بسم الله الرحمن الرحيم


صلى الله على سيدنا محمد



كتاب العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والإختلاف


الجزء الأول



قال الشيخ الإمام الفقيه النبيه الوجيه المج الأرشد أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مناد السّدراتي الوارجلاني رحمه الله .

الحمد لله الذي خلق الخلق لا لحاجة ولا لاستفادة ، وخلق الملائكة المقربين للقرب والسعادة ، وخلق الجن والأنس للابتلاء والعبادة ، وخلق سائر الخلق للدلالة والشهادة ، والصلاة على نبي الرحمة ، هادي الأمة ، محمد بن عبدالله خاتم النبيين ، رسول رب العاملين . وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، وعلى سائر المؤمنين والمؤمنات أجمعين . آمين رب العالمين.

أما بعد ، فإن الحكمة الإلهية قد اقتضت وجود الخلق ، واقتضى وجود الخلق وجود العقل ، واقتضى وجود العقل وجود التكليف ، واقتضى وجود التكليف وجود الجزاء ، وهو الحق ، قال الله تعالى : وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النـار . ثم إن الله عز وجل بعد أن خلق الخلائق أرسل رسلا تترى ، وأنزل كتبا تتلى ليتفكر مُتفكر فينظر ، وينظر ناظر فيبصر ، ويبصرمبصر فيعتبر ، ويعتبر معتبر فيتذر ، ويتذكر فيزدجر ، ويزدجر مزدجر فيتستبشر ، ويستبشر مستبشر فيشكر ، ويشكر شاكر فيؤمن ، ويؤمن مؤمن فيحسن ، للذين أحسنوا الحسنى وزيادة . وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ والإحسان الأول هو الإيمان ، والإحسان الثاني هو السعادة الأبدية ، وللإيمان باب ومدخل ،وعليه إقليد ومقفل ، وهو الكتاب والسنة والرأي . ومفتاح الباب أصول اللسان وأصول الجنان ، فأصول

اللسان اللغة والنحو ، وأصول الجنان المنطق والفقه ، وهذه الأربعة الأصول لا غنى لسبيل الهداية عنها ، إذ باللغة يكون البيان ، وبالنحو يكون التبيان ، والمنطق تظهر حجج البرهان ، وبأصول الفقه تظهر معاني القرآن فنسبة صناعة المنطق إلى العقل في المعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان في المقولات ، وإنما المرء بأصغريه فؤاده ولسانه ، قال القائل:

لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ولم يبق إلا صورة اللحم والدم

فإذا كانت الحاجة ماسّة إلى هذه المعاني الأربعة ، لا سيما لمن يتعاطى طريق الهدى طريقا، واتخذه إماما رفيقا ، وجعله أليفا صديقا (وسلك مجدا) حقيقا ، فرأينا أصولي اللسان ؛ اللغة والنحو قد لحبت سبيلها واستقامت أصولهما فرأينهما كالمجمتع عليهام ، وقد تصدى لهما أقوام فألقوا فيهما ما فيه الكفاية لمن أراد الله إرشاده وهداه ، فكفينا المئونه فيهما . وإن كان المنطق بمثابتهما في اتساق مباينة وصحة معانيه ، لكنه عوص المسلك على الأقوام ،سريع الدثور على الأفهام . فلذلك غامت فنونه وانطمست عيونه ، واندمجت قوانينه ، وتعطلت براهينه ، فالتحق بالأولين في البيان وقصر عن التبيان.

فأما معرفة الفقه وأصوله فإنها غير مضبوطة بكثرة الاختلاف في فصولها ، وقلة الاتفاق على أصولها ، وكثرة التنازع في محصولها ، لأنها بُنيت على أمارة وإشارة. وبراهينها مقصورة على تلويحات وتنبيهات ولم تكن براهينها عقليات مطردات منعكسا بحججها ، غير مقطوع بها ولا متفق عليها فلذلك أردنا أن نشير إلى الطريقة الوسطى منها، ونستعمل الجواد ، ونطرح الشواذ ، ونسلك مسلكا قَصَدا بين الغلوّ والتقصير

ليقرب المأخذ على المقتصد و )تهون) المشقة على المجتهد، والله ولي التوفيق والفضل والهداية والطول.

ومعّولنا ـ بعد حمد الله ـ في استخراج الحق من خلل الباطل أمران؛ أحدهما خبر، والآخر.

أما الخبر فقول رسول الله عليه السلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين» وذلك أن الله ركّب في طباع البشر عشق صنايعهم والشغف بها والدّب عنها والحياطة لها وتخليصها من الشوايب والمعايب. وإيثارها على المطاعم والمشارب والمفارش والمراكب، لا سيما صناعة العلوم خصوصا قد ائتلفت القلوب والهمم والطبايع والشيم من العرب والعجم على تلخيص هذه المعاني وتخليصها من الميون والكذب والأماني، ولا سيما هذه الأربعة وهي الخادمة لأصول الدين، فائتلفت القلوب على اختلاف البلدان والأماكن، وتباعد الأقطار والمساكن، وتنافر أهل المدائن والمواطن، وهو أدب اله تعالى في القرون الماضية والأجيال الخاليه، وهو دأبه في الأمم الجائية الآتية ولن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا ، وهو معنى الحديث الذي ذكرناه أولا.

وأما النظر، فاستعمال كل شيء من العلوم في موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه. وعوّل على الأصول التي اجتمعت عليها الأمة واجعلها منارك، واتخذها معيارك، وأَرِدِ الله يُردْك، واضرب العلوم بعضها ببعض يخلص لك الذهب من الخبث، والمخض من بين الدّم والفرث. وقد جعل الله للإسلام ضوء ا ومنارا كمنار الطريق / وحلاوة وطلاوة في اللّها والحلوق، وسكونا وقبولا

في النفوس والقلوب، والحق يصدّق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا. وأجتنب التقليد فيما يخالف التقييد والمنكر في الصدور و(الشواذ) في الأمور. والد ّين بين الغلو والتقصير. واستعمل الحذر في مظان التهم والعلم في حناديس الظُّلَم، واستعمل الاثنى عشرية تَسْلَم؛ وذلك أن (سعادة) الآخرة العلم، ثم الإيمان، ثم العلم، ثم التوفيق، ثم حسن الخاتمة، فإذا لم يكن حسن الخاتمة لم يكن التوفيق، فإذا لم يكن التوفيق لم يكن العمل الذي يجدي، وإذا لم يكن العمل الذي يجدي لم يكن الإيمان الذي يجزي، وإذا لم يكن الإيمان الذي يجزي لم يكن العلم الذي يغني، وإذا لم يكن العلم الذي يغني خسر المرء الدنيا والآخرة؛ ذلك هو الخسران المبين ، ثم إني نظرت في العلم وهو الباب الأول فرأيته منحدبا من آفات كثيرة فلم يسلم العبد من واحدة منها بله جملتها. فرأيت من التوفيق –إن شاء اللهء وهو من ملاك الأمر، استعمال آيتين من كتاب الله، وحديثين من حديث رسول الله و، وخبرين عن أبي بكر الصديق ت، وأثرين عن عمر بن الخطاب ت. ونظرين عن علي بن أبي طالب، وأوكدها وأشدها استعمال أمرين من أمور أبي عبدالله محمد بن بكر ت. فأول الآفات ألا تكون للعبد همة في الطلب بعد الجهل وللهو واللعب، وألاّ يريده، فإن سلم وطلب وأراد وأحب استقبلته آفة أخرى، وهو أنى له بالعلم الصافي من كدرات الكذب، ولقول رسول الله : «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» ولقولـه : «العلم علمان / علم باللسان وعلم بالجنان؛ فأما العلم باللسان فذلك حجة الله على ابن آدم، وأما العلم بالجنان فذلك هو العلم النافع»

ومنها التقليد للآباء والأجداد، وانتصار الأخلاق للأسلاف لأجل الصبا السابق واللهو اللاحق. وتفضيل العصار على الأعمار. والمألوف على المعروف، ولم يجعلوا للنهي في أنفسهم نصيبا. ومنها قطاع الطرق على ذوي الحق، وسراق العقول من أهل الألحاد والفرق، وتلبيس إبليس عند لوائح الصِّدق. فأما الآيتان من كتب الله فقولـه تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ، والآية الأخرى قولـه تعالى: اتقوا الله ويعلمكم الله ، فمن اتقى علم، ومن علم تفقه. اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل يا رب العالمين.

وأما الحديثان فقولـه : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه / التأويل ويلهمه رشده».

وأما الحديث الثاني فقولـه : «لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» . وهو معنى قولـه تعالى: وقل رب زدني علما ، وفقر الأعمى إلى الرؤية أشد من فقر الرائي إلى كثرة الوجوه. وهاتان الآيتان والحديثان ترغيب في التقوى وتوفيق في الطلب وإلهام في نيل الأدب.

وأما الخبران عن أبي بكر الصديق فقولـه: (ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك ما عدا صاحب هذا القبر) والتفت عن يمينه وأشار إلى قبر رسول الله و وهو على المنبر، وهذا الحديث يدل على التخيير بين أقاويل العلماء.

والخبر الآخر قولـه: (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن أنا فسرت القرآن برأيي!؟) ، وهذا الحديث صيانة للعلم عن الكذبة والخونة والتقليد.

وأما الأثران عن عمر فقولـه: جردوا / الحديث وأنا شريككم في الأجر. وهذا الحديث صيانة لرسول الله و لا يلتبس بغيره لأنه أوتي جوامع الكلم.

والثاني: أنه يكتب إلى عماله وأمراء الأجناد أن علموا أولادكم النحو والعربية وهما لسانا الدين ومفتاحاه وركناه.

وأما النظران، فقول علي حيث قال: (لا تكونن إمعة). وهذا نهي عن التقليد. والثاني: قولـه: (عدو المرء ما جهل)، وصدق الله تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ، وكما قال : «ما من رجل يحدّث قوما بما لم تبلغه عقولهم إلاّ كان فتنة على بعضهم». والداء العضال في الأمرين قول أبي عبدالله محمد بن بكر ت: (من أراد الطريق فليقطع عليه من فوق). والثاني، قولـه لسائله وقد سأله عن الرخصة في مسألة وألح عليه، فقال الشيخ: أرأيتك لو أجبتكها أكنت تعمل بها؟ فقال لـه السائل: نعم، ولا ألتفت ولا أبالي


فقال لـه الشيخ: لا، ولكن تزن كل ما قلت لك بميزان الهندي إلى عين الشمس.

فمن استعمل هذه الاثنا عشرة ووزن بميزانها سلم من الطغيان والخسران وأداه إلى حقيقة الدين والإيمان. وأما أصول الديانات فهناك الداء العياء، والداء العضال، إذ لا يسع أحد خلاف دين الله الذي شرع، وحكمه الذي صدع، ونوره الذي سطع. فها هنا تورط الخلايق وتغشمروا وتقحموا وتهوروا وتغشموا. وعول على ما استحسن واستسلف. فجرى الخلف على منهاج السلف فكل قد ركب أشقر صدف في سنن التلف. وأقربهم قربى من تتبع الشبه واتخذه إماما لنفسه، وزماما لعيسه، ولا يدرون إن العلم حياة القلوب، وغذاء الأرواح، والحي يحتاج إلى غذاء ودواء؛ أن صح تغذى، وإن مرض تداوي ولا ينفع المريض الغذاء، ولا الصحيح الدواء. فالغذاء هو العلم النافع / المعقول، والدواء هو الشرع الناقع المنقول. ومن استعمل كلا في موضعه أحكم أمره وقل خطره. فذلك هو الطبيب الحاذق والعالم الصادق. ومن خلط الأصول بالفصول، والفصول بالأصول، وهو حال الأكثرين ، انتكس وارتكس.

فلما ابتلي الجمهور بهذه الأمور اختلفت الأغراض والمطالب، وكثرت الآراء والمذاهب، فاقتصروا على رأيهم في مناظراتهم، وعرّجوا على اعتقاداتهم في محاوراتهم. فجدوا في محاولاتهم وكدوا في مجاولاتهم، وفرحو بما عندهم من العلم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . فهنالك ذهبوا شذر مذر، وتفرقوا شغر بغر. فبعض ذهب به تلفيق الآباء وتقليد الأسلاف كل مذهب فهؤلاء أصحاب الحديث. وبعض قد استولى عليهم العمى

والشبهات أينما تقلب، فهؤلاء المارقة. وبعض قد انشعب بهم اللهو والشبهات كل مشعب فهؤلاء المرجئة. وبعض قد استعملوا التقييد زعمهم وتجنبوا التقليد جهدهم حتى تعمق ونشب فهؤلاء القدرية. وبعض حُولُ العيون، عور القلب أشتبه عليهم الخالق والمخلوق فحادوا يسار الطريق، فهؤلاء المُجسمة. وبعض غليظ القفا حليف الجفا عليه العفاء، يسترط السفى، ويزعم أنه الشفاء، يقول لا إله إلا الخلفاء من ذرية علي والمصطفى، حسبي الله وكفي، فهؤلاء الرافضة والغالية من الشيعة. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

وبعض قادة التوفيق والتسديد، وحداه العون والتأييد، وساقه التمهيد والتوطيد، وغذاه الألطاف ورباه الإسعاف حتى ظفر بعزيز المطلب كريم المنصب دين الله الأصوب، وهم المسلمون كما قال أبو نوح صالح الدهان : ولدت زمان مقتل عثمان بن عفان فأدركت الناس ثلاثة أصناف: فوم يزيّنون أمر عثمان ولا يفرطون في الإرجاء، وقوم يزينون أمر علي ولا يفرطون في التشيع، والمسلمون بعد على هداهم وما رزقهم الله من التوفيق.

فإن قال قائل: أراك قد نُلْتَ ونِلْت، وعبت وغبت، ورميت الأمة بالأمة، والملة بالقلة، وشملت السانح والبارح. وخلطت الساذج بالطازج ومدحت نفسك بالوفاء، ونبزت غيرك باللفاء، فكيف وحتام بلغت المنى، وفاز غيرك بالمنَى، ومن عاب اجتنب المعيب، ومن طاب استعمل الطيب. وأراك

قد وضعت أمورا متشاكهة متلاحقة، وأشياء متشابكة متلابكة. فأين السنى والسدى من اللحمة والطعمة، وأين الضياء والنور من السدفة/ والظلمة؟ ألك علم بغيب العباد، أم ظهرت لك أحكام البارئ غدا في المعاد؟ فإن كان فانصب منوا لك وأنسج عليه أقوالك، حتى يظهر الحق ولسان الصدق عند جميع الخلق، وإلاّ التحقت بالأخرين أعمالا المبطلين أقوالا.

فأقول، والله الموفق للصواب، والهادي إلى سبيل الرشاد: لا جرم أن من ادّعى منهاج المحجة فعليه إيضاح الحجة، وعند شواهد الإمتحان تظهر فضايح الإنسان والتبرز في الميدان.

واعلم أن لله "تعالى" طريقا في الدنيا يقوم بها العدل ويتبين بها الجور والميل. قال الله تعالى في محكم كتابه : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة . وقال : ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط . وقال أيضا سبحانه : الرحمن علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميـزان .

فلا تكونن من الأغبياء الغفال فتظن أن هذا الميزان ميزان الأنقال والأحمال. ذكر الله عز وجل صنيعة الإنسان، وأنه امتنّ عليه بتعليم البيان، لعجايب ما أودعه الله تعالى في القرآن، فذكر الشمس والقمر، والنجم والشجر، عجائب ملكوت السموات بحسبان. وعجائب ملكوت الأرض، وهي النجم والشجر يسجدان. ثم ذر رفع السموات ووضع الأرض، ووضع الميزان فجعل السماء والرض طر في شاهد للميزان، فابتدأ بالسماء ورفعها، وعقَّب بذكر الأرض ووضعها؛ بالسماء وشاهداها الشمس والقمر، والأرض وشاهداها النجم والشجر دلالة على نباهة هذا الميزان العظيم للأمر الجسيمن وهو الإشارة إلى ميزان العقل لا ميزان الثقل فالثقيل يراد لمعاملة الأغبياء في الدنيا، والعقل يراد / لمعاملة الأتقياء للأخرى.

ثم وصف الميزان فقال : .. ووضع الميزان، ألاّ تطغوا في الميزان ، فالطغيان في الميزان انتحال الألوهيّة للأوثان. والخسران في الميزان تقصيرها عن الرحمن.

فأول موازين الله "تعالى" كتبه المُنزلة، وأنبياؤه المرسلة، والأولياء المحدَّثة المُروعة، والحواس المطبوعة المسخرة، والعقول المضيئة المنوّرة. فمن بهذه الموازين فزاد وطغى، أو نقص فبغى، ضل وغوى وهلك وترَدَّى. ومن وزن وعدل وتحرى الصدق ولم يَمِلْ فاز ونجا. وأنا أدعو إلى هذه الموازين على أن تكون لي وعليَّ. ومن حكم على غيره كما يحكم على نفسه فقد عدل، ومن أحب لغيره مثل ما يحب لنفسه فقد أنصف. وأنا أدعو إلى طريق العدل والإنصافن وأنهى عن الجور والإنحراف فمن أجاب اصاب، ومن أبى واستكبر فقد خسر وخاب/:


سَلِ السيف يا صيقــل أيكمــا يَقْتُــلُ.!؟

وميزانُ خالقنــا ..... هو الحق لا الأميـــل

وميزانك،م مائــــل دَعُــوه ولا تسألــوا

وإلا هلُــمَّ نـــزن تروا أيّكــم أعــدل


أعمالي أعمى لـي. أعمالك أعمى لَك. أحوالي أحْوى لِي، أحوالك أحو لك. أفْعالي أفْعى لِي. أفعالك أفعى لَك ، فهذا مثل ينبئك بالمالك والهالك.

وأنا أشرع ـ إن شاء الله ـ فيما أنا بسبيله، وأستعين الله وأستهديه لمراشد الأمور، فإن أصبت فبتوفيق من الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان. وأستغفر الله وأسأله المنتوبة. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، وأعذنا من أن يشتبه علينا/ فنتَّبع أهواءنا بغير هدى منك يا أرحم الراحمين. واستعتب كل مسلم قرأ هذا الكتاب أن يحمل كلامنا على أحسن وجوهه. وهو دين الله تعالى الذي تعبد به عباده وشرع فيه مراده، وقد قال الله تعالى : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، الآية. وحسبنا ما لا ينفك عنه الآدمي في غالب الحال من الخطأ والسهو والنسيان. وقد أوسع الله عز وجل عذر المستنبطين في فروع الشريعة في ألفاظهم ومعانيهم فليوسعنا عذرا كما أننا توسعه أعذارا في مثل ذلك. فليس أحد أكثر معاذيرا من الله "تعالى" وقد قال: فخذوا بأحسنها. وقال الإمام ت: إذا أتى أحد بوجـه يحتمل الوجوه في دين الله "تعالى" وأن يحمل على المعول دون المموه الصريح. وإلى الله أشكو عجزي وبُجري ممن أكدي فهمه، وقَلَّ/ علمه، تخاطبه بكلام خاصّي، ويراجعك بكلام عامّي، وَلَسِنٍ لَقِنٍ يستلين الأخشن، وستخشن الألين، ويركب الكوذان يحسبه من أفره الحصن، ويزعم أنه أبن من ومن. وآخر طاغ باغ يقول ما على الرسول إلا البلاغ، وهو نصراني الصباغ. اللهم نوّر قلوبنا بأنوار الحكم، واشرح صدورنا لفهم جوامع الكلم، وأعذنا من زلات القدم في حنادس الظلم. ومن طغيان القلم في مظان التهم. وأعوذ

بك عنن العنن ومنن المنن عن سنن السنن، والإفتتان في غير فن. ونعوذ بك من حيرة الحصر وفضول الهدر، والإنهمار في غير بر، وعافنا من العفو والعافية ومن آثار القافية، وارزقنا العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ولا تكتبنا في ديوان الأشقياء ولا تحرمنا عوايد الأتقياء، وحطنا حياطة الأولياء، واكفنا كفاية الأكفياء، إنك على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين.




وصية جامعة لأهل الأدب والنهى والطلب


ونريد أن نقدم ها هنا بابا من الأدبيات لطلب العلم.

إعلم أن طلاب العلوم تدعوهم أنفسهم أولا لتحقيق مآربهم وتصحيح مطالبهم، فإذا دخلوا فيها وتوغلوا وارتقوا إلى المناظرة دعتهم أنفسهم إليها فنعمّا رأوا. حتى غذا حصلوا وجمحت بهم أنفسهم إلى المجادلة في الميزان الشهي الرضي، لا قتل ولا قتال ولكن الغلبة والنضال. واعتقاد النفوس فيها الدب عن الدين. والدعاء إلى الحق المبين.

حتى إذا غالتهم الغول، وذهب بهم القول ، نشبوا فغلوا وطغو وبغوا غلا المحسنين فأولئك ما عليهم من سبيل ، وقيل ما هم. فالمذاكرة من شأن الطلبة المجتهدين. والناظرة هي دأب الفقهاء المحققين. والمجادلة ديوان السفهاء الجاهلين إلا المحسنين. قال الله تعالى : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، وقال : إن جادلوك ، فقـل : الله أعلم بما تعملون ، وقال لرسوله عليه السلام : وجادلهم بالتي هي أحسن ، وعني بالتي هي أحسن: البلاغة في المقال، والمناصحة في الفعال، والأعراض عن النضال.

وقد قال الله عز وجل: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ، ذما مطلقا لا حمدا مواثقا.

الأولى: فينبغي للطلبة إذا أرادوا ركوب هذه السفينة المنجية، وخوض لجّة هذه البحار المهلكة المردية، أن يقدموا بين أيديهم تقوى الله، فإن التقوى رأس كل بِر، وسبب كل خير، وحاصل خير الدنيا والآخرة./ فلن ينفعك شيء إى بالتقوى. ولا قبول إى من المتقين، وقال رسول الله عليه السلام لمعاذ بن جبل: «اتق الله في حكمك إذاحكمت».

الثانية: إخلاص النية لله فيما تحاول وتقاول فإن الله عز وجل لن يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه خالصا مخلصا. قال الله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ، وقال عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

الثالثة: قبول الحق ممن جاء به، والإعتراف له والإقرار به، والإذغان له، وأن يستنكف عن صفات من وصفه الله بالاستنكاف عن الحق. ومن امتنع عن قبول الحق علما خدع نفسه، ومن أباه جهلا أوتع نفسه. قال الله تعالى : يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ، وقال أيضا : قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ، وقال : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين
.

الرابعة: ألا يُعوّد نفسه المجادلة في كل شيء؛ قال الله تعالى : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ، والمجادلة تدعو إلى اللجاجة، وتدعو إلى المجادلة، وإلى إغماض الناس، وإعجاب النفوس. وهي حبالة إبليس. وقد غلط الناس قديما في أشعارهم وأنثارهم. وقد نهى الله عنها لنصرة الحق. فما ظنك بمن جادل بالباطل ليدحض به الحق؟!


قال الله تعالى وعيدا وتهديدا : وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق
.

الخامسة: أن يراعي العدل والإنصاف بينه وبين خصمه، فلن تتم مروءة أحدكم ما لم تجتمع فيه هاتان الخصلتان، ولا تقوى حتى يجمعها. وقد نصبنا العدل وافنصاف ميزانا بين كل خصمين. فمن حاد حاذه/ آد آده واستمنت منته، وخابت حجته، ومن لاذ كاده نال مراده وفلجت حجته. والحذر كل الحذر أن تظلم خصمك مثقال حبة من خردل فيكون ربك خصمك وظلمك وقصك. قال رسول الله عليه السلام: «الظلم ظلمات يوم القيامة».

السادسة: أن يحسن خلقه ويستعمل الأدب بين يدي ربه، ويستعمل الوقار والعلم والتقى والحلم، ولا يهمز ولا يغمز ولا يلمز. وليقابل مناظره بكل وجهه، ويظهر البشر والتبسم في وجهه، والإعظام والذب عنه في مغيبه.

فأول ما يحسن أدبه مع الله عز وجل إذا سمع كلامه أن يظهر إجلاله وإعزاز، ويصغي إلى الفائدة منه. وإنما ظهرت فوائده على قدر عقولنا، لأن فيه علم الأولين والآخرين. وقد قال علي بن أبي طالب: ما من شيء إى وفي القرآن علمه، ولكن عقول الرجال تعجز عنه. ولهل العلم في / توعيته فوائد وعوائد.

ولا ينبغي له أن يخلط كلام رب العالمين بكلام غيره، ولا يقطعه عن خصمه، ولا يماري فيه ولا يداري. قال رسول الله عليه السلام: «لا تماروا في القرآن فإن مراء فيه كفر» ، وقال عليه السلام : (اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا» . ولا يضرب بعضه ببعض، سواء كان ذلك منه وحده أو مع خصمه. فإن نزع خصمه آية من كتاب الله عز وجل فليتربص وليلق السمع وهو شهيد، لئلا يحصل في الوعيد: قال الله تعالى : وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ، وقد قالوا : ينبغي خفض الصوت في ثلاثة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الجنائز، وعند القتال.

فإذا ظهرت لك من أحد مثل هذه الأخلاق فانصحه فإنه لغو، فإن أبى فإعرض عنه واقطع كلامك دونه. قال الله تعالى: وإذا مروا باللغو مروا كراما ، وقال تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ، وكذلك قول رسول الله عليه السلام، ينبغي لـه أن يوقره ويعزره حتى كأنه حاضر معه. فالإيمان به غائبا

كالإيمان به حاضرا وأفضل. ويتتبع فوائده، فإنه قد أوتي جوامع الكلم. وقد عوتب في قلة الكلام فقال لأصحابه: «أعذروني فإني رسول مبلغ« ، ولينته عند أمره ونهيه، قال الله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ، وقال بعضهم : ما قطع كلام رسول الله أحد عن أحد إلا أصابته فتنة في دينه. ونعوذ بالله من سوابق الشقاء. وينبغي (لـه) أن يستعمل الإصغاء والقبول، ولا يقابله بالرد والعدول ولا يضرب بين أقواله ولا يناقضها بأفعالـه، وليؤمن ويصدق، أو ليتوفق حتى يقق، ولا يستقبلها بالتكذيب إذا ظهر/ فيها شيء من التشبيه بل يطلب لها تأويلا يحملها عليه تحميلا، ويقول: غن صح الحديث. وليقتصر في كلامه على أدنى ما يبلغ به مراده فإنه البلاغة. وما زاد فعَيّ. وليجتنب التكرار والترداد فإنه من العي، وليجتنب التقعير فإنه التنفير. وليجتنب التشدق والتفيهق والتعمق والتوهق والتعمق ، وليراع العقول الحضرة، ومن وراء ذلك الحَفَظَة الكرام البررة. وليستعمل في كلامه إذا تلكم ألا يخطب ولا يطنب، ولا يسهب ولا يعجب ولا يطرب

ولا يصخب ولا يغضب ولا يكذب، وليحذر أن يستبَّ فإن المستبيّن شيطانان يتهاتران، ولا يغتب أحدا. وليجتنب ما يعتذر منه، ولا يعذر نفسه في المواطن التي لا يُعذر فيها غيره، ولكن عدلا وسطا بينه وبين ربه، وبينه وبين خصمه.

تمت الصدرة. من ها هنا/ مشره في المقصود الذي أردناه، ونبتدئ بطرق العلم ونوطدها توطيدا، ونمهدها تمهيدا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.




باب

أقسام العلوم



اعلم أن الطرق التي تطرق فيها العلوم إلى العباد ثلاثة أقسام: حس متصل، وحس منفصل، وحس بنية. فالحس المنفصل كاللمس والذوق، والحس المنفصل هو الرؤية والسمع والشم. وحس البنية ما يجده الإنسان من نفسه من غير طريق الحاسة كالألم واللذة، والفرح والحزن، والوجود والعدم، والحدوث والقدم.

وتنقسم العقليات ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل. فأما الواجب فهو ما لا بد من كونه كمعرفة الفاعل بعد ثبوت الفعل. قال الله تعالى : أفي الله شك فاطر السموات والأرض ، فأثبت الشك عمن انتفى عنه/ جهل الفطور، فليس بعد انتفاء الشك إلا العلم. ومن قبيله شكر المنعم، بعد حصول النعم، وكفره.

ومن الواجبات أيضا ثبوت القدرة لمن ثبت له العقل، وثبوت العلم لمن ثبتت له القدرة، وثبوت الحياة لمن ثبت له العلم، وثبوت الوجود لمن ثبتت له الحياة، فهذه مقتبسة من أوائل العقول في مثلها.

وأما المستحيل فكاجتماع الضدين ووجود شيء واحد في مكانين، وتحرك الجسم إلى جهتين، ومحال فاعل غير قادر، وقادر غير عالم، وعلام غير حي، وحي غير موجود.

وأما الجائز فما عرى منهمان وسيوغ في العقل وجوده وعدمه.

وينقسم الشرع المسموع ثلاثة أقسام: أصل ومعقول أصل، واستصحاب حال الأصل.

وينقسم الأصل ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع. وينقسم معقول الأصل/ ثلاثة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب، وهو العِبرة. وينقسم اتصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذمة، وشغل الذمة، والاستحسان.

فأما براءة الذمة، فإن الأصل في الفرائض براءة الذمة منها، لا فرض إلا بثبوت المشرع عليه، فمن ادّعى بشغلها فعليه الدليل، وما ثبت من الفرائض فالأصل شغل الذمة، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل، وأما الاستحسان فقول بتقليد، لا تقييد ولا دليل ولا برهان، وأما فحوى الخطاب فالذي يقتضيه المعنى المذكور دون ما ذكر، كقول الله تعالى : ولا تقل لهمـا أف ولا تنهـرهمـا ..( فالشتم والضرب والأذى والقتل أولـى بالنهي.

وأما لحن الخطاب، فالضمير الذي لا يتم الكلام إلا به، كقوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو بـه أذى من رأسه ففدية .. ، أي: إن حلق ، وقولـه تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي
، أي: فعليـه ما استيسر من الهدي. وقولـه : ولكم في القصاص حياة ، أي: إن فعلتم. وقولـه : وما تفعلوا من خير يعلمـه ، أي: فينبئكم عليه، في مثل هذا.

وأما معنى الخطاب الذي هو العبرة، فسيأتي معناه، إذا صرنا إليـه.


باب في ترتيب العلوم


أعلم أن العلم ينقسم: مُحدث وغير محدث. فغير المحدث علم القديم سبحانه، والمحدث علم المُحدث. وعلم المحدث ينقسم قسمين: ضروريا ومكتسبا. فالضروري ينقسم أقساما:

أولهما علم البنية، وهو علم الإنسان بوجوده وبذاته وأفعاله وصفاته، وما يختلف عليه من حالاته، وما يجد من آلامه ولذاته، وقتبس من ذلك استمرار هذه الأشياء على جميع أبناء جنسه ولِدَاته. وإن كان/ هذا العلم ضروريا فربما تختل عليه هذه الأمور إذا كانت البنية مأفوهه أو معتوهه: فتلتبس الحقائق بالخيال، والدقائق بالجلال، مثل ما يعترض المبرسمين من العقلاء والمجانين.

الثاني: ما علما من العقليات الواجبات والجائزات والمستحيلات، فهذه العلوم ضرورية، وربما تقع في نفس الإنسان من أوّل وهلة، وربما تقع بعد تردد الخاطر فيها. فأما وقوعها من أوّل وهلة فكالحادثات في افتقارها إلى مُحدث، والبناء إلى بان، والكتابة إلى كاتب، وسبق النفوس إلى استحسان الفاعل لحسن فعله، وذمِّه لسوء فعلـه.

فأما ما يكون عن تردد الخاطر فما يعد من الأعداد كالألوف عند الآلاف في حق أُناس، والآلاف عند المئين في حق آخرين، وفوق ذلك إلى ما دون ذلك في حق آخرين حتى ينتهي إلى ما سبق عند النفس علمـه/ من التفرقـة بين الواحد والإثنين والبعض من الكل، والأقل من الأكثر.

والجائزات كذلك؛ فمنها ما يقع العلم به من أول وهلة، كالممعتاد من الأمور في الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر والنبات، والشجر والسماء والأرض والدواب والبشر.

ومنه ما لا يقع من أول وهلة، كبعثة الرسل، وتزول الكتب، وإثبات صانع ليس بجسم، وفاعل في غير ذاته، وعالم لا بحلول العلم في قلبه، وحدوث الدار الآخرة، ونشر الأموات. فلذلك استعمل أهل الجحود والإنكار الإنكار والكفران بالنشأة الأخرة بعد إقرارهم بالنشأة الأولى، فصدموا قوارع القرآن قبل محك الإمتحان.

والمستحيلات أيضا كذلك؛ ربما تقع من أول وهلة، كاجتماع الشيء وضده وكون شيء معدوم مع وجوده. فأما ما لا يقع من أول وهلة فإثبات البداية للمحدثات/ واستمرار النهايات للموجودات، وإثبات العالم بأسره محدثا والصانع القديم جسما.

والثالث: ما يعلم من جهة الحاسة. كلها ضروري، أما من جهة البصر فالأدوات والألوان، والصور والأكوان. وأما من جهة السمع، فالأصوات بأصنافها. وأما من جهة الذوق، فالطعوم بأصنافها من الحلو والمر والقارص والبشيع وغير ذلك. وربما يقع الغلط في هذه الحواس وإن كان علمها ضروريا، كالذي يجري للبصر، قد يغلط في عشرة أمكنة:

أولها: يرى البعيد قريبا والقريب بعيدا.

والثاني: يرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا.

والثالث: يرى المتحرك ساكنا والساكن متحركا.

والرابع: يرى الأسود أبيضا، والأبيض أسودا.

والخامس: يرى الواحد اثنين والإثنين واحدا.

والسادس: يرى الخيال فيتوهنه حيوانا أو مواتا.

والسابع: يرى الأشياء على غير ما هي عليه كالسحر.

والثامن: يرى ذا الزوايا مدورا، والمدور مسطحا.

والتاسع: يرى القائم نائما والنائم قائما كالذي يعرض لأهل الميد والدوار.

والعاشر: السمادير ضعف البصر، ويقال: هو الشيء الذي يعتري الإنسان من ضعف بصره عند السُّكْر من الشراب وغيره.

وأما غلط حاسة السمع في المسموعات كالذي يجري للسمع من النبأة والدوي تحسبها أصواتا من بعيد، والبعيد منها قريبا والقريب بعيدا. وكغلط في الجهة.

وأما غلط حاسة الذوق في المطعومات فكالذي يعرض لأهل الصفراء يذوقوم العسل فيمرار عندهم فيحلوا عند/ آخرين كما قال أبو الطيب المتنبي:

ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرا به العذب الزلالا


وأما غلط اللمس في الملموسات فكالذي يعرض للمبرودين والمحرورين، يجد أحدهم الحار باردا والبارد حارا والسمندل المعشش في النار وأشجار الآطام.

وأما ما يعرض من غلط الشم فكالجعل الذي يستطيب النتن ويستخبث الورد، والعرب التي تستطيب بنة الأبل الصادرة عن المسك الأذفر، فالطيب في حقه خبيث والخبيث في حقه طيب.

ولا يوثق بحاسة واحدة حتى تعضده حاسة أخرى كالنبأة يسمعها الإنسان، فإن رأى شخصا تيقن، وإلا خيف عليه الغلط والوهم. ولأمر مّا جعل الله تعالى الشهادة في الأحكام عدلين اثنين بما يعرض للواحد من الوهم/ والغلط والغفلة وإن كان عليها ضروريا والله أعلم.

الرابع: من الضروريات ما يعلمه من جهة الأخبار المتواترة. وهو يتوزع بين الضروري وبين المكتسب، فبدايته كسب ونهايته ضرورة. وهذا كالأخبار عن القرون الماضية المشهورة، والقصص المعلومة المذكورة، والأمثال السائرة المأثورة. وذلك كمعرفتنا بوجود إقليم الصين والهند وخراسان والبر الكبير. والعراقات والشامات والحجاز ومكة واليمن والحرمين ومصر وأفريقيا والأندلس.

وأما الأخبار والقصص فكحرب مهلهل وداحس والغبراء، والفتوحات، وقبائل العرب والعجم كربيعة ومضر، والترك والديلم، والفرس والبربرن ومن الأمثال السائرة المروية: أغرب من العنقاء، وأهدى من صُرَد/ وأحذر من غراب، وأسمع من فرس، وأشعار امرئ القيس، والمعلقات التسع. وخطب أبي حمزة المختار رحمه الله وما أشبه ذلك. واعلم أن الحواس الخمس خاصتها الحس، وفعلها الإحساس وبه سُميت على اختلاف أفعالها ومحسوساتها، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس. وعملها وتأثيرها في اليافوخ وخاصية اليافوخ الشعور. والحواس حافظة لصور المحسوسات ومؤديتها إلى اليافوخ واليافوخ حافظ لما استُحفظ ومؤديه إلى الدماغ، وفي الدماغ ثلاث قوى:

القوة المتقدمة خيالية، وهي الغالبة على الصبيان والمجانين والمبرسمين والمعتوهين، وفعلها الخيال.

والقوة الوسطى وهي المفكرة ، فهي حافظة لما استحفظتها والخيالية ومؤديته/ إلى القوة الثالثة التي هي في مؤخر الدماغ، وهي القوة الحافظة والدماغ، وهي القوة الحافظة والدماغ حافظ لصور المحسوسات حتى تنظر فيها النظر فيها النفس والروح والعقل. فالنفس جوهرية دموية بها قوام الجسد، ولها صفات أربع: الشهوة والغضبة، والرغبة والرهبة. فالشهوة داعية لتوفر الجسد وتقديم صورته. والغضبة حامية الجسد عن هلاكه وآفاته، والرغبة مقحمة ومقدمة على طلب الأوطار. والرهبة محجمة عن الآفات والأخطار. فبقاء الجسد ببقاء النفس وبقاء النفس ببقاء الجسد. وبالجملة إن النفس هي المعنى الجامع

للصفات المذمومة من الإنسان. ومهما تمكنت هذه الصفات من أفعالها بغير واسطة العقل دمرت وتبرت، وهو معنى قول الصديق ـ صلى الله على نبينا وعليه ـ حين قال : إن النفس لإمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم .




باب في علوم الكسب


وعلوم الكسب تقع من أوجه؛ أحدها: ما يقع من جهة الاستدلال بما أدركت الحواس وما دل عليه ما أدركته الحواس. فآلاستدلال بما أدركت الحواس كالصوت تدركه الحاسة إذاكان موزونا منغما ومؤلفا دل على حسن قائلة أو ذمه، وعلى جهله أوعلمه. والذي يدل عليه هذا الصوت المنغم المؤلف المنظم من أمر ونهي وخبر واستخبار وهو ما دل عليه ما أدركت الحواس.

الثاني: ماوقع العلم به من جهة النظر والبحث من علوم الشرائع والفقه، وهي علوم معنوية كعلوم الفقه والشرائع والطب والعبارة والفتاوى

الثالث: ما وقع العلم به من جريان العدة في علم الصناعات والحرف.

وأختلف الناس في حد العلم على ثلاثة أقوال:/ فقولنا حد العلم معرفة الشيء على ما هو به. والأحسن عندي درك الشيء على ما هو به. وقد قصرت العرب المعرفة على درجة في نهاية العلم وسبق أمور تلوح للعارف. والأصل في المعرفة درك تقدمه علم. وبعضهم يقول في حد العلم: هو معرفة المعلوم على ما هو به، وهو قول الأشعرية، وهربوا من الشيء إلى المعلوم وقالوا: إن معلوما موجودا ومعدوما وشيئا وغير شيء. ولهم فيه حدود زهاء عشرين.

والثالث: منهم أيضا من يقول: لا حد له، هو أظهر من أحد يحد. وإنما قال هذا القائل هذا القول لتعذر حضره وعظم خطره

باب القول في الروح والعقل

والروح أمر رباني نسب الله معرفة علمه إليه، لا سبيل إلى القول فيه إذ لم يأذن الله لنبيه عليه السلامفيه. وقد ذكر الله تعالى خلقه أبينا آدم عليه السلام فنسب جسده إلى الطين ، ونسب روحه إليه فقال عز من قائل : وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، وقال أيضا: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، ثم قال أيضا : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . لكن أفعال الإنسان الشريفة (العلية) مع أضرارها منسوبة إلى الروح من الفطنة والعلم والجهل والكبر والشرف والرئاسة والسيادة وسمو الهمة والعجب والإفضال والجود والكرم وما أشببها.

أما الحياة فيه اجتماع الروح والجسد وكونه فيه وهي عرض من الأعراض، والروح والنفس جوهران. وأما العقل فقد اختلف فيه على أربعة أقوال:

أحدهما: أنه غريزة في القلب يتهيأ بها درك العلوم النظرية/ الاستدلالية اختيارية. والإشارة في هذا إلى الطبيعة.

الثاني: أنه جوهر روحاني بسيط مركوزة في جبلته العلوم العقلية المنسوبة إليه الفطرية، يعلمها لا بتعلم ولا تعليم ولا يتخالجه الشك فيها.

الثالث: أنه العلوم العقلية نفسها من الواجبات والجائزات والمستحيلات وهو مصدر من قوله: علمت علما، وعقلت عقلا، فعلى هذا القول هو من أفعال القلب.

الرابع: أنه العلوم التجريبية النظرية، وهو من أفعال القلب، غير أن هذا كسب وتلك ضرورة، فالأولان جوهران والآخران عرضان.

والأصل أنه جسماني بسيط مركوزة فيه علومه الجبلية، ويستعملها للعلوم التتجريبية والنظرية، وينفرد عن البهائم بذكر ما مضى، ويعلم ما يأتي وما يذر، ويزداد بالتجارب استحكاما./ ولقد جاءت الشريعة بهذه المعاني:

أما الذي قال أنه جسم روحاني فإليه الإشارة بقوله عليه السلام: «أول ما خلق الله القل فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال: وعزتي وجلالي ما خلفت خلقا أكرم علي منك. بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب». وقول من قال أنه العلوم النظرية التجريبية مأخوذ من قول رسول الله لعلي بن أبي طالب: «إذا تقرّب الناس بأبواب البر إلى الله فتقرب إليه أنت بعقلك» ، وقوله عليه السلام لأبي الدرداء: «إزدد عقلا تزدد من الله قربا».

وأعلم أن العلوم العقلية لا يتخالج فيها الشك لأهلها ولمن أثمر عقله المعرفة فسلم من شوائب الغفلة وآفات التقليد. وجل احتجاج القرآن على أهل الأوثان عقليات. وعرفنا الله عز وجل الاحتجاج ونبهنا عليه في مواطن/ من كتابه. وجل السور المكية مشحونة بـه.

وجه الإحتجاج بالميزان العقلي:

فمن أراده فليأخذه عن الله أولا، ثم عن الخليل صلوات الله عليه ثانيا – ثم عن سائر الأنبياء عليهم السلام ثالثا.

أما احتجاج الله عز وجل عن الفكرة بالعقليات فمنظوم في سورة الأنعام، وذلك أن الله تعالى ذكر ما شرعه الكفار في أديانهم وما أحلّوا ممّا حرّم الله، وما حرّموا مما أحل الله، وذكرها خصلة خصلة. قال الله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا : هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون. وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون. وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين. وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ،كلوا من ثمره غذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين إنه لا يحب المسرفين. ومن الأنعام حمولة وفرشا، كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ، قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ نبؤني بعلم إن كنتم صادقين . ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين، قل: الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ..

فها هنا حاجهم الله تعالى وطالبهم بالعلة التي حرموا بها بعض الأنعام فقال : الذكرين حرم أم الأنثيين ... ، لأجل ذكوريتهما أم لأجل أنوثيتهما أم لأجل اشتمال الرحم عليهما؟ فقال: أنبئوني بعلم عقلي مبني على علة صحيحة، فسألهم علما فقال : إن كنتم صادقين .

ومن الأبل اثنين ومن البقر اثنين .. ، فقال: الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، فطالبهم أيضا بالعلة، فقال لهم: فإذا لم يكن بهذا علم عقلي، فأنبهم فقال أو وصاكم الله بهذا ، فإن قلتم لا مجال للعقل ها هنا فقالوا إذا شرع شرعه الله عز وجل ووصانا به. فإن قلتموه، فمتى وصاكم الله عز وجل بهذا؟! فانظر كيف عقب بالوعيد والتهديد لهذا الإلحاد العظيم والجحود فقال : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين ، فكل من انتحل علما وانتحله دينا لا شرعا ولا عقلا فهو من الظالمين

وجه احتجاج الخليل صلوات الله عليه بالميزان العقلي:

قال الله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم في مناظرته الذي كفر بالله فقال: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه .. ، والمحاجة بين اثنين لغة. والهاء تصلح لإبراهيم والكافر في أن آتاه الله المــلك ، والهاء أيضا من ربه كذلك. ثم قال إبراهيم: ربي الذي يحي ويميت .

وها هنا ثلاث مقدمات: الواحدة أن إبراهيم أثبت نفسه عبدا مربوبا ، فسلّم ذلك لـه الكافر.

والثانية: أن لا بد للمربوب من رب. فسلم الكافر ..

والمقدمة الثالثة: أن الذي يحي ويميت هو الرب فسلم الكافر أيضا لكن اختلفا بعد هذه الثلاثة، فأثبت إبراهيم عليه السلام صفة الرب وصفا، وقصرها الكافر على نفسه وجاء يشبهة، وهو أنه أطلق رجلين من سجنه فقتل أحدهما وموّل الآخر، والغرض منهما استلاب عقول الحاضرين. فلو وقعت المجاحدة في المقدمات الثلاث لاحتاج إباهيم عليه السلام إلى إقامة البرهان عليهن وأولاهن إقامة البرهان/ على أن إبراهيم مربوب، والبرهان: الحاجة والعجز بالمشاهدة والحدوث بالدليل.

وأما الثانية: أن لا بد للمربوب من رب، فهي من الواجبات عقلا.


وأما الثالثة: فأن الربوبية لمن كملت له الصفتان، الإحياء والإماتة، وهما لله رب العالمين. وأما انتحال الكافر هاتين الصفتين فمجاز لا حقيقة، وهما في الله حقيقة لا مجازا، فلما فطن إبراهيم عليه السلام بمراد الكافر، وهو أن يستميل عقول العامة، عارضه إبراهيم عليه السلام بنفس الدليل، ولكنه احترز، فقال : إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، ولم يقل إبراهيم: فأت بها من المشرق احترازا من أن يقول الكافر أنا آتي بها من المشرق غدا، أو أنا أتيت بها بالأمس، فكانت الشبهة قائمة إلى الآن. لكن احترز من ذلك فقال : فأت بها من المغرب ، قياسا؛ لأن المغرب/ مثل المشرق ، فمن قدر أن يأتي بها من المشرق قدر أن يأتي بها من المغرب، ولأن المغرب والمشرق سيان. ولم ينكر الكافر في هذه المقايسة مخافة أن تأخذ عليه العامة فلما أعيت المذهب بُهت الذي كفر. وهذا من أعظم الأدلة على إقامة البرهان من طريق العقول بحكم الخليل

وأما احتجاج الأنبياء عليهم السلام بالميزان العقلي: قال الله تعالى: حكاية عن جميع المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين في محاجتهم أُمَمَهُم بقول واحد يشملهم، وجواب الأمم أجمعين على أسلوب واحد يعمهم قال الله تعالى : ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات ، انظر كيف أخبرنا الله تعالى أن الذي جاءت به الأنبياء إلى الأمم هو البينات. ثم قال : فردوا أيديهم في أفواههم ، إجماعا وإزماعا على تكذيبهم رسلهم فقالوا : إنا كفرنا بما أرسلتم به ، ففي الكفران الجحود، ومكابرة القوم الشهود. ثم قالو : وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ، فكأنهم رجعوا عن الكفران إلى الشك، والشك دال على جهالتهم، وكأنهم رجعوا عن الشك بما فيه من نقيصتهم إلى الريبة بعد الشك والكفران، فالكفران مكابرة والشك جهالة. والريبة فيها بعض النقص وبعض المعذرة. قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السموات والأرض؟ ... ، تقريعا وتوبيخا بعد الإقرار بفطور السموات والأرض. وفيه مكابرة الحكم العقلي إقرارا بالحدوث وإنكارا للمحدث، فهذه من الجوابات التي انطبقت عليها العقول الاسلمة من الآفات. ثم قالت الأنبياء : يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى . فهذه من الجائزات، غير مستنكر في عقل كل/ أحد ... ثم قالت الأمم : إن أنتم إلا بشر مثلنا . كأنهم أشاروا إلى (أن) الأنبياء بشر وهم بشر، فمن أين لكم ما قلتم؟ فهذه من الاستشهاد بالشاهد على الغائب وحكم التسوية، غير أنهم لم يغيبوا وجه الدليل فقالوا : تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا

وقد صدقوا، مراد الأنبياء أن يصدوهم عما يعبد آباؤهم من الأوثان إلىعبادة الرحمن فقالوا : فأتونا بسلطان مبين ، قالت لهم رسلهم : إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ، فعارضتهم الأنبياء بالجائز، وإثبات القادر أن يمنعلى من يشاء، غير مستحيل في الجائزات أن منَّ الله عليهم بالرسالة. وقالت الرسل : وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإن الله ، صدقوا؛ لأنهم إنما طلبوا ما تعجز العقول/ البشرية فيه ليستبين صدقهم. وقالت الأنبياء : إلا بإذن الله ، وصدقت، وفيه رد على بعض الموحدين الذين يقولون لا بد للرسول من آية وإلا سقطت دعوته .. وبدليل قوله أيضا حكاية الرسل الثلاثة حين قال : فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون. قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون. قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين ، صدقت الأنبياء وبلغت الرسل، ونحن على ما قال ربنا ومولانا من الشاهدين.

ثم قالت الرسل : وعلى الله فليتوكل المؤمنون ، فلحن الخاطاب أنهم توعدوهم، فعند ذلك قالت الأنبياء: وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون. وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا .. ، برح الخفاء وانقطعت المحاجّة ورجعت مسايفة ومغالبة، فليغلبن مغالب الغلاَّبِ.

قال الله تعالى : فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم .


فصل

الإلهام علوم الملائكة، ويسوغ لهم الإجتهاد والرأي، ورأيهم كله صواب لا خطأ فيه. واجتهادهم ظاهر في طينة آدم عليه السلام. والنبؤة والوحي والإرسال وحي الأنبياء. والروع في الروع والإلقاء والنفث علم الأولياء والأصفياء العارفين، لقولـه عليه السلام: «ما من نبي إلا وفي قومه مروع ومحدَّث، وإن يكن فيكم فعمر» ، وقال عليه السلام: «إحذروا فراسة المؤمن فإنه بنور الله يبصر» ، ومنه قوله لواصبة حين سأله فقال: يا رسول الله، إني أتيتك لأسألك عن أمرين فإني أنسيتهما. قال رسول الله عليه السلام: «جئت تسأل عن البر والإثم، أما البر فما اطمأنت إليه النفس وأما الإثم فما حاك في الصدر. واستفت نفسك يا واصبة وإن أفتوك وأفتوك».

والفقه في الدين والأحكام. والاستنباط علم الفقهاء وأهل الفتاوى، والوعظ والحكم علم العلماء بالله. والأصول المتكلمين والأصوليين. والعبارة علم الرؤيا. وعلم الخضر عليه السلام منوط بعلم الملائكة وليس على الشرعيين من علومه شيء، ولا عليه من علوم الشرعيين شيء، علومه مرتبطة به يتلقاها من لدن الله عز وجل. ولا عليه من إنكار المنكر الظاهر شيء ولا أمر بمعروف وأشباهه.

وكذلك الجن. وليس عليهم ولا عليه إظهار أنفسهم إلى الناس. ولا أن يشهروا أنفسهم غلى هذه الخليقة وليس عليهم من تبليغ الشهادات، ولا تقويم الحكومات شيء. وأحكام الجن فيما بيننا وبينهم كذلك وأحكامهم بينهم كأحكامنا بيننا وأن ظهروا كانت أحكامهم وأحكامنا واحدة. وليس ظهور الأصوات بظهور بل الأجساد. وليس علينا من ولايتهم قصد إلى أحد وإن ظهر كلامه. وتجزينا ولايتهم في الجملة وهذا لمن قامت الحجة بهم.

وذكر الشيخ بدر بن سابغور عن الشيخ عمو بن أفلح رحمهم الله وقد كان استكتب عنده رُقيْةَ يُعزم عليهم فيقتلهم بها، يريد هؤلاء الذين يصرعون الناس ويخنقونهم، أن لا حرمة لهم لمن قدر على ذلك، والله أعلم.



فصـل

وقلب الحقائق من أفعال الله عز وجل، والمثيل فعل الملائكة والتخييل فعل الجن والسحرة والمشعوذين. والمكلّفون: الإنس والجن والملائكة. والثقلان: الإنس والجن، ولا ينسب العقل إلا إلى هؤلاء الثلاثة. وقد تُبتلى الملائكة ببني آدم، وبنو آدم بالملائكة ،وابتلي محمد بجبريل في الحديث المذكور المشهور. وابتليت الملائكة في قضية الميت المقبوض بين القريتين. وابتلي هاروت وماروت ببني آدم بأرض بابل.

واعلم أنه لا يقدر على قلب الحقائق إلى غيرها إلا الله تدريجا وتلوينا، ولبعض الأطباء ملابسات دون بلوغ النهايات، واستأثر الله بالكمال، ولم يبرأ أحد من النقصان.

وأما قلبه الأشياء فكقلب عصا موسى حية، والنار على إبراهيم بردا وسلاما.

وأما التمثيل فهو مقدور الملائكة، وذلك أن ذوات الملائكة تتمثل

بأي صورة شاءت، والذوات لم تتقلب ولم تتغير لكن الصور تختلف عليها وتقلبها وتقبل التمثيل، ولا تقدر على التمثيل ولا على انقلاب في العيون. مثال ذلك: سبيكة ذهب، فإنها زوايا تقبل الزوايا والأشكال وتختلف عليها الصور والأمثال والعين واحدة لم تنقلب، لو شئت صوّرت منها صورة إنسان أو ثعبان أو سطحا ذا زوايا أو مدوّرا أو مستطيلا.

وأما التخييل والتخيل فهو مقدور الجن، وذلك أن تحول بينك وبين الجن صورة غيره من انقلاب في ذاته ولا تغييير عن صفته فتبصر جذع مخلة تحسبه سبعا رابضا أو شيئا جاثما أو تبصر ملتويا تحسبه ثعبانا منطويا وقد ذكرنا هذا فيما يغول الأبصار عن الإبصار في الأبشار ...


في النظر

اتفق الجمهور إلا الشذوذ أن النظر الصحيح في دليل مثمر أنـه مؤد إلى العلم الصحيح. والنظر نظران:

أحدهما: النظر في أصول الشريعة فلا يؤدي إلا إلى الحق أو إلى خروج عن الدين.

والنظر في فروع الشريعة: إما غانم، وإما سالم، فالمصيب غانم والمخطئ سالم.

وأما نظر العامة فعلى وجهين: أما من شدا شيئا من العلم فنظره في العلم والدليل. ولكن العلماء تتهير أقاويل العلماء ما تستعمله وتمتثله مما تراه وتظنه أنه صواب عند الله. وأما غيره فليتخير في العلماء من يراه أنه أسلم لدينه ودنيا.



فصــل

اختلف الناس في النظر؛ فقال بعضهم: جوازه من جهة العقل، وقد أمر الله به، قال تعالى : قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون

وقال : أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء ... . وقال بعضهم: من جهة الشرع لا من جهة العقل.


واعلم أنه كل ما أوصل إليه النظر الصحيح من شيء فهو علم وإلا كان ظانا. ولا بد أن يكون الناظر في دليل صحيح لا في شبهة، ويكون عاريا من التقليد والاستحسان.

ويحتاج الناظر إلى معرفة طرق العلماء ومواضعاتت أهل الشريعة، وعامة ما اجتمعت عليه الأمة، فمهما استقامت له هذه الأمور كان نظره علما، وإن اختلّ شيء من هذه الشروط كان ظنا، ولا بد أن يكون عاقلا مميزا.

القول في الدليل: الدليل والدلالة والمستدل به والحجة والبرهان والسلطان، هذه أسماء متعاورة على مسمى واحد، وهو كل ما يتوصل به إلى معرفة الأمور النظرية لا الضرورية. والدال: هو الناصب للدليل، وهو الله رب العالمين، والدلالة فعلـه، والمدلول مفعولـه. والمستدل قد يقع طالبا أو ناصبا، والاستدلال فعله، والمستدل بـه والمستدل لـه والمستدل عليه كل يحوم على الدلالـة.

أما المتسدل بـه فهو الدليل، وأما له فالمفعول وأما عليه فالحكم، وسوغ أن يسمى الدال دليلا كقولـه عالم وعليم وقادر وقدير.



فصـــل

والأدلة على وجهين: عقلي ووضعي. فالعقلي ضروري حقيقي والوضعي اختياري مجازي. والعقلي ما قدمناه من وجوب الواجبات، وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات.

والوضعي: كاللقظ والخط والرمز والإشارة وهو من مواضعة الناس. والقول في العلة والمعلول كالقول في الدليل والمدلول. تقول: علة ومعلل ومعلل ومعتل ومعلول ومستعل ومستعل.

القول في وجــوب النظـر


قالت القدرية: إن على الإنسان النظر بعقله حال البلوغ في معرفة الله عز وجل وفيما للعقل عليه دليل من جميع المحرمات فيمتثل هذا ويجتنب هذا وما سوى ذلك فليس عليه شيء في المعرفة الرسل والملائكة والكتب والمعاد.

وقالت الأشعرية: يجب عهليه النظر في الحالة الأولى فإن مات فيها كان لا مؤمنا ولا كافرا، وما بعدها فمقطوع العذر لا يسعه/ إلايمان أو الكفر.

وقال بعضهم: يسعه ما دام كافا ناظرا في الدليل. وعورضوا في النظر في هذا الدليل: أواجب أم ليس عليه منه شيء. فقال بعضهم فرض واجب ولم يفترض عليه غيره، فإذا نظر وعرف وجبت عليه معرفة البارئ سبحانه. ونقضوا أصلهم حيث قالوا: لا يجب عليه من معرفة البارئ سبحانه شيء. وكيف يكلفه البارئ سبحانه الفرايض ولما يعرفـه.

وقال بعضهم: ليس النظر بفرض، ولكن لا بد له أن ينظر. وهذا القول لا يحتمل فرضا ويحتمل طبعا، فإن كان فرضا كان كالأول. وإن كان طبعا أوجبوه ضروريا. وقد ينظر فيخطئ أو يصيب فيبطئز فسبحان الله لقوم أوجبوا النظر ولم يوجبوا معرفة الله سبحانه. فإن وقع الموت فعلى من أجره أعلى من لم يعرفه ولم يفرض عليه معرفته أم عليهم/ هم الذين كلفوه النظر.

وللجاحظ أسوأ من هذا؛ وهو أنه إن لم يستعمل النظر فليس عليه شيء، وإن استعمل النظر واجتهد فقد أصاب ولو أخطأ دين الإسلام وأخطأ معرفة البارئ سبحانه لأنه لا يعرفه ولو اجتهد.

وقال أهل الحق: ليس للعقل وصول إلى معرفة البارئ سبحانه وتعالى إلا بتنبيه أو إلهام على استعمال الدليل. وذلك كله من أفعال

الغير ولا يتسع له استعمال الأدلة لمعرفة البارئ سبحانه إلا إلى أحوال بعد المخبر والمنبه، فكيف ولا مخبر ولا منبه؟ وإنما نظره ومهلة التكليف قد سبقت له أيام الترعرع وانتهاز البلوغ. وقد جعل الله تعالى في حاسة الصبي –اعني غريزتهء ما يقبل هذه العلوم شيئا بعد شيء سماعا. وقد أمكنه أيام المراهقة استعماله لهذه الأمور التي تخصه فيكون ذلك مهلة/ وفسحة لتعذر حال البلوغ من حال الغلمة. ولله تعالى ألطاف خفية وأمور قُدْرٍية تحار فيها العقول. فما لهم وللبالغ العاقل أن يشرعوا له جهل الله سبحانه؟ والله أرأف منهم وأرحم بعباده.

وعذرت القدرية كل من أتى شيئا من محارم الله عز وجل من الأمور كلها التي ليس للعقل عليها دليل حتى تقوم عليه الحجة. والحجة عندهم اثنان في قول بعضهم، ولا يقولون بأخبار الآحاد. وبعض أربعة قياسا على شهود الزنا. وبعض خمسة وجعله حد التواتر من أسفل شروطه. وبعض عشرون لقوله تعالى : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين ، وبعض مائة، لقوله تعالى : وإن تكن مائة صابرة ... ، وبعض مئتين، وبعض سبعون وبعض اثنا عشر. وبعض حتى يقع العلم المتواتر الضروري والكلام في هذا عند الكلام في أصول الدين.



بـاب في الأفعـال

اختلف الناس في حد الفعل، فقالت القدرية: ما كان مقدورا لفاعله قبل وجوده، على أصلهم في القدرة قبل الفعل. وعند المحققين أنه الموجود بقدرةفاعله على أصلنا في أن القدرة مع الفعل وفيه

حد الفعل ما لم يكن ثم كان. والله تعالى خالق أفعالنا، فهي من الله خلق ومنّ فِعل، خلافا للمعتزلة والجهمية. أما المعتزلة فقالوا: هي لهم دون الله عز وجل. وأما الجهمية فقالت: هي لله تعالى دوننا. وأهل الحق يقولون: هي بين بين؛ كانت منا فعلا ومن الله خلقا.



فصـــل

وأفعال المكلفين على ضربين: ظاهر وباطن. أما الظاهر فكالحركات والسكون. وأما الباطن فكالاعتقادات والإرادات. ومرجوع الإرادات والإعتقادات إلى الحركات والسكنات. لا يتحرك بحركتين. وكذلك السكون. ولا يتعداه فعله، وبعض المتولدات/ أفعاله مجاز لا حقيقة. كالصوت (لأن) الصوت جسم. وإنما له علىالحقيقة التصويت وهو عرض من الأعراض. وهو كاسب لفعله ومختار له ومريده. ولا يجوز خالقه ولا منشئه ولا موجده ولا مبدعه. والله الخالق المبتدع المنشيء المخترع. والعبد هو الفاعل الكاسب المريد المختار. فحواسه كلها أجسام ولنطقه وكلامه وقوله كلها أفعاله وهي أعراض وصوته ولونه وريحه وطعمه كلها أجسام.



فصــل

وتنقسم أفعاله كلها ثلاثة أقسام: قسم اختياري، وقسم ضروري، وقسم كراهة. فأما الأختياري: فما أختاره واكتسبه عن إرادة، وأما الكراهة:


فما فعله مضطرا إليه بالضرب والقتل والأذى، فهذا ختياري ضروري فلا يعذر في شيء من هذا إلا ما يتقلق باللسان غذا ظهرت الضرورة من ضرب أو قتل. وأما غير ذلك من منع الفضل أو ظلم المال والأصل من وضع أو رفع أو أكل أو شرب وجميع المنافع، وصرف جميع المضار فلا يسع. وأجاز بعض المعتزلة الضرورة في هذا قياسا على اللسان في جميع المعاصي إلا ما كانت فيه مظلمة للغير. وهو أيضا قول ابن الحسين. وأما الضرورة فمعذور فيها لا إثم ولا غرم؛ مثل أن يُسحب أو يُرمى به من فوق فيهلك أحد على يديه. وقال بعضهم: إن المضطر بالسيف يسوغ له كل شيء من شرب الخمر والزنا والقتل وأخذ الأموال. وهذا خطـأ محض. وبعضهم يقول: لا يسوغ له الكفر إلا بالتورية، واستدلوا بقول رسول الله عليه السلام وقد كبت إلى ناس قبل موته بشهر: «إلا تنتفعوا بالميتة بإهاب ولا عصب ولا تشركوا بالله شيئا ولو عُذبتم أو أحرقتم بالنار».



في أقسام الأفعال في الشرع

وأقسام الأفعال في الشرع خمسة: واجب ، ومندوب، ومباح، وحرام، ومكروه. وزاد بعضهم: الصحيح والفاسد.

فالواجب هو الفرض وهو اللازم وهو الحتم وهو المكتوب. وحده: ما كان في فعله ثواب وفي تركه عقاب. وذهب آخرون إلى أن الواجب منزلة بين الفرض والمندوب في قبالة المكروه، واستعملوه لأوكد السنن.

وحد المندوب: ما كان في اكتسابه ثواب وليس في تركه عقاب.

وحد المباح: ما ليس في فعله ثواب وليس في تركه عقاب.

وحد المكروه: ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب.

وأما صحيح وفاسد فمن مواضعات الفقهاء بينهم البين. فما أمروا بإنفاذه قالوا صحيحن كالصلاة في الدار المغصوبة، وما أمروا فيه بإعادته قالوا فاسد؛ كالصلاة للحاقن. والحمد لله رب العالمين.



باب

أحكام الخطاب الوارد من الله تعالى

أعلم أن الخطاب الوارد من الله تعالى ومن الرسول عليه السلام ومن الأئمة الخلفاء الراشدين الهادين/ المهتدين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون رحمه الله، لا يخلو من أن يكون حقيقة أو مجازا.

فالحقيقة كل لفظ استعمل له كقول العرب: هذا أسد، للشجاع، وحر للسخي، ونجم للإهتداء. وقال الله تعالى في محكم كتابه في عقلاء مبصرين سميعين : صم عمي بكم فهم لا يعقلون ، ومعلوم أنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون، لكنهم تصاموا وتباكموا وتعاموا، وفعلوا أفعال من لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر.



فصل في الحقيقة


والحقيقة تنقسم قسمين: مثجمل ومفصّل. فالمجمل ما لا ينفهم المارد به من لفظه، ويفتقر في بيانه إلى غيره، كقوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا ، فالحق مجهول الجنس والنصاب. ولقوله تعالى : ولكل جعلنا مواليا مما ترك الوالدان والأقربون ممّا قل منه أو كثر نصيبا مفروضا .

وينقسم المفصل قسمين: محتملا وغير محتمل. فغير المحتمل هو النص؛ وهو ما رُفع في البيان إلى أقصى غايته كقوله تعالى : لا إله إلا هو الحي القيوم ، وقولـه : إنما الله إله واحد . وقوله : محمد رسول الله ، وقوله : خلقكم ثم رزقكم ، وخلق الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وقولـه : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا .. ، وما أشبه ذلك. والمحتمل ينقسم قسمين: ظاهرا وباطنا.

فالظاهره ما سبق إلى النفوس معناه كقول الله تعالى : كلوا واشربوا ، واذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ، وكلوا من ثمره .. ، وجعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ، والباطن مللا يسبق إلى النفوس معناه كقول الله تعالى : وجاء ربك والملك صفا صفا ، وقولـه : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون .

وكذلك جميع ما يؤول من أوصاف البارئ سحانه إلى صفات البشر لأنه؛ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . وقوله : ذق إنك أنت العزيز الكريم . فظاهر أمره مدح وباطنه ذم وتهوين. وقوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم .. ، الآية ، فالظاهر ينقسم قسمين، عامَّا وخاصَّا. فالعام ما عمَّ شيئين فصاعدا. والخاص إخراج بعض ما رسمه اللفظ من الحكم.

والعام كقوله تعالى : والله بكل شيء عليم ، والله على كل شيء قدير ، وقوله : كل من عليها فان . وقولـه : كل نفس ذائقة الموت ، وقوله : قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ، وقوله : جاهد الكفار والمنافقين . وقوله : أحل الله البيع وحرم الربا ، وقوله : أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يُتلى عليكم ، وشرح العام والخاص سيأتي فيما بعد إن شاء الله.

والعام والخاص ينقسمان إلى قسمين: أمر وخبر. فالأمر إذا دخلت عليه (لا) صار نهيا. والخبر إذا دخل عليه (الألف) صار استخبارا. وهذه الأربعة المعاني إليها تؤول لغة العرب كلها وإليها تنقسم ونحن نشير إن شاء الله إلى لمـع في اللغة تخصنا محتاج إلى معناها باختصار.


باب الكلام

وحد الكلام ما استحق لمن سمي به متكلما، وكلام الله تعالى وقوله وخطابه واحد.

واختلف الناس في كلام عزوجل، وقوله وخطابه وأمره ونهيه. قالت الأشعرية: هذا كله صفة الله عز وجل في ذاته، لم يزل موصوفا بها كالعلم، والقدرة، وأنه تكلم في الأزل كما تقول عَلِمَ وكلم موسى في الأزل كما تقول علمه.

وقول الباقين: إن كلام الله عز وجل وكل ما ذكرناه آنفا فعل من أفعال الله عز وجل، وأن الكىم فعل المتكلم، وكذا قوله وخطابه وأمره ونهيه.

ومن محصول كلام الأشعري أن الكلام معنى في النفس قائم لا يختلف، كالعلم والقدرة، ولا يوصف بحرف ولا صوت. ونسبة الأمر إليه نسبة النهي، وإنما وإنما وقع الاختلاف في العبارة باللسان في الألفاظ والبيان. فالكلمة من الله عز وجل ينفهم منها لأهل الأمر أمرهم ولأهل النهي نهيهم. فالعام فيه هو الخاص والظاهر هو الباطن، لا يحتمل الوجوه، وإنما الاختلاف في ظاهر العبارة. واستدلوا بقول الأخطل النصراني حيث يقول:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا


ويؤخذ عليهم في هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:

أحدهما: استدلالهم بكلام كافر نصراني غير مأمون على الشريعة.

والثاني: التقول على اللغة، وإنما يقبل فيها عن مثله القول لا التقول.

ولو كنا ممن يصغي إلى ما شرعته لنا العرب عن الله عز وجل في أشعارها لجوزنا قول القائل:

أبني لُبينى لا أحبكم وجد الإلاه بكم كما أجدا


وقول الشاعر:

وذو العرش محمول على ظهر سبعة ولولاه ما راموا النهوض ولا كادوا

وقول الشاعر:

وإنالله ذاق حلوم قيس فلما رأ خفتها قلاها


فلو عكس عليه هذا الشعر بعض نظرائه فقال:

إن الكلام لفي اللسان وإنما جعل اللسانعلى الفؤاد رقيبا ... أو أميرا ... أو دليلا، لما زاد.

والثالث/: قد رد الله عز وجل قوله بقوله:

يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، فأثبت القول في اللسان دون الفؤاد. ونفاه عن الفؤاد دون اللسان، بدليل قولـه : ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . وقوله : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون . منعهم من الكلام بأفواههم حيث كذبوا بألسنتهم وقصرهم إلى الجوارح لا الفؤاد. وقول رسول الله : «إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم«.

والنطق في اللسان بإجماع الأمة. ولو طولبوا بإقامة الكلام في الفؤاد لخرجوا من المعقول. ولو أن حالفا حلف لا يكلم فلانا ولم يكن منه إليه إلا حديث النفس لما حنث. ولو حلف ليكلمنه لما بر إلا أن ينطق بلسانه.

ومن أدلتهم قول الله عز وجل : وأسروا قولكم أو اجهروا ، فالإسرار باللسان والإجهار به، ولو لم يكن فؤاد ولا قلب وإنما الإعتقاد في القلب. واستدلوا بقوله : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول . فإنا نقول: إن القول باللسان عند نفسه. ولم يقل: وتقول نفسه، على أن نفسه هو هي ولو قاله. وأما قوله : في أنفسهم ، فربما يتوجه بينهم كقوله عز وجل : فسلموا على أنفسكم . وقوله : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما . وإنما يريد يتساررون بينهم البين. والحق الحقيقي أن القول باللسان، وفي القلب مجاز بدليل قوله: كلمته، وقلت له، وخاطبته، لا يصح إلا باللسان، وهو المعقول وهو الظاهر إلا بدليل. ومن أين الدليل على معقول قول الله تعالى : فأجره حتى يسمع كلام الله ، إلا بأذنيه من لسان قائلة لا من فؤاده. وهذا المسموع محدث، فليقولوا ما شاءوا، والكلام في هذه المسألة في أصول الديانات.



فصل

واختلفوا في اللغة، هل هي توقيف أو مواضعه؟ فالأشعرية تقول توقيف وبعض القدرية. وبعضهم يقول مواضعة. والأصل أن المعنيين سائغان؛ يجوز أن تكون توقيفا، ويجوز أن تكون مواضعة، ويجوز أن تكون توقيفا، ومواضعة، وعقلا، والله أعلم كيف كانت فعلا.

والغرض فيمن لم يسمع قط صوتا هل يصح منه كلام؟ أو هل يصح عقل من لم يسمع الصوت؟.


فأهل التوقيف يقولون: من لم يصح له سماع صوت لم يصح منه كلام، ومن لم يصح منه كلاملم يصح له عقل. واستدلوا بقول الله تعالى: منهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك، أفانت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ، فسلب العقل عمن سلب السماع كما سلب البصر عمن وصفه بالعمى. وعلى قول أهل التوقيف فمعذور حتى يقتبس من الكلام ما يقتبسه العقل من الكلام ولو عدم التوقيف، ولكن تتعذر منه لغة لم يعرفها ولم يقف عليها، ويئول مذهب هؤلاء إلى أن العقل هو التجربة لأن الكلام يوضح المعاني، وفهم المعاني نتيجة العقل.

وقال الباقون: من لم يسمع صوتا قط قد يصح منه الكلام مهما انفتق لسانه به ولو عدم التوقيف، ولكن تعذر منه لغة لم يعرفها إلا إن ألهمها، وربما يتواضع مع نفسه أو مع غيره على المعاني كالذي يجري بيننا وبين البهائم من الواضعة كقولك عـه عـه للإبل إذا زجرتها، وتعاه للخيل إذا دعوتها، وشاه للجمل إذا استحثته، ومنه قول رسول الله للحسن بن علي (حين) أخذ تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه: (كخ كخ) فألقاها. فقال عليه السلام: «أما علمت أن الصدقة لا تحل لمحمد ولآل محمد». ألا ترى إلى الصم غذا اجتمعوا إلى أبناء جنسهم كيف يتواضعون بينهم كلاما يتعارفونه بإشارة ورموز يؤدي بها المعاني بعضهم إلى بعض، ولو انفتقت ألسنتهم لصح منهم الكلام، وليسوا بأنقص حالا من البكم الذين يتواضعون مع اللسن. وأجاز

هذا الفريق أن يخلق الله إنسانا بإلغاء صحيح العقل وينطق لسانه بلغة العرب أو بأي لغة شاءها الله عز وجل فيهتدي بها من غير مواضعة وتوقيف. ودليل ذلك حين تبلبلت ألسنتهم ببابل، وللفريقين فيه متعلق. فقال أهل المواضعة: إن أهل كل ناحية مكثوا زمانا يتواضعون بينهم حين سلبوا السريانية. وقال آخرون: بل أصبح كل فريق قد انفتقت ألسنتهم بكلامهم ،انسوا السريانية فاستوحش بعضهم من بعض فافترقوا في البلاد. واستدل الفريقان أيضا بأبينا آدم عليه السلام حين نفخ فيه الروح، وجبريل الروح الأمين قاعد عند رأسه فلما دار الروح في أنفاسه عطس فقال له جبريل عليه السلام: قل الحمد لله يا آدم، أو يا أبا محمد. فقال آدم: الحمد لله. فقال له جبريل عليه السلام: يرحمك الله يا آدم أو يا أبا محمد، وهي الرحمة التي سبقت إليه حين قال الله تعالى: (سبقت رحمتي غضبي يا آدم) فتاب عليه حين عصى. فتعلق الفريقان، أهل التوقيف وأهل المواضعة في هذه النكتة. فقال أهل التوقيف: ألا ترى إلى جبريل عليه السلام حين لقنه أن يقول الحمد لله. وقالت الفرقة الأخرى: ومن أنبأه بمعنى (قال) ولم يتقدم له توقيف على معنى (قل) مواضعة. وفي الرؤيا عبرة أن الرائي يسمع كلاما لا يعرف من أي لغة كانت فينفهم له المعنى الذي يريده، ويبصر شخاصا لا يعرفه فينعرف له، وبلدا لم يدخله قط فيثبته وينطلق لسانه بما يشاء فيفهم وينفهم. وقالوا: إن الأخرس إذا انفتق لسانه لا يهتدي لمعنى الجمل والفرس وإلى قولهما إلا بعد توقيف. وقول الآخرين: يهتدي بمواضعة إلى معنى الجمل والفرس بغيرهما.

والأصل كما قلنا أن الله تعالى قادر أن يخلق خلقا بالغا عاقلا، ويركب فيه معرفة أي لغة أرادها فيتكلم بها عند فتق اللسان بما أراد من

البيان، وامتنعوا من قلب الحقائق.

وأنا أظن أن خلقة الملائكة صوات الله عليهم على هذا النمط. وإنما التوقيف في أهل الصبا الذين لم تكمل خلقتهم، وفي أهل المحشر ما يدل على التعارف وجميع هذه المعاني حتى قالوا أنه يقرأ السواد من لم يقرأه منهم قط. ويفهم الكل كلام الكل، وما ذلك على الله بعزيز والحمد لله رب العالمين.

واختلفوا في اللغة هل فيها قياس؟ فقال بعضهم: اللغة لا تقاس فالجمل الأول والفصيل الأول يجري عليهما الأسمان جميعا توقيفا وعلى من بعدهما استقراء ا كما لزمت الأولتين، ولم يقصروهما على الأولين دون الثانيين. وبعضهم يقول: تسمية هؤلاء قياس فمن ها هنا وقع الاختلاف في تسمية النبيذ المسكر خمرا فحرمه الأولون من جهة (الحكم) ، في تحريم الخمر وقول رسول الله : «كل مسكر حرام». وحرمه الآخرون قياسا على الخمر، وكذلك تسميتهم النباش سارقا وواطئ البهيمة زانيا واللواطي على أصولهم.



فصـــل

والاسم مشتق من السمو لا من السِّمة خلافا لنحاة الكوفة وأهل الرأي منهم الذين يقولون: مشتق من السمة. والأول يقول: إنّ الاسم / سما بمسماه فأوضحه وكشف معناه.

وقال الآخرون: إن الاسم علامة للمسمى من جهة السمة. والكل سائغ؛ الأول على اللغة والثاني على المعنى، والمعاني إنما تعرف باللغة، والأول أصح وهو الذي عضده الدليل. وإنما تعرف الأسماء المتعله برجوعها إلى أصولها وإدخالها التصغير عليها. وتصغير اسم سُميّ على (قول) أهل اللغة

وعلى قول أهل التسمية وسيم فصح الأول .

والاسم هو المسمى في حق البارئ سبحانه عند المحققين، وفي أسماء الأجناس أيضا، كالجسم والعرض والسماء والأرض والهواء والماء والحيوان والموتان. وعند النحاة الاسم غير المسمى وذلك من أجل تواضعهم على ذلك عند التّعلم والتّعليم. وأما أسماء الألقاب فيهي غير المسمى. فالهوهية في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز. ولا يسمى البارئ باسم لقب. وذلك كقوله تعالى: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم .

على الاسم أنه المسمى. وما عبدوا إلا أصناما وهي الأسماء. وقال الآخرو: سميتموها تدل على الأسماء وتدل على الأصنام، لأنهم لم يفعلوا الأصنام كما فعلوا الأسماء. واستدل الآخرون بقول الله تعالى : ولله الأسماء الحسنى ، هي له على التمليك فدل أنها ألفاظ العباد وهي أيضا جمع. وبقوله : «إن لله تسعا وتسعين إسما، مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنة». فالعقل يحيل أن يكون الله معدودا، والأسماء معدودة. وأما قولهم: له الآسماء على التمليك، ليس فيها تمليك، له العلم والقدرة، وله بالذات/ وله الألوهية. وأما الجمع فالمراد التسميات بأسمائه ألا تراه يقول : فادعـوه بها . واستدلوا بقول الشاعر:

ما كل من قال نار أحرقت فــاهُ


وقال الآخرون: أما اسم النار فهو النار، وأما تسمية النار باسمها فهي غير النار، وهي قولي النار لا ذات النار، وإنما القول فعل القائل

والصحيح أن أهل اللغة ألقوا الاسم على الذات وأطلقته النحاةعلى اللفظ لحاجتهم إلى إعراب الألفاظ مواضعة. فالأولون على الأصل، وهؤلاء على الفعل. والنحو طارئ، والطارئ مجاز، وغيره الحقيقة بدليل قولهم هذا زيد. فإن كان هو زيد فلا معنى للغيرية. وقولك جاء زيد فالذات هي التي جاءت وهي زيد وإن كان الاشتراك قد وقع وتعذر الانفصال على الغير. فالله هو الله، والرحمن هو الرحمن فلئن كان الأول إسما والثاني مسمى فهو هو، ولئن كان الأول مسمى والثاني إسما لهو هو وليس بعد الهوهية إلا الذات.



فصل

واختلفوا في أعم الأسماء وأخصها. فأعمها على مذهبنا (شيء) وعند الأشعرية معلوم، ومذكور، وشبههما. ولا يجعلون المعدوم شيئا. وعند الأولين هو شيء معدوم، وعند الأشعرية ليس بشيء. والعدم عندنا وعندهم في الحيقيفة ليس بشيء.

واختلفوا في الاسم الواحد هل يجري على متضادين؟

قال بعضهم: يجوز، كالجلل يجري على الصغير والكبير، ومن امتنع جعله مجازا في حق أحدهما. وأما المتضادان لا بد وأن يجمعهما الأسم الأعم كاللون للأبيض كذلك الأسماء المشتركة كالعين والبيضة يجرينا على أمور مختلفة، والمختلف أبعد شبها من المتضاد. ولذلك تقول: الله مخالف لخلقه ولا تقول مضاد لـه.



فصل

اختلف الناس في أقل الجمع. فقال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت: أقل الجمع اثنان. وقال ابن عباس: أقل الجمع ثلاثة. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ولمالك فيهما القولان جميعا. فاستدل أهل اللغة بأن الله تعالى جعل للواحد صورة وللأثنين صورة وللثلاثة صورة. فلو كان لفظ


الأنثين جمعا لكان لفظ الجمع اثنين ولكان لفظ الواحد اثنين ولفظ الاثنين واحدا. فلما اختلفت صورة فولهم (رجلان) وصورة قولهم (رجال) وجب أن تختلف المعاني. ولو جاز هذا لجاز أن تقول: رأيت اثنين رجالا. ولو كان قولهم اثنا يقيد جمعا لجاز ذلك كما قالوا: ثلاثة رجال.

ولا ينكر أن يسمى الواحد باسم الجماعة في بعض المواطن للعلة الطارئة، نحو قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، بمعنى الأبهة. وأن يسمى الإثنان باسم الجماعة، كما قال في داوود وسليمان : إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ، ولقوله : فإن كان له إخوة فلأمه السدس . فإن وقع كان مجازا لا حقيقة. ومن ها هنا وقع الاختلاف في آية الكلالة؛ قال الجميع: إن الإثنين من الإخوة يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس. وقال ابن عباس: لا يحجبها من الإخوة إلا ثلاثة ويورثهم الأسلاف وتواترته الأخلاف وسارت به الركبان في جميع البلدان أولى أن يتبع. وقد سمى الله تعالى باسم الجمع في قصة موسى وهارون، وهما اثنان، فقال : اذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ، وقال منتصر ابن عباس: أرادها ها هنا موسى وهارون وفرعون. وفي قصة داوود وسليمان : وكنا لحكمهم شاهدين ، يريد هما والخصم. وقال عن يعقوب عليه السلام : عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ، يريد يوسف وبنيامين ويهودا. واستدلوا بقوله : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليـه ... . قالوا: العرب

تكره الجمع بين اثنتين أو جمعين، واستدلوا بقوله : )وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحـوا بينهما( ، فعورضوا بقوله : فأصلحوا بين أخويكم ، وبقوله : نبأ الخصـم إذ تسـوروا المحـراب ، والخصم يجري على الواحد والاثنين والجمع والذكر والأنثى ولكل بدليل قولـه : فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله . وقال : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ..... ، فهما لهما أربعة أيد.



فصل

اتفق الجميع أن وجود الله تعالى على الحقيقة ووجود الأشياء على الحقيقة وقال أبو العباس الناشيء البغدادي: وجودنا في جنب وجود الله عز وجل مجازز وقوله هذا يدعو إلى السفسطة. ومرادنا ها هنا بالمجاز في الأقوال دون الأفعال. فالعلم كل موجود على الحقيقة، والبارئ أحق منه وحياة البارئ سبحانه أحق من الحياة الحي. وحياة الحيوان في جنب حياة النبات والأشجار والمعادن أحق. والقرآن موجود على الحقيقة في صدور الذين أوتوا العلم. ومن وصف به البارئ سبحانه لاشاه، وحاشاه أن يكون بعد حدوثه ونزوله وجعله صفة البارئ حاشاه.



فصل

واختلفوا في القرآن هل فيه مجاز أو كله حقيقة لا مجاز فيه. قال بعضهم: كله حقيقة لا مجاز فيه لأنه حق، والمجاز باطل، وكيف يكون الحق مجازا؟. وهذا أخذ بظاهر من القول أين ذهب به. والصحيح أن فيـه المجاز وليس باطل وإنما المجاز في اللفظ لا في المعنى، والمعنى المراد

منه الحقيقي. قال الله تعالى : فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضَّ فأقامه ، والإرادة من أوصاف الحيوان لا من أوصاف الجدران، والمعنى يريد مال كأنه رجل همَّ بالوقوع. وقوله : والذين يؤذون الله ورسوله ، فالله تعالى لا يتأذى ولا يناله الأذى. وقوله : واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ... ، وقوله : الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة .. ، وقد يتعارف الناس على أسماء كان في البداية مجازا رجعت بالعرف حقائق كالغائط والنجو والنكاح والإيمان والكفر والنفاق والصلاة والزكاة والحج وما أشبه ذلك. وقد غيرت الشريعة كثيرا من اللغة، وجعلتها حقائق في الشرع ومجازا في اللغة بعدما كانت بالعكس. ومنه قولـه عليه السلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ وقد سأله عن الجنابـة تصيب الرجل من الليل ـ فقال له: «توضأ واغسل ذكرك» ، أراد غسل يديه ثم ذكره، ولم يرد وضوء الصلاة.



فصل

جميع ما في القرآن عربي. والدليل قول الله عز وجل : بلسان عربي مبين . وقوله : إنا جعلناه قرآنا عربيا ، واستدل من أجاز أن يكون فيه غير العربي من سائر لغات العجم قال: وذلك أن الله تعالى بعث محمدا عليه السلام إلى الناس كافة بقولـه : وما أرسلناك إلا كافة للناس ،

ويقول رسول الله : «بُعثت إلى الأحمر والأسود» ، وفي أمته العربي والعجمي والبربري والتركي وسائر أهل اللغات. وقد قال الله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قــومه ، فدل هذا على أن في القرآن من كل اللغات، فإن يشتمل على لغة كل من أرسل إليه. فهذا خرق. فليته سكت ولم ينطق. وهل في القرآن ما يكفي أهل كل لغة ويفي لهم بجميع ما خوطبوا به؟! وفائدة اللغة أن يصخ صاحبها بمضمونها يلزم صاحب هذا القول أن تكون أمته كلها وقومه، فيكون رسول الله روميا أعجميا كما أنه قريشي. والثانية أن محمدا عليه السلام تكلم بلغة كل من أرسل إليه. وإلا خرج أهل كل لغة لم يتكلم بها أن يكونوا من أمته!! غاب عنهم المراد وفقدوا السداد حين فارقوا الظاهر والباطن جميعا. وذلك أن كل نبي إنما أرسل بلغة فومه إلى كل من أرسل إليه ..

واستدلوا بحروف من العجمية عربتها العرب وتكلمت بها كانت في القرآن كالمشكاة في الحبشية: الكوّة، والقسطاس بالرومية: الميزان. والإستبرق بالفارسية: الديباج، وحسبهم قولهم: عرّبتها العرب، وإنما رجعت عربية إذ عربتها العرب. وانقطع العتاب، ومن وراء ذلك قول الله تعالى : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي .




باب المجمل

والمجمل في القرآن قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده ، فالمجمل كل كلام في العربية لا ينفهم الغرض بظاهره حتى يَرِدَ بيان بمراده، كالحق

ها هنا مجهول الجنس والنصاب. وكذلك قوله عز وجل : ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ، فالنصيب مجهول الكم. واختلفوا في الصلاة والزكاة والحج والصوم والأسماء الشرعية كلها. فقال بعضهم: إن هذا كله مجمل لأنه لا يتوقف على حقيقته إلا بالشرع الوارد ببيانـه. وكذلك تحريم الأمهات والبنات وذوات المحارم كلها، لا سيما أنها منقولة عن لغة العرب إلى مقتضى الشرع؛ لأن التحريم يقتضي معاني. فما الذي حرم منها؟ الضرب، أم القتل، أم السب، أم السفاح، أم النكاح؟ والمعنى المحرم مجهول. وهذا ليس بشيء؛ لأن الأسماء التي تخرج إلى أسماء مختلفة لا بد أن يكون أحدها هو الأظهر في لغة العرب فيتوجـه المراد إلى ذلك حتى يرد من الشرع ما يشمله مع غيره أو يخصه عن غيره؛ كالأمر؛ فإنّ صيغته تحتمل أمورا كثيرة، والأصل في تلك الصيغ كلها إذا كانت عارية من القرائن الأمر المطلق، إلا إن كانت قرينة تدل على خلاف ذلك. ولهذا قال بعضهم: إن هذه الأشياء المذكورة كلها مفصلة لا مجملة وهو الأصح، وإنما المجمل المجهول الجنس. وهذه الأمور التي يحتوي عليها التحريم تعرفها العرب. فإن الصلاة عندهم دعاء، والزكاة طهارة ونماء، والصوم إمساك، والحج قصد. والتحريم الظاهر في سورة النساء النكاح والعقد، فكل معروف مراده.



باب المفصل

والمفصل هو المبَيّن، والبيان هو الإيضاح والإعلام والدلالة والإرشاد والهداية والإيذان. فجميع الوجوه التي تنفهم منها المعاني لأهل اللسان فهو بيان لما في القرآن والسنة والأثر وجميع الكلام ويقع البيان بأوجـه:

أولها: البيان بالقرآن لما في القرآن. والبيان الثاني: بيان القرآن والثالث: بالظاهر دون الباطن إلا أن منع من الظاهر نظر أو عقل أو قياس. والرابع: العام ما لم يقع تخصيص. والخامس: الخاص لأحكام العموم. والسادس: بيان المجمل من الكتاب أو السنة أو الأثر. والسابع: البيان بالعقل، والثامن: الإجماع.



فصل

قال الله عز وجل : )ما فرطنا في الكتاب من شيء( ، وقال : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه
، وقال : يبين الله لكم أن تضلوا ، وقال : وانظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون

، وقال : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة ، وقال : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم . وقال : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ، وقال : سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون .

ومن بيان القرآن لما في نفس القرآن بيان مجمله به كقوله : نصيبا مفروضا ، فبينـه وقال : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .. ، حتى أتى على آخر الآية في أحكام المورايث.

وقال: وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقاتـه أربعين ليلة . ولولا ما نص على الأربعين لاحتمل قوله أن الثلاثين هي التي أتمت بالعشرة.

وقال: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة . ولولا ذلك لواقع الوهم على الثلاثة مع الأربعة أنها سبعة، فأتمها بسبعة. هذا كله رد على أهل الباطن الذين يقولون إن ظاهر القرآن ليس فيه بيان، وإنما البيان في التأويل، والتأويل عندهم لا يعلمه إلا الله عز وجل ومن علّمه إياه من عترة المصطفى عليه السلام. يقولون: إن التفسير هو ما شرعه الله لمن لم يرسخ الإيمان في قلبه لكي يستعمله حتى يرسخ الإيمان في قلبه فيطرحه عن نفسه كالصلاة والزكاة والصوم. فهذه الأمور إنما أريدت لشيء آخر لا لعينها؛ فإذا بلغ العبد النهاية في الإيمان أسقط الله عنه هذه الخصال إذا جاوز حد الظاهر إلى حدّ السريرة وكان من الخلصين. وأما من كان من أهل الظاهر كانت عليه هذه الصلاة والزكاة عذابا وعقابا لمن اقتصر على الظاهر وعطل السرائر. وللقرآن ظواهر، وللظواهر تفاسير، وللتفاسير تأويل. فمن وقف في حد الظواهر كلف الفرائض عقوبة، فإن جاوز إلى حد التفسير إلى حد المآل كان من المخلصين المحققين حل له الحلال والحرام، إذ ليس في الآخرة أكثر من هذا. فمن بلغ في الدنيا تلك الدرجة حلت له الدنيا، وهذا المآل في الأخرى. وسيأتي بيان مذهبهم بأشبع من هذا في موضعه إن شاء الله.


باب
في بيان القرآن


فمن البيان المبين ما قصه الله علينا ونصه لنا من أخبار القرون الماضية والأمم الخالية، ونبأ المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. قال الله تعالى : كذبت قوم نوح المرسلين. إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون ،

وكذلك قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.

وأوامر الله تعالى في القرآن عن بيان كقوله : اركعوا واسجدوا ، وقولوا للناس حسنا ، واذكروا الله ذكرا كثيرا ، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ، وكذلك جميع أوامره ونواهيه، وجميع استخباراته فإنها بيان لأولي الألباب من العباد ومن ألقى السمع وهو شهيد. وأما الظاهر والباطن والعام والخاص. فسنذكر وجه البيان فيها إن شاء الله. وأما البيان بالسنة: قال الله تعالى : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون . وقال : وما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . وقال : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا . فأوجب أن بيان الرسول عليه السلام لما في القرآن بيان وهو سنته. وقد أمرنا الله عز وجل بالصلاة مجملة فبينها عليه السلام فقال: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم». وقولـه: «صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين» ونهيه عن القراءة

في الركوع والسجود وقوله: «كل صلاة لم يقرأ (فيها) بفاتحة الكتاب فهي خداج». وقولـه للذي يعلمه الصلاة: «إذا افتتحت الصلاة وقرأت فيها ما فتح الله لك فكبر واركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن قائما، ثم اهو إلى السجود حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدا، ثم اهو إلى السجود حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع رأسك وقم إلى الركعة الثانية وافعل فيها ما فعلت في الركعة الأولى، فإذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك». وبيانه في أوقات الصلاة وأعدادها وأساميهن وما يفعل فيهن. وقال عليه السلام: «خذوا عني مناسككم» ، و «صلوا كما رأيتموني أصلي». وبيانه (في) النُّصب في الزكاة، قولـه: «ليس فيما دون عشرين مثقالا نصف مثقال» ، و «ليس فيما دون خمسة أوساق من التمر صدقة» . وفي بعض المصنفات: «من الحب». و «في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس وعشرين بنت مخاض».

وفي الصوم: «إذا غابت القرص من ها هنا، وطلع الليل من ها هنا أفطر الصائم». وقوله: «إذا سمعتم أذان بلال فكلوا، وإذا سمعتم إذان ابن أم مكتوم فكفوا». وقولـه: «لا صوم لمن لم يبيّت الصيام من الليل».

وفي الحج «الحج هو الثج والعج والتلبية». وبيان المواقيت للإحرام. وقولـه على الصفا: «نبدأ بما بدأ الله بـه».

وأما بيانه بالفعل: فلقولـه عليه السلام: «خذوا عني مناسككم» و «صلوا كما رأيتموني أصلي» وأشكاله كلها في الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود، وفع ووضع، وتكبير وتسليم، فهي بيان للصلاة، وقراءة الجهر، وسجدتا السهو وطول القنوت وغيره.

وأما بالترك: فتركه القنوت بعد الاستعمال وترك مسح الركنين الشاميين، وتركه لباس خاتم الذهب، ورمى به وقال: أما هذا فلا ألبسـه أبدا. وتركـه أهل مكة في بيوتهم وقد دخلها عليهم عنوة.

وأما الإقرار: فكل شيء أقر عليه أمته وتركهم وفعلـه بين يديـه وكان ذلك عندهم واجبا أو ندبا أو مباحا فهو من سنتـه.

وأما الواجب فما فعلوه وتركهم وفعلـه فكالاستنجاء بالماء فصار سنة. وأمر المرأة التي هربت من مكة في هدنة الديبية فطلبها المشركون يردوها فأبى عليهم المسلمون. فقال رسول الله عليه السلام للمشركين إن شئتم رددناها جَذَعة. فلم يردوها على المشتركين.

وأما وقوع البيان بالإجماع: فإنه يقع قولا وفعلا وتركا. فأما القول: إذا قال بعضهم وسكت الباقون، أو قال بعضهم وترك الآخرون النكير عليهم: كقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. وقولـه أيضا قياسا: الله واحد، والرسول واحد. فطاعوا لقولـه وأطبقوا. وقولـه: وأيم الله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقولـه: لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونـه إلى رسول الله عليه السلام لقاتلتهم عليه حتى ألحق بـه. وتخميسه أهل الردة.

وأما البيان بالترك: فكتركهم توريث العبيد وتوريث الأموات. وتسويتهم بين الأمة والعبد في الحدود، وإعتاق شقص منهم.

وأما البيان بالعقل: فجميع حجج الله تعالى في القرآن على المشركين، كما قال : ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه .. ، وقولـه : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ، وقولـه : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ، وقولـه : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون . وقولـه : ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد .

وقولـه : أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ، وقولـه : وضرب لنا مثلا ونسي خلقـه، قال من يحي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل شيء عليم ، وقولـه في الأصنام : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم آذان يسمعون بها بها .



فصـــل

واجتمعت الأمة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. واختلفوا في تأخيره عند وقت ورود الخطاب. فأجازه بعض وأبطله آخرون. فعامة الفقهاء قد أجازوه، ومنعت منه القدرية والشذوذ من غيرهم. ودليل الأولين قولـه تعالى : فإذا قرأناه فاتبع قرآنـه ثم إن عليها بيانـه ، وثم للتراخي. ودليل الآخرين أن ذلك لا يجوز كما لا يجوز خطاب الموتى وخطاب من لا يفهم معنى ما خوطب به، كما استحال خطاب العربي بالفارسية، والفارسي بالعربية. واعلم أن خطاب هؤلاء غير مستحيل وجائز، بشرط إحياء الميّت/ وبقاء الفارسي حتى يفهم أو يجيء من يفهمه، وكذلك المعدوم بشرط إذا كان من يبلغه ويفهم عنه إلى حين وجود المعدوم وبلوغه الخطاب كما أنا خوطبنا نحن في الجملة وجميع من يأتي من الأمة –على عهد الرسول عليه السلام. واعتلوا بالبلاغ وقرنوه بالبيان. قالوا: فكذلك يجوز تأخير البلاغ إذا جاز تأخير البيان. قلنا: ولا سواء؛ أما البلاغ فمتعين الآن. وأما البيان فلا يتعين إلا عند حصول الفعل وحضور النازلة. فكما أن الفعللة وقت، وليس للابلاغ وقت، وجميع الأوقات للإبلاغ وقت، وجميع أوقات الأفعال فمتراخية. فبطل ما اعتلوا بـه.

ومن الأدلة على جواز تأخير البيان قول الله عز وجل : إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن إهلها كانوا ظالمين ، حكاية عن الملائكة، ولولا ما وسع الناس من تأخير البيان إلى وقت الحاجة للزم إبراهيم أن يحكم على أهل القرية بالهلاك وبالبراءة من جميع أهل القرية. لكن إبراهيم علم أن للعموم خصوصا وبيانا، فقال : إن فيها لوطا ، مستفهما. قالوا : نحن أعلم بمن فيها . وقولـه : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، وأخر بيان نعتها. واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ، فذكر الأصناف وأخر القسمة. وحد ذوي القربى منهم بنو هاشم وبنو المطلب دون عبد شمس ونوفل. ومن جهة السنة: أن سائلا سأل رسول الله عن أوقات الصلاة، فأخر الجواب حتى صلى بهم صلاة يومين فقال: أين السائل عن أوقات الصلوات؟ فقال: «ما بين هذين أوقات الصلوات».



فصـل

واختلف الناس في العموم والظاهر وأخبار الآحاد إذا تعارضت أيها أقوى. قال بعضهم: إن أخبار الآحاد أقوى من الظاهر. واستدلوا بقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله : »نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» ، وقال بعضهم: العموم أولى. ألا ترى إلى عمر كيف أبطل حديث فاطمة بنت قيس وقال: لا ندع كتاب الله عز وجل إلى قول امرأة لا تدري أصابت أم أخطأت. فأوجب النفقة والسكنى للمبتوتـة.

والظاهر والعام وأخبار الآحاد هي طرق مستعملة فإذا تقاومت غلبوا عليها الرأي والقياس واستصحاب الأصل.



باب في الأمر والنهي

اعلم أنه لا أحد تجب طاعته إلا لله تعالى ، أو من أمر هو بطاعته من نبي أو خليفة أو حاكم أو والدين أو غيرهما. واتفق الجميع في مقتضى اللغة أن الأمر لا يفيد حسن المأمور به، ولا النهي قبح المنهي عنـه. أن هذا حسن وأن هذا قبيح. وإنما يُعلمان من جهة الشرع ولا يعلمان من جهة المصلحة خلافا للقدرية الذين يقولون إن الله عز وجل لا يكلف عباده إلا من جهة المصلحة بدليل قول الله تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربا وقد نهو عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما .

وقد يكون التكليف والأمر ابتلاء ويكون رحمة. فمن الشرع يقتبس حسن الحسن وقبح القبيح لا من جهة العقل، إلا ما يتعلق بالعقل من جهة الواجبات وأخواتها. والمباح خارج من حد الحسن والقبح، كما أنه خارج من حد الطاعة والمعصية.

فصــل

اعلم أن الأمر يتصرف في اللغة على وجهين: الشأن والقصة، وجمعه: أمور. كما قال الله تعالى: وإلى الله ترجع الأمور . والثاني: أمر الله ونهيه، وجمع الأمر منـه : أوامر. وهو القول المقتضى منـه الفعل من المأمور. وهذا في الخطاب . وأما في الإيجاب فلا. وأما حد الأمر: فهو طلب الفعل واقتضاءه على غير وجه المسألة. والفرق بين الأمر والسؤال، أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والسؤال عن الشيء ليس بنهي عن ضده. فمن أثبت نهي تأديب أثبت (أمر تأديب) والسمر الفرق بينهما، ومن امتنع من ذلك قصر الأمر على الواجب، والنهي على الزجر، ومن أجازهما أوجب التأديب فيهما. وقد يعبر عن الأمر بالقول وبالإشارة وبصورة الخبر.

أما من جهة القول: فقول الله عز وجل : قل .. أحد ، وقولـه عز وجل : وقولوا .... خطايكم .

وأما بالإشارة فقول رسول الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: «يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك» وذلك حين أم أبو بكر الناس، فلما أبصر رسول الله عليه السلام تكعكع، فأشار إليه رسول الله ودفع في ظهرة امتنع فتقدم رسول الله فأتم بالناس الصلاة. فلما انصرف من الصلاة قال لأبي بكر: «يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك؟» ولم يكن هناك إلا الأشارة. فقال أبو بكر رضي عنه: ما كان الله ليرى ابن أبي قحافة في مقام نبيه.

وأما من جهة الرموز فقوله عز وجل حكاية عن زكريا عليه السلام : آيتك .... إلا رمزا ، ولا معنى لكلامه إى بأمر أو نهي أو خبر أو استخبار. وهي جميع أقسام الكلام، لأن الرمز ينوب مناب الخطاب، ولقوله : فأوحى .... وعشيا ، وأما من جهة الخبر فقول الله عز وجل : والوالدات .... الرضاعة ، الآية وقوله : وإذ أخذنا ...... إحسانا .



مسألـــة



اختلف الناس في الأمر، هل له من صيغة وصورة أم لا صيغة ولا صورة له؟ فقال أكثر الفقهاء: إن للأمر صيغة وصورة، وهي قولك: إفعل. وكذا النهي له صورة وهي قولك: لا تفعل. وهو الأصح، خلافا للأشعرية الذين يقولون أن الأمر والنهي لا صيغة لهما. والدليل على قول الفقهاء استعمال أهل البيان، وهم أرباب الشأن. وذلك أنهم قسموا الكلام أربعة اقسام وقالوا: أمر ونهي وخبر واستخبار. فالأمر قولك: افعل. والنهي قولك: لا تفعل. والخبر قولك خرج زيد، والاستخبار قولك: أخرج زيد؟ .. ولم يشترطوا له قرينة تفرد الأمر ولا النهي من غيره. والأمر والنهي هما الأصل، وما عداهما ففرع. وكذلك الخبر والاستخبار. كما أنهم جعلوا للواحد صيغة يعرف بها يجري عليه الخطاب بها، وللإثنين

صيغة، وللثلاثة فصاعدا صيغة، وكذلك للواحدة من النساء وللإثنين والجمع صيغ. ثم ينقسم كل واحد من هذه الأربعة أقساما كثيرة. فيكون الأمر أمرا وسؤالا ودعاء ونداء. ويكون النهي نهيا وزجرا وإغلاظا وتهديدا. ويكون الخبر خبرا وتمنيا وجحودا ومجازاة وتلهفا. ويكون الاستخبار استخبارا واستفهاما وتقريرا وإنكارا وتعجبا وتوبيخا وقسما ومثلا.

فصورة الأمر وصيغته تشترك مع غيرها في صيغها. ومن ذلك قول الله تعالى : وافعلوا الخير لعلكم تفلحون . ومع الإذن : افعل ما تؤمر ، ومع الإطلاق : فإذا قضيتم فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ، ومع الإباحة : فإذا .... فاصطادوا .

ومع الوعيد : اعملوا ما شئتم . مع التحدي : فأتوا ... مثله ، ومع التعجيز : كونوا حجارة أو حديدا ، ومع النداء : قل يا .... الله . ومع الدعاء : ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، ومع التكوين : إنما .... كن فيكون ، ومع التعجب : أسمع ... يأتوننا ، أي ما أسمعهم وأبصرهم. ومطلق المر هو الأصل مع ملطق غيره، إذ لا بد لغيره من ذكر القرينة والتقييد.

فصل

وإذا ورد الأمر من الله عزو جل اقتضى الوجوب دون الندب. قال الله تعالى : فليحذر .... أليم . خلافا لمن قال من الأشعرية ـ إنه يحمل على الندب، ولمن قال بالوقوف أيضا. فأطلق ولم يقيد فوجب أنه على الوجوب. قال الله تعالى : وما كان .... مبينا . وقوله أيضا : وإذا قيل ... للمكذبين . فذكره في معرض الذم، وقوله عز وجل لإبليس : ما منعك.... أمرتك ، وقول رسول الله لبريرة في زوجها مغيث: «لو راجعته» فقالت: يا رسول الله، أبأمرك؟ فقال: لا، إنما أنا شافع. فقالت لا حاجة لي به» ، ففرق رسول الله عليه السلام بين الشفاعة والأمر؛ لن طاعته في الشفاعة مندوب إليها، وأمره واجب. ولو قال لها: عن أمري ، لما تخلفت عن مراجعته. ومما يؤكد هذا قول رسول الله : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء». ومعلوم أنه ندبهم، فصح أنه لم يأمرهم.

والدليل أيضا على وجوب الأمر عقلا أن السيد إذ قال لعبده: أسقني ماء، أو قم، أو أقعد، فلم يسقه، ولم يقم، ولم يقعد، حَسُنَ من السيد ومن كل أحد لومه وتوبيخه وعقوبته. فهذا دليل الوجوب. وعارضوا في هذا بقول

السيد لعبده: إلبس هذه الخلعة، أو إلبس هذا التاج، أترونه عاصيا إن لم يلبسها؟ قلت: هاتان معهما قرينة تدل على غير الأمر، وهو التبجيل والإكرام، وليس هو بموضع للعبد إلا إذا كان أهلا لذلك بعد أن يكون عبدا رايعا. والعبد يتوقف لهذه العلة عن درجة ومرتبة لم يبلغهما إلا إن كان يليق لذلك فترجع القصة كما كانت. ولسنا ننكر أن لفظة إفعل ترد أمرا وترد بخلافه. وإنما الكلام على ورودها مطلقة ولكنا نقول: إن وردت بغير قرينة فالأصل فيها الأمر ثم الوجوب على قول بعضهم حتى ترد معها قرينة وتقتضي غير الأمر. وقالوا أيضا: لو قال للصباغ اصبغ لي هذا الثوب لجاز له التوقف حتى يعلم أي لون يريد، فهذا لا يلزم لأن الألوان تشترك إلا إن كان صباغ البلد معروفا، فيكون عاصيا إن لم يمتثل. وأما إن كانت متساوية فيسوغ له التوقف. ولا بد في الخطاب من ظاهر تسبق إليه النفوس فيحتاج من دونه إلى قرينة. وكذلك لو قال اضرب الدابة خلافا لقوله اضرب الحمار إى إن كان للبلد عادة فهو أقعد.



فصل

والمندوب إليه مأمور به خلافا للشافعي؛ لكونه طاعة الله عز وجل وعبادة ووقع الثواب عليه، والحسن والخير والمدح. والفرق بينه وبين الواجب وجب الثواب وسقوط العقاب عنه وهما في الواجب جميا. والفرق بينهما وبين الإباحة أن الإباحة لا ثواب ولا عقاب. وقد اجتمعت الأمة أن النوافل كلها طاعة لله عز وجل ومندوب إليها وليست بواجبة. والذي أختاره أنها غير مأمور بها لما قدمناه من الوعيد على المتخلف عن أوامر الله تعالى.وقولـه : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، وعند كل وضوء« ، وهو قول عمروس بن فتح حين امتنع أن يقول إن الإيمان إنما كان

إيمانا لعلة الأمر به، لئلا تدخل فيه النوافل. على أن الشيخ أبا الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه قال: من قال إن النوافل لم يأمر الله بها ولا إنها طاعة فهو كافر. والذي يتوجه إليه هذا الكلام أنه يريد من نفاها من الطاعة فهو كافر، وأما الأمر فالله أعلم. وقد اجتمعت الأمة على أن الله تعالى ندب إلى النوافل ودعا إليها وإنما وقع الاختلاف في الأمر.



فصل

وإذا وردت لفظة افعل بعد الحظر، وعريت من القرائن كانت إباحة ، وهو الأليق بهده لأنها مبينة على التيسير، قال الله تعالى : يريد الله ..... العسر . وقال : وما جعل ..... الدين من حرج .

قال بعضهم: تحمل على الوجوب كقول الله تعالى : فإذا طعمتم فانتشروا ، وإذا حللتم فاصطادوا ، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا .. ، والأصل هو الأول، وإن وردت بعد الندب كانت أمرا واجبا. والأصل في هذا كله أنها إباحات لا واجبات كما قدمنا، ويراعى في هذا كله أنفاس الأمة.

باب

اختلاف الناس في أمر الله ونهيه
وكلامه وقولـه وخطابـه


اختلف الناس في امر الله تعالى ما هو؟. قالت المعتزلة: خطابـه الموجود في القرآن هو كلامـه وأمره ونهيـه وهو قولـه بحروف واصوات مقطعة.

وقالت الأشعرية: أمر الله تعالى ونهيـه وكلامـه وخطابه وقولـه صفاته في ذاته، والقرآن فرع من الكلام وهو صفة الله تعالى في ذاته على هذا النعت.

وقال المسلمون: أمر الله تعالى ونهيـه يتصرف على وجهين: وجـه كقول المعتزلة أنه خطاب مسموع وقول معرفو مفهوم مقول بحروف مقطعة وأصوات مسموعـة.

والوجـه الآخر: أن الأمرهو الإيجاب، أَمَرَ؛ أي أوجب أو ندب خطابا، أو إلزاما لا خاطابا، فالإيجاب والإلزام أوامر. أما المعتزلة فقصروا أمر الله عز وجل على الخطاب الموجود في القرآن وكذلك قالو: من لم يسمع لم يؤمر. وأما الأشعرية فقد ردوه إلى صفة الذات، والمسلمون بين بين، وأثبتوا الأمرين جميعا، وهما الخطاب والإيجاب، وأبطلوا الصفة والذات ولذلك لا يُعذرون من لم يسمع كما عذرته المعتزلة.



مسألة

اختلف الناس في المعدوم هل هو مأمور على الحقيقة أم لا؟ قالت القدرية: لا يجوز امر المعدوم لا بشرط وجوده، ولا بغير شرط وجوده وقالت الأشعرية:

أمر المعدوم صحيح جائز بشرط وجوده يوما ما أو بشرط وجوده من يبلغه إذا وجد. واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ويا أيها الناس ، يا أيها الذين آمنوا ، وأمثاله ، فلما لزمتهم الأسماء لزمتهم الأوامر. فالإنسان الذي يوجد بعد مائة سنة هو إنسان الآن، وأنه صفة في ذاته. فالله تعالى آخر (به) لم يزل، وناه لم يزل، وقد أمرهم ونهاهم في الأزل كما تقول: عَلِمَهم في الأزل وَقَدَرَ عليهم. وسلك المسلمون طريقا بين بين فوافقوا المعتزلة في خلق الأمر (والنهي) ، واختلفوا معهم في أنه آمر وناه فمنعته القدرية وجوّزه المسلمون ووافقوا الأشعرية أن الله تعالى آمر ناه لم يزل، وخلفوهم في أن الأمر والهي صفتان، وخالفوهم أيضا في أ، الله أمرهم ونهاهم لم يزل.فالمسلمون جوّزوا على الله تعالى أنه آمر وناه في الأزل ، وأبطلوا أنه أمر ونهي كما جوّزوا عليه أنه خالق لم يزل فاعل لم يزل، وأبطلوا خلق وفعل وأمر. وليس الأمر والنهي والخلق والفعل بصفات الله تعالى ألبية، وإنما هي أفعال لا صفات.



فصل

قال الشيخ أبو الربيع (سليمان) بن يخلف رضي الله عنه: "فإن قال قائل: ما معنى أمر الله بهذا؟ قيل له: خلق الأمر به لا من أحد، وكذلك النهي. وقيل له أمر الله أي خلقه في عينه

أمرا لا من أحد. وكذلك قولنا: طاعة الله ومعيته؛ أي خلق الأمر بها والنهي عنها لا من أحد. ومعنى قولنا (لا من أحد) أي لا فعل لأحد في أمره ونهيه. وقلنا: لا من أحد لئلا يكون كل أمر خلقه الله عز وجل أمرا له ... ويقال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر الله، ولنهيه نهي الله، أي عن أمر الله كان وعن نهي الله كان".

واحترز الشيخ رضي الله عنه في أمر النبي ونهيه، ولم يطلق أنه أمر الله إلا بتقييد. وماذا عليه لو أطلق؟ فإن أمر محمد ونهيه هو أمر الله ونهيه على الحقيقة، لأنه خلقه وأمر به. وإنما يُتوفى ما خلقه ولم يأمر به، وأما ما خلقه وأمر به فلا. وكذلك كل من أمر بالطاعة التي أمر الله بها، أو نتهي عن المعصية التي نهى الله عنها. فإن أمر الله ونهيه هو أمر الله مطلقا لا مقيدا في أعينهما وقد خلق وأمر ونهي واجتمعت العلتان.

وسئل عن محل الأمر والنهي والكلام أن يكون حالا في المأمور والمنهي والمخاطل بالكلام فيكون هؤلاء أولى أن يكونوا آمرين ناهيين متكلمين منهم أن يكونوا مأمورين منهيين مخاطبين. ولما لم يكن الله تعالى محلا للحوادث، وبطل أن يكون المر حالا في المأمور صح أنه صفة الآمر لا فعله، وكذلك النهي والكلام قلنا : وليس في جهلنا بمحل الأمر والنهي والكلام ما يثبت أنها صفات البارئ سحانه (على المعقول)، وعلى المتقول الدليل. والخلق (كله) بعضه محل لبعض. ولو سئلوا عن الروح لما أمكنهم فيه كلام إلا أن يتقولوا على الله فيما رد علمه إليه، وأنى وهو يقولون بخلقه

وأما معنى قول الشيخ إن الله أمر بهذا أي خلق الأمر به لا من أحد لم يوف شروط النسبة، وكذلك قوله: "ما معنى: ولله الحجة البالغة؛ أي خالقها ومالكها". فقد أجاب بأمر يشمل سائر الخلق، وبقيت الفائدة التي بها سميت الحجة بالغة والغرض الذي ذكرت به ها هنا بلاغهان فبلاغها: بيانها، وبلوغها: قيامهاعلى العبد بما يقطع العذر ويوجب الأمر.

باب التبليغ


قد اجتمعت الأمة على أن رسول الله بُعث إلى الإنس والجن كافة. أما الإنس فلقول الله عز وجل : وما أرسلناك ... للناس ، وقولـه : يا أيها .... جميعا .

أما الجن فلقول الجن ـ قال الله عز وجل : وإذ صرفنا .... مبين . وقولـه : يا معشر الجن والإنس ، وقولـه : فبأي .... تكذبان . وأن الأمة مجتمعة على أنه قد بلغ الرسالة التي أرسل بها وأدى الأمانة ونصح الأمـة.

وقال رسول الله وهو بعرفات خطيبا: أي يوم هذا وأي شهر هذا وأي بلد هذا؟

قالوا: يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. فقال عليه السلام: إن دمائكم


وأموالكم وأعراضكم (عليكم) حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم فاشهد. ألا فليبلغ الشاهد (منكم) الغائب. ولم يكلف أكثر من مقدرته، فمن شاهده أبلغه، ومن غاب كتب وأرسل إليه وأوصى، وقال الله عز وجل : لأنذركم به ومن بلغ ، فمن بغي بعد هذا من أمته؟ إما رجل على دين نبي من الأنبياء قبله فواسع له ما لم يسمع. أو رجل على غير دين فلا يسعـه.


فصل

واختلف الناس في السامعين، فقال بعضهم: ليس عليه إلا ما سمع، وليس عليه ما تضمنته الجملة.

وقال بعضهم: عليه جميع ما تضمنته الجملة، وليس عليه من الطارئ حتى يسمع. وكذلك قولهم فيمن كان على دين نبي من الأنبياء إنه يسعه المقام عليه ما لم يسمع، فإذا سمع بمبعث النبي فعليه الإقامة على مذهبه حتى تقوم عليه الحجة بشريعة محمد عليه السلام. ويسع الملي الإنتقال من شريعته إلى الشريعة التي بعده، ولا يسعه الإنتقال إلى شريعة قبله.

وسئل هل تأتلف الشرائع في التوحيد فيكون التوحيد الذي كُلِّفناه هو التوحيد الذي كُلِّفته الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى هلم جرا؟ أو يختلف فيكلف بعضهم معرفة الجمل من الملائكة والنبيين والمرسلين والكتب ويحط (عن) الآخرين.

أو هل يسوغ أن يكلف الله تعالى بعض الأمم معرفته وحده دون الجمل ودون المعد، أو يكلف (الله) بعضهم ما حطه عنا أو يكلفه لنا؟ وهل يجوز في نفس الأمة أن يكلف بعضهم الجملة وشرحها ويحط عمن بعدت داره بعض شرحها؟ وهل في ذلك تفرقة بين مشرك أو بالغ فآمن ولم يذق ومن أجاب إلى شريعتنا من أهل الكتاب هل يأثم بتضييع جميع ما في شريعته أو لا يأثم ولو كان عندنا واجبا؟ وهل يصح أن يكون على شريعة نبي ولم يكن عنده اسم ذلك النبي؟ والذي قالوه أن نوحا صلوات الله عليه لم يبعث إلى قومه إلا بكلمة لا إله إلا الله صحيح أو غير صحيح؟ فمن كان عنده الجواب فليكشف الغمة ويشف الهموم، كفاه الله وشفاه.

إن سأل سائل عن من قال: إن العقل حجة الله على ابن آدم، وإن الخلق كله حجة عليه. وإن الرسل والكتب حجة، أو قال: إن حجة الله العقل دون الكتب والرسل، أو الكتب والرسل حجة الله دون العقل. أو قال: العقل تنال به معرفة البارئ عز وجل من ذات نفسه بشاهد الخلق من غيره منبه على وجه الحجة فيه ولا مخبر أو قال بغير إلهام. أو من قال: لا ينفك مكلف من إلهام، وقد قامت الحجة على العاقلين من جهة الإلهام. أو قال بالفكر إنه حجة الله ويسعه (ما دام متفكرا) أو يسعه إلى مدة. أو من حط عمن لم يسمع كل ما ليس للعقل عليه دليل على حسنه وقبحه. ومن قال بالحجة لا تقوم بالواحد أو بالاثنين من أهل دين الله، أو بالأربعة أو بالخمسة أو بالاثنا عشر أو بعشرين أو بسبعين أو بالمائة أو بالمئتين حتى يبلغ حد التواتر. أو شك فيما شهد عليه الشهود في جميع ما لا يسع قَارَنَتِ الشهود ريبة أم لا؟ وهذا الباب كالأول، نريد من ينص على كل مسألة منهما بجواب صريح بدليل صحيح أو بتقليد صحيح.



فصل

مسألة: وهل يصح أن يكلف الله عباده ويأمرهم وينهاهم بأوامره ونواهيه ولا عقوبة ولا مثوبة؟ وهل يسوغ أن يأمرهم وينهاهم، ويجعل مثوبتهم ترك عقابهم إن أطاعوا، وأما أن عصوا فيما قبهم؟ وعكس

ذلك. أن يأجرهم على الطاعة ولا يعاقبهم على المعصية، وتكون مؤاجرة الطائعين ثوابهم. وحرمان الثواب للعاصين عقوبة لهم؟ وهل يسوغ أن يجعل التكليف مؤبدا لا آخر له ــــــــــ والثواب والعقاب في خلال ذلك، لا آخر للتكليف ولا للجزاء، وهل يسوغ ـ في العقل ـ أن يكون الجزاء متقطعا كما ينقطع العمل، أو يجعل إحدى المثوبتين منقطعة والأخرى دائمة؟

الجواب: إن هذا كله سائغ في العقل لا استحالة له، وليس فيه شيء يبطل الحكمة إلا المسألة الأولى هو أن يلكلفهم لا مثوبه (لهم) ولا عقوبة، وإلى الرد على أهله أشار القرآن الحكيم فيما ذكرناه ذلك ظن ......... النار ، منع منه الشرع والعقل جميعا؛ أما الشرع فالذي سمعت، وأما العقل ففيه طرق من العبث. كما قال الله تعالى: أفحسبتم ........ لا ترجعون ، على تناقض المعنى؛ أن يكون التكليف ولا ثواب ولا عقاب فهذا عين الإباحة ورجوع الوجوب إباحة والإباحة واجبة عين التناقض، وذلك محال إذ لا معنى يدعوهم إلى فعل ما أمروا به، ولا معنى يزجرهم عن فعل ما نهوا عنه وهو عين الإباحة أو عين العبث. ومن أوجب شكر المنعم (ومنع) كفره عقلا، وهو قول المعتزلة، أجازوا التكليف بلا ثواب. وحرمان الثواب فرع العقوبة ينوب عن العقاب. والسلامة من العقاب فرع من الثواب. وباقي الفصل سائغ غير مستحيل. وهذا بعد تبديل الخلقة وتغيير الصورة. وأما على حالتهم هذه فلا يليق بهم، والحكمة تركهم على ما هم عليه كما قال عمر بن العجيل الزبيدي؛

وذلك أن قومه بنو زبيد ارتدوا حين بلغتهم وفاة رسول الله ، وكان ابن العجيل مسلما مهاجرا، فقام في قومه خطيبا فقال في آخر كلامه: إن الله تعالى جعل الحكم على ما ظهر والجزاء على ما بطن. ولو أراد تبارك وتعالى أن يأخذ الناس بأمر عيانا ويقطع أسباب الرجاء والخوف لحول الصنعة عما هي عليه حتى يزيد في الإنذار. وأبطلت القدرية دوام التكليف؛ لأن في دوامه ـ قالوا ـ بطلان الجزاء، ولا أدري قولهم إذا كان الجزاء في خلال ذلك؛ ونسوا قولهم أن شكر المنعم واجب عقلا، والمكلف لا ينفك من النعمة، ولم يدروا أن قضاء الواجبات دين، ولا ثواب على قضاء الديون. وفي سلب النعم أعظم النقم.



باب

هل كان رسول الله متعبدا عارفا بالله عز وجل ويدينه قبل مبعثه، أو هل هو متعبد بشريعة أحد ممن كان قبله من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين؟ اعلم أن بعض الفقهاء تكلموا في هذا على قدر حدسهم وظنهم. قالت الأشعرية: قد عرف الله عز ووجل وعرف دينه الذي يخصه قبل مبعثه؛ وذلك أنه أمر وقع إليه في قلبه من قبل الله عز وجل ، فصانه به حتى جاءه الحق في غار حراء. والدليل عليه قول عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله يتحنث في غار حراء أيام رجب حتى أتاه الحق وهو بغار حراء. وكان قبل مبعثه يرى الرؤيا فتجيئ مثل فلق الصبح. وحديثه أيضا مع زيد بن عمرو، قال: إنه أول من بغض إليّ عبادة الأوثان؛ وذلك أنه لقيه بطريق الطائف ومعه زيد بن حارثة، وكان زيد مهجورا عند أهل مكة ، فلقيه قرب المزدلفة فدعاه رسول الله عليه السلام وقال: هلمّ

إلى السفرة. فقال: يا ابن أخي، إن كان مما تذبحون على أصنامكم فلا حاجة لي فيه. ومع قريش طرف من دين أبيهم إبراهيم عليه السلام ومناسك الحج.

وقالت المعتزلة: أمر أدركه بعقله من معرفة توحيد ربه وما يقتضي العقل من مفروضاته.

وقال بالوقف أهل الوقف. وأجاز الآخرون الأمرين جميعا لكنهم لم يقطعوا على أحدهمـا. وقـال آخرون: ذاق بدليل قول الله تعالى : ووجدك ضالا فهدى ، وقوله : وما كنت .... ولا الإيمان . وبالإشارة في قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولم يقل : ولا أنتم عابدون ما عبدت . لكم دينكم ولي دين ، أثبت عبادة الأوثان للكافرين في الماضي والاستقبال، وتبرأ منها في الإستقبال دون الماضي وهو قوله : ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولو قال: ما عبدت ولكن قال : ما أعبد . وهذا أمر لم يؤثر فيه شيء عن رسول الله إلا ما ذكرنا. ولو كان ما خفي عن قومـه وأهل قطره ولم يذكر عنه ما يدل على أنه (على) شريعة أو طريق مهيعة.



فصل

هل كان رسول الله متعبدا بشريعة أحد الأنبياء حين أرسل إليه قبل أن تشرع له شريعته؟ وهل نسخت شريعته كل شريعة كانت قبله، أو نسخت الشرايع التي قبله بقوله : يا أيها الناس .....جميعا ؟

الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسائل، قال بعضهم: إنه أُمر أول وهلة بشريعة نوح عليه السلام بدليل قوله تعالى : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده . فهذه الآية لا تقتضي أكثر من أنه شملهم بالوحي.

وقال بعضهم: بعث أولا بشرائع أولى العزم من الرسل لقول رسول الله : «أنا أحق بعيسى بن مريم لأنه لا نبي بيني وبينه» ، وبمكان وضعه كفة على صورة عيسى ومريم أيام دخوله الكعبة حين أكر عثمان بن طلحة أن يمحو الصور التي في الكعبة كلها إلا ما تحت يده.

وقال بعضهم: بعث أولا بشرائع أولى العزم من الرسل، وأمر باتباعهم بدليل قوله : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل .

وقال بعضهم: بل تعبد بشريعة موسى عليه السلام ألا تراه ليلة المعراج كيف حط من ثقل الصلاة.

وقال بعضهم: بل تعبد بشريعة أبيه إبراهيم صلوات الله عليهما بدليل قوله عليه السلام: «جئتكم بالحنيفية السمحة السهلة». وبدليل قول الله عز وجل : وما جعل ...... من قبل ، وبقوله : ومن .... نفسه ، وقال : ثم أوحينا إليك ..... المشركين .

الأصل في هذه المسألة أن رسول الله ، بُعث إلى الناس كافة فنسخت شريعته كانت قبله، إلا ما ينسخ من مكارم الأخلاق والتوحيد، ولذلك أمره الله تعالى بعد ذكر الأنبياء عليهم السلام فقال : فبهداهم اقتده . يريد ما هم عليه من التوحيد ومكارم الأخلاق وما ذكره الله تعالى حكاية عنهم في القرآن لم ينسخ.



فصل

هل يجوز أن يبعث الله تعالى رسولين بشريعة واحدة أو رسولين بشريعتين مختلفتين إلى أمتين أو إلى أمة واحدة، ويكون الخيار إلى الأمة أيهما أحبت أجابت له؟ أو رسولا بشريعة يختلف فيها حكم القبائل وحكم الأجناس كالسودان والبيضان ويختلفون في العبادات؟ أو رسولا يدعوا إلى شريعة محدثة من لم يكن على شريعة ويوسع على من كان على شريعة أحد من الأنبياء أن يقيم عليها ومن لم يكن على شريعة أن يجيب له أو يحضر بعض الشرائع على أهلها ويدع آخرين على شريعتهم؟ أو يرسل رسولا فيكله إلى الإجتهاد والرأي، أو رسولين بالرأي والإجتهاد يجتهد كل واحد منهما رأيه ويسع الناس اتباع كل واحد مهما والأخذ برأيه، وينتقل الناس من رأي أحدهما إلى رأي الآخر؛ فإن كان هذا هكذا فما حال الناس فيما تئول إليه أمورهم من الأحكام والدماء والفروج والمواريث والأموال؟

اعلم أن هذا كله سائغ، ليس في العقل ما يحيله، ولا في الشرع ما يبطله.

التخليص: أما بعث رسولين في عصر واحد فقد كان ذلك في عهد إبراهيم ولوط عليهما السلام، بعثه الله عز وجل ولوطا رسولين في زمان واحد إلى أمتين مختلفتين. وعلى عهد موسى وهارون إلى أمة واحدة صلوات الله عليهما. وعند أصحاب القرية في الرسولين اللذين آزرهما بالثالث وعززهما به. وكذلك أن يكونا رسولين بشريعتين مختلفتين متتابعتين أو معا أو رسولا إلى أمتين، أو رسولين إلى أمة واحدة (واحدا) بعد آخر وما يشبه ذلك.

وفي وجودهما في هذه الأمة اختلاف حكم الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، وما خص الله به طوائف من هذه الأمة كثقيف حين شرطت على رسول الله أن يحرم واديها على من يرعاه دونهم فمن وجدوه فيه سلبوه. وحكم الحرمين وتحريمهما، وما حكم به أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أهل الردة، أبى أن يقبل إسلامهم حتى يقاسموه الأموال وتنزع (منهم) الكراع والسلاح. وما فعله رسول الله بأهل دومة الجندل حين اشترط عليهم الضاحية من البعل وشبه هذا. وقوله: «لا يُقتل قريشي صبرا بعد هذا اليوم» ، وقولـه: «الولاية في قريش ما دام منهم رجلان» ، وتحريم الصدقة على آل محمد.

وأسهامهم ـ دون الجيش ـ من الخمس. ولا تقبل الجزية من بعض الكفار (وتقبل من بعض) ، وهذا حكم البيضان والسودان (والذكور والإناث). وكذلك أن يخير الناس في اتباع أي الرسولين شاؤوا، ولا يسع أحدا الإنفكاك إلا بإذن الرسول. ويسوغ كل واحد من الرسولين هذا للناس. ولا يُحجِّر أحد منهما على الناس في اتباع أي شريعة شاءها ابتداء، ويكون الإنتقال على إذن الرسولين وكذلك في الإنتقال على هاتين الشريعتين إلى غيرهما، لا يسوغ إلا بإذن الرسولين.



فصـل

وأما قوله هل يرسل الله تعالى ويبعث نبيئا بالحط أو بالرؤيا أو بالصواع أو بالفراسة أو بمنطق الطير والحكل فيؤدي البسول إلى الناس أوامهر ونواهيه أو يسله بغير واسطة الملائكة فيكلمه تكليما، أو يلهمه الهاما، أو يعلمه إلاما ضرريا أو أختيارا فذلك كله سائغ.

وأما أن يرسل رسولا فيقبضه قبل بلوغه أمته أو يقبض أمته قبل وصوله إليها، فذلك ضرب من البداء لا يجوز على الله تعالى. وأما أن يرسل امرأة أو عبدا فسائغ أيضا، أو يرسل رسولا من بني آدم إلى الطير بمصالحها، أو إلى النمل أو إلى البهائم غير ذات العقل. فهذا كله جائز. وكذلك يرسل إلى كل جنس من هؤلاء رسولا إليها وإلى غيرها بمصالحها وتفهم عن رسولها. اعمل أن هذا كله سائغ في العقل، ويجعل لها الثواب إن أطاعته والعقاب إن عصت في الدنيا وأما في الأخرة فلا، فهي بمثابة أطفالنا في الدنيا، ومصداق هذا كله ما شاهدناه من

النمل والنحل والحمير والبغال والخيل والسباع والوحوش والطير والهوام والحشرات. ما من صنف منها إلا وفيه عجائب من طاعتها لأكابرها وتربيتها لأصاغرها والسمع والطاعة لملوكها، والأبهة والهيبة من سلاطينها، وقبول التأديب والإهتداء، والتهذيب لصنائعها بحسن الترتيب. وأصدق من هذا وأجب قول أصدق القائلين حكاية عن صنفين منها. أحدهما ذكر (له) الله عز وجل في محكم كتابه أفعالا في الحكم لا يهتدي لها أكثر العقلاء، من حسن السياسة، والإصغاء إلى أهل النصيحة، والتحصن في معاقلها خوفا من معرّة من لا طاقة لها بمقابلته، والتحرز من الشر قبل الوقوع فيه، والمعذرة لسليمان عليه السلام من معرة جيشـه، وعظم منة الله عليه في أن أفهمه الحكم من منطق النمل فعرف محاورتها وفهم مراجعتها حتى استخفه الطرب لأعجب العجب أن تبسم ضاحكا وقال : رب أوزعني أن ....... الصالحين ، والإشارة إلى داود عليه السلام في تأويب الجبال وتسبيحها بالعشي والإشراق. ثم إن سليمان تفقد الطير فقال : مالي ..... الغائبين ، فقص قصته. وفي ظاهر كتاب الله عز وجل أعظم بيان وأوضح برهان على ما أردناه حتى قال : لأعذبنه ........ فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به ، مفتخرا على سليمان بقوة

العلم في محاورات ومراجعات، ورسائل ومكاتبات، ومهارات ومراسلات، وإسلام وفتوحات، واصطناع الهيكل العظيم والصرح الممر الجسيم. وشأن بناء العرش العظيم كخبر هذا الهدهد العليم. ومن وراء هذا كله أن بعث الروح الأمين إلى محمد خاتم النبيئين صلوات الله عليهم أجمعين بهذا الخطب العظيم ليبلغه المصطفى أمته مقتبسين منـه جلال الله تعالى ومنتـه على أوليائه وأهل طاعته.

والعجب ممن يذهب في هذا كله إلى الأمثال دون الفعال، وحاد به عن الحقائق إلى الخيال. قصر قدرة الله تعالى وفضله على مقدوراته هو وفعلـه، وحكم أن علم تعالى لا يجاوز علمـه، وسلك بأخبار الله تعالى مسلك أهل السمر في ظل القمر، كأخبار كليلة ودمنة وندماني جذيمة، وجحا وخرافة اسبندباد، وأحاديث بديع الزمان وعلامة همدان والحريري (والسروجي)، أجهل بمن ذهب هذا المذهب وسلك هذا المسلك وأقدر به. بل لا نشك ولا نرتاب أن حكاية الله تعالى عن النمل

على ظاهرها، وأن فضيلة الله تعالى على سليمان عليه السلام التي شكرها، ونعمته التي أولاه أياها حق، وأنه هو الحق المبين. وليس العجب فيما قلنا عنها بأعجب مما خلق الله تعالى لها من الأسماع والأبصار والقوى والإهتداء للمنافع والمضار والإهتداء لمعاشها، والانتفاع برياشها هو الذي ...... مهين ، فضرب لنا مثلا ونسي خلقه ، وما ربك بغافل عما يعملون . قال من ............خلق عليم .



فصــل

أما إرسال رسل بتكذيب بعضها بعضا أو نقض أحكامها أو إمرار نقضها، أو رسولين بإطال ما يقول (كل) واحد منهما، أو يقطع كل واحد منهما عذر من اتبع صاحبه، أو بأن يشرع أحدهما ما ينسخه الأخر أو ينسخ ما شرعه الآخر، فهذا كله غير جائز عقلا ولا شرعا. أو أن يرسله بخلاف ما تقتضيـه العقول فإن ذلك كذب.

وأما أن يرسلهما الله تعالى ويأمرها بالإجتهاد ويختلفا كاختلاف المجتهدين من أمة واحدة فيسع كل واحد منهما القول بما قال والفعل به، فجائز هذا كله كما وسع أمة محمد صلوات الله عليه، فإن وقعت مشاجرة في مسألة فالحكم فيها إلى الحكام، ولا يحل ولا يسوغ لأحدهما شيء إلا بحكومة حاكم، فإن عُدِمَ الحاكم فاستصحاب الحال والمطلوب هو المدان والطالب هو المعان.

مسألة: ويتصل بهذا ما الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع؟

الجواب: قال بعضهم: الحظر، وقال بعضهم: الإباحة.وقال أهل الوقف بالوقف. وقد كان جواب المشائخ قبل هذا أن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الحظر، وكان جواب الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر رحمه الله. فبلغ ذلك أبا يحيى زكريا بن أبي بكر رضي الله عنه فقال: علام يقول يحيى هذا؟ ألم يقل الله عز وجل : وسخر ...... منه ، فتوقف عن الجواب فيها بعد ذلك ورجع والله أعلم.

وأما الذين قالوا بالوقوف فالأشعرية. وأما الذين قالوا بالحظر فالمعتزلة وأما الذين قالوا بالكف ففرغ من الحظر. والأصح أن الأشياء على الإباحة قبل ورود الشرع. وقولنا قبل ورود الشرع، معنانا: قبل ورود الحظر والأمر والإباحة؛ (لأن هذه أسماء مقتبسة من الشرع) والقدرية بقول بالإباحة إى ما يوجبه العقل.

وأما من قال بالحظر فإنه منعه من التقدم إلى شيء إلا بإذن من المالك وبأمر مبتدأ، وبدليل قولـه : ولا تقف ما ........ مسؤولا .

وأما الذين قالوا بالإباحة، قالوا: إن الله تعالى خلق خلقه وخلقهم محتاجين إلى أمر وتقوم بنيتهم لها. ولم يكن ليخلقهم ويحوجهم ثم يحرجهم في تناول ما به قوامهم؛ ألا تراهم قد احتاجوا إلى التنفس في الهواء والكون على وجه الأرض، ولا ينفكون منه ولا يستغنون عنه؟ وكذلك النظر بالأبصار والإصغاء بالآذان، وقد فتق الأبصار وشق الآذان وأطلق اللسان واحتاج إلى الاستعمال ويؤذنها بالمقال والإمتثال.



فصــل

ومن فروع هذه المسائل أيضا من أجاب إلى شريعة نبي من الأنبياء.

قال بعضهم: ليس عليه إلا ما بلغه وقامت به عليه الحجة من تلك الشريعة. وكذلك من أجاب إلى شريعة نبينا محمد عليه السلام. وسواء كان المجيب على دين أو على غير دين، فليس عليه صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج حتى يسمع كلام الله. فإن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة.

وقال من قال إن الأشياء على الحظر: لا يسعه أن يتخلف عن شيء من دينه، ولا أن يركب شيئا من خلافه ويؤثمونه بذلك. ويفرقون بين من كان على دين الله فأجاب إلى شريعة من بعده وبين من كان على الشرك. فالأول يسعه والثاني لا يسعه. وكذلك من قبل عن رسول الله الجملة التي يدعو إليها من التوحيد لا مشركا كان أولا على دين فيسعه التخلف معما ورد بعده من الشريعة. وأما ما كان مشروعا في الجملة التي قبل عن رسول الله ، فلا يسعه التخلف عن جميع ما تضمنته تلك الجملة. وهذا أشبه الأقاويل. وللعجب عندنا أنا ضيقنا على المشرك في جميع ما خالف فيه شريعة محمد عليه السلام سمع أو لم يسمع، فإذا اجبا إلى شريعة من قبله ولم يسمع حطوا عنه جميع ما أوجبوه أول مرة من شريعة محمد عليه السلام إلا ما في شريعته هذه.

وأما الذي ذكرنا من الأشعرية والمعتزلة فيوسعون عليه في كل شيء حتى يسمع. وأما من قال بالوقف من الأشعرية توقف لا يدري.

القول فيمن كان في جزيرة من جزائر البحر حيث لا يبلغه خبر النبي عليه السلام ولا خبر أحد من الأنبياء عليهم السلام، ما الذي يسعه في توحيد ربـه والإيمان بالرسل وما الذي عليه أن يمتثله من دين الله عز وجل.

اختلف الناس في هذا على قدر أقاويلهم:

قالت القدرية: عليه أن يؤمن بالله ويوحده؛ لأن ذلك يتضمن العقل علمه إذ استعمل الدلائل. فمن لم يؤمن ولم يعرف فهو كافر. واختلفوا هم والأشعرية في المدة.

فمن قائل: الحالة الأولى تسعه، ومن قائل: ما دام مفكرا. فأما الذين قالوا بالفكر في الحجة فقد وسعوا الشرك على الجاهل وعطلوا التوحيد على البالغ.

وأما الذين قالوا إن مدة الصبا هي مدة الفكر فأشبه قليلا، قيل أن الأمة قد أجمعت أن الرسل والكتب هي الحجة، حجة الله على خلقه لئلا ....... الرسل . ومع ذلك لا يقدر أن ينال الحجة (بها) في حالة ولا في أحوال قليلة ومع ذلك لا يسعه، وكذلك قول أهل الفكر.

والذي أختاره (أنا) أن العقل وجوده حجة الله على العبد في التكليف. والخلق كله حجة الله. والرسل والكتب حجة الله لئلا يكون للناس على الله حجة، والإلهام والإخبار، هذا كله حجج الله على عباده. والحجة العظمى وجود العقل، أدرك به شيئا أو لم يدرك، استعمله أو لم يستعمله، وكذلك الكتب والرسل حجج الله تعالى وإن كان لا يقدر أن يتعرف ما عند الأنبياء والكتب في حالة ولا سيما إذا كان بينه وبين النبي والكتاب مسافة فلا تنفع شيئا وقد قامت الحجة أول حال وجود العقل.

ورأينا في الكتاب الذي جاءنا من جهة الجبل قال: ما تقول فيمن عرف الله وآمن به ولم يبلغه خبر الأنبياء ولا الرسل ولا الملائكة ولا الكتب أنه واسع له إن كف عما نهى الله عنه؟ ثم عقب فقال: إن كان يكون ذلك. والله أعلم.

وأما ابن الحسين فأوجب معرف البعث، وأن معرفته من العقليات الواجبات لأنه لا بد من ثواب وعقاب، ولا ثواب ولا عقاب إلى الآن، فلا بد من كونـه. فهذه من الواجبات وقد سنحت لي مسألة، فمن لقي نبيئا فشرع له دين.

الله وتوحيده فقبله عنه، فقال: أما إثبات نبوتك فلا علم لي إلا بمعجزة، هل يسعه ذلك؟.

وقد أجمعت الأمة في الخطاب الوارد من الله إذا كان مجملا أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة أن هذا من البيان الذي لا يتأخر عن وقت الحاجة أم لا؟ فالله أعلم.

وقول أهل الدعوة فيمن كان في جزيرة من جزائر البحر حيث لا يبلغه علم الشرائع في قومه وأمته: لا يخلو من أن يكون مجيبا لآبائه على ما هم عليه من الشرك، أو (على) غير ذلك. ومحال أن يكون على غير دين آبائه، عادة الله التي قد خلت إلا إن أتى من قبل الله عز وجل ما ينقله عما تربى عليه. ومحال أن يهتدي لدين الله من غير مُنبِـّه ولا مُخبر يدعوه فيشرع له الدين. فإن كان على شرك آبائه لم يعذر فيما يدركه بعقله و(لا) فيما لا يدركه به، بدليل قول الله تعالى : قلنا اهبطوا ....... خالدون .



فصـــل

وأما من وقع في جزيرة من البحر مولودا أو فطيما أو مع السباع أو مع البهائم فعد غير صحيح العقل، فهذا على من ذهب في العقل مذهب أهل التجارب. وأما إن كان يسمع الأصوات فعلى مذهب أهل المواضعة، يصح عقله وإن لم يسمع صوتا ولم ينطق. ومن قال بالتوقف فهو بالمذهب الأول أشبـه.

وقال المسلمون: من كان على هذه الصفة فصح عقله سلك سبيل الأولين في التكليف. وإن لم يصح عقله سقط التكليف ولا يعذر أحد في جهالة التوحيد حالة واحدة إن صح عقله. وأما من كان على شريعة نبي من الأنبياء فإنه يسعه شرعـه حتى يسمع، كما قال الله تعالى : وما كان ........ ما يتقون .

فدليل الخطاب في هذه المسألة أنه مقطوع العذر سمع أو لم يسمع. والهداية هنا الإسماع، وهذا لمن لم يكن على دين.



فصـــل

اختلف الناس في هذا المختلف فيه من الديانات بعد تنافر النفوس قال بعضهم: الحجة فيه اثنان. وقال بعضهم أربعة: وقال بعضهم اثنا عشر و (قال) بعضهم: سبعون. و(قال) بعضهم: مائة. و(قال) بعضهم: عدد يوجب علم التواتر ولو كان ألفا. وقال بعضهم بالواحد، وهم الذين يقولون بأخبار الآحاد. استدل هؤلاء بقول الله تعالى : يا أيها ........ نادمين ، وقد قال : أفمن كان ....... لا يستوون . ومن امتنع من قبول .. المؤمن فقد ساواه بالفاسق في رد الشهادة. والأصل في الآحاد أن يكون عالما غاية معروفا مشهورا مقبول القول. أو من أورد الحجة بكمالها حتى لا يوجد على قوله مزيد. ومن قال بالإثنين حمله قياسا

على الأحكام، وليس الدين بأخسر منزلة من الأحكام كما قال الله تعالى : وأشهدوا ذوي عدل منكم .

والذين قالوا بالأربعة شبهة شهود الزنا .

والذين قالوا اثنا عشر: قال الله تعالى : ولقد أخذنا ...... نقيبا .

والذين قالوا بالعشرين أخذوه من قول الله عز وجل : إن يكن .......مئتين .

والذين قالوا بالسبعين أخذوه من قول الله عز وجل : واختار ...... لميقاتنا .

والذين قالوا بالمائة أخذوه من قول الله عز وجل : إن تكن ..... مع الصابرين .

وأصحاب الألف هم أصحاب التواتر. ومن قال إن حجة الله لا تقوم إلا بالتواتر، الألف فما فوقه، وهو قول أحمد بن الحسين، أزرى به على الدين وقدح في جماع المسلمين، وأبطل فائدة الأنبياء والمرسلين.

والأصل في هذه المسألة أن أخبار الآحاد مقبولة في نقل الشريعة. ومن قصد فهمه عن الحجة وقارنته قرينة الإرتياب فيسعه التوقف ولو كثروا وليس ذلك بقدح في المسلمين. وهذا كله ما لم تقع فيه البلوى. فإن وقعت البلوى واحتاج ألا يتخلف عن الحق. ويسعه ما لم يحوجه الله إلى الفعل فيتخلّف عن سبيل المؤمنين أو تبرأ بواحد من المسلمين

أو وقف فيه أو قطع عذره أو تقول خلافهم في دين الله رب العالمين وتولى من كان على خلاف دين المسلمين وهو عندي قول (أبي الشعثاء) جابر بن زيد رضي الله عنه ظني فيه حين ذكر ما يسع ثم قال: لا يجوز للعالم أن يقول للجاهل اعلم مثل علمي وإلا قعطت عذرك. ولا يجوز للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. فمن قالـه منهما لصاحبه قطع الله عذره. وسنشير إلى طرف من هذه المسائل إذا صرنا إلى مواضعها.



باب

الأمر المجرد العاري من

القرائن هل يقتضي التكرار أم لا؟

الجواب: إنه لا يقتضي التكرار خلافا لمن قال يقتضيه من الشافعية ولمن قال بالتوقف من الأشعرية. ؟لأنه قد امتثل وفعل ما أمر به، وخرج من العهدة وصلح له الاسم فهو مصلٍّ وصائم فكما لا يقتضي الخبر التكرار فكذلك الأمر. ولو قال خبرا: صلى زيد لم يقتض التكرار ولا يدل إلا على صلاة واحدة، فكذلك الأمر. ومن حلف ليفعلن بر بمرة واحدة. واستدل من قال يقتضي التكرار لأن عليه استدامة الفعل حتى تأتي قرينة تدل على الترك كالنهي. فإذا نهي عن شيء فعليه استدامة الترك.

قلنا: إن لفظة النهي تدل على استدامة الترك بخلاف الفعل. واستدلوا بقضية الشارب حين قال لهم رسول الله اضربوه فضربوه وكرروا عليه الضرب. فلو لم يقتض الأمر تكرار مما يقتضي الأمر من الضرب.

قيل لهم: إن قوله عليه السلام: اضربوا الشارب. مقترن بقرينة الردع

والزجر. ولا ينزجر بأدنى ما يقع عليه اسم الضرب. فكان الأمر ها هنا غير مجرد من القرائن، بل معه قرينة تدل على التكرار وهو الردع والزجر. ويعكس عليهم بضربه أبدا حتى يموت. واستدلوا بأن لو حلف أن لا يفعل الشيء لم يبر إلا باستدامة الترك.

قلنا: النهي خلاف الأمر ومقتضاهما مختلف. وإنما يدل على عكس ما في النهي. فإذا كانت الاستدامة في النهي فأحرى أن تكون في الأمر بل هو أولى. واستدلوا بتكرار الصلاة والصيام والزكاة. وعورضوا بالحج. واستدلوا بتكرار الاعتقاد. وينقض عليهم بمأمور مرة واحدة أو بمرار محدودة فإنه يبر بالعدد ويجب عليه تكرار الإعتقاد ولا يجب عليه تكرار الفعل. والدليل الدال قول رسول الله : «إذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا». وقد تعلق الفريقان بهذا الحديث، ولكل متعلق؛ أما الأولون قالوا: التحديد قد وقع، وأقلـه الاستطاعة. وقال آخرون: فلو استطاع الأبد لكان عليه مثل ما عليه من استدامة النهي حتى يقع التحديد. والكل قاصر.

والذي يتوجه إليه الحديث أنه إن قدر أن يفعل ذلك الشيء كله فعله وإن لم يقدر إلا على بعضه فعل ما قدر عليه. ألا تراه يقول: «فأتوا منه ما استطعتم» ولم يرد تكرارهم، وهو الأليق برأفة الرحيم أن يقصرهم على أدنى ما يقع لهم به الاسم. وأما الدوام فشاق، وأما ما ذهب إليه الآخرون فربما أن يكون ندبا أمروا أن يفعلوه ما استطاعوا بدليل قولـه عز وجل : وافعلوا الخير ، أي : دوموا على فعل

الخير. ودليل آخر، إن سراقة بن مالك أو الأقرع بن حابس سأل رسول الله عليه السلام عن فريضة الحج، أللعام أم للأبد؟ فانتهره رسول الله ، فقال: «لو قلت نعم لوجبت». فدل أن أهل اللسان عوّلوا على الدوام ولو لم يعقلوه من خطابهم لما ذهب عنهم. وعكس الآخرون حيث انتهره النبي عليه السلام على الدوام حتى قصر. وقال الآخرون: إنما أخذ عليهم من طريق الشرع لا من طريق اللسان.



فصـــل

الأمر إذا تكرر لا يقتضي تكرار المأمور به. وقال بعضهم يقتضي التكرار والأول أصح. وهو مذهب الفقهاء الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي. وقالوا: أنه ليس في تكراره فائدة غير التأكيد. والذي يدل عليه اللفظ الأول هو الذي يدل عليه اللفظ الثاني. وقالوا إن اللفظ الثاني يحتمل الاستئناف فوجب تكرار الفعل لتكرار اللفظ.

قلنا: هذا أمر مظنون. وكما أن الأمر يحتمل الوجوب والندب ولسنا ندع الأصل إلى الفصل. دليل آخر: أن السيد إذا قال لبعده: أسقني، أسقني. أنه لا يتكرر سقيه لتكرر لفظه مرتين، وكذلك ها هنا. وهذا إذا تكرر بلفظ واحد أو بلفظين مختلفين معناهما واحد. وأما إذا تكرر الأمر بلفظين مختلفي المعنى واللفظ فذلك مأمور أن يجب امتثالهما. وأما إن اتفق المعنى واختلف اللفظ فذلك مأمور واحد وكذلك في فعل لا يتكرر كقولك: اعتق عبدك، اعتق عبدك. أو اقتل زيدا، اقتل زيدا وأما تكرير لفظ واحد في شخصين فيجب الامتثال فيهما كقولك: اضرب زيدا،

أضرب عمرا. وأما اضرب زيدا وأضرب زيدا بحرف النسق فإن الشيء لا يعطف على نفسه. فليس هناك إلا فعل مرة واحدة. وأما في الأخبار فتكرار المعارف تكرار والنكرات أغيار ، كقول الله عز وجل : فإن مع ............ يسرا ، فلو قال رأيت رجلا فقلت: من هو؟ فقال: الرجل زيد، لكان واحدا. ولو قال رأيت رجلا فسقاني رجل دل أيضا على الغيرية.



فصــل

وإذا علق الأمر بشرط أو صفة فإنه لا يقتضي التكرار، وقال بعضهم: يقتضي التكرار، كقولك: اخرج إن شئت أو إن شاء فلان وإذا حانت الظهيرة فصلِّ، أو أخرج إذا طلعت الشمس. والقول الأول أصح. وإنما الشرط والصفة بيان لوقت الفعل وصفة.

واختلفوا أيضا في تكرار الشرط والصفة كاختلافهم أول مرة وأما إن قال: كلما طلعت الشمس فصلِّ، أو كلما شاء فلان فطلق زوجته، فإن هذا يجب حمله على التكرار في قول من قال بالعموم. وأما من قال بالوقف ومن لا يرى التعميم فلا يكرر واستدلوا بقولـه : إذا نودي .......... الله . فأجابوا أن القرينة فعل الرسول لا من جهة الأمر.



مسألـة

اعلم أن المخير بينهما في الأفعال يجب أن يكون حكمهما واحدا في الوجوب وفي الندب وفي الإباحة. فإن لم يكن كذلك بطل التخيير.

والأفعال المخير فيها على ضربين : ضرب لا يجتمع كالتأجيل والتعجيل بمنى. وضرب يجتمع كالإطعام والصيام والعتق، فالواجب منها واحد غير معين إن أردت على جهة الوجوب خلافا لأبي حنيفة، لموجبها كلها حتى يفعل واحدا بعينه. خلافا لمن قال: أغلاها ثمنا وباقيها تطوع. وتعلق بأن الثواب تعلق بأخلاها ثمنا وليس بصحيح. وخلافا لمن قال: الواجب منها أدناها وهو الذي اشتغلت به الذمة وطولب به المكلف فإذا فعله برئ وما سواه تطوع به.

والرد عليهم أن العقاب يعلق بواحد إذا تركها كلها وهو غير معين. فبطل ما قالوا.

ومن الأفعال ما يجب التخيير بينهما ولا يصح الجمع بينها كالولي في الأكفاء والأمة في الخلفاء. وأما ما يقضي العقل باستخالته فلا يقع التخيير فيه كالجمع بين الضدين كما لا يصح التخيير بين واجبين. وأما إن كان أحدهما واجبا والآخر مندوبا إليه والآخر مباحا فلا يصح التخيير بينها لأن ذلك يخرج كل واحد منها عن صفته. وأما التخيير بين جميع ما يملكه أن يقضي منه الحقوق فجائز.



مسألة

الفرض الواجب الموسع وقته إذا فعل في أول الوقت أجزى بالإجماع. واختلفوا في حين وجوبه. فقالت الشافعية: يجب أول الوقت، وصار آخر الوقت توقيتا للأداء وتمييزا له من القضاء. وقال الحنفيّون: آخر أوقاته هو وقت الوجوب فإن فعل أول الوقت فعل نفلا وفي آخر الوقت واجبا. والصحيح أن الوقت كله من أوله إلى آخره هو وقت الوجوب ووقت الأداء لا وقت القضاء

وبه قال المالكيون. واستدل أبو حنيفة بأنه لو مات قبل آخر الوقت أليس هو غير آثم؟ قلنا: بلى. قال: هذه صفة الندب قلنا: أليس إذا مر عليه آخر الوقت ولم يفعل فيه شيئا وقد تقدم أليس قد ترك الواجب ولم يفعله؟ فتلك بتلك. وقالوا في الوضوء قبل الوقت ويصير في الوقت واجبا. قلنا: هذا شيء يراد لغيره. وإنما فرضه ألا يصلي إلا وهو متوضئ، وليس في هذه المسألة أكثر من المغالطات، والمعنى واحد وإنما الاختلاف في الألفاظ.



مسـألة

واختلفوا في الأمر المطلق، هل هو على التراخي أو على الفور ففيها جوابان:

بعض الفقهاء يقول بالتراخي وبعضهم بالفور، والأول أصح وحجته أنه كما يصلح أن يفعله في كل الأمكنة كذلك يصلح أن يفعلـه في كل الأزمنة ولا يتعين عليه زمان ولا مكان إلا ببيان. وقالوا في الحج أن كل موسم له موسم.

وحجة الآخرين اجتماعهم على جواز فعله عقب الأمر. فمن ادعى جوازه وتأخيره بعد ذلك فعليه الدليل. ودليل آخر: جواز الموت عليه إن كان عاصيا صح أنه على الفور. وإن لم يكن عاصيا كان ندبا ولا ثالث لهما. وجواب الآخرين الامتثال عند غلبة الظن أنه يموت أو يفوت كالحج وتعليم الصبيان القرآن وأمر دينهم وتأديب الأهل مأمور به كالحج وهو واسع ما دام يغلب عليه ظنه أنه يدركـه. كذلك قضاء الديون المؤجلة والمعجلة. فإن فاجأه الموت فالوصية تنوب مناب التضييع.

والأشعرية تقول بالوقف. ويلزمها على أصولها ألا يقطعوا. وأما أبو حنيفة فيقول بالتراخي إلى الموت. وإن حضره الموت فلا فرض. هذا نوع من الندب. والصواب أن يكون الجواب بين هذين: أن يكون على التراخي وهو الأليق برأفة الله تعالى، فإن حضره الموت فالوصية تنوب عن المعصية.

مسألة

اختلف الناس في قضاء الفوائت. قال بعضهم: لا يجب إلا بأمر ثان وقال بعضهم: واجب بالأمر أول أو قياسا عليه. وحجة الأولين أن تعليق الفعل بوقت معين كتعليقه بشخص معين، فكما لا يجب قضاؤك في شخص معين فكذلك لا يجب قاؤك على وقت معين.

واستدل الآخرون بأن الدين لا يسقط بمضي الوقت، فالعبادة أولى ألا تسقط بمضي الوقت. ولقول رسول الله عليه السلام: «أحق ما وفيتم به دين الله».

وقال آخرون: إن العلة في الدين أنه واجب في كل الأوقات في الأجل وبعده. وإنما تأجيله ترك المطالبة ولا يسقط الدين بفوات الأجل ولا بفوات الغريم ولا المديان والورثة بمقامهما. والعبادة إنما بأمر ثان في عبادات كالصلاة والصيام. قال رسول الله عليه السلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» ، فذلك وقتها وهو المراد بقوله: «ودين الله أحق أن يؤدى» ، وإنه لدين ملازم وقد قال الله عز وجل : وأقم الصلاة لذكري ، وقال عز من قائل في الصوم : فعدة من أيام أخر .

وهناك فرائض لم يوجب رسول الله فيها القضاء كالجمعة إذا فاتت ظروفها صلى الظهر أربعا. والمجتهدون مختلفون فيما بين ذلك مما لم يذكر فيه قضاء ولا أداء. بعضهم يوجب عليه القضاء وبعضهم يسقط عليه القضاء كالكافر الأصلي، والأول كالمضيع الملي

وبعضهم يجعله كالكافر الأصلي إلا فيما يتعلق بالمظالم. وأما العبادات كالصلاة والصوم فلا شيء عليه.




بـاب

هل يدخل النبي عليه السلام

في الأوامر الواردة في القرآن أم لا؟



ومن الأوامر ما يخص النبي عليه السلام دون أمته كقول الله تعالى : يا أيها ..... إليك . وقوله : فاصدع بما تؤمر . وقوله : يا أيها المدثر ، يا أيها الزمل . وما أشبه ذلك مما لا يدخل أحد معه في ذلك الاسم. وربما يرد الخطاب خصوصا له وعموما لأمته كقوله : يا أيها النبي .... العدة . وأما الاسم الجامع له ولأمته فداخل في الخطاب معهم كقولـه تعالى : يا أيها الذين آمنوا ، يا أيها الناس ، و يا أولي الألباب ، و يا أولي الأبصار . وهذا وشبهه مما يدخل في الخطاب معهم على مذهب أهل التعميم، ويصلح على من لا يقول بالعموم، ولا يقطعون إلا على أدنى ما يشمله الاسم العامّ له معهم. والقائلون بالوقف قالوا حتى يرد بيان ذلك. وقد احتج من لا يقول بالتعميم وقالوا يجب أن يكون رسول الله داخلا في عموم الآية.

قلنا: قد كان. ولكن خرج عن جملتها بقوله: )نحن معاشر الأنبياء

لا نورث، ما تركناه صدقة» خبر مشهور مستفيض في الصحابة وقد ورد عن الصديق ولا نكير.

فإن قالوا: تركتم كتاب الله عز وجل المقطوع به إلى خبر مظنون فيه. قلنا: فهذا يرجع عليكم في جميع عموم القرآن. وكذلك أهل الوقف يرجع عليهم إذا ورد القرآن وهو قولهم. ومن لا يقول بالعموم أجاز ذلك أيضا. وقالوا: إنه يصلح للعموم والخصوص وقد اتفقنا معهم على أن النبي عليه السلام قد أُمر بتبيين ما في القرآن. وسنته بيان لما في القرآن، إلا إن قالوا: إنما يجب أن يكون البيان عند من سمع الرسول عليه السلام. ومن لم يبلغه فليس عليه شيء إلا أن يعلقه إلى التواتر فيبطل جل أحكام الشريعة لعدم التواتر في جلها. ويبطل أخبار الآحاد وعليها بنيت الشريعة وأحكامها. ومن أبطل هذا الخبر فقد أبطل سائر الأخبار ولا سيما أنه رواه أصدق هذه الأمة وصديقها بمحضر الصحابة ولا نكير وعمل به الخلفاء الراشدون. وأبو بكر الصديق عند امسه طاعوه له بذلك ولن تجتمع الأمة على ضلال. وقد قال رسول الله : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي».

وأما الذين يقضون على العموم بأقل الجمع ينبغي لهم أن يجعلوا جميع أوامر الله وفروضه على الكفاية حتى يرد بيان.



فصل

إذا أفرد النبي عليه السلام بخطاب هل تدخل معه أمته فيه. أما بحق

الظاهر فانفراده بذلك الحكم أولى من جهة اللغة، إلا أن الشرع قد ورد بالإقتداء به واتباعه، إلا أن يدل الدليل على اختصاصه. والدليل على ما قلنا: اقتفاؤهم آثاره في أفعالـه. ومن الأصول: أن أفعاله بيان للقرآن. وروي عنـه أنه قال: «خذوا عني مناسككم»، و «صلوا كما رأيتموني أصلي». ومصداق ذلك حديث أم سلمة أن امرأة سألتها عن القُبلة للصائم. فقال لها رسول الله : «ألا أخبرتهاأني أفعل ذلك وأنا صائم».



فصل

هل يتناول الأمر المطلق جميع المكلفين من حر وعبد وذكر وأنثى ومؤمن وكافر، أم يتناول بعضهم.

اعلم أن الخطاب إذا ورد بصيغة العموم نحو قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ، يا أيها الناس . فمن قال بالعموم أجراه على العموم واستغراق جميع الجنس. ومن أبى من التعميم فإنه يصلح عنده دخول هؤلاء كلهم في الخطاب ويصلح غيره. ومن قال بالفتح فحتى يرد بيان ذلك. وبعضهم يقول: إن العبيد لم يدخلوا في هذا الخطاب وزعموا أنهم مال فلو أسقط عنهم هذا جميع التكليف بهذه العلة لكان أشبه، فكيف وقد أزلهم التوحيد والإيمان والسلام؟! وليس في أنه مال ما يخرجه من حد التكليف، وتصرف السيد فيه. ،إنما سيده مخول له في بعض الأمور فالعلة في المولى الأكبر أظهر منها في المولى الأصغر.



مسألة

قال بعضهم في الكفار أنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة وقالوا: إذ لا

تصح منهم عبادة بإقامتهم على كفرهم حتى يؤمنوا. فكذلك هم غير مكلفين فروع الشريعة. والصحيح أن الكافر داخل في الخطاب وفي كل خطاب يشمله مع غيره. وليس في أن لا تصح منه عبادة ولا طاعة بإقامته على كفره ما يمنع من خطابه. وقد خوطب المصلي بالصلاة وإن كان محدثا ولا تصح الصلاة مع الحدث، ولكن أُمر بهما جميعا، بالطهارة وبالصلاة. وقد خاطبهم الله بفنون الطاعات، ونهاهم عن فنون المعاصي وعاقبهم عليها بفنون العقوبات. أفيصح أن يعاقبهم في أمر لم يخاطبوا به؟ فتعالى (الله) عما يقولون علوا كبيرا.

وأما بيان دخول النساء في خطاب الرجال فمن قبل تغليب المذكر على المؤنث، والخطاب للأفضل لغة ومعه المفضول معنى، هذا هو المعروف عند أهل اللغة وإن كان الشرع طارئا على اللغة ، فللطارئ حكمه. وهي أول مسألة وقعت بين المسلمين والمشركين في الحديبية سنة ست من الهجرة. وذلك أن رسول الله عليه السلام صالح كفار قريش بالحديبية على هدنة عشر سنين وشرطت قريش شروطا اضطهدت فيها المسلمون منها: أن من ارتد من أصحاب رسول الله عليه السلام إلى الكفر فما لهم عليه سبيل، وأن من آمن من الكفار أن يرده رسول الله إلى الكفار، فامتعض من ذلك المسلمون ولم يقدروا أن يردوا أمر رسول الله عليه السلام. وعقد الصلح سهيل بن عمرو. فلما وجب الصلح وكتب الكتاب هربت امرأة مسلمة من الكفار فامتنع المسلمون من ردها وقالوا: إن الصلح لا يجري على النساء لأنهن لم يجر لهن ذكر في الكتاب. فقال سهيل كم النساء تبع لحكم الرجال وأبى المسلمون من ذلك وقالوا: إن خطابنا وخطاب النساء في كتابنا مفترق، وخطابهن مخالف لخطاب الرجال، وقد انفرد كل بخطابـه:

قال الله تعالى : إن المسلمين ......... والمؤمنات ، الآية، فلما رأى رسول الله عليه السلام تظاهر المسلمين وتحزبهم واجتماعهم على ذلك قال لسهيل: إن شئت رددناها جذعة. فامضى سهيل الصلح، فخرج، فخرج النساء من خطاب الرجال. لكن الأمة قد أبصرت شمول الخطاب لهن مع الرجال إلاّ في أمور مخصوصة والله المستعان ....



فصــل

وأما الأطفال والمجانين فقد أخرجهم الشرع من التكليف ولكنهم كلفوا بعض أمور الشريعة ولم يكلفوا بعضا. والأمور التي أخرجهم الشرع من تكليفها فالمآثم والحدود والوعيد، لقوله : «رفع القلم عن ثلاث من أمتي، عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» ، ولم يرفع عنهم العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج وشعائر الإسلام وقراءة القرآن، وتعلم شعائر الإسلام والختان ومن ورائها عقوبات عاجلة. ومنه قول الله عز وجل : يا أيها ......نارا ، ولهم في جميع ذلك أجر وللأطفال أجر لقول رسول الله ألهذا حج فقال: «نعم، ولك أجر» . ولا تكتب عليهم خطيئة ولا مأثم. وفي قول بعضهم إن لهم سيئات وخطايا، وليست بذنوب وهو نصيبهم من خطيئة أبناء آدم عليه السلام، ومنه قول الخليل إبراهيم (عليه السلام) : والذي أطمع...أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ،

لم يرد ذنبا لقوله : وإبراهيم الذي وفَّى ، وقد روي عن رسول الله عليه السلام أنه صلى على طفل فقال: «اللهم اغفر له وارحمه وكفّر عنه سيئاته».

ومصداق ما قلنا أن الأطفال تكتب لهم الحسنات بما يتعلمون في حال الصبا من الشرائع وقراءة القرآن وغير ذلك، قول الله عز وجل : والذين آمنوا...... ذرياتهم ، وهذا الإيمان المنكر يصلح للآباء والأبناء ويصلح للكبار ويصلح للصغار ويصلح للكل. وأطفال المسلمين مسلمون ومؤمنون. وجميع من في الجنة من الحور العين والولدان والأطفال من أولاد المشركين وغيرهم كلهم مسلمون على قول من يوجب لهم الدخول في الجنة وبحكم دخولهم في الفطرة لقول رسول الله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما الجذان يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه».



فصــل

هل خطاب من في عصر الرسول عليه السلام خطاب لمن يأتي بعده من أمته؟ اعلم أن الأمر الوارد من الله تعالى في القرآن لمن في الرسول عليه السلام لا يدخل فيه من لم يكن موجود العين في ذلك العصر إلا بدليل، وهو الإجماع المقتبس من أنفاس النبوة وتصريحا. وأما قوله عليه السلام: «بعثت إلى الأحمر والأسود» ، وقوله تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس . وقولـه عليه السلام: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» ، فليس يتجه إلا على الموجودين في عصر

الرسول عليه السلام ولا يدخل فيه ما يأتي بعده من أُمته إلا بدليل آخر. وكذلك قولـه: «أمري للواحد منكم أمري للجميع» فكذلك لا يصح خطابه لرجل مخصوص بخطابه دخول غيره فيه إلابدليل قياسي أو شرعي أو عقلي. ولما أخبرهم الرسول عليه السلام أنه مبعوث إلى المكلفين من الإنس والجن إلى يوم القيامة علموا من هناك دخول الجميع في الخطاب فكذلك قولـه: «أنا خاتم النببين». وقولـه: «أمتي آخر الأمم» ، «وعلى آخر أمتي تقوم الساعة» ، علموا من هناك أن سبيل التكليف قد أتى على الجميع. وحتى قالوا لـه: كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك ،قال: «أرأيتم لو كانت لأحدكم خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى. قال: «إنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض».



باب

الإيمان بالقلب مأمور به دائم الوجوب دائم التكرار إذا كان ذاكرا يجب تكرار سائر العمر. وإن كان ذاهب القلب، أعني ساهيا، لزمه استصحاب حال الإيمان المتقدم ما لم يخالف إلى ضده. وأما النطق بالشهادة فمرة في العمر وإن كان معدوم اللسان من أول الأمر فالرمز والكتاب وما يقوم مقام النطق من الإشارة. ويجب على العبد النطق ولو كان خاليا لأن الله تعالى تعبده بإظهار الإسلام والشهادة وهو عنوان الإيمان لا سيما ومعه الملائكة يُسمِعُهُم ويشهدون ويشهدون لـه

مسألة

اختلف الناس إذا تعبده الله بطاعته هل على العبد أن يعلم أن الله تعالى أمره بهذه الطاعة وفرضها عليـه أم لا.

فقالت القدرية: إن العبد لا يعلم أن الله تعالى تعبده بشيء من الطاعة حتى ينفصل منها لأجل أنه قد يوز أن يعرض له عارض فيفسد عليه ذلك العمل ويكون قد علم ما لم يعلم، أو يعلم الله تعالى أنه يموت قبل الفراغ من ذلك العمل فيخرج اعقاده غير صحيح. فإذا فرع منه وفعله على الحالة المأمور بها نهاك يلزمه أن يعلمه أنه طاعة وأنه فريضـه.

والرد على هؤلاء: قيام الجهل بهم إلى الآن لأنهم لا يدرون ما يفسده مما لا يقفون عليه ويظهر بعد حين وربما لا يظهر إلى يوم القيامة.

وقالت الأشعرية: عليه أن يعلم أن الله تعالى، ولو علم الله تعالى أنه لا يستتمها أو تنقض عليه. وإنما عليه العزم والإعتقاد والامتثال وإنما يكلف في هذا الظاهر ولو كلفنا الباطن لما صح لنا علم بفرض الله تعالى ولا قطعنا. والذي عليها أن نعلمه أنه فرض عليها قطعا. فجميع أعمال القلوب بيننا وبينه؛ وأما ما بيننا فإنما كلفنا فيه الظاهر وتمتثل ونعتقد وأما في أعمال الجوارح ففي الصلاة علينا أن نعلم أوقات الصلاة وأن نعلم وقت الصبح ووقت الظهر والعصر والمقرب والعشاء ألا أن يلتبس به ما نرجع به إلى الإجتهاد كالغيم وغيره وهو قول المسلمين، وقالوا: وقد كلف الله العباد فعل العبادات والإخلاص والنية. قال عز من قائل : وما أمروا......... القيمة ، فهمها عملوا وفعلوا برئت الذمم. وليت شعري عمّن يقول ليس عليهم أن يعلموا أنها

فرائض هل يحط عنهم أن يعلموا أنها طاعات أم لا؟ أو مأمور بها أم لا؟ وهكذا ايضا قول (ابن) يزيد الغزاري على قول القدرية. والصحيح ما قاله المسلمون والأشعرية. وسألوا وقالوا: هل يجوز على الله أن يفرض فرائض يعلم أنها لا نؤديها بموت يخترمنا أو بفساد يدخل عليها يعلم به هو ولا نعلم به نحن؟.

الجواب: أن الله تعالى فرض علينا فرائض. وأن ما امتثلنا مما يعلم بفساده هو ولم نعلمه نحن أنه في حقنا فرضا وليس علينا غيره ومكتوب لنا فرضا إن اخترمنا. وقد أوجب الله تعالى مسألة الحرام المجهول الذي يعلم الله تعالى أنه ليس بمال لنا ولا هو لنا ففرض عليها فيه فرائض من تركها مأزور ومن فعلها مأجور. وستأتي في بابها إن شاء الله.



مسألة

وهل يؤمر العبد بفعل لا ثواب له فيه كالمضي في فساد الحج والكف في رمضان عن بقية يوم إفطاره؟

قال بعضهم: لا ثواب له ومع ذلك أنه مأمور. وبعض يقول: إن له ثوابا.وهو الأصح لأنه مأمور به وإن كان لا يجزيه، وعليه فيه الإعادة. وكذلك البيع بعد النداء يوم الجمعة تام مع حصول الذنب.وكذلك النكاح قياسا على البيع. والأصل أن جميع ما يشغل عن إجابة النداء حرام، إلا إن وقع فرض على فرض قياسا على البيع وتبعا له واختلف في النكاح بالخمر والخنزير والميتة والدم والأنجاس والأمور المحرمة كلها فهذه مسائل

مسألة

هل يقال واجب أوجب من واجب، أو ندب آكد من ندب، أو حرام أشد من حرام؟ فالكل سائغ. وكونه أوجب من واجب أي أكثر ثوابا أو لكونه أكثر عقابا، وليس بمستنكر. وقد يكون أوجب الواجبين كالفرائض التي تدخل على الفرائض كالتنجية في الصلاة، وإصلاح الفساد، والهروب من الآفات ودفع المضرات وقصر الصلاة للقاء العدو، وكذلك العوارض التي تخطر في الصلاة من ذكر الإيمان والوسوسة في صفات البارئ وتشبيهه بخلقه، فالاشتغال بهذا وإصلاحه ونفي ما ينفي وإثبات ما يثبت آكد من الصلاة، ولا يضر صلاته اشتغاله بالأوكد والأهم. والنوافل قبل الإلتباس بها نوافل وبعد الإلتباس أيضا إلا أنه قد وجب الإتمام واتقاء النقص والنقض.



مسألـة

هل يكون ما (لا) يمتثل الأمر إلا به مأمورا أم لا؟.

الجواب المطلق: نعم. ولذلك شروط وهو أن تكون هذه الأفعال من فعله لا من أفعال الله تعالى التي اختصت به؛ لأن القدرة على الفعل لا يتم الفعل إلا بها وليست مأمورا بها، ولكن الكلام على مقدوره واكتسابه كاستعمال ماء الوضوء للجوارح وتناوله واستخراجه من البئر بالدّلاء والرشاء، والنظر والذوق والشم إن عرض عارض. وبذل الثمن غير المجحف فيه إن عاز الماء ووجد الثمن. وكل ما لا يوصل إلى فعل الواجب إلا بـه فهو واجب على الشرط الذي ذكرناه. ومنها ما هو ليس بمقدور له خصوصا كالولاية وإقامة الحج وإقامة الحدود، ولا يصح إلا مع الشروط المشروطة فيه.

هذا كله خلافا لأبي حنيفة حين أسقط طلب الماء للوضوء، واستدل بقولـه تعالى : أو لامستم.... فتيمموا ، ولم يذكر الطلب وإنما ذكر الوجود. وكذلك يلزمـه في الرقبة إن لم يجدها ووجد الثمن لا شيء عليه. وكذلك في الكفّارات والنفقات وقضاء الديون الواجبات والجهاد وشراء السلاح والكراع والحمولة والزاد إلى الحج، فإن تم على هذه المسائل كلها أفحش، وإن نقص منها (شيئا) انتقض أصله، بل الحق الحقيقي أن من ملك عين الذهب ومفتاح الأرب أمكنـه كل شيء، ومن قال خلافه فهو معلول مأفوه مخلول.



فصــل

هل يكون المأمور بـه من جهة منهيا عنـه من وجـه آخر؟.

اختلف الناس في هذا الباب، فقال بعضهم: يجوز أن يكّون مأمورا بـه من وجـه منهيا عنـه من وجـه آخر. وذلك أن السجود لله تعالى مأمور بـه على وجه التقرب إليـه بـه. وذلك السجود منهي عنـه أن يتقرب به إلى الشيطان.

وقال بعضهم: إن السجود لله تعالى هو في عينه غير السجود المنهي عن أن يكون للشيطان.

وقالت المعتزلة: قد نهي العاصي في الذنب على ثلاثة أوجـه: نهي (عنـه) أن يرتكبـه ونهي عنـه أن يحدثه، ونهي عنه أن يريده. ولم يبق لهم إلا الاستطاعة. وجوابهم على أصولهم. وقول الجميع إنما نهي عن ارتكابـه ولم ينـه عن إحداثه ولا اختراعـه لأن ذلك ليس إليـه، وإنما إحداثـه واختراعـه إلى الله عز وجل. وأما إرادتـه وهي تمنّيـه وتشهيـه فهي من أفعالـه فمنهي عنـه، وأما إرادة إيجاده أو وجود فليس ذلك إليـه.

مسألة

اختلف الناس في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ فقال قوم: الأمر بالشيء نهي عن ضده، وقصروه على الواجب لئلا يقع النهي عن ضده الأمر المندوب إليـه.

وقال بعضهم: الأمر بالشيء أمر به من وجـه، والنهي عن الشء نهي عنـه من وجـه آخر غير وجـه الأمر بـه. فالذي يقول إن للأمر صيغة وللنهي صيغة، والذي يجعل الأمر بالشيء نهيا عن ضده، فلا يصح ذلك إلا من جهة المعنى لا من نفس اللفظ.

وقالت القدرية: لا يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، ولا النهي عن الشيء أمرا بضده البتة. والقول الأول أصح، وهو قول أبي الربيع سليمان بن يخلف. وذلك أن المأمور بالشيء لا يخلو أن يوجب عليه ضده، أو يندب إليه، أو يباح لـه، أو ينهـى عنـه. فمحال أن يوجب عليه ضده، ما أُمر بـه فكذلك وإن أبيح لـه ضده ما أُمر به سقط فائدة الأمر، ولم يبق إلاّ أنه نهي عن ضده. فإن كان المأمور بـه ذا أضداد دخلت (تلك) الأضداد كلها في النهي واستدلوا هم أيضا بأن لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان العالم بالشيء جاهلا لضده؛ لأن العلم والجهل ضدان، والأمر والنهي ضدان، والعالم والجاهل بمثابة المأمور والمنهي، ويكون القادر على الشيء عاجزا عن ضده، وكذلك لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان نهيا عن جميع أضداده. ولو كان النهي عن الشيء أمرا بضده لكان

أمرا لجميع اضداده وقد نجد الرجل ينهى ألا يدخل الدار وليس ذلك بأمر أن يدخل جميع الدور وينهى أن يأكل لحم الخنزير وليس ذلك بأمر أن يأكل جميع اللحمان سواه.

واعلم أن جميع ما اعترضوا بـه عوّلوا فيـه على الغير لا على الضد وعلى أن الأمر والنهي يختلفان في هذا، وذلك أن الأمر لا يصح امتثاله إلا بالكف عن جميع أضداده، ولا كف إلا بالنهي. وأما النهي عن الشيء فلا يكون أمرا بجميع أضداده. ألا ترى إلى من وقف بعرفة وقد أمر بالوقوف فيها أنـه منهي عن أن يقف فيما سواها. ومن نهي عن أن يقف ببطن عرفة لم يؤمر أن يقف بأمكنة الدنيا كلها، فافترق الأمران. والصحيح أن المأمور بالشيء قد نهي عن جميع أضداده، وليس المنهي عن الشيء بمأمور بجميع أضداده. وقد كانت القدرية تقول إن القدرة على الشيء قدرة عليـه وعلى مثلـه وخلافـه وضده، ومع ذلك لا يلزمهم أن يكون الأمر بالشيء أمرا بـه وبمثلـه وبخلافـه وبضده.



فصــل

وهل يجوز فعل المأمور بـه من وجـه إذا وقع منهيا عنـه من وجـه آخر، كالمصلي في الدار المغصوبة أو بالثوب المغصوب أو الماء المغصوب للوضوء؟

اعلم أنه قد يقع الأجزاء وأن فعل الوجـه المكروه المنهي عنـه. وقد يتفق في أشياء ولا يتفق في آخر كالذي قدمنا من الصلاة في الدار المغصوبة، أن الصلاة قد أجزأته ولا يعاقب عليها وإنما يعاقب

على غصب الدار في الاستنفاع بها وكذلك يعاقب على غصبـه الثوب الذي يصلي به والماء الذي به تطهر. وأما اختلال الصلاة من بعض شروطها كنفس الوضوء والثوب النجس، أو الصلاة قبل الوقت، أو صلى غير مستقبل القبلة فهو غير مصل البتة، ويعذب هذا على تركـه الصلاة. اعلم أن مسألة الغصب إنما حدثت بعد الصدر الأول، وقد صدر الصدر الأول الذين هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من العلماء، وفي أيامهم من المغصوبات في الأرضيين والدور والمقابر والثياب والأموال السحت والحرام وأهله يتدالونه (بين) ظهرانيهم طعاما وشرابا وابتذالا ولباسا فلم يختلف اثنان في صلاة (هؤلاء) (ولا) أنها مجزية أو غير مجزية (حتى) نبغ التنطع من بعض المتحذلقين فوقع الخلاف فأجرى بعض الفقهاء المسألة على وجهها ولم يهتبلوا بقول الشذوذ، وهي عندهم إلى الإجماع أقرب.



مسألـة

واختلفوا في الواجبات التي يلتبس بها المندوب كإطالة القيام في الصلاة والسجود والركوع والخشوع والقدر الزائد على الكافي في القراءة والثياب والسر والجهر والتحميد والتسبيح والتكبير وغير ذلك. وفي جميع

الفرائض من إبرار الوالدين وصلة الرحم واستسمان الهدايا والضحايا واستغلائها.

قال بعضهم: الكل واجب. وهو قول أصحابنا. وقول المعتزلة والأشعرية القدر الزائد ندب. وهذا القول أعجب إليّ. والقدر الزائد معروف، وما كان ربك نسيا. وأيضا لو كان واجبا للزم استحقاق العقاب على ترك شيء منه. فلما رأيناه قد يقتصر على ثلاث آيات وتجزيـه علمنا أن ما زاد على الثلاثة ندب.

وقال آخرون: إن الله تعالى قد أوجب السجود على المصلي ومحال أن تكون بعض الواجبات واجبات وبعضها ندبا، فكذلك كل مأمور به مفوض إلينا. وأقول: إن الله تعالى قد أوجب علينا الصلاة وجعل لها أصولا وأركانا لا تتم إلا بها فمن أخل بشيء منها عامدا انتقضت صلاتـه، أو ساهيا استدرك وسجد للسهو. وجعل فيها أشياء واجبات أكيدات فمن تعمّد ترك شيء منها أعاد صلاتـه وإن سها سجد للسهو. وجعل فيها فضائل مندوبا إليها من أجورها أُجِر ومن تركها لم يُؤزر، وأما حيث لا ينفصل النفل من الغرض كغلاء الضحايا والفضل في الصدقات. والمثمن في الرقاب، فالله أعلم وعنده .....إلا هو .



باب

في أحكام النهي

اعلم أن جل أحكام النهي مندرجة في أحكام الأمر. وحدُّه: القول المقتضى بـه ترك الكسب. وقد تقدم الاختلاف فيـه عند ذكرنا الأمر هل لـه صيغة أم لا.

فقولنا: إن الأمر والنهي لهما صيغة. وقول الأشعرية أن لا صيغة لهما. وأن النهي عندنا متقدم على أحد محتملاته، فهو الأصل وغيره هو الفرع وقد خلق الله الخلق لنا، وخلقنا لأجل العبودية، وخلق الكلام لأجل التكليف، والتكليف هو الأمر والنهي، ولا ينبغي أن يتقدم على الأمر والنهي شيء من محتملاتـه، ومحتملاتـه ترد على التحريم، وهو النهي المطلق كقول الله تعالى : ولا تشركوا به شيئا ، ولا .... بالحق ، ومنها التنزيه كقولـه تعالى : ولا تنسوا الفضل بينكم ، وقولـه : ولا يأتل ،،،، لكم .

وجاء على الدعاء : ربنا .............. الكافرين ، وجاء على التهوين قوله : اخسؤوا فيها ولا تكلمون . وعلى التسلية : لاتحزن ......... يمكرون ، وعلى قطع الطمع :

لا تركضوا ....... تُسألون . وعلى الموعظة : لا يغرنك ..... قليل ، فلا ....... أولادهم ، وهذه المحتملات كلها تحتاج إلى القرائن. ولو قلنا إن مطلق النهي يحتاج إلى قرينة لكان خطاب المالك القاهر للعبد الذليل دليلا على أعظم قرينة، كيف والظاهر عند العرب أن نفس الصيغة دالة على الأمر والنهي. ولولا ذلك لبطلت المعاني واختل البيان، وظهر المثل في اختلاط الرائب والحليب.



مسألة

اختلف الناس في النهي هل هو زجر كلـه أو فيه تأديب؟

قال بعضهم: إن نهي الله تعالى يقع فيـه الزجر والتأديب كنهي الرسول عليه السلام.

وقال بعضهم: إن نهي الله زجر كله وهو الأصل. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن نهي الله زجر كله وليس فيما يعصي الله به صغير. فأثبت جميع ما نهى الله عنـه أنه كبير.

والذي قال في النهي بالتأديب في النهي أبطله في الأمر، تأديبا مقابلة لأمره تأديبا، ومن أبطل التأديب في النهي أبطله في الأمر، ورد حكم النوافل إلى الندب والدعاء. ورد حكم الصغائر إلى الرسول عليه السلام والمسلمين. وفي مناهي الرسول عليه السلام ومناهي المسلمين تكون عنده الصغار وكل ما نهى الله عنه كبير.




فصــل

واختلفوا في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟.

قال بعضهم: النهي يدل على الفساد المنهي عنه. وقال غيره: لا يدل. واستدل الأول بقول رسول الله : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ».

والأصل أن الأمرين جميعا ممكنان، ولكل واحد موضع. أما الأول فينتقض عليه بالمطلق ثلاثا وقد نهي عنه ولن ينفسخ هذا الطلاق وإن فسخوه قدوا أصلهم وفارقوا الإجماع. وينتقض عليهم بالصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بالماء المغصوب كما قدمنا وهو من الأمور المعفّو عنها لهذه الأمة. وكثير من هذه الأمور المنهي عنها أجزناها وأبطلنا بها كثيرا من الأمور الصالحات كطلاق البدعة ولغير السنة وقد أمضيناها. والحج بالمال الحرام، وإخراج الزكاة من المال الحرام، وهذا كله إن تاب وراجع وأدى وأصلح أن ليس عليه إعادة، وكذلك نفقات الأزواج وقضاء الديون الواجبات.



فصــل

ومن ولج في زرع غيره أو أولج فرجـه في فرج حرام، أو برك على إنسان لا يستقل عنـه إلا بكسر أضلاعـه. ولا يخرج المولج إلا بلذة الإخراج، ولا يخرج من المزرعة5 إلا بفساد الزرع.

قد اختلف الناس في هذه المسألة، فبعضهم يقول: لا مخرج له ولا مولج قد انسد عنه باب التوبة، وفتح له باب الخيبة. إن أقام أقام في معصية،

وإن زال زال بمعصية. وهم مع ذلك مكلفون مأمورون منهيون، ولا يحط عنهم أن أوتغوا أنفسهم وأوبقوها شيئا مما حرم الله عليهم.

قال بعضهم: لهم التوبة بعموم قوله عز وجل : وإني لغفار لمن تاب . وبقوله : وتوبوا إلى ...... تفلحون .

وكذلك اختلافهم فيمن قتل نفسه بحديدة أو تردى من جبل أو تحسَّى سما. قد أنقد فيه رسول الله الوعيد ولم يجعل لـه إلى التوبة سبيلا. فهذه الوجوه آكد من الأولى لقول رسول الله عليه السلام: »من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن تحسى سما فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن تردى من جبل فهو يتردى في نار جهنم خالدا أبدا». فخص الذاهب إلى إبطال توبته عموم قول الله تعالى : وإني ....... اهتدى ، وهو مذهب عبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عمر في قاتل النفس أن قولـه : وإني لغفار لمن تاب ، مخصوص بهؤلاء ولا يرون لهم توبة. وأما الذين عولوا على تعميم آية المغفرة وإجرائها على نظامها قالوا: محال أن يأمر الله عز وجل عباده بأمر يكون لهم طاعة وإن امتثلوه لم يطيعوا ... ومحال أيضا أن يأمرهم بأمر ولا يجعل السبيل إلى مأتاه. فلما أمر هؤلاء صح القبول إن صحت شرائط التوبة فعولوا على المخرج والنجاة والفرج من الله تعالى لمن سلمت نيّته.

وأما المرجئة لم تقطع في جميع الذنوب بوعيد. وأهل الوقف قد وقفوا وحاروا. وأهل التعميم قد لجّوا وساروا.



باب

اختلاط الحلال بالحرام

وذلك كالأموال تختلط، والزوجات المطلقات بالزوجات المطلقات، والنسائب بالغرائب، والنجس بالطاهر، والليل بالنهار.

فإن اختلطت الأموال وعاز تمييزها وقعت الشركة واصطلح أربابها كصبر القمح والشعير. وإن تلابست المعلومة بالمجهولة وأمكن فرزها أخذ أصحاب المعلومة معلومهم وبقيت المجاهيل مجاهيل. وإن استهلكت بعضها في بعض ولا ينفكان إلا بفساد أحدهما فإنهما يشتركان في الباقي والآخر وينزلان بقيمتهما. وإن كان دينار وقع في محبرة ولا يخرج منها إلا بكسرها أدين الأفضل وجُبر المفضول، وكذلك الثور يحل رأسه في الخابية نزلا بالقيمة في الفاضل وافسد المفضول إلى الفاضل.

ويقوم السلطان والقاضي والجماعة مقام من غاب أو ضاع من هؤلاء. وأما الأزواج المطلقات فالمخرج تحقيق الطلاق والرجعة إن أمكنت وإلا فالتحريم أغلب. وأما إن طلق من نسائه واحدة لغير عينها أو لعنيها فانتلفت وقعت الشبهه، فالأولى يلحقه بأيتهن شاء في قول بعضهم إلا إن عنى واحدة بعينها. وكذلك الظهار والإيلاء على هذا الحال. وأما النسائب مع الغرائب فإن كان في المخالف أو الرساتيق أو الكفور أو المزالف أو ما أشبه ذلك، تحرى الصواب وكف عن الشبهات. كالرجل تلفت له نسيبته في محلة فإن كانت أُمّا نكح ما دونها في السن، وإن كانت بنتا نكح ما فوقها في السن، وإن كانت أختا تحرّى الصواب. وإن اشتبه الكل حرم الكل والتنزه أفضل. وأما في المدائن الكبار والعمارات المتصلة فلا حرج، ويتحرى الصواب ويعتزل الشبهة، وإن اشتبه الكل حل الكل. وكذلك الحرام إن عم بلدا طارئا فعدته ثلاثة أيام.



فصـــل

وأحكام الأموال ثلاثة: حلال صرف وحرام صرف وشبهة. فالواجب ترك الحرام واجتناب الشبهة واستعمال الحلال. وقد قال رسول الله : «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهة، ومن استبرأ لدينـه وعرضـه كان أفضل، ومعاصي الله حماه ون يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيـه» ، وقد قال أيضا عليه السلام: «إنما سمي المتقون

متقين لتركهم ما لا بأس فيه مخافة ما فيه بأس». وذهب آخرون إلى تضعيف الشبهة والريبة. وقول جابر بن زيد رحمه الله والربيع بن حبيب رحمه الله يؤول إلى هذا. وقال الربيع بن حبيب، لا أعرف الريبة وإنما هو حلال وحرام. وسأل رجل جابر بن زيد رحمه الله تعالى عن رجل عشار كان جارا له يهدي إليـه إن كان يقبل هديته. فقال جابر: خذ من جارك ما أعطاك. فقال له الرجل: أنه عشار لا أعرف عنده من الحلال شيئا. فقال: خذ من جارك ما أعطاك. وسئل عبدالوهاب بن عبدالحمن بن رستم رضي الله عنهما في كتاب الجوابات عن رجل كان في بلد وله فيه أصل وهو يستدين الأيتام والأرامل والناس. فقال له: لا بأس في معاملته إلا ما علمته حراما. والتنزه عن هذا أفضل. وجاز رسول الله على حسي ماء حوله ناس قعود فهم رجل من أصحابه أن يسألهم عن الماء إن كانت السباع ترده أم لا. (فانتهره عمر فقال): إنا نرد على السباع وترد السباع علينا. فقال رسول الله : «صدق عمر، لها ما حملت في بطونها ولكن ما غبر».

وسألت عائشة رضي الله عنها عن الوفود التي تقدم على رسول الله تريد الإسلام فتسلم، وكانوا يسألون أي نساء رسول الله عليه السلام أحظى عنده فيقال عائشة. فيهدون إليها مما معهم من طُرف البادية وربما يهدون إليها من القديد شيئا – وسألته عن ذلك فقال: «سمي وكلي». وأول نازلة نزلت في هذه الأمة هوشات الأسواق والنّهب في الدور والحوانيت أيام مقتل عثمان بن عفان. وقال عبدالله ابن سلام:

كفوا عن الأسواق ثلاثة أيام ثم لا تبالون .. وللمشايخ ثلاثة أجوبة في الريبات: إن لم يدخل عليها صاحبها أن يمسك ولا يبالي. والثاني: أن يبيع ويمسك مقدار الثمن وينفق الباقي. والثالث: أن يستنفع بالثمن كله. حكاها سلامة الدريني عن أبي الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه.

وأما إن دخل على الريبة، فإن كانت محققه فكالحرام بعينه، يأثم حيث يأثم في الحرام. وإن كانت معارضة، يأثم ويردها وينفق مثلها والمحققة مثل ما يكون في أيدي السرايا وقطاع الطرق والغارات حدثان غاراتهم. والمعارضة مثل ما يكون في يد من لا يتقي الحرام. وقال عمر رضي الله عنه: احذروا الربا والريبة. يريد المعاملة والذرائع إلى الربا.

ويتقي استعمال الريبة في الفروج واتهام الناس في السفاح. قال الله تعالى : ولولا ........ مبين .

وإن كانت الريبة من قبل الوسوسة استعملتها واطرحت الريبة والأصل أن الريبة موجودة. وقال رسول الله : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، ولكن الذي ينبغي توهين أسبابها إلا إن جاء أمر غالب. وجل الشريعة إنما جاءت في اطّراح الريبة، لقولـه عليه السلام: »إن الشيطان لينفخ بين إليتي أحدكم وهو في الصلاة، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف حتى يشم ريحا أو يسمع صوتا». وقال للذي اتهم امرأتـه

وأراد أن ينتفي من ولدها فقال عليه السلام: «هل لك من إبل؟ فقال: نعم فقال: ما ألوانها قال: حمر. قال: فهل فيها من أوراق؟ قال: نعم. قال: أنى ترى جاءها ذلك؟ قال: ولعل عرقا نزعـه. فقال عليه السلام: ولعل ولدك عرق نزعـه». وإن كان قال رسول الله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومـه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنـه لا يدري أين باتت يده». فهذه استبراء.



باب

أحكام الحرام المجهول العين

واعلم أن الحرام المجهول العين هو الذي لا يفرزه إلا الله عز وجل، ولا يتوصل إلى معرفته ولا إلى معرفة مولاه إلا بوحي من الله. قد اختلف الناس فيـه، قال بعضهم: هو حلال مطلق وجمويع ما يتعلق بالحلال يتعلق به وحكمـه حكم جميع الحلال في الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم: بل هو حرام مجهول ولا فرق بينه وبين الحلال الصرف إلا الاسم. وقال بعضهم: هو حرام محرم. أما هذا فساقط، ولا يعلم الغيب إلا الله ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. أما الأول الذي أطلق عليه اسم الحلال يقول على التسمية عنده بما ظهر لـه. فإن تصرفاته فيـه كتصرفاتـه في حلالـه، مأمور بإخراج الزكاة من الناض، والعشور من الحب والتمر، والصدقات من الحيوان. واستعمالـه لمآكله ومشاربـه وملبسه ونفقاتـه على عيالـه. وقضاء واجب الحقوق عليه في جميع ملتزماتـه، فحيث يؤجر في مالـه الحلال الصرف يؤجر فيـه، وحيث يأثم في مالـه الحرام الصرف يأثم فيـه لا فرق بينهما، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، وإنما كلفنا علم الظواهر وعند الله تبلى السرائر. وكذلك في الإنسان لغير رِشدة، والفروج المحرمة لغية، وسفك الدماء، يسعة القبض

والبسط في هذا كله على الظاهر، بل هو فرض عليه كاستعمال الأموال في الحج والديون والأعتاق وجميع الأمور الواجبة، والقربات إلى الله عز وجل. فالعجب كل العجب ممن يقول أن من ورث مسالا حلالا أو عقارا أو أصولا ولا يعلم أنه حرام في الأصل إلا الله تعالى، أن ما فعله في هذا المال من زكاة ومن صدقة وفرض وتطوع ليس له فيها أجر! وأن جميع الفروض التي أوجبها الله تعالى في سائر الأموال، وهي فرض عليه متعين، لا أجر لـه إن فعل ومنقطع العذر إن لم يفعل!. فهذا عكس الشريعة، أن يأمر الله تعالى بأوامره وينفذ الوعيد فيمن عنها ولا يؤجر من فعلها..

وأجهل من هذا وذاكم وذلكم جهول بأصل الذين ليس له علم يقول إن جميع ما فعله ليس له فيه أجر. وما ضيعه ليس عليـه وزر. فإن مات وعليـه دين ألف دينار ومعه آلاف لا تحصى إرث من أبيه وأجداده، ولم يبق لها علام إلا الله أن ليس عليه في مطلـه ما عليـه من الديون شيء. وأن ليس عليـه تنجية المضطرين بالمسغبة، ولا أن ينقذ نفسـه من الجوع والعطش ولا أن ينفق منـه عياله وولده ولو هلكوا لأنه ليس له بمال. وهذا تكليف ما لا يطاق، وتكليف علم الغيب، والله المستعان.



باب

مناهي النبي عليه السلام

اعلم أن مناهي النبي عليه السلام مقتبسة من مناهي الله عز وجل ويقع النهي بصيغة "لا تفعل" وبالتحريم، والذم، وباللعن، والتبري. وقد ذكرنا وجوه الصيغ.

وأما وقوعـه بالتحريم مثل أن يقول: حرمت عليكم، أو حرام عليكم. أو هو حرام مطلق. أو حرام الله هذا. أو حرم هذا. قال الله تعالى:

حرمت عليكم أمهاتكم ، و ، حرمت ..... والدم .. ، الآية . وقولـه : فبظلم من ..... لهم . ويقع التحريم بمعنى المنع كقوله تعالى : ولا تقتلوا ........ بالحق . (سورة الأنعام ).

وأما الذم فإنـه إذا ذم فعل شيء أو فاعله اقتضى التحريم كقولـه عز وجل : يؤمنون بالجبت والطاغوت
. وقولـه : أم تقولون ... لا تعلمون . وقولـه : اتخذوا ...... دون الله . وحيثما قال : لبئسما كانوا يفعلون ، و ، يعلمون . وأما اللعن ، فكقول الله عز وجل : لعن ....... يعتدون . وقولـه : ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا . وجميع اللعن الذي ذكره الله عز وجل في كتابـه إنما يحمل على وجـه التحريم والزجر، أعنى الطرد عن رحمة الله. واختلف الناس في لعن النبي عليه السلام. فحملـه بعضهم على الخبر والتحريم، وبعضهم على الدعاء والشتم كقولـه عليه السلام:

«لعن الله النامصة والمتنمصة وأخواتها» ، وقولـه: «لعنت الخمر وشاربها وعاصرها ومعصرها وحاملها الخ .....» في الملاعين. فمن حمله على هذا الوجـه فلا يوجب البراءة فيمن افترق إلا بدليل مؤتنف. وبعضهم يحمل لعن النبي عليه السلام على الدعاء، فهذا يوجب البرأءة فيما أوجب فيـه اللعنة. وكذا اختلافهم فيمن لعنـه رسول الله عليـه السلام لكنهم عكسوا. فمن حملـه على الخبر أوجبـه أخبارا عن الله عز وجل. ومن حملـه على الدعاء حملـه على البراءة. مذهب ابن مسعود في اللعن على الدعاء والتحريم لا الخبر والقطع.

وأما التبرؤ فقد ظهر عن رسول الله أنه قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب..» ، »ليس منا من صلق أو حلق» في مثلها. فالتبرؤ إنما يدل على التحريم واختلفوا في معناه. فبعضهم يقول: ليس من أخلاقنا، وبعضهم يقول: بوليّ لنا.

وجميع ما توعد الله تعالى عليه العذاب فهو دليل النهي والتحريم والتفسيق نصا، والكفر استخراجا.


ومناهي النبي عليه السلام على ثلاثة أوجـه:

وجـه يتعلق بالأصول المنهي عنها في القرآن كالربا والزنا والسرقة والدماء وما أشبه ذلك، وهو أشدها ويأثم في فعلها.

ووجه آخر فكمثل نهيه عن التكلف في العبادات وهو مكروه.

والثالث: نهي تأديب.

أما الأول: مثل نهيه عليه السلام في الآجال عن حبل الحَبَلة، والمعاومة والمساهمة، وعن بيع الثمرة حتى تزهو، والزرع حتى يبيض، والزبيب حتى

يسود، وعن المزابنة والمحاقلة والخابرة، وعن الذرائع (كلها). عن بيع الغيبة وعن بيع الغرر، وعن وجـه الدينار، وعن بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن. وعن بيع بالجنس في كل شيء إلى أجل بمثلـه أو بأكثر منه. والنهي عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل وعن بيع الأصول بالنقود والقوت والفواكـه والأبزار إلا مثلا يدا بيد، لا يحل شيء منها نسيئة.

وهذه الأجناس المنهي عنها التي يراعى فيها الأجل والزيادة، وما سواها لا يراعى فيها إلا أحد الشرطين، الزيادة أو الأجل. فإن وقع الأجل بلا زيادة فلا بأس وهو سلف. وإن وقعت الزيادة يدا بيد (فلا بأس) لقولـه عليه السلام: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه» ، وهذه الأصول الأربعة المتقدمة أشد المناهي، أما النمط الثاني فكمثل نهيه عن التكلف في العبادات مخافة أن يفرض عليهم كنهيه عن صوم يوم الجمعة إلا أن يتقدمه يوم أو يتأخره يوم. وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. وعن السدل والصماء والإقعاء والإلتفات في الصلاة والقرآن والتطبيق. فهذا وأمثالـه مكروه لا يحكمون عليـه بالمعصية.

الثالث: نهي تأديب كنهي الرسول عليه السلام من مس الذكر باليمين والاستنجاء باليمين، والزاق عن يمين الرجل، وانتعال اليسرى وخلع اليمنى، والشرب في أفواه الأسقية، والأكل من ذروة القصعة، والتنفس في الإناء والإعتزال وبعض أهل السنة يجعلون مناهي الرسو لمكروهة لا معصية. وليس عندهم معصية إلا مناهي الله عز وجل في كتابه، وقد تعسفوا.

ومناهي المسلمين مقتبسة من مناهي السول عليه السلام ومن قولـه عليه السلام: «ما رآه المسلمون فهو عند الله حسن، وما رأه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء« ، فإن حجر المسلمون على مباح كان محظورا، وإن أهملوه رجع إلى الإباحة.



باب

الظاهر والباطن والمحكم والمتشابه

اعلم أن الظاهر والباطن من الوجوه التي شرطنا فيها بيان القرآن وبيان أحكام الشرع.

اعلم أن (أحكام) المحكم والمتشابه قد اندرجت في أحكام الظاهر والباطن، لأن المحكم بعض الظاهر، والمتشابه بعض الباطن.

وقد اختلف الناس في المحكم والمتشابه على أربعة أقوال؛ قال بعضهم: المتشابـه حروف المعجم التي في أوائل السور. وهي سر الله تعالى في كتابه. والمحكم ما فيه أمر ونهي، وخبر واستخبار. واستدل هذا بقول الله عز وجل : منـه آيات ..... متشابهات . وذكر من حجتهم أن الله تعالى قد : أرسل ...... كله ، والحاجة ماسة إلى الأوامر والنواهي وبيانها ليمتثل العباد ما رم لهم، ومحال أن يرسم لهم ما يتشابه عليهم. وإلى الأخبار والاستخبار لأن فيها بيان المثوبات والعقوبات؛ لأن بهما يمتثل المأمور ويجتنب المنهي. وإنما ورد الكل لقيام الحجة على الخلق حتى لا يقع التباس على الخلق من جهة البارئ سبحانه وتعالى، ولا تفاقهم أنه لا يجوز تأخير البيان بعد الحاجة إليـه، وما وراء هذا من أوائل

السور وحروف المعجم إنما على الناس الإيمان بها. ومنـه قول ابن عباس رضي الله عنـه: اعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابه. واستدل هؤلاء أيضا، قالوا: إنما نزلت في شأن اليهود؛ حيي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب جاء ا إلى رسول الله عليه السلام في نفر من اليهود جاؤوا يسألون عن أوائل السور وقالوا: بلغنا أنه أنزل عليكم "ألـم" فقال عليه السلام: نعم. فالتفت بعضهم إلى بعض فقالوا: ما خير أمة إنما أكلهما احدى وسبعون سنة. فقالوا: هل غير هذا؟ فقال: "آلمـص" فقالوا: هذه أكبر من الأولى وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد ستون. فهذه مائة واحدى وثلاثون. فقالوا: هل غير هذا؟ واتق الله يا محمد ولا تقل إلا الحق. قد بعث فينا أنبياء كثيرة فما عرف أحد منهم مقدار أكل أمتـه. فقال: "آلمـر" فقالوا: هذه أطول من الأوليين وأثقل،وقد خلطت علينا ولا ندري أي قولك نتبع. فقال أبو ياسر: ولعل هذا كلـه جمع لمحمد، وهو سبعمائة وأربع. فأنزل الله تعالى : هو الذي ....... الألباب .

الثاني: من جعل المحكم النصوص الظاهرة في كتاب الله عز وجل ووقع الاتفاق على بيانها. والمتشابه ما يحتمل التفاسير كالمضمرات في كتاب الله تعالى، والمكنيات وكل كلام يحتمل الوجوه فهو متشابه. فمراد هؤلاء تفسير القرآن هو المتشابه، وما استقل بيفسه ولا يحتاج إلى التفسير فهو المحكم. والذي يحتاج إلى التفسير مثل قولـه تعالى :

كتب ..... من قبلكم ، يسوغ أنه يريد الفرض لا غير، أي فرض عليهم وعليكم. ويسوغ أن يكون الصيام مكتوبا علينا على الصفة التي على من قبلنا والعدة والمدة. وقـوله : قوموا لله قانتين ، قيل مطيعين، وقيل مطيلين . وقولـه : استغفر لهم ..... لهم . حمله بعضهم على الإياس، وهو مذهب عبدالله بن عباس، والصحيح أنه مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقيل على التخيير. وقد ذكر عن رسول الله .

والهاء في قولـه : ويطعمون الطعام على حبه ، تسوغ لله وللمساكين وللطعام. والهاء في قولـه تعالى : ألـم تر ... ربه ، فالهاء تصلح لإبراهيم وللكفار.

والتعريف عهدا وجنسا. والاستثاء بمعنى لكن وبمعنى الاستثناء كقوله : إلا ما زكيتم ، من جعله استثناء يريد ما أدركتم زكاتـه من هذه الأربعة، المنخنقة وأخواتها. ومن جعله لكن وقع الاستثناء على غيرها ممن زكيتم بما ليس بمنخنقة ولا موقوذة ولا متردية ولا نطيحة.

إن نسينا ، من النسيان ومن الترك ، أو أخطأنا ، من الخطأ والعمد. وقولـه : والشمس تجري لمستقر لها ، وتقرأ لا مستقر لها . وقولـه : فلا رفث .... الحج ، أي قد تبين فلا جدال فيه. ومن نسق على المعنى وقع النهي على الكل.

الثالث: المحكم هو الأمر والنهي خصوصا، وما عداه من القرآن فهو متشابه. وفي هذا النمط تدخل أوصاف البارئ سبحانه والأخبار عنه.

الرابع: قول من قال: إن القرآن كله محكم وكله متشابه. قال الله تعالى : يس والقرآن الحكيم . وقوله : كتاب .... فصلت ، ثم قال : كتابا .... ربهم .



باب

القول في الظاهر


وحد الظاهر: ما سبق إلى النفوس معناه. والباطن بخلافه. وقيل: أن الظاهر ما له تأويلان، أحدهما أظهر من الآخر. وقد ذكرنا هذا المعنى في باب المتشابه.




فصــل

اختلف الناس في الظاهر والباطن أيهما أولى بالإستعمال. قال بعضهم: الظاهر أولى من الباطن، (وهو مذهب الفقهاء وداود بن علي. فأما الفقهاء فذهبت إلى تغليب الظاهر على الباطن) ، ما لم يأت شرع

أو عقل يمنع منـه. وأما داود بن علي وابنه ومن تبعهما من أهل فارس فغلبوا الظاهر على الباطن وعلى كثير من الشرعيات مثل الفحوى واللحن ودليل الخطاب ومعنى الخطاب، فهو الأصل عندهم. وعامة الفقهاء على خلافهم.

وقال بعضهم: إن الباطن أولى من الظاهر، وإنما نزل القرآن والمراد فيه الباطن. وهم الباطنية وهم غالية الشيعة والقرامطة.

وقالت الأشعرية بالوقف، وهو خلاف الفقهاء، مالك وأبي حنيفة والشافعي. وأنا أصف لك مذهب الباطنية: أما الباطِنِية فزعموا أن الله خاطب العقلاء ذوي الألباب بالأمور الباطنية. وخاطب العامة بالأمور الظاهرة. والله وهو الأول ...... عليم ، فلهذا المعنى قدم الله تعالى وصفه بالظاهر ثم عطف بذكر الباطن. فالبداية للأطفال والأغمار من الرجال والنساء. والنهاية لذوي الألباب والعقول وأنزل كتابا يتلى وقال : ما فرطنا في الكتاب من شيء ، وأعطى لكل قسطه منه. وقال عليه السلام: »لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة». وأهل الفقه يستعملون الظاهر والباطن والأولى فالأولى من السفل إلى العلو. فشرع للعامة الذين لم يرسخوا في نمط الإيمان ولم يرسوا في قواعد الإسلام فشرع لهم الأمور الحسية تدريجا إلى الأمور الناموسية، فاستعبدهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج. فإذا رسخت فيهم المعرفة فقوي فيهم اليقين نعلهم من أمر التكليف

إلى أمر التخفيف، وصاروا هم والملائكة الذين هم عند الرحمن بمثابة واحدة. وترقى بالعامة إلى إخوانهم المقربين الأولين. ولقد ذم الله أقواما ذوي عقول وأفئدة حين اجتزوا بالظاهر على الباطن، وبالمجاز على الحقائق، وبالأبصار على البصائر فرضوا بالقشر دون اللب فقال عز من قائل : وجعلوا ........... من واق .

وعلى هذه الآية وما تضمنت معولهم في جميع مذهبهم. قالوا: إنما كلف الله العباد أول مرة ما داموا أطفالا بعلم شرائع الإسلام وآداب الأكل والشرب واللباس، وإذا حكموا ما هنالك وبلقوا انتقلوا إلى العمل بشرائع ما علموا، فإذا حكموا أمرهم بالتنقل عن الظاهر إلى الباطن ليكونوا ربانيين مما كانوا يعلمون الكتاب وبما يدرسون. فإذا انقشعوا عن الظاهر واستعملوا الباطن لاحت من قلوبهم أنوار البواطن فغشت ظلمات الظواهر وانقشعت، فعند ذلك ينسخ الله عنهم أحكام الظواهر وينقلهم إلى روح نسيم البواطن. وقالوا: ظواهر القرآن الصلاة والزكاة والصوم والحج كما قال عليه السلام: »بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله .. الحديث». قالوا: واعلم أنك إذا تشهدت مرة واحدة في الدنيا أجزأتك لأنها من الظواهر، ولكن عليك استصحاب الإيمان والإعتقاد وهو من البواطن، فظاهر الصلاة حركات المبرسمين، وباطنها صلاة الأئمة الطاهرين. وظاهر الزكاة الرضخ من الوسخ لتنويل المساكين، وباطنها

تطهير الأئمة وتزكيتها وتنزيهها عن أقوال المدنسين.

وظاهر الصوم إمساك الجوارح عن لذات المنهمكين وباطن الصوم أطباق الفم عن أسرار الأئمة المهتدين.

وظاهر الحج زيارة بيت الله الحرام وباطنه زيارة أولياء الله الداعي إلى الحقائق والحق المبين. والعاقل ينظر بعين البصيرة، وما لله الكريم العلي العظيم الحليم الرحيم في تسخير العباد بالسجود، وتنفيج الأدبار بين ظهراني القوم السجود القعود. ويشرع في أعمال المعتوهين وحركات المبرسمين. وإنما يخاطب الله عز وجل أولي الألباب لأجل الألباب. وما له في أن يكلف العباد أن يطرحوا من أموالهم إلى المساكين المقدار الذي يطرحه الناس للجن والشياطين؟ وما له في أن يعكم أفواه الجائعين ويحمي بطونهم ويشعلها عليهم نارا تقربا بالصوم إلى رب العالمين؟ والرب سبحانه إنما خلق المعدة والأمعاء والحلق والحلقوم والأسنان والأضراس لتنعيم هذه الأجساد وبلوغ الحكمة والمراد. فلما تمت النعمة وحملت الحكمة زجر ونهى وعطل وأبى من استعمال هذه الآلات لهذه اللذات على ما ينبغي ويجب، سبحانه وتعالى عن المنكر والمنكرات وسوء موارد ومصادر البدايات، وعن أن يجوعهم ويعطشهم، وخزائنه مملوؤة طعاما وشرابا. وتعطيل الفروج المستعدة للإنسان واللذات مدة أيام الحياة. وقد كان في الإبتداء متفضلا، وبالإتمام متطولا، وبالانتهاء محكما مكملا. وما له في سعيهم حول بيته الحرام وحول بيوته الحلال شعثا غبرا ورميا بالحجار ذوات الاستجمار إلى جمرة مخصوصة

بين سائر الجمار وما هذا إلا عذاب عُذبوا به لأجل تمكثهم في استصلاح الظواهر وحرمانهم عن الوصول إلى البواطن كمن ندب إلى كرامة واشتغل في مدامة. ولما لم ينفهم لهم عن الله عز وجل المراد في تنعيم الأجساد إلا بتعذيب العباد، وقد قرعهم بقوارع قول الرسول النبي الأمي الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع ...... عليهم ، فإن كان هذا هو المعروف عنده لا عندهم والمنكر عنده لا عندهم فهذا تعريض التكذيب. فلئن كان هذا المعروف هو المعروف والمنكر عندهم لا عنده فمن أعظم المعروف وأجله بطون ملتهبة جوعا وأرض الله طعام، وعطشا وأرض الله ماء وشراب. وَوِقَع وبنات الجنس بُهلا وحيالا!! فالمعروف مـد الأيدي إلى الطعام والشراب. وتستعمل الأفواه المضغ والأكل. والبطون تحتوي الطم والرم والأعواف والأيجاف ولا يلقوا بأديهم إلى التهلكة.

والمعروف السعي في إتمام الحكمة نكاحا وسفاحا وحلالا ومباحا. فهناك يستصلح الإله عباده ويبلغ مراده. وقد قال الله عز وجل : قل من ........... القيامة . فهي لأهل الباطن

وقوله : فبظلم ... لهم ، الآية ، فهذا جزاء أهل الظاهر الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة .. أيضا، وأي عذاب أعظم من شغل الجوارح بالتكليف وقصورها عن الوصول إلى باطن التحقيق. أجهل بمن ذهب بهذا العذاب إلى ما تحيله العقول، وينكره الدليل، وطمعت أبصارهم إلى ما لا يعقلون، وآمنوا بما يجتهلون..

وأي معروف أفضل من زينته التي أخرج لعباده والوجوه الحسان التي اخترع؟! حتى قال جاهلهم:

أتخلق يا رب ما تخلق وتنهى العباد بأن يعشقوا

خلقت الغواني لنا فتنة وأنزلت الناس، أن اتقوا

ولم يعقلوا عن الله مراده في خطابه نبيه عليه السلام : يا أيها النبي ........ المؤمنين ، وإنما قال : أن يستنكحها ، ولم يقل ينكحها لئلا يتوهموا عليه الحل والعقد والنكاح والولي والأشهاد، بل أطلقه لأي امرأة شاءها .. ألا تراه قال : وامرأة مؤمنة ، فهي نكرة ولم يقل والمرأة المؤمنة. وقد كان حرام عليه النساء أيام لم يبلغ في الباطن مبلغه الآن! وقال : ولا يحل ......يمينك ، وقال عز من قائل : رب زدني علما ، فلما انتهى في ملكوت

السموات والأرض إلى علم الباطن وبلغ الدرجة العليا والمقام المحمود أطلق عقاله في كل امرأة من ذوات العم والخال فما الذي بقى؟ وامرأة مؤمنة كيفما كانت. ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله عليه السلام إلا وقد أحل الله له النساء .

قالوا: وإنما شرط عليه اللاتي هاجرن معه وحقيق أن يشترط عليه بلوغهن درجة الإيمان بعلوم الباطن مبلغ أهل الهجرة عند المقيمين. وذهب أهل الظاهر المنكوسون الناظرون بعين حولاء إلى أن ذلك النكاح لافي السفاح، بل في الكل، قل من ....... لعباده ، ولو قصره على ما قالوا لكان عقوبة (لا) مثوبة. ولم يدروا أن قولـه : وأنكحوا .... ورباع ، حسابهم أنه عدد محدود بل عدد ممدود، كقولك تعلمت "أ ب ت ث"، وتعلمت "البقرة"، وقرأت "قفا نبك" .. وأنشدت "ألا هُبي".. فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟!! وفي هذا تحليل الكل، لمن أقام ولم يظعن من وراء حجاب، أو ظعن ولم يشرف، أو أشرف ولم يصل، أو وصل ولم ينظر، أو نظر ولم يبصر!!.

وأعجب من هذا قوم يجتمعون على فرج أنثى يباع بالأثمان ولم يرضوا بالسترة إلا بالإعلان على رؤوس الأشهاد. ويحهم! زعموا أن الأله الحليم إنما خلق الوجوه الحسان وركّب الشهوات في النفوس وكتب في أراضي الأرحام بأفضل من فصيح الكلام إيلاجا وإخراجا. وخاطب به أهل الاعتلام في دجن الاظلام. جعل النساء للرجال أزواجا وهم لهن أفواجا، وأزعجهم إلى الوقاع ازعاجا

يستنتجوهن استنتاجا. وأهل الظاهر أخرجوهن إخراجا وحاولوه علاجا ... وكيف يحرم هذا على أحد بعد قولـه : أحل لكم ..... قبلكم . وقولـه : إذا آتيتموهن أجورهن ، أي فاتحتموهن، وبلغن الغية من الباطن واطرحن من الظاهر كان لهن مثل ما لكم عليهن . ومنه قولـه : إذا جاءكم ....لهن . فلما انتشر الإسلام، وظهر الإيمان عقب فقال : اليوم ..... دينا . و ما جعل عليكم الدين من حرج . وأنتم عفتم أيتها الأمة المرحومة ما حللت من عقالكم وفككت من أغلالكم فقالوا : ربنا .... أو أخطأنا
، الآية. فعند ذلك أتيكم بالجنة التي حرمتها على آل فرعون حيث أقول : كم تركوا....... آخرين .

هذا كلام القوم واعتقادهم توارثـه الأخلاف عن الأسلاف. لا يشكون ولا يمترون، ولم يستنكروا شيئا مما عودهم الله، ولم يقطع عليهم عادة، وقد خوّلهم

ونولهم ومولهم وسخر لهم الليل والنهار والشمس والقمر وحسبوا أنهم على شيء. وربما أظفرهم بالمسلمين في جروباتهم وأظهرهم على بيت الله الحرام فازدادوا بصيرة في دينهم يعتقدون أنها أقوى من بصيرتكم أنتم في دينكم، وإنما قصصت هذا عليكم لتحمدوا الله وتشكروه على ما هداكم من دينه. فالحمد لله الذي ..... بالحق ، ومما ذكرنا من عكسهم الشريعة واتباعهم الشهوات نصبوا قرية في مصر تسمى المقياس تأوي إليها كل حسناء جميلة قد بذلت نفسها – زعما ـ للأولياء أهل البواطن والراسخين في مذاهبهم ويرون ذلك قربة عند الله وزلفى لديـه !!! وأخذوا أحكام القرآن كله على هذا النمط، وجعلوا ما ذكر فيـه من الأنبياء والرسل هم من ذرية علي بن أبي طالب. وأن أول الدنيا هو الدنيا وآخر الدنيا هو الآخر وليس هناك بعث ولا نشر ولا قيامة غير نفس الدنيا.




ذكر القرامطة والغالية من الشيعة


وأما الغالية والقرامطة فإنهم جاوزا هذا المقدار في الغلو إلى أن زعموا أن عليا هو الله، وضاهوا في ذلك قول النصارى في عيسى بن مريم، وذلك أنهم زعموا أن الله قد نفخ في آدم عليه السلام من روحه كما نفخ في عيسى بين مريم بروح الألوهية (وأنها) قد حصلت في علي. وزعموا أن آدم عليه السلام تنقل منه هذا الروح في أولاده خلفا عن سلف إلى أن صار في عبدالمطلب فانقسم بين عبدالله وأبي طالب واجتمع في الحسن والحسين وفي ذرية علي وفاطمة. واستشهدوا بغرة عبدالله حين نجا من الذبح وطلبته المخزومية وامتنع وواقع زوجته آمنة بنت وهب

فعلقت منه بمحمد عليه السلام. واستدلوا بشعر العباس بين عبدالطلب حين قال لرسول الله عليه السلام ائذن لي أمدحك فأذن له فقال:

من قبل ما طبت في الظلال وفي مستودع حين يخصف الورق

/ثم هبطت البلاد لا بشر...... أنت ولا مضغة ولا علق

بل نطفة تركب الفين وقد الجم نسرا وآلـه الفرق

تنقل من صلب إلى رحم ..... إذا مضى علم بدا طبق

حتى احتوى بيتك المهيمن من ختدف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد تخترق.

وأمثلهم طريقة يستشنع اسم "الإله" ويسمونه بالإمام والغرض "الإله". وأوجبوا له من الصفات ما أوجبوه لرب العالمين. ولقد جرت مناظرة بين الأعمش ورجل منهم فقال الرافضي: إن عليا كان بالبصرة فقال للوهاد ارتفعي فارتفعت الوهاد واتضعت التلال حتى أبصر منها الكوفة. فقال له الأعمش: أتقول يقدر أن يحيي الموتى فقال لـه الغالي: يقدر أن يحيي عادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا. فغضب الأعمش فصكه صكة فقال له الأعمش: ألا أحيا نفسه حين ضربه ابن ملجم؟!

وكان شاعر عبيدالله الشيعي عندنا بالقيروان يقف لـه إذا أراد الركوب عند باب القصر، فإذا خرج عبيد الله من قصر قالم وأنشد يقول:

شهدت بأنك آدم وأنك أنت نــوح

وأنك أن الخليل وأنك أنت المسيـح

وأنك أنت الأمام وما سوى ذاك ريـح

يريد بالإمام الالـه فكنى مخافة العامة. وكانوا يعتقدون هذا المذهب ولا يتحاضون منـه وعلي حي بين أظهرهم ولقد خرج علي بن أبي طالب

في ذات يوم من أيام الجمل فنظر إلى سماطين من الرجال فقال: ما لهؤلاء القوم؟ فتصايح الناس فقالوا: هو هو. فقال علي: وما هو هـو؟ فقالوا: الاله. فأمر بهم علي فقتلوا عن آخرهم وكانوا سبعمائة، وهم قوم من الخرمية. واعلم أن مبدأ هذا المذهب من قِبَلِ عبيداله بن ميمون القداح. وذلك أنه اجتمع مع ناس من العجم ممن سلب الملك، فنظروا إلى الإسلام وقوتـه فلم يجدوا أـدنى عقول وأقرب إلى الجهالة والحمق من هؤلاء الشيعة فلبسوا عليهم وأظهروا لهم محبة آل الرسول وولايتهم والتوجع والتفجع لمصابهم فسكنت نفوس الشييعة إليهم. فلما ظُهِرَ على عبيدالله بن ميمون بقارس هرب إلى الشام وبها مات. ورجع ابنه محمد إلى فارس ومرض في الطريق، وكان اكترى من رجل بقّار بقرة لركوبه. فمال به البقّار إلى قريبته فمرَّضه بها، وصادف محمد بن الأشعث القرمطي فاستجاب له فسميت تبعته القرامطة وجرى على بغداد منهم بلاء عظيم مقدار مائة وخمسين سنة، وأهلكوا الحرث والنسل بالزنج وقد استبصرت في مذهبهم، وقطعوا طريق الحج وظهروا على مكة ونصبوا أسماء مهولـه يستميلون بها العوام، وهي: الأول، يريدون به الالـه. والثاني، يريدون العقل والنفس وهو ما تولّد من الأول وكل آلهة. ثم الثالث: الناطق، وهو الرسول، وهو محمد عليه السلام، وجماعة الرسل وهي النطقاء. ثم الرابع: وهو الأساس، وهو خليفة الناطق، وهو علي بن أبي طالب. والخامس: خليفة الأساس، وهو الذي يعلم البواطن. والسادس: اللاحق خليفة الإمام. والسابع: الجناح؛ وهو الذي يأخذ العلم عن اللاحق. والثامن: المأذون عن الجناح وهو الذي أذن لـه في الدعاء والمناظرة. والتاسع: الداعي: أخذ عن المأذون، وهو الذي يدعو العامة إلى المذهب. وجميع ما ذكرنا قبلـه خواص.

وصاحب المقرب هو من ذرية القداح، وهو معاذ بن اسماعيل بن القاسم بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن ميمون بن عمر القداح.

وقد قيل إن هذه البلية من قبل الهرمزان وأبي لؤلؤة الذي قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم بعد ذلك أبو مسلم الخرساني القائم للعباسية على بني أمية، وعلى هذا المذهب قتله أبو جعفر وصلبه، ثم الأفشين في زمان المعتصم، وعلى ذلك قتل، وهؤلاء كلهم إنما يسعون في إقامة دولة محمد بن اسماعيل بن جعفر القائم صاحب دور الزمان الهاشمي. والأصل في أمر هؤلاء القوم أنهم قوم تجمعوا حين أياهم أمر الإسلام وانتصروا للأعاجم الذين سلب الله تعالى ملكهم بمحمد عليه السلام حين أبصروا بعد الفشل في المسلمين واختلاف الكلمة فنظروا إلى مذاهب الأعاجم متفرقة وطرقهم شتى، احتالوا في جميع مذاهب الأعاجم والدهرية ناحية تثبت قدم العالم. والمجوس ناحية وهم الثنوية، والمنانية والديصانية يقولون بالأثنين فأثبت هؤلاء الأول والثاني، وهما الأثنان، وعلى مذهب الثنوية: النوري والظلمي. وطابقوا الدهرية في القديم أنه ليس بموصوف ولا معلوم، وإنما انطبعت فيه الصور. وعلى مذاهب أهل الكتاب إقرارهم بالمحمدية تذريعا وتبذرقا وعلى مذاهب النصارى بتنقل الأرواح في أولاد علي. واستعملوا إلى أهل الإسلام تعظيم أهل البيت والبكاء عليهم والانتصار لهم، تارة يجعلون عليا هو الاله العظيم الذي هو الأصل، وتارة يجعلون عليا هو الثاني ....

نحن نشرع في الرد عليهم والله المستعان. واستدلوا وقالوا: إن الله خاطبنا بالوحدانية ظاهرا وبالتثنية باطنا، ألا ترى إلى قول الله عز وجل : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون *) .. وقولـه :

إنا أرسلنا نوحا إلى قومـه . وقولـه : إنا جعلناه قرآنا عربيا . وقولـه : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ، وجعلنا *) ، و خلقنا ، و نزلنا و أخرجنا و ... نحن نحي ونميت ، في مثل هذه العبارات التي أتت في القرآن على معنى التعظيم والأبهة فعولوا في هذا على الظاهر وتركوا الباطن الذي كانوا يعتقدون.

وأكثر ما يعول عليـه استلالهم بصحيح مذهب أبي جهل في الآلهة الأخرى، ولو علم أبو جهل أن رسول الله عليه السلام يدعو إلى إثبات آلهة أخرى لما خالف ولوافقـه ونصره، ولَسُّر إبليس بذلك سرورا ظاهرا. فعجبا لهؤلاء القوم حين نسوا نصوص القرآن، قال الله عز وجل: وإذ ..... بيتي
،فحرم الشرك بـه ونص عليه./ وقال: يا أيها ........ويميت
. فنص على ألوهيته وحده، وقال: أئنكم .... أخرى ،ذما وتكذيبا لهم ولنظرائهم قل لا ...... تشركون ،وقال عن نـوح عليه السلام: يا قوم ..... غيره ،وقال موسى عليه السلام: أغير الله ..... العالمين . وقال عيسى عليه السلام: اعبدوا الله ..... من أنصار
.

وقال الله عز وجل : ما اتخذ ........ يشركون فهذه قسمة عقلية فما لهم لا يؤمنون؟!.

واعلم أنه لا يخلوا الكلام أن يكون عن توقيف أو تعريف. فإن قالوا عن توقيف ادعينا لهم في جميع ما وفقوا عليه أننا ايضا قد وقفنا على مثله في ذرية العباس فما الفضل؟ فما بال أحد الوقيفين أولى من الآخر؟ أو نقول هو في ذرية أبي جهل أو ذرية مسيلمة الكذاب أو في قبائل العرب. لا بد من حد ينتهي إليه وإلا صار الكلام لغوا. (وما أثبتوه لعلي) أثبتناه لابن ملجم. وهو أحد القادرين، كما قال الله عز وجل: ولعلا بعضهم على بعض ...
، أفمن يخلق كمن لا يخلق .. ، أموات غير أحياء .. ، كل نفس ذائقة الموت .

وإن قالوا: كلام الله عز وجل أخذوه عن تعريف، ولا تعريف إلا ما جمع الله عز وجل قلوب العباد من لدن آدم عليه السلام إلى هلم جرا .. أم من مخاطباتهم ومحاوراتهم وتلقينهم لغاتهم لأولادهم التي بها يتعارفون مرادهم، فلو كلفنا أهل الصبا والغباء معرفة البواطن من أول وهلة ولم ننصب لهم دليلا يتوصلون به إلى البواطن إلا بالتوقيف، ولا توقيف إلا بالتعريف، لصاروا صباء وغباء وصرنا مجانين معتوهين. وقد وقفنا

الله تعالى في القرآن على تصريح الشرك بالألوهية بالتعريف الذي أطبق عليه أهل الخافقين. فأرونا موضعا نهاكم الله تعالى فيه عن التوحيد توقيفا أو تعريفا. قالوا: قال الله عز وجل: وهـو .... إلـه . فهو دليل إلهين اثنين، ولا سيما أنهما نكرة. وقالوا في قول الله عز وجل: ما يكون ..... كانوا ،فهذا دليلنا. وظاهر اللغة أنه إلـه في السماء وهو إلـه في الأرض. وليس في ذكرنا السماء والأرض بالتثنية ما يدل على تثنية وحدة. ودليل ذلك في عقب الكلام، وهو الحكيم العليم ،ولم يقل: وهما الحكيمان العليمان، إلا إن ذهبوا في القرآن أن الظاهر كلـه باطن، والباطن كلـه ظاهر مذهبهم في المعاني فعطلوا وبطلوا. والمناظرة إنما تكون مع من لـه أدنى عقل، وأما مجنون معتوه أحول العين أقفل القلب فهذا يكفيه ما قال الشاعر:

يكفيه مسمار لكي الرأس ويكفيه عود!!

ولو عكسنا عليهم القضية في الألفاظ مذاهبهم في المعاني لتعذر بيننا وبينهم الكلام ولا نحل النظام وانقطع الخصام وارتفع الملام فصار كل يعمل على شاكلتـه.

وأما مذهبهم في تفسير القرآن: اعلم أن القوم ذهبوا في تفسير القرآن إلى مذهب لا يلائم للظاهر ولا لباطن فحملوه كلـه عليه. ولم يذهبوا بـه إلى سور مخصوصة وآيات منصوصة بل عكسوا الشريعة ظهرا لبطن وخلصوا بها عينا بعين .. زعموا أن قول الله عز وجل: ولقد ...... طين يعني آدم. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين

نوح عليه السلام ، ثم خلقنا النطفة علقة ، يعني إبراهيم عليه السلام فخلقنا العلقة مضغة يعني موسى عليه السلام ، فخلقنا المضغة عظاما ،يعني عيسى عليه السلام. فكسونا العظام لحما يعني محمدا عليه السلام. ثم أنشأناه خلقا آخر ، يعني النشأة الآخرة. وهو ظهور القائم صاحب دور الزمان محمد بن اسماعيل بن جعفر الذي ينسخ شريعة محمد عليه السلام!! وقد أشرنا إلى مذاهبهم في التفسير قبل هذا، فالعاقل يستغني بسماعه عن مخاطبتهم والسلام ....

وذكر جابر بن زيد رضي الله عنه في تفسيرهم هذه الآية (قوله تعالى: يا أيها .... الصلاة قالوا: الصلاة: الدولة والولاية. فاغسلوا وجوهكم ، أي فولوا أفاضلكم من ذرية علي وفاطمة. وقولـه : وأيديكم أي وزراءهم وأعوانهم أي أصحاب الولايات الصغار. وامسحوا برؤوسكم ،أي تبركوا بذرية فاطمة وعلي مدة حياتكم، وأرجلكم إلى الكعبين ، أي إلى خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ، وإن كنتم جنبا فاطهروا ، يعني ولاية بني أمية وبني العباس فتبرؤوا من ولايتهم ، وإن كنتم مرضى ، من دخل في دينككم واعتقادكم ولم يرسخ فيـه. أو على سفر ، أي مترقيا في طريقتكم ولمّا يبلغ. أو جاء أحد منكم من الغائط ، كناية عن أبي بكر وعمر فأبو بكر الغائط وعمر هو البول فاندرج البول تحت الغائط كما اندرجت ولاية عمر تحت ولاية أبي بكر!

وأصل الصلاة عندهم موالصلة أهل البيت، والزكاة تطهيرهم، والصوم صون سرهم عن أن يفشى بـه الظلمة، والحج هي المكاشفة العظمى وبلوغ النجح.


باب: مذهب المشبهة في ظواهر القرآن


واعلم أن هؤلاء القوم أرجاس أنجاس، أعكاس أنكاس، مثل الأولين وهو الذين حملوا ظواهر القرآن وجميع أوصاف الله عز وجل على ما يعقلونـه من أنفسهم وأرواحهم. وذلك أن الله سبحانه قال : لا تدركه الأبصار ، كما قال: وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، والرب سبحانه لا يشاهد بالحواس ولا يقاس بالناس. ووصف البارئ سبحانه نفسه بما يليق به من الصفات فقصروها على ما يعقلونه من أنفسهم مع أنهم يشهدون على الأصل الأول وهو قولـه: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وجعلت الكاف للمبالغة في قولـه: ليس كمثله شيء ، ونفى التشبيه عن نفسه فأثبتنا نحن وإياهم للإله وجودا وحياة وعلما وقدرة، وإرادة ومشيئة، وسمعا وبصرا، وسائر ما وصف به نفسه في القرآن فنظرنا إلى نفي هذه الصفات عن البارئ سبحانه بعد إثبات القرآن إياها فإذا هي محال، وإلى تشبيهها إلى أنفسنا محال أيضا وذلك أن إثبات البارئ سبحانه كأنا نشبهه بخلقه فيه إبطال فائدة قولـه: ليس كمثله شيء ، والعقل من وراء ذلك ظهري. فلم يبق إلا الإيمان بما وصف به نفسه ونفي ما يشابهنا من ذلك. وإنما فصرت عقولهم وأوهامهم على أن لا يصح عندهم وجود فاعل ليس بجسم لأنهم لم يشاهدوا غير ذلك. فأوجبوا جميع أوصاف البارئ سبحانه على هذا النعت جسمانية وذهبوا في وجهه إلى وجوههم، وفي عينه إلى أعينهم، وفي يده إلى أيديهم، وفي أصبعه إلى أصابعهم، وفي نفسه إلى أنفسهم، وفي علمه إلى علمهم، وفي جنبه إلى جنوبهم، وفي استوائه إلى استوائهم،

وفي عرشه إلى عروشهم، وفي كرسيه إلى كراسيهم، وفي كلامه إلى كلامهم، وفي أفعاله إلى أفعالهم، وفي حياته وعلمه وقدرته وإرادته ومشيئته وسمعه وبصره إلى جميع ما يعقلونـه من أنفسهم. فقد ورد في كتاب الله عز وجل. جميع ما قلنا. فأول ذلك: قول الله تعالى: وهو القاهر فوق عباده ، وقد ذهبوا إلى الجهة وتركوا ما يعقلونه من سلاطينهم الذين هم فوقهم على غير معنى الجهة وهو القهر واللإستيلاء. وتركوا ها هنا الظاهر المعقول إلى الباطن المجهول. ثم قال الكافر: يا حسرتى ... الله.. ،فأوجبوه جنبا معقولا، وسلكوا بالتفريط باطنا مجهولا. ولا يتوهم على أحد من الكفار أنهم تحسروا على تفريطهم في مسح الجنب أو رئيته أو تقبيله وإنما وقع التفريط والعياذ بالله في أوامره.

وعن قوله: يوم يكشف عن ساق ، والساق معروفة من الأنسان ومعروفة، عند العرب أنها الشدة. فلما ذكر الأهوال علمنا أنها الشدة وجميع ما قلنا وقالوا موجود في كلام العرب كما قال الأول قلنا لهم. وقالوا: كل له مقال. وإنما اختلفنا في خطة واحدة هي الفصل بيننا وبينهم وذلك أنا أثبتنا للإله جميع ما وصف به نفسه ولا كيف كما وصف نفسه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تحديد، فقصر بصرهم عن هذا المعنى فتوهموه إبطالا للبارئ سبحانه إذ لم يتوهموه فقضوا عليه بالوهم وها هم لم تدرك أوهامهم جميع الخلائق فكيف بالخالق سبحانه وقد قال الله عز وجل: ويخلق ما لا تعلمون ، فعولوا على ما خرج من أوهامهم فليس بموجود ونسوا أرواحهم وعقولهم

وأبصارهم وأسماعهم وجميع حواسهم وطبائعهم المركبة فيهم التي (لا) يتوهمونها ومع ذلك أنهم يثبتونها وليس بينهم وبين الدهرية فرق فإن تخلصوا من ذلك فليس بينهم وبين الثنوية فرق والسلام.

هو الله .......... الحكيم .