأحكام تجد أنه تركيز لعقيدة التوحيد وما يتصل بها ودفاع عنها في قوالب برهانية قصصية مثل مجادلة إبراهيم لقومه(15) ومحاجته لمن حاجه بأنه هو أيضا يحيي ويميت (16)، وهو أيضا يرد على اليهود والنصارى وحتى على الدهريين وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، (45. الجاثية24) . كما انه فيه آيات متشابهات وفيه ما يوحي بان الإنسان مخير وما يوحي بان الإنسان مجبر(17) .

كما أن أحاديث الرسول عليه السلام تطرقت لمثل هذه القضايا وخذ لك مثالين: حديث جبريل عليه السلام(18) ، وأسباب نزول سورة الإخلاص (19).

وإن عرف بعض المسلمين شيئا من الحيرة البناءة في هذه المرحلة فإن المسلك بقي واحدا وهو الإسلام وكفى.

وما أن انقدحت الشرارة الأولى- وهي مقتل عثمان(20)- حتى وجد المسلمون مجالا واسعا للحيرة المضنية المفضية إلى الاختلاف فأثيرت قضية شرعية الخلافة ولذلك تلحق عادة بأصول الدين وإن كانت إلى السياسة أقرب وصارت قضية سياسية عقائدية- ونحن نعلم ألا فصل بين الدين والدولة- وارتبطت بها قضية حكم مرتكب الكبيرة الإيمان أم الكفر أم الفسق، وتبعتها قضية القدر(21) .

وكما نبهنا من قبل بالنسبة إلى تسمية الفرق فإن نشأة علم الكلام تتنزل في الواقع الإسلامي العام، وهذا العلم هو إفرازة من إفرازات هذا الواقع المتموج ثم تندرج نحو التكامل دون أن ينفصل انفصالا كليا عن هذا الواقع التاريخي الأول بصفة خاصة.

وفي هذا الظرف ظهرت بعض الوجوه يبدو أنها تقنعت بالإسلام دون أن تعتقده نذكر: عبدالله بن سبأ اليهودي الأصل(22) ومعبد الجهني (ت 80/ 699)(23) ، وغيلان الدمشقي (ت بعد 105/723)(24) والجعد بن درهم (ت نحو 118/ 736)(25) .

وظهرت وجوه تصدت لهؤلاء وإن لم تسلك مسلكا واحدا في هذا التصدي نذكر منها: الحسن البصري (21- 110/ 642- 728) (26)، وواصل بن عطاء (ت 131/ 748) (27).

كما نذكر من المحكمة أبا بلال مرداس وجابر بن زيد وعبدالله ابن إباض ونافع بن الأزرق ثم يأتي أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة(28) .

ومن العلويين: زيد بن علي زين العابدين (ت 122/ 740) (29)ومن ماثله ممن عرفوا بالأئمة عند الإمامية(30) والجعفرية(31) والإسماعيلية(32).

هؤلاء جميعا كان لهم حظ في نشأة علم الكلام ثم طوره على يد من تنبوا أفكارهم.

وفي هذا المحيط اتضح الخلاف في شأن الإمامة فإن قالت الشيعة إنها وقف على آل البيت وقال أهل السنة إنها وقف على القريشيين فقد قالت المحكمة إنها من حق كل من توفرت فيه شروطها مهما كان أصله (33).

وفي هذا الظرف تمخضت أيضا ظاهرة الإرجاء(34) المتمثلة في مبدأ لا تضر مع الإيمان معصية فزكتها الأموية أيما تزكية كما ناصرت ظاهرة الجبر(35) القائمة على أساس ألا دخل للإنسان في ما يقوم به من حركات فجاءت ردود الفعل من أصحاب العدل والحرية(36) ردا على الجبرية وذهبوا إلى أن الإنسان حر مطلقا كما قالوا بالمنزلة بين المنزلتين ومن المحكمة في شأن الربط بين الإيمان والعمل، وتكفير العصاة تكفير نعمة ثم تكفير شرك لدى نافع بن الأزرق بعد انفصاله سنة 64/ 683 عن أصحابه.

ولكل هذه المواقف صلة وثيقة بالواقع السياسي ومن أبرز الوسائل التي استعملتها هذه الفرق لتبرير مواقفها الجدل الكلامي، وقد لمع في هذا الباب أصحاب العدل إلى أن اعتبروا أن الكلام من خاصياتهم والباحث في أطوار البلاغة العربية يلفت نظره هذا الاهتمام بالبيان في المعارك الكلامية وما يسمى بالمناظرات.

بهذا نتبين العوامل التي دفعت إلى انطلاق علم الكلام في هذا الوقت المبكر، ولعله سابق في ذلك لكثير من العلوم الإسلامية الأخرى. فما هي مكانة التراث الإباضي في هذا الخضم يا ترى؟


التراث الكلامي عند الإباضية قبل القرن 10/ 16:

نلاحظ هنا أننا سنكتفي بعرض سريع لأبرز العناوين لأن هذا العمل كان محور أطروحتين سابقتين(37) لنلح خاصة على عرض مفصل لتراث المرحلة التي تعنينا.

لقد ذكرنا أن جابر بن زيد وعبدالله بن اباض وأبا عبيدة مسلم ابن أبى كريمة يتنزلون في هذا المحيط التاريخي من النصف الثاني للقرن الأول هـ إلى النصف الأول من القرن الثاني هـ/ أواخر القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن م.

ولقد وصلتنا بعض أقوال جابر بن زيد وكذلك بعض كتابات أبي عبيدة(38) وحرص كل من الربيع بن حبيب(39) وأبي غانم (40)على جميع روايات هذين الإمامين كما نضيف إليها رسالة عبدالله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان(41) وخطبتي أبي حمزة الشاري سنة 129/ 747(42) .

فكل هذه النصوص تعتبر النواة الأولى للعقيدة الإباضية إذ فيها تصريح بمبدأ نفي الوراثة عن الإمامة وتلميح إلى الولاية والبراءة وإلى رفض قضية المهدي المنتظر كما أثيرت قضية القدر في صراع داخلي(43) واستمر الرأي على أن الله خالق الخير والشر وفي هذا تمهيد للقول الفصل في هذه القضية.

ويورد النامي نقلا عن كتاب البحث الصادق والاستكشاف في شرح كتاب العدل والإنصاف(44) للبرادي قائمة بها ثلاث عشرة رسالة نذكر منها:

- رسالة جابر بن زيد إلى شيعي.
- رسالة أبي بلال مرداس إلى المسلمين.
- رسالة أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة وحاجب(45) إلى أهل المغرب.
- ورسالة الربيع بن حبيب عن عبدالله بن عبد العزيز وأبي المؤرج وشعيب.
- وسيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب (46).

كل هذه النصوص وإن كانت متعلقة بقضية النهروان إلا أن عناوينها توحي بإثارة قضايا عقدية أخرى والدليل على ذلك رسالة أبي سفيان محبوب ابن الرحيل(47) التي وردت في كتاب كشف الغمة وجعلها كوبرلي ملحقا بأطروحته(48) ، ومحاور الرسالة تتمثل في التعريف بعبدالله بن اباض ومن عاصرهم وأخذ عنهم والايمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته الاسلام والايمان المفروضات السنن الحلال والحرام، الولاية والبراءة، البراءة من الفرق الضالة، الصفاتية ،الشيعة، الزارقة وأصناف الخوارج، المعتزلة الجهمية، وفي كل ذلك يذكر سبب البراءة.

ومع هذا السيل من الرسائل والمراسلات ينطلق التأليف في بلاد المغرب في أصول الدين وفي بقية العلوم الإسلامية.

ولعل أول ما كتب في هذا الفن في المغرب كتاب التوحيد الكبير لعيسى ابن علقمة المصري(49) ويبدو أنه رد على كتاب عبدالله بن زيد الفزاري .(50)

ثم يجدر أن نذكر رسالة الإمام أبي اليقضان محمد بن أفلح الرستمي (240- 283/ 854- 896) في خلق القرآن (51)،ورسالة عمروس بن فتح


(ت 280/ 853): الدينوية الصافية، وهي رسالة تحليلية(52) أبرزت ثلاث نقط أساسية:

- موقف الإباضية من المؤمنين والمشركين والمنافقين.
- مواطن الخلاف بين الفرق: المرجئة ،الصفرية، المعتزلة، أهل الحديث، مع ذكر الأدلة باختصار.
تحليل مالا يسع جهله طرفة عين وما يسع جهله من الإيمان والعمل حتى يحل وقته.

وفي هذين القرنين أي الثاني والثالث هـ/ الثامن والتاسع م، نما الفكر الاعتزالي نموا عريضا، وحمل فيهما اللواء واصل بن عطاء(53) وعمرو بن عبيد (80- 144/ 699- 761)(54) والنظام (ت231/ 854)(55) والجاحظ وتبلورت أصولهم الخمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كما خاض أبو حنيفة في هذا الباب في " الفقه الأكبر" وقال بالإرجاء وامتحن احمد بن حنبل (164- 241/ 780- 855)(56) والقائلين بقدم القرآن إثر صدور قرار المأمون (178- 218/ 786- 833)(57) بحمل الناس على القول بخلق القرآن(58) ومن ذلك الحين

اتسم علم الكلام عند أهل السنة بنزعة دفاعية بل كثيرا ما كفر من يتعاطى هذا العلم وقد ذكرنا في مطلع هذا الفصل موقف الطبري منه.

ولا ينبغي أن نغفل عن التذكير بالتمازج الشديد بين الحضارة الإسلامية والحضارة الفارسية مع ارتقاء العباسيين الذين قربوا هذا العنصر وعليه أقاموا دولتهم، وحرص الخلفاء على الترجمة وأحداث بيت الحكمة احسن دليل على ذلك، وبهذا تمازج الفكر الإسلامي مع الفكر الهندي وبصفة خاصة الفكر اليوناني الذي اعتبره النصارى اكبر مخرب للعقيدة(59).

ثم ما أن تولى المتوكل الخلافة (232- 247/ 846- 861)(60) حتى انقلب الوضع وثأر أهل السنة لأنفسهم على المستوى السياسي وعلى المستوى الفكري مع تحول الأشعري عن الاعتزال وإرساء منهج جديد عرف في ما بعد بالأشعرية خاصة في كتابيه " الإبانة عن أصول الديانة" و" مقالات الإسلاميين" والماتريدي (ت 333/ 944)(61) خاصة بكتابيه " كتاب التوحيد" و" تأويلات أهل السنة" وبذلك قوي الصراع بين أهل السنة والمعتزلة وهجن هؤلاء الكلام وحاربوه بشدة.

وقد عرف هذا القرن سيطرة المد الشيعي مع الفاطميين بالمغرب ثم بالمشرق وقد كانت المناظرات على أشدها في بلاط الفاطميين يترأسها أحد الأئمة مع القاضي النعمان (ت 363 974) (62)، وقد اضطر الى الالتحاق ببلاط المعز لدين الله الفاطمي (331- 362/ 953- 973) (63)عالمان من علماء الكلام عند الاباضية وهما أبو نوح سعيد بن زنغيل (ق 4/ 10)(64) وأبو خزر يغلا بن زلتاف (ت 380/ 990)(65) وتنوه كتب السير ببراعتهما في المناظرة مما دفع المعز إلى الحرص على اصطحابهما الى القاهرة إلا أنه لم يرافقه إلا أبو خزر. ولأبي نوح كتاب في علم الكلام وصفه البرادي في كتاب شفاء الحائم وبين أنه حدد مالا يسع جهله ودلل على استحالة الرؤية وبين أن الاستطاعة مع الفعل كما بين أن القرآن مخلوق إلا أنه هذا الكتاب ما يزال مفقودا(66) .

ولأبي خزر كتاب عرف باسم كتاب أبى خزر وهو جواب على أسئلة وجهها إليه بعض شيوخ الاباضية وقد حققها عمرو النامي ومحورها الرد على المخالفين في المسائل التالية: مسألة أسماء الله تعالى، هل الاسم هو المسمى أو غيره؟ هل هي مخلوقة؟ مسألة الوقوف وهي متصلة بالولاية والبراءة تحديد مالا يسع جهله قضية العباد والرد على المعتزلة مسألتي الاستطاعة والإرادة مناقشة المرجئة والخوارج في قضية الإيمان(67) .

ثم ما أن أحس علماء الإباضية بعجزهم عن بعث دولة من جديد حتى فكروا في ما يعوض ذلك في عصر الكتمان فوجدوا خير أسوة في سيرة أبي عبيدة مسلم في البصرة فكونوا نظام الحلقة الذي اشتهر بنظام العزابة، وأرسى أبو عبدالله محمد بن بكر قواعد هذا النظام(68) فآتى أكله بعد حين في باب الأصول فبرزت في النصف الثاني من القرن الخامس هـ /الحادي عشر م المؤلفات التالية:

1) كتاب التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية ومعانيها مفصلا بابا بابا لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (471/ 1078) (69).
2) كتاب مسائل التوحيد لأبي العباس احمد بن بكر (504/ 1110) (70).
3) كتاب تبغورين بن عيسى الملشوطي (6/ 12) (71):
ــ أصول الدين(72). ـــ كتاب الجهالات (73) .
4)عقيدة نفوسة، لأبي زكرياء يحيى الجناوني (74)، والقسم الأول من كتاب مختصر الوضع في الأصول والفقه(75).

إن هذه النصوص تعالج جميع قضايا الأصول وبدأت تتخلص من قضية الردود لتقر أصول الإباضية دون أن تعتمد على كثرة الاستدلال المهم أن ترسخ هذه الأصول في الأذهان- مثل عقيدة نفوسة- وإن جنح تبغورين في كتاب أصول الدين الى مناقشة كل الفرق في الأصول التسعة لابراز اعتدال مواقف الاباضية أما كتاب الجهالات فهو كتاب مختصر تعليمي يعلم الإنسان كيف يجيب عن جميع الأسئلة المحتملة في أصول الدين.

وإن تمخض المحيط الإباضي عن مثل هذا الإنتاج الذي يوحي بأن مؤلفات الاشعري لم تسر بعد إلى هذه الأوساط فإن هذا القرن عرف امتدادا واضحا في الأوساط الاشعرية لفكر الاشعري خاصة بعد البغدادي والبلاقاني (338- 403/ 950- 1013)(76) والاسفراييني (ت 471/ 1078)(77) .

كما تأصل تيار آخر كاد يبقى منسيا لولا ابن حزم الأندلسي (384- 456/ 994- 1064)(78) ألا وهو المذهب الظاهري أما التيار الماتريدي فقد بقي مغمورا وكانت الغلبة للتيار الاشعري إلا أن التيار الاعتزالي قد عرف نضجا جليا مع مؤلفات القاضي عبد الجبار(415/ 1025) (79).

وما أن هبت ريح الأشاعرة في عاصمة الإباضية الثانية بعد سقوط تاهرت وهي سدراته ووارجلان (80)حتى تصدى لها علماء كان لهم باع طويل في علم الكلام وظهر نتاج زاخر لم يعرف الاباضية لـه نظير وظل عمدتهم إلى يومنا هذا فشرحوا، وحشوا، واختصروا، وهذا المصنفات هي:

- كتاب السؤالات ورسالة في الفرق لأبي عثمان عمرو بن خليفة السوفي(81) .
-كتاب الموجز، وكتاب شرح الجهالات لأبي عمار عبد الكافي الوارجلاني (570/ 1174) (82).
- كتاب الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق. (واشتهر بـ: كتاب الدليل والبرهان).
كتاب العدل والأنصاف في أصول الفقه والاختلاف. (واشتهر بـ كتاب العدل والأنصاف) وكلاهما لأبي يعقوب الوارجلاني (83).

ولا بأس من ذكر عقيدة أبي سهيل(84) وإن لم تلق نفس الرواج لكن أهميتها في سهولة استيعاب ما فيها.

نلمس بوضوح أن الفكر الإباضي أدرك مستوى النضج والقدرة على الاستيعاب والدفاع في منطق متكامل فهذا أبو عمار الذي عرف البيئة التونسية في تونس زمن الموحدين بما فيها من تيارات يقف منافحا عن الاسلام فيرد على الفلسفات القديمة، وأهل الكتاب في الجزء الأول ثم في الجزء الثاني من موجزه يقرر أصول العقيدة الاباضية ويدحض حجج الفرق الأخرى ببراهين عقلية ونقلية في لغة كلامية جدلية متماسكة.

ويمكن أن نعتبر أن مؤلفات أبي يعقوب مكملة ومركزة لما جاء عند أبي عمار ذاك أنه حدد في الجزء الأول من كتابه جميع مسائل الخلاف مع الأشاعرة وركز حجج الإباضية في هذه المسائل كما أنه حدد ما يسع جهله ومالا يسع جهله وما بين علماء الإباضية من فويرقات في هذا الشأن وحرص على ضبط أقسام العلوم في الجزء الثاني مع الاعتناء بعلمي المنطق والحساب، وقد ساعدته رحلاته العديدة على استغلال ملاحظاته في علم الكلام. أما الجزء الثالث من كتاب الدليل والبرهان فقد جاء متنوعا يحكى ما في البيئة الاباضية من غليان فكري، ذاك أنه أجوبة عن رسائل وجهت في الأصل لأبى عمار عبد الكافي فلما أدركته المنية تولى أبو يعقوب الإجابة عنها بما يشفي الغليل في الرد على مختلف الفرق سواء المتأصلة أو المنشقة عن الإباضية مثل النكار.

أما كتاب السؤالات فقد أجاب صاحبه عن خمسة وتسعين سؤالا في جميع مسائل الأصول، وهو ثروة فكرية عملية تمكن الإباضية من الاستعداد للإجابة عن أية قضية من القضايا التي كانت تطرح في حلقات المناظرات في ذلكم المحيط الذي تتعايش فيه جميع الفرق دون أن تجد أية مضايقة.

فواضح إذن تعايش التراث الإباضي مع سائر التراث الإسلامي خاصة ومع التراث العالمي تعايشا قويا بناء مستقلا برأيه، معتدا بذلك الرأي فلا يتردد أبو يعقوب مثلا اعتماد فكر الغزالي في علم المكاشفة(85) وفي الثناء على رسائل إخوان الصفاء مع عرض فحواه(86)ا إلا أننا لم نجد إشارة إلى علماء آخرين برزوا في القرن (5 /11) مثل ابن عبد البر (368- 463/ 978- 1071)(87) وفي القرن (6/ 12) مثل الشهرستاني (479- 548/ 1086- 1153) ذلك لأن فكر الأشعري بقي طاغيا.

ولئن استمر الفكر الأشعري في قوته على يد المتكلمين أمثال البيضاوي (ت 685/ 1143)(88) والتفتازاني (712- 793 /1312- 1390)(89) والايجي (756/ 1355)(90) فإن مسح الميورقي لسدراته واستئصال الإباضية من منطقة الجريد أدى إلى تراجع واضح، واهتم هؤلاء بسيرهم وكان ذلك على يد الدرجيني في طباقته (في القرن السابع هـ/ الثالث عشر م) لكنهم لم يسكتوا عن أصولهم فانبرى أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي (ق7/ 23)(91) وهو يشكو من تفريط الناس في علم الأصول: (طويل).

نظرت إلى قرائنا فوجدتهم***بفقه المعاش مولعين بألسن
تناسوا أصول الدين من أجل أنها***صعاب وما فيها ثمار لمن يجن


فوضع نونية في اثنتين وثمانين ومائة بيت جمع فيها أصول الدين فذاع صيتها في

ما بعد حتى صارت بمثابة النشيد الرسمي تحفظ وتنشد في عدة مناسبات.

ثم شرحها الجيطالي (ت 750/ 1349) (92)في مجلدين نهج فيهما منهجا تحليليا استدلاليا مقارنا لا يخلو من نزعة دفاعية وقد كتب عقيدة مختصرة عرفت باسمه وأفرد قنطرة من قناطر كتابه الموسوم ط بقناطر الخيرات" لأصول الدين بين أنه عمد فيها إلى الاختصار بناء على توسعه في ذلك في شرح النونية ولا ينبغي أن نغفل عن الباب الأول من أبواب كتابه قواعد الاسلام فهو أيضا عرض دقيق لقضايا التوحيد.

أما عامر الشماخي (792/ 1390) (93)أبرز فقهاء الإباضية فإنه لم يغفل هذا الباب بل اكتنزه في رسالة موجزة عرفت بالديانات بين فيها موقف الإباضية من القضايا الأصولية التسع مفتتحا كل قضية بقوله ندين ويشفع هذا بترجمة ابن جميع (ق8/ 14)(94) لنص العقيدة الذي ألف بالبربرية في القرن الخامس هـ/ الحادي عشر ميلادي فيما يبدو فصار العمدة في العقيدة وهو أول ما يحفظ في جربة ووادي ميزاب إلى جانب القرآن الكريم والحديث الشريف.

ثم يسطع نجم البرادي فيملأ القرن التاسع هـ/ الخامس عشر م(95) برسالة الحقائق عرف فيها المعنى الاصطلاحي لأهم المفاهيم الأصولية وأظهر براعته في هذا الفن وإلمامه به في شرحه للدعائم المسمى " شفاء الحائم على الدعائم" وقد استوفى فيه ما يتعلق بأصول الدين متبعا في ذلك منهجا تحليليا مقارنا مستفيدا من كل وصله من نصوص إباضية وغير إباضية.

بعد أن ألممنا بتراث القرون التي هيأت للمرحلة التي تعنينا أكثر، فلنقف عند المؤلفات الأصولية في هذه المرحلة تفصيلا.

الإنتاج الإباضي في أصول الدين(1) في القرون
10، 11، 12 هـ/ 16، 17، 18 م

تنطلق التصانيف الإباضية في أصول الدين في هذه الحقبة التي تهمنا بشرح أحمد بن سعيد الشماخي( 928/ 1522) لعقيدة التوحيد لأبي حفص عمور ابن جميع(2) ، وقد أثبت أنه " انتهى من شرحه هذا في أوائل شهر شعبان سنة أربع وتسعمائة/ فيفري 1499. وهو العام الثاني من إخراج المسلمين النصارى من جربة" (3).

وأبو العباس أحمد الشماخي (ت 928/ 1522) هو سلسل أسرة عريقة في العلم سكن يفرن وأخذ عن أبي عفيف صالح بن نوح. تحول بعد وفاة شيخه إلى تطاوين وتلالت بجبل دمر طلبا للعلم، ثم واصل طريقه إلى تونس حيث التقى بملك إفريقية أبي عمر عثمان الحفصي( 839- 893/ 1435- 1488) سنة 891/ 1486، وتحاور معه في مسائل فقهية.

كما التقى في إحدى رحلاته بفقيه إباضي من عمان هو محمد بن عبدالله السمائلي العماني ونقل عنه عدة أخبار عن إباضية المشرق.

وكان يهتم أحيانا بتاريخ مؤلفاته من ذلك ضبطه لتاريخ انتهائه من شرح مقدمة التوحيد وذلك سنة 904/ 1499.

والمشهور كما يروي ذلك مؤرخ جربة المعاصر سالم بن يعقوب أنه توفي بجربة وقبره بحومة تيواجن، وذلك سنة 928/ 1522 على خلاف ما يذكره لويكي.


مؤلفاته:

- شرح عقيدة التوحيد (انظر ما يلي:131)
- سير المشايخ: ط حجرية القاهرة 1301. عرف فيه بنشأة الإباضية وخاصة سير مشائخ المغرب.

- مختصر كتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني (6/ 12) في أصول الفقه وشرح المختصر خ. بمكتبتي .وقد فرغ من تأليفه 854/ 1489.
- شرح كتاب مرج البحرين في الفلسفة والمنطق لأبى يعقوب الوارجلاني وهو قسم من كتاب الدليل والبرهان. خ بمكتبة سالم بن يعقوب غيزن.
- أعراب مشكل الدعائم، لابن النظر العماني وقد انتهى من تأليفه سنة 888/ 1483 كما أثبت في آخر النسخة البارونية خ. لم يهتم فيه إلا بالقضايا اللغوية والنحوية.."فآثرت مختصرا يتضمن مشكل إعرابه".
- رسالة في الرد على صولة الغدامسي (انظر ما يلي:163 )
- ورسائل أخرى في الفقه (4).

ويبدو أن آخر ما صنف في هذه القرون الثلاثة حاشية يوسف بن محمد المصعبي (ت 1188/ 1774) (5)على كتاب أصول الدين لتبغورين ابن عيسى الملشوطي (ق 6/ 12) (6).

وبين هذا وذاك ألفت عدة تصانيف نرتبها كما يلي: (1) المؤلفات المستقلة. (2) الشروح والحواشي. (3) الردود والأجوبة. (4) المختصرات.


المؤلفات الذاتية:

إن التأليف الذاتية في أصول الدين في هذه القرون تكاد تكون منعدمة وإننا لم نعثر إلا على ثلاثة رسائل اثنتين منها لأحمد بن سعيد الشماخي والثالثة لعبدالله السدويكشي (1068/ 1658) (7).

ولعل هذا يرجع إلى أن ما ألف في ما مضى كثير، لذلك لجأ علماء هذه الحقبة إلى الشروح والحواشي لتوضيح ما جاء من إشكال في تلك النصوص التي أقرت العقيدة الإباضية بصفة نهائية.

أما رسالة الشماخي الأولى فقد جاءت موجزة وهي جواب أجاب به (8)أحد الطلبة حول قضية العلاقة بين الاسم والمسمى بالنسبة إلى الله تعالى، وهي مخطوطة بها أربع صفحات تحتوي على مائة سطر بخط مغربي واضح(9) .

وقد بدأها بذكر الفرق بين التسمية والاسم والمسمى لغة ثم بين أن الإباضية يعتبرون أن الاسم هو المسمى مدللا على هذا الاعتبار بعدة آيات من القرآن الكريم وبثلاثة أحاديث.

وقرر بعد ذلك اعتمادا على كلام الوارجلاني أن الخلاف بين الإباضية وغيرهم اعتباري لفظي.

كما أجاب عن بعض الاعتراضات والاستفسارات وانتهى إلى تقرير أن الاسم يدل على المسمى وأن الاباضية يمنعون أن يقال إن الله سمى نفسه في الأزل(10) وتبدو النزعة التعليمية واضحة في هذه الرسالة إذ جاءت في قالب حوار (إن قلت. قلت).

وأما الرسالة الثانية فقد جاءت في منتهى الإيجاز وهي خ. تحتوي على صفحة واحدة بخط مغربي واضح بها ثلاثة وعشرون سطر(11) .

وموضوعها: صفات الله تعالى، وقد برهن بطريقة منطقية جدلية على أن صفات الله الذاتية غير زائدة على الموصوف وكذلك صفاته الفعلية.

وقد بدت النزعة الجدلية بما فيها من تحد واضحة في هذه الرسالة على إيجازها.

وأما الرسالة الثالثة فهي لعبدالله السدويكشي عدد صفحاتها سبعة وبها 134 سطر(12) . وهي موسومة بـ" رسالة في اختلاف العلماء في القرآن المجيد" وقد حدد موضوعها في الخاتمة كما يلي:

" فقد ذكرت ما أمكنني ذكره من احتجاج الفريقين (القرآن مخلوق- القرآن أزلي" فهي مقارنة بين القائلين بالحدوث والقائلين بالقدم وفي ذلك يقول:" وأما القائلون بأن القرآن قديم فهم المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية.

وأما القائلون بأن القرآن مخلوق فهم المعتزلة والإباضية والشيعة على اختلاف مذاهبها" (13).

وقد بدت النزعة الجدلية واضحة في كل الرسالة ما دامت كل جماعة تحاول الانتصار لموقفها وقد أورد المصنف حجج الذين يعتبرون أن القرآن قديم ودفاعهم عن موقفهم في العنصر الأول ثم أورد حجج القائلين بخلق القرآن ومنهم الإباضية وقد جاء القسم الثاني أطول وأوضح من القسم الأول ومرجع هذا إلى أن السدويكشي يتبنى موقف القائلين بخلق القرآن.

الشروح والحواشي:

1) شروح عقيدة التوحيد لأبي حفص عمرو بن جميع(14) .
أ) شرح أبي العباس أحمد الشماخي(15) .

لقد تتبع الشارح متن العقيدة كلمة كلمة، فتركز الشرح على المحاور التالية: أصل الدين، الإيمان، الكفر، الإسلام، الدين، الولاية والبراءة، الأنبياء، الكتب، الكبيرة، الكلام على القرآن وأسماء الله، الرد على الخوارج والصوفية، نبذة في عقيدة أهل الحق والاستقامة( يعني الإباضية).

وقد بين الشارح الغاية من تأليفها في مقدمة الشرح حيث قال عند وصف المتن:" احتوت على نكت ولطائف يفتقر إلى تعلمها المبتدئ وربما يحتاج إلى إيضاح بعضها المنتهي. فاستخرت الله في شرح ما بدا لي من مشكلة... إسعافا لمن طلب، ومساعدة لمن رغب ولا أزيد على ما يزيل الإبهام إلا نادرا لأنه رحمه الله لم يضعها لتقرير المباحث وتهذيب الأدلة" (16).

والناظر في الشرح يتبين أن الشماخي عمد إلى التوسع أحيانا وإلى الاختصار أحيانا أخرى، كما أنه يكثر من المقارنات بين مواقف الإباضية وغيرهم بطريقة جدلية واضحة، ثم يدعم ما يقرره من الآراء باجتهاد علماء الإباضية المتقدمين دون ذكر المصدر غالبا وإنما يكتفي بذكر أسماء العلماء فقائمة أسماء المصادر لا تتجاوز الست مثل كتاب الجهالات(17) والدليل والبرهان، بينما عدد أسماء العلماء المذكورين لا يقل عن الثلاثين مثل تبغورين بن عيسى الملشوطي صاحب كتاب كتاب الجهلات وأبي يعقوب الوارجلاني صاحب الدليل والبرهان(18)، وهو يسند أيضا آراء غير الإباضية إلى أصحابها وإلى مصادرها أحيانا وقد تردد ذكر الزمخشري (467- 538/ 1079- 1194)(19) والأشعري(20) وغيرهما في غضون الشرح عدة مرات.

ثم إن الشارح إلى جانب التعريفات الأصولية والمناقشات الفكرية لم يغفل عن الشروح اللغوية فهو كثيرا ما يحيل على الزجاج (241- 311/ 855- 923) (21).

ثم إلى جانب هذا فإن تتبع النص فرض على الشارح أن يقف عند كثير من المواضيع الفقهية العلمية مثل الصلاة والزكاة وما إلى ذلك.

فواضح إذن أن شرح الشماخي جاء معتدلا بين الاختصار والطول إذا قورن بشرح أبي سليمان التلاتي (ت 967/ 1560)(22) ، وشرح محمد اطفيش، قطب الأئمة.

وأخيرا فقد جاء هذا الشرح دليلا واضحا على موسوعية الشارح ودقة ملاحظاته وإلمامه بالقضية من جميع جوانبها فهو يشير أحيانا إلى أنه يعمد إلى الاختصار وقوفا عند التزامه في المقدمة(23)، وأحيانا يضطر إلى تحليل بعض المسائل عندما يحس أن الشرح لم يمكنه من استيفاء الغرض فيلمح إليها بإحدى العبارات التالية: تنبيه(24). مسألة(25) . فرع(26). مطلب(27) .

وسيتضح من خلال هذا البحث أن شرحه منطلق أساسي لكل من يريد أن يتعرف على عقيدة الإباضية.

شرح أبي سليمان داود بن إبراهيم التلاتي (ت 967/ 1560)

قبل أن نقف عند الشرح يحسن أن نتعرف على صاحبه وتتبع أخباره يعرض صورة واضحة عن متانة العلاقة بين مواطن الإباضية بالمغرب في القرن 10/ 16 والأخبار متوفرة.

نشأته وتعلمه. إننا نجد عنهما تفاصيل يقينية واضحة كما يرويها عنه أحد تلاميذه وهو محمد بن زكرياء الباروني(28) في رسالته في نسبة الدين(29) ومفادها:

1) الدراسة بجبل نفوسة(30) : لقد ارتحل إليه منذ صغره وبعد أن حفظ كتاب الله درس عقيدة التوحيد(31) وغيرها على أبي زكرياء بن عيسى الباروني(32) .

2) رجوعه إلى جربة: لعله رجع زائرا فأقام مدة أراد أن يستفيد فيها فحلق على أبي القاسم بن يونس السدويكشي(33) ، وأبي يحيى زكرياء بن إبراهيم الهواري (34).

عودته إلى جبل نفوسة: ثم رجع إلى الجبل فلازم أبا يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي(35) بأجناون- بفتح الهمزة والجيم وتشديد النون وفتح الواو بعدها(36)- إذ يصرح أنه أخذ عنه أكثر مما أخذ عن غيره" (37).

ولما ارتجل شيخه إلى جزيرة جربة(38) انتقل الى بقالة(39) فدرس المنطق والبيان على شيخه إبراهيم أبى الأحباس(40) من تلاميذ يونس ابن تعاريت(41) .

ثم رجع الى جزيرة جربة إلا أنه لم يستقر بها.

رحلـته إلى وادي ميزاب: وحال وصوله إلى جربة بلغه صدى دروس أبي مهدي عيسى بن إسماعيل(42) تلميذ سعيد بن علي الجربي(43) فالتحق بمدرسته بمليكة(44) في وادي ميزاب961/ 1554.

نشاطه بجربة: وما أن رجع الى جربة حتى تصدر للتدريس في مسجد القصبيين(45) ثم انتخب رئيسا لمجلس العزابة(46) وصار من أهل الحل والعقد ومما يثبت ذلك قول ابن تعاريت (1289/ 1872) :" وساد بجربة وتولى مجلسها- أي تولى رئاسة مجلس الحكم فيها انذاك- واليه يرجع الأمر في زمانه" (47)، ومخاطبة درغوث باشا حين هجم على الجزيرة:" نحن جماعة العزابة"(48) .

وقد كان مجاهدا مجتهدا في العلم والدعوة الى الحق فتصدى لدرغوث باشا وقال له في صيغة رد: " بل الفساد من قبلك لتقديمك الأسافل"(49) عندما طعن درغوث في عزابة جربة. فما كان من درغوث باشا إلا أن أخذه خدعة وسجنه شهرا ثم قتله سنة 967/ 1560.

وقبره معروف الى الآن في حومة بركوك (50)، وما يزال أهل قرية تلات(51)- التي ينسب إليها- يقيمون زيارة سنوية لهذا القبر إحياء لذكراه.

وهكذا نتبين أنه مات حديث السن دون أن يفيد كثيرا من العلم الذي حصله في شبابه فخمس سنوات على أقصى تقدير غير كافية لتكوين جيل. وأشهر تلاميذه محمد بن زكرياء الباروني الذي نقل عنه نسبة الدين(52).

مؤلفاته:(53) يقول أبو اسحاق اطفيش:" ولأبي سليمان مصنفات نفع الله بها كثيرا من عباده المؤمنين منها شرحه على متن ايساغوجي(54) في المنطق مقرر بالجامع الأعظم الزيتونة بتونس.

- شرحه على الآجرومية(55).... لم نطلع عليه.

شرح عقيدة التوحيد:" قل أن نجد ممن أدركناه من العلماء أو التلاميذ من لم يكن من محفوظاته وذلك في بلادنا- وادي ميزاب- ولعل الحال في الجزيرة ونفوسة كذلك"(56) .

وهذا أبو سليمان نفسه يضبط منهجه في شرح العقيدة في المقدمة كما يلي:" ....فهذه تذكرة لشيء من المسائل على بعض كلمات العقيدة عقيدة التوحيد من حدود وآيات وأحاديث وآثار. مناسبة لتلك الكلمات كان التلاميذ في بعض المجالس يكتبونها كما يكتبون العقيدة (57).

وقد جاء الشرح وفيا للمنهج المقترح في الخطبة ذاك أنه اصطبغ بصبغة وعظية واضحة بعيدة عن النزعة الجدلية والاحتجاج العقلي.

فطريقة هذا الشرح حينئذ نقلية توفر للقارئ ما يحتاج إليه من الآيات والأحاديث للتأكد من مفهوم المتن وقيمته مع عدم الاستغناء عن بعض الشروح اللغوية والاصطلاحية عندما يلزم الأمر لفهم النص المشروح.

نظم التحقيق في عقود التعليق لعمرو بن رمضان التلاتي: وهو شرح لشرح أبي العباس الشماخي لعقيدة التوحيد التي ترجمها ابن جميع(58) عن البربرية.

وهذا التلاتي نفسه يشير إلى غرضه من هذا الشرح:"... مزيل لما فيه من الصعوبة الشديدة ومشيد لما فيه من الفوائد الأنيقة يرتاح له أولو الألباب السالمة صدورهم من الحقد، لعذوبة لفظه المتين وما حواه من التدقيق والتبيين" (59).

والناظر في هذا الشرح يدرك أن التلاتي قصد الشرح اللغوي، عدا بعض الإشارات السريعة للتعريفات الأصولية كما يلاحظ أنه لم يفرد فصولا لبعض القضايا كما يفعل عادة في الشروح الأخرى.

والنص مخطوط بالمكتبة البارونية بحومة الحشان جربة بخط مغربي واضح. لم يذكر الناسخ ويقول مؤلفه في آخره إنه فرغ منه في 28 ذي القعدة 1181/ افريل 1768.

وأخيرا يشير التلاتي في مختصره نخبة المتين إلى أنه شرح عقيدة ابن جميع شرحا سماه اللؤلؤة المضيئة على متن العقيدة(60) إلا أننا لم نعثر عليه. كما يشير كوبرلي في قائمة المصادر والمراجع(61) إلى أن للتلاتي شرحا مختصرا لنفس النص بعنوان عمدة المريد لنكتة التوحيد كذلك لم نتمكن من الحصول عليه.

ومن عقيدة التوحيد الى حاشية المصعبي على أصول تبغورين

2) حاشية أبي يعقوب يوسف المصعبي (1188/ 1774) على كتاب أصول الدين لتبغورين (ق 6/12) (62).

ويحسن أن نتعرف على صاحب الحاشية قبل الحاشية فمن هو أبو يعقوب هذا؟ هو أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي المليكي.

ويرجع نسبه إلى آل ويرو بملكية التي ولد بها واليها ينسب أحيانا لكن غلبت عليه النسبة الى جبال بني مصعب- المصعبي- وقد انتقل مع والده(63) من وادي ميزاب الى جزيرة جربة واستقر بها. وهناك أخذ العلم عن سعيد بن يحيى الجادوي(64) وعن عمر الويراني السدويكشي(65) .

ونجد ذكره في كتب التراجم في أحداث الجزيرة منذ سنة 1103/ 1692 إذ مثل جربة في هذا التاريخ بالاجتماع العلمي الذي انعقد بمدينة لالوت(66) ويذكر ابن تعاريت انه كان مفتي جربة، ورئيس مجلس الحكم فيها، وله مجالس للتدريس في كثير من المساجد غير الجامع الكبير(67) الذي هو محط رحلة وكبير المدرسين به. (68)"

فراره الى طرابلس 1140- 1147/ 1717- 1734: لما ثبت أن عبد الرحمن اليونسي(69) من حومة قشعيين(70) يطعن في الدين ويتجسس على المسلمين اجتمعوا للنظر في أمره.

ولما ثبت عندهم ذلك أهدروا دمه دون تعيين القاتل فتصدى أحد الأنصار لقتله فخشي الشيخ يوسف والشيخ سعيد الجادوي على حياتهما ففرا إلى طرابلس سنة 1140/ 1717 حيث أقاما سبع سنوات ولم يرجعا إلا عند استيلاء علي باشا على تونس 1147/ 1743 (71).

الدفاع عن شرعية شهادة الجربيين: وبين أيدينا وثيقة مهمة(72) سنتعرض لها في عنصر الردود والأجوبة تتمثل في مراسلة أحمد باشا وإلى طرابلس سنة 1169/ 1756 للرد على من طعن في ثبوت شهادة الإباضية من فقهاء طرابلس وفعلا فقد لبى الوالي طلبه وأقر هذه الشهادة.(73)

وأخيرا يذكر ابن تعاريت أنه كان مهاب الجانب يعظ الأمراء والحكام ولا يخشى في الله لومة لائم(74).

وتوفي سنة 1188/ 1774- 1775 وقبره معروف في روضة الجامع الكبير(75) ويذكر أبو اليقظان أنه تخرج عليه عدة تلاميذ أبرزهم أبو زكرياء يحيى بن صالح الذي أحيى وادي ميزاب(76) .


وترك مالا يقل عن عشرين مؤلفا بين رسائل وحواش (77).

وهذا تعريف الحاشية(78) : لقد تتبع يوسف المصعبي كتاب أصول الدين من أوله إلى آخره فكان يقف عند ما يبدو له غاضبا إذ كثير ما يتجاوز مالا يحتاج إلى الشرح ويبدو أنه اعتمد حاشية المحشي اعتمادا كليا إذ لا تخلو صفحة من ذكر قول من أقوال المحشي بل يجعلها في كثير من الأحيان منطلقا للشرح والتحليل وقد ذكر المحشي مالا يقل عن مائة مرة.

وحرص الشارح على الوقوف على جميع أبواب الكتاب وهي الأصول العشرة المختلف فيها كل ذلك توضيحا لموقف الإباضية ويستشهد لـه بنصوص شتى من الأمهات وقد بلغ عدد الإحالات على المصادر الإباضية الى ثلاثين إحالة نذكر منها تفسير هود بن محكم الهواري(79) رسالة لأبي خزريغلا بن زلتاف في الرد على جميع المخالفين وكتاب الموجز أبي عمار عبد الكافي وكتاب الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني وشروح عقيدة التوحيد الخ... وقد تقصر هذه الاستشهادات وقد تطول حسب الحاجة إلى ذلك.

والملاحظ أنه يقارن بين مختلف النصوص وينقدها حينا، ويزكيها أحيانا أخرى مرجحا ما يراه مستقيما وكثيرا ما يصلح عبارة المصنف، أو عبارة هذه المصادر.

كما أنه يرد على مختلف الفرق، ونكاد نجزم بأنه تعرض لجل الفرق المعروفة من أشاعرة ومعتزلة وخوارج وشيعة الخ...

وفي كل هذا كان لا يتردد عن الإحالة على المصادر غير الإباضية وقد بلغت عدد هذه الإحالات الى ست وثلاثين إحالة نذكر منها تفسير الزمخشري وتفسير البيضاوي.

وكثيرا ما ينتخب من هذه المصادر ما يتفق وآراء الإباضية ليدعم به موقفهم كما لا يغفل عادة عن شرح ما ينبغي شرحه من الألفاظ شرحا لغويا معتمدا على القاموس وعلى مختصر العين. وفي الأثناء يتعرض الى الصيغ الصرفية والنكت البلاغية.

كما حرص على تفسير ما ورد في المتن من آيات قرآنية ومن أحاديث الرسول عليه السلام واعتماده في القرآن على تفسير هود بن محكم والبيضاوي والزمخشري أما في الحديث فيحيل على حاشية المحشي على مسند الربيع بن حبيب(80) مع الإشارة إلى أنه لم يحل على الصحاح الأخرى.

ثم إن النزعة الجدلية تبدو واضحة في كثير من المواطن حيث يناقش آراء مختلف الفرق ويتحرى في نسبة النصوص إلى أصحابها فإن لم يتمكن من ذلك ينبه إلى أن ذلك مما بقي في حفظه.

ونلمس كذلك أنه يعمد إلى حوصلة بعض المعاني الأساسية بعد التحليل ليقرب المعاني إلى القارئ.

كما نلاحظ أنه ينبه الى تحريف الناسخ معتمدا على عدة نسخ من المتن.

ورغم هذا الاعتناء فإنه كثيرا ما يقع في توضيح ما يبدو واضحا ولعل هذا يرجع الى طغيان النزعة التعليمية عليه، كما أن إحالاته تأتي أحيانا عامة "كما هو مشهور" ،" في بعض كتب قومنا"، " كما بين في المطولات".

ونلمس كذلك أنه يمر على المعنى المقصود عند تحليل بعض القضايا دون أن يلح عليه، وقد يقع في بعض الغموض مما يجعل الاستفادة من المتن أيسر من الاستفادة من الشرح.

كما أنه مر على الفصول الأخيرة (الصراط، الميزان، عذاب القبر) بسرعة غير متناظرة.

ومهما يكن من أمر يبقى هذا الشرح عملا رصينا يدل على سعة اطلاع صاحبه وثراء المكتبة الإسلامية التي بين يديه.

ويحسن أن ننبه إلى أن هذا النص قد اشار عمرو التلاتي الى أنه شرحه لكننا لم نحصل على هذا الشرح(81) .

3) حاشية المحشي على كتاب الوضع "مختصر في الأصول والفقه لأبى زكرياء يحيى الجناوني (5/ 11)(82) .

والمحشي هو أبو عبدالله محمد بن عمر ابن أبي ستة القصبي السدويكشي (1022- 1088/ 1614- 1679).

نشأته بمصر: ولد بجربة سنة 1022/ 1614 ثم سافر الى مصر بعد أن حفظ القرآن الكريم ليتعلم بجامع الأزهر بالقاهرة وبالمدرسة الإباضية هناك وذلك سنة 1040/ 1631.

وبقي هناك ثماني وعشرين سنة تلميذا نشطا في أول الأمر ثم تولى التدريس بالمدرسة الإباضية بحي طولون وبالأزهر حيث يشار إليه بالبدر.

نشاطة بجربة: لقد رجع إليها سنة 1068/ 1658 وأدرك شيخه عبدالله السدويكشي(83) في آخر عمره.

وما أن توفي شيخه سنة 1068/ 1658 حتى أسندت إليه رئاسة الحلقة ومهما التدريس فاضطلع بمهمته أحسن اضطلاع.

كل مؤلفاته حواش على المصادر الإباضية ولذلك اشتهر بالمحشي، ويبلغ عددها العشرين تقريبا وقد جمع هذه الحواشي تلميذ علي ابن بيان (11/ 17) (84).

وتوفي بجربة سنة 1088/ 1679 وعمره 65 سنة وقبره معروف بالمحشي بورسيغن من حومة سدويكش (85).

لقد تتبع المحشي قسم الأصول من كتاب الوضع جملة جملة فحلل ما ينبغي تحليله وعرف ما يجب تعريفه.

فوقف أثناء تحليل خطبة الكتاب عند مفهوم الرضا والاستعانة والتصلية والدين موضحا مراتب التقوى، ومعرفا أصول الدين، ومبينا قيمة الكتاب بالنسبة الى بعض الكتب الإباضية الأخرى، مشيرا الى أن البرادي نسبه إلى ابي زكرياء إلا أن هناك من نسبه الى الفقيه ابي زكرياء يحيى بن إبراهيم غير مرجح هذه النسبة أو تلك غير أنه لم يعثر على اسم هذا الأخير في سير الشماخي.

ثم تعرض الى التوحيد من حيث مفهومه وما يتصل به من أحكام ففسر سورة الإخلاص ووقف عند اسم الجلالة وصفات الله الذاتية كما وضح مفهوم الشرك وأقسامه.

ثم حدد التطابق بين مفهوم الدين والإسلام والايمان عند الإباضية ملحا على ضرورة الجمع بين القول والعمل.

ثم بين أن الأشياء محدثة وأن وسائل المعرفة الحس والعقل والشرع.

ثم توسع في الوقوف عند الأصول التي اختلفت فيها الأمة كما ضبط مفاهيم الإيمان والكفر والنفاق لغة واصطلاحا.

كما حلل حديث الرسول عليه السلام في شأن افتراق اليهود والنصارى والمسلمين الى فرق شتى.

ثم ذكر قوائم الدين وأركانه ومسالكه ومجاريه وحدوده وإفرازه وإحرازه كما يحددها الإباضية في كتب العقيدة.

ثم عدد مالا يسع جهله من العلوم طرفة عين وعرف التكليف لغة وشرعا وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يتعلق بهما.

كما وضح ما يجب في حق الله تعالى وفي حق الرسول عليه السلام وما يستحيل في حقهما وما يجوز.

ثم عاد إلى أحكام الولاية والبراءة وعرف أحكام الخوف والرجاء وحكم المن والدلائل فحدد مفهوم القياس وتعرض الى تعريف العقل.

وأنهى الباب بتحديد ما يسع جهله للورود (حتى يقع) ومالا يسع جهله أبدا.

وقد جاء منهجه استقرائيا حيث يتعرض لكل قضية من جميع وجوهها معتمدا على الشروح اللغوية وقد يعمد الى فقه اللغة أحيانا كما يحقق وجوه الخلاف فيها مقارنا بين آراء الفرق الإسلامية منتقدا ما يرى ضرورة انتقاده بقوله:و" المناسب أن يقول".

وقد تجلت النزعة المنطقية في تحليله لبعض المسائل كما أنه لا يتردد في مناقشة بعض المسائل ليرجح ما يراه صوابا وهو في أغلب الأحيان يحيل على المصادر المعتمدة الإباضية منها وغير الإباضية ناسبا إياها بوضوح إلى أصحابها.

وفي كل هذا تتضح نزعة المحشي التعليمية حيث يريد أن يقرب المفاهيم الى المتعلم دون أن يثقل عليه الرجوع الى الأمهات.

تلك هي حاشية المحشي على أصول الدين من كتاب الوضع وذاك هو منهجه فيها(86) .

أما حاشيته على باب التوحيد من كتاب قواعد الاسلام لإسماعيل الجيطالي فيشير تلميذه علي ابن بيان الى أنه ألفها سنة 1057/ 1647 وأنها أول حواشيه. وفعلا إن الناظر في هذه الحاشية يتبين أنها دون حاشيته على الوضع بكثير لكنها لا تخلو من فائدة وقد بلغ عدد صفحاتها 100 من الحجم المتوسط وبكل صفحة 23 سطرا. والمخطوطة موجودة بجامع الملاق بجربة وتاريخ نسخها قريب من تاريخ وفاة

الشارح إذ نسخت سنة 1109/ 1697 والناسخ هو أحمد بن عمر بن داود يقول إنه نسخها من نسخة بخط علي ابن بيان نفسه.

ولم نعتمد هذه الحاشية كثيرا لأن المسائل تتكرر بنفس الصيغة تقريبا في حاشية الوضع لذلك لم نحل عليها إلا مرات معدودات. ومنهج المحشي هو نفسه في الحاشيتين.


4) حواش على كتاب الديانات:

حاشية على كتاب الديانات(87) للسدويكشي ويوسف المصعبي: والسدويكشي هو أبو محمد عبدالله بن سعيد بن أحمد بن عبد الملك السدويكشي (ت بعد 1068/ 1658)

نشأته الأولى ما تزال مجهولة لكن نعلم أنه تولى رئاسة مجلس العزابة سنة 1034/ 1625 سنة وفاة رئيس السابق سعيد التغزويسني(88) وهذا يدل على تقدم سنه لأن رئاسة الحلقة يتولاها أقدم الجماعة انتسابا.
وتشير المصادر إلى أنه كان يتولى الإفتاء والفصل بين المتخاصمين في مسجد بني لاكين (89).

كان جريئا في قول الحق لذلك اضطهد من قبل أمير جربة ولم تحدد المصادر اسم هذا الأمير.

ويقول سعيد ابن تعاريت:" له في علم الكلام اليد العليا وتبخر في أصوله وفروعه وله مؤلفات عديدة"(90) يهمنا منها خاصة: حاشيته على كتاب الديانات.

وقد حج في آخر عمره فتوفي بمكة المكرمة وذلك بعد 1068/ 1658(91) .

لقد انطلق السدويكشي في الشرح إلا أنه لم ينتبه منه إذ وصل الى قول عامر الشماخي:" وندين بأن الله خالق كلامه ووحيه ومحدثه وجاعله ومنزله "(92).

أما القضايا التي وقف عندها فهي: ذات الله تعالى وهو ليس كمثله شيء، موضوع نفي رؤية الله تعالى، قضية علاقة الصفات بالذات ، قضية الكسب، قضية خلق القرآن.

وقد اعتمد السدويكشي منهجا مقارنا مع الإلحاح على إبراز آراء الإباضية وتفنيد حجج الفرق الأخرى وإشارته إلى آراء الإباضية تظهر بصيغة "أجيب" أو " نحن" أو "أصحابنا" أو "المتأخرين من أصحابنا" أو " أهل الحق".

والملاحظ أن السدويكشي لا يعتمد على الاستشهاد كثيرا بل منهجه جدلي استلالي يقوم على تعديد المسائل بصفة واضحة ودقيقة وفي هذا دليل على سيطرته على القضايا التي يعرضها، وحجته في ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع اعتما الحجج العقلية عند الحاجة الى ذلك.

والمخطوطة بالبارونية تقع في 49 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة 24 سطرا وقد ذكر الناسخ لقبه وهو ابن اسماعيل وأشار الى التاريخ برمز لم نتمكن من فهمه.

هذا عن القسم الذي وقف عنده السدويكشي فماذا عن حاشية يوسف المصعبي (93)على بقية كتاب الديانات؟

يذكر يوسف المصعبي في آخر الحاشية أنه أتمه ليستغني الطالب عن كدح خاطره في مراجعة المطولات تلبية لرغبة الطلبة.

وقد عالج في شرحه القضايا التالية: الولاية والبراءة، والوقوف مع الإلحاح على الولاية والبراءة من الأشخاص وذكر شروطها ومع الوقوف خاصة عند الولاية والبراءة من أئمة الحكم، قضية الإمامة وقد تعرض لها ضمن تحليل مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعد والوعيد والرد على من يقول بإخلاف الوعيد، قضية خلود أهل الكبائر، قضية الشفاعة ، قضية الأدلة على وجود الآخرة وهل الجنة والنار مخلوقتان الآن أم لا ، تعريف النفاق والكبائر والصغائر، ثم أخيرا رد على من ينكر السنة والرأي، وميز بين العلم والجهل.

إن منهج يوسف المصعبي يختلف اختلافا كليا عن منهج السدويكشي، إذ بقدر ما يقلل السدويكشي من الاستشهادات يعتمد المصعبي اعتمادا كليا على الاستشهاد فيدعم مواقف الإباضية من القضايا المطروحة بمنقول طويلة قد تتجاوز الصفحتين مع ذكر المصادر ومؤلفيها وقد ورد ذكر مالا يقل عن ثلاثين مصنفا من مصنفات الإباضية وأثنى عشر مصنفا لغير الإباضية.

وفي كل هذا لا يغفل عن عرض آراء جل الفرق الإسلامية مع الاجتهاد في الرد على مواقفها التي لا تتفق وآراء الإباضية وإثبات ما يتفق والموقف الإباضي.

وفعلا فقد جاء الشرح موافقا لملاحظة الختام التي أشرنا اليها إذ يغني عن الرجوع الى المصادر ويضع بين يدي القارئ ما يحتاج إليه من نصوص في شأن كل

قضية مع الترجيح بين مختلف المواقف اعتمادا على موقفه الشخصي ويشير إليه بصراحة بقوله " وعندي".

والمخطوطة موجودة بالبارونية تحتوي على 27 صفحة من الحجم المتوسط وبكل صفحة 25 سطرا وقد جاء في ص 27 أن سبب إتمام الشرح يرجح الى اقتراح عرض في مسجد ابي كثير (انظر الخريطة) بجربة إثر قراءة بداية الشرح وقد نسخ هذه المخطوطة سعيد بن عيسى الباروني في 1213/ 1799.

اللآلي المنظومات في عقود الديانات،وهو شرح عمرو التلاتي (1187/ 1173)(94) :

أن هذا الشرح مختصر بالنسبة الى ما سبق لكنه لا يخلو من فائدة، وقد أطلق بشرح لغوي واصطلاحي للمفردات الأساسية ثم تتبع الأصول التسعة الخلافية أصلا أصلا، وفي كل أصل يقارن بين رأي الإباضية ويشير إليه بعبارات مثل" نعتقد نحن معاشر أهل الحق أو أهل الصواب" أو " معاشر المسلمين " أو " عندنا" وبين آراء الفرق الأخرى مع ضبط مواطن الاختلاف والاتفاق.

وبما أن المنهج يقوم على الاختصار لا يغفل الشارح عن الإشارة الى كتبه الأخرى حيث أشبع القضايا تحليلا مثل شرحه لنونية أبي نصر فتح ابن نوح الملوشائي(95)، كما أن الشارح سلك مسلكا تحليليا خاليا من النزعة الجدلية إذ يعرض الآراء على أنها من المسلمات دون الاحتجاج لها لا نقلا ولا عقلا وإلى جانب هذا فإنه لا يغفل أحيانا عن التعرض إلى وجوه البلاغة إذا كانت خادمة للمعنى المقرر.

والمهم أن المتتبع لهذا الشرح الموجز يستطيع أن يتبين آراء الإباضية في أصول الدين بدون كبير عناء لما في النص من اختصار غير مخل بالمعاني.

إن كان هذا هو حظ كتاب الديانات في الشرح فما هو نصيب كتاب الجهالات من ذلك؟


5)الحاشية المشتركة على شرح كتاب الجهالات(96) :

لقد اعتنى ثلاثة من علماء جربة بوضع حاشية على كتاب شرح كتاب الجهالات كل بمفرده، إلا أن عالما رابعا هو علي ابن بيان حرص على جمعها وجعل منها حاشية واحدة وقد رمز الى كل حاشية بما يذكر باسم صاحبها.

فاختار رمز "مد" للمحشي، ورمز " س ن" لبي الربيع سليمان بن أحمد ابن أبي ستة، ورمز " ز" لأبي زيد بن أحمد ابن أبي ستة.

أبو الربيع سليمان بن أحمد بن محمد ابن أبي ستة ( ق 11 /17): يذكر ابن تعاريت أنه كان قوي الحافظة ويذكر الحيلاتي أنه غزير الفهم في جميع العلوم كانت نشأته في محيط أسرته العلمية وهو ابن عم المحشي، له مجموعة من الفتاوي الفقهية ورسالة في أسماء الله وصفاته لم نعثر إلا على بدايتها (دفتر رقم 1 ص63 مكتبة سالم بن يعقوب. غيزن، جربة) فلم نتمكن من الاستفادة منه.

توفي بعد المحشي وقبره شرقي زاويته بسدويكش(97) .

أبو زيد بن أحمد ابن أبي ستة (ت 1100/ 1688): نشأ في محيط أسرته وأخذ عن المحشي ثم سافر الى مصر ودرس بالمدرسة الإباضية هناك وبالأزهر ثم رجع الى جربة وساد بها وكان لـه درس خاص لمن دونه من علماء جربة... يلقون السؤالات فيتحرى الصواب.

وقد وردت رسالة من وادي ميزاب سنة 1100/ 1688 فوضعته على رأس علماء جربة (دفتر رقم واحد مكتبة سالم بن يعقوب: ص16).

وفي آخر عمره ذهب الى الحج وتوفي في الطريق راجعا (98).

أبو الحسن علي بن سالم ابن بيان اليديسي الجربي (ت بعد 1103/ 1692) من حومة الأرباح من جربة لازم المحشي وكان من أنجب تلاميذه لولاه لضاعت حواشي المحشي.

وإلى جانب هذا كان مشهورا بجمال الخط، ونساخا بارعا، كما له أسئلة كثيرة موجهة إلي شيخه، ونسب إليه سعيد ابن تعاريت رسالة في التوحيد علق عليها شيخه المحشي، ورسالة قيد فيها بعض حوادث جربة وأحوالها وما وقع فيها من تاريخ الخمسين الثانية من ق 9/ 15هـ. إلى الآن. وهو تمام المائة الحادية عشر 1100/ 1689. أم نعثر عليهما إلى الآن. كما أن له مرثية سينية في شيخه المحشي وفتاوي. ويشير ابن تعاريت أيضا إلى أنه حضر الاجتماع العلمي المنعقد بلالوت بليبيا سنة 1103/ 1692 للنظر في قضية شهادة الشهود.

توفي في أوائل المائة الثانية أي بعد 1103/ 1692 (99).

التعريف بالحاشية: لقد اجتهد هؤلاء في تبسيط ما بدا لهم غامضا في الشرح من أوله إلى آخره إذ لم يتتبعوا النص جملة جملة. وقد جاءت هذه الحواشي ملمة بجل مواضيع المتن والشرح ويمكن أن نضبطها في المحاور التالية:

السؤال : قيمته ، آدابه.
الدليل والاستدلال وقيمتهما في المناظرات وفي توضيح ما يتعلق بالحدوث والخلق والجوهر والعرض.
الله تعالى: وجوده، أزليته، وحدانيته، أسماؤه وصفاته، استحالة رؤيته، كلامه.
تبيين أفعال العباد: الأفعال، الطاعة، التوكل، الكسب، الصلة بين العقل والقلب وبين العقل والجسم...
الصلة بين الخالق والمخلوق: التكليف، الأمر والنهي، الطاعة والمعصية، الوعد والوعيد، الثواب والعقاب.
الصلة بين الناس: الولاية والبراءة والوقوف.

وقد جاء الكلام في هذه القضايا مقتضيا في الغالب مكملا للشرح إلا في بعض المواطن حيث تقع الإطالة بالاستشهادات أو في الردود على الفرق المخالفة للإباضية.

وقد جاءت هذه الحواشي مدعمة بإحالات على أهم مصادر الإباضية في الأصول والمصادر غير الإباضية (100).

والمنهج المقارن متبع أيضا للتمييز بين آراء الإباضية وبين آراء بقية الفرق.

والى جانب هذا نلمس اعتناء كبيرا بالشروح اللغوية وبالإعراب وبالنكت البلاغية، كما لا يغفل أصحاب هذا العمل عادة عن تحقيق ما ينبغي تحقيقه وذلك عن

طريق المقارنة بين عدة نسخ من كتاب شرح الجهالات فيرجحون ما ينبغي ترجيحه بقولهم:" واللائق أن يقال" ويخطئون ما يتضح أنه بعيد عن الصواب.

وتجلى كذلك في هذا العمل النزعة التعليمية إذ تتمثل رغبتهم في تقريب المتن والشرح للقارئ مع إراحته من عناء الرجوع الى القواميس وإلى المصادر إلا للاستزادة في التعمق لكن هذا يؤديهم في كثير من الأحيان الى التكلف بحيث يلمس القارئ أن كلام المتن والشرح أوضح بكثير مما ورد في الحواشي.

والملاحظ أخيرا أن حاشية أبي الربيع وأبي زيد توقفتا عند الصفحة 64 لينهي البقية المحشي وقد جاءت الصفحات الأخيرة سريعة ولعل مرجعه ذلك الى استيفاء المسائل في البداية.

والمخطوطة موجودة في البارونية بها 77 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة 25 سطرا وقد نسخها سعيد بن عبدالله الباروني لشيخه سعيد ابن تعاريت سنة 1259/ 1843.

وإن لاحظنا مثل هذا الاعتناء بهذه المتون فقد اعتنى الإباضية بمتن آخر جاء شعرا ألا وهو القصيدة النونية فماذا عن هذا الاعتناء؟

شروح القصيدة النونية (101):

يهمنا خاصة شرح عمرو التلاتي (1187/ 1773) الموسوم بـ " اللآلي الميمونة على المنظومة النونية".

وعمرو بن رمضان التلاتي (ت 1187/ 1773) ولد بجربة في حومة تلات وإليه تنسب أسرته التلاتي ولعله أخذ عن أبي الربيع سليمان الحيلاتي (ت 1099/ 1688) قبل سفره الى مصر.

ويذكر سالم بن يعقوب أنه سافر الى مصر مع أسرة الغول دون أن يستأذن أهله خشية أن يمنع من السفر.

واستقر في القاهرة يدرس في المدرسة الإباضية بطولون كما كان يلقي دروسا تطوعية بالأزهر.

ونتيجة لإباحته تعاطي السعوط وقعت جفوة بينه وبين علماء عصره ومن بينهم تلميذه رمضان بن أحمد الغول وقد أرسل إليه قصيدة من مصر يعاتبه على موقفه.

وكان كثير الشكوى من الفقر، ولم يتزوج.

له عديد من الحواشي والمختصرات كما له ديوان شعر في شتى أغراض الشعر. نذكر منها هنا أهمها وهي شرحه لنونية أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي (7/ 13) ويذكر أنه شرح أصول تبغورين بن عيسى الملشوطي (6/ 12) وسماه: شرح أصول تبغورين حوى الإيضاح والتبيين.

وقد ذكرنا من قبل شرحه لكتاب الديانات لعامر الشماخي (8/14) وشرحه لشرح الشماخي لعقيدة التوحيد لغويا بحتا.

وسنقف عند مختصره لشرح أصول تبغورين(102) وبعد تعريف الشارح نقف عند الشرح.

لقد بين الشارح أنه استفاد من شرح الجيطالي للنونية إلا أنه آخذه ببعض المآخذ حاول أن يتلافاها في هذا الشرح وتتمثل في:
كثرة التكرار.

جمع مالا يناسب الفن من الكلمات اللغوية والأشعار العربية.

تقديم شروح هذه المعاني على ما له صلة بالموضوع.

نوع من التفكك في الربط بين المعاني.

ثم يعتذر للجيطالي وينطلق في شرحه، ومنهجه في ذلك وهو أن يلم بكل ما في البيت شكلا ومضمونا ثم يختم بحوصلة يشير إليها بقوله:" وحاصل معنى البيت وزيادة".

وهذا عبد العزيز الثميني(103) ينوه بهذا الشرح عندما أراد تشذيبه مما فيه من تكرار مع إضافة معان مناسبة لمحلها فيقول:" فوجدته شرحا جامعا للمقصود بالذات وبالقصد الأول من فوائد العقائد الدينية، وحاويا للمقصود بالغرض، وبالقصد الثاني من موائد القواعد النحوية ولطائف الأسرار المعانية وكاشفا عن وجوه المخدرات البيانية، وجيدا بجواهر من المحسنات البديعية، ودرر من القوانين المنطقية وكنوز عزيزة من المسائل الفقهية، واضعا للكل على طرف التمام بحيث يجتنيه منه طالبه بأدنى إلمام" (104).

ونضيف الى هذا التعريف التنبيه إلى أن التلاتي اعتمد على منهج تحليلي مقارن يورد فيه الأقوال مدعمة بأدلتها منسوبة الى أصحابها سواء أكانوا من الإباضية أم غير الإباضية.

وقد اتبع التلاتي منهجا موحدا مع كل الأبيات ويتمثل في أن ينطلق من الشرح اللغوي والإعراب ثم بعد ذلك يحوصل معنى البيت بقوله:" وحاصل معنى البيت وزيادة" وبعد ذلك يحلل القضايا الأصولية تحليلا مستوفى بقدر الإمكان.

والمخطوطة متوفرة في البارونية بخط واضح عدد ورقاتها 236 ورقة من الحجم المتوسط بكل صفحة 24 سطرا. ويذكر في آخرها أنه فرغ من التأليف 1172/ 1759. أما النسخ فتم بجامع بني لاكين بتاريخ جمادى الأولى 1265/ افريل 1848 على يد صالح بن سعيد الباروني.

من خلال هذا العرض للشروح والحواشي نلمس بوضوح غزارتها بالنسبة الى المؤلفات الذاتية لكن قبل أن نصل الى الاستنتاج العام يحسن أن نقف عند الأجوبة والردود.

الردود والأجوبة: لقد وردت على الإباضية في هذه المرحلة تهجمات عديدة وذلك نتيجة لتقلص عدد الإباضية في عدة مواطن مثل مدينة غدامس وهذا اضطر علماءهم الى أن يدافعوا عن مبادئهم.

كما أن علماء الإباضية كثفوا في ما بينهم التساؤل عن القضايا الخلافية العقائدية وذلك حتى يستحثوا بعضهم على توفير أجوبة مختصرة تمكن من الدفاع عن المبدأ عند الحاجة.

ولنبدأ بعرض رد أحمد الشماخي على رسالة لصولة الغدامسي.

1) رد أحمد الشماخي على صولة الغدامسي (105) : إن نص الرد مخطوط بالبارونية بجربة ويحتوي على 52 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة منها 24 سطرا ولم يذكر تاريخ النسخ.

وبقدر حدة الرسالة جاء الرد عنيفا ومن ذلك يقول في المقدمة:" زخرفت الخط وبالخطأ، وخفي عنك ما تحت الغطا... وما ألجأك إلى التأليف وأنت لا تحسن الترصيف..." (106) ثم يبين أنه يسلك في الرد مسلك الاختصار لأنه تتبع جميعها يستدعي مجلدا.


ثم تتبع في جوهر الرسالة القضايا المطروحة قضية قضية مع الانطلاق من صيغ الغدامسي مشيرا إليها بـ " قولك".

وقد سعى الشماخي الى دحض جميع حجج الغدامسي معتمدا في ذلك على القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع وانطلاقا من مصنفات الماتريدية والأشاعرة لتبيين الاختلافات داخل المذاهب الأربعة، وهو في كل هذا ينبه الى أن جل ما ورد عنه الإباضية قال به بعض الأشاعرة أو بعض الماتريدية مع الإحالة كذلك على النصوص الإباضية المعتمدة في أصول الدين.

والمتتبع للرد يتبين سعة اطلاع الشماخي وقدرته على توجيه النصوص انطلاقا من مصادر معتمدة لدى الخصم.

ولا يخلو هذا الرد من الاحتجاج المنطقي إلا أن لهجته اتسمت غالبا بالجدة والتهجمات السليطة، كنا نود لو ترفع عنها الشماخي لسعة أفقه، ومع ذلك لم يغفل عن غرضه المرسوم المتمثل في تحليل مواقف الإباضية وقد عرفنا رصانته العلمية في شرحه لعقيدة التوحيد لابن جميع.

وتأتي بعد هذا الرد رسائل أبي مهدي عيسى بن إسماعيل.

2) ردود أبي مهدي وأجوبته: أما أبو مهدي عيسى بن اسماعيل (ت 971/ 1564) فله مجموعة من الأجوبة والردود، وقبل أن نتعرف على إنتاجه الفكري يحسن أن نتعرف على المؤلف.

أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: يذكر علي يحيى معمر نقلا عن شيخه إبراهيم أبي اليقظان أن أبا مهدي يرجع الى عرش أولاد نائل نشأ على المذهب المالكي ثم تحول إلى الإباضية فصار من أعلامها، وممن تمر بهم نسبة الدّين إذ أخذ عنه محمد بن زكرياء الباروني من نفوسة وداود التلاتي من جربة (107) ومجموعة من علماء وادي ميزاب.

أما أبو مهدي فقد أخذ عن عمي سعيد بن علي الجربي (108) واستقر بمدينة مليكة وبها توفي سنة 971/ 1564 وإليه تنسب المقبرة المعروفة باسمه (مقبرة سيدي عيسى) هناك (109) .
ومعايشته للبيئة المالكية والإباضية ستجعله أكثر قدرة من غيره على الردود لأنه تحول عن اقتناع. وهذا رده على أبي الحسن البهلولي الذي كفر الإباضية واعتبرهم مكذبين بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.


1) رد أبي مهدي على البهلولي: لقد بين في مقدمة هذا الرد فضائل المذهب الإباضي وأسبقيته التاريخية وختمها بقوله:" والذي يظهر من قولك أنك لم تطلع على المذاهب وأصول الاختلاف فكتبنا لك هذا الكتاب ليتبين لك الخطأ من الصواب مشتملا على العقيدة الوهبية الإباضية ومتضمنا للجواب على المسائل الآتية بالأدلة القاطعة والبراهين الواضحة والحجج المنيرة الساطعة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة (110) .

وفعلا فقد تتبع هذا المنهج فبين أسس العقيدة الإباضية وحلل حديث افتراق الأمة ثم تناول القضايا الخلافية، مثل موقف الإباضية من الصحابة ومن خلق الأفعال، والوعد والوعيد، والخلود والشفاعة واستحالة الرؤية ومن خلق القرآن.

وقد اعتمد أبو مهدي على منهج مقارن مقتبسا حججه من أمهات مصادر الإباضية مثل موجز أبي عمار، ودليل أبي يعقوب يوسف الوارجلاني.

وجاءت في كل هذا لهجته بين الحدة والرصانة وقد دلت دلالة واضحة على اقتناعه الكامل بما اختاره لنفسه بنفسه.

وقد اعتمدنا نسخة مطبوعة حجرية طبعت بتونس سنة 1321/ 1903 على ذمة الحاج محمد بن الحاج صالح بن عيسى اليسجني المزابي ضمن مجموعة ونص الرّد جاء من ص 106 إلى ص 187 من الحجم المتوسط وعلى هذه النسخة نحيل في بحثنا هذا.
وإلى جانب هذا نجد لأبي مهدي عددا من الرسائل.


2) أجوبة أبي مهدي عيسى بن إسماعيل (111) :

رسالة في إعراب كلمة الشهادة: يخال قارئ العنوان أنه سيفوز بشيء من الأصول ضمن الإعراب لكن تتبعها يثبت أنها درس تطبيقي في النحو إذ حرص صاحبها على جمع ما بين يديه من الروايات ووجوه الاختلاف بين اللغويين في شأن الإعراب.
رسالة في معنى التوحيد والوحدانية والإلهية والربوبية: لقد سلك أبو مهدي مسلك السلف في جمع الآراء حول ما يسع جهله ومالا يسع جهله وهو في ذلك يميز بين الإيمان والتوحيد.


والرسالة استيعاب وإعادة لما ورد عند السلف وترى المؤلف يسند التعريفات إلى أصحابها من أمثال أبي عمار وأبي يعقوب وأبي عمرو السوفي وأبي نصر وابن جميع.

فوظيفة الرسالة لا تتمثل في الاستنباط وإنما تقوم على توفير النصوص الإباضية في موضوع واحد بين يدي السائل.

ونرى المؤلف واعيا بذلك إذ يقول:" وإنما حملني على تكرير المسائل وتقرير الأدلة للسائل مع أن الجواب في بعضها رغبة في نيل فضل الفكر، ولذة الذكر، فالمتفكر به في النعيم الدائم والصلاح القائم ولأن في التكرير تقرير المعاني في الأنفس وتثبيتا لها في الصدور...".

جواب لأهل عمان: لقد وردت على أبي مهدي رسالة من أهل عمان سنة 913/ 1507 تتضمن أسئلة في الأصول والفروع، وقد جاء الرد موسعا إذ يتضمن 33 صفحة جاءت ضمن مجموع خ بالبارونية ويمتد من ص 63 إلى 96 صفحاته من الحجم المتوسط ويبلغ عدد الأسطر 21 سطرا بالصفحة.

ومراحل الرسالة تتمثل في: تقديم يذكر بورود الرسالة: ضبط نص الرسالة الواردة. شرح مقدمتها شكلا ومضمونا ثم الإجابة عن الأسئلة. ويهمنا خاصة السؤال الأول وهو في الولاية وقد وردت فيه تعريفات لعدة قضايا مثل الشفاعة وخلق القرآن.

والملاحظ أن أبا مهدي يعتمد اعتمادا كليا في تحليل القضايا على المصادر الإباضية وهذا طبيعي إذ الخطاب موجه للإباضية بعمان.

كما نجد ضمن هذا المجموع 8 صفحات من 2 إلى 9 لم تسند إلى صاحبها لضياع بداية النص، والمقارنة مع رد أبي مهدي علي البهلولي تجعلنا نرجح أنها من تأليفه إذ يكاد يكون النص واحدا، إلا أن اللهجة جاءت تقريرية لاختلاف المخاطب.


وقد عالج المؤلف فيها قضيتين:

قضية خلق القرآن : واعتمد أدلة من القرآن تثبت أنه مخلوق منها: الجعل، والنزول، والذهاب، والتفاضل، وقضية الحكاية والمحكي، وقد استفاد كثيرا من رسالة متقدمة في الموضوع لأبي اليقظان الرستمي (112) .

قضية استحالة رؤية الله تعالى: فأورد أدلة من القرآن والسنة ومن أقوال الصحابة مع التذكير ببعض حجج علماء الإباضية وغيرهم ممن قالوا بالرؤية.



والمتأمل في هذه الصفحات على اختصارها يتبين أنها استوعبت القضية استيعابا مقبولا.

ذلك هو بعض ما وصلنا من رسائل أبي مهدي يدل دلالة واضحة على تعايشه المخلص مع الفكر الإباضي فماذا عن جواب محمد بن زكرياء الباروني؟


3) جواب محمد بن زكرياء الباروني النفوسي: هو أبو عبدالله محمد ابن زكرياء بن عبد الرحمن بن موسى الباروني( ت997/ 1589) من علماء جبل نفوسة نشأته الأولى بيفرن ثم رحل الى جربة فأخذ عن أبي سليمان التلاتي (967/ 1560).

وقد كتبت نسبة الدين نثرا وشعرا وهما ملحقان بآخر سير الشماخي وقد عرضها على شيخه التلاتي فاستحسنها.

وقد اخذ عنه عمر بن علي بن ويران السدويكشي.

وقتل مع جماعة من العلماء بقلعتهم بيفرن عند هجوم الثائر يحيى بن يحيى السويدي سنة 997/ 1589 (113) .

وقد عالجت الرسالة عدة قضايا فقهية لكنها بسطت القول في قضيتين من قضايا الأصول هما استحالة الرؤية وخلق القرآن وجاء الاحتجاج على طريقة السلف ليس فيه أي ابتكار وتتمثل قيمة الرسالة في تقريب هاتين القضيتين من السائل أو ممن لم تتوفر بين يديه أمهات المصادر في هذا الباب.

والمخطوطة بالبارونية تضم 5 ورقات من الحجم المتوسط بخط دقيق وعدد الأسطر 39 بالصفحة. لم يذكر الناسخ في آخرها . إلا أن المؤلف أشار بوضوح الى أنه انتهى من تأليفها في جمادى الأولى سنة 966/ فيفري 1559 في يفرن بمنزلهم في القلعة. وقد ذكر في آخرها القتال الذي كان يدور بين الأتراك والعرب آنذاك في جبل نفوسة.
ثم الى جانب هذا النوع من الردود والرسائل نجد رسائل موجهة الى أولي الأمر عن مواقف الإباضية ومصالحهم الحياتية ومن ذلك رسالة يوسف المصعبي الى والي طرابلس.

4) رسالة يوسف المصعبي للدفاع عن شهادة الإباضية: رفعت قضية سنة 1155/ 1742 الى القضاء في طرابلس فرأى بعض القضاة رد شهادة بعض الشهود لأنهم إباضية ولم تذكر الوثيقة

اسم القاضي إلا أنها ذكرت أن ذلك حدث زمن احمد باشا (1123- 1158/ 1711- 1745).

وأمام هذا التحدي السافر كاتب إباضية نفوسة يوسف المصعبي وقد كان التجأ إليهم من قبل سنة 1140/ 1727، وحضر معهم الاجتماع العلمي المنعقد بلالوت سنة 1103/ 1691، ليبين عقيدة الإباضية وليدافع عن صحة شهادتهم فلبى طلبهم ووجه رسالة الى والي طرابلي أحمد باشا تحتوي على 14 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة 24 سطرا . خ البارونية بدون رقم و د. ت (114) فبين في مقدمتها سبب الشكوى وقد أشرنا إليه من قبل ثم بناها على أصل وفرع وخاتمة.

أما الأصل فبين فيه حقيقة الإباضية في لهجة رصينة، فجاءت مختصرة واضحة من نوع المتون التي تحرر ليحفظها المبتدئون.

وأما الفرع فوضح فيه اعتمادا على أقوال علماء المالكية ضرورة قبول شهادة أهل القبلة وعدم تكفيرهم.

وأما الخاتمة فطرح فيها أسئلة تثير قضايا عقلية ونقلية في علم المناظرة وعلم الفرائض وما إلى ذلك مبينا أنها موجهة إلى الوشاة لا لغيرهم، وفي هذه الأسئلة ضرب من التعجيز لهؤلاء حتى يقلعوا عن غرورهم.

وقد جاءت بداية الرسالة طافحة بالشكوى والأسى والتأسف على ما وقع بين المسلمين. أما بقية الرسالة فبينت سعة اطلاع المصعبي، وقدرته على اعتماد حجج من غير المصادر الإباضية تخدم قضيته وتنصف أصحابه، وفعلا فقد آتت الرسالة كلها وأقرت بعد ذلك شهادة الإباضية في طرابلس هذا عن رسالة المصعبي فماذا عن رسالة الجادوي إلى مراكش؟

5) رسالة سعيد بن يحيى الجادوي (ت بعد 1103/ 1693) الى سلطان مراكش إسماعيل بن شريف (1082- 1139/ 1672- 1727) (115) .
أما الجادوي فهو سعيد بن يحيى الجادوي الآجيمي من حومة آجيم بجربة. أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان ابن أبي ستة (116) وتتلمذ عليه يوسف المصعبي وسعيد بن عيسى الباروني صاحب رسالة في تراجم علماء جربة (ت 1289/ 1872).

ويقول عنه تلميذه الباروني:" الفائق في العلوم المنقولة والمعقولة" ص 90 وقد شارك مع الوفد الجربي في الاجتماع العلمي الذي انعقد في لالوت سنة 1103/ 1692 للتثبت في موضوع شهادة الشهود.



وله مجموعة فتاوي (دفتر 2 بمقبرتهم بطرف منزل سكناهم على الجادة المارة من مسجد ليمس الى المرسى بحومة آجيم (117) .

وأما رسالته فقد ثبت أن بعض الوشاة طعن في الإباضية وذكر أنهم يبغضون الشيخين فاتخذ اسماعيل بن شريف موقفا ضد الجربيين، ومنعهم من تعاطي التجارة في البلدان التي يحكمها فتصدى سعيد الجادوي للقضية وكاتب السلطان مبينا موقف الإباضية من أبي بكر وعمر بأدلة من الحديث والسيرة ونوه بنزاهة الجربيين وأمانتهم.

وقد جاءت الرسالة في غاية الهدوء والتلطف ومعلوم أن الإباضية يرضون بالإجماع على أبي بكر وعمر بل يرون أن خلافتهما مع عمر بن عبد العزيز رمز الخلافة الراشدة.

والرسالة خ بخط سالم بن سيعقوب في مكتبته تحتوي على صفحتين من كراس ضمن رسائل أخرى.

وواضح من خلال هذه الرسائل أن الكتابة تكثفت في هذا الصدد لكن لم تخل القرون الأخرى من مثل هذه الرسائل فماذا عن هذه الأجوبة؟


6) رسائل وردود أخرى: وتأتي في هذا النسق رسالة لأبي عبدالله الصدغياني مؤسس جامع وادي الزبيب ق 7/ (118) 13 :

- موجهة لأهل وارجلان- يعرفهم حقيقة المذهب لأن أهل الخلاف في ذلك الزمان يحاجونهم ويعانتونهم.

وهي خ تحتوي على 22 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة 25 سطرا موجودة بالبارونية. نسخت 1226/ 1811.
وقد عالجت الرسالة أهم قضايا أصول الدين: الله لا تبدو لـه البدوات، الكفر والإيمان ،الخلود، الوعد والوعيد، حكم أهل الكبائر. كما تعرضت إلى موقف الإباضية من الفتنة الكبرى ومن الأمويين والعباسيين، وعرفت بإباضية عمان والمغرب.

وقد جاءت عناصرها مضطربة لأنها كثيرا ما ترجع إلى القضايا عدة مرات.
وإلى جانب هذه الرسالة يجدر أن نذكر رسالة محمد ابن أبي القاسم الباروني في الرد على صحائف من مزونة من الجزائر وقد طبعت ضمن مجموعة بالجزائر د. ت. من ص70- 86.



وانطلقت الرسالة بالتعريف بعقيدة الإباضية ثم دافعت عما اتهم به بنو ميزاب مثل موقفهم من الصحابة، ثم تعرض صاحبها لقضايا لغوية، وعرض مجموعة من الأسئلة وهي ضرب من التعجيز (لعلها ترجع إلى مطلع ق 13/ 19).

كما يمكن أن نذكر رسالة عيسى ابن أبي القاسم الباروني وقد كتبها سنة (1210/ 1795) ردا على فقهاء غدامس وهي رد على رسالة واردة من لالوت. وهي خ بالبارونية تحتوي على 40 صفحة من الحجم المتوسط وبكل صفحة 22 سطرا. ناقصة في آخرها ولا نعرف لا الناسخ ولا تاريخ النسخ.

وقد عرف فيها أسس عقيدة الإباضية وموقفهم من الفروض والمحرمات،كما بين موقف الإباضية من الصحابة، وأورد نبذة من الأحاديث عن الفرق الضالة ونوه بأئمة الإباضية ثم جاء رده عنيفا حيث بين ما في أهل غدامس من عيوب ورد على الأسئلة الموجهة في موضوع صلاة الجمعة والصحابة والبعث.

وأما المنهج المتبع فهو قائم على الاختصار، ويورد نص الرسالة كاملا ثم يحلله ويرد عليه شيئا فشيئا.

مع الملاحظ أن العنصر الثالث ناقص من المخطوطة التي بين أيدينا.

كما يمكن أن نذكر كتاب المسلك المحمود لمعرفة الردود لسعيد بن تعاريت(انظر ص83 وقد جاء ردا على ما عرف بالفتوى الكاملية التي طعن فيها صاحبها في الإباضية (119) .


وبعد الأجوبة والردود لم يبق إلا أن نعرف بالمختصرات وهي مختصر واحد فما هو؟

المختصرات: إن كثر عدد الشروح والحواشي، فإن نصيب المختصرات دون نصيب المؤلفات الذاتية ولعل ذلك يرجع الى توفر عدد طيب من المتون التي تقرب العقيدة من المبتدئين وقد ذكرناها من قبل ولم نعثر إلا على مختصر واحد وهو:


1) نخبة المتين من أصول تبغورين لعمرو التلاتي: نلمس من مقدمة النص أن التلاتي شرح كتاب أصول الدين لتبغورين بن عيسى الملشوطي شرحا موسعا، ووسمه بـ" شرح أصول تبغورين حوى الإيضاح والتبيين" (120) ثم رغبة في التخفيف على القارئ اختصره بعنوان:" نخبة المتين من أصول تبغورين" وفي ذلك يقول:" لما فرغت من شرح أصول تبغورين حوى الإيضاح

والتبيين سنح لي أن ألخص ما فيه من خصائص المذهب، وأحررها بذكر الصواب وترك ما فيها من الجدل الذي لا داعي إليه الآن لانعدام الهمم واستيلاء الزمان، فحررتها في عبارات بليغة وألفاظ فصيحة أنيقة ليسهل الرجوع إليها عند الحاجة ولثم عرائسها الفتاكة وسميتها " نخبة المتين من أصول تبغورين" ص 144.

وقد تتبع التلاتي في هذا المختصر- تبعا للمنهج المحدد في المقدمة- أهم ما ورد في الشرح من تحليل للقضايا الأصولية ونحن نعلم أن المتن ألم بها كلها.

وقد حرص على أن يقرب المفاهيم للقارئ بأيسر السبل حيث يشير الى كل قضية بقوله:" اتفق أئمتنا" " واتفقوا أيضا"... وقد بلغ عدد القضايا المطروحة الى ثلاث وستين أولها أن الله موجود وآخرها تبين أفعال العباد.

وهو في كل هذا يميز باختصار غير مخل بين رأي الإباضية وبين رأي الأشاعرة بصفة خاصة، ويحيل أحيانا على شروحه المطولة مثل شرح النونية أو على كتب العمانيين أو على عبدالله السدويكشي.

كما أنه لم يتعرض الى الشروح اللغوية أو النكت البلاغية رغم ميله الى ذلك، وإنما حرص على أن يكون عمله اختصارا مستوفيا لأهم القضايا.

وقد طبع هذا المختصر مع مجموعة من النصوص بعنوان " العقيدة المباركة" ترتيب محمد خليفة مادي. ط الفجالة الجديدة القاهرة د. ت. وذلك من ص 144- 168.

وبهذا نكون قد استوفينا تعريف ما تمكنا من الحصول عليه من التراث الكلامي عند الإباضية بعد التعرف على الإطار التاريخي الذي يتنزل فيه ولم يبق إلا أن نقف عند البعد الحضاري لهذا التراث.

إن المتتبع للتراث الإباضي يتبين بوضوح أن خوضه في قضايا العقيدة كان من وقت مبكر، وذلك لأن أئمة الإباضية عايشوا أحداث الفتنة الكبرى من قريب، وموقفهم كان واضحا في شأنها وقد كلفهم هذا الموقف كبير عناء في حياتهم وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى أتباعهم عبر التاريخ.

وما كاد يدخل العقد الثاني من النصف الثاني للقرن الأول هـ وبالضبط سنة 64/ 683 حتى اتضح موقفهم من مرتكب الكبيرة على لسان إمامهم عبدالله بن إباض الذي كان يتعاون مع الإمام جابر بن زيد حيث اعتزل موقف القائلين بالخروج المطلق على

أساس أن الموحد يجب أن يعامل معاملة خاصة إن ظهرت عليه المعصية، وانطلاقا من هذا الموقف المبكر توسعت النصوص الإباضية في التمييز بين الكفر والشرك وكفر النعمة كما سنوضح ذلك في الباب الثالث من أبواب هذا البحث وهم في هذا يختلفون عن المعتزلة الذين لم يتضح قولهم بالمنزلة بين المنزلتين إلا في أوائل القرن الثاني للهجرة، كما يتميزون عن القائلين بالإرجاء.

أما موقفهم من الإمامة- ويعالج عادة مع القضايا الأصولية وإن كان الى الأصول الاجتماعية أقرب- فقد اتضح من تعيين الإمام عبدالله بن وهب الراسبي بصفة عملية فهو لا ينتمي لآل البيت ولا لقريش وكان انتخابه شورى بين المسلمين الذين عرفهم التاريخ بالمحكمة. هذا قبل خروج جماعة عن مبادئ المحكمة. أما بعد ذلك فرسالة عبدالله بن إباض الى عبد الملك ابن مروان جاءت أحسن دليل على عدم اعترافهم بملك بني أمية الوراثي.

وفي هذا الخضم السياسي العقدي المتموج بدأت تتضح ملامح علم الكلام شيئا فشيئا فلم يكن التراث الإباضي خاليا منها بل يتضح من خلال ما جاء من رسائل وخطب ومناظرات أن الإباضية اعتبروا العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان كما تسربت الى حلقات أبي عبيدة والربيع مواقف من بعض الإباضية تتبنى قول المعتزلة في القدر فتصديا لها بقوة وأعلنا البراءة من أصحابها.

ويصل صدى هذا الموقف إلي مصر فيكتب عيسى بن علقمة المصري كتابه التوحيد الكبير ليرد على عبدالله بن يزيد الفزاري في هذه القضية وفي قضية الأسماء والصفات كما يشير إلى ذلك أبو عمار عبد الكافي في شرحه لكتاب الجهالات والكتاب لم يسعف الزمن به بعد.
ومن هنالك يرتبط تراث الإباضية بالمغرب بتراثهم بالمشرق وتنطلق المدرسة المغربية في الإنتاج، فتأتي رسالة أبي اليقضان الرستمي في خلق القرآن ورسالة عمروس بن فتح الموسومة " بالدينونة الصافية" في أهم قضايا أصول الدين.

ولم يظهر الأشعري والماتريدي في القرن الرابع هجري إلا بعد أن اتضحت مواقف الإباضية في أبواب العقيدة، لكن الأشعري حشرهم في زمرة الخوارج ونسب إليهم من الفرق مالم يرد ذكره في مصادرهم، ولم يحل على هذه المصادر رغم وفرتها آنذاك في ما نتصور، وإن يذكر بعضا من مواقفهم التي يرتضونها. ومعلوم أن الأشعري كان منطلقا أساسيا لما عرف في ما بعد بالأشاعرة أو بأهل السنة فغطى التراث الإباضي لأن الناس ظلوا يحترسون من هؤلاء الذي يكفرون غيرهم. وفعلا قد جاءت كتب المقالات في ما بعد مكررة ما قاله الأشعري أحيانا بنصه وأحيانا بشيء من التصرف.


وفي هذا المحيط ظلت تنمو المدرسة الإباضية بالمغرب طيلة القرن الرابع والخامس هـ الى أن رسخت قدمها رسوخا متينا في مدينة وارجلان في القرن السادس هـ خاصة مع أبي عمار عبد الكافي في كتاب الموجز وفي كتاب شرح الجهالات وفي كتاب أبي يعقوب الوارجلاني الدليل والبرهان، وفعلا فقد تصديا للردود على الفلسفات الإلحادية من جهة، وعلى جميع الفرق الإسلامية من جهة أخرى، وقد وقع التركيز خاصة على المدرسة الأشعرية في جميع قضايا أصول الدين مما وقع فيه الخلاف بين المدرستين.

وبعد هذا القرن الذي يعتبر العصر الذهبي بالنسبة الى الإبداع في علم الأصول تحول مسلك التراث الإباضي الى المختصرات والشروح فهذا عامر الشماخي يولي اهتماما كبيرا بالفقه ولا يكتب إلا مختصرا في العقيدة سماه كتاب الديانات، وهو عبارة عن مذكرة شاملة لعقيدة الإباضية، وكذلك فعل إسماعيل الجيطالي في الباب الأول من كتاب قواعد الاسلام وفي قسم من كتاب القناطر وإن توسع في التحليل على شرح النونية وعلى هذا المنوال ينسج البرادي في القرن التاسع هـ في شرحه لكتاب الدعائم لابن النظر العماني.

فخلاصة الحديث عن هذه القرون التسعة أن التراث الإباضي فيها حرص على رعاية البذرات الأولى في أصول الدين النابعة من فهم الأئمة لكتاب الله تعالى ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . فظلت هذه البذرة تنمو من القرن الأول هـ شيئا فشيئا إلى أن آتت أكلها في القرن السادس هـ. وقد استطاعت وارجلان عاصمة الإباضية الثانية بعد سقوط تاهرت أن تباهي العواصم الإسلامية الأخرى بما ظهر فيها من شتى العلوم،ويهمنا منها في هذا البحث خاصة علم أصول الدين، وفعلا يعتبر هذا القرن قمة مرحلة من مراحل الفكر الإباضي في أصول الدين وبداية مرحلة جديدة ذلك لأن أسس هذا الفكر تكاملت حججه النقلية والعقلية، والناظر في التراث الذي جاء بعد القرن السادس هـ يدرك حقيقة ما نقول، إذ لا يخلو مصدر من مصادره من الإحالة على كتاب الموجز أو الدليل والبرهان.

أما المرحلة الموالية- من القرن السادس هـ الى نهاية القرن التاسع- فقد اهتم فيها الإباضية خاصة بسيرهم وفقههم وإن لم يسكتوا عن أصول الدين، ورأوا أن المختصرات فيها تقرب ما جاء منظرا محللا في ما سبق، مع شرحين موسعين في الأصول هما شرح الجيطالي لنونية أبي نصر وقد انتقد في ما بعد بأنه اشتغل بالقضايا الأدبية اللغوية أكثر من اشتغاله بالقضايا الأصولية وشرح البرادي للدعائم وعليه نحيل في تعريف الإباضية لعلم الكلام، والبرادي ظهر حذقه في الحرص على التعريف المدقق للمصطلحات وفي هذا المحيط تتنزل رسالته الموسومة بـ " رسالة الحقائق" وهي على اختصارها قد أمدت المدرسة الإباضية بقاموس مهم في التعريفات ويهمنا خاصة تعريف المصطلحات الأصولية وقد وجدنا أن كل التراث الذي جاء بعد هذه المرحلة يعتمد على هذه التعريفات اعتمادا كليا وصريحا.


تلك ملاحظاتنا عن هذه القرون التسعة فماذا عن القرون التي توسعنا في تحليل تراثها وهي القرون الثلاثة الموالية العاشر والحادي عشر والثاني عشر هجري؟

إن لاحظنا أن قطب الإشعاع كان مدينة وارجلان في القرن السادس هجري فإن تقصينا في التعرف على مؤلفي هذا التراث يثبت أن جزيرة جربة كانت قطب الدائرة في الحركية العلمية في هذه المرحلة. فالشماخي وإن كان من جبل نفوسة فإنه حط رحله بالجزيرة وحتى عندما أرخ لشرحه للعقيدة انطلق من حدث هام من أحداث الجزيرة وأما أبو سليمان التلاتي فكان منطلقه من الجزيرة واليها رجع، وبها ألف، ومنها أشع وناضل بالقول والعمل إلى أن مات شهيدا لجرأته في قول الحق وأما السدويكشي فقد نهل في ربوع الجزيرة وفي مدارسها العلمية المعارف، فاتضحت قدرته الكلامية- وإن لم يكتب كثيرا- في اعتداده بعقله وبقلة إحالاته على من سبق وأما المحشي- ولقبه غلب على اسمه لكثرة حواشيه- فقد استفاد من إقامته بالمدرسة الإباضية بالقاهرة بالإضافة الى نشأته في جربة، فاتضح طول باعه لا في علم الأصول فحسب بل في جل فنون العلوم الإسلامية، وفعلا فقد أشعت أسرة أبي ستة على الفكر الإباضي عامة أيما إشعاع ولوالد المحشي رسالة بعنوان :" المجموع المعول في ما عليه السلف الأول" تدل على المناخ العلمي الذي نشأ فيه المحشي وابنا عمه سليمان وأبو زيد وقد أثبتت حاشية كل منهم على " كتاب شرح الجهالات" وفرة المصادر والمراجع التي بين أيديهم والحرص على حسن استغلالها والفضل في جمع كل هذا الشتات يرجع إلى تلميذهم علي ابن بيان، ولولاه لصعبت الاستفادة من هذه الحواشي.

ويفد على الجزيرة في أواخر القرن الحادي عشر هـ يوسف المصعبي متعلما فيطيب له المناخ العلمي، ويستقر بها إلى الوفاة، فيسلك مسلك المحشي في تتبع النصوص الإباضية وشرحه لأصول تبغورين هو أقرب ما يكون لما يسمى بالتحقيق العلمي الآن، ومعه يتحول الثقل من جنوب الجزيرة بحومة سدويكش الى شمالها في مدرسة الجامع الكبير. ويشع في هذا القرن أيضا عمرو التلاتي وقد حط رحله بالمدرسة الإباضية بوكالة الجاموس بطولون بالقاهرة وقد استطاع بفضل ما فيه من مصادر إباضية أن يقف طويلا عند الأصول الإباضية فشرح وحشى واختصر وتفنن في ذلك وإن لم تتوفر جميع نصوصه بين أيدينا فإن استيعابه لقضايا الأصول واضح، ودفاعه عن العقيدة بين في ما اطلعنا عليه من كتاباته وإن قدح معاصروه في سيرته.

كل هذا يؤكد ما ذكرنا، بالإضافة إلى أن ما وجد في جبل نفوسة وفي وادي ميزاب يعتبر منطلقه من جربة فأبو مهدي عيسى بن اسماعيل أخذ عن عمي سعيد الجربي الذي أوفدته الجزيرة لأصلاح الوادي، وفضل أبي مهدي على الفكر الإباضي عامة لا ينسى لأن ردوده كانت منطلقة من اقتناع بعد اطلاع، إذ نشأته الأولى كانت أشعرية وكذلك محمد بن زكرياء الباروني، وقد برز في باب التاريخ أكثر من بروزه في باب الأصول فإنه يذكر فضل شيخه أبي داود التلاتي عليه.


إن مثل هذه الملاحظات لا تحط من قيمة المواطن الإباضية الأخرى في المغرب وإنما تبين التعاون المخلص بين هذه المواطن فإن أشعت نفوسة في المنطلق فقد رفعت المشعل تاهرت ووارجلان في ما بعد مع الجنوب التونسي وقصطيلية منطقة الجريد حاليا. وقد كانت هذه القرون 10، 11 و 12 هـ من نصيب الجزيرة ليرفع المشعل في ما بعد وزادي ميزاب وما يزال. ومن يزور الوادي الآن يحس بالنفس الإباضي على حقيقته. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن إشعاع موطن ليس معناه أن المواطن الأخرى موات وإنما تجد فيها سعيا إلى التجدد وإلى النهوض، ويكون ذلك عن طريق التزاور والرحلة الى طلب العلم والمتتبع سلسلة نسب الدين عند الإباضية بالمغرب يستحيل عليه أن يفصل بين علماء هذه المواطن.

وبعد بسط البعد الحضاري المتعلق بالمؤلفين يحسن أن نبين ذلك بالنسبة الى مؤلفاتهم.

يعتبر من نفل القول أن نشير إلى قلة الإنتاج الذاتي والمختصرات ووفرة الشروح والحواشي والأجوبة والردود فما هو السبب في ذلك يا ترى؟

إن هذه الظاهرة ليست خاصة بالإباضية بل هي عامة في التراث الإسلامي وكأن المسلمين أحسوا بأنه ليس في الإمكان أكثر مما كان فعكفوا على ما عندهم مع توقف ملكة الابتكار إلا في القلي النادر. واضح أن مثل هذا التفسير يقلل من قيمة الشروح والحواشي لكن أليست هذه الشروح والحواشي عملا فكريا؟ أو ليس اختيار المرء جزء من كيانه؟ ألا يستطيع الشارح أن يبدع أثناء الشرح وأن يتفطن إلى قضايا لم ينتبه اليها المؤلف وهل عرف الناس فكر أرسطو مثلا إلا عن طريق شراحه؟

وفي هذا المحيط تتنزل الشروح والحواشي التي كتبت في أصول الدين في هذه القرون فجعلها يدل على استيعاب واضح لما نظر في ما سبق مع فهم له وحسن استعمال فالمحشي والمصعبي والتلاتي ليسوا مجرد نقلة للنصوص وإنما يقارنون بين أقوال سلفهم ويرجحون قول هذا على ذاك. وهذا المنهج تتميز به عادة هذه الشروح على النصوص الأصلية لأنها تتخذ في الغالب منهجا واحدا من بدايتها الى نهايتها خاصة في القضايا التي ظهرت فيها مواقف متباينة عند الإباضية أنفسهم مثل قضية خلق القرآن وسنفصل فيها الحديث في الباب الثاني من هذا البحث. فالشروح حينئذ توفر بين يدي الباحث مجموعة من النصوص المتفرقة الى جانب موقف الشارح وهذا من شأنه أن ييسر على القارئ القدرة على الاستيعاب والاستنتاج وهؤلاء الشراح لا يكتفون بالإحالة على المصادر بل في أغلب الأحيان ينقلون كامل النص المقصود.


كما أن هذه الشروح لا تغفل عادة عن المقارنة بين نصوص الإباضية ونصوص غيرهم مما لم تشر إليه النصوص المشروحة والتراث الإباضي في أصول الدين وفي بقية العلوم الإسلامية يتميز بهذا المنهج وهذا يفهم حضاريا لأن الإباضية ظلوا طول حياتهم أقلية وسط أكثرية أشعرية غالبا، فلذلك يفرض عليهم تعايشهم مع الفرق الأخرى أن يكونوا مطلعين على المسائل الخلافية حتى يبصروا بها أتباعهم ليحافظوا على عقيدتهم وسط التيار العام، وهذا ما يكاد ينعدم في المدرسة الأشعرية لأن أصحابها لا يشعرون بنفس المضايقة، وإنما تأتي ردودهم على ما يسمونهم بأهل البدع والأهواء عادة. وحتى في فترات ازدهارهم لم يلجأ الإباضية الى مسلك الانغلاق كما أشرنا الى ذلك في الفصل الأول من هذا الباب وفعلا فبفضل هذا المنهج المقارن المزدوج بين علماء الإباضية في ما بينهم وبين مختلف الفرق تمكن هذه الشروح القارئ من اطلاع واسع على عقائد جل الفرق الإسلامية وفعلا فقد فرضت علي هذه الشروح الرجوع الى عشرات من النصوص غير الإباضية وهذا سيتجلى أثناء التحليل للقضايا في ما يلي.

ثم إزاء هذا فإن هؤلاء الشراح كانوا شيوخا مدرسين يتداول عليهم الطلبة صباح مساء، ومن كل المستويات، لذلك جاءت شروحهم مفعمة بنزعة تعليمية واضحة، فهم لا يقتصرون على تحليل القضايا الأصولية بل يتوسعون في الشروح اللغوية والبلاغية الى أبعد حد، بل وجدنا من يقتصر أحيانا على هذا النوع من الشرح فقط، وفي هذا دلالة على طول باع هؤلاء في فنون اللغة وقد بلغ عمرو التلاتي في ذلك شأوا بعيدا. كما أن هذه النزعة التعليمية تتجلى أحيانا في طرح القضايا بمنهج يقوم على السؤال والجواب، مما يسر على المتعلم رد الحجة بمثلها عند الحاجة الى ذلك وإن كان هذا المنهج يتضح أكثر في الأجوبة والردود.

فهذا المسلك في الشرح والحواشي لا يبعد عما يسمى في المناهج العصرية بالتحقيق العلمي لأن الشراح كثيرا ما يضعون النصوص في إطارها التاريخي وقد اقتبسنا كثيرا من الملاحظات الحضارية من هذه الشروح، خاصة في ما يتعلق بسير الإباضية وبتعريف العلماء فمن ذلك أن يوسف المصعبي يشير إلى أن حاشية السدويكشي كانت منطلقا لدرس في جامع أبي كثير وهنالك أشار عليه الحاضرون بأن يتم هذه الحاشية فهذه الإشارة تعتبر منطلقا للبحث عن قيمة هذا الجامع التاريخية وعن أولئك الذين كانوا حول يوسف المصعبي كما يفهم من الطلب أنه أعلم الحاضرين وما إلى ذلك من الاستنتاجات بعيدة الفائدة والحقيقة في النهاية أن من يريد تحقيق هذه النصوص المشروحة تحقيقا علميا لا يمكن له أن يستغني عن هذه الشروح إذ هي لبنة من لبنات البناء الحضاري لهذا التراث.

كما أن هذه الشروح بما فيها من إحالات على مصادر ومراجع متنوعة تدل دلالة واضحة على ثراء المكتبة الإسلامية عامة والإباضية خاصة في جزيرة جربة وفي سائر المواطن الإباضية آنذاك وفي هذا دلالة واضحة على حركة علمية نشيطة


وعلى توفر عدد لا يستهان به من الناسخ وكثيرا ما اهتدينا الى معميات عن طريق الناسخ أو عن طريق تاريخ النسخ للنصوص الإباضية وللنصوص غير الإباضية، فمن ذلك أننا استطعنا أن نضع محمد التغزويسني في إطاره التاريخي اعتمادا على مخطوطة أثبت أنه نسخها سنة 999/ 1591.

وفعلا إن التأمل في الثروة العلمية في أصول الدين وفي بقية التراث الإسلامي يمكن من تصور الحياة الثقافية في هذه القرون في جميع مواطن الإباضية ومدى تعايشها في ما بينها وتعاونها على توفير الكتاب دون أن يكون لها مدد من سلطة حاكمة توفر لها ما تحتاج إليه من الأمن والمال بل منطلق الأمر مجهود أفراد الجماعة من المثقفين ومن غير المثقفين.

هذا عن بعض الأبعاد الحضارية لهذه الشروح والحواشي فماذا عن الأجوبة والردود؟

لئن كانت الحواشي والشروح من الأعمال التلقائية التي توحي بها حاجة الأمة الى ذلك معبرة عن بعض الأبعاد الحضارية فإن الردود والأجوبة أكثر اتصالا بواقع الإباضية المعاش.

فجذور المراسلات والردود ترجع إلى إمامي الإباضية الأولين وهما جابر ابن زيد ورسائله وأجوبته ولم تدرس بعد دراسة علمية وإن حقق عمرو النامي شيئا منها- لكن القدر حال دون الاستفادة من هذا القسم المحقق- وطبعت عمان قسما من أجوبته الفقهية بترتيب سعيد بن خلف الخروصي سنة 1404/ 1984 وعبدالله بن إباض ورده على عبد الملك بن مروان مشهور. والإباضية وضعهم التاريخ بسرعة في قفص الاتهام لكن عندما تقوى دولتهم وتشع ثقافتهم تخف عنهم الهجومات فتنقطع كتاباتهم في الردود ويقيمون مقامها الكتابات الرصينة التي تعتمد على المنهج المقارن ولا يخلو هذا المنهج من موقف دفاعي هادئ بينما يختلف المر عن ذلك عندما تموت دولتهم.

وفعلا ما أن تقلص المد الإباضي في وارجلان في القرن السابع هـ حتى تجلت تهجمات على إباضيتها من قبل الفرق الأخرى وقد جاءت رسالة أبي عبدالله الصدغياني من جربة تلبية لأهل وارجلان في الرد على من يطعن في عقيدة الإباضية.

أما الردود الواردة في القرون 10، 11، 12 هجري فسببها تقلص ظل الإباضية من مدينة غدامس وغلبة الطرف المالكي عليها وواضح أن التهجمات لم تكن واردة من مشاهير علماء المالكية فصولة الغدامسي لولا تهجمه على الإباضية لما حفظ التاريخ أسمه ومهما يكن من أمر فتهجمه كان منطلقا لرد أحمد الشماخي الذي جاء

معبرا تعبيرا صريحا عنيفا عن نقط الخلاف بين الأشاعرة وبين الإباضية في قضايا أصولية نظرية، وقد دفعت هذه الردود الإباضية الى مزيد من الإطلاع على مصادر الفرق الإسلامية وخاصة ما اشتهر عند الناس بأهل السنة وألحت هذه الردود على أن المنتمين إلى هذا اللواء يختلفون في بعض القضايا في ما بينهم أكثر من اختلاف بعضهم مع الإباضية.

وإن دلت هذه الردود على شيء فأنها تدل على التنافر الطارئ بين الفرق الإسلامية انطلاقا من اختلاف مواقفهم تجاه القرآن والسنة، ونحن نعلم أن هذا التنافر عزف عليه أهل السياسة عزفا قويا من وقت مبكر، وقد بينا في الفصل الأول كيف أن وضع الإباضية تحت عنوان الخوارج جنى عليهم جناية ظلوا يتحملون تبعاتها الى يومنا هذا.

ووددنا لو سلك الشماخي مسلكا أكثر رصانة- لقدرته العلمية- واستغل النقط التي تقرب بين مختلف الفرق، مع توضيح أن الخلاف الاجتهادي لا ينبغي أن يؤدي إلى صراع وتنابز لكن أنى له ذلك والإباضية تفتك مساجدهم ويجلون عن ديارهم.

ومما يؤيد ذلك أن قضاة طرابلس أعلنوا رفضهم لشهادة الإباضية سنة 1155 هـ لا لشيء إلا لأنهم إباضية، فانبرى يوسف المصعبي بلهجة رصينة هادئة فحاج هؤلاء الفقهاء بمصادرهم، وكاتب واليهم أحمد باشا مما اضطرهم إلى التراجع عن موقفهم وقبول شهادة الإباضية من جديد وقد عثرنا على رد عن شكوى الإباضية بختم حسين باي تونس (1117- 1153/ 1705- 1740) مفاده إقرار " شهادة الإباضية سنة 1120/ 1709 لأن شهادة من أتى بالقول والعمل أصح ممن أتى القول وضيع العمل" (121) ولم نعثر على الشكوى والراجح أن موجهها يوسف المصعبي نفسه. وقد سلك سعيد الجادوي نفس المسلك عندما قرر سلطان مراكش اسماعيل بن شريف منع الإباضية من تعاطي التجارة في مملكته لأنهم يطعنون في الخليفتين أبي بكر وعمر.

إن مجموعة هذه الردود بينت أن الصراع لم يبق صراعا فكريا نظريا وإنما تحول إلى إصدار أحكام قاسية ضد الإباضية تمنعهم من حق من حقوقهم المدنية، ولا نغفل عن أن الإباضية يعتمدون على التجارة طول حياتهم ولم يكونوا الى الوظيف إلا في الفترة المتأخرة.

وإلى جانب هذا جاء رد أبي مهدي على البهلولي وكأنه صراع شخصي لكنه اكتسى صبغة إباضية عامة ذلك أن البهلولي عاب على أبي مهدي تحوله الى الإباضية واتهم من وراء ذلك أهل ميزاب بالتهم المعهودة- مثل القول بنفي رؤية الله تعالى-

فجاء الرد في سياق عام تمثلت وظيفته خاصة في توفير نصوص إباضية في أهم قضايا أصول الدين.

أما الأجوبة فجاءت معبرة عن حسن العلاقة والتعاون بين إباضية المغرب في ما بينهم ، وبينهم وبين إباضية عمان وقد تميزت هذه الردود والأجوبة بنزعة جدلية واضحة تتردد لهجتها بين العنف واللطف حسب مقتضيات الحال.

وخلاصة القول إن هذه الأجوبة والردود جاءت معبرة عن واقع حضاري مترد تدرج فيه تقلص الإباضية شيئا فشيئا ليستقروا حيث استقروا في جربة ونفوسة ووادي ميزاب ورغم جهود هؤلاء العلماء فقد انتهت الإباضية من غدامس ومن الجنوب التونسي.

وقد استمرت نزعة الردود بعد هذه المرحلة ولعل آخر ما كتب في هذا الصدد فصول من كتاب علي يحيى معمر " الإباضية بين الفرق الإسلامية" ط. القاهرة 1396/ 1976.

أما عن الإنتاج الذاتي، وقد بينا أنه يكاد يكون منعدما ولذلك اعتمدنا رسالتي أحمد الشماخي في صلب تحليلنا لقضيتي الأسماء والصفات، اعتمادا كبيرا وكذلك فعلنا مع رسالة السدويكشي في المقارنة بين القائلين بقدم القرآن والقائلين بخلقه.

أما نخبة المتين لعمرو التلاتي فقيمته الحضارية تتجلى في عرضه لقضايا الأصول عرضا مختصرا مع المقارنة بمواقف الأشاعرة.

فواضح إذن من خلال هذا التحليل أن تراث هذه المرحلة لم يقم على النزعة التأليفية وإنما غلب عليه طابع التجميع والتحليل وكأنه بهذا هيأ المناخ للمرحلة اللاحقة التي ستتحلى فيها النزعة التأليفية صريحة خاصة مع قطبي الإباضية بوادي ميزاب عبد العزيز الثميني ثم محمد اطفيش.

وفي الأخير إن تراث هذه المرحلة وإن لم يأت بالجديد، فإنه دعم التراث السابق، وضمن استمراريته ودفع من جاء بعده الى الاستفادة من الكل وبث نفس جديد في روح هذا التراث وعسى أن ينتبه الإباضية الآن إلى عرض حصيلة هذا التراث حسب المناهج العصرية حتى يطلع الناس على هذا التراث الذي كثيرا ما اتهم أصحابه بأنهم لا تراث لهم.

وما البابان اللاحقان من هذا البحث إلا محاولة من هذا النوع سنسعى خلالهما إلى إبراز البعد الحضاري لهذا التراث العقدي.

فإلى الباب الثاني من هذا البحث ومحوره تحليل المباحث الكلامية المتعلقة بالله تعالى.


البــاب الثاني: الإلــــــــــهيــات



الفصل الأول: الإباضية والمحكم


تمهيد:

إن من المحاور الكلامية في الإلهيات ما يغلب عليه طابع الانطلاق مما جاء محكما في القرآن الكريم، ومنها ما يغلب عليه الاعتماد على المتشابه، ولذلك سنطلق من القضايا الأولى وتتمثل في: وجود الله تعالى . ذاته . أسمائه . صفاته . ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حقه عز وجل. فماذا عن وجود الله تعالى؟


وجود الله تعالى:


إن الإسلام يثبت أن الإنسان الأول- وهو آدم عليه السلام- نبي مقر بوجود من تاب عليه وأنزله إلى الأرض للابتلاء ألا وهو الله (1) .

لكن إذا تأملنا في التراث الإنساني فإننا نلمس بجلاء أن العقل البشري لم يستقر على رأي في تصوره الوجودي، ونظرة أولية في تاريخ الأديان (2) وفي علم الديان المقارن (3) ، تبين أن الإنسان ما قبل التاريخ تصوره الوجودي الخاص، وكذا أهل الصين والهند واليونان وحتى أصحاب الرسالات السماوية- أهل الكتاب- يختلف تصورهم في ما بينهم في هذا الشأن.

فماذا قال علم الكلام عامة، وعند الإباضية خاصة في هذه القضية؟

إن هذه القضية- وجود الخالق- لا يمكن أن تحير علماء الكلام المسلمين بأية حال لأننا نعلم كما وضح ابن خلدون (4) ذلك أن المتكلم يختلف عن الفيلسوف اختلافا جوهريا فإن كان الفيلسوف ينطلق من الشك المطلق عسى أن يقترب من اليقين أو يدركه فالمتكلم ينطلق من العقيدة ليبحث عن الأدلة.

وقد ذكر الغزالي عند التدليل على وجود الله تعالى أن في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان (5) كما ذكر الوارجلاني أنه لم يختلف :" اثنان بعد ثبوت الحدث أن له محدثا. ثم يقول: فعلم هذا ضروري...وإنما وقع التشابط والتخابط بين الموحدة والدهرية في حدوث المحدث ولسنا والأشعرية مختلفين في شيء من هذا" (6) .

وحتى المعتزلة الذين يعتبرون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر لا يشذون عن بقية الفرق، والدليل على ذلك توضيح القاضي عبد الجبار هذه المسألة بما يلي:" إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بمشاهدة" (7) .

فول كان الانطلاق من الجحود أو الشك لما صح أن يكون السؤال:" ما أوجب الله عليك" لأن هذا السؤال يتضمن الإقرار بوجود الله (8) .
أما الماتريدي فقد بسط أدلته على وجود الخالق في " كتاب التوحيد" وأوصلها إلى أثنى عشر دليلا، محورها دلالة المحدَث على المحدِث وتوجها بان خلق الإنسان أعظم آية على وجود الله (9) .



والناظر في التراث الإباضي انطلاقا من كلام الوارجلاني المشار إليه آنفا يفهم أن اعتناء متكلمي الإباضية بالتدليل على وجود الله لم يكن من جراء خلاف داخلي بين التيارات الإسلامية وإنما كان دفاعيا ضد المقولات الفلسفية المخالفة للاسلام.

وقد جاءت الأدلة في الرد على هؤلاء عقلية محضا لأنهم ينكرون وجود الخالق فضلا عن الوحي وتتلخص محاورها في ما يلي:

1) العالم حادث: - لأنه محصور في الأجسام والأعراض والعلاقة بين الأجسام والأعراض تفرض الحدوث.

- لأن ما فيه من أجسام وأفلاك متحرك.

-لأن الإنسان وهو جزء من العالم متطور.

إذا ثبت أنه حادث فمن الضروري أن يكون لـه محدث، وهذا المحدث لابد أن يكون واحدا لا يشبه ما أحدثه (10) بوجه من الوجوه إذ لو أشبهه لوجب التسلسل فوجب أن يكون المحدث قديما واحدا لا شبيه له (11) .

وتضرب لتوضيح هذا أمثلة ملموسة مثل دلالة البناء على الباني، والكتابة على الكاتب (12) .

ويؤازر هذا الدليل العقلي الدليل اللغوي ويتمثل في أنه لابد للمفعول من فاعل (13) .

2) إن الأجرام العلوية لا يمكن أن تؤثر في الأرض إذ الإنسان وهو كائن حي أولى بالتأثير في النجوم (14) .

3) إن إنكار الحقيقة حقيقة ، وفي هذا يتجلى تناقض السفسطائيين (15) .

كما تعرض المصادر الإباضية في المرحلة المقررة إلى هذه القضية الأساسية التي تقوم عليها جميع قضايا الدين الأخرى عند تعداد مالا يسع جهله (16) طرفة عين، وعند تحليل الأساس الأول من أسس التوحيد وهو إفراد الله تعالى وعند تعريف التكليف وعند تبيين أن حجة الله على الخلق الرسل بصفة خاصة.

وقل أن تغفل هذه المصادر عند تعرضها لهذه القضية عن الاستشهاد بقول صاحب كتاب الديانات:



" وندين بأن حجة الله على عباده الكتب والرسل،... وندين بأن معرفة الله لا تنال بالتفكير ولا بالاضطرار وإنما تنال بالاكتساب والتعليم وذلك يصح بعد مخبر ومنبه على ذلك" (17) .

ثم تتوسع في تحليل هذا المبدأ مع الرد على الفرق التي تتبنى غير هذا الموقف.

يقول الشماخي: " واعلم أن أول ما يجب على العبد معرفة معبوده " (18) .

كما يتبع المحشي الجيطالي في حاشيته على كتاب القواعد فيضع الفصل الأول من فصول باب مالا يسع جهله بعنوان " في معرفة الله عز وجل" ويضيف " لو زاد والإقرار به لكان أظهر، إذ المعرفة بالقلب لا تغني عن الإقرار باللسان" (19) .

كما يوضح المحشي قول الجناوني: "فأما علم مالا يسع جهله طرفة عين فهو معرفة التوحيد والشرك لا يسع جهلهما لأن من جهله الشرك لم يعلم التوحيد، فوجبت معرفتها مع أول البلوغ".

فيقول:" خصال التوحيد التي لابد من معرفتها كثيرة كما هو معلوم لكن الذي يجب عليه أن يعلمه بعنوان كونه توحيدا هو قول لا إله إلا الله"... (20)

معنى ذلك الاكتفاء بمعرفة الله من بقية أبواب التوحيد (21) كما بين أن قصد الجناوني من قوله :" يعرف الله بثلاثة: واجب وجائز ومستحيل، فالواجب: الألوهية والربيوبية والوحدانية، والجائز : الخلق والإفناء والإعادة، والمستحيل: الشريك والصاحبة والولد". الإشارة إلى الأحكام العقلية بالنظر إلى الله تعالى، يعني فالثلاثة الأول مما لا يتصور في العقل عدمها، ويجب على الإنسان عند أول بلوغه أن يعتقدها وذلك بان يعلم أن الله إله واحد رب، والثلاثة الوسطى مما يجوز في حق الله، ويجب على الإنسان أن يعتقد ذلك عند أول بلوغه أي بالنظر إلى حكم العقل، مع قطع النظر عن إخبار الله بذلك وأما بالنظر إليه فإنه لابد من اعتقاد وجودها كما هو معلوم فصارت واجبة الوجود أيضا إلا أنها لغيرها لا لذاتها بخلاف الثلاثة الأولى والثلاثة الأخيرة مما لا يتصور في العقل وجودها ويجب على الإنسان عند أول بلوغه أن يعتقد ذلك" (22) .

فواضح من كلام المحشي أن الحجة في معرفة الجائز العقل دون الأخبار، بينما معرفة الواجب والمستحيل مما لا يتصور في العقل يحتاج إلى إخبار، فكيف يمكن

التوفيق بين هذا الموقف وما ذكر من قبل من أن معرفة الله على الإطلاق لا تنال إلا بالاكتساب؟ (23) والمحشي نفسه قد أورد هذا النص بعينه (24) .


إن النظر في تعريف هذه المصادر للعقل وتمييزها بين العقل الغريزي والعقل المكتسب يمكن من التوفيق بين النصين.

فهذا المحشي يختصر ما جاء في كتاب السؤالات عن تعريف العقل كما يلي:" ثم ذكر أن جمهور أصحابنا (25) على أنه قوة وبصيرة في القلب منزلة منه منزلة البصر من العين" (26) .

ثم يميز بين العقل الغريزي والعقل المكتسب " فالعقل الغريزي هو القدر الأصلي الذي يتعلق به التكليف، والعقل الكسبي هو قدر زائد على ما يتعلق به التكليف " (27) .

وقد جاء كلام عمرو التلاتي في نفس النسق إلا أنه تميز بذكر آراء كثير من علماء غير الإباضية للتوضيح مع الإشارة إلى كثيرة الاختلاف في هذا التعريف (28) .

فإذا توفر في الإنسان هذا العقل الغريزي وأدرك سن البلوغ وجب عليه أن يعرف الله تعالى وإلى هذا المعنى يشير المحشي (29) بقوله :" فمن واجبات العقل، معناها ن ضرورياته أي أن العقل يحكم ضرورة بأن هذه الصنعة لابد لها من صنائع وهذا المحدث لابد له من محدث لا يمكن في العقل خلاف ذلك" (30) .

وألح على نفس المعنى عند توضيح المدركات العقلية حيث بين أن منها الواجب كمعرفة أن للفعل بعد ثبوته فاعلا (31) .

ونفس هذا المعنى جاء في الحواشي على شرح كتاب الجهلات حيث ذكر سليمان ابن أبي ستة أن صاحب الأصل (32) سأل عن حكمة المفعول في قوله:" ما دليلك على انك مخلوق" وأورد حكمة الفاعل يعني لك صانعا وفي هذا إشارة إلى بداهة المقدمة القائلة كل حادث لابد له من محدث وذلك لأن الحادث قد اتصف بالوجود بعد العدم فهو قابل لهما، فيكون ممكنا، وكل ممكن يحتاج في ترجيح وجوده على عدمه إلى مؤثر" (33) .



كما أن المصعبي عند شرحه لعبارة صاحب كتاب الديانات المذكورة آنفا في أن حجة الله على الناس الرسل ذكر أن " هذا لا ينافي أن العقل أيضا حجة ودليل على وجود الصانع وعلى وحدانيته كأن يقال في ترتيب الدليل العقلي على وجود الصانع إن وجود الأشياء ليس من ذاتها بل من غيرها، وإلا لزم المحال وهو اجتماع أمرين متنافيين وهما الاستواء والرجحان بلا مرجح. (بيانه) أن وجود كل فرد من أفراد العالم مساو لعدمه وزمان وجوده مساو لغيره من الأمكنة وصفته التي خصصت به مساوية لعيرها من الصفات فهذه أنواع كل واحد منها فيه أمران متساويان فلو وجد أحدهما بنفسه بلا محدث لترجح على مقابله مع أنه مساو له إذ قبول كل جرم لهما على حد سواء وقد لزم أن وجد شيء ن العالم بنفسه بلا موجد اجتماع الاستواء والرجحان المتنافيين وذلك محال فثبت أن غيرها هو الحق جل وعلا هو الذي خص كل فرد من أفراد العالم بما اختص به، فلولاه ما جد شيء من العالم للمحال المذكور فسبحان من أفصح بوجوب وجوده افتقار الكائنات كلها إليه" (34) .

وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم أن هذه المصادر توجب معرفة الله على كل من توفر فيه هذا القدر من العقل الغريزي وإن كان في جزيرة من الجزر الخالدات (35) بل يذهب المحشي إلى أكثر من هذا فلا يشترط في ذلك دوام صحة العقل " فإن صحت غزيرة العقل في تلك الحال، وليس مستحضرا لمعرفة الله عز وجل، ولا لما يسع جهله فهو مشرك وإن تجنن بعد ذلك سريعا" (36) .

إلا أن هذه المصادر وإن نبهت إلى هذا المعنى في معرفة الله تعالى فإنها تلح على أن المعرفة التي ينبني عليها التكليف لا تتم إلا بالاكتساب والتعليم، والعقل وحده لا يكون حجة لولا بعثه الرسل خلافا لأهل الفكر (37) .

ويستمر الفكر الإباضي على هذا النسق إلى هذا العصر كما جاء ذلك عند محمد اطفيش في شرح عقيدة التوحيد. ط 2 بعمان . 1403/ 1983 ص 37 وعند عبدالله السالمي (38) في كتاب مشارق أنوار العقول ط2 بعمان، تعليق وتصحيح أحمد الخليلي ص 148.

واضح من خلال هذا التحليل للنصوص المتأخرة مدى استفادتها من تراث السلف لكنها خرجت من وطأة الردود على الدهريين وأمثالهم لتبين حدود العقل في هذه القضية وفي هذا تفاوت بين العلماء بين الاضطرار الفطري والاكتساب وظلت في كل هذا بعيدة عن حيرة الفلاسفة وقلقهم. ويقرر علماء الإباضية مثل علماء جل الفرق الإسلامية- عدا أصحاب العدل والشيعة الامامية- (39) إن إثبات وجود الله عقلا ومعرفته لا يترتب عنهما تكليف.



وبهذا نفهم أن الفرق الإسلامية أجمعت على أن الله موجود- وهذا بديهي- فهل سيجمعون على موقف واحد عند الحديث عن ذاته وأسمائه وصفاته؟

ذات الله تعالى:

تعريف كلمة الذات لغة واصطلاحا: كيف يمكن الحديث عن ذات الله تعالى أو الإحاطة بها ونحن نعلم ( أن ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك) وأن العجز عن إدراكه إدراك كما يقول صالح بن عمر: (رجز)

وكــــل مــــا صــورتــه بـبــالــك***فالله جـــــل بـــخـــلاف ذلــــــك
فـعـلــم كــنــه ذاتــــه مــحـــال***مـمــن ســـواه ولــــذاك قــالــوا
الـعـجــز عـــــن إدراكـــــه إدراك***والخوض في إدراكه إشراك (40)

ومع هذا فإن المصادر الإباضية تعرضت إلى ذكر ذات الله تعالى بما تستحق.
وقبل أن نقف عند ما ذكرته هذه المصادر رأينا من الصالح أن نقف عند تفسير كلمة الذات اعتمادا على ما بينه ناصر بن سالم الرواحي في كتاب نثار الجوهر (41) لأن مصادر الحقبة التي تعنينا لم تقف عند هذا الشرح على حد علمنا:

" علم أن كل شيء حصل به أمر من الأمور فإن كان اللفظ الدال على ذلك الشيء مذكرا قيل إنه ذلك الأمر وإن كان مؤنثا قيل إنها ذات ذلك.

فهذه اللفظة وضعت لإفادة هذه النسبة والدلالة على ثبوت هذه الإضافة.

إذا عرفت هذا فنقول إنه من المحال أن تثبت هذه الصفة لصفة ثانية وتلك الصفة لصفة ثالثة وهكذا إلى غير نهاية، بل لابد وان ينتهي إلى حقيقة بنفسها مستقلة بماهيتها وحينئذ يصدق على تلك الحقيقة أنها ذات تلك الصفات.
فقولنا إنها ذات كذا وكذا إنما يصدق في الحقيقة على تلك الماهية فلهذا السبب جعل لفظ الذات اسما للحقيقة القائمة بنفسها، وجعلوا هذه اللفظة كاللفظة المفردة الدالة على هذه الحقيقة.

ولما كان الحق تعالى قيوما في ذاته كان إطلاق اسم الذات عليه حقا وصدقا.

وبعبارة أخرى الذات هو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، منقول عن مؤنث ذي بمعنى الصاحب لأن المعنى القائم بنفسه بالنسبة إلى ما يقوم به يستحق الصاحية

والمالكية، ولمكان النقل لم يعتبروا أن التاء للتأنيث عوضا عن اللام المحذوفة فأجروها مجرى الأسماء المستقلة فقالوا ذات قديم وذات محدث.

وقيل فيه كالتاء في الوقت والموت فلا معنى لتوهم التأنيث.

وقد يطلق الذات ويراد به الحقيقة وقد يطلق ويراد به ما قام بذاته وقد يطلق ويراد به المستقبل بالمفهومية، ويقابله الصفة بمعنى أنها غير مستقل بالمفهومية، وقد يستعمل استعمال النفس والشيء فيجوز تأنيثه وتذكيره.

ولفظ الذات وإن لم يرد به التوقف لكنه بمعنى ما ورد به التوقيف وهو الشيء والنفس إذ معنى النفس في حقه تعالى الموجود الذي يوصف بصفات الكمال، فلا حاجة إلى اعتبار المشاكلة في قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ، (5 المائدة 116) بعد ورود الشرع فيجوز إطلاق اسم الشيء (42) والموجود (43) والذات لله تعالى.

والمختار في ذات الله عدم انحلاله إلى الماهية الكلية والتعيين بل هو متعين بذاته.

والموجود حقيقته هو الذات المتصفة بالقدرة والإرادة والعلم والحياة وجميع الصفات المتعلقة مصححة لحصول الآثار من الذات كل بحسبه.. (44)

... قال جار الله (45) : الذات مقحمة تزيينا للكلام والحق أنه من إضافة العام إلى الخاص...

... وبعبارة ذات الشيء حقيقته وماهيته.
قال في المصباح (46) : وأما قولهم في ذات الله فهو قولهم في جنب الله ولوجه الله وأنكر بعضهم أن يكون في ذلك الكلام القديم، ولأجل ذلك قال ابن برهان (47) : قول المتكلمين ذات الله جهل لأن أسماءه تعالى لا يلحقها تاء التأنيث فلا يقال علامة وإن كان أعلم العالمين.

قال الراغب (48) : وقد استعار أصحاب المعاني الذات فجعلوها عبارة عن عين الشيء جوهرا كان أو عرضا واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر وبالألف واللام، وأجروها مجرى النفس فقالوا ذاته، ونفسه وخاصته وليس ذلك من كلام العرب فكلام أصحابنا رحمهم الله جرى على العرف في استعمالها (الذات) بمعنى النفس، وإلا فالتحقيق ما رأيت والله أعلم" (49) .

لقد نقلنا هذا التعريف على طوله لأن صاحبه ألم بما قيل عن الذات إلماما واسعا وسلك في ذلك مسلكا مقارنا ورأينا أن يفي بحاجتنا.

كتب الأصول وكلمة الذات: لقد تعرضت كتب الأصول لهذه القضية من خلال الردود على كل من قال بالتشبيه والتجسيم.

ونحن نعلم أن الجدل في هذا الموضوع لا يمكن أن يقوم إلا مع المقرين بوجود الله تعالى، ومن هؤلاء أهل الكتاب.

قاليهود مثلا أسرفوا في تسبيه الله بالإنسان- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وذلك لأنهم وجدوا التوراة ملئت بالمتشابهات مثل: الصورة والمشافهة، والتكلم جهرا، والنزول من طور سيناء انتقالا والاستواء على العرش استقرارا (50) .

والنصارى في إقامتهم عقيدتهم على الأقانيم الثلاثة ما يوحي بالتجسيم أيضا، وإن كان النصارى أنفسهم يتعجبون من نسبة هذا الأمر إليهم إذ يعتبرون هذه الأقانيم من باب الصفات (51) .

ويقول أبو عمار:" وإن هذه الفرق النصرانية تزعم أن الابن كلمة الأب الأزلي وأن الأب إنما يعلم الأشياء بكلمته، وأن روح القدس هو الحياة التي من أجلها وجب أن يكون الأب حيا..." (52)

كما أن هؤلاء يعتبرون أن الله جوهر على أساس تعريف الجوهر أنه قائم بنفسه (53) .


أما المشبهة فهم الذين شبهوا الله بخلقه وهم ثلاث أصناف:

1) المجسمة: " زعموا أن معبودهم جسم كالأجسام لحم ودم يختلف معهم (الناس) في الأسواق ولا يعرفهم، وتضمه معهم المساجد والمجالس ولا يثبتونه ويقول أنا ربكم الأعلى ولا ينكرونه بشرط أن يكون وسيما قسيما جميلا جليلا لا قبيحا ولا ذميما تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا" (54) .

2) القول بالتجسيم دون إثبات معاني الأجسام ويزعمون أنه جسم لا كالأجسام.

3)الغالطون في تأويل متشابه القرآن، وهم يستنكفون عن عبارة التجسيم (55) .

وخلاصة الاستدلال في ذلك تتمثل في ما يلي:

أ) لو كان جسما لكان مركبا من المادة والصورة الخارجتين لاستحالة الجزء الذي لا يتجزأ وقد ثبت أنه ليس بمركب لا من أجزاء عقلية ولا خارجية مقدارية أو غير مقدارية.

ب) لو كان جسما لكان مقتسما في الطول، والعرض، والعمق ولو كان كذلك لاحتاج إلى مكان يقوم فيه، والحاجة تستلزم إمكانه فيخرج من كونه واجبا وتلزم المخالفة لمبدأ اليهودية.

6)لو كان جسما لكان محلا للحوادث من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وما إلى ذلك، وكل ما هو محل للحوادث (56) لا يصح أن يكون إليها.

ثم إن الإباضية يقرون أن الله ليس بجسم، ولا بجوهر ، ولا عرض (57) ، ولا بذي طول ولا عرض، ولا بذي صورة ولا شكل، ولا هيئة ولا مثال (58) وإنما هو شيء (59) هو أعظم الأشياء وأفضلها (60) وليس يشبهه شيء، ويردون في ذلك على الجهمية والمشبهة الذين يعتبرون الشيء والجسم بمعنى واحد ثم يختلفون، فيذهب الجهمية إلى نفي الشيئية عن الله (61) فيعطلون وبهذه المشبهة إلى إقرار الشيئية فيجسمون.

وخطؤهم ناجم عن خلط لغوي ذلك أن اللغة تميز بين الشيء والجسم وتعتبر الشيء أهم من الجسم لأن كل جسم شيء وليس كل شيء جسما.

قال تعالى: لقد جئتم شيئا إدا ، (19 مريم 89) يعني قولهم وفعلهم وهو ليس بجسم (62) .

والملاحظ أن هذه المصادر لا تطيل الحديث عن تعريف ذات الله وتكتفي غالبا بالتنزيه وعلى هذا النسق جاءت إشارات كتب ق 10- 11- 12 بل توقفت عن الردود على المشبهة وعلى أهل الكتاب وتعلقت خاصة بالآيات المتشابهات التي توحي بالتجسيم مبينة موقف الإباضية منها.

فهذا عرو التلاتي يذكر" أن ذاته العلية لا يعلمها إلا هو " (63) كما يبين أنه " واجب الوجود لذاته" (64) " وأن ذاته لا تقبل الانقسام بوجه (65) وأنها غير مشبهة بالذوات ولا معطلة من الصفات" (66) .


كما أن السدويكشي ينحو نفس المنهج فيقول:" ذهب أصحابنا رحمهم الله إلى أن ذاته سبحانه وتعالى مخالفة لسائر الذوات فهو تعالى منزه عن المثل أي المشارك في تمام الماهية. (67) "

ودليلهم على هذا التنزيه كما يذكر التلاتي سورة الإخلاص وقوله تعالى : ليس كمثله شيء ، (42 الشورى 11) (68) .

ولعله يحسن ألا نستوفي الحديث عن هذه السورة وهذا الجزء من الآية الآن لأن ما جاء فيهما من الحديث عن الذات قليل بالنسبة إلى ما جاء عن الصفات.

فهذا التلاتي يكتفي بذكر ما أوردناه مع إضافة قوله:" لا يماثله شيء من الأشياء لا في ذاته...." (69) .

كما أن المحشي يكتفي بقوله:" ليس كمثله شيء فهو عموم فمن ادعى فيه الخصوص فعليه بالدليل" (70) .

أما المصعبي فخلال تحليل طويل أشار إلى أن " مثل" تفيد الذات وبالتالي فالجملة ( ليس كمثله أحد) نفت الأشباه عن ذات الله تعالى، كما ذكر أن هذه الجملة " تنتظم التوحيد لا غير" (71) .

وحاصر القول إن ذاته تعالى هي حقيقته الخاصة التي لا يمكن أن يعلمها أحد من مخلوقاته (72) وإنه ليس بجوهر ولا بعرض وإنما هو أعظم الأشياء وأفضلها وإنه جل شأنه منزه في ذاته عن الأنداد والنظراء والأضداد ليس كمثله شيء.



أسماء الله تعالى


إن كانت المعلومات قليلة في ما يتعلق بذات الله تعالى فهي متوفرة نسبيا في هذا المبحث وهي تدور حول المحاور التالية:

1) الاسم لغة واصطلاحا.
2) علاقة الاسم بالمسمى.
3) اسم الجلالة.
4) أسماء الله الحسنى.

: 1) الاسم لغة (1) واصطلاحا

أ-المدلول اللغوي:

قال المحشي:" والخلاف فيه" (اشتقاق لفظ الاسم) مشهور هل هو مشتق من السمو وهو العلو والارتفاع وهو مذهب البصريين أو من السمة وهو العلامة وهو مذهب الكوفيين.

وذكر في السؤالات أن القول الأول هو الصحيح وهو قولنا وأن الثاني قول غيرنا (2) .

قال شيخنا (3) رحمه الله قوله:" وهذا هو الصحيح" فيه إشارة إلى أن الخلاف معنوي، فإن من قال إنه مشتق من السمو وهو العلو يقول لم يزل الله تعالى مسمى وموصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وبعد فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه وصفاته وهذا قولنا ومعتقدنا وقد وافقنا على ذلك الأشعرية.

ومن قال مشتق من السمة وهي العلامة يقول كان الله تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات فلما أفناهم بقي بلا اسم ولا صفة وهو قول النكار (4) والمعتزلة وهذا خطأ فاحش " (5)
واضح من خلال التعريف اللغوي تداخله مع التعريف الاصطلاحي إذ كل يعزز موقفه من المنطلق اللغوي فماذا عن المصطلح؟

3) المدلول الاصطلاحي:

والاسم في حق الله تعالى " يدل على المسمى الذي اقتضى الصفة بنفسه" كما يقول الشماخي (6) أو بعبارة أخرى الاسم هو ما دل على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات، وهذا معنى قول علماء الإباضية إن أسماء الله تعالى هي عين ذاته أي ليس هنالك أمر ثان غير الذات العلية (7) .


ويقول عمرو التلاتي في هذا الصدد:" أسماء الله تعالى، أي المعاني الدال عليها نحو: لفظ الله، ولفظ العالم، والقادر، والمريد، التي هي الذات العلية والواجبة الوجود بذاتها، والذات العالمة والذات القادرة والذات المريدة" (8) .

وقد عرفها البرادي في رسالة الحقائق كما يلي:

" حقيقة الاسم: ما عرف به عين أو معنى (9) وحقيقة المسمى: المستوجب للاسم" (10) .

أما تبغورين فقد بين أن أسماء الأشياء كلها على أربعة أوجه: أسماء البنية التي بنيت عليها طبيعة الأشياء، مثل : جسم ومحدث وأشباه ذلك.وأسماء استحقها الشيء بمعنى حل فيه، وتداول عليه مثل: حي وميت ومتحرك وساكن. وأسماء استحقها بخواتم عمله وما تصير إليه عاقبته مثل: مؤمن كافر. وأسماء لقب يلقيها الناس على بعضهم بعضا وينزعونها إن شاءوا ولا معنى لها تتعلق إليه بل هي معارف بينهم. وأسماء الله تعالى أسماء ذاته، لا يقال استحقها لأفعال فعلها تعالى عن ذلك علوا كبيرا" (11)

هذا في شأن التعريف الاصطلاحي إلا أن المشكلة لا تكمن في التعريف وإنما تبدو في شأن العلاقة بين الاسم والمسمى.

2) علاقة الاسم بالمسمى:

أما الشماخي فيوضح القضية من مطلع رسالته في الأسماء كما يلي:

" فإن قلت: ما الفرق بين التسمية والاسم والمسمى؟

قلت : التسمية: فعل المسمى، المعنى الموضوع له.

والاسم: ما وضع ليتميز به المسمى من غيره، ويتعين أتم تعيين بدليل قوله تعالى : هو سماكم المسلمين من قبل ، (22 الحج 78).

فالله = مسم، والمخاطبون = مسمون، والمسلمون = هو الاسم" (12) .

وتذكر المصادر أن الاسم هو المسمى ولذلك يقول السدويكشي:

" وذهب أكثر أصحابنا إلى أن التسمية هي نفس الأقوال الدالة على المسمى وأن الاسم هو نفس المدلول.

ثم يورد موقف ابن فورك (13) الذي يذهب إلى " أن كل اسم هو نفس المسمى بعينه فقولك الله قول دال على اسم المسمى وكذلك قولك عالم أو خالق فإنه يدل على الذات الموصوف بكونه عالما خالقا ثم يذكر أن ما ذهب إليه ابن فورك هو مقتضى إطلاق أصحابنا ثم يستشهد بكلام أحمد بن سعيد (14) فيقول:

" والخلاف لفظي وقيل بل معنوي وذلك أنك إذا سميت شيئا باسمه فالنظر في ثلاثة أسماء : ذلك الاسم وهو اللفظ ومعناه قبل التسمية ومعناه بعد التسمية هو الذات التي أطلق عليها لفظ والذات واللفظ متغايران قطعا.

والنحاة إنما يطلقون الاسم على اللفظ لأنهم إنما يتكلمون على الألفاظ (15) وهو غير المسمى قطعا عند الفريقين والذات هو المسمى عند الفريقين وليس هو اللفظ قطعا.

والخلاف في الأمر الثاني وهو معنى اللفظ قبل التسمية فعلى قواعد المتكلمين يطلقون الاسم عليه، ويختلفون في أنه ثالث أم لا فالخلاف عندهم في الاسم المعنوي هل هو المسمى أم لا ، لا في الاسم اللفظي. (16) "
وقد أورد السدويكشي ملخصا للقضية يبين الغرض من الحديث عن الاسم والمسمى فيقول:" اعلم أن الاسم غير التسمية لأنها تخصيص الاسم لشيء مغاير له أي الاسم، كما تشهد به البديهة.

وأيضا التسمية فعل الواضح وأنه منقض في ما مضى من الزمان وليس الاسم كذلك.

وقد اشتهر الخلاف في أن الاسم هل هو نفس المسمى أو غيره ولا يشك عاقل في أنه ليس النزاع في لفظ فرس هل نفس الحيوان المخصوص أو غيره هذا مما لا يشتبه على أحد.

بل النزاع في مدلول الاسم أهو الذات من حيث هي هي، أم هو الذات باعتبار أمر صادق عليه عارض له ينبني عليه" (17)

ويورد المحشي عن هذه القضية ما يلي: قال بعضهم (18) عند الاختلاف في الاسم هل هو عين المسمى أو غيره؟


التحقيق أن الخلاف لفظي فإنه إن أريد بالاسم اللفظ فهو غير المسمى وإن أريد به المعنى فهو عينه.

والذي يدل على أن الاسم عين المسمى قول الله تعالى: ما تعبدون إلا أسماء سميتموها ، (12 يوسف 40) فإنه من المعلوم أنهم يعبدون ذات الصنم" (19) .

ويتوسع احمد الشماخي في تقليب القضية من وجوه شتى معتمدا على التحاليل المنطقية أحيانا وعلى وجوه البلاغة أحيانا أخرى، انطلاقا من الآيات التي وردت فيها كلمة اسم مثل قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، (7 الأعراف 180) ، وقوله: يلحدون في أسمائه ، (20) ، وقوله : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ، (17 الإسراء 110) الخ...

ويصل إلى أن الخلاف اعتباري مستشهدا بموقف أبي يعقوب الوارجلاني المتمثل في أن الخلاف لفظي لا معنوي. (21)
وخلاصة القول: فمهما دار الحديث في شأن العلاقة بين الاسم والمسمى فإنه يرجع إلى توضيح الموقف الذي حدده أبو نصر (22) في النونية بقوله: (طويل)

وأسمـاؤه هـو هيـه لسـن غـيـره***وذات المسمى غير تسمية مني
فوصفي ذكري للصفـات بمقولـي***وتسميتي ذكري للاسـم المبيـن

وضبطه عامر الشماخي في كتاب الديانات بقوله:

" وندين بأن أسماءه هو " (23) .

فتبين حينئذ أن القصد من الاسم ليس اللفظ وإنما مدلوله وبهذا الاعتبار هو عين الذات.

وبهذا يتضح أن ما ورد في هذه النصوص إنما هو امتداد لعمل السلف في اهتمامهم بالرد على النكار الذين يلحدون في أسماء الله تعالى ويقولون إنها مخلوقة (24) .

فالفتنة الفكرية هنا داخلية خاصة وإن كانت تشمل المعتزلة.



وكل هذه التحليلات مستوحاة من ردود أبي خزر (25) وتبغورين (26) والوارجلاني (27) وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن القضية ما تزال قائمة في أوساط نفوسة وجربة حيث يتعايش الاتجاهان في نفس المحيط عادة (28) .

ولا ينبغي أن نغفل عن التذكير بأن موقف الأشاعرة هو نفس موقف الاباضية إذ يقول الأشعري:" وإن أسماء الله يقال إنها غير الله" أما الماتريدي فيفهم من تحليله للقضية أن من الأسماء ما هو غير المسمى ومنها ما هو عين المسمى وهي التي ترجع الى الصفات. (29)

فإذا تبين هذا فماذا عن اسم الجلالة وأسماء الله الحسنى؟


3) اسم الجلالة: الله تعالى

لقد حرصت المصادر التي بين أيدينا على رواية جل ما ذكر من الوجوه في شأن اسم الجلالة عن الاباضية وعند غيرهم أ أعجمي أم عربي أ اسم أم صفة، أعلم أم غير علم، أمشتق أم لا؟

وقد ذكر المحشي تعليلا طريفا لهذه الحيرة:" اعلم أن العقلاء كما تاهوا في ذات الله تعالى وصفاته لاحتجابها بأنوار العظمة وأستار الجبروت كذلك تحيروا في لفظ الله الدال على تلك الذات المقدسة كأنه مسه شيء من أشعة تلك الأنوار، فحارت العقول في دركه كما حارت في درك مسماه ."(30)

وهذا الشماخي يتعرض لاسم الجلالة في مطلع شرحه لعقيدة التوحيد عند شرح قول المصنف:" الحمد لله" فيذكر أن الله " علم على ذات واجب الوجود المستحق لجميع المحامد" (31).

ثم يمضي في تبيين مختلف الأقوال في شأن دخول اللام ويقارن بين الله وإله وكيف أن العملية بالنسبة إليهما استعمالية أو تقديرية وفي الأثناء يذكر بالتعريف مرتين: بقوله " الله اسم لمفهوم الواجب لذاته أو لمفهوم المستحق للعبادة"(32).

وبقوله:" اسم المعبود الذي لا يستحق العبادة إلا هو" (33).

ثم يستشهد بموقف سعد الدين(34) والزمخشري وجماعة من المحققين الذين اختاروا أن الله علم، ويورد ما ذكره الزمخشري من أدلة الذين اعتبروه مشتقا.



ويورد مرة أخرى تعريف الزمخشري وهو :" اعلم أن الله اسم للذات المستحق للعبودية له، علم بالغلبة جامع لمعنى الأسماء الحسنى ما علم منها وما لم يعلم لأنه لا يستحق أن يعبد إلا من كان خالقا رزاقا ولا يكون خالقا إلا من كان قديما حيا عالما قادرا مريدا إلى سائر الصفات"(35) .

وقد بنت على هذا النسق بقية المصادر إلا أن المحشي تميز بما نقله عن عقيدة أبي سهل من تقرير الإمام جابر بن زيد " أن اسم الله الأعظم هو الله لأنه يبدأ به في كل شيء" (36).
وبما نقله عن كتاب الموجز من تعريفات" قلنا معنى الله أنه اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلا هو" وقال قوم: إن معناه من العلو في الصفة من قوله تألهت الشمس إذا علت.

وحكى بعض أهل العلم: أنه اسم تبنى عليه الصفات والقول في هذا إنه اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلا إياه ولا ينبغي هذا الاسم إلا له .(37)

وأرى من الأحسن الاكتفاء بهذا القدر اجتنابا لما وقعت فيه الأقوال من تضارب يؤدي إلى الغموض غالبا.

وحاصل القول إن متتبع هذه المصادر يحس بتغليب مفهوم العلمية على اسم الجلالة وإنها تجمع غيرها أنه اسم الله الأعظم لأنه لا يشاركه فيه أحد قال تعالى: هل تعلم له سميا ، (19 مريم 65) أي شبيها في اسم أو فعل (38).

ذلك أهم ما قيل في اسم الله الأعظم فماذا عن بقية الأسماء؟


4) أسماء الله الحسنى

إن ما جاء في شأن الأسماء الحسنى من آيات وأحاديث دفع العلماء إلى النظر في أمرها واستقر الرأي على أنها توقيفية فهذا عمرو التلاتي مثلا يقول: " واتفقوا أيضا على أن الله الأسماء الحسنى لقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى ، (7 الأعراف 180) وعلى أنه هو المسمى نفسه بها" (39).

كما أن الحواشي على شرح كتاب الجهالات تلح على نفس المعنى وتبين أن أسماء الله توقيفية (40).


وتورد هذه المصادر جميع النصوص المعتمدة في ذلك قال تعالى : أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ، (17 الإسراء 110).

وقال أيضا : الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ، (20 طه 8).

وقال أيضا: هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى ، (59 الحشر 24)


وقوله عليه السلام: " إن لله تسعة وتسعين اسما" .(41)

وتحيل هذه المصادر على كتاب الموجز في تفسيره لهذه الأسماء(42).

ولم يكتف أبو عمار بالتفسير بل وضع للأسماء تقسيما واضحا وانطلق في ذلك من فهم ما جاء في القرآن في هذا الشأن.

" وجدنا أن هذه الأسماء موضوعة في كتاب الله عز وجل مستعملة لمعان ثلاثة كلها قد سمى بها نفسه ووصفها بها.

أما أحدها فللذات والمدحة. والثاني فللفعل الآتي دون ما قد فعل. والثالث لما فعل فقط "(43)

ثم يضرب أمثلة نذكر منها: إن ربكم لرؤوف رحيم ، (16 النحل 7). إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، (3 آل عمران 9). وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ، (6 الأنعام 95).


وقد أثيرت قضية أخرى في هذا الصدد تتمثل في إمكانية إضافة أسماء أخرى بعد التسعة والتسعين أو عدمها.

ويمكن أن نصنف هذه الأسماء- بعد التسع والتسعين- كما يلي:

أ) أسماء يجوز ذكرها على شرط أن تكون مضافة إلى مفاعيلها، مثل : فالق الحب والنوى ، (6 الأنعام 95). وجاعل الليل سكنا ، (الأنعام 96)، فالق الإصباح ، (الأنعام 96) .




وعلى هذا القياس يمكن أن يقال يا هادي الضال ويا مصبر البصائر ويا مبين المجهولات ويا كاشف الضراء ويا دليل المتحيرين...الخ.

ب) أسماء يجوز ذكرها وتخرج على المجاز: كأنه تقول يا سندي وأنت تقصد يا من أعتمد على رحمته وكرمه وبره وفضله ويا من إليه أكل مطالبي وأفوض إليه أمري.

والحجة في هذا جواز قولك كما جاء في الحديث " هو الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل"(44) كما لا يضيق في حقه تعالى زارع، من قوله عز وجل : أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ، (56 الواقعة 64) . وذلك بمعنى إحياء الزرع وإنشائه وإنمائه وجعله زرعا باختياره وإرادته وتكوينه.

ج) أسماء يستحيل نسبتها إلى الله تعالى مثل: ماكر، وساخر، ومستهزئ، ورام، وغاضب، وناس، وخادع، وأمثالها من الأسماء المشتقة من أفعال نسبها سبحانه إلى نفسه عن طريق المشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا مثل هذا وتقديرا كما في قوله تعالى: صبغة الله ، (2 البقرة 138) أي تطهير الله حيث عبر عن الإيمان بالصبغة لوقوعه في صحبة صبغة النصارى أولادهم في ماء المعمودية وهو ماء أصفر يغمسونهم فيه غير مذكور لفظا.


وهذه الأسماء المشتقة ورد ذكرها في ما يلي:

ومكروا مكر الله والله خير الماكرين ، (3 آلا عمران 54) . ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ، (8 الأنفال 30) . فيسخرون منهم سخر الله منهم ، (9 التوبة 79) . والله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ، (2 البقرة 15) . وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ، (8 الأنفال 17) . وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ، (4 النساء 93) . يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ، (60 الممتحنة 13) . فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يوهم هذا ، (7 الأعراف 51) . نسوا الله فنسيهم ، (9 التوبة 67) . إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم (45) ، (4 النساء 142).

وتجدر الإشارة بعد هذا إلى ضرورة اعتبار الأحوال والمقاصد عند ذكر مثل الأسماء التي لم يرد بها التوقيف.

وقبل أن نختم يحسن أن نتعرف على موقف أهل السنة والمعتزلة كما أورده البيجوري في شرح الجوهرة:" واختار جمهور أهل السنة أن أسماءه تعالى توقيفية وكذا صفاته فلا تثبت لله اسما ولا صفة إلا إذا ورد ذلك توقيف من الشارع، وذهبت

المعتزلة إلى جواز إثبات ما كان متصفا بمعناه ولم يوهم نقصا وإن لم يرد به توقيف الشارع، ومال إليه القاضي أبو بكر الباقلاني وتوقف فيه إمام الحرمين، وفصل الغزالي فجوز إطلاق الصفة وهي ما دل على معنى زائد على الذات، ومنع إطلاق الاسم وهو ما دل على نفس الذات.

والحاصل أن علماء الاسلام اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء والصفات على البارئ عز وجل إذ ورد بها الإذن من الشارع وعلى امتناعه إذا ورد المنع منه واختلفوا حيث لا إذن ولا منع والمختار منع ذلك وهو مذهب الجمهور."(46)

وحاصل القول إن أسماء الله الحسنى هي التي سمى بها نفسه، وتمجد باتصافه بأفعالها وأمر خلقه بدعائه بها وقد أضيفت إلى الأسماء التوقيفية أسماء مقتبسة من القرآن والسنة على ألا تستعمل إلا بشروط محددة.

والمتأمل في كتب الأصول يتبين تداخل هذا المبحث مع مبحث الصفات لأن التمييز بين المبحثين دقيق ولذلك جاء التفصيل في شأن الصفات أكثر مما جاء في شأن الأسماء فلنتبين ما جاء في شأن الصفات وكيف ميز بينها وبين الأسماء لنصل إلى استنتاج عام نحدد فيه موقف الإباضية عامة وموقف علماء القرون المقررة في البحث بصفة خاصة من هذه المباحث.




صفات الله تعالى


التعريف:


إن ذكرنا أن الاسم هو ما دل على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات (1) فالصفة هي ما دلت على الذات مع اعتبار معنى يوصف به الذات أو كما قال الشماخي " هي مقتضيات المسمى الذي اقتضى الصفة." (2)
وقد ذكر عمرو التلاتي أن الصفة هي معنى شريف يوصف به الله تعالى كالقدرة والإرادة (3) .

" وقال أيضا: والصفة عند المتكلمين معنى قائم بالموصوف والوصف معنى قائم بالواصف.

وعند النحاة الصفة والوصف بمعنى واحد.

وقيل الصفة أعم لإطلاقها على القديم كصفات الله تعالى والحادث كصفات الخلق والنعت لا يقال إلا للحادث إذ لا يقال نعوت الله بل صفات الله" (4) .


والمهم هنا أن إطلاق الصفات وارد في القرآن والسنة وقد أخبر الله عن نفسه أنه حي فاعل مثل قوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، (2 البقرة 225) . وقوله : هو الحي لا إله هو فادعوه مخلصين له الدين ، (40 غافر 65) . وقوله : ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، (89 الفجر 6) . وقوله : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، (21 الأنبياء 23) .

أما في السنة فمثل قوله صلى الله عليه وسلم حين سألته عائشة رضي الله عنها فقالت :" يا رسول الله ما معنى قول الله عز وجل سميع بصير؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : السميع الذي لا تخفى عليه الأصوات والبصير الذي لا تخفى عليه الألوان ( والله أعلم)" (5) .

وأورد الربيع بن حبيب حديثا يفهم منه نفي الصفات وهو: قال جابر ابن زيد حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يوشك الشرك أن ينتقل من ربع إلى ربع ومن قبيلة إلى قبيلة قيل: يا رسول الله وما ذلك الشرك؟ قال: قوم يأتون بعدكم يحدون الله حدا بالصفة" (6) .


ومن خلال ما ذكر نتبين أن الإباضية يقرون بوجود الصفات إلا أنهم يقسمونها إلى قسمين. صفات الذات وصفات الفعل فماذا عن هذا التقسيم؟



صفات الذات:


التعريف:" هي أمور اعتبارية أي معان لا حقيقة لها من الخارج، وإنما وصف بها تعالى نفسه ليعلمنا أن أضداد تلك الصفات منتفية عنه تعالى" (7) فصفات الذات صفات أزلية ولا تجامع ضدها في الوجود ولو اختلف المحل فلا يقال علم الله كذا وجهل كذا. (8)

ويفسر داود التلاتي هذا المعنى كما يلي:" الله حي ليس بميت عالم ليس بجاهل قادر ليس بعاجز متكلم ليس بأخرس سميع ليس بأصم بصير ليس بأعمى مريد ليس بمستكره" (9)

تعداد الصفات الذاتية ومدلولها:

إن داود التلاتي يجمع هذه الصفات في هذا البيت بعد أن فسرها كما ذكرنا قبل حين بنفي أضدادها:

حـيٌّ عليـم ٌ قديـرٌ والكـلام له ***فرد ٌ سميـعٌ بصـيرٌ ما أراد جـرَى
(10)
(بسيط)
فهي حينئذ : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والإبصار والسمع.


1) الحياة: " فمعنى كونه تعالى حيا بذاته إن ذاته تعالى كافية في استلزامها صحة الحياة له ولا حاجة فيه إلى ثبوت صفة قديمة قائمة بع زائدة مقتضية لصحة الحياة له ." (11)

والحياة صفة الله تعالى يراد بها نفي الموت عنه، والدليل على حياته تعالى تصرفه في خلقه بالإيجاد والإعدام والإكرام والإيلام والإفناء والإعادة والزيادة والنقص ونحو ذلك مما يستحيل وجوده من الأموات قال تعالى: كل يوم هو في شأن ، (55 الرحمان29) .

ويقال الله تعالى حي لا كالأحياء بمعنى أنه ليس بميت ولا يموت ولا يجوز عليه الموت.

حي أي ليس بميت ولم يمت قط ولا يموت ولا يجري عليه أن يموت." (12)

" ويقال الله حي ومحي ومميت وأنه هو أمات وأحيى ، (53 النجم 44).

ويقال الله عز وجل حي على الحقيقة ولا يقال حي على المعقول لولا على ما يعقل.

والمعنى في صفته حي أي أنه فعال خالق محي مميت مبق مفن لا على ما يتوهم من حياة الخلق ذوي الأرواح يتعالى عن ذلك." (13)

2) العلم: " ومعنى كونه عالما بذاته كون ذاته تنكشف لها جميع المعلومات انكشافا تاما من غير قيام صفة قديمة مقتضية لذلك الانكشاف" (14) .

" وعلم الله من صفات ذاته كالحياة والقدرة... وسائر صفات ذاته خلافا لمن قال إنها معان ليست بصفات وهو العالم بما كان وما يكون تعلق علمه بكل معلوم لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء (15)


" ومعنى علمه تعالى إحاطته بالأشياء وانكشافها له، وظهورها له ، وإدراكه لها من غير معنى قائم فيه به ذلك العلم، وأن علمه ليس ثابتا له بالدليل....

وعلم الله قديم، وهو يعلم نفسه بعلمه القديم، والمعلوم لله تعالى هو المعلوم لخلقه وإن اختلفت صفة العلم وطرقه لأن علمه بنفسه قديم وبالمشاهدة وعلم الخلق به حادث وبالدليل الموجود في ما كبر من خلقه أو صغر.

ويقال الله عالم ويعلم وقد علم وعلام وعلم وأبصر وأدرك واستبان الأشياء ويعلم أنه ليس لنفسه شريك.
ولا يقال: الله فقيه ولا يفقه ولا فهم ولا يفهم ولا عاقل ولا يعقل ولا حاذق ولا كيس". (16)

ويضيف أبو مهدي موضحا معنى علم الله فيطرح قضية تفاضل الأشياء في علم الله فيقول:" العالم من الصفات الذاتية وتعلق علمه بكل معلوم غائب وحاضر أي كل غيب وشهادة. فإن قال قائل: هل تتفاضل الأشياء في علم الله؟ قيل: إن أردت أن الأشياء متفاضلة في علم الله على أنها متفاضلة فهو جائز وإن أردت التفاضل على علم الله عز وجل فيكون علمه ببعض الأشياء أفضل من علمه ببعض فهذا غير جائز." (17)

3) القدرة:" معنى كونه قادرا بذاته أن ذاته تعالى كافية في التأثير في جميع المقدورات من غير احتجاج إلى قديم زائد عليه قائم به يتأتى به التأثير". (18)

والقدرة وصف لـه تعالى يراد بها نفي العجز عنه والدليل على قدرته وجود المخلوقات من غير سبق مثال.

ويقال الله قادر بنفسه وبذاته ولا يقال بغير هاتين العبارتين.

وقدرته قديمة لم يزل موصوفا بها في الأزل والحال وفي مالا يزال.

ويعتبر المتكلمون أن جميع الصفات غير القدرة ينتظم في القدرة (19) ، فمن وصفه تعالى بكونه قديرا ليس بعاجز فقد وصفه بكل صفة من صفاته ونفى عنه كل صفة من صفات خلقه.

وهو تعالى قادرا على إيجاد ما لم يوجد من الأشياء لعدم استحالة وجوده.


والقدرة الأولية تتعلق بما لا يجب وجوده ولا عدمه تعلقا صلوحيا بمعنى أنها في الأزل صالحة للإيجاد والإعدام على وفق تعلق الإرادة الأزلية فيها لا يزال تعلقا تنجيزيا...

ويقال الله تعالى قادر ويقدر وقدير وقدر ولا يقال يقدر على نفسه ولا يقدر عليها.

ويقال: الأشياء على الله خفيفة يسيرة هينة ولا يقال بعض الأشياء أهون عليه من بعض إلا في الكافر فإنه يقال فيه هو أهون على الله من الكلب. (20)

1) الكلام: " ومعنى كونه تعالى متكلما بذاته أن ذاته تعالى كافية كونه آمرا وناهيا ومستخبرا من غير حاجة إلى قيام معنى به قديم زائد عليه مناف للسكوت والآفة يدل عليه بالعبارة والكتابة والإشارة ويكون آمرا وناهيا ومخبرا ومستخبرا" (21) .

" فالكلام صفة له تعالى يراد بها نفي الخرس عنه والقرآن كلامه عز وعلا وفعل من أفعاله لأنه وصفه بصفات خلقه من الاتصال والانفصال والتبعيض والتشابه ونحوها.

ويقال الله تعالى كلم وتكلم بعد وجود خلقه وكذا يتكلم.

ويقال الله تعالى كلم أنبياءه ورسله وقال لعباده وتكلم (متكلم بمعنى خالق الكلام).

وتجوز على الله كلم ومتكلم ومكلم بحسب قرائن الأحوال عند بعض أئمتنا.

ولا يقال كلمه عباده ولا قالوا لـه ولا اخبروه وإنما يقال سألوه ودعوه ونحو ذلك." (22)

2) السمع: ومعنى كونه تعالى سميعا بذاته " أن ذاته عز وجل كافية في اكشاف جميع المسموعات لـه من غير احتياج فيه إلى معنى قديم زائد عليه قائم به يتأتى به ذلك الانكشاف" (23)

ومعنى سميع إثبات أنه غير أصم وهو سميع بذاته لا بجزء من أجزائه أو بسمع زائد عليه.


وقد سالت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السميع فقال عليه السلام: " السميع الذي لا تخفى عليه الأصوات" (24) والذي لا تخفى عليه الأصوات ليس بأصم.

ويقال الله تعالى سميع وسامع وقد سمع بمعنى عدم خفاء الأصوات عليه، والسميع صفة له قديمة يراد بها نفي الصمم عنه وخفاء الأصوات عليه، وسمع الله بغير آلة وسمع الحادث بها.

وسمعه تعالى عبارة عن إدراكه الأصوات وملاقاته لها. ويقال سمع بنفسه وبذاته ولا يقال غير هاتين العبارتين ولا يقال الله سماع.

ويجيز أصحابنا (25) أنه عز وجل سميع للألوان بصير للأصوات وهو عندهم سميع لكل شيء وبصير لكل شيء لأن مرجع هاتين الصفتين إلى العلم ومن أدلتهم قوله تعالى: بصير بما يعملون ، (2 البقرة 96) . والأعمال ليست من الألوان.

3) البصر: " ومعنى كونه بصيرا بذاته أن ذاته تعالى كافية في انكشاف جميع المبصرات لـه من غير حاجة فيه إلى معنى زائد عليه قائم به يتأتى به ذلك الانكشاف". (26)

" معنى بصير إثبات أنه غير أعمى وهو بصير بذاته لا بجزء من أجزائه أو ببصر زائد على ذاته.

وقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البصير فقال: " الذي لا تخفى عليه الألوان" (27) .

" والذي لا تخفى عليه الألوان ليس بأعمى ويجوز على الله تعالى مبصر بمعنى بصير.

والبصر صفة قديمة له تعالى يقصد بها نفي العمى وخفاء الألوان عنه.

ويقال إنه تعالى بصير ومبصر وأبصر الألوان وكل شيء بمعنى علمه وبصر غيره بمعنى جعله مبصرا أو رائيا ويقال أبصر بنفسه وبذاته ولا يقال غير هاتين العبارتين ولا يقال بصار ولا يتبصر" (28) .


1) الإرادة: " ومعنى كونه مريدا بذاته أن ذاته كافية في تخصيص جميع الممكنات ببعض ما يجوز عليه من غير قائم به يتأتى من ذلك التخصيص" (29) .

" والإرادة صفة الله تعالى أزلية يقصد بها نفي الإكراه عنه وهي في حق المخلوق ما به يتكون المراد على ما أراده المريد من غير إكراه له عليها"

ويراد بها المنشيئة فهما في حقه تعالى بمعنى واحد.

وقد تكون إحداهما غير الأخرى في اللغة إذ يقال فيها: أردت فلانا بمعنى قصدته لا شئته.

ويقال أردتك لكذا لا شئتك لكذا.

والإرادة أكثر استعمالا في التكوين والدعاة والأمر.

ولا يقال أراد الله نفسه ولا لم يردها.

والله تعالى لم يرد نفسه لأن الإرادة كالقدرة وإنما تقال في الأفعال لا في الذوات.

والإرادة والمشيئة بمعنى القدرة لأن القادر هو الذي إذا شاء أن يكون شيء كان، وإذا لم يشأ أن يكون لم يكن وهو عندنا عز وجل مريد لكل شيء وشاء لكل كائن" (30) .

والملاحظ إن المتأمل في توضيح عمرو التلاتي لمدلولات صفات الذات يلمس أنه اعتمد اعتمادا كليا أو يكاد على أبي عمار عبد الكافي في شرح كتاب الجهالات (31) إلا إن التلاتي تميز بالجمع بين الشرح المختصر والشرح الموسع وذلك حسب متطلبات المنهج المرسوم في شرحه المختصر لكتاب الديانات وفي شرحه الموسع للنونية (32) .

فالإباضية حينئذ يعتبرون أن وجوده تعالى كاف في انكشاف:

جميع المعلومات : علم
جميع المسموعات : سمع
جميع المبصرات : بصر
وفي تخصيص جميع الكوائن الممكنة : إرادة


وفي ثبوت العلم وصحته له تعالى : حياة
وفي كونه آمرا ناهيا ومخبرا ومستخبرا : كلام
وفي التأثير في جميع المقدورات : قدرة

فالله تعالى حينئذ عالم بذاته وسميع بذاته وبصير بذاته ومريد بذاته وحي بذاته ومتكلم بذاته وقدير بذاته.

كما يجيز الإباضية أن يقال عالم وعلمه ذاته وسميع وسمعه ذاته وهكذا.

ولا يجيز الإباضية أن يقال عالم بعلم أو مريد بإرادة زائدة على ذاته كما يقول الأشاعرة.

فالمهم حينئذ أن ذاته تعالى كافية في حصول جميع الكمالات.

ويصح أن يقال في صفات الذات: لم يزل كقولنا لم يزل الله عالما بما كان قبل أن يكون، ولم يزل قادرا على إيجاد ما سيوجد قبل أن يوجد. ولم يزل مريد الوجود ما علم الله أنه سيوجد قبل أن يوجد وهكذا.

والله موصوف بصفات ذاته تعالى في الأزل وبعد الأزل وفي ما لا يزال إذ لو كانت حادثة لأتصف قبل حدوثها بضدها ووصفه بها محال والمؤدي إلى المحال محال، فحدوثها محال فوجب قدمها لعدم جواز ارتفاع النقيضين فلو كان علمه تعالى حادثا لاتصف قبل حدوثه بالجهل تعالى عنه علوا كبيرا وهكذا باقي الصفات.

وصفات الذات لا تنفي عنه في الأزل فلا نقول كان الله ولم يعلم وهكذا.

ويقول أبو مهدي في هذا الصدد:" جميع صفاته في ذاته تقول: لم يزل موصوفا بها" (33) .

ومعنى لم يزل في صفة الله عز وجل أي لم يعدم قط، فأما لا يزال فمعناه أي لا يكون معدوما ولا يقال لغير الله لا يزال إلا بالصلة وقد قال عز وجل: لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ، (9 التوبة110) . ويقولون لا يزال فلان من هذا الأمر حتى يموت فيه لأنه لم يزل للماضي ولا يزال للمستقبل.

ولا يجوز التعجب بصفات الذات لأن التعجب استعظام فعل ظاهر المزية خفي السبب ولذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب أما إذا ورد من الله تعالى فيكون حسب

المحشي مصروفا إلى المخاطبين نحو: فما أصبرهم على النار ، (2 البقرة 175) . أسمع بهم وأبصر ، (19 مريم 38) (34)
ويوضح سليمان ابن أبي ستة عدم جواز التعجب بصفات الذات أيضا بقوله:" السر في ذلك أن من شرط المتعجب منه أن يكون قابلا للتفاوت وصفات الله سبحانه بخلاف ذلك. أما قوله تعالى الآيات_و_الأحاديث( أسمع بهم) فإنما جاز باعتبار متعلقه فهو في قوة قوله:" ما أكثر مسموعاته" فالتعجب في الحقيقة من المسموع لا من السمع". (35)

" فلا يقال حينئذ ما أحيى الله ولا ما أقدره ولا ما أعظم إرادته ولا ما أسمعه ولا ما أبصره كما لا يقال في شيء من صفاته اضطراري ولا كسبي." (36)

تلك هي إذن مشاركة علماء القرون المقررة في تعريف صفات الذات وتبيين مدلولاتها وقد غلب عليها نقل ما ورد في حاشية أبي عمار عبد الكافي على كتاب الجهالات مع حرص على توضيح ما جاء غامضا في هذه الحاشية. وقبل أن نتحول إلى تبيين موقف الإباضية من أن الصفات عين الذات يحسن أن نذكر مع أبي عمار عبد الكافي أن الإباضية يعتبرون أن الرضا والولاية والسخط والغضب من صفات الذات لأن الذات الإلهية لا يتطرق إليها التغير ولا التحول ولا تتصف بالحوادث (37) لأن هذا مهم في فهم قضيتي القدر والوعد والوعيد.

فماذا إذن عن مناقشة الإباضية لمن يعتبرون أن الصفات الذاتية غير الذات؟

الصفة الذاتية عين الذات:

كلما اشتغلت المصادر الإباضية بقضية الصفات يتصدى أصحابها للدفاع عن نظرتهم ودحض نظريات الفرق الأخرى اعتمادا على آراء الإباضية أحيانا وعلى آراء مجتهدين من تلك الفرق خالفوا فرقهم في هذه النقطة بالذات.
وعمدة المصادر الإباضية النصان التاليان:

- قول أبي عمار كما نقله المحشي:
قال أبو عمار رحمه الله ردا على الأشعري في قولهم بالتعدد والتغاير والقيام بالذات ما نصه:" فلما أثبتوا (الأشاعرة) صفات الله تعالى متغايرة متعددة ثم التمسوا لهذه المعاني المتعددة المتغايرة محلا يحلونها به ومقاما يقيمونها فيه فلم يجدوه لما كان الله في أزليته ليس معه شيء غيره فلما لم يجدوا لها أقدموا عليه من القول بهذا مخرجا سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا فتجاسروا على القول بأنها حالة بالصانع جل جلاله فأئمة بذاته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا...إلى أن قال: وما عسى أن يرد

عليهم بأقبح من مقالتهم حيث زعموا أن الله جل جلاله محل للأشياء وظاهوا بذلك قول اليعقوبية من النصارى" (38)

- وقول السدويكشي في حاشيته على كتاب الديانات:
" احتج الأشاعرة على ما ذهبوا إليه من أن الصفات مغايرة للذات بوجوه ثلاثة:

الأول: ما عليه القدماء منهم وهو قياس الغائب على الشاهد وذلك أنهم قالوا: إن العلية والحد والشرطية لا تختلف في الشاهد والغائب بل هي فيهما سواء ولا شك أن علة تسمية العالم إنما هي قيام صفة العلم به وحد العالم هو من قام به العلم وشرط تسمية الشيء بالمشتق هو أن يكون فيه أصل ذلك المشتق فشرط تسمية العالم عالما هو قيام العلم به فالعلم شرط لصحة التسمية بالعالم وعلة للتسمية.

والجواب عن هذا الوجه : هو ما أجاب به العضد في المواقف (39) والسيد في شرحه (40) حيث قالا ما حاصله : وهذا ضعيف كيف وهذا القائس قائل ومعترف باختلاف مقتضى الصفات في الشاهد والغائب فإن القدرة في الشاهد لا يتصور فيها الإيجاد بخلافها في الغائب والإرادة فيه لا تختص بخلاف إرادة الغائب وكذا الحال في باقي الصفات فإذا ما وجد في أحدهما لم يوجد في الأخرى فلا يصح القياس أصلا.

الوجه الثاني: لو كان مفهوم كونه عالما حيا قادرا نفس ذاته لم يفد ملها على ذاته، وكان قولنا على طريقة الإخبار الله الواجب أو العالم أو القادر أو الحي إلى سائر الصفات بمثابة حمل الشيء على نفسه واللازم باطل لأن حمل هذه الصفات يفيد فائدة صحيحة بخلاف قولنا ذاته وإذا بطل كونها نفسها ولا مجال للجزئية قطعا لاستحالتها عنه تعالى تعينت الزيادة على الذات.

والجواب عن هذا الوجه: قال العضد والسيد: وفيه نظر لأنه لا يفيد زيادة هذا المفهوم أعني مفهوم العالم والقادر ونظائرهما على مفهوم الذات ولا نزاع في ذلك وأما زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فعلا يفيده هذا الدليل.
(نعم لو تصور مفهوما الوصف والذات معا بحقيقتهما وأمكن حمل الوصف على الذات دون حمل الذات على نفسها حصل المطلوب وهو زيادة الوصف على الذات ولكن أنى ذلك التصور الواصل إلى كنه حقيقتهما).

الوجه الثالث: لو كان العلم نفس الذات والقدرة نفس الذات لكان العلم نفس القدرة مع أنه ضروري البطلان وكذا الحال في سائر الصفات.



الجواب عن هذا الوجه: أنه إنما يدل على تغاير مفهومي العلم والقدرة ومغايرتهما للذات والنزاع إنما هو في الثاني دون الأول فمنشأ هذين الوجهين عدم الفرق بين مفهوم الشيء وحقيقته.

قال العضد والسيد: وهذا الوجه من النمط الأول أي الوجه السابق، عليه والإيراد هو الإيراد يعني أنه يدل على تغاير مفهومي العلم والقدرة ومغايرتهما للذات لا على تغاير حقيقتهما ومغايرتهما لها.

قال السيد: فإن قلت كيف يتصور كل صفة الشيء عين حقيقته مع أن كل واحد من الموصوف والصفة يشهد بمغايرته لصاحبه وهل هذا إلا كلام مخيل لا يمكن أن يصدق به كما في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها فلا حاجة بنا إلى الاستدلال على بطلانه.

قلت: ليس معنى ما ذكروه أن هناك ذاتا وله صفة وهما متحدان حقيقة كما تخيلته بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليه ما يترتب على ذات وصفه معا.

مثلا: ذاتك ليست كافية في اكشاف الأشياء عليك، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم التي تقوم بك. بخلاف ذاته تعالى فإنه لا يحتاج إلى انكشاف الأشياء وظهورها عليه إلى صفة تقوم به بل المفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته.

فذاته تعالى بهذا الاعتبار حقيقة العلم وكذا الحال في القدرة فإن ذاته تعالى مؤثرة بذاتها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا فهي بهذا الاعتبار حقيقة القدرة.

وعلى هذا تكون الذات والصفات متحدة في الحقيقة متغايرة بالاعتبار والمفهوم ومرجعه إذا حقق إلى نفي الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها من الذات وحدها (41) .

ومن خلال هذه الردود نتبين أن المصادر الإباضية تقرر مثل المعتزلة والشيعة (42) أن الصفات عين الذات وهذا ما يذكره التلاتي في هذا الشأن " فالصفات كلها صفات سلوب، أي معاني اعتبارية أريد بها سلب أمور لا تليق به سبحانه وتعالى... فهي عندنا (43) أمور اعتبارية كالانكشاف في العلم والسمع والبصر والتمكن في القدرة والتخصيص في الإرادة والاستلزام في الحياة لا صفات حقيقية موجبة لذلك كما يقولون.

فلسنا قائلين بثبوت الصفات في ذاتها ولا بأنها معان هي عين ذاته تعالى كما قد يتوهم من قول أئمتنا رحمهم الله إن صفات الله عين ذاته بل نقول أمور اعتبارية

لا وجود لها في ذاتها ولا في ذاته تعالى واعتبرناها لنفي أضدادها ونقول إن ذاته كافيه في الانكشاف والتخصيص والاستلزام المتقدمة.

وإن هذا هو المراد من كون الصفات عين الذات لا أنها معان موجودة في نفسها في ذاتها وأنها غير ذاته تعالى، لأنه لا يقول بذلك جاهلا فضلا عن فاضل وهذا كله في صفات الذات. (44) فماذا عن صفات الفعل؟



صفات الفعل:


التعريف: قال التلاتي:" أما صفات الأفعال فهي عندنا مدلولات المصادر الواقع منها الاشتقاق كإيجاد الرزق الذي هو مدلول لفظ: رزق المشتق منه رازق ورزق يرزق، وإيجاد الحياة الذي هو معناه لفظ إحياء المشتق منه أحيى ويحي وهكذا". (45)

وبعبارة أخرى هي معان حقيقية قائمة بالمخلوق اتصف تعالى بما اشتق منها كالخالق والرازق والمحيي والمميت فإن الخلق والرزق والإحياء والإماتة معان حقيقية إنما هو حصول ما يترتب عليها أي المعاني الحقيقية هو الأثر الحاصل من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها وإلا فالتأثير اعتباري (46) .

" وصفات الفعل تختلف عن صفات الذات من حيث إنها تجامع ضدها في الوجود عند اختلاف المحل كأن يوسع في رزق زيد ويضيق في رزق عمرو، وأن يرزق العلم عمرو ويخلق الجهل لزيد، وأن يخلق كذا دون كذا وأن يعطي فلانا كذا ويمنع فلانا كذا، ويحب فلانا ويبغض فلانا ويرضى عن فلان ويسخط على فلان ويوالي فلانا ويعادي فلانا ويرحم فلانا ويعذب فلانا وهكذا". (47)




تعداد صفات الفعل


لم تقع الإشارة إلى إحصاء صفات الأفعال وذلك لأنها لا يمكن أن تنحصر تحت عدد مثل صفات الذات.

أما من حيث أزليتها أو عدمها وإمكانية التعجب بها فهاك خلاصة القول في ذلك من قول أبي مهدي:

" وأما صفاته في فعله فلا يجوز فيها لم يزل لأن في ذلك إثبات الخلق قديما لم يزل، فلا يجوز أن يقال لم يزل معبودا ولا لم يزل مذكورا وما أشبهها لأن في ذلك إثبات العابد والذاكر قديمين معه.


وأما لم يزل خالقا ورازقا ومنشئا وما أشبه ذلك فجائز بأحد ثلاثة شروط:

- إما أن تصل كلامك فتقول:" لم يزل خالقا لمخلوق سيكون، ورازقا لمرزوق سيكون وما أشبه ذلك.

- وإما أن تريد به القدرة على الإيجاد.

- وإما أن تعني بذلك فائدة اسم الفاعل ومعناه لأنه يصلح للحال والاستقبال إذ كان منونا والله أعلم.

قال الشيخ يونس ابن أبي زكرياء رحمه الله (48) :" من قال لا يجوز على الله خالق ولا رازق في الأزل فهو كافر منافق. ومن قال ليس بخالق ولا رازق في الأزل فهو مشرك. وكذا في سائر ما أشبه ما ذكرنا." (49)

والملاحظ أن القضية خلافية بين علماء الإباضية فعلماء المشرق وأهل الجبل يعتبرون صفات الأفعال حادثة قال في المنهج: (50)
" ولا يجوز أن يقال : لم يزل بارئا ومصورا ورازقا وخالقا وما كان من صفات الأفعال لأن ذلك يوجب قدم الفعل في الأزل والله سبحانه وتعالى لم يزل ولا شيء معه ثم أحدث الأشياء" (51)

وأما علماء المغرب فقد عبر عمرو التلاتي عن رأيهم كما يلي:" والذي عليه المغاربة أن صفات الله كلها قديمة أزلية لأنه يقال: الله تعالى خالق في الأزل على معنى سيخلق، ورازق في الأزل على معنى سيرزق وهكذا" (52) .

وهذا ما ذكره يوسف المصعبي حيث قال:" هل الله فاعل في أزليته؟ نعم ... قد سميناه بذلك في أزليته وبعد إحداثه الأشياء ولم يزل ربا خالقا" (53)

وحاصل القول:" إن صفة الذات هي التي اتصف بها تعالى بالفعل في الأزل، وصفة الفعل هي التي لم يتصف بها بالفعل فيه، وإنما يتصف بها فيما لا يزال وهو راجع إلى القول بحدوثها كما يدل له تفسيرها المذكور وكما تقول المشارقة" (54)

فواضح إذن أن الخلاف لفظي إلا إن المفهوم واحد وهو إن صفات الأفعال محدثة.


وإن كان لا يصح التعجب في صفات الذات فإنه يجوز التعجب في صفات الفعل نحو ما أعظم إنعام الله على عباده وما أحكمه...

هذا عن صفات الأفعال لكن الإباضية تبينوا أن تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية غير كاف فاقترحوا تقسيما آخر فماذا عن هذا التقسيم؟


تقسيم آخر لصفات الله تعالى

وينقل عمرو التلاتي عن المشارقة روايتهم التالية عن تقسيم الصفات إلى ثلاثة أقسام"

" صفات ذاتية فقط، وصفات فعلية فقط، وصفات ذاتية باعتبار وفعلية باعتبار.
فالأولى هي كل صفة دلت على نفي ضدها عنه تعالى واتصف بها بالفعل في الأزل كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة.

والثانية كل صفة دلت على نفي ضدها عنه تعالى ولم يتصف بها بالفعل في الأزل كالخلق والإحياء والإماتة والحب والبغض والقبض والبسط والولاية والبراءة.

والثالثة كل صفة تحتمل معنيين متغايرين كحكيم بمعنى نفي العبث عنه تعالى صفة ذات وبمعنى واضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها صفة فعل وصادق فإنه بمعنى نفي الكذب عنه تعالى صفة ذات وبمعنى مخبر بالصدق صفة فعل وسميع فإنه بمعنى نفي الصم عنه تعالى صفة ذات، وبمعنى قابل الدعاء صفة فعل ولطيف فإنه بمعنى عالم صفة ذات، وبمعنى رحيم صفة فعل وهكذا" (55) .

واضح أن هذا التقسيم أكثر دقة من التقسيم الأول وأكثر وضوحا وشمولا.

وإلى جانب هذا ذكرت مصادر المرحلة المقررة وما بعدها التقسيم المعتمد عند غير الإباضية.

ومن ذلك يذكر عمرو التلاتي تقسيم الأشاعرة الصفات إلى أربعة أقسام وحصرهم ما يجب أن يعلم منها في عشرين صفة.

1) الصفة النفسية: وهي الوجود الذاتي.

2) الصفة السلبية: وهي خمس: القدم، والبقاء ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس والوحدانية.


3) صفات المعاني وهي الصفات الذاتية عند الإباضية : سبع : العلم والارادة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام.

4) صفات معنوية منسوبة إلى تلك المعاني وهي: سبع: العليم والمريد والقادر والحي والسميع والبصير والمتكلم . (56)


هذا ما تعلق بالصفات فماذا عما يجب ويستحيل ويجوز في حق الله تعالى؟

ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى؟

الواجب في حقه تعالى: يحسن أن نبين مفاهيم كلمة الواجب إذا أضيفت إلى غيرها.

فالواجب العقلي: هو الضروري في العقل كوجود الصانع وحسن العدل وقبح الظلم.

والواجب الشرعي: هو ما يترتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب وهذا مرجعه إلى الشرع ما لم يمنع العقل جوازه.

والواجب في حقه تعالى هو ما يترتب على ثبوته له كمال وعلى عدمه نقص ومحال كجميع صفات الذات من حياة وعلم وما إليها والوجود والوحدانية والقدم والبقاء وعدم المثل في الذات والصفات والأفعال الخ... (57)
ولقد عرفنا الوجود من قبل (58) فماذا عن البقية؟


1) الوحدانية

الواحد لغة:" وحده: مصدر محذوف الزوائد وله فعل والأكثر اسم مصدر في موضع الحال، وقيل ظرف وشذت تثنيته وجره بعلى أو بالإضافة.

والواحد الذي لا جزء له ولا شبيه بوجه" (59)

" الواحد في الحقيقة هو الذي لا جزء له البتة ثم يطلق على كل موجود حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به فيقال عشرة واحدة ومائة واحدة وألف واحد.

والواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه:

الأول: ما كان واحدا في الجنس أو في النوع كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس وزيد وعمر واحد في النوع.

الثاني: ما كان واحدا بالاتصال إما من حيث الخلقة كقولك: شخص واحد وإما من حيث الصناعة كقولك حرفة واحدة.

الثالث: ما كان واحدا لعدم نظيره إما في الخلقة كقولك: الشمس واحدة وإما في دعوى الفضيلة كقولك: فلان واحد دهره ونسيج وحده.

الرابع: ما كان واحدا لامتناع التجزئ فيه إما لصغره كالهباء وإما لصلابته كالألماس.

الخامس: للمبدأ أما لمبدأ العدد كقولك: واحد، اثنان وإما لمبدأ الخط كقولك : النقطة الواحدة.

والوحدة في كلها عارضة.

السادس: إذا وصف الله تعالى بالواحد فمعناه هو الذي لا يصح عليه التجزؤ ولا التكثر، ولصعوبة هذه الوحدة قال الله : إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، ( 39 الزمر 45)

والواحد بفتح الواو والحاء المهملة، وهو الفرد ويوصف به غير الله.

وأحد: مطلق لا يوصف به غير الله.

ويقال : فلان لا واحد له كقولك هو نسيج وحده" (60)

والوحدانية شاملة لوحدانية الذات والصفات والأفعال وقد لخص المحشي الكلام في هذه القضية كما يلي عند شرح المتن: وإنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء في اسم ولا صفة ولا ذات:

" قوله: في اسم ولا ذات يعني ولا فعل ولا عبادة كما هو معلوم وهذا يقتضي أن الواحد في حق الله تعالى على خمسة أوجه مع أنه اقتصر في ما تقدم على ثلاثة اوجه

حيث قال: وهو الواحد في ذاته والواحد في صفاته والواحد في فعله واقتصر في كتاب السؤالات على أربعة وأسقط الواحد في أسمائه وجوابهما مفهوم العدد لا يفيد الحصر وأن الواحد في الذات يشمل الواحد في الاسم لأن الاسم نفس المسمى". (61)

والمهم أن مرجعها إلى ثلاثة أي في الذات والصفات والأفعال.

" ومعنى واحد في الذات أن ذاته ليست بذات جسم فيوصف بالتجزئة والانعدام.
ومعنى واحد في الصفة: أي ليس أحد غيره يوصف بصفته من الألوهية والربوبية والقدرة والعلم والإرادة وفي جميع صفاه عز وجل.

ومعنى واحد في الفعل: ليس أحد يفعل كفعله أي لا خالق الخلق ولا مفني الخلق إلا هو ولا مرسل الرسل ولا منبئ الأنبياء ولا منزل الكتب ولا فاعل سماء ولا أرضا ولا شيئا من أفعاله عز وجل إلا هو". (62)

والفرق في الواحد في حق الله تعالى وفي حق المخلوق أن الواحد في حق الإنسان مثلا أنه واحد من عدد من الناس ومتجزئ إلى أجزاء كثيرة والواحد في حق الخالق ما أشير إليه في الوجه السادس من وجوه تفسير الواحد أي لا يشاركه أحد في وحدانيته ولا يتجزأ تعالى عن ذلك علوا كبيرا". (63)

وقد حرصت المصادر على إيراد الأدلة النقلية والعقلية لإثبات وجوب الوحدانية لله تعالى.

أما الأدلة النقلية فهي أكثر من أن تحصى مثل قوله تعالى : قل هو الله أحد ، (112 الإخلاص 1) وقوله : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ، (21 الأنبياء 22).

وقوله صلى الله عليه وسلم : " بني الاسلام على خمسة على أن يوحد الله..." . (64)
وأما الأدلة العقلية فملخصها ما ذكره أبو عمار في شرح الجهالات وأحالت الحواشي على هذا الشرح.

" أدلة التوحيد راجعة إلى طريقتين...طريقة الصفة والأخرى طريقة الممانعة.

فطريقة الصفة أنه لا تخلو الذات من أن تكون ذاتا واحدة أو أكثر فإن كانت الذات ذاتا واحدة فهو ما قلنا، وإن كانتا ذاتين كانتا غير خاليتين من أن تكونا بصفة واحدة أو بصفتين [ وإن كانتا أيضا بصفة واحدة وإن كانت الذاتان بصفتين لم تجب الألوهية والربوبية إلا بصفة واحدة]. (65)


وأما طريقة الممانعة فإنه لا يخلو الاثنان أو اكثر منهما من أن يكونا متمانعين فإن كانا متمانعين بطل الوصف عنهما جميعا بالألوهية وإن كان واحد مانعا للآخر كان المانع هو المستحق للألوهية دون الآخر.

وأما الأدلة المذكورة في كتاب الله عز وجل من ذلك عز وجل لفسدتا ، (66) . و لفسدت السماء والأرض ومن فيهن ، (67) . و لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ، (23 المؤمنون 91) . فإنها قريبة من طريقة الممانعة. وكذلك وقوله (68) لم يخل كل واحد منهما من أن يكون قادرا على الآخر وغير قادر وان ينفي الآخر أو يخفي أمر دونه أو يخلق أمرا دونه في مثل ذلك، فهو كله راجع إلى طريقة الممانعة والممانعة راجعة إلى معنى الصفة وذلك أن الممانعة إذا وقعت بينهما كانا موصوفين بصفة واحدة أو كانا جميعا غير متمانعين كانت الصفة أيضا واحدة فإن الممانعة من حيث ما دارت راجعة إلى طريق الصفة" (69)

كما أن يوسف المصعبي (70) يحيل على كتاب الموجز (71) وواضح من خلال المقارنة أن ما جاء محللا في كتاب الموجز قد أوجز في النص الذي أوردنا في كتاب شرح الجهالات.

أما ما يمكن أن يقال من الصيغ وما لا يمكن أن يقال فملخصه ما يلي:

يقال الله عز وجل واحد على الحقيقة ويقال واحد على حقيقة الوحدانية وعلى حقيقة الواحد كل ذلك جائز ويقال واحد كالآحاد ولا يقال واحد لا كالواحد من الآحاد.
ويقال الله تعالى موحد وموحد ويجوز في الأزل موحد بالكسر وفي غير الأزل موحد بالفتح والموحد بالكسر هو الفاعل للتوحيد وبالفتح أي وحد نفسه ووحده الموحدون من عباده. (72)

2) القدم:

وهو عبارة عن نفي سبق العدم له مطلقا والدليل النقلي قوله تعالى : هو الأول ، (57 الحديد 3) . بمعنى القدم أي الذي كان قبل خلقه.

والدليل العقلي هو انه لو لم يكن تعالى قديما للزم أن يكون حادثا وافتقر حينئذ إلى محدث وذلك يؤدي إلى التسلسل إن كان محدثه ليس أثرا له أو إلى الدور إن كان أثرا له لما في الأول من تعدده إلى مالا نهاية له ولما في الثاني من كون الشيء الواحد سابقا على نفسه مسبوقا بها (73) .

3) البقاء (74)


وهو عبارة عن عدم إلحاق العدم للوجود والدليل النقلي قوله تعالى : هو الآخر ، (57 الحديد 3) . الذي لا يفنى وهو تأويل الباقي. وقوله تعالى: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، (55 الرحمان 27) . والله خير وأبقى ، (20 طه 73).

والدليل العقلي هو انه لو لم يكن متصفا به للزم أن تكون ذاته تعالى قابلة للوجود والعدم فيحتاج في ترجيح وجوده إلى مخصص فيكون حادثا كيف وقد مر بالبرهان وجوب قدمه ومن هنا تعلم أن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه (75) .

أما عدم المثل في الذات والصفات والفعل فسنتعرض له عند الوقوف عند قوله تعالى : ليس كمثله شيء ، (42 الشورى 11) . (76)

هذا أهم ما يتعلق بالواجب في حق الله تعالى فماذا يستحيل في حقه سبحانه وتعالى؟


المستحيل في حق الله تعالى:

" والمستحيل في حقه تعالى هو كل نقص (77) وضد لصفات كماله النفسية والسلبية والمعاينة والمعنوية في الحكم الواجب له تعالى.

ومن قام له بالبرهان الصحيح بثبوت الألوهية لواجب الوجود سبحانه وتعالى إذا تصور في نفسه هل يجوز في هذا الإله أن يكون متصفا بشيء من النقائص أو الرذائل أو المفاسد وجب عليه نفي ذلك عنه في الحال لأن من كانت هذه صفته فليس بإله فهذه طريق واضحة في معرفة الصفات المستحيلة في حق الله تعالى من الفناء والموت والحدوث والعجز والفاقة والضعف والصاحبة والولد والشريك والثاني والثالث والعمى والجهل والصمم والخرس والبكم والغفلة والسهو والسنة والنوم والجور والظلم وهكذا في سائرها". (78)

فواضح إذن أن المستحيل في حقه تعالى هو ضد جميع صفات الكمال والجمال (79) فماذا عما يجوز في حق الله تعالى؟

ما يجوز في حق الله تعالى:

يجب أن نميز بين ما يجوز في حق الله تعالى وبين الجواز العقلي أما الجواز العقلي: فهو الذي يتصور في الذهن وجوده وعدمه فهو نفس المسمى عند المناطقة بالإمكان الخاص" . (80)


وأما الجائز في حقه تعالى:" فهو كل مالا يترتب عليه ولا عدمه نقص في حقه تعالى كالخلق والإفناء والإعادة والرزق بفتح الراء". (81)

وهي بالتالي صفات الأفعال.

وإلى هذا الحد نكون قد ألممنا بأهم ما يتعلق بذات الله وصفاته وما يجب في حقه وما يستحيل وما يجوز لكن يحسن قبل أن نختم هذا المبحث أن نفي وعدنا به من قبل، وهو تحليل الإباضية لسورة الإخلاص ولقوله تعالى: ليس كمثله شيء ، فماذا عن هذا التحليل؟


تحليل سورة الإخلاص:

قال الجناوني للتدليل على وجوب الوحدانية شرعا:

" ونبه الله تعالى عباده على ذلك بقوله : قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد

فقوله: قل هو الله ، رد على الدهرية وقوله: أحد رد على الثنوية

وقوله : الصمد رد على المجسمة وقوله: لم يلد ولم يولد رد على اليهود والنصارى، وقوله : لم يكن له كفؤا أحد رد على المشبهة". (82)

ويشرح المحشي هذا النص كما يلي: فيبدأ بالإعراب : قل هو الله أحد ، : قال العنبري يحتمل أن يكون هو مبتدأ والله خبره وأحد خبرا ثانيا أو بدلا من الله بناء على حسن إبدال النكرة غير الموصوفة من المعرفة إذا استفيد منها ما لم يستفد من البدل منه... ويحتمل أن يكون هو ضمير الشأن والجملة خبره.

ثم يحلل المعنى كما يلي:

وتعتبر الأحدية بحسب الوصف بمعنى أنه أحد في وصفه مثل الوجوب واستحقاق العبادة ونظائرهما، أو بحسب الذات أي لا تركيب فيه أصلا.

وعلى الوجهين تظهر فائدة حمل الأحد عليه تعالى ولا يكون مثل زيد أحد.

ويعود إلى الاعتماد على الإعراب فيقول:


وظاهر كلام المصنف في قوله تعالى هو الله رد على الدهرية أن لفظ الجلالة خبر فليس الضمير ضمير شأن لأن خبره لا يكون إلا جملة فيوافق الإعراب الأول.

ثم يعود إلى المعنى:

قوله: رد على الدهرية وهم المعطلة الذين أنكروا الله رأسا وقالوا ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلغ وقالوا ما يهلكهم إلا الدهر. زاد أبو سهل (83) رحمه الله وإشارة إلى تحقيق الوجود والإثبات. قوله رد على الثنوية أي وإشارة الى تحقيق الذات، والثنوية هم القائلون بالنور والظلمة يعني أن الأشياء تكونت منهما في زعمهم لعنهم الله.

قوله: رد على المجسمة وفيه إشارة السيد الذي يصمد إليه في كل الحاجات لكن ينظر ما الفرق بين المجسمة والمشبهة حتى فرق في الرد عليهما فإن المجسمة من المشبهة قطعا فالأولى إسناد الرد عليهما إلى محل واحد وهو قوله : ولم يكن له كفؤا أحد ، فإنه ظاهر كل الظهور بخلاف الرد بالصمد (84) والله أعلم.

قوله : رد على اليهود والنصارى : قال الله تعالى حكاية عنهم : وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ، (9 التوبة 30) . والرد عليهم في الحقيقة إنما هو بقوله : ( لم يلد) فقط، وكذا فيه الرد على المشركين حيث قالوا: " الملائكة بنات الله" تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قوله : ولم يكن له كفؤا (85) أحد ، رد على المشبهة قال أبو سهل: رد على من قال بتحيز الذات وتحريف الأسماء والصفات" (86) .

فواضح إذن من خلال هذا التحليل وما جاء في أسباب النزول أن هذه السورة جاءت محيطة بصفات الله تعالى. " فالله تعالى نفى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله أحد ونفى النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ونفي المعلولية والعلة بلم يلد ولم يولد ونفى الأضداد والأنداد بقوله : لم يكن له كفؤا أحد . (87)

ثم يعود الجناوني إلى السورة بمنهج آخر:

وقد قيل الشرك ثماني: الكثرة والعدد والتقلب والنقائص والعلة والمعلول والأضداد والأشكال فنفى عن نفسه الكثرة والعدد بقوله : قل هو الله أحد ، ونفى عن نفسه التقلب والنقائص بقوله : الصمد ، ونفى العلة والمعلول بقوله : لم يلد ولم يولد ، ونفى الأضداد والأشكال بقوله : لم يكن له كفؤا أحد (88) .



فالسورة حللت بطابع لغوي عقائدي فلسفي دفاعي وحملت كل طاقات الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية آنذاك والهدف من ذلك تعظيم الله تعالى وتنزيهه وإقرار عقيدة التوحيد ولذلك تسمى السورة أيضا سورة التوحيد.

هذا عن سورة الإخلاص فماذا عن قوله تعالى : ليس كمثله شيء ؟

تحليل قوله تعالى : ليس كمثله شيء ، (42 الشورى 11)

إن هذا الجزء من الآية الحادية عشرة من سورة الشورى من أهم ما استدل به أثناء تحليل قضية الذات والصفات لذلك أردنا أن نقف عنده كما وقفنا عند سورة الإخلاص.

فهذا أحمد الشماخي يعتبر أن هذا الجزء من الآية عمدة الكلام عن الصفات فيقول:" واعلم أن عمدة هذا الباب (الحديث عن ذات الله) وغيره من الكلام على الصفات أن تجعل أصلك أن الله تعالى لا يشبه شيئا. ولا يشبهه شيء". (89)

وهذا المحشي يلح على معنى التعميم حيث يقول : " ومع هذا (قوله عز وجل : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . قالوا (90) ليس كمثله في العلم والقدرة . فقلنا لهم : ليس كمثله شيء هو عموم فمن ادعى فيه الخصوص فعليه الدليل". (91)

وهذا عمرو التلاتي يلح على معنى العموم أيضا فيقول:" ليس كمثله شيء" أي لا يشابهه شيء من الأشياء جليلها وحقيرها وضيائها وظلامها وحيها وميتها وإنسها وجانها وملكها وجمادها وحيوانها وشمسها وقمرها ونجومها وسمائها وأرضها وما فيها وما بينهما وما يكون يوم القيامة والجنة والنار في ذاته ولا شيء من كمالاته بوجه ما ولا في حال ما" (92)

أما يوسف المصعبي فقد تابع تبغورين بن عيسى في أن الآية محكمة كما ناقش قضية زيادة الكاف أو مثل وأثبت ألا شيء منهما زائد ورجح قول الزمخشري في أن الآية من قبيل الكناية كما في قولك" مثلك لا يبخل". (93)

فالآية حسب علماء الإباضية في هذه القرون المقررة محكمة وهي أهم منطلقات مبحث الذات والصفات كما أنها تفيد العموم المطلق في نفي الشبيه عن الله تعالى وتحميلها على وجه الكناية يزيد إلحاحا على هذا التعميم.


وقد ذهب من جاء بعد هؤلاء نفس المذهب بل نقل عبد العزيز الثميني نفس ما ورد عند عمرو التلاتي ونذكر منهم محمد اطفيش (94) وناصر بن سالم الرواحي. (95)

وقبل أن نتحول إلى الوقوف عند رئيس الإباضية في المتشابه يحسن أن نحوصل ما جاء إلى الآن مما يتعلق خاصة بالمحكم في حق الله تعالى مع تبيين بعده الحضاري.

معلوم أن الوثنيين تصوروا آلهتهم كما يرغبون وشكلوها أشكالا مختلفة لكن الاسلام تميز بدعوة الناس إلى التفكر في المخلوقات لا في الخالق وقد جاءت نصوص عديدة من القرآن في هذا النسق نذكر منها قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ، (3 آل عمران 190ـ 191)

أما الأحاديث فقد جاءت صريحة في الأمر بالتفكر في الخلق والنهي عن التفكر في الخالق ومن ذلك ما روي عن النبي عليه السلام أنه خرج على قوم وهم يتذاكرون فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم سكتوا فقال:" ما كنتم تقولون" قالوا نتذاكر في الشمس وفي مجراها قال:" ذلكم فافعلوا تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" وزاد فيه الحسن:" إن الله لا تناله الفكرة". (96)

لكن رغم هذا النهي الصريح عن التفكر في الخالق جاءت كتب أصول الدين مفعمة بذلك إلا أن منطلق المتكلمين كان منطلقا دفاعيا للرد على مختلف الفلسفات التي تنفي وجود الخالق أو تتصوره بوجه يختلف عن التصور الإسلامي.

ومنطلقات المتكلمين كانت منبثقة من القرآن إلا أنهم يحاولون صياغة ما جاء فيه من حجج صياغة عقلية برهانية، وقد بينا أن الفكر الإباضي يتنزل في هذا المحيط وقد عالج القضية بنفس المسلك فتأمل أصحابه من وقت مبكر في حقيقة العقل، وحاولوا شيئا فشيئا تحديد مجموعة من المفاهيم صيغت في مصطلحات مثل حقيقة الجوهر والعرض والجسم والشيء والواجب والمستحيل والجائز وما إلى ذلك، ولم تكن المرحلة المقررة للدرس 10، 11، و12 إلا امتداد للقرون السابقة فلم تطل فيها البحوث المتعلقة بإثبات وجود الله تعالى لأن الوسط الذي يعيش فيه الفكر الإباضي لم يعد في حاجة إلى مثل هذه المباحث وإن لم تخل من الإشارة إلى ذلك، وتتمثل هذه الإشارة في دوران الحجج حول دليل واحد وهو افتقار الصنعة إلى الصانع وقصارى القول في هذا المبحث أن حجة السماع هي الأساس لأنها أوسع بكثير من حجة العقل، ولا يمكن أن نلمس لكل هذا بعدا حضاريا طريفا لأن المجتمع الإسلامي آنذاك لم


يتفتح بعد على تيار حضاري آخر يدفعه إلى التأمل في القضية من جديد كما حدث ذلك في ما بعد عند الالتقاء بالحضارة الغربية في القرن الرابع عشر هجري، فالقضية حينئذ ثابتة، ولا جدال في الإقرار بوجود الله تعالى.

أما في ما يتعلق بذات الله تعالى فقد جاء التراث الإباضي في هذه المرحلة اجترارا وإعادة لما جاء في التراث الإسلامي عامة والإباضي خاصة ويتمثل ذلك في الرد على المجسمة والمشبهة والنصارى واليهود كأن نصف المجتمع من هؤلاء الناس مع العلم أم مثل هذه الأصناف لا وجود لها في البيئة الإباضية وحتى إن وجد بعض اليهود فإنهم منغلقون على أنفسهم لا يدخلون في الجدل مع أحد.

والحقيقة أن محاولة تحديد الذات الإلهية ضرب من الترف الحضاري نرى أن المسلمين في غنى عنه لأن المتكلم يعتقد مسبقا أن العجز عن إدراكه إدراك ولعل المشكل يكمن في صعوبة تطويع اللغة لاستيعاب عالم الغيب ولذلك حاولت هذه المصادر تعريف كلمة الذات تعريفا اصطلاحيا وحيثما دارت هذه التعريفات ترجع إلى حقيقة واحدة وهي أن الله تعالى كما قال عن نفسه : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ( 42 الشورى 11).

لكن مهما يكن من أمر فإن هذا المبحث وإن لم يمكن من ضبط دقيق لمفهوم الذات فإنه لم يخل من تأملات لغوية دقيقة في ما يتعلق باشتقاق كلمة ذات وفي الإلحاح على ضرورة تنزيه تعالى مطلقا مع الانتباه إلى أن العقل مهما نما وتكامل يبقى محدودا وإذا أدرك المفكر هذه الحقيقة حرص على توسيع هذه الحدود.

كما أن مثل هذا المبحث لا يمكن أن نعثر على أثره الحضاري في أوساط عامة الناس لأن هذا ليس من مشاغلهم البتة فالله موجود وكفى. لكن العالم الذي فقه مثل هذه المعاني لا تخلو موعظته من أثر في الناس إن هو علم كيف يلامس بها قلوبهم فيدفعهم إلى الشعور بعظمة الذات الإلهية والحقيقة أننا لم نجد في ما بين أيدينا من تراث في العقيدة محاولة لتطويعه لمثل هذا الغرض، بل بقي نصوصا تعليمية يغلب عليها طابع التجريد يتناقلها المتعلمون صاغرا عن كابر.

ولئن كان المبحث المتعلق بالذات العلية يكتسي صبغة تجريدية محضا فإن مبحث أسماء الله تعالى لا يخلو من مثل هذه النزعة لكنه يبدو أقرب إلى الاستيعاب والفهم لأن هذه الأسماء تتردد على ألسنة الناس مئات المرات في اليوم بداية من اسم الجلالة إلى آخر ما استنتج من استعمالات قرآنية بصفة غير مباشرة.

وفعلا فقد حرص علماء الأصول على أن يستكهنوا مفهوم اسم الجلالة فاختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا مما جعل المحشي يعبر عن تيه العقول في هذا الشأن ومرجع ذلك ضعف هذه العقول أمام عظمة الله تعالى والملاحظ أن التراث الإباضي لم يتوسع

في تحليل انحصار هذا الاسم في حرف الهاء وإن وقعت الإشارة إلى ذلك من وقت مبكر على لسان جابر ابن زيد ومدار القول إن هذا الاسم اعتبر علما تنسب إليه جميع الصفات.

وأثناء التأمل في هذه الأسماء أثيرت قضية جدلية قليلة الجدوى ألا وهي علاقة الاسم بالمسمى وقد بينا أن الخلاف في شأنها داخلي أي بين الإباضية لكن وإن كانت عديمة الجدوى في شأن العقيدة لأن الجدل أفضى إلى أن الخلاف اعتباري بين من يقول إن الاسم هو المسمى وبين من يقول بخلاف ذلك إن الاسم غير المسمى فإن لها بعدا حضاريا واضحا يتمثل في أن الباحث يدرك أن الخلاف الداخلي يكون أشد أثرا في البيئة نفسها مما لو كان الخلاف مع غير الإباضية وقد رأينا كيف رمي القائلون بأن الاسم غير المسمى وبأنها مخلوقة بالإلحاد وهذا أدى إلى تصدع واضح آنذاك خاصة في الجزيرة إذ قد انغلق كل على رايه وهذا كان له أثر واضح في تقلص عدد الإباضية في الجزيرة إذ تخلى القسم الذي اتهم بالإلحاد شيئا فشيئا عن إباضيته وسهل تحويله إلى مذهب آخر بعد حين ونشير إلى الجانب الشرقي من جزيرة جربة الذي تخلى سكانه عن إباضيتهم بصفة نهائية.

هذا على مستوى الواقع أما على المستوى النظري فأن هذا المبحث دفع علماء الأصول إلى تقصي صيغة وسم أو سما بكل مشتقاتها في القرآن الكريم مع التأمل في جميع استعمالاتها وذلك حرصا على توجيهها لما يوافق الموقف المتنبي وفعلا فقد تفنن الشماخي في ذلك مستعينا بزاده البلاغي واللغوي مما يدل على إلمام علماء هذه المرحلة بالقضايا اللغوية وشغفهم بها.

لكنك بعد أن يأخذك بهرج هذه التحاليل التي تصير ضربا من المعميات أحيانا ترجع من حيث انطلقت إلى حقيقة عبر عنها أصحاب المختصرات بإيجاز كامل وهي: " ليس منا من يقول إن أسماء الله مخلوقة". (97)

و‘ذا استقرت هذه الحقيقة تعود المصادر فتبين أن أسماء الله الحسنى توقيفية في الأصل وإن كان بعضها يجيز استعمال أسماء لم يرد بها التوقيف وذلك حسب المقصد كما نلمس حرصا على تفسير كل هذه الأسماء حسب أسس العقيدة الإباضية ومصادر هذه المرحلة لم تبتكر في ذلك بل أخذت ما جاء عند السلف.

والحقيقة أن هذا الحرص على التفسير له بعيد الأثر في واقع الأمة وهذا ليس خاصا بالإباضية لأن من يدعو الله وهو مدرك لما يقول يتفاعل مع دعائه أكثر مما لا يفقه ما يقول، كما أن مثل هذا الفهم يجعل الإنسان حريصا على أن يتحلى بمعاني هذه الأسماء في مستواها الإنساني طبعا مع الملاحظ أن البيئة الإباضية لم تعرف صورة الأذكار الجماعية بل يغلب عليها طابع الذكر الفردي السري.



ثم إن كتب الأصول تتحول من موضوع الأسماء إلى قضية الصفات وتحرص على أن تميز بين الاسم والصفة لغة واصطلاحا لكن يبقى التمييز ضبابيا نظريا لأن كثيرا من الأسماء هي صفات في نفس الوقت، والمشكلة لا تكمن في التمييز بين الاسم والصفات وإنما تكمن في تعداد الصفات وفي ضبط علاقتها بالذات.

أما بالنسبة إلى التعداد فقد جاءت محاولات متعددة لحشر الصفات ضمن أقسام مختلفة، والمتأمل يلمس أن هذه التقسيمات منهجية استفادت الفرق الإسلامية فيها بعضها من بعض وبعدها الحضاري يتمثل في محاولة الاستيعاب حتى يميز المسلم بين ما يجب أن يوصف به تعالى وما يستحيل في حقه وما يجوز.

وأثناء التقسيم والتحليل ثار الجدل بشدة حول علاقة الصفات بالذات والمصادر الإباضية في هذه المرحلة واصلت المنافحة عما نافح عنه السلف في أن صفات الذات هي عين الذات وإذا علمنا أن الإباضية في هذا الظرف كانوا يعايشون الأشاعرة الذين يعتبرون أن الصفة مغايرة للذات نفهم ما لمسناه في هذه المصادر من حرص على الإلمام بصفات الذات وتحليلها تحليلا تفصيليا بقدر الإمكان لأن الطرف المقابل كثيرا ما يرميهم بالتعطيل كما فعل ذلك مع المعتزلة من قبل والإباضية لا يرون في تحليلهم للقضية تعطيلا وإنما يعتبرونه من باب التنزيه وقد رأينا في تحليل هذه القضية الاستعانة ببعض المصادر الأشعرية التي ترى رأي الإباضية.

والمتأمل في الفكر الاعتزالي والفكر الإباضي في هذا الشأن يدرك بعدهما عن فكرة التعطيل وإنما ألحا على نفي الزيادة والغيرية حتى ينفيا الواسطة عن الله تعالى وإمكانية تصور وجود آخر مع الله تعالى في الأزل كما أن الطرف الآخر الذي يقول بالغيرية أراد بذلك تقريب مفهوم الصفات إلى التصور العقلي.

والحقيقة أنه يصعب أن نلمس بعدا حضاريا دقيقا لتصور الإباضية أن الصفات عين الذات لأن هذا المبحث فكري محض بعيد عن متناول عامة الناس لكن غاية ما هنالك أن مثل هذا التصور يقوم على تنزيه الباري عن الافتقار إلى الغير، ومثل هذا المبدأ يجعل الإنسان يستشعر عظمة الله تعالى أكثر فيندفع في تحري الأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله تعالى أكثر وليس معنى هذا أن الذي يقول بالغيرية لا يعرف ربه وإنما من المعلوم أن قوة نسبة التنزيه حتى في العبارة تجعل أثرا أبلغ في النفس لكن مهما حاولنا أن ننزل هذه القضية في المحيط الاجتماعي فإنها تبقى من شأن أخص خاصة الأمة ممن فقهوا هذه المفاهيم المجردة حقيقة الفقه.

ثم إلى جانب الوقوف عند صفات الذات تأمل الإباضية في ما سموه صفات الأفعال وإن بدا شيء من الخلاف بين إباضية المغرب وإباضية المشرق في أزلية هذه الصفات وحدوثها إلا أن الطرفين نزعا نزعة توفيقية دون أن يحتدم النقاش أو

يؤدي إلى تنافر ولعل هذا يفسر تفسيرا حضاريا أساسه الفاصل المكاني إذ رأينا أن الاختلاف مع القرب المكاني والتعايش المستمر أدى إلى التنافر والتباعد وسترى أن مثل هذا الموقف التوفيقي سيتخذ أيضا في قضية خلق القرآن، ومرجع ذلك إلى أن هذين الطرفين يرجعان إلى مدرسة أبي عبيدة مسلم بينما طرف الإباضية النكار يرجع إلى الطرف الذي خالف أبا عبيدة مسلم ورفض من الحلقة.

والإباضية في تحديد صفات الأفعال يتفقون والماتريدية وإن اختلفوا في التسمية لأن هؤلاء يرجعونها إلى صفات التكوين.

كما يجدر أن نلاحظ هنا أن تعايش الفكر الإباضي مع الفكر الأشعري جعله لا يرفض الاستشهاد بالتقسيم الأشعري بل يورده بوضوح مع نسبته إلى أصحابه ومناقشة ما ينبغي أن يناقش منه ويكتفي هذا الفكر بالإشارة إلى الاتفاق مع المعتزلة ومع الشيعة في هذا المبحث وفي ذلك دلالة على سعة أفق هذا الفكر وسلوكه المسلك المقارن في أغلب الأحيان مع الاستفادة من هذا التراث الإسلامي عامة.

بقي هنا أن نشير إلى الإلحاح على تبيين مفهوم الوحدانية مع الجمع بين الأدلة النقلية والعقلية وهذا المبحث هو أساس العقيدة الإسلامية ولا أراني مضطرا إلى تحليل البعد الحضاري لهذا التصور لأنه أساس حياة المسلمين في جميع مستوياتها سياسة واجتماعا وأخلاقا واقتصادا ومعاملات ولا سبيل للمسلمين في أن يختلفوا في شأن أثر هذه العقيدة في واقعهم إن هم وحدوا الله تعالى بحق.

وتتويجنا لهذا المبحث بالوقوف عند معاني سورة الإخلاص وقوله تعالى : ليس كمثله شيء ، يرمي إلى إبراز قيمة هذين الأساسين في بناء صرح العقيدة الإسلامية التي تربط الأرض بالسماء وعالم الشهادة بعالم الغيب فينصهر فيها المسلم وهو يعتقد أنه بين يدي عظمة الله فيرجو رحمته ويخشى عذابه فتستقيم حياته.

تلك هي خلاصة هذا المبحث وأبعاده الحضارية فلننظر في المتشابه في القرآن وتأثيره في القضايا العقائدية.




الفصل الثاني الإباضية والمتشابه




تمهيد:


إن ما تعرضنا إليه إلى الآن من قضايا التوحيد يعتمد جله على ما جاء محكما من القرآن الكريم والله تعالى يقول: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات (1) فمعلوم إذن أن هذه القضية كانت مدار جدل عنيف بين الفرق الإسلامية (2) لذلك أحببنا أن نبين موقف الإباضية من المتشابه حتى يساعدنا على تحقيق بعض قضايا التوحيد التي تعتمد على مثل هذه الآيات فما هو موقفهم يا ترى؟.

يشير النامي إلى أن المصادر الإباضية تعرضت لهذه القضية من وقت مبكر ودليله على هذا ما ورد في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب من روايات تثبت موقف الصحابة من مثل هذه الآيات. (3)

وهاك ما جاء في الجامع الصحيح بعنوان تنبيه:" فإن سأل المسترشد عن تفسير الآيات المتشابهات والدلالة على معانيها من قول الله عز وجل : الرحمن على العرش استوى ، (20 طه 5) . وقوله : وجاء ربك والملك صفا صفا ، (89 الفجر 22) . وقوله : بل يداه مبسوطتان ، (5 المائدة 64)

وقوله : لما خلقت بيدي (38 ص 75) وما أشبه ذلك من كتاب الله الذي فسرناه في ما مضى من كتابنا بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين بإحسان فقال السائل ما الدليل على صدق تفسيركم وما الشهادة عليه من عندنا معنى في الاستواء واليد والعين وما أشبه ذلك ولا يجوز أن يكون إلا على ما نعقل.

قل للسائل: إن جميع ما سألت عنه متشابه لا يدرك علمه بظاهره ولا بنصه لأن النص واحد والمعاني متباينة فلابد من كشف معانيها وإيضاح سلبها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن وجوهه" (4) وقيل لن يتفقه الرجل حتى يرى للقرآن وجوها وقال حسن: تعلموا العربية وحسن العبارة. وقيل ليس من كلمة إلا ولها وجه وفقا وظهر وبطن وإنما معنى ذلك عندنا الكلام المتشابه الذي يتفق لفظه ويختلف معناه" (5) .

وما تزال المصادر الإباضية من ذلك الحين إلى يومنا هذا تسلك نفس المسلك فتتعرض لهذه القضية عند الرد على المشبهة (6) وتفرد فصولا خاصة لتفسير ما يدل ظاهره على التجسيم في القرآن الكريم.

ومبدأ هذه المصادر اللجوء إلى التأويل اعتمادا على المجاز وعلى العرف اللغوي، وعدم الوقوف عند الظاهر كما يفعل أهل الحديث وأهل السنة ـ حسب ما يرويه الأشعري ـ الذين : " يقرون أن الله ـ سبحانه ـ يجيء يوم القيامة كما قال : وجاء ربك والملك صفا صفا ، (39 الفجر 22) . وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، (50 ق 16) (7) .

فهذا تبغورين مثلا يقول:" ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقص وتكاذب" (8) ويقول أيضا عند الرد على المشبهة:" فلما صح عندنا وعندهم أن هذا الذي ذكرنا يخرج على غير المعقول في كثير من لغات العرب نفيا عن الله الشبه والمعقول كما نفاه عن نفسه" (9) ثم استشهد بحديث: " ما من كلام إلا وله وجهان فاحملوا الكلام على أحسنه" الذي ورد في الجامع الصحيح للربيع كما ذكرنا ذلك قبل حين . (10)

ففلسفة الإباضية في فهم ما دل ظاهره على التجسيم من القرآن والسنة واضحة غاية الوضوح إذ تعتمد على سياق النص وعلى ما في اللغة من المجازات والاستعارات وتختلف اختلافا جوهريا عن الذين ينفون المجاز (11) .
وهاك تأويلهم لبعض هذه النصوص.


منهج الإباضية في تأويل المتشابه ( النور ، العين، المجيء، والذهاب): سأورد ثلاثة نصوص تبين طريقة الإباضية في التأويل ثم أكتفى بعد ذلك بذكر المفاهيم التي قرروها لبعض المتشابه لأقف في ما بعد عند ثلاثة قضايا كانت مثار جدل بين الفرق الإسلامية لاختلافها في منطلق الفهم وهي الاستواء والرؤية والكلام.

ـ أما النص الأول فهو تأويل قوله تعالى : الله نور السماوات والأرض ، (24 النور 35) . وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: الله نور السماوات والأرض ، وقوله : يد الله فوق أيديهم ، (48 الفتح 10) ، وقوله : تجري بأعيننا ، (54 القمر 14) . و في جنب الله ، (39 الزمر 56) . ونفسه وأشباه هذا من الآيات المتشابهات والروايات عن النبي عليه السلام فأغفلوا فيه النظر وحملوه على غير تأويله وتركوا قول الله عز وجل: ليس كمثله شيء ، (42 الشورى 11) . وقوله : هل تعلم له سميا ، ( 19 مريم 65) . وقوله : الواحد القهار ، (39 الزمر 4) . وقول النبي عليه السلام : " من صف الله بشبه أو مثل لم يعرفه" (12) .

" واعلم أن معنى النور في اللغة الجارية بين الناس الذي لا ينكره أحد من أهل اللغة الهادي يقول الناس للعالم: نور البلاد، والهدى: نور، وقال الله تعالى: وجعل الظلمات والنور ، (6 الأنعام 1) . وقال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، ( 2 البقرة 257) . يعني من الكفر الى الإيمان.

وفي قوله : مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، (24 النور 35) . [ فمثل هذا النور إلى المصباح] (13) ما يدل على صواب ما قلنا إنه الإيمان في قلب المؤمن.

ومن كلام النبي عليه السلام: " احذروا فراسة المؤمن فإنه بنور الله ينظر وكاد أن يبصر الحق بقلبه وإن لم يخبر به ويميز بين الحق والباطل بنور الله الذي أعطي له" . (14)

وقد سمى الله القرآن نورا في غير موضع من كتابه كما سماه هدى ورحمة" (15) .

ـ وأما النص الثاني فيتعلق بكلمة " عين" والعين أيضا تخرج على العلم والحفظ وعلى المعقول ومعنى تجري بأعيننا ، (54 القمر 14) . أي بعلمنا. وقال الله تعالى: ثم لترونها عين اليقين ، (102 التكاثر 7) . يعني يقينا لا شك فيه. ويقولون : عيني على فلان وما فعل فلان يعني يريد بعلمه. و ولتصنع على عيني ، (20 طه 39) . أي بعلم مني ومرادي وحفظي وكذلك تجري بأعيننا . (16)

ـ وأما النص الثالث فيتعلق بالمجيء والذهاب: قال: وجاء ربك ، (89 الفجر 22) . أي جاء أمر ربك . وقال : فأتى الله بنيانهم من القواعد ، (16 النحل 26) . يعني أمره وعقوبته . وقال: ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ، (32 السجدة 12) . أي خضوعهم لربهم يوم القيامة ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقض وتكاذب وقال الناس للميت : لقي ربه وصار إلى ربه ولم يريدوا أن ربه في القبر. وقال إبراهيم عليه السلام : إني ذاهب إلى ربي سيهدين ، (37 الصافات 99) . أي ذهابه إلى حيث أمر به . ويلزم المشبهة بأن يعرفوا لربهم موضعا إذا صح عندهم أنه يزول وينتقل. (17)

هذه النصوص تبين أن الاباضية يعمدون إلى جمع النصوص التي تحتوي نفس الكلمة فيقارنون في ما بينها كما يقيسون معانيها بالمعاني المستعملة في اللغة ثم يرجحون جانب التأويل الذي يتناسق وجملة السياق وكل هذا في جرأة واضحة تتحول أحيانا إلى التحدي والتهكم كما هو واضح خاصة في النص الثالث وفي مطلع النص الأول فلا سبيل حينئذ إلى اعتماد الظاهر في مثل هذه الآيات لأنه يؤدي إلى التناقض والقرآن متناسق متكامل يفسر بعضه بعضا وذلك البرهان من براهين الإعجاز فيه ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، (4 النساء 82) ، فلم يبق إذن إلا اعتماد التأويل الذي تقلبه اللغة .

وبعد تحديد المنهج يحسن أن نورد تأويلهم لبعض المتشابه لزيادة التوضيح دون إطالة في التحليل.

ذكر المفاهيم المقررة في بقية النصوص من المتشابه (18)

النفس: كل نفس ذائقة الموت ، (3 آل عمران 158) . النفس المنفوسة : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ، (5 المائدة 117) . أي تعلم غيبتي ولا أعلم غيبتك.

ويحذركم الله نفسه ، (3 آل عمران 54) . أي يحذركم إياه بمعنى يحذركم الله. وقيل عقوبته. كتب ربكم على نفسه الرحمة ، (6 الأنعام 30) . أي على ذاته. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، (17 الإسراء 7) . أي لذاتكم (19) .

الوجه: قال تعالى : إنما نطعمكم لوجه الله ، (76 الإنسان 9) . أي نريد ثواب الله وقول لقصد رضا الله ـ والوجه: القصد إلى الشيء والعمل فيه ـ وقول لوجه الله أي الله.
فأينما تولوا فثم وجه الله ، (2 البقرة 115) . يراد به فثم توجيه الله، أي تلقاء الكعبة والتوجه إلى الله.

ويبقى وجه ربك ، (55 الرحمان 27) . كل شيء هالك إلا وجهه ، (28 القصص 88) . بمعنى الذات. (20)

العين: انظر ما سبق126.

اليد: قال تعالى : خلقت بيدي ، (38 ص 75) . أي توليت أنا خلقه. وقال: عملت أيدينا ، (39 يس 71) . أي خلقنا نحن. وقال: يد الله فوق أيديهم ، (48 الفتح 10) . أي المنة أو القوة. وقال : بل يداه مبسوطتان ، ( المائدة 64) . أي النعمة والقدرة وقيل نعمة الدين ونعمة الدنيا. (21)

اليمين: قال تعالى : والسماوات مطويات بيمينه ، (39 الزمر 67) . دليل على القدرة ومطويات: أي ذاهبات فانيات. وقوله : ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ، (69 الحاقة 45) . أي القوة. (22)

القبضة: القبض والبسط. قال تعالى: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ، (39 الزمر 67) . أي القدرة والسلطان والملك أو القدرة على إفنائها يوم القيامة. وقال : يقبض ويبسط ، (2 البقرة 245) . أي يضيق ويوسع. (23)

الأصابع:" أما ما جاء في الحديث من " أن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان" (24) فهو " الحكم على الشيء والقدرة عليه" (25) إن صح الحديث. ويذكر خميس الرستاقي " أن " إصبعين" قد تعني نعمتين من نعمه إحداهما: سوق الخير إليه، والفسحة في التماس الرزق. والأخرى هي صرف الشرور عنه" (26) .

الساق: قال تعالى: يكشف عن ساق ، (68 القلم 42) . أي الأمر الشديد قال عمر:" هي أشد ساعة يوم القيامة. وقال الحسن: أي يكشف عن الستر الذي بين الدنيا والآخرة. (27)

القدم: جاء في الحديث: " إذا كان يوم القيامة واستقر أهل الجنان في النعيم وأهل النار في الجحيم وقالت النار هل من مزيد وضع الجبار فيها قدمه وقالت قطني أي حسبي حسبي " (28) ينبغي أن يحمل الجبار فيه على بعض المتجبرين من العباد المعلوم لله تعالى الثابت له القدم. (29)

وجاء الحديث برواية أخرى: " لن تمتلئ جهنم حتى يضع الجبار فيها قدمه" يريد ما قدم لها من أهل الشقاوة الذين في علمه أنهم صائرون إلى جهنم قال الله عز وجل: وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ، (10 يونس 2). (30)

الصورة: جاء في الحديث: " أن الله خلق آدم على صورته" أي خلقه الله بالغا لم ينقله من نطفة إلى علقة ومن علقة إلى مضغة ومن طفوله الى غير ذلك.

وقال بعض أهل العلم في ذلك إن الله خلق آدم على صورته أي على صورة آدم التي اختار الله له من بين الصور.

وبعضهم يقول: " إن رسول الله سمع رجلا يقبح بذمه غلاما له في صورة وجهه فقال صلى الله عليه وسلم : " ولا تقبحوا الوجوه فإن الله خلق آدم على صورته" يعني على صورة القبح. (31)

الاحتجاج: قال تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ، (42 الشورى51) . أي أن الله تعالى حجب الكلام الذي سمعه موسى عن أهل السماء والأرض فلم يسمعه إلا موسى عليه السلام. وقالوا: بمعنى المنع من غير ستر مصور بشخص. وقالوا موسى محجوب عن الله لأنه لا يمكنه أن يراه" (32) .

أما قوله تعالى: إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ، (83 المطففين 15) . فمعناه كونهم محجوبين عن ثواب ورحمته لا عن رؤيته. (33)

وقد جاء في الجامع الصحيح ما يلي:" أخبرنا أبو قبيصة عن عبد الغفار الواسطي عن عطاء أن علي ابن أبي طالب مر بقصاب يقول: لا والذي احتجب بسبع سماوات لا أزيدك شيئا قال: فضرب علي بيده على كتفه فقال: يا لحام إن الله لم يحتجب عن خلقه ولكن حجب خلقه عنه فقال: أكفر عن يميني؟ فقال: لا لأنك إنما حلفت بغير الله" (34)

الدنو: بمعنى القرب: قال تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ، (2 البقرة 186) . وقال أيضا : إن ربي قريب مجيب ، (11 هود 61) . وقال أيضا: إنه سميع قريب ، (34 سبأ 50) . فالقرب هنا بمعنى سرعة الإجابة.

أما قوله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، (50 ق 16) . وقوله : ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ، (56 الواقعة 85) . فالمعنى فيه قرب ملازمة القدرة عليه في جميع الأوقات وفي جميع الحالات لا قرب المسافة والدنو. (35)

التجلي:" قال تعالى: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ، ( 7 الأعراف 143) . أي تجلى بآية من آياته فلم يطق الجبل حمل تلك الآية وصار دكا كما قال تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ، (59 الحشر 21) . وكذلك كان الجبل دكا على ما ذكر من خشوع الجبل" (36)


المجيء: انظر ما سبق ص 127.

القيام:" قال تعالى: أفمن هو قائم على نفس بما كسبت ، (13 الرعد 33) . بمعنى الكفاية والتدبير والثواب والجزاء والرزق والإحصاء بجميع أعمال الملكفين". (37)

عند: " قال تعالى : عند مليك مقتدر ، (54 القمر 55) . أراد عنده في المنزلة والرفعة والزلفى مستحقين لثواب الله. وقال تعالى: ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ، (32 السجدة 12) . أي المنزلة الدنيئة إذ كانوا مستحقين للعقاب آيسين من الثواب" (38) .

في: قال تعالى : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، (43 الزخرف 84) . فالمعنى أنه إله السماوات وإله الأرض". (39)
مع: قال تعالى: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، (16 النحل 128) . أي معهم بالنصر والتوفيق والتسديد" (40)

فالمهم حينئذ أن المصادر الإباضية حرصت كل الحرص على نفي كل ما من شأنه أن يفهم التجسيم والتشبيه للخالق تعالى وردت على المشبهة بشدة.

كما أنها لم تنهج منهج الحنفية الذين ذهبوا إلى إثبات اليد والوجه وغيرهما له تعالى حق لكنه معلوم بأصله مجهول بوصفه.

ولم تنهج منهج المالكية والشافعية في الاكتفاء باعتقاد الحقيقة وسنعود إلى قولة مالك في الاستواء بعد حين. (41)

وهي تتفق مع المعتزلة (42) في تأويل المتشابهات عامة واعتماد المجاز.

هكذا نتبين أن الاباضية سلكوا مسلك التأويل مع ما أوردنا من المتشابه فلنوضح موقفهم مع موضوع الاستواء لأنه كان مثار جدل أكثر من غيره.

الاستــــــــواء



ومن المتشابه ما تكرر سبع مرات في القرآن الكريم وهي قضية الاستواء.

ففي سورة الأعراف (54) ويونس(3) والرعد(2) والفرقان (59) والسجدة(4) والحديد(4) جاءت في صيغة : ثم استوى على العرش ، أما في سورة طه(5) فقد جاءت في صيغة : الرحمن على العرش استوى .

والمصادر الإباضية تعارض بشدة ما ذهب إليه المشبهة من فهم هذه الآية حسب الظاهر اللغوي وهو الاستقرار كما أنها لا تتوقف كما فعل مالك ومن نهج نهجه (1) وهو القائل:" الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة (2) وعنف السائل وأطرده من حلقته.

لكن هذه المصادر تتأول النص حسب السياق وحسب ما يتماشى وعظمة الله تعالى.

فتورد مختلف معاني حرف الجر" على " الذي يفيد: الالتزاق والفوق (3) والإغراء (4) وحيال (5) والاستعلاء (6) .

وتقارن بين الآيات التالية لتصل إلى أن المعنى المناسب وهو استواء الملك والقدرة والتدبير وهي: والله غالب على أمره ، (12 يوسف 21) . الرحمن على العرش استوى ، ( 20 طه 5) . وهو القاهر فوق عباده ، (6 الأنعام 18).
" وهذه الكلمات الثلاث متساوية السبك متفارقة المعنى فإذا تأمل ذلك متأمل وجده كما قلناه وذلك أن قوله : الرحمن ، مثل قوله : الله ، ومثل قوله : هو . وكذلك

قوله : استوى ، مكان قوله : غالب ، ومكان قوله : . وكذلك قوله : العرش ، مكان قوله : أمره ، ومكان قوله : عباده ، فهذه الكلم الثلاث متشابهة في العبارة والإشارة فلا تجوزن أيدك الله بالذي فسرنا منها صفحا توفق إن شاء الله". (7)

والعرش والكرسي والسماوات والأرض من مخلوقات الله تعالى. " وقوله : كرسيه ، كقولك" بيته ولو كان متى ذكر كرسيا وعرشا وجب الجلوس عليهما كان متى ذكر بيته فقد وجب أنه ينزله ويسكنه وليس بين بيته وعرشه وكرسيه وسمائه فرق". (8)

فقوله الرحمن على العرش استوى : ليس هو على كون الملك على سريره بل هو على معنى العلم والحفظ والقدرة والإحاطة والظهور والسلطان.

وتستند هذه المصادر أيضا إلى ما جاء عن ابن عباس في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب:" قال جابر بن زيد سئل ابن عباس عن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى ، فقال ارتفع ذكره وثناؤه على خلقه لا على ما قال المنددون إن له أشباها وأندادا تعالى الله عن ذلك" (9)

" وعلى ما ذكره الحسن في قوله تعالى : ثم استوى الى السماء وهي دخان ، (41 فصلت 11) . أي استوى أمره وقدرته إلى السماء وقوله تعالى: ثم استوى على العرش ، (25 الفرقان 59) . يعني استوى أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه ولا يوصف الله بصفات الخلق ولا يقع عليه الوصف كما يقع على الخلق". (10)

كما ترد هذه المصادر على من اعتبر ثم على الاستئناف وتعتبر أنه أراد بها ما يلي : وهو مع خلقه السماوات والأرض قد استوى على العرش ولم يرد أن ذلك شيء بعد شيء وتستدل بقوله تعالى : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا ، ( 90 البلد 18) . فلم يرد أنه فعل ما فعل ثم كان بعد فعله من الذين آمنوا. (11)

كما تنفي المصادر أن يكون الاستواء قد جاء بعد الاعوجاج أو الاتكاء لما فيه من التشبيه والاستنقاص الأمر الذي لا يقبله عاقل. (12)

وقد حرص أحمد الشماخي في رده على الغدامسي على جمع نصوص من مصادر مختلفة تفهم التشبيه رغم أن الغدامسي عمل على نفي ذلك مطلقا.

فأورد ما جاء في رسالة ابن أبي زيد : (13) " وهو على العرش المجيد بذاته" (14) .

كما أورد ما جاء في بعض شراح الرسالة:" والذي يدل على صحة ما ذكرناه أنه فوق عرشه المجيد دون كل مكان قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى ، (20 طه 5) . وهذا يمنع أن يوصف أنه فوق غيره أو فيه. (15)

كما يرد على الغدامسي حيث تأول قول مالك: الاستواء معلوم على أنه الاستعلاء وبين أن كلمة معلوم تفيد لغة الاستقرار مبينا أن الأمر الذي أغضب مالكا ليس السؤال عن الاستواء وإنما عن كيفية الاستواء أو لأنه سأله في جمع من العوام وهذا ليس من المناسب. (16)

كما ذكر أيضا أن أحمد بن حبل لا يتأول إلا ثلاثة أحاديث (17) والكل حمله على الظاهر.

ثم يذكر شواهد تاريخية زمن ابن تاشفين (18) الذي زجر من يقول الله في كل مكان بالضرب والقتل إلى أن جاء المهدي (19) فحكم عليهم بحكم النصارى فقتل وسبى وغنم بعد أن حكم فيهم أولا بحكم الموحدين وما ترك بالمغرب من يقول بالتشبيه وسمى أتباعه الموحدين. (20)

فواضح إذن أن الشماخي اعتمد على نصوص تؤازر ما ذهب إليه مع أننا نجد من الأشعارة من يعمد الى المجاز مثل إمام الحرمين (21) والقفال (22) ومنهم من يعمد إلى الوقوف مثل الرازي :" أن نقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه". (23)

أما المحشي فقد توسع في هذا الموضوع عند شرحه لما نسب من تأويل إلى ابن عباس ولعبد الله بن عمر كما ذكرنا ذلك قبل حين. (24)

وقد اعتمد اعتمادا كليا على ما جاء عند إسماعيل الجيطالي في شرح النونية (25) فأورد حجج الطرف المقابل ولخصها بقوله عند الانطلاق في الرد:" اعلموا أن احتجاج المشبهة في الاستواء يدور على هذه الأربع كلمات: ثم، استوى ، على ،العرش، فهم مطالبون بتأويل هذه الكلمات". (26)


ثم بين بأدلة من القرآن وكلام العرب أن " ثم" لا تكون إلا للاستئناف بل تكون للتراخي والمهلة وتكون بمعنى الواو ويصل إلى أن " ثم" هنا جاءت بمعنى الدوام. (27)

وكذلك فعل مع كلمة " استوى" إلا أنه اختصر ما جاء عند الجيطالي في شرح النونية ثم ختم بقوله:" فإذا ثبت بهذه الشواهد العقلية والاحتجاجات الضرورية أن الاستواء على ضروب متفاوتة فلم لم تعمد المشبهة إلى رفعها منزلة وأعلاها درجة وأبعدها تنزيها فتصف الله تعالى به إذ كان عز وجل بعيدا من صفات الخلق ومعاني النقص. ولو كان استواؤه على المعقول لكان تصويره لما في الأرحام على المفهوم وإتيانه بنيانهم على المعقول تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فلما كان الأمر على ما ذكرنا ثبت أن الله عز وجل لم يزل مستوليا على عرشه قبل خلقه وإياه واختراعه له بأن يوجده في أي وقت شاء ومستوليا عليه في إيجاده بأن كان ممسكا له ومبقيا له بأن يحدث له البقاء الذي بقي به في كل وقت خلافا لمن قال:" إن " ثم" ها هنا في معنى الاستئناف وتقدير قوله (خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) وهو مع خلقه السماوات والأرض لم يزل مستوليا على العرش وغيره بالقهر والغلبة". (28)

ثم بعد أن بين مختلف وجوه استعمالات " على" ختم بما يلي:" فإذا كان يخرج على ما ذكرنا فلم لا يكون قولي " على" في على العرش استوى بالقهر والغلبة دون ما ذهبت إليه المشبهة من الالتزاق والفوقية تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا" (29)

ثم ذكر بعد ذلك مختلف الوجوه بالنسبة إلى " العرش" وبين أنه من جملة مخلوقات الله تعالى التي تعظم عندنا (30) وفي قدرته عليه دلالة على قدرته على غيره فقال" إنما خصه بالذكر إذ كان مخصوصا عندنا بالشرف والتعظيم وأنه فوق جميع الخلق لأن من قدر على أعالي الأشياء فهو قادر على أسفلها... فمتى ذكر الله تعالى أنه عال على العرش ظاهر عليه فهو دليل على أنه عال على كل شيء" (31) .

ثم بعد أن ناقش قول مالك المشار إليه قبل حين (32) بين لجوء المتأخرين من الأشاعرة إلى التأويل مع قولهم بأن طريقة السلف أسلم يعنون لما فيها من التوقف وطريقة الخلف أعلم يعنون لما فيها من العلم حيث بينوا المراد به". (33)

هذا ما جاء عند المحشي وقد نقل جله عن إسماعيل الجيطالي في شرح النونية أما عمرو التلاتي في شرحه للنونية فقد مر على القضية مرا سريعا ويبدو أنه أدرك أن الجيطالي قد ألم بها من جميع الوجوه فتحاشى التكرار.

فواضح إذن أن المصادر الإباضية تلتقي مع المعتزلة ومع المتأخرين من الأشاعرة (34) في تأويل الاستواء.

كما أنها استفادت استفادة عريضة من صيغ الجمل التي ورد فيها ذكر الاستواء فألحت على معنى حرف الجر " على " ودلالته على القدرة وعلى معنى " ثم" الذي يفيد المعية لا الاستئناف وعلى ورود صيغة الاستواء للدلالة على استعلاء في القرآن الكريم وفي كلام العرب. وهذا يتماشى مع الفكر الإباضي عامة الذي يرى ألا سبيل الى الاستفادة من هذه النصوص إلا بتأويلها حسب ما يتماشى وجلال الله تعالى.

وبعد هذا التحليل يحسن أن نستجلي الأبعاد الحضارية لهذه القضية.

لقد صرح القرآن نفسه أن من آياته ما هو محكم ومنها ما هو متشابه والآية تحتمل في نصها أن يكون المتشابه من علم الله فحسب كما تحتمل أن يكون للراسخين في العلم نصيب في فهم هذا المتشابه على أساس أن يرجعوا به إلى المحكم وحذرت الزائغين من توجيه الآي على مقتضى زيغهم.

وما أن انتقل الرسول عليه السلام إلى الرفيق الأعلى، ودخل الناس في دين الله أفواجا حتى انطلق المسلمون يسألون أصحاب الرسول عليه السلام بأسئلة دقيقة لم يسأل بمثلها الرسول عليه السلام فمن الصحابة من آثر الوقوف ومن ذلك ما أثر عن أبي بكر" أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن أنا فسرت القرآن برأي" (35) ومنهم من فسر وتأول وعلى رأس هؤلاء عبدالله بن عباس وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " (36) ولا ننسى هنا أن إمام الإباضية جابر بن زيد أخذ جل علمه عن ابن عباس فهذه المدرسة حينئذ قامت من يومها الأول على منهج يعتمد على التأويل أساسا بل يعتبر أن القرآن لا يمكن أن يفهم فهما صحيحا إذا لم يتأول أساسا بل يعتبر أن القرآن لا يمكن أن يفهم فهما صحيحا إذا لم يتأول ما تشابه منه تأويلا يتناسق في العقيدة وفي غيرها مع ما جاء محكما وتناسق هذا التأويل في العقيدة- ويهمنا أكثر في هذا البحث- مع المحكم يتم على أساس تنزيه الخالق تعالى تنزيها مطلقا عن الشبيه في ذاته وصفاته وأفعاله.

وفعلا تسرب الزيغ في المحيط الإسلامي شيئا فشيئا من النصف الثاني من القرن الأول للهجرة وظهرت الفرق الإسلامية وتباينت مواقفها وتناقضت آراؤها بين تجسيم وتشبيه اعتمادا على ما في الآيات من ذكر اليد والوجه والعين وما إلى ذلك من

الجوارح وبين وقوف وتفويض مع قبول للنص كما هو وبين تأويل وتوجيه النصوص انطلاقا من قيام اللغة على الحقيقة والمجاز.

والإباضية من يومهم الأول اعتنقوا الموقف الثالث كما ذكرنا وقد حرص الربيع بن حبيب من القرن الثاني هجري على أن يجمع ما أثر عن الصحابة والتابعين من تأويلات لكل ما جاء من المتشابهات في حق الله تبارك وتعالى. وكل ما جاء من التراث الإباضي في هذا الشأن في ما بعد استمر في نقل هذا الرصيد للاحتجاج به مع تحليله اعتمادا على ما ظهر من علوم البلاغة خاصة منها في باب المجاز.

وإذا علمنا أن الفكر الإباضي في المغرب ظل يتعايش مع فكر أشعري هو أقرب إلى التفويض سوى في بعض الحالات ومع بعض العلماء نستطيع أن نستجلي البعد الحضاري لهذه القضية خاصة في المرحلة المقررة في البحث.

واضح من خلال عرضنا للقضية موقف الإباضية الدفاعي ذلك لأنهم يرمون- مثل المعتزلة- بتهمة البدعة في الدين وهي من أسوا التهم في المحيط الإسلامي كما نعلم فلذلك يحتجون لموقفهم من منطلق نقلي وعقلي.

أما المنطلق النقلي فعمدتهم فيه ما جاء في الآية المذكورة أعلاه (آل عمران 7) من إشارة تمكن الراسخين في العلم من التأويل مع آية أخرى هي أكثر صراحة في الحث على التأويل وهي قوله تعالى : لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، (4 النساء 83) . وما الاستنباط إلا فهم النص وعدم الاكتفاء بظاهره...

وكذلك يعتمدون في هذا على ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم " ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن وجوهه"

وكذلك يعتمدون في موقفهم هذا على مواقف بعض الصحابة مثل ابن عباس من التأويل.

أما المنطلق العقلي فهو يقوم على جانبين:

الجانب الأول لغوي: فعلى المتأول أن يكون ملما بأسرار اللغة العربية وفعلا فقد اجتهدوا اجتهادا كبيرا في استقصاء البحث في القرآن والحديث واللغة لكل كلمة تأولوها وأثبتوا من خلال ذلك أن النص القرآني لو حمل على ظاهره لتناقض في عديد من المواطن.

وفي هذا الباب حذروا من خطرين: أولهما اجتناب تأويل القرآن وفق الهوى عن علم وذلك رغبة في التلبيس على الخصم أو عن جهل فيميل الفهم عن الصواب.


وثانيهما اجتناب التسرع إلى التأويل بظاهر العربية من غير استقصاء المنقول في شأن النص.

أما الجانب الثاني فيتمثل في شعورهم بان معجزة القرآن تتجلى في باب التأويل والاستنباط على أساس الإخلاص لله تعالى وفي هذا فتح لباب الاجتهاد الذي يجعل القرآن الكريم صالحا لكل زمان ومكان.

وإن اتضح المنطلق الدفاعي في النقل والعقل فإن مظهره يتجلى في حرص الإباضية على تأويل جميع النصوص المتشابهة في حق الله تعالى وفق منهج معين يرمي إلى تنزيه الله تعالى عما يوهم التشبيه وظلوا بذلك أوفياء إلى الآية التي جعلوها محور الحديث عن الذات والصفات ليس كمثله شيء .

ويتمثل هذا المنهج في الانطلاق من موقف الطرف الذي ينكر التأويل مع ذكر ما يحتج به ثم يتدرج به شيئا فشيئا للوصول إلى التأويل المطلوب اعتمادا على نصوص مختلفة.

كما أن هذا التحليل يدعم من حين لآخر بقول بعض من الذين ينتمون إلى الطرف المقابل بالتأويل القائم على المجاز وقد تحتد اللهجة أحيانا إلى درجة الحط من مواقف الآخرين.

وهكذا جاءت النفس بمعنى الذات والعين بمعنى العلم والحفظ وجاء النور بمعنى الهداية والدنو بمعنى سرعة الإجابة، وما إلى ذلك من التأويلات التي ذكرنا.

وبقدر ما كانت المعركة نسبيا هادئة في شأن كثير من التأويلات فإنها احتدت أكثر في قضية الاستواء فلم يقبل الإباضية البتة أن يكون الاستواء على العرش كاستواء الأمير على السرير كما لم يقبلوا السكوت عن الإجابة عن الكيف إذ يعتبرون ألا كيف.

وفعلا فقد رأينا في الرسائل التي تهجمت على الإباضية أن الهجوم يركز على قولهم في الاستواء واعتباره بدعة إذ منطلق هؤلاء إما الوقوف وهو الغالب وإما فهم النص على ظاهره.

وهنا يحسن أن نشير أن صدى مثل هذا التأويل يتجلى في المستوى النظري أكثر لكن لا يخلو من أثر في عامة الناس الذين كانوا يحضرون دروس مشائخهم الذين يتوسعون في تحليل هذه القضايا في حلقاتهم الخاصة وهذا من شأنه أن يجعل شيئا من الجفوة بين الناس أساسه احتراز الأكثرية من هذه الأقلية الخارجية المبتدعة وانتباه الأقلية من الذوبان في هذه الأكثرية المشبهة ولهذا قل أن نجد الاندماج الكلي بين

الطرفين حتى في مستوى السكن وكثيرا ما يتم التنابز بين المتعايشين بكلمات عامة تحمل في طياتها من جملة ما تحمل خلفيات الفوارق في هذا التصور العقائدي.

هذا في المستوى الحضاري المعاش أما في المستوى العلمي النظري فقد أدى الاختلاف في هذه القضية كلا من الطرفين إلى الوقوف عند الآية المعبرة عن الاستواء كلمة كلمة.

فتفنن كل لتطويع حرف العطف " ثم" وحرف الجر" على" لما يوافق منطلقه واللغة مطواع لذلك فمن أراد منها معنى الحقيقة تعطيه ومن أراد منها المجاز لا تعوزه.

أما الفعل " استوى" فقد نال حظا وافرا من التحليل لم يكن ليناله لولا هذه القضية.

فالموضوع عقائدي إلا أن الثروة الناجمة لغوية بلاغية بصفة خاصة لأن النزاع العقائدي ينتهي من حيث بدأ بل لعل كلا من الطرفين ينتهي من التحليل وقد زاد تمسكا بموقفه أكثر من البداية.

والمصادر الإباضية في المرحلة المقررة لم تتمثل وظيفتها في الحقيقة إلا في المحافظة على التراث المنقول مع تركيز التصور العقائدي في الأوساط الإباضية ومثل هذا التركيز والتذكير يحفظان هذا التصور من الذوبان لأن سكوت فرق أخرى عن مبادئها أدى إلى دخولها في طي النسيان وفعلا فقد دخلت كثير من البيئات الإباضية في طي النسيان وصارت أثرا بعد عين لعوامل شتى من بينها بل لعل أساسها انطفاء الحركة العلمية فيها وهذه غدامس مثلا لم يكن الدفاع منطلقا من صلبها وإنما كان الأمر مددا من جبل نفوسة أو من جربة فلم يستطع المذهب أن يصمد فيها بعد تلك المرحلة أمدا طويلا.

ذلك ما أمكن استنتاجه من أبعاد حضارية لقضية المتشابه عامة وموضوع الاستواء خاصة وهذا يتدرج بنا إلي النظر في قضية استحالة الرؤية وهي قسم أساسي من أقسام المتشابه.


التوسع في تحليل مسألتين من المتشابه:

استحالة الرؤية وخلق القرآن



استحالة الرؤية


إن جاء أمر الاستواء في صيغة صرفية واحدة في السياق القرآني كما رأينا- الفعل الماضي المسند إلى المعلوم- فإن قضية الرؤية تعددت فيها الكلمات والصيغ في القرآن الكريم والحديث الشريف ولذلك تضاربت فيها الآراء بين الفرق الإسلامية أكثر من اضطرابها في شأن الاستواء إلا أن الأمر بقي في مستوى الجدل النظري ولم يتحول الى الصراع العملي والمحنة كما سيكون الأمر في قضية الكلام وخلق القرآن فما هو موقف الإباضية من قضية الرؤية ؟ وما هي النظريات العلمية المعتمدة؟ وما هو الامتداد التاريخي للقضية؟ وما هي الأدلة العقلية والنقلية على نفي الرؤية؟

النظريات العلمية المعتمدة:


تعريف الرؤية: يقول أحمد الشماخي:" حملتها ( الرؤية) على ما حققه أرسطو طاليس وأبو نصر (1) من أنها انطباع مثل صورة المدرك في العين أو على اتصال الأشعة ومن قال بغير ارتسام واتصال الأشعة فهو عين نفي الرؤية إذ لا يكون الانكشاف بالعين إلا مع اتصال شعاعها وارتسام مثله في العين" (2) .

والرؤية كما يعرفها السالمي هي:" اتصال شعاع الباصرة بالمرئي وانطباع صورة المرئي في الحدقة... ولا يطلقها العرب على العلم ونحوه إلا تجوزا لكنتة مع قرينة، وقال تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ، (14 إبراهيم 4) " (3) .

فواضح إذن من خلال هذين النصين أن الاباضية اعتمدوا على النظريات اليونانية القديمة التي تقول بأن الأبصار يتمثل في انطلاق الشعاع من العين ليتصل بالمرئي ولينعكس على حدقة الرائي.

بينما نعلم أن ابن الهيثم (4) ذهب إلى عكس هذه النظرية وألح على أن القضية بالعكس أي أن الأشعة تنطلق من المبصَر (اسم المفعول) لا من المبصِر( اسم الفاعل).
ومعلوم أن هذه النظرية اليونانية تعزز موقف الاباضية في نفي الرؤية وعدم جوازها عقلا لأنها تفرض المواجهة بين الرائي والمرئي والإحاطة به وهذا مستحيل في حق الله تبارك وتعالى.

ولا نريد أن نطيل في هذا البحث لأننا نعتبر أن إقامة أساس عقائدي على نظرية علمية تحتاج إلى احتراز كبير لأن الحقائق العلمية نسبية ومتطورة وما يعتبر قاعدة اليوم يصير خطأ في المستقبل.

لهذا اكتفينا بهذا التلميح للقضية لأنها وقعت الإشارة إليها ولنتأمل الآن في التطور التاريخي للقضية.


الامتداد التاريخي للقضية:

لقد حوصل كل من النامي (5) وكوبرلي (6) في أطروحتيهما التطور التاريخي لموقف الاباضية من الرؤية، فبيسن كوبرلي خاصة أن الإشارة إلى نفي الرؤية جاءت أول ما جاءت على لسان الإمام عبدالله بن إباض وألح النامي على ما جاء من نصوص في هذا الشأن في الجامع الصحيح للربيع ابن حبيب بصفة خاصة، والمهم


أن المدرسة الإباضية نافحت وما تزال تنافح بالإجماع (7) على استحالة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة منطلقها في ذلك فهم كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام.

أما عن المرحلة التي تهمنا بالخصوص فقد قاس كل من الشماخي وأبي مهدي والسدويكشي والمحشي والتلاتي على من سبقهم. (8)

وما يزال من بعدهم يتبع نفس المنهج مثل عبد العزيز الثميني في " النور" ومحمد اطفيش في تفاسيره للقرآن الكريم والسالمي في " المشارق"

فلا نجد استثناء عبر كل هذه العصور عدا ما نبه إليه كوبرلي باحتراز كبير ونحن نشاطره في هذا الاحتراز مع تبغورين في أصوله لأن الإشارة جاءت عابرة ولا تعتبر في نهاية الأمر استثناء.

والناظر في كل هذه النصوص يتبين بوضوح التفاعل الكبير مع مدرسة الاعتزال التي تبني نفس الموقف مع العلم أنه يصعب أن نقرر من الأسبق وإن كان الإمام عبدالله بن إباض أشار إلى القضية من زمن مبكر لكن تبنى النظرية والمنافحة عنها تتداخل فيها الآراء خاصة إذا كان الاتجاه واحدا، ومهما يكن من أمر فالنصوص المتداولة بين الناس (9) تلح على الاعتزال أكثر من الإلحاح على الإباضية وإنما يذكر الإباضية ضمن الخوارج في هذا الشأن لكن هذا يعتبر تقصيرا من هذه النصوص أو غفلة لأنها كتبت بعد أن تجلت مواقف الاباضية صريحة خاصة في الجامع الصحيح للربيع ابن حبيب وقد قامت الدول الإباضية بعد في المشرق والمغرب.

كما يثبت التأمل أن الاختلاف مع الأشاعرة (10) والماتريدية والمشبهة وغيرهم ممن يعتقد أن الله يرى في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط بكيف أو بلا كيف، بلور القضية ورسخ قدم الجدل فيها بالاعتماد على الاحتجاج العقلي والاحتجاج النقلي مع استغلال ما ورد في النصوص بقدر الإمكان في صالح هذا الاتجاه أو عكسه مع العلم أن النصوص واحدة وهنا تتجلى قيمة التأويل واعتماد مختلف أنواع المجازات وما إلى ذلك من وسائل اللغة.

فماذا عن الأدلة العقلية ثم النقلية؟


الأدلة العقلية:

1) عدم توفر شروط الرؤية يوجب استحالتها.

يتفق الاباضية والمعتزلة (11) على تحديد تسعة شروط للرؤية وهي:



1) سلامة الحاسة.
2) كون الشيء جائز الرؤية مع حضور للحاسة.
3)مقابلته للباصرة في جهة من الجهات أو كونه في حكم المقابلة كما في المرئي بالمرآة.
4) عدم غاية الصغر
5) عدم غاية اللطافة.
6) عدم غاية البعد.
7) عدم غاية القرب.
8) عدم الحجاب الحائل.
9) أن يكون مضيئا بذاته أو بغيره. (12)

وبما أن هذه الشروط لا تعقل إلا في جسم أو عرض والله تعالى ليس كذلك فهي أقوى دليل على استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة.

ويرد الاباضية على من يجيز الرؤية في الآخرة اعتمادا على البلكفة (13) وعدم جواز قياس الغائب على الشاهد بما يلي:

" قولك (صولة الغدامسي): قياس الغائب على الشاهد فاسد.

أقول (أحمد الشماخي): هذا صحييح على أصلنا الذي اعتمدنا عليه ولذا أبطلنا عليه رؤية العين ولو جازت لكان كالجواهر والأعراض واستحالت رؤيته لأنه ليس محلا للحوادث". (14)

كما يردون فكرة أن اختلاف العقلاء في شأن الرؤية دليل على الجواز بحجة أن ادعاء العقلاء تعدد الآلهة في الجاهلية لا يمكن بحال أن يثبت مثل هذا الادعاء.

2) رد حجة أن الرؤية تتعلق بكل موجود

يقول المثبتون للرؤية ما يلي:" إن الله موجود وكل موجود يصح أن يرى ينتج أن الله يصح أن يرى".


ويجيب أحمد الشماخي كما يلي:" لو جاز ذلك( تعلق الرؤية بكل موجود) لجاز تعلقها بالأصوات والطعوم والروائح ولو جاز تعلق السمع بالألوان وما ذكر والشم وبها والذوق واللمس ولو جاز في جميعها لم يكن في الاختصاص فائدة ولا حكمة فيلزم أن يكون فعله عبثا وأيضا لجاز ذلك في المعدوم كما جاز في الموجود....

فان قلت العدم يمنع تعلق الإدراكات الحسية بالمعدوم.

قلت: معلوم متميز، وكل معلوم متميز ثابت وكل ثابت يصح التعلق به، وأيضا ممكن مع ثبوت القادر المختار وأيضا المعلومات المتجانسة فما جاز على أحد منها جاز على الآخر ولو جازت الرؤية واللمس والشم وغيرها عليه تعالى من غير اتصال لجاز أن يكون جسما من غير تأليف كما قال كثير، أو جسما مؤلفا أو له وجه وكف وساق وقدم بغير صورة أو على صورة الإنسان بغير شكل أو طويل عريض بغير نهاية، ويجوز أن يرى علمه لأنه موجود وترى قدرته وإرادته وحياته وسمعه وبصره وتلمس وتذاق وتشم وتسمع ويجوز إدراك البهائم للذات وسائر ما ذكر بحواسها الخمس لأن العلة واحدة ويجوز أن تلمس وتشم وتذاق ونرى ونسمع جهلنا وعلمنا وقدرهما بل يجوز ذلك في الجماد كما أدرك الجبل ورأى ربه ويجوز أن يجلس فوق العرش أو يتكئ بغير وضع ويوصف بالشم والذوق واللمس بغير آلة ولا يوصف بكونه شيئا وهذه أقوال قد قيل بها.

وبالجملة إن التزمت هذا فانف الأعراض لفضا بما شئت وإن أثبت ذلك معنى وحقيقة بل أثبت له الأعراض لفظا ومعنى أو انف تأثير الحواس وقل في معبودك ما بدا لك سبحان ربنا وتعالى، واعتقادنا ما دل عليه لن تراني و لا تدركه الأبصار ". (15)


وإن رد الشماخي هذا الدليل العقلي بالاعتماد على مقارنة البصر ببقية الحواس ومقارنة الموجود بالمعدوم فإن من الأشاعرة أيضا من رد هذا الدليل وهذا الرازي يقول:" إن استدلالهم هذا ضعيف لأنه هناك علة تصلح للرؤية غير الوجود وهي المخلوقية في هذه الأشياء وهذه العلة لا توجد في البارئ لأنه خالق ليس مخلوقا.

وقال أيضا: إن المصحح للرؤية لابد أن يكون مشتركا بين القديم والحادث.

والمشترك إما الحدوث أو الوجود فيبطل أن يكون المصحح الحدوث فتعين أن يكون هو الوجود وإذا كان هو الوجود فوجب كونه تعالى يصح أن يكون مخلوقا لأن الوجود مشترك بينهما وإذا كان الوجود مشتركا بينهما فيصح على هذا أن يكون الله مخلوقا لأنه موجود كما في الحوادث والعلة والوجود.


وعلى هذا لا يصح أن يكون الوجود صحيحا للرؤية حتى يؤدي ذلك إلى ثبوت رؤية الباري". (16)

وقال الغزالي أيضا:" إن كبرى الدليل في قياسهم هذا كاذبة إشارة إلى أن كل موجود يصح أن يرى" (17)
وبهذا نتبين أن هذه الحجة مردودة عند الإباضية والمعتزلة وحتى عند بعض الأشاعرة مثل الرازي والغزالي.


1) استحالة الرؤية لاستحالة التحيز والإحاطة:

ينقل أبو المهدي عن أبي نوح سعيد بن زنغيل في هذا الشأن ما يلي:" قال الشيخ أبو نوح : يقال لمن زعم أن الله يرى يوم القيامة لا يخلو من أن يرى في جميع الأمكنة أو في مكان دون مكان فإن قال في جميع الأمكنة فقد أتى بالمحال الذي لا يعقل وجعل البصر يشاهد المشرق والمغرب في حالة واحدة وإن قال في مكان دون مكان فقد جعله محدودا محاطا به فإن قالوا بعضه فقد جزؤوه وجعلوه لا شيء وإن سكتوا على الكل والبعض فقد باهتوا". (18)

وقد صاغ خميس الرستاقي نفس المعنى بعبارة أدق وفي ذلك يقول" لا يجوز في حجة العقل أن يرى الله تبارك وتعالى جهرة بالأبصار لأنه لا يخلو الناظر إليه من أن يكون يراه مكان دون مكان أو يراه في كل مكان.

فإن كان يراه في مكان دون مكان فما فضل الخالق على المخلوق إذا كان المخلوق في مكان دون مكان والخالق كذلك؟ وهذه صفة المحدود والله تعالى جل وعلا عن ذلك.

وغذا كان يراه في كل مكان فالمخلوق إذن أعظم من الخالق إذ كان هو في مكان ينال بصره من كان في كل مكان.

وأيضا فلا يخلو من أن يكون يراه حتى لا يخفى عليه منه شيء أو يخفى عليه منه شيء.

فإن كان لا يخفى عليه منه شيء إلا ويراه فقد أحاط به والمحاط به صغير والمحيط به أكبر منه وإن كان يخفى عليه منه شيء فالذي خفي عليه غير الذي لم يخف وهذه صفة المحدود والمتغاير الذي بعضه غير بعض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا" . (19)


2) عدم جواز مقارنة العلم بالرؤية:


يقول الغزالي:" إن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة". (20)

وإن رأى الشماخي (21) أن الخلاف في اللفظ فيعتبر السالمي أن الخلاف حقيقي حيث يقول:" فإن قيل: إن بعض الأصحاب قد فسر الرؤية في الحديث بالعلم (22) وقد قنع البدر الشماخي من الفخر الرازي والغزالي بما قالاه حيث قال والخلاف حينئذ لفظي.

قلنا: أراد ذلك البعض بالعلم بالله زيادة العلم بصفاته حيث انكشف لهم من أمور الآخرة ما يعدهم بها كما قيل ليس الخبر كالمعاينة وعلى هذا المعنى حمل البدر كلام الفخر والغزالي حسن ظن بهما ولكن إشارتهما دالة على إرادة العلم بحقيقة ذاته لا بصفاته فقط". (23)

ومما يؤكد كلام السلامي صريح عبارة الغزالي:" مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة". (24)

ونحن نذكر أن ما قاله الفخر الرازي والغزالي غير مقنع لأن حقيقة ذاته تعالى لا تعلم وإنما تعلم صفاته فقط وذلك أنه لابد للشيء المعلوم من أن يتصور في ذهن العالم به وحقيقة ذاته لا تتصور . (25)

وبهذا نتبين الفرق بين العلم والرؤية.

3) رفض تقوية حاسة البصر:

يقول الأشعري في الإبانة:" لابد من تقوية بصر الإنسان كي يرى الله وإن كانت العين لا تقوى على رؤية الشمس فمن باب أولى إذا كان مع رؤية الخالق". (26)

" وهذا مردود من جهتين:

1) فإما أن توقية الأبصار يحولها عن اختصاصها في تميز الألوان والأشخاص فتصير قادرة على رؤية الروائح والأصوات... لكن هذا ليس من الرؤية.



2) وإما أنه لا يحولها ولكن يقوي قدرتها وهذا ر يخرجها عن طبيعتها مثل بعض الحيوانات كالأسد يرى في الظلام مالا يراه غيره" (27)


4) رفض الحاسة السادسة:


يذكر الأشعري أن " ضرار" و " حفص الفرد" (28) يقولان بإمكانية الرؤية بالحاسة السادسة يوم القيامة (29) إلا أن خلفهما من المعتزلة رفضوا ذلك.

كما أن ابن حزم (30) يقول بها أيضا

إلا أن الاباضية يرفضونها رفضا قطعيا وذلك لأن تحويل وظيفة البصر يؤدي قطعا إلى إبطال الرؤية.

فلابد من منع الرؤية في الدنيا والآخرة وبأي حاسة أخرى لا بالعين ولا بالقلب إذ إن تصوره القلب يجب أن يتميز. (31)

وينقل أبو مهدي عن أبي القاسم البرادي ما يلي:" قال الشيخ أبو القاسم: ويقال لهم أخبرونا عن هذه الرؤية أهي بحاسة البصر أم بحاسة أخرى غيرها... (32) وإن قالوا بحاسة أخرى غير حاسة البصر قلنا: لا تخلو هذه الحاسة في معنى البصر أن تكون مدركة للألوان أو تكون على خلاف ذلك فإن كانت في معنى البصر ففي المسألة الأولى (33) وإن قالوا مخالفة لحاسة البصر مضادة لها قلنا أردتم إثبات الرؤية بإبطالها واحتججتم للرؤية بحجة توجب زوالها وقولكم هذا شبيه بقول من قال شممت رائحة المسك بأذني....." (34)


5) البلكفة:

اعتبر الأشاعرة أن الرؤية ممكنة في الآخرة لكن أثبتوا أنها بلا كيف لتنزيه المولى عن الشبيه.

إلا أن المعتزلة والإباضية يرفضون هذا الموقف بشدة، ويعتبرونه فرارا من الاحتجاج وبيتا الزمخشري مشهوران في هذا الصدد: (كامل)

لجماعة سموا هواهم سنة***وجماعة هم لعمري مؤفكة
قَدْ شبّهوهُ بخلقِه وتخوَّفوا ***شنَعَ الورى فتستّروا بالبلكفة
(35)


ويقول السالمي في هذا الصدد:" تستروا عن التشبيه فقالوا نراه في الآخرة بلا كيف أي لا هيئة ولا حالة نكيفها وهذا فرار من صريح التشبيه مع الوقوف فيه معنى ثم يورد بيتي الزمخشري ويختم بقوله:" وزيادة بلا كيف لم يقم عليها دليل من كتاب ولا سنة". (36)

من خلال هذا التحليل للحجج العقلية يثبت لدينا أن المصادر الإباضية لم تطل الوقوف عندها واكتفت بتحديد ما حدده المعتزلة من عدم توفر شروط الرؤية إلا أنها اضطرت لذلك في مواقف دفاعية لدحض ما ذكرته الفرق الأخرى من الحجج العقلية.

والصراع كان عنيفا مع الأشاعرة إلا أن حدته تخف عندما نعلم أن من الأشاعرة أنفسهم من قال بوهن هذه الحجج العقلية وقد أوردنا من قبل موقف الرازي والغزالي من الاحتجاج على الرؤية بأن كل موجود يرى وأحسن ما يدل على العزوف عن الاحتجاج العقلي في هذا المبحث ما ختم به شارح كاتب المواقف تحليله للحجج العقلية:"... وفي هذا الترويج تكلفات أخر يطلعك عليها أدنى تأمل فإذن الأولى ما قد قيل من أن التعويل في هذه المسألة على الدليل العقيلي متعذر فلنذهب إلى ما اختاره الشيخ أبو نصر الماتريدي من التمسك بالظواهر النقلية". (37)

ويقول السدويكشي في حاشيته على كتاب الديانات في بداية تحليله لهذه القضية ما يلي:" فاستدل أصحابنا ومن وافقهم على عدم جواز الرؤية بالعقل والنقل وكذلك الأشاعرة استدلوا بالعقل والنقل وقد ضعف دليل العقل من الجانبين ولم يبق إلا دليل النقل". (38)

وإن بينا هذا فقد بقى أن نلح على تفاعل هذه المصادر مع نصوص المعتزلة لكن المعتزلة يذهبون إلى مدى أبعد يتماشى مع مبدئهم في ترجيح العقل وأن حجة الله على الناس هي العقل بتجاوز الرؤية المعهودة وبتحويل حال الإنسان ورفع المانع الأمر الذي يرده المعتزلة بتبيين أن تجاوز العقول بفتح أبواب الجهالات. (39)

ومهما يكن من أمر فالأباضية يلحون على تنزيه الله تعالى ويصرون على أنه لا تدركه الأبصار لا في الدنيا ولا في الأخرة ولهم مواقف من الحجج النقلية فما هي؟

الأدلة النقلية:

إن كلا من نفاة الرؤية ومثبتيها يعتمدون على نفس النصوص من القرآن والسنة لتدعيم مواقفهم ومرجع هذا إلى اختلاف منطلقات كل من الطرفين وإلى إحتمال هذه

النصوص تآويل مختلفة إذ هي من المتشابهات، ويتجلى التفاوت الكبير خاصة في استعمال نصوص الحديث بين تقوية المتن والجرح في السند أو العكس.

فما موقف المصادر الإباضية من هذه النصوص؟ وننبه إلى أن الفصل بين القرآن والسنة هنا منهجي فحسب إذ جائت السنة مبينة للقرآن الكريم.



القرآن الكريم


لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، (6 الأنعام 103)

1 ـ الإدراك: جاء في اللسان " الدرك اللحاق، وقد أدركه ورجل مدرك كثير الإدراك وجاء فيه أيضا: الإدراك اللحوق يقال مشيت حتى أدركته وعشت حتى أدركت زمانه وأدركته ببصري أي رأيته". (40)

ويعلق أحمد الخليلي على هذا بما يلي:

1) إن العرب تقول أدركت زمانه مع عدم الإحاطة بزمانه كما نص عليه صاحب اللسان ولربما قال أحدهم أدركت حياة فلان وهو لم يولد إلا في الزمن الأخير من حياته.

2) إن العرب تسمي المطر المتوالي المتدارك مع العلم أنه ليس المقصود منه أن كل ديمة منه تحيط بغيرها وإنما المقصود تلاحق الدّيم.

3) عدم مخالفة أحد في صواب قول من قال أدركه السهم ومن المعلوم أنه ليس المراد منه إحاطة السهم به ولو قال قائل: أحاط به السهم لعد من هذيان الكلام.

4) مجيء الألفاظ المشتقة من الإدراك دالة على غير معنى الإحاطة كما في قوله تعالى : حتى إذا إداركوا فيها ، (7 الأعراف 38) . إذ ليس من المعقول أن يكون المراد من الآية إحاطة كل فوج من أهل النار بالآخرة مع أن التفاعل يقتضي التشارك من الجانبين أو الجوانب وإنما المراد من الآية تلاحق الأفواج في النار والعياذ بالله". (41)

ويقول السدويكشي :" والإدراك المضاف في هذه الآية إنما هو الرؤية فمعنى قولك أدركته ببصري معنى رأيته لا فرق إلا في اللفظ [ أو هما أمران متلازمان لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر فلا يجوز القول رأيته وما أدركته ببصري ولا

عكس ذلك فهذه الآية الكريمة نفت أن تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام المبالغة وفي جميع الأوقات] لأن قولك فلا تدركه الأبصار يفيد عموم الأوقات فلابد أن يفيد عموم الأعصار والأزمان فلا يراه شيء من الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة لما ذكرنا" (42) .

فالإباضية والمعتزلة حينئذ يرفضون معنى الإحاطة التي يبنى عليها مثبتو الرؤية جوازها إذ الآية عندهم تفيد أن نفي الإحاطة يثبت جواز الرؤية.

ويقول السالمي في هذا الصدد:" ولا نسلم أن الإدراك هو الرؤية المقيدة بالإحاطة لأنه حقيقة في الوصول إلي الشيء وتقييده بالإحاطة مجاز لا يصح إلا بقرينه بل القرائن دالة على نفي مطلق الإدراك". (43)


ب) الآية تفيد المدحة

إنه تعالى تمدح بكونه لا يرى فإنه ذكره في أثناء المدائح لأن ما ذكر في السورة الكريمة قبل هذه الآية (44) هي مدائح ... وما كان من صفاته عدمه مدحا كان وجوده نقصا فيجب تنزيه البارئ عنه وهو على غرار نفي السنة والنوم. (45)

ويقول أبو مهدي في أن الآية تعني المدحة ما يلي:" ومما نسألهم عنه أن نقول لهم: أخبرونا عن قوله تعالى: لا تدركه الأبصار ، هذه مدحة امتدح بها أم لا فإن قالوا : لا فقد جاحدوا... وإن قالوا مدحة امتدح بها، قلنا لهم هذه المدحة ثابتة له في الدنيا والآخرة أم في الدنيا خاصة فإن قالوا في الدنيا خاصة فقد جعلوا مدائح الله عز وجل تزول عنه يوم القيامة فنقول : يلزمكم أن يكون قوله : وهو يدرك الأبصار ، في الدنيا خاصة لأن الآية جاءت مجيئا عاما. وتكون على قولكم جميع مدائح الله يجوز زوالها في الآخرة مثل قوله تعالى : لا تأخذه سنة ولا نوم ، (2 البقرة 255) . وقوله : ليس كمثله شيء ، (42 الشورى 11) . وكذلك سائر المدائح لأن هذه مدحة وتلك مدحة وإن قالوا الزوال في هذه خاصة فلا حجة لهم وإن قالوا مدائح الله ثابتة في الدنيا والآخرة فهو ما نقول وبطل ما صاروا إليه. (46)

ويقول السالمي في الرد على نفي مفهوم المدحة بما يلي:" لا يقال إن نفي الرؤية ليس من مدائحه تعالى لأنه قد اتصف به من خلقه أشياء كالأعراض والأرواح ونحوها وما اتصف به غيره لا يكون مدحا له. لأنا نقول وكذلك أيضا بعض المخلوقات لا يتصف بالنوم ولا بالسنة كالحائط والشجرة ونحو ذلك فلا يكون نفيهما عنه مدحا". (47)


ويرد التعاريتي على من قال:" إن عدم رؤيته في الدنيا مع كونه أقرب إليهم من حبل الوريد كاف في التمدح فلا ينافي رؤيته في الآخرة.

بقوله: مقتضى كونه تمدحا أن يكون على سبيل الدوام والاستمرار قياسا على سائر تمدحاته تعالى" (48)

وجاء في المسلك المحمود أيضا ما يلي:" إن امتناع الرؤية لم يكن فيه تمدح إذ لا مدح للمعدوم بأنه لا يرى حيث لم يكن له ذلك.

الرد: إن عدم مدح المعدوم لاشتماله على النقص الذي هو العدم، كما أن الأصوات والروائح لا تمدح مع عدم إمكان رؤيتها لكونها مقرونة بسمات النقص وامتناع الشيء لا يمنع التمدح بنفي الشريك والسنة والنوم ونفي الصاحبة والولد مع امتناعها فبان أن امتناع الرؤية يدل على أنه ليس من جنس العالمين بل هو حقيقة أخرى مخالفة لها غاية المخالفة ولما كان تعالى منفردا بهذه الصفات مع اشتراك جميع الممكنات في صحة الرؤية صار هذا دليلا على أنه ليس ممكنا من الممكنات بل واجب وجوده تعالى". (49)

فيبقى نفي الرؤية مدحة في نظر الإباضية في الدنيا والآخرة.


ج)الآية تفيد عموم السلب


" يقول مثبتو الرؤية: إن لفظ الأبصار صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله : لا تدركه الأبصار ، يفيد أنه لا تراه جميع الأبصار وهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب.." (50)

فيكون المعنى لا تدركه الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين وقد جاء عند أحمد الشماخي ما يلي:

" قولك: فالمعنى سلب العموم، لا عموم السلب أي لا تدركه جميع الأبصار ونحن قائلون بموجبه.

أقول: لا نسلم أنها لسلب العموم إذ لا مدح في سلب بعض الأبصار لأنه شاركه فيه من حيث لا ترونهم ولأنه يلزم عليه أن تدركه بعض الأبصار وهي التي لا تدركه لأن الألف واللام في لا تدركه الأبصار" للعهد.

" قولك: لا دلالة فيه على عموم الأوقات.

أقول: له أدلة:


1- التمدح لأن المقام له ولا مدح في بعض الأوقات.

2- عدم القيد فتسلط النفي على أصل الفعل.

3 ـ يلزم ذلك في وهو يدرك الأبصار وفي قوله : لا تأخذه سنة ولا نوم ، ( البقرة 225)" (51)

ويقول المحشي مبينا أن الآية لا تقيد بوقت دون وقت :" ويقال لهم: أخبرونا لأية علة صار معبودكم يرى في دار المعاد ولا يرى في الدنيا اللذات أم للخبر؟ فان قلتم للذات فالذات لا تتغير وان قلتم للخبر فما الخبر؟

فإن قلتم : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ، (75 القيامة 23) . قلنا هذا الخبر للرؤية عندكم في المعاد فأين الخبر الذي لا يرى في الدنيا؟ فلستم تجدونه إلا أن تقولوا قوله : لا تدركه الأبصار ، (6 الأنعام 103) . فإن قالوا: ذلك قيل لهم: هذا الخبر عن الذات أو خبر عن وقت دون وقت.

فإن قالوا: خبر عن الذات قلنا: قد قلتم إن الذات لا تتغير من صفة القديم إلى صفة المحدث.

فإن قلتم عن وقت دون وقت فيلزمكم أن تقولوا بمثل ذلك في جميع ما أخبر الله به عن نفسه في القرآن من قوله : لا تأخذه سنة ولا نوم . ولا يؤوده حفظهما ، (2 البقرة 255) . لا يعزب عنه مثقال ذرة ، (34 سبأ 3) . فتكون هذه الأخبار من كتاب الله تعالى وما شاكلها في صفة الله تعالى إنما هي لوقت دون وقت" (52)

وإن صاغ المحشي هذه الحقيقة بطريقة جدلية فإن السالمي قد صاغها بمنهج رصين حيث يقول:" قلنا : لا نسلم أنها لسلب العموم لأنها وردت مدحا له تعالى، و‘دراك الأبصار له تعالى مزيل لهذا التمدح زلا يصح أن تزول عنه صفاته التي تمدح بها تعالى إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكون في الآخرة متصفا بالسنة والنوم والصاحبة والولد والشريك والشبيه لأن هذا كله مما تمدح به تعالى بنفيه عنه، ولو جاز عليه ذلك لكان حينئذ ذليلا عاجزا مقهورا مغلوبا جاهلا بخيلا فيستحق على ذلك الشتم- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

حاصل الجواب أن قاعدة سلب العموم إنما هي ثابتة في مال إذا لم يدل دليل على أن المراد خلافها أما إذا دل دليل على ذلك عدل عنها إلى ما يقيتضيه الدليل ودليل

العدول هنا قصد التمدح بنفي الرؤية فإن حمل على تلك القاعدة فات هذا المقصود". (53)

ويقول محمد اطفيش: " الألف واللام للاستغراق باقية على العموم الشمولي بعد النفي فشملت أبصار المؤمنين وأبصار الكفار كما هو الوارد في القرآن بلا تلكف تأويل في قوله : والله لا يحب كل مختال فخور . (54)

أما السدويكشي فقد غلب عليه الأخذ عن الإيجي وقد انتبه إلى ذلك يوسف المصعبي فبين أن السدويكشي أورد اعتراضات الإيجي والشريف الجرجاني على أساس أن يرد عليها (55) لكننا لم نجد هذا الرد ولعل عذره يتمثل في أنه لم ينته من شرح كتاب الديانات ومعلوم أن يوسف المصعبي واصل الشرح لكنه لم يتدارك النقص الذي أشار إليه.

والمهم حينئذ أن الإباضية يعتبرون أن هذه الآية تدل على نفي الرؤية عن الله تعالى على الإطلاق.


د)تركيب الجملة

إن اختلاف الجملتين إذ كانت الأولى فعلية والثانية اسمية يثبت اختلافا جوهريا في المعنى فالفعلية للتجدد والاستمرار التجددي والاسمية للدوام. (56)

إن الوقوف عند مختلف وجوه الاحتجاج يبين أن كلا من النفاة والمثبتين حرصوا على تدعيم موقفهم اعتمادا على الاستعمالات اللغوية إلا أن جانب التأويل غلب عند الأشاعرة أكثر منه عند الإباضية ولم يضطر إليه الإباضية إلا فغي مواقف الدفاع وتبقى الآية عندهم صريحة في نفي الرؤية المعهودة عن الله تعالى على الإطلاق وهذا في رأينا أقرب إلى العقل.

والملاحظ أن علماء هذه المرحلة لم يتوسعوا في تحليل هذه الآية كما هو مطلوب رغم أنهم أشاروا إليها ضمن الاحتجاج كما رأينا. (57)

هذا عن هذه الآية فماذا عن قوله تعالى:

ـ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ، (75 القيامة 23) (58) ؟

جاء في الدليل والبرهان:" إن النظر في لغة العرب يتصرف على أربعة أوجه لا خامس لها:

1 ـ أن تكون النظر بمعنى التعطف والرحمة قال الله تعالى : ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، (3 آل عمران 77) . ولم يرد لا يراهم لأن رؤيته تعالى محيطة بهم وبغيرهم وإنما هو نظر تعطف ورحمة.

2 ـ أن يكون النظر بمعنى الاعتبار كما قال تعالى : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، (88 الغاشية 17).

3 ـ بمعنى الانتظار كما قال الله عز وجل : ما ينظرون إلا صيحة واحدة ، (39 يس 49) ، أي ينتظرون. وقوله : انظرونا نقتبس من نوركم ، ( 57 الحديد 13)

4- هو النظر المعروف بالعين (59)


وجاء في الجامع الصحيح: باب في النظر في اللغة:"... إن النظر هو الانتظار لقول الله عز وجل : ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ، (36 يس 49) . يعني ما ينتظرون وليس بمعنى النظر بالأبصار وقال: وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ، (38 ص 15) . وقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ، (16 النحل 33) ونحوه في القرآن.


ومصداق ذلك في اللغة قول القائل: إنما أنظر إلى الله ثم إليك يعني أنه ينتظر ما يأتيه من قبله" (60)

ويذكر الأشاعرة (61) أن الآية صريحة في وقوع الرؤية للمؤمنين في الآخرة إذ يعتبرون أن نظر بمعنى رأى وذلك أكبر نعيم في الجنة فيرد الإباضية هذا الموقف من خمسة وجوه:


1- اللغة:

إن النظر في اللغة غير الرؤية ولذا يقال : نظرت الهلال فلم أره. ولا يصح أن يقال رأيته فلم أره. وإطلاقه على الرؤية مجاز لا يصح إلا بقرينه والعدول عن الحقيقة إلى المجاز خلاف الظاهر.

والوجه لا يكفي أن يكون قرينه لأنه يطلق على الذات ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، (55 الرحمان 27).

فإذا كان النظر بمعنى الانتظار فلا يعدى بإلى.

الجواب: لا نسلم ذلك فقد قال تعالى: فنظرة إلى ميسرة ، ( البقرة 28).

وقال الشاعر:(كامل)

وإذا نظرت إليك من مالك***والبحر دونك زدتني نعما

وقال الشاعر:(كامل)

كل الخلائق ينظرون سجاله***نظر الحجيج إلى طلوع الشمس

قال حسان: (62) (طويل)

وجوه يوم بدر ناظرات***إلى الرحمن يأتي بالفلاح

وقال الشاعر:(طويل)

وجوه بها ليل الحجاز على الهوى***إلى ملك كهف الخلائق ناظرة

أي منتظرة لمعروفه. (63)

2 ـ سياق الآية: إن المقابلة الواردة في بقية الآية وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ، (75 القيامة 24 ـ25) . لو فهم النظر بمعنى الرؤية لارتفعت المناسبة بين الجملتين ولتداعى بناؤها ويقول الشماخي في هذا الصدد ما يلي:" ويدل عليه ذكر ينظر في مقابلة تظن أي تتوقع أن يفعل بها فعل فضيع شديد يقصم فقار الظهر كما ترتجي الوجوه الناظرة إلى ربها أن يفعل بها كل خير.

وأيضا فاعل تظن الوجوه ومعلوم أن الوجوه لا تظن وإنما تظن القلوب فيكون عبارة عن الجملة في الأول والثاني للمعادلة والموازنة بينهما". (64)


3 ـ الحصر: إن تقديم إلى في قوله : إلى ربها ناظرة . يفيد الحصر والاختصاص ولو كان من نظر العين لانحصر نظرهم في ذات الله ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء كثيرة لأنهم الآمنون الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ، (21 الأنبياء 103)

وهم من فزع يومئذ آمنون ، (27 النمل 89) . ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، (2 البقرة 62) . ففي هذا الحصر دليل على معنى الانتظار. (65)

4 ـ تقييد الآية بيوم القيامة : يقول الشماخي:" الآية نزلت في حال القيامة فالمؤمنون ناضرة وجوههم بالبشارات والكفار باسرة وجوههم بتحققهم الوعيد فالأولون منتظرون دخول الجنة والكافرون أن ينبذوا في الحطمة... وأهل الجنة في نعيم ينتظرون آخر. فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا ،(84 الانشقاق 7ـ9) فلا يصح أن نعتبر انتظار النعمة سببا للنعمة وسببا للغم وضيق الصدر". (66)

5- اعتماد التأويل: واعتمد الإباضية التأويل مثل المعتزلة وفي ذلك يقول يوسف المصعبي:" وحمل الجبائي(235- 303/ 849- 916) (67) النظر على معنى الانتظار وجعل " إلى" اسما بمعنى النعمة مفرد الالآء مضافا لما بعده لا حرف جر. والمعنى عنده: منتظرة نعم ربها وإلى عنده مفعول لناظرة". (68)

وقد توسع محمد اطفيش في ذلك كما يلي: " أو " إلى" بمعنى النعمة مفعول مقدم أو يقدر مضافا أي ملك ربها أو ثواب ربها أو رحمة ربها والنظر بالعين أو الأصل إلى إنعام ربها والنظر بمعنى الانتظار ولا يرجون الرحمة إلا من الله تعالى كما لا يعبدون إلا إياه.

وكل حذف أو تأويل ولو كان خلاف الأصل مقدم على عدمه إذا كان عدمه يؤدي إلى التشبيه أو نحوه والتقديد والتأويل هما المناسبان لقوله تعالى: ليس كمثله شيء ". (69)

6- تفسير بعض الصحابة والتابعين النظر بمعنى الانتظار

لقد أورد الربيع بن حبيب أقوال الصحابة الذين فسروا النظر بمعنى الانتظار. فمن هؤلاء عبدالله بن عباس (ت 68/ 687) (70) وقد قال عندما سئل عن الآية المذكورة:" ثم ينظرون إلى ربهم متى يأذن لهم في دخول الجنة بعد الفراغ من الحساب" ثم قال: ( وجوه يومئذ باسرة ـ يعني كالحة ـ تظن أن يفعل بها فاقرة) . قال: يتوقوعون العذاب بعد العذاب وكذلك قوله: إلى ربها ناظرة ينتظر أهل الجنة الثواب بعد الثواب والكرامة بعد الكرامة". (71)

إن كانت الآية السابقة لم تنل حظا وافرا من التحليل فإن الشماخي خاصة قد حلل هذه الآية تحليلا وافيا وقد انطلقت نصوص الإباضية في هذه المرحلة وما قبلها وما بعدها من الرصيد الذي جمعه من وقت مبكر الربيع بن حبيب لترد بطرق شتى على من اعتبر أن ناظرة معناها الرؤية البصرية كما أن هذه النصوص لم تغفل عن تدعيم موقفها برأي المعتزلة وباعتماد التحاليل اللغوية والبلاغية.

ويرتبط بهذه الآية قول موسى : رب أرني أنظر إليك ، (7 الأعراف 143) . فماذا عن هذا الطلب؟

ـ قوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ، (7 الأعراف 143)

إن مواطن الإشكال في هذه الآية تتمثل في : طلب موسى الرؤية ( أرني أنظر إليك) حقيقة لن. تعليق الرؤية باستقرار الجبل. التجلي للجبل. توبة موسى.

ـ طلب موسى الرؤية: يقول مثبتو الرؤية (72) إن في طلب موسى الرؤية دليلا على أنها ممكنة إذ لا يجوز أن يطلب نبي أمرا مستحيلا.

ويجيب الإباضية بأنه سألها وهو يعلم استحالتها ليعلم قومه الجواب باستحالتها والقوم كافرون لقولهم : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، (2 البقرة 55) . وقد اختار منهم موسى سبعين وكلهم سمعوا ( لن تراني) . فإخباره ومعه السبعون أقوى في ظن القوم من إخباره بنفسه. ومما يدل على طلبها لقومه قوله تعالى حكاية عن موسى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ، (7 الأعراف 155) . وقوله : فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ، (4 النساء 153).

وقوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ، (2 البقرة 55) . وأما الطلب في صيغة المفرد فمن باب التبكيت إذ إن منعت عنه فلا سبيل إلى حصولهم لهم. (73)

فالإباضية وجهوا هذه الآية من وقت مبكر وجهة الاعتذار اعتمادا على منا نقله جابر بن زيد عن ابن عباس وقد أورد الربيع بن حبيب ما يلي:" قال جابر بن زيد: سئل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى : رب أرني انظر إليك فقال ذلك على وجه الاعتذار لقومه ليريهم الله آية من آياته فييأسوا من رؤية الله". (74)

ونقل المحشي عن الجيطالي ما يلي:" قال في شرح النونية في ما يتعلق بسؤال موسى ربه الرؤية ما نصه: فإن قال: أوليس إنما أشركت اليهود لجحودهم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبسؤالهم موسى عليه السلام أن يريهم ربهم جهرة- قيل له: نعم.

فإن قال: أو ليس كل من سأل ما سألت اليهود فقد أشرك. قلنا: نعم.

فإن قال: وقد سأل موسى أن يرى ربه، قلنا: إن موسى عليه السلام لم يسأل أن يرى ربه عيانا مثل ما سألت اليهود وإنما قال : رب أرني أنظر إليك على وجه الاعتذار لقومه ليريهم آية من آياته فييأسوا من رؤيته عز وجل" (75)

2 ـ حقيقة لن: اعتبر مثبتو الرؤية أن الزمخشري تأثر بمذهبه في تقدير معنى التأبيد للن، ودليل هؤلاء على ذلك أنها لو كانت تقتضي التأييد ما أكدت به في قوله تعالى : ولن يتمنوه أبدا . (76)

وينطلق الإباضية من تفسير الربيع للن بمعنى الإياس حيث يقول:" لن حرف من حروف الإياس عند النحويين أي لن يراه أحد في الدنيا ولا في الآخرة". (77)

وقد اكتفى كل من أبي مهدي والمحشي بالنسبة إلى " لن" بما ذكره الربيع (78) أما يوسف المصعبي فقد ألح الله البتة وكل من قال إن موسى لن يرى الله قال إن غيره لن يراه". (79)

أما سعيد ابن تعاريت فبعد أن أورد عدة أقوال تفيد أن " لن" للتأبيد يقول:" حيث ثبت دلالتها على التأبيد...فعلى من ادعى أنها تكون لغيره أيضا الدليل فيكون تمسكنا حينئذ بالمجمع عليه، فثبت بما ذكرناه أن الله منزه عن الرؤية". (80)

ج- تعليق الرؤية باستقرار الجبل: يقول المثبتون إن تعليق الرؤية بأمر ممكن وهو استقرار الجبل يجعل الرؤية ممكنة إذ ما تعلق بالممكن ممكن.

ويجيب الإباضية أن استقرار الجبل مستحيل في علم الله تعالى والمتعلق بالمستحيل مثله لأن الاعتبار في ذلك بالمخاطب بصيغة اسم الفاعل لأن الخطاب صدر منه وهو عالم باستحالته.

ويقول المحشي في هذا الشأن:" قال تعالى: ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني ، فهذا على قطع الرجاء أي فكما أن الجبل لا يستقر فكذلك لن تراني، ونظيره ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، (7 الأعراف40) (81) .

د ـ التجلي: جاء عند الربيع بن حبيب ما يلي: وأما قوله : فلما تجلى ربه للجبل " أي فلما تجلى ببعض آياته فلم يحتملها الجبل حتى صار دكا وخر موسى صعقا". (82)

واكتفى المحشي بإعادة نفس النص (83) أما يوسف المصعبي فقد مر على الآية دون أن يقف عند حقيقة التجلي (84) لكنه أحال على تفسير الزمخشري (85) أما عمرو التلاتي هو الآخر فقد نفى أن تكون ذاته تعالى تجلت للجبل. (86)

فالإباضية في هذا المعنى رفضوا تفسير الأشاعرة (87) واعتمدوا في تفسير موقفهم الذي أقره الربيع على ما جاء عند المعتزلة وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار:" مسألة: وربما سألوا عن قوله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل كيف يصح أن يتجلى وليس بجسم وما فائدة تجليه للجبل؟ وجوابنا أن المراد بهذا التجلي الإظهار وذكر الله الجبل وأراد أهله فكأنه قال فلما بين لأهل الجبل أنه لا يرى بأن جعله دكا حصل المراد في ما سألوه وهذا كقوله : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ، (33 الأحزاب 72) . أراد على أهلها وكل ذلك بمنزلة (12 يوسف 82 وأراد أهلها". (88)

هـء توبة موسى: بما أن موسى خر صعقا أناب إلى ربه حال استيقاظه لأنه أحس باستعظام ما طلب من الله تعالى وقد بين الربيع هذا المعنى كما يلي:" عمير بن إسماعيل قال حدثنا أبو صالح عن ابن عباس عن جوبير عن الضحاك في قوله تعالى : سبحانك تبت إليك ، أي عن مسألتي أنى أنظر إليك وأنا أول المؤمنين ، المصدقين بأنك لا يراك أحد. وقال مجاهد مثل ذلك..." (89)


والمشكلة يحللها المحشي كما يلي: " فإن قال قائل: فإن كان موسى عندكم غير مخطئ فمم إذن تاب؟ ومن ماذا أخذته الصاعقة؟

قيل له: إن أهل التفسير (90) قالوا: إن ذلك لتقدمه بين يدي الله تعالى بالمسألة قبل أن يؤمر بذلك.

فإن زعموا أن الصاعقة وأن التوبة إنما كانتا من أجل طلب الرؤية قيل لهم فإن الصاعقة لا تصيب أحدا إلا على أمر الله لا يجوز له ولا يحل فكذلك التوبة لا تكون من صاحبها إلا على أمر غير جائز له فهذا داخل عليكم". (91)

أما يوسف المصعبي فينقل كلام الزمخشري:" فلما أفاق من صعقته قال : سبحانك أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها، تبت إليك من طلب الرؤية وأنا أول المؤمنين بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس. فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته فمم تاب؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة.

وإن كان لغرض صحيح على لسانه من غير إذن فيه من الله تعالى فانظر إلى إعظام الله تعالى أم الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكا وكيف أصعقتهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك مبالغة في إعظام الأمر وكيف سبح ربه ملتجئا إليه وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه وقال : أنا أول المؤمنين . (92)

نتبين من خلال هذه التحاليل أن الإباضية يجنحون دائما إلى التنزيه ويعمدون في ذلك إلى التأويل واعتمادهم في ذلك ما تتحمله اللغة من المعاني فهم يعتبرون ألا سبيل إلى أن يتجلى الله تعالى للجبل كما يلحون بشدة على معنى التأبيد في " لن" وقد وافقهم المعتزلة وكثير من الأشاعرة على ذلك وعلى هذا الأساس ينفون إمكانية الرؤية في الدنيا والآخرة. ويعتبرون هذه الآية مؤيدة لقوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار .

ذلك هو موقف الإباضية من طلب موسى الرؤية فماذا عن موقفهم من آيات أخر توحي بمفهوم الرؤية؟

قوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، (10 يونس 26).

يعتبر الأشاعرة أن الحسنى هي الجنة وأن الزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم.

ويرد الإباضية ذلك من الوجوه التالية:

1- إن الزيادة على الشيء لا تكون إلا من جنسه.

2- إن الزيادة أقل من المزيد عليه ورؤية الله عندهم أكبر من الجنة وأعلا مقاما.


3- تفاسير الصحابة والتابعين جاءت كما يلي:" جاء عن علي ابن أبي طالب أن الزيادة غرفة من لؤلؤ لها أربعة أبواب والغرفة هي الزيادة.

وجاء عن ابن عباس نفس القول كما أنه ذكر أن الحسنة بالحسنة والزيادة التسع لقوله تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، (6 الأنعام 160).

وقال علقمة (93) مثل هذا القول: الحسنة بعشر أمثالها في شأن الزيادة. (94)

ويتابع المحشي هذه التأويلات فينقل كلام الجيطالي في شرح النونية حيث يقول:" وأما تأويل المشبهة في الزيادة المذكورة في قوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، (10 يونس 26) وقوله : ولدينا مزيد ، (50 ق 35) . فإنما تعسفوا في تأويلها تعسفا شديدا... ولم يعتبروا فيها معنى الزيادة المذكورة في غيرها من القرآن كقوله تعالى: ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ، (24 النور 38) . وفي مثله من الآيات: غير أن القوم متى ما سمعوا بذكر شيء قريب أو بعيد من الذي بنوا عليه اعتقادهم ذهبت إليه أهواؤهم". (95)

وكذلك يسلك يوسف المصعبي فيذكر جميع الأقوال التي أوردها الربيع ثم يقول:" فإن قلت: حيث لم يثبت هذا الحديث (96) عندنا ولا عند صاحب الكشاف... فما معنى هذه الزيادة؟ قلت: قال الشيخ هود رحمه الله: (97) الحسنى الجنة وزيادة يعني الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وقال صاحب الكشاف: وزيادة ما يزيد من التفضل ويدل عليه قوله : ويزيدهم من فضله ، (24 النور 38). (98)

فالمهم بالنسبة إلى الإباضية أن الزيادة لا يمكن أن تعني الرؤية بأي وجه من الوجوه.

وقوله تعالى : الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ، (2 البقرة 46).

يورد يوسف المصعبي في شأن هذه الآية ما ملخصه أن المجوزين للرؤية يفسرون اللقاء بالرؤية من باب المجاز لكن المانعين لها يفسرونه بما يناسب المقام كلقاء الثواب خاصة والجزاء مطلقا والظن حسب هؤلاء بمعنى اليقين فهم حينئذ يتيقنون بثبوت الجزاء والثواب منه على الأخص وهو يعتمد خاصة على الزمخشري (98 مكرر)

أما السالمي فبين أن إطلاق اللقاء على نفس الرؤية مجاز لا يصح إلا بدليل ولا دليل ولأنه لم يرد ذكر اللقاء إلا في مقام التخويف والتهويل وهو بخلاف مقام الرؤية كما يعتقد مثبتوها ولأنه اشترك في مقام اللقاء الطائع والعاصي قال تعالى : يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ، (84 الانشقاق6). (ر. المشارق 194).

فلا سبيل حينئذ إلى حمل اللقاء على الرؤية.

وقوله : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ، (83 المطففين 15) . ينسب الربيع بن حبيب إلى علي وابن عباس ما يلي في شأن هذه الآية " فلم يزل يحجبهم عن رحمته وثوابه ولا ينظر إليهم برحمته". (99)

أما المحشي فيورد قول البيضاوي :" فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا لإهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول إلى الملوك أو قدر مضافا مثل رحمة ربهم أو قرب ربهم" (100)

والبيضاوي يشير إلى ما جاء عند الزمخشري محللا كما يلي:" وكونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم... وعن ابن عباس وقتادة: محجوبين عن رحمته". (101)

ويذكر عمرو التلاتي الآية ويبين أن معناها أنهم " محجوبون عن ثوابه ورحمته لا عن رؤيته". (102)

فواضح إذن أن الإباضية يرفضون الاستدلال بالمخالفة في الاعتقاديات ولا يقبلون الحجاب الحسي بالنسبة إلى الله تعالى لما يتسلزم من الجهة فالتأويل حينئذ أن الحجاب حسي والمحجوب عنه هي جنته . (103)

وقوله : على الأرائك ينظرون ، (83 المطففين 23).

لا دلالة في الآية على رؤية الله تعالى لعدم ذكر المنظور فيها فيفسر بالنظر إلى ما أعد الله لهم من الثواب في مستقر رحمته كما أرشد إليه قوله تعالى : وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ، (79 الإنسان 20).

هذا في ما يتعلق بالاستدلال بالقرآن الكريم في شأن نفي الرؤية والإباضية في هذا الاحتجاج لا يكتفون بالقرآن بل يستعينون بما جاء في الحديث في هذه القضية فبقي- قبل أن نصل إلى الاستنتاج- أن ننظر في أهم الأحاديث التي يعتمدها مثبتو الرؤية في الآخرة خاصة ويعتبرونها مبينة لما جاء في القرآن الكريم لنتبين موقف الإباضية منها.


الأحاديث في شأن استحالة الرؤية:

-الرؤية في الدنيا:

يتفق الإباضية مع جل الأشاعرة والمعتزلة على أن الله لا يرى في الدنيا لكن بعض الأشاعرة اعتبروا أنها ممكنة للرسول عليه السلام، ويحتجون بقصة المعراج إلا أن


الإباضية يرفضون ذلك رفضا تاما وعمدتهم في ذلك ما صح عن عائشة أن الرسول عليه السلام رأى جبريل. (104)

وهذا نص الحديث كما يثبته الربيع بن حبيب : " قالت عائشة رضي الله عنها" ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية" . قال (مسروق) (105) : وكنت متكئا فجلست وقلت يا أم المؤمنين انتظري ولا تعجلي ألم يقل الله : ولقد رآه نزلة أخرى ، (53 النجم 13) . ولقد رآه بالأفق المبين ، (81 التكوير23) . فقالت عائشة رضي الله عنها أنا أول هذه الأمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:"" ذلك جبريل عليه السلام ولم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رأيته قد هبط من السماء فسد جسمه ما بين السماء والأرض ألم تسمع لقوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، (6 الأنعام 103) . قال مسروق: تفسير هذه الآية دليل على ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما كذب الفؤاد ما رأى....لقد رأى من آيات ربه الكبرى) ". (106)

وقد ذكر المحشي عند شرح هذا الحديث:

" أن مثل هذه الرواية جاءت عند البغوي (ت 286/ 899) (107) وهي أيضا عن مسروق وبين أن المواقف ثلاثة في شأن الرؤية:

1 ـ رأى ربه بعين رأسه.
2 ـ جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده.
3 ـ رأى جبريل في صورته الحقيقية" (108)

والإباضية اختاروا الرأي الأخير اعتمادا على موقف عائشة (109) فلا رؤية حينئذ لبشر مهما كان ولا في الدنيا ولا في الآخرة.

وإن اعتمد الإباضية هذه الرواية التي لم ترد في بقية الصحاح فماذا يقولون في الحديث الذي أقره مثبتو الرؤية؟

قوله صلى الله عليه وسلم : " هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر" (110)


يقول عمرو التلاتي:" معناه (الحديث) إن كان صحيحا أنكم تعلمون ربكم كما لا تشكون في القمر ليلة البدر... وليس معناه تبصرونه بأعينكم كما توهم ذلك الزاعم". (111)

ويلح يوسف المصعبي على تضعيف الحديث وإن كان لابد من قبوله فيجب أن تؤول الرؤية بالعلم. (112)

واضح أن الإباضية رجحوا نفي الرؤية من منطلق قرآني لذلك فهم يرفضون مثل هذا الحديث أو يعتبرونه من الآحاد التي لا يعتمد عليها في باب العقائد أو يؤولونه اعتمادا على المجاز اللغوي . (113)

وقبل أن نختم هذا المبحث يحسن أن نشير إلى مختلف المواقف من الرؤية كما ذكرها عمرو التلاتي حيث يقول:" إن القائلين برؤيته تعالى اختلفوا في كيفيتها:

فقالت طائفة: يرى يوم القيامة جهرة.

وذهبت طائفة إلى أنه يرى في صورة يخلقها ويكلم منها عباده.

وذهبت طائفة إلى أنه يرى في الدنيا والآخرة

وذهبت طائفة إلى أنه لا يرى إلا للمخلصون.

وذهبت طائفة إلى أن المخلصين يعاينونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا معاينته" (114)

وفي إيراد هذا الاختلاف دليل على اضطراب موقف القائلين بالرؤية فما هو حكمهم حسب الإباضية؟



حكم القائلين بالرؤية:

1- القائلون بالرؤية في الدنيا يحكم عليهم بالشرك لمكابرتهم العقل والنقل بلا شبهة يتمسك بها.
2- القائلون بجواز الرؤية في الآخرة يحكم عليهم بكفر النعمة (115) لأنهم تأولوا الكتاب والسنة ولو يوفقوا إلى الحق.


أما إذا ذهب هؤلاء إلى التجسيم فيحكم عليهم أيضا بكفر الشرك. (116)

وبعد هذا يمكن أن نختم البحث بما يلي: الله تعالى يرى أو لا يرى وإن كان يرى فكيف يرى؟ وأين يرى؟ أفي الدنيا والآخرة أم في الآخرة فحسب؟ تلك هي القضية التي خضنا غمارها مع التراث الإباضي في تفاعله مع بقية التراث الإسلامي خاصة في هذا المبحث، فهل لمثل هذه الحيرة صدى حضاري واضح؟.

الحقيقة أن التراث الإباضي لم يعرف حيرة ذاتية في هذه القضية لأنه تبنى استحالة الرؤية من يومه الأول. لكن ما كانت الفرق الأخرى وهو يتعايش معها صباح مساء أن تسكت عنه إذ ظلت هنا أيضا تحشره في ومرة التراث الذي يقوم على الهوى والبدعة.

وما كان هو ليسكت عن هذه التهمة التي ما زالت تلاحقه منذ أن حشر في زمرة التراث الخارجي كما رأينا. ولهذا لم يكتف هذا التراث بقناعته الذاتية وإنما انبرى يدافع عنها، فالتمس منطلقا علميا خلال النظريات المتعلقة بعلم المبصرا كما التمس غيره منطلقات أخرى لكن رأينا ضحالة هذه المنطلقات وعدم جدواها في البحوث العقائدية لأن الحقائق العلمية نسبية والحقائق العقائدية ثابتة والثابت لا يمكن أن يبنى على النسبي الذي يمكن أن يتحول من موقف إلى آخر مناقض من لحظة إلى أخرى.

لكن في المستوى الحضاري كان يمكن أن تثمر هذه المنطلقات كشوفا فيزيائية معتبرة إلا أن البيئة الإباضية لم تعرف مثل هذه الكشوف.

كما أن هذا التراث الإسلامي بطرفيه المؤازرة لإمكانية الرؤية والمعارض لهذه الامكانية حاول أن يدلي بحجج عقلية تؤازر هذا الموقف أو ذاك والإباضية في هذا تعايشوا مع الفكر الاعتزالي وأخذوا منه الكثير لكن دون أن يذوبوا في خضمه إذ لم يصلوا إلى تقديم العقل على النقل كما يفعل المعتزلة بل اعتبروا أن حجة الله هي السماع في الدرجة الأولى وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى الفكر الشيعي. أما الأشاعرة وإن حاولوا البعد عن الفكر الاعتزالي فقد اضطروا إلى أن يتبنوا منهجه العقلي للدفاع عن مواقفهم ولنشأة الأشعري الاعتزالية أثر كبير في تفكيره وإن أقر لنفسه رأيا خاصا خالف به شيوخه والمدرسة التي نشأ فيها. ومهما يكن من أمر فقد اعترف كل من الإباضية والأشاعرة والماتريدية أن الحجة العقلية مهما ارتقت تبقى هزيلة في موضوع الرؤية وذلك يفهم عقلا لأن البصر في هذه القضية وهو طاقة محدودة يريد أن يبصر الله تعالى الذي يتفق المسلمون على أنه لا يمكن أن يحد.

وغاية ما نقول في البعد الحضاري لهذا الاحتجاج العقلي أنه خرج في مرحلته الأخيرة من مستوى المعقول إلى مستوى اللامعقول، وذلك بتصور حاسة سادسة أو إدراك آخر أو أن تكون الرؤية بلا كيف والحقيقة أن التراث الإباضي اتخذ هذه الحلول منطلقا للسخرية من الطرف الآخر كما فعل المعتزلة ومهما قلنا في هذا الشأن

يبقى التصور العقلي المجرد الذي ينطلق من منطلق تنزيه الله تعالى وعظمته أقرب الى استحالة الرؤية منه إلى إمكانها.

والمحاورات المبثوثة في التراث الإباضي بين بعض الناس، واستفسار بعض العلماء في حلقات عامة للإحراج تدل على أن الموضوع يسترعي انتباه الناس فيحاول كل طرف أن يدعم موقفه وفعلا فإذا وجهت التهم للإباضية قل أن تنسى قضية الرؤية على أساس أنها حرمان من لذة في الجنة لا مثيل لها، لكن هذا ليس من منطلق عقلي وإنما من منطلق نقلي فماذا عن الاحتجاج النقلي؟

إن منطلق هذا الاحتجاج نصوص قرآنية من المتشابه على أساس ألفاظها أو على أساس مبناها تجاذبها المثبتون للرؤية والنفاة لها كل حسب موقفه. منها الحيرة تجاه رؤية الرسول عليه السلام ربه عند سدرة المنتهى والحقيقة أن النص يصعب أن يفك سره بتحكيم العقل فحسب ولذلك استند كل على نصوص من الحديث والإباضية سندهم في هذا عائشة التي اعتبرت أن ممن يدعي أن الرسول عليه السلام قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.

وإذا كانت الرؤية لم تتم للرسول عليه السلام فمن باب أولى أن ينفيها الإباضية عن بقية الناس في الحياة الدنيا.

ويدخل ضمن هذه القضية طلب موسى عليه السلام من ربه الرؤية وهذا الطلب قد انطلق منه الأشاعرة على أساس أن النبي لا يمكن أن يطلب أمرا مستحيلا وهو معصوم وقد أطالوا في هذا البحث واعتبروا أن هذه الآية من أقوى الحجج النقلية على ثبوت الرؤية لكن الاباضية ومن وافقهم اعتبروا أن توبة موسى بعد أن صعق أقوى دليل على انه أخطأ في حق ربه.

والملاحظ هنا أن الطرفين يقيمان الحجج على التأويل والاستنباط رغم نفور الأشاعرة من التأويل. والذي يلفت انتباهنا من الناحية الحضارية هنا هو حرص كل من الطرفين على تتبع هذه الآية حسب تقسيم منهجي متكامل يترابط بعضه ببعض وهذا مكننا من حصر القضية في محاور محددة بدقة من بداية التحليل.

وإن كانت قضية موسى هذه أثرت الفكر البلاغي أيما إثراء فإن قضية النظر لم تخل من مثل هذا المدد فالنظر عند طرف لا يكون إلا بالبصر والنظر عند الطرف الآخر إذا تعدى بإلى لا يمكن أن يفيد إلا الانتظار وكذلك في شأن التقابل التركيبي الذي يقوم عليه سياق الآية لكن ماذا عن صدى هذا في أوساط الأمة؟ لا شيء في ما نعلم وأنى للناس أن يرتقوا إلى أن " إلى" تكون بمعنى نعمة ويصير لها محل في الإعراب وإنما تهمهم النتيجة وهي في الحقيقة معروفة من البداية من موقف المتكلم ومذهبه الفكري.

وإن كان الفكر الذي يجيز الرؤية يعتمد على طلب موسى فإن الفكر الذي يحيلها ينطلق خاصة من لا تدركه الأبصار ليعتبر النفي أبديا مع ما يدعمه من لن تراني في السياق الآخر ومع اعتبار أن نفي الرؤية من مدائح الله التي لا تكون مدائح إلا بدوامها في الدنيا والآخرة وينتهي الجدل من حيث بدأ فيتمسك كل برأيه ولولا هذا الجدل لاكتفى الناس بأول تفسير للقرآن ولما نمت المدرسة القرآنية مثل هذا النمو والملاحظ أن مراكز الاهتمام في كل السور عند المفسرين تتمثل في ما جاء متشابها وله مساس بالعقيدة أو ما جاء في باب الأحكام من آيات تمس العبادات والمعاملات.

والملاحظ أيضا أن اعتماد المفسرين على التأويل أثر تأثيرا واضحا في علم البلاغة ومعلوم أن الزمخشري قد اعتبر من أئمة العربية والاباضية في هذه المرحلة التي تهمنا خاصة اعتمدوا اعتمادا كليا في باب الرؤية على تحليلاته مع الإحالة على تفسيره بصراحة أما في شأن الآيات الأخرى فلم تكن إلا مكملة للآيات التي اعتبرت أساسية في هذا المبحث.

بقي الاحتجاج بالحديث فإن له بعده الحضاري من البداية بصفة واضحة إذ لئن كان النص القرآني واحدا فإن للحديث مدارس وواضح في هذا الشأن أن الاباضية أقروا أحاديث بنوا عليها معتقدهم لا نجد لها ذكرا في كتب التيار الآخر وكذلك هذا التيار أورد أحاديث في شأن الرؤية في الآخرة لا يقرها الإباضية أو يتأولونها بوجه من الوجوه.

والبعد الحضاري أخيرا يتجلى في حكم هذا الطرف على ذلك فمجيزو الرؤية يعتبرون القائلين بإحالتها أهل بدع وأهواء. والقائلون بنفيها ويهمنا منهم الإباضية يعتبرون القول بثبوت الرؤية اعتمادا على التأويل معصية تجب فيها اللهجة أحيانا وتلين أخرى.

ومعلوم أن مثل هذه النصوص منها ما يصل بين أيدي الناس فينعكس على الحياة العامة لكن يبدو أن مثل هذه المواقف سرعان ما تنسى مهما بدت خطرة عندما يحتك الناس ببعضهم في حياتهم اليومية وفي معاملاتهم التجارية وتجار الإباضية لا يكاد يخلو منهم محيط، فالناس يحترمونهم غالبا لما يتحلون به من حزم وأمانة عدا بعض الاستثناء الذي لا تخلو منه بيئة وعدا بعض الظروف التي يحتد فيها الخصام فتمنع شهادة الإباضية أو يحرمون من التجارة نتيجة وشايات منطلقها عقائدي غالبا.
فالملاحظ حينئذ أن هذه القضايا قد ينعكس أثرها أحيانا على البيئة لكنها تبقى في الغالب تظرية علمية في مستوى طبقة من العلماء تعرف كيف تتفاعل بنزاهة مع من يخالفها في مستوى الفهم لأنها تدرك أن الاجتهاد يمكن أن يفضي إلى الاختلاف في النتائج حتى داخل المدرسة نفسها.



بعد أن حددنا البعد الحضاري لقضية الرؤية يجدر بنا أن نستجلي قضية تجاوز فيها الجدال حد القلم إلى حد السياط والمحن ألا وهي قضية خلق القرآن.




كلام الله وخلق القرآن



تمهيد:


لقد وعدنا عند تحليل معاني الصفات الذاتية بأن نفرد فصلا خاصا لصفة الكلام (1) وذلك لربط علماء الأصول هذه القضية بموضوع خلق القرآن أو عدم خلقه.

والناظر في مختلف النصوص يتبين أن من المصادر ما هون من هذه القضية مثل تبغورين الملشوطي في قوله:" وإن كان بعض الناس يقولون مسألة حار فيها المتكلمون وإنما يحار فيها من قل فهمه وضاق صدره". (2)

واعترتها مصادر أخرى من معضلات علم الكلام مثل ابن تميمة(661- 728/ 1263- 1328) (3) حيث اعتبرها من المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض (4) وقد تجمع من فتاواه في هذه القضية مجلد ضم 62 صفحة.

وليت الأمر بقي معضلة نظرية كما هو الشأن بالنسبة إلى بقية القضايا ولم يتحول إلى محنة عملية عرفت بمحنة خلق القرآن. (5)



مفهوم الكلام والقرآن والخلق


الكلام: جاء في لسان العرب:" الكلام في أصل اللغة الأصوات المفيدة وعند المتكلمين : المعنى القائم الذي يعبر عنه بألفاظ في اصطلاح النحاة: الجملة المركبة المفيدة". (6)

ويقول ابن تيمية:" وقد تنازع الناس في مسمى الكلام في الأصل فقيل هو اسم اللفظ وقيل: لكل منهما بطريق الاشتراك اللفظي، وقيل: بل هو اسم عام لهما جميعا يتناولهما عند الإطلاق وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة هذا قول السلف وأئمة الفقهاء وإن كان هذا القول لا يعرف في كثير من الكتب". (7)


وقد أفرد الشهرستاني فصلا بعنوان:" في حقيقة الكلام الإنساني والنطق النفساني" حرص فيه على إثبات العلاقة الجوهرية بين ما يدور في النفس وبين المنطوق باللسان. (8)

وللقضية في رأينا صلة متينة من قضايا اللغة وهي علاقة الدال بالمدلول أو علاقة اللفظ بالمعنى وتندرج أيضا ضمن قضية فلسفية أي الأمرين أسبق الفكر أم اللغة؟

لا نريد أن نبحر في هذا الغرض لأنه يخرج بنا عن موضوعنا وإنما أحببنا أن نحدد الإطار الذي وضعت فيه قضية الكلام الإلهي. ومعلوم أن الخوض في شأنه كان أحد سببي تسمية العلم الذي عرف بعلم الكلام على حد تعبير ابن خلدون في المقدمة، " سموا مجموعه (9) علم الكلام: إما لما فيه من المناظرة على البدع وهي كلام صرف وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي". (10)

والمتأمل في مختلف وجهات النظر حول الكلام الإلهي يتبين أنها تعكس نظرة كل مفكر للكلام البشري فمن اعتبر أن اللفظ هو الأساس سهل عليه أن يقول بالخلق ومن اعتبر ما يجول في النفس هو الأساس أقر بعدم الخلق، ومن لم يقدم هذا على ذاك لم يقل لا بالخلق ولا بعدمه. وهناك من جمع بين الموقفين فقال بقدم المعنى وخلق اللفظ وقد استطاع ابن تيمية أن يحصر هذه المواقف في أربعة في النص الذي أوردناه قبل قليل.

كما يتبين كذلك أنها على صلة متينة بمواقف هذه الاتجاهات من صفات الله تعالى الذاتية منها والفعلية.

فالقائلون بأن الصفات الذاتية هي عين الذات اعتبروا الكلام مخلوقا حادثا والقائلون بأنها غير الذات اعتبروا الكلام غير مخلوق ومنهم من اعتبر الكلام صفة ذاتية من جهة نفي العجز وصفة فعلية من حيث الخلق.

واضح من خلال عرضنا لإطار هذه القضية العام أن المصادر الإباضية لم تهتم بتعريف الكلام لأنها تعتمد القواميس المعروفة. فلنحاول تعريف كلمتي " قرآن" و" خلق".

القرآن: إن المصادر الإباضية التي تخص المرحلة المقررة لم تهتم بالتعريف اللغوي، وإنما تنطلق مباشرة في عرض حجج القائلين بالقدم لترد عليها بحجج القائلين بالخلق.


والمتأمل في المصادر الإباضية اللاحقة يجد أن ناصر بن سالم الرواحي (11) اهتم بهذه القضية إلا أنه يكاد ينقل كل ما جاء في لسان العرب نقلا حرفيا.

وخلاصة ما في اللسان (12) تبين أننا أمام تفسرين أحدهما وهو الغالب يتمثل في الإلحاح على فكرة الجمع والضم وهذا التفسير اللغوي يواكب القائلين بخلق القرآن لأن الجمع والضم من خصائص ما هو مخلوق وثانيهما يتمثل في اعتبار أن لفظه القرآن غير مشتقة من قرأ وقد نسب هذا القول للشافعي (150- 204/ 767- 820) (13) وعبدالله بن كثير (45- 120/ 665- 738) (14) وهو تفسير يبدو أقرب إلى نفي الخلق عن القرآن.

والمهم حسب ما جاء في اللسان أن " القرآن" خص بالكتاب المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم فصار لـه كالعلم كما أن التوراة خص لما أنزل على موسى عليه السلام وكذلك الإنجيل خص لما أنزل على عيسى عليه السلام.

الخلق: يقول ناصر بن سالم الرواحي:" أصله التقدير المستقيم، وستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء، قال تعالى : خلق السموات والأرض ، (6 الأنعام 1) (15) . أي أبدعهما بدلالة قوله : بديع السموات والأرض ، (2 البقرة 117).

ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو : خلقكم من نفس واحدة ، (4 النساء 1) .

وما كان بمعنى الإبداع لا يكون إلا الله تعالى ولهذا فصل بين نفسه وبين غيره فقال سبحانه : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ، (16 النحل 17) ويكون ما كان بالاستحالة لغيره في بعض الأحوال كمعجزة عيسى عليه السلام.

والخلق لا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين أحدهما في معنى التقدير قال:( رجز).

ولأنت تفري ما خلقت **** وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

والثاني : في الكذب نحو قوله تعالى : وتخلقون إفكا ، (29 العنكبوت 17) .

فإن قيل : قول الله تعالى : فتبارك الله أحسن الخالقين ، (23 المؤمنون 14) . دليل على صحة وصفه غيره بالخلق. قيل: يمكن أنه أراد تعالى أحسن المدبرين أو تقديرا وتنزيلا على معتقدهم وزعمهم الكاذب أن غيره يشركه في الإبداع سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا فكأنه قيل فأحسب أن هناك مبدعين وموجدين فالله أحسنهم

إيجادا على ما يعتقدون كما قال تعالى : خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ، (13 الرعد 16).

وكل موضوع استعمل فيه الخلق لوصف الكلام فالمراد به الكذب وتمسك بهذا القول كثير ممن امتنعوا عن القول بخلق القرآن ولا حجة لهم فيه إلا التمحل". (16)

ونخلص من هذا النص إلى أن الخلق بمعنى الإيجاد والإبداع في حق الله تعالى سواء أكان من لا شيء أو من شيء والفرق واضح بين الخلق والاختلاق وحول معنى الإيجاد والإحداث ثار الجدل بين القائلين بنفي خلق القرآن والقائلين بخلقه فما هو موقف أو بالأحرى مواقف الإباضية من هذه القضية؟



الإباضية وخلق القرآن

لمحة تاريخية مع تحديد المواقف:

لم نجد الإشارة إلى " خلق القرآن" لا عند الصحابة ولا عند التابعين، فجابر بن زيد و أبو عبيدة والربيع ووائل بن أيوب شيوخ الإباضية على التوالي لم يتطرقوا لهذا الموضوع في ما نعلم.

لكن الكشف التاريخي يثبت أن الحضارة اليونانية والديانة اليهودية والمسيحية كلها خاضت في مثل هذه القضية من قبل. (17)

فهذا هيروقليطس قد فسر الكلمة بأنها القوة العاقلة المنبثة في جميع أنحاء الكون وليس العالم المرئي إلا جانبا رمزيا ظاهرا يختفي وراء الصنف الآخر من حقيقة هذا الكون. (18)

وفي الفلسفة الرواقية قد قصدوا بالعقل الكلي المدبر للكون وميزوا بين العقل الظاهر وبين العقل الكامن.

وقد أثرت هذه الفلسفات في الفكر المسيحي فأصبحت " الكلمة" الابن الأول في المسيحية والروح السارية في العالم وتشخصت في صورة المسيح. (19)

وللديانة اليهودية الكلمة " ممرا" التي نتج عنها وفقا للعهد القديم أفكار الخلق والوحي والعناية.


إن مثل هذه الأفكار تسربت تدريجيا إلى المحيط الإسلامي وفعلت فعلها ويبدوا أن الجعد بن درهم (120/ 737) وهو أول من روج الحديث في هذه القضية في المحيط الإسلامي (20) ثم تفشت شيئا فشيئا حتى بلغت أوجها مع المأمون.

ويبدو أن أول من تعرض للقضية في المحيط الإباضي ابن يزيد الفزاري (21) دون أن يكون لها أثر كبير في البيئة الإباضية.

ويورد أحمد الشماخي أن المعركة في شأن هذه القضية قد احتدت زمن المهنا بن جيفر (226- 236/ 841- 850) أحد أئمة عمان (22) . وكذلك أشار إلى نفس الحادثة أبو مهدي عيسى بن إسماعيل (23) وتتمثل في أن القضية دخيلة على إباضية عمان ومنطلقها من مدينة البصرة ذلك أن أبا شاكر الديصاني (24) ألقى بين الناس فكرة قدم القرآن، وما أن وصل صداها إلى عمان حتى ثارت فتنة بين علمائها وكادت تفضي إلى تصدع بينهم لولا أنهم اصطلحوا بسرعة على الوقوف على الإجمال وهو أن الله تعالى خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق وأن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد صلى الله عليه وسلم .

ويذكر البرادي وجود ثلاثة مواقف في عمان في القرن الثالث هجري التاسع ميلادي وهي:

1-القرآن كلام الله وليس بصفة.

2-القرآن كلام الله ووحيه للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مما يسع جهله.


3-رفض القول بخلق القرآن من التوقف فيمن يقول بذلك (25) ".


كما ينقل أبو مهدي (26) نصا عن الوارجلاني مفاده أن القضية ظلت خلافية في عمان إلى القرن السادس هجري/ 12 ميلادي، فمنهم من يقول بالقدم ومنهم من يقول بالحدوث ومنهم من يتوقف دون أن يقطع عذر هؤلاء ولا هؤلاء.

وممن يقولون بالقدم ابن النظر العماني (27) وقد أفرد قصيدة نونية في ديوان الدعائم (28) للدفاع عن هذا الموقف وتبرأ ممن يقولون بالخلق. (29)


هذا عن إباضية المشرق في قضية خلق القرآن أما عن إباضية المغرب فقد استقر عندهم رأي واحد من وقت مبكر مع رسالة الإمام أبي اليقظان الرستمي (231- 281/ 855- 894) (30) وقد استمر هؤلاء في الدفاع عن هذا المبدأ إلى يومنا هذا.

وهنا يجدر أن نلاحظ أن سجن أبي اليقظان كان زمن المتزكل أي عند رد الفعل على المعتزلة فالفكر الاعتزالي كان قد تبلور بعد، وكذلك ننبه إلى طرد سحنون علماء المعتزلة والاباضية وغيرهم من الفرق من جامع القيروان (31) ، فرسالة أبي اليقظان حينئذ جاءت رد فعل على العباسيين والأغالبة في نفس الوقت، وأقرت خلق القرآن انطلاقا من حجج اعتزالية فلا شك حينئذ في تأثر الاباضية بالمعتزلة في هذه القضية لكن مع شيء من التصرف كما سنبين ذلك في إبانه.

وحاصل القول إننا إن تبينا أن الإباضية تمسكوا برأي واحد في ما يتعلق بالقول باستحالة رؤية الله تعالى فإنهم وقفوا مواقف شتى من قضية خلق القرآن تتلخص في ما يلي:


1- الاكتفاء بالإجمال دون تفصيل: إن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق، وإن القرآن الكريم كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد صلى الله عليه وسلم .

2- القرآن كلام الله وليس صفة لا فعلية ولا ذاتية.

3- القرآن غير مخلوق.

4- القرآن مخلوق.

5ـ الوقوف في القضية دون قطع عذر القائلين بالقدم أو بالخلق.


وواضح من خلال النظر في النصوص أن الموقف الذي غلب على جمهور الإباضية وبصفة خاصة بالمغرب، وهذا محور بحثنا وبصفة أخص في القرون التي تعنينا، هو القول بخلق القرآن إذ كل من الشماخي والسدويكشي والمحشي والتلاتي والمصعبي وأبي مهدي وغيرهم جاءت مصنفاتهم ترد على من يقول بالقدم، وتدعم القول بالخلق فما هي الحجج المعتمدة في هذا الشأن؟




حجج علماء الإباضية القائلين بخلق القرآن:


إن هذه القضية ترد دائما في سياقات جدلية يختلط فيها الاحتجاج بالردود على من يقول بالقدم لذلك رأينا من الأصلح أن نفصل بينهما ليكون العرض أكثر وضوحا فنبدأ بذكر حجج الإباضية على خلق القرآن.




الحجج العقلية:


1) إن القرآن يتكون من حروف، وحركات وأصوات مقطعة وآيات محكمة ومتشابهة وناسخ ومنسوخ وأجزاء وأحزاب الخ كل هذا من علامات الحادث (32) .

2) لا يمكن أن يعتبر القرآن صفة لله لأن هذا يحتاج إلى وحي صريح أو توقيف وهذا غير موجود (33) .

3) اعتبار القرآن هو الله يجعل أصحابه من اليعقوبية (34) .

4) القرآن شيء غير الله عز وجل فلو قيل بقدمه بطلت الوحدانية في القدم لأنه يلزم حينئذ وجود قديمين (35) .

وقد نقل أبو مهدي نصا من رسالة أبي يقضان جاء فيه ما يلي: " اجتمعت الأمة على أن القرآن كلام الله ولا يخلو هذا الكلام من أن يكون شيئا أو ليس بشيء فإن كان ليس بشيء فإنه اختلف فيه المختلفون وليس ثم شيء يختلف فيه المختلفون وينازع فيه متنازع ولو صح أنه ليس بشيء لبطل أن تكون رسل الله جاءت بشيء وأن الله عز وجل أنزل على أنبيائه شيئا ولبطل أن يكون ثم توراة أو إنجيل أو فرقان فثبت أن كلام الله شيء" (36) .

5) " بما أن المحدث لا يكون إلا بمحدث فلا كلام بدون متكلم مختلف عن المتكلم" (37) .

6) " ومما يدل على أن الكلام من الله حدث وأنه غيره أنه جائز أن يقال متى كلم الله موسى، ولم كلم الله موسى؟ فيقال: ليفضله بكلامه ويحتج به على خلقه، ولا يجوز أن يقال: لم قدر الله على موسى كما جاز أن يقال لم كلم الله موسى، ولا يجوز أن يقال متى علم الله موسى ولا متى قدر الله على موسى، وجائز أن يقال لم كلمه ومتى كلمه، ولا يجوز أن يقال لم يزل يكلمه كما يجوز أن يقال لم كلمه ومتى كلمه، ولا كما يقال لم يزل يكلمه كما يجوز أن يقال لم يزل يعلمه ويقدر عليه وكما يجوز أن يقال لم رضي الله على نبيه فيقال لأنه أطاعه ويقال لم غضب الله على أعدائه فيقال لأنهم عصوه فدخل الكلام في باب الفعل". (38)

7) الدليل على خلق القرآن خلق الإنسان:" قال أبو القاسم رحمه الله: فإن قال ما الدليل على خلق القرآن؟ قلنا هو الدليل على خلقك أنت أيها السائل. فإن كان القرآن غير مخلوق فأنت أيضا غير مخلوق وإلا فجميع آثار الصنعة الموجودة فيك الدالة على خلقك موجودة فيه دالة على خلقه". (39)


الأدلة النقلية

أدلة القرآن على أن القرآن مخلوق:


ـ أما الحدَث: فقوله تعالى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ، (21 الأنبياء 2) . ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ، (26 الشعراء 5) . فالقرآن ذكر والذكر محدَث ينتج القرآن محدَث، فإن الذكر هو القرآن لقوله تعالى : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ، (15 الحجر 6). فإن الذكر هو القرآن.


ـ وأما الجعل: فقوله تعالى : إنا جعلناه قرآنا عربيا ، (43 الزخرف 3). وقوله : ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ، (42 الشورى 52) . فالجعل بمعنى الخلق كما في قوله تعالى : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ، (10 يونس 67). وقوله : وجعل منها زوجها ، (7 الأعراف 189). وقوله : أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي ، (27 النمل 61). وفي أمثالها فلا فرق بين الجعلين... فالقرآن مجعول وكل مجعول متغير وكل متغير محدث ينتج القرآن محدث ". (40)


ويتمادى أبو مهدي على هذا النسق مع الصفات التالية: النزول، وقدرة الله على الذهاب به، والتشابه، والمماثلة، والتفصيل، والحفظ، والتلاوة، والتجزؤ، والتنويع الخ... ليبين أنها كلها تدل على الخلق إلى أن يقول: " ولو استقصينا الصفات لكل القلم، وأعقب السأم وفي هذا كفاية لمن أراد الله إرشاده لأن هذه الصفات لا تكون إلا للمخلوق، فلا يوصف الله بها لا حقيقة ولا مجازا لقوله تعالى : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، (42 الشورى11) . فلا يوصف الخالق بما يوصف به المخلوق ولا يوصف المخلوق بما يوصف به الخالق، فهذا القرآن الموصوف بهذه الصفات الدالة على خلقه لابد من محِدث وجاعِل ومنزل ومفصل له إلى غير ذلك من الأوصاف التي تقتضي هذه الصفات لابد أن يكون غيرها وقبلها وهما شيئان مختلفان، والأول هو المقدم وهو الجاعِل الخالِق القديم والثاني المجعول المخلوق الكائن بعد أن لم يكن" (41) .

من خلال هذه النصوص نتبين إلحاح الاباضية مثل المعتزلة على توجيه هذه الآيات إلى مفهوم الخلق ثم إلى جانب هذا بينت المصادر أن القرآن شيء.

- القرآن شيء:

يقول الله تعالى : ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء ، (6 الأنعام 102) . ولا دليل على استثناء القرآن فهو حينئذ شيء مخلوق.

وقد سئل بعض أصحاب هذا القول (خلق القرآن) عن القرآن هل هو مخلوق أو لا؟ فقال للسائل: سألتني عن الخالق أو المخلوق. فوجم الذي سأل وانقطع . (42)

الأدلة من الحديث (43) :

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بن كعب: أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال له أبي: آية الكرسي، فقال صلى الله عليه وسلم:" أبا المنذر إن لها لسانا وشفتين تقدس الله تعالى تحت العرش أفترون أنها تقدس خالقها . (44)

وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله خلق طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام" . (45)

وقال: "تعلموا البقرة وآل عمران فإن تعلمهما بركة ولا تستطيعهما المبطلة، وتعلموا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان...يظلان صاحبهما" (46) .

وقال أيضا: " يأتي القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب لونه. فيقول للتالين: أتعرفني؟ فيقول لا، فيقول له القرآن: أنا القرآن الذي أحييت به ليلك فيكون قائده إلى الجنة" . (47)

وروي عن علي ابن أبي طالب أنه قعد ذات يوم في ملأ من المهاجرين والأنصار في خلافة عمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم : أفضل القرآن خاتمة سورة براءة" : لقد جاءكم رسول ، (9 التوبة 129). وقال بعضهم: آخر سورة بني إسرائيل : قل ادعوا الله ، (17 الإسراء 110 ـ 111). وقال أفضل القرآن : يس. وقال بعضهم أفضل القرآن : السجدة . وعلي فيهم ساكن فقال له عمر رحمه الله : مالك يا أبا الحسن ساكن؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خير البشر آدم، وخير العرب أنا ولا فخر، وخير الفرس سلمان، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال، وخير الجبال الطور، وخير البقاع مكة، وخير الشجر السدرة، وأعظم القرآن البقرة آية الكرسي . (48)

ويختم أبو مهدي إيراده لهذه الأحاديث بقوله:" ومثل هذه الأحاديث كثير مما يدل على خلقه (القرآن) " (49) ويشير هنا إلى ورود عبارة الخلق صريحة في الحديث كما ينبه إلى معنى التفاضل ولا يكون إلا بين مخلوقين.

إن كان هذا مسلك الإباضية في الاحتجاج لموقفهم فكيف جاءت ردودهم على القائلين بالقدم؟



الرد على الفرق الأخرى:


قبل أن نورد مختلف الردود الواردة في المصادر الاباضية يحسن أن نعرف بمواقف الفرق التي كثر تردد ذكرها وهي على التوالي المعتزلة (50) ، الماتريدية ، الأشعرية، أصحاب الحديث، الحنابلة، الظاهرية، الشيعة.



مواقف الفرق الأخرى



المعتزلة وخلق القرآن

لقد لخص الأشعري جميع أقوال المعتزلة في خلق القرآن وهي كما يلي: (51)

1- يزعمون أن كلام الله جسم، وأنه مخلوق وأنه لا شيء إلا جسم.

2ـ يزعمون أن كلام الخلق عرض وهو حركة لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخلق جسم وأن ذلك الجسم صوت متقطع مؤلف مسموع، وهو فعل الله وخلقه وإنما يفعل الإنسان القراءة والقراءة الحركة، وهي غير القرآن وهذا قول النظام (52) وأصحابه.

وأحال النظام أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو في مكانين في وقت واحد وزعم أنه في المكان الذي خلقه الله فيه.

3- أبو الهذيل (53) وأصحابه يزعمون أن القرآن مخلوق لله وهو عرض ويوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد إذ تلاه تال فهو يوجد في تلاوته وكذلك إذا كتبه كاتب وجد مع كتابته، وكذلك إذا حفظه حافظ وجد مع حفظه، فهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال. وكذلك قوله في كلام الخلق إنه جائز وجوده في أماكن كثيرة في وقت واحد.



4- قول جعفر بن حرب (54) وأكثر البغداديين يزعمون أن كلام الله عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن يوجد في مكانين في وقت واحد، وزعموا أن المكان الذي خلقه الله فيه محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره.

5- قول أصحاب معمر (55) : يزعمون أن القرآن عرض والأعراض عندهم قسمان: قسم منها يفعله الأحياء وقسم منها يفعله الأموات ومحال أن يكون ما يفعله الأموات فعلا للأحياء والقرآن مفعول وهو عرض، ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله وزعموا أن القرآن فعل للمكان الذي يسمع منه، إن سمع من شجرة فهو فعل لها وحيثما سمع فهو فعل للمحل الذي حل فيه.

6ـ قول الإسكافي (56) يزعم أن كلام الله عرض مخلوق، وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد " (57)

فواضح أن المعتزلة وإن اختلفوا اختلافات جزئية فإنهم أجمعوا على أنه مخلوق وفي تقديم الزمخشري للكشاف أقوى دليل حيث يقول:" الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما ونزله بحسب المصالح منجما وجعله بالتحميد مفتتحا وبالاستعاذة مختتما وأوحاه على قسمين: متشابها ومحكما ، وفصّله وسور، وسورة آيات، وميز بينهن بفصول وغايات، وما هي إلا صفات مبتدأ مبتدع، وسمات منشإ مخترع، فسبحان من استأثر بالأوليات والقدم، ووسم كل شيء سواه بالحدوث عن العدم أنشأه كتابا ساطعا تبيانه قاطعا برهانه وحيا ناطقا ببينات وحجج قرآنا عربيا غير ذي عوج" (58) .


الماتريدية (59) :

إن كثير من منطلقات الماتريدية انبثقت عن أبي حنيفة وقد نسب لـه القولان أي بالقدم والخلق (60) إلا أن ابن حنبل نفى عن أبي حنيفة القول بالخلق (61) فماذا عن موقف أبي منصور؟

إنه يقرر أن الله متكلم وأن لـه كلاما في الحقيقة وإن اختلفت الآراء في ماهيته وكنهه بدليل اتفاق الأنبياء على ذلك، وبدليل اتصافه بصفات الكمال والكلام من أوكد الصفات إذ المخلوق لا يجوز أن يكون أكمل من خالقه.

وأثناء الاستدلال من القرآن نفهم أن الماتريدي يقر بالكلام النفسي إلا أنه ينكر سماعه وهو بهذا قريب من المعتزلة القائلين بأن الله خلق الكلام في الشجرة ولم يسمع موسى كلام الله حقيقة (62) والنظر في الكلام الإنساني يبين أنه مستويان:

- نفسي: وهو المعنى النفسي الذي يدور بخلد الإنسان وليس له صوت.

- بالصوت: وهو التعبير اللفظي عن الكلام النفسي.

واعتمادا على هذا الأساس اعتبر الماتريدية أن لله كلاما نفسيا وهو الصورة العلمية للكلام واستدلوا على ذلك بنصوص من القرآن والسنة، وعدوه صفة أزلية قديمة قائمة بالذات كما أثبتوا له كلاما لفظيا أساسه الأمر والنهي والخبر وعدوه حادثا مخلوقا لأن الألفاظ تقتضي بمجرد النطق بها.

فالماتريدية حينئذ يرون أن معاني القرآن قديمة ثابتة لدى الله تعالى ثم يخلق عليها من الدلالات مثل الكتب السماوية.


الأشعرية (63) :


لقد قسم الأشعري كلامه إلى قسمين كلام نفسي وكلام لفظي:

أما النفسي فهو قديم أزلي.

وأما اللفظي فيمكن أن يتغير باعتباره ما يسمع وما يكتب.

ويعتبر الأشعري أن الكلام صفة لله من صفات الذات، وما دام صفة فهو قديم (64) . وينقل محمد اطفيش عن الأشعري ما يلي:

" قال أبو الحسن الأشعري إمام الأشاعرة: الكلام صفة واحدة قائمة بذات الله تعالى ومع كونه واحدا هو توراة وزبور وإنجيل وقرآن وأمر ونهي وخبر واستخبار وهو زائد على الذات". (65)

يقول الرازي:" وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات " (66) .

وجاء في كتاب نهاية الإقدام:" فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات دون التعرض لصفة أخرى وراءها، وكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات دون التعرض لأمر وراءها فأبدع الأشعري قولا ثالثا وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازا لا حقيقة وهو عين الابتداع فهلا قد ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون

أن يتعرض لكيفيته وحقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين إلى غير ذلك من الصفات الخبرية" . (67)

فالمدرسة الأشعرية تتفق مع الماتريدية في إقرار الكلام النفسي واللفظي لكنهما تختلفان في جواز سماع الكلام النفسي فإن كان الماتريدية ينكرون سماعه فإن الأشعرية يقرون إمكان سماعه بناء على أن السماع يتعلق بكل موجود قياسا على الرؤية فإن كل موجود يصح أن يرى فالكلام النفسي موجود فيجوز عندئذ سماعه.


أصحاب الحديث وأهل السنة:


" ويقولون (أصحاب الحديث وأهل السنة) إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ، من قال باللفظ أو الوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق" (68) .

وأما السلف فقالوا:" لم يزل الله متكلما إن شاء وإن الكلام صفة كمال ومن تكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما إن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازما لذاته وليس له عليه قدرة ولا فيه مشيئة والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له ولا يكون الموصوف متكلما عالما قادرا إلا بما يقوم به الكلام والعلم والقدرة وإذا كان ذلك فمن لم يزل موصوفا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفا بها لو كان حدوثها ممكنا فكيف إ كان ممتنعا؟ فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا نعوت الجلال ومن أجلها الكلام، فلم يزل متكلما إذا شاء ولا يزال كذلك وهو يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن العربي وما تكلم الله به فهو قائم به ليس مخلوقا منفصلا عنه فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لأن الله تكلم بها" (69) .


الحنابلة :


" قال أحمد بن حنبل لرجل: ألست مخلوقا؟ قال بلى، قال أليس كلامك منك؟ قال بلى. قال أليس كلامك مخلوقا؟ قال: بلى فالله تعالى غير مخلوق وكلامه منه ليس بمخلوق" (70) .

وقالت الحنابلة ومنهم ابن تيمية: كلامه تعالى حروف وأصوات تقوم بذاته تعالى وإنه قديم وقد بالغوا في قدمه حتى زعم بعضهم أن الجلد والغلاف قديمان فكيف بالمصحف (71) .


وما بالهم قال الدّوّاني (72) لم يقولوا بقدم الكاتب والمجلد وصانع الغلاف.

وغلا بعضهم في ذلك فقال إن الحروف مطلقا سواء وقعت في كلام الله أو في كلام الآدميين قديمة، فحكمها في جميع المقولات لا يندرج تحت الخلق بل إنها من قبيل الكلام المنسوب إلى صفة البارئ تعالى وهو قادر على أن يتكلم بالصفة ويقول الحروف من غير أن يحتاج إلى الآلات والمخارج (73) .

وجاء في حوار بين الفخر الرازي وأحد الحنابلة ما يلي: " واتفق أني قلت يوما لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى. والثاني باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة.

ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام قال الواجب علينا أن نقر ونمرّ، يعني نقرّ بأن القرآن قديم ونمرّ على هذا الكلام وفق ما سمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل" (74) .

فالحنابلة حينئذ يقولون بالقدم على الإطلاق ولا يميزون بين اللفظ والمعنى في ذلك.


قول الظاهرية:



يقول ابن حزم: " والقرآن كلام الله وعلمه غير مخلوق. قال عز وجل : ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي الأمر ، (10 يونس19) . فأخبر عز وجل أن كلامه هو علمه وعلمه لم يزل غير مخلوق.

وهو المكتوب في المصاحف والمسموع من القارئ والمحفوظ في الصدور والذي نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كل ذلك كتاب الله تعالى وكلامه القرآن حقيقة لا مجازا من قال في شيء من هذا إنه ليس هو القرآن ولا هو كلام الله تعالى فقد كفر لخلاف الله تعالى ورسوله، وإجماع أهل الإسلام...

ولا يحل لأحد أن يصرف كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .... إلى المجاز عن الحقيقة بدعواه الكاذبة (75) ".

فالظاهرية يقولون حينئذ بالقدم أيضا.

الشيعة


أما الشيعة الإمامية والجعفرية والزيدية فيقولون بخلق كلام الله أي بخلق القرآن وقد أورد محمد علي ناصر تحليلا للقضية في كتاب أصول الدين الإسلامي (76) ورد على الأشاعرة في قولهم بالقدم وبالكلام النفسي وهاك خاتمة تحليله:

" ومجمل القول إنه تعالى متكلم بمعنى موجد الكلام وإن كلامه سواء كان بمعناه المصدري أو اسما لنفس الأصوات المشتملة على الحروف دالة على معنى صفات الفعل كالخالق والرازق من صفاته وما إلى ذلك وهو حادث والقول بقدمه مع قيامه بذات الله قياما حلوليا قول بتعدد القدماء وهو باطل فإذا كان القول بحدوثه يوجب الكفر كما ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وتلميذه أبو يوسف فالقول بقدمه أولى بإيجاب الكفر لأنه قول بتعدد القدماء وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين فلماذا يكفر القائل بخلق القرآن وحدوثه ولا يكفر من قال بقدمه مع استلزامه تعدد القدماء؟ (77) ".

فالشيعة حينئذ يقولون بخلق القرآن ويرفضون الكلام النفسي.

من خلال هذا العرض لآراء بعض الفرق الإسلامية في هذه القضية نتبين التباين الشاسع في ما بينها ومرد ذلك إلى اختلاف منطلقات هذه المدارس فهذه تغلب العقل والأخرى تغلب النقل، والثالثة تريد أن توفق بين الأمرين.

ومما يزيد القضية تعقيدا أنه لا وجود لنص صريح في القرآن والسنة (78) يفصل بين المتناظرين عدا ما جاء في القرآن مما اعتبر متشابها فتجاذبته المدارس كل نحو نزعتها.

وكل هذه التحاليل لها صلة متينة بموقف هذه الفرق من صفات الذات وصفات الفعل فماذا عن هذا الجدل حول الآيات المتعلقة بالموضوع وكيف جاءت ردود الإباضية على القائلين بخلق القرآن؟


الجدل حول الآيات المتعلقة بالكلام:


ـ قوله تعالى : وكلم الله موسى تكليما ، (4 نساء 164) (79) :

يقول يوسف المصعبي عند تفسير هذه الآية:" وقوله ت" تفسير الجلالين" بلا واسطة أي أن الله كلم موسى عليه السلام بدون واسطة.


أقول: استدلوا على ذلك بالتأكيد بالمصدر ورد بأن التأكيد بالمصدر إنما يرفع التجوز في نفس الفعل لا في الإسناد المسمى بالمجاز العقلي وهو المدعى ولا يرتفع إلا بالتأكيد بالنفس والعين". (80)

وينقل السدويكشي محاورة دارت بين أبي القاسم البرادي وبعض فقهاء المالكية في قابس كما يلي:

" وقد ذكر عمنا قاسم البرادي أنه التقى مع بعض فقهاء قومنا بقابس فتكلم معه في هذه المسألة إلى أن قال له: هل تعلم له شيئا من النحو؟ فقال له: شيئا طفيفا.

فقال له: مثل لي بالمصدر؟

فقال: قلت له ضربت ضربا، وكان قولك ضربت يحتمل الحقيقة والمجاز فلما قلت ضربا ارتفاع المجاز وبقيت الحقيقة.

فقال لـه المخالف: وكذلك لما قال الله تعالى: وكلم الله موسى تكليما ، احتمل الحقيقة والمجاز فلما قال تكليما ارتفع المجاز وبقيت الحقيقة (فالتزمه). وهو غلط فاحش لأن التأكيد بالمصدر إنما يرفع التجوز عن الفعل نفسه لا عن الفاعل.

فإن قلت قام زيد قياما فالأصل قام زيد قام زيد فإن أردت تأكيد الفاعل أتيت بالنفس.

وهاهنا إنما أكد الفعل ولو قصد تأكيد الفاعل لقال وكلم الله نفسه موسى فلا حجة إذن في الآية". (81)

كما يلح السدويكشي أيضا على أن الكلام كان بواسطة فيقول: " إن كلامه تعالى لموسى عليه السلام كان بواسطة كما كلم سائر أنبيائه وخص بأن كليم الله مثل ما خص إبراهيم بخليل الله وإن كان كل نبي خليل الله خلافا لما هو المعتقد عند غيرنا من أنه كلمه بدون واسطة....

ومعلوم أن الكلام إذا حمل على ظاهره يلزم التحديد المحض في قوله تعالى : فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ، ( 28 القصص 30) ". (82)

ويأتي محمد اطفيش فيقر نفس الموقف إلا أنه يزيده تحليلا مع ذكر بعض الإستشهادات (83) فالأساس عند الاباضية في فهم هذه الآية يتمثل في أن الله تعالى لا يمكن أن يكلم موسى إلا بواسطة إذ الكلام المباشر يفرض التحيز وهذا محال في حق الله تعالى ، فالله خلق الكلام في الشجرة أو عن طريق ملك، والاباضية في النهاية

يرجعون إلى تفويض الأمر لله تعالى وفي ذلك يقول أحمد الشماخي:" والحق أن سماع موسى عليه السلام كسماع الملائكة، كيف شاء الله أن يسمع". (84)

وما احتج به القائلون بالكلام المباشر من التأكيد اعتبر تأكيدا للفعل لا للفاعل لأن تأكيد الفاعل لا يكون إلا بعين أو نفس كأن تقول " كلم الله نفسه موسى تكليما". ومسلك التأويل واضح في هذا الرأي وذلك ليتماشى مع تنزيه الله تعالى. (85)

ـ وقوله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ، (9 التوبة 6):

أورد الرازي اعتماد المعتزلة على هذه الآية للاستدلال على أن كلام الله محدث وقول من ساهم الحشوية والحمقى من الناس الذين يثبتون قدم الحروف والأصوات ثم ناقش قول ابن فورك من الشافعية القائل: إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات فقد سمعنا كلام الله تعالى مبينا إنكار الشافعية له، ثم رد على المعتزلة مبينا أن ما خلقه الله من أصوات انقضى وما نسمعه من حروف وأصوات إنما هي من فعل الإنسان.

ثم أورد قول الجبائي الذي رفضه المعتزلة وهو كلام الله شيء مغاير للحروف والأصوات وهو باق مع قراءة كل قارئ (86) .

أما السدويكشي فقال : " وأما قوله : فأجره حتى يسمع كلام الله . وقوله : وكلم الله موسى تكليما ، (4 النساء 164).

فإن قلتم إن الكلام هو الذي أدرك السمع وصار السمع مفعولا وصار الكلام فاعلا فقد كذبتم القرآن واللسان الذي جاءت به هذه الشريعة لقوله تعالى : يسمع كلام الله ، فالكلام مفعول به والسمع فاعل لأن الكلام مسموع والسمع سامع لأنه هو الذي يسمع الكلام ويدركه ومستحيل أن يكون ما يدرك ليس بمخلوق ومفعول به وهذا ظاهر عند جميع العقلاء ممن يعرف اللسان الذي هو معيار هذا الشرع، عصمنا الله من أن يشبه علينا فنتبع أهواءنا بغير هدى منه.

وقالوا لهم أيضا إن السمع هو الذي بلغ الكلام وأدركه فمعلوم بالضرورة أن السمع مخلوق، ومعلوم بالضرورة أن المخلوق لا يدركه إلا المخلوق مثله مما لا يدفعه أحد في هذا المعنى" (87) .

ولم نعثر للمصعبي ولا للمحشي على تحليل على تحليل لهذه الآية (88) فيوسف المصعبي لم يتعرض ولو بالإشارة لهذه القضية عند تفسيره للآية ، وكما أنه لم يتعرض لها في حاشيته على كتاب أصول تبغورين . (89)


فالمهم حينئذ أن عبدالله السدويكشي عبر عن موقف الاباضية وانطلق في تبريره لفكرة الخلق من منطلق لغوي بحت فبما أن الكلام وقع عليه الفعل فهو مخلوق لأن هذا من شأن المخلوق ولأن القديم لا يمكن أن يقع عليه الفعل.

ـ وقوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول لـه كن فيكون ، (16 النحل 40):

لم نعثر على تفسير متكامل لهذه الآية في مصادر المرحلة المقررة (90) لذلك استعنا بما ورد فيها عند محمد اطفيش لأنه ألم بها إلماما شاملا وهذا نص كلامه:" قيل كيف يكون القرآن حادثا مخلوقا وفيه الكلمة الأزلية التي بها خلق الخلق، فلو كان " كن" مخلوقا يخلق به غيره لاحتاج إلى قول آخر يخلق به كن فيتسلسل وإن قال بالانقطاع بلا تسلسل فمن أول الأمر بغير لفظ كن.

قلنا:" معنى توجه الإرادة الأزلية إلى إيجاد شيء لأوانه ولا لفظ هناك.

ثم إذا صار القائل إلى ذلك فالاحتجاج باسم الله إذ ذكر في القرآن أولي فيقول كيف يذكر الله وهو قديم في القرآن وهو حادث مخلوق فما الفرق إلا قديم؟

قلنا: ذكر الشيء غير نفس الشيء وأيضا، فلم يذكر في القرآن وهو موجود ما مضى وما سيكون وهذا الاحتجاج كاللعب.

ومن العجيب أنه لا يصح الخطاب إلا لموجود والمعدوم لا يخاطب فكيف يخاطب الله المعدوم بكن، كيف يخاطب مالا يفهم لأنه معدوم، وخطاب المعدوم عبث عند جميع أهل العقول.

فمعنى كن الإيجاد بسرعة بلا توقف على شيء فكن قول فعل لا قول خطاب، وكيف يقول عاقل إن الله لا يخلق شيئا إلا بعد أن يستعين عليه بقول كن والله لا يعجز ولا تلحقه مشقة". (91)

ويرد الاباضية على من اعتبر كلمة " الحق" بمعنى كن في قوله تعالى : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ، (46 الأحقاف 3) . وقوله : ما خلقناهما إلا بالحق ، (44 الدخان 39) . وقوله : وخلق الله السماوات والأرض بالحق ، (29 العنكبوت 44). بأن معنى الحق بالصواب والحكمة لا بالباطل والعبث بل لإظهار القدرة والتكليف وأما كن فتمثيل لسرعة وقوع ما توجهت إرادته تعالى إلى خلقه لا ببطء ولا تكلف (92) .


ويرد الرازي على من اعتبروا هذه الآية دليلا على قدم القرآن بما يلي:

1- إذا لا تفيد التكرار، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل.

2- هذا القول يلزم أن تكون "كن" قديمة وهذا باطل لأنها مركبة.

3- إن الرجل إذا قال إن فلانا لا يقدم على قول ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلا لا يقول إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن تكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه.

4- إن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجود:

أ ـ أن قول الله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه ، يقتضي كون القول واقعا بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث.

ب- أنه علق القول بكلمة إذا ولا شك أن لفظه " إذا" تدخل للاستقبال.

ج- أن قوله:( أن نقول له) لا خلاف أن ذلك ينبئ عن الاستقبال.

د ـ أن قوله : كن فيكون ، يدل على أن حدوث الكون حاصل عقب قول " كن" فتكون كلمة " كن" متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا.

هـ ـ أنه معارض بقوله تعالى : وكان أمر الله مفعولا ، (4 النساء47 ـ 33 الأحزاب 37) . وكان أمر الله قدرا مقدورا ، (33 الأحزاب 38) . الله نزل أحسن الحديث ، (39 الزمر 23) . فليأتوا بحديث مثله ، (52 الطور34) . ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ، (46 الأحقاف 12).


فإن قيل: فهب أن الآية لا تدل على قدم الكلام ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب؟

قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات ونحن نقول بكونه محدثا مخلوقا والله أعلم (93) ".

إن المتأمل في ما جاء به محمد اطفيش من حجج وما استعنا به من قول الرازي الذي يوافق قول الاباضية بأن الآية تدل على الحدوث وإن كان يقصر ذلك الكلام

المسموع يتبين لمَ لمْ يقف علماء هذه المرحلة عند هذه الآية في هذا السياق من الاحتجاج فهي تأتي في درجة ثانية للاستدلال بالنسبة إلى الآيات التي ذكر فيها الكلام صراحة.

وقد حرص محمد اطفيش على توضيح موقف الاباضية في هذا الشأن وميز بين ما سماه قول الفعل وقول الخطاب فكن حينئذ هي قول فعل لا يحتاج معها إلى الاستعانة بقول خطاب.

ـ قولـه تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ، (42 الشورى 51).

ينقل يوسف المصعبي في شأن هذه الآية ما يلي:

" وقد تعرض في شرح النونية (94) لتفسير هذه الآية أعني قوله تعالى:( وما كان لبشر...) وحاصل ما يؤخذ منه تقلا عن بعض أهل التفسير أن الوحي على وجهين وهما: إلهام ، ووحي أرسال، والثاني فيه قسمان لأنه ربما ظهر جبريل عليه السلام للرسول، وربما أسمع جبريل الرسول الوحي من غير أن يرى صورته وتنزيل الآية على هذه الأقسام الثلاثة وإن كان خلاف الظاهر، لكن يجب ارتكابه لما في الحمل على الظاهر من المحذور" (95) .

وإن لم تقف المصادر الإباضية في المرحلة المقررة طويلا عند هذه الآية التي اعتمدها القائلون بالقدم (96) فإن ما نقله يوسف المصعبي عن اسماعيل الجيطالي يدل دلالة واضحة على رفض الإباضية كل ما من شأنه أن يوحي بالتجسيم ولذلك عمدوا إلى التأويل مع إحساسهم أنه خلاف الظاهر.

ـ وقوله تعالى: إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ، (56 الواقعة 78) . يقول أحمد الشماخي في شأن هذه الآية ما يلي:

" قولك: كتاب مكنون " إنه مصون اتفاقا".

أقول: قال بعضهم محظوظ أي مصون عند الله أو محفوظ عن الباطل.

قولك: وهو اللوح المحفوظ والتوراة والإنجيل والزبور والقرآن.

أقول: لم أعثر على أن أحدا من المفسرين فسر الكتاب المكنون بمجموع اللوح المحفوظ والتوراة والإنجيل والزبور ولا من فسره بالتوراة وحده ولا بالإنجيل ولا

بالزبور غيرك ولا يسوغه العقل ولا يقبله الفهم لأن القرآن ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور بل هو اللوح أو كتاب في السماء على قول ابن عباس.

وفي الآية أدلة على أنه مخلوق:

أقسم الله على أنه في كتاب مكنون أي اللوح وضمير يمسه أي المصحف أي لا يمس المكتوب فيه أي لا ينبغي أن يمس المكتوب منه إلا المقربون وأن المكتوب منه قرآن، ووصفه بأنه تنزيل للمبالغة أي منزل من رب العالمين ووصف بالمصدر لأنه نزل نجوما فكان نفسه تنزيلا فكان اسم له يقال جاء في التنزيل ونطلق عليه التنزيل وسماه حديثا". (97)

فأحمد الشماخي حول النقاش بسرعة إلى ما يدعم معتقده واتخذ الآية دليلا على أن القرآن مخلوق اعتمادا على ما رأينا في ما سبق من أدلة الإباضية على أنه منزل ومكتوب وما إلى ذلك.

ـ قوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، (17 الإسراء 88):

لقد اعتمد يوسف المصعبي قول الزمخشري في تفسير هذه الآية فنقله حرفيا ونصه كما يلي:"...والعجب من زعمهم أن القرآن قديم مع اعترافهم بأنه معجز وإنما يكون المعجز حيث تكون القدرة فيقال: الله قادر على خلق الأجسام والعباد عاجزون عنه، وأما المحال الذي لا مجال فيه للقدرة ولا مدخل لها فيه كتأتي القديم فلا يقال للفاعل قد عجز عنه ولا هو معجز ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال إلا أن يكابروا فيقولون هو قادر على المحال، فإن رأس مالهم المكابرة وقلب الحقائق" (98) .

ثم جاء محمد اطفيش في ما بعد فقرر في شأن هذه الآية ما يلي:" واستدلوا بهذه الآية على قدم القرآن بدليل أنهم لا يأتون بمثله لكونه صفة ذات ولا قدرة لأحد على خلقها وليست مما يحدث فهو كقوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ، (21 الأنبياء 22) . فإنه لا يمكن تعدد الإله.

قلت: الآية في الإعجاز بالفصاحة والبلاغة والإخبار بالغيوب وغير ذلك مما يرجع إلى الألفاظ ومعانيها، وما يتعلق بالقرآن من جنس الكلام المخلوق إلا أنه لم يخلق الله كلاما مثله ولا أقدر أحدا على النطق بمثله فليس من باب نفي تعدد الإله" (99) .

فالمصعبي حينئذ وجد عند الزمخشري أحسن مستند فتبنى موقفه الذي يقوم على استنتاج منطقي أساسه أن التعجيز لا يمكن أن يتعلق بالقديم أما محمد اطفيش فبين أن موضوع الآية بلاغي بحت.

ـ قوله تعالى : الرحمن علم القرآن خلق الإنسان ، (55 الرحمن 1 ـ 2 )

لم نجد في ما اطلعنا عليه من مصادر المرحلة المقررة تحليلا للآية لذلك نعتمد ما جاء عند محمد اطفيش في ما بعد وهو يقول:" استدلوا بها( حيث قالوا) فأخبر بتعليم القرآن وبخلق الإنسان ولولا أن القرآن قديم لقال خلق القرآن والإنسان.

قلنا: لله أن يخبر بما يشاء أخبر هنا بتعليم القرآن امتنانا وذكرا للنعمة، وكذلك قال: ذلك أمر الله أنزلـه إليكم ، (65 الطلاق 5) . ولم يقل خلقه. قلنا: لا يلزم ألا يكون مخلوقا كل ما يذكره بالخلق وإنما أراد أنه أنزل إليكم معاني القرآن بألفاظ القرآن وذاته وصفته لا تنزل وكذا إذا قضينا إلى موسى الأمر ، (28 القصص 44) . لا يلزم أن يكون مخلوقا لما قال قضينا ولم يقل خلقنا وله أن يذكر المخلوق بما شاء من خلق ومن غير خلق" (100) .

يتبين أن محمد اطفيش اعتبر أن صيغة علم القرآن لا تكفي للدلالة على القدم لأنها وردت هنا بمعنى الامتنان وذكر النعمة وسلك مسلكا مقارنا مع آية أخرى ليوضح أنه لا يلزم ألا يكون مخلوقا كل ما لم يذكره بالخلق.

ـ قول الله تعالى : ألا له الخلق والأمر ، (7 الأعراف 54)

يستدل القائلون بالقدم بالآية كما يلي:

" قال الخلق والأمر ثابتان جميعا له وعزل الخلق عن الأمر، فالخلق كله غير الأمر والأمر القرآن وهو خارج عن الخلق... ولو كان الخلق شاملا لكلامه لقال : ألا له الخلق ، ولم يذكر الأمر قال الله تعالى : ذلك أمر الله أنزله إليكم ، ( 65 الطلاق 5) " (101) .


ويجيب القائلون بالخلق:

قلنا: الأمر القضاء والتصرف في الكائنات وتصرفه فعل منه خلق ومنه إفناء والقرآن داخل في الخلق أو الأمر . القرآن داخل في الخلق وخصه بالذكر لمزيته.

وقد قال تعالى : وكان أمر الله قدرا مقدورا ، (33 الأحزاب 38) . فهل هذا الأمر القرآن أيضا فإن كان فقد جعله مقدورا فهو مخلوق وإن جعله غير القرآن فلماذا يجعل تارة

الأمر القرآن وتارة غير القرآن تحكما بلا مرجح لتفسيره بالقرآن في قوله تعالى : ألا له الخلق والأمر " (102) .

فاتضح حينئذ أن استدلال الإباضية مستوحى من التحليل الاعتزالي إذ بين أن الخلق داخل في الأمر وإنما خص بالذكر لمزيته.

ـ قولـه تعالى : ما نفدت كلمات الله ، (31 لقمان 27) . وقوله أيضا عن عيسى عليه السلام : وكلمته ألقاها إلى مريم ، (4 النساء 171) :

أليس القرآن قسما من الكلمات والكلمات قديمة ويرد محمد اطفيش باعتبار الكلمات بمعنى العلم (103) وباعتبار أن كلمة بالنسبة إلى عيسى تعني وجد بقوله "كن" أي بتوجيه الإرادة الإلهية إلى وجوده ويورد مناظرة بين مسلم ونصراني أفضت إلى استحالة اعتبار الكلمة قديمة لأن ذلك يفضي إلى أن الله تعالى يتجزأ وذاك محال، والدليل قوله تعالى : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، ( 45 الجاثية 13) . حيث تفيد منه من خلقه (104) . وهذا ما أقره الرازي (105) والزمخشري (106) إذ اعتبرا أن الكلمة بمعنى الأمر أي إيجاد عيسى من غير واسطة أب ولا نطفة.

وما أوردت هذا التحليل إلا لإتمام المعنى لأن مصادر المرحلة المقررة لم تقف عند هذه المعاني في ما اطلعنا عليه ولعلها أشارت إلى ذلك في ما لم يقع بين أيدينا من المصادر. والمدار على أن ما ذكرناه يتماشى واعتماد التأويل والإباضية موقفهم صريح في هذا الشأن كما بينا ذلك في ما سبق.

وقبل أن نصل إلى مرحلة الاستنتاج يحسن أن نقف عند قضيتين الأولى: ما عبر عنه بالعلاقة بين الحكاية والمحكي. والثانية ما عبر عنه بالكلام النفسي.