الرد على من يفرق بين الحكاية والمحكي:

قال أبو مهدي (107) :" لا يقال إن هذه الصفات (التفصيل، الجعل، الحفظ...) التي سردتها وأثبتتها بالأدلة إنما هي عبارة وحكاية عن القرآن فتكون الحكاية مخلوقة والمحكي غير مخلوق لأنا نقول لا تخلو الحكاية من أن تكون موافقة أو مخالفة له، فإن كانت موافقة له لزم خلاف المعقول بأن يكون شيئان متساويان مختلفين في الخلق وعدمه بأن يكون أحدهما مخلوقا والآخر غير مخلوق والقاعدة أن ما جاز على النظير جاز على نظيره فهل هذه إلا تفاهة.

وإن كانت مخالفة فذلك خروج على لسان العرب وأئمة اللغة لأنها حكاية مماثلة له ومعبرة عنه ونقل بالمعنى فلو صح أن تكون مخالفة للزم التناقض فتحكي الخبر الصادق فيكون كاذبا، والخبر الكاذب فيكون صادقا، والمدح ذما، والذم مدحا، والقرآن شعرا، والشعر قرآنا إلى غير ذلك من الأشياء المتناقضة لتجويز المخالفة بين الحكاية والمحكي فلا ينبغي أن يكذب بخبر ولا مخبر، ولا تنكر حكاية ولا مقالة فعلى هذا كيف يكون الصدق صدقا والكذب كذبا، بل يكون الصدق كذبا والكذب صدقا فهذا هو الحال ولا يقول به عاقل فضلا عن فاضل فلما بطل هذا صح أن الحكاية لا تكون خلاف المحكي فإن كانت الحكاية مخلوقة محدثة مجعولة في سائر أوصافها مما ثبت بتلك الأدلة (108) فالمحكي أيضا كذلك.

وأيضا إن كانت الحكاية غير المحكي فما هو القرآن الحكاية أم المحكي؟

فإن كان القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم هو هذه الحكاية فهو إذن مخلوق إذ هو محل النزاع وهو الذي قال الله (فيه) : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ، (75 القيامة 18) . وقال : نزل به الروح الأمين على قلبك ، (26 الشعراء 193).

وإن كان القرآن هو المحكي القائم بذاته تعالى وهو لم ينزل فقد ظاهوا بقولهم هذا قول من قال : ما أنزل الله على بشر من شيء ، (6 الأنعام 91) . وهذا مخالف للإجماع...

وأيضا لو كانت الحكاية غير المحكي لكان النبي قد أتى بخلاف ما أتى به جبريل وما أتى جبريل خلاف ما نقله عن مكائيل، وما أتى به مكائيل خلاف ما نقله إسرافيل، فيكون كل واحد منهم أتى بخلاف ما أتى به غيره وإلا فكيف يجوز في الشيء مالا يجوز في مثله، وهل هذا إلا تجاهل.

وأيضا لو لم يكن هو القرآن وكان عبارة وحكاية لما صح التحدي والإعجاز بسورة منه ولجاز أن يعارض بعبارة مثل تلك العبارة لأنه كما جاز لمن أتى به التعبير عنه والحكاية يجوز لغيره الناكرين لما أتى به أن يعارضوه بعبارة وحكاية مثله، لكنهم استيقنوا أن تتساقط مقدرتهم دونهم ولم تظهر معجزتهم على أن يأتوا بمثله ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بدت بلاغة لكل ناطق وشقت غبار كل سابق ولم يتجاوز الحد الخارج من قوى الفصحاء ولم يقع وراء مطامع أعين البصراء إلا أنه ليس بكلام البشر وأنه كلام خالق القوى والقدر فهؤلاء المقرون منهم اعتقدوا أنه كلام الله ولم يرتكبوا هذا التأويل الفاسد لما تكرر ذكره في القرآن في أربعة وخمسين موضعا على ما ذكر ابن عطية تأويل ما ذكر ليس بسديد والتأويل لا يصار إليه إلا إذا وجدوا ما يمنع الظواهر ويحيلها.

وأيضا هذه العبارة هل هي القرآن أم غيره؟

فإن قلتم إنها ليست بالقرآن فهل هي قديمة أم محدثة؟ فإن قلتم إنها قديمة فقد أثبتم القدم لغير القرآن الذي قلتم إنه كلام الله وإنه قديم أزلي.

وإن قلتم هي القرآن وإنها قديمة فقد رددتم على الآية والأدلة التي دلت على حدوثها وهي التي تقدم ذكرها.

وإن قلتم إنها هي القرآن وإنها محدثة فقد أقررتم بما أنكرتم أولا ورجعتم إلى الحق والصواب" (109) .

وقد نقلنا هذا التحليل بأكمله لنتبين أن جل ما جاء في الموضوع كان تابعا لنقطة الانطلاق أي رسالة أبي اليقظان إلا أن الأمر لم يخل من بعض الإضافات التي تدعم الموقف ذلك الاستشهاد بما ذكره ابن عطية.

والمتأمل في هذا النص، يدرك أن منطقه لغوي بحت إذ عبر بعبارتي الحكاية والمحكي، والحقيقة هي اللفظ والمعنى، والتحليل بني على أساس ألا سبيل إلى الفصل بين الدال والمدلول بينما يفصل بينهما بعض القائلين بالقدم مثل الرازي حيث يعتبر أن المعنى أو المعنى النفسي قديم وأن اللفظ محدث وهذا منهجه دائما في الرد على المعتزلة وهذا أيضا موقف من مواقف الإباضية وإن لم يعبروا عنه بهذه الصيغة وإنما قالوا الكلام صفة ذات من حيث إن الله ليس بأخرس فهو صفة فعل من جهة أن الله خالق كلامه.


موقف الإباضية من الكلام النفسي:

لقد حلل يوسف المصعبي هذه القضية تحليلا متكاملا وقد استفاد مما جاء في الموضوع عند غير الاباضية وعند الاباضية وقد سبقه في ذلك أبو يعقوب الورارجلاني لذلك وسننطلق من تحليل الوارجلاني لنبين ما أضافه المصعبي وعمله من صلب هذا البحث.

يقول أبو يعقوب الوارجلاني:" فإن عورضنا"، وقال: " إذا جعلتم القول في النفس من غير صوت فقولوا في الكلام كذلك فهذا دليل على أن الكلام كلام الله عز وجل صفة له في ذاته أزلية. قلنا: لابد في الكلام والقول من نظم الحروف فيتعدى ذلك النفس فإن لم تكن حروف ولا نظم كان ذلك علما، والعلم اعتقاد في النفس والكلام والقول معنى جاوز النفس إلى نظم الحروف المعنوية فهذا الفرق بين العلم وبين الكلام في النفس وبين القول أيضا، ولابد من معنى زائد على العلم وهو تصوير

المعنى في النفوس وهذا الزائد هو القول ويكون بغير صوت، ولا يتوجه إلى الغير" (110) .

وينقل يوسف المصعبي ما جاء في رد أحمد الشماخي على صولة الغدامسي وهاك نصه:" قوله (الغدامسي): المعنى النفسي صفة غير العلم والإرادة.

قلت:( احمد الشماخي):" دعوى مجردة عن الدليل لأن ما في النفس:

- إما العلم سواء تعلق بمفرد ويسمى معرفة وتصورا ويدخل فيه الشك والوهم لأنه تصور النسبة بغير حكم أو تعلق بمركب ويسمى تصديقا واعتقادا ويدخل فيه الظن والاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع ويدخل في التصور العلم بالألفاظ أي حفظها وأنها وضعت لكذا من المعاني.

- وإما الفكر: وهو ترتيب المعاني في النفس على وجه مخصوص والقدرة عليها تسمى القوة المفكرة وإرادة شيء من الأفعال فليس في النفس إلا هذه الأوجه ومن ادعى غيرها فعليه البيان" (111) .

كما ينقل عن عبدالله بن محمد النزوي العماني (112) ما يلي:" ثبت أن القرآن من علم الله عز وجل لم يزل عالما ولم يزل متكلما وأن علمه وكلامه من صفاته الذاتية وأنهما ليسا بمحدثين مع عدم الجوارح من الكلام والعلم والسمع...." (113) .

ثم يختم المصعبي بموقفه الخاص فيقول:" فعلى ما يفهم... من صريح كلام بعض المشارقة (114) لا يبقى نزاع إلا في اللفظ والاعتبار بخلاف ما هو المشهور عن القوم من إثبات الكلام النفسي غير العلمي فإن الخلاف حينئذ حقيقي ولكن لا دليل لهم على إثباته مع ما يلزم من الفساد..." (115) .

فموقف الاباضية حينئذ يتمثل في رفض الكلام النفسي إلا أنهم اعتبروا الأزلية متمثلة في العلم أو في ما عبروا عنه بقولهم: كلامه صفة ذات من جهة وكل ذلك رغبة منهم في الابتعاد عن تشبيه الغائب بالشاهد لأن ذلك يوحي بشيء من التجسيم والتشبيه.

وبعد أن حددنا مفهوم القرآن والكلام، وضبطنا مواقف جل الفرق في هذه القضايا وعرضنا أدلة الإباضية والنقلية على أن القرآن مخلوق وإن كان البعض منهم يرى غير ذلك، يجدر أن نخلص إلى الحوصلة التالية وفيها نتبين بعد القضية الحضاري:


1- إن اختلاف المنطلقات الأساسية كلف علماء الأصول عناء كبيرا في هذه القضية، وأبرزها وجهة نظر كل فرقة إلى صفات البارئ سبحانه وتعالى ولذلك كثيرا ما يكون الجدل مفتعلا من البداية.

2- إن هذه القضية ظلت تتأرجح بين ثلاثة أسس: الأساس البلاغي، والأساس الفلسفي، والأساس العقائدي.

أ) أما بالنسبة إلى الأساس البلاغي، وهو أبرز المحاور لأن معجزة القرآن في بلاغته قبل كل شيء، فالقضية تتمثل في علاقة اللفظ بالمعنى فمن ربط بينهما قال بقدم المعنى مع اختلاف في أنه كلام نفسي أو علم وبحدوث اللفظ. وقد جاءت أثناء الجدل عبارات الدال والمدلول والحكاية والمحكي وكذلك النظم وكل فرقة تجاذبت هذه العلاقة حسب تصورها الخاص داخل نظامها الفكري الذي تبنته حتى لا يقع تضارب بين عناصر ذلك النظام.

وأثيرت قضية أقسام الكلام بين الإنشاء والخبر، أو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، فإن صح القدم في الخبر فإنه لا يصح في الأمر إذ لا يجوز آمر بدون مأمور.

والملاحظ في كثير من مواطن الجدل أنك تخال أنك مع درس في البلاغة بعيدا عن الأصول لكن تدرك بعد حين أن البلاغة خادمة للغرض.

ب) أما الأساس الفلسفي- إن صح التعبير- فيتضح في قضية الكلام النفسي فالقائلون بالقدم انطلقوا من نصوص من القرآن والحديث واللغة ورأوا أن ما يدور في النفس من المعاني يمكن أن يعتبر كلاما بدليل ما يحدث في النفس من حوار داخلي واتخاذ مواقف وما إلى ذلك إلا أن المنكرين للكلام النفسي اعتبروا أن كل ذلك من باب العلم وانعكس هذا المفهوم البشري على الكلام الإلهي، فالله أيضا له كلام نفسي ويذهب هؤلاء إلى أنه يمكن أن يسمع وإن رأى آخرون أنه لا يمكن أن يسمع. فالقضية حينئذ فلسفية نظرية ولا يمكن أن تحل بموقف واحد بل لابد من أن تتعدد فيها المواقف فلا عجب إذا لاحظنا ذلك التشعب الجزئي أحيانا والكلي أحيانا أخرى.

والقضية ليست تجريبية حتى في المستوى البشري فكيف بها في المستوى الغيبي.

ج)أما الأساس العقائدي فيتمثل في محاولة إدراك كنه كلام الله تعالى لأنه عليه مدار العمل ومدار الجزاء ولذلك يتحول الجدل في هذه القضية إلى أنه تكفر الفرق بعضها البعض، ولا تسامح في مثل هذه القضايا الأصولية وما منحه القائلين بالقدم مع المأمون أولا ثم القائلين بالخلق في ما بعد إلا صورة

لارتباط العقيدة بالواقع المعاش ومدار كل الفرق أساسه الحرص على تنزيه الله تعالى ونسبة جميع صفات الكمال إليه، ولذلك لم يختلفوا في نسبة الكلام إلى الله وإنما اختلفوا في نوعية هذا الكلام وفي قدمه وحدوثه. وما دام القرآن قسما من كلام الله تعالى فقد انصب الجدل حوله وإن كانت الإشارات كثيرة إلى بقية الوحي الإلهي ولعل أكثرها كان يدور حول كلام الله لموسى عليه السلام ونحن نعلم أنه كليم الله.

وفي النهاية فالقرآن كلام الله قديم عند البعض معنى ولفظا ومحدث عند آخرين معنى ولفظا وقديم المعنى محدث اللفظ عند جماعة أخرى.

ومهما يكن أمر هذا الجدل فإن المسلمين لا يختلفون في أن القرآن هدى للمتقين فاستمدوا منه عقيدتهم وعبادتهم ومعاملاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.

أما عن النصوص الإباضية فالغالب عليها بعد مناظرة بقية الفرق والتعايش معها جنبا إلى جنب في نفس الإطار المكاني والزماني ما يلي:


1) الإطلاق العام في المختصرات:

- " وندين بأن الله خالق كلامه ووحيه، ومحدثه وجاعله ومنزله" (116) .

- " ليس منا من يقول: إن القرآن ليس بمخلوق" (117) .

2) التفصيل في الشروح.

كلام الله: - صفة ذات: من جهة أنه متكلم ليس بأخرس.

- صفة فعل: من حيث إنه خالق الكلام.

ويقول عبدالله السدويكشي في ذلك ما يلي:" وعندنا معشر الاباضية الوهبية أن كلام الله تعالى له معنيان:

الأول: أنه صفة ذاتية كالعلم والقدرة منافية للآفة مثل الخرس.

الثاني : أنه صفة فعلية بمعنى خلق الكلام حيث شاء.

فمعنى كونه متكلما على الأول أنه ليس بأخرس وعلى الثاني أنه خالق الكلام" (118)

وقد حلل أبو يعقوب الوارجلاني قضية نفي الخرس عن الله تعالى كما يلي:" فمن أين ارتباط الكلام بالحي لا ارتباط له به.

فإن قالوا لاستحالة حدوث الكلام لكان أخرس قبل حدوثه والخرس ضد الكلام ونقيضه .

قلنا وبالله التوفيق:" إن هذا الحكم وهذا التحكم لا يلزم لأنه يجوز أن يكون من لم يتكلم ساكتا لا أخرس ليس كالعلم لأن من لم يكن عالما فهو جاهل، ومن لم يكن قادرا كان عاجزا، ليس الخرس بنقيض الكلام، بل السكوت نقيضه (119) .

ويلزمهم أيضا أن الخلق معه لم يزل لأنه لو أحدث الله الخلق لكان قبل حدوثه عاجزا ويلزمهم أيضا أن يجعلوا الخلق من المعاني القديمة القائمة بالذات كالكلام ولعمري لهو أشبه بمذهبهم.

وإن لم يكن العجز بنقيض الخلق، فليس الخرس بنقيض الكلام غير أن الخرس زمانه لا يستقيم معه الكلام.

وكذلك العجز آفة لا يستقيم معه الخلق وهما منفيان عنه بالقدرة وقد يكون الحي ساكتا لا متكلما ولا أخرس. وهل يصح في الحي أن يكون غير عالم وأن يكون غير قادر أو مريد أو راض أو ساخط؟ فهاتيك مهما انخرمت منها صفة انخرمت الحياة وليس ذلك في الكلام البتة والله ولي التوفيق" (120) .

وبهذا نتبين أن الإباضية يختلفون في هذه النقطة عن المعتزلة إذ يعتبر الإباضية أن السكوت نقيض الكلام، بينما يرى المعتزلة أن الكلام لا نقيض له (121) .

فواضح أن موقف علماء المرحلة المقررة امتداد لما جاء من قبل كما بينا ذلك من كلام الوارجلاني واستمر نفس الموقف في ما بعد كما جاء ذلك عند محمد اطفيش إذ يقول:" والله متكلم ومعناه لا يوصف بالخرس " (122) .

لقد غلب على جمهور الإباضية بالمغرب والمشرق القول بالخلق لكن ذكرنا أن من المشارقة من قال بالقدم فكيف كان موقف الإباضية من هؤلاء؟


) تفهم مواقف الإباضية الأخرى:


أما السالمي فيلتمس العذر لمن يقول بالقدم كما يلي:" اعلم أنه لا وجه لقول من قال من أهل المذهب إن القرآن قديم إلا أن يريدوا أن الله تعالى ليس بأخرس فيعتبرون بهذه العبارة القاصرة عن ذلك المعنى المطلوب فتنتفي عنهم البراءة بهذا الاحتمال حسن ظن بالمسلمين ، ولكون مذهبهم معروفا في قولهم إن صفات الذات عين الذات فيجيب رد تلك العبارة منهم إلى هذه القاعدة المنيعة" (123) .

أما محمد اطفيش فيشدد اللهجة على من يجيز عدم الإنكار على القائلين بالقدم وهاك موقفه بعد عرض موقفين من مواقف أهل عمان ملتمسا مخرجا للموقف الأول.

" إن من أهل عمان من أصحابنا من يقول بقدمه ( القرآن) على معنى العلم به إجمالا وتفصيلا لفظا ومعنى على ما سيكون إذا خلقه وهذا لا بأس به إلا أن التلفظ بقدمه هكذا لا يجوز لأنه يوهم ما لا يجوز.

ومنهم من يقول- كما يقول سائر أهل المذهب- إنه مخلوق حادث ولا يسمى قديما، وعلم الله قديم قطعا.

... وفي بعض الأثر أنه لم ينكر سائر أصحابنا على من يقول بقدمه من أصحابنا لئلا ينتشر الخلاف والفتن وهو ضعيف لأن المسألة من الأصول عند التحقيق لأن مرجعها إلى الكلام النفسي وفي العقيدة " ليس منا من قال إن القرآن ليس بمخلوق"، فكيف يسوغ فيها السكوت عن الإنكار " (124) .

هذا ما أورده المتأخرون من الإباضية في شأن القضية أما علماء المرحلة المقررة فلم نعثر لديهم على نص يبسط المسألة على أساس التماس العذر أو التشديد ولعل مرجع ذلك إلى أن الموقف استقر عند الكل على القول بخلق القرآن.

وبعد هذا يحسن أن نشير إلى مسألة تتصل بالخلق، فبما أنه مخلوق فهل هو جسم أو عرض؟


الكلام شيء وعرض:

وإن بينت المصادر الإباضية أن القرآن مخلوق فإنها لم تعتبره جسما لأنه لو كان جسما لكان قائما بنفسه ومحتملا للصفات بل تعتبره شيئا مصدقا لقوله تعالى: ...إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى.. ، (6 الأنعام 91).

كما تعتبره عرضا فهذا الوارجلاني يقول:" وقوله: عرض فعله تعالى في غيره وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى..." (125) كما أن محمد اطفيش يعبر عن نفس

المعنى بقوله:" وأي ضرر في أن القرآن عرض يفنى ويتجدد تقيده القلوب والأوراق... وليس كل محدث سريع الفناء فهل العرش والكرسي والسماوات والأرض ونحوهم سريعو الفناء...." (126) .

فالقرآن حينئذ كلام الله مخلوق ليس بجسم (127) إلا أنه شيء وعرض.

وما دام القرآن فإن لـه وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارات، ووجودا في الكتابة، لكن عند التأمل يثبت أن ما في الخارج ليس مدلول ما في الذهن بل مدلول اللفظ، وعلم الله يتعلق بجميع ذلك ومن هذا المنطلق صح التفسير والتأويل (128) .

فالكلام على الإطلاق صفة ذاتية من جهة وصفة فعلية من جهة أخرى بينما القرآن هو غير الله وليس بصفة إذ ما يصح فيه من إنزال وتفصيل لا يجوز على الله تعالى.


ويحسن أن نختم بما وصل إليه أبو إسحاق في تعليقه على مقدمة التوحيد:

" اعلم أن هذه المسألة مما احتدم الخلاف فيها بين الأمة فارتطم فيها من ارتطم... مما ليس في شيء من الحق وإنما جرت فيها مغالطة، والجهتان مختلفتان.

فذهب المشنعون بسوء الفهم شر مذهب والحق كما وضحه الإمام شمس الدين أبو يعقوب في الدليل وبين طريق كل من الفريقين القائلين بخلق القرآن والقائلين بقدمه.

فالأولون قصروا على القرآن المتلو المحفوظ في الصدور والمصحف الموصوف من الله بالمحدث والمنزل والجعل والذهاب الخ. ولم ينظروا الى القرآن الذي هو علم الله إذ لا ريب في قدمه.

والآخرون قصروا على القرآن القديم الذي هو علم الله وصفته وكلامه فقالوا بقدمه وبالسكوت عن المحفوظ في المصحف والصدور الخ.

هذا مع إعراضنا عن الفريقين الغالي الزاعم بقدم المكتوب في المصحف بل المصحف وما إلى ذلك من سخف القول البعيد عن المعقول.

فأنت ترى الاختلاف لفظيا بين الفريقين لا غير" (129) .

وخلاصة القول: إن كلام الله قديم من حيث هو علم عند الإباضية والمعتزلة والإمامية والزيدية والخوارج، ومن حيث هو كلام نفسي عند الأشاعرة والماتريدية،

ومحدث من حيث هو لفظ منزل عند هؤلاء جميعا باستثناء الحنابلة الذين يرون قدم هذا الجانب أيضا ومن يقفون في القضية من السلف الأول.

والمهم أن هذه القضية وإن بدت عديمة الجدوى فإنها قد أثرت المكتبة الإسلامية في شتى الفنون من فلسفة وبلاغة وعقيدة وأسفرت عن إنتاج غزير وإن سالت من أجلها دماء وقامت دونها أحقاد ذلك شأن الفكر إذا سخر لأغراض سياسية ومنافع آنية.

وهكذا مع هذه القضية ننتهي من باب الإلهيات لنتحول إلى باب الإنسانيات حيث سنكتفي بالنظر في قضيتي القدر، والوعد والوعيد.

الباب الثالث


الإنسانيات

الفصل الأول

القضاء والقدر

تميهد:

قال تعالى : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، (21 الأنبياء 23) . وجاء في سياق الحوار بين موسى عليه السلام والذي آتاه الله علما من لديه قوله تعالى : قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ، ( 18 الكهف 67) . (1) وأنى لموسى أن يصبر على سفينة تخرق بدون سبب ظاهر، وعلى فتى يقتل عبثا، وعلى جدار يبنى مقابل رفض للضيافة.

ولقد ثار موسى على الرجل الذي عاهدة بأن يلتزم بالصمت، وكان الفراق بينهما بعد أن فسر له سر تصرفه بأمر الله تعالى، فالسفينة حرقت لتبقى لأصحابها، والغلام قتل حتى يبدل الله والديه من هو أقرب منه رحما، والجدار بني حفاظا على كنز ولدي الرجل الصالح، تحير موسى واستفسر لأنه حكم على الأحداث اعتمادا على الظاهر فجاء التفسير يدل على أن وراء الظاهر باطنا لا يعلمه إلا الله أو من آتاه الله من لدنه علما (2) .

ولا يخفي على أي عاقل أن علم الإنسان محدود مهما بلغ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، (17 الإسراء85) . لأن العقل إذا سخر في المحسوسات التي في دائرته يمكن أن يصنع العجائب، أما إذا تحول إلى عالم الماوراء أو الغيب فإنه لا يدرك إلا تخمينات تتضارب فيها آراء الفلاسفة من النقيض إلى النقيض.

وما عرفنا عالما يعتبر قضية القضاء والقدر من مشمولات العالم المادي فهي حتما قضية ما ورائية غيبية.

والناظر في الثقافات العالمية عبر العصور يتبين أن الإنسان عبر عن وجهة نظره في هذه القضية بوجه من الوجوه، وتجاوز التساؤل عن فعله إلى التساؤل عن فعل الله عيسى أن يدرك حقيقة مصيره بعد الموت.

إن الذين يقرون أن آدم أول البشر يتساءلون لم أكل آدم من الشجرة؟ فأنزل إلى الأرض (3) ، ولم عصى إبليس ربه ولم يسجد لآدم (4)


أما المتتبع للقصص القرآني فيجد أن قضية المصير من المحاور الأساسية التي يستند إليها المعارضون للأنبياء عامة وخذ لك مثالين:

1 ـ فليس بدعا أن يكون احتجاج إبراهيم قائما على نفي الألوهية عن النجوم والقمر والشمس لأنها زائلة ثم ليثبتها للذي فطر السماوات والأرض(6 الأنعام 73 ـ 79) إذ نعلم أن الحضارة البابلية كانت تعتبر أن المصائر مرتبطة بالنجوم وأنها مصدر الخير والشر. (5)

وما دام إبراهيم حول مفهومهم للمصير وربط ذلك بالله تعالى وكسر أصنامهم ألقوه في الجحيم (21 الأنبياء 50- 70) فكانت النار عليه بردا وسلاما.

2- أما فرعون فتلمس من مجادلته لموسى أنه يريد أن يجعل مصائر الناس بيده فادعى الألوهية وما يزال موسى يقنعه بالمعجزات (6) أن مصير الناس بيد الله إلى أن آمن من آمنت به بنو إسرائيل حين أدركه الغرق فنجاه الله ببدنه ليكون آية للعالمين (10 يونس 92).

ثم إن الناظر في الكتاب المقدس يجد أن المصادر بيد الله وأن القضية شغلت اليهود والنصارى وتحيروا فيها كما تحير غيرهم (7) وما يزالون.

كما أن الناظر إلى الحضارات العالمية الأخرى يتبين أن قضية الخير والشر تجسمت عند المانوية الفارسية في اتخاذ آلهة لكل منهما (8) أما الفكر اليوناني فقد طرحت فيه قضية القدر طرحا عنيفا على المستوى الفلسفي (9) ولا ينبغي أن نغفل عن الوثنية الجاهلية في الجزيرة العربية التي تجسمت فيها القضية في الشكوى من الدهر والأيام. (10)

فواضح أن قضية القدر ليست وليدة الفكر الإباضي أو وليدة ظرف من ظروف الحضارة الإسلامية وإنما هي قضية إنسانية لا سبيل إلى تحديد تاريخ مضبوط لنشأتها فتبقى القضية بالنسبة إلى بحثنا متمثلة في التعرف على طرح الإباضية لموضوع القدر وبصفة خاصة في المرحلة المقررة في البحث.

وقبل أن نحلل هذه القضية حسب محاور ثلاثة:

1-: قضية القضاء والقدر، 2: قضية الجبر والاختبار، 3: ما يرتبط بهما من قضايا : مثل الاستطاعة والعون يحسن أن ننبه إلى ما يلي:


- إن تراث الإباضية في القرون التي تعنينا قد جاء ملما بالتراث الذي سبقه إعادة (11) وتلخيصا وتوجيها مع التعايش مع بقية التراث الإسلامي عامة سواء من أجل الاتفاق في وجهة النظر أو من أجل الاختلاف وذلك في منطق الرد والدفاع فضروري حينئذ أن نبني التحليل على مراعاة التطور التاريخي للموضوع من زمن الرسالة فصاعدا.

- إن القضايا المشار إليها في مراحل متداخلة تداخلا جوهريا فرأينا أن نفصل بينهما فصلا منهجيا وذلك رغبة في زيادة التوضيح.

وبعد هذا نأتي إلى قضية القضاء والقدر.


1- قضية القضاء والقدر:

جاء في النونية : ( طويل)

وقـد ألـزمـوا الإيـمـان بالـقـدر الــذي***أتى منه خــيرا أو سحـنة العين
وكـل قضاء من مليك مـقدر***فسبحان من يجري المياه من المزن

(12)

وجاء في كتاب الديانات:" وندين بأن القدر خيره وشره كله من الله" (13) .

أردنا أن ننطلق من هذين النصين لأنهما مصب لما جاء قبل القرن السابع والثامن/ الثالث عشر والرابع عشر ومنبع لما جاء بعدهما (14) كما أنهما يصوران موقف الاباضية بوضوح واختصار وهو وجوب الإيمان بأن القدر خيره وشره من الله فما معنى القدر؟ وما معنى القضاء؟ وكيف يكون القدر خيره وشره من الله؟ وما هو موقف المسلمين من ذلك؟

المفهوم اللغوي (15) : القدر:

من قدر يقدر ويقال بفتح الدال والقدر بسكونها ويجمع على أقدار.

يورد لسان العرب مالا يقل عن ثمانية عشر تفسيرا نذكر منها: قضى، حكم، يسر، علم، دبّر، قسم، وكلها تحوم حول قدرة الله تعالى المطلقة وقد جاء القسم الأول من الشرح عقائديا ولا يمكن لابن منظور أن يسكت عن ذلك إلا أنه اكتفى بذكر مواقف دون أخرى وكان من الأولى أن يذكر مواقف فرق أخرى غير القدرية- ويقصد المعتزلة- وأهل السنة ونكتفي من بين هذه الأقوال بذكر قول أبي منصور: وتقدير الله الخلق تيسيره كلا منهم لما علم أنهم صائرون إليه من السعادة والشقاء وذلك أنه علم منهم قبل خلقه فكتب علمه الأزلي المسابق فيهم وقدره تقديرا" (16) وفيه: نموذج واضح للتداخل بين الجانب اللغوي والجانب العقائدي.

القضاء: الحكم... ويقال قضى يقضي قضاء، ويورد لها ما يقارب عن ثلاثين معنى نذكر منها : حكم، فصل، أحكم، أمضى، خلق، أتم، قدر.

قال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه وكل ما أحكم عمله أو أتم ختم أو أدى أداء أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضى فقد مضي وجاءت هذه الوجوه كلها في الحديث.

وقد غلبت الصبغة العقائدية على الصبغة اللغوية ولم يسند هذه الصبغة إلى فرقة دون فرقة بل جاءت في سياق عام ويربطها ربطا محكما بالقدر فيقول: ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق كقوله تعالى : فقضاهن سبع سموات ، (41 فصلت 12) أي خلقهن.

فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء فمن رام الفصل بينهما فقد رام البناء بنقضه.

فواضح إذن من خلال الشرح اللغوي أن هاتين اللفظتين من الألفاظ المشتركة ذات اللفظ الواحد والمعاني الكثيرة (17) وهذا يزيد القضية تعقيدا عند تأويل أهل الفرق للنصوص التي وردت فيها الكلمتان في القرآن والسنة ومواقف الصحابة.

ويقول المحشي في العلاقة بين اللفظين:" فعلى هذا الشرح الذي ورد بين القضاء والقدر عموم وخصوص من وجه يجتمعان في الخلق وينفرد كل واحد منهما في بقية معانيه كما هو ظاهر" (18) .

كما تجدر الملاحظة أن اللفظتين لم تردا مقرونتين في الكتاب على الطريقة التي ألفها المتكلمون والفلاسفة من جعلها مرادفتين لـ" الجبر والاختيار" أو ما أطلق عليه " حرية الإنسان". (19)

ليس معنى ذلك أن اللفظتين لم تستعملا في هذه النصوص وإنما جاءت كل منهما على حدة لتدل على معان مختلفة حسب السياق فهل أحدثت كل منهما بعضا من الإشكال زمن الرسالة؟


التطور التاريخي وظهور المعنى الاصطلاحي:

إن التراث الاباضي كبقية التراث الإسلامي يقرأ الأحداث من منطلقات عقائدية تبلورت عبر السنين فيفهم منه بوضوح أن قضية القدر أثيرت في حياة الرسول عليه السلام لكن لم يكن وراء إثارتها خلفيات سياسية أو فلسفية أو اجتماعية بل كان الصحابة يسألون ليزدادوا إيمانا وكفى كما أنه عليه السلام ذكر القدر في مواقف شتى دون أن يسأله سائل ويمكن أن نضع هذه الأحاديث تحت العناوين التالية:

1) أحاديث توجب الإيمان بالقدر والرضاء به (مكرر19) .

2) أحاديث تبين أن كل شيء بقدر وأنه علم الله الأزلي (20)

3) أحاديث تنهى عن الخوض في القدر (21)
4) أحاديث تتوعد من يخوض في القدر (22)

والملاحظ أن هذه الأحاديث مهما وقع الطعن في صحة البعض منها فإنها تبقى معبرة عن تساؤل هؤلاء الصحابة الذين كانوا يقرون بالجبر قبل الإسلام عن القضية عسى أن يدركوا هذا السر إلا أنهم سرعان ما تطمئن قلوبهم لأن الرسول عليه السلام لا ينطق عن الهوى.

ويتواصل الحوار بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع اتساع دائرته فهذا أبو بكر يقول في شيء سئل عنه:" أقول برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان" (23) وهذا ابن عباس له عدة مواقف نكتفي بذكر اثنين منها:
الأول: سئل ابن عباس عن القدر فقال:" الناس فيه ثلاثة منازل من جعل للعباد في الأمر مشيئة فقد ضاد الله في أمره ومن أضاف إلى الله شيئا مما يتنزه عنه فقد افترى

على الله إثما عظيما ومن قال: إني رحمت بفضل الله فذلك الذي سلم له دينه ودنياه جميعا، ولم يعلم الله في خلقه ولم يجهله في حكمه" (24) .

الثاني: وقال ابن عباس:" لا يأتيني رجل من هؤلاء الذين يتكلمون في القدر ويزعمون أن أفعال العباد مفوضة إليهم أما يقرأون هذه الآية : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، (76 الإنسان 30) . وقوله تعالى : يدخل من يشاء في رحمته ، (42 الشورى 8. 79 الإنسان 31) ، أي في دينه ، وقوله : من يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ، (6 الأنعام 39) . وكل صغير وكبير مستطر ، (54 القمر 53) . إنا كل شيء خلقناه بقدر ، (54 القمر 49) . وقال : ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ، (37 الصافات 163) . أي ما أنتم بمضلين إلا من سبقت عليه الشقوة ومن هو صال الجحيم (25) .


ولا يفوتنا أن نذكر بموقف عمر عندما تحير مع جمع من الصحابة أيحلون بقرية عم فيها الوباء، وكيف فر عمر اجتنابها فانتقد انه فار من قضاء الله فأجاب: فررنا من قدر الله إلى قدر الله. (26)

ثم تنطلق الفتنة الكبرى بقتل عثمان وتبدأ المعارك الدامية بين المسلمين فتطوع كل طائفة النصوص لوجهة نظرها وتذكر المصادر خبرا طريفا يصور حيرة الناس في التوفيق بين الإيمان بالقدر والحصول على الثواب.

روي عن الاصبع بن نباتة أنه قال: لما رجع علي بن أبي طالب من صفين قام له شيخ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن سيرنا إلى الشام أهو بقضاء وقدر، فقال علي: والذي خلق الجنة وبرأ النسمة ما وطئنا موطنا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: أحتسب عنائي فلا أرى من الأجر شيئا، فقال له علي: بل أيها الشيخ لقد عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي مصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين.

فقال الشيخ: كيف لم نكن مضطرين والقضاء والقدر ساقنا وعنهما كان مسيرنا وانصرفنا ، فقال علي: ويلك أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما لو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تكن لائمة على مذهب ولا محمد لمحسن تلك مقالة عبدة الأوثان، وجند الشيطان واعداء الرحمان وشهود الرفة وأهل العمى عن الصواب وهم قدرية الأمة ومجوسها.

إن الله تعالى، أم تخييرا ونهي تحذيرا وكلف يسيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الرسل عبثا ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول:( بسيط)

أنـت الإمـام الـذي نرجـو بطاعتـه***يوم النشور من الرحمـان رضوانـا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا***جزاك ربك عنا فيه إحسانا (27) .

فواضح حينئذ أن عليا نفى نفيا مطلقا ما شعر به الشيخ من جبر يجعل عمله عبثا قضاء لازما وقدرا حاتما وبين أنه لو كان الأمر كذلك لبطل الشرع وأوضح أن ذلك من قول أهل العمى وسماهم القدرية( وهنا ترادف الجبر).

ثم ما أن استقر الأمر لمعاوية الذي حول الخلافة إلى ملك عضوض حتى تسيّست القضية بصفة نهائية وتباينت المواقف بين الدولة الحاكمة والكتل المعارضة.

أما معاوية وأنصاره فقد اعتبروا القضاء ضربا من الجبر لإقناع الناس بوجوب طاعتهم مبينين أن المنكر لأفعال الخليفة ظالم فانظر إلى معاوية يقول في إحدى خطبه: " إنما أنا خازن من خزان الله أعطي من أعطاه الله، وأمنع من منعه الله" فقام إليه أبو الدرداء فقال له: كذبت يا معاوية والله إنك لتعطي من منعه الله وتمنع من أعطاه وكذبه أيضا عبادة بن الصامت. (28)

وسيجد المحكمة وأنصار علي في هذين الموقفين أحسن سند لإقناع الناس بأن معاوية اغتصب الحكم إلا أن معاوية مصر على ذلك، ومدرك لمرامي ما يقول إذ يعلم أن مثل هذا الإيهام من شأنه أن يستهوي عامة الناس ومن يركنون إلى الحياد وهاهو يقول في مقام آخر :" لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر ما تركني وإياه ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره" (29) .
وقد درج على ذلك خلفاء بني أمية وولاتهم باستثناء الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز (30) فدسوا له السم لما أحسوا أنه سيفسد عليهم ما ألفوه من الظلم.

ولقد سبق أن أشرنا إلى أن جذور الإباضية تنطلق من المحكمة الأولى (31) والجدير بالملاحظة انه لم يؤثر عن عبدالله بن وهب الراسبي موقف من القدر وكذلك الشراة الأول (32) لأنهم ردوا الفعل بالفعل الى أن استقر رأي الاباضية على الكتمان ويفهم من رسالة عبدالله بن إباض لعبد الملك رفضه لاعتبار أن الله قام مع معاوية وعجل نصره وبين لـه إن ذلك من باب الابتلاء وضرب مثال فرعون والذي حاج إبراهيم فقد أعطى الله فرعون ملكا وظهر في الأرض وأعطى الذي حاج إبراهيم في ربه ملكا (33)

معنى ذلك أن ملك معاوية ومن تبعه مغتصب وطاعته ليست واجبة.

أما جابر بن زيد فموقفه من القدر هو موقف الصحابة ولم يؤثر عنه تحليل خاص للقضية رغم أن الشقة بدأت تتسع بين من كانت آراؤهم منطلقا للقائلين بالجبر والحرية (34) ونجد في الجامع الصحيح أنه يلجأ الى الحديث عندما تطرح عليه القضية مع الملاحظة أن جل الأحاديث الواردة هناك لم يمر سندها بجابر ومثال ذلك الحديث عدد 796 (35) حيث يؤكد الرسول عليه السلام على العمل رغم أن كلا ميسر لما خلق له.

كما يتجلى موقفه السلفي (36) في رده على الحجاج (40- 95/ 660- 714) حين استعان به يزيد ابن أبي مسلم (38) ليخفف عن الحجاج ما ألم به من حيرة في شأن القدر فما كان منه إلا أن يأمره بترديد خطبة الرسالة فتفطن عند ذلك إلى انه ورد فيها قوله عليه السلام " من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" (39) .

وفي طبقة جابر بن زيد ممن أخذ عنهم أبو عبيدة صحار العبدي (40) فإنه كان يقول في القدرية:" كلموهم في العلم فإن أقروا به نقضوا وإن أنكروا كفروا" (41) .

وما يكاد يتولى إمامة الاباضية أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة حتى يحس بوطأة الصراع حول القدر من بعض اتباعه من الداخل ومن واصل بن عطاء (42) واتباعه الذين افصلوا عن شيخهم الحسن البصري (43) من الخارج.

أما الصراع الخارجي فتذكر كتب الطبقات لأبي عبيدة مسلم مواقف على واصل بن عطاء وعلى القائلين بالقدر (44) .

فأما موقفه مع واصل فقد جاء كما يلي:

" وحكى بعض أصحابنا أن واصل بن عطاء المعتزلي صاحب عمرو بن عبيد(144/ 761) (45) كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول: لو قطعته قطعت الإباضية قال فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه فقيل لواصل هذا أبو عبيدة قال نعم، قال أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر. قال أبو عبيدة: ما هكذا قلت لكن قلت إن الله يعذب على المقدور، فقال أبو عبيدة وأنت واصل ابن عطاء قال نعم: قال أنت الذي بلغني عنك أنك تقول إن الله يعصي بالاستكراه قال فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء. ومضى أبو عبيدة وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه ويقولون كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة فسألته فخرج وسألك فلم تجب فقال واصل: ويحكم بنين بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم فلم اٌعد ولم أبرح مكاني" (46) .


ويروي أبو سفيان محبوب بن الرحيل: بلغنا أن أبا عبيدة رحمه الله جاءه رجل فكلمه في القدر فقال له أبو عبيدة : هل علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون قبل أن يخلقهم. فقال له الرجل: ما أسرع ما استعنت بالعلم يا أبا عبيدة وإنما هذه مسائل الضعفاء فقال له: أجب هذا الضعيف فلم يجبه وافترقا" (47) .

وقال أبو سفيان: سمعت الربيع يقول: إن عبد السلام بن عبد القدوس (48) عظم أم القدر وقال فيه قولا شديدا وكره الكلام فيه فقال الربيع فأخبرت بذلك أبا عبيدة فقال: ما قال عبد السلام شيئا ما القدر إلا رأي من رأي الناس اختلفوا فيه ليس فيه نكاح ولا انتحال هجرة ولا سباء ولا غنيمة وصغر أمر القدر (49) .

من هذا نتبين أن المواقف ما يزال سلفيا بحتا يجتنب تحليل القضية والتصرف فيها فأبو عبيدة يثبت لواصل الفرق بين القدر والمقدور (50) ويرد عليه بأن موقف واصل القائل بأن المعصية من خلق الإنسان يؤدي إلى أن الله يعصي بالاستكراه (51) كما أن رده على الرجل الذي سأله عن القدر يثبت تمسكه برأي شيخه صحار الذي يعتبر أن أقوى حجة على القائلين بالقدر هي الإحالة على علم الله تعالى. وواضح في النهاية من خلال نصيحة للربيع أنه يدعو أنصاره إلى التقليل من الخوض في القدر امتثالا لأوامر الرسول عليه السلام.

هذا عن الصراع مع من يقولون من غير الاباضية بالقدر ورد الاباضية عليهم كما بينا كان واضحا إلا أن الأزمة ستشتد داخل المذهب وسيفرض الواقع على أبي عبيدة أن يتخذ موقفا مضبوطا سيكون له بعيد الأثر في ما بعد.
يروي أبو سفيان ما دار بين حمزة الكوفي (52) وأبي عبيدة من جدل حاد حول قضية القدر انتهى بقول أبي عبيدة :" يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان" (53) وحاول حاجب الطائي (54) أن يستصلح من أمر حمزة لكنه أصر وظل يستدرج النساء والضعفاء الى القول بأن السيئات من العباد فهنالك اجتمع الناس عند حاجب بمحضر أبي عبيدة وتمت البراءة منه. (55)

وسيكون لحمزة هذا أثر فعال في اشعال نار الفتنة مع شعيب وأبي المؤرج وعبدالله بن زيد الفزاري (56) عندما أنكر يزيد بن فندين (57) إمامه الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمان الرستمي. (58)


والمهم حينئذ أن أبا عبيدة وجمهور الاباضية في القرن الثاني هجري/ الثامن ميلادي استقروا على أن القدر كله من الله تعالى وقد سلك الربيع ابن حبيب نفس المسلك.

ويجدر أن نشير هنا إلى نصين يثبتان الاحتكاك بين المعتزلة والاباضية في المشرق والمغرب فهذا وائل بن أيوب الحضرمي (59) يناظر كهلان المعتزلي وأصحابه وهذا مهدي النفوسي يتقدم الى الفتى المعتزلي فيرتفع مستوى الجدل بينهما حتى يشبهه أبو زكريا بالصفق بين الحجرين، لكن هذا النص لا يذكر مواضيع هذه المناظرة. (60)

نلمس أن هذه المرحلة لم تكن مرحلة تنظير في باب القدر وإنما هي مناظرات قل أن تكون مع الجبرية بل مدارها مع القائلين بالقدر لذلك لم نعثر على تعريف نظري دقيق لكلمتي قضاء وقدر إلا أن الحوار تحول مع أبي خزر (4/ 101) وأبي الربيع سليمان ابن يخلف(5/ 11) وأبي العباس أحمد ابن بكر(5/11) حول قضايا متصلة بالقضاء والقدر مثل:" الجبر والاختبار" " خلق الأفعال" " الاستطاعة".

ويجب أن ننتظر القرن 6/12 خاصة مع كتاب السؤالات لتجد تعريفات نظرية ظل يعتمدها علماء الاباضية في ما بعد وحتى أبو عمار عبد الكافي (6/12) وخاصة الموجز فقد سلك مسلكا جدليا دفاعيا.

ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى نشأة المدرسة الأشعرية والماتريدية في القرن الرابع/ 10، فبلورتا ما جاء من إشارات من قبل لهذا الموضوع عند أبي حنيفة وغيره وواصلتا مناظرة أهل الاعتزال وبهذا تركز الجدل حول " خلق الأفعال" بعد أن كان الأمر تسليما إيمانيا خالصا بان القدر كله من الله تعالى وسيبقى هذا القرار العقائدي ثابتا في منطلق كل تحليل وسنبين تقارب التحاليل بين هاتين المدرستين وبين تحاليل الاباضية ولننظر الآن في أهم التعريفات الاصطلاحية لكلمتي القضاء والقدر.

التعريف الاصطلاحي للقضاء والقدر

جاء في كتاب السؤالات:" القدر هو انتها الأمور إلى أوقاتها وارتجاعها إلى مقدورها (61) ".

وجاء في شرح كتاب الديانات:" القدر معناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في الأزل وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهي تقع بحسب ما قدره سبحانه وتعالى". (62)


ويقول عمر والتلاتي:" القضاء هو إيجاد الله تعالى الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة ويقول أيضا: القضاء هو انتهاء الأمور إلى أوقاتها (63) وارتجاعها إلى مقدوراتها". (64)

وأوجز تعريف أورده محمد اطفيش كما يلي:" القدر هو إيجاد الله الأجسام والأعراض والقضاء هو الحاكم بها في الأزل فهو صفة ذات أو إثبات في اللوح فهو صفة فعل". (65)

وبهذا يجمع هذا التعريف بين موقف الأشاعرة_ (66) الذين يعتبرون التقدير صفة فعل بمعنى إيجاد الله تعالى الأشياء في الخارج على قدر مخصوص وبين قول الماتريدية (67) الذين يعتبرونه صفة ذات بمعنى تقدير الأمور في الأزل أي إحاطة علمه به، مع العلم أن الموقف العام يلح على انه صفة ذات .

نكتفي بهذه التعريفات مع الإشارة إلى ورود تعريفات أخرى جمعها التلاتي في شرح النونية (68) لنلخص من هذا إلى النتائج الثلاث التالية:

1) إن هذه التعريفات يكتنفها ضرب من الغموض وكأنها قد مسها شيء من سر القدر، ومعلوم أن اللغة التي تواضع عليها الناس يصعب أن تحد القضايا الغيبية حدا دقيقا كحدها لما يتعلق بعالم الشهادة.

2) كثيرا ما يتداخل التعريفات ومرجع ذلك إلى أن اللفظين تشتركان في الحقل الدلالي لغة فلا غرابة إن وجدنا مثل هذا التشابك.

3) نقر العلاقة التي جعلها بينهما ابن منظور في لسان العرب وهي علاقة الأساس بالبناء فمن يعتبر القدر أساسا أي كان في الأزل لابد أن يعتبر القضاء بناء وهو ما يحدث في الوجود بعد أن لم يكن، والعكس بالعكس والنتيجة في النهاية واحدة وهي العلاقة بين القدر والمقدور والقضاء والمقتضي.

وخلاصة القول إن الأساس المجمع عليه هو وجوب الإيمان بأن القدر من الله تعالى (69) مع اختلافات بعد ذلك في الفهم والتأويل تتأرجح بين الجبر المطلق والحرية المطلقة.
كما يجدر أن نلاحظ أن هذه التعريفات الاصطلاحية خرجت عن دائرة الصراع السياسي والخلقي الذي عرفته القضية خاصة في القرن الأول والثاني للهجرة 7/ و8 حيث كان اتخاذ المواقف العقائدية يؤدي إلى السجن أو الى المشنقة في كثير من

الأحيان وكأن القضية ضربا من الترف الفكري والجدل العقائدي لكن كل النصوص التعليمية لا تغفل عن التذكير بهذا الأصل من أصول الدين. (70)

كما أن التراث الإباضي وهو جزء من التراث الإسلامي لم يعتبر الإيمان بالقضاء والقدر مصدرا من مصادر التواكل كما يبدو ذلك على ألسنة بعض العوام وكما يبدو في الشبهات التي تثيرها الفلسفات الغربية عادة حول الديانات عامة وحول الاسلام خاصة وذلك لأن هذا التراث لم يشعر أهله بعد بما يشعر به الناس الآن من تبعية الرقعة التي تدين بالإسلام للقوى العالمية الأخرى التي لا تدين بالقدر وليس لنا في هذا المقام أن نحلل هذه القضية وإنما ننبه إلى أن المسلمين الذين آمنوا بالقدر حق الإيمان كانوا سادة العالم، ولم يكونوا في آخر القافلة.

وبعد النظر في المحور الأول نتدبر أمر المحور الثاني وهو الجبر والاختيار.



)2- الجبر والاختبار


إن الخوض في قضية القدر أثار عدة قضايا كثيرا ما تطغى على المناظرات وتنسى القضية الأصل.

من ذلك هل للإنسان دخل في اختيار أفعاله أو هو مجبر عليها؟ أو بعبارة أخرى هل له القدرة على خلق أفعاله أو هو مخلوق وما فعل؟ وينبني على ذلك مدى تحديد مسؤولية الإنسان التي تربط بها الأمر والنهي وما ينتج عنهما من ثواب وعقاب.

ومن ذلك من خالق المعصية؟ وما دخل إبليس فيها؟

ومن ذلك قضية العلاقة بين العلم والقدرة والإرادة.

ومن ذلك قضية الاستطاعة والعصمة.

ومن ذلك العلاقة بين مشيئة الله ومشيئة الإنسان.

فلننظر أولا في قضية الجبر والاختيار لنبين موقف الإباضية منها؟

إن التراث الذي يعنينا ككل التراث الإسلامي يستمد جذوره من مواقف العلماء الأول من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام وبذلك تتبلور كل قضية عبر امتداد هذا التراث الزمني.

وما دام الإباضية يقرون أن النصوص التي تتعلق بالقضية من المتشابه (71) فقد عملوا على تأويلها مستعينين بالمحكم من القرآن الكريم وبسنة الرسول عليه السلام.

وإنك لتحس وأنت تتأمل في هذا التراث شعور أصحابه بأن من الآيات ما يغلب عليها جانب الجبر ومنها ما يغلب عليها جانب تخيير الإنسان.

فمن الآيات التي توحي بالاختيار: قوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، (42 الشورى 30).

وقوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، (18 الكهف 29).

وقوله تعالى : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، (2 البقرة 286).

ومن الآيات التي توحي بالجبر: قوله تعالى : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ، (76 الإنسان 30).

وقوله تعالى : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ، (57 الحديد 22).

وقوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ، (18 الكهف 23 ـ 24)


كما أن هذا التراث يرجع بالقضية إلى زمن الرسول عليه السلام والصحابة وأئمة المذهب ليستقي من مواقفهم الحل المناسب.

ومن ذلك ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيكون قوم في هذه الأمة يعملون بالمعاصي فيقولون: هي من الله قضاء وقدر، فإذا لقيتموهم فأعلموهم أني بريء منهم" (72) فقال رجل منهم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله متى يرحم الله العباد؟ ومتى يعذبهم؟ فقال:" يرحم عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا هي منا ويعذب الله عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا هي من الله قضاء وقدر فالطاعة والمعصية هما من خلق الله، ومن العباد عمل" (73) .

ومن ذلك ما ثبت عن علي ابن أبي طالب عندما سئل عن أفعال العباد أنه قال:" هي من الله خلق ومن العباد فعل" (74) .


ومن ذلك ما جاء في الجامع الصحيح من كلام الربيع تعليقا على مجموعة من الأحاديث في القدر قوله:( فهذه الروايات تدل على أن الله خلق فعل العبد ة وأن العبد لم يفعله دون الله إذ قدره وعلمه وعلم ما هو صائر إليه" (75) .

فواضح إذن من خلال هذه المواقف أنها كانت منطلق الاكتساب لدى الاباضية وقبل أن نتبين مفهوم الكسب يحسن أن نورد حجج الإباضية النقلية والعقلية في الرد على القائلين بالجبر وعلى القائلين بالاختيار.

ويحسن أن نلاحظ هنا أننا بعد نظرنا في كل ما بين أيدينا من التراث الإباضي قديمة وحديثه لم نجد أكثر دقة وشمولا من الفصول التي خصصها أبو عمار عبد الكافي في كتاب الموجز للرد على المجبرة والقدرية فما جاء قبله كان في غاية الاختصار وما جاء بعده كان عالة عليه (76) ودونه استيفاء للقضية ولعل مرجع ذلك إلى اعتماد المتأخرين (77) على شرح المتون مما يجعل ما يوردون من معلومات مبعثرا هنا وهناك.

لذلك سنعمد إلى حوصلة هذه الحجج بقدر الامكان إذ نرى أنها تصور موقف الاباضية من الاتجاهين المتناقضين الأمر الذي أدى إلى اتخاذ موقف وسط.


الحجج النقلية:



تأويل ما اعتمده القدرية والجبرية من النصوص القرآنية

تأويل ما اعتمده القدرية:

1 ـ نسبة الأفعال إلى العباد دون الله تعالى في قوله تعالى : فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله ، (5 المائدة 30). وقوله : بل سولت لكم أنفسكم أمرا ، (12 يوسف 18) . وقوله : وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ، (9 التوبة 105) . وقوله : جزاء بما كانوا يعملون ، (32 السجدة 17).



إن في هذا ردا على الجهمية الذين لا يقولون بالاختيار للعباد ولا يثبتون الاكتساب لهم. أما عند الإباضية فتخرج الآيات من باب الكسب. (78)


2- تفسير القرآن بالقرآن: وذلك بمقارنة السياقات ببعضها.

قال تعالى في شأن تحريف اليهود للتوراة : يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ، (3 آل عمران 78) . يقول المعتزلة اعتمادا على النفي إن في الآية دليلا على خلق الإنسان فعله. ويقول أبو عمار بعد استدلاله بقوله تعالى :

فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ، (24 النور 61) (79) .

توضيحه أن " من عند" لا تدل على الخلق وإنما تدل على الأمر ما يلي:

" يريد تحريف اليهود للكتاب ليس هو من الكتاب ولا من عند الله نزل ردا عليهم في قولهم: إنه من الكتاب ومن عند الله نزل، ولم تكن اليهود تذهب في قولهم ذلك إلى خلق الله الفعل فيكون الله قدر عليهم في ذلك (80)

، فعبارة " من عند" لا تعني الخلق وإنما قد تعني الأمر كما جاء في سورة النور الآية 61.

قال تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ، (5 المائدة 103) (81) . يقول القدرية إن الله نفى عن نفسه أن يكون جعل ( بمعنى خلق) شيئا من فعل المشركين والآية حسب أبي عمار يجب أن تفهم على ضوء الآيتين التاليتين : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ، (21 الأنبياء 16) و وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ، (38 ص27) . اللتين تدلان على أن الله لم يخلق ما خلق عبثا كما يدعي أهل التكذيب بالله وإنما خلقها ليحق الحق ويبطل الباطل. ما خلقناهما إلا بالحق ، (44 الدخان 39) . فكذلك مدلول آية المائدة أن الله لم يجعل هذه الأنعام لأن تبحر ولا أن تسيب ولا أن تتخذ وصيلة ولا حاما كما قالوا وإنما جعلها حمولة مأكولة (82) .



3- ألا يعلم من خلق:

يرى أبو عمار أن قوله تعالى : وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق ، (83) . أقوى دليل على أن ما أسر العباد وما أظهروه من خلق الله تعالى، ويؤكد على أن فيها احتجاجا على من قالوا لا يكون الفعل مخلوقا (84) .

4 ـ لا تخصيص لقوله تعالى : خالق كل شيء ، (85)

ومن أقوى الأدلة التي أطنب فيها أبو عمار ووقع ترديدها أكثر من غيرها في بقية المصادر دلالة قوله تعالى : خالق كل شيء و خلق كل شيء ، (6 الأنعام 101)؟ حيثما وجدنا في القرآن على الامتداح والعموم رغم محاولة القدرية اعتبارها مخصصة بآيات أخرى (86) ، ويقول أبو عمار في آخر التحليل :" وقد امتدح عز وجل بقوله : خالق كل شيء ، بإجماع لو جاز لأحد أن يقول هي خاصة لجاز لمن يزعم أن إبليس ليس بمخلوق..." (87)


وعلى هذا النسق يفسر أبو عمار قوله تعالى : والله خلقكم وما تعلمون ، (37 الصافات 96) . بأنه يدل على أفعال العباد لا على الأصنام كما ذهب إلى ذلك المعتزلة وكذلك بين أن في قوله عز وجل : خلق السماوات والأرض وما بينهما ، (25 الفرقان 59) . دلالة على أن الله خالق أفعال العباد لأنها تقع بين السماوات والأرض. (88)


هذا تأويل ما اعتمده القدرية فماذا عن تأويل ما حمله الجبرية على ظاهره (89)


1) الطبع على القلب والختم على السمع:

لقد جاءت آيات كثيرة بهذه الصيغ نذكر منها قوله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، (90) .

وقولـه تعالى : بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ، (4 النساء 155) . (91)


يعتبر الجبرية أن الإنسان مجبر على الكفر ويأتي رد الإباضية كما يلي:" إن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم وطبع عليها بكفرهم الذي اكتسبوه واختاروه فجعل الكفر في نفسه خاتما وطابعا على قلوبهم حيث خلقه في عينه خلافا لعين الإيمان ومضادا له فهما لا يجتمعان في قلب ولا في سمع ولا في بصر ولا في جارحة فاختيار الكافر والكفر هو المانع له والطابع على قلبه والخاتم على سمعه وبصره حتى لا يكون يفعل ضده من الإيمان في حال فعله الكفر" (92) .



2) مشيئة الله

كثيرا ما يحتج أهل الشرك على شركهم بمشيئة الله ومن ذلك ما جاء على لسانهم في قوله تعالى : وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم ، (43 الزخرف 20) (93) ... عبادتنا للملائكة بمشيئة الله تعالى إذ لو لم يشأ لم نعبدهم بل يجبرنا على ترك عبادتهم أو يهلكنا إن لم يرض عبادتهم فعبادتنا لهم واجبة أو حسنة أو أحسن أو جائزة.

وذلك باطل لأن الله خلق الطاعة والمعصية وشاء المعصية كما شاء الطاعة فلا يلزم من صدور المعصية منهم أنه أباحها أو استحسنها أو أوجبها.

ما لهم بذلك من علم ... فإن المشيئة لا تقتضي رضى بشيء ولا قبحا ولا نهيا بل تقتضي أنها ليست أمرا بمعصية ولا نهيا عن طاعة (94) .

ويزيد هذا الموقف توضيحا ما جاء في كتاب المنهج :" والذي نقوله إن لله تعالى مشيئتين في خلقه.

إحدهما مشيئة الأمر الذي أرسل به الرسل وهدى به السبل.


والمشيئة الأخرى مشيئة في خلق الخلق وقسم الأرزاق وما أراد في إنفاذ ما قد سبق عنده في علمه من الأمور وما به الخلق عاملون وإليه صائرون.

ولو كانت المشيئة من أمر الله تعالى واحدة كما قالت القدرية (95) لم يختلف على الله في ما أراد من الخلق كما لم يختلف إرادته في خلق السماوات والأرض وغير ذلك وكان العباد في أمرهم به مطيعين كما أطاعته السماوات والأرض إذا أجابتا حين قال للسماوات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ، (41 فصلت 11) (96) ".

بهذه الطريقة وجد الإباضية مخرجا لما جاء في القرآن بصيغة المشيئة يوحي بالجبر فيميزوا بين مشيئتين مشيئة لأمر ومشيئة إرادة.

كما يحتج الجبرية بقوله تعالى : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، (81 التكوير 29) فيخرجها الإباضية بهذا المسلك.

" وما تشاؤون شيئا أو اتخاذ سبيل إلا أن يشاء الله: إلا وقت مشيئة الله لمشيئتكم...والله عز وجل شاء كفر الكافرين وإيمان المؤمنين بلا إجبار وخلق الكفر والطاعة وللكافر والمؤمن اختيار مخلوق لله عز وجل " (97) .

فكل هذه المواقف من السياق القرآني تبعد التصور الاباضي عن القول بالجبر وإن بدت في بعض الأحيان غامضة.

أما ربط الهداية والضلال بالمشيئة كما جاء في قوله تعالى : فيضل الله من يشاء ، (14 إبراهيم 4).

فلم يطل كل من عمر والتلاتي (98) ويوسف المصعبي (99) الوقوف عنده وإنما اكتفيا بالإحالة على تحليل إسماعيل الجيطالي (100) وقد عبر عن ذلك بصفة أوضح محمد اطفيش كما يلي: " وإضلال الله خذلان وهدايته توفيق، ولا إجبار وهما أزليان ولا يتخلفان" (101) .

كما جاء في تفسير قوله تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، (16 النحل 93) . ما يلي : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، على الإسلام بالإجبار وليس الإجبار حكمة إذ لا يمدح المجبر ولا يذم فهو لا يستحق ثوابا ولا عقابا أو لو شاء الله لجعلكم على الإسلام باختياركم ولكن يضل من يشاء بالخذلان عن الهدى لاختيار الضلال بالكسب الاختياري، ويهدي من يشاء بالتوفيق إليه لاختيار المهدي، وكلا الاختيارين مخلوق لله سبحانه ومع خلقه لا إجبار هذا مذهبنا فللعبد

قدرة مؤثرة بإذن الله عز وجلا مخلوقة له تعالى ولا واجب على الله عز وجل وتوفيقه لمن يشاء فضل وإحسان " (102) .

فلا خلاص حينئذ من قضية الجبر حسب الإباضية إلا عن طريق العون والخذلان (103) مع تحديد القدرة المؤثرة التي تجعل الإنسان مسؤولا على كسبه.

وقد سلك الإباضية نفس المسلك مع ربط الغفران والتعذيب بالمشيئة. (104)


وبعد عرضنا نماذج من الاستدلال بالقرآن يحسن أن نقف عند نماذج من الحديث الشريف.

تأويل ما اعتمده القدرية والجبرية من نصوص الحديث الشريف

- أحاديث يحتج بها على القدرية:

1) ما جاء في لعن القدرية واعتبارهم مجوس الأمة: قال صلى الله عليه وسلم : " القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم" . (105)

وما شبه هؤلاء بالمجوس إلا لأنهم يضيفون الخلق لأنفسهم بل تجاوزوا إلى أن هؤلاء لا ينسبون إلى أنفسهم إلا خلق الشرور والقدرية ينسبون لأنفسهم خلق الخير والشر. (106)

ويزيد صاحب التيسير تشنيعا على القدرية حيث ينقل عن علماء ما وراء النهي:" القدرية شر من المجوس لأن للمجوس آلة تعدّ والمعتزلة لا تعدّ آلهتهم لأن كل فاعل عندهم خالق لفعله حتى الدواب. (107)


2) نسبة الخلق إلى الله مع أن الفعل فعل الإنسان

- روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل : " إن الله لم يخلق شيئا أحب إليه من العتاق" (108) " ولم يخلق شيئا أبغض إليه من الطلاق" (109) . وقد علمنا أن العتاق والطلاق فعل العباد ". (110)

- روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيل لـه: " يا رسول الله لو سعرت لنا سعرا فقال: إن الله هو المسعر (111) والعباد يحمدون على أن يرخصوا الأسعار ويذمون إذا غلوها.

- وروي عنه عليه السلام مر على جنازة رجل من الأنصار فقال: " اللهم نقه من الذنوب والخطايا كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس" (112) . والعباد هم الذين يقصرون الثياب وأضاف رسول الله ذلك إلى الله لأنه المقدر لذلك المجري له على أيدي العباد (113) .


3) نسبة خلق الخير والشر إلى الله صراحة

جاء في الحديث القدسي: "( أنا الله الذي لا إله إلا أنا خالق الخير والشر فطوبى لمن خلقته ليكون الخير على يديه، وويل لمن خلقته ليكون الشر على يديه" (114) .


4) نسبة خلق أفعال العباد إلى الله

جاء في الحديث: " خلق الله العالمين وأفعالهم" كما جاء أيضا: " خلق الله كل صانع وصنعته" (115) .

تلك هي بعض النصوص النبوية التي يحتج بها الإباضية عامة على القدرية
فمـاذا عن الأحاديث على الجبرية؟


- أحاديث يحتج بها على الجبرية:

1) توعّد من يحملون ذنوبهم على الله:

- سئل صلى الله عليه وسلم : " متى يرحم الله عباده؟" فقال:" ما لم يعملوا بالمعاصي ثم يقولوا إنها من عند الله جبر ولو شاء الله ما أشركوا" .

- وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خمسة لا تطفأ نيرانهم يوم القيامة...ورجل حمل ذنبه على الله مثل من قال هو مجبر ليس له فعل"

- وأنه قال: " خصلتان لا تنفع معهما صلاة ولا صوم الشرك بالله وأن يزعم أن الله جبره على معصيته " (116) .


ويقول الرسول عليه السلام: " سيكون في هذه الأمة قوم يعملون المعاصي ثم يقولون هي من الله قضاء وقدر فإذا أدركتموهم فأعلموهم أني برئ منهم " . (117)


1) تأويل أحاديث توحي بالجبر:

يسأل الجبرية عن معنى قوله عليه السلام:" إن السعيد من بطن أمه والشقي من بطن أمه فيجيب الإباضية بما يلي:" والشقي في بطن أمه" بما علم الله أنه سيشقى به من فعله وسوء اختياره لنفسه وجرأته على ربه وكذلك السعيد سعيد في بطن أمه بما علم الله أنه سيسعد به من فعله ولاتباعه لأمر ربه وحسن نظره لنفسه (118) .

فإن قالوا ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل الجنة أحد بعمله"، قيل:" ولا أنت يا رسول الله"، قال:" ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" (119) .

قيل إن معنى ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا لا ينال شيئا من الخير الذي هو طاعة الله ولا يستعصم عن شيء من معصية الله فيدخل بذلك الجنة إلا أن يعينه الله على ذلك ويوفقه له ويغمده برحمته التي لا تخيب من تغمد بها، وعلى هذا المعنى أمر الله المؤمنين بأن يقولوا : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، (120) . وهذا من باب العون من الله لأوليائه ، والهداية لأهل دينه. وليس هذا من معنى ما ذهبتم إليه في شيء من أنه يضطر العباد على أفعالهم ويجبرهم عليها فلا يذمون ولا يحمدون" (121) .

ويحسن أن نذكر هنا بتعليق الربيع على مجموعة الأحاديث الواردة في القدر (122) من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله آدم عليه السلام أخرج من ظهره ذريته كالذر فأخذ مواثيقهم وأمرهم بالسجود فأبت طائفة وأجابت طائفة، فمن أجاب يومئذ فهم المؤمنون وهم السعداء، ومن أبى يومئذ فهم الكافرون وهم الأشقياء" (123) .

والملاحظ غالبا أنه كثيرا ما يقع استغلال ما يعتمده الجبرية للرد على القدرية والعكس بالعكس. ويقول أبو خزر في هذا الصدد:" وذلك أنا نظرنا الى الآيات التي احتجت بها المعتزلة والآيات التي احتجت بها المجبرة والمجبلة فضربنا بعضها بعض" (124) .



وتعتبر النصوص الإباضية أن مرجع الخطأ لدى الفريقين اعتبارهما أن الفعل لا تكون له إلا علة واحدة والصواب أن للفعل جهتين مفترقتين إحداهما جهة خلق لله والتدبير والتقدير، والأخرى جهة التحرك للعبد والسكون والطاعة والمعصية، فجعلتم هاتين الجهتين المختلفتين جهة واحدة فأبطلت المجبرة واحدة وأبطلت القدرية واحدة فضللتم بعد ذلك جميعا عن سبيل الله ضلالا بعيد (125) .

وقبل أن نتحول إلى عرض الحجج العقلية يحسن أن نلاحظ أننا جمعنا بين النصوص القرآنية ونصوص الحديث لما رأينا بينهما من تقارب في معالجة القضية وكان يمكن أن نسلك مسلكا آخر وهو الجمع بين القرآن والحديث هنا هناك، كما تجدر الإشارة إلى أن كثيرا من الأحاديث المتعمدة ينبغي أن تؤخذ باحتراز لأن عددا منها كما نبهنا الى ذلك لم يرد لا عند الربيع في الجامع الصحيح ولا في بقية الصحاح والمساند التي اعتمدها ونسنك في المعجم المفهرس، وقد أوردناها من باب الأمانة العلمية لأنها كثر ترددها في التراث الذي نحن بصدد تحليله.


ومن الحجج النقلية على القدرية والجبرية إلى الحجج العقلية؟


الحجج العقلية:

الاحتجاج العقلي في الرد على القدرية:

يضع أبو عمار مقدمة يسميها مسألة الجهات ويعتبرها في غاية الأهمية في حل قضية القدر:" والعلم بالجهات هو عمود هذا الباب الذي يرفع عليه سمكة وأسه الذي تقوم عليه دعائمه" (126) .

وضبط في هذه المقدمة أن للفعل جهات كثيرة فهو محدث وطاعة ومعصية، ويكون حسنا وقبيحا، والأساس أن له جهة خلق وهي الله، وجهة كسب وهي للإنسان.

أما المعتزلة فيعتبرون القائلين بنفي خلق أفعال العباد عن الله ثلاث طوائف قبل أن يردوا عليهم:

1- طائفة تقول:الأفعال والحركات كلها من الطبائع: الطبيعة.

2- والثانية تقول: أفعال الاضطرار لا فاعل لها.

3ـ والثالثة تقول: كل شيء خلق الله ما عدا أفعال المكتسبين (127) .


وسنختار من بين الحجج التي اعتمدها أبو عمار ثلاثا جدلية نظرية واثنتين تقومان على الصيغ اللغوية.



أ) الحجج النظرية:


1- حجة الحركة والسكون:

ينطلق أبو عمار بطرح سؤال على القدرية الذين زعموا أن الأفعال غير مخلوقة لله وهو:" هل تخلو هذه الأفعال من أن تكون حركة أو سكونا؟" وعندما يقرون أنها إما حركة أو سكون يتدرج بهم تدريجا جدليا مزدوجا يفرض اختيار أحد موقفين:

- محدثة أو غير محدثة.

فإن كانت غير محدثة فقد أبطلوا وإن كانت محدثة فمن أحدثها؟ وهل تدل بحدوثها على حدوث من حلت به ووصف بها؟

ويصل بهم في النهاية الى السؤال التالي:" من جعلها إذن تدل على حدوث ما قامت به ووصف بها؟" فيفضي إلى جواب حتمي فلا يجدون إلا أن يقولوا إن الله جعل هذه الأفعال من حركات العباد وسكونهم واجتماعهم وافتراقهم دالة على حدوث أجسامهم وجعل ذلك دلالة على وحدانيته جل ثناؤه وربوبيته كما جعل سائر الأفعال من الأشياء كذلك كانت الأشياء متساوية في وجه الدلالة على الله جل جلاله (128) .


2- حجة عجز الأفعال عن أن تقوم بنفسها:

يفضي الجدل إن نسبوا ذلك الى العباد الى انقلاب القيم وأن يصير العصاة ممدوحين على معاصيهم وبذلك يتحتم نسبة ذلك إلى الله تعالى فهو الذي جعل الأفعال عاجزة محتاجة ملازمة للفناء مستحيلا عنها البقاء وجعلها محدثة غير قديمة كائنة بعد أن لم تكن، وجعلها دالة على قدم محدث جميع ذلك وثبوت ربوبيته ووحدانيته (129) .


3- رد ادعاء الشركة في الفعل بين الله والإنسان:

وتعتبر هذه الحجة أقوى حجج القدرية إذ ما دام الفعل لله وللعبد وهو لا يتجزأ فهو شركة بينهما والشركة عن الله منفية.

ويمهد أبو عمار للرد بالتمييز بين الشركة الحقيقية والمجازية، فالشركة الحقيقية كاشتراك رجلين في مال تجارة على قدر النسب والمجازية كتعاون رجلين على عمل ما. وفي كلا الحالين لا يجوز أن يقال إن الله شاركهما، وإن كان المال ملك الله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ، (24 النور 33) . في الأولى، وكان الله قواهما على التعاون في الثانية، وذلك لاختلاف جهات الإضافة في الفعل ومعانيه.

فسبيل خلق الله لفعل كسبيل ملك الله المال وتقويته للرجلين.

وسبيل اختيار العبد لفعله واكتسابه كسبيل المشتركين في المال والمتعاونين على عمل.

فالمهم حينئذ أن أبا عمار يعتبر أن هذه المسألة التي يعتد بها المعتزلة " هي عند المبتدءين من أهل الإثبات المثبتين للقدر مسألة ساقطة ومعارضة واهية فضلا عن حذاق متكلميهم" (130) .


أ?) حجتان تقومان على الصيغ اللغوية:

يعتمد المعتزلة على صيغتين هما:" لو جاز كذا...لكان كذا" و" هل ثمّ إلا الله وما خلق" يفضيان الى ضرب من المستحيل فيسعى أبو عمار إلى الرد عليهما.


1) معارضة القدرية بلو جاز:

يعتبر المعتزلة أن الفعل لا يتجزأ ولا يمكن أن يكون من فاعلين لذلك لو جاز أن يكون الفعل واحدا من فاعلين لجاز أن يكون حركة واحدة من متحركين وسكون واحد من ساكنين.

فيرد أبو عمار القاعدة التي انطلق منها المعتزلة ويعتبرها حكما بغير حجة ثم يعتمد على مبدأ تعدد الجهات ليبرهن على جواز أن يكون فعل واحد من فاعلين مثل جواز إضافة اللون الى اثنين على وجهين مختلفين أحدهما الخلق والآخر الحلول. فيقال هو خلق الله حل في جسد فلان، كذلك بالنسبة إلى الفعل الواحد فهو من الله خلق ومن الإنسان كسب (131) .


2) معارضة القدرية بهل ثمّ؟

يعتبر المعتزلة ما دام ليس ثمّ إلا الله وما خلق ينبغي أن تنتفي الأوامر والنواهي والثواب والعقاب.


فيرد أبو عمار بقوله:" ليس ثمّ إلا الله وما خلق لا على نفي الاكتساب ولا يجوز إرسال الجواب حتى يوصل بالصلة التي تبين بها الجواب". فإن قالوا مماذا غضب الله من نفسه أو من خلقه...قيل لهم: غضب من فعل العبد الذي هو لله خلق ولا يقال غضب من خلقه.

وترجع ردود أبي عمار على كلا الصيغتين الى ما قرره من لإمكان تعدد الجهات الأمر الذي يرفضه المعتزلة (132) .
وقبل أن نتحول الى تعريف الكسب يحسن أن نذكر حجتين عقليتين في الرد على الجبرية.

الاحتجاج العقلي في الرد على الجبرية:

يعتبر الجبرية أن الله فعال ولا يجوز أن يكون فعالا غيره، فلذلك لا يكون الثواب والعقاب إلا عطاء من الله ولا دخل للعبد فيه.

يعتبر أبو عمار أن الجبرية أخطأوا من الجهة التي أخطأ منها القدرية وذلك بنسبتهم الفعل الى جهة واحدة فنسب الجبرية الفعل إلى الله بينما نسبه القدرية إلى الإنسان والجواب حسب أبي عمار واضح مما ذكر من قبل.

ومن بين الحجج التي يذكرها على الجبرية:


1- الفرق بين السّالمين وأهل الزمانات

لو كان الناس جميعا مجبرين فلم التمييز بين السالمين وأهل الزمانان، ونحن نعلم أن الله أسقط أمورا على أهل الزمانات وبسط لهم المعذرة. ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج ، (48 الفتح 17) من ذلك إسقاط الإقرار بالتوحيد قولا على الأخرس وإبطال فرض الحج والجهاد على المقعد، بينما أوجب ذلك على الأصحاء السّالمين.

ثم يتدرج بهذا التحليل إلى اعتبار أن مثل هذا التصور دفع الملحدين إلى أن يعيبوا على ضعفه الأمة فعملوا على السعي إلى إبطال التوحيد والأمر والنهي (133) .


2-حجة المشيئة (134)

يعتبر الجبرية أن مشيئة الله وعلمه لا يبقيان معنى للكسب والاختيار فيجيب أبو عمار" الذي سألتمونا عنه من هذا أنه ليس في قولنا الله شاء لجميع ما يكون من الخلق

عمل العباد وغيره، وأنه عالم بجميع ذلك وليس شيء بخارج من علمه، ولا مجاوز لإرادته ومشيئته مما يوجب أن يكون الله مكرها للعالمين على أعمالهم ولا جابرا لهم على ما يكون منهم من اختيارهم كما أنا وإياكم جميعا نقول: إن الله عالم بجميع ما يحدثه في خلقه ومريد لما يقدره عليهم، ولا يكون من ذلك إلا ما علم وأورد وليس في ذلك أيضا ما يوجب أن يكون الله جل جلاله مجبورا على أفعاله في خلقه، ولا مضطرا عليها إذا كان لا يجاوز شيء من ذلك علمه ولا إرادته وليس العلم والإرادة باللذين يجبران أحدا على فعل ما فعل ولا بمانعين له عن فعل ما لم يفعل (135) ".

بهذا نتبين أن الفكر الاباضي يميز بين المشيئة وبين الجبر تمييزا قطعيا وبهذا يترك المجال للاختيار البشري لتتجلى الحكمة من الأمر والنهي والثواب والعقاب وبذلك يتميز فعل الاختيار عن حركات الاضطرار.

وواضح إذن من خلال هذه الردود على المعتزلة والجبرية أن الإباضية سلكوا مسلكا آخر عبروا عنه بالكسب فمتى نشأ هذا المصطلح وما مدلوله؟


الكـسـب


نشأة المصطلح

إن الناظر في ما بقي من نصوص عن الأئمة الأول أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع (1) لا يجد أثرا لاستعمال كلمة الكسب بالمفهوم الاصطلاحي الذي اصطبغت به في ما بعد، وإنما نلمس أن المفهوم سابق للمصطلح ذلك أن هؤلاء الأئمة لم يجنح واحد منهم الى طرفي القضية وإنما وقفوا بشدة ضد أصحابهم الذين نزعوا نزعة غيلان الدمشقي وتبرأوا منهم وأطردوهم من حلقاتهم (2) .

وقد جاء التصريح واضحا في عقيدة عمان بالبراءة من المعتزلة ومن الجبرية:

" والبراءة ممن زعم أن:... ليس لله مشيئة في أعمال العباد وأنهم عملوا خلاف ما شاء الله... وهم القدرية والمعتزلة..."

" والبراءة ممن زعم أن الله جبر العباد على الطاعة والمعصية... وهم الجهمية وأشياعهم" (3) .

أما النصوص المغربية التي وصلتنا قبل رسالة أبي خزر وحتى بعدها فإنها تذكر كلمة الكسب أو الاكتساب ذكرا عابرا مما يدل على أن المصطلح لم يتبلور بعد.

ومن ذلك ما جاء في كتاب مسائل التوحيد في صدد الحديث عن التمييز بين الطبع والجبر والاختيار:" وذلك أن الاختيار كل ما اختاره الإنسان واكتسبه من غير كره ولا ضرورة في الأخذ والترك وما يقوم عنها من قصده واختياره" (4) .


ومنع أيضا ما جاء في عقيدة نفوسة:" وقيل إن الجن والإنس مكلفون مأمورون مكتسبون... والحركة على وجهين حركة مضطرة ما يتحرك من غير قصد ولا اكتساب وهو مثل المرتعش والكائن في السفينة وحركة مكتسبة بالقصد والاكتساب" (5) .

لكن الناظر في ردود أبي خزر على المعتزلة والجبرية معا يتبين بوضوح أن الاباضية وقفوا موقفا وسطا وليس الكسب في النهاية إلا منزلة بين الجبرية المطلقة والقدرية المطلقة قد يقترب منن هذا الجانب حينا ومن الجانب الثاني حينا آخر كما سنحاول أن نتبين ذلك بعد حين (6) .

وهذا قوله جاء صريحا في ذلك:" فأخذنا من ذلك (7) بالوسط وهو أعدل القولين وأصوبهما فنفينا عن الإنسان ما ليس من فعله وأضفنا ذلك الى الله بالمعنى الذي يحسن به الإضافة إليه..." (8) .

ويميز أبو خزر بوضوح بين حركة المضطر وحركة المكتسب ويثبت لحركة المكتسب وفعله طرفين فيقول:" ونسبنا الفعل الى الإنسان بمعنى ما فعل، ونسبنا الخلق إلى الله بمعنى ما خلق" (9) ويقول أيضا:" والذي أضفنا إلى الإنسان من الفعل فهو كله من الجهة التي أضفنا إليه أنه تحرك وسكن وكفر وآمن، لم شاركه من هذه الجهة أحد. والذي يضاف إلى الله أنه خلق فعل العباد، فالفعل كله مخلوق ولم يشترك مع الله في خلقه أحد" (10) .

وبهذا يتضح مفهوم الكسب الاصطلاحي وإن لم يسلك أبو خزر في ذلك مسلكا نظريا وإنما يستفاد ذلك كما رأينا من خلال ردوده على المعتزلة والمجبرة وضرب حجج بعضهم ببعض.

ويحسن أن نشير هنا إلى موقف من مواقف الاباضية تفرد به مشائخ جبل نفوسة (11) ولم يمح إلا بعد ظهور النونية في القرن السابع هـ/ الثالث عشر م، وهو المعبر عنه بالجبل باللام وسكون الباء واستمرت الإشارة إليه إلى يومنا هذا على سبيل الذكر فقط.


القول بالجبل:

والجبل لغة من جَبَل الله الخلق: خلقهم ويقال جبله على كذا طبعه. وفي الأثر:" جبلت القلوب على حب من أحسن إليها". (12)


أما في الاصطلاح حسب ما اتفق عليه المشائخ من أهل الجبل مثل أبي هارون الجلالمي (13) وأبي يحيى الفرسطائي (14) وغيرهما" (15) فهو:" ومعنى كونهم مجبولين على أفعالهم أنهم مخلوقون على أن يفعلوا ما علم الله أنهم يفعلونه قبل أن يخلقهم لا أنهم مجبورون عليه ولا دخل لهم فيه ولو بالاكتساب كما تقول الجبرية، ومما يستدلون به على ذلك قوله تعالى : واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الأولين ، (26 الشعراء 184) . وقوله تعالى في الفطرة إنها الخلق : فاطر السماوات والأرض ، (6 الأنعام 14) . أي خالقهما وقوله : فطرة الله التي فطر الناس عليها ، (30 الروم 30) . أي خلق الناس عليها وقوله في الطبع: بل طبع الله عليها بكفرهم ، (4 النساء 155) . فالقلوب مطبوع عليها بالكفر الذي فعلوه واكتسبوه لا على ما قالت الجهمية إنهم مجبورون" (16) .

ومن أدلتهم في الحديث قوله عليه السلام: " جبلت هذه القلوب على حب من أحسن إليها وبغض ما أساء إليها" . (17)

أما في الأدلة العقلية فهم يميزون بين هذا الجبل وما يسمونه بجبل الطبيعة ذاك أن المجبول بهذا المعنى ينتقل من الحب الى البغض أما فعل الطبيعة فلا تغير فيه فالثلج لن يتحول عن البرودة إلى ضدها من الحرارة أبدا كما أن الجبل الطبيعي لا يجري عليه ذم ولا مدح فلا يقال للأبيض لم كنت أبيض؟

ومشائخ جبل نفوسة يحتجون بكل هذه الأدلة على أصحابهم من أهل المغرب (18) الذين يقولون بالاختيار ويعتبرون أن موقفهم أفضل لورود ذكره في القرآن والسنة كما ذكر بينما الاختيار لم يرد ذكره لا في القرآن ولا في السنة وإنما قال تعالى : وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمرهم ، (28 القصص 68) (19) .

والناظر في حجج مشائخ أهل المغرب يتبين أنها الحجج التي يستدل بها على الكسب إذ لا يذهب هؤلاء إلى نفي الفعل عن الله تعالى كما يقول المعتزلة.

فواضح من هذا التحليل أن الخلاف بين الطرفين يتمثل في نسبة الاقتراب من الجبر والاختيار إذ نحس أن منزلة القائلين بالجبل أقرب الى الجبر وإن لم يقل أصحابها به بينما منزلة القائلين بالاختيار أقرب الى موقف المعتزلة وإن لم تصل إلى درجتهم في تخصيص العبد بالفعل، والموقف الذي سيغلب على الفكر الإباضي هو موقف مشائخ أهل المغرب كما اتضحت معالمه عند أبي خزر الذي أشرنا إليه من قبل (20)

تحليل مفهوم الكسب


وقبل أن يزيد موقف الكسب توضيحا يحسن أن نشير إلى ظهور موقفين جديدين يتماشيان مع ما أشرنا إليه عند الاباضية من توسط وهما رأي الأشعري والماتريدي وهذان الرأيان تبلورا في ما بعد في المدرستين الأشعرية والماتريدية.

أما الأشعري" فالكسب عنده ينتهي إلى أن للعبد إرادة وقدرة حادثة فإذا توجهت إرادة العبد نحو عمل ما خلق الله قدرة العبد وخلق معها الفعل، فقدرة العبد مهمتها كسب الفعل وقدرة الله مهمتها خلق الفعل وهكذا فإن الإنسان قد منحه الله قدرة كاسبة ليس لها تأثير في خلق الفعل وإنما يفيض الله عليها هذه القدرة الحادثة فتكتسب الفعل بقدرة الله وهذا القصد أو الجزم هو مناط التكليف والثواب والعقاب" (21)

وبما أن هذه القدرة لا أثر لها في إيجاد الفعل فإن عنصر الاختيار ينتفي وبعبارة أخرى فإن كان الكسب نفسه مخلوقا لله تعالى مثل الفعل نفسه فذلك يؤدي حتما إلى الجبر ولهذا صار كسب الأشعري مضرب المثال في الخلفاء فيقال: أخفى من كسب الأشعري ومهما يكن من أمر يبقى الفرق بين الخلق والكسب في أن الخلق يحيط بالمخلوق من كل وجه بينما الكسب لا يفرض إحاطة الكاسب بالمكسوب من كل وجه. (22)

أما الماتريدي فهو أيضا قد قال بالكسب ومن ذلك ما جاء في كتاب التوحيد:" وليس في إضافتنا (الأفعال) لله سبحانه نفي لمشاركة الإنسان بل هي لله خلقا وإيجادا وللإنسان كسبا واختيارا" (23) .

ويرى الماتريدي أن المؤثر في أصل الفعل قدرته تعالى، وفي وصفه قدرة العبد فإذا ضرب زيد يتيما تأديبا أو ظلما فأصل الفعل وهو الحركة المشتركة بين الضربين مخلوق بقدرته تعالى، وكون الضرب طاعة وحسنا في الأول ومعصية وقبحا في الثاني حاصل بتأثير قدرة العبد وهذا التأثير يسميه الماتريدية الاختيار وسماه أحيانا الكسب (24) .
والمقارنة بين الكسبين تثبت أن نسبة الاختيار أوسع عند الماتريدي.

ومعلوم أن تحليل المدرستين للكسب بلور هذا المفهوم عبر الزمن (25) وليس لنا أن نتوسع في ذلك لكن قد نشير إلى مواقف بعض الأعلام من المدرستين خلال تفاعلها مع الفكر الاباضي وتجدر الملاحظة أن التعايش الفكري ظل واضحا بين هاتين المدرستين والفكر الاباضي على خلاف ما كان بينه وبينهما من تنافر في قضية الذات والصفات وقضية خلق القرآن. (26)


وبعد هذه اللمحة التي تساعد على تفهم تفاعل المدارس الإسلامية في ما بينها وكيف أنها تخدم بعضها البعض حتى وإن تنافرت، يحسن أن نذكر بأن مفهوم الكسب اتضح عند الاباضية في القرن السادس هـ /12م (27) ونكتفي ما جاء في كتاب الموجز عند الرد على القدرية والمجبرة للتدليل على ذلك:" قال جميع الفرق من أهل القبلة الخوارج والاباضية والشيعة والمرجئة: إن العالم وما فيه من جوهر وعرض وخير وشر وطاعة ومعصية ما يرى من ذلك وما لا يرى مما كان منه ومما سيكون- وما يتوهم كونه- أن لو كان كيف كان يكون، فهو خلق الله وتدبير له، والله المقدر لجميع ذلك والمدبر له، وهو الصانع له، والمالك وليس شيء منه بخارج من تدبير الله، وتقديره وملكه وسلطانه وإرادته وعلمه ما يضاف إلى العباد من ذلك وما لا يضاف إليهم وليس في أنه مضاف إلى العباد بأنهم إكتسبوه واختاروه وتحركوا به، وسكنوا وأطاعوا به وعصوا ما يزيل تدبير الله عنه، ولا ما يخرجه من خلقه وتقديره وقدرته، وسلطانه وعلمه، كما انه ليس تدبير الله لذلك وخلقه له، وجعله على ما هو له من كيفية في عينه، وبالذي يزيل عنه أن يكون كسبا للعباد واختيارا لهم، وهذا الذي ذكرناه من هذا القول هو ما عليه جمهور الأمة وصدر الإسلام" (28) .

وجاء فيه أيضا أثناء الرد على الجهمية المجبرة:" وقال أهل الحق: إن الله قدر جميع الأفعال وخلقها، وقضاها من فاعليها ولسنا نقول إنه جبر أحدا على ما كان منه من طاعة أو معصية، ولا نقول إن أحدا أوتي في شيء من التقصير عن طاعة ربه من قبل الله في تقديره لما كان منه من فعله ولا قضائه، ولا علمه أنه سيكون منه، والجبر منع واستكراه ولم نر أحدا من العاملين للطاعة والمعصية مستكرهين على شيء من فعلهم وهم لكل ما فعلوه من ذلك مريدون ولجميع ما أتوا من الفعل المفعول عن المتروك مختارون وإليه قاصدون فبطل بذلك قول جهم من قال بقوله من أصناف المجبرة" (29) .

من خلال هذين النصين وقد أوردناهما على طولهما لما رأينا فيهما من احتراز وتدقيق نتبين أن نسبة الاختيار في الكسب جلية في الفكر الاباضي وفي ذلك بيان للحكمة من الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وقد جاء في كتاب السؤالات ما يلي:" ستة مبطلة للجبل والجبر مثبتة للاختيار والاكتساب:" الأمر والنهي، والحمد والذم، والثواب والعقاب" (30) .

ويتضح مبدأ تبني مفهوم الكسب في القرن السابع هـ/ 13م مع أبي نصر القائل في نونيته التي ما يزال صداها الى اليوم في الأوساط الإباضية فهي من المتون التي تحفظ من الصغر على نغم أشبه ما يكون بنغم المدائح:(طويل)

أفعالنا فخلـق مـن الله كلهـا***ومنا اكتساب بالتحرك للبدن (31)


وكذلك في القرن الثامن هـ/14م مع عامر الشماخي في كتاب الديانات حيث يقول:" وندين بأن أفعال العباد اكتسبوها وعملوها ولم يجبروا عليها ولم يضطروا إليها" (32) ، والملاحظ أنه أورد هذا في باب العدل لنفي الظلم عن الله ولم يذكره في باب القدر إلا أنه لم يغفل في باب القدر عن نسبة خلق أفعال العباد الى الله:"...وندين بأن الله خالق أفعال العباد ومحدثها ومريدها" (33) .

والحاصل من النصين كما ألفنا ذلك اعتبار جهتين للفعل الواحد، الخلق لله والكسب للإنسان، أما الجيطالي في القرن الثامن هـ= 14م وإن بدا مدافعا عن نظرية الجبل في شرح النونية فقد غلب (القول بالكسب) على تحاليله ومواقفه خاصة أثناء الرد على المعتزلة وقد تبنى في ذلك نصوصا كاملة من كتاب الموجز الذي يدافع بشدة عن القول بالكسب والاختيار (34)

أما القرن التاسع هـ = 15 م فيتسم بهذا التحليل الموجز الذي نسبه يوسف المصعبي الى البرادي ويتمثل في ما يلي: ما للإنسان في فعله: القصد إليه، الاكتساب، الاختيار له، التحرك، السكون، مطيع إن أمر الله، عاص إن نهى الله. ما لله من فعل الإنسان: التقدير، التفكير، الإرادة، الخلق، الإحداث العلم به على ما هو عليه في كيفيته وفي حينه الذي يقع فيه" (34مكرر) .

إلا أن البرادي رغم تخصيصه رسالة لتعريف مفهوم الإباضية لعديد من المصطلحات فإنه لم يضبط تعريفا للكسب.

أما القرون الثلاثة التي تعنينا أكثر فقد اهتم فيها بتحليل القضية كل من عبدالله السدويكشي ومحمد ابن أبي ستة المحشي وقاسم الويراني، ويوسف المصعبي وعمرو التلاتي.

أما عبدالله السدويكشي فيثبت بوضوح أن مسألة الكسب من غوامض علم الكلام ويصرح بأن الكسب يخلص من مضيق ويتدرج الى هذه النتيجة بعد عدة تحاليل ينطلق فيها من تحديد الفعل فيذكر في ذلك أنه " عرض يوجد مع الاستطاعة" أو " ما وجد بعد عدم" ثم يبين أن الكسب تبرير للتكليف لأن الله وحده هو المنفرد بالخلق وهو أثر القدرة الحادثة وإن كانت حقيقته غير معلومة وهنا يقرر أن القدرة الحادثة (34مكرر) تتعلق ببعض أفعال الإنسان كالصعود دون البعض كالسقوط.

ثم يفضي به التحليل إلى تقرير ما عبر عنه باختلاف الإضافات وهو شبيه بما رأينا من قبل باختلاف الجهات (35) فيقول:"... فالكسب لا يوجب وجود المقدور ولأجل اتصاف الفاعل بذلك كان مرجعا لاختلاف الإضافات ككون الفعل طاعة أو

معصية حسنا أو قبيحا فإن الاتصاف بالقبح بالقصد والإرادة قبيح بخلاف خلق القبيح فإنه لا ينافي المصلحة والعاقبة الحميدة بل ربما اشتمل عليهما". (36)

وبعد أن يوضح حكمة الله في الخلق حتى في ما بدا لنا خبيثا يثبت أن الأمر يختلف بالنسبة إلى كسب الإنسان" فإنه قد يفعل الحسن وقد يفعل القبيح فجعلنا كسبه للقبيح بعد ورود النهي عنه قبيحا سفها موجبا لاستحقاق الذم والعقاب" (37) .

وبعد أن يرد على المعتزلة بإثباته إمكانية وقوع المقدور الواحد تحت قدرتين (38) يقول:" لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه وبالضرورة أن لقدرة العبد مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش واحتجنا في التخلص من هذا المضيق الى القول بأن الله تعالى خالق والعبد كاسب، وتحقيقه أن صرف العبد قدرته وإرادته الى الفعل كسب، وإيجاد الله الفعل عقب ذلك الصرف خلق (39) .

ثم يختم بقوله:" وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أن نزيد في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله وإيجاده مع ما للعبد من القدرة والاختيار وإن عبروا عن الفرق بينهما بمثل: الكسب ما وقع بآلة، والخلق ما وقع بلا آلة " (40) .

وبعد أن ميز بين الحركة الإرادية والضرورية للرد على الجبرية تخلص إلى ما يلي:" لا يقال الجبر لازم لكم حيث لم يجعلوا للعبد تأثيرا في أفعاله لأنا نقول بأن الجبر المحظور هو الحسي وأما العقلي وهو سلب الخالقية عن العبد، فهو متوجه على جميع الفرق بل هو محض الإيمان كما أن ما أراده تعالى من العبد لابد من وقعه باختياره فإن الوجوب بالاختيار هو محقق الاختيار لا مناف له" (41) .

فتحاليل السدويكشي قد استفادت ولا شك من كل ما سبق إلا أن نزعته في التحليل لا تعتمد على نقل النصوص وإنما على استيعاب القضية ثم تحرير مراحلها تحريرا ذاتيا ومصل هذا المنهج مكن السدويكشي من السيطرة على القضية نسبيا ودفعه إلى أن يبوح بصراحة بدقة القضية وصعوبة التمكن منها إذ يشعر أن العبارة عاجزة عن تحمل المعاني الخفية التي يحس بها من يحلل مثل هذه القضية.

فتحاليل السدويكشي قد استفادت ولا شك من كل ما سبق إلا أن نزعته في التحليل لا تعتمد على نقل النصوص وإنما على استيعاب القضية ثم تحرير مراحلها ذاتيا ومثل هذا المنهج مكن السدويكشي من السيطرة على القضية نسبيا ودفعه الى أن يبوح بصراحة بدقة القضية وصعوبة التمكن منها، إذ يشعر أن العبارة عاجزة عن تحمل المعاني الخفية التي يحس بها من يحلل مثل هذه القضية.



ونلخص من تحليله هذا إلى تعريفين واضحين لمصطلح الكسب وهما:

1- صرف العبد قدرته وإرادته الى الفعل.

2- ما وقع بآلة. (42)


أما محمد ابن أبي ستة- المحشي- فقد تبنى موقف كتاب السؤالات (43) وقد أشرنا إليه من قبل. (44)

أما تحاليل قاسم الويراني فتبدو طريفة إذ بين اختلاف الإباضية في القضية، وبين ما ينتابها من غموض فقال:" ومال بهم الأمر في ذلك إلى أن قالوا ليس كونه كسبا من العبد ما يخرجه عن كونه خلقا من الله وأنت خبير بأن هذا لا يشفي الغليل، ثم قرر أن حقيقة الأمر في ذلك: أن الله تعالى خلق العبد ليبلوه وجعل له الاختيار في ما يجترحه. ومعنى الاختيار إذ سنح بباله فعل شيء وتردد في فعله وتركه نشأ عن تردده الميل إلى أحد الجانبين وترجيحه فالميل هو المعبر عنه بالإرادة والترجيح هو المعبر أحد الجانبين ويسمى كسبا بإعتبار أنه مبنى ما يصدر عنه فإذا طفق في إخراج ذلك من العدم إلى الوجود فالمخرج هو لله تعالى وتقدس والعقاب المترتب على الفاعل باختيار الفعل وإرادته إياه" (45) .

والأساس بالنسبة إلى الويراني أنه حاول أن يتخلص مما لا يشفي الغليل فلم يصل هو أيضا إلى ذلك، إلا أنه أضاف فكرة الميل والترجيح واتضح أن الكسب حسب رأيه هو الترجيح المعبر عنه بالاختيار لأنه منطلق كل ما يصدر عنه.

أما عمرو التلاتي فقد تعرض للقضية في مواطن عدة في شروحه ومختصراته والناظر في هذه النصوص يتبين نزعته الى المقارنة مع ما جاء خاصة عند الأشاعرة والماتريدية إلى أن يوشك أن يختلط الأمر على القارئ ولا غرابة في ذلك لأن المواقف متفقة غالبا وإن بدت فيها فويرقات في نسبة الاقتراب من الجبر المطلق والاختيار المطلق والابتعاد عنهما. ونكتفي بما أورده في شرحه على كتاب الديانات من التعاريف وهي:

- " عند غير الاباضية: الكسب هو تعلق القدرة الحادثة بالمقدور. وقيل: هو صرف العبد قدرته وإرادته الى المقدور.

ويستشهد بما جاء في جوهرة التوحيد ويذكر من ذلك:( رجز).

وعندنا للعبد كسب كلفنا***ولـم يكـن مؤثـرا فلتعـرفـا (46)

- والذي في كتبنا أن الكسب:

صرف العبد قدرته وإرادته للفعل.
وقيل : هو ترجيح العبد الفعل على غيره.

وقيل: هو الحركة والسكون وهذا القول الثالث غير ظاهر، لأن كلا من الحركة والسكون فعل لا كسب". (47)

وطرافة التلاتي تتمثل في ما يوفره بين يدي القارئ من نصوص تمكنه من المقارنة بيسر، وتكثر في هذه القضية صيغة " وأصحابنا" و" الأشاعرة" وعبارة " كما تقول الأئمة الماتريدية" وفي هذا دلالة على تقارب وجهات النظر.

والملاحظ أن مدار هذه التعاريف واحد لأنها تتفق على تحميل الفاعل المسؤولية في إتيان الفعل ليستقيم التكليف.

أما يوسف المصعبي فقد سلك مسلك النقل هو أيضا، إلا أنه اكتفى بإيراد النصوص الاباضية مع شيء من الحذف الذي لا يخل بالمعنى ثم خلص إلى النتيجة التالية:" فتحصل من كلامهم رحمهم الله اختلاف في تحقيق مسمى الكسب.

فالشيخ عبدالله( يعني السدويكشي) ذكر أنه صرف العبد قدرته وإرادته الى الفعل.
والشيخ إسماعيل(أي الجيطالي) رحمه الله ذكر أنه الحركة والسكون، وهو المتبادر من كلام صاحب الموجز (أي أبا عمار عبد الكافي) والشيخ قاسم( الويراني) ذكر أن الترجيح يسمى كسبا واختيارا" (48) .

وما يزال الموقف هو نفسه إلى الآن ذاك أن الكسب باب من أبواب نفي الجبر وتمكين الإنسان من الإختيار وفي ذلك يقول السالمي: (رجز)

لكـن لنـا فـي فعلنـا اكتسـاب***به الثواب وبه العقاب
من ثم قد نيل به أعلى الرتب***إلا النـبـوات فلـيـس تكتـسـب (49)

ثم يقول:

لكن لذا التخبير واكتسابنـا***قد انتفى الإجبار عن رقابنا (50)

ويقول أيضا في جوهر النظام:(رجز)

لكن فعل العبد كسب منه***وربنا الخالق فافهمنه (51)

ويعلق ناثر جوهر النظام معرفا الكسب كما يلي:" والمنسوب منها (الأفعال) إلى الخلق مجرد كسب يسمى القدرة الحادثة في العبد مقترنة بالفعل المخلوق لله فيه" (52) .

إن هذا العرض لنشأة فكرة الكسب وتطورها تدريجيا الى مصطلح تبين أن الفكر الاباضي ظل وفيا لموقف الأئمة الأول الذين أخذوا عن أصحاب الرسول عليه السلام إلا أن الأحداث السياسية، وقد قلبت الأوضاع في القرن الأول هـ/17م من جراء أحداث الفتنة الكبرى التي أسفرت عن معتقدين متناقضين أحدهما مواكب للدولة يفهم القدر على أنه جبر، والثاني معارض للدولة يفهم القدر على أنه فعل العبد فحسب ليبرهن على اغتصاب الحكم من الأمويين ، دفعت بالاباضية إلى إتخاذ موقف معتدل من القضية رغم معارضتهم للحكم الأموي لأن هذا الموقف لا يبرئ ساحة الأمويين ولا يتعارض مع علم الله في الأزل وإرادته وتجلى ذلك صريحا على لسان الربيع ابن حبيب الذي بين أن الخلق من الله والفعل من العبد. (53)

ومهما بدت مواقف الاباضية التي ذكرنا متباينة في الظاهر من الكسب فهي لم تخرج عن هذا النطاق، إذ لم يقل واحد من هؤلاء العلماء لا بالجبر المطلق ولا بالاختيار المطلق، وحتى ما بدا قريبا من الجبر من قول مشائخ جبل نفوسة ما قبل القرن السابع هـ/13م فقد ميزوه عن الجبر وكذلك بالنسبة إلى مشائخ المغرب فإن قالوا بالاختيار فكان ذلك من باب التعبير عن الكسب.

وإن كان التيار الجبري والاعتزالي دفعا الاباضية الى ضرب حجج بعضهم ببعض فإنهم وجدوا في المدارس الأشعرية والماتريدية والشيعية- الزيدية خاصة- أحسن مساندة لبلورة مفهوم الكسب.

والملاحظ أن القضية بقيت في نطاق الصراع الفكري خاصة بعد انقراض المعتزلة واندماجهم في تيارات أخرى ولذلك لا نجد في رسائل الردود لهذه القضية أثرا ، ذلك لأن المحيط الذي يتعايش معه إباضية المغرب أشعري ويغلب عليه الطابع المالكي والكل يقول بالكسب وإن وجدت بعض الفويرقات كما أشرنا إلى ذلك سابقا.

وهكذا تمضي القرون فيتبلور المفهوم شيئا فشيئا ليصاغ في متون أحيانا ومحللا أحيانا أخرى في دراسات مستقلة، أو في شروح لهذه المتون فتتضح ناحية التنظير ويذكر هؤلاء العلماء تعاريف للكسب تمكن من التعبير عن الفكر الاباضي في القضية

في قالب نظري ميسر، لكن هذه التعاريف مهما بلغت فإنها لا تشفي الغليل كما ذكر قاسم الويراني، إلا أنها تقرب المعنى للإنسان.

والواضح من خلال هذه التعاريف أنها تجعل مفهوم الكسب عند الاباضية أقرب إلى مفهوم الكسب عند الماتريدي حيث يستركان في توسيع نسبة الاختيار بينما يظل الكسب عند الأشعري أقرب إلى الجبر، وإنك لتجد ذلك واضحا في الألفاظ المختارة للتحديد مثل الصرف، والميل ، والترجيح، وفي كل هذا سعى الفكر الإباضي إلى أن يجعل للإنسان مسؤوليته مع تأدب مع الله تعالى في إرادته وعلمه وقدرته.

ولا يمكن أن نقف عند هذا الحد إذ ارتبطت بقضية القدر والكسب قضايا أخرى، فلنحاول أن نثبت كيف نظر الاباضية إلى هذا الارتباط.

تحليل قضايا تتعلق بالقضاء والقدر

تأتي على رأس هذه القضايا قضية الإرادة الإلهية وعلاقتها بفعل الإنسان.

الإرادة:

لم يقع التركيز على قضية الإرادة في ما وقع بين أيدينا من تراث المرحلة المقررة وهذا عمرو التلاتي يكتفي بتلخيص الموضوع دون أن يدعمه بما يحتاج من الحجج على أساس أنها عرضت من قبل لذلك سنورد تلخيصه هذا ثم نعتمد على ما جاء من تحاليل عند أبي عمار عبد الكافي لاستيفاء الغرض.

وملخص عمرو التلاتي هو:" وإن الإرادة عندنا توجد مع المراد لا قبله ولا بعده كالاستطاعة لأنها علة فيه، والعلة لا تفارق معلولها، وقالت المعتزلة قبله لا معه ولا بعده، وهي عندنا قسمان إرادة العزم وإرادة التمني، فالأولى توجد مع الفعل والثانية توجد قبله، وقد يتخلف المراد عنها كأن توجد هي ولا يوجد هو لأنها ليست علة فيه، وإن إرادة العزم للشرك والمعاصي إرادة خلق لا أمر، وإرادة الإيمان والطاعة إرادة خلق لا أمر، وإن الكافر مكلف عندنا بالإيمان وسائر الطاعات، وبالإنكفاف عن الكفر وسائر المعاصي وإن العاجز والزمن غير مكلفين" (1) .

أما أبو عمار فيشبع القضية بحثا ويمكن أن نعرض تحليله كما يلي : قال الله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ، (16 النحل 40) ويقول أيضا : فعال لما يريد ، (11 هود 107).

لا خلاف في أن الله فعال لما يريد لكن ما حقيقة هذه الإرادة؟ وما صلتها بالأمر؟
وما علاقتها بأفعال العباد؟ وما علاقتها بالخلق بصفة مطلقة؟ وما علاقتها بالمراد؟

لقد حرص أبو عمار على أن يثبت موقف الاباضية من هذه العلاقات في نطاق مجادلة أهل الاعتزال.

فإن أقر المعتزلة أن الإرادة صفة فعل فقد أثبت الاباضية أنها صفة ذات أزلية واجبة لـه تعالى لأن الاستكراه عن الله منفي، لا يجوز أن يوصف به في حين من الأحيان (2) فالله تعالى ما يزال مريدا (3) .هذا في ما يتعلق بتحقيقه الإرادة.
أما عن صلتها بالأمر فغن أقر المعتزلة أنها عين الأمر فقد بين الاباضية أنها غير الأمر:" ويقال للمعتزلة في قولهم: إن الإرادة من الله فعل يفعله وهو عين الأمر

بالطاعة، فإذا أحدث الإرادة لشيء فعله وإذا أحدث الإرادة للإيمان يأمر بالإيمان، ولا يجوز أن يكون يأمر بالشيء وهو غير مريد لـه، فإذا أراده أمر به، فالإرادة غير الأمر" (4) .

وأما عن صلتها بأفعال العباد فيحددها عند ربطها بالطاعة والمعصية.

ففي ما يتعلق بالطاعة:" فإنا لا ننكر أن يقال :إن الله أراد طاعته من عباده على معنى أمرهم بها ودعاهم إليها" (5) .

وتصطدم الإرادة بمعاصي العباد فيطرح المشكل التالي: هل أراد الله أن يعصى؟

ويجيب أبو عمار: إن كنت تريد أراد الله أن يعصى بمعنى أمر بالمعصية فلا، بل أراد الله أن يطاع بهذا المعنى، وإن كنت تريد أراد المعصية أي جعلها خلافا للطاعة غير مستكره على أن تكون المعصية من العصاة والكفر من الكافرين فهذا ما نقول، فالإرادة في هذا الموضع نفي الاستكراه" (6) .

ويبين البرادي بوضوح هذا المعنى بما يلي:" إن الفائدة في قولنا:" أراد الله المعصية وشاءها ثلاثة أشياء:

1- أحدها: أراد خلقها وشاءها لا على معنى الأمر بها والدعاء إليها مثل ما هو في الطاعة.

2- والثاني: أراد النهي عنها والذم لها والمعاقبة عليها وجعلها مخالفة لطاعته.

1- والثالث: معنى أرادها وشاءها على نفي الاستكراه عن الله عز وجل فيكون معنى أرادها وشاءها لم يكن الله مغلوبا عليها ولم تقع من فاعلها على كره منه" (7) .

وبهذا التأويل للإرادة يكون الرد على المعتزلة في أسئلتهم التي هي ضرب من التعجيز والموقف الاباضي في الإرادة يتمثل في الإلحاح على نفي الاستكراه عن الله تعالى، وكذلك في العلم نفي الجهل عنه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

وأما عن علاقة الإرادة بالخلق فيفصح عنها أبو عمار في رده على المعتزلة أيضا الذين يقولون : عن الإرادة لأن يخلق الخلق هي خلقه له: فبين أن الإرادة مغايرة للخلق ومتقدمة عليه ودليله على ذلك قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ، (16 النحل 40) (8) .


ويختم أبو عمار تحليله لهذه القضية بما يلي:" وهذا الذي قلنا به في الإرادة هو قول الاباضية والزيدية والمرجئة والعامة وما عليه صدر الاسلام بنقلهم الجملة التي يتوارثونها عن الماضين من الأسلاف " إن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" تبارك الله رب العالمين (9)

وأما في علاقتها بالمراد فيقول أبو خزر ما يلي:" والذي نقول من ذلك إن الإرادة مع المراد لا قبل ولا بعد، وذلك أن الإرادة علة للمراد ومحال أن تفارق العلة المعلول" (10) ثم يميز بين إرادة العزم ويؤكد أنها لا تكون إلا مع الفعل، وبين إرادة التمني وهي تكون ولا يكون المراد لأنها ليست بعلة له.

فالإرادة حينئذ صفة ذات، وهي مغايرة للأمر، كما أنها تتخلف عن الخلق وتتقدمه، ولا ينكر الاباضية أن يريد الله المعصية لكن لا بمعنى الأمر بها وإنما بمعنى نفي الاستكراه عن الله تعالى، وبمعنى النهي عنها والمعاقبة عليها، وجعلها مخالفة للمعصية، كما يقرون أن إرادة العزم تكون مع المراد بينهما تكون إرادة التمني ولا يكون المراد.

وترتبط بهذه القضية مسألة الاستطاعة.


الاستطاعة وتكليف مالا يطاق:

الاستطاعة لغة مصدر استطاع الشيء بمعنى أطاقه وقدر عليه وأمكنه . (11)

والقضية المطروحة في هذا الباب تمس علاقة الاستطاعة بفعل الإنسان، ويحسن أن نمهد للموضوع بنقل المناظرة التي دارت بين إباضي ومعتزلي.

قال كهلان الواصلي لأبي أيوب الاباضي (12) : أتنكر أن الاستطاعة باقية.

فقال أبو أيوب: نعم، وأدعي أنها فانية.

قال كهلان: والله يكذبك إذ يقول : فاتقوا الله ما استطعتم ، (64 التغابن 16).

فقال أبو أيوب: أرأيت هذه الآية التي تلوت محكمة أو متشابهة فيكون تأويلها على خلاف تنزيلها؟

قال كهلان: بل أنها محكمة لا ينبغي لها من التأويل غير ما سمعت فيها من التنزيل.

قال أبو أيوب: أليس وهي فرض أن تتقوا الله ما استطعتم والاستطاعة باقية فيكم.

قال كهلان: نعم.

قال أبو أيوب: فكل ما استطعتم من تقوى قد كفرتم إن فرطتم.

قال كهلان: نعم.

قال أبو أيوب: فإنكم تستطيعون صدقة أموالكم، وعتق رقبتكم، وقيام ليلكم، وصيام نهاركم، فلو كذبتم على هذه الآية لكان خيرا لكم من أن لو صدقتم، أما شهدتم أنكم تستطيعون ما عددنا من التقوى فضيعتم.

فتعجل كهلان لسأله عن غيرها. (13)

هذا النص دليل على أن القضية مطروحة من عهد مبكر، من النصف الثاني من القرن الثاني/8م (14) كما بين أن الجدل ثار حول الآية المطروحة عن الاستطاعة فإن اعتبرها المعتزلي محكمة ليبرر موقفه من أن الاستطاعة باقية فإن الاباضي وضعها ضمن المتشابهة الذي يحتمل التأويل ليبرز أنها فانية، إذ لو كانت باقية لوجب ألا يتوقف الإنسان لحظة عما عدد من التقوى، فالاستطاعة تفنى بانتهاء الفعل لتتجدد استطاعة أخرى.

قم أن الجدل تركز بعد ذلك على تحديد مفهوم الاستطاعة؟ وهل هي مع الفعل أو قبل الفعل؟ وهل يكلف الإنسان بما لا يطاق؟

وقد جاء تحليل يوسف المصعبي (15) موسعا لهذه القضية وشاملا لها لما جاء قبله من نصوص خاصة عند أبي خزر وتبغورين والمحشي فماذا عن تحديد مفهوم الاستطاعة؟


تحديد الاستطاعة:

يعتبر الاباضية أن الاستطاعة هي صحة الجوارح وسلامتها من شوائب الآفات ويعبرون عنها أحيانا بالقوة (16) ويشيرون إلى أنواع من الاستطاعات مثل استطاعة المال، واستطاعة السبيل، واستطاعة الخلقة (17) ، واستطاعة الفعل، وينبهون إلى أن الجدل قائم حول استطاعة الفعل ويشير تبغورين إلى أن معنى " يستطيع، ويمكن، ويفعل واحد عندنا" (18) .



صلة الاستطاعة بالفعل وتكليف الإنسان بما لا يطاق:

بما إن المعتزلة يعتبرون الاستطاعة باقية فإنهم يرون أنها سابقة للفعل بينما يلح الاباضية على أنها مع الفعل وتنتهي بانتهائه لتظهر استطاعة أخرى مع فعل آخر وهكذا ودليلهم على هذا ما يلي:


1- دلالة الفعل على القوة:

"... إذ جومع (19) على أن الفعل دل على القوة وأنه إذا فني الدليل فني المدلول وذلك أنه من شأن القوة أنها لا تبقى حالين، وكذلك الفعل لا يبقى حالين، فكيف يكون أحدهما دليلا والآخر مدلولا عليه إذا لم يجتمعا" (20) .


2- وجود الفعل بزوال الآفة:

"... لما كانت الآفة تمنع الفعل صحّ عندهم (الاباضية) أن الآفة إذا زالت وجد الفعل، لأن الآفة ضد القوة، فالضد ثابت حتى يتأتى ضده فيزيله فاستدلوا بهذا المعنى على أن القوة مع الفعل إذا زالت الآفة التي تمنع من الفعل وإلا بطلت الأضداد ومناظرة الشيء بنظيره" (21) .


3- العجز عن الجمع بين فعلين في وقت واحد:

" ولا يستطع العبد إلا فعل ما هو فيه لأنه لا يستطيع أن يخلق خلقه يستطيع بها أن يكون فاعلا تاركا، ولا مطيعا عاصيا، ولا قائما قاعدا، ولا قابضا باسطا، ولا آخذا تاركا في حال واحدة، هذا ما لا يصح". (22)


4ـ تأويل قوله تعالى: ( فاتقوا الله ما استطعتم) (64 التغابن16)

في هذا قولان:" اتقوا الله ما استطعتم فعل شيء من الأشياء وهو الذي قدمناه أن الله لا يكلف أحدا إلا مستطيعا لأخذ ما كلف أو تركه، وذلك أنه إذا أشغل قوته بما كلف لم يستطع تركه وإذا ترك لم يستطع فعله بإشغال قوته في ترك ما كلف لأنه لا يستطيع الأخذ والترك جميعا.

والقول الثاني: اتقوا الله ما استطعتم ما دمتم أحياء" (23) .


5 ـ تأويل قوله تعالى : ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ، (11 هود 20)

" وليس المعنى في هذا أنهم لا يسمعون الأصوات ولا يبصرون الألوان ولكن هذا سمع القبول لا يقبلون ما دعاهم إليه النبي عليه السلام إذ شغلوا قوتهم بترك القبول لما دعاهم إليه، وكذلك " لا يبصرون" على معنى لا يفعلونه، فوصفهم الله أنهم

لا يستطيعون فقلنا كما قال الله عز وجل إنهم لا يستطيعون لا لزمانه حلت بهم ولا لمانع من الفعل، وقال الله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ، (17 الاسراء94) فكان قولهم الذي هو فعلهم هو المانع لهم. وأجاز الناس بينهم، وهو قول الرجل ما أستطيع أن أنظر إليك لبغضه لـه، فكان بغضه مشغلا له شاغلا من استعمال النظر إليه وهذا بين واضح أن يكون من أحد في فعل شيء أنه غير مستطيع لضده لإشغاله قوته بما قصد إليه وفعله لا لزمانه ولا لمنع من الفعل" (24) .

تلك هي أبرز الأدلة التي يعتمدها الاباضية في الرد على المعتزلة ليؤكدوا أن الاستطاعة مع الفعل...وهم إلى جانب هذا يردون قول الجبرية الذين يعتبرون أن الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح. ويقول تبغورين في هذا الصدد ما يلي:" ومن زعم أن الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح أو غير ذلك ففي إثبات الأعراض (25) ما يبطل قولهم، ويدخل عليهم ما ذكرنا من البالغ في أول أحوال بلوغه لا يخلو من أن يكون آخذا أو تاركا، أو متحركا أو ساكنا، كما قلنا في صدر الكتاب فأيما قالوا من ذلك ألزمهم أن تكون إرادته واستطاعته معه إلا أن يأتوا بمحال لا يفهم ولا يعقل...

والجسم عندنا وعندهم لا يخلو من حركة أو سكون باكتساب أو ضرورة وما كان باكتساب فباستطاعته وإرادة وما كان باضطرار فبزمانه وعجز، وهذا لا يخلو من الأحياء والأموات وقد استحالت منهم الأفعال والتكليف وليس فيهم الكلام، فلما كان هذا ثبت أن الاستطاعة مع الفعل والإرادة مع المراد والتقرب مع المتقرب به كما قلنا. وكذلك الأمر مع الفعل إما أمر به أو تركه...." (26)

وبهذا يتجلى نزعة التوسط في رفض الموقفين.

والإباضية يتفقون مع الأشاعرة والماتريدية في أن الاستطاعة مع الفعل (27) وقد حرص يوسف المصعبي في حاشيته على أصول تبغورين أن يلم بالقضية من جميع جوانبها وتتجلى طرافته في المقارنة بين النصوص والمقابلة بينها وقد جاءت استشهاداته في شرحه مكملة لما لم يتعرض إليه تبغورين. (28)

وبقي أن نشير إلى أن هذا التراث يتلاقى مع المعتزلة والماتريدية في أنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق وذلك بمنافاته للحكمة الإلهية (29) على عكس الأشاعرة الذين يجيزون ذلك بناء على قدرة الله المطلقة التي لا تحد (30) .

وخلاصة القول إن ما يتعلق بالاستطاعة في القرآن يعتبر من المتشابه وإن الاستطاعة مع الفعل وإنها تفنى بانتهائه وإن حكمة الله تقتضي ألا يكلف الإنسان بما

لا يطاق، وهذا يبين أن صلة هذا المبحث وثيقة بالكسب إذ رأينا أن من التعاريف الواردة للكسب أنه كل فعل وقع باستطاعته محدثة مع الفعل.

وإن كانت الاستطاعة مرتبطة بهذا المبحث فإننا كثيرا ما نجد أن التراث الاباضي يعتمد على معنى العصمة والعون والتوفيق والخذلان ليتخلص من المضائق المحرجة التي توحي بفكرة الجبر.


العصمة والخذلان:

جاءت في القرآن الكريم عدة آيات تثبت أن الإنسان لا يدرك الإيمان إلا بفضل من اله. فمنها ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ، (24 النور21) كما جاء مثل ذلك في عدة أحاديث نذكر منها قوله عليه السلام: " لن يدخل الجنة أحد بعلمه. قيل ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" . (31)

وتحاول المصادر الاباضية أن توفق بين مسؤولية الإنسان في فعله، وبين هذا المدد الإلهي الذي يمن به على من يشاء من عباده فنقول:" العون والعصمة (32) والتوفيق والتسديد والتأييد، وشرح الصدر الذي خص الله تعالى بها المؤمنين مترادفة على معنى واحد، وهو أمر يوجده الله تعالى فيهم حال إيمانهم ووفائهم بدينه تعالى يحول بينهم وبين الكفر والضلال على أنه أفضل تفضل به عليهم عاصم وحافظ لهم من الشيطان وطرقه وأعوانه وذلك الأمر كيفية نفسانية يجدها المؤمن من نفسه إذا خلا ونفسه حالة وافية بدينة عز وجل كما يجده الصائم من نفسه كيفية مانعه لـه من إبطاله،وعلى أنه لولا تفضل الله تعالى على المؤمنين بها ما زكا أحد منهم لقوله تعالى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ، (2 البقرة 64) (33) ".

وقد جاءت الإشارة إلى هذا المعنى من زمن مبكر مع أبي عبيدة عندما قيل له: لا يستطيع الكافر الإيمان قال: ما ازعم أن من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من الحل إلى الحرام لا يستطيع أن يصلي ركعتين وما أزعم أنه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله (34) .

وتزيد النصوص تدقيق مسألة العون فتورد التساؤل التالي: هل العون جزء واحد أو أجزاء متغايرة؟ وتثبت قولين:

1- لكل جزء من الإيمان جزء من العون.

2- العون جزء واحد موضوع لكل الإيمان (35) .


ومهما يكن هذا التفصيل فإن النتيجة واحدة ذاك أن الإيمان بجميع شعبه لا يتم إلا بعون الله وتوفيقه.

ثم إلى جانب هذا تتعرض المصادر الى حقيقة الخذلان فتبين أنه" ليس بمعنى فيوصف لأنه ترك من الله للكافر إذا لم يعطه من فضله شيئا يعصمه به بل وكله إلى نفسه والوكلان في مثل هذا ليس بشيء إذا لم يفعل ضده" (36) .

والترك من الله على وجهين: فكل ترك ليس فيه فعل ضده فليس بفعل ولا شيء. وكل ترك فيه فعل ضده فهو شيء ومثل ذلك ترك الله أن يميتك أي أحياك...هذا ليس بشيء...وذلك الترك ليس بشيء إلا صلة في الكلام وزيادة على ما وصفنا (37) .

فالخذلان حينئذ ضد العون وإن كان العون فعلا والخذلان تركا.

ويبين هذا التراث في النهاية أن العون يكون للمؤمن في حال فعله الإيمان والخذلان للكافر في وقت فعله الكفر لا قبل ولا بعد (38) ولا حجة لهم على الله أن يعينهم ولا أن يهديهم إلى دينه بعد أن جعل فيهم قوة يقدرون بها على فعل الإيمان ومكن لهم بذلك ما يأتون من ذلك وما يتركون. (39)

إن هذه التحاليل تثبت دائما الفرار من الجبر المطلق ومن الحرية المطلقة ولله أن يعصم من يشاء وألا يعصم من يشاء لا يسأل عما يفعل في خلقه وهم يسألون عما أوجبه عليهم.

بعد أن مررنا بسرعة على موضوع العصمة والخذلان يحسن أن ننظر في علاقة الدعاء والرزق والأجل بالقدر. فإن كان الرزق محددا من الله تعالى والأجل مقدرا فلماذا الدعاء؟

الدعاء: إن كان المعتزلة يرون أن الدعاء تعبير عن العبادة والخشوع فإن الاباضية والأشاعرة يرون أن الدعاء من القدر وفي هذا الصدد يقول الجيطالي:" فاعلم أن القدر والطلب لا يتنافيان فرب أمر قدر الله وصوله إليك بعد الطلب فلا يصل إليك إلا بطلب، والطلب أيضا من القدر ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطلب فإنهما مقدوران فمن هنا ثبت أنهما لا يتنافيان" (40) .

فالدعاء حينئذ باب من أبواب تيسير المطلوب ولا يتنافى مع قدر الله تعالى.

الرزق: (41) إن الله هو الرزاق العليم فهو رازق لعباده، وتطرح المشكلة في مستوى ما يأكله الإنسان من حرام وتأتي الإجابات كما يلي:" والظاهر أن الرزق هو ما ينتفع به حلالا كان أو حراما أو مكروها كما هو مذهب الأشاعرة (42) وقال تبغورين:" وقال المسلمون ومن وافقهم من الاباضية والمرجئة: من أكل الحرام فقد أكل رزقه وغذاء ولم يأكل رزقه ملكا". (43)

فالرزق حينئذ نوعان: رزق غذاء ويكون حلالا أو حراما (44) ورزق ملك ولا يكون إلا حلالا. كما أنه لا يأكل أحد رزق أحد. والأساس في الرزق أن الله يوسع لمن يشاء ويضيق عمن يشاء وكل ذلك من باب الابتلاء إلى أجل معين.

الأجل: وتطرح المشكلة كما يلي: من قتل مظلوما هل مات قبل أجله أو في أجله؟

والجواب كما يقرر تبغورين" وقول المسلمين في ذلك إن الناس لا يموتون قبل آجالهم ولا يأكلون غير أرزاقهم لقول الله عز وجل : فقد جعل الله لكل شيء قدرا ، (65 الطلاق3) يعني وقتا لا يتقدمهم ولا يتأخر عنهم كما قال : ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ، (15 الحجر5) . (45)

ويثبت هذا التراث ألا اعتداد بقول المعتزلة إن من مات مظلوما مات قبل أجله.

ويثبت عبدالله السالمي في النهاية أن القضية ليست من المسائل الدينية(الأصولية التي يفسق بها من خالف فيها (46) .

وبعد عرض هذه القضايا المتعلقة بالقدر (47) لم يبق إلا أن نقف عند البعد الحضاري لهذه القضية:

إن لقضية القدر طرفين يتوغل أحدهما في عالم الغيب مع علم الله وقدرته وإرادته ويمتد الطرف الثاني في عالم الشهادة حيث تتم حركات جميع المخلوقات وسكناتها بما في ذلك الإنسان ويبدو أكثرها تعقيدا.

والمتأمل في تاريخ البشرية يحس أن القضية انطلقت مع خلق الإنسان واستكبار إبليس عن السجود لآدم، وما أن هبط الجميع إلى الأرض بعضهم لبعض عدو حتى ظلوا يتجاذبون طرفي حبل القضاء والقدر، ولا تكاد تخلو حضارة من إثارة هذه القضية سواء كانت وثنية أو قائمة على الوحي المنزل من السماء.

وفي محيط عرف الخوض في هذه القضية انتشرت الحضارة الإسلامية بين العرب الذين كانوا يقولون بالجبر وبين اليهود والنصارى ثم المجوس والهنود، وكان التفاعل وكان الأخذ والعطاء والقبول والرفض.


ومعلوم أن منطلق هذه الحضارة الوحي القرآني والنبوي وقد جاءا طافحين بتوضيح هذه القضية وجعلاها أسا من الأسس التي لا يتم الإيمان إلا بها، وألح النبي خاصة على أنها سر من أسرار الله تعالى ونهى عن الخوض فيها.

لكن المسلمين لم ينتهوا عن الخوض فيها عدا الرعيل الأول من الصحابة الذين غلب عليهم طابع الإيمان بما يرون من إعجاز في القرآن الكريم، وبما يلمسون في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من قدوة حسنة وفي كلامه ما يغنيهم عن الجدل والعناد.

وما أن هبت عاصفة الفتنة الكبرى حتى ثارت قضية القدر وعاد تجاذب طرفي الحبل بشدة فأصحاب السلطان ضغطوا على طرف الغيب فجنحوا إلى القول بالجبر حتى يقنعوا الناس أنهم يستمدون نفوذهم من الله والقوى المعارضة ضغطت على طرف عالم الشهادة بقوة واعتبرت أن هذا النفوذ عمل بشري محض واستبداد لا دخل لعالم الغيب فيه.

ولم يغب الإباضية عن هذا الغليان الحضاري بل كان لهم موقفهم من اللحظة الأولى ورغم أنهم من صف المعارضة، ومواقفهم من الأمويين معروفة لم يجنحوا إلى ما جنح إليه المعتزلة ولا إلى ما جنح إليه الجبرية بل كان موقفهم مع الإمام جابر موقف الرسول عليه السلام:" من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" ثم إن الاحتكاك الحضاري بسائر الفرق الناشئة في مدينة البصرة حيث برزت حلقات المناظرات وتمازجي الحضارات وأثيرت القضايا العقائدية بقوة، بحسن نية وبسوء نية، والبصرة هي منطلق دعوة الإباضية ومركزها الأول، دفع بأبي عبيدة إمام الإباضية الثاني إلى التمييز بين القدر والمقدور لتبكيت واصل بن عطاء، وبين أن القدر من الله والمقدور من الإنسان، وإلى البراءة من بعض أتباعه الذين ولوا وجوههم شطر نزعة غيلان الدمشقي، وعلى هذا المسلك درج الربيع بن حبيب حيث جمع كل ما وصله من أحاديث في هذا الموضوع في الجامع الصحيح وعلق عليها بأن الخلق من الله والفعل من العبد.

وفي هذا المحيط المتموج تولدت عن قضية القدر مسائل كثيرة أبرزها قضية الجبر والاختيار أو ما عرف بخلق الأفعال بل صارت مركز الجدل بين المتكلمين وكلما أثيرت قضية القدر تتجه الأنظار إلى هذه المسألة مع مسائل أخرى مثل الاستطاعة والإرادة والعلم.

وبحكم التطور الحضاري وأثر الفكر اليوناني الفلسفي تحول الكفر الإسلامي تدريجيا من طور الجدل المتحمس الدفاعي الى طور التعقيد والتنظير وسلك الإباضية نفس المسلك فنشأت التعريفات الاصطلاحية وقالوا إن القضاء هو إيجاد الله تعالى الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة والقدر هو انتهاء الأمور إلى أوقاتها

وارتجاعها إلى مقدورها وثبت أن اللفظتين تلتقيان في الحقل الدلالي وهذا ما جعل التمييز بينهما صعبا مما أدى إلى غموض في التعريفات.

وما أن اعتزل الأشعري المعتزلة وظهر على الناس بمقالاته وإبانته وانطلق من وراء النهر الماتريدي بلمعة وتوحيده حتى سرى في الأمة نبع جديد تسمى بأهل السنة صاغ صياغة جديدة فكرا ساريا عند الناس وإن ثار على الاعتزال فلم يسلم من الجدل الكلامي.

والاباضية على الساحة يتأملون ويقارنون بين مختلف التيارات وموقفهم ثابت فلم يذوبوا في الفكر الاعتزالي رغم الالتقاء في عدة قضايا كما لم يبتلعهم هذا التيار الجديد وإن اتفقوا معه في بعض القضايا ومن بينها قضية القضاء والقدر وما تفرع عنها من قضية خلق الأفعال التي انصهرت في القول بالكسب.

وثبت أن جذور مفهوم الكسب ترجع إلى بداية القرن الثاني/8 مع أبي عبيدة والربيع إلا أن المصطلح لم يتبلور عند الإباضية إلا في ما بعد فقالوا هو صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل مع الإشارة إلى الترجيح والاختيار.

والإباضية كبقية الفرق الإسلامية تلمس في تراثهم إدراكهم أن قضية القدر من غوامض علم الكلام، وأن الالتجاء إلى تحديد جهتين للفعل الواحد، الخلق لله، والفعل للإنسان ليس معناه الشركة، وإنما هو مخرج من مضيق ولذا تجد أن هذا الفكر تفاعله مع الأحداث تقوى فيه نسبة الاقتراب من الجبر كما جاء عند علماء جبل نفوسة القائلين بالجبل وتقوى فيه نسبة الاقتراب من الاختيار كما جاء ذلك عند علماء المغرب، إلا أن النزعة التي بقيت طاغية عند الإباضية عامة هي تقوية نسبة الاختيار حتى يتحمل الإنسان مسؤوليته وتتجلى الحكمة في الأمر والنهي في ما يترتب عنهما من الثواب والعقاب، وتتميز حركات الاختيار عن حركات الاضطرار مع اعتقاد أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه على كل شيء قدير.

ويتلخص موقفهم في قولهم إن فعل العبد لا يوجد إلا بخمسة:

1- إرادة الله تعالى.

2- إرادة العبد.


3- اكتساب العبد.

4- إعانة الله إن كان طاعة وخذلانه إن كان معصية

5- خلقه له في وقت الفعل لا قبله ولا بعده. (48)


والجدير بالملاحظة أن المنهج المتبع في كل هذا الخصم هو منهج علم الكلام عامة إذ يكون المنطلق من النصوص قرآنا وسنة ثم يأتي تأويلها وفهمها حسب مقتضيات اللغة، وملابسات القضية، وارتباطها بسائر الفكر الإباضي وهذا يتجلى بوضوح عند ربط القضية بإرادة الله مع اعتبارها من صفات الذات وعند تبيين أن الاستطاعة مع الفعل وأن الكسب لا يتم إلا بعون الله إن كان طاعة وبخذلان الله إن كان معصية.

وقد جاء المنهج العام في تقرير القضية في التحاليل النظرية وحتى في الشروح قائما على الرد على المعتزلة وعلى الجبرية، وبعد استغلال حجج هذا الطرف على الطرف الثاني يستقر الموقف الوسط ويدعم بحجج نقلية وعقلية، فتغلب النزعة العقلية عند البعض أمثال أبي عمار والسدويكشي وتغلب النزعة النقلية عند البعض الآخر مثل ما نجد عند الجيطالي ويوسف المصعبي.

فواضح إذن أن نزعة الإباضية والزيدية والأشاعرة والماتريدية جاءت توفيقية دون أن تغفل عن أن الإنسان مجبر في ما هو خاضع للإرادة الكونية مما سموه بالاضطرار وأنه مكتسب في ما يقع تحت دائرة الاختيار ويبقى الله تعالى خالق كل شيء.

وبعد هذا ندرك أن القضاء سيظل سرا من أسرار الله تعالى مهما حاول الإنسان أن يكشف هذا السر وسيظل الإنسان لاهثا وراء استكشاف هذا السر عسى أن يقف أمام الغيب وجها لوجه كما يقف أمام قضايا أخرى.

أما المؤمن الذي أيقن بعقله أن القرآن من الله، وآمن بأن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذا القدر يتجلى له في كل حركاته وسكناته فكم من مرة يقدر أن يفعل كذا فلا يتم إلا ما قدر الله، وكم من مرة يقدر ألا يفعل كذا فلا يتم إلا ما قدر اله كما يتجلى في ما حوله من أحداث تدفع إلى التسليم بالقدر فهذا يسقط من الطابق السادس فلا يصاب بسوء وما يكاد يستبشر بوضعه فيذهب ليأتي لأصحابه بالمشروبات تعبيرا عن الفرح حتى تدوسه سيارة تقضي عليه وهذا قطار يكاد يدوس رجلا عابرا من سكته فيتحول في تلك اللحظة عن مجراه ليصطدم بمسكن مجاور فيقضي عليه وعلى من فيه، وما إلى ذلك من الأحداث التي يحار العقل أمامها.

ولعل من أحسن ما يمكن أن تفصل به المسألة أن تبقى قضية القدر في دائرة الإيمان وأن يوضع الفعل في دائرة الشرع وليجتهد الإنسان في العمل مع العلم أن كلا ميسر لما خلق له.

كما أنه على الإنسان ألا يخلط بين دائرتين ، دائرة مشيئة الله تعالى التي لا تحد، ودائرة مشيئة الإنسان المحدودة الضيقة، وعليه ألا يقيس هذه بتلك فيشتبه الأمر عليه ويبعد عن طريق الصواب ومن يقارن بين المطلق والمحدود لن يصل إلى نتيجة ثابتة وسوف يبقى دائما يبحث في حندس لا مخرج منه.

وإن تبين من خلال هذا المبحث أن الإنسان مسؤول فماذا عن الجزاء في الآخرة أو ما عرف بالوعد والوعيد؟

الفصل الثاني


الوعد والوعيد وقضية الخلود



تمهيد:


لقد انتهينا إلى أن القدر يبقى سرا من أسرار الله تعالى مهما حاول علماء الكلام الاجتهاد في حل هذا اللغز الغيبي.

وقد بينا أن الإشكال يتفاقم كلما حاول هؤلاء العلماء الربط بين العمل وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، وجاءت النتائج متباينة بين الجبرية والقدرية وحاول القائلون بالكسب ومنهم الإباضية التوسط بين الطرفين فحملوا الإنسان طرفا من المسؤولية ليستقيم الأمر والنهي.

ومن البديهي أن الأمر والنهي ينبني عليهما الامتثال أو عدم الامتثال وبالتالي تطرح قضية الجزاء أو ما اصطلح على تسميته عند علماء أصول الدين بالوعد والوعيد (1) .

وإن كانت صلة هذه القضية بالقضاء والقدر وثيقة فلعل صلتها أوثق بما اصطلح عليه بعنوان" الأسماء والأحكام" إشارة إلى المسميات التي تميز بها الفرق بين مستويات الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، ومستويات عدم الامتثال وما ينبني على ذلك من الأحكام في الدنيا والآخرة. (2)

والمتأمل في كتب أصول الدين يدرك يقينا أن سبب الخلاف بين الفرق يرجع إلى الاختلاف في تحديد المسميات وإذا كان المنطلقات متباينة فلا يمكن أن تكون النتائج متفقة.


واضح إذن أن لقضية الوعد والوعيد طرفين، طرفا غيبيا وطرفا في علم الشهادة، وإذا علمنا أن الحدود بين الأرض والسماء ليست في منتهى الدقة ندرك أن القضية لابد من أن تحير المتكلمين وقد حيرتهم فعلا وجعلتهم بين متفائل تفاؤلا مطلقا يحشر كل من قال لا إله إلا الله وإن مات مصرا على المعصية في الجنة بوجه من الوجوه، وبين متشائم تشائما مطلقا يعتبر أن المعصية شرك ومن جزؤ عليها يحل دمه وماله وسبي ذراريه ولا سبيل له إلى النجاة وكان منهم المتشائم والمتفائل والمعتدل في شأن مصير من خلط عملا صالحا وآخر سيئا.

وقبل أن نحلل هذه القضية يحسن أن نقف عند مسألة الأسماء والأحكام.



قضية الأسماء والأحكام

يقول الحق تبارك وتعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا
، (5 المائدة3).

انطلاقا من هذا المفهوم الواضح السامي أشع الإسلام بفتوحاته على أطراف العالم، لكن ما كاد ينتهي العقد الثالث من القرن الأول هجري/ القرن السابع ميلادي، حتى جدت أحداث جسام (3) أسالت الدماء واطالت الألسن وقدحت الأذهان، وحركت الأقلام، وما تزال.

وقد أسفرت هذه الأحداث عن تقسيم المسلمين إلى ثلاث كتل (4) استقلت كل منها بمفاهيم خاصة تجاه بعض القضايا وعن هذه الكتل تولدت جميع الفرق الإسلامية.

ولقد حللنا موقف الإباضية من تسمية الفرق وبينا رفضهم المطلق لسمة الخارجية (5) فماذا الآن عن موقفهم من مرتكب الكبيرة؟ أمؤمن هو؟ أمسلم هو؟ أكافر هو؟ أم هو فاسق في منزلة بين المنزلتين؟

وقبل أن نجيب عن هذه الأسئلة يحسن أن نحدد مفهوم كلمات تحولت عن مدلولها اللغوي الى مصطلحات شرعية تعتبر مفاتيح لا سبيل إلى ولوج البناء الفكري لكل فرقة دون امتلاكها ومعرفة استعمالها بدقة. وهذه المصطلحات هي: الإيمان والكفر، والنفاق والشرك.

ويحسن أن نلاحظ ملاحظتين قبل الانطلاق في التعريف:

الأولى: منهجية: وتتمثل في أننا لا نعتبر البحث في المسألة فصلا مستقلا وإنما هو توطئة لفصل الوعد والوعيد لذلك سيكون التحليل مختصرا.


الثانية: توضيحيه، وتتمثل في موقف الاباضية من الأسماء عامة، يقول البرادي " واعلم أن الأسماء على أصولنا تنقسم ثلاثة أقسام: أسماء دينية، وأسماء شرعية، وأسماء لغوية.

فالأسماء الدينية تتعلق بها أحكام الدنيا والآخرة. والأسماء الشرعية تتعلق بها
التكاليف مثل الصحة والفساد، والإجزاء وعدمه والإعادة والاحتياط.

والأسماء اللغوية هي المستعملة لموضوعها من غير نقل إلى شيء.

فالأسماء الدينية مثل الإيمان، والكفر، والشرك والإسلام، والدّين، والبّر، والإحسان، والنفاق والفسق والكبيرة والصغيرة. فهذه أسماء جعلت أساسا للشريعة وعلق إليها الثواب والعقاب والحدود والولاية والبراءة، لم تكن العرب تعرفها قبل ورود الشرع بها، ولا تتخاطب بها على هذه الصفة حتى أوقفهم الشرع عليها، وخاطبهم بها... وجميع المعارف وأصول الديانات متعلقة بهذه الأسماء راجعة إليها.

...وأكثر اختلافات الأمة إنما جاء من قبل هذه الأسماء الدينية..." (6)
فماذا حينئذ عن هذه الأسماء الدينية؟


حقيقة الإيمان : (7)

إن تعايش المسلمون الأول مع هذه الكلمة بصفاء تام إذ هي التي حولتهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام (8) ، فإن من جاء بعدهم، وبعد ظهور الفتن يقول لمن يدعي الإيمان رويدك، أامنت بقلبك، أم بلسانك، أم بهاما معا؟ وهلا اعتبرت العمل من الإيمان أم لا؟ وحسب الجواب يوضع المسؤول في زمرة فرقة من الفرق. وتتفق كتب الفرق والأصول على ما لخصه ابن حزم في ما يلي:" قال أبو محمد: اختلفت الناس في ماهية الإيمان:- فذهب قوم إلى أن الإيمان إنما هو معرفة الله تعالى بالقلب فقط، وإن ظهر اليهودية والنصرانية وسائر أنواع الكفر بلسانه وعبادته، فإذا عف الله تعالى بقلبه فهو مسلم من أهل الجنة، وهذا قول أبي محرز الجهم بن صفوان وأبي الحسن الأشعري البصري (9) وأصحابهما.

- وذهب قوم إلى أن الإيمان بالله هو إقرار باللسان وان اعتقد الكفر بقلبه فإذا فعل ذلك فهو مؤمن من أهل الجنة وهذا قول محمد بن كرام السيجستاني وأصحابه.

- وذهب سائر الفقهاء وأصحاب الحديث والمعتزلة والشيعة وجميع الخوارج (10) إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب بالدّين والإقرار به

باللسان والعمل بالجوارح وأن كل طاعة وعمل خير فرض كان أم نافلة فهي إيمان، وكلما ازداد الإنسان خير ازداد إيمانه وكلما عصى نقص إيمانه " (11) فتتلخص المواقف حينئذ في أربعة:

1) الإيمان بالقلب فقط.

2) الإيمان باللسان فقط.

3) الإيمان بالقلب واللسان فقط.

4) الإيمان بالقلب واللسان والأعمال.


وقد سلكت المصادر الاباضية عند تعريف الإيمان مسلك المقارنة أحيانا ومسلك الرد والدفاع أحيانا أخرى. (12)

وهي تثبت أن الإيمان في اللغة يعني التصديق (13) بل ينقل المحشي عن كتاب السؤالات أنه محصور في التصديق . (14)

ويحلل الشماخي الصيغة الصرفية للكلمة كما يلي:" فالإيمان لغة أفعال من الأمن متعد إلى واحد ثم نقل بالهمزة إلى الثاني أي أمنته التكذيب أي صدقته، أو بمعنى صرت ذا أمن منه أي وثقت به، فمعناه إما التصديق مطلقا أو الوثوق فعدي بالباء لتضمنه معنى اعترف وأقر". (15)

ويبين الشماخي أيضا التكامل بين المعنى اللغوي والشرعي:" وأيضا لا ننكر استعمال الإيمان في معناه اللغوي، ولا ينافي الاستعمال الشرعي مع ثبوت النقل" (16) .

كما تلح المصادر على أن الإيمان في الاصطلاح الديني اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان (17) ويتفاوت التوسع في تحليل هذا المفهوم من مصدر الى أخر فهذا الشماخي يقول عن الإيمان :" وفي الشرع أن تشهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وبأن ما جاء به حق من جميع المأمورات ووظائف الدين التي كلف بها عباده ". (18)


كما يعبر عن ذلك بصيغة أخرى فيقول:" وفي الشرع الإيمان توحيد: كمعرفة الله عز وجل والرسول وما جاء به، وغير ذلك مما لا يسع جهله. وغير التوحيد: وهو جميع ما أمر الله به سبحانه وتعالى ولو إماطة الأذى وإذا حصلت الطاعة حصل وجوب الثواب والإيمان" (19) .

ويقول البرادي:" حقيقة الإيمان على أصولنا التصديق لله عز وجل باللسان والقلب والجوارح ". (20)

كما يقول محمد اطفيش" والايمان : التصديق في اللغة، وكذلك الإيمان عندنا في الشرع التصديق في القلب بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والإقرار بالعمل وكل طاعة إيمان نفلا أو فرضا عندنا وعند الخوارج والعلاف وعبد الجبار" (21) .

وفي نطاق الرد على المرجئة والجهمية والكرامية الذين يعتبرون أن الإيمان بسيط يثبت الإباضية أنه مركب وفي ذلك يقول المحشي:والإيمان عندنا مركب من القول والعمل كما هو معلوم. قال الشيخ أبو نصر :(طويل)

ألا كـل شـيء ذاهـب مـنـه بعـضـه***فـفـي بعـضـه مستمـتـع للـمـرقـن

سـوى الديـن مهمـا زال منـه أقـلـه***مضى كله والبعض من ذاك لا يغني (22)


وجاءت الإشارة الى هذا المعنى في حواش شرح الجهالات كما يلي:" وأجزاء الإيمان أكثر من أجزاء التوحيد" (23) .

وقد عالج هذه القضية أبو خزر من قبل فقال مستدرجا المرجئة:" نسأل المرجئة عن الإيمان ما هو؟ فإن قالوا: هو الإقرار فقد أبطلوا أن تكون معرفة الله إيمانا، يقال لهم أخبرونا عن هذا الإقرار ما هو؟ فإن قالوا: هو الإقرار، فقد طلبوا أن تكون معرفة الله إيمانا يقال لهم أخبرونا عن هذا الإقرار ما هو؟ فإن قالوا: هو الإقرار أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ما جاء به حق، يقال لهم: هذه ثلاث خصلات بعضها غير بعض، الإقرار بالله غير الإقرار بأن محمدا رسول الله غير الإقرار بما جاء به حق، لأنه يقر بهذا من ينكر هذا يقر بالله أنه واحد من أنكر أن يكون محمد رسول الله . فإن قال: الإقرار بالله إيمان أبطل أن يكون الإقرار بمحمد إيمانا. وكذلك بما جاء به حق غير الإقرار بأن محمدا رسول الله فإذا جاز عندكم أن يكون الإيمان

ثلاث خصال لم لا يجوز لغيركم أن يجعله أربع خصال أو أكثر فيجعل الصلاة والزكاة وغير ذلك من الفرائض من الإيمان. إذ أقررتم أن الإيمان خصال" (24) .

وفي هذا الصدد تسميت المصادر في اعتبار الأعمال داخلة في الإيمان فيقول الشماخي في رده على صولة الغدامسي:" ودليل النقل:

- (وما كان الله ليضيع إيمانك) (25) أي صلاتكم.

ـ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ، (8 الأنفال 4، 2) . وإنما للحصر أولئك هم المؤمنون حقا يفيد الحصر والتخصيص ومن ليس من أهل الآية أولئك هو المؤمن كذبا أو ليسوا بمؤمنين.

ـ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ، (32 السجدة18) فإن قسيم الشيء لا يكون قسما منه، وهذه الآية لا وجوب لها إلا تعنتا ...وقوله عليه السلام: " الإيمان نيف وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (26) .

وقوله: " الحياء شعبة من الإيمان" (27) .

- وقوله لوفد عبد القيس: " أتدرون ما الإيمان؟ " ففسره بالشهادتين وذكر الصلاة والصوم والزكاة والحج" (28) .

- وقوله: " لا أمانة لا عهد له، لا إيمان لا أمانة له، لا إيمان لمن لا صلاة له" (29) .

ومثل هذا كثير وسئل عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال: "إيمان لا شك فيه" (30) "فجعله من الأعمال". (31)

ولا يغفل الاباضية عن صحة إيمان من اخترتهم المنية قبل وجوب العمل (32) ويقول السالمي في ذلك: "إن العمل لا يكون من الإيمان إلا إذا كان لازما فيخرج القول بأن جميع الطاعات إيمان، وفيه تنبيه على أنه يأتي على المكلف حال وليس عليه من الأعمال البدينة مفترض، كما إذا لم تبلغه الحجة بشيء من السمعيات أو كان ولم يأت عليه وقت يجب فيه عليه عمل" (33) .

وقيل: كل طاعة فهي من الإيمان ولا يقال كل طاعة لله هي إيمان وليس كل طاعة لله إيمانا لأن فيها الوسائل وترك الوسائل لا يكفر والإيمان إذا ترك كان تركه كفرا (34) .

والمهم في إلحاح الإباضية على اعتبار الأعمال الواجبة من الإيمان وأن الإخلال بشيء منها يفسد الإيمان كله، وهذا موقف من الصرامة بمكان كان له الأثر الفعال في البعد الحضاري لهذه القضية لدى الإباضية (35) .

ثم إلى جانب هذا طرحت قضية الزيادة والنقصان وللإباضية فيها ثلاثة مواقف:

1) الإيمان يزيد وينقص.

2) الإيمان يزيد ولا نقول ينقص وإنما يقال يضعف.


3) الإيمان يزيد ولا ينقص.

وتذكر المصادر عادة المواقف الثلاثة. أما عن الموقف الأول فيقول أبو عمار عبد الكافي:" وقال عز وجل : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ، (9 التوبة124) . أي يعملون بما في السورة من الفرائض فيزدادوا بذلك إيمانا ، وقال : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ، (48 الفتح4) . فهؤلاء قوم مؤمنون مستكملون الإيمان قد أخبر الله عنهم أنهم مع ذلك يزدادوا إيمانا مع إيمانهم فدل ذلك على أن الإيمان خصائل كثيرة تزداد وتنقص" (36) .

ويستدل لذلك صاحب المنهج بحديث للرسول عليه السلام وبأثر لعلي ابن أبي طالب فيقول: " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الإيمان يزيد وينقص" (37) وذلك بتأثير الطاعات في القلب. وقال علي ابن أبي طالب: " إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب فإذا عمل العبد بالطاعات الصالحات نمت وزادت حتى يبيض القلب كله..." (38)

وفي هذا المعنى يقول أبو مهدي:" والإيمان يزداد وينقص وخصاله محدودة" (39) وإلى مثل هذا الرأي ذهب أبو حزر بعد الرد على المرجئة حيث أثبت أن الإيمان خصال فقال:" إن الإيمان يزداد وينقص". (40)

أما الموقف الثاني: فتنسبه المصادر العمانية إلى أبي سعيد الكدمي وهو في الحقيقة نوع من التحري في اختيار العبارة، ومواكبة للموقف العام القائل بأن الإيمان

كل إذا انتقص جزء منه فسد كله، وهذا ما ينقله عنه صاحب المنهج:" وقال أبو سعيد رحمه الله: الإيمان يزيد ولا ينقص لأنه إذا انتقص منه شيء بطل كله، ويقال إن الإيمان يضعف ولا ينقص (41) .

أما صاحب القاموس فيضيف:" ولا يلحقه اسم النقصان هكذا في قول أصحابنا" (42) .

أما الموقف الثالث: ويبدوا أنه الراجح عند المشارقة فيحلله أحمد الخليلي في تعليقه على قول السالمي:" في وجهة (الإيمان) الشرعي ليس بنقس"، فيقول:" ذهب أصحابنا رحمهم الله إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا المذهب إذ تؤمل له أصالته في العقيدة سواء حملنا الإيمان على حقيقته اللغوية أو حقيقته الشرعية. فإن حمل على حقيقته اللغوية وهو التصديق الذي هو قاعدة الإيمان تجلت صحة هذا المذهب من حيث إن أول واجب يخاطب به الإنسان الإتيان بالجملة التي كان يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تتألف من كليات تنطوي تحتها جزئيات الإيمان الاعتقادي، ولا يلزمه أن يعتقد شيئا من تفاصيلها التي لم تقم بها الحجة عليه، فإذا قامت عليه بشيء من هذه الجزئيات وجب اعتقاده، وتصبح بذلك دائرة الإيمان أوسع من ذي قبل، فإن معرفة الشيء إجمالا تختلف عن معرفته تفصيلا ولا يمكن أن يرجع الإنسان من العلم إلى الجهل، وعليه فإن إنكار شيء مما قامت عليه الحجة في تفسيرها إما أن يؤدي إلى الشرك وإما إلى كفر النعمة وكل منهما مناف للإيمان.

وإن حمل على معناه الشرعي الذي يستمل الاعتقاد والقول والعمل، جلت صحة هذا المذهب حيث إن أول ما يتعبد به الإنسان الاعتقاد، وإذا اعتقد ما لزمه اعتقاده ولم يحضره فرض قولي أو عملي كان مؤمنا كان كامل الإيمان، وإذا وجب عليه شيء من الأقوال أو الأفعال وأداه كما وجب عليه ازداد إيمانه، وإذا أخل بهذا الواجب إنهدم إيمانه كله والله أعلم" . (43)

وينبه السالمي إلى أن القاعدة تتعلق بالشخص الواحد دون المقارنة بين شخص وآخر إذ الإيمان بهذا الاعتبار متفاوت (44) .

كما يعتبر أن تسمية ما رفع من الواجبات على النساء نقصانا من باب الخلاف اللفظي (45) .

إن المتأمل في هذه المواقف الثلاثة يتبين أن الأول اعتمد على المنطق في تقرير النقصان إذ كل ما يزيد ينقص إلا أن الموقفين الآخرين تبنيا ما هو أقرب إلى أسس الإباضية في الإيمان وتحري الكدمي في العبارة يبدو أسلم إذ الضعف يختلف عن النقص، لأن الطاعة تبقى قائمة مع الضعف فلا ينهدم الإيمان، أما مع النقص فإن

الطاعة تنهدم فيخشى من ذلك انهدام الإيمان ، ومعلوم أن الإنسان يستحيل عليه أن يأتي بالطاعات دائما على الوجه الأكمل إذ تعتريه حالات ضعف وحالات قوة.

والتأمل في هذه النقطة يبدو في الظاهر كأنه من ترف القول، لكن ارتباطها خاصة بالعمل يعطيها بعدا حضاريا يجعل المؤمن يسعى إلى المزيد من الطاعات والإجادة فيها حتى يقترب من مصاف الصديقين والشهداء والصالحين والأنبياء، وبمثل هذا التنافس في طلب الزيادة والخشية من النقصان يصلح المجتمع، وهذا له بعد حضاري في الحفاظ على توازن المجتمع الأخلاقي إذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات.

والملاحظ أن الإباضية لم يشيروا إلى قضية تعليق الإيمان بالمشيئة لكن كانوا يتحرون الجواب عندما يطرح عليهم السؤال التالي:" أمؤمن أنت"؟

ويقول صاحب المنهج في ذلك :" ومن سئل عن الإيمانء وهو مؤمنء فقيل له: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: إن كنت تريد أني من أهل الإقرار بالإيمان فنعم أنا مقر بالإيمان وبجميع أحكامه، وإن كنت تريد بالإيمان الإيمان الحقيقي الذي قال الله تعالى فيه : أولئك هم المؤمنون حقا ، (8 الأنفال4) . علم لي في ذلك ، وعلمه عند الله" (46) .

ثم يقول بعد تحليله للقضية:" فلا يجوز لأحد أن يقول أنا مؤمن حقا، ولا يكون هذا من الشك في الإيمان، ولا يجوز لأحد أن يقول: إنه من أهل الجنة، لأن ذلك من تكلف علم الغيب الذي لم يجعله الله لأحد من عباده إلا الأنبياء والمرسلين" (47) .

ومعلوم أن هذه القضية أثارت نقاشا طويلا في الأوساط الإسلامية من وقت مبكر، إذ يرجعها القائلون بها إلى ابن مسعود وفي ذلك يقول ابن حزم:" واختلف الناس في قول المسلم أنا مؤمن فروينا عن ابن مسعود وجماعة من الأفاضل ومن بعده من الفقهاء أنه كره ذلك فكان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله" (48) .

وينسب شارح جوهرة التوحيد أبياتا إلى بعض الأفاضل تحوصل الخلاف في هذه القضية فيقول: (رجز)

" من قال إني مؤمن يمنع من***مقاله "إن شاء ربي" يـا فطـن
وذا لـمـالـك وبـعــض تـابـعـيـه***يوجـب أن يقـول هـذا يـا نبيـه
ومـثـل مــا لمـالـك للحـنـفـي***والشافعـي جـوز هـذا فاعـرف


وامنـعـه إجـمـاعـا إذا أراد بـــه***الشـك فـي إيمانـه يــا منتـبـه
كـعـدم الـمـنـع إذا بـــه يـــراد***تـبـرك بـذكــر خـالــق الـعـبـاد
فالخلف حيث لم يرد شـك ولا***تـبـرك فـكــن بـــذا محـتـفـلا" (49)


ومار الخلاف بين النزعتين في النظر إلى الإيمان الحالي أو الإيمان في المستقبل، فأما من نظر إلى الإيمان الحالي فلم يجز الاستثناء لأن ذلك يوحي بالشك في الإيمان، وأما من نظر إلى الإيمان في المستقبل وإمكانية بقائه إلى النهاية، وإمكانية زواله قبل الموت، فقد أجاز الاستثناء لأن فيه تفويضا إلى الله تعالى، والأساس في النهاية هو ما قال به الغزالي وهو التعليق بالمشيئة للتبرك لأن الإنسان لا يعلم خاتمة أمره، والمدار على الخواتم. (50)

ويذهب ابن حزم إلى أبعد من هذا بالنسبة إلى من يعلم من نفسه أنه مؤمن فيقول:" فواجب عليه أن يقول إنه مؤمن مسلم قطعا عند الله تعالى في وقتي هذا، ولا فرق في قوله أنا مؤمن مسلم، وبين قوله أنا أسود أو أنا أبيض وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها، وليس هذا من باب الامتداح والعجب في شيء" (51) .

إلا أنه لا يغفل في نهاية الفصل عن التنبيه إلى تفويض أمر المستقبل إلى الله إذ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، (31 لقمان 34).

هذا في ما يتعلق بقضية الاستثناء فماذا عما بقي من ملاحظات عن تعريف الإيمان وما يترتب على التوقية في الدنيا والآخرة؟


ولا بأس هنا من التنبيه إلى أن الإباضية يعتمدون في التعريف أحيانا في الأضداد وفي هذا يقول الشماخي:" فالإيمان توحيد يقابله الشرك، وغير توحيد يقابله كفر النعم" (52) .

هذا في مجال الرد على من اعتبر أن الإيمان يقابله الكفر، ويعتبر الشماخي أن الكفر يقابله الشكر. قال تعالى: إما شاكرا وإما كفورا ، (76 الإنسان3) . ويبين أن المقابلة في علة الإيمان وعلة الكفر إذ على الإيمان الأمر، وعلة الكفر النهي، فكل مأمور به إيمان وكل منتهى عنه كفر (53) .

وإلى جانب هذا يقع الحرص أحيانا على التمييز بين صيغة الفعل وصيغة اسم الفاعل إذ يصح أن نقول آمن في شأن العصاة لكن لا يصح أن يقال مؤمن في شأنهم ،

وفي ذلك يقول الشماخي:" يقال آمن ولا يقال مؤمن لأن معناه أقر ولم يوف، والمؤمن هو الموفي ولو كان من آمن يقال له مؤمن لكان المذكورون في قوله : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، (2 البقرة 85 ) . مؤمنين" (54) .

ولا ينبغي أن نغفل عن إشارة عمر أبن أبي ستة إلى التمييز بين إيمان المجتهد وإيمان المقلد، فإذا كان إيمان المجتهد قائما على الأدلة النقلية والعقلية، فإن إيمان المقلد (55) هو الأخذ بقول الغير جزما ممن ثبت صلاحه عند المقلد ، والأساس في الجمع بين العقيدة والقول والعمل سواء أكان ذلك عن اجتهاد أو تقليد.

كل هذا الحرص مداره حينئذ الإلحاح على أن الإيمان الحق لا يستحق إلا بجميع خصاله من فعل وترك، ومن تكاملت فيه هذه الخصال يكون مؤمنا موفيا.

وفي هذا المعنى يقول أبو نصر:(طويل)

ومـن ظــن بالإيـمـان ينجـيـه راجـيـا***ولم يـوف بالأعمـال خـاب بـذا الظـن
ومـن مــات مــن غـيـر الـوفـاء فـإنـه***يكبكب في ذات السعير على الذقن (56)

ويحلل الجيطالي المعنى كما يلي:" البيت الثاني يقول من مات على غير الوفاء بجميع الفرائض، وترك جميع الكبائر، فمصيره إلى النار والبوار، فإن قال القائل: كيف أبطلتم جميع طاعات العبد بترك خصلة واحدة؟ قيل له:(أوف بعهدكم) إن الثواب متعلق بالوفاء بجميع الدين، كما قال الله تعالى : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ، (2 البقرة 40) . فمن لم يوف بعهد الله فلا عهد له، ولأن الثواب فضل من الله تعالى من غير وجوب ولا إيجاب لأنه المالك القهار.

وأما في جوده وكرمه فنعم، فكما قال الله تعالى : وكان حقا علينا نصر المؤمنين ، (30 الروم47). وله على عباده الأمر والنهي، فإن انزاحوا عن محارمه وامتثلوا أوامره، كان لهم عليه الوفاء فضلا وكرما، فإن تركوا خصلة منها كان عليهم العقاب فضلا عن الثواب" (57) .

هكذا يتضح أن في موقف الإباضية صرامة لا تصل إلى ما ينسب إلى الصفرية والأزارقة من شدة تتمثل في نفي عمن لم يهاجر إليهم، وتبعد بهم عن انحلال المرجئة الذين دفعوا الأمة الإسلامية إلى الاستهانة بالعمل أمرا ونهيا.

ومن هنا يتضح البعد الحضاري لهذا التصور الذي لم يتزحزح عنه الإباضية العارفون بعقيدتهم إلى يومنا هذا، ولن تتكامل الصورة إلا بعد معرفة موقفهم من حقيقة الكفر.

ولعله يحسن، قبل أن نتحول إلى ذلك، أن نذكر ما يترتب على الإيمان، وهو كما تبينا اعتقاد وقول وعمل لا يتحقق إلا إذا تكاملت أجزاؤه فإنه يزداد ويضعف ويقابله الشرك من حيث هو توحيد، وكفر النعم من حيث هو عمل، قد يكون عن اجتهاد وقد يكون عن تقليد في الدنيا والآخرة" (58) .

أما في الدنيا فيلخص ذلك شارح النونية كما يلي:" ولاية الموفى منهم بالدين وحبه وطلب الغفران لـه ونصيحته وإعانته على البر والتقوى، وترك ضره وبغضه واغتيابه، وغير ذلك من حقوقه الواجبة له ظاهرا وباطنا.

وأما في الآخرة فقد وعد الله تعالى بأن يفي بوعده ألا وهو جنة النعيم.

وبعد تعريف الإيمان فلنعرف الكفر.

حقيقة الكفر:

رأينا في الباب الأول عند الحديث عن افتراق الأمة كيف أن مختلف الفرق تسم بعضها البعض بسمة الكفر، وتتأرجح المواقف في ذلك بين طرفين متناقضين، طرف من عرفوا بالخوارج هؤلاء الذين تروي عنهم مصادر الفرق الأخرى أنهم يعتبرون كل من خالفهم كافرا مشركا، وإن صلى وصام، وطرف عرفوا بأهل الإرجاء هؤلاء الذين اشتهروا بقولتهم:" لا تضر مع الإيمان معصية". بين هؤلاء وأولئك تتنزل جميع الفرق الإسلامية، فما هي منزلة الإباضية في هذا الخصم؟ وما هو مفهوم الكفر عندهم؟ وما هو حكم الكافر في الدنيا والآخرة؟

لقد تبرأ عبدالله بن إباض إمام الإباضية من اللحظة الأولى من نافع بن الأزرق، وميز بين كفر الشرك وبين كفر النعم، واستمر هذا الموقف إلى يومنا هذا إلا أن بقية الفرق لم تنتبه إلى هذا التمييز بوضوح لأنها تحشر الإباضية في زمرة الخوارج فماذا عن كفر النعم؟

1) الإباضية وكفر النعم

إن هذا الموقف تأصل من وقت مبكر مع الأئمة الأول، ويتضح ذلك خاصة في ما جمعه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح من أحاديث جاءت بعنوان:" الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين" (59) .

وعوض أن أتتبع التطور التاريخي للقضية رأيت من الأصلح أن أعتمد خاصة على مصادر المرحلة المقررة في تعريف كفر النعم لأن هذا المصطلح ظل نفسخ عبر الزمن. (60)


الكفر لغة:

يورد الشماخي (61) والمحشي (62) أن الكفر هو الستر والتغطية، وسمي الليل كافرا لأنه يستر كل شيء بظلمته (63) وهو أيضا الجحود لقوله تعالى : وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ، (3 آل عمران115) . ويشير المحشي إلى أن كلمة كفر قد تعني البحر لأنه يحجب كل شيء كما أن الحارث يسمى كافرا باعتباره يستر البذر". (64)

فالكفر لغو حينئذ هو الستر والتغطية (65) .


الكفر شرعا:

ينقل المحشي عن عقيدة أبي سهل أن الكفر في الشرع " هو جميع ما أوجب الله عليه العقاب" وذلك عند شرحه للتعريف الذي تبناه الجناوني وهو " الاستفاد الى ولي النعمة" (66)

أما الشماخي فيقول: " وأطلقت كلمة الكفر في عرف الشرع على الشرك تارة وعلى النفاق أخرى، وهو ضد الإيمان والكفران جحود النعم" (67) .

فاتضح حينئذ أن الإباضية يقسمون الكفر إلى قسمين هما كفر الشرك وكفر النعم، وقد كان هذا التمييز مصدر إشكال للفرق الأخرى، لأن كلمة الكفر تطلق في أغلب النصوص بدون إضافة الشرك أو النعم، ولهذا كثيرا ما تتهم الفرق الأخرى الإباضية بأنهم يكفرون غيرهم دون الوقوف على هذا التمييز الاصطلاحي- كفر النعم- من القرآن الكريم والسنة الشريفة وقد جمع الشماخي هذه الأدلة في رده على صولة الغدامسي كما يلي:

" فإن قلت ضد الإيمان الكفر كما تقدم، ولو كانت العبادات إيمانا لكان تاركها كافرا.

قلت: الأمر كذلك، ولكن يسمى كفر نعمة خلاف الخوارج (68) قال تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ، (3 آل عمران) . والخطاب للمصدقين. وقال تعالى : هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ، (27 النمل 40) . وقال تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، (5 المائدة44). وقال تعالى : ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (69) ، (24 النور 55) وقال تعالى : فكفرت بأنعم الله (70) ، (16 النحل 112) (71) .

وبعد هذا الاستدلال بالقرآن الكريم يورد ما لا يقل عن عشرين حديثا محور بعضها إطلاق الكفر صراحة على المصدقين ونذكر منها قوله عليه السلام حين سأله الرجل عي فريضة الحج فقال: " أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم" (72) . وقولـه صلى الله عليه وسلم : " ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة" (73) وقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما" (74) ، ومحور البعض الآخر نفي العصاة من دائرة الجماعة المسلمة مثل قوله عليه السلام: " من غشنا فليس منا" (75) .

ثم يختم هذا الاستدلال بقوله:" وكثرة الدليل تمنع التأويل" (76) وإن بدت لهجته قاطعة هنا لأنه كان في صدد الرد، فقد جاء موقفه أكثر احترازا عند معالجة نفس القضية في شرح عقيدة التوحيد حيث يقول:" وهو- كفر النعم- كثر وإن كان في بعضها احتمال الوجه الأول- الشرك- وأستغفر الله من حمل كتابه على غير معناه، وللأمة في الكفر خلاف وتشعيب" (77) .

ويحاول الشماخي أن يعلل هذا التقسيم في سياق جدلي فيقول:" فإن قلت لأي علة جعلت بعض الكفر شركا وبعضه غير الشرك ، فالجواب: أن تذكر علة المخصوص فيقال لعلة المساواة، ولو خصصت بالسؤال النفاق لكان الجواب بالخلف" (78) .

ويعتبر في سياق آخر أن المفهوم الثاني مجاز " أقول: لم نقل إن كفرهم شرك بل كفر نعمة ، وهو مجاز" (79) .

ويزيد المحشي القضية توضيحا حيث يعتبر كفر النعمة فسقا فيقول:" واعلم أن الكافر والفاسق واحدا" كما يقول :" صاحب الكبيرة نسميه فاسقا كافرا"، ويستدل

لذلك بقوله تعالى : وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ، (32 السجدة20) . وقوله : النار وعدها الله الذين كفروا ، (22 الحج 72) . فالفاسق الذي جعل مأواه النار هو الكافر الذي وعده النار فثبت التساوي" (80) .

كما يستدل يوسف المصعبي بقول البرادي الذي يسوي بين الفسق وكفر النعمة حيث يقول" الفسق أيضا الخروج من الإيمان(جانب العمل). تقول العرب فسقت الرطبة أي نفينا عنها قشرتها وخرجت منها. وذلك بعد أن بين أثناء الرد على المعتزلة الذين يعتبرون الفسق منزلة بين المنزلتين، أن الفسق والكفر مترادفان بدليل قوله تعالى : وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين ، (51 الذاريات46) . وقوله تعالى : ففسق عن أمره ربه ، (18 الكهف 50). ثم يعلق على كلام تبغورين بقوله:"فالمناسب للمصنف رحمه الله أن يثبت التساوي بين الكفر والفسق بالقرآن" (81) .

ويقول يوسف المصعبي أيضا في شأن التسوية بين كفر النعمة والنفاق ما يلي:" وأما الإباضية... فصاحب الكبيرة عندهم بريء من الشرك والإيمان موسوم بالكفر والنفاق كما قال تعالى : مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، (4 النساء 143) . (82)

وقد وضح أبو عمار القضية من قبل بعد أن أورد هذه الآية كما يلي:" لا إلى المشركين في الحكم والسيرة ، ولا إلى المؤمنين في الاسم والثواب ، كما قال عز وجل : ما هم منكم ولا منهم ، (58 المجادلة14) (83) نفاهم من المؤمنين أن يكونوا معهم في التسمية بالإيمان والمودة في الدين، ونفاهم من المشركين أن يكونوا معهم في التسمية بالشرك وأحكام المشركين". (84)

ويشير الشماخي أيضا إلى أن كفر النعمة يرادف مفهوم الفجور والعصيان أيضا (85) .

وهكذا يتضح أن الإباضية يعتبرون أن كفر النعمة مرادف للفسق والنفاق (86) والفجور والعصيان، فالكفر حينئذ أعم من الشرك ويقول يوسف المصعبي في ذلك:"
وأما على أصلنا من كون الكفر أعم من الشرك فيصدق على المنافق والفاسق" (87) .

وقد حلل أبو عمار هذا التساوي في صدد الرد على المعتزلة فقال:" قاسم الكافرين والفاسقين والضالين والظالمين والفجار مشتمل على جميع أسماء أهل النار، كما أن اسم المؤمنين والمسلمين والمهتدين والبارين مشتمل على جميع أسماء أهل الجنة، وستدل على ذلك بعديد من الآيات مثل قوله تعالى : واتقوا النار التي أعدت اللكافرين ، (3 آل عمران 131)

حيث سمى أهل النار كافرين وقوله تعالى : وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم ، (56 الواقعة93) حيث سماهم ضالين:

ويختم بقوله:" فذل بهذا الذي قلنا أن هذه الأسماء كلها مقرونة بإثبات الوعيد، منوطة بوجوب العقاب ، ولن يجوز أن يكون وجوب العقاب إلا للكفر، كما لا يجوز أن يكون وجوب الثواب إلا للإيمان". (88)

وإن عتبرت المصادر الإباضية أن كفر النعمة مرادف للفسق وما إلى ذلك فهي تجعله ضد الإيمان كما أشرنا إلى ذلك في التعريف الشرعي. (89)

ولتوضيح هذه الضدية ينقل يوسف المصعبي عبارة أبي عمار التالية:" إنما يضاد المؤمن الكافر ويضاد الكافر المؤمن" (90) ويقول أيضا:" إن الإيمان والكفر ضدان فلا يرتفعان معا كسائر الأضداد" (91) .

كما جاء الحديث عن هذه الضدية خلال تحليل مفهوم الاستطاعة والعون، وفي ذلك يقول يوسف المصعبي:" والكافر ممنوع من الإيمان يعني بالاشتغال بالكفر ، فلذلك لا يكون معذورا لأن منعه، وعدم استطاعته إنما جاء من قبله كما دل عليه قوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا ، (18 الكهف55) (93) (92) .

فالمهم إذن أن الدخول في الإيمان هو الخروج من الكفر كما أن الدخول في الكفر هو الخروج من الإيمان.

وتجدر الملاحظة هنا أن هذه المصادر تجعل للكفر قواعد وأركانا، وقد تستعمل كلمة قوائم عوض قواعد، وذلك للتحذير من كل ما يوصل إلى الكفر بنعم الله تعالى.

أما قواعده ، أو قوائمه فهي: الجهل والحمية والكبر والحسد. وأما أركانه فهي: الرغبة والرهبة والشهوة والغضب (94) . وتكتفي هذه المصادر بتوضيح معاني هذه الكلمات بالاعتماد على نصوص من القرآن ومن الحديث لتبين مدى صلتها بالكفر.

ومن كفر النعمة إلى مرادفه النفاق.


الإباضية والنفاق:

ذكرنا أن كلمة النفاق تأتي بمعنى كفر النعمة إلا أن المصادر الإباضية تتوسع في بسط مفهومها فهي لغة: كما جاء في الصبحاح: والنافقاء إحدى حجرتي اليربوع

يكتمها ويظهر غيرها، وهو موضع يرققه فإذا أوتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فإنتفق، أي خرج. والجمع النوافق إلى أن قال : ونافق أي أخذ في نافقاء، ومنه اشتقاق المنافق في الدّين الخ..." (95) .

وقال صاحب كتاب العدل والإنصاف:" أبواب حجر اليربوع: القاصعاء والرهطاء والنافقا: باب مستخف يخرج منه عند الضرورة إذا خاف، فأخفاه عن العيون" (96) .

النفاق شرعا: قال في كتاب العدل والإنصاف:" هو اسم شرعي فسره أهل العلم فقالوا اختلاف السريرة والعلانية، واختلاف القول والعمل، واختلاف المدخل والمخرج، وهذه المقالة تروي عن الحسن البصري ومعناه عن حذيفة بن اليمان (97) وهو قول جل الصحابة" (98) .

ويقول المصعبي :" والذي عليه أصحابنا ومن وافقهم أن النفاق في الأفعال لا في الاعتقاد فلا فرق بين منافق العصر وغيره من الموحدين" (99) .

ويلح المصعبي على أن النفاق يكون في الأفعال عند شرحه لقوله تعالى : ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ، (9 التوبة75 ـ 77) فيقول:" قلت فظاهر هذه القصة( قصة ثعلبة) يدل كما ذهب إليه الأصحاب على أن النفاق في الأفعال لمن أنصف" (100) .

كما بين أن النفاق والإيمان لا يجتمعان عند تعليقه على هذه الآيات بقوله:" فلما أخبرهم عن الوعد باللسان وعقب بالنفاق في القلب عقوبة لهم، ولن يستقيم الإيمان والنفاق في قلب واحد" (101) .

ويقول الشماخي:" اعلم أن أصل النفاق الخلف لقوله تعالى : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ، (9 التوبة77).

ويفسر ذلك المحشي كما يلي:" يعني أن أصل النفاق الذي ينبني عليه هو الحلف والكذب لأن الأصل ما يبنى عليه غيره كما يدل عليه ظاهر الآية، وليس المراد أن الحلف والكذب هما عين النفاق بل سببان له.

ويضيف الشماخي ذكر نوعين من أنواع النفاق:

أولا: نفاق الخيانة وهو ما ضيع من الفرائض وارتكاب الكبائر بشهوة، وقد قال عليه السلام:" إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف" (102) .

ثانيا: نفاق التحليل والتحريم وهو ما يقوله أهل الخلاف من غير الحق وما ارتكبوه بتأويل وديانة" (103) .

وقد عدد الشماخي عند تعريفه للكبائر جميع كبائر النفاق فقال:" وقال أصحابنا : الكبيرة كفر وضلال وفسق... فمنه شرك، ومنه نفاق وهو جميع ما حرمه الله تعالى إن افتراقه غير محلل، أو ترك شيئا مما أوجب عليه محرما له، ككسب الحرام، وأكله من أموال الناس، ومن الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر، والنبيذ، والمسكر، والبول، والغائط، وأنجاس أهل الشرك، وذبائحهم، وجميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن من الزنا ومقدماته، والربا ، والغش، والتطفيف، والبغي، والسرقة، والخيانة، وقول الزور مطلقا، من الكذب، والقذف، والشهادة، وحكم الجور، والرشوة عليه، وقتل النفس، وفعل الميسر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، ومنع الحق مطلقا ولو نفقة عبدك وامرأتك، والسحر، والتنابز وكتمان الشهادة، وترك الصلاة والصوم، ومنع الزكاة، وترك الحج، والكبر والحسد، وسوء الظن، واليأس من الرحمة، وأمن مكر الله، والإصرار على الصغيرة والعصبية، والرغبة في الاستحلال ، أو التحريم مع التحليل" (104) .

أما أصناف المنافقين فقد عددها المصعبي تبعا للأصل الذي يشرحه (105) فقال:" وإنما كان أول النفاق في أهل القبلة بتركهم الهجرة فسماهم الله منافقين.

ومن المنافقين من أصاب النفاق بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدقات.

ومنهم من نافق بمنعه الصدقة مثل ثعلبة وغيره.

ومنهم الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ، (9 التوبة 79).

ومنهم المخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد.

ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ، (9 التوبة 107).

ذاك هو مفهوم النفاق، وتلك هي أصناف الكبائر التي تندرج تحته، وهؤلاء هم أصناف المنافقين حسب المصادر الإباضية، فماذا عن الشرك ؟

الإباضية والشرك


لقد ذكرنا أثناء تعريف الكفر أن الإباضية يقسمونه إلى قسمين فحللنا ما يتعلق بالقسم الثاني وهو كفر النعمة وبقي أن نقف عند القسم الأول وهو الشرك فكيف عرفته المصادر؟

لم نلمس أي اهتمام بالمدلول اللغوي إلا في إشارة عابرة عند المحشي عند المقابلة بين التوحيد والشرك حيث بين أن التوحيد أوسع من الإفراد كما أن الشرك أوسع من المساواة ثم قال في صيغة جدلية:" اللهم إلا أن يقال مراد أصحابنا رحمهم الله أن ذلك معناهما بحسب اللغة" (106) .

أما المدلول الشرعي فقد حددته المصادر كما يلي:" الشرك يكون جحودا كفعل أهل الدهر والثنوية، ويكون مساواة كشرك من سواهم والأصل فيه المساواة أي أن تساوي بين الله والخلق في صفة أو فعل أو ذات" (107) .

فالشرك حينئذ نوعان: شرك جحود ويفسر التلاتي ذلك بقوله:" إنكار الله رأسا" (108) وتضيف المصادر "إنكار رسول من الرسل أو كتاب من كتبه، أو آية أو كلمة أو حركة أو سكون من كتبه، أو صفة من صفاته أو فعل من أفعاله" (109) .

وشرك مساواة أي جعل شريك لله تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

فالمشرك حينئذ هو الجاحد أو المساوي بين الله والخلق (110) .

وفعل الشرك أن يعبد غير الله أو يقرب إلى الله بمعصية أو باللسان خاصة (111) .

ولا تطيل المصادر في الاستدلال على الشرك من السياق القرآني بل تكتفي بالإشارة إلى أن كلمة كفر يغلب على استعمالها معنى الشرك في القرآن الكريم مثل قوله تعالى : وإن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ، (2 البقرة6).

وتتعرض المصادر إلى الحديث عن الشرك عند توضيح الصلة بين العلم والعمل فيقول أبو مهدي مثلا:" والشرك يصح فيه العلم وإن عمل به بطل العلم" (112) .

كما تعتبر أنه لا يسع جهل الشرك ويقول الشماخي في هذا الصدد:" ولا يسع جهل الشرك، لأن من جهله لم يعلم التوحيد، ومن لم يعلم التوحيد فهو مشرك فينتج من جهل الشرك مشرك" (113) .

ويعدد الشماخي كبائر الشرك كما عدد كبائر النفاق:" فمنه (الكبير) شرك وهو منا كان تكذيبا لله وإنكارا لشيء مما أمر به نصا، كإنكار توحيد الله أو شبهه بخلقه أو سواه بغيره في ذات أو صفة، أو ينكر وجوده أو يجهل معرفته أو ينكر حرفا من كتبه، أو نبيا أو رسولا، أو ملكا أو جهل البعث، أو شك في وجه من وجوه التوحيد التي لا يسع جهلها، أو وصف الله بصفات النقص كما وصفت المشبهة، أو يتقرب إلى الله بمعصية منصوص عليها، أو يترك بعض الطاعات ويقول أمر الله بذلك، أو يتقرب إلى الخلق بأفعاله من جميع الطاعات كالذبح والصلاة، أو يدعو إلى عبادة غير الله، ويدخل في ما ذكرنا الاستحلال لما حرم الله تعالى نصا، أو يحرم ما أحل الله نصا بغير تأويل، أو جهل الشرك ويدلك على ذلك قوله تعالى : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ، (6 الأنعام 121)" (114) .

وهكذا على هذا الأساس من الفهم تقوم الأحكام إذ الفرق واضح بين أحكام كبائر الشرك، وكبائر النفاق فماذا عن صلة الأسماء بالأحكام؟

الأحكام المترتبة على هذه الأسماء:

يقول أبو عمار عبد الكافي:" فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة:

1) القتل للمشركين، والسبي، والغنيمة، وتحريم الذبائح، وتحريم المناكحة، والموارثة، والمدافنة معهم إلا ما يحل من أهل العهد من ذلك.

2) وتحريم القتل للمنافقين (كفار النعم) إذا هم لم يظهروا نفاقهم، وتحريم السبي، والغنيمة منهم، وتحليل الذبائح، والمناكحة والموارثة، والمدافنة معهم، وتجريح شهاداتهم، وإبطال عدالتهم، وإقامة الحدود عليهم وفيهم، ولذلك يروى عن الحسن أنه قال:" وإن الحدود في المنافقين" (115) .

1) وللمؤمنين وجوب الولاية والمودة والمحبة في الدين، والاستغفار لهم، وتجويز شهاداتهم، وإثبات عدالتهم، والتزكية لهم.

فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة، قال الله عز وجل : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما ، (33 الأحزاب 72ـ73) فجعلهم ثلاث منازل معروفة غير مجهولة في كتاب الله عز وجل" (116) .


وقد عبر عامر الشماخي عن هذا المعنى بقوله:" ندين بأن منزلة النفاق (كفر النعمة) بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك، وندين بأن المنافقين ليسوا بمؤمنين ولا بمشركين، وندين بأن المشركين ليسوا بمؤمنين ولا منافقين، وندين بان المؤمنين ليسوا بمنافقين ولا بمشركين، ومن سمى كل واحد منهم باسم صاحبه فقد كفر" (117) .

وبين صلة الأحكام بهذه الأسماء كما يلي:" وندين بأن الأسماء تابعة، أي موافقة للأحكام". (118)

هذا عن الصلة بين الأسماء والأحكام ويحسن أن نبين صلة هذا بمواقف لبعض الفرق الإسلامية الأخرى قبل أن نتحول إلى قضية الوعد والوعيد والخلود.

واضح من خلال هذا العرض أن الإباضية يتفقون وسائر الفرق الإسلامية في شأن المؤمن الموفي وفي شأن المشرك إلا أنهم يختلفون عن غيرهم في شأن كفر النعمة.

فإن قال المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين واعتبروا مرتكب الكبيرة فاسقا ولم يطلقوا عليه تسمية الكفر كما فعل ذلك الإباضية مع إضافة " النعمة" فإن الاختلاف بينهما لفظي لأن حكم الفاسق عند المعتزلة هو حكم كافر النعم عند الإباضية ، وفي ذلك يقول يوسف المصعبي" أما عند المعتزلة فكلمة كفر مختصة بالشرك...والخلاف بيننا وبينهم في الحقيقة لفظي بالنظر إلى إطلاق لفظ الكفر وعدمه أما أحكامه فهي متفقة عندنا وعندهم في الدنيا والآخرة" (119) .

أما عن موقف الأزارقة والصفرية من اعتبار العصاة مشركين على أن الكفر لا يعتبر إلا شركا فإن رد الإباضية كان عمليا كما أشرنا إلى ذلك من قبل وكانت القطيعة بين الطرفين من اجتماع صومعة البصرة وقد أشار الشماخي إلى ذلك بقوله:" ولكن يسمى كفر نعمة خلاف الخوارج" (120) ، وقد توسع أبو عمار عبد الكافي من قبل في الرد على هؤلاء (121) فالخلاف حينئذ جذري بين الطرفين كما لاحظنا أن الخلاف جذري بين الإباضية والمرجئة في شأن الإيمان. (122)

أما عن موقف الأشاعرة من القضية فيقول المصعبي:" وأصل الأشعرية الكافر خاص بالشرك" (123) إلا أن احمد الشماخي يشير في رده على الغدامسي إلى أن مفهوم كفر النعمة موجود عند الأشاعرة" (124) .


فالمفهوم الغالب حينئذ عند الأشاعرة أن الكفر يعني الشرك ولذلك يكون الصدام بين الطرفين ، لكن عند التأمل يثبت أن الخلاف في البداية لفظي خاصة في ما يترتب عليه من أحكام الدنيا. فالإباضية متفقون والأشاعرة على أن العصاة من أهل القبلة يحرم قتلهم، ويحرم سبيهم والغنيمة منهم، ويحل دماؤهم، ومناكحتهم ، وموارثتهم، والمدافنة معهم. وتجرّح شهادتهم، وتبطل عدالتهم، وتقام عليهم الحدود عند ثبوت إدانتهم بالبينات الشرعية، إلا أن الإباضية يتجاوزون الأشاعرة في تبطيق البراءة الشخصية (125) من هؤلاء حتى يقلعوا عن معاصيهم التي يجاهرون بها.

أما في ما يتعلق بأمر الآخرة فالخلاف جذري كما سنبين ذلك بعد حين (126) .

الوعد والوعيد


لغة: جاء في لسان العرب ما يلي: وعده الأمر وبه عدة ووعدا وموعدا وموعدة، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول ومفعولة... قال ابن جني: ومما جاء من المصادر مجموعا معملا قوله:" مواعيد عرقوب أخاه بيثرب" والوعد من المصادر المجموعة ، قالوا: الوعد حكاه ابن جني.

وقال مجاهد في قوله تعالى : ما أخلفنا موعدك بملكنا ، (20 طه87) . قال: الموعد العهد، وكذلك قوله تعالى : فأخلفتم موعدي ، (20 طه 86) . قال: عهدي. وقوله عز وجل : وفي السماء رزقكم وما توعدون ، (51 الذاريات22) . قال: رزقكم المطر، وما توعدون: الجنة، قال قتادة في قوله تعالى : واليوم الموعود ، (58 البروج2) . إنه يوم القيامة.

وفرس واعد: يعدك جريا بعد جري، وأرض واعدة: كأنها تعد بالنبات. وسحاب واعد: كأنه يعد بالمطر. يوم واعد: يعد بالحر... ويقال للدابة والماشية إذا رجي خيرها وإقبالها واعد، وقال الراجز:( رجز)

كيف تراهـا واعـدا صغارهـا***يسوء شناء العدى كبارها؟

ويقال : هذا غلام تعد مخايله كرما، وشيمه تعد جلدا وصرامة.

والوعيد والتوعد: التهدد، وقد أوعده وتوعده.

قال الجوهري: الوعد يستعمل في الخير والشر.

قال ابن سيده: وفي الخير الوعد والعدة، وفي الشر الإيعاد والوعيد فإذا قالوا أوعدته بالشر أثبتوا الألف مع الباء، وأنشد لبعض الرجاز:( رجز)

أوعـدنـي بالسـجـن والأدهـــم***رجلي، ورجلي شثنة المناسم

قال الجوهري: تقديره أوعدني بالسجن ، وأوعد رجلي بالأدهم. ورجله شثنة أي قوية على القيد.

قال الأزهري: كلام العرب وعدت الرجل خيرا، ووعدته شرا (1)

وأوعدته خيرا، وأوعدته شرا، فإذا لم يذكروا الخير قالوا: وعدته ولم يدخلوا ألفا، وإذا لم يذكروا الشر قالوا: أوعدته ولم يسقطوا الألف، وأنشد لعامر بن طفيل:(طويل)

وإني، وإن أوعدته، أو وعدته
(2)

وإذا أدخلوا الباء لم يكن إلا في الشر، كقولك أوعدته بالضرب، وقال ابن الأعرابي : أوعدته خيرا، وهو نادر وأنشد(بسيط)

يبسطني مرة، ويوعدني***فضـلا طريفـا إلـى أياديـه


قال الأزهري: هو الوعد والعدة في الخير والشر...

ويقال : اتعدت الرجل إذا أوعدته، قال الأعشى: فإن تتعدني أتعد بمثلها...

أبو اليهثم : أوعدت الرجل أوعده إيعادا وتوعدته توعدا واتعدت اتعادا.

ووعيد الفحل: هديره إذا هم أن يصول.


نتبين من خلال ما اورده ابن منظور من الشروح والشواهد أن مادة وعد تستعمل لمدلولات مادية كجري مادية كجري الفرس ونبات الأرض، ولمدلولات معنوية كمخايل الغلام التي تعد كرما. كما نلاحظ تداخلا في الحق الدلالي بين صيغة المجرد وعد وصيغة المزيد أوعد فكلاهما تستعملان للخير والشر، ويبدو أن مرور الزمن غلب دلالة الخير لوعد ودلالة الشر لأوعد، ومن هناك كان منطلق مصطلح الوعد والوعيد وإن لم يشر إلى ذلك ابن منظور كما رأينا في تفسيره مادتي قضاء وقدر، حيث غلب الشرح الاصطلاحي العقائدي على الشرح اللغوي، ولعل ذلك يرجع إلى أن موضوع الوعد والوعيد لم يقرح المتكلمين كما قرحهم موضوع القضاء والقدر.

اصطلاحا: معلوم أن الوعد والوعيد أصل من أصول المعتزلة لذلك نجدهم أكثر اعتناء من الفرق الأخرى بالتعريف الاصطلاحي.

وهذا القاضي عبد الجبار يعرف الوعد والوعيد كما يلي:

" أما الوعد فهو كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير ، أو دفع ضر عنه في المستقبل، ولا فرق أن يكون حسنا مستحقا وبين أن لا يكون كذلك" (3)
.

وأما الوعيد، فهو كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير، أو تفويت نفع عنه في المستقبل، ولا فرق بين أن يكون حسنا مستحقا، وبين أن لا يكون كذلك".

أما الإباضية فقد جاء تعريفهم كما يلي:

والوعد هو الإخبار بالخير كما في قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ، (18 الكهف 107).

والوعيد هو الإخبار بالشر كما في قوله تعالى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ، (98 البينة 6).

ويذكر التلاتي أن " الوعد يكون في الخير والشر لقوله تعالى : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ، (48 الفتح29) . وقوله : النار وعدها الله الذين كفروا ، (22 الحج72) . والوعيد لا يكون إلا في الشر" (4)

. وجاء في قاموس الشريعة ما يلي:" الوعد هو ما وعد الله أهل طاعته من الثواب في الآخرة وهو حق. والوعيد ما أوعد الله أهل الكفر والمعاصي من العقاب في الآخرة وهو حق" (5)
.

فالتعريف الاصطلاحي بقي في مستوى التعريف اللغوي إلا أن الخير والشر يقصد منهما الثواب والعقاب في الآخرة والاستدلال القرآني شاهد على ذلك.

فالمهم حينئذ أن التعريف الاصطلاحي يربط العمل بالجزاء الأخروي، وصارت الكلمتان مقترنتين للدلالة على أصل من الأصول التي اختلفت الفرق في شأنها، وإن كان الاختلاف لا يتعلق إلا بالوعيد...

ذلك هو التعريف الاصطلاحي فماذا عن الأطوار التاريخية التي مرت بها هذه القضية؟ وما هي العوامل التي دفعت إلى قيام هذا الخلاف بين المسلمين في شأن الوعيد بعد أن كانوا على رأي واحد زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وما هو موقف الإباضية وسط هذا الخضم بصفة عامة وبصفة أخص بالنسبة إلى المرحلة التي تعنينا؟



التطور التاريخي لقضية الوعد والوعيد:


إن الإسلام صريح في إطلاق قضية الجزاء من بدء الخليقة إذ يربطها القرآن الكريم بهبوط آدم من الجنة إذ يقول تعالى: اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليه ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، (2 البقرة38 ـ 39)

ويتجدد التذكير بالوعيد قبيل ارتكاب أول جريمة على وجه الأرض حيث يقول هابيل لأخيه قابيل : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ، (5 المائدة 28 ـ29).

فمفهوم الوعد والوعيدء وهو محور قضيتناء قديم حينئذ قدم وجود الإنسان على وجه البسيطة، ولذلك يبين القرآن الكريم أن وظيفة الأنبياء والرسل تتمثل في التبشير بالثواب والإنذار من سوء المآب. قال تعالى : وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ، (الأنعام48 ـ 49)

كما أن الناظر في الديانات الوضيعة يلمس تأثرها من قريب أو من بعيد بما أنزل من رب العالمين إذ لكل منها تصور خاص للثواب والعقاب، ونذكر على سبيل المثال أن المزدكية تثبت أن الإنسان إثر موته يحاسب، ثم توزن سيئاته وحسناته، فإن ثقلت حسناته فإلى النعيم الأبدي، وإن استوت حسناته وسيئاته فإلى قرار هادئ ليس فيه إلا الشعور بالبرودة والحرارة، وأما إن ثقلت سيئاته فإلى جهنم حيث يسام سوء العذاب

طيلة تسعة آلاف سنة ثم تفتح جهنم ليكون بعث جديد يجدد العالم ويطهر العصاة بصفة نهائية ويعيش الناس إلى الأبد في عالم لا شر فيه (6)


واضح من خلال هذا التصور أثر الوحي السماوي الذي استمر مع جميع الأنبياء والرسل، والمهم عند الفرس أن إنفاذ الوعيد مؤقت بزمن محدود وألا خلود في العذاب.

أما أهل الكتاب فقد أثيرت عندهم قضية الخلود في النار وعدمه، كما جاء ذلك في قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ، (3 آل عمران24) وفي قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ، (2 البقرة80).

والرد القرآني صريح على هؤلاء إذ اعتبر أن قولهم من باب الافتراء ومن باب أن يقول الإنسان على الله ما ليس له به علم (7)
.

والمتأمل في كتاب الله يتبين قيام رسالة الإسلام كبقية الرسالات السابقة على التبشير والإنذار، وهاك على سبيل المثال آيتين جاء فيهما لفظ الوعد والوعيد صريحا. الأولى قوله تعالى : لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ، (39 الزمر20) والثانية قوله تعالى : وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ، (20 طه 113).

ومعلوم أن منطلقات كتب أصول الدين هي النصوص النقلية من قرآن كريم وحديث شريف (8)

، ولذلك نحس أن قضية الوعد والوعيد وقعت إثارتها زمن الرسول عليه السلام والقرآن يتنزل إلا أن إجاباته عليه السلام لم تفسح المجال لأي جدل كما سيقع في ما بعد، ومن ذلك ما جاء عن جابر بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هلك المصرون" ـ ثلاثا ـ فقال رجل: يا رسول الله، فأين قول الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، (4 النساء) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أفيكم أحد يقرأ سورة طه؟ فقال أبي بن كعب: أنا يا رسول الله، فقال اقرأ : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ، (20 طه82) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لهؤلاء وقعت المشيئة ثلاثا" (9)

فالسائل حينئذ استفسر عن المشيئة المتعلقة بمغفرة ما دون الشرك من المعاصي فجاء جواب الرسول صلى الله عليه وسلم شافيا انطلاقا من آية أخرى بينت أن المشيئة تتعلق بمن تاب وآمن وعمل صالحا ، وبذلك فهي لا تشمل المصر على المعاصي.

ومن ذلك ما جاء في الحديث عند وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم عند قبرين قوله: " رجلان يعذبان في القبر ولا يعذبان على كبير، أما أحدهما فإنه لا يستبرئ من البول والغائط وأما الثاني فالذي يمشي بين الناس بالنميمة" . (10)

المهم أن المرحلة لم تكن مرحلة جدل وإنما هي مرحلة عمل، والقول الفصل الذي لا يرد للرسول صلى الله عليه وسلم .

وما أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وبويع أبي بكر الخلافة حتى أثار النقاش حول معنى الزكاة وكان موقف الخليفة حازما حيث اعتبر أن مانع الزكاة مرتد، ويجب أن يحارب رغم انه يتفوه بالشهادتين، ويؤدي الفرائض الأخرى، وقولته في هذا شهيرة:" والله لو منعوني عقال بعير كانوا يعطونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه بالسيف". وهنالك يسأله عمر: " كيف تقاتل قوما يشهدون أن لا إله إلا الله وقد أخبر الرسول أن من قالها فقد عصم دمه وماله؟" (11)

فيأتي جواب أبي بكر حاسما ودقيقا:" ألم يقل الرسول " إلا بحقها؟" ألا إن الزكاة من حقها" (12) .

وبهد هذا الحوار الحاد بين موقفين متضاربين استقر الأمر على تكفير مانع الزكاة وانتهت حروب الردة بعد حين واستقر الوضع. وتستقر الخلافة زمن عمر وما كان للمسلمين وقت للجدل وهم مشغولون بتبليغ رسالة الإسلام في أطراف البلاد، ومع ذلك جاء في بعض أقوال عمر ما يوحي بأن التساؤل حول الوعد والوعيد مطروح ومن ذلك قوله:" الشاك في وعد الله كالشاك في الله، وما شكوا في وعد الله حتى شكوا في الله" (13)

. وكذلك ما جاء عن الحسن عن كعب (14)

قال: وقف عمر بن الخطاب على كدية من رمل، فجلس إليها فبكى حتى بل لحيته فقلت يا أمير المؤمنين ، ما يبكيك؟ قال ذكرت أهل النار فقلت: لو جعل عدد كل حبة من هذا الرمل ستة يعذبون على حسابها، ثم يخرجون من النار لطمعوا بالخروج يوما من الدهر، لكن لم يجعل لهم وقتا وما هم بخارجين منها أبدا" (15) .

وليس لنا أن نقتضي كل مواقف الصحابة وأقوالهم (16)
، والأساس أن كل ما ذكر يوحي بأن قضية التمييز بين المعاصي وما يترتب عليها من الأحكام ومن الوعد والوعيد تثار مع حدوث وقائع لم يكن لها مثيل زمن الرسول عليه السلام.

ويستفحل الأمر في أخريات حياة عثمان، وتختلف مواقف الصحابة تجاه بعض تصرفات الخليفة فمن مخطئ ومصوب ومتوقف، إلا أن مجرى الأحداث لا ينتظر أحدا، وتكون القطرة التي تفيض الكأس ويقتل عثمان، وينطلق النزاع الدموي ممزوجا بالجدل الكلامي خاصة حول حكم مرتكب الكبيرة ومصيره، ويشير ابن تيمية

إلى أن الخوارج هم أول من أثار هذه القضية (17)

فحكموا عليه بالشرك- حسب ما ينسب إليهم- (18)

فحل دمه وسبيه وغنم ماله. (19)


إلا أن الأمر في رأينا لا ينحصر في هؤلاء، بل شملت القضية كل المسلمين خاصة وأن الانتماءات لم تكن واضحة كوضوحها الآن، وعلى هذا الموقف من مرتكب الكبيرة سينبني القول في الوعد والوعيد.

ومن هنا ستأخذ القضية أبعادا سياسية وماورائية، فالأمويون جنحوا إلى التسامح وإلى الإرجاء أو إلى القول بإخلاف الوعيد وذلك لتجرئهم على ارتكاب الكبائر واستهانتهم بها، فغلبوا جانب الرحمة الإلهية على جانب العدل ، كما غلبوا الجبر على جانب الاختيار ليوحوا للعامة أن خلافتهم بقضاء وأن طاعتهم أمر واجب.

وأما العلويون فالزيدية منهم قد اشتركوا مع المعتزلة في سلب الإيمان عن مرتكب الكبيرة، إلا أن الإمامية لم يخرجوه من الإسلام. (20)

وأما المحكمة الأول فقد أدنوا عثمان في السنوات الست الأخيرة من حكمه، وأوجبوا على علي التوبة من قبوله التحكيم ثم اختلف موقفهم في شأن مرتكب الكبيرة من اجتماع البصرة (21)

فكثيرا منهم كفروه كفر شرك وأحلوا دمه وسبي ذراريه وغنم ماله (22) .

وهنا قعد عنهم عبدالله بن إباض إمام الإباضية ولم يجز الخروج ومن ذلك الحين سيتبلور موقف الإباضية تدريجيا ليتخذ من البداية خطأ واحد ستتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا، ويتجلى هذا الموقف في العقيدة العمانية المنسوبة إلى عبدالله ابن اباض، وجاء فيها ما يلي:"....وان يؤمن...أن الله لا يخلف وعده ولا يبطل وعيده" (23)
.

وفي هذه الأثناء بدأت تتبلور مدرسة الاعتزال مع غيلان الدمشقي وواصل ابن عطاء والحسن البصري من قبل لأن المعتزلة يعتبرونه من طبقاتهم ويتجلى موقفهم في هذه المحاور التي دارت بين عمرو بن عبيد وأبي عمرو بن العلاء النحوي. (24)

إن أبا عمرو بن العلاء النحوي المعروف بالقرآن وإعرابه، التقى مع عمرو ابن عبيد المعتزلي فقال له: يا أبا عثمان، ما شيء بلغني عنك في الوعيد؟ فقال له: يا أبا عمرو، إن الله وعد وعدا وأوعد وعيدا، فالله منجز وعده ووعيده. فقال يا أبا عثمان، إن الله وعد وعدا وأوعد وعيدا فالله منجز وعده ومؤخر وعيده، أما تعلم أن العرب لا تعد ترك الوعيد ذما، وإنما تعده تكرما، وفضلا أما سمعت الذي يقول : (طويل)

ولا يخشى ابن العم ما عشت صولتي***ولا أنـــا أخـشــى صــولــة الـمـتـمـرد


وإنــــــي وإن أوعـــدتـــه ووعـــدتــــه***لمـخـلـف إيـعــادي ومـنـجــز وعــــدي


فقال هؤلاء العرب يمتدحون بخلف الوعيد وإنجاز الوعد، ويرون أن هذا تكرم وفضل.

فقال عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو، وشغلك الإعراب عن الصواب؟ أما سمعت أن الذي يقول شعرا: (بسيط).


إن أبا خالد لمعتدل الـرأي***كـريـم الأفـعــال والـبـيـت
لا يخلف الوعد والوعيد ولا***يبيت من قراه علـى فـوت


فهذا ممدوح على هذه الصفة، إذ لا يخلف وعده، ولا ما توعد به، والله تعالى أصدق القائلين. وقد قال : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم ، (7 الأعراف44) . وقال : ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ، (50 ق 29) . وقال : لا تبديل لكلمات الله .

هذه المناظرة صورة لما كان يدور حول القضية من جدل وكل ينتصر لرأيه اعتمادا على القرآن الكريم وعلى أشعار العرب.

وسبق أن روينا اعتماد جابر بن زيد على حديث الرسول عليه السلام: " هلك المصرون" (25)

، وكذلك يروى عنه أنه سأله رجل قائلا:" يا أبا الشعثاء،أرأيت قول الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، (4 النساء48) . فقال جابر: أو أنبأك الله لمن يشاء أن يغفر؟ قال: وأين أنبأني يا أبا الشعثاء؟ قال : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ، (4 النساء31) (26)

فالوعيد حينئذ نافذ لمن مات مصرا على المعصية ولهذا نلمس الإتفاق بين الإباضية والمعتزلة في إنفاذ الوعيد.

ويأتي الربيع بن حبيب بعد حين ليجمع كل ما بلغه من أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم تثبت إنفاذ الوعيد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وذلك في ما اصطلح على تسميته بكفر النعمة (27)

، ومن ذلك الحين جاء التدعيم في بقية التراث الإباضي معتمدا اعتمادا كليا على هذه الأحاديث.

وسنكتفي بذكر ما يلي منها:


1) التوعد بجهنم صراحة لأهل الكبائر.

- قال صلى الله عليه وسلم : لولا أن أهل السماوات وأهل الأرض اشتركوا في دم امرئ مسلم حراما لكبهم الله جميعا على مناخرهم في النار" . (28)

- وقال صلى الله عليه وسلم : " من آذى مؤمنا أو روعة أطال الله روعته في جهنم" (29)
.

2) النذير بالحرمان من الجنة

-- قال الربيع بن حبيب ، قال جابر بن زيد يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل الجنة مخنث ولا ديوث (30) ولا فحلة النساء ولا الركاضة، قيل وما الركاضة يا رسول الله قال: التي لا تغار" (31) .

وينسج عمروس بن فتح على نفس النسق في معرض الرد على المرجئة فيقول:"... وما ردوا من تنفيذ وعيد الله، وهو أشبه بقول اليهود : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ، (2 البقرة 80)" (32) .

وكذلك يقول أبو الربيع سليمان بن يخلف:" وندين بإنفاذ الوعد والوعيد وأن الله لا يخلف الميعاد، ولا يبدل القول لديه وأنه منجز وعده ووعيده" (33)

. ويعيد أو سهل العبارة تقريبا بقوله:" اتفقت الأمة على أن الله صادق في وعده وأنه لا يبدل القول لديه وانه لا يخلف الميعاد..." (34) .

ولا أراني مضطرا بأن أورد مثل هذه الصيغة من أقوال جميع من كتبوا في أصول الدين إلى يومنا هذا، فلا اختلاف عند الإباضية في هذا الأصل. وأكتفي بما جاء عند عمرو التلاتي في كتاب نخبة المتين للتعبير عن رأي علماء المرحلة المقررة وهو:" واتفقوا (أئمة الإباضية) على أن الله تعالى لا يخلف وعده ولا وعيده..." (35) .

فالأساس حينئذ أن الإباضية ما يزالون منذ نشأتهم إلى يومنا هذا يتمسكون بموقف واحد ألا وهو صدق الله في وعده ووعيده، فكيف تتجلى العوامل التي دفعتهم إلى ذلك من خلال احتجاجهم لموقفهم وردهم على القائلين بخلف الوعيد من الفرق الإسلامية؟



تحديد من ينفذ فيهم الوعيد:

قبل أن نعرض الأدلة على إنفاذ الوعيد يحسن أن نحدد من يشملهم هذا الإنفاذ.


لقد سبق أن رأينا موقف الإباضية من الأسماء وما يترتب عليها من الأحكام (36)

وقولهم بأن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة فهل أن جميع الذنوب تعتبر كبائر أم أن المعاصي مستويات متفاوتة؟..

لقد كانت هذه القضية مثار جدل من زمن مبكر فهذا ابن عباس يعتبر أن المعاصي من الكبائر باعتبار عظمة من يعصي. (37)

وعلى هذا الأساس بني الأزارقة موقفهم كما يذكر عنهم، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا أن كل عصيان شرك، وحجتهم في ذلك قوله تعالى : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ، (6 الأنعام 121). (38)


وما قعد عبدالله بن إباض منذ إجتماع صومعة البصرة عن هؤلاء إلا لمخالفتهم في الحكم بالشرك على جميع المسلمين واستحلال دمائهم وسبي ذراريهم وغنم متاعهم. (39)


ومن ذلك الحين اتضح لدى الإباضية عدم الخلط بين الشرك وبين بقية الذنوب فماذا عن المعاصي؟ وهل يترتب عليها دائما نفس الحكم؟

إن المتأمل في كتاب الله تعالى مثل قوله عز وجل : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، (4 النساء48) . ومثل قوله : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ، (4 النساء31) . ومثل قوله : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ، (53 النجم32) . وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثل الحديث المذكور أعلاه في شأن اللذين يعذب أحدهما من أجل إهمال الاستبراء والآخر من أجل ما كان يأتيه من النميمة بين الناس (40)

، وفي كتب الأصول والفقه يتبين بوضوح أن الذنوب تتفاوت حسب عوامل متعددة فما هي أهم تسميات الذنوب المنصوص عليها في القرآن الكريم؟



تسمية الذنوب:

إن امتنع آي القرآن الكريم ينتبه إلى وجود عدة أسماء لمدلول الخروج عن طاعة الله تعالى بوجه من الوجوه عدا الشرك وهذه الأسماء هي: السيئة ، الكفر (41)

، الإجرام، الإثم، الذنب، المعصية، الفاحشة ، الوزر، الخطيئة، الكبيرة، الصغيرة، اللمم (42)
.

ترتيب الذنوب:


نجد عند الإباضية ترتيبين للذنوب:

أما الترتيب الأول فقد روعي فيه صلة الإنسان بالله وصلته بالآخرين، واعتمادهم في ذلك ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرويه أبو عبيدة عن ناس من الصحابة أنه قال:" الذنوب على وجهين ، ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه ، فالذنب بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له، أما بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم الى أهلها". (43)


وأما الترتيب الثاني فاجتهادي وهو تنازلي، وفي ذلك يقول الوارجلاني " الشرك أعظم الذنوب، والكبير دونه فوق المعصية، والمعصية دون الكبير وفوق السيئة، والسيئة دون المعصية وفوق الخطيئة، والخطيئة دون السيئة وفوق الكراهية، والكراهية دون الخطيئة وفوق الإباحة" (44)
.

تعريف الأصوليين: رغم كثرة استعمال الأصوليين لهذه الكلمات فإنهم لا يعتنون غالبا بتحديدها تحديدا ثابتا واضحا ذلك يرجع إلى تقاربها من حيث الاستعمال في القرآن الكريم كما بينا ذلك.

وقد حاول البرادي مستعينا بما جاء قبله أن يضع لها تعاريف في رسالة الحقائق ومع ذلك فإنه غفل عن تعريف الإثم والفاحشة والوزر والخطيئة واللمم.

فما هي المعصية؟ يقول البرادي:" المعصية هي فعل ما نهى عنه فاعله وكذلك الذنب". (45)


ويقول يوسف المصعبي معرفا المعصية مع زيادة تدقيق" والمذهب...أن المعصية كل ما قارنه النهي من شرك وغيره". ثم يبين مخالفة الخوارج كما يلي:" وخالف في الأصل الثاني أعني قولنا وليست المعصية كلها شركا الخوارج حيث زعموا أن المعصية كلها شرك...." (46) .

ويورد أبو عمار في شرح الجهالات ما يلي:" إن من المعصية استفسادا ومنها غير استفساد ، فالكبائر كلها استفساد والصغائر ليست باستفساد ، ويقال كل كبيرة معصية، وليس كل معصية كبيرة، كما يقال كل صغيرة معصية وليس كل معصية صغيرة. ولا يقال في المعصية إنها غير كبيرة، ولا في الكبيرة إنها غير معصية، كما لا يقال في المعصية إنها غير الصغيرة ولا في الصغيرة إنها غير المعصية، وإنما يقال : الكبيرة غير الصغيرة، والصغيرة غير الكبيرة، وكذلك يقال إن من المعصية كبيرة وصغيرة، والكبيرة ما قارن العقاب والصغيرة ما قارن الاستثناء" (47)
.


وإن اعتبر أبو عمار المعصية اسما عاما (48)

فإن أبا يعقوب الوارجلاني يعتبرها دون الكبيرة وفوق السيئة (49) .

ومن خلال هذه التعريفات نتبين أن الغالب على المعصية أنها اسم مرادف للذنب وهي كل ما قارن النهي، وتنقسم إلى كبائر وصغائر.

فماذا عن السيئة؟ السيئة:" ما أساء فيه المرء إلى نفسه" (50)

وإن جاء تعريف البرادي لغويا جافا فإن الوارجلاني اكتفى بترتيب السيئة واعتبرها دون المعصية وفوق الخطيئة (51) ، أما أبو عمار عبد الكافي فقد اعتبر السيئة اسما عاما مثل المعصية (52)

وكذلك فعل صاحب المنهج حيث يقول:" والسيئات هي كل ما عصي الله به من صغير وكبير" (53)
.

وإن لم تطل هذه المصادر في تعريف هذه التسميات فإنها توسعت أكثر عند تقسيمها إلى كبيرة وصغيرة فما هي الكبيرة؟



الكبيرة:


" حقيقة الكبيرة على أصولنا ما أوجب الله عليه حدا في الدنيا وعقابا في الآخرة، وهي ضربان معلوم ومجهول" (54)
، ويكتفي أبو عمار باعتبار الكبيرة استفسادا وأنها ما قارنها العقاب. (55)

ويقول عمرو التلاتي:" إن الكبائر جمع كبيرة، وهي عند بعضهم ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة كالقتل والزنا وعند آخرين ما فيه حد كالقذف ، وعند قوم كل ذنب ولا صغيرة عندهم نظرا إلى عظمة من عصى- تعالى- وشدة عقابه وهذا هو اللائق بمذهبنا المبني على اليقين والاحتياط. وعند آخرين كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة ديانته كسرقة لقمة والتطفيف بتمرة" (56) .

" وقال ابن عباس: الكبائر ما ذكره الله في سورة النور من أولها إلى قوله : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ، (24 النور31) فأوجب الله لهم الفلاح بالتوبة من جميع الذنوب بقوله : قد أفلح المؤمنون ، (23 المؤمنون1).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه " الكبائر ما ذكره الله في سورة النساء الى قوله : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ، (14 النساء31)". (57)

ويستوفي السالمي القضية تمحيصها بإيراد تحديدات ابن حجر ومناقشتها وهي سبع، وتحديدات الغزالي ولسنا نرى من الضروري إيرادها كلها وإنما محورها ما ذكره عمرو التلاتي، والأساس في أن السالمي عول على التحديد الخامس وهو عين ما ذكره البرادي، الحد في الدنيا والوعيد في الآخرة. وقد جاء ذلك في قوله:" ولما كان الحد الخامس(أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد) من هذه الحدود هو الذي عول عليه جمهور الأصحاب رحمهم الله وكان ما عداه من الحدود مدخولا عولا عليه الناظم" (58) (59) .

ويضيف محمد اطفيش تقليدا آخر لحد الكبيرة ينسبه إلى ابن عباس ويتمثل في الإصرار حيث يقول: قال ابن عباس:" كل ذنب قام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة" (60) .

ويلاحظ التلاتي أن كل ما صدق عليه أنه كبيرة يصدق عليه أنه كفر وأنه ذو عقاب ، وكل ما صدق عليه أنه ذو عقاب يصدق عليه انه كبيرة وانه كفر كالزنا وترك الزكاة (61)

وقد عبر صاحب النونية عن ذلك كما يلي:(طويل)

ثلاثة أسماء معان تجاوزت
(62)


فللكبيرة من خلال هذه التعاريف طرفان، طرف في الدنيا وهو إقامة الحد، وإن كانت الكبائر المذكورة في القرآن والسنة تشمل كثيرا مما لا حد فيه، وطرف في الآخرة وهو الوعيد والعقاب ويشمل الكل ولذلك عمم أبو عمار وقال ما يشمله العقاب مهما كان نوعه في الدنيا وعقاب الآخرة أشد.

ثم إلى جانب هذا تقسم المصادر الكبائر إلى معلومة ومجهولة معنى ذلك أنها لا يمكن أن تقع تحت الحصر.

أما المعلومة منها فهي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم (63)

وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك ما جاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا الكبائر السبع الموبقات، الشرك بالله والقتل والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتامى، والفرار من الزحف وقذف المحصنات" (64) .

كما تقسمها إلى كبائر شرك وكبائر نفاق (65) ويقول أبو عمار في هذا الشأن:" فإن قال الكبائر كلها معلومة ؟ فقل إن بعض الكبائر معلوم لما جاء فيه من النص وبعضها مجهول: يريد أن كل ما جاء فيه من الله وعيد فهو معلوم، وما لم يأت فيه من

الله وعيد فمجهول غير معلوم . ومن قول بعض العلماء إن لم يأت من الله فيه دليل يدل على انه كبير فإنهم يناظرونه بالذي أتى فيه عنه وعيد، فما كان مثله وما هو أكبر منه فهو كبير والله أعلم" (66) .

وقد عبر عمرو التلاتي عن هذا الموقف باختصار ونسبه إلى أصحابنا أي علماء الإباضية. (67)

وقد حرص هؤلاء العلماء على إحصاء ما علم من الكبائر (68) مع شعورهم أنها لا يمكن أن تقع تحت الحصر، وفي ذلك ينقل الشماخي ما جاء عن جابر بن زيد أن أنس يروي أشياء من الكبائر لم يروها الناس أدق من الشعر" (69) فماذا عن الصغائر؟



الصغيرة:


جاء في رسالة الحقائق ما يلي:" حقيقة الصغيرة في كتاب الجهالات ما جاء فيه من الله الاستثناء وليس بسديد عندي لأن الاستثناء جاء في الكبائر بعد التوبة منها فيلزم على قوله أن تدخل في الصغائر ، والحد السديد عندي فيها هو ما يكفر باجتناب الكبائر، وهي كلها عندنا غير معلوم ولا معين ونعنيها في الحكم خاصة" (70) .

ويقول أبو عمار:" فكل ما كان مغفورا لأهله، متروك المؤاخذة عليه فهو صغير غير كبير، وغير كفر"

(71) ويضيف في شرح كتاب الجهالات أنها ليست استفسادا فإن قال: لم لا تكون الصغيرة استفسادا وهي منتهى عنها؟ قيل: إنما لم تكن استفسادا لعلة أنها ليست الكفر، فإن قال: وما العلة التي لمن تكن بها الصغائر كفرا؟ فقل: لأن الله أوجب فيها الاستثناء، فإن قال ما وجه النهي عن الصغائر إذا لم تكن استفسادا؟ قيل: لئلا يكونوا مستخفين بحق الله في ما دون الكبائر. فإن قال: ولم حتى قضيت أن في المنهي عنه صغيرا؟ قيل له: لما جاء في ذلك من الخبر الصادق" (72) .

وكذلك يذكر يوسف المصعبي أن الصغيرة معفو عنها في حق المؤمن (73) فينقل عن محمد بن محبوب في قوله تعالى : إلا اللمم ، وهو ما دون الكبائر من الذنوب التي تكون بين الله وبين عباده مثل الغمزة واللمزة والنظرة، وما كان أهله يدينون بالتوبة منه بالاستغفار فذلك هو اللمم. وكل ما لم بالقلب منة ذكر المعصية، أو هم بها العبد ، أو نوى فعلها، من غير شتم المؤمنين ولا وقوع في أعراضهم فهذا إذا نسي أن يستغفر الله منه، والله واسع المغفرة إذا كان الفاعل ممن يدين الله تعالى بالتوبة منه، ومن جميع ما نهى الله عنه (74) .

وسلك السالمي مع الصغيرة مسلكه مع الكبيرة فأورد عدة تعاريف وناقشها ، ومن ذلك ما ذهب إليه مالك من أن الكبائر معاصي أهل

البدع، والصغائر معاصي أهل السنة. وهو باطل لأن في معاصي أهل السنة الزنا، وشرب الخمر وقتل النفس، إلى غيرها من الكبائر التي جاء النص بأنها موبقات. ومن ذلك ما قيل من أن الكبائر معاصي إبليس، والصغائر معاصي من سواه وهو باطل أيضا لأنه إما أن يريد بمعصية إبليس الاستكبار والوسوسة للناس وبغض الحق وأهله فالكبائر غير منحصرة في ما ذكر وإما أن يريد بها أن المعاصي التي تصدر من غير إبليس صغائر ولا تصدر الكبيرة إلا من إبليس فيلزمه جهل الشرك، وقتل النفس، والزنا وشرب الخمر ونحوهما، من غير إبليس صغائر ولا يشك عاقل في بطلانه (75) .

ويجمع السالمي مختلف الآراء الواردة عند الإباضية في ما يلي:"( قوله وعكسه الصغيرة ) (76) أي عكس الكبيرة من الذنوب هو الصغير ، والمراد بالعكس هنا مطلق المخالفة أي ما عدا الكبير من الذنوب فهو صغير بناء على المذهب المشرقي أن الصغائر موجودة في الخارج وأنها معلومة للعلماء وهو مذهب النكار (77) وجمهور قومنا، وذهب أصحابنا من أهل المغرب وبعض أهل المشرق إلى أنها موجودة لكنها غير معينة" (78) .

هذا ما جاء عند من يقرون بوجود الصغائر أو لم تعلم فماذا عمن ينفون الصغائر؟

يقول عمرو التلاتي:" وقد اختلف العلماء في وجود الصغيرة فقال بعض المرجئة لا وجود لها وإن كل ما عصي الله به كبيرا نظرا إلى عظمة الرب جل جلاله لا إلى الفعل الذي عصي به وهو المشهور عن أئمة المذهب رحمهم الله تعالى وهو اللائق بأصولهم المبنية على التحقيق والاحتياط، ووفاقا لابن عباس رضي الله عنه حيث قال:" ليس في ما عصى الله به صغيرة" (79) .

واضح أن هذا الموقف مردود لأنه يتعارض وما جاء في القرآن الكريم من نصوص صريحة تثبت ذكر الصغائر من ذلك قوله تعالى : كل صغير وكبير مستطر ، (54 القمر53) . وقوله تعالى : مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، (18 الكهف49) . وقوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ، (53 النجم32).


وقد انتبه التلاتي إلى القضية فبين أن بعض الأصحاب حمل كلام ابن عباس على خلاف ظاهره ، وهو أن المراد منه توفير المعاصي والترهيب منها لا عدم وجود الصغائر (80) ويستشهد بكلام ابن محبوب المذكور أعلاه (81) في تعريف الصغائر.

فالأساس في هذه التعاريف أن عند الإباضية خلافا في وجود الصغيرة، فجاء قول ينفي وجودها أصلا بناء على حديث ابن عباس ونسب إلى أئمة المذهب بدون تحديد، وجاء قول يقر بوجودها وهو ما عليه جمهور الإباضية إلا أن أهل المشرق منهم

والنكار يعتبرون أنها معلومة لكن المغاربة وبعض المشارق يرون أنها غير محددة وعلى هذا المعنى ألح كل من البرادي وأبا عمار وعثمان بن خليفة السوفي. (82)

والملاحظ أن الذين يعتبرون أن الصغائر معلومة يكتفون بذكر بعضها ومن ذلك ما ذكره ابن محبوب، ويذكر السالمي منها الكذب إن خف والرقص واللعب (83) إلا أن الذين يتوقفون عن تعدادها يبينون أن في ذلك حكمة، وهاك توضيح عمرو التلاتي لهذه الحكمة:" وقال أصحابنا... وغيرهم الصغائر كلها غير معلومة لأنه ليس من الحكمة أن يبينها الله تعالى لعباده لأنه لو بينها لهم لاستخفوا بحقه تعالى، وعصوه بفعلها... فثبت أنها غير معلومة، وأن عدم علمها أولى للعباد وأدخل في زجرهم عن عصيان الله تعالى بوجه من الوجوه لأنهم كلما أرادوا ارتكاب ذنب خافوا كونه كبيرة وتركوه" (84) .

نتبين من هذا حينئذ أن الموقف القائل بجهل الصغائر أقرب إلى الحكمة من التشريع الذي يورد حكم الصغائر ، ويبين السالمي أن للصغائر حكمين:

أ ـ أنها مغفورة بفعل الحسنات بشرط اجتناب الكبائر قال تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات ، (11 هود114) . وقال تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ، (4 النساء31) . والمراد بالسيئات هنا الصغائر. وقال تعالى : والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ، (53 النجم32). والمراد باللمم الصغائر من الذنوب.

3 ـ أن الإصرار عليها كبيرة قال تعالى : ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، فمدحهم بعدم الإصرار على المعصية وفي مدحه تعالى لهم بعدم الإصرار ذم للإصرار وما ذمه تعالى فهو كبير، بيانه انه تعالى لا يذم شيئا وهو يرضاه لعباده وقد قال تعالى : ولا يرضى لعباده الكفر ، (39 الزمر7) . فاستنتج من الآيتين أن الإصرار كفر نعمة" (85) .

فالأساس بالنسبة إلى المسلم أن يحرص على عدم اقتراف الذنوب صغيرها وكبيرها سواء استطاع أن يميز بين الصغائر والكبائر أو لم يستطع ذلك. وإن وقع فما عليه إلا أن يسارع إلى التوبة النصوح فماذا عن التوبة والإصرار والإحباط؟



ما الذي ينفي إنفاذ الوعيد؟

قبل أن نتحول إلى إنفاذ الوعيد، وأدلة الإباضية على أنه واجب وجوب حكمه يحسن أن نذكر ما أتاح الله تعالى للعباد من فرص في هذه الحياة للنجاة من وعيد الآخرة.

التوبة وفضل الله تعالى


إن قضية المعاصي تترتب عليها مسألة العقاب إلا أن الإنسان قد يغفل عن هذا العقاب حينا، وقد ينتبه أحيانا أخرى ، فجعل الله للإنسان سبيلا إلى الخلاص مما اقترف من الكبائر، وهذا الباب هو التوبة ، فما هي التوبة؟ ومتى تكون نافعة ومتى تكون غير نافعة؟ وهل تحبط أعمال المؤمن باقتراف المعاصي والإصرار عليها؟



حقيقة التوبة:

التوبة لغة من تاب توبا وتوبة ومتابا وتابة: رجع عن المعصية.


والتوبة: الاعتراف والندم والإقلاع ، والعزم على ألا يعاود الإنسان ما اقترفه (1)

وقد عرف الرسول عليه السلام التوبة بقوله " التوبة من الذنب ألا تعود إليه أبدا" (2) وبقوله " الندم التوبة" (3) . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" صفة التوبة النصوص أن يتوب العبد من ذنب فعله، ويعتقد الندامة عليه والانقلاع وألا يعود إلى عصيان الله بعد ذلك أبدا، ويردّ التبائع على قدر ما كانت عليه ، فغن عاد بعد ذلك فليست الأولى بتوبة نصوح" (4) .

ويقول البرادي في رسالة الحقائق:" حقيقة التوبة الندم بالقلب والعزم على الترك مع الإمكان. وقال غيرنا الرجوع عن الطريق البعيد إلى الطريق القريب" (5) .

ويعرفها عمرو التلاتي كما يلي:" التوبة: بمعنى الإقلاع من الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العود إليه" (6) .

ويقول التلاتي أيضا: " لا توجد التوبة إلا بوجود ستة أشِياء: الندم على الذنب الماضي، والعزم على عدم العودة إليه، وأداء الحقوق لأهلها، وقضاء الفرائض المضيقة كلها، والحزن المؤدي إلى ضعف البدن بحيث يلتزق جلده على عظمه، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما ذاقت حلاوة المعصية" (7) .

نلاحظ من خلال هذه التعريفات أنها تتكامل ، فإن سكت البرادي عن العزم على عدم العودة فقد ذكره التلاتي، إلا أن البرادي ألح على نقطة مهمة وهي العزم على الترك مع الإمكان، وكأنه بهذا يخرج من عجز عن إتيان تلك المعصية لسبب ما، وفي هذا كلام سيأتي في ما بعد عند الكلام عن توبة العاجز (8) ، مع التنبيه إلى تدارك ما يمكن تداركه من قضاء فروض وأداء حقوق. ولا نرى فائدة في زيادة التحليل لأن التوبة متفق عليها عند جميع المسلمين وغن اختلفوا في بعض جزئيات كما سنبين ذلك فماذا عن حكمها شرعا؟



حكم التوبة:

يقول عثمان بن خليفة السوفي في هذا الشأن:" والكف عن الذنوب فرض، ومعرفة ذلك فرض" (9) .

ويعبر عمرو التلاتي عن نفس المعنى بقوله:" واتفقوا (أئمة الإباضية) على أن التوبة واجبة على المسلمين وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ، (24 النور 31). (10)


ويزيد ذلك تحليلا بقوله:" وإنها (التوبة) واجبة على المكلف في أول أحوال بلوغه، وغن لم يعلم لنفسه ذنبا لأنه قل من يسلم منه، ولأن حقوق الله أعظم واكثر من أن يقوم بها" (11) .

ويشبع عبدالله السالمي القضية تحليلا فيقول:" فهي (التوبة) إما واجبة، وإما مندوبة، فالفور واجب منها، وهو ما إذا عصى المكلف فإنه يجب عليه أن يرجع عن عصيانه في الفور فأما وجوبها فمأخوذ من قوله تعالى : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ، (24 النور31) . وأما وجوب الفورية فيها فلما في تأخيرها من الإصرار المحرم قطعا (12) .

وأما المندوب منها فهو تكرار توبة من عصى فتاب إذا تذكر ذنبه الذي تاب فإنه يندب له أن يعيد توبته، ولا يجب عليه إعادتها خلافا لبعضهم لن الصحابة ومن كان لأسلم بعد كفره يتذاكرون ما كان منهم في الجاهلية من الكفر ولا يجددون له توبة" (13) .

ويلح محمد اطفيش على وجوب التوبة رغم صعوبة ترك الذنوب فيقول:" والتوبة من الصغائر والكبائر واجبة ولو كان لا طاقة للإنسان على ترك الذنب لأن التوبة حق الله وإجلال له واجب على كل حال" (14) .

فالمسلمون يكادون يجمعون على وجوب التوبة والنصوص صريحة في ذلك من القرآن والسنة فماذا عن القبول من الله تعالى؟



قبول التوبة من الله تعالى:

قبل أن ننظر في قضية قبول التوبة يحسن أن نحلل هنا موقف الإباضية من علاقة الثواب بالعمل.


موقف الإباضية من علاقة الثواب بالعمل:

بناء على التحسين والتقبيح العقليين يقرر المعتزلة وجوب الثواب على الله تعالى كما يوجبون عليه قبول توبة التائبين.

يقول القاضي عبد الجبار:" وأما الشروط في استحقاق الثواب والعقاب في الأفعال فكالشروط في استحقاق المدح والذم عليهما (15) غير أنه لابد من اعتبار شرط آخر فيهما وهو أن يكون الفاعل ممن يصح أن يثاب أو يعاقب، وإن شئت قلت الشرط هو أن يكون الفاعل ممن يفعله لشهوة أو شبهة... وغنما لم يكن بد من اعتبار هذا الشرط لأنه لو لم يعتبر للزم استحقاق القديم تعالى العقوبة، ومعلوم أنه لو قدر

وقوع القبيح من جهته لم يستحق العقوبة وإن استحق الذم، تعالى عن ذلك علوا كبيرا" (16) .

ثم يبين أن المؤثر في استحقاق المدح والثواب"إنما هو فعل الإنسان للواجب واجتنابه للقبيح وما يجري هذا المجرى" (17) ويخلص إلى النتيجة التالية:" وإذا قد عرفت هذه الجملة فاعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة فلابد من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله، بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدا لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به وإلا كان لا يحسن التكليف لأجله" (18) .

ويرد على من يعتبر أن الله يثيب على ما ليس فيه مشقة بقوله:" إنا لا نوجب أن يكون في نفس الفعل مشقة، بل يجوز أن يكون في سببه أو في مقدمته أو في ما يتبعه ويتصل به" (19) .

وهكذا يتناسق هذا الموقف مع قول المعتزلة بالعدل الإلهي، وبهذا يتضح قولهم بأن الثواب استحقاق وأنه ثمرة من ثمرات الإيمان والعمل الصالح، وبالتالي فهو واجب على الله تعالى إذ العدل الإلهي يقتضي أن يجارى المحسن حسب ما قدمت يداه.

وقبل أن نورد حجج مخالفيهم على هذا الموقف يحسن أن نشير إلى أن أبا القاسم خالف أصحابه في هذا الرأي وذهب إلى أن الثواب جود من الله تعالى:" عن القديم تعالى إنما كلفنا هذه الأفعال الشاقة لما له علينا من النعم العظيمة فإن ذلك غير ممتنع ، فمعلوم أن من أخذ غيره من قارعة الطريق فرباه، وأحسن تربيته، وخوله وموله، وأنعم عليه بضروب النعم، جاز له أن يكلفه فعلا يلحقه بذلك مشقة، نحو أن يقول: ناولني هذا الكوز أو تمم هذا السطر، ولا يجب أن يغرم في مقابل ذلك شيئا آخر، كذلك في القديم تعالى فنعمه عندنا لا تحصى وأياديه لدينا لا تحصى، ولما ذهب في ذلك إلى ما ذكرناه قال: إنه إنما يثيب المطيعين لا لأنهم استحقوا ذلك بل للجود" (20) .

ويرد القاضي عبد الجبار على أبي القاسم ردا شديدا معتبرا أن في هذا القبول تناقضا وبمثابة من قال:" يجب أن تفعل ويجب ألا تفعل وهذا محال" (21) .

تبين من هذه النصوص حينئذ أن جمهور المعتزلة يوجبون الثواب على الله تعالى فماذا عن الأشاعرة؟

يقول البيجوري:" وبالجملة فهو سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة ولا تضرع معصية، والكل بخلقه فليست الطاعة مستلزمة للثواب، وليست المعصية مستلزمة للعقاب، وإنما هما أمارتان تدلان على الثواب لمن أطاع والعقاب لمن عصى" (22) .

فالأشاعرة يعتبرون أن الثواب وعد من الله وأنه تفضل وغنما يقع لإخباره بذلك لأن الله تعالى يستحيل في حقه أن يحتم عليه الأمر (23) .

أما الإباضية فيقول عنهم الأشعري:" وقالوا (يقصد جل الإباضية) : جزاء الله في العباد أكثر من تفضله، وعافيته أكثر من ابتدائه، والثواب واجب بالاستخلاف والتفضل والابتلاء ابتداء". (24)

فهل اتخذ الإباضية فعلا موقف المعتزلة في إيجاب الثواب بالاستحقاق على الله كما يذكر الأشعري رغم مخالفتهم في وجوب الصلاح والأصلح على الله؟

وفي هذا الشأن يقول عمرو التلاتي:" واتفقوا أيضا على أن الله تعالى لا يجب عليه لعباده شيء من الصلاح والأصلح لنه لو وجب عليه ما خلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا بالفقر وفي الآخرة بالعذاب الأليم المخلد فيه، المبتلى في الدنيا بالأسقام والمحن والآفات، ولنه لو وجب عليه ما بقي للتفضل محل، ولم يكن له خيرة في الإنعام، وهو باطل لقوله تعالى : وربك يخلق ما يشاء ويختار ، (28 القصص68) . وقوله : يختص برحمته من يشاء ، (2 البقرة 105) (25) .

وبما أن الإباضية لا يقولون بوجوب الصلاح والأصلح على الله فإنهم يعتبرون ألا موجب على الله في شأن الثواب، وهذا الوارجلاني، عند تحليل ما يتعلق بالوعد والوعيد ، يذكر ما يثبت ألا موجب على الله وأن الوجوب وجوب حكمة فيقول:" لا موجب على الله وإنما الوجوب في حق الحكمة" (26) كما يرد على من قال بان الثواب حتم بقوله:" فالذين قالوا إن الثواب حتم على الله قد أساءوا الأدب إنما كان ينبغي لهم أن يقولوا حتم في واجب الحكمة بعد أن يصح ما قالوا إنه واجب" (27) .

ويؤيد هذا الموقف ما جاء في الموجز عند تفسير حديث الرسول عليه السلام (28) حيث يقول:" إن معنى ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا لا ينال شيئا من الخير الذي هو طاعة الله، ولا يستعصم عن شيء من معصية الله فيدخل بذلك الجنة إلا أن يعينه الله على ذلك ويوفقه له، ويغمده برحمته التي لا يخيب من تغمد بها". (29)

فموقف الإباضية صريح في رفض موقف المعتزلة القائل بوجوب الاستحقاق والفرق شاسع بين الوجودي وجوب الحكمة ووجوب الاستحقاق إذ وجوب الاستحقاق إنما يتوجه من القوي إلى الضعيف وذلك من علامات النقص التي تعالى الله عنها علوا كبيرا، بينما وجوب الحكمة فضل من الله ورحمة.

ولعل الأشعري وقعت بين يديه بعض المتون المختصرة (30) التي وردت فيها كلمة الوجوب فأضاف الاستحقاق رغم أنه أشار إلى التفضل، وتحول فيها كلمة الوجوب فأضاف الاستحقاق رغم أنه أشار إلى التفضل وتحول بذلك المعنى عن الأصل وعن سياق مبادئ الإباضية العامة وأبرزها في هذا الشأن اعتبارهم أن التحسين والتقبيح شرعيان فالحسن ما حسنه الشرع ووعد عليه حسن الثواب والقبيح ما قبحه الشرع وتوعد عليه سوء العقاب.

ونورد نصين متأخرين عن زمن الأشعري لعلهما يشعران بما جاء قبلهما مما لم يصلنا من النصوص.

الأول في القرن الخامس/ 11 " وذلك أن ولايته(الله) وجوب الثواب لأوليائه وعداوته وجوب العقاب لأعدائه" (31) .

والثاني من القرن الثامن/ 14 :" ومما يجب على المكلف أن يعلم أن الله أمر بطاعته وأوجب عليها ثوابا، ونهى عن معصيته وأوجب عليها عقابا" (32) .

وما كان يخفى على الجيطالي أن الوجوب وجوب الحكمة بعد تحليل الوارجلاني للقضية في الدليل والبرهان.

ويشير أحمد الشماخي كذلك إلى أن الثواب فضل من الله إلا انه يضيف أنه خاص بالمتقين:" قولك: بل يفضل الله" أقول: الأمر كذلك لكنه أخبر أنه فضله ورحمته خاصان بالمتقين فسأكتبها للذين يتقون ، (7 الأعراف 156). وكثر في القرآن بما كنتم تعملون ، (5 المائدة 105) . بما أسلفتم ، (69 الحاقة24) . وما شاكلها. فإن حملنا أخبار الله تعالى على الصدق فقد أخبرنا بأنها خالصة للمؤمنين فسأكتبها للذين يتقون . كما هو مذهب كل مؤمن مسلم" (33) .

ويذكر عمرو التلاتي أن " كل نعمة فضل من الله تعالى، وأن كل نقمة عدل منه عز وجل" (34) .

وإذا تأملنا في المصادر الإباضية المتأخرة نتبين بوضوح مناقشتها لهذه المقولة وردها لرأي المعتزلة القائلين بوجوب الثواب على الله ومن ذلك ما جاء في كتاب المعارج:

" ذهبت المعتزلة أيضا بناء على قولهم بتحكيم العقل إلى وجوب ثواب الطاعة عقلا على الله تعالى، واحتجوا على ذلك من الكتاب العزيز بقوله تعالى : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ، (4 النساء100) . قالوا: فهذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأنه تعالى قال : فقد وقع أجره على الله . وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه: أحدهما انه ذكر لفظ الوقوع، وحقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط قال تعالى : فإذا وجبت جنوبها ، (22 الحج39) . أي وقعت وسقطت. وثانيها: أنه ذكر بلفظ الأجر والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون مستحقا فذلك لا يسمى أجرا بل هبة. وثالثها: قوله(على الله) وكلمة(على) للوجوب قال تعالى : ولله على الناس حج البيت ، (3 آل عمران97).

وأجيب بأنه لا نزاع في وجوب الثواب على الطاعة لكن ذلك بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية...فهو سبحانه وتعالى يقبل توبة التائب تفضلا منه ووفاء بوعده ويثيب المطيع تفضلا منه، ووفاء بوعده والله أعلم" (35) .

ويقول أيضا:"...أهل الاستقامة يقولون إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله والمعتزلة يقولون بوجوب ذلك عليه، تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين" (36) .

فالمهم حينئذ أن موقف الإباضية جاء موقفا ذاتيا مستفيدا من هذا وذاك دون أن يكون تابعا تبعية مطلقة لأي طرف، فهم يرون أن الثواب واجب وجوب حكمة تتناسق والعدل الإلهي، فالله يوجب على نفسه ما يشاء دون أن يوجب عليه أحد، وعبر الأشاعرة عن ذلك بقولهم إنه يمكن أن يعكس فيعاقب المحسن ويثيب المسيء، وفي موقفهم رد عنيف على المعتزلة، كما أن الإباضية ألحوا إلحاحا كبيرا على جانب الفضل والرحمة وهذا هو الموقف المستقر في الفكر الإباضي عبر القرون ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ، (24 النور 21) . لأن عمل الإنسان مهما كان لا يمكن أن يعادل ما يتمتع به من نعم، فالثواب حينئذ في مستوى صلته بعمل الإنسان الموفي أقرب إلى الوجود لارتباط النتيجة بالسبب، وفي مستوى صلته بالمثيب إنما هو تفضل ورحمة لأن الله غني عن العالمين.

وعلى هذا ينبني موقف الإباضية من قبول التوبة.



قبول التوبة فضل أم استحقاق؟


إن أحسن ما يرجوه التائب أن يقبل الله توبته، وأن يعفو عن معاصيه وأن يبدل سيئاته حسنات، وأن يدخله جنة النعيم، إلا أن علماء الكلام أثاروا نقطة الاستحقاق والفضل هنا كما فعلوا بالنسبة إلى الثواب.

فالمعتزلة يرون انه يجب على الله قبول التوبة نقلا وعقلا. أما النقل فاعتقادهم على قوله تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ، (4 النساء17) . حيث اعتبروا أن(على) بمعنى الوجوب ولولا ذلك لكانت الآية مساوية لقوله تعالى : فأولئك يتوب الله عليهم ، (4 النساء17).

يرد السالمي بما يلي:" وأجيب عن ذلك بأنه تعالى وعد بقبول التوبة من المؤمنين فإذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة(على) وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله إنما التوبة على الله . وبين قوله فأولئك يتوب الله عليهم .

فإن قيل: فلم أخبر عن قبول التوبة، وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع فيلزمكم ألا يكون فاعلا مختارا.

أجيب بأن الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للإيقاع ، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع فسقط احتجاجهم بالآية" (37) .

ثم يرد على قولهم بوجوب قبولها عقلا اعتمادا على تحليل الفخر الرازي الذي يدلي بأربعة حجج نكتفي بذكر واحدة منها:" إن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثرا في ذات الله وفي صفاته، وذلك لا يقوله عاقل" (38) .

ومن خلال هذه الردود نتبين اتحاد الموقف بين الإباضية والأشاعرة فالكل يرى أن قبول التوبة أفضل من الله تعالى. وهذا السالمي يقول:" منتهى التوبة وثمرتها حط الأوزار بمعنى إزالة الآثام عن المذنب وتلك الثمرة إنما هي بمحض تفضل منه تعالى لا بوجوب عليه" (39) .

فقبول التوبة حينئذ تفضل من الله تعالى وفضل ورحمة فمتى تقبل التوبة ومتى لا تقبل؟

متى تقبل توبة التائبين؟

يقول الله تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ، (4 النساء17).

بين محمد اطفيش أن الجهالة تتمثل في السفه وتشمل من علم ومن لم يعلم، ويستدل بقول قتادة:إن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أجمعوا على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة ولو مع علم وان كل من عصى الله فهو جاهل ولو كلن عالما (40) .
كما بين أن التوبة من قريب يفسرها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " عن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (41) .

إن هذا المعنى لا ينفي المبادرة إلى التوبة حال الوقوع في المعصية إلا أنه يجعل فسحة للتائب ويؤازره هذا رد الله تعالى على إبليس حينما طلب الإمهال وأثبت أنه لن يخرج من قبل آدم ما دام فيه الروح بما يلي: " وعزتي لا احجب عنه التوبة ما دام فيه الروح" . (42) هذا في ما يتعلق بالجهالة وسعة الزمن، بقي أن نذكر ببعض الشروط.



شروط التوبة:

سبق أن ذكرنا عند التعريف شروط التوبة فيستحسن أن نقف عندها بشيء من التحليل:

1) الندم: "هو غم يصيب الإنسان ويتمنى أن ما وقع منه لم يقع وذلك حياء من الله تعالى وأسفا على عدم رعاية حقه" (43) .

ومن أسباب الندم خوف عدم القبول، ومن علامات مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، وقلة الكلام والطعام والمقام (44) .

2) الاستغفار:هو طلب الغفران للذنب سواء كان ذلك الطلب بالقول والقلب أو بالقلب فقط لقوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، (3 آل عمران 135). ويرجع ذلك إلى أصل الذنب فالمعصية القلبية يناسبها الاستغفار القلبي والجهرية يناسبها الاستغفار القولي (45) .

3) العزم على ألا يعود في المستقبل إليه أو إلى مثله: والفرق واضح بين العاجز والقادر، أما القادر على العودة فلا تعتبر توبته نصوحا حتى يمكن من الذنب عشر مرات مع توفر الأسباب الداعية له وامتناعه منه. (46)

وأما العاجز فالشرط في حقه عزمه على الترك لو عادات إليه قدرته على الذنب (47) .

1) الرجوع بانكسار: ولا تتم التوبة إلا بالإقلاع بصفة نهائية عن الذنب بتذلل وانكسار نفس لأن ما فات من العمر لا يمكن أن يرجع.

وإثبات هذتا الشرط يخرج المقلع اضطرارا خشية تعزيز من الإمام أو نتيجة فقدان جارحة وفي نفسه لو يستطيع لفعل (48) .



بقي أن نشير إلى أمرين:

1) فمن كانت معصيته في حق الله تعالى فهذه الشروط كافية لكن يتحدد الفرق بين المستحل للمعاصي وبين المحرم لها.

أما المحرم (49) لها: أي الذي يعتقد أنه ينتهك حرمات الله فعليه مع التوبة استدراك ما فاته بالقضاء مع أداء الكفارة.

وتجدر الإشارة إلى الحج والزكاة بالنسبة إلى من كان موسرا حالة العصيان، وصار معسرا عند التوبة ، والرأي الراجح أنه معفو عنه، ومنهم من يأمره بالوصية وإلى جانب هذا أداء الكفارة وللإباضية تحليل موسع للكفارات (50) .

وأما المستحل (51) ّ فيعامل معاملة من أسلم بعد كفر، والإسلام يجب ما قبله، والدينونية عليه سوى الرجوع إلى الحق والدينونة ببطلان ما كان عليه (52) .

2) ومن كانت معصيته تعلق بها حق من حقوق العباد فتوبته تكون حسب الاستحلال والتحريم.

أما المستحلّ: فتجزيه التوبة من ذلك الشيء دون غرمه سواء كان قائما في يده أو كان قد أتلفه وهذا القول ظاهر في المشركين لقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، (8 الأنفال38) . كما أن السيرة أيدت ذلك لن الرسول عليه السلام لم يسترجع الدور التي انتزعها المشركون من المسلمين حتى بعد إسلامهم عند فتح مكة. وقد قال عمر: ولسنا بنازعين شيئا من يد أحد إذ أسلم عليه، وعلى هذا اجتمعت الأمة المحمدية (53) .

بقي الخلاف في المرتد (54) والذمي (55) وما اغتصبه المشركون من المسلمين (56) والموحد والمستحلّ بتأويل الخطأ (57) .

وأما المحرِّم فعليه التنصل من حقوق العباد فيؤديها لأصحابها إن كان قادرا، وإن كان غير قادر، أو تعذر عليه وجود أصحابها أو تعذر عليه ما يتخلص به فإنه يجب عليه حينئذ أن يعتقد الخلاص عند القدرة عليه، فإن حضره الموت ولم يجد سبيلا إلى الخلاص وجبت عليه الوصية ولا شيء عليه فوق ذلك. أما إذا عفا صاحب الحق فلا غرم. (58)

أما إذا غفل عن ذلك في توبته فلابد من المقاصة وذلك بأن يؤخذ من حسنات الظالم ويعطي للمظلوم، فإذا نفذت حسنات الظالم طرح عليه من سيئات المظلوم. (59)

واضح من خلال ما ذكرنا أن الإباضية وسائر علماء الإسلام (60) قالوا وأطالوا في موضوع التوبة والتائبين ، لذلك نكتفي بهذا القدر مع الإلحاح على أن المصادر الإباضية تركز خاصة على أن وعد الله تعالى خاص للتائب الذي ختم عمره بالتوبة وهذا ما سيتجلى بوضوح في المباحث اللاحقة.



وبعد أن علمنا إجمالا متى تقبل التوبة فمتى لا تقبل هذه التوبة؟


متى لا تقبل التوبة؟

لقد بينا أن قبول التوبة فضل من الله تعالى لذلك ينبغي لمن ابتلى بشيء من المعاصي ألا يتوانى في التوبة، ويتوب في حال الإمكان قبل أن يغلق عليه باب التوبة (61) فمتى يغلق باب التوبة؟


الإصرار على الذنب:

تميز المصادر الإباضية بين التمادي والإصرار وفي ذلك يقول عمرو التلاتي:" إن الفرق بين المصر والمتمادي أن المصر هو الناوي لعدم التوبة من عصيانه وللقاء ربه به كالمشرك. والمتمادي هو الناوي للتوبة من عصيانه في وقت ما، وللقائه تعالى بها فهذا ترجى له النجاة من النار دون الأول" (62) .



ولسنا في حاجة إلى إطالة الحديث عن المتمادي فهو غافل يرجى أن ينتبه من غفلته ليرتقي في مدارج التوبة، وإنما القضية مع المصر فقد جاءت في شأنه عدة آراء.


الإصرار:

لغة: أصررت على الشيء إذا أقمت ودمت عليه ومنه قوله تعالى : ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، (3 آل عمران 135) (63) . وقال أبو الهيثم: أصرّي أي اعزمي كأنه يخاطب نفسه من قولك/ أصرّ على فعله يصرّ إصرارا إذا عزم على أن يمضي فيه ولا يرجع... وأصرّ على الذنب لم يقلع عنه. وفي الحديث: " ما أصر من استغفر" (64) أصر على الشيء يصر عليه إصرارا إذا لزمه وداومه وثبت عليه، وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب يعني من أتبع الذنب الاستغفار فليس بمصر عليه وإن تكرر منه. وفي الحديث : " ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوه وهم يعلمون" (65) .

أما المعنى الشرعي:فقد جاء ضمن الشروح اللغوية وفي استدلال ابن منظور بالقرآن والحديث أحسن برهان على ذلك وقد غلب المعنى الاصطلاحي الشرعي على المفهوم اللغوي إلى أن صارت كلمة الإصرار أكثر ارتباطا بالذنب والعصيان.

وتلح المصادر الإباضية مع تغريف الإصرار على ألا سبيل للمصر إلى النجاة يوم القيامة لأنه معاند محاد لله ولرسوله وقد شمل الوعيد الذين يحادون الله ورسوله.

وهذا أبو نصر يصوغ هذا المعنى في ما يلي: (طويل)

فمـن مـات مــن أهــل الكبـائـر أبـيـا***مصرا فما أقصاه عن جنة العدن (66)


وقد اعتبر أبو عمرو السوفي الإصرار من الكبائر متشهدا بقوله عليه السلام: " هلك المصرون" (67) .

وسئل عثمان بن خلفة السوفي:" هل يكون الإصرار بالحديث أو بالاشتغال بغير التوبة قال: لا، حتى يقول لا أتوب، قال: والإصرار الإقامة على الذنب والاعتقاد للعودة إليه". (68)

ويلح الصدغياني على هلاك المصرين بمناقشة الأشاعرة في رجاء المغفرة لأهل الكبائر المصرين عليها فيقول بعد سرد عدة أدلة:" ومثل هذا كثير في الوعيد لأهل الكبائر الذين ماتوا على كبائرهم مصرين" (69) كما يقول في نفس الرسالة:" وقلتم أنتم (الأشاعرة) مؤمن ولي الله لا يعذب مع الإصرار على الذنب دون التوبة والاستغفار... والكبائر ينوب بعضها عن بعض فمن أصر على كبيرة فقد خرج من الإيمان ودخل الكفر" (70) .

ويقول أبو مهدي أيضا بعد عرض الأدلة حول إنفاذ الوعيد للمصرين: " ومثل هذا كثير من الوعيد لأهل الكبائر الذين ماتوا على كبائرهم مصرين". (71)

وتعرض أحمد الشماخي للقضية في رده على صولة الغدامسي (72) وفي شرح العقيدة ونكتفي بذكر النص الثاني:" كل مصر كافر، وإن المقام على الكبائر والإصرار على الصغائر تصير الأعمال هباء فتحبط ويغضب الله على أهلها ويسخط". (73)

ويورد عمرو التلاتي موقف الإباضية كما يلي:" وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى:" من عمل صغيرة أو كبيرة وأصل عليها واستكبر وتهاون بها ولم يتب منها حتى مات عليها أدخله الله عز وجل النار.

وان من أصر ولو على أخذ حبة بغير حق وجبت له النار ولو أمضى عمره في طاعة الله عز وجل وأنفق ماله في سبيل الله ولا يقبل منه شيء من ذلك ولو مثقال ذرة حتى يتوب، فإن تاب رجونا له أن يجدد الله له ثواب عمله السابق منه حال إصراره كما يدل لذلك نحو قوله صلى الله عليه وسلم :" من كذب وأصر فهو في النار مخلد" وقوله عز وجل في الحديث القدسي:" لا أقبل عثرة المصرين في الدنيا والآخرة" (74) .

وإن الإصرار على المعاصي لا شيء أعظم منه عند الله تعالى لما فيه من عدم مبالاة صاحبه من سخط الله واستخفافه به واستقلاله به وبارتكاب المعاصي (75) .

وتطيل كتب إباضية المشرق التحليل في هذا الشأن ونكتفي بذكر شيء مما أورده خميس الرستاقي حيث يقول:" ومن الكبائر التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإصرار على جميع المعاصي وكذلك في كتاب الله تعالى وإجماع أهل العدل وكمن الكتاب قوله تعالى : ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ، (49 الحجرات 11) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" هلك المصرون"... والإجماع من أهل العدل في ما دانوا به انه لا يكون الغفران من الله تعالى على الإصرار على الذنوب قلت أو كثرت صغرت أو كبرت" (76) .

هذا شيء من النصوص قديمها وحديثها يثبت إنفاذ الوعيد في المصرين وهم في الحقيقة ليسوا من الذين لا تقبل توبتهم رغم توجههم للتوبة وإنما هم قوم أعرضوا عن التوبة إعراضا تاما عن وعي وإدراك، فهؤلاء لا يمكن بحال أن تهدي لهم التوبة رغم إعراضهم عنها، وقد اتضح أن الإباضية يستدلون لذلك بالنصوص قرآنية منها قوله تعالى أثناء عرض بعض صفات المتقين الذين يكرمهم الله بجنة النعيم : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، (3 آل عمران135).

ويقول محمد اطفيش (77) عند شرح هذه الآية:" يعلمون أني أعاقب على الإصرار والإصرار على الذنب كبيرة في حق من علمه ذنبا ومن لم يعلمه لكنه في حق من علم أقبح وأكبر فقد يعذر الجاهل في أمر ولا يعذر العالم" (78) .

ثم يقول بعد قليل:" وذكر الأجر للعالمين ولم يبق للمصرين إلا العقاب لحديث:" هلك المصرون" وغيره من الأحاديث والآيات الدالة على عقابه الملحقة الفاسق بالمشرك" (79) .

وقد جاءت آيات أخر في ذم المصرين إلا أنها جاءت متعلقة بالكفار وببعض صفاتهم وهي قوله تعالى في قوم نوح : واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ، (45 الجاثية 8) . وقوله تعالى في ذم أصحاب الشمال : وكانوا يصرون على الحنث العظيم ، (56 الواقعة 46).

ومن الأحاديث المعتمدة في هذا الشأن قوله عليه السلام: " هلك المصرون" (80) وقوله: " لا صغير مع إصرار ولا كبير يكبر مع توبة واستغفار" (81) وقوله: " لا توبة مع إصرار" (82) وقولـه: ... والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه" (83) وقوله: " من كذب وأصر فهو في النار مخلد" (84) .

من خلال ما ذكر يتضح أن الإصرار من الكبائر ولعله من أكبرها الآن المصر على المعصية لا سبيل له إلى النجاة ولذلك ألحت المصادر الإباضية على أن المصر حتى على الصغيرة يعتبر كافرا كفر نعمة حكمة أن ينفذ فيه الوعيد فيخلد في النار كما على جماعة المسلمين أن يبرءوا منه إن ثبت لديهم إصراره وعناده، وقد استدلوا على ذلك بالقرآن وبأحاديث منها ما ذكره غيرهم ومنها ما لم يذكره غيرهم (85) .

الإحباط

لغة:" حبط حبطا وحبوطا: عمل عملا ثم أفسده والله أحبطه. وفي التنزيل : فأحبط أعمالهم ، (47 محمد 9و18). الأزهري: إذا عمل الرجل عملا ثم أفسده قيل حبط عمله وأحبط صاحبه، وأحبط الله أعمال من يشرك به. وفي الحديث :" أحبط الله عمله" أي أبطله (86) .

قال الأزهري: ولا أرى حبط العمل وبطلانه مأخوذا إلا من حبط البطن لأن صاحب البطن يهلك وكذلك عمل المنافق يحبط غير أنهم سكنوا الباء من قولهم حبط عمله يحبط حبطا، وحركوها من حبط بطنه يحبط حبطا ، كذلك ثبت لنا عن ابن السكيت وغيره. ويقال حبط دم القتيل يحبط حبطا إذ هدر. وحبطت البئر حبطا إذا ذهب ماؤها. وقال أبو عمرو الإحباط أن تذهب ماء الركية فلا يعود كما كان" (87) .

ولقد أثار المعتزلة قضية الإحباط من وقت مبكر وهذا تعريفهم له:" وجملة القول في ذلك هو أنا قد ذكرنا أن المكلف إما أن تخلص طاعاته أو معاصيه أو يجمع بينهما ويخلطه، فإذا أجمع بينهما فلا سبيل إلى التساوي على ما تقدم، فليس إلا أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، والآخر أقل منه، فيسقط الأقل بالأكثر وهذا هو الذي نعنيه بالإحباط والتكفير" (88) .

ويختلف أبو علي وأبو هاشم في الموازنة بين الطاعات والمعاصي فيرى أبو علي أن المعصية تحبط الطاعة تماما، بينما يرى أبو هاشم أن فعل الطاعات يخفف على المعاصي من العذاب ، وينتصر الجبائي لأبي هاشم ومن ردوده، على أبي علي قوله:" أما ما ذكره (أبو علي) أولا، وهو أن الفاسق لإقدامه على المعاصي وارتكاب الكبائر أخرج نفسه من أن يستحق الثواب فلا يصح ، لن الفاسق أتى بالطاعة على الوجه الذي كلف وامر به، وعلى حد(كذا) لو تفرد عن الكبيرة لكان يستحق عليها الثواب وارتكابه الكبيرة بعد ذلك لا يخرجه من أن يكون مستحقا للثواب ففسد ما ظنه" (89) .

أما المرجئة فتركوا الباب مفتوحا ورجوا لمن يخلط بين الطاعات والمعاصي الغفران وخلود الجنان. ويقول أبو يعقوب الوارجلاني " وهنا (بالنسبة الى المصر على ارتكاب الكبائر) اختلفنا مع المرجئة، فرجوا لـه الجنة مع مناصبته الله تعالى بالفجور" (90) .

والملاحظ أن المصادر الإباضية لم تطل الكلام عن قضية الإحباط إذ يقع التعرض عليها غالبا عرضا عند الحديث عن توبة المرتد ولعل مرجع ذلك إلى ورود المسألة في آية البقرة في شأن المرتد. قال تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، (2 البقرة 217).

والملاحظ أن صيغة ح.ب.ط وردت في القرآن الكريم ست عشرة مرة جلها متعلقة بالمشركين والمنافقين (91) نذكر منها قوله تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ، ( 9 التوبة 17). (92)

والبقية لها صلة بالكبائر يستشهد منها عادة بقوله تعالى في سوء الأدب مع الرسول عليه السلام : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ، (49 الحجرات2).

والأساس حينئذ ألا خلاف بين الأمة في إحباط أعمال المشركين والمنافقين وغنما الخلاف في ما يتعلق بالمرتدين وبصالح أعمال مرتكبي الكبائر فما هو موقف الإباضية من ذلك؟



الإحباط والتائبون من الردة:

قال عثمان بن خليفة السوفي:" وندين باستتابة المرتد وقتله إن أبي...وفي المرتد سنتان، سنة عمر وسنة معاذ" (93) وبين أن عمر أمر أن يستتاب ثلاثا ثم يقتل إن امتنع بينما أمر معاذ بأن يقتل مباشرة (94) .

ويورد المحشي مختلف الأقوال في المرتد مع إبراز موقف الإباضية فيقول:" وأما المرتد فالحاصل أن فيه ثلاثة أقوال إذا رجع إلى الإسلام :

أ ـ منهم من يقول لا يبطل عمله ولا ثوابه حتى يموت على ذلك، وهو مذهب الشافعي واستدل بظاهر قوله تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ، (2 البقرة 217).

ب- ومنهم من يقول: بطل ثواب عمله ولا يطالب بالإعادة إلا في الحج، وهو مذهب مالك.

جـ ـ ومنهم من يقول بطل عمله وثوابه ويطالب بالإعادة وهو الراجح عند أصحابنا على ما يفهم من كلام السؤالات (95) حيث صدر به والله أعلم لقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك ، (39 الزمر 56).

وأما الآية التي استدل بها الشافعي فأجيب عنها بأنه سبحانه وتعالى رتب الردة والموت على الكفر شيئين الإحباط والخلود في النار فالأول مرتب على الردة والثاني على الموت عليها، فلا دليل في الآية على ما ذكره الشافعي.

فإن تاب أعاد ما مضى على التفصيل السابق في السؤالات فيمن ارتد زلة فكيف بمن ارتد متعمدا. نعم ظاهر الأثر المحكمي عن بعض أصحابنا المشارقة في كيفية توبة المرتد يدل على أنه كالشرك الأصلي فيكون قولا رابعا في المرتد. ولعل الرخصة التي ذكرها في السؤالات تشير إلى هذا، لكن ذكرها فيمن ارتد زلة" (96) .

وقد توسع كل من محمد اطفيش وعبدالله السالمي (97) في القضية وأقاما عدة مقارنات لا تخرج عما ذكره المحشي عدا في بعض الجزئيات.

تلك هي مواقف عدد من العلماء في شأن الإحباط والمرتد ويعجبنا منها تنبيه مغنية على ضرورة إعادة ما فاته أثناء الارتداد وبالنسبة إلى البقية ففي خلاف العلماء رحمة للأمة ولكل دليله، ومن رأى الإحباط والإعادة اختار ما هو اكثر احترازا وهذا شأن الإباضية في جل اختياراتهم.


صاحبة بدعة يدعو إلى بدعته:

إن مصادر المرحلة المقررة لم تقف عند هذه القضية (98) في ما وقع بين أيدينا ولعل ذلك يرجع إلى أن أبا يعقوب الوارجلاني قد حللها تحليلا موسعا.

ومنطلق ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته" (99) .

وقد ميز أبو يعقوب بين المجتهد المتأول الذي لا يقطع عذر الآخرين وبين المبتدع الذي يقطع عذر الآخرين ويحول قوله إلى العمل، واستشهد بموقف أئمة الإباضية من نافع بن الأزرق كيف أنهم ألحقوه بالمبتدعين لأنه حمل السيف لحمل الناس على رأيه.

كما بين الرسول عليه السلام قطع في ثلاث فرق القدرية والمرجئة والمارقة.

ثم صنف المبتدعين إلى ستة أصناف وقد تفاوت حكمه عليها (100) .


وأشار إشارة مهمة تبين يأس هؤلاء من رحمة الله فيقول:" وسعة رحمة الله كثيرة ولا مطمع فيها لصنفين: مصر على معصية الله عازم أن يلقى الله عز وجل بها يوم القيامة ومبتدع في دين الله عز وجل منعكس متنكس عن الله عز وجل" (101) .

فمن خلال ما جاء عند الوارجلاني نتبين احتراز الإباضية في شأن المبتدع فهم لا يخرجونه عن الملة إلا إذا ثبت لديهم تحريفه للنصوص وحمل الناس على ذلك (102) .

كما انهم يشترطون في توبته أن يخبر من كان يدعوهم بضلالته فإن تابوا مثله فتلك بغيته وإن واصلوا غيهم فهو معذور (103) .

والمهم حينئذ أننا رأينا أن الإباضية قاسوا من نسبتهم إلى البدعة (104) لذلك كان موقفهم من المبتدعين من الاحتراز بمكان.



ذلك هو موقف الإباضية من المبتدع الداعي الى بدعته فماذا عن مرتكب الكبيرة؟


الإحباط ومرتكب الكبيرة:

إذا لاحظنا الخلاف بالنسبة إلى المرتد فمن باب أولى أن يكون الخلاف أشد بالنسبة إلى أصحاب الكبائر فماذا عن موقف الإباضية؟

يقول ابن جعفر (ق3/9):" والمسيء من عباد الله من ختم عمره بالإصرار ولو على مثقال ذرة فالمسيء يوم القيامة لا يقبل الله منه حسنة ولا ثواب لـه عليها يوم القيامة، إذ كان في حكم الله أن حسنات المصر محبوطة" (105) .

كما يقول أيضا:" وكذلك السيئات هي لأهلها وغنما أهل السيئات فهم كل من مات مصرا، غير تائب منيب وقد قال الله تعالى : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، (4 النساء123) . يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا أماني أهل الكتاب . يعني الذين أتوا الكتاب من قبلهم الآيات ـوالأحاديث من يعمل سوء يجز به ، (4 النساء123) . يعني من يعمل سوء ممن يموت مصرا عليه يجز به. ولا يجد له وليا ولا نصيرا ، (4 النساء123)

وقال : إن الله لا يظلم ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ، (4 النساء40) . فإنما يضاعف مثقال ذرة من الحسنات لمن لقبه تائبا لا لمن لقبه مصرا على معصيته، وما ربك بظلام للعبيد ، (41 فصلت46) . كان في عدله أن المصر حسناته محبوطة وسيئاته غير مغفورة وإذ كان في عدله بتعطفه وفضله أن سيئات التائب مغفورة وحسناته مقبولة مشكورة" (106) .

ويسلك أحمد الشماخي نفس المسلك فيقول:" كل مصر كافر، وإن المقام على الكبائر والإصرار على الصغائر تصير الأعمال هباء (107) ، وتحبط ويغضب الله على أهلها ويسخط. ثم يستدل بقوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ، (2 البقرة264). وقوله : اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ، ( 47 محمد28) . وقوله : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا لـه بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ، (49 الحجرات2) . وقول عائشة : " بلغوا زيدا أنه قد أبطل حجه وغزوه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب" وقوله عليه السلام: " الرياء يحبط العمل" (108) وعنه: " من كذب وأصر في النار مخلد" (109) .

ويطالب صولة الغدامسي بالنص المثبت للإحباط فيجيبه الشماخي كما يلي:" أقول: الأمر كما ذكرت والنص قوله صلى الله عليه وسلم : " هلك المصرون" 110) .

وفي الإيضاح في كتاب البيوع ما يدل على هذا حيث قال في فصل بيوع الذرائع:" وحجة من أبطلها ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت لسرية زيد بن أرقم: (111) أبلغني زيدا انه قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب، وذلك أن زيدا ابتاع جارية من سريته بثمانمائة درهم إلى خروج العطايا فاشترتها منه السرية نقدا بستمائة درهم والله أعلم... فظاهر هذا يقتضي أن إبطال العمل مشروط بعدم التوبة" (112) .

ويعيد محمد اطفيش نفس الأدلة التي أوردها الشماخي وغيره، مثل قوله عليه السلام: " هلك المصرون" بعد أن قدم لها بقوله:" أدلة الإصرار المبطلة للعمل أدلة على أنه لا تعد الحسنات والسيئات ويعتبر الأكثر، وعلى أن الكبيرة تبطل الأعمال كقوله عليه السلام: " هلك المصرون" (113) .

ويتخذ السالمي نفس الموقف بقوله : " في الآيتين : لا ترفعوا أصواتكم ، (49 الحجرات2) . ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ، (2 البقرة 264) . أيضا دليل على إحباط العمل بالكبيرة من الذنوب لأن رفع الصوت والجهر به ليس بشرك إجمالا وكذا المن والأذى وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآتي: " الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك (114) " (115) .

أما صاحب المنهج فقد تعرض لقضية الإحباط وتوسع فيها ومن ذلك قوله:" وقيل إن المقام على الكبائر والإصرار على الصغائر يصير العمل هباء ويسخط الله على أهلها وبالتوبة من الذنوب والإقلاع عنها يتجاوز الله لأهلها وعنها.

وهذه المسألة التي بان بها أصحابنا عن مخالفيهم فقال مخالفوهم: إن كل من أقر بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وصام وصلى وحج وعمل الفرائض وفي خلاف ذلك يسرق ويزني ويكذب ويرتكب أنواع المعاصي قالوا : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ، (9 التوبة102) (116) ، وغلبت حسناته سيئاته ، والسيئة واحدة والحسنة عشر أمثالها، والحسنات يذهبن السيئات فبلغ من قولهم إن الله لا يعذب أحدا من أهل المعاصي بسيئات عملها وهو مقيم عليها" (117) .

ومن ذلك: قال أصحابنا:" إن كل من عصى الله بصغير من الذنوب أو كبير وهو عالم به وأصر عليه ولو حبة مما ظلم فقد وجبت له نار جهنم خالدا فيها وبطل عنه جميع إحسانه ولم ينتفع بسالف إيمانه، ولو أذاب بدنه في عبادة الله وأتبعه، وأنفق ماله في سبيل الله وأذهبه، لم يقبل شيء من عمله حتى يقلع عن تلك الذنوب والمعاصي السالفة ويتوب منها، ثم عند التوبة يقبل الله حسناته ويشكره ويتجاوز عن سالف سيئاته ويغفرها له، لأن الله يحب التوابين ويتقبل من المتقين" (118) .

ومن ذلك بالنسبة إلى التائب من الكبائر:" وأما من تاب من الكبائر فقول يرد عليه عمله الصالح وقول إنه يعوض في مستقبل عمره، ويضاعف له في عمله إذا صدق في توبته وإن عصى الله المدة الطويلة ثم تاب محا الله عنه جميع ذنوبه ورضي عمله إذا مات على صدق الإيمان" (119) .

وهكذا إن بين الشماخي والمحشي(من المرحلة المقررة) موقف الإباضية من القول بالإحباط فإن يوسف المصعبي اكتفى بالتلميح الى ذلك دون أن يحلل (120) .

أما من استوت سيئاته فرأي جمهور الإباضية انه من أهل الأعراف إلا أن يوسف المصعبي ينقل عن عثمان السوفي بعدم إمكانية استواء الحسنات والسيئات لن من سبقت له الحسنى سيئاته مغفورة له ومن سبقت له الشقاوة والعياذ بالله أعماله محبطة فلا يتصور استواء الحسنات والسيئات (121) .

وعمدة موقف الإباضية صريح الآية : وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ، (7 الأعراف46) . وتفسير ابن عباس الذي يقول:" الأعراف حائط بين الجنة والنار ، عليه رجال يعرفون أهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم، وأهل الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم" (122) .

من خلال ما عرضنا من نصوص مدى تضارب الآراء في هذه القضية ونخلص بالنتيجة التالية، وهي أن موقف الإباضية جاء صلبا في شأن المصرين فمن مات على إصراره يخلد في النار وهم لا يطالبون التائب بإعادة ما أتى من الواجبات عند عصيانه (123) ، كما يرون مبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات مع اعتقاد أن الحسنات

تخفف من ثقل السيئات، لكن المدار في النهاية لا يقوم على هذه الموازنة وإنما أساسه حسن الخاتمة (124) ، وإلى جانب ذلك يقرون أن الاستواء بين الحسنات والسيئات ممكن، ومآل من استوت حسناتهم وسيئاتهم الأعراف حيث لا نعيم ولا شقاء. وفي هذا الشأن تلح المصادر الإباضية على أن يحرص المؤمن على التعديل بين الخوف والرجاء حتى لا يغلب عليه الأمل فيجنح إلى التهاون ولا يغلب عليه اليأس فيميل إلى العناد (125) .



كل هذا طبعا قبل أن يغلق باب التوبة فمتى يغلق هذا الباب؟.

قضية غلق باب التوبة:

إن هذه القضية غيبية لا مجال للعقل فيها وتشير النصوص الواردة في شأنها إلى أن الإغلاق يتم في الحالات التالية: عند غرغرة الموت ، عند نزول العذاب، عند طلوع الدابة التي تكلم الناس، وعند طلوع الشمس من مغربها.


- الغرغرة:

من غرغرت الروح أي ترددت في الحلق عند الموت (126) .

قال صلى الله عليه وسلم : " من تاب قبل أن يغرغر قبل الله منه" (127) .

وقد اكتفى يوسف المصعبي بإيراد الحديث المذكور دون أن يتوسع في الموضوع. (128)

وجاء في المنهج ما يلي:" والتوبة مقبولة ما لم يحضر الموت، وأفر بما قيل إن الله يقبل توبة العبد ما لم يتغرغر بالموت" (129) .

كما جاء فيه أيضا:" وقال تعالى : ثم يتوبون من قريب ، (4 النساء17) . قبل أن تحبط الحسنات بالسيئات فتحبطها ، وقيل ما دام العبد صحيحا قبل المرض والموت. وقيل ما كان قبل الموت فهو قريب وقيل ما كان قبل معانيه ملك الموت فهو قريب.

وقيل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما هبط إبليس لعنه الله قال: وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده، فقال الله عز وجل: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها" (130) .

وهذا جاء مؤازرا لقوله تعالى في سورة النساء : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ، (4 النساء18) . ولقد فسر محمد اطفيش هذه الآية متعمدا على عدة أحاديث توحي بقبول التوبة قبيل الغرغرة مثل:" قوله عليه السلام في آخر خطبة " من تاب وقد بلغت روحه حلقه تاب الله عليه" (131) وقوله: " من تاب قبل الغرغرة قبلت توبته" (132) رواه الترمذي عن ابن عمر...ثم يقول: ويجاب بأن الغرغرة أحط من الحلق وأن الموحد تقبل عنه ما دام فيه الروح والعلم لله تعالى. ثم يعلق بقوله:" وظاهر الآية العكس".

ثم يضيف :" وعن ابن عباس لو غرغر المشرك بالإسلام لرجوت له خيرا كثيرا. وعنه صلى الله عليه وسلم : " يغفر الله لعبده ما لم يقع الحجاب" (133) قيل وما وقوع الحجاب؟ قال:" تخرج نفسه وهي مشركة" ويجاب أيضا بأن معنى الآية أن المسوف والمصر لا تتحقق توبتها، وقيل لا تقبل توبة الآيس" (134) .

والملاحظ من كلام صاحب التيسير وما جمعه من نصوص الحديث أنه إلى القبول أميل إلا أن الآية لا تحتمل ، فلذلك صرح بان ظاهر الآية العكس.


وبهذا يتضح أن الإباضية يعتبرون مثل الأشاعرة أن الغرغرة تسد باب التوبة فما هو موقفهم من التوبة عند نزول العذاب؟


- لا توبة عند نزول العذاب:

قال تعالى : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ـ 84 ـ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك المبطلون ، (40 غافر 85).

ولا ترى ضرورة في زيادة تحليل إذ الآية صريحة في أن هذا ناموس من نواميس الحياة لم يستثن إلا مرة واحدة مع قوم يونس عليه السلام فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين ، (10 يونس98).

وقد بين يوسف المصعبي أن توبتهم كانت نصوحا وان يونس اختفى قبل أن يأذن له الله لذلك قبلت (135) .

- خروج الدابة:

قال تعالى : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ، (27 النمل82).

لقد اكتفى يوسف المصعبي بإيراد ما جاء عند البيضاوي والزمخشري في شأن هذه الدابة (136) ، وقد اختلف المفسرون في صفاتها اختلافا كثيرا (137) والأحسن الوقوف عند ظاهر النص والاعتبار والاستعداد قبل حلول مثل هذه العلامة من علامات الساعة.



- طلوع الشمس من مغربها:

لقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : " إن للتوبة بابا عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" (138) .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (139) .

هذا في ما يتعلق بانقضاء فرصة التوبة بقي أن المصادر الإباضية تشير إلى أن هناك ذنوبا لا سبيل إلى التوبة منها وأخرى تغفر بدون فماذا عن هذا وذاك؟


- ما لا سبيل إلى التوبة منه:

جاء في كتاب السؤالات:" ومن أفعال المكتسب مالا يمكن التوبة منها في قول جل أصحابنا وذلك نحو : المتردي من الجبل والمهاوي التي يهلك فيها" (140) .



وهذا واضح لأن المنتحر ليس في إمكانه أن يتدارك أمره وهو بالتالي أغلق باب التوبة على نفسه بنفسه.


- ما يغفر بدون توبة:

وذلك لعفو الله بمنه وكرمه عنها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " عن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (141) وفي حديث آخر: " إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به" (142) .

فدل هذان الحديثان على أن العفو والتجاوز منه تعالى إنما هو لأربعة أمور: الخطأ والنسيان والاستكراه وحديث النفس.

وبهذا تبينا الحالات التي يغلق فيها باب التوبة، وكيف أنه يستحيل على المنتحر أن يتدارك أمره، إلا أن الله رحيم بعباده حيث يتجاوز عنهم ما ارتكبوه خطأ أو نسيانا، وما بقي في مستوى الحديث النفسي وما استكرهوا عليه. ومع ذلك فإن الإنسان كثيرا ما يغفل عن أمر ربه فلا يبادر إلى التوبة بل يصر على الكبائر وهو بهذا يغلق باب التوبة على نفسه بنفسه وفي هؤلاء يتم إنفاذ الوعيد فما هي أدلة الإباضية النقلية والعقلية على هذا الإنفاذ؟

أدلة الإباضية على إنفاذ الوعيد

أجمع المسلمون على إنفاذ الوعيد في المشركين الذين يموتون على الشرك، والنصوص قطعية في ذلك، منها قوله تعالى : إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ، (5 المائدة72) . وقوله تعالى : ويوم نحشرهم ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم. وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ، (10 يونس28).



ثم اختلفوا في ما سوى الشرك من المعاصي وقد بينا موقف الإباضية من الأسماء وموقفهم من الأحكام (1) فما هي أدلتهم على موقفهم من إنفاذ الوعيد في كفار النعم؟



وكيف يحتجون على من يرى بإخلاف الوعيد نقلا وعقلا؟

الحجج النقلية من القرآن الكريم:

لقد تجاوزت الفرق الإسلامية ما تشابه من الآيات المتعلقة بالوعيد ويمكن أن نحصر المواقف في ثلاثة (2) :
1) نفاة الإنفاذ على الإطلاق، وينسب هذا الموقف إلى بعض فرق المرجئة.

2) مثبتو الوعيد على الإطلاق لمن يموت على المعصية من الكبائر وينسب هذا الموقف الى المعتزلة والصفرية والزيديةوالإباضية والماتريدية (3) .


3) القائلون بالمشيئة بمعنى إن شاء الله أنفذ، وإن لم يشأ لم ينفذ، وينسب هذا الموقف إلى الأشاعرة والشيعة الإمامية.

وقد كان مدار الجدل حول عديد من الآيات سنحاول أن نرتبها حسب أهميتها في الموضوع عسى أن نوضح مدى تفاعل آراء الإباضية مع آراء أبرز الفرق الإسلامية.

المجموعة الأولى من الآيات (4) :

ـ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (5)
ـ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ، (20 طه82). (6)

ـ إن الله يغفر الذنوب جميعا ، (1) 39 الزمر) (7)

إن ما اطلعنا عليه من كتب أصول الدين عند الإباضية في المرحلة المقررة وما قبلها وما بعدها لم تهتم في موقفها من هذه الآيات بأسباب النزول وإنما أقامت هذا الموقف اعتمادا على الأسس التالية:

- النقل عن الرسول والصحابة والسلف.

- التأويل وعدم الاقتصار على الظاهر.

- الربط بين الخصوص والعموم.

- الاستثناء والشريطة أو ما سمي بالمشيئة.



- التحليل البلاغي.

والملاحظ أن نزعة التحليل جاءت جدلية تغلب عليها اللهجة الدفاعية، وهذا ناتج عن الاحتكاك الحضاري ببقية الفرق الإسلامية ، وتتفاوت اللهجة مرونة وحدة حسب العصور وتجدر الإشارة إلى أن هذا الموقف جاء ذاتيا لم يعول فيه أصحابه على تحليل المعتزلة وغيرهم ممن اتفقوا في القول بإنفاذ الوعيد عدا ما جاء في العصر الحديث في تفسير محمد اطفيش وليس من الغريب أن يأخذ هؤلاء العلماء عن بعضهم البعض وقد غلب على المتأخرين مسلك الإحالة على السابقين ممن توفرت نصوصهم أكثر إلا أنها كلها سكتت عن أول من ركز هذا الموقف بوضوح (8) ، وهو أبو خزر يغلا بن زلتاف(ق 4هـ/10م) وسنورد هذا النص بعد حين (9) لما له من أهميته ولننظر الآن في اعتماد المنهج النقلي.



أ ـ اعتماد المنهج النقلي (10) :

لقد تناقلت المصادر الإباضية نصوصا عن الإمام جابر بن زيد يرفعها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتمثل في ما يلي: روي عن جابر بن زيد رحمه الله أن رجلا قال يا أبا الشعثاء، أرأيت قول الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به . الآية فقاله جابر: أوأنبأك الله لمن يشاء أن يغفر؟ قال وأين أنبأني يا أبا الشعثاء، قال إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ، (4 النساء31).


وذكر جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هلك المصرون" ثلاثا فقال رجل يا رسول الله فأين قوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفيكم أحد يقرأ سورة طه؟ فقال أبي بن كعب أنا يا رسول الله فقال اقرأ وإني لغفار لم تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ، (20 طه82) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لهؤلاء وقعت المشيئة ثلاثا (11) وكان جابر يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول " من أطمع في الجنة من آيسه الله منها جمع الله بينهما في النهار" (12) .

أما الوارجلاني فينقل عن جابر في الرد على من ربط الأمر بالمشيئة كما يلي:" وقد عارضوا بالمشيئة مشيئة الباري سبحانه حيث يقول : إن الله لا يغفر أن يشرك به . وقال جابر بن زيد: قد أخبرنا الله تعالى بمشيئته فيهم أولها التوبة قال الله عز وجل : وإني لغفار لمن تاب . والثاني الحسنات قال تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ، (11 هود114) . والثالث: الاسترجاع عند المعصية قال الله تعالى : الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ، (2 البقرة156).

فوعد أفضل من المغفرة وما وراء هذا معاند مصر طاغ مستكبر وقالب فروته يدعو الى بدعته ولا سبيل للمشيئة في هذين لإبطال الحكمة فيهما" (13) .

هذه نصوص نقلية لا نجد لها أثر عند غير الإباضية يتناقلها الإباضية عن إمامهم جابر بن زيد مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تتظافر في ما بينها فتفسر قوله تعالى : يغفر لمن يشاء . تفسيرا واضحا لا تترك المشيئة مطلقة بل تربطها بضرورة التوبة، وعلة ذلك إقرار حكمة الله تعالى إذ ليس من الحكمة أن يسوى بين التائب والمصر (14) .

ومع ذلك لم تكتف كتب الأصول بهذا التحليل النقلي بل لجأت الى التحليل العقلي اعتمادا على مقارنة النصوص القرآنية والربط بينها حتى يتعزز موقفهم القائل بأن هذه الآية لا تنفي إنفاذ الوعيد كما يذكر ذلك غيرهم (15) .


ب ـ التأويل وعدم الاكتفاء بالظاهر (16) :

قال أبو خزر: ومما تحتج به المرجئة ولا نعلم لهم في كتاب الله حجة أوثق في أنفسهم منها قول الله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . فقالوا إن الكبائر التي هي دون الشرك فإن الله يغفرها بلا توبة.

يقال لهم أخبرونا عن هذه الآية أتحملونها على ظاهرها أو تحتها معنى؟ فإن قالوا ليس تحتها معنى وحملوها على ظاهرها فإنما قال الله( عن الله لا يغفر أن يشرك به) فهو إذن لا يغفر الشرك لمن تاب، وإن كان تحت الآية معنى غير ظاهرها فينبغي أن

يكون إنما يغفر لمن تاب من الكبائر، ويغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر لأن ذلك كله دون الشرك، ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقض . ألا ترى أنه قال في هذا الموضع لا يغفر الشرك، فلو حمل القرآن على ظاهره لم يغفر الشرك به لمن تاب منه.

وقال في موضع آخر : إن الله يغفر الذنوب جميعا ، فدخل في الجميع الشرك وغيره من الذنوب فلو حملت الآية على ظاهرها لكان الشرك مغفورا بلا توبة، لأنه قال : يغفر الذنوب جميعا .

ومما يبين أنها في التائبين قول الله عز وجل : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ، (أي الله) بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، (5 المائدة18) . ولو حمل هذا أيضا على ظاهره لغفر لليهود والنصارى بلا توبة وكذلك المنافقين قوله : ليعذب الله المنافقين والمنافقات إن شاء أو يتوب عليهم ، (33 الأحزاب73) . وفي إجماعهم أنه لا يغفر لليهود والنصارى والمنافقين إلا بتوبة ما يقضي على الآية الأخرى : لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، (4 النساء116) . للتائبين ويغفر الصغائر للمجتنبين للكبائر لن ما اجتمع عليه الخصمان قاض على ما اختلفوا فيه" (17) .

هذا ما جاء عن أبي خزر، أما أبو يعقوب الوارجلاني فقد عبر عن هذا المعنى كما يلي:" فإن قيل: تعلق التوبة بالآية( إن الله لا يغفر...) لم يوجد ظاهرا ولا مضمرا قلنا بل وجد ظاهرا ومضمرا. أما الظاهر فقول الله تعالى : وإني لغفار لمن تاب . وأما المضمر فلأن التوبة في إزاحة المعاصي وبطلان العقاب عن المعاصي بلا توبة ولا رجوع يدل على إباحتها وليس لمغفرة المعاصي بالمشيئة لا بالتوبة طائل،أشبه شيء بالإباحة" (18) .

ويسلك أبو عمار مسلكا قريبا من هذا التأويل إلا أن تحليله أدق مما سبق، ولم يعرج على اليهود والمنافقين وإنما اكتفى بالربط بين الصغائر والكبائر. فيقول في صدد الرد على القائلين بعدم الإنفاذ:" فإن سألوا عن قول الله عز وجل : إن الله لا يغفر ... قيل لهم فقد قال الله أيضا : إن الله يغفر الذنوب جميعا . ولم يخص ذنبا من ذنب ولا غير شرك من شرك فيجب بهذا من قول الله أن يكون يغفر الشرك وغير الشرك والقرآن يصدق بعضه بعضا. والذي قال أهل التفسير في تأويل قول الله عز وجل : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . يقول لا يتجاوز عن شرك لقيه به عبده، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقالوا: إن ما دون الكبائر مغفور لأهله متروك لهم إذا هم اجتنبوا الكبائر فوقع الغفران على الصغائر التي يوجب عليها العقاب وأكد ذلك بقوله : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يكفر عنكم سيئاتكم ، (4 النساء31) . فدل على أنهم إن اجتنبوا الكبائر كفرت عنهم سيئاتهم التي هي دون الكبائر فإن لم يجتنبوا فلا، وقوله : لمن يشاء . فقد شاء أن يغفر لمجتنب الكبائر ما دون الكبائر ولم يشأ أن يغفر لمرتكبها إذا هو لقي الله بها.

وقال الله عز وجل : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ، (53 النجم32) . يريد من ألم منهم بما دون الكبائر فقال : إن ربك واسع المغفرة ، (35 النجم32) . وهو تأويل سهل قريب والحمد لله" (19) .

نلمس من هذه التأويلات أنها لم تنتهج نهج الجدل العقلي في تحميل النصوص مالا تحتمل وإنما سلكت مسلكا مقارنا حصل منه تعزيز للقول بإنفاذ الوعيد في أهل الكبائر. وواضح أنها نصوص متكاملة تأخذ من بعضها البعض لتصل إلى نفس النتيجة والمدار في كل ذلك أنه كما يخرج المشركون والمنافقون وأهل الكتاب من عموم الآية ينبغي أن يخرج أهل الكبائر المصرون وتبقى المشيئة مرتبطة بأهل الصغائر والمتأمل مليا يتبين أن هذه التخريجات ليست إلا صياغة كلامية لما نقله جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيبقى في هذا المحيط ما عبر عنه بالخصوص والعموم.


جـ ) العلاقة بين الخصوص والعموم:

يقول أبو مهدي بعد أن أورد ما نقل عن جابر بن زيد (20) :" والعموم يحمل على الخصوص عند الأصوليين والعاقل لا يستدل بالعموم حتى يعلم أنه باق على عمومه لن اكثر العمومات قد خصصت بل حكي عن بعضهم أنه قال: ما من عام إلا قد خص إلا قوله تعالى : والله بكل شيء عليم ، (2 البقرة282) . والآية الكريمة : يغفر لمن يشاء . معناها إن تاب" (21) .

واضح أن أبا مهدي يعتبر قوله تعالى : يغفر لمن يشاء . نصا عاما يخصصه قوله تعالى : إني لغفار لمن تاب... . فيترتب على ذلك ألا غفران بدون توبة كما تقول طائفة من المرجئة وألا إرجاء للمشيئة كما يقول الأشاعرة فتفسير العام بالخاص يوجب تقييد المشيئة بالتوبة.



د- عدم تعليق الغفران بالمشيئة فحسب:

إن يوسف المصعبي يكتفي بإيراد جملة مما جاء عند أبي يعقوب الوارجلاني نقلا عن جابر بن زيد:" شاء أن يغفر للتائب لقوله تعالى : إني لغفار لمن تاب . ثم يحيل على كتاب الدليل والبرهان (22) والحقيقة أن هذه المسألة حللها كل من أبي عمار عبد الكافي وعبدالله السالمي (23) تحليلا وافيا. وقد حرص السالمي على استيعاب كل ما سبقه من أقوال وصاغ ذلك في حلقات مترابطة متدرجة متكاملة أقامها على حوار هادي أساسه (فإن قيل أو قالوا . قلنا) هدفه الوصول الى تخصيص المشيئة بضرورة

التوبة النصوح التي استوفت جميع الشروط" فمن شاء أن يغفر لـه وقفه على تلك الشروط فوفى بها، فهذه فائدة التعليق بالمشيئة" (24) .


هـ- التحليل البلاغي (25) :

ويورد يوسف المصعبي كلام الزمخشري حيث يقول:" فإن قلت: قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه، وانه لا يغفر ما دون الشرك إلا بالتوبة فما وجه قوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به . قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين إلى قوله تعالىء لمن يشإ كأنه قيل إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله" (26) .

وقد زاد كل من محمد اطفيش (27) وسعيد بن تعاريت (28) القضية تحليلا في ما بعد.

فالإباضية حينئذ استفادوا هذا الدليل من المعتزلة وتبنوه، ومهما يكن من أمر فإن هذا التخريج البلاغي ليس من التعسف في شيء كما ذهب إلى ذلك السيد علي بن محمد الجرجاني في حاشيته على الكشاف حيث يختم انتقاده بقوله:" وما هذا إلا من جعل القرآن تبعا للرأي نعوذ بالله من ذلك" (29) ما دامت اللغة العربية تتحمل ذلك، والزمخشري لا يشق له غبار في هذا الباب وهو من أئمة اللغة قبل كل شيء.

والملاحظ أن هذه الجملة تكررت بنفس الصيغة وفي نفس السورة ليس بينهما إلا ثماني وستين آية، وقد اعتبر يوسف المصعبي مثل الزمخشري أن ذلك من باب التأكيد (30) .

ذلك هو موقف الإباضية من هذه الآيات وقد جمعوا فيها بين الاعتماد على النقل وعلى التأويل والربط بين الخصوص والعموم، والتحليل البلاغي ليصلوا إلى أن المشيئة مرتبطة ارتباطا جوهريا بالتوبة وهكذا يخرج المصرون من هذه المشيئة وهم في هذا يتفقون والمعتزلة بينما يختلفون عن الأشاعرة الذين يتركون المشيئة مطلقة فتشمل المصرين أيضا وقد نبه إلى ذلك يوسف المصعبي (31) بوضوح.



المجموعات الأخرى من الآيات:

وإذا كان مثار الجدل شديدا مع الآيات السابقة فإن آيات أخرى لا تخلو من مثل ذلك الجدل ، ولذلك رأينا أن ننظر في بعض الجموعات الأخرى مع العلم أننا لا يمكن أن

نستوفيها عن آخرها وإنما ننتخب ما جاء أكثر تعبيرا عن مسلك الإباضية في الدفاع عن موقفهم وكذلك مسلك الفرق الأخرى في توظيف هذه الآيات في الخط المغاير ومنها:



1) آيات مفادها ألا تبديل لكلمات الله


وما دام عنوان القضية إنفاذ الوعيد أو خلف الوعيد فللقائلين بالإنفاذ أن يحتجوا بمثل هذه الآيات على عدم جواز الخلف وللآخرين أن يردوا معتبرين الخلف من باب التفضل والرحمة والله لا يسأل عما يفعل ، (21 الأنبياء23) ومن هذه الآيات ما يلي :

ـ ما يبدل القول لدي . (32)

ـ إن الله لا يخلف الميعاد . (33)

ـ فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم (34) 34).

ـ لا تبديل لكلمات الله (35) 35).


يقول أبو عمار بعد الاستشهاد بهذه الآيات: " وذلك أن الله عز وجل وعد قوما وتوعد آخرين، فجعل وعده بالجنة لأوليائه المؤمنين وجعل وعيده النار لأعدائه الكافرين، ولن يجوز أن يكون وعده أو وعيده مبدلا ولا محولا ولا مستثنى فيه، ولا مرجوعا عنه إذ لا يجوز أن تكون أخباره جل جلاله متكاذبة ولا متناقضة" (36) .

ويعتبر عمرو التلاتي كذلك أن في عدم التعذيب تبديل القول وهو نقص في حقه تعالى لا يجوز عليه (37) .

وجاءت الآيات في قاموس الشريعة في سياق الرد على من يعتبر أن إخلاف الوعيد أمر ممدوح مع تبيين أن الممدوح بحق هو من لا يخلف وعده ووعيده (38) .

أما محمد اطفيش فبين أن ما يبدل القول لدي . تحمل عدة تأويلات كلها توعد، وذلك منن بينها " مطلق الوعد والوعيد" (39) وجاء موقفه صريحا من قوله تعالى : لا تبديل لكلمات الله . أي لا تبديل لا لوعده ولا لوعيده ولا لشيء مما قضى وهذا لعمومه (40) .

واضح أن هذه الآيات فعل بها مثل اخوتها السابقة وكل وجهها وجهته واستدل بها على الطرف المقابل والمهم أن الإباضية لا سبيل لهم من أن يسلموا من هذا المسلك ما دام النص من المتشابه ويتحمل التأويل ولا لوم عليهم في ذلك لأنهم يقرون بالتأويل من بداية الشوط كما رأينا (41) .



2) آيات مفادها أن العذاب على من كذب وتولى:


ـ فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى (42) .

ـ إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى . (43)

ـ فاتقوا النار التي وقودها والحجارة أعدت للكافرين (44) .


وقد سلك السالمي مع هذه الآيات مسلكا يتمثل في ذكر موقف من يرون القصر على صنف ، ثم يجيب: آية سورة الليل: قال فقد قصر الرب تعالى النار على من كذب وتولى والفاسق يكذب.

الجواب (45) : إن قصر إصلاء النار إنما هو على الشقي وهو اسم شامل للمشترك والفاسق وما بعد الشقي وهو وصف له، لم يتناوله القصر لكن فهم منه على سبيل الصفة وقد عرفت أن مفهوم الصفة دليل ظني اختلف في وجوب العمل به فضلا من أن يثبت به العلم الاعتقادي.



- آية سورة طه: وجوابه


" ليس في الآية قصر العذاب على المكذب المتولي وغنما فيها إخبار عنه انه معذب وخص بالذكر في الآية لاقتضاء المقام ذلك فإنه في خطاب فرعون لعنه الله فلو إن العذاب على من كذب وتولى أو فعل كبيرة مع التصديق لم يناسب المقام".

- آية سورة البقرة: " وصح استدلاله بها لنه يخص اسم الكافر بالمشرك وجوابه: لا نسلم تخصيصه به فغن الفاسق كافر كفر نعمة ولو سلمنا اختصاص اسم الكافر بالمشرك لقلنا إن جوابها كجواب التي قبلها" (46) .

ويقول صاحب قاموس الشريعة في شأن هذه الآية ما يلي:" الجواب هو إنا بينا أنه لا يجب أن يحكم بأن المتروك حاله خلاف المذكور وإذا كان كذلك لم يدل قوله تعالى : أعدت للكافرين . أنها لم تعد لغيره وذلك يسقط التعلق" (47) .

ويمر محمد اطفيش على آية سورة البقرة دون أن يشير إلى القضية إلا انه صرح في آية سورة الليل بما يلي:" والحصر إضافي أي إنما يدخل المشرك الشقي لا الموحد المطيع فيبقى الموحد الفاسق لم يذكر فيؤخذ حكمه من الآي الأخر والأحاديث وهو دخول النار وعدم الخروج" (48) .

وإنه لمن نفل القول أن نذكر أن المسلك واحد وأساسه استغلال الآي لسياق الفكر العام لدى كل جماعة والمتشابه يحتمل كل هذه الوجوه.

كما نلاحظ أن حجج الإباضية هي نفس حجج المعتزلة وما دام الموقف واحدا فلا حرج في ذلك، يبقى أن السالمي جعل كل هذه النصوص في سياق واحد مما جعل الموقف أكثر وضوحا، ولا يجب أن نغفل عن حقيقة أساسية وهي الاختلاف في الأسماء فمدلول كلمتي " كافر" و" فاسق" يختلف كما رأينا (49) من فرقة إلى أخرى.

وقبل أن نختم القول مع هذا المسلك من الاحتجاج القرآني يحسن أن نذكر مجموعة أخرى من الآيات مفادها إنفاذ الوعيد في عصاة أهل الصلاة.



3) مرتكب الكبيرة وآيات الوعيد (50) :


ـ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (51) .

ـ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا . (52)

ـ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا أليما . (53)


هذه ثلاثة كبائر تجمع الفرق على أنها كبائر وهي أكل أموال اليتامى والناس بالباطل وقتل المؤمن عمدا.

هذه ثلاثة كبائر تجمع الفرق على أنها كبائر وهي أكل أموال اليتامى والناس بالباطل وقتل المؤمن عمدا.

ويقول أبو عمار في شأن هذه الآيات وآيات أخرى (54) : " وهذا كله في كتاب الله عز وجل وعيد لهل الكبائر من أهل الملة على كبائرهم، أو يقول قائل إنه وعيد للمشركين على هذه الكبائر، وليس بوعيد لأهل الكبائر من أهل التوحيد؟ ويقال عند

ذلك فكذلك النهي عن هذه الكبائر إنما هو نهي للمشركين، وليس هو لأهل الكبائر من أهل التوحيد لما كان هذا الوعيد جاء مقرونا بالنهي ولا يجد في ذلك فرقا أبدا مع ما في قوله بذلك من الفساد الذي لا يتوهم غايته ولا تكيف نهايته إذا كان الوعيد للمشركين أن يكون الله غنما حض المشركين على ألا يولوا أدبارهم للمسلمين ويتوعدهم على أن يفعلوا ذلك فيقول: ومن يولي دبره من المشركين للمؤمنين فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير...وهذا من الهذيان الذي لا يتكلم به المجنون المغلوبون على عقولهم أو من هو في مثل حالهم" (55) .

وينقل يوسف المصعبي ما جاء عند الزمخشري ومفاده أن الآية من الأدلة القطعية على إنفاذ الوعيد في أهل الصلاة ويختم السياق بتعجب ممن يرون خلف الوعيد كما يلي:" والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها... ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطعموا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة..." (56)

ويذكر عمرو التلاتي بعد إيراد مثل هذه النصوص أن " القول بحمل تلك النصوص على خلاف ظاهرها غير معول عليه" (57) .

وكذلك يبين السالمي أن الوعيد يشمل مرتكبي الكبائر وهم كفار نعمة حسب المصطلح الإباضي (58) .

ويتبنى جميل السعدي موقف أبي عمار في التحدي والتهكم إلى أن يقول:" ولعمري إن من زعم أن الوعيد في أهل الشرك خصوصا لقد أباح الدماء والحرام وأسقط الحساب صراحا لأن المحارم إنما تتقي من اجل العقاب فمن أبطل الوعيد فقط أباحها" (59) .

ولم يشر محمد اطفيش إلى هذه القضية الكلامية عند تفسيره لهذه الآيات (60) .

واضح من خلال هذا التحليل أن حجج الإباضية والمعتزلة أقرب إلى الظاهر في هذه الآيات وان الرازي اضطر في ردوده إلى أن يستعمل حجج المعتزلة في تفسيق المؤمن للرد عليهم فحمل الآية أكثر مما تتحمل.

والحق- حسب ما رأينا- وغن كانت المجموعتان السابقتان تحتملان مختلف وجوه التأويل لأن ظاهرها واضح فهي تستهل بنداء المؤمنين ثم تذكر المعصية وما ينتظرها من عذاب مبين، وغاية القائلين بعدم إنفاذ الوعيد أن يرجعوا إلى القول

بالعذاب المؤقت فالخروج من النار من طريق الفضل أو الشفاعة وهو مالا يقول به الإباضية.

وبعد الاستدلال بالقرآن الكريم يأتي الاستدلال بالحديث الشريف؟.



الحجج النقلية من الحديث الشريف:


إن المتمتع لما عرضه الإباضية وغيرهم من الأدلة النقلية يلمس بوضوح وفرة النصوص القرآنية وندرة الاحتجاج بنصوص الحديث وذلك أن جل الأحاديث المتعلقة بالموضوع لم تبلغ درجة التواتر لكنه يلجا إليها من حين لآخر لمؤازرة النص القرآني وتقويته.

وقدن أوردنا بعضا من الأحاديث التي تتوعد مرتكبي الكبائر بالنار ونضيف إليها قول صلى الله عليه وسلم : " القليل من أموال الناس يورث النار" (61) .

يذكر السالمي أن الحديث بهذا النص تفرد به الربيع وقد جاء معناه في عدة أحاديث ( منها ما رواه البخاري في باب إثم من ظلم شيئا من الأرض) عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أخذ من الأرض ومصداقه في حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" ورواه أحمد أيضا ومصداقه في قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ، (4 النساء10). عن أبي برزة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا، فقيل يا رسول الله من هم؟ قال: ألم تر أن الله يقول : إن الذين يأكلون ".. . (62) .

والمهم تعليق السالمي بعد شرح الحديث بقوله:" وأحاديث الباب (63) قاطعة بتعذيب الظالم إذا مات على ظلمه فهي حجة على المرجئة مع اعترافهم بصحتها" (64) .

كما يمكن أن نذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كذب علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار" (65) .

ولم يلح المحشي كثيرا على قضية الوعيد إلا انه نقل ما يدل على التمييز بين من كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كذب على غيره ومن ذلك: قال الطيبي: والمعاصي توعد عليها بالنار...

الجواب الثاني:... ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه وكذب على غيره أن يكون مقرهما واحدا أو طول إقامتهما سواء ، فدل قوله صلى الله عليه وسلم (فليتبوأ) على طول الإقامة بل ظاهره انه لا يخرج منها لأنه لم يجعل له منزلا غيره.

ويعلق المحشي :" أقول هذا هو الحق، وما ذكره (أي الطيبي وهو ليس من الإباضية) من خروج العصاة باطل" (66) .

ويعلق السالمي على هذا الحديث المذكور بما يشبه ما علق به على الحديث السابق وبصيغة أعم، " والحديث يدل على القطع بتعذيب أهل الكبائر وتخليدهم في النار، وهو حجة على من خالفنا في ذلك والله أعلم". (67)

وانظر إلى الوعيد القطعي الذي يصبه الرسول صلى الله عليه وسلم على من يدعي انه من أهل الجنة: " من قال أنا من أهل الجنة فهو من أهل النار" .

ويعلل السالمي هذا الحكم بأنه حكم بالغيب وادعاء ما ليس لـه وذلك كبيرة توجب دخول النار ويختم بما يلي:" وفي الحديث وجوب الخوف والرجاء لأن القطع بأحد الطرفين من غير وحي كفر" (68) .

ويستشهد محمد اطفيش عند تفسيره لقوله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم ، (4 النساء29) . بحديثي الرسول صلى الله عليه وسلم .

- من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا (69) . ومن قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا (70) .

ولم يعلق عليهما إلا أن مواطن الاستشهاد في تقرير إنفاذ الوعيد إذ الآية تختم بقوله تعالى : ومن يفعل ذلك عدونا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ، (71) .

ويورد المحشي في حاشية الترتيب ما يلي:" قال الربيع بن حبيب قال جابر بن زيد يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل الجنة مخنث ولا ديوث ولا فحلة النساء ولا الركاضة.

قيل وما الركاضة يا رسول الله؟ قال التي لا تغار" (72) .

قوله : "لا يدخل الجنة مخنث...." وجه الدليل منه أن من لم يدخل الجنة كان من أهل النار ومن كان من أهل النار فهو كافر لقوله تعالى : النار وعدها الله الذين كفروا ، (22 الحج72) . فعلم منه انه لا يدخل النار إلا كافر ولذلك قال الشيخ أبو نصر: (طويل)

ثلاثة أسماء معان تجاوزت***كبير وكفر والعقاب بمقرن


وروي في الجامع الصغير من كتب قومنا في هذا عدة أحاديث منها " لا يدخل الجنة إلا رحيم" (73) ومنها " لا يدخل الجنة قاطع رحم" (74) ومنها " لا يدخل الجنة خب" (75) " ولا بخيل ولا منان.. . (76)

وتأولها الشارح على قاعدة مذهبهم الفاسد من انه محمول على المستحل ليكون شركا لن الكفر عندهم هو الشرك أو لا يدخل الجنة مع السابقين إليها أو لا يدخلها حتى يعاقب إلا أن يغفر اله له ولولا التأويل لأشركوا" (77) .

كما يعلق المحشي على ما أورده ابن حجر من شروح لقول الرسول عليه السلام: " إذا قال رجل لرجل أنت عدوي فقد كفر أحدهما" (78) بقوله " ثم لما كان الكفر عندهم خاصا بالشرك احتار في تأويل هذه الأحاديث المصرحة بكفر الموحد..." (79) .

كما يعدد المحشي من لا يكلمهم الله يوم القيامة وهؤلاء الذين غضب الله عليهم نفذ فيهم الوعيد أقول:" والذي يتحصل مما ذكره في الجامع فيمن لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم نحو تسعة عشر صنفا: وهم المسبل إزاره خيلاء والمنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقطع بها مال امرئ مسلم (80) ، ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر حلف لـه بالله لقد أعطي لـه فيها كذا وكذا الخ، ورجل حلف على سلعته لقد أعطي فيها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل مائه ورجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا وشيخ زان، وملك كذاب، وعائل سكير، والعاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال ، والديوث، ومدمن الخمر، وحر باع حرا، وحر باع نفسه، ورجل أبطل كراء أجير حين جف رشحه" (81) .

هذا وإن اعتمد الإباضية أحاديث تعزز موقفهم فقد اعتمد غيرهم أحاديث تدعم رأيهم في عدم إنفاذ الوعيد وفي ذلك يقول صاحب قاموس الشريعة:" وقد صح في آيات الوعيد لفسقة المؤمنين روايات معهم موافقة على ثبوته فيهم وروايات على العفو عنهم، وروايات بالشفاعة وروايات بتعذيبهم على قدر أعمالهم فصح أن روايات كثيرة معهم غير صحيحة لأنها روايات تناقض بعضها بعضا متى صحت واحدة كذب ما خالفها لا محالة" (82) .

وتبقى القضية حينئذ محل أخذ ورد بالنسبة الى الاحتجاج بالحديث وذلك لاختلاف الروايات والإباضية مثل غيرهم تجمع لديهم كما بينا رصيد من الحديث يدعم قولهم بإنفاذ الوعيد. ومن الأدلة النقلية فإلى الأدلة العقلية.


الأدلة العقلية:

يصعب أن نجد أدلة عقلية صرفا في علم الكلام وإنما هي في الحقيقة أدلة مركبة العقل والسمع. جاء العقل فيها منطلقا من النقل مؤازرا له لذلك فبعد أن عرضنا الأدلة النقلية الصرف يحسن أن نقف عند الأدلة التي يغلب عليها طابع العقل، ومنطلقنا في هذه القضية ما قاله الإيجي في تلخيص مواقف القائلين بإنفاذ الوعيد والرد عليهم:"


وأما العقاب ففيه بحثان:

الأول: أوجب جميع المعتزلة والخوارج عقاب صاحب الكبيرة (83) لوجهين: الأول أنه أوعد بالعقاب وأخبر به، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره وأنه محال.

الجواب: غايته وقوع العقاب فأين وجوبه.

الوجه الثاني: إذا علم المذنب أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريرا له على ذنبه وإغراء للغير عليه وأنه قبيح مناف لمقصود الدعوة.

الجواب: منع تضمنه للتقرير والإغراء إذ شمول الوعيد وتعريض الكل للعقاب وظن الوفاء بالوعيد فيه من الزجر والردع ما لا يخفى واحتمال العفو عن البعض احتمالا مرجوحا لا ينافي ذلك" (84) .

لقد أفلح الإيجي في تلخيص هذه المواقف واكتفى بإيراد دليلين ترجع إليهما بقية الأدلة لذلك سنسلك نفس المسلك ونتأمل في مدى قوة ردوده أمام حجج القائلين بإنفاذ الوعيد.



أولا: موقف الإباضية من خلف الوعيد


1) خلف الوعيد كذب وأمر قبيح:

إن اعتبر القائلون بخلف الوعيد أنه مدح في حق الله تعالى فقد رد عليهم القائلون بإنفاذ الوعيد- والإباضية منهم- بأنه من أكبر النقائض ومما جاء في هذا الصدد عند أبي عمار:" فلو كان وعده أو وعيده مبدلا أو محولا أو مستثنى فيه لكانت جميع أخباره جل جلاله ذات تكاذب وتناقض وهل الوعد والوعيد إلا إخبار منه عز وجل

بأنه أعد للفريقين ما وعدهم به وتوعدهم به وقال : واتقوا النار التي أعدت للكافرين ، (3 آل عمران131) . وقال : قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا ، (22 الحج72) . وكيف يخبر بأنه أوعد ما لم يوعد أو وعد ما لم يعد؟ أو يكون يعد ويوعد ثم لا يفي بما وعد ما لم يوعد؟ ولا يوجد شيء من ذلك على ما أخبر به، وهذا غاية الوصف لله عز وجل جلاله بالكذب تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا، وقال الله عز وجل في إبليس : يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، (4 النساء120) . فحاشا لله أن تكون مواعيده كمواعيد الشيطان" (85) .

ويقول المحشي في هذا الشأن ما يلي:" والحجة عليهم قوله تعالى : ما يبدل القول لدي ، (50 ق29) . يعني أن هذا إخبار من الله تعالى ولابد من وقوعه وإلا لزم الكذب فإن لم يصدق فعله قوله فهو كاذب" (85 مكرر .

ويورد صاحب قاموس الشريعة ما يلي:" فإن قال قائل إن الله تعالى ينجز وعده ويبطل وعيده.

قيل له: إنه قال: إنه يجازي عصاة عبيده أعمالهم السيئة إذا لم يتوبوا منها وهو يعلم أنه يوقع بهم الجزاء ولابد لهم من ذلك، أو يكون قال ذلك وهو لا يدري أنه يوقعه بهم أم لا، أو يكون قال ذلك وهو يعلم أنه لا يوقعه، فإن كان قاله وهو يعلم أنه يوقعه بهم فهذا هو الكذب والله يتعالى عن ذلك علوا كبيرا لن من هذه صفته مذموم وقد ذم الله قوما بقوله : لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ، (61 الصف3).

فكيف يجوز أن يوصف الله تعالى بما لا يجوز أن يوصف به الكريم من خلقه وهو الأعز الأكرم الذي له الصفات العلا والأسماء الحسنى في الآخرة والدنيا.

وإذا كان قال: إني أفعل بهم وأعاقبهم على معاصيهم وهو لا يدري يعاقبهم عليها أم لا فهذه صفة الجاهل الذي لا يعلم ما يكون والله سبحانه عالم بما يكون" (86) .

والملاحظ أن وجه الخلاف بين القائلين بالخلف وبين الإباضية يتمثل في أن القائلين بالخلف يرون أن الكذب لا يتعلق إلا بالماضي (87) بينما يرى الإباضية أن :" الكذب في الحقيقة هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، أو هو الخبر غير المطابق للواقع سواء كان ذلك في الماضي أو المستقبل" (88) .

وبهذا نتبين أن الإباضية يعتبرون أن الخلف ضرب من الكذب وهو أمر قبيح لا يليق بالله تعالى كما يرفضون القول بالبداء.

2) قضية البداء (89) :

ويرد أبو عمار على من يعتبر أن خلف الوعيد من الكرم والجود والإفضال (90) كما يلي:" قيل لـه: ويحك قد ناظرت ما لم يكن نظيرا وشبهت ما ليس بشبيه، وذلك أن أحدا منا قد يعد ويوعد وهو لا علم له بالذي تصير إليه عاقبة وعده وتوعده ثم يكون من بعد ذلك تبدو لـه أمور يتبين بها أن عاقبة وعيده إذا هو أمضاه تصير إلى فساد وتنتهي إلى هلاك فيرى أن الخلاف للذي توعد به أصلح من إمضائه وإتمامه فيقصر عندما بدا لـه من إنجاز ما توعد به والله عز وجل غير موصوف بأن يكون يجهل عاقبة أمر من الأمور فيكون يبدو له ما لم يكن يعلم من ذلك" (91) .

ويتعرض الصدغياني لهذه القضية بلهجة حادة مثل قوله:" وانتم الأشعرية أبطلتم الوعيد لأهل الكبائر وقلتم ذهب الوعيد في البيد" (92) ومثل قوله- وقد جمع بين المرجئة والأشاعرة-: وانتم الأشعرية والمرجئة اجترحتم واذهبتم الوعيد بالبيد، أقبح بهم من عبيد وصفوا الله بصفة الآدميين ومع ذلك لا يتقون الله ومعنى البداء ظهر وقد بدا أي ظهر لمعبودهم أمر قد خفي عنه وعجز حتى لا ينفذ ما توعد به فحاشا ربنا من ذلك ومن وصف الله بالبدا قد وصفه بالجهل لأنه خفي عليه أمر حتى ظهر فرأى مصلحته في رجوعه كملوك الدنيا ربما يوعد ويرى أنه تدخل عليه وعثة في ملكة فيقف ويرجع، ما أبعد مذهب من قال بهذا بعدما قلنا لهم... (93) " (94)

كما يتعرض المحشي لهذه القضية بقوله:" فما ذكروه من الخلف في الوعيد نوع من البداء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا" (95) .


3) قضية المدح والرحمة:

وإن حلت المصادر الإباضية على قضية امتناع البداء عن الله تعالى فهي تعتبر خلف الوعيد أمرا قبيحا وهي بذلك ترد بشدة على من اعتبر خلف الوعيد من باب الرحمة وبالتالي يمدح صاحبه ويحمد على ذلك ومن ذلك ما جاء عند أبي عمار في ما يلي:" ولعله يقول: أوليس الله جل جلاله رحيما بخلقه غنيا عن عذابهم يمن برحمته ولا يظلم بعذابه وهو قد وعد ثوابه على الطاعة وتوعد بعقابه على المعاصي فلم جعلتم ما توعد به من العقاب أمضى وأنجز من الذي وعد به من الثواب؟

قيل له: لسنا ننكر بل نقول بأن الله عز وجل رحيم بخلقه لطيف بعباده يمن بالرحمة ولا يظلم بالعذاب ومعنى ذلك أنه متفضل على خلقه برحمته يصيب بها من يشاء من عباده على غير استحقاق منهم ولا استيجاب ولا يظلم بالعذاب فيؤاخذهم على غير ما عملوا، أو يعذبهم على ما لم يفعلوا، وليس هذا من الذي قلنا بأنه يثيب أولياءه بأعمالهم على ما وعدهم ويعاقب أعداءه على ما توعدهم في شيء" (96) .

وير جميل بن خميس على من يعتبر الخلف من الصفات المحمودة بما يلي:" واتفق أهل المذاهب الأربعة إلا من شاء تعالى منهم، على أن خلف الله لوعيده لفسقة المؤمنين من هذه الأمة من الصفات المحمودة في الله تعالى لأنها صفة في الناس وفي الملوك من أحمد الصفات والله تعالى أحق لها ولم يفصلوه على ما في عقولهم من معرفتهم به أنه لا على الإطلاق هو محمود في الناس وفي الملوك بل في مواضع هو من الصفات الذميمة لأنه يكون على وجوه" (97) .

وبهذا نتبين أن الإباضية لم يعتبروا خلف الوعيد من الرحمة وبالتالي لا يمكن أن يعتبروه من الكرم.


4) خلف الوعيد والكرم:

إن حجة الإباضية في رفض مبدأ الكرم تتمثل في أن الله يكون أكرم لو عفا عن المشركين وفي ذلك ينقل جميل بن خميس العدوي عن شرح النونية ما يلي:" فإن قالوا أوليس خلف التوعد مما يعد عند العرب من الجود، ويستحق به صاحبه لعلة فاعله المدح وحسن الثواب فلم لا يكون عند الله عز وجل بهذا أولى إذ هو غني عن تعذيب العباد؟ قلنا أو ليس من عفا منا عن الأمر العظيم والذنب الجسيم أبلغ له في المدح وحسن الثناء؟ فإن قالوا: بلى، قلنا: فلم أوجبتم الوعيد من الله سبحانه في أهل الشرك؟ إذن أو ليس عفوه أعظم المدح له؟ فإن حاولوا فصلا بينها فلا يجدوه" (98) .

لقد ثبت من هذا أن الإباضية يرفضون أن يكون خلف الوعيد من باب الكرم وبهذا يستوفون الرد على تعليلات القائلين بالخلف كما لا يغفلون عن المظهر البلاغي للقضية فهل نصوص الوعيد ضرب من الخبر أو الإنشاء؟


5) قضية الخبر والإنشاء:

وبما أن الكذب لا يمس إلا الأسلوب الخبري هناك من تصرف في اعتبار آيات الوعد والوعيد من الأسلوب الإنشائي الذي لا يحتمل الصدق والكذب.

وينقل يوسف المصعبي نص كلام هؤلاء العلماء دون أن يسنده إلى أصحابه (99) كما يلي:" وقال بعضهم: الوعد إنشاء على الأصح يعني إنشاء الضمان عند وجوب الوصف والكذب مخصوص بالإخبار.

قال بعض الأئمة مراده أن الوعد والوعيد كلاهما إنشاء فالخلف في الوعيد ليس بكذب فلا نقض، فأما الوعد فلأن مقتضى الكرم ألا يتخلف عنه، فعدم جواز الخلف لا لنه كذب بل لأن الكريم إذا وعد وفي وإذا أوعد تجاوز.

ثم يرد فيقول: والجواب والله أعلم:" اعتماد الإنشاء مردود فغن علماء العربية نصوا على أن الجملة الشرطية إذا كان جوابها خبرا تكون خبرية وهذه الآية كذلك (100) .

وإن أراد أنها إنشائية باعتبار أمر لازم كما أشار إلى ذلك بقوله يعني إنشاء الضمان عند وجود الوصف فتمويه لا يلتفت إليه لما يترتب عليه من الفساد مع لزوم تبديل القول على كل حال كما أورده الخصم على نفسه ولم يجب عليه بما يصغي إليه" (101) .

فالإباضية حينئذ يعتبرون نصوص الوعيد من الأخبار الصادقة التي لا يصح الخلف فيها كما انهم يرفضون مبدأ الخلف لما ينتج عنه من بطلان حكمة التشريع.



ثانيا : موقف الإباضية مما ينتج عن الخلف:


- الإغراء على القبيح وإبطال المر والنهي:

إن النفس البشرية ميالة إلى الشهوات ولا سبيل إلى إبعادها عنها إلا بالردع والزجر فإذا بطل الزجر وعلم الإنسان ألا وعيد اتبع نفسه هواها وارتكب ما لا يتصور من النواهي والمصادر الإباضية تلح على هذا المعنى وتتفق في هذا مع المعتزلة (102) ومن ذلك ما جاء في قاموس الشريعة:" وقال تعالى : وأن تغفر أقرب للتقوى ، (2 البقرة237) . والمراد لمن جاء طالبا للعفو والمتعدي عليه قادر على الزجر والأدب وإلا كان ذلك مما يؤدي السفهاء الجراءة والظلم للنبلاء والعافي على هذا ليس من الصفات المحمودة بل هي من أشد صفات الذم فصح أن هذه الصفة لذات الله ليست من الصفات المحمودة وانه تعالى منزه عن ذلك، ومنزه عن خلف الوعيد لكل من توعده لأنه مما يؤدي إلى فتح أبواب الجراءة على عصيانه وعصيان أولي الأمر من أوليائه من العلماء والأمراء والقضاة فيجوز إبطال وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمحمدة العفو عن الآتين المنكر التاركين الواجب من المعروف إذا كان العفو محمودا على الإطلاق من التاركين الواجب من المعروف إذا كان العفو محمودا على الإطلاق من صفات الله وصفات الناس وهذا باطل لا يقول به إلا ممسوخ العقل" (103) .

كما يقول أيضا:" من زعم أن الوعيد في أهل الشرك خصوصا لقد أباح الدماء والحرام وأسقط الحساب صراحا، لأن المحارم إنما تتقى من أجل العقاب فمن أبطل الوعيد فقد أباحها" (104) .

وفي هذا المعنى يقول الوارجلاني ما يلي:" ولو وعد المغفرة والرحمة من وراء ذلك لرجعت المعاصي بحال الإباحة ولم يبق إلا أن يأمرهم بها" (105) .

ويزيد المصعبي خطوة في توسيع القضية وبين أن القول بخلف الوعيد " يؤدي إلى إباحة المعاصي وكل ما جازت إباحته جاز الأمر به فيكون فرض المعصية أمرا جائزا وهذا محال على الله تعالى" (106) .

وكذلك لا سبيل إلى اعتبار الوعيد مجرد تهديد لأن مثل هذا الموقف يؤدي إلى الجرأءة على المعاصي وانتهاك المحرمات فلا تستقيم الدنيا قبل الآخرة.

هكذا إن انطلقنا في التمهيد للحجج العقلية من تلخيص الإيجي فيحسن أن نختم هذا الاستدلال بما ذكره محمد عبده في هذا الباب منطلقا من واقع المسلمين المرير القائم على مبادئ القائلين بإخلاف الوعيد حيث يقول:" إن كثيرا ممن يدعون اتباع السنة جرأوا الناس على هدم الدين بناء على أن مدار السعادة في الآخرة والنجاة من النار هو الاعتراف بالدين الى حد أن بعض الكبراء قال: إنني لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بحرمته" (107) .

والمتأمل في واقع المسلمين عامة يدرك ما لهذا الرجاء العريض والأمل الواسع في العفو عن مرتكبي الكبائر المصرين عليها إلى الموت من أثر مقيت حيث استهان الناس بجميع الرذائل وانتهكوا الحرمات جهارا، ويعتبر من نفل القول أن نستدل على هذا بما عرفه الأدب من خلاعة ومجون واستهتار.

وإن قالت فرق إسلامية بإنفاذ الوعيد مثل المعتزلة والأزارقة فإنهم انقرضوا مع مر الزمان فالفكر الاعتزالي تسرب إلى كالفكر الإسلامي تقريبا وإن بقي أكثر نصاعة في الفكر الشيعي والفكر الأزرقي لا نستطيع أن نقول فيه القول الفصل إلا انه متهم من قبل خصومه بأنه اعتبر الكبائر من باب الشرك، فلم يبق حينئذ إلا الاباضية ممن يعتقدون إنفاذ الوعيد، وأنت إن تأملت في بيئتهم زمن الازدهار في الظهور أو الكتمان (108) تجد مجتمعا أقر ما يكون إلى الاسلام لأن من يعتقد أنه معاقب لا محالة إن هو لم يتب يكون أكثر احترازا ممن يعتقد انه معفو عنه، وفي أقصى الحالات يعذب قليلا ثم إلى النعيم الأبدي، ولا أبالغ في شيء إذا قلت إن مجتمع ميزاب حيث تطبق أصول الإباضية من أن

نظف المجتمعات الإسلامية في هذا العصر.

أما الإباضية بجربة حيث غفل الناس عن أصولهم فقد دب إليهم الفساد ونهشهم الحرام وصار الكثير منهم لا يتورع عن المجاهرة بالمعصية إذ لا رادع مع الجهل بالأصل مثل ما حدث في جل أطراف العالم الإسلامي.


أما جبل نفوسة فما يزال أهله أكثر غيرة على أصول مذهبهم.

إلى هذا الحد يقف تحليلنا لقضية الوعد والوعيد ويحسن أن ننظر في بعض القضايا المتفرعة عنها قبل أن نقتحم قضية الخلود.

إن قضية الوعد والوعيد أو بعبارة أصح قضية الوعيد ترتبط بها قضايا أخرى كانت مثار جدل بين المسلمين نختار ترتيبها حسب تدرجها الزمني عذاب القبر، الشفاعة ، وجود النار وفناؤها، الورود والخلود.

القضايا المتفرقة عن الوعد والوعيد


عذاب القبر

قال تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتاي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ، (5 المائدة31).

إن هذا السياق القرآني يبين أن الله علم البشر كيف يحترمون موتاهم فيوارونهم في التراب حتى لا تبقى جثثهم كجيف الكلاب وما إليها، وفي هذا تكريم من الله تعالى يذكر به في قوله : ثم أماته فأقبره ، (80 عبس21) . فالقبر حينئذ هو الموضع الذي يدفن فيه الميت من بني آدم، وإن علم الله البشرية هذا المسلك من أول ما عرف الإنسان الموت فإن البشر اختلفوا عبر الزمان في مواراة موتاهم فعمد من عمد منهم إلى الإحراق مع المحافظة على الرماد في قوارير تحفظ، وعمد من عمد إلى تحنيط الأموات قبل الدفن ولجأ البعض إلى الدفن الجماعي في سراديب تحت الأرض، وتفنن من تفنن في بناء القبور، وأهرام مصر أكبر شاهد على ذلك.

وليس غرضنا في هذا الفصل أن نحلل هذه القضية وإنما المشكل المطروح ماذا عن أحوال أهل القبور أو ما يسمى بالحياة البرزخية (1) وما هو موقف الإباضية من ذلك؟

إن المتتبع للقرآن الكريم لا يجد إشارات واضحة لتصوير أحوال أهل القبور، وإنما تأول المفسرون بعض الآيات (2) ورأوا فيها دليلا على ثبوت تنعم أصحاب القبور وتعذبهم، أما في الحديث فقد جاءت نصوص عديدة في الصحاح وغيرها تقر ما ينظر الناس في قبورهم من سعادة أو شقاء (3) .

ويكاد يجمع المسلمون (4) على هذا التصور باستثناء بعض المعتزلة (5) والنكار (6) من الإباضية ولذلك أثيرت القضية في الكتب الأشعرية كما أنهم ينكرون ما جاء من أحاديث في هذا الشأن أو يتأولونها (7) ومن أدلتهم العقلية أو إن أردنا الأدلة المادية المخالفة للمعقول:

أ) لو كان لعذاب القبر أصل لكان يجب في النباش أن ترى العقوبة المثوبة للمعاقب والمثاب فكأن يشاهد عليه أثر الضرب وغيره لكن الواقع غير ذلك.

ب) لو كان في القبر عذاب لوجب أن يسمع أنين من لم يدفن مثل المصلوب وأن يشاهد اضطرابه.

جـ ـ ويبدي هؤلاء حيرة في شأن من يحرق أو تأكله السباع (8) .

كل هذه أدلة حسب هؤلاء تؤكد حياة في القبر وألا عذاب ولا ثواب. لكن غفل هؤلاء عن أن عالم الغيب لا يقاس بمقياس العقل، ولا يقارن بعالم الشهادة وإنما توضح بعض معالمه النصوص المنزلة بالنسبة إلى من يؤمن بالتنزيل وعلى هذا الأساس كان رد المثبتين للحياة في القبور بما في ذلك من شقاء أو سعادة.

الأدلة على ثبوت الحياة البرزخية:

يقول القاضي عبد الجبار وهو يعبر عن موقف المعتزلة الذين ألفنا أنهم معتدون بالعقل ويقدمونه على النقل:" فأما الكلام في أن ذلك كيف يكون ...فإن ذلك مما لا يهتدي إليه من جهة العقل وإنما الطريق إليه السمع" (9) وذلك للرد على هؤلاء المنكرين من أهل الاعتزال وتناولتها مصادر الإباضية للرد على النكار وقد استوفى القضية الوارجلاني بحثا من القرن السادس6 /12 مما أدى المصادر اللاحقة إلى أن تكتفي بالإحالة على تحليله.

فيحسن في البداية أن نتعرض لحجج منكري الحياة البرزخية ثم نعرض بعد ذلك حجج المثبتين وردودهم.


حجج منكري الحياة البرزخية:

إن هؤلاء المنكرين (10) يحتجون بأدلة نقلية وعقلية:

ومن أدلتهم النقلية قوله تعالى : لا يذوقون فيها إلا الموتة الأولى ، (44 الدخان56) . ولو أحيوا في القبر لذاقوا موتتين (11) أي لزم إحياؤهم فيه ثم إماتتهم بعد التعذيب.

وكذلك قوله تعالى : يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا ، (36 يس52) . قالوا لو كانوا معذبين في القبر ما سموه مرقدا.

وكذلك قوله تعالى : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ، (30 الروم55) . قالوا لو كانوا معذبين لاستطالوا المدة ولما أقسموا انهم لم يلبثوا إلا ساعة (12) .

ويورد السالمي نفس الرأي في الدعوة الى الاعتماد على النقل دون العقل وفي ذلك يقول:" ولا سبيل إلى العدول من مقتضاها (الأحاديث) الى محض القول بالرأي وليس شعري أي مدخل للرأي في ما غاب عنا علمه ولم تصل إليه عقولنا بل الواجب في هذا ونحوه التسليم لأخبار الشارع فيه، وقبول ما جاء فيها من لسانه فمن بلغه التواتر في ذلك وجب عليه القطع بوقوعه على حسب الأخبار لأنها جاءت من طرق صحيحة" (13) .

ردّ ما احتج به المنكرون من ادلة عقلية:


أ) مسألة عدم مشاهدة أثر العذاب عند النبش:

" إن اكثر ما في هذا النباش وغيره لا يرون أثر العقوبة على الميت ومن المجوز ألا يعذب الله تعالى في هذه الحالات التي يطلع عليها النباش أو غيره أو يعذبه على وجه يستتر عنهم لوجه من المصلحة يرى في ذلك" (14) .


ب) مسألة عدم المشاهدة ليست حجة:

وفي ذلك يقول السالمي:" وأجيب عن الأول(من قتل فصلب) بأنه يحتمل أن يخلق فيه حياة لا ندركها نحن" (15) .

ويتوسع صاحب قاموس الشريعة في ذلك كما يلي:" إن الله تعالى لا يفوته الذي قبر ولا الذي لم يقبر، ولا حجة لمن احتج بمن لم يقبر لأن المخلوق الذي لم يملك الشيء الذي فاته..ولذلك لا يقدر عليه لأنه لم يوجده من بعد العدم..." (16) .


ج)مسالة من أكلته السباع:

يقول السالمي في ذلك:" وأجيب عن الثاني(من أكلته السباع) انه مبني على انه يشترط في الحياة وجود البنية بتمامها ونحن لا نقول به لإمكان أن يخلق الله لكل جزء انفرد حياة يحس بها ألم العذاب" (17) .

وقبل أن نتحول إلى الردود القائمة على الأدلة النقلية يحسن أن نلاحظ أننا لم نجد في المرحلة المقررة من اهتم بالأدلة العقلية والردود عليها من ذلك المحشي وهو أحد أقطاب هذه المرحلة اكتفى بتحليل الأحاديث دون أن يكترث بحجج المنكرين العقلية (18) .


الأدلة النقلية من القرآن الكريم:

يقول أبو يعقوب الوارجلاني:" وفي القرآن إشارة إليه على رأي المفسرين وهم القدوة في ذلك" (19) إلا انهم لم يذكروا ولو آية واحدة وكذلك المحشي في حاشية الترتيب (20) وكذلك السالمي (21) إلا أننا إذا تتبعنا تيسير التفسير نجد أن محمد اطفيش تعرض إلى الموضوع في ما يلي:

1) قوله تعالى : قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل الى خروج من سبيل ، (40 غافر11).

فأورد أقوالا لعدة علماء مفادها إثبات عذاب القبر وقال السدي (22) " والإحياء الأولى إحياؤهم في القبر للسؤال" (23) .

2) قوله تعالى : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (24) .

يذكر صاحب التيسير أن الآية دليل على ثبوت عذاب البرزخ في ما قبل، ثم يزيد القضية تحليلا فيقول:" لكن الآية في الأرواح" ووردت أخبار بثبوته للأبدان وفيها أرواحها وذلك قبل قيام الساعة (25) ثم استشهد بعدة أحاديث (26) .

ويقول السالمي:" ولقد تكلف ابن أبي نبهان وهو ممن ينكر عذاب القبر تأويل هذه الآية حتى خرج بها عن أسلوب النظم الشريف فقال فيها:" تقديم وتأخير والأصل ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (27) "

3) قولـه تعالى : مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (28) يبين محمد اطفيش أنها نار البرزخ التي يحرق بها قبل البعث، يحرقون بها في الماء وفي ذلك إثبات عذاب القبر (29) .

وأثناء الرد على المنكرين لعذاب القبر يقلب السالمي عليهم الحجة ويعتبر أن في الآيتين المستشهد بهما دلالة على عذاب القبر:

يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا ، (36 يس52) . وأجيب بأنهم سموه مرقدا(مرحلة القبر) نظرا إلى ما شاهدوا من هول الموقف حتى صار القبر بالنسبة إليهم كالمرقد، وكذلك في شأن عدم استطالة مدة القبر فمدة البرزخ بالإضافة الى ما بعدها من الأبد أقل من ساعة" (30) .

لا يذوقون فيها إلا الموتة الأولى ، (44 الدخان56) ويجاب بأن الخطاب لأهل الجنة فإذا أحياهم الله في القبر لما أراده منهم فلا يسمى بعد تلك الحياة موتا بالإضافة إليهم. كيف وقد ورد في الحديث أن المؤمن يرى منزله في النار إن لو عصى ومنزله في الجنة إن لو أطاع فيريد أن ينهض إليه فيقال لـه: لم يأت أوان ذلك، نم سعيدا نومة العروس" (31) .

تلك هي الأدلة القرآنية وصدق أبو يعقوب الوارجلاني في موقفه حيث اعتبر أنها إشارات على رأي المفسرين إذ لا نلمس في هذه النصوص تصريحا ظاهرا ولذلك احتيج الى التأويل وقد عزز المفسرون جميعا موقفهم بالحديث بينما رأينا من المفسرين من لم يقبلوا مثل هذا التأويل فسكتوا عنه لأنهم يقرون بعذاب القبر إلا أنهم لم ينتبهوا مثل هذا التأويل ولهم ذلك.

الأدلة النقلية من الحديث الشريف:

لقد خصص الربيع في الجامع الصحيح بابا لموضوع القبور في الجزء الثاني (33) ورجع الى ذلك في حديث طويل آخر الجزء الرابع (34) ووقعت الإشارة إلى ذلك في مطلع الجزء الأول (35) .

وقد جمع أبو يعقوب الوارجلاني عشرة أحاديث في هذا الشأن (36) ولا يجب أن نغفل عن أنه مرتب الجامع الصحيح، وإن كان من علماء الكلام فصلته بالحديث متينة، ولذلك لم يجد أبلغ من الأحاديث للرد على من ينكر عذاب القبر وسأكتفي بذكر

أحاديث واضحة الدلالة على عذاب القبر وثوابه مستعينا بما جاء حولها من شروح للمحشي (37) والسالمي (38) .

1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان بعلم أصحابه هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن وهو يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر" (39) .

2) أبو عبيدة عن جابر بن زيد أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" (40) .

1) جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكره عنه غيره- انه عليه السلام قال: إذا وضع الميت في قبره وسوي عليه فإنه يسمع نعال القوم حين ينصرفون عنه لأنه حمل من بيته وروحه مع الملائكة فإذا وضع في قبره يأتيه ملكان أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف فيقعدان فيقولان له:" يا هذا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ " فإن كان مؤمنا قال: الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبي،" فقال له:" على هذا أحييت وعليه أمتّ وعليه تبعث، انظر عن يسارك" فيفتح له باب في قبره إلى النار فيقال له:" هذا منزلك لو عصيت الله فأما إذ أطعته فأنظر عن يمينك" فيفتح له باب في قبره إلى الجنة فيدخل عليه برد منزله ولذته فيرد أن ينهض، فيقال له:" لم يأت أوان ذلك، نم سعيدا نومة العروس" فما شيء أحب إليه من قيام الساعة حتى يصير إلى أهل ومال وإلى جنة النعيم، وأما إذا كان كافرا فيقعدانه فيقولان له:" من ربك؟" فيقول لا أدري. فيقولان:" ما تقول في هذا الرجل"-

يعني محمد صلى الله عليه وسلم فيقول:" كنت أقول فيه كما يقول الناس" فيقولان:" لا دريت ولا تليت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث. انظر عن يمينك" فيفتح له باب من الجنة فيقال له:" هذا منزلك لو أطعت الله فأما إذ عصيته فانظر عن شمالك فيفتح له باب من قبره الى جهنم فيدخل عليه غم منزله وأذاه ما شيء أبغض إليه من قيام الساعة فيصير إلى العذاب" (41) .

إن في هذه الأحاديث ذكرا صريحا لعذاب القبر ففي الأول دعوة إلى الاستعاذة منه، وفي الحديثين الآخرين تصوير دقيق لما يقع للميت منذ أن يوضع في قبره فيسمع نعال القوم الى أن يترك إما في روضة من رياض الجنة أو في حفرة من حفر النار.

وقد صعب على شارح هذه الأحاديث وغيرها تصور هذا النوع من الحياة فلذلك تأولوا النصوص بطرق مختلفة تتلخص في ما يلي:

أ) حياة حقيقية بالجسد والروح (42)

ب) حياة بالروح فقط (43) .

ج)حياة الروح مع جزء أو أجزاء من الجسد (44) .

ويقول المحشي ملخصا هذه القضية:" قوله: وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر" وهذا هو الصحيح والمشهور بين العلماء وهل واقع على الروح فقط أو عليه وعلى سائر الجسد؟

قال ابن حجر (45) في حق البخاري (46) :" لم يتعرض المصنف لترجمة كون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى سائر الجسد وفيه خلاف شهير عند المتكلمين وكأنه تركه لن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين فلم يتقلد الحكم في ذلك.

وكفى بإثبات وجوده خلافا لمن نفاه مطلقا من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو (47) وبشر المريسي (48) ومن وافقهما وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم وأكثروا من الاحتجاج له. وذهب بعض المعتزلة كالجبائي إلى انه يقع على الكفار دون المؤمنين وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم" (49) .

والمهم أساسا أن هذه النصوص تثبت أن القبر جزء من عالم الجزاء بقي على أية صورة يتم هذا الجزاء فذاك محط الخلاف والتأويل إلا أن هذا لا ينبغي أن يدفع إلى

إنكار الأصل إذ مهما كانت الحال التي يكون عليها الإنسان فإنه يحس بهذا الجزاء وليس مجرد جثة تأكلها الحشرات.

ويجدر أن نشير أيضا إلى أن التأويل شمل قضية أخرى متصلة بالعمل فهل أن هذا الجزاء خاص بالكفار دون المؤمنين كما يقول الجبائي أو انه خاص بالمؤمنين فقط؟ أو لا يشمل إلا العصاة من أهل الصلاة؟

قال القرطبي (50) : وهذا (العرض)( في حق المؤمن والكافر واضح فأما المؤمن المخلط فيحتمل في حقه أيضا لأنه يدخل الجنة في الجملة" (51) .

ويرد المحشي على القرطبي بقوله:" الاحتمال لا أصل له عندنا فإن المخلط كافر فيعرض عليه مقعده من النار ولا واسطة كما يدل عليه الحديث" (52) .

فالقضية ترجع إلى موضوع الأسماء والأحكام (53) وبما أن الإباضية اعتبروا كافر النعمة من أهل الوعيد أثبتوا أنه من المعذبين في القبر أما من اعتبر العصاة مغفورا وإن لم يتوبوا فطبيعي أن يعتبرهم من أهل السعادة في القبر.

ويلح تبغورين على أن عذاب القبر لأهل الكفر والنفاق فيقول:" إنما عذاب القبر في أهل الكفر والنفاق وليس هو لأهل التقى والإخلاص وهو الصحيح" (54) .

ولا يغفل العلماء عن التنبيه إلى الشهداء فهؤلاء أحياء عند ربهم يرزقون بصريح قوله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ، (3 آل عمران196).

فهؤلاء يقول فيهم القرطبي:" ويحتمل أن يقال إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن" (55) .

وفي آخر الفصل الذي يرد فيه أبو يعقوب الوارجلاني على المنكرين يورد خطبة لعلي ابن أبي طالب يقر بان القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. كما يورد قصة مفادها أن جماعة أتوا يستفتون عبدالله بن عباس في أمر قبر رجل كلما حفروا لـه وجدوا أسود قد ملأ القبر فقال ابن عباس" ذلك الغل الذي يغل به" وأمرهم أن يدفنوه قائلا" فوالله لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها" وتبين من استفسار أهله أنه كان يأخذ قوته من متاع الناس.

ويلح بعد ذلك على ما شاع في أمة محمد مما أبصروه عيانا في المقابر ثم يقول أبو يعقوب:" ولو أردنا ذكر شيء من ذلك. مما رأينا وعاينا وعاينوه هم بأنفسهم لا تسع الحال، وإنفسح المجال، وفاق القيل والقال مما لا ينكره عاقل" (56) .

ويختم أبو يعقوب تحليل القضية بالتهوين من أمرها فيقول:" ومسألة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم ومن علمها غنم، ومن تورط فيها ندم" (57) .

واضح حينئذ أن الإباضية يثبتون ما في القبر من ثواب أو عقاب ويجعلون من مات على كبيرة دون أن يتوب في زمرة المعاقبين.

وقد هون الوارجلاني القضية فلم يعتبرها من مسائل الديانات وعذر فيها من جهل. وكذلك السالمي رأى أنه يصح الخلاف في عذاب القبر (58) وكذلك صاحب قاموس الشريعة:" والاختلاف في هذا جائز" ويقول أيضا" إن هذا كله في علم الغيب لا يصح فيه التحقيق" (59) .

الشفاعة:


الشفاعة من شفع والشفع هو الزوج، وشفع لي يشفع شفاعة وتشفع: طلب. والشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه: في معنى طلب إليه، والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب.

هذا ما جاء في لسان العرب (1) أما عمرو التلاتي فيعرفها بأنها " سؤال النبي صلى الله عليه وسلم من الله الإذن للمؤمنين في دخول منازلهم في الجنة بعد الفراغ من الحساب وبعد سؤال المؤمنين النبي أن يرسل لهم من الله تعالى ذلك الإذن" (2) ويشير إلى أنها تعني في اللغة: الوسيلة والطلب وفي العرف: سؤال الخير للغير (3) ، ويأتي تعريف السالمي أكثر شمولا حيث يقول:" وشرعا: طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين فتكون للأنبياء وغيرهم، ويختص نبينا عليه السلام منها بخصلة هي تقدمه إليها قبل كل شافع، فلا تفتح بابها إلا له، ثم من بعده يشفع من شاء الله أن يشفع. قيل وهو المقام المحمود الذي في قوله تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، (17 الإسراء79) . أي يحمدك فيه الأولون والآخرون حيث لم يجدوا قبلك شافعا" (4) .


إن المتأمل في هذه التعاريف يلمس بوضوح مدى اتصال القضية بموضوع الوعد والوعيد (5) فالقائلون بإنفاذ الوعيد مثل الإباضية لا يعتبرون أن في الشفاعة دفعا للضر إلا في مستوى الدنيا أما في مستوى الآخرة فهي زيادة في جلب النفع ويقول القاضي عبد الجبار في هذا الصدد عند مناقشة المرجئة (6) :" بل لو جعل الأصل في هذا الباب النفع ويرجع بدفع الضرر إليه لكان أولى وأوجب" (7) ومثل هذا الاتجاه واضح غاية الوضوح في تعريف التلاتي والسالمي الذي جاء معبرا عن موقف الإباضية.

أما التعاريف الأخرى فقد عكست فكرة أصحابها في خلف الوعيد واعتبرت أن الشفاعة تتمثل في جلب النفع ودفع الضر والضر هنا هو الكبائر إلا أن صاحب المنار سلك مسلكا آخر في التعريف اعتمد فيه على التمثيل وانتهى إلى أن إرادة الله حسب علمه، وعلمه أزلي فلا سبيل إذن إلى فسخ إرادة الله تعالى وإنما تكون الشفاعة إكراما للشافع حيث توافق شفاعته علم الله الأزلي (8) .أما مغنية فقد أكد على أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا بإذنه بهذا تختلف عن الشفاعة لدى المخلوقين لأنها قد تكون بإذنهم وقد تكون بدون إذن منهم (9) .

ويحسن هنا أن نشير إلى ما ألح عليه صاحب المنار من تأثر المسلمين بما كان عند الوثنين واليهود من تصورات فاسدة في شأن الشفاعة مما غرس في المجتمعات الإسلامية بعض العادات هي أبعد ما يكون عن الإسلام يذكر منها ما يعطي لغاسل الميت من النقد ويسمونه "أجرة المعدية" أي أجرة نقله إلى الجنة (10) .

واضح إذن أن لتصور مفهوم الشفاعة تأثيرا حضاريا واضحا، لكن قبل أن نقف عند هذا التأثير في المجتمع الإسلامي عامة وفي البيئة الإباضية خاصة يحسن أن نتعرض لما اتفقت عليه الفرق الإسلامية في شأن الشفاعة ولما اختلفت فيه.


الشفاعة المتفق عليها:

يقول القاضي عبد الجبار:" لا خلاف بين الأمة في أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة" (11) والمتفق عليه نقطتان: (12)

أ) الشفاعة العظمى: أو المقام المحمود (13) وتكون في المحشر عندما يطول الانتظار (14) فيلجأ الصالحون إلى الأنبياء واحدا بعد واحد فيعتذرون إلى أن يصلوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيستجيب لهم ويدعو ربه فيأذن لهم بدخول منازلهم في الجنة (15) .

ب) الشفاعة بمعنى رفع الدرجات في الجنة (16) كما ذكر في تعريفها (17) ويجيب القاضي عبد الجبار على هذا السؤال: انصح الشفاعة في مزيد التفضل لمن حالته موفورة في النعم؟ بما يلي:" قيل له نعم وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه بقوله : لا يشفعون إلا لمن ارتضى ، (21 الأنبياء28) . فوصف ذلك شفاعة وإن كان لأهل الجنة ويدل عليه قوله تعالى في حملة العرش : يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ، (40 غافر7).

والاستغفار يجري مجرى الشفاعة وقد ثبت في الشاهد أن الزيادة في النعم والإحسان قد تطلب بالشفاعات كما أن التخلص من الشدائد قد يطلب بذلك" (18) .

ويجيب المحشي على سؤال افتراضي من هذا النسق:" فإن قال قائل: إن المؤمنين قد وعدهم الله في كتابه الجنة فما حاجتهم الى الشفاعة؟ بما يلي: قيل له" إن الشفاعة زيادة في الثواب وتشريف في المنازل وأيضا فإن المؤمنين تكون عليهم الذنوب والتبعات من قبل الأرحام والقرابات ومن حقوق الجيران والأولاد والزوجات وما أشبه ذلك، ألا ترى إلى قول الله تعالى وحكاية عن المؤمنين : يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ، (66 التحريم8) . فأخبر أنهم يسألونه إتمام نورهم وغفران ذنوبهم وهم يمشون على قناطر جهنم قبل دخول الجنة، ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وشفاعتي" (19) .

ويقول الجيطالي أيضا:" والشفاعة ليست لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب ولكن الشفاعة زيادة لهم في الثواب وتشريف في المنازل" (20) .

والأشاعرة أيضا يقولون بهذا المعنى إذ جاء عند البيجوري عند تعداد الشفاعات ما يلي:" منها شفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها" (21) .

ويقول يوسف المصعبي:" وما صاحب الكشاف فقال:" عن الشفاعة ثم في زيادة الفضل لا غير" فيؤخذ منه أن المعتقد عندهم مساو لما هو عندنا من نفي الشفاعة في الكبائر وتخصصها برقع الدرجات كما دل على ذلك قوله تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، (21 النبياء28) . وغير ذلك كما هو معلوم (22) .

أما جواد مغنية فإنه لم يشر إلى القضية وسلك مسلكا آخر فيه احتزاز كبير سنشير إليه بعد حين (23) .


والملاحظ أن في هذا الاتفاق حول هاتين النقطتين نظرا لأنهما لمن تأتيا منفصلتين عن بقية الموضوع، ودفاعا من اثبتوا الشفاعة للتائبين عن موقفهم يدل على صراع في النقطة الثانية، أما في النقطة الأولى فالتفصيل فيها واضح إذ يرى مثبتو الشفاعة لهل الكبائر أن الشفاعة عامة بينما يرى الآخرون أنها خاصة بالصالحين.

وقبل أن نبين حجج هؤلاء وأولئك يحسن أن نشير إلى الحقيقة التالية وهي: أن الإباضية يعتبرون أن الشفاعة واحدة ويقول يوسف المصعبي في ذلك نقلا عن الجيطالي ما يلي:" وكلامه أيضا في شرح النونية صريح في أنها في المحشر والظاهر أنها قبل الحساب، ويستمر حكمها إلى الشفاعة في زيادة الثواب وتشريف المنازل وأن ذلك كله في الموقف قبل دخول الجنة فلا يدخل أحد الجنة إلا وقد علم منزله الذي صار إليه بالعمل الصالح ورحمة الله وشفاعة المصطفى وغيره ممن تحصل منه الشفاعة فإذا دخل أحد منزله فلا ينتقل منه بعد ذلك فلا منافاة بين كونها في المحشر للإراحة من الموقف وكونها لزيادة الثواب ورفع المنازل فإن الشفاعة واحدة لكنها تتضمن ذلك كله" (24) .


أما الأشاعرة فيعتبرونها شفاعات يصلون بها إلى الثمانية : وانه صلى الله عليه وسلم له ثمان شفاعات نذكر منها ثلاثا على سبيل المثال:

1- أعظمها شفاعته المختصة به للإراحة من طول الموقف وهو أول المقام المحمود.

2- وثانيها: في إدخال قوم الجنة بغير حساب وهي مختصة به في قول النووي (25) .

1- وثالثها: فيمن استحق دخول النار ألا يدخلها وفي اختصاصها به أيضا تردد...". (26)

إن هذا العرض يثبت اختلافا في تصور قضية الشفاعة وإن اتفق على ثبوتها فبم يستدل هؤلاء وأولئك؟

الشفاعة المختلف فيها:


أدلة مثبتي الشفاعة لهل الكبائر (27)

يقول جواد مغنية:" والعقل لا يحكم بالشفاعة من حيث الوقوع لا سلبا ولا إيجابا أما من حيث الإمكان فإن العقل لا يرى أي محذور من وجود الشفاعة وعليه يتوقف وقوعها وثبوتها على صحة النقل عن الله ورسوله" (28) .

أما محمد عبده فيرى أنه ليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة وما جاء متن آيات عديدة تشير إلى الشفاعة ليس إلا من المتشابهات (29) وفعلا نجد نفس الآيات يتأولها الطرفان كل حسب النفي أو الإثبات.


أ) الأدلة من القرآن الكريم (30) :

ـ قوله تعالى : ولا يقبل منها شفاعة (31) يقول الرازي في تفسير هذه الآية:" هب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا إن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل فإذا قامت الدلائل على وجود الشفاعة وجب المصير الى تخصيصها". (32)

ويقول أبو السعود:" وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر والجواب أنها خاصة بالكفار للآيات الواردة في الشفاعة والأحاديث المروية فيها" (33) .

ـ وقوله تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى (34) لقد جاء عند الرازي ما يلي:" وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى وكل من كان مرتضى عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة وغنما قلنا إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى لنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده... وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة أنه لا قائل بالفرق" (35) ويقول الأشعري إجابة عمن سأل عن هذه الآية " فالجواب عن ذلك : إلا لمن ارتضى فهم يشفعون له" (36) .


ـ وقوله تعالى : لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (37)

يقول الرازي:" والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند الرحمن عهدا، فكل من اتخذ عند الرحمن عهدا وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا وهو التوحيد والإسلام فوجب أن يكون داخلا تحته" (38) .

ـ وقوله تعالى : ما للظالمين من حميم ولا شفيع (39) يقول الرازي فالجواب عنه أن قوله : وما للظالمين من حميم ولا شفيع . نقيض لقولنا للظالمين حميم وشفيع لكن قولنا للظالمين حميم وشفيع موجبة كلية ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية والسالبة يكفي في صدقها تحقيق ذلك السلب في بعض الصور، ولا يحتاج فيه إلى تحقيق ذلك السلب في جميع الصور وعلى هذا نحن نقول بموجبه عندنا لن عندنا أنه ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب وهم الكفار فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب الحميم والشفيع فلا (40) ".

ـ وقوله تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين (41) يقول الرازي " فهذا وارد في حق الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في حق المؤمنين" (42) .

تلك بعض الآيات التي رأى فيها مثبتو الشفاعة لأهل الكبائر دليلا على موقفهم وقد اكتفينا بما جاء عند الرازي لنه حلل القضية بحماس وكل من جاء بعده لم يخرج عن الدائرة التي رسمها (43) .


(ب) الأدلة من الحديث الشريف:

واضح أن العمدة الأساسية في قضية إثبات الشفاعة هي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول محمد عبده في هذا الشأن:" ولكن ورد الحديث بإثباتها" (44) .

ومعلوم أن الاستشهاد بالحديث يثير اكثر إشكالا من القرآن الكريم ذاك لن التأويل مع القرآن يتمثل نصا متفقا عليه عنه المسلمين بينما تتعلق بالحديث قضيتان فقضية السند وقضية المتن ويكفي أن يضاف نفي لجملة ما فينقلب المعنى من الإثبات الى عكسه وموضوع الشافعة تكدره هذه النقطة بالذات كما سنرى.

وسنحاول أن ننتخب بعضا من الأحاديث لنتبين كيف بتصرف مثبتو الشفاعة لأهل الكبائر ومن ذلك:

- ما جاء عن أبي هريرة قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك؟ قالوا:" لا يا رسول الله" قال:" يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض:" ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلى

من يشفع لكم إلى ربكم"؟ فيقول بعض الناس لبعض:" أبوكم آدم" فيأتون آدم فيقولون :" يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا" فيقول لهم:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي ، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح". فياتون نوحا فيقولون:" يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه" فيقول لهم:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله وإن كانت لي دعوة دعوت بها إلى قومي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم". فياتون إبراهيم عليه السلام فيقولون:" أنت إبراهيم نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه". فيقول لهم إبراهيم:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى". فيأتون موسى ويقولون:" يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه". فيقول لهم موسى:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها ،نفسي ، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى ابن مريم". فيأتون عيسى فيقولون: أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا الى ربك ألا ترى ما نحن في؟" فيقول لهم عيسى:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا ،نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد" فيأتون فيقولون:" يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا الى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟" فأنطلق وأستأذن على ربي فيأذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول لي:" يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه واشفع تشفع" فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أرجع فأقول:" يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود" . (45)

يقول الرازي بعد أن أثبت أن هذا واحد من الأخبار:" وغن كان مرويا بالآحاد إلا أنها (الأخبار) كثيرة جدا وبينها قدر مشترك واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مرويا على سبيل التواتر فيكون حجة والله أعلم". (46)

- وقوله صلى الله عليه وسلم : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" . (47)

رغم صراحة هذا النص فإن الرازي اضطر أمام مطاعن المنكرين من المعتزلة أن يقول:" واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة" (48) .

- وما رواه أبو هريرة قال: " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (49) .

يقول الرازي:" والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته صلى الله عليه وسلم تنال كل من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا وصاحب الكبيرة كذلك فوجب أن تناله الشفاعة" (50) .

- وما جاء عن أبي سعيد الخدري قال: " وأما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم وقال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن الشفاعة فجيء بهم ضبائر فبثوا على انهار الجنة، ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبّة تكون في حميل السيل" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (51) .

وقد اعتبره ابن حزم دليلا على الشفاعة لأهل الكبائر وإن لم تشر إليه الكتب الأخرى التي وقفنا عليها مثل تفسير الرازي وتفسير القرطبي وتفسير ابن عاشور.

- وما جاء عند الأشعري:" ونقول إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا (52) بشفاعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (53) .

هذه مجموعة الأحاديث التي يستدل بها مثبتو الشفاعة لأهل الكبائر ويناقش الأشعري المعتزلة بشدة لنفيهم مثل هذه الشفاعة الى أن يقول:" وإنما الشفاعة المعقولة في من استحق عقابا أن يوضع عنه عقابه أو في من لم يعده شيئا أن يتفضل به عليه فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقا فلا وجه لهذا" (54) .

تلك هي الأدلة النقلية التي أثبت بها هؤلاء الشفاعة لأهل الكبائر فكيف كان رد المنكرين لها على هذا الصحيح؟

أدلة منكري الشفاعة لهل الكبائر (55) :


ذكرنا أن كل الفرق مقرة بوقوع الشفاعة إلا أن الاختلاف بدا واضحا في من تكون هذه الشفاعة والإباضية والمعتزلة يعتبرون أنها خاصة بالمؤمنين الموفين فما أدلتهم على ذلك من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؟


1) الأدلة من القرآن الكريم:

لقد جمع عمرو التلاتي كل الآيات التي احتج بها المثبتون في سياق واحد مع آيات أخر، واعتبرها دليلا على أن الشفاعة للمؤمنين فقط فقال:" إن أصحابنا رحمهم الله تعالى قالوا إن الشفاعة حتى لا شك فيه وإنها للمؤمنين لا لهل الكبائر العاصيين والفجار الفاسقين لقولـه تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، (21 الأنبياء28) (56) وسنبين موقف المنكرين من نفس الآيات التي اعتمدها المثبتون لتبيين مدى قوة حجتهم.

ـ قوله تعالى : ولا يقبل منها شفاعة ، (2 البقرة48) . لقد رد يوسف المصعبي على البيضاوي بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (57) ولقد نفى محمد اطفيش عن هذه الآية التخصيص الذي احتج به المثبتون فقال:" ولا يخفى أن النفس التي ذكر الله عز وجل أنها لا تجزي عنها نفس ولا يقبل شفاعة شافع لها، ولا فداء ولا تنصر هي التي أوبقتها معاصيها وماتت مصرة عن حق لزمها فكل نفس بهذه الصفة لا شفاعة فيها مشركة أو فاسقة، فلا شفاعة لهل الكبائر المصرين والخطاب في قوله(واتقوا) ولو كان لبني إسرائيل لكن قوله : ولا تجزي نفس عن نفس شيئا . الخ عام ولا يمكن أن يقال خاص" (58) ثم يذكر كل الأحاديث التي تدعم موقفه (59) .

ـ وقوله : لا يشفعون إلا لمن ارتضى ، (21 الأنبياء28) يقول يوسف المصعبي:" قوله أن لهم ومثله قول البيضاوي أن يشفع لـه مهابة منه وفي هذا التفسير صرف للآية عن ظاهرها لتكون وفق معتقدهم من جواز الشفاعة للعصاة مع أن الآية بظاهرها ناعية على بطلان ما ذهبوا إليه. وأما صاحب الكشاف ففسرها على ظاهرها حيث قال:" ومن تحفظهم انهم لا يحسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم والحاصل أن الشفاعة تكون لإراحة الخلق من الوقوف وتمسى الشفاعة العظمى وتكون للمسلمين برفع الدرجات كما هو معلوم" (60) .

ويقول السالمي :" ففي الأولى (يشير الى هذه الآية) تصريح بان الشفاعة مقصورة على من ارتضاه الله تعالى (61) ".

ـ وقوله تعالى : لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ، (19 مريم 87) (62) قال تبغورين :" وعهده الوفاء بدينه" (63) ويقول محشية:" هذا أحد تفسيرين ذكرهما الشيخ هود والثاني المحافظة على الصلوات الخمس وقال بعضهم إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا بعمل صالح" (64) كما يقول يوسف المصعبي:" المناسب لما هو المعتقد عندنا ما فسر به العهد صاحب الكشاف حيث قال:" واتخاذ العهد الاستظهار بالإيمان والعمل" (65) .

كما يرى أن في استدلال تبغورين بهذه الآية نظرا " وذلك أن المقصود إنما هو الرد بهذه الأدلة على من يثبت الشفاعة للعصاة الموحدين كما دل سياق كلامه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الشافعي لا يأتيها- الشفاعة- إلا إن كان ممن اتخذ عند الرحمن عهدا على ما سبق من تفسير العهد، والكلام في المشفوع له لا في الشافع والله أعلم" (66) . والحقيقة أن الآية تحتمل المشفوع لـه أيضا كما ذهب إلى ذلك الرازي وإن اتخذ موقفا آخر في التأويل (67) وكما أشار إلى ذلك الزمخشري كما ذكرنا ذلك في التعليق.

ـ وقوله تعالى : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ، (40 غافر 18): قال محمد اطفيش:" أي لا شفيع البتة فضلا عن أن يطاع فلا شفاعة ولا طاعة شفيع قال الحسن: والله ما يكون لهم البتة شفيع (68) وهذا هو المراد...ويجوز أن يراد الظالم مشركا أو موحدا" (69) .

ويقول السالمي : وفي الثالثة( يشير إلى هذه الآية) دليل على نفيها (الشفاعة عن الظالم وهو اسم لكل من ظلم نفسه أو ظلم غيره فلا تخص المشركين كما زعموا فغنها وإن كان سبب نزولها فيهم فلا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ" (70) .

ـ وقوله تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين ، (74 المدثر 48)

يقول محمد اطفيش :" أو المراد انتفاء الشافع فضلا عن أن يشفع وذلك من نفي اللازم بانتفاء الملزوم والسبب انتفاء المسبب كقولك:" لا أراك هنا" أي لا تكن هنا فضلا عن أن أراك" (71) .

هذه وقفات منكري الشفاعة لهل الكبائر عند بعض الآيات ويحسن أن نذكر بقية الآيات التي يستشهدون بها كما جاءت في شرح النونية.

"... وقولـه تعالى : يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ، (20 طه 109) . وقوله تعالى حكاية عن أهل الكبائر : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ، (26 الشعراء100) . وقوله : واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، (31 لقمان33) . أي لا يجزي والد عن ولده المطيع أمر الله عز وجل ونهيه ولا مولود عن والده المضيع لهما أيضا" (72) .

وجاء ذكر آيات أخر في أصول تبغورين: مثل يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون ، (44 الدخان41).

كما يقول تبغورين" وكيف يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر بعدما أخبر الله عنهم أنهم أعداؤه في قوله : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ، (43 الزخرف 67) . وفي قوله : فإن الله عدو للكافرين ، (2 البقرة 98) . وقالت الملائكة عليهم السلام : فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ، (40 غافر7)...

وقول الله : لا ينال عهدي الظالمين ، (2 البقرة 124) . وقال الله في الزاني : ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ، (24 النور 3) . هذا في حدود الدنيا التي يتراحم فيها العباد بالترك والعفو والإعراض عنها وكيف بالآخرة التي لا تواصل فيها ولا تراحم" (73) مع الاستشهاد بما جاء في آيات تثبيت الخلود لمرتكبي الكبائر (74) .

كما أورد أبو مهدي ما يلي:" وقال الله تعالى : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ...الآية (75) وقال في امرأة نوح ولوط : كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ، (66 التحريم 10) . فكيف طمع أهل الكبائر المصرين عليها مع هذا في شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم " (76) .



وقبل أن نقارن بين الاستدلالات يحسن أن نورد احتجاج منكري الشفاعة لأهل الكبائر بالحديث الشريف.


ب) الاحتجاج بالحديث الشريف:

إن المتأمل في احتجاج الطرفين يدرك حقيقة ما وصل إليه محمد عبده (77) من أن الأساس في إثبات الشفاعة هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك أن كل محتج إذا استعصى عليه التأويل يفزع إلى الحديث ليدعم موقفه ومعلوم أن الحديث جاء مبينا لما جاء مجملا في كتاب الله تعالى لكن هنا تختلف الروايات وباختلافها تتباين المواقف وتتباعد وسنقف عند نفس الأحاديث التي استدل بها مثبتو الشفاعة لأهل الكبائر كما يرويها المثبتون.

- جاء في الجامع الصحيح ما يلي: ذكر لنا في حديث الشفاعة (78) أن أهل الإيمان يحبسون في الموقف بعدما قد بشروا عند الموت وبعد ما أجابوا عند المحنة في القبور أن الله ربهم قد غفر لهم وأخذهم كتبهم بأيمانهم

وابيضت وجوههم وثقلت موازينهم وأراد الله أن يدخلهم الجنة بالشفاعة والشفاعة مخزونة لا يصل إليها نبي ولا ملك حتى يفتحها الرسول صلى الله عليه وسلم قال والأنبياء ومن اتبعهم محبوسون الأولون والآخرون، قال: فينما هم كذلك فيقولون:" لو استشفعنا الى ربنا فيريحنا من هذا المقام" فيقول بعضهم لبعض:" عليكم بآدم" فيأتونه فيقولون:" أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته فلو استشفعت لنا الى ربك فيريحنا من هذا المقام" فيقول:" فني أكلت الشجرة التي نهاني الله عنها وإني استحيي من لقاء ربي ولكن عليكم بنوح فإنه أول نبي أرسله" فيأتون نوحا فيقولون:" لو استشفعت لنا ربك" فيقول:" غني سألت ربي ما ليس لي به علم وأنا استحي من لقاء ربي لكن عليكم بإبراهيم خليل الرحمن" فيأتونه فيقولون له:" لو استشفعت لنا ربك". فيقول إني استحي من لقاء ربي ولكن عليكم بموسى كليم الله". فيأتونه فيقولون له:" لو استشفعت لنا ربك" فيقول:" غني قتلت نفسا فأنا استحي من لقاء ربي ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته" فيأتونه فيقولون لـه:" لو استشفعت لنا ربك" فيقول:" إني عبدت من دون الله فأنا استحي من لقاء ربي ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم عبد قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر" قال النبي صلى الله عليه وسلم :" فيأتوني فامشي بين سماطين من المؤمنين فأقرع باب الجنة فإذا فتح لي (كذا) ثم يقال لي:" يا محمد اشفع نشفعك فيقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن" يعني وجب عليه الخلود في النار" قال لهل العلم: هو المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون حيث نجاهم الله من ذلك المقام ويحمده الأولون بما فتح لهم من الشفاعة وكانت مخزونة لا يصل إليها أحد حتى يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع آدم في وقت له في ولده ثم يشفع الأنبياء كل نبي يشفع لأمته ويشفع المؤمنون وكذلك شاء الله أن يدخل المؤمنون الجنة بالشفاعة حتى بلغنا أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته إذا كانوا مؤمنين متقين" (79) ويحلل المحشي هذا الحديث تحليلا ضافيا ويستشهد بأقوال من سبقه من علماء الإباضية خاصة منهم الجيطالي وتبغورين ويتبنى مواقفهم كما يقارنها بأقوال ورادة في الصحاح ويناقشها وتتمثل عصارة تحليله في قوله: وهي (الشفاعة) عند أصحابنا في الحساب بعد طول مقام على أرجلهم وبعد أن بشر أصحاب الإيمان وأخذوا كتبهم بأيمانهم فشع لهم حتى أراحهم الله من الموقف وهي تشريف منازلهم وترفيع لدرجاتهم لأن من أوجب له القرآن الخلود في النار لا شفاعة له" (79مكرر ) .

كما يرد بشدة على الأقوال التي حشرت المتقين في عذاب أهوال يوم القيامة فيقول نقلا عن تبغورين:" وهذا من تزيين الشيطان لهم في أحاديثهم وكيف يكون هذا في

المسلمين بعد قول الله عز وجل : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ، (19 مريم 86) . وقوله : لا يسمعون حسيسها ، (21 الأنبياء 102) . أم كيف يكون المؤمن مضبطا على بطنه وقد قال الله في كتابه : لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، (46 الأحقاف13) . وما وصفهم من الغضارة والنضارة... ولكن الصراط المستقيم هو دين الله الذي افترضه الله على عباده والعدل الذي أنزله وهو دقيق لا يوافق الهوى ولا الشهوات ولذلك يشبهونه بحد السيف المرهف والشفرة الرقيقة الدقيقة فلا يميزها إلا ذو الحجا والنهي والبصيرة النافذة مع عون الله وتوفيقه" (80) .

ثم يقول مبينا موقفه الشخصي:" أقول : ومما يدل على أن المسلمين ليس عليهم شيء من أهوال الآخرة وإن كانوا يشاهدونها قول عز وجل : لا يحزنهم الفزع الأكبر ، (21 النبياء103)... وقوله : وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ، (75 القيامة 23) . أي منتظرة متى يؤذن لها في دخول الجنة الى غير ذلك من الآيات الدالة على أن المسلم لا حرج عليه يوم القيامة في موطن من المواطن لأن الله لا يجمع على شخص واحد آمنين أو خوفين بل من أمن في الدنيا خاف في الآخرة ، ومن خاف في الدنيا أمن في الآخرة، وفي الحديث " لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه" (81) الى غير ذلك من الأحاديث فالظاهر أن معنى قول المسلمين عند طلب الشفاعة " فيريحنا من هذا المقام" أي لما فيه من النظر إلى الأهوال وأن يصل إليهم منها شيء لأنهم آمنون مطمئنون جعلنا الله منهم آمنين" (82) .

- وما جاء عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ... يحلف جابر عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة لأن الله أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عن القتل والزنا والسحر وما أوعد الله عليه النار. وذكر عن أنس بن مالك يقول: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر ما كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من الكبائر" (83) .

ويقول السالمي في شأن هذا الحديث:" وخالفت الأشاعرة فيها (الشفاعة) فأثبتوها لأهل الكبائر تعويلا على حديث رووه: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (84) ويجاب بوجوه:

أحدهما : انه خبر واحد لا يعارض القطعي.

وثانيها: أنه لو لم يعارض قطعيا لما أوجب العلم.


وثالثها: انه عارضته رواية مثلها ونصها: " لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي" فهذه بتلك على أن هذه قد عضدها الكتاب وتلك قد خالفته فوجب إما القول بوضع تلك الرواية إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكتاب لتقرب إليه المتقربون بالكبائر (85) .

وإما القول بأنها معلقة بشرط دل عليه الكتاب وهو ما إذا تابوا فإن من فعل كبيرة وتاب منها كان مستحقا لأن يشفع له غيره، ولا يلزم من هذا تخصيص الشفاعة لمن أتى الكبيرة ثم تاب منها دون من أوفى في طول عمره لتغليب من عصى فتاب على من لم يعص قط والفائدة في تخصيصهم بالذكر دفع إياسهم من رحمة الله وتسهيل الطريق لهم قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، (39 الزمر53) " (86) .

ويستدل المحشي بما أورده الجيطالي من أدلة من القرآن ومن الحديث الى أن يصل إلى ما نقله منسوبا الى جابر بن زيد وهو قوله:" والله ما شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين إلا للتائبين" وكان يقول:" ما نالت دعوة مؤمن منافقا قط" وقوله:" الشفاعة ليست لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب، ولكن الشفاعة للمؤمنين زيادة لهم في الثواب وتشريف المنازل وبالله التوفيق" (87) .

ثم ينقل المحشي نصوصا عن الجيطالي والغزالي أساسها أن ما كان يعتبر كبائر عند الصحابة وعلماء الآخرة صار يعتبر من الصغائر أو من المعروف أحيانا في العصور المتأخرة هذا توضيحا لتعليق جابر بن زيد على رواية أنس بن مالك (88) .

ثم إلى جانب هذا الحديث تورد المصادر الإباضية أحاديث أخرى في هذا النسق إلا أنها لا تلتفت إلى بقية الأحاديث التي اعتمدها المثبتون (89) . ومما ترويه هذه المصادر: ما جاء عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وشفاعتي" .

- وبنفس السند: " لا تنال شفاعتي الغالي في الدين ولا الجافي عنه" (90) .

- قال صلى الله عليه وسلم : " صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة... قال: القدرية والمرجئة " (91) .

ويورد تبغورين أحاديث أخرى بدون سند وهي قوله صلى الله عليه وسلم : " يا فاطمة بنت رسول الله ويا صفية عمة الرسول اعملا لانفسكما فإني لا أغني عنكما من الله شيئا" (92) .

- وقولـه صلى الله عليه وسلم : " لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي ولا ينال شفاعتي زان ولا سارق ولا مدمن على الخمر ولا قاتل النفس التي حرم الله إلا بالحق" (93) .

وقوله عليه السلام: " وليذاذن رجال عن حوضي كما يذاذ البعير الضال، وأقول:" هلم هلمّ أصحابي ، أصحابي" فيقال لي:" قد غيروا بعدك ولم يزالوا مرتدين على أعقابهم. فأقول سحقا، سحقا. فاختلجوا دوني فيمر بهم ذات الشمال" (94) .

ذلك تقريبا ما تجمع لدى الإباضية من نصوص الحديث في باب الشفاعة، ونحن نرى أنها تتظافر لتثبت ألا شفاعة لأهل الكبائر فكيف يمكن أن نقارن بينها وبين ما ورد عند غير الإباضية؟


تأملات في نصوص هذا وذاك من القرآن والسنة:


لقد تجاذب الطرفان النصوص القرآنية التي لا يأتيها الباطل منن بين يديها ولا من خلفها وكل من أحس بشيء من الضعف في التأويل والتوضيح يلجأ إلى التدعيم بالحديث الشريف- ودائرة الاختلاف واسعة بالنسبة إلى هذه النصوص بين التواتر لفظا ومعنى أو معنى فقط وبين الإرسال والإيصال- للوصول الى تقوية الموقف المتبني.

أما خلاصة القول في الاستدلالات القرآنية فتتمثل في الاعتماد الكلي على التأويل عند الطرفين إذ لا نجد نصا صريحا يحدد موضوع الشفاعة من جميع جوانبه، وغاية ما هنالك أن الشفاعة حق، وان مردها كبقية الأمور إلى الله تعالى ولن تكون إلا بإذنه ولهذا اختلف الناس في تعيين الشفعاء والمشفوع لهم وهل هي شفاعة واحدة أو شفاعات؟ وهل هي يوم القيامة أو تمتد الى ما بعد الجزاء لتنقل قوما من النار إلى الجنة (95) ؟

والمتأمل في مختلف التأويلات يلفت انتباهه أمر جلي وهو أن الأشاعرة ومن سلك مسلكهم في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر- وهم عادة يحجمون عن التأويل بل يعيرون به المعتزلة- كانوا أكثر توغلا في التأويل في موضوع الشفاعة ومواقف الرازي من الآيات المذكورة أكبر دليل على ذلك.

معنى هذا انهم اعوزهم الظاهر فاضطروا للرد على خصومهم لاستعمال نفس السلاح لتقرير ما جنحوا إليه مما يتماشى مع موقفهم العام من خلف الوعيد ومن القول بالخروج من النار.

أما الطرف المقابل- الإباضية والمعتزلة- فليس من الغريب أن يعتمد على التأويل إذ أقر به من البداية ورأى ألا سبيل إلى فهم القرآن الكريم بدون اعتبار أن له ظاهرا وباطنا (96) .


وقد كان مدار التأويل على نقطتين هما الخصوص والعموم واحتمالات وظائف الكلمات.


1) الخصوص والعموم:

فكل الآيات النافية للشفاعة عن الظالمين اعتبرها المثبتون خاصة بالمشركين بينما اعتبرها المنكرون عامة تشمل العصاة من أهل الصلاة وفي الغالب يتقارب الاحتجاج بين الطرفين إلا أن احتجاج الرازي كان معتمدا اعتمادا كليا على استنتاجات القياس المنطقي لتخصيص النص بالمشركين.

أما في ما يتعلق بالسياقات التي تثبت الشفاعة ( لمن ارتضى) فقد وصل فيها تأويل الرازي إلى حد اعتبار أن مرتكب الكبيرة- الذي مات مصرا على كبيرته- مرتضى عند الله تعالى على أساس أنه تلفظ بكلمة الإيمان (97) والحقيقة أنه إذا كان مرتكب الكبيرة مرتضى فما الحكمة من تحريمها ومن هنا تكتسب قضية الشفاعة مع الوعيد والخلود بعدها الحضاري العميق (98) . وفي تأويل مثل هذه السياقات تبدو حجج المنكرين مستساغة أكثر.


2) البلاغة والإعراب:

أما العزف على وتر البلاغة والإعراب فهذا طبيعي في فهم النصوص إلا أنه لم يلجأ إليه إلا نادرا في مثل قوله تعالى : ولا شفيع يطاع . حيث يقول الزمخشري وينقل عنه محمد اطفيش:" المطاع مجاز في المشفع لأن حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك (فإن قلت ما معنى قوله تعالى (ولا شفيع يطاع)؟ . قلت: يحتمل أن يتناول نفي الشفاعة والطاعة معا وان يتناول الطاعة دون الشفاعة (99) ) كما تقول ما عندي كتاب يباع فهو محتمل نفي البيع وحده وأن عندك كتابا إلا انك لا تبيعه ونفيها جميعا وألا كتاب عندك ولا كونه مبيعا ونحوه:" ولا ترى الضب بها ينجحر" يريد نفي الضبّ وانجحاره" (100) .

والحقيقة أن القضية البلاغية هنا تعلقت بنفي الشفيع أو إثباته ولم تتعلق بالمشفوع له حيث رجع الأمر الى التخصيص والتعميم (101) .

فمدار التأويل حينئذ على التخصيص والتعميم ولذلك حلل الرازي الكلام في آيتين ثم أحال على هذين التحليلين في ما جاء من آيات أخر.

ذلك أهم ما يقام عن الاستدلالات القرآنية أما الاستدلالات بالحديث فهي أيضا رغم أنها جاءت موضحة للقرآن الكريم فإنها لم تسلم من التأويل إذا لم يطعن في صحتها تماما والأقرب لدى هؤلاء وهؤلاء إذا تعارضت الأحاديث وتضاربت أن يطعن كل في صحة الحديث الذي يحتج به الآخر.


والقضية تتلخص أيضا في نقطتين:

أولاهما : ذلكم الحديث الطويل الذي أثبته الطرفان مع اختلاف جوهري في النقط الحساسة واتفاق في السياق العام (102) .

ويتمثل الاختلاف في بداية الحديث خاصة حيث إن الذاكرين للشفاعة عند الإباضية هم أهل الإيمان من أتباع الأنبياء وهم الذين يطلبونها من الله ولا دخل للبقية فيها. أما عند البخاري ومسلم فالطلب عام ويتقدم الناس جميعا كافرهم ومؤمنهم لطلب الشفاعة ومن هنا اختلف الموقفان.

كما يقع إشكال في ما يصيب المسلمين الموفين من تعب يوم القيامة مع أن النصوص صريحة في ألا تعب لهؤلاء (103) .

أما قبيل الآخر فقد ناقش الأشاعرة قولة عليه السلام " ثم أخرجهم من النار فأدخلهم الجنة" (104) والحال أنهم ما يزالون في الموقف فقال ابن حجر في قوله: ثم أخرجهم من النار " قال الداودي: كان راوي هذا الحديث ركب شيئا على غير أصله وذلك أن في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف... وهو إشكال قوي" (105) .

أما خاتمة الحديث فمتفق عليها عند الطرفين" ما بقي من حبسه القرآن أي أوجب عليه الخلود" وهنا يرجع الأمر إلى التأويل فمن الذين حبسهم القرآن عن الشفاعة المشركون فحسب أم يشمل الأمر مرتكبي الكبائر المصرين؟

وهكذا رغم الاتفاق على إثبات الشفاعة اعتمادا على هذا الحديث بقي الخلاف قائما في شأن المشفوع لهم.

ثانيهما:" النفي والإثبات اعتمادا على نفس النص: " ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي" " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" .

رغم لجوء المنكرين إلى تأويل هذا الحديث عند التسليم بصحته جدلا على انه يخص التائبين فإن الرازي لم يعتبره كافيا وحده بل يعتبر أنه في حاجة إلى الأحاديث الأخرى لتعاضده.

والمتأمل في النص يحار في أمر هذا الحديث فهل كان التحوير بالزيادة أو بالنقصان؟ هل وجد النفي فحذف أو لم يوجد فأضيف ؟ ولابد من أحد الاحتمالين لكن لا نستطيع أن نجزم جزما نهائيا (106) بهذا ولا بذاك وغاية ما هنالك أن الإباضية جزموا بان النفي دخيل وحتى إن وجد فإمامهم جابر بن زيد يعفي أنس بن مالك من أن يكون قد استعمل كلمة كبائر بمفهومها الاصطلاحي وإنما حمل ذلك الاستعمال على التهويل بمفهوم أن حسنات الفجار سيئات عند الأبرار.

لكن لنا أن نتساءل لماذا لم يتفاوض جابر بن زيد مع أنس بن مالك مع ما بينهما من مودة (107) في شأن هذا الحديث ولو فعلا لأراحا الأمة من داء الاختلاف ولكان القول فصلا؟

أما بقية الأحاديث المستشهد بها عند الطرفين فهي لا تزيد الهوة إلا عمقا وكلما اتسعت رقعة الاختلاف كان لها أثر أوسع في سلوك كل من الطرفين (108) .

وبعد التأمل في احتجاج (109) كل من الطرفين- المنكرين والمثبتين- لم يبقى إلا أن ننظر في تحديد الشفعاء وكيف لا يشفعون إلا بإذن الله تعالى.




الشفعاء وحدود شفاعتهم:


قال تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين ، (74 المدثر48).

وقال : فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ، (7 الأعراف 53) في الآيتين إشارة إلى تعدد الشافعين فمن هم هؤلاء...؟


لقد أوردنا في آخر حديث الشفاعة العظمى ما نسب إلى أهل العلم (110) ومفاده أن الرسول صلى الله عليه وسلم يفتح الشفاعة المخزونة ثم يليه في الشفاعة بقية الأنبياء ويذكر النص بعد ذلك الشهداء.

ويفهم من قوله تعالى على لسان الملائكة : فاغفر للذين تابوا ، (40 غافر4) . أن الملائكة يمكنهم الله تعالى من الشفاعة وقد بين جابر بن زيد ذلك بقوله " ما شفاعة والأنبياء إلا للتائبين" (111) .



ويفهم من كلام السالمي أن هناك شفعاء بعد الرسول عليه السلام حيث يقول:" وغنما خص شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم (112) بالذكر دون شفاعة غيره لن من لم تنفعه شفاعته لم تنفعه شفاعة غيره بطريق الأولى (113) .

فالشفاعة حينئذ حسب الإباضية تكرم يمن به الله تعالى على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ثم على الملائكة والأنبياء والصالحين من المؤمنين وليس معنى ذلك كما ذكرنا أن الشفاعة تبدل إرادة الله الأزلية بل هي مطابقة لما سطر في الأزل (114) .


هؤلاء هم أصناف الشفعاء فهل تكون شفاعتهم مطلقة؟ وإن لم تكن مطلقة فما هي حدودها؟



حدود شفاعة الشافعين:


لقد بينا الاختلاف في ضبط حدودها بالنسبة إلى المشفوع لهم، وبقي أن نثبت حدودها بالنسبة الى المشفوع عنده وهو الله تبارك وتعالى .

يختلف أمر الشفاعة اختلافا جوهريا بين الدنيا والآخرة فغن كانت الشفاعة لدى العظماء في الدنيا تكون بدون إذن منهم وبدون علم لديهم وقد تقلب مجرى الحقائق فالعادل يقبل الشفاعة لثبوت خطئه والظالم يقبلها لإرضاء الشفيع ولو كان ذلك على حساب المحكوم عليه، فهي عند الله أرفع وأسمى ولن تكون إلا بإذن الله تعالى ولمن ارتضاه تعالى ورفع مقامه. قال عز وجل : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ، (2 البقرة 255) . وقال : ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، (10 يونس 3) . وقال : يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ، (20 طه109) . وقال : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ، (34 سبأ23).

وقال يوسف المصعبي في تفسير آية البقرة : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه : أي لا حد يشفع. قال في الكشاف : من ذا الذي يشفع عنده . بيان لملوكته وكبريائه وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذ أذن له في الكلام كقوله : لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ، (78 النبأ38) . (115)

ويقول محمد اطفيش:" الاستفهام إنكاري فهو نفي بدليل إلا أي انتفى لعظم شأنه تعالى وكبريائه أن يخلص أحدا غيره منه تعالى بتوسل وخضوع إليه فكيف يخلصه عنادا أو محاربة إلا بأن يأذن له بالشفاعة...الآية مخبرة أنه لا شفاعة لأحد عنده إلا بإذنه وإنما يشفع الأنبياء والمؤمنون.

( وعنده) متعلق بشفيع أو بمحذوف حال من ضمير يشفع والمعنى على الأول: من ذا الذي يوقع عنده الشفاعة وعلى الثاني من ذا الذي يشفع حال كونه قريبا إليه تعالى عن النسب، وقرب المسافة وهذا أقوى فإنه إ ذا كان لا يشفع أحد عنده بأمر من الأمور إلا بإذنه أو بمحذوف حال من المستتر فيه أي لا يشفع في حال إلا ثابتا بإذن الله" (116) .

واضح من خلال هذه التحاليل أن الفرق الإسلامية متفقة على أن شفاعة الشافعين لا تتم إلا بإذن الله إلا أن دائرة هؤلاء تضيق وتتسع حسب منطلق أهل الإثبات وأهل الإنكار ويبدوا أن أحسن ما قيل في هذا الباب هو قول محمد عبده بأن إذنه غير معروف (117) .

وفعلا فإن تحديد هذا الإذن يعتبر ضربا من التطاول على الغيب يحسن بالمسلمين أن يتساموا عنه الحقيقة أن الأمر لله من بعد ومن قبل ويتجلى ذلك يوم القيامة في قوله عز من قائل : والأمر يومئذ لله ، (82 الانفطار19).

يبدو بعد هذه التأملات أنه لم يبق إلا أن نختم الحديث عن الشفاعة وذلك بعرض مواقف العلماء من صلتها بأصول الدين.

أما المصادر الإباضية فتعتبر أن صلتها بعلم أصول الدين وثيقة فالجيطالي مثلا يقول:" إنها حق فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن" (118) ويميز السالمي بين المتأول فيعتبره كافرا كفر نعمة وبين غير المتأول فيعتبره مشركا (119) .

وهذا موقف متأصل عند الإباضية يرجع إلى إمامهم جابر بن زيد حيث كان يحلف انه ما لأهل الكبائر شفاعة لأن الله قد أوعدهم النار في كتابه (120) وما يزال مستمرا إلى يومنا هذا.

ومهما يكن من أمر فإننا نتفق مع جواد مغنية في أن أحسن شفيع للإنسان إنما هو عمله وبه يكون من أولياء الله والملائكة والرسل والأنبياء والحقيقة أن الشافع الحق إنما هو الله رب العالمين، إذ يقول عز من قائل : الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ، (32 السجدة4) (121) . كما يقول : قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ، (39 الزمر44) (122) . فالله حينئذ هو " مالك إجابة شفاعة الشفعاء الحق" (123) .

والحقيقة فإن قضية الشفاعة تبقى وثيقة الصلة بالوعد والوعيد وقضية الخلود، ولنجمع الحديث عن البعد الحضاري للكل في آخر المطاف ولعله يحسن الآن أن نقف عند قضية متفرغة عن موضوع الخلود وهي هل أن الجنة والنار مخلوقتان الآن أم لم تخلقا بعد؟ وهل هما فانيتان في النهاية أم لا؟

وجود الجنة والنار الآن وفناؤهما


قبل أن نعرض موقف الإباضية من الخلود في الجنة والنار يحسن أن نشير إلى قضيتين أثيرتا على هامش قضية الخلود وهما: هل الجنة والنار موجودتان الآن، وهل ستفنيان؟



1) قضية وجود الجنة والنار الآن (1)

إن الفرق الإسلامية تجاذبت النصوص التي تثير هذه القضية وقد كان للإباضية نصيب في هذا التجاذب.

والحقيقة أن الموقف من القضية يمكن أن يكون بالإيجاب أو السلب أو الوقوف. وقد قال بالوقوف خميس الرستاقي :" ونحن نقول : عن الجنة والنار حق ونؤمن بذلك، ونرد علم ذلك إلى الله تعالى وهو العالم بجميع خلقه" (2) .



أ) القائلون بأن الجنة والنار قد خلقتا بعد:

يقول السالمي:" ذهب جمهورنا (الإباضية ) والأشاعرة (3) وبعض المعتزلة (4) إلى أنهما موجودان" (5) .

وتتلخص حجج هؤلاء كما جاءت عند ابن محبوب وعثمان السوفي (6) وعمر التلاتي (7) ويوسف المصعبي (8) والسالمي (9) ومحمد اطفيش (10) كما يلي:" الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن لقصة آدم وحواء في الجنة وإخراجهما وكذا النار إذ لا قائل بالفرق لقوله تعالى : أعدت للمتقين ، (3 آل عمران133) . وقوله : أعدت للكافرين ، (2 البقرة 24) . وقوله : ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ، (53 النجم 14).

ومن الأحاديث التي يحتج بها هؤلاء ما جاء عنه عليه السلام " أن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش" (11) . وقوله:" الجنة مخلوقة وهي في السماء والنار مخلوقة وهي في الأرض" (12) . (13) وقوله صلى الله عليه وسلم : " اطلعت على الجنة فوجدت أقل أهلها الأغنياء والنساء، وأطلعت على النار فوجدت أكثر أهلها الأغنياء والنساء" (14) ولا يطلع إلا على شيء قد خلق وفرغ منه (15) .


ب) القائلون بعدم الوجود الآن:

إن كانت تلك حجج المثبتين فالمنكرون (16) لم يقبلوا هذه الحجج وأقواها قصة آدم عليه السلام فقالوا في شأنها:" آدم كان رجلا في الجنة أي بستان له على ربوة أي محل مرتفع، فعصى ربع فأنزله لبطن الوادي" (17) .

وهؤلاء يرون أنهما يخلقان ليوم الجزاء إذ لا حاجة إلى وجودهما الآن ومن أدلتهم:

" قوله تعالى: أكلها دائم ، (13 الرعد 35) . بمعنى مأكولها دائم أي لا ينقطع مع قوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، (55 الرحمن 27) . فلو كانت الجنة مخلوقة الآن لزم فناؤها وهلاكها فلا تكون دائمة والنار مثلها إذ لا قائل بالفرق.

وقوله تعالى : وجنة عرضها السماوات والأرض ، (3 آل عمران 133) . فلو كانتا موجودتين للزم تداخل الأجسام لأن الآية صريحة في أن عرض الجنة هو عرض السماوات والأرض" (18) .

ويقول أبو هاشم في باب الاستدلال العقلي:" لو وجدنا فلا تكونان إلا في عالم الأفلاك أو العناصر أو في عالم آخر" (19) .


ج)الرد على القائلين بعدم الوجود الآن:

وقد تصدى القائلون بوجودهما لهذه الحجج فبينوا أنه لا حاجة إلى تأويل قصة آدم وحواء في الجنة، وتأويلها من غير ضرورة إلحاد في الدين (20) .

وأما الجمع بين الدوام والهلاك للوصول إلى أنهما فانيتان فهو من باب التأويل المردود إذ كيف تفنيان بفناء الدنيا وهنالك تبدأ وظيفتهما ويقول السالمي في هذا الصدد:" وأجيب عنه بأن دوام مأكول إنما هو على سبيل البدل بمعنى أنه إذا فني واحد جيء بآخر، أي لا يتصور دوام مأكول واحد بعينه فلا تنافي.

أو نقول: إن فناءهما أن تتفرق أجزاؤهما وتبقى ذواتهما على ما هي عليه فتكونان فانيتين صورة باقيتين ذاتا.

أو نقول: إن كون ذاتيهما قابلتين للفناء كاف في كونهما فانيتين فإن ما أمكن فيه الفناء لذاته فإن على الحقيقة ورفع الفناء عنه فعلا لعارض عرض عليه من خارج لا يدفع ذلك الإمكان الذاتي.

أقول: وهذا هو الجواب لأن الأول والثاني وإن أمكنا فهما يحتاجان إلى دليل يدل على أن ذات الجنة والنار فانية فعلا على الأول وأن صورتهما دون ذاتهما فعلا أيضا على الثاني " (21) .

أما اعتبار العرض دليلا على وجوب التداخل فهذا دليل تمجه البلاغة القرآنية لأن الصورة من أبلغ وجوه التشبيه يعاضدها التشبيه الصريح في الآية الأخرى : كعرض السماء والأرض ، (57 الحديد21).

بقيت الأدلة العقلية الثلاث لقد جاء دحضها كما يلي:



أما الأول: فلأن الأفلاك لا تقبل الخرق والالتئام فلا يخالطها شيء من الكائنات الفاسدات وهو باطل لأن الأفلاك أجسام، وإذا كانت أجساما فلابد لها من صانع وكذا الأعراض فهي قابلة للتغير والله عز وجل يغيرهما.

وأما الثاني: ( في العناصر) فلأنه قول بالتناسخ....

وأما الثالث: ( في عالم آخر) فلأن العالم بسيط... (22)

إن المتأمل في حجج الطرفين يجد أنها تمكن من الاحتمالين إلا أن حجة واحدة ترجح كفة القائلين بوجودهما الآن وهي قصة آدم عليه السلام إذ جاء فيها تأويل المنكرين في منتهى درجات الضعف. وما دام آدم قد سكن الجنة مع زوجته وهبطا منها بعد ذلك ليبتليهما الله في الدنيا فلا سبيل إلى إنكار وجودهما وما جاء من آيات تشير إلى الهلاك يجب أن تتأول للتناسق مع السياق الأسبق فاتضح من خلال ما ذكر أن القول بخلقهما الآن هو الأصح (23) .

ويندرج تحت هذا السياق أيضا التفكير في محلها الآن إن وجدتا ويتفق جمهور الإباضية والأشاعرة (24) على تفضيل الوقوف (25) .



1) قضية فناء الجنة والنار أو دوامهما:

إن المتثبت في المصادر يتبين وجود موقفين متقابلين في هذه القضية وهما:

1- موقف يقول بفنائهما وينسب إلى الجهمية.

2ـ وموقف يقول بعدم الفناء وتلتقي فيه بقية الفرق التي تقول بخلود المشركين فحسب والتي تقول بخلود المشركين والعصاة من المصرين من المسلمين.



ولكل حججه وردوده وقد حوصل تفسير المنار هذه الحجج في ست وملخصها:


1) إجماع الصحابة والتابعين على ذلك والمخالف مبتدع.

2) دلالة القرآن قطعية إذ أخبر سبحانه أن عذاب جهنم مقيم (26) وأنه ( لا يفتر عنهم) (27) (الكفار) وأنهم... لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، (7 الأعراف40).

3) لو خرج الكفار من جهنم لم يختص الخروج بأهل الإيمان ولكانوا بمنزلة واحدة والسنة شاهدة على ذلك.

4) من المعلوم بالضرورة.

5) اتفاق عقائد السلف على ذلك ومن قال بغير ذلك مبتدع.

6)دوام تعذيب الكفار يقضي به العقل كما يقضي به السمع.



إلا أن القائلين يرددون هذه الحجج واحدة وملخصها كما يلي:

1) رفض الإجماع على أساس أن هناك من الصحابة من قال بغير ذلك.

2) النصوص القرآنية تقتضي خلود الكفار فيها ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها.

والفرق كالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتفاضه.

3) نصوص السنة مثل القرآن : نفس الرد.

4) ليس من المعلوم بالضرورة سوى خلود المشركين ما دامت باقية.

5) التمييز بين الجنة والنار فالاتفاق على الإفناء للجنة أما النار فلا .

6)لا دخل للعقل في هذه المسألة (28) .



تلك وجوه الاحتجاج كما نقلها صاحب المنار عن الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي فما هو موقف الإباضية في هذا المعترك؟

الحقيقة أن الإباضية يقبلون حجج القائلين بالدوام لكنهم يضيفون إليها خلود المصرين على العصيان من المسلمين وبالتالي يردون الوجه الثلث من وجوه احتجاج القائلين بالدوام.

وقد جاءت نصوص العقيدة مصرحة بعدم فناء الجنة والنار معا فمن ذلك قول أبي الربيع سليمان بن يخلف" وندين بأن الجنة والنار لا انقضاء لهما ولا غاية لدوامهما" (29)
.

ومن ذلك قوله عامر الشماخي:" وندين بان الجنة والنار دائمتان لا يفنيان" (30) .

ومن ذلك شرح التلاتي لقول عامر الشماخي " دائمتان " " باقيتان" "مستمرتان" لا يفنيان: أي لا يذهبان ولا يزولان (31) وكذلك يقول السالمي (32) .

ومما نقله صاحب قاموس الشريعة عن شرح النونية في الرد على القائلين بالفناء:" وأما الجهمية فالحجة عليهم قول الله تعالى في وصف الجنة : أكلها دائم ، (13 الرعد35) . وقوله : لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ، (15 الحجر 48) . وقوله : خالدين فيها ، (2 البقرة 162 ـ3 آل عمران 15) . وفي أمثالها من القرآن (33) ".

واضح أن القضية لم تقع الإشارة إليها إلا عرضا في نصوص القرون المعنية بالدرس ولكن مدار النقاش حول خلود أهل الكبائر غير التائبين أو عدم خلودهم وذلك لأن الإباضية يعيشون في محيط أشعري يرميهم بالابتداع في هذا الشأن وهم يحاولون الدفاع عن موقفهم والتمسك بأقوال سلفهم.

ثم إلى جانب هذا تثير كتب أصول الدين قضية وثيقة الصلة بالوعيد والخلود واصطلح على تسميتها بالورود انطلاقا من استعمال مشتقات هذه الصيغة في عديد من الآيات.


ورود النار:

جاء في لسان العرب عن ابن سيده: ورد الماء وغيره وردا وورودا وورد عليه: أشرف عليه، دخله أو لم يدخله وعن الجوهري: ورد فلان ورودا: حضر.

هذا ما جاء تقريبا من المعاني اللغوية إلا أن ابن منظور توغل في التفسير العقائدي أكثر من الشرح اللغوي (34) .

واضح من الروايات التي نقلها ابن منظور أن ابن إسحاق تحمس للقائلين بأن الورود لا يعني الدخول فلنتبين حجج هؤلاء وأولئك. وما هذا الاحتجاج إلا ضرب من التأمل في النصوص القرآنية وتفسير بعضها ببعض ليعزز كل من الطرفين الموقف الذي يتناسق مع الوجهة العامة لتفكيره.



1) حجج القائلين بان الورود يفيد الدخول:

جاء في التفسير الكبير:" القول الثاني: عن الورود هو الدخول ويدل عليه الآية والخبر.

أما الآية فيقول تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ، (21 الأنبياء98) . وقال : فاوردهم النار وبئس الورد المورود ، (11 هود 98) . ويدل عليه قوله تعالى : أولئك عنها مبعدون ، (21 الأنبياء101)

والمبعد هو الذي لولا التبعيد لكان قريبا فهذا غنما يحصل لو كانوا في النار ثم أنه تعالى يبعدهم عنها ويدل عليه قوله تعالى : ونذر الظالمين فيها جثيا ، (19 مريم72) . وهذا يدل على انهم يبقون في ذلك الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار فلابد وأن يكونوا قد دخلوا النار.

أما الخبر فهو أن عبدالله بن رواحة (35)

قال: أخبر الله عن الورود ولم يخبر بالصدور، فقال عليه السلام:" يا ابن رواحة . اقرأ ما بعدها ثم ننجي الذين اتقوا (36) وذلك يدل على ابن رواحة فهم من الورود الدخول والنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه في ذلك.

وعن جابر (37) انه سئل عن هذه الآية فقال:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما حتى إن للناس ضجيجا من بردها (38) " (39) .

ثم يورد تأويلات القائلين بهذا القول ومفادها أنه دخول بغير خوف ولا ضرر أو أن يخمد الله النار عند عبورهم أو أن يغير طبع النار كما كان في حق إبراهيم عليه السلام (40) .



1) حجج من اعتبروا أن الورود ليس بمعنى الدخول:

يقول القاضي عبد الجبار:" وربما قيل في قوله تعالى : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ، (19 مريم 71) بعد ذكر جهنم أليس يدل ذلك على أن كل من يحشر يرد النار فكيف يصح ذلك في أهل الثواب؟

وجوابنا أنه بمعنى الوقوع فيها كقوله تعالى في قصة موسى : ولما ورد ماء مدين ، (28 القصص 23) . وهذه طريقة العرب في الورود بمعنى القرب ولذلك قال بعده ثم ننجي الذين اتقوا ، (19 مريم 72) . لأنهم إذا قربوا سلك بأهل الثواب مسلك الجنة وأدخل أهل العقاب النار ولا بد أن يتأول على ما ذكرناه فإنه تعالى يبين أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومن هذه حالته لا يجوز أن يلقى في النار ويظن به ذلك وبين تعالى بعده بقوله : ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ، (19 مريم 76) . أنه عز وجل يخص المهتدي بألطاف من حيث آمن واهتدى وأن ذلك يؤديه إلى الباقيات الصالحات وذكر قبله قل من كان في الضلالة فليمدد لـه الرحمن مدا ، (19 مريم 75) . أنه تعالى يبقيهم ليزولوا عن الضلالة ويفعل بالمهتدين الهدى ليثبتوا على الإيمان" (41) .

كما يذكر الفائدة من هذا الدنو فيقول:" غنما أراد تعالى بذلك أن المؤمنين إذا قربوا منها وعاينوها وعلموا أن المخلص لهم منها ما فعلوه ن الطاعات في ما سلف وأن

أعداءهم يقعون فيها لأجل معاصيهم السابقة عظم عند ذلك سرورهم فيكون ذلك زائدا في سرورهم فيكون ذلك زائدا في سرورهم ونعيمهم" (42)

كما يقول:" ولو لم يحمل على ما قلناه لوجب أن يقال في الأنبياء والمؤمنين إن الله يدخلهم النار وليس ذلك بمذهب لأحد ولو كان فيه خلاف لم يمتنع أن يقال : إنهم يردون النار ويجنبهم تعالى الضرر فيها كما نقوله في الملائكة الموكلة بالعذاب" (43) .

وقد سلك الإباضية نفس المسلك وفي ذلك يقول يوسف المصعبي بعد أن أورد أقوال القائلين بالدخول:" الورود عندنا محمول على ورود النظر دون الدخول قالوا ولا يلزم الدخول بدليل قوله تعالى في حق موسى عليه السلام : ولما ورد ماء مدين ، (28 القصص 23) . فإنه من المعلوم أنه لم يدخله واستدل أصحابنا على ذلك بقوله تعالى : لا يمسهم السوء ، (3 آل عمران 174) . وبقوله : أولئك عنها مبعدون ، ( 21 الأنبياء101) بعدها (44) ".

إن احتجاج هؤلاء وأولئك أثبت أن اللغة- وهي أساس الفهم- آزرت الذين اعتبروا أن الورود هو الدنو والقرب والوصول ولذلك التجأ الطرف الثاني إلى عديد من التأويلات فقد بين الطاهر ابن عاشور (45) - هو من هؤلاء أقرب- أنها غير مستساغة وبين بوضوح ألا اعتداد بما ذكره الرازي من فوائد تنجز للداخلين بشكل من الأشكال" (46) .



الصراط:

كنا أشرنا إلى حقيقة الصراط عند استلال الإباضية على عدم جواز تعذيب الموفين يوم القيامة (47) وقد وضح تبغورين موقف الإباضية بقوله " الصراط المستقيم دين الله القيم الذي افترض الله على عباده والعدل الذي أنزله وهو دقيق لا يوافق الهوى ولا الشهوات" (48) .

واكتفى صاحب النونية بالإشارة إلى هذا الموقف من الصراط حيث قال: (طويل)

فـأمــا الـصــراط المستـقـيـم فـديـنـه***صــراط طـريـق واضـــح عـــن تـبـيـن
فـهـذا طـريـق بــان مــن دار مسـلـم***إلى دار خلد مستقر ذوي الأمن (49)

إلا أن إسماعيل الجيطالي يقول:" والذي عندي- والله أعلم- أن الصراط المذكور في القرآن على وجهين: أحدهما طريق الإسلام كما قدمنا. والثاني أنه الجسر الموضوع

على متن جهنم المرتب عليه القناطر السبع التي هي مراصد ومجالس للعباد حتى يسألوا عن السبع السؤالات المشهورة (50) هذا مشهور في كتب أصحابنا ويدل على هذا قوله تعالى : فاهدوهم الى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون ، (37 الصافات 23) . إذ يستحيل حمل الصراط المذكور هاهنا على طريق الاسلام والله أعلم، فهذا ممكن في العقل لأنه ليس فيه ما يحيله ولا في الشرع ما يبطله فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط والله أعلم بكيفيته" (51) .

أما في الشرح النونية فلم يذكر إلا الموقف الأول وهو المعنى المجازي " وقال أصحابنا رحمهم الله في الصراط ما قاله الناظم فيه من أنه دينه عز وجل الذي هو الطريق المستقيم المؤدي الى دار النعيم ويوصف بالرقة والحدة على المجاز باعتبار الهلاك المعتري للإنسان بأقل حركة منه على خلافه" (52) .

ويحوصل السالمي مبينا أسماء من ذهب من الإباضية الى الجمع بين الموقفين فيقول: فقد ذهب مثل ما ذهبوا ( الأشاعرة) إليه بعض أصحابنا منهم الشيخ هود بن محكم وأبو القاسم البرادي والشيخ إسماعيل في القناطر وقطب الأئمة في الهيميان وجامع الشمل" (53) .

ويقرر السالمي أن المسألة ليسن من باب الدين ويذكر بعض الآيات استدل بها من اعتبروا الصراط جسرا منها قوله تعالى : فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ، (36 يس66) . وقوله تعالى : فاهدوهم الى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون ، (37 الصافات 23) . وقوله تعالى : أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ، (67 الملك 22).

ويبين أنه أجيب بان الصراط في الآيات بمعنى الطريق ولا دلالة فيهما على الجسر المذكور.

كما يذكر أنهم استدلوا على ثبوت الجسرية بالأحاديث المروية وأجيب أنها أحاديث أحادية لا توجب الأمور الاعتقادية والذي يظهر لي إبقاء الأحاديث على أصلها من غير تعرض لردها على راويها وتفويض أمره إلى الله فمن صدقها من غير قطع بكفر من خالفه فيها فقد أحسن ظنه بالراوي ولا بأس عليه إن شاء الله (54) .

والحقيقة أن المتأمل في ورود هذه الكلمة في القرآن الكريم يتبين أنها يغلب عليها مفهوم الدين وطريق الهداية في ما عدا الآيات المذكورة آنفا والتي استشهد بها القائلون على أن الصراط جسر على جهنم فهي توحي بذلك إلا أن تتأول عن طريق المجاز لتواكب بقية الآيات.

وهنا تعترضنا الأحاديث في هذا الشأن وهي ثروة عقائدية في حاجة إلى أن تمحص أكثر عن طريق المقارنة المدققة بين مواقف مختلف الفرق الإسلامية.

والمهم أن القضية تبقى تبعية تامة لقضيتي الوعد والوعيد والخلود من حيث البعد الحضاري والتأثير في الواقع الاجتماعي ولذلك ذكر السالمي أنها ليست من قضايا أصول الدين الأساسية فالقائلون بإنفاذ الوعيد والخلود يغلب عليهم تفسير الصراط بالمنهج الإسلامي الموصل إلى النجاة والقائلون يطهر بخلف الوعيد وعدم الخلود رجحوا تفسير الصراط بالجسر عسى أن يطهر المسلم من ذنوبه مع الإقامة المؤقتة في الجحيم قبل أن يستقر نهائيا في الجنة.

وتبقى في النهاية أسرار يوم القيامة من علم الغيب الذي استأثر به المولى تعالى وأولى بالمؤمن أن يختار المواقف الأكثر احترازا ليكون من الناجين فيسلك مسلك الدين باعتباره المسلك الأقوم.

قال تعالى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، (17 الإسراء 9) . فإن وجد الجسر بجميع مواصفاته المبالغ في وصفها يكن من العابرين بسلام.

وبالوقوف عند قضية الصراط نكون قد استوفينا المواضيع التي جاءت على هامش القضيتين الأم وهما الوعد والوعيد والخلود ولم يبق إلا أن نقتحم معركة القائلين بالخلود في النار والقائلين بعدمه والجدل فيها يشتد ويحتدم لن القضية قضية مصير أبدي وهي في الحقيقة محور حياة الإنسان.

قضية الخلود أو عدمه


جاء في لسان العرب: الخلد: دوام البقاء في دار لا يخرج منها خالد يخلد خلدا وخلودا بقي وأقام. ودار الخلد: الآخرة لبقاء أهلها فيها، وخلده الله وأخلده تخليدا، وقد أخلد الله أهل دار الخلد فيها وخلدهم وأهل الجنة خالدون مخلدون آخر الأبد (1) .

إن كانت اللغة بينت أن الخلود دوام البقاء (2) فإن أهل التفسير وجدوا من الشواهد في النصوص ما يحول اللفظة عن معناها فكان هذا مصدر اختلاف كبير في اتخاذ مواقف متضاربة متناقضة.

ومعلوم أن القرآن الكريم يشير إلى أن القضية طرحت عند اليهود وقد تدرعوا بأنهم شعب الله المختار وأنهم أحباؤه فلذلك اعتقدوا أن النار لا يمكن أن تمسهم إلا أياما معدودة إلا أن القرآن رد عليهم وبكتهم واتخذت الآيتان الواردتان في القضية منطلقا للنقاش بين الفرق الإسلامية وخصصها أغلبهم باليهود (3) .

كما أن الاختلاف الذي قام بين الفرق الإسلامية في شأن الأسماء (4) كان له تأثير بالغ في تقرير مصائر الناس، ذاك أن كلا يفهم النص حسب تحديده الاصطلاحي ولهذا تكثر عبارة " وهذا الوجه اللائق على أصولنا" (5) .

فلا سبيل إلى التوفيق مثلا بين من يعتبر أن الإيمان مجرد اعتقاد بالقلب، وبين من يعتبر أن العمل جزء لا يتجزأ منه.

والواضح في القضية أن الاختلاف لم يكن في شأن الخلود في الجنة كما لم يكن من قبل في شأن الوعد ذاك لأن الجنة كل يشتاق إليها ولم يقل واحد في شأنها بالمكث الطويل وإنما جاء الخلاف حادا عنيفا في شأن الخلود في النار وعدمه.

ورغم مساس القضية بالغيبيات نجد من هون من شأنها على أساس أنها ليست من الإلهيات ولا من الرساليات كما يشير إلى ذلك محمد اطفيش بقوله:" عن خلود الموحد

وعدمه ليس من الأصول التي يكون بها تفسيق معتقد أحدهما" (6) والجلال الدواني حيث يقول بعد حديث عن الصفات:" والحال انه لا حرج على من قال فيها بخلاف الصواب فأحرى أن يكون ذلك في ما ليس من الإلهيات ولا من الرساليات كمسألة الخلود" (7) .

لكن إلى جانب هذا نجد من اعتبر أنها من القضايا العقائدية الأساسية فهذا رشيد رضا يقول:" فإن هذه المسألة قديمة، وهي اكبر مشكلات الدين" (8) وكذلك جواد مغنية فإنه يقول أثناء حديثه عن هذه القضية:" ونحن نتكلم في الأمور العقائدية القطعية لا في المسائل الفرعية الظنية" (9) وكذلك أحمد الخليلي في تعليقه على كتاب المشارق يقول:" مسألة الخلود في النار من مسائل الاعتقاد المهمة" (10) .

وكذلك محمد علي ناصر الجعفري يقول:" وليعلم أن عقد القلب المعتبر في أصول الدين إنما هو بالنسبة إلى الآثار الأخروية كالتخلص من الخلود في النار" (11) .

وكذلك يقول الرازي:" واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل" (12) .

والراجح أنها من القضايا العقائدية الأساسية لأن كل حياة الإنسان مرتبطة بمصيره واعتقاد الخلود وعدمه يجول مجرى حياة الإنسان تحويلا جذريا ولولا تصور عالم الجزاء لما استقام الدين بما فيه من عقيدة وشريعة.

والمتأمل في النصوص الإسلامية قرآنا وسنة يتبين أنها خصصت الجانب الأوفى منها للتعريف بعالم الجزاء ولا تكاد تخلو سورة تقريبا من التذكير بالدار الآخرة وعدا أو وعيدا.

وانطلاقا من هذه النصوص التي جاء فيها ذكر الخلود مرات مشفوعا بالتأبيد ومرات غير مشفوع به، ومرات صريحا للمشركين ومرات صريحا للعصاة من أهل الصلاة كان الخلاف بين الأصوليين فما هي أبرز المواقف في هذه القضية وما هي مكانة الإباضية منها؟ وما هي الحجج المعتمدة نقلا وعقلا عن صح للعقل أن يحكم؟ وما هي الأبعاد الحضارية لهذه المواقف؟



مختلف المواقف من قضية الخلود:

لقد لخصها السالمي في خمسة حيث يقول:" والناس فيه على مذاهب: أحدها: وهو قول الأشعرية: إن أهل الشرك مخلدون في النار وأهل الكبائر مما عدا الشرك إما أن يعفى عنهم فلا يدخلونها وإما أن يعذبوا بقدر أعمالهم ثم يخرجون منها.


المذهب الثاني: عن أهل النار مشركهم وفاسقهم غير مخلدين فيها، ونسب هذا إلى طائفة خرجت عن الإسلام.

المذهب الثالث: إن أهل الكبائر غير معذبين قطعا وإنما العذاب لأهل الشرك خاصة ونسب هذا إلى مقاتل وبعض المفسرين.

المذهب الرابع: إن الجنة والنار فانيان بعد دخول أهل كل واحد منهما فيها، ونسب هذا القول إلى جهم بن صفوان.

المذهب الخامس: وهو مذهب أهل الاستقامة والمعتزلة: إن أهل الكفر من معاصي الله كانوا مشركين أو فاسقين مخلدون في النار دائما، لكن أهل الاستقامة يقولون:" إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله، والمعتزلة يقولون بوجوب (13) ذلك عليه تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين" (14) .

والمتأمل في كتب الأصول يلمس أن الصراع بقي على أشده بين أصحاب الموقف الأول (15) وأصحاب الموقف الخامس (16) .

والملاحظ أيضا أنه يصعب الوقوف عند كل النصوص القرآنية التي تجاذبها الطرفان ولذلك سننتخب منها ما نرى أنه أكثر تعبيرا عن القضية إذ كل ما استشهد به يمس الموضوع من قريب أو من بعيد. وسنسلك في هذه المرة مسلك عرض حجج الطرفين في نفس الوقت لنلخص إلى الاستنتاجات العامة بعد ذلك ومنهجنا يقوم على عنصرين أساسيين:

1) القرآن الكريم ودحضه ادعاء اليهود.
2) القرآن الكريم وقضية الخلود عامة.


- الأدلة من القرآن الكريم :


1) القرآن الكريم يدحض ادعاء اليهود:

قال تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، (2 البقرة 80 ـ 81) .

وقال تعالى : ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون * فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ، (3 آل عمران 24 ـ 25)

نحن أمام سياقين قرآنيين يتكرر فيهما ادعاء اليهود أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة مع اختلاف جزئي في الجمع والإفراد، والحقيقة أن هذا الاختلاف لا يغير المعنى في شيء (17) إذ سواء أكانت الأيام قليلة أو كثيرة المهم في الخروج من النار كما أن جل المفسرين يتعرضون لسياق سورة آل عمران عند تحليل السياق الأول ويكتفون بالإحالة على ما سبق عند تفسير السياق الثاني (18) وتتمثل مواطن الاختلاف- وهي أساس البحث- في ما يلي:

أ- تحديد السيئة والخطيئة وإحاطتها.

ب- هل يشمل الخلود أهل الكبائر أم هو خاص بأهل الكتاب.

ج- الخلود بقاء مؤبد أم مكث مؤقت.



أ) تحديد السيئة وإحاطة الخطيئة:

- السيئة عند منكري الخلود لأهل الكبائر:

قال ابن عباس:" من كسب سيئة أي أشرك بالله وأحاطت به خطيئته أوبئة شركه أي مات عليه" (19) .

ويورد محمد عبده ما يلي:" وخصها مفسرنا (الجلال) وبعض المفسرين بالشرك" (20) .

أما الرازي فلم يذهب إلى أنها تعني الشرك حيث قال:" أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي قال تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها ، (42 الشورى 40) . من يعمل سوء يجز به ، (4 النساء 123) . (21)

وأما القرطبي فلم يشر إلى تفسير الكلمة تماما (22) .

وأما أبو السعود فيقول:" من كسب سيئة فاحشة من السيئات أي كبيرة من الكبائر كدأب هؤلاء الكفرة" (23) .

وأما جواد مغنية فيقول:" السيئة تعم الشرك وغيره من الذنوب ولكن المراد منها هنا خصوص الشرك بقرينه قوله تعالى : فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . قال صاحب مجمع البيان إن إرادة الشرك من السيئة يوافق مذهبنا أي مذهب الامامية" (24) .

ويقول ابن عاشور:" والمراد بالسيئة هنا السيئة العظيمة وهي الكفر بدليل العطف عليه بقوله: ( وأحاطت به خطيئته) (25) .

- السيئة عند مثبتي الخلود لأهل الكبائر:

يقول الزمخشري :" ( من كسب سيئة) من السيئات يعني كبيرة من الكبائر" (26) .

يقول أبو مهدي:" ( من كسب سيئة) وهي الشرك في ما وجدنا في التفسير" (27) .

ويقول يوسف المصعبي:" وما ذكره الكشاف هو الموافق لما عليه أصحابنا رحمهم الله كما هو معلوم" (28) .

ويكتفي البرادي بقوله:" حقيقة السيئة ما أساء فيه المرء إلى نفسه" (29) .

ويقول محمد اطفيش :" سيئة خصلة قبيحة وهي الذنب الكبير، سواء كانا نفاقا أو شركا ومن الذنوب الكبيرة الإصرار فإنه نفسه كبيرة سواء على الصغيرة أو الكبيرة لقوله تعالى : فأولئك أصحاب النار . ويحتمل وجه آخر وهو أن السيئة ذنب صغير أو كبير...

ثم يناقش قول من قال: إن السيئة هنا بمعنى الشرك فيقول: وإن قلت روى قومنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السيئة هنا الشرك وكذا قال الشيخ هود رحمه الله إنها الشرك قلت: ما ذكرته أولى مما ذكراه فإن لفظ السيئة عام وحمله على العموم أولى إذ تلك تفسير منهما، لا حديث ولا سيما أنهما وقومنا يعترفون بأن الكبيرة تدخل فاعلها النار، ولم يحصروا دخولها على الشرك ومعترفون بان لفظ الخلود يطلق على المكث الكبير سواء كان أبديا أو غير أبدي وادعاء أن الخلود في الموحدين بمعنى المكث الطويل وفي المشرك بمعنى المكث الدائم استعمال للكلمة في حقيقتها ومجازها وهو ضعيف وأيضا ذكر إحاطة الخطيئات ولو ناسب الشرك كغيره لكنه أنسب بغيره لأن الشرك أقوى" (30) .

وقال محمد عبده:" للسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرنا (الجلال) وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا الوعيد لما كان لقوله : وأحاطت به خطيئته . معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق الوعيد لذاته كيفما كان" (31) .


- الخطيئة عند منكري الخلود لأهل الكبائر:

أما عن الخطيئة فقد قرأت بصيغة الإفراد والجمع " خطيئاته" وجاء تفسيرها متأثرا بتفسير السيئة فيقول فيها منكرو الخلود ما يلي:

لقد ذكرنا أن ابن عباس اعتبر الخطيئة أوبئة الشرك الذي يموت عليه صاحبه (32) .

وأما الرازي فيفهم من كلامه أنه يعتبر الخطيئة مرادفة للسيئة فيقول:" ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك هاهنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة".

ثم بعد أن يبين لم حمل السيئة على الكبيرة يقول:" فكأنه تعالى يقول بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (33) .

وأما البيضاوي فيحملها على الكفر بسبب الإحاطة فيقول:" ولذلك فسرها السلف بالكفر" (34) .

وأما أبو السعود فينقل عدة روايات في فهم الخطيئة حيث يقول:…." فسرها السلف بالكفرة" (35) .

وقيل السيئة الكفر والخطيئة الكبيرة وقيل العكس وقيل الفرق بينهما أن الأولى قد تطلق على ما يقصد بالذات والثانية تغلب على ما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ " (36) وأما كل من القرطبي (37) ومغنية (38) فلم يقفا عند كلمة خطيئة.

وأما ابن عاشور فيتوسع في التحليل فيقول:" وقوله وأحاطت به خطيئاته " الخطيئة اسم لما يقترفه الإنسان من الجرائم وهي فعلية بمعنى مفعولة من خطى إذا أساء والإحاطة مستعارة لعدم الخلو عن الشيء لأن ما يحيط بالمرء لا يترك لـه منفذا للإقبال على غير ذلك، قال تعالى : وظنوا أنهم أحيط بهم ، (10 يونس22) . وإحاطة الخطيئات هي حالة الكفر لأنها تجري على جميع الخطايا ولا يعتبر مع الكفر عمل صالح...." (39)

تلك هي مواقف المنكرين والملاحظ أنه وقع الإلحاح على الإحاطة أكثر من الإطالة في تفسير الخطيئة على أنه ورد فيها القول وعكسه بالنسبة إلى السيئة فواضح إذن أن السطح متموج، وكل يجذب المفاهيم من طرف لتعزيز موقفه.


- الخطيئة عند مثبتي الخلود لأهل الكبائر:

أما الزمخشري فيقول:" وقيل في الإحاطة كان ذنبه أغلب من طاعته وسأل رجل الحسن عن الخطيئة فقال: سبحان الله ألا أراك ذا لحية وما تدري ما الخطيئة؟ انظر في المصحف فكل آية نهى فيها الله عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة" (40) .

وينقل يوسف المصعبي نفس النص (41) .

أما أبو مهدي فيقول:" وأحاطت به خطيئاته وهي الكبائر في ما وجدنا أيضا" (42) ولم يتعرض البرادي لتعريف الخطيئة (43) .

أما محمد اطفيش فيقول:" ربطته وأوجبت له دخول النار فصار لا خلاص له منها كمن أحاط به العدو أو الحريق أو حائط السجن وذلك بان مات غير تائب وقيل معنى الإحاطة أن ذنبه أغلب من طاعته ومن مشارقة أصحابنا من يقول ذلك.

شبه الخطيئات بنحو الحائط الدائر في مضرة على شيء وأحاطت رمزا وشبه إيباق خطيئاته له إلى النار وقصرها إياها على النار بدوران الشيء الضار على شيء....

والخطيئة في قراءة الإفراد يحتمل أن تكون هي السيئة المذكورة أولا ويحتمل أن يراد به الجنس كما صرحت به قراءة الجمع....

ثم يورد أن السيئة ما يقصد بالذات والخطيئة ما يكون عرضا ويضرب لذلك أمثلة كما يورد جواب الحسن إلا انه يرد فيه بالتعليق التالي:" وهذا الذي قال إنما هو في القرآن وليس متعينا في جميعه أيضا وأما في غيره فالخطيئة تحتمل الصغيرة وكذا السيئة والذنب والمعصية والله أعلم " (44) .

أما محمد عبده فيقول:" ومعنى إحاطة الخطيئةهو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحاسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجا منها يرى نفسه حرا مطلقا وهو أسير الشهوات وسجين الموبقات ورهين الظلمات؟ وغنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب والتمادي على الإصرار قال تعالى : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ، (83 المطففين14) . أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة يكسبون معنى الاسترسال والاستمرار وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبق منفذ للنور يدخل إليها منه. ثم أورد حديثا يؤازر موقفه وختم بقوله: لمثل هذا كان السلف يقولون:" المعاصي بريد الكفر" (45) .

من خلال ما ذكر من تفسير السيئة وإحاطة الخطيئة (46) نتبين أنه سال مداد كثير نتيجة تأملات العقول وكل ذلك إما لتيسير الأمر على أهل الكبائر المصرين لما في قلوبهم من إيمان أو لحشر هؤلاء مع المشركين في نار جهنم خالدين فيها أبدا. فالسيئة والخطيئة تتأرجحان بين الشرك والكبيرة والصغيرة واللغة تحتمل ذلك وإن كان الشرك مستبعدا ولذلك ناقشه حتى من باب التعسف والتسلط على اللغة. أما عن الإحاطة فهذا يعتبر ألا إحاطة إلا بالشرك والآخر يلح على أن الذنوب هي الأخرى تحجب القلب وتطمس ما تسرب إليه من نور الإيمان.

والذي يقلبه العقل ولا تلفظه اللغة أن السيئة وإحاطة الخطيئة أو الخطيئات إنما هي المعاصي مهما كان نوعها ولذلك يترجح أن الخلود شامل للمشركين وللعصاة المصرين الذين ماتوا دون أن يتوبوا وجاهروا خالقهم بما نهاهم عنه رغم البشير والنذير فهؤلاء وغن آمنوا فإنهم لم ينتفعوا بإيمانهم في الدنيا فكيف يمكن أن ينتفعوا به في الآخرة.


أ) هل العبرة بالخصوص أم يمكن التعميم؟

لا شك أن آية تقرير الخلود جاءت في سياق محاجة اليهود الذين يزعمون انهم لا يبقون في النار إلا أياما معدودة والإنكار عليهم لنهم يقولون مالا يعلمون لذلك ذهب بعض إلى أن الخلود خاص باليهود وذهب البعض الآخر إلى إلحاق كل من أحاطت به خطيئاته من جميع الأمم بهم في الخلود.


- موقف المخصصين وحججهم:

إن ما جاء ضمنيا عند القرطبي (47) ومغنية (48) وأشار إليه الرازي عند ردوده على المعتزلة (49) عبر عنه بوضوح كل من أبي السعود وابن عاشور.

أما أبو السعود فيقول:" ...أولائك الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أصحاب النار أي ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما

يستوجبها من الأسباب التي من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ذلك إنما لم يخص الجواب بحالهم بأن يقال مثلا بلى إنهم أصحاب النار الخ، لما في التعميم من التهويل وبيان حالهم بالبرهان والدليل مع ما مر من قصد الإشعار بالتعليل.

هم فيها خالدون دائما أبدا فأني لهم التفصي عنها بعد سبعة أيام أو أربعين يوما كما زعموا فلا حجة في الآية الكريمة على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر " (50) .

أما بان عاشور فقد جاءت صيغة أدق في ربط من كسب بما سبق من السياق حيث يقول:" وقوله بلى إبطال لقولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وكلمات الجواب تدخل على الكلام السابق لا على ما بعدها فمعنى بلى بل أنتم تمسكم النار مدة طويلة.

وقوله : من كسب سيئة سند لما تضمنته بلى من إبطال قولهم أي ما أنتم إلا ممن كسب سيئة الخ ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولائك أصحاب النار فأنتم منهم لا محالة.... فمن في قوله " من كسب سيئة" شرطية بدليل الفاء في جوابها وهي في الشرط من صيغ العموم...

ثم يمضي في تحديد السيئة والخطيئة (51) إلى أن يقول:" فذلك لم تكن في الآية حجة للزاعمين خلود أصحاب الكبائر من المسلمين في النار إذ لا يكون المسلم محيطة به الخطيئات بل هو لا يخلو من عمل صالح وحسبك من ذلك سلامة اعتقاده من الكفر وسلامة لسانه من النطق بكلمة الكفر الخبيثة.

والقصر المستفاد من التعريف في قوله : فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . قصر إضافي لقلب اعتقادهم" (52) .

فالسياق حسب هؤلاء خاص بالكفار واليهود جزء لا يتجزأ من هؤلاء فماذا عن حجج الطرف الآخر الذي يعمم الخلود ويدخل فيه مرتكبي الكبائر المصرين على الموت؟


- موقف المعممين وحججهم:

أما الزمخشري فلم يحلل قضية التعميم والتخصيص لكت يفهم من تفسيره للسيئة والخطيئة أنه يعمم (53) ولم يتعرض يوسف المصعبي للقضية (54) . وقد أورد الرازي ضمن عرض حجج المعتزلة تحليلهم لهذه الآية وإثباتهم فيها دلالتها على العموم...." فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن صيغة " من" في معرض الشرط للعموم" (55) .

وأما محمد اطفيش فيقول:" فأولئك البعداء مقامات الخير وإنما عبر بإشارة البعيد تلويحا لهذا المعنى... أصحاب النار أس مستحقوها بكسبهم أو ملازموها في الآخرة كما لزموا موجباتها في الدنيا وهي الذنوب.

هم فيها خالدون . دائمون فيها لنهم وقد أحاطت بهم خطاياهم مصرون فلم يكن للبثهم فيها آخر كما أن المصر لا آخر للمعصية وملازمتها عنده والناس إما مصر وإما غير مصر مرحوم يدخل الجنة" (56) .

أما صاحب المنار فيقول:" قوله : فأولئك أصحاب النار هم فيها خادون . " خبر" . من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته . أي هم أصحاب دار العذاب في الآخرة الأحقاء بها دون من لم يصل الى درجتهم في الدنيا وهو من في قلبه شيء من نور الإيمان وتوحيد الله تعالى وما يتبعه من الخير" (57) .

واضح من خلال هذه التحاليل أن كلا من الطرفين حرص على تطويع التركيب لغرضه وكل منهما بعد عرض أدلته يصل إلى النتيجة المقررة من البداية والراجح أن " من" هي أقرب إلى التعميم منها إلى التخصيص .


ج)الخلود بقاء مؤبد أو مكث طويل:

واضح من خلال ما بينا أن مخصصي الخلود الذين تأولوا السيئة بالشرك والكفر ليسوا في حاجة الى القول بالمكث الطويل بالنسبة إلى الخلود. ويقول أبو السعود في هذا الصدد:" ولا حاجة إلى حمل الخلود على اللبث الطويل" (58) .

بينما البيضاوي وقد اعتبر السيئة من القبائح فإنه يقول في تفسير قوله تعالى : هم فيها خالدون . دائمون أو لابثون لبثا طويلا (59) .

ويرد على القائلين باللبث الطويل محمد عبده بما يلي:" ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها فلم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها فقالوا إن المراد بالخلود طول مدة المكث لن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته. أولوا هذا التأويل هروبا من قول المعتزلة إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار وتأييدا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة والقرآن فوق المذهب يرشد الى أن من " تحيط به خطيئته" لا يكون أو لا يبقى مؤمنا" (60) .

وتعليق محمد عبده على هؤلاء يغني عن زيادة التحليل.

وموقف الاباضية صريح من هذين السياقين إذ يعتبرون أنهما شاملان لأصحاب الكبائر والكل خالد في الجحيم أبد الآبدين وسنعود إلى الاستنتاج عندما نحوصل الحديث عن بقية النصوص.



هذا وإن تأرجحت المواقف لصلة السياقين باليهود هنا فماذا عن الآيات المتعلقة بالخلود بصفة عامة؟

القرآن الكريم وقضية الخلود عامة:

إن الآيات الواردة في هذا المعنى يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام:

أ) آيات جاءت كلمة" خالدين مجردة من " أبدا" وأخرى متبوعة بها".
ب) آيات علقت العذاب بالمشيئة.

ج) آيات حددت اللبث بالأحقاب أو بدوام السماوات والأرض.




1) آيات الخلود أو ما يفيد معناه


لا يمكن استيفاء كل الآيات الواردة في هذا المعنى لكثرتها وسنكتفي بالوقوف عند بعضها لنتبين كيف يدافع كل من الطرفين عن موقفه.

ـ قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا مهينا ، (4 النساء 93). (61)

ـ وقوله تعالى : والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، (10 يونس27).

ـ وقوله تعالى : ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ، (4 النساء 14).

ـ وقوله تعالى: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ، (72 الجن23).

أول ما يلاحظ عند التأمل في هذه الآيات ومثيلاتها في كتاب الله تعالى يتبين أن سورة الجن تفردت بإضافة التأبيد للخلود ومع ذلك يجد لها نفاة الخلود للعصاة مخرجا،أما بالنسبة إلى الآيات الأخرى فالخطب أهون والتأويلات لا تبعد عما ذكر في آية سورة البقرة بل في أغلب الأحيان تقع الإحالة على ما ذكر هناك (62) لن القضية استوفاها جل المفسرين تحليلا هنالك، وإنما وقع التنبيه الى بعض النكت في ما بعد.

ويمكن أن نلخصها عند منكري الخلود لأهل الكبائر كما يلي:

- تأويل الخلود بطول المكث: خاصة في آيتي سورة النساء حيث إن الأمر يتعلق بالقتل العمد (الآية 93) والنص يحتمل أن يكون القاتل من أهل الصلاة والمقتول كذلك، ويتعلق بتجاوز الحدود في سياق يتحدث عن المواريث والنص يحتمل أيضا أن يتعلق الوعيد بمن يظلم في قسمة التركات وما اكثر هؤلاء في الأوساط الإسلامية، وقد ذهب هذا المذهب كل من البيضاوي (63) والقرطبي (64) وأبي مسعود (65) وابن عاشور (66) .

- التعميم: إن كان الأمر واضحا ، وكانت العبارة صريحة في المواقف السابقة فقد جاء الأمر عاما في بعض الأحيان وقد ظهر هذا خاصة عند ابن عباس (67) وجواد مغنية (68) في الآيات المشار إليها من سورة النساء والجن. ومن صيغة التعميم الى السكوت عن القضية.

- السكوت: وقد يرى المفسرون ألا فائدة في الرجوع الى ما ذكر فيمرون على قضية الخلود دون الوقوف عندها، ومثال ذلك ما نجده عند البيضاوي (69) وأبي مسعود (70) ومغنية (71) في آية النساء14 عن المواريث والرازي (72) وجواد مغنية (73) مع آية سورة يونس وإن لم يقف هؤلاء مثل هذه المواقف فإنهم يلجئون الى تخصيص الخلود الدائم للكفار.

- تخصيص الخلود للمشركين: وهذا ما عبر عنه كل من أبي السعود (74) وابن عاشور (75) وفي آيتي سورة يونس وسورة الجن.

هذه تقريبا حوصلة عامة لمواقف المفسرين- منكري الخلود لأهل الكبائر- من هذه الآيات ويواكبهم في ذلك الأصوليون ونذكر منهم مثلا الإيجي حيث يقول ردا على المعتزلة:" ولا نسلم (أن من اكتسب كبيرة فقد تعدى حدوده بل) تعدى (بعض حدوده والمراد من قتل مؤمنا لأنه مؤمن ولا يكون ذلك القاتل إلا كافرا) فالآيات المذكورة لا تتناول صاحب الكبيرة (سلمنا) تناولها إياه (لكن الخلود) المذكور (76) فيها (هو المكث الطويل وما ذكرتم معارض بما يقال حبس مخلد وخلد الله ملكه" (77) .

والأساس حينئذ لدى هؤلاء جميعا أن رحمة الله أوسع من غضبه فلذلك لا يرتضون تخليد عصاة أهل الصلاة في النار ، فما هو موقف القائلين بخلود العصاة المصرين من هذه الآيات؟.

والأساس حينئذ لدى هؤلاء جميعا أن رحمة الله أوسع من غضبه فلذلك لا يرتضون تخليد عصاة أهل الصلاة في النار (78) ، فما هو موقف القائلين بخلود العصاة المصرين من هذه الآيات؟



موقف الإباضية والمعتزلة من هذه الآيات:

يتفق الإباضية والمعتزلة (79) والموسومون بالخارجية ويساندهم في ذلك ممد عبده على أن هذه الآيات وأخواتها في القرآن الكريم أكبر دليل على ما ذهبوا إليه من اعتقاد الخلود الأبدي اللانهائي الذي يشمل العصاة الذين ماتوا دون أن يتوبوا الى الله تعالى مع القول بتفاوت العذاب بينهم وبين من ماتوا على الشرك ولا يخلو تحليل أصولي في الموضوع من الاستشهاد بهذه الآيات وأخواتها ونكتفي بذكر نص أبي مهدي لنه استوعب ما جاء قبله وعليه اعتمد من جاء بعده.

يقول أبو مهدي بعد أن حلل آية البقرة (81) التي وقفنا عندها : وأحاطت به خطيئاته . وهي الكبائر في ما وجدنا أيضا فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، (2 البقرة 81) . وقوله : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ، (5 المائدة37) . وقال : وما هم بخارجين من النار ، (2 البقرة 167) . وقال : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ، (43 الزخرف77) . أي مقيمون، وقال : ( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها) ـ إلى قوله ـ : ولهم عذاب مقيم ، (9 التوبة68) . فإن قال قائل هذه الآية في أهل الشرك خصوصا قيل له : وكذلك قوله تعالى : ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ، (4 النساء14) . وقوله : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ، (72 الجن23) . وقال : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) ـ إلى قوله ـ ويخلد فيها مهانا ، (25 الفرقان 69) . فإن قالوا هذه الآيات كلها في الشرك قيل لهم وكذلك النهي عن الكبائر إنما هو في أهل الشرك فلا يجد في ذلك فرقا. وقال : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ، (22 الحج22) . وقال : إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين ، (82 الانفطار 13 ـ 16) . وقوله : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا محيص ، ( 14 إبراهيم 21) . أي من مذهب ومخرج" (80) .

ويقف تفسير المنار إلى نفس الموقف حيث يقول محمد عبده في شأن منتهك حدود الله:" وظاهر الآية أن العاصي المتعدي للحدود يكون خالدا في النار" (81) كما يقول في شأن القائل المتعمد " فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة" (82) ويضيف رشيد رضا فيقول:" أقول وقد استكبر الجمهور خلود القاتل في النار وأوله بعضهم بطول المكث فيها وهذا يفتح باب التأويل لخلود الكفار فيقال إن المراد به طول المكث أيضا" (83) .

ثم أعطى صاحبا المنار بعدا حضاريا لهذا الموقف سنعود إليه في الاستنتاجات (84) .



ب) الآيات التي علقت العذاب بالمشيئة:

ـ قوله تعالى : ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا * قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ، (6 الأنعام 127 ـ 128 )

ـ وقوله تعالى : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ، (85) .

لقد تضاربت الآراء في شأن التعليق بالمشيئة (86) كما تضاربت في شأن تعليق المغفرة بالمشيئة وأطال المفسرون الكلام.... وذكروا وجوها جعلت المعنى من الطلاسم (87) إلا أن الجدل يدور حول ثلاثة محاور:

1) تصور إمكانية خروج المشركين من النار، ومثل هذا التصور يرده المفسرون بسرعة وإنما يذكرونه لتفنيده (88) .

2) استثناء الموحدين العصاة، وهذا ما رجحه كل من قالوا بخروجهم من النار فاعتبروا الاستثناء من أدلتهم وهذا ما نقل عن ابن عباس :" وإلا ما شاء ربك أن يخرجهم من أهل التوحيد من كانت شقاوته بذنب دون الكفر فيدخله بإيمانه خالصا" (89) .

وهذا ما ختم به الرازي مختلف الوجوه التي ذكرت في الاستثناء قائلا:" إخراج أهل التوحيد من النار....وهذا كلام قوي في هذا الباب" (90) . وقاس على هذا النسق كل من أبي السعود (91) ورشيد رضا (92) وابن عاشور (93) . وجواد مغنية (94) والكل يلح على تركيز موقفهم باختتام تفسير الآية بقوله تعالى : إن ربك فعال لما يريد ، (11هود107) . وفي تحليل جواد مغنية وضوح وتبسيط لأنه اعتبر السياق من المحكم لذلك أجبنا أن نورده حيث يقول:" ويتلخص بان من يدخل جهنم بأي ذنب من

الذنوب فلا يستطيع الخروج منها بنفسه ولا بشفيع ومعين، ولا بفداء فهو من هذه الجهة خالد فيها... ولكن إذا شاء الله أن يخرجه منها خرج، وانتفى عنه وصف الخلود في النار لأن إرادته تعالى لا يحدها شيء" إن ربك فعال لما يريد . وكل شيء يرجع في النهاية إلى إرادته ولا ترجع إرادته إلا إليه وحده فسبب الخلود يؤثر أثره ما دام الخالق مريدا له ذلك، وغن لم يشأ لم يكن عملا بمبدأ ( إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (36 يس 82). (95)

واضح حينئذ أن هؤلاء يعتبرون " أن صاحب الكبيرة غير مخلد، وإن عذب فإنهم يقولون هو في مشيئة الله إن شاء غفر وعفا عنه بلا تعذيب، وإن شاء شفع فيه من شاء، وإن شاء عذبه في ناره بقدر عمله أو إلى ما شاء الله من المدة ثم يقطعون بخروجه منها" (96) .



هذا عن المشيئة عند هؤلاء فماذا عن هذه المشيئة عند من رأوا خلود العصاة المصرين الى الموت؟

3) لا دليل في الاستثناء على خروج العصاة

يلتقي الإباضية والمعتزلة في هذا الموقف وفي هذا الصدد ينقل أبو مهدي ما جاء عن الجيطالي في شرح النونية كما يلي:" وأما ما احتجوا به من قوله تعالى : إلا ما شاء ربك . فقالوا أن يخرج أهل الكبائر من النار فإن هذا تقول وذهاب عن الظاهر بغير دليل.

وأيضا فإن أهل التفسير اختلفوا فيها، فقال بعضهم إلا ما شاء ربك . من الزيادة في الخلود وقيل في العذاب ونظيره قوله تعالى : فلن نزيدكم إلا عذابا ، (78 النبأ30) . وقال آخرون : إلا ما شاء ربك من مكثهم في الدنيا وقيل:" في البرزخ" وقيل:" ما لبثوا في ظهور آبائهم" وقيل:" في أرحام أمهاتهم" وقيل:" ما لبثوا في المحشر قبل أن يدخلوها".... فكل ذلك ما شاء الله وهو الذي استثناه فمن زعم غير ذلك فعليه بالدليل ولو كان في هذا ما يدل على الخروج لدل على خروج الإنس والجن أجمعين، وكذلك قوله تعالى : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ، (6 الأنعام 128) (97) .

كما ينقل عن البرادي ما يلي:" الوجه الثاني (98) أن الاستثناء الكائن في الآية مقرونة بمثله من الاستثناء أعني قوله تعالى : وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ، (11 هود 108) . فإن جاز أن يخرج أهل النار من النار بهذا الاستثناء جاز مثله في أهل الجنة ولا فرق لأن الآيتين جاءتا مجيئا عاما، ولا أظن عاقلا يرد على الله سبحانه في كتابه ولا يكذب خبره، وقد قال سبحانه في غير ما موضع من كتابه : خالدين فيها أبدا ، (2 آل عمران 15. 136. 198)

وقال : عطاء غير مجذوذ ، (11 هود 108) . وقال : أكلها دائم وظلها ، (13 الرعد 35) . فإذا بطل على أهل الجنة واستحال في حقهم الخروج منها بخبر الله الصادق فقد بطل الاستثناء الذي تعلقوا به وما صاروا إليه، قال سبحانه : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ، (5 المائدة 37) وقال : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ، (32 السجدة 20) . وقال : وما هم عنها بغائبين ، (82 الانفطار 16) (1) 99).

وإن كان الزمخشري خص آية سورة الأنعام بالمشركين وتأول المشيئة بتحويلهم من عذاب قصد التشفي (100) 1 فإنه يرفض أن يكون الاستثناء دالا على خروج أهل الكبائر فقال:" ولا يخدعنك عنه قول المجبرة" عن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة فإن الاستثناء الثاني (101) ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم" (102) .

أما محمد اطفيش فبعد أن يورد جل الآراء الواردة في شأن الاستثناء يقول:" والأولى في هذا جعل الاستثناء منقطعا وقيل المعنى إلا ما شاء ربك لو فرض أنه تعالى وعز وجل يشاء إخراجهم فهو تعليق بالمحال فيكون ذلك برهانا على الأبدية كقوله تعالى عز وجل : حتى يلج الجمل في سم الخياط ، (7 الأعراف 40) " (103) .

فالإباضية حينئذ كما فعلوا من زمن الإمام جابر في تعليق المغفرة بالمشيئة اعتبروا التعليق بالمشيئة دليلا على الخلود للمشركين والعصاة لأن إرادة الله لا تتحول (104) ولا مبدل لكلماته وهو الفعال لما يريد.

أما محمد اطفيش فيعتمد على التفسير المأثور ويختار التفويض في شأن المشيئة فيقول:" أما ما ورد في التفسير بالمأثور في الاستثناء هنا فيؤيد ما جرينا عليه من تفويض الأمر الى الله تعالى وعدم الحكم على مشيئته في هذا الأمر الغيبي وهو ما رواه ابن جرير (105) عن ابن عباس قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ألا ينزلهم جنة ولا نارا" (106) .

ومن هذه المقارنات بين الآراء المتقابلة نفهم شيئا فشيئا كيف يوجه السياق القرآني حسب منطلقات محددة فتكون نفس الآيات دليلا لهؤلاء وأولئك فهل تكون الآيات التي تحدد المكث بالأحقاب وبدوام السماوات والأرض هي الأخرى في هذا النسق؟


ج) تحديد اللبث بدوام السماوات والأرض:

ـ قال تعالى : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ، (11 هود 107).

ـ وقال تعالى : إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فيها أحقابا ، (78 النبأ 21 ـ 23)


فمن هم الأشقاء والطغاة وما المقصود من هذين التحديدين بدوام السماوات والأرض وبالأحقاب؟ ذلك هو مثار الجدل في شأن هذه الآيات.

إن المتأمل في مواقف منكري خلود أهل الكبائر ومثبتيه يلمس بوضوح أن مركز الكلام كان قائما على تحديد مفهوم الطغيان والشقاوة فمنكرو الخلود اعتبروا أن الشقاوة والطغيان بمعنى الكفر وقد جاء هذا واضحا عند ابن عباس (107) والبيضاوي (108) وأبي السعود (109) وابن عاشور (110) ، أما الرازي فلن يصرخ بمدلول الشرك إلا أن السياق في التفسير يؤكد أنه يعتبر أن الآيتين متعلقتان بالمشركين فهو يقول:"الشقي هو الذي يكون من أهل العقاب" (111) كما يقول:" المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته" (112) ثم يتوغل في الرد على من يعتبر أن عذاب الكفار منقطع. (113)

أما الإباضية والمعتزلة فقد ذهبوا الى أن الطغيان والشقاوة يشملان المشركين والعصاة من أهل الصلاة فإن لم يفسر الزمخشري كلمة الطاغين (114) فإنه يرى " أن الشقي هو الذي وجبت له النار لإساءته" (115) وكذلك محمد اطفيش فإنه يقول:" الشقي سيئ الحال في عذاب وتعب في النار بعمله لموجب العذاب" (116) . ويقول:" الطاغين شامل للموحد الفاسق" (117) وكذلك يقول السالمي:" فإن اسم الشقي شامل لهما (الفاسق والمشرك) (118) (119) .

فواضح إذن أن المشكلة ترجع الى تحديد الأسماء واختلاف الفرق فيها (120) أما في ما يتعلق بمفهوم الأحقاب ودوام السماوات والأرض فهم مجمعون على أن القصد منها التأبيد.

ـ أما قوله تعالى : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض . فقالوا إن المقصود من ذلك التأييد على أحد وجهين :

1) أن تراد سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة إلى الأبد والدليل على أن لها سماوات وأرضا قوله تعالى : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ، (إبراهيم 48) . وقوله : وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ، (39 الزمر74) . ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم سماء يخلقها الله أو يظلم العرش وكل ما أظلك فهو سماء.

2) أن يكون عبارة عن التأييد ونفي الانقطاع كقول العرب: ما دام تعار ، وأقام ثبير، وما لاح كوكب وغير ذلك من كلمات التأييد (121) .

ـ أما قوله تعالى : لابثين فيها أحقابا . فقد أجمعوا على أنها تعني التأييد ويقول ابن عباس في ذلك:" مقيمين في جهنم أحقابا بعد حقب ـ ثم يقول بعد تحديد الحقب ـ ويقال ولا يعلم عدد تلك الأحقاب إلا الله فلا ينقطع عنهم" (122) .

وتعددت المواقف من مدة الحقب ونكتفي بإيراد ما روي عن ابن عباس " والحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم الواحد ألف سنة مما يعد أهل الدنيا، ويقال لا يعلم عدد تلك الأحقاب إلا الله فلا ينقطع عنهم" (123) .

ويورد الزمخشري وجها آخر وهو أن يكون من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه فينتصب حالا عنهم : يعني لابثين فيها حقبين جحدين (124) .

وإن وقع الإجماع على التأييد عند الجمهور مع اختلاف في شمول عصاة المسلمين المصرين على عصيانهم إلى الموت فيشير الرازي الى من نفى الخلود المؤبد حتى عن المشركين (152) مبينا أن من حججهم هاتين الآيتين، ثم يرد عليهم بنفس المعاني التي ذكرنا ملحا على أن القول بالتأييد لهؤلاء هو قول الجمهور الأعظم من الأمة ومعزوزا موقفه بأدلة أخرى قائمة على المنطق لا نرى من الضروري إيرادها لأننا لسنا في نطاق الرد على هؤلاء (126) .

والأساس بالنسبة الى الفكر الإباضي يتمثل في ما نقله أبو مهدي عن الجيطالي في سياق الرد على القائلين بإخراج أهل الكبائر:" وأما قوله : لابثين فيها أحقابا . فليس فيه دليل على الخروج أيضا لأنه قال : إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا ، (78 النبأ21. 22) . إلى آخرها، فهي عامة لجميع من دخلها من أهل الشرك ومن أهل الكبائر فمن ادعى التخصيص فعليه بالدليل وإن تفسيرها في ما وجدت في كتب التفسير لابثين فيها أحقابا . وهو حقب أي زمانا لا غاية له ويقال الحقب ثمانون ألف سنة كل يوم منه ألف سنة كلما مضى حقب تبعه حقب إلى مالا غاية له....

وجاء أيضا في نفس الرسالة: وقوله تعالى : لابثين فيها أحقابا ، (78 النبا23) . قال قتادة أحقابا لا انقطاع لها، وقيل الهاء من قوله فيها عائدة على الأرض أي لابثين في الأرض، وقال بعضهم لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا . أي يمكثون

أزمنة يعذبون بهذا النوع من العذاب ثم بعد ذلك يعذبون بغيره وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الحقب ثلاثون ألف سنة" ... (127)

قال قتادة: هي أحقاب لا انقطاع لها كلما مضى حقب جاء بعده آخر وقال الحسن: أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار (128) ".

ويقول السالمي:" الآية لابثين فيها أحقابا . في المشركين خاصة لقوله تعالى : إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا . فيلزمكم عدم تخليد أهل الشرك وأنتم لا تقولون به والكتاب يرده فوجب حمل الأحقاب على عدم الغاية أي مدة غير متناهية" (129) .

وجاء عند أبي مهدي في قوله تعالى : ما دامت السموات والأرض . إن ذلك على قطع الرجاء كقوله تعالى : حتى يلج الجمل في سم الخياط ، (7 الأعراف40) . ومثله في كلام العرب " لا أفعل ذلك حتى يؤوب القارظان" " ولا أفعله سن الحسل" أي لا ترجو إتياني كما لا يرجع الموتى الى الدنيا وحتى يقع أسنان الحسل (وهو ولد الضب) وأسنانه لا تقع أبدا في ما ذكروا.

وقال الشاعر: (طويل)

وحتى يؤوب القارظان كلاهمـا***ويرجع في القتلى كليب لوائل

وأمثاله هذا ما يتكلمون به على اليأس وقطع الطمع" (130) .

و " يقول الشيخ أبو القاسم (131) رحمه الله: " وما تعلقوا به من قوله تعالى : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض . فباطل من وجهين : أحدهما : أن هذا تقوله العرب على الاستبعاد والتأبيد كقولهم لا أفعل هذا ما اختلف الجديدان وما اختلف الليل والنهار، وما حنت الإبل وما أقام الجبل وما طرق طارق وما دامت السماوات والأرض وما طما البحر هذا كله يريدون به التأييد فخاطبهم الله بما يعقلون من كلامهم بينهم، وعليه في العربية شواهد جاهلية وإسلامية" (132) .

ذلك أهم ما جاء من الاستدلالات بالقرآن الكريم ، منها ما جاء في سياق الرد على أهل الكتاب ومنها ما جاء ذاكرا لكلمة الخلود، ومنها ما علق الخلود بالمشيئة ومنها ما حدده بدوام السماوات والأرض أو بالأحقاب وقد بينا كيف تنازع الطرفان هذه الآيات وتبين أن موقف الإباضية منها كلها تمثل في توجيهها وجهة الخلود المؤبد

بالنسبة الى من لم يتب من أهل الصلاة مع الإلحاح على تفاوت العذاب بين هؤلاء وبين أهل الشرك.

ومما يثبت تفاوت العذاب بين المشركين والفساق ما أورده السالمي:" فمن ذلك البيان ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول:" عن أهون أهل النار عذابا رجل أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وأنه لأهونهم عذابا ومنهم من هو في النار الى كعبيه مع أجزاء العذاب، ومنهم من هو في النار الى ركبتيه مع أجزاء العذاب، ومنهم من قد اغتمر " (133) .



- الأدلة من الحديث الشريف:

لقد ذكرنا عند الحديث عن الوعد والوعيد الأحاديث التي استدل بها الإباضية لإثبات شمولة للعصاة من المسلمين وأنه نافذ فيهم لا محالة ولا تخرج الأحاديث الواردة في باب الخلود عن هذا السياق.

- فمنها ما صرح بالخلود مع التأييد مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ في النار خالدا مخلدا ومن تحسى سما فهو يتحساه في نار جهنم خالدا أبدا" (2) .

- ومنها ما صرح بالخلود دون ذكر التأييد مثل قوله:" من قتل بعد العفو وأخذ الدية فهو خالد مخلد في النار" (3) .

وقوله " من كذب وأصر فهو مخلد في النار" (4) .

- ومنها ما عبر عن الخلود في النار بطريقة غير مباشرة:

• مثل تحريم الجنة على طائفة من العصاة المصرين في قوله عليه السلام: " الجنة حرام على من قتل ذميا أو ظلمه أو حمله مالا يطيق وأنا حجيج الذمي فكيف المؤمن" (5) . وقوله: " لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، والنار أولى به" (6) . وقوله: " من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب لـه النار. فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كان قضيبا من أراك" (7) .

• ومثل اليأس من رحمة الله في قوله عليه السلام: " من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة آيسا من رحمته" (8) .

- ومنها ما عنف فيه القائلين بالخروج من النار، كما في قوله صلى الله عليه وسلم :" لكل أمة يهود ، ويهود أمتي المرجئة، وهم أشبه باليهود في قولهم ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) . (9)

الإباضية والمعتزلة يعتمدون هذه الأحاديث على أساس أنها من عمومات الأخبار وأن صيغة " من فيها جاءت في معرض الشرط تفيد العموم ولا تخرج المصرين من عصاة المسلمين.

وبعد أن أورد الرازي جميع الآيات والأحاديث التي استشهد بها المعتزلة في هذا السياق يرد عليها بعدة أدلة نذكر منها:" إنا لا نسلم أن صيغة " من" في معرض الشرط للعموم... والذي يدل عليه أمور:

الأول: انه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض على... " من" كل من دخل داري أكرمته، وبعض من دخل داري أكرمته... ولو كانت لفظة " من" تفيد الاستغراق لكان إدخال لفظ الكل عليها تكريرا أو إدخال لفظ البعض عليها نقضا" (10) .

وبعد أن يذكر أدلة أخرى يقول ما معناه إن تقديم عمومات الوعد أولى من ترجيح عمومات الوعيد لأن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد (11) .

ومهما حاول الرازي أن يلتمس من مخارج تبقى هذه الأحاديث صريحة مرجحة جانب الخلود خاصة وأنها تذكر معاصي بعينها هي معتبرة من الكبائر بإجماع الأمة الإسلامية ولا حاجة لتوعد المشرك وهو داخل النار بشركه لا محالة خالد مخلد فيها.

ولا ينبغي أن نغفل عن حديث يعتمده الأشعري اعتمادا كليا في الإبانة ليرد على المعتزلة في قولهم بالخلود وهو " ونقول: عن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذلك- لما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا فيها وصاروا حمما" (12) .


ويقف القاضي عبد الجبار من هذا الحديث موقفين:

أما أولهما: فيتمثل في اعتباره من الآحاد التي لا يمكن الاستدلال بها في العقائد (13) .


وأما ثانيهما فيتمثل في تأويله كما يلي:" فأما ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم " يخرج أقوام من النار بعد أن امتحشوا وصاروا فحما وحمما" فإن صح فالمراد به يخرجون من الدنيا من استحقاق العقاب بعد تحققه فيهم، كما روى عنه عليه السلام للمؤذن وقد أتى بالشهادة قال: " خرج من النار" يعني من حكم أهل النار وكقوله: " يتهافتون في النار تهافت الجرادة وهاأنا أخذ بحجزكم " (14) من حيث يهديكم ويمنعهم من المعاصي.

وقد قيل في جوابهم:" إن المراد به التعبيد والمنع من خروجهم من النار حيث شرط أن يكونوا فحما وما هذه حالة لا يقع فهو كقوله : لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، (7 الأعراف40) (15) ".

ويورد صاحب قاموس الشريعة عن الجيطالي ما يلي:" وأما الأحاديث التي ذكروها فهي مخالفة لكتاب الله عز وجل مردودة لأن الله تبارك وتعالى قال : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، (53 النجم3) . وجاء عنه عليه السلام أنه قال: " وكيف أقول بخلاف القرآن وبه هداني ربي" (16) .

ومما يؤازر هذه الأحاديث ما ترويه المصادر الإباضية عن الحسن عن كعب قال:" وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه على كدية من رمل، فجلس إليها فبكى حتى بل لحيته فقلت:" يا أمير المؤمنين ما يبكيك؟" قال:" ذكرت أهل النار. فقلت: لو جعل عدد كل حبة من هذا الرمل سنة يعذبون على حسابها ثم يخرجون من النار لطمعوا بالخروج يوما من الدهر ولكن لم يجعل الله لهم وقتا وما هم بخارجين منها أبدا" (17) .



الاحتجاج العقلي:


إن قضية الخلود أو عدمه ليست مما يخضع للعقل المجرد وإنما هي المسائل السمعية لكن لم تخل من بعض الحجج العقلية المنطلقة من النظر في الثواب والعقاب.

وذد نقل كل من أبي مهدي وخميس بن جميل السعدي عن كتاب الموجز نصا تفنن فيه صاحبه في الرد على من يقول بعدم الخلود قد اعتمدناه في ما سبق عند ذكر حجج القائلين بالوعيد لا نرى فائدة في إعادة ذكره (18) .

وبعد أن أوردنا أهم الحجج النقلية والعقلية يحسن قبل أن نصل إلى إبراز البعد الحضاري أن نذكر ببعض المواقف التي وردت عند منكري الخلود لأهل الكبائر وقد بدت في منتهى الغرابة.

تنبيه:

ومما يستنكف الإباضية عن قبوله مواقف يحتج بها القائلون بخروج العصاة تبدو غريبة كل الغرابة، ومن ذلك ما جاء عند شارح جوهرة التوحيد:" وقوله: للسعيد والشقي" أي فالجنة دار خلود للسعيد وهو من مات على الإسلام وإن تقدم منه كفر، ودخل في السعيد عصاة المؤمنين فدار خلودهم الجنة فلا يخلدون في النار إن دخلوها بل لا يدوم عذابهم فيها مدة بقائهم لأنهم يموتون بعد الدخول بلحظة ما يعلم إلا الله مقدارها فلا يحيون حتى يخرجوا منها، والمراد بموتهم أنهم يفقدون إحساس ألم العذاب لا أنهم يموتون موتا حقيقيا بخروج الروح، وبعضهم اختار أنهم يموتون حقيقة" (19) .

ومن الردود الواردة على هذا الكلام وما شابهه ما جاء في شرح النونية:"... وقال آخرون إنهم (أمة محمد صلى الله عليه وسلم ) يعذبون فيها (النار) على قدر أعمالهم السيئة ثم يخرجون منها بشفاعته صلى الله عليه وسلم فينجز الله ما وعده لهم من الثواب وتبقى في وجوههم سمة سوداء من أثر النار يعرفهم بها أهل الجنة الذي لم يدخلوا النار أصلا ويسمونهم الجهنميين (20) ، وإنهم يشكون إليه تعالى فيبعث إليهم جبريل عليه السلام ويمسح تلك العلامة من وجوههم ويخلق في مكانها نورا يتلألأ حتى إن أهل الجنة يتمنون أن لو أدخلوا النار وفعل بهم ما فعل بأولائك، وهذا لا يقبله إلا من قاله؟، وقد افتروا على الرسول صلى الله عليه وسلم في ما رواه عنه من ذلك.

وقال بعض المرجئة إن أهل الجنة يتنعمون فيها وأهل النار يتنعمون فيها كما أن دود النخل يتنعم فيه، ودود العسل يتنعم فيه" (21) .

إن مثل هذه المواقف من العذاب النعيم لا يقبله الشرع ولا يستسيغه العقل وإلا فكيف يتمنى أهل الجنة لو ذاقوا النار ليشع عليهم نور الجهنميين.

إن مثل هذا يعتبر ضربا من الاستخفاف بالدين ودفعا للناس الى إشباع الشهوات بالمحرمات وهذا ما سنحاول تحليله في البعد الحضاري للقضية.

بعد حرصنا على استيفاء حجج الإباضية في هذه القضية مع مقارنتها بحجج غيرهم من الفرق القائلة بخلف الوعيد وبالخروج من النار نرى من الضروري- كما لمحنا الى ذلك مرات أثناء التحليل- أن نبين البعد الحضاري لهذه المواقف في الأوساط الإباضية في المستوى النظري والمستوى العملي.



المستوى النظري:


أما في المستوى النظري فقد بينا أثناء عرض حججهم أنهم يلحون على عظمة الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء، وبالتالي فثوابه ليس يشبهه ثواب وكذلك عقابه لا

يشابهه عقاب، وفي ذلك يقول صاحب المنهج ما يلي: " والحكمة من خلود أهل النار أن العاصي إذا عصى الله فقد عصى ربا عظيما لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، ولأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع ، ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا يزول ولا ينقطع فلو كان لثوابه وعقابه نهاية وحدا ينتهي إليه ثم ينقطع لأشبهه ثواب المخلوقين وعقابهم" (22) .

كما وقع الإلحاح على أن القول بخلف الوعيد ينتج عنه فقدان الأوامر والنواهي قيمتها في النصوص الشرعية ذلك لأن من يعتقد إمكانية الخلاص في النهاية فلا سبيل الى أن يرتدع أمام الزواجر وتصير النواهي عنده غير مختلفة عن الأوامر.



المستوى العلمي:


إن القائلين بإخلاف الوعيد وبعدم الخلود يمكن أن يتلخص تبرير موقفهم في قول يحيى بن معاذ الرازي (23) :" إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة. إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمان. فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو" (24) .

فواضح أن يحيى بن معاذ انطلق من معادلة بين طرفين متناقضين دون أن ينبه إلى الفارق الأساسي بين هذين الطرفين ويتمثل في الأول الذي جاء تائبا بحق وقد عاجلته المنية، ومعلوم أن الإسلام يجب ما قبله بينما الطرف الثاني فإنه قد انحرف عن التوحيد واستمرأ المعصية، ولم يبادر الى التوبة حال عصيانه وقد عاجلته المنية وهو بعيد عن الإيمان إذ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.

فتبرير يحيى بن معاذ وإن بدا مقنعا في اللحظة الأولى فإن المتأمل بين فساده.

وأما التبرير الثاني أقيم على المعادلة بين الإيمان والكفر وبما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة فالعدل يقتضي أن لا تضر مع الإيمان معصية معنى ذلك أن الإيمان مطية للمعاصي لا للطاعات واجتناب المعاصي. ويحيى بن معاذ نفسه لما أحس بأن في المعادلتين كلاما ختم بالاستناد الى رجاء العفو،وهذا باب فيه نظر.

صحيح أن الله تعالى عفو- يحب العفو- لكنه بين في القرآن الكريم شروط العفو والغفران. ولا ينبغي أن ينقلب الاتكال على العفو سبيلا من سبل انتهاك حرمات الله تعالى، وهذا ما استند إليه أهل الكتاب الى جانب تعويلهم على انهم شعب الله المختار وقد رد عليهم القرآن الكريم بشدة، وبين أن قولهم بعدم الخلود من باب الأماني التي يستحيل أن تتحقق.

ويقول ابن عاشور في هذا الصدد:" ووجه المناسبة أن قولهم لن تمسنا النار دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك الجريمة أو غيرها إذ هم قد أمنوا من المؤاخذة إلا أياما معدودة تعادل أيام عبادة العجل، أو أياما عن كل ألف سنة من العالم اليوم وأن ذلك عذاب مكتوب على جميعهم فهم لا يتوقون الإقدام على المعاصي لأجل ذلك" (25) .

واضح من خلال هذا النص أن اعتقاد عدم الخلود غرور عظيم يجعل الإنسان لا يتوقى الإقدام على المعاصي مهما كانت.

ونحن نتساءل لم يعتبر نفس الاعتقاد دافعا الى العصيان عند أمة ولا ينظر إليه بنفس الاعتبار عند أمة أخرى مع العلم باشتراكها في عقيدة الإيمان بالله تعالى (26) .

صحيح أنه وقع الاعتماد على الشفاعة ولكن أتكون الشفاعة بمفهومها المطلق عاملا من عوامل دفع الناس الى العصيان أو حافزا من حوافز الشكر لله تعالى؟

الحقيقة أن المسلم الحق لا ينبغي أن يستغل جانب العفو الإلهي وشفاعة المصطفى ليشبع شهواته مما أراد وربك في النهاية غفور رحيم، ولا يمكن بحال أن يرد شفاعة النبي فيمن في قلبه دون الذرة من الإيمان إن كان ما دون الذرة موجودا، بل يجب أن يزداد بذلك شكرا لله تعالى فيقبل على طاعاته وينتهي عن نواهيه وبذلك لا يكون من الذين يأمنون مكر الله لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ، (7 الأعراف99).

والإباضية ومن يقول بقولهم في الوعيد والخلود كثيرا ما يتهمون بالغلو في الدين على أساس أن مثل هذه المواقف من شأنها أن تنفر الناس من الدين.

والجواب أن الفرق كبير بين الغلو في الدين ومعناه تجاوز ما تتحماه النصوص من المعاني، وبين فهم النصوص بوجه معين، وقد بينا في هذا الباب أن منطلقات الإباضية من القرآن والسنة، كما أنهم لم يكن قصدهم تنفير الناس من الدين وإنما كان هدفهم الأسمى صلاح المسلمين ومهما يكن من أمر فمنتظر الخروج من النار وإخلاف الوعيد يكون أجرا على العصيان ممن يعتقد إنفاذ الوعيد والخلود في النار.

وقبل أن نحلل مدى انعكاس هذا المعتقد على البيئة الإباضية يحسن أن ننبه الى أن الإباضية لا يميزون في موقفهم هذا بين مرتكب الكبيرة الإباضي وغير الإباضي على عكس ما ينسب الى الأزارقة- إن صح- أن من كان في حوزتهم مؤمن وإن ارتكب من المعاصي ما ارتكب والشبهة دخلت لجمهور الأمة من هذه الناحية إذ

يحشرون الإباضية في زمرة الخوارج عامة وقد وسم هؤلاء الناس بسمات هم في أغلب الأحيان منها براء (27) .


انعكاسات هذا الموقف على المحيط الإباضي


إذا استطاعت كتب المقلات أن ترمي من تسميهم بالخوارج- والإباضية من بينهم- بأنهم أهل البدع والأهواء والنحل لا لشيء إلا لأنهم خالفوا غيرهم في الرأي أي في فهم النصوص فإن هذه الكتب نفسها وكتب التاريخ لم تستطع أن تخفي إعجابها بسلوك هؤلاء، وإن أول على أنه سلوك لا ينفع اعتمادا على الحديث الذي يعتبر أن كل خشوعهم يتجاوز حناجرهم.

ولا أريد أن انتصب مدافعا عن الإباضية لأن دفاعي عنهم لا يزيد في ميزان حسناتهم ولا ينقص من سيئاتهم وإنما من باب إحقاق الحق وإثبات نجاعة هذه العقيدة.

ولا أراني مضطرا الى أن أعيد هنا ذكر ما ذكر في ما سبق من شهادات الإمام علي والمبرد وأحمد أمين في استقامة هؤلاء الناس وإنما أضيف بعض العينات التي تقع الإشارة فيها الى قضيتنا بوضوح وليكن ذلك على سبيل المثال لا على سبيل الاستقصاء.

ومن ذلك كثرة خشوعهم عند تلاوة القرآن الكريم بشهادة أبي حمزة الإباضي بمحضر الإمام مالك " كلما مر أحدهم بذكر الجنة بكى شوقا إليها وإذا مر بذكر جهنم شق شهقة كأنه زفير جهنم بين أذنيه " (28) .

ومن ذلك شهادة المحدثين لمن يسمونهم بالخوارج بالأمانة في نقل الحديث لا لشيء إلا لأنهم لا يمكن أن يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يعلمون أن الكاذب عليه مخلد في النار إذ حديث فليتبوأ مقعده من النار متفق عليه (29) .

ومن ذلك إخلاص الاباضية في مناصرة أهل القيروان حيث وقف جيش أبي الخطاب عن حدود الله ولم يسلب أحدا من القتلى (30) ذاك لأن النصرة مطلوبة أما سلب حقوق الناس فيورث الخلود في جهنم.

ومن ذلك شهادة ابن الصغير المالكي في ما تحلى به مؤسس الدولة الرستمية ورع حتى لا يأخذ من حقوق الرعية شيئا أليس هو الذي يتولى إصلاح جدران داره بنفسه (31) ، وهل فعل مثل ذلك خلفاء بني أمية- باستثناء عمر بن عبد العزيز- وخلفاء بني العباس؟

وانظر ما يقوله محمد عبده في ما تورثه عقيدة الخروج من النار منن الاستبداد والقتل والاستغلال لدى أهل السياسة في كل عصر فهؤلاء حسب صاحبي المنار- وإن استكبر الجمهور خلودهم في النار- لا سبيل لهم إلى الخروج " نعم إن أمراء الجور الذين يسفكون دماء من يخالفون أهواءهم وزعماء السياسة الذين يجعلون من قوانين جمعياتهم اغتيال المؤمن وغير المؤمن بغير الحق لأجل التمتع بماله، كل أولئك الفجار الذين يقتلون مع التعمد وسبق الإصرار ، جديرون بان ينالوا الجزاء الذي توعدت به الآية(4 النساء93) من الخلود في النار ولعنة الله وغضبه وعذابه العظيم الذي لا يعرف كنهه سواه عز وجل لأنهم- وإن كان فيهم من يعدون في كتب تقويم البلدان ودفاتر الإحصاء وسجلات الحكومة من المسلمين- ليسوا في الحقيقة من المؤمنين بالله وبصدق كتابه ورسوله في ما أخبرا به من وعيد على القتل وغيره، فهم لا يراقبون الله في عمل ولا يخافون عقابه على ذنب" (32) .

كما بين صاحب المنار أن من أسباب انحلال المسلمين جرأتهم على قتل بعضهم البعض ومرجع ذلك إلى اعتقاد عدم الخلود. ويقول في ذلك:" ومن نظر الى انحلال أمر الإسلام والمسلمين بعدما أقدم بعضهم على سفك دم بعض من زمن طويل يظهر له وجه هذا (33) ، وان القاتل لا يعذر بهذه الجرأة على هذه الجريمة وهو لم تعرض له شبهة في أمر الله، إذ لا رائحة للعذر في عمله بل هو مرجح للغضب وحب الانتقام وشهوة النفس على أمر الله تعالى ومن فضل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر الله وعلى كتابه ودينه ومصلحة المؤمنين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة، ويدل على هذا قوله تعالى : ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، (3 آل عمران 135) . وتأمل قوله ( يعلمون) ولو سمح الله أن يفضل أحد شهوته أو حميته على الله ورسوله وكتابه ودينه والمؤمنين، ووعده بالمغفرة لتجرأ الناس على كل شيء ولم يكن للدين ولا للشرع حرمة في قلوبهم " (34) .

نرى حينئذ مدى الضرر المتولد في مستوى قيادة الأمة عندما يعتقد هؤلاء أن مجرد الإيمان بالله تعالى يمسح كل شيء ولو ماتوا على الإصرار ، وفي أسوأ الأحوال أن يكونوا من الجهنميين الذين يدخلون جهنم دخولا شكليا ليفتخروا على أهل الجنة في ما بعد.

واضح حينئذ أن أكبر عامل لتخلي المسلمين عن الأوامر والنواهي هو تسرب مثل هذه العقيدة عن أهل الكتاب رغم أن القرآن الكريم تصدى لها وكما بينا ذلك في موضعه.

ومما بين حسن أثر هذه العقيدة عند الإباضية القاعدة التي يقوم عليها فقه العبادات والمعاملات والسلوك عندهم وهي ما يسمونه بالأخذ والأحوط ويعتبره غيرهم من باب التشدد والغلو في الدين.

ففي باب العبادات أكتفى بذكر ثلاثة أمثلة من الطهارة في الصلاة والصوم ومن الزكاة.

أما في شأن الطهارة للصلاة فحالما رأوا نصوص القرآن التي تمدح المتطهرين والوعيد بعذاب القبر لمن لا يستبرئ من البول وفي ذلك إشارة الى عذاب النار في ما بعد أوجبوا الجمع بين التنشيف والغسل (35) .

وأنت إذا دخلت ميضآت المساجد الإباضية تحس بهذا التحري فهم يخصصون مواطن لقضاء الحاجة لا يوفرون فيها إلا الورق أو ما يقوم مقامه للتنشيف والتحري فيه (36) ، كما يوفرون مواطن للاستنجاء بالماء، ثم أما كن ثالثة للوضوء الأصغر، ولا ترى أحدا منهم يخلط في الاستعمال بين هذه الأماكن كما ترى عند غيرهم ممن لا يرون بأسا بالاكتفاء بالماء حيث يستنجئون في الأماكن المخصصة للوضوء الأصغر . كل هذا الاحتياط لأن الإباضية اعتقدوا ألا خلف في الوعيد وما دام النص واضحا في توعد من لا يستبرئ من البول فليكن الاحتياط على ذلك الشكل.

أما في شأن اعتبار الطهارة الكبرى شرطا من شروط الصوم فهم يرفضون الموقف الذي ينسب الى الرسول عليه السلام أنه اغتسل في رمضان بعد طلوع الفجر ويقرون حديثا آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم :" من أصبح جنبا أصبح مفطرا" (37) وحتى في حالة صحة ورود الخبر الأول العملي فالخبر القولي أشمل واعم وأحوط، والوعيد المسلط على المفطر عمدا في رمضان مجمع عليه، فلتكن الطهارة الكبرى شرطا من شروط الصوم وهذا يخرج من الوعيد على أية حال وأتى ذلك واضحا في هندسة بناء البيوت إذ لن تجد بيت إباضي خاليا من كان خاص للطهارة الكبرى الأمر الذي لا تجده عند غيرهم حيث يتهافت الناس على الحمامات للاغتسال.

أما في شأن الزكاة فتروى نصوص على أن الحلي لا يدخل في النصاب (38) إلا أن الإباضية رأوا غير ذلك واعتبروا أنه جزء من الممتلكات وأنه رصيد مدخر يستعمل عند الحاجة زيادة على المتعة بالتزين به. أليس من الأحوط أن يعتبر في النصاب وبذلك يخرج المسلم من الوعيد المسلط على الذين يكنزون الذهب والفضة (39) .

أما أثر هذه العقيدة في باب الفتاوي فهو واضح في أوساط الإباضية فمن ذلك انتشار مبدأ أداء الكفارات، فتجد الناس عند العزم على أداء فريضة الحج أو عند التوبة يتحرون التحري التام في أداء حقوق الله تعالى والتنصل من حقوق العباد، وقد

أشرنا من قبل إلى قولهم بالكفارات الاحتياطية من باب أن الحسنات يذهبن السيئات وهي كفارات اجتهادية اعتمد فيها على القياس على ما نص عليه الشرع.

ومن ذلك قولهم بتحريم استعمال الشمة والتبغ منذ دخول هاتين الآفتين الى المجتمعات الإسلامية ولم يقل واحد من الإباضية فيها بالكراهة أو التحليل كما فعل كثير من فقهاء المذاهب الأخرى. ولن تجد في مساجد الإباضية وحلقات القرآن عندهم فقهاء أو عامة يتهادون الشمة كما يفعل في حلقات أخرى.

بقي أن ننبه إلى أثر هذه العقيدة في مستوى التعامل المادي والأخلاقي إذ من يعتقد أن القليل من متاع الناس يورث الخلود في النار لا يمكن أن يقبل على أخذه وإن غلبت عليه شهوته سرعان ما يبادر الى إرجاع الحق الى أهله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وتجار الإباضية مشهورون بمحافظتهم على أمانات الناس (40) إذ تجد ودائع أهل الحي غالبا محفوظة عندهم (41) .

لست بهذا التحليل أدعي أن الأوساط الإباضية خالية من الإنحارف بل إن انحراف البعض منهم يتجاوز الحد، لكنه ينتهك عن علم لا عن جهل وإن كان إثم هؤلاء أكثر إلا أن توبتهم تكون نصوحا في ما بعد، وكأن في ذلك التصرف نوعا من الانفجار كثيرا ما يورث في أصحابه ندما وإنابة يؤديان الى تفان بعد ذلك في العبادة. لكن كل ذلك يبقى عصيانا ذاتيا لا يتسرب شره الى المجتمع الذي يصونه نظام الولاية والبراءة (42) المنبثق عن العقائد الأصولية لتذكير الناس بالزجر الإلهي عندما ينعدم السلطان الذي يقيم الحد ويذكر الناس بعظمة الله عند الغفلة عنها.

وبهذا نتبين أن لقوانين الزجر تأثيرا كبيرا في حياة الناس ذلك أن النفوس البشرية متفاوتة في مدى قدرتها على الالتزام ولكن لا يكون الزجر زجرا إلا إذا كان حادا. وأكبر دليل على ذلك ما أقره الشرع من الحدود وهذا مكمل لمفهوم الوعيد والعذاب الذي ينتظر من يعرض عن ذكر الله تعالى ليس معنى ذلك أن جانب الرحمة معدوم من الشريعة في المفهوم الإباضي وإنما يلح الإباضية على ألا ترجح كفة على أخرى، ونصوص العقيدة تلح كثيرا على التعادل بين الخوف والرجاء لأنه إن رجحت كفة الخوف يتحول الأمر كثيرا الى اليأس مما يورث التحدي والعناد وإن رجحت كفة الرجاء فإن ذلك يؤدي الى الانحلال والتواكل ولهذا جاءت المعادلة واضحة بين القول بالخلود في الجنة وفي النار.

وأكاد أقول إن ما نلاحظه من الاحتراز الكامل في مواقف الإباضية فيه شيء من الرهان الرابح لا محالة (43) ذاك أنه إن صح القبول بعدم الخلود في علم الله والله يفعل ما يشاء فلن يخسر الإباضي آخرته، وإن صح الخلود فالإباضي رابح لا محالة بينما يندم من قال بعكسه حيث لا ينفع الندم.

وفي خاتمة هذا التحليل يحسن أن ننبه إلى تنبيهين أولهما الترابط الوثيق بين الأسس العقائدية فقول الإباضية بإنفاذ الوعيد مرتبط ارتباطا جوهريا بقولهم إن الإيمان عقيدة وقول وعمل وبتحريهم في مبدأ الولاية والبراءة.

وثانيهما أننا حاولنا بقدر الإمكان أن نلح على بيان الحكمة من القول بإنفاذ الوعيد وبالخلود رغم أن المصادر الإباضية لم تلح على إبراز البعد الحضاري لهذه القضية بصفة مباشرة، وغنما الواقع العلمي المعاش أثبت الصلة الوثيقة بين الأسس العقائدية وبين الحياة العملية وذلك الغرض الأسمى للعقيدة الإسلامية حيث لا تبقى النصوص حبرا على ورق فتتحول الى حيز التطبيق وفعلا فقد بدا لأثر العقيدة الإباضية واضحا في أوساطهم عندما كان الناس يخضعون لسلطان العقيدة وما يزال هذا الأثر واضحا في وادي ميزاب وإن انخرم في بقية الأوساط الإباضية بالمغرب.

الـخـاتـمـة الـعـامـة


لقد تبين من خلال هذا البحث انه لا يمكن أن تتم دراسة مرحلة من مراحل تراث فكري إلا بتنزيله بين المراحل المهيئة والمراحل اللاحقة دون الغفلة عن توضيح مدى تعايشه مع التراث الإنساني عامة.

وهذا ما حاولنا أن نفي به طيلة هذه الدراسة حيث بينا في الباب الأول أن جذور العقيدة الإباضية ضاربة في الأصالة لأن منطلقها كعقائد الفرق الإٌسلامية الأخرى كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام مع تميز واضح من وقت مبكر بالدعوة الى التأويل والاجتهاد.

ومن هذا المنطلق عايش أئمة الإباضية الأول أحداث الفتنة الكبرى التي هزت أركان العالم الإسلامي وما تزال لما خلفت بين المسلمين من إحن استحال عليهم أن يتخلصوا من مخلفاتها الى يومنا هذا. فتبين حينئذ نشأة الفكر الإباضي ترجع الى وقت مبكر في تيار الحضارة الإسلامية نستطيع أن نحدده بالربع الأول من النصف الثاني من القرن الأول هـ.


وقد تبعت مرحلة النشأة مراحل ثلاث هيأت للمرحلة المقررة في بثنا هذا.

- مرحلة تمتد من القرن الثاني الى الخامس هـ ناضل فيها الفكر الإباضي التيارات التي بدت له منحرفة، وانسجم ما بدا له متماشيا وكتاب الله وسننه ورسوله عليه السلام، فرفض فكرة الإرجاء رفضا قطعيا وبين أن الإيمان عقيدة وقول وعمل، كما رفض اعتبار الموحدين مشركين ، ووقف موقفا وسطا بين الجبر والحرية وذلك إما أثناء رد مواقف خارجية أو مواقف داخلية وفي هذه المرحلة بدأت تتجلى معالم المدرسة الإباضية المغربية بمجموعة من المؤلفات لم تدرك مستوى النضج وإنما تجلت فيها المواقف العقدية صريحة من جل القضايا.

فهذه المرحلة هي مرحلة مخاض واصلت توسيع ما جاء مختصرا في رسائل الأئمة الأول وفي سيرهم وبينت أن العلاقة بقيت بين إباضية المشرق وإباضية المغرب.

ولا ينبغي أن نغفل هنا عن نشأة مدرستي الأشعري والماتريدي في القرن الرابه هـ وإن لم يتضح أثرهما في هذه المرحلة فإنه سيتجلى في المرحلة اللاحقة.

- وتنحصر هذه المرحلة في القرن السادس هـ وفيها أدرك التراث العقدي مستوى النضج فتصدى للرد على كل ما جد في البيئة الإسلامية من انحراف وإلحاد كما جد في إبراز مميزات العقيدة الإباضية بين الفرق الإسلامية الأخرى وبصفة خاصة المدرسة الأشعرية التي مدت نفوذها على كامل بلاد المغرب بعد انتهاء النفس الشيعي.

- ثم يليها المرحلة اللاحقة من القرن السابع هـ الى القرن التاسع هـ وقد أحس أصحابها أنه ليس في الإمكان أكثر مما كان عدا بعض الأستثناء فوقع التركيز خاصة على المختصرات التي يسهل حفظها على من لا يقدر الصبر على المطولات السابقة.

وبهذا نصل الى المرحلة المقررة في دراستنا من القرن العاشر الى الثاني عشر وقد تركزت استنتاجاتنا في شأنها على النقاط التالية:

1- وفرة الشروح والحواشي على حساب الإنتاج الذاتي.

2- وفرة الأجوبة والردود.

3- جربة قطب الدائرة.

4- ثراء المدرسة الإباضية خاصة والمدرسة الإسلامية عامة.

5-استمرار النزعة المقارنة.

6- طغيان النزعة التعليمية.

7- تعاون بين مناطق الإباضية.

8- دفاع مستميت عن العقيدة عن طريق الحجة والإقناع.

والمهم أن تراث هذه المرحلة وإن لم يتميز بالإبداع فإنه تميز بالفهم والاستيعاب وتوفير ما يحتاج إليه الدارس من نصوص حتى يتبين له نصاعة العقيدة الإباضية بين عقائد مختلف الفرق الإسلامية وخاصة منها المدرسة الأشعرية.

- أما المرحلة الأخيرة من القرن الثالث عشر هـ الى القرن الرابع عشر هـ فقد استطاع أقطابها أن يعودوا الى الإنتاج الذاتي رغبة في زيادة التنظير والتوضيح.

والملاحظ أن الإباضية في كل هذه المراحل استمروا يصدرون نصوصهم في العقيدة برد تهمة الخارجية وذلك لما نالهم منها من ضير من إخوانهم المسلمين.



تلك هي نشأة العقيدة الإباضية ومختلف مراحل تطورها كما بيناها في الباب الأول من هذا البحث فماذا عن فحوى هذه العقيدة في الإلهيات والإنسانيات؟


لقد تمثل الحديث في الباب الثاني عن الإلهيات في الوقوف عند المحكم والمتشابه.


وقد ثبت أن في محاولة علماء الكلام الربط بين المحكم والمتشابه عاملا من اكبر عوامل إثراء المكتبة الإسلامية، وللإباضية دور لا يستهان به في هذا الميدان، ذلك لنهم لم يسلكوا مسلك التفويض أو مسلك الاكتفاء بالظاهر بل أقاموا تحاليلهم على التأويل ومعلوم ما في هذا المسلك من سبل الاجتهاد والبحث والتنقيب في كتاب الله تعالى وفي السنة وفي التراث الأدبي عامة.

ولم يكن غرضهم من هذا التأويل تشويه العقيدة الإسلامية بل كانوا حريصين كل الحرص على تحري النصوص المحكمة إن توفرت قبل الغوص في الاستنباط والاستنتاج.

وفعلا فقد كان الأساس الذي أقاموا عليه فهم المحكم هو نفسه في فهم المتشابه إلا وهو الحرص على تنزيه الله تعالى.

أنا في نطاق المحكم فقد برهنوا على وجود الله تعالى نقلا وعقلا، وألحوا على تنزيه البارئ في اعتبار الصفات عين الذات حتى اتهمهم غيرهم بالتعطيل إلا أن ذلك كان رغبة منهم في نفي تعدد القدماء.

وكم وددنا لو ألحت نصوص العقيدة عند الإباضية وغيرهم على قيمة التحلي بأسماء الله الحسنى عوض الغوص في متاهات لا طائل من ورائها، مثل علاقة الاسم

بالمسمى وما تولد عنها من تنافر داخل الإباضية أنفسهم. وكان اولى لو اجتهد هؤلاء العلماء وهم قادرون على ذلك، في توظيف دروس العقيدة لمصلحة المسلمين مثل التوسع في إبراز عظمة الله وقدرته من خلال أسمائه وصفاته، وهم عارفون من البداية أن العجز عن إدراكه إدراك فكان أحسن لو صبغت نصوص العقيدة بصبغة وعظية عملية تحول مجرى حياة المسلمين الى محبة وانسجام وذوبان في طاعة الواحد الديان لكن الباحث يفهم العوامل التي دفعت هؤلاء الى مثل هذه المباحث وأهمها رغبتهم في نفي التشبيه والتجسيم عن البارئ عز وجل.

وهذا يتجلى بصفة أوضح عند الإباضية في إلحاحهم على التنزيه مع النصوص المتشابهة خاصة في ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف موجبا بأن لله عينا ويدا وما إلى ذلك من الجوارح، وفعلا فقد فهم الإباضية من يومهم الأول أن القرآن الكريم لو حمل على ظاهره في مثل هذه المفاهيم لتناقض، وأنى لكتاب الله أن يتناقض، فعكفوا على كتاب الله تعالى وعلى الحديث الشريف وعلى ما في اللغة من مجاز وأقروا تفاسير واضحة لكل هذه المفاهيمن وكان محط الثقل خاصة عند قضيتي الاستواء ونفي الرؤية فجاء الاستواء بمعنى الأمر والسلطان ولهم في ذلك من الأدلة الكثير نقلا وعقلا أما الرؤية فأساس البحث فيها أن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وقد مكنهم موقفهم الدفاعي ضد من يرون أن الاستواء كاستواء الأمير على السرير أو ينهون عن السؤال عن الكيفية أو يرون إمكانية الرؤية في الدنيا أو في الآخرة من جولات موسعة في أساليب اللغة وفنون البلاغة مع من رأوا رأيهم من المعتزلة أثرت التراث الإسلامي أيما إثراء.

والمدار هنا يتمثل في أنه كان أولى بالفرق الإسلامية أن تتفهم مواقف بعضها البعض حتى لا يسفر ذلك عن بغضاء وعداوة وإن كانت هذه العداوة سببا من أسباب الحرص على البحث والتحليل لأن روح الإخاء هو الآخر له من المزايا ما لا يحصى ، حيث يجعل الأطراف المتعايشة تسعى الى إقامة أخوة إسلامية صادقة بدلا عن التنابز بألقاب مثل أهل البدعة أو كفار النعمة أو ما إلى ذلك لا لشيء إلا من أجل خلاف لجمد الفكري الإسلامي من زمان، وكأني بالمتشابه في القرآن الكريم حافز من حوافز إعمال الفكر ، ومعلوم أن إعمال الفكر لا يمكن أن يفضي المتأول في تأويله وإن كانت أحكامهم في بعض الأحيان قاسية على هؤلاء سواء أكانوا من غير الإباضية أو من الإباضية أما المستحلون لحرمات الله فما أظن أن المسلمين يختلفون في إيقافهم عند حدهم واستتابتهم قبل اتخاذ الموقف النهائي في شأنهم.

ومهما يكن من أمر في شأن الاستواء والرؤية فإن الخلاف بين المسلمين بقي نظريا بالنسبة الى ما عرف عن محنة خلق القرآن وإن لم يحترق الإباضية مباشرة بنار هذه الفتنة مثل الحنابلة في البداية والمعتزلة في ما بعد فإن شرار هذه الفتنة انعكس على بيئتهم العمانية في البداية فاضطرت الى موقف عام لا يبت لا بالخلق ولا بالقدم لكن اباضية المغرب سرعان ما ردوا الفعل على الدولة العباسية والإمارة الأغلبية فأعلن إمامهم أبو اليقظان أن الصواب في رأي القائلين بخلق القرآن، وكتب

رسالته في هذا الشأن تلكم الرسالة التي بقيت أساس كل بحث في هذه القضية، والمهم أن هذا المبحث الذي بدا كأنه عديم الجدوى أثرى الفكر الاباضي والاسلامي في مستوى التحليل البلاغي والفلسفي والعقائدي، وتجلى أن ثورة الاباضية لم تكن عنيفة على القائلين بالقدم لأن نصيبا من علمائهم قال بذلك خاصة في عمان إلى القرن السادس هـ.

ومعلوم أننا نثور على مثل هذا الصراع الدامي في هذه القضية من الناحية الشرعية الأخلاقية أما من حيث الاستنتاج الحضاري فإنه قد مكننا من البحث عن أسباب هذا الحدث وعن حقيقته، وعن أبعاده ونتائجه ولو كان الأمر هادئا رصينا لما وقفنا عند كل ذلك ولما بحثنا عن آراء كل الفرق في هذا الشأن، وقد حرصنا على إثبات ما وقع بين أيدينا من نصوص لنتبين البون الشاسع بين هذه المواقف رغم أن المنطلق واحد، ومعلوم أن الحماس في الجدل يفضي الى حلول متطرفة فمن متطرف في القول بقدم الجلد الى متطرف يقول بأنه مخلوق في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة والإباضية وقفوا في هذا موقفا معتدى جمعوا فيه بين القدم والخلق.

ومهما يكن من أمر فإن المعركة الدامية كانت آنية وإن بقيت آثارها في التحاليل الكلامية إلى يومنا هذا، وقد أردك المسلمون أن القضية تجاوزتها الأحداث ونحن نقول كان أولى بهؤلاء جميعا أن يحافظوا على وحدة الأمة الإسلامية التي انقسمت الى معسكرين انتقم كل منهما من الآخر عندما تحولت السلطة بيديه فما كان من المأمون أن يجعل من الموضوع قضية وأن يفرض رأيه على الأمة وما كان من المتوكل بعد ذلك أن يرد الكرة بشدة لكن نفوذ السلطان كثيرا ما يعمي ويصم رغم أن الكل يعلم ألا إكراه في الدين، فكيف يكون الإكراه على موقف هو مجرد اجتهاد حول نصوص يمكن أن يصيب فيها المجتهد كما يمكن أن يخطئ.

وقد آن للمسلمين الآن أن يعتبروا من مثل هذه المحن وإن كانوا لم يستفيقوا الى الآن، ونحن نرى أن العنصر الأجنبي قد دخل ليذكي مثل هذه الاختلافات وقد أفلح في كثير من ربوع العالم الإسلامي إن بقي هذا الجزء من العالم إسلاميا بحق.

وغن كان هذا بالنسبة الى الإلهيات فكيف سيكون بالنسبة الى الإنسانيات حيث يتنزل الجدل في محيط حرية الإنسان ومصيره؟ وذلك كان محور الباب الثالث من هذا البحث.

لقد تبين من مبحث القدر أن الإباضية لم يبقوا في معزل عن مجرى الأحداث السياسية ولم يقفوا عن الخوض في هذه القضية رغم انهم يعلمون كما يعلم بقية علماء الكلام، أنها سر من أسرار الله تعالى.

والواضح في كل هذا أن موقفهم كان ذاتيا فلم يكن متأثرا لا بالمعتزلة الذين أطلقوا عنان الحرية المطلقة للإنسان رغم اتفاقهم والمعتزلة في جل الإلهيات كما رأينا، ولا بالجبرية الذين لم يميزوا بين حركة المضطر وحركة المختار واعتبروا حركة الإنسان كحركة الشعرة في مهب الريح. وقد ظهرت بوادر الاعتدال من وقت مبكر بعد التحول من موقف التفويض وذلك مع أمام الإباضية الثاني أبي عبيدة مسلم.

وفعلا فقد وقفوا مناظرين للمعتزلة والجبرية قبل نشأة الأشعرية والماتريدية مستعملين حجج هذا على ذاك ملحين خاصة على إمكانية تعدد الجهات بالنسبة الى الحركة الواحدة.

ومع نشأة هاتين المدرستين تبلور مفهوم الكسب، وهو مصطلح لمفهوم اتضحت معالمه من قبل فالفعل من العبد والخلق من الله.

ولم يستقر هذا بصفة نهائية إلا بعد أن تناست الأجيال ما جد من خلاف بين أهل جبل نفوسة وبقية أهل المغرب في ما يتعلق بالجبل والاختيار.

واستقر الوضع على مفهوم الكسب مع بلورة مفهوم الإرادة والاستطاعة والعون والخذلان.

والمهم في كل هذا أن الإباضية بم يجدوا الإنسان من المسؤولية وهذا لعمري أساسي في مثل هذا المبحث الكلامي وإن بدا لبعض الباحثين أن الكسب تعبير مقنع عن الجبر.

والحقيقة في ما نرى ليست كذلك وإنما القول بالكسب شعور من الإنسان أنه مسؤول أمام مشيئة الله التي لا تحد، والفرق كبير بين من يصرح بأنه مجبر ويحمل مسؤولية جميع أعماله على الله تعالى فيفعل ما يطيب له وبين من يعتبر أن كل عمل هو من كسبه وأن له دورا فيه سيحاسب عليه بين يدي الله.

والحقيقة أن فلسفة مثل هذا المبحث، والبعد به من دائرة الإيمان الى دائرة العقل المجرد أدت علماء الكلام الى الوقوع في متاهات نتيجة التأثر بتحليلات يونانية وفارسية تختلف عن الفكر الإسلامي من منطلقها.

والجدير بالملاحظة هنا انه على المسلم المؤمن بالقضاء أن يؤمن إيمانا راسخا أن هذا الإيمان لا يزيده إلا ثقة في الله تعالى ومضيا في فعل الخير الأمر الذي يعود على الأمة الإسلامية بالخير.

ومثل هذا الإيمان الراسخ هو الذي عرفه أصحاب الرسول عليه السلام، ففتح الله على أيديهم أطراف العالم، والحقيقة أن العقل مهما تمرد فإنه يركع خاشعا أمام عظمة الله التي لا تحد فإذا استكبر ونأى فإنه يجني مرارة استكباره بعد حين ويبقى مدركا أنه لن يستطيع إزاحة الستار عن كل الحقائق الكونية فكيف بعالم الغيب!.

وإذا ادرك الإنسان أن له جانبا من المسؤولية في كل ما يقوم به فلم يبق له إلا أن يفكر في ثمرة العمل في الدنيا والآخرة.

أما عن ثمرة العمل في الدنيا فكثيرا ما يجنيها الإنسان كاملة، وكثيرا مالا يحصل إلا على نصيب منها، وقد لا يحصل على أي نصيب منها وليعلم أنه في ذلك مبتلى من الله تعالى عسى أن يكون من الفائزين في الدار الآخرة.


ومن هنا مبحث الوعد والوعيد وما يرتبط به من خلود في الجنة أو في النار.


إن الضجة الكلامية لم تثر حول خلود الصالحين في الجنة أو خلود المشركين في النار وإنما ثارت بعنف حول من خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وقد ثارت في الأوساط الإسلامية من مقتل عثمان فتساءل الناس عن مرتكب الكبيرة، وعن الإيمان والكفر، والنفاق ، والفسق وما يترتب عليها من أحكام.

وكسائر المباحث الكلامية تأرجح المسلمون بين طرفين متناقضيين بين الأرجاء القائل بأنه لا تضر مع الإيمان معصية، وبين الحكم بالشرك على كل أنواع المعاصي.

ووقف الإباضية من يومهم الأول موقفا خالصا قالوا فيه بكفر النعم، ثم ألحوا إلحاحا كبيرا على قضية الإصرار واعتبروا ألا سبيل الى نجاة المصر على المعصية حتى الموت ولهذا اتهمهم الطرف المتسامح بالشدة وبالغفلة عن رحمة الله إلا أنهم لا يرفضون فضل الله لكن يربطون القضية بالحكمة وليس من الحكمة أن يجمع بين المؤمن الموفي وبين من مات معاندا مستكبرا على الله تعالى في مقام واحد وبهذا قالوا بإنفاذ الوعيد في هؤلاء جميعا من الإباضية ومن غير الإباضية.

وترتب على هذا القول بخلود كفار النعم المصرين في النار وعرضوا في ذلك من الأدلة الكثير وقد غلب على هذه الأدلة طابع النقل من القرآن والسنة.

وارتبطت بهذين المبحثين قضايا أخرى مثل عذاب القبر والشفاعة وما إلى ذلك فكانت كلها خادمة للموضوع الأصلي وموجهة في اتجاهه فعذاب القبر ثابت لمن مات مصرا على المعصية ولا سبيل له إلى الشفاعة لأن الشفعاء لا يشفعون إلا بإذن الله والله لا يأذن بحكمته في أن يشفع في من مات مستكبرا معرضا عن التوبة.

وفي مبحث التوبة ألح الإباضية على ضرورة التحري في حقوق الله تعالى وفي حقوق العباد مع أداء ما حدده الشرع من الكفارات.

والمهم أن مثل هذا المعتقد بين أثره الفعال في البيئة الإباضية إذ دفعها الى مزيد من التحري والمحافظة على أحكام الشريعة زمن الإمامة العادلة وزمن فقدانها حين أرسى علماؤها قواعد للولاية والبراءة تجعل المجتمع رقيبا على من ينتهك حرمات الله فيحرم من حقوقه المدنية حتى يؤوب الى الله تعالى ويقلع عن المعصية التي تضر بمصلحة الأمة.

والمتأمل في واقع البيئة الإباضية في وادي ميزاب اليوم حيث ما يزال نفوذ هذه العقيدة ساريا يرجو لو سلك المسلمون في كل مكان مثل ذلك المسلك وبالتالي يلتقي الجميع على درب الإيمان لإقامة دولة الإسلام.