jpg^%^أصل هذا الكتاب رسالة قدمت من قبل المؤلف لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في الحديث النبوي وعلومه في جامعة آل البيت الأردنية، عنوانها "الأحاديث الواردة في الخوارج - تخريج ودراسة"، وقد أشرف على الرسالة كل من الأستاذين الفاضلين الدكتور صديق محمد مقبول من قسم الحديث (مشرفاً)، والأستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي من قسم التاريخ (مشرفاً مشاركاً)، وناقشها كل من: الأستاذ الدكتور قحطان عبد الرحمن الدوري، والأستاذ الدكتور حارث سليمان الضاري، والأستاذ المشارك الدكتور زهير عثمان علي نور، وقد نوقشت وأجيزت بتاريخ 26/ 7/ 1998م.@~@~@~@~@~@~مكتبة الجيل الواعد@~مسقط@~2003@~2@~452@~@~@~253.2@~@~الخوارج***أهل الحق والاستقامة***^%^^%^zip@#$
ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخـــــــوارج
والحقيقة الغائبة










الطبعة الأولى
1420هـ - 1999م



رقم الإيداع : 142/ 99


بسم الله الرحمن الرحيم
0








أصل هذا الكتاب رسالة قدمت من قبل المؤلف لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في الحديث النبوي وعلومه في جامعة آل البيت الأردنية، عنوانها "الأحاديث الواردة في الخوارج - تخريج ودراسة"، وقد أشرف على الرسالة كل من الأستاذين الفاضلين الدكتور صديق محمد مقبول من قسم الحديث (مشرفاً)، والأستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي من قسم التاريخ (مشرفاً مشاركاً)، وناقشها كل من: الأستاذ الدكتور قحطان عبد الرحمن الدوري، والأستاذ الدكتور حارث سليمان الضاري، والأستاذ المشارك الدكتور زهير عثمان علي نور، وقد نوقشت وأجيزت بتاريخ 26/ 7/ 1998م.
ويقتضي مني واجب الوفاء لأهل الفضل تجديد العرفان للمشرفين الكريمين، ولست أنسى لهما صنيعهما الجليل، فإليهما أزجي تحيتي وشكري وتقديري، ولكل الأساتذة الأجلاء المناقشين مني مزيد الشكر والامتنان.
.




























فهرس المحتـويـات

الموضوع 000000 الصفحة

المقدمة ………………………………………………… 17
الباب الأول: "ظهور الخوارج وتحديد أهم آرائهم وفرقهم" 23-187
تحليل المصادر والمراجع التاريخية ……………………………… 25
أولاً: المصادر الأصيلة …..………………………………… 25
أ- مصادر الخوارج والمنسوبين إليهم ….………………….. 6
ب- المصادر السنية والشيعية ……………….…………. 40
جـ- كتب المقالات والفرق .………..……….………. 48
ثانياً: المراجع الحديثة ….………………………….……… 56
تمهيد: نبذة عن الأحداث التاريخية قبل صفين ……….……….… 61
الفصل الأول: أهل النهروان .....…….…………...... 65-137
المبحث الأول: السياق التاريخي لانحيازهم إلى النهروان …..…….. 67
المبحث الثاني: الصحابة من أهل النهروان ..…………….…… 75
المبحث الثالث: حجج أهل النهروان في اعتزال الإمام علي……..… 87
مناظرة عبدالله بن عباس لأهل حروراء …………………. 87
المطارحات حول مسألة التحكيم ………………..…….. 94
أولاً: آية قتال البغاة …………..……..……………… 94
ثانياً: محو اسم الإمارة ……………..………………… 102
مناقشة الإمام علي لأهل حروراء ………………..…….. 105
المبحث الرابع: نسبة الاستعراض والتكفير إلى أهل النهروان …….. 121
أولاً: الاستعراض …………..……………………… 121
حادثة مقتل عبدالله بن خباب .………………………… 124

ثانياً: التكفير ……………………………………… 131
الفصل الثاني: الخوارج……………………………… 139-188
المبحث الأول: ظهور مصطلح الخوارج ……………………… 141
المبحث الثاني: معنى الخوارج ………………………………. 151
أ- من الناحية الصرفية ……………………………… 151
ب- من الناحية اللغوية ……………………………… 151
جـ- من الناحية الاصطلاحية .………………………… 152
المبحث الثالث: الآراء المنسوبة إلى الخوارج .………………….. 159
1- رفض التحكيم ………..………………….……. 160
2- جواز أن تكون الإمامة في غير قريش …….………… 160
3- الاستعراض ……….…………….…………….. 162
- مقتل الإمام علي بن أبي طالب .…………….………. 163
4- الخروج على الإمام الجائر ………….………….…. 175
5 – التكفير …….….…….………………………. 176
المبحث الرابع: الفرق المنسوبة إلى الخوارج ..….……………... 179
حادثة الانقسام .……………….……………….….. 179
أ- الأزارقـة ……….………………….….……… 180
ب- النجدات والنجدية ……..……….…….………. 182
جـ- الصفريـــة ..…………….……….……… 183
د- الإباضيـــة …………….…….…………….. 184
الباب الثاني: الأحاديث الواردة في الخوارج ………. 189-406
تمهيد: في سرد الأحاديث الواردة في الخوارج ...………….….. 191
الفصل الأول: حديث المروق ……………………. 193- 266
المبحث الأول: تخريج الحديث ….………………………… 195



حديث أبي سعيد سعد بن مالك الخدري …………………….. 195
حديث أنس بن مالك ….….…………………………….. 198
حديث أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري .…..……………… 199
حديث الإمام علي بن أبي طالب ….………………….…… 200
حديث عبدالله بن عمر بن الخطاب …..……………………. 201
حديث عبدالله بن عباس …….…………………………… 202
حديث جابر بن عبدالله …….……………………………. 202
حديث عبدالله بن مسعود ….…………………………….. 203
حديث أبي ذر جندب بن جنادة ورافع بن عمرو الغفاريين ……… 204
حديث سهل بن حنيف …………………………………. 205
حديث عقبة بن عامر الجهني ……………………………… 206
حديث أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي ……….…………… 206
حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث ………………….……….. 207
حديث أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي .…………………. 208
حديث طلق بن علي ….………………………………… 208
حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ………..…………….… 209
حديث أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي .……………… 210
حديث عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص ….…..…………. 211
حديث عبدالرحمن بن عديس البلوي ….….……………….. 211
حديث عامر بن واثلة ………………….……………….. 211
المبحث الثاني: دراسة أسانيد الحديث …………………..….. 213
أولاً: حديث أبي سعيد الخدري ……..…………………….. 213
ثانياً: حديث أنس بن مالك ……..……………………….. 221
حديث أنس بن مالك وأبي سعيد ………..…………… 224



ثالثاً: حديث الإمام علي بن أبي طالب ………………………. 226
رابعاً: حديث عبدالله بن عمر بن الخطاب …………………… 231
خامساً: حديث عبدالله بن عباس ………………………….. 232
سادساً: حديث جابر بن عبدالله …………………………… 232
سابعاً: حديث عبدالله بن مسعود ………………………….. 237
ثامناً: حديث أبي ذر ورافع بن عمرو الغفاريين ……………… 239
تاسعاً: حديث سهل بن حنيف …..………………………. 240
عاشراً: حديث عقبة بن عامر الجهني ………………………. 240
حادي عشر: حديث أبي برزة الأسلمي …………………….. 240
ثاني عشر: حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث ………………… 241
ثالث عشر: حديث أبي أمامة الباهلي ………………………. 242
رابع عشر: حديث طلق بن علي ..……………………….. 244
خامس عشر: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص …...………. 245
سادس عشر: حديث أبي هريرة ….……….………………. 245
سابع عشر: حديث عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص .………. 246
ثامن عشر: حديث عبدالرحمن بن عديس البلوي ……….…….. 246
تاسع عشر: حديث عامر بن واثلة ….…….………………. 247
المبحث الثالث: دراسة متن الحديث …….……………….… 249
غريب الحديث ……..….……………………………… 249
التحليل …….…………………………….…………. 250
الأمر الأول: كم مرة وقعت الحادثة ……..………….……. 251
الأمر الثاني: الرجل الذي اعترض على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم …….….…….. 253
الأمر الثالث: الطالب لقتل ذي الخويصرة ……….…….….. 256




الأمر الرابع: المقصودون بحديث المروق ..………………….. 256
توجيهات الحديث .…………………………………….. 259
الفصل الثاني: حديث المخدَّج .….………………… 267-316
المبحث الأول: تخريج الحديث ……………………….…… 269
أولاً: حديث أبي سعيد الخدري ….……………………….. 269
ثانياً: حديث جابر بن عبدالله ……..….…………………. 271
ثالثاً: حديث الإمام علي بن أبي طالب …..…..……………. 272
المبحث الثاني: دراسة أسانيد الحديث ..……..…………….. 283
أولاً: حديث أبي سعيد الخدري …….………………….... 283
ثانياً: حديث جابر بن عبدالله …….………………………. 288
ثالثاً: حديث الإمام علي بن أبي طالب ..…….…………….. 288
المبحث الثالث: دراسة متن الحديث …………………..….. 301
غريب الحديث …..…………………………………… 301
التحليـــل …..……..……………………………. 301
شخصية المُخدَّج ……..….…………………………… 301
علاقة الحديث بأهل النهروان ..………..……………….. 304
الفصل الثالث: حديث شيطان الردهة …………… 317-326
المبحث الأول: تخريج الحديث …………………………... 319
المبحث الثاني: دراسة أسانيد الحديث ……………………… 321
المبحث الثالث: دراسة متن الحديث ………………………. 325
غريب الحديث .………………………………………… 325
التحليل …………………………………………..… 325
الفصل الرابع: حديث المتعبد الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله …… 327-345



المبحث الأول: تخريج الحديث ……..……………………. 329
أولاً: حديث أنس بن مالك …..………………………… 329
ثانياً: حديث جابر بن عبدالله …………………………… 330
ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري …………………………. 330
رابعاً: حديث أبي بكرة ………………………………… 330
المبحث الثاني: دراسة أسانيد الحديث ….…………………. 333
أولاً: حديث أنس بن مالك …………………………….. 333
ثانياً: حديث جابر بن عبدالله …….……………………… 335
ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري ………………………….. 336
رابعاً: حديث أبي بكرة …...……………………………. 337
المبحث الثالث: دراسة متن الحديث ……………………… 339
غريب الحديث …….………………………………… 339
التحليل …………………………………………….. 339
الفصل الخامس: حديث الإمام علي: "لقد علمت عائشة بنت
أبي بكر أن أهل النهروان ملعونون على
لسان محمد صلى الله عليه وسلم" … 347- 355
المبحث الأول: تخريج الحديث ………………………….. 349
المبحث الثاني: دراسة أسانيد الحديث ………….…………. 351
المبحث الثالث: دراسة متن الحديث ……………………… 353
الفصل السادس: حديث الإمام علي: "أمرت بقتال
الناكثين والقاسطين والمارقين" ……. 357-381
المبحث الأول: تخريج الحديث ..………………………… 359
أولاً: حديث الإمام علي بن أبي طالب ..………………….. 359
ثانياً: حديث أبي أيوب الأنصاري …………………..……. 359


ثالثاً: حديث عبدالله بن مسعود .………………………….. 361
رابعاً: حديث أبي سعيد الخدري …………………………… 363
المبحث الثاني: دراسة أسانيد الحديث ………………………. 365
أولاً: حديث الإمام علي بن أبي طالب ……………………… 365
ثانياً: حديث أبي أيوب الأنصاري …..…………………….. 370
ثالثاً: حديث عبدالله بن مسعود ……………………..……. 373
رابعاً: حديث أبي سعيد الخدري …………………………… 357
المبحث الثالث: دراسة متن الحديث ……..………………… 377
غريب الحديث ……….………………………………… 377
التحليل ………………………………………………. 378
الفصل السابع: حديث "تمرق مارقة عند فرقة من
المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق" … 383-393
المبحث الأول: تخريج الحديث ….…….…………………. 385
المبحث الثاني: دراسة أسانيد الحديث .…….………………. 387
المبحث الثالث: دراسة متن الحديث …………………….… 391
الفصل الثامن: حديث "الخوارج كلاب النار" …….. 395-406
المبحث الأول: تخريج الحديث ….………………………… 397
أولاً: حديث أبي أمامة الباهلي ……………………….….. 397
ثانياً: حديث عبدالله بن أبي أوفى …….….……………….. 398
المبحث الثاني: دراسة أسانيد الحديث ……………….…… 399
أولاً: حديث أبي أمامة الباهلي ………..….…………….. 399
ثانياً: حديث عبدالله بن أبي أوفى ……………….………… 401
المبحث الثالث: دراسة متن الحديث ……….…………….. 403
خاتمة الكتاب ……….……………….………………… 409




قائمة المصادر والمراجع …………………………… 415
ملخص باللغة الإنجليزية …………………………. 447
. . المقدمة
أفضل ما خط اليراع، وأحسن ما مر على الأسماع، بعد كلام الله تعالى، تسبيحه والثناء عليه جل جلاله، فاللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وصل اللهم وسلم على صفوتك من عبادك وخيرتك من خلقك سيدنا محمد الهادي من العمى والمنقذ من الضلالة، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله سبحانه قد شاء لهذه الأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس، واقتضت حكمته جل وعلا أن تتباين فيها الوجهات وتختلف فيها المنازع وتتعدد الآراء، رغم وحدة المصدر الذي ينهل منه جميع أفرادها، فكان تبعاً لهذا ظهور المذاهب المتعددة والفرق المختلفة التي تحتمي بحمى هذه الشريعة الكريمة.
ومن أقدم التيارات التي برزت على ساحة المجتمع الإسلامي الفرقة المسماة بالخوارج التي كان لها أثر كبير في الحركة السياسية في القرن الهجري الأول.
وموضوع الخوارج موضوع شائق شائك. وعلى الرغم من الكتابات الكثيرة فيه بأشكال مختلفة فإنه بقي ذا حاجة إلى بحث يشمل الدراسة التاريخية والحديثية معاً. وحسبما يظهر فإن تناول كل جانب على حدة يوهن العمل فيه، وهذا جلي في الكتابات التي أعطت لبعض النصوص أهمية لا يمكن المساس بها فعصفت ببعض النتائج التي لا تتلاءم معها، مع أن ثبوت تلك النصوص يعوزه البحث الموضوعي المعمق.
وتنبع أهمية موضوع الرسالة من أنها تعالج الصلة بين الفئة التي أطلق عليها في التاريخ اسم الخوارج وبين ما رددته كتب التاريخ والفرق وغيرها من الأمور المنسوبة إليهم والأحكام الصادرة فيهم من قبل الفئات الإسلامية الأخرى، وذلك من خلال دراسة مصداقية الدعوى المبنية على أن تلك الأحكام إنما هي نص شرعي جرى على لسان الرسول الكريم .

أسباب اختيار الموضوع:
يمكن إجمالها فيما يلي:
1- اعتبار بعض المذاهب فرقة الخوارج مارقة من الدين بدعوى أنها أنبأ عنها النبي صلى الله عليه وسلم ، رغم استمساكهم الشديد بأحكام الدين، مما يستدعي وقفة متأنية.
3- استناد كثير من المذاهب في إصدار الحكم على الخوارج على نصوص نبوية تستدعي - بناءً على المعطيات التاريخية والقواعد الحديثية - إعادة النظر الفاحص في أسانيدها ومتونها.
2- القسوة من الطوائف الإسلامية على أهل النهروان الذين اعتزلوا الإمام علي ابن أبي طالب بعد معركة صفين - والذين يراهم مخالفوهم أصلاً لمن سموا بالخوارج- ووصفهم بالبلادة والبداوة والفهم الظاهر للنصوص دون التعمق في معانيها، مع ثبوت وجود أهل الرأي فيهم، وقوة موقفهم في الانفصال.
هذا، والناظر في موقف أهل النهروان من التحكيم يتجلى له بوضوح أن هذه الفئة لم تنل قضيتها دراسة محايدة معروضة على نصوص الشرع. وهذه المسألة هي التي أثارت لديَّ الرغبة في محاولة الكشف عن حقيقة هؤلاء القوم.
أدبيات الدراسة:
لم يكتب في هذا الموضوع - حسب علمي- دراسة مستقلة وافية تلم به من جميع الجوانب وتعرض لمختلف وجهات النظر. وكل ما يوجد أشتات مبثوثة في كتب الحديث وشروحها، اللهم إلا كتاب "البداية والنهاية" لابن كثير فقد جمع فيه أغلب الأحاديث والروايات في هذا الموضوع، وكتاب "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني فقد توسع في ذكر تلك الأحاديث وبيان أحكامها. غير أن كثيراً من الأحاديث الواردة في الخوارج لا يلتفت عند إعطائها حكمها من الصحة والضعف إلى الحقائق التاريخية الثابتة ولا إلى دراسة موقف الخوارج والمنسوبين إليهم دراسةً محايدةً.
المنهجية:
أ- تعتمد هذه الدراسة على منهج استقرائي استردادي مقارن:
- حيث ترمي الدراسة إلى تتبع كل ما ورد في الخوارج من روايات وأقوال العلماء في أسانيدها وتوجيهاتهم لمتونها.
- كما سيكون للمؤلفات ذات التوجه التاريخي والكتب التي عنيت بالمقالات بروز واضح لتغطية جوانب مهمة في الموضوع.
- وللمقارنة بين كتب المذاهب المتعددة سواء منها كتب الحديث والرجال والفرق دور بارز في إغناء هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.
ب- ما يتعلق بإثبات الحوادث التاريخية يكون الاعتماد على القرائن لا على دراسة أسانيدها، كأن تتفق كل المصادر على حادثة ما. وأما الأحاديث النبوية فلا يقبل فيها إلا صحة السند في المقام الأول ثم خلو المتن من الشذوذ والعلة.
جـ- ما يختص بالرواة إن ذكرت كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في "التقريب" دون تعقّب فهو تسليم مني له، أو لأني لا أملك ما يُدْفَع به حكمه على ذلك الراوي.
د - ما يتعلق باقتباس النصوص يكون بين علامتي التنصيص " …"، وإذا كان في النص المقتبس ما يحتاج إلى توضيح فيوضع الكلام المضاف ضمن قوسين ( …).
هـ- تبتدئ الدراسة في الباب الأول بتحليل المصادر والمراجع ذات العلاقة بالقسم التاريخي، ثم بــتمهيد سريع عن الأحداث التاريخية قبل معركة صفين، ثم كان الفصل الأول عن أهل النهروان فبحث القضايا المهمة ذات العلاقة بهم؛ المبحث الأول في العرض التاريخي لأحداث اعتزالهم إلى النهروان، والمبحث الثاني في ذكر الصحابة الذين ورد أنهم كانوا ضمن معارضي التحكيم، والمبحث الثالث في بيان موقف معارضي التحكيم منه وتبيين كثير من المغالطات فيه. أما المبحث الرابع فيبحث في أهم قضيتين نسبتا إلى أهل النهروان، وهما التكفير والاستعراض، ومحاولة معرفة وجه الصحة في هذه النسبة من خلال الروايات التاريخية وغيرها.
أما الفصل الثاني فإنه منصبّ على الخوارج، حيث تناول المبحث الأول متى ظهر مصطلح الخوارج، والمبحث الثاني عبارة عن محاولة لتحديد معنى ثابت لهذا المصطلح، وشمل المبحث الثالث عرضاً لأشهر الآراء المنسوبة إلى المجموعة المسماة تاريخياً بالخوارج، مع بعض التفصيل في الجوانب التي تستدعي مقارنة لمعرفة صحة تلك النسبة من جانب ومعرفة اختصاصهم بها من جانب آخر، وشمل المبحث الرابع بيان الفرق الكبرى المشهورة التي تحسب على الخوارج وبيان حقيقة انتمائها إليهم، مع إغفال الفرق الأخرى التي يصعب الاطمئنان إلى وجودها لأسباب يأتي ذكرها.
أما الباب الثاني فإنه اختص بالدراسة لكل النصوص المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم الواردة في الخوارج، سواء النصوص الصريحة أوالنصوص المؤولة فيهم.
وقد اجتمع من تلك النصوص ثمانية، خصصت الدراسة لكل واحد منها فصلاً في ثلاثة مباحث؛ الأول في تخريج الحديث، والثاني في دراسة أسانيده، والثالث في دراسة المتن.
هذا، ولعل القيام بهذه الدراسة سيصل بين خصوم طالت بينهم الشحناء، وسيسد ثغرة في جدار الأمة المتصدع، وغير بعيد أن تكون بداية لدراسة أحاديث الفرق.
وأسأل الله سبحانه وتعـالى التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
. .





الباب الأول:




ظهور الخـوارج وتحديد أهم آرائهم وفرقهم
.

تحليل المصادر والمراجع التاريخية
أولاً: المصادر الأصيلة:
تزخر المكتبة العربية الإسلامية بعدد جم من المؤلفات التاريخية القديمة منها والحديثة. وقد حظي موضوع الرسالة بعناية كثير من الرواة والمؤرخين. وليس كل ما دونوه وصل إلينا، بل ثم كثير مفقود؛ غير أن كثيراً من ذلك المفقود نقله عنهم غيرهم من المؤرخين. ويمكن تقسيم مصادر هذا القسم إلى مصادر خارجية وغير خارجية، وذلك باعتبار مصادر الخوارج في هذا المجال قسيماً مشتركاً لكل من المصادر السنية والشيعية.
أ- مصادر الخوارج والمنسوبين إليهم:
شارك الذين سموا بالخوارج غيرهم في نقل الأحداث الأولى من التاريخ الإسلامي لاسيما المتعلقة منها بأحداث الفتنة والحروب الأولى. ونلحظ ذلك عند بعض المؤلفين الذين جمعوا الروايات المختلفة في تلك الوقائع؛ إذ نجد ابن كثير ينقل عن الهيثم بن عدي قوله: "فحدثني محمد بن المنتشر الهمداني عمن شهد صفين وعن ناس من رؤوس الخوارج ممن لا يتهم على كذب…"<ح><ح>(1). كما نجد المبرد يقول: "ذكر أهل العلم من الصفرية…"<ح><ح>(2)، ويقول أيضاً: "وتروي الشراة…"<ح><ح>(3). ويذكر الطبري أحياناً نادرة بعض رواياتهم، كنقله عن الخوارج أن عليًّا بايع أهل حروراء وأنه قال لهم: "ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال ويسمن الكراع ثم نخرج إلى عدونا"<ح><ح>(4). كما يورد الأشعري عنهم بعض الروايات، وذلك مثل الخبر الذي يورده من طريقهم أن عبدالله بن وهب وأصحابه كانوا كارهين لمقتل عبدالله بن خباب<ح><ح>(5).<ح><ح><ح><ح><ح>
<ح>(1) ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص274.
<ح>(2) المبرد (الكامل) جـ3 ص1077.
<ح>(3) المصدر السابق ص1181. ومصطلح الشراة يستعمل رديفاً لمصطلح الخوارج لقولهم: "شرينا أنفسنا في طاعة الله" أي بعناها. انظر: الأشعري (المقالات) جـ1 ص 206-207.
<ح>(4) الطبري (التاريخ) جـ3 ص110.
<ح>(5) الأشعري (المقالات) جـ1 ص210.<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ15 ص317/ أحمد بن حنبل (المسند) جـ3 ص‏ص485،486/ المنقري (صفين) ص497/ اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص190/ المسعودي (المروج) جـ2 ص405.
(2) ابن سعد (الطبقات) جـ3 ص32/ ابن غيلان (السير) ورقة 159ظ (مخطوط)/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص114/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص108/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص322/ الشماخي (السير) جـ1 ص48.
(3) ابن خياط (التاريخ) ص115/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 114، 126، 127، 129/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1130/ اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص191/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص108/ المسعودي (المروج) جـ2 ص405/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ5 ص124/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص 326، 327/ الذهبي (التاريخ) عهد الخلفاء الرشدين ص554/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص279/ البرّادي (الجـواهر) ص113/الشماخي (السير) جـ1 ص48. والروايات مختلفة في تحديد كم ألفاً كان عددهم على النحو التالي: 5، 6، 8، 12، 16، 20، 24 وأكثرها على الاثني عشر ألفاً.
(4) حروراء: قرية من قرى الكوفة، بينهما نصف فرسخ: الحموي (معجـم البلدان) جـ2 ص283/ الحميري (الروض المعطار) ص190.
(5) شبث بن ربعي التميمي اليربوعي أبو عبد القدوس الكوفي، كان مؤذن سجـاح ثمّ أسلم وكان من أصحاب علي ثمّ أنكر التحكيم ثمّ رجـع عنهم ثمّ حضر قتل الحسين وكان ممن قاتل المختار: ابن حجر (الإصابة) جـ3 ص376 رقم 3959، (التهذيب) جـ4 ص276 رقم2829.

وهذا يدل على أن للخوارج ومن نسب إليهم روايات خاصة بهم، وعلى الرغم من أن الروايات الواردة عنهم تعد قليلة جداًّ في مقابل روايات غيرهم، إلا أن ورودها مؤشر لروايات أخرى غيرها.
ويمكن أن تعزى ندرة ما وصلنا من الروايات إلى موقف ناقليها منهم، فإن الطبري مثلاً بعد أن نقل الرواية السابقة عنهم قال: "ولسنا نأخذ بقولهم وقد كذبوا"<ح>(1)، وتبعه على ذلك ابن الأثير<ح>(2). ولذا يقول ابن النديم عند الحديث على مؤلفات فقهاء الشراة: "هؤلاء القوم كتبهم مستورة قلما وقعت لأن العالم تشنؤهم وتتبعهم بالمكاره"<ح>(3)، يقول د. محمود إسماعيل: "ومن الطبيعي ألا نقف على روايات معاصرة تحمل وجهة نظر الخوراج رغم وفرة ما صنفوه من تواليف حوت عقائدهم وسيرهم وأخبارهم وطبقات مشاهيرهم، وهو ما ذكره ابن النديم في الفهرست، فقد أبيدت كتب الخوارج وأحرقت على أيدي أعدائهم"<ح>(4)، كالذي فعله محمد بن بور<ح>(5) القائد العباسي حين استولى على عمان موطن الإباضية - وهم ممن ينسبون إلى الخوارج - وأحرق الكتب فيها، وذلك سنة 280 للهجرة<ح><ح>(1)/ 893 للميلاد، ومثل ما فعله أبو عبدالله الشيعي<ح><ح>(2) عندما أحرق<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الطبري (التاريخ) جـ3 ص110.
(2) ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص329.
(3) ابن النديم (الفهرست) ص291.
(4) إسماعيل (قضايا في التاريخ) ص45.
(5) هكذا تسميه كتب التاريخ العماني. وسماه الطبري محمد بن ثور (هكذا اسمه في خمس طبعات) وذكر أنه افتتح (على حد تعبيره) عُمان في سنة 280هـ قال: "وبعث (أي ابن ثور) برؤوس جـماعة من أهلها". انظر: الطبري (التاريخ) جـ5 ص280، وتبعه على ذلك ابن الأثير: (الكامل) جـ7 ص464.وذكره المسعودي باسم أحمد بن ثور، وذكر قتاله الإباضية في عمان قال: "وكانت له عليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وحمل كثيراً من رؤوسهم إلى بغداد فنصبت بالجـسر": (مروج الذهب) جـ4 ص244.
<ح>(1) السالمي (تحفة الأعيان) جـ1 ص 261، 262.
<ح>(2) هو الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا المعروف بالشيعي ويلقب بالمعلم، ممهد الدولة للعبيديين وناشر دعوتهم في المغرب، من أهل صنعاء، اتصل في صباه بمحمد الحبيب أبي المهدي عبيدالله الفاطمي، ورحل إلى المغرب فدعا إلى بيعة المهدي، فلما تم الأمر للمهدي بمبايعته والقضاء على دولة الأغالبة بالقيروان قتل أبا عبدالله عام 298هـ/911م. انظر: ابن الأثير (الكامل) جـ8 ص 36-52/ الزركلي (الأعلام) جـ2 ص230.<ح><ح>
(1) عبدالله بن الكواء اليشكري: رجـع عن أهل حروراء وعاود صحبة علي. ولم أقف على تاريخ لوفاته، وله ذكر في حوادث عام 44 للهجـرة: ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص440/ ابن حجـر (لسان الميزان) جـ4 ص ص102، 103 رقم 4766.
(2) ابن غيلان (السير) ورقة 159ظ (مخطوط)/ ابن خياط (التاريخ) ص115/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص= =ص122، 127، 133/ اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص191/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص110/ المسعودي(المروج) جـ2 ص405/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ5 ص126/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص328/ البرّادي (الجـواهر) ص122/ الشماخي (السير) جـ1 ص49. أغلب المؤلفات المودعة في مكتبة المعصومة في مدينة تيهرت<ح>(1) التابعة للدولة الرستمية الإباضية، وذلك في عام 296 للهجرة/ 909 للميلاد<ح>(2).
هذا وقد ذكر ابن النديم لأبي بكر محمد بن عبدالله البرذعي الذي "كان خارجياً" وقال بأنه رآه في سنة أربعين وثلاثمائة للهجرة ذكر له كتاب "الأذكار والتحكيم"<ح>(3)، كما أورد لأبي القاسم الحديثي "وكان من أكابر الشراة وفقهائهم" كتاب "التحكيم في الله جل اسمه"<ح>(4).
ولم أجد في الفرق المنسوبة إلى الخوارج - عدا الإباضية - مؤلفين في موضوع الرسالة بلغنا شيء من تصانيفهم أو مما اقتبس منها إلا أبا عبيدة معمر بن المثنى اللغوي المعروف (ت 211هـ / 826م) الذي قيل عنه بأنه "كان يرى رأي الخوارج" <ح>(5)، ونسبه الأشعري إلى الصفرية <ح>(6)، على أن الزركلي قد عده من الإباضية أيضاً<ح>(7).
ولأبي عبيدة معمر كتاب "خوارج البحرين واليمامة"<ح><ح>(1)، وهو مفقود، غير أن كثيراً منه حفظه البلاذري فيما رواه عنه في "أنساب الأشراف". ويظهر أن كتاب أبي عبيدة هذا لا يتناول أخبار النهروان، وأنه خصه لما بعد ذلك من الأحداث، وهو واضح من العنوان. ولعل مصنفه الثاني "كتاب الجمل وصفين"<ح><ح>(2) قد تطرق إلى هذا الموضوع كما هو صنيع عدد من المؤرخين، إذ يضمون ما يتعلق بالنهروان إلى الأحداث التابعة لصفين. <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) تيهرت أو تاهرت:في القديم اسم لمدينتين متقابلتين في المغرب الأوسط، إحداهما تاهرت القديمة، والأخرى تاهرت المحدثة: الحموي (معجـم البلدان)جـ2 ص 8-10، 81/ الحميري (الروض المعطار) ص126،127.وموقع تيهرت الآن في الجزائر.
(2) الدرجيني (الطبقات) جـ2 ص358.
(3) ابن النديم (الفهرست) ص292.
(4) المصدر السابق ص292.
(5) الجاحظ (البيان والتبيين) جـ1 ص347/ ابن قتيبة (المعارف) ص543.
(6) الأشعري (المقالات) جـ1 ص198.
(7) الزركلي (الأعلام) جـ7 ص272.
<ح>(1) حاجي خليفة (كشف الظنون) جـ1 ص725.
<ح>(2) البغدادي، إسماعيل (هدية العارفين) جـ6 ص466.<ح><ح>
(1) ابن غيلان (السير) ورقة160ب (مخطوط)/ أبو المؤثر (السير) جـ2 ص304/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص123، 129، 130/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1130/ الطبري (التاريخ) ص110/ أبو قحطان (السير) جـ1 ص105، 106/ المسعودي (المروج) جـ2 ص405/ البرّادي (الجـواهر) ص125/ الشماخي (السير) جـ1 ص49،50. وينفرد اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص191 بالقول بأن علياً طلب منهم دخول الكوفة ليتناظروا ففعلوا.
(2) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص130/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1130/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص114/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص126/ البرّادي (الجـواهر) ص125.
- ولعل أقدم مؤلف إباضي في هذا الموضوع كتاب سالم بن عطية (أو الحطيئة) الهلالي<ح>(1)، وهو من علماء الإباضية، عده الدرجيني من الخمسين الثانية من القرن الهجري الأول<ح>(2)، وكان من وفد الإباضية على عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد<ح>(3). أما كتابه فقد ذكره البرّادي<ح>(4)، وقال عنه: "كتاب سالم بن عطية ( الحطيئة) الهلالي في العقائد والنقض والاحتجاج"<ح>(5)، ونقل عنه أحياناً غير قليلة<ح>(6). ومن خلال كلام البرّادي يتبين أنه ليس كتاب رواية إنما هو كتاب حِجاج، وهذا ظاهر من قول سالم بن عطية فيما نقله عنه البرّادي: "فزعمت هذه الخوارج الملعونة..."<ح>(7)، ولكنه يسرد أحياناً بعض الروايات في سياق الاحتجاج على القضايا التي يدافع عنها، ومن بينها التحكيم<ح>(8).
- ومن مصادر الإباضية الأولى كتاب يتحدث عن أحداث الفتنة كلها، ذكره البرّادي ضمن المؤلفات الإباضية باسم "صفة أحداث عثمان" قال: "رأيته ولم أعرف مؤلفه"<ح>(9). وهو مفقود، لكن ثمة مختصَر له شملته بعض مخطوطات السير الإباضية -وسيأتي الحديث عنها- نص عنوانه: "هذا مختصر من كتاب فيه صفة أحداث عثمان بن عفان وما نقم المسلمون عليه ومبايعة الناس علي بن أبي طالب من بعده والذي كان من حرب علي <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) روى أبو العرب التميمي في كتابه "المحن" ص 266 قال: وحدثني عبدالله بن الوليد، عن خالد بن خِداش بن عجلان، قال: حدثنا سالم بن عمير قال: صلى سالم الهلالي على جنازة، ثم جلس في ظل قصر أو قبر فقال لأصحابه: ألا كل ميتة على الفراش فهي ظنون، ثم قال: هل تدرون ما حال أختكم البلجاء؟ قالوا: وما كان من حالها؟ قال: قطع ابن زياد يديها ورجليها وسمل عينيها فما قالت:حَس، فقيل لها ذلك، فقالت: شغلني هول المطلع عن ألم حديدكم هذا. والظاهر أن سالماً الهلالي هذا هو سالم بن عطية الهلالي الإباضي المذكور أعلاه.
(2) الدرجيني (الطبقات) جـ1 ص7.
(3) الدرجيني (الطبقات) جـ2 ص232/ الشماخي (السير) جـ1 ص75.
(4) البرّادي (الجـواهر) ص219، (رسالة في كتب الإباضية) ص54.
(5) البرّادي (رسالة في كتب الإباضية) ص54.
(6) انظر مثلاً: البرّادي (الجـواهر) ص: 52، 53، 102، 103، 142.
(7) البرّادي (الجـواهر) ص52.
(8) المصدر السابق ص142.
(9) البرّادي (رسالة في كتب الإباضية) ص53. التي جرت بينه وبين عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير ومعاوية بن أبي سفيان ومفارقة الخوارج لعلي بن أبي طالب"<ح>(1)، والمختصِر مجهول أيضاً. ومن خلال عنوان هذا المختصر يتبين أن أصل الكتاب يشمل ما يتصل بصفين والتحكيم والنهروان، غير أن الوارد المتبقي من المختصر لا يتعدى مقتل عثمان كما يبدو لأول وهلة. ولكنَّ ذِكْرَ ما يتعلق بالنهروان إثر هذا الكتاب – في بعض المخطوطات<ح>(2)- دونما تعلقه بسيرة أخرى أو بكتاب غيره يدل على أن ما يختص بالنهروان هو من هذا الكتاب أيضاً، وذلك هو الأوفق بعنوانه، غير أن طابع الاختصار الذي ينقل من حدث إلى آخر بصورة غير منسجمة هو الذي يجعل ما يسبق إلى الذهن عدم وجود الترابط الذي يفترض أن يكون صبغة للكتاب الأصلي.
وقد احتفظ هذا الاختصار بطابع الكتاب الأصلي الذي يمتاز بالرواية المسندة. ويتضح من تتبع سنوات وفيات الذين روى عنهم المؤلف أنه قديم، إذ تتراوح تلك السنوات ما بين عامي <ح>(8) و<ح>(9) من الهجرة، وهذا يعني أنه قضى نحو شطر حياته في النصف الأول من المائة الهجرية الثانية.
- ومن المصادر الأولية كتاب أو روايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي المخزومي، من كبار أئمة الإباضية، توفي في أواخر القرن الثاني الهجري كما استظهر صاحب كتاب "إتحاف الأعيان"<ح>(3). أما كتابه فقد اعتمد عليه الدرجيني كثيراً، وذكره البرّادي<ح>(4) وقال عنه: "يشتمل على الأخبار والفقه والكلام والعقائد"<ح>(5)، ونقل عنه قليلاً<ح>(6)، كما نقل عنه الشماخي أيضاً<ح>(7). وواضح من أخذ الدرجيني والشماخي عنه فيما يتعلق بما بعد النهروان أن الكتاب لم يعتنِ بالنهروان وما قبلها من الأحداث <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) مجـهول (السير) ورقة 52ب- ورقة 56ظ (مخطوط).
(2) مجـهول (السير) ورقة 13 ب (مخطوط – نسخة الجامعة)..
(3) البطّاشي (إتحاف الأعيان) جـ1 ص165، 166.
(4) البرّادي (الجـواهر) ص218 ، (رسالة في كتب الإباضية) ص56.
(5) البرّادي (رسالة في كتب الإباضية) ص56.
(6) البرّادي (الجـواهر) ص145.
(7) انظر مثلاً: الشماخي (السير) جـ1 ص 64، 65.
(8) الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص50 / شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص245.
(9) ابن حزم (الفصل) جـ5 ص51. والحروب.ومما أورده أخبار أبي بلال مرداس بن أدية التميمي<ح>(1). ولعله أفرده لأخبار الإباضية منذ زمن أبي بلال وجابر بن زيد ومن بعدهم. والكتاب مفقود، غير أن أغلبه - كما يبدو- محفوظ في كتابي الدرجيني والشماخي، وفيما ضمه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570هـ/ 1175م) إلى مسند الإمام الربيع بن حبيب من الأحاديث المرفوعة إلى النبي التي رواها أبو سفيان بأسانيده<ح>(2).
- ومن أقدم مؤلفات الإباضية فيما يتعلق بموضوع الرسالة التاريخي كتاب "أخبار صفين وأخبار أهل النهر وقتلهم" لمؤلف مجهول. ذكره البرّادي بهذا الاسم ضمن مؤلفات الإباضية وقال عنه: "أكثر آثاره عن عبدالله بن يزيد الفزاري، رأيته ولم أعرف مؤلفه"<ح>(1). وأغلب الظن أن المؤلف هو الفزاري نفسه، لأنه صاحب تأليف وليس براوية، وهو من كبار علماء فرقة النّكَّار المنشقة عن الإباضية، ذكر ابن النديم أنه من أكابر الخوارج ومتكلميهم<ح>(2)، وقال ابن حزم: "وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبدالله بن يزيد الإباضي الفزاري الكوفي"<ح>(3)، وذكره ابن سلام الإباضي<ح>(4) المتوفى بعد عام 273 للهجرة بسنوات قليلة، كما ذكره الدرجيني في الطبقات<ح>(5). وأما قول البرّادي: "ولم أعرف مؤلفه" فربما لم تكن النسخة التي وقعت له معنونة باسم المؤلف، وزاد الأمر إبهاماً ما فيه من العبارات مثل:"حدثنا عبدالله بن يزيد"، الأمر الذي يوهم أنه أحد الرواة لا غير. ولكن هذا لا يعني بالضرورة ألا يكون هو مؤلف الكتاب، كما لا ينفي ذلك عدم ذكر ابن النديم هذا الكتاب مع مؤلفات الفزاري، بل على العكس، فإن كثرة مؤلفاته <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) البرّادي (رسالة في كتب الإباضية) ص 53، 54.
(2) ابن النديم (الفهرست) ص227.
(3) ابن حزم (الفصل) جـ2 ص266.
(4) ابن سلام (بدء الإسلام) ص72.
(5) الدرجيني (الطبقات) جـ1 ص 24، 249.<ح><ح>
(1) ابن حجر (الإصابة) جـ4 ص282.
(2) المصدر السابق جـ1 ص2. ترجح أنه مكثر من التأليف، كما أن تنوعها إلى مثل:"الرد على الروافض"<ح>(1) و"الرد على المعتزلة"<ح>(2) يقوي أن يكون تناول القضايا الأساسية في افتراق الأمة التي منشؤها الفتنة وما تلاها من حروب. إضافة إلى ذلك فـإن ابتداء الرواية بـ"حدثنا" تعني رواية الكتاب، أي أن هذا قول راوي الكتاب الذي نقله عن مؤلفه، وهذا واضح جداً في كثير من الكتب التي رويت بأسانيدها إلى مؤلفيها. ومما تقدم فلا مانـع من أن يكون عبدالله بن يزيد الفزاري هو مؤلف كتاب النهروان، وهذا ما يفهم من كلام الدكتور عمار الطالبي<ح>(3).
هذا، وقد عاش عبدالله بن يزيد الفزاري الكوفي في القرن الثاني الهجري، وبالتحديد في أواخره كما يظهر من قوله: "إنما غلبنا أصحاب الربيع باتباع الآثار"<ح>(4)، والربيع هو ابن حبيب الإمام الإباضي المعروف، وقد توفي بين عامي 175و180للهجرة<ح>(5)/791-796م، وعليه فيكون عبدالله بن يزيد الفزاري قد عاصر تلامذة الإمام الربيع، وتكون وفاته في أواخر القرن الثاني أو أوائل الثالث الهجري، ولذا جعله الدكتور النامي من علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين<ح>(6).
أما الكتاب فيبدو أنه حافل بأخبار الجمل وصفين والنهروان، يقول الشماخي: "وحديث الجمل والدار<ح>(7) كثير، ومن أراد بسطه فعليه بحديث المسلمين يوم الدار والجمل من الكتاب المسمى بالنهروان وغيره من الكتب المبسوطة"<ح>(8)، وقال عند ذكره بعض أهل النهروان من الصحابة والتابعين: "ومن أراد معرفة أسمائهم فعليه بالنهروان وغيره من <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن سلام (بدء الإسلام) ص72/ ابن النديم (الفهرست) ص227.
(2) ابن النديم (الفهرست) ص 227.
(3) أبو عمار (الموجـز) جـ2 ص283 حاشية د. عمار الطالبي هامش رقم (7).
(4) القنّوبي (الإمام الربيع) ص19.
(5) الدرجيني (الطبقات) جـ2 ص477.
(6) Ennami, amr (Studies in Ibadhism) P. 154
(7) حديث الدار يراد به حادثة مقتل الخليفة عثمان بن عفان بعد حصاره في داره: الطبري (التاريخ) جـ2 ص664.
(8) الشماخي (السير) جـ1 ص44. الكتب"<ح>(1). ويترجح أن ما يورده البرّادي في "الجواهر المنتقاه" من أخبار صفين والنهروان بأسانيد كثير منها عن عبدالله بن يزيد الفزاري غير معزوة إلى كتاب معين إنما هو من هذا الكتاب، لاسيما ما يتفق على نقله مع الشماخي في "السير" الذي يصرح بأنه أخذه من كتاب النهروان<ح>(2). وهذا يقضي بأن الكتاب كان موجوداً إلى زمن الشماخي وهو القرن العاشر الهجري، غير أنه الآن مفقود ولا أثر له إلا النقولات الموجودة في كتابي البرّادي والشماخي التي تمثل لو أفردت كتاباً مستقلاً قد يكون هو عين كتاب النهروان.
- ولعل أقدم ما وصلنا من وثائق الإباضية هو الرسائل التي وجهها عدد من علمائهم إلى أصحابهم يشرحون فيها عدداً من قضايا المذهب الإباضي، والتي تذكر أحياناً كثيرة أحداث الفتن الأولى وإبداء الرأي فيها، وهي –كما يقول د. فاروق عمر- أشبه ما تكون بالمذكرات السياسية والعقائدية<ح>(3)، ويطلق عليها اسم "السير". وقد جمعها أبو الحسن علي بن محمد البِسْيَوي<ح>(4)(من علماء الإباضية في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري). ولعلها أضيف إليها فيما بعد سير أخرى، فإن البسيوي نفسه له بعض السير مضمومة إلى ما جمعه، كما أن لبعض العلماء الذين جاؤوا من بعده سيراً ضمت إليها أيضاً.
ومما حوت تلك السير سيرة سالم بن ذكوان، من علماء الإباضية في أواخر القرن الهجري الأول وبداية الثاني، إذ يذكر الشماخي أنه كان ممن يكاتبه جابر بن زيد<ح>(5) (ت93هـ / 711م)<ح>(6)، وإليه وجه الإمام جابر الرسالة رقم (11) ضمن رسائله الموجودة<ح>(7)، قال البدر الشماخي: "وحقه أن يذكر في طبقة أبي عبيدة"<ح>(8)، يعني أبا عبيدة <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الشماخي (السير) جـ 1ص 48 .
(2) المصدر السابق جـ 1ص44، 48، 50، 53.
(3) فاروق عمر (تاريخ الخليج) ص27.
(4) الحارثي (العقود الفضية) ص48.
(5) الشماخي (السير) جـ1 ص109.
(6) الربيع (الجـامع الصحيح) ص193.
(7) أبو الشعثاء (الرسائل) ورقة 12ب (مخطوط).
(8) الشماخي (السير) جـ1 ص109. مسلم بن أبي كريمة التميمي أخص تلاميذ جابر بن زيد، ولد حوالي عام 45هـ/ 664م<ح>(1).
أما سيرة سالم بن ذكوان فطابعها وعظي، مع الاستشهاد بالأحداث التاريخية، وفيها شيء قليل من أمور الفتنة وما تلاها من حروب وذكر بعض أحكام أهل الملل، غير أن معلوماتها ثرة فيما يخص آراء الخوارج الأزارقة والنجدات. وبناءً على هذا فمن الممكن عد هذه السيرة أقدم وأصدق وثيقة وصلتنا عن آراء الخوارج، وذلك لقرب عهد صاحبها منهم.
- ومنها رسالتا أبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي صاحب الروايات السالف ذكرها، الموجهتان إلى كل من عمان وحضرموت في شأن هارون بن اليمان. وفي كلتا الرسالتين مقتطفات متعلقة ببحث قضايا الخوارج كبيان ما أحدثه نافع بن الأزرق من الحكم على مخالفيه بالشرك وتبعه عليه نجدة بن عامر وغيره وتوضيح موقف الإباضية من ذلك.
- ومنها سيرة المُنير بن النَّيِّرالجَعْلاني التي وجهها إلى الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي (ت 207هـ/822م)<ح>(2). والمنير أحد تلامذة الإمام الربيع بن حبيب<ح>(3) المتوفى كما تقدم بين عامي 175و180 من الهجرة. وسيرته عبارة عن نصيحة منه إلى ذلك الإمام، وفيها شذرات عن بعض قضايا صفين، ويتفرد بأمر واحد وهو أن عمار بن ياسر قتل بعد رفع المصاحف وإنكاره التحكيم، وأنه قال لعلي: "اِلحق بالله قبل أن يحكم الحكمان"، وهو الأمر الذي لا يتفق مع عامة روايات غير الإباضية، إلا أن ابن كثير يورده من طريق الهيثم ابن عدي<ح>(4)،كما يعتمده صاحب كتاب "الإمامة والسياسة"<ح>(5)، ويرجحه الشماخي<ح>(6). <ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) القنّوبي (الإمام الربيع) ص26.
(2) السالمي (تحفة الأعيان) جـ1 ص126.
(3) البطّاشي (إتحاف الأعيان) جـ1 ص170.
(4) ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص274.
(5) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) (منسوب) ص 109، 110.
(6) الشماخي (السير) جـ1 ص 47، 48. ويورد المنير أيضاً بعض أخبار أبي بلال مرداس بن أدية التميمي.
- أما سيرة الشيخ هاشم بن غيلان السيجاني (من علماء أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الهجري)<ح>(1) التي وجهها إلى الإمام عبد الملك بن حميد (ت 226 هـ/840م)<ح>(2) فإنها من أفضل ما ورد في موضوع النهروان، إذ خصها مؤلفها لبيان أحداث النهروان استجابة لطلب هذا الإمام، وقد ذكر ذلك بنفسه قائلاً: "سألت عما اختلف الناس فيه من بُدُوّ إمرتهم في زمان علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان بعد أن قتل من الفريقين سبعون ألفاً وكيف كان أمر الحكمين، وإني مخبر أنّا من يعرف وجه الحق إن شاء الله فتدبر كتابنا هذا"<ح>(3).
فصّل الشيخ هاشم كيفية انحيازهم ومفارقتهم لعلي، وامتازت سيرته بمعلومات قيمة ضن بها عدد من المصادر الأخرى، كنص رسالة أهل النهروان - قبيل خروجهم من الكوفة - المبعوثة إلى إخوانهم من أهل البصرة والتي لم يشاركه في إيرادها كاملة غير أحمد ابن داود الدينوري<ح>(4) والبرّادي<ح>(5)، وأورد صاحب "الإمامة والسياسة" جزءاً منها<ح>(6)، وذكر الشيخ هاشم أنهم دفعوها إلى معبد بن عبدالله العبسي ووجهوه إلى البصرة، وهو يؤيد ما يرويه البلاذري من أنهم بعثوها مع رجل من بني عبس<ح>(7)، أما البرّادي فيسميه عبدالله بن سعيد العبسي<ح>(8)، ولا يخفى أن في الاسمين تحريفاً وعكساً، ويؤيد الثاني ما في "الأخبار الطوال" من أن اسمه عبدالله بن سعد العبسي<ح>(9). كما أورد الشيخ هاشم جواب <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) البطّاشي (إتحاف الأعيان) جـ1 ص176.
(2) السالمي (تحفة الأعيان) جـ1 ص150.
(3) ابن غيلان (السير) ورقة 159ب (مخطوط).
(4) الدينوري (الأخبار الطوال) ص155.
(5) البرّادي (الجـواهر) ص130.
(6) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) منسوب ص122.
(7) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص137.
(8) البرّادي (الجـواهر) ص130.
(9) الدينوري (الأخبار الطوال) ص155. أهل البصرة إلى أهل النهروان، وقد أورد صاحب "الإمامة والسياسة" أكثره<ح>(1).
غير أن هاشماً يذكر أن نـزولهم بالنهروان كان بعد اجتماع الحكمين، وهو أمر يخالف ما في أغلب المصادر، كما يذكر أن عبدالله بن عباس ناظرهم بالنهروان وليس في حروراء. ومع احتمال أن يكون ثمة حوار آخر جرى في النهروان إلا أن نص المناظرة الذي أورده هو ذاته الذي جرى في حروراء. ويؤكد هاشم بن غيلان أن الخلاف بين علي وابن عباس كان بسبب رأي ابن عباس في أهل النهروان المصوب لهم حسبما تفيده سيرة هاشم.
- ومنها سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي (ت 278هـ / 891م)<ح>(2)، وتتحدث عن مواضيع عدة، ومما يتعلق بهذه الرسالة احتجاجه على عدم جواز التحكيم الذي جرى بين علي ومعاوية، كما ذكر أسماء بعض أهل النهروان.
- ومن بين السير سيرة أبي قحطان خالد بن قحطان الهجاري الخروصي (من علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجري)<ح>(3)، وفيها بيان بعض أحداث صفين، وبعض آراء الخوارج. ويؤيد أبو قحطان أن قتل عمار كان بعد رفع المصاحف.
- وتشمل السير أيضاً سيرة أبي الحسن علي بن محمد البسيوي جامع السير، وقد تقدم أنه من علماء القرن الرابع الهجري. ومن المناسب تصنيفها مع كتب المقالات والفرق، إذ يذكر المؤلف نبذاً من آراء الفرق ومن بينها فرق الخوارج الأزارقة والنجدات.
- ومن بين محتويات مخطوطات السير مناظرة بين ابن عباس وأهل حروراء طويلة جداً، وقد ضمت في بعض المخطوطات إلى سيرة شبيب بن عطية العماني، من علماء الإباضية في القرن الثاني الهجري<ح>(4).والواضح أنه لا علاقة لهذه المناظرة بسيرة شبيب،فإن موضوع سيرة شبيب يعالج قضية المارقين من الدين وبيان من ينطبق عليهم وصف المروق.نعم <ح><ح><ح><ح>
(1) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) منسوب ص122.
(2) البطّاشي (إتحاف الأعيان) جـ1 ص201. ولأبي المؤثر سيرة أخرى تسمى "الأحداث والصفات" وهي غير هذه.
(3) البطّاشي (إتحاف الأعيان) جـ1 ص205.
(4) البطّاشي (إتحاف الأعيان) جـ1 ص135. عرض شبيب لأهل النهروان، لكن من غير بيان الحدث التاريخي، بل كان همه التحقق من انطباق وصف المروق عليهم أ‏م لا. على أن السياق الذي ابتدأت به أحداث المناظرة -حسبما ذكرت - منقطع الصلة بما قبله من الكلام، فأولها: "فعند ذلك أرسل علي بن أبي طالب إليهم عبدالله بن عباس" بعد جملة "والحمد لله رب العالمين" التي يبدو أنها خاتمة سيرة شبيب. ولعل المناظرة جزء من سيرة أخرى ذهب أولها فالتبست بسيرة شبيب بعد ذلك، غير أن الفصل بينهما واضح.
هذا، والذي يظهر أن هذه المناظرة هي من تمام كتاب صفة أحداث عثمان السابق ذكره، فإنها ذكرت بعد مقتل الخليفة عثمان الذي تلاه مباشرة كتاب علي إلى أهل النهروان ثم كتابهم إلى علي ثم عبارة "فعند ذلك أرسل علي …"، وذكر المناظرة<ح>(1). ويؤكد هذه النتيجة أن صاحب "كشف الغمة" يورد الأحداث التي جرت زمن الخليفة عثمان ثم زمن الإمام علي ثم يورد كتاب علي إلى أهل النهروان وجوابهم إليه والمناظرة على نفس النسق السابق<ح>(2)، بل بصورة أكثر ترابطاً، مما يدل على أن هذه الأحداث إنما هي جزء من كتاب واحد.
ويبدو على هذه المناظرة صفة التأليف، كما يلفت الانتباه ما فيها من عبارة: "وقال بعض المفسرين"، الأمر الذي يقود إلى أن هذا الحوار بهذه التفاصيل شرح للمناظرة الأصلية، فإن مضمونها في هذا الحوار لا يختلف عنه في البلاذري والطبري وغيرهما كما سيتبين ذلك.
- كما احتوت مخطوطات السير المذكورة على عدد من الرسائل، كرسالة علي إلى أهل النهروان وجوابهم إليه، وكالمراسلات بينه وبين ابن عباس في شأن أهل النهروان.
- وأوردت كذلك رسالة عبدالله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان في أمر الخوارج كله وبيان رأيه فيهم وفي نافع بن الأزرق ومن تبعه.
- هذا، ويأتي بعد ذلك كتاب "الكشف والبيان" لمحمد بن سعيد الأزدي القلهاتي. وقد <ح><ح>
(1) مجـهول (السير) ورقة 13 ب (مخطوط – نسخة الجامعة).
(2) الأزكوي (كشف الغمة ) ورقة 11ظ. اختلف في العصر الذي عاش فيه، فبينما يجعله د. عوض خليفات في القرن الحادي عشر الهجري<ح>(1) - دون أن يذكر سنده في ذلك - تذهب د. سيدة إسماعيل كاشف إلى أنه كان في القرن الرابع الهجري<ح>(2)، معتمدة في ذلك على نص في هذا الكتاب: "وكان الإمام سعيد بن عبدالله يناظرني في هذا القول وقد كنت أختاره، وكان القول على سبيل التعجب منه ولم أقف على اعتقاده في ذلك"<ح>(3)، وهذا الإمام هو سعيد بن عبدالله القرشي المخزومي الإباضي(ت 328هـ/ 940م) <ح>(4). غير أن هذه العبارة ليست للقلهاتي، بل هي من كلام نقله عن أبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة، من مشاهير علماء القرن الرابع الهجري وأحد تلامذة الإمام المذكور<ح>(5). وهو الذي لبس على محققة الكتاب، فإن ما قبل هذا النص واضح: "قال أبو محمد..."<ح>(6)، والفاصل الكبير بين بداية الكلام وبين النص السابق أوحى بانتهاء الاقتباس، لكن الواقع أن ذلك كله منقول بنصه من كتاب "التقييد" لابن بركة<ح>(7)، وعليه فإن الشيوخ الذين توهمت محققة الكتاب أنهم للقلهاتي إنما هم شيوخ لابن بركة.
ويرجح صاحب كتاب "إتحاف الأعيان" أن القلهاتي عاش في النصف الثاني من القرن السادس الهجري اعتماداً على أخذه من علماء عاشوا في تلك الفترة، كالشيخ سعيد بن أحمد بن محمد القري المتوفى عام 578 للهجرة<ح>(8). يقول صاحب "الإتحاف": "ومن هذا التاريخ وغيره نعرف يقيناً أن الشيخ القلهاتي من علماء القرن السادس"<ح>(9) أي الهجري.
أما الكتاب فقد شمل قضايا في علم الكلام والتوحيد والصفات والأديان والمذاهب <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) خليفات (نشأة الحركة الإباضية) ص22.
(2) القلهاتي (الكشف والبيان) جـ1 مقدمة د.سيدة إسماعيل كاشف ص8.
(3) القلهاتي (الكشف والبيان) جـ2 ص318.
(4) السالمي (تحفة الأعيان) جـ1 ص278.
(5) البطّاشي (إتحاف الأعيان) جـ1 ص226.
(6) القلهاتي (الكشف والبيان) جـ2 ص317.
(7) ابن بركة (التقييد) ورقة 24ب (مخطوط).
(8) البطّاشي (إتحاف الأعيان) جـ1 ص 312، 318.
(9) المصدر السابق جـ1 ص318. والفرق. ويبدو واضحاً أن أغلب مادته فيما يتعلق بموضوع الرسالة مستقاة من السير المذكورة.
- ويليه كتاب "طبقات المشائخ بالمغرب" لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (ت 670هـ/1271م) من علماء الإباضية بتونس، وليس في كتابه كثير مما يتعلق بموضوع الرسالة سوى ذكره بعض أهل النهروان كعبدالله بن وهب وحرقوص بن زهير وأبي بلال مرداس بن أدية وأخيه عروة، وقد اعتمد في ذلك على روايات أبي سفيان وكامل المبرد.
- أما كتاب "الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات" لأبي القاسم بن إبراهيم البرّادي (ت 810هـ/1407م)<ح>(1) – ويبدو أن أبا القاسم اسمه أما كنيته فأبو الفضل- فإنه يعد أغنى مصدر إباضي في الجانب التاريخي من هذه الرسالة. والكتاب مجرد للفترة الأولى من تاريخ الإسلام التي تشمل حياة النبي وفترة الخلفاء الأربعة والأحداث التي جرت فيها خاصة أحداث الفتنة، وهو الجزء الذي أغفله الدرجيني كما هو واضح من عنوان كتاب البرّادي. غير أنه لم يذكر موارده التي اعتمـد عليهـا، ولعل كتاب سالم بن عطية الهلالي الذي سبق الحديث عنه هو الوحيد - من بين موارده- الذي نقل منه وذكره<ح>(2). ولكن من خلال الروايات التي أوردها البرّادي من السهل التعرف على مصادره الأخرى، لا سيما أنه ذكر في خاتمة كتابه عدداً من تآليف الإباضية التي اطلع عليها. وجلي أنه اعتمد - إضافة إلى كتاب سالم الهلالي - على كتابي "صفة أحداث عثمان" و"النهروان" اللذين صرح بالاطلاع عليهما في رسالته عن تآليف الإباضية، وهي رسالة مفردة غير ما ذكره في خاتمة "الجواهر"، وقد تقدم الحديث عن هذين الكتابين.
أما أخذه عن الكتاب الأول فدليله أن الروايات والأسانيد التي أوردها في كتابه مما يتعلق بالأحداث في زمن الخليفة عثمان هي ذاتها الموجودة في "مختصر صفة أحداث عثمان".
وأما أخذه عن الكتاب الثاني فإن الروايات التي يذكرها البرّادي عن موقعة <ح><ح>
(1) الزركلي (الأعلام) جـ5 ص171.
(2) البرّادي (الجـواهر) ص 52، 103، 142. النهروان مسندة غير معزوة إلى شيء من التصانيف أحال الشماخي في "السير" عليها في كتاب النهروان<ح>(1). علاوة على ذلك فإن كثيراً من أسانيد هذه الروايات مبدوءة بعبدالله ابن يزيد الفزاري، وقد مر قول البرّادي نفسه عن كتاب النهروان: "أكثر آثاره عن عبدالله بن يزيد الفزاري".
- وأخيراً يأتي كتاب "السير" لأحمد بن سعيد الشماخي (ت 928هـ/ 1522م) في المرتبة الثانية من الأهمية في مؤلفات الإباضية التاريخية المتعلقة بموضوع الرسالة، إذ يلي "الجواهر المنتقاة" للبرادي، ويمتاز عن البرّادي بتناوله أيام معاوية وما كان للمحكمة فيها من مواقف، كما أنه كثيراً ما يذكر المصدر الذي نقل منه. وقد اعتمد على كل من كتاب النهروان<ح>(2) وروايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل<ح>(3)، كما نقل عن يوسف بن عبدالله بن عبد البر(ت 463هـ/1071م) ولم يذكر اسم كتابه<ح>(4)، ومن خلال المقارنة يتضح أنه كتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"<ح>(5)، ونقل عن كتاب "الإعلام"<ح>(6) ولم يذكر المؤلف، وبعد المقارنة فهو كتاب "الإعـلام بـالحروب الـواقـعـة في صـدر الإسلام"<ح>(7) ليوسف بن محمد البياسي (ت 653هـ/1255م).
هذا، وقد عد بعض العلماء الهيثم بن عدي صاحب كتاب "الخوارج" ضمن رجالات الخوارج، ولكن في كونه خارجياً نظر من ناحيتين:
الأولى: أن عبارته في كتابه عند روايته عن الخوارج لا تفيد أنه منهم، كقوله السابق ذكره: "فحدثني محمد بن المنتشر الهمداني عمن شهد صفين وعن ناس من رؤوس الخوارج ممن لا يتهم على كذب..."، وكمثل الذي نقله عنه ابن حجر من "أن الخوارج <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) قارن مثلاً ص: 135، 136 من (الجـواهر) بصفحة51 من جـ1 من (السير) منقولاً من كتاب النهروان.
(2) انظر مثلا: جـ1 ص51.
(3) الشماخي (السير) جـ1 ص 64، 65.
(4) المصدر السابق جـ1 ص56.
(5) ابن عبدالبر (الاستيعاب) جـ3 ص1420.
(6) الشماخي (السير) جـ1 ص61، 62.
(7) البياسي (الإعلام) جـ1 ص353، 354. تزعم أن حرقوصاً من الصحابة وأنه قتل يوم النهروان، قال الهيثم: فسألت عن ذلك فلم أجد أحداً يعرفه"<ح>(1).
الثانية: أن تآليفه الأخرى من مثل: "أخبار الحسن عليه السلام" و"أخبار زياد بن أبيه" و"مقتل خالد القسري"<ح>(2) ونحوها لا توحي بأنه ينتمي إلى فئة الخوارج. وسيأتي ذكره في المصادر السنية والشيعية.

ب- المصادر السنية والشيعية:
نالت الأحداث التاريخية ذات الصلة بموضوع الرسالة نسبة كبيرة من روايات عدد من الأخباريين. ولعل أقدمهم عامر بن شراحيل الشعبي (ت 103-105هـ/ 721-723م) الذي اختص بأخذه المباشر ممن شاركوا فيها، واستفاد منه عدد من أصحاب التاريخ كنصر بن مزاحم والبلاذري والطبري وابن الجوزي<ح>(3).
ويليه محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري (ت 124هـ/742م) الذي امتاز بتمحيص الروايات، كما امتازت تلك الروايات بالواقعية والاتزان والتركيز<ح>(4). وأكثر من أخذ عن الزهري في مجال الرسالة البلاذري<ح>(5).
أما المؤلفون من أهل التواريخ فكثيرون، ومنهم عدد فقدت كتبهم وحفظها أو أغلبها من صنف بعدهم واستقى معلوماته منها، وهناك من لم يصل من كتابه شيء. وممن يذكر أن له تأليفاً في "الخوارج" محمد بن قدامة الجوهري (ت 237هـ/851م)<ح>(6)،ذكر ابن حجر العسقلاني أنه صنف في أخبارهم كتاباً كبيراً<ح>(7)، <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن حجر (الإصابة) جـ2 ص49.
(2) شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص184.
(3) الشريف (نشأة حركة الخوارج) ص7 (رسالة ماجـستير).
(4) الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص94/ شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص158.
(5) انظر مثلاً: جـ2 ص355.
(6) ابن حجر (التهذيب) جـ9 ص354.
(7) ابن حجر (فتح الباري) جـ14 ص288. كما ذكر أن لمحمد بن قدامة المروزي كتاباً اسمه "أخبار الخوارج"<ح>(1). ولعل أقدم مصدر تاريخي يُعزى إلى غير الخوارج شمل فيما شمله أخباراً عنهم كتاب "التاريخ" لعوانة بن الحكم الكوفي (ت147هـ/764م) الذي ذكره إسماعيل البغدادي<ح>(2). وعلى الرغم من فقدان الكتاب فقد نقل عنه البلاذري شيئاً قليلاً فيما يتعلق بالخوارج. ويحتمل د. عبدالعزيز الدوري أن عوانة كان عثمانياً في ميوله، أي أنه كان أقرب إلى الأمويين حيث يقدم روايات أموية<ح>(3).
ويليه أبو مخنف لوط بن يحيى (ت 157هـ/774م) الذي جمع الروايات المتعلقة بأحداث من سموا بالخوارج. وقد فصّل أبو مخنف في بيان تلك الأحداث تفصيلاً دقيقاً، ابتداءً من صفين إلى نهاية أمر الأزارقة، حيث ألف الكتب التالية: كتاب صفين، كتاب أهل النهروان والخوارج، كتاب الخِرِّيت بن راشد وبني ناجية، كتاب مقتل علي، كتاب المستورد بن عُلَّفة، كتاب نجدة وأبي فديك، حديث الأزارقة وأبي بلال الخارجي<ح>(4).
وعلى الرغم من ضياع هذه الكتب فقد حفظ الطبري في تاريخه كثيراً مما فيها واعتمد عليها البلاذري اعتماداً كبيراً. ويشبه ما رواه أبو مخنف عن أحداث صفين والنهروان في وفرة المعلومات وتفصيلاتها ما في كتاب "النهروان" لعبدالله بن يزيد الفزاري الإباضي. وما قيل من وجود النـزعة العلوية عند أبي مخنف<ح>(5) ظاهر في هذا الميدان، إذ يروي – مثلاً- أن أهل النهروان لما حمل عليهم جيش الإمام علي "أهمدوا في ساعة"<ح>(6). وروى أيضاً عن حكيم بن سعد: "ماهو إلا أن لقينا أهل البصرة فما لبّثناهم، <ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن حجر (الإصابة) جـ1 ص12. ويبدو أنهما شخصان لا واحد، حيث ذكر المزي الاثنين في كتابه "تهذيب الكمال" جـ2 ص307 رقم 5553 وص310 رقم 5555، كما فرّق بينهما أيضاً ابن حجـر (التهذيب) جـ9 ص352 رقم6522 وص354 رقم6524.
(2) البغدادي، إسماعيل (هدية العارفين) جـ5 ص804.
(3) الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص133/ شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص172.
(4) البغدادي، إسماعيل (هدية العارفين) جـ5 ص 841، 842.
(5) الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص35/ شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص172.
(6) الطبري (التاريخ) جـ3 ص122. فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا قبل أن تشتد شوكتهم وتعظم نكايتهم"<ح>(1)، وبعد قليل يروي الطبري من طريق أبي مخنف أن شريح بن أوفى الذي كان مع أهل النهروان وقع إلى جانب جدار فقاتل على ثلمة جدار طويلاً من نهار، وكان قتل ثلاثة من همدان<ح>(2)، وهذا بدوره يخالف أنهم أهمدوا في ساعة، ولذا قيل:
اقتتلت همدان يومــاً ورجـل *ش*اقتتلوا من غدوة حتى الأصل
ففتح الله لهمـدان الـرجل<ح>(3)
ويؤكد الشماخي أنهم اقتتلوا من صلاة الغداة حتى الأصيل<ح>(4)، ولا يتناسب ذلك مع كون شريح قتل ثلاثة فقط من همدان، فإن بقاءه طويلاً من نهار يقاتل على ثلمة جدار إضافة إلى الرجز السابق ذكره يذهب بنا إلى أن عدد من قتلهم شريح كثير، ويجعلهم الشماخي نحو مائة، ويزيد بذكر قول الإمام علي: "أفنى بيت همدان رجل واحد"<ح>(5). وإذا تراءى أن العدد الذي ذكره الشماخي مبالغ فيه فإنه يتجاوز الثلاثة ولا شك، ويكفي في تعزيز هذه النتيجة السخرية التي تضمنتها عبارة "ففتح الله لهمدان الرجل". علاوة على ذلك، يذكر نصر بن مزاحم أنه "أصيب من أصحاب علي يوم النهروان ألف وثلاثمائة"<ح>(6)، ومقتضاه طول وقت الاقتتال.
أما كتاب "الخوارج" للهيثم بن عدي (ت 207هـ/ 822م) فيعده ابن كثير أحسن ما صنف في هذا الموضوع<ح>(7)، ولم يبق منه إلا ما نقله عنه كل من البلاذري والمسعودي وابن كثير وغيرهم<ح>(8). ومما يؤخذ عليه كون عامة رواياته يعوزها شيء من <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الطبري (التاريخ) جـ3 ص122.
(2) المصدر السابق جـ3 ص122.
(3) المصدر السابق جـ3 ص122.
(4) الشماخي (السير) جـ1 ص51.
(5) المصدر السابق جـ1 ص51.
(6) المنقري (صفين) ص559.
(7) ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص307
(8) الشريف (نشأة حركة الخوارج) ص11 (رسالة ماجـستير). التدقيق<ح>(1).
وممن ألف في هذا المجال أيضاً أبو الحسن علي بن محمد المدائني (ت 225هـ/839م) وقد نقل عنه البلاذري كثيراً، لا سيما الأحداث المتعلقة بالمحكّمة بعد النهروان. ووصف المدائني بأنه يمثل درجة أعلى من أسلافه في البحث والدقة وأنه صار المصدر الأساسي للمؤرخين التالين<ح>(2).
- ويبدو أن أقـدم مؤلـف بلغنـا كامـلاً هو كتـاب "وقعة صفين" لـنـصر بن مزاحم المنقري (ت 212هـ/827م) وهو كتاب واسع. وواضح من عنوانه أنه مختص بصفين وما جرى فيها من رفع المصاحف وما ترتب عليه. ومع ذلك فلم يتناول انحياز أهل حروراء وما حدث بعد ذلك سوى إعطائه رقماً لعدد القتلى في النهروان من الفريقين.
ويلاحظ على كتاب "صفين" أن ميول مؤلفه عراقية وعلوية<ح>(3)، رغم أنه في المقابل يورد من الأحداث ما لا يقدح في الموقف المعارض لأهل النهروان من حيث الفكرة، وذلك كبيان عدد أهل النهروان، وأنه قتل من جيش علي - كما مضى - ألف وثلاثمائة خلافاً لعامة الروايات الأخرى غير الإباضية قاطبة التي تقول إنه لم يقتل من جيش الإمام علي سوى تسعة أو عشرة. ويتجلى أثر النـزعة الشيعية العلوية عند نصر بن مزاحم في مثل الأبيات المنسوبة إلى الراسبي وهو عبدالله بن وهب يلوم فيها نفسه على عدم متابعته علياً ويتأسف على أنه كان ممن أرغم الإمام علياً على قبول التحكيم، وفي آخر هذه الأبيات:
فأصبح عبدالله بالبيت عائذاً *ش* يريد المنى بين الحطيم وزمزم<ح>(4)
ومتى كان عبدالله عائذاً بالبيت وقد قتل في النهروان؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!‍‍‍‍ بالإضافة إلى أن الدلائل <ح><ح><ح><ح>
(1) الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص 42، 43.
(2) المرجع السابق.
(3) الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص 38، 133/ شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص172.
(4) المنقري (صفين) ص553. تشير إلى أن عبدالله بن وهب لم يكن ممن أرغم الإمام عليَّاً في صفين على قبول التحكيم كما سيأتي تفصيل القول فيه، بل على العكس يروي صاحب "الإمامة والسياسة" أن عبدالله بن وهب كان ممن جاء إلى علي - بعدما أجاب إلى الصلح - يطلبون منه مواصلة القتال<ح>(1). إذن فلا غرو في أن يقال عن كتاب "صفين" بأنه مكثر من الأشعار المنحولة التي "ليست سوى تعبير عن المواقف القصصية"<ح>(2).
- أما كتاب "الطبقات" لمحمد بن سعد (ت 230هـ/ 844-845م) فهو عنوان محتواه، على أنه وضعه "ليخدم السنة أو علم الحديث"<ح>(3)، ولذا فإن ما يورده عن مجال هذه الدراسة يعد قليلاً، كحديثه عن التحكيم وذكره شذرات عن الأحداث المتعلقة به.
- ويأتي من بعده "تاريخ خليفة بن خياط العصفري" (ت 240هـ/ 854م)، وكتابه من أفضل الكتب على اختصار شديد فيه، وقد وضعه لتاريخ الإسلام خاصة، وتناول فيه عدداً من الحوادث ذات الصلة بمن سموا بالخوارج من غير تفصيل. ومما يمتاز به "أنه يختار المواضيع ويركز على الروايات المهمة تاركاً الروايات الأخرى"<ح>(4). ومع ذلك فلم يسلم من بعض الهنات، كعده عقبة بن عامر الجهني ضمن جيش علي في النهروان وأنه قتل يومئذ<ح>(5)، مع أن عقبة كان ضمن جيش معاوية في صفين<ح>(6)، فيكف يكون مع علي ؟‍‍‍‍‍‍!
- ويعد كتاب "الإمامة والسياسة"مصدراً مفيداً أيضاً حيث احتوى على بعض المعلومات المفصلة. وهو منسوب إلى عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ/889م).
<ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) منسوب ص111.
(2) إحسان عباس (ديوان شعر الخوارج) ص12.
(3) ابن سعد (الطبقات) جـ1 مقدمة إحسان عباس ص9.
(4) فاروق عمر (طبيعة الدعوة العباسية) ص25.
(5) ابن خياط (التاريخ) ص119.
(6) ابن حجر (الإصابة) جـ4 ص521. وقد جـعل ابن حجـر عقبة بن عامر الجـهني المقتول بالنهروان غير الجـهني المشهور الذي كان مع معاوية: (الإصابة) جـ4 ص521. ويبدو لي أن عقبة بن عامر الذي قتل مع علي بالنهروان ليس جـهنياً، بل هو عقبة بن عامر السلمي، فإن هذا كان ممن شهد صفين مع علي (الإصابة) جـ4 ص522. ويرى سعيد صالح – بناء على أقوال الأستاذ أحمد صقر وغيره – أن قول القاضي محمد بن العربي (ت 543هـ/1148م): "فأما الجاهل فهو ابن قتيبة فلم يبق ولم يذر للصحابة رسماً في كتاب (الإمامة والسياسة) إن صح عنه جميع ما فيه"<ح>(1) وأقوال غيره من العلماء في عزو الكتاب لابن قتيبة يراها غير كافية في تصحيح هذه النسبة<ح>(2). وقد أفاض سعيد صالح في تحقيق هذه المسألة وخلص إلى أن مؤلف الكتاب ليس هو ابن قتيبة، وأن المؤلف مجهول، لكنه استطاع تحديد الفترة التي عاشها هذا المؤلف، وهي الفترة نفسها التي عاشها ابن قتيبة، كما خلص إلى أن وفاة المؤلف كانت في منتصف القرن الثالث الهجري<ح>(3). وهذا - بدوره - يثير الشك في النتيجة التي توصل إليها سعيد صالح، ويبدو أن الموضوع لا يزال بحاجة إلى دراسة أوسع وأوفى.
وتعود أهمية هذا الكتاب إلى وجود روايات مزيدة لا ذكر لها في كتب تاريخية أخرى<ح>(4)، لا سيما تفصيلاته في أمر وقف القتال وقبول التحكيم وبعض ما يتعلق باعتزال أهل النهروان.
- ومن الممكن أن يعد كتاب "أنساب الأشراف" لأحمد بن يحيى البلاذري (ت 279هـ/892م) أغنى وأوسع مصدر تناول قضايا الفئة المسماة بالخوارج. وقد اعتمد على رواة ومؤلفين عديدين سبقوه، ولذلك فإن إسناده في أحيان كثيرة إسناد جمعي "قالوا"، يريد بذلك عدداً من المصنفين كعوانة بن الحكم وأبي مخنف والهيثم بن عدي والمدائني، من أجل ذلك امتاز بتعدد الروايات في الحادثة الواحدة. وقد وصف البلاذري بأنه محايد في أخباره ومتزن<ح>(5). وقد أفادت هذه الدراسة منه في المجال التاريخي أكثر من الإفادة من أي مصدر غيره، مع مراعاة أن الكتاب إنما هو تاريخ في إطار النسب، إذ يورد الروايات حسب ذكر الشخص المراد بيان نسبه.
<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن العربي (العواصم) ص248.
(2) صالح، سعيد (الإمامة والسياسة -تحقيق) ص41 (رسالة ماجـستير).
(3) المرجع السابق.
(4) فاروق عمر (طبيعة الدعوة العباسية) ص35.
(5) الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص50 / شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص245. - أما كتاب "الأخبار الطوال" لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري (ت 282هـ/895م) فهو كتاب تاريخ عام، وقد أسهب بعض الشيء في تفصيل الأحداث، ولا يختلف عن سائر المصادر في ذكر تلك الأحداث سوى إغفاله مقتل عمار بن ياسر على غير عادة المؤرخين، وسوى إيراده كتاب عبدالله بن وهب وأصحابه السابق ذكره إلى أصحابهم من أهل البصرة<ح>(1).
- ومن الكتب المفيدة في هذا المجال كتاب "الكامل في اللغة والأدب" لمحمد بن يزيد المبرد (ت286هـ/ 899م)، وقد عقد لمن سموا بالخوارج جزءاً من كتابه، وذكر فيه "من أمورهم ما فيه معنى وأدب، أو شعر مستطرف، أو كلام من خطبة معروفة مختارة" كما قال ذلك بنفسه<ح>(2). "والجدير بالذكر أن المبرد لم يهتم بذكر سنوات الحوادث، ولم يتقيد بالتسلسل التاريخي، ولم يشر إلى مصادر معلوماته"<ح>(3). ومما فيه بعض المعلومات عن مقتل الإمام علي وبعض ما يخص معركة النهروان والحركات التي ظهرت فيما بعد.
- أما اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب المعروف بابن واضح (ت 284 أو 292هـ/897،905م) فله كتاب "التاريخ"، وهو كتاب تاريخ عام، غير أنه يقرب من الاختصار. وقد نعت بأنه ذو ميول شيعية علوية<ح>(4)، وتبرز هذه النـزعة في مجال الدراسة في مثل نسبته إلى أهل حروراء أنهم قالوا لابن عباس ضمن ما خطأوا به الإمام عليا: "وزعم أنه وصي فضيع الوصية"<ح>(5). ويكرر اليعقوبي ما قاله أبو مخنف من أن الحرب في النهروان دامت ساعتين فقتلوا من عند آخرهم، ويزيد أيضاً: "ولم يفلت من القوم إلا أقل من عشرة، ولم يقتل من أصحاب علي إلا أقل من عشرة"<ح>(6)، وهو يخالف واقع المعركة التي استمرت من الغداة إلى الأصيل، كما يخالف عدد القتلى الذين ذكرهم نصر بن<ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الدينوري (الأخبار الطوال) ص155.
(2) المبرد (الكامل) جـ3 ص1169.
(3) الشريف (نشأة حركة الخوارج) ص22.
(4) روزنثال (علم التاريخ عند المسلمين) ص184 / الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص 52، 136/ شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص252 / فاروق عمر (طبيعة الدعوة العباسية) ص29.
(5) اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص192.
(6) اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص193. مزاحم كما تقدم، وأيضاً فإن هناك أربعمائة من أهل النهروان أسفرت المعركة عن جرحهم ولم يقتلوا<ح>(1).
- ثمّ يأتي كتاب "تاريخ الرسل والملوك" أو "تاريخ الأمم والملوك" لمحمد بن جرير الطبري (ت 310هـ/ 922م) في المرتبة الثانية من بين كتب التاريخ في موضوع الرسالة، إذ يلي "أنساب الأشراف" للبلاذري، والسبب كما تقدم كثرة مصادر البلاذري في موضوع البحث، أما الطبري فبالرغم من أنه "يعتبر من أهم المراجع في التاريخ الإسلامي"<ح>(2) إلا أن اعتماده في هذا المجال كان على أبي مخنف بشكل كبير جداً ، وكانت روايات أبي مخنف رافداً رئيساً لمادة الطبري. ومع ذلك فإن ثمة روايات أخرى عن غير أبي مخنف أفادت هذه الدراسة منها من خلال تاريخ الطبري.
وقد بين الطبري منهجه فيما نقله من الروايات بقوله: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا"<ح>(3)، وبهذا قد برئت ذمته.
ولهذا فإن ما قيل من تمحيص الطبري لرواياته وما يورده من أخبار وأخذه البعض منها دون الآخر<ح>(4) فيه نظر من جهة أنه ألقى العهدة على النقلة، وهذا واضح في اعتماده على أبي مخنف بالدرجة الأولى فيما يخص مجال هذه الدراسة، رغم كون أبي مخنف شيعي النـزعة علوي الوجهة.
هذا "ولم يمل الطبري مع أي هوى في إيراد الأخبار التاريخية الإسلامية، وكان حياده في الغالب عن ورع ودقة علمية"<ح>(5).
- أما كتاب "الفتوح" لأحمد بن أعثم الكوفي (ت 314هـ / 926م) فهو "تاريخ أشبه<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص149 / الطبري (التاريخ) جـ3 ص123.
(2) فاروق عمر (طبيعة الدعوة العباسية) ص26.
(3) الطبري (التاريخ) جـ1 ص13.
(4) الدوري، عبدالعزيز (نشأة علم التاريخ) ص56.
(5) شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ1 ص256. بالقصص، يحكي أخبار الفتوحات منذ الخلفاء الأوائل وحتى عهد المعتصم"<ح>(1)، وقد أفاض كثيراً في الأحداث التي تناولها، ومن بينها موضوع الرسالة. ولا يختلف كثيراً فيما يسوقه من أخبار عن كتب التاريخ الأخرى، ويمتاز بذكر تفصيلات تفرد بها، خاصة في الأحداث منذ اعتزال أهل النهروان إلى أن جرت الحرب، وكيف نشبت المعركة هنالك. ويبدو أن كثيراً من تلك التفاصيل لا أساس لها من الصحة، وذلك كالمناظرة التي جرت في حروراء بين ابن عباس وبين عتاب بن الأعور التغلبي ممثل أهل حروراء، وتنتهي إلى أن عتاباً أذعن لكلام ابن عباس بصورة مضحكة<ح>(2). وسيأتي بيان نتيجة هذه المناظرة في مبحث حجج معارضي التحكيم من الفصل الأول من الباب الأول. ومنها أيضاً رسالة علي بن أبي طالب إلى أهل النهروان: "من عبدالله وابن عبده أمير المؤمنين وأجير المسلمين أخي رسول الله وابن عمه إلى عبدالله بن وهب وحرقوص بن زهير المارقين من دين الإسلام …"<ح>(3) فإن الصنعة بادية عليها، بالإضافة إلى مخالفتها للرسالة الحقيقية<ح>(4). وهذا يؤكد ما وصف به ابن أعثم من أنه ذو ميول علوية<ح>(5).

جـ- كتب المقالات والفرق:
لم تعتمد هذه الدراسة على كتب المقالات والفرق إلا في حالات يسيرة، ولعل ضيق مجالاتها كان من الأسباب المباشرة لذلك، إذ أقصى ما تتناوله الفرق وآراؤها، وذلك مالا يشغل حيزاً كبيراً في هذه الدراسة. ولكن العامل الأقوى في قلة التعامل معها إغراقها في بيان عدد من الفرق التي تنقسم بدورها – في هذه الكتب - إلى فرق أخرى، وإفراطها في ذكر آراء تنسبها إليها، وكلا الأمرين يدعوان إلى التأمل والنظر. وضمناً يندرج تحت <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ2 ص42.
(2) ابن أعثم (الفتوح) جـ4 ص252، 253.
(3) المصدر السابق جـ4 ص262.
(4) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص135، 141/ الطبري (التاريخ) جـ2 ص117/ القلهاتي (الكشف) جـ1 ص24.
(5) شاكر مصطفى (التاريخ والمؤرخون) جـ2 ص43 / فاروق عمر (طبيعة الدعوة العباسية) ص33. هذا الحكم القدر الكبير مما تعزوه هذه الكتب إلى الفرق المنسوبة إلى الخوارج لا سيما ما كان غير مدون في كتب أصحابها أو كانت كتبها مفقودة، مالم يتم التحقق منها بوجه من الوجوه أو لم يكن سبب لرفضه.
وقد تنبه أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت312 أو 324هـ / 933، 946م) إلى ظاهرة الخلط والانتحال التي انتشرت عدواها في العدد الأوفر من كتب المقالات، فأكد ذلك بقوله:"ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين متعمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به، وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين"<ح>(1).
ويضيف الرازي: "كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني كتاب حكى فيه مذاهب أهل العلم بزعمه، إلا أنه غير معتمد عليه، لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى (الفرق بين الفرق) من تأليف الأستاذ أبي منصور البغدادي، وهذا الأستاذ شديد التعصب على المخالفين فلا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه".
وسوف تقتصر الدراسة على الحديث عن أهم المؤلفات في هذا المجال، وبيان المواضع التي تبرز فيها تلك الظاهرة مما له علاقة بموضوع الرسالة.
1- "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين " لأبي الحسن الأشعري:
بالنظر إلى سائر كتب المقالات يعتبر هذا الكتاب من أجودها. ويبدو أن مؤلفه حاول أن يتحاشى المآخذ على غيره، ولذلك نجده في أحيان غير قليلة يلقي العهدة على الناقل، حيث يعبر بصيغة الحكاية "يقال" و"حكي"، كما يصرح بمصادره في أحيان كثيرة، إذ نقل عن كل من زرقان<ح>(2) والحسين بن علي الكرابيسي (ت 248هـ / <ح><ح>
(1) الأشعري (المقالات) جـ1 ص33.
(2) لم أجـد أحداً بهذا الاسم سوى زرقان بن محمد الصوفي، انظر: بدران (تهذيب تاريخ دمشق) جـ5 ص377، قال: "كان بجـبل لبنان من ساحل دمشق، وكان مؤاخياً لذي النون المصري". وذو النون هو ثوبان بن إبراهيم (ت 245هـ) وعليه فالفترة التي عاشها زرقان الصوفي هي الفترة التي عاشها زرقان الذي روى عنه الأشعري، وليس بين يدي من الدلائل ما= =يجـعل الاثنين شخصاً واحداً. 862م) والمدائني<ح>(1)، بل إنه في أحيان نادرة يبدي رأيه المحايد في الأمر المحكي، كعبارة "وحكي لنا عنهم مالم نتحققه…"<ح>(2). ومن الملاحظ أنه يورد – في بعض الأحايين - بعض آراء الخوارج والمنسوبين إليهم من طريقهم أنفسهم، كنقله عن "بعض الخوارج" أن عبدالله بن وهب الراسبي وأصحابه لم يكونوا راضين عن مقتل عبدالله بن خباب بن الأرت<ح>(3)، ومثل قوله<ح>(4): "وحكى اليمان بن رباب الخارجي…"<ح>(5)، ونقل عنه نقولات عدة<ح>(6).
غير أن الأشعري – كما هو واضح – حام حول الحمى فوقع فيه، ورغم حذره فإنه كرر أخطاء من قبله، فذكر الفرق والآراء التي لا يعلم لها مصدر، ويصعب الوثوق بها، ويكثر الأشعري أن يقول: "وحكى حاكٍ "، و"حكي لنا".
لكن الأمر الذي يستلزم عناية هو أن أبا الحسن الأشعري ينقل عن اليمان بن رباب الذي ذكر أنه من مؤلفي الخوارج ومتكلميهم<ح>(7) بعضاً من فرق الخوارج وآرائها كما مر، مما يوثق معلومات الأشعري فيما نقله عنهم من جهة أنه أخذها من مصدر خارجي. ولعل كتاب اليمان الذي نقله منه الأشعري هو الذي ذكره ابن النديم باسم "كتاب المقالات"<ح>(8).
ولكن أخذ الأشعري ممن نسب إلى الخوارج بعضاً مما له علاقة بفرقهم وآرائهم لا يصبغ جميع ما دونه عنهم بصبغة الصحة، فإنه نسب إليهم أشياء غير ثابتة، ومن ذلك <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الأشعري (المقالات) جـ1 ص177، 178، 205، 216.
(2) المصدر السابق جـ1ص78.
(3) المصدر السابق جـ1ص210.
(4) المصدر السابق جـ1ص197.
(5) ذكره المسعودي وقال عنه: "كان من علية علماء الخوارج" (المروج) جـ3 ص204، وقال عنه ابن النديم: "من جـلة الخوارج ورؤسائهم، وكان أولاً ثعلبياً، ثم انتقل إلى قول البيهسية، وكان نظاراً متكلماً مصنفاً للكتب"، وذكر له أسماء ثمانية كتب. انظر: ابن النديم (الفهرست) ص227، وذكره إسماعيل البغدادي وعده بصرياً (هدية العارفين) جـ6 ص548، بينما جـعله الذهبي خراسانياً وسماه يمان بن رئاب: (المغني) جـ2 ص435 رقم7218.
(6) الأشعري (المقالات) جـ1 ص184، 198.
(7) الأشعري (المقالات) جـ1 ص200.
(8) ابن النديم (الفهرست) ص227. الفرق التي ذكرها منسوبة إلى الإباضية والأشخاص الذين عزاهم إليهم<ح>(1)، فقد حقق الشيخ علي يحيى معمر أن كل ما ذكره الأشعري من الأشخاص الذين عدهم رؤساء لفرق من الإباضية لا وجود لهم عند الإباضية، وأن الإباضية لا يعرفون شيئاً عن هؤلاء الرجال، بل "لا وجود لهم في الواقع"، وأن المقالات التي نسبها على العموم إليهم أو إلى جمهورهم هي خليط مما يذهب إليه الإباضية، ومما يردونه، ومما يحكمون بالشرك على معتنقيه<ح>(2).
ومما نسبه الأشعري إلى الإباضية القول بأن غنيمة أموال مخالفيهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال<ح>(3)، وسيأتي بيان خطأ هذه النسبة بعون الله تعالى عند الحديث عن الإباضية في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب.
ومن تعميم أبي الحسن الأشعري على كل الخوارج أنهم لا يقولون بعذاب القبر<ح>(4)، مع أن الإباضية الذين عدهم الأشعري من الخوارج يثبتون عذاب القبر<ح>(5).
2- أما كتاب "الفرق بين الفرق" لعبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت 429هـ / 1037م) فيبدو أنه أقل تحرياً ودقة. وقد استفاد البغدادي من مقالات الأشعري في هذا المجال، ويظهر جلياً أن أغلب مادة البغدادي في موضوع الخوارج من هذا الكتاب، فإن التشابه بينهما في المضمون بل والعبارة شاهد على ذلك. كما نقل<ح>(6) قليلاً عن أبي القاسم عبدالله بن أحمد الكعبي<ح>(7)، وأخذ أيضاً من كتب التواريخ كما قال ذلك بنفسه<ح>(8).
ومما ذكره البغدادي مما لم يرد عند الأشعري أنه لم يفلت من أهل النهروان يومئذ <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الأشعري (المقالات) جـ1 ص183-189.
(2) معمَّر (الإباضية بين الفرق الإسلامية) جـ1 ص41، 42.
(3) الأشعري (المقالات) جـ1 ص185.
(4) الأشعري (المقالات) جـ1 ص206.
(5) السالمي (مشارق أنوار العقول) جـ2 ص105 / الجـعبيري (البعد الحضاري) ص 639-641.
(6) البغدادي (الفرق بين الفرق) ص73.
(7) عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي من أئمة المعتزلة، كان رأس طائفة منهم تسمى الكعبية، له آراء ومقالات في الكلام انفرد بها. وهو من أهل بلخ أقام ببغداد مدة طويلة، وتوفي ببلخ سنة 319/913م. له كتب كثيرة منها "المقالات"، انظر: الزركلي (الأعلام) جـ4 ص 65،66.
(8) البغدادي (الفرق) ص111. إلا تسعة أنفس صار منهم رجلان إلى سجستان، ورجلان إلى اليمن، ورجلان إلى عمان، ورجلان إلى ناحية الجزيرة، ورجل إلى تل موزن<ح>(1)، فالخوارج المذكورون في هذه النواحي من أتباع هؤلاء التسعة<ح>(2).
وهذه الحكاية لا تمت بصلة إلى المعقولية، فإن اليمن وعمان مثلاً دخلهما الإباضية - وهم عند البغدادي من الخوارج - عن طريق الدعاة الذين يرسلهم قادة الإباضية الذين في البصرة<ح>(3).
3- وممن ألف في المقالات والفرق علي بن أحمد بن حزم الأندلسي (ت 456هـ/ 1064م). وقد تتبع في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" كثيراً من الآراء المعزوة إلى الفرق المنسوبة إلى الخوارج. ويفهم مما دونه تحت عنوان "ذكر شنع الخوارج" من عبارته: "وذكر بعض من جمع مقالات المنتمين إلى الإسلام..."<ح>(4) أنه أخذ عمن تقدمه من كتاب الفرق. وقد صرح بالنقل عن الحسين بن علي الكرابيسي<ح>(5). وفي أحيان نادرة يعزو بعض مادة كتابه إلى ما ذكر أنه شاهده بنفسه، كنقله بعض الآراء عن الإباضية بقوله: "وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس..."<ح>(6).
إلا أن موثوقية كثير من المعلومات التي أوردها عن الخوارج أو عمن نسب إليهم مما ذكر أنه شاهده بنفسه فضلاً عن المعلومات التي أخذها عمن قبله فيها نظر، كقوله: "وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب...." الخ ما قاله في مسائل عدة تناولها العلامة علي يحيى معمر بالتفنيد، وبيَّن عدم صحة ما نسبه ابن حزم إلى الإباضية<ح>(7).
<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) تَلُّ موزن (بفتح الميم وسكون الواو وفتح الزاي أو كسرها): بلد قديم بين رأس عين وسروج، وبينه وبين رأس عين نحو عشرة أميال: الحموي (معجـم البلدان) جـ2 ص52.
(2) البغدادي (الفرق) ص 80، 81.
(3) هاشم (الحركة الإباضية) ص 98، 169.
(4) ابن حزم (الفصل) جـ5 ص51.
(5) المصدر السابق جـ5 ص53.
(6) المصدر السابق جـ5 ص51.
(7) معمر (الإباضية بين الفرق الإسلامية) جـ1 ص 52-60. لكن الذي يستدعي وقفة ما ذكره ابن حزم من "أن النُكَّار من الإباضية هم الغالبون على خوارج الأندلس"<ح>(1) أي في عصر ابن حزم ومكانه. والنكار فرقة انشقت عن الإباضية في أواخر القرن الثاني الهجري في بلاد المغرب، ولها آراء خاصة بها تبرأ منها أئمة المذهب الإباضي يومئذ<ح>(2)، فلعل الذي ذكره ابن حزم منسوباً إلى الإباضية كان مما يقول به النكار، وبحكم أصل انتمائهم إلى الإباضية عمم ابن حزم النسبة على كل الإباضية. غير أن هذا الاحتمال لا يشفع لابن حزم، إذ لا يوجد فيما جمعه الشيخ علي يحيى معمر من آراء النكار<ح>(3) شيء مما نسبه ابن حزم إلى الإباضية فيحمل على تلك الفرقة دون سائر الإباضية، لا سيما أن الإباضية - وهم أدرى بفرقة النكار-لم يذكروا شيئاً مما ذكره ابن حزم، وليس في أيدينا من مؤلفات النكار ما يمكن منه التحقق من صحة ما ذكره ابن حزم<ح>(4)، وتبقى المسألة محل شك كبير شأنه شأن كثير مما أورده ابن حزم عن سائر المنسوبين إلى الخوارج، وذلك مثل قوله في وصف من أسماهم أسلاف الخوارج:
"كانوا أعراباً قرأوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السنة الثابتة عن رسول الله ، ولم يكن فيهم أحد من الفقهاء ولا من أصحاب ابن مسعود ولا أصحاب عمر ولا أصحاب علي ولا أصحاب عائشة ولا أصحاب أبي موسى ولا أصحاب معاذ بن جبل ولا أصحاب أبي الدرداء ولا أصحاب سلمان ولا أصحاب زيد وابن عباس وابن عمر"<ح>(5).
ولا شك أن هذا التعميم – إن لم يكن قلباً للحقيقة – فهو مبالغ فيه كثيراً، فإن القول بأنهم كانوا أعراباً غير علمي ولا واقعي، ذلك أن عرب الكوفة والبصرة - كما يقول فلهوزن- كانوا جميعاً من البدو، بمعنى أنهم جاءوا من قبائل تقيم في البادية، ولكن

<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن حزم (الفصل) جـ5 ص55.
(2) الدرجيني (الطبقات) جـ1 ص 47-55.
(3) معمر (الإباضية بين الفرق الإسلامية) جـ2 ص 19، 20.
(4) ذكر الدكتور عمرو النامي أنه عثر على مخطوطة لإحدى مؤلفات عبدالله بن يزيد الفزاري الذي ينتمي إلى فرقة النكار تحمل عنوان "كتاب الردود". انظر:Ennami, Amr (Studies in Ibadhism) p. 155
(5) ابن حزم (الفصل) جـ4 ص 237. هذا لا يدل على شيء بالنسبة إلى الخوارج – على حد تعبيره - فقد انحلت رابطتهم بالبادية منذ ارتحالهم إلى مدائن الجيوش وانخراطهم فيها<ح>(1). يضاف إلى ذلك قول زياد بن أبيه وهو من هو في مواجهة الذين سموا بالخوارج: "العجب من الخوارج أنك تجدهم من أهل البيوتات والشرف وذوي الغناء وحملة القرآن وأهل الزهد، وما أشكل علي أمر نظرت فيه غير أمرهم"<ح>(2)، ولا يختلف أمر أهل النهروان عن الذين بعدهم، لا سيما أن عدداً ممن كانوا في زمن زياد كانوا مع أهل النهـروان كأبي بلال مرداس بن أدية وأخيه عروة. وأيضاً فإن كثيراً منهم كانوا من القراء، وهو -كما يقول ابن خلدون- رديف للفظ الفقهاء والعلماء<ح>(3)، ويقول ابن تيمية: "كان السلف يسمون أهل الدين والعلم القراء"<ح>(4).
أما ما ذكره ابن حزم من أنه لم يكن فيهم أحد من أصحاب أصحاب رسول الله - وهو من باب أولى ينكر وجود الصحابة فيهم - فإن من الروايات ما هو صريح في أن فيهم عدداً من صحابة رسول الله كانوا معارضين للتحكيم، إذ دخل على عبدالله بن عباس عدد من الرجال، يناقشونه في قضية التحكيم، فأخذوا يقولون له: قال الله في كتابه كذا، وقال الله في كتابه كذا، يقول الراوي: "حتى دخلني من ذلك، قال: ومن هم ؟ هم والله السن الأول أصحاب محمد، هم والله أصحاب البرانس والسواري"<ح>(5). هذا عدا من سيأتي ذكره من الصحابة الذين عارضوا التحكيم في المبحث المخصص لهم، وفضلاً عن ذلك فإن فيهم عتريس بن عرقوب الشيباني صاحب عبدالله بن مسعود<ح>(6).
4- ومن أشهر كتاب المقالات أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني(ت <ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) فلهوزن (الخوارج والشيعة) ص 33/ فاروق عمر (التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين) ص14.
(2) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص212.
(3) ابن خلدون (المقدمة) ص 446.
(4) ابن تيمية (الفرقان) ص24.
(5) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ15 ص 300.
(6) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص363. 548هـ/ 1153م) صاحب كتاب "الملل والنحل".وقد صرح بأن بعض معلومات كتابه أخذها عن الكعبي<ح>(1) والحسين الكرابيسي وأبي الحسن الأشعري<ح>(2) واليمان بن رباب<ح>(3).وقد تقدم النقل عن الرازي في اعتماد الشهرستاني على البغدادي، ولذا فإن ثمة تشابهاً بيِّناً في كثير من مادة الكتابين. لكن هذا لا يعني أن كل ما عند الشهرستاني ولا أكثره هو مما عند البغدادي، إذ من الواضح وجود إضافات لا توجد عند البغدادي، لا سيما ما يصرح الشهرستاني بأخذه عن كتاب المقالات السابق ذكرهم قريباً.
والحقيقة أن كل واحد من علماء الملل والنحل اعتمد على من سبقه، فالمعلومات التي عند الشهرستاني لا تختلف كثيراً عن التي عند الأشعري. والغريب أن ما ينفرد به أحدهم يكون أكثر بعداً عن الصواب غالباً، كالذي يورده الشهرستاني من أن عبدالله بن إباض التميمي خرج في أيام مروان بن محمد<ح>(4)، وهو خطأ تاريخي ظاهر؛ فإن عبدالله بن إباض عاصر<ح>(5) عبدالملك بن مروان المتوفى عام ستة وثمانين من الهجرة<ح>(6)، بينما توفي مروان بن محمد سنة اثنتين وثلاثين ومائة من الهجرة<ح>(7)، ولعله اختلط عليه عبدالله بن إباض بأبي حمزة المختار بن عوف السليمي المشهور بأبي حمزة الشاري، لأنه هو الذي خرج على مروان هذا<ح>(8)، وبدليل قول الشهرستاني: "وقيل إن عبدالله بن يحيى الإباضي كان رفيقاً له (يعني لعبدالله بن إباض) في جميع أحواله وأقواله"<ح>(9)، وكـان أبو حمزة أحد قادة عبدالله بن يحيى الذي نصبه الإباضية إماماً بحضرموت<ح>(10).<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الشهرستاني (الملل) جـ1 ص 124، 129، 135.
(2) المصدر السابق جـ1 ص129.
(3) المصدر السابق جـ1ص 128
(4) الشهرستاني (الملل) جـ1ص 134.
(5) ستأتي الإشارة إلى رسالة ابن إباض الموجـهة إلى عبدالملك في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب.
(6) الطبري (التاريخ) جـ3 ص 667.
(7) الطبري (التاريخ) جـ3 ص 353.
(8) الطبري (التاريخ) جـ4 ص317.
(9) الشهرستاني (الملل) جـ1 ص134.
(10) البلاذري (الأنساب) جـ9 ص150.

ثانياً: المراجع الحديثة:
حاولت كتابات عدة طرق موضوع الخوارج بغية الجدة في تناول هذا الموضوع ووضع لمسات البحث والتنقيب والتحقيق عليه.
- ومن جملة الدراسات الحديثة وأهمها كتاب "الخوارج والشيعة" ليوليوس فلهوزن، فإنه خصص شطر كتابه لدراسة معظم الجوانب ذات العلاقة بالخوارج إلى نهاية حكم الأمويين. وقد أعطى تحليلات جيدة، وناقش قضايا مهمة كالعلاقة بين معارضي التحكيم والقراء، وبينهم وبين السبئية <ح>(1).غير أنه وقع في شَرَك الروايات القائلة بأن القراء الذين عارضوا التحكيم في حروراء كانوا ممن أرغم علياًّ على قبوله وقف القتال في صفين.
وإجمالاً فهذا الكتاب يعتبر من أوائل المحاولات -إن لم يكن أولها- لحل عدد من الإشكاليات التي تثيرها الروايات التاريخية.
- ولعل أفضل دراسة لهذا الموضوع هي كتاب "الفتنة" للدكتور هشام جعيط، إذ تناول بالتحليل والتفصيل الفترة الممتدة من حياة الخليفة عثمان إلى ما بعد النهروان وتسلم معاوية بن أبي سفيان السلطة، واختص بالتعمق في التحليل، والقدرة على تفسير الأحداث، وبيان أبعاد كل قضية، وطول النفس في دراسة كل جزئية.
ومما يؤخذ عليه قوله عن "الجواهر المنتقاة" للبرادي: "الذي لا يجوز اعتماده إطلاقاً في كل ما يتعلق بالنهروان"<ح>(2)، إذ يعني أن يعتمد في كل ما له علاقة بالنهروان على الروايات والمصادر الشيعية والسنية، لأن الكتب الإباضية الأخرى لا تختلف عن "الجواهر المنتقاة"، وتلك محاكمة غير عادلة، ومن مثل د. جعيط في عمقه وفهمه يصبح هذا الحكم غريباً، لا سيما إذا تقرر أن روايات الإباضية عامة لا تنفرد إلا في النادر كما سيتضح <ح><ح>
(1) السبئية منسوبون إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، وينسب إليه تأجيج نار الفتنة في زمن الخليفة عثمان، وفي صحة ذلك، بل في صحة كونه شخصية حقيقية آراء للباحثين. انظر للتفصيل: فلهوزن (الخوارج والشيعة) ص 38،39 / الوردي (وعاظ السلاطين) ص 95- 115، 166- 181/ العسكري (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى) / الجابري (نقد العقل) العقل السياسي العربي ص 216-221 / الهلابي (عبدالله بن سبأ).
(2) جـعيط (الفتنة) ص 230. ذلك من تتبع هوامش القسم التاريخي من هذه الرسالة. ومن المفارقات أن يعد د. جعيط المناظرة بين أهل حروراء وابن عباس الواردة في جواهر البرّادي "أكثر معقولية واستساغة مما يقوله أبو مخنف" على حد قوله<ح>(1)، وما الفرق بين أن يروي البرّادي شيئاً عن أحداث حروراء وشيئاً عن أحداث النهروان ؟‍‍‍‍‍!.
- ومن الدراسات الجيدة في هذا الموضوع دراسة أحمد سليمان معروف بعنوان "قراءة جديدة في مواقف الخوارج وفكرهم وأدبهم". ومن خلال عنوان الكتاب يتبين أنه محاولة
بكتاب أدب إلا أنه ناقش بعض القضايا، وإن كان حاول إعطاء تفسير لبعض المنسوب إلى معارضي التحكيم دون محاولته التحقق من تلك النسبة. ومما ناقشه من الأمور المهمة قضية مقتل الإمام علي وعلاقة ذلك بأهل النهروان وأتباعهم.
- ومن الدراسات الجيدة ما كتبه د. محمود إسماعيل في كتابه "قضايا في التاريخ الإسلامي" تحت عنواني "تراجيديا التحكيم وموقف الخوارج" و"الانشطار في حزب اليسار"، قلّب في محتواهما فكرة مهمة، وهي: هل أرغم معارضو التحكيم الذين انفصلوا إلى حروراء الإمام علياً على قبول التحكيم في صفين، كما تطرق إلى علاقة القراء بذلك، وحادثة مقتل الإمام علي.
- ومن الدراسات الحديثة في هذا الموضوع كتاب "الخوارج في العصر الأموي"، لنايف محمود معروف، وهو دراسة مطولة. غير أنه كتاب تقليدي لا جدة في نتائجه، بل على العكس، كرّس كثيراً من جهوده للتدليل على بعض القضايا التي انتهت مدة صلاحيتها، كعلاقة أهل النهروان بالسبئية، محاولاً إثبات أن عبدالله بن وهب الراسبي الإمام الذي نصبه أهل النهروان وقتل فيها هو عبدالله بن سبأ. وهي محاولة فاشلة ولا شك، على أن ما استدل به قد نوقش قبله كما فعل فلهوزن. ومما انتقد عليه "عدم تحليل الروايات، وقلة الاعتماد على البلاذري، واعتماده على مصادر من الدرجة الثانية كابن الأثير وابن أبي الحديد، واعتماده على كتب الفرق اعتماداً كلياً عند حديثه عن آراء فرق <ح>
(1) جـعيط (الفتنة) ص215. الخوارج"<ح>(1).
- وهناك بعض الدراسات التي تناولت بعض الجوانب من قضايا أهل النهروان ككتاب "الفتنة الكبرى" لطه حسين، وكتاب "عبقرية علي" لعباس محمود العقاد، وقد اقتصرا على ما جرى في أيام الإمام علي. ومن المسائل المفيدة فيهما قضية مقتل الإمام علي.
- ومن تلك الدراسات كتاب "فرقة الأزارقة" لمحمد رضا الدجيلي، وعلاقة كتابه بهذه الرسالة ضعيفة، إلا في بعض آراء الأزارقة.
- ولعل رسالة ديب صالح ديب الشريف الموسومة بـ "نشأة حركة الخوارج وتطور حركاتهم المتطرفة إلى نهاية خلافة عبد الملك بن مروان" تمثل دراسة تاريخية متكاملة، وقد غلب على دراسته الجانب التحليلي للأحداث. ومع أنه في أحيان غير قليلة مايز بين الروايات وخلص إلى نتائج جيدة، إلا أنه في أحيان أخرى غفل عن التحقق من ثبوت الحدث الذي يبني التفسير عليه. ومن الهنات في هذه الرسالة قول مؤلفها بأن "الخوارج في عامتهم كانوا من خلفية عربية أعرابية رحالة أو شبه رحالة لم تتعود على الحكم المركزي بعد"<ح>(2)، وقد كان فلهوزن فند هذه النظرية بما لم يتعرض ديب الشريف لنقضه.
والذي يفهم من عدد من الدراسات الحديثة أن مؤلفيها انطلقوا من مسلمات لا تقبل النقاش، ولذلك فإن النتائج متكررة. والحاجة ملحة إلى إعادة النظر في هذه المسلمات، كقضية الكفر التي حملت من غير معارضي التحكيم على أن المراد به مطلقاً الخروج من الإسلام. ومثل الخلط بين الخوارج الأزراقة ومن نحا نحوهم وبين أهل النهروان. كما أن من الإشكاليات الاقتصار على بعض الروايات دون اللجوء إلى روايات أخرى متوارية لعلها تحدث بعد ذلك أمراً. وأيضاً فإن غياب مصادر الإباضية عن ساحة عدد من الدراسات أفقدتها التوازن المنهجي في دراسة كثير من هذه القضايا، لأن كتب الإباضية تمثل وجهة نظر أهل النهروان تمام التمثيل، وإن كانت لا تعكس وجهة نظر الفرق الأخرى المنسوبة إلى الخوارج كالأزراقة والنجدات والصفرية. بالإضافة إلى <ح><ح>
(1) الشريف (نشأة حركة الخوارج) ص32 (رسالة ماجـستير).
(2) المرجع السابق ص166. الاعتماد على روايات خصوم الخوارج بالدرجة الأولى، يقول د. محمود إسماعيل: "وإذا كانت المصادر السنية والشيعية تحمل على بني أمية وتزيف أخبارهم فإن حملتها على الخوارج أشد وأنكى، فهم كفرة مارقون يجب بترهم....."<ح>(1).


<ح>
(1) إسماعيل (قضايا في التاريخ) ص 45. . تمهيد:
نبذة عن الأحداث التاريخية قبل صفين
عاش المسلمون في كنف رسول الله حياة كريمة نعموا فيها بخير عهد من العدل والمساواة والإخاء والوحدة إلى أن أتم الله النعمة وأكمل الدين لهذه الأمة الكريمة. فلما قبض النبي كانت أول محنة تواجه المسلمين هي خلافة الرسول في رئاسة الدولة الإسلامية وأسس اختيار الخليفة. ولكنها فتنة وقى الله شرها بأن وفق المسلمين إلى اختيار أبي بكر الصديق أول خليفة في الإسلام<ح>(1). وفي خلافتــه قضــى على حركة الارتداد الخطيرة التي بذل الصحابة - رضوان الله عليهم - أرواحهم رخيصة في سبيل دحرها ونصرة هذا الدين الحنيف<ح>(2).
ثم خلفه عمر بن الخطاب الفاروق، فقام بإدارة شؤون الدولة خير قيام وضرب المثل الرائع بحزمه وعدالته، ومضى عهده دون أن يحدث شقاق بين المسلمين<ح>(3).
وبعده بويع لذي النورين عثمان بن عفان الذي سلك مسلك صاحبيه من قبله أبي بكر وعمر، ومضى الأمر على ذلك صدراً من خلافته، حتى ظهرت بوادر الفتن وبدأت أصوات المعارضة تعلو معلنة عدم الرضا عن بعض سياسات الخليفة، وما هو إلا أن اشتد أمر المعارضة واستفحل خطرها حتى انتهت بحركة عنيفة آلت إلى أن يسقط الخليفة صريعاً على أيدي أولئك الناقمين<ح>(4).
عقب هذه الحادثة بويع لعلي بن أبي طالب ابن عم الرسول صلى الله عليه وآله <ح><ح><ح><ح>
(1) ابن خياط (التاريخ) ص50/ الطبري (التاريخ) جـ2 ص 233-243/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ5 ص 244-248.
(2) ابن خياط (التاريخ) ص50 -64/ الطبري (التاريخ) جـ2 ص 247-306/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ6 ص 311-342.
(3) ابن خياط (التاريخ) ص 64-89/ الطبري (التاريخ) جـ2 ص 355-560/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص 18-138.
(4) ابن خياط (التاريخ) ص89-107/ الطبري (التاريخ) جـ2 ص 589-689/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص 144-189. وسلم<ح>(1)، فشرع في إصلاح أمور الدولة وإعادة النظام والاستقرار إليها. وبينما هو كذلك إذا بطلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام تصحبهما عائشة أم المؤمنين يتجهون نحو البصرة معلنين الطلب بدم عثمان والقصاص من قتلته.
حاول الإمام علي - كرم الله وجهه - أن يحل القضية سلمياً، ولكن ما لبث أن نشبت بين الفريقين حرب الجمل الشهيرة التي كان ضحيتها كل من طلحة والزبير، ورجعت عائشة إلى المدينة<ح>(2). غير أنه ما كادت تهدأ تلك الثائرة وتسكن النفوس حتى أعلن معاوية بن أبي سفيان مواصلة دعوى الطلب بدم عثمان. وقد كان الإمام علي عزله عن ولاية الشام عندما ولي الخلافة، فرفض معاوية الرضوخ لهذا الأمر حتى يقتص للخليفة عثمان حسب زعمه. وحاول الإمام علي جهده لإخماد ثائرة أهل الشام بقيادة معاوية فأرسل إليه الرسل بغية تفادي الفتنة وردعه عن شق عصا المسلمين ومخالفة الخليفة الشرعي ولكن دون جدوى. وأخيراً قرر الإمام علي - كرم الله وجهه - المواجهة فزحف من العراق باتجاه الشام ضمن سلسلة من المحن أول حلقاتها تمرد معاوية على خليفة المسلمين<ح>(3).
<ح><ح><ح>
(1) ابن غيلان (السير) ورقة 159ب(مخطوط)/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص7/ الطبري (التاريخ) جـ2 ص 696-701/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص 226، 227.
(2) ابن خياط (التاريخ) ص108-115/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 12-64/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص 3-59/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص 229-247.
(3) ابن خياط (التاريخ) ص 115،116/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 65-70/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص 61-72/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص 229-255. . .




الفصل الأول:


أهـــل النهــروان


المبحث الأول: السياق التاريخي لانحيازهم إلى النهروان
المبحث الثاني: الصحابة من أهل النهروان
المبحث الثالث: حجج معارضي التحكيم في اعتزال الإمام علي
المبحث الرابع: نسبة الاستعراض والتكفير إلى أهل النهروان.
.

المبحث الأول:
السياق التاريخي لانحيازهم إلى النهروان

في يوم الأربعاء الأول من شهر صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة النبوية اشتبك الجيشان العراقي بقيادة الإمام علي بن أبي طالب والشامي بقيادة معاوية بن أبي سفيان في معركة صفين<ح>(1) واحدة من أعنف المعارك التي دارت بين المسلمين<ح>(2). وبعد قتال دام أياماً بدأت الكفة ترجح لصالح الإمام علي ومن معه وأصبح النصر وشيكاً. عندئذ لجأ أهل الشام إلى إعمال الحيلة والمكيدة لاستنقاذهم من الخطر المحدق بهم؛ فقد أشار عمرو ابن العاص على معاوية برفع المصاحف على الرماح ليتفرق الجيش العراقي<ح>(3).
أدرك الإمام علي - كرم الله وجهه - الغرض من رفع المصاحف على الرماح فألح ابتداء على مواصلة القتال وعدم الاغترار بما صنعه الشاميون، فإنهم - كما قال الإمام علي - "ما رفعوها إلا خديعة ودهناً ومكيدة"، كما كان عدد من جيش الإمام علي رافضاً وقف القتال والاستجابة إلى دعوة أهل الشام ومنهم أكثر قادته وخيرة أصحابه<ح>(4).<ح><ح><ح><ح>
(1) موضع بالشام وقيل بالعراق على الفرات من الجـانب الغربي، قريب من الرقة: الحموي (معجـم البلدان) جـ3 ص 471/ البكري (معجـم ما استعجـم) جـ3 ص 837، 838/ الحميري (الروض المعطار) ص 363.
(2) ابن سعد (الطبقـات) جـ3 ص 32، جـ4 ص 255، 256/ ابن خياط (التاريخ) ص116 (وفيه: لسبع خلون من صفر)/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص85/ اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص188/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص82/ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص294/ الذهبي (التاريخ) عهد الخلفاء الراشدين ص 543/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص262/ الحميري (الروض المعطار) ص363 (وفيه: في ربيع الأول، وقيل: في ربيع الآخر).
(3) المنقري (صفين) ص 478،479،484/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 98،103/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص101/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص 120،121/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص 216، 317/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص 233، 234/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص 273، 274/ البرّادي (الجـواهر) ص 111، 112/ الشماخي (السير) جـ1 ص47.
(4) منهم: (1) سليمان بن صرد الخزاعي: المنقري (صفين) ص518/ الدينوري (الأخبار) ص197 (2) عمرو بن الحمق الخزاعي: المنقري (صفين) ص382 / ابن قتيبة (الإمامة) منسوب ص109 (3) عدي بن حاتم: المنقري (صفين) ص482 / ابن قتيبة (الإمامة) منسوب ص106، 108. (4) محرز بن جـريش: المنقري (صفين) ص519 (5) سعيد بن قيس: المنقري (صفين) ص520 (6) شبيب بن ربيعة: البرّادي (الجـواهر) ص112 (7) يزيد بن قيس: المصدر السابق. (8) هاشم بن عتبة: المصدر السابق ص 118. (9) محمد بن الحنفية: المصدر السـابق ص 114. (10) عمار بن ياسر: ابن النير (السير) جـ1 ص 235/ ابن قتيبة (الإمامة) منسوب ص 109،110/= أبو قحطان (السير) جـ1 ص105/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص 233، 235/ ابن كثير (البداية والنهاية) =جـ7 ص274/ (الجـواهر) ص 118، 129/ الشماخي (السير) جـ1 ص 47. (11) الأشتر النخعي: المنقري (صفين) ص482/ ابن قتيبة (الإمامة) منسوب ص 109، 112/ البلاذري (الأنساب) جـ3ص104/ الطبري (التاريـخ) جـ3 ص101/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص121/ ابن كثيـر (البداية والنهاية) الطبري (التاريخ) جـ 3 ص 101/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ 5 ص 121/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص274 <ح>(1) عبدالله بن بديل بن ورقاء: البرّادي (الجـواهر) ص129 <ح>(2) كردوس بن هانىء: ابن قتيبة (الإمامة) منسوب ص104 <ح>(3) حريث بن جـابر: المصدر السابق ص:105 <ح>(4) صعصعة بن صوحان: المصدر السابق ص107 <ح>(5) المنذر بن جـارود: المصدر السابق ص107 <ح>(6) الأحنف بن قيس: المصدر السابق ص 107، 108 <ح>(6) عمير بن عطارد: المصدر السابق ص 108 <ح>(7) عبد الرحمن بن الحارث: المصدر السابق ص109 <ح>(8) قيس بن سعد: المصدر السابق ص 112.<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الطبري (التاريخ) جـ3 ص114/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص334، 335/ البرّادي (الجـواهر) ص126.
(2) يُفهم ذلك من إرسال معاوية معن بن يزيد بن الأخنس السلمي إلى علي يستحثه على الوفاء بوعده إياه بإنفاذ أبي موسى. ينظر: ابن غيلان (السير) ورقة 16ب (مخطوط) / البلاذري (الأنساب) جـ 3 ص117 / الطبري (التاريخ) جـ 3 ص110، ويدل له أيضا أن أهل الشام أقاموا بتدمر شهرا ثم تحولوا منها إلى دومة الجندل فأقاموا بها شهرا ثم توجهوا إلى أذرح: البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 117. وانظر: جعيط (الفتنة) ص: 217.
(3) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص133/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص113/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص129/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص334 / ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7ص285 / البرّادي (الجـواهر) ص127، 128.ويضم الوفد كلاً من: حرقوص بن زهير السعدي، وشريح بن أوفى العبسي، وفروة بن نوفل الأشجـعي، وعبدالله بن شجـرة السلمي، وحمزة بن سنان الأسدي، وعبدالله بن وهب الراسبي، وزيد بن حصن الطائي.
(4) سيأتي التعريف به في المبحث التالي.
(5) ابن غيلان (السير) ورقة160ب -161ب (مخطوط)/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص133،134/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص115/ أبو قحطان (السير) جـ1 ص107/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص336/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص239/ البرّادي (الجـواهر) ص129/ الشماخي (السير) جـ1 ص50، ويفهم من كلامه أن المبايعة تمت بعد الخروج إلى النهروان.
(6) سيأتي التعريف به في المبحث التالي.
(7) سيأتي التعريف به في المبحث التالي.
(8) سعد بن مسعود الثقفي: له صحبة، ولاه علي بعض عمله ثمّ استصحبه معه إلى صفين. ولم أقف على سنة وفاته، وله ذكر في حوادث سنة إحدى وأربعين، وهو عم المختار بن أبي عبيد الثقفي: ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص404/ ابن حجـر (الإصابة) جـ3 ص83 رقم3204.
ولكن سرعان ما أجاب قسم كبير من أهل العراق إلى فكرة الاحتكام إلى القرآن وترك القتال، وفيهم أيضاً بعض أكابر أصحاب الإمام علي<ح>(1). وأخيراً بعد حوار وجدال بين الإمام علي وأصحابه توقف القتال ووضعت الحرب أوزارها<ح>(2).
سار الأشعث بن قيس الكندي - وهو ممن أصر على وقف القتال - بإذن من الإمام علي إلى معاوية ليسأله عن دواعي رفع المصاحف فقال له معاوية: "لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه، تبعثون منكم رجلاً ترضون به ونبعث منا رجلاً ثمّ نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه"<ح>(3). ورجع الأشعث إلى الإمام علي فأخبره بالذي قال معاوية فقبل علي ذلك. وبعد مناقشات ومداولات وقع اختيار أهل العراق على أبي موسى الأشعري ممثلاً لهم، بينما كان أهل الشام قد اتفقوا على اختيار عمرو بن العاص<ح>(4).
ثم كتب كتاب التحكيم<ح>(5)، ومفاده التزام الحكمين بحكم القرآن في القتال الدائر<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) منهم: (1) الأشعث بن قيس: ابن قتيبة (الإمامة) منسوب ص 102،109،111/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص102. (2) سفيان بن ثور: ابن قتيبة (الإمامة) منسوب ص 104 (3) خالد بن معمر: المصدر السابق ص105 (4) عثمان بن حنيف: المصدر السابق ص105، 106.
(2) المنقري (صفين) ص 489/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص103/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص 101، 104/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص 316-318/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص 273، 274.
(3) المنقري (صفين) ص 498، 499/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 98،99/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص102/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص122/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص318/ الشماخي (السير) جـ1 ص47.
(4) ابن سعد (الطبقـات) جـ3 ص32/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص103/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص 102/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص 318، 319/ البرّادي (الجـواهر) ص 114، 115.
(5) التحكيم في اللغة أن تجعل الحُكْم فيما لك لغيرك، أما في اصطلاح الفقهاء فهو "تولية الخصمين حاكماً يحكم= =بينهما".انظر: ابن عابدين (رد المحتار) جـ8 ص 125/ الدوري، قحطان (عقد التحكيم) ص 19. بين الطرفين، والتزام موكليهما - علي ومعاوية - بقبول نتيجة التحكيم، وضرب الأجل في رمضان على أن يقع التحكيم بدومة الجندل<ح>(1)، أو أذرح<ح>(2). فلما كتب الكتاب أخذه الأشعث بن قيس وغدا يمر به على الناس وهو يقرؤه عليهم، فعارضه أفراد من قبائل عدة، فلما مر بطائفة من بني تميم عارضه عروة بن أدية التميمي<ح>(3) قائلاً: "أتحكمون في أمر الله الرجال؟! أشرط أوثق من كتاب الله وشرطه؟! أكنتم في شك حين قاتلتهم؟ لا حكم إلا لله"<ح>(4). وقد لاقى هذا النداء من عروة قبولاً واسعاً في صفوف جيش الإمام علي، خاصة عند طائفة ممن كانوا ممانعين لوقف القتال، فتعالت النداءات من كل جانب " لا حكم إلا لله"، وفشا التحكيم<ح>(5) في الجيش العراقي وتداعى الناس إلى الحرب، حتى أقبلت عصابة إلى الإمام علي تطلب منه استئناف القتال فأبى معتذراً بقوله: "قد جعلنا
<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) دومة الجـندل: ما بين برك الغماد ومكة، ويقال لها: ما بين الحجـاز والشام، والمعنى واحد، على عشر مراحل من المدينة وعشر من الكوفة وثمان من دمشق واثنتي عشرة من مصر: الحموي (معجـم البلدان) جـ2 ص 554-556/ البكري (معجـم ما استعجـم) جـ2 ص 564،565.
(2) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 108، 109، 111/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص 103، 105/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص123/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص 321/ الذهبي (التاريخ) عهد الخلفاء الراشدين ص 548/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص277. أما ما يذكره نصر بن مزاحم (صفين) ص511 وابن سعد (الطبقات) جـ3 ص32 من أن الموعد كان في أذرح فيبدو أنه تعبير عن اللقاء الفعلي. وأذرح: قرية بالشام، من نواحي البلقاء وعمَّان مجـاورة لأرض الحجـاز: الحموي (معجـم البلدان) جـ1 ص157/ البكري (معجـم ما استعجـم) جـ1 ص30.
(3) عروة بن عمرو بن حدير، وقيل حدير أبوه، من ربيعة بن حنظلة، وأدية جـدته وقيل أمه وقيل كانت ظئراً – له – أي مرضعاً - فنسب إليها، قتله عبيدالله بن زياد بعد أن قطع يديه ورجـليه ثمّ صلبه وذلك عام ثمان وخمسين للهجرة: ابن قتيبة (المعارف) ص410/ البلاذري (الأنساب) جـ5 ص416/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص254.
(4) المنقري (صفين) ص512/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص110/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص104/ المسعودي (المروج) جـ2 ص403/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ5 ص123/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص321/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص278/ البرّادي (الجواهر) ص112/ الشماخي (السير) جـ1 ص47 وينفرد بالرواية عن الأشعث أنه كان يعرض أمر الحكومة لا كتابها (أي قبل كتابة الكتاب).
(5) التحكيم هنا هو قولهم "لا حُكْم إلا لله" و"لا حَكَمَ إلا اللهُ" وهذا على السلب لأنهم ينفون الحكم. انظر: ابن منظور (اللسان) جـ12 ص142 باب الميم فصل الحاء. ويعني ابن منظور بقوله:" لأنهم ينفون الحكم" أنهم لا يرضون بالتحكيم الذي جرى بين علي ومعاوية. ولعله مأخوذ من حكّمت الرجـل تحكيماً: إذا منعته مما أراد. انظر: الجـوهري (الصحاح) جـ5 ص1902 باب الميم فصل الحاء. حكم القرآن بيننا وبينهم ولا يحل لنا قتالهم حتى ننظر بم يحكم القرآن"(1).
قفل أهل العراق إلى الكوفة، ولكن على غير الحال التي ذهبوا بها إلى صفين كما قيل عنهم: "خرجوا مع علي إلى صفين وهم متوادون أحباء فرجعوا متباغضين أعداء"(2). وتتفق الروايات(3) على أن الإمام عليّاً لما دخل الكوفة اعتزله عدد كبير من جيشه إلى مكان قريب من الكوفة يسمى حَرَوْرَاء(4) متمسكين بموقفم من التحكيم وأنـه تحكيـم للرجال في أمر قد حكم الله فيه، ونادى مناديهم: "إن أمير القتـال شبث بن ربعي التميمي(5)، وأمير الصلاة عبدالله بن الكواء اليشكري"(6).
أراد الإمام علي -كرم الله وجهه - معرفة حجة الذين اعتزلوه إلى حروراء فأرسل إليهم عبدالله بن العباس ليناظرهم. وتتضارب ها هنا الروايات، هل استطاع ابن عباس أن يرد على ما أبدوه من حجج فأقنعهم فدخل عدد منهم الكوفة ؟ أم لم يقنعهم وحينئذ لم ينجح في ردهم إليها ؟ غير أن الثابت أن الإمام عليَّاً قدم عليهم بنفسه فيما بعد(7).
ويبدو من غالب الروايات أن أهل حروراء فهموا من الإمام علي تراجعه عن إنفاذ التحكيم وقبوله استئناف القتال مع أهل الشام، وأنهم لهذا السبب أجابوه إلى ما أراد من دخولهم جميعاً الكوفة معه(8)، ويؤيد هذا أنهم لما دخلوا الكوفة أشيع أن الإمام علياً رجع عن التحكيم، وأنه إنما يعد العدة لمعـاودة قتـال الفئـة الباغيـة(9). فلما بلغ علياً ذلك خطـب النـاس بقوله: "كذب من قال إني رجعـت عن القضية وقلت إن الحكومة ضلال"(10)، فكان ذلك بداية لفصام جديد حيث صار المحكّمة(11) يعترضون على الإمام علي في خطبه مرددين "لا حكم إلا لله"(12). وازدادت المعارضة شدة، الأمر الذي أدى بالإمام علي إلى عدم إنفاذ أبي موسى الأشعري إلى مكان التحكيم في الوقت المحدد له(13).
وظلت المحاورات والمجادلات بين الإمام علي وبين المحكّمة، وبينه وبين الأشعث بن قيس ومن معه إذ كان يصر الأشعث على التحكيم ويلح على الإمام علي في قبوله. وفي محاولة أخيرة من المحكّمة أقبل وفد منهم إلى الإمام علي لثنيه عن إجابة معاوية إلى مراده. ويبدو أن ذلك اللقاء كــان حاسـماً، حين عرفوا منه إصراره على موقفه وعزمه على إنفاذ أبي موسى للقاء عمرو بن العــاص(14).
عندئذ انطلق هذا الوفد ومعهم أصحابهم ممن يرى رأيهم، فاجتمعوا في منـزل عبدالله بن وهب الراسبي(15) وعزموا على الانفصال، ثمّ عرضوا الإمامة على وجوههم فتدافعوها ولم يرض بها أحد منهم، وأخيراً قبلها عبدالله بن وهب قائلاً: "هاتوها، أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا، ولا أدعها فَرَقاً من الموت"(16).
بعد أن تمت البيعة اجتمعوا في منـزل شريح بن أوفى(17)، فأشار عليهم بالتوجه إلى المدائن، إلا أن زيد بن حصن الطائي(18) نصحهم عنها خشية أن يمنعهم من دخولها سعد بن مسعود الثقفي(19) والي علي عليها، ثمّ اجتمع رأيهم على التوجه إلى النَّهروان<ح>(1)، وكاتبوا إخوانهم من أهل البصرة يعلمونهم بما اتفقوا عليه، ويستنهضونهم للحاق بهم، ثمّ خرجوا إلى النهروان وحداناً مستخفين لئلا ترى لهم جماعة فيتبعوا<ح>(2).<ح><ح>
(1) النهروان: مدينة صغيرة على أربعة فراسخ من بغداد شرقاً: الحميري (الروض المعطار) ص582.
(2) ابن غيلان (السير) ورقة 161ب-162ب (مخطوط)/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص137-140/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص115/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ5 ص131/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص336/ البرّادي (الجـواهر) ص129، 130. ويتفق هاشم بن غيلان مع ابن الجـوزي في القول إنهم اجـتمعوا في منـزل زيد بن حصن، ويروي البلاذري (الأنساب) جـ3 ص136 أن الذي أشار هو عبدالله بن شجـرة.
في أثناء ذلك كان علي قد وجه أبا موسى الأشعري إلى أذرح للقاء عمرو بن العاص<ح>(1)، واجتمع الحكمان في جمع من أصحابهما لإصدار الحكم في القضية. وتتضارب الروايات بشأن ما جرى بين الحكمين في ذلك اللقاء وما أسفر عنه التحكيم؛ فعلى حين تؤكد روايات عدة أن عمـرو بن العاص خدع أبا موسى إذ ولى معاوية الخلافة بعد أن خلع أبو موسى عليّاً<ح>(2)، نجد بعض الروايات تبين أن كليهما عزلاً عليّاً ومعاوية وتركا الأمر شورى<ح>(3). وتفيد كل الروايات أنهما تفرقا ولم يصلا إلى حل يرضي الطرفين.
بيد أننا نلاحظ أن ما افترق عليه الحكمان كان مفاجئاً للإمام علي وأصحابه، مما جعله يجمع جنده من جديد متجهاً إلى الشام لاستئناف القتال. وبعث إلى أهل النهروان يعلمهم بما أسفر عنه التحكيم ويدعوهم إلى الدخول معه لمواصلة قتال معاوية وأصحابه. ولكنهم ردوا عليه برفض الانضمام إليه فأيس منهم وتركهم ومضى إلى أهل الشام حتى بلغ النخيلة<ح>(4) فعسكر بها<ح>(5).
عندذاك أقبلت جماعة من أهل البصرة ممن ينكرون التحكيم ليلحقوا بأصحابهم في النهروان يقودها مِسْعَر بن فَدَكي التميمي فلقوا في طريقهم عبدالله بن خباب بن الأرت <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن غيلان (السير) ورقة 162ب (مخطوط)/ ابن سعد (الطبقات) جـ3 ص33/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص118/ اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص190/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص105/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص126/ الشماخي (السير) جـ1 ص50. وقيل بدومة الجـندل: ابن سعد (الطبقات) جـ4 ص256/ ابن خياط (التاريخ) ص115/ الذهبي (التاريخ) جـ عهد الخلفاء الراشدين، ص 548، 549. ويقول ياقوت الحموي (معجـم البلدان) جـ2 ص555: "وقد ذهب بعض الرواة إلى أن التحكيم بين علي ومعاوية كان بدومة الجـندل، وأكثر الرواة على أنه كان بأذرح، وقد أكثر الشعراء في ذكر أذرح وأن التحكيم كان بها". ولعل الذين ذكروا أن التحكيم كان بدومة الجـندل عبروا عن موعد اللقاء الأصلي. وانظر: جـعيط (الفتنة) ص218.
(2) المنقري (صفين) ص546/ ابن سعد (الطبقات) جـ3 ص33 جـ4 ص257/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص121، 125/ أبو قحطان (السير) جـ1 ص108/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص112، 113/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص128/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص332/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص240/ البرّادي (الجـواهر) ص134/ الشماخي (السير) جـ1 ص50.
(3) ابن خياط (التاريخ) ص115/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص119/ المسعودي (المروج) جـ2 ص409.
(4) النُّخَيلة: موضع قرب الكوفة على جهة الشام: الحميري (الروض المعطار) ص576.
(5) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص140، 141/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص117/ المسعودي (المروج) جـ2 ص409/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ5 ص132، 133/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص339/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص278. فقتله مسعر بعد حوار معه بيّن فيه تصويبه لعلي بن أبي طالب، ثمّ اتجهوا إلى النهراون<ح>(1).
بلغ الإمام علياً نبأ مقتل عبدالله بن خباب فقرر بعد إلحاح من الأشعث بن قيس وكثير من جيشه أن يحول وجهته إلى النهروان بدلاً من أهل الشام مطالباً إياهم بدم عبدالله بن خباب<ح>(2).
وتورد بعض الروايات أن علياً طالب أهل النهروان أن يسلموه القتلة وأنهم قالوا: "كلنا قتلته"<ح>(3)، إلا أننا نجد - في المقابل - من الروايات ما ينفي عن أهل النهروان أنهم ارتضوا مسلك مسعر بن فدكي في الاستعراض والتقتيل أو سمحوا له بالبقاء في صفوفهم<ح>(4).
ومع ذلك فإننا نرى الإمام عليّاً -كرم الله وجهه - زحف بجيشه إلى النهروان، فجرت هنالك معركة فاصلة قتل فيها معظم أهل النهروان، ولم ينج منهم إلا القليل<ح>(5).
<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن سعد (الطبقات) جـ5 ص245، 246/ ابن خياط (التاريخ) ص119/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص136،142-144/ االدينوري (الأخبار) ص157/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص116/ ابن أعثم (الفتوح) جـ4 ص255/ أبو العرب (المحن) ص122/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص132/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص338، 341، 342/ الذهبي (العبر) جـ1 ص32/ الشماخي (السير) جـ1 ص50.
(2) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص142- 144/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص119/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص133/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص 342، 343.
(3) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ3 ص309/ أبو عبيد (الأموال) ص81/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص136، 141/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1105/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص120/ ابن الجـوزي (المنتظم) جـ5 ص133/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص343/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص288، 289.
(4) انظر المبحث الرابع من هذا الفصل.
(5) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص146-150/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص119-122/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ5 ص133-136/ ابن الأثير (الكامل) ص345-348/ الذهبي (التاريخ) عهد الخلفاء الراشدين ص588، (العبر) جـ1 ص32/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص288-290.
المبحث الثاني:
الصحابة من أهل النهروان

تذكر المصادر عدداً من صحابة<ح>(1) رسول الله شاركوا أهل النهروان انفصالهم عن الإمام علي، ونجد أسماء بعضهم تتصدر قائمة الذين كان لهم دور بارز في الإلحاح على الإمام علي بالتراجع عن التحكيم، ثمّ الاعتزال إلى النهروان.
ويبدو واضحاً أن غالبية المصادر متفقة على ذكر بعض تلك الأسماء في النهروان والأحداث التي سبقتها. وعلى الرغم من نفي بعض الروايات التي اعتمد عليها بعض العلماء والباحثين<ح>(2) وجود الصحابة في صفوف أهل النهروان أو ضمن معارضي التحكيم، كالذي يروي عن ابن عباس أنه قال لأهل حروراء: "أتيتكم من عند أصحاب النبي المهاجرين والأنصار ومن عند ابن عم النبي وصهـره وعليهـم نـزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم وليس فيكم منهم واحد.." فإن - في المقابل - من الروايات ما يفيد خلاف هذه الفكرة، إذ يروى عن ابن عباس نفسه أنه لما جاء من عند معاوية في أمر الحكمين ناقشه عدة رجال في مسألة التحكيم وهم يستدلون عليه من كتاب الله، يقول الراوي: "حتى دخلني من ذلك، قال: ومن هم ؟ هم والله السِّنّ الأول أصحاب محمد، هم والله أصحاب البرانس والسواري"<ح>(3).
كما تصف هذه الرواية نفسها – مناقضة للفكرة السابقة - أحد الذين ناقشوا ابن عباس في مسألة التحكيم بأنه "كأنما ينـزع بحاجته من القرآن في سورة واحدة" فقال له ابن عباس: "إني أراك قارئاً للقرآن عالماً بما قد فصلت ووصلت".<ح><ح><ح>
(1) للصحابي تعريفات عدة، صحح الحافظ ابن حجـر أن الصحابي "من لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام": ابن حجر (الإصابة) جـ1 ص6-8.
(2) ابن حزم (الفصل) جـ4 ص237/ النجـار، عامر (الإباضية) ص38 هامش/ العمري (عصر الخلافة) ص482، لكنه يذكر ذلك في أهل حروراء، وهو ينسحب على أهل النهروان.
(3) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ15 ص299، 300.
على أنه من غير المقدور على دفعه ثبوت وجود بعض الصحابة فيهم، لا سيما الصحابة الذين تتفق عليهم معظم المصادر، فقد حفظت لنا كتب التاريخ أعداداً كبيرة من الصحابة كانوا في جيش الإمام علي في صفين<ح>(1)، ولا يعرف مصير كل واحد منهم إلا ما ثبت عن بعضهم من مقتله في صفين أو بقائه إلى فترة متأخرة من الزمن. ولهذا فمن المستبعد جداً أن تكون معركة صفين قد أسفرت عن مقتل كل الصحابة الذين شاركوا فيها ممن ليس له ذكر بعدها، وهذا ما تؤكده رواية خليفة بن خياط عن عبد الرحمن بن أبزى<ح>(2) قال: "شهدنا مع علي ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منا ثلاثة وستون"<ح>(3)، وفي رواية "ثلاثمائة وستون"<ح>(4). على أنه يروى أن عدد الصحابة الذين توفي النبي عنهم يقدر بأكثر من مائة ألف<ح>(5)، والذين أورد أسماءهم الحافظ ابن حجر في "الإصابة" - وهو أجمع كتاب في موضوع الصحابة - بلغوا الرقم (12304)<ح>(6). مع أن ابن حجر ذكر فيهم من أدرك النبي ولم يثبت أنه رآه أو لقيه - أي يحتمل أن يكون صحابياً ويحتمل ألا يكون - ومن ذكر في الصحابة على جهة الغلط والسهو وليس هو منهم. إضافة إلى ذلك يقول ابن حجر بأنه لم يحصل له من ذلك جميعاً الوقوف على العشر من أسامي الصحابة<ح>(7).
ولا يخفى أن عدد الصحابة المذكورة أسماؤهم بعد صفين في جهة علي أو في جهة <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) يذكر خليفة بن خياط (التاريخ) ص118 وابن السكن -كما نقل عنه ابن حجـر في (الإصابة) جـ4 ص282- أن فيهم ثمانمائة ممن بايع تحت الشجـرة. ويورد اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص188 سبعين بدرياً وسبعمائة من أهل الشجـرة وأربعمائة من المهاجـرين والأنصار. بينما ينقل العربي التباني في كتابه (تحذير العبقري) جـ2 ص64، 65 عن كتاب (صفين) ليحيى بن سليمان الجـعفي بسند قال عنه "جـيد" عن أبي مسلم الخولاني أنهم تسعون بدرياً وسبعمائة من أهل بيعة الرضوان وأربعمائة من سائر المهاجـرين والأنصار.
(2) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي: مختلف في صحبته، والأكثر على أنه صحابي. وقيل استعمله علي على خراسان، واستظهر الذهبي أنه عاش إلى سنة نيف وسبعين من الهجـرة: ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص 374/ الذهبي (السير) جـ3 ص201،202/ ابن حجر (الإصابة) جـ4 ص 282،283.
(3) ابن خياط (التاريخ) ص118.
(4) ابن حجر (الإصابة) جـ4 ص282.
(5) المصدر السابق جـ1 ص2.
(6) المصدر السابق جـ8 ص325.
(7) المصدر السابق جـ1 ص2. معاوية يقترب مع عدد المذكورين في الجهة المعارضة للتحكيم، والتفاوت في الوجود الحقيقي للصحابة يكون بين جهة معاوية وبين الجهات المقابلة لما سبق من أن معظم الصحابة الموجودين يومئذ كانوا في جيش علي في صفين، وطبيعي أن يتجاوزوا عدد من ذكرت أسماؤهم في كتب التاريخ، فإن من الصعب إعطاء إحصاء لكل أفراد أهل النهروان أو غيرهم وبيان اسم كل واحد منهم.
وحينئذ - ومع غياب أسماء أكثر أولئك الصحابة في الجهة المقابلة لأهل النهروان - فإن إيراد المصادر أسماء عدد من الصحابة أو الإشارة إلى جملة منهم قتلوا مع أهل النهروان يصبح أمراً طبيعياً.
أما الصحابة الذين ورد ذكرهم في أهل النهروان ومعارضي التحكيم فهم:
1- زيد بن حصن (أو حصين) الطائي:
ذكره عدد من المؤرخين ضمن أهل النهروان<ح>(1)، وعده كل من أبي المؤثر والبرّادي من الصحابة<ح>(2)، كما أورده ابن حجر في القسم الأول<ح>(3) من أقسام كتابه "الإصابة" اعتماداً على ما ذكره الهيثم بن عدي من أنه كان عامل عمر بن الخطاب على حدود الكوفة<ح>(4)، وقد ذكر ذلك أيضاً ابن حبان في "الثقات"<ح>(5) والبرادي<ح>(6)، قال ابن حجر: <ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن غيلان (السير) ورقة161ب (مخطوط)/ أبو المؤثر (السير) جـ2 ص313/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص147/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص101، 102، 115، 117، 121، 122، 148/ الشماخي (السير) جـ1 ص51، 53.
(2) أبو المؤثر (السير) جـ2 ص313/ البرّادي (الجـواهر) ص118.
(3) قسم ابن حجـر العسقلاني الذين ذكرهم في "الإصابة في معرفة الصحابة" أربعة أقسام: الأول: من وردت صحبته أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان. الثاني: من ولد على عهده وهو دون سن التمييز. الثالث: من أدرك الجـاهلية والإسلام ولم يرد أنه لقي النبي عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء ليسوا من الصحابة باتفاق. الرابع: من ذكر في الصحابة على طريق الوهم والغلط.
(4) ابن حجر (الإصابة) جـ2 ص603.
(5) ابن حبان (الثقات )جـ2ص295.
(6) البرّادي (الجـواهر) ص 129. "وقد قدَّمْتُ غيرمرة أنهم كانوا لا يؤمّرون في ذلك الزمان إلا الصحابة"<ح>(1).
2- حرقوص بن زهير السعدي التميمي:
ذكره فيمن قتل في أهل النهروان عدد من أهل التاريخ<ح>(2). لكن يفهم مما نقله ابن حجر عن الهيثم بن عدي أن الخوارج<ح>(3) تزعم أن حرقوصاً من الصحابة وأنه قتل يوم النهروان، قال الهيثم: "فسألت عن ذلك فلم أجد أحداً يعرفه"<ح>(4) يفهم من ذلك أن حرقوص بن زهير هذا غير حرقوص المقتول بالنهروان. وعليه فقد ذكر ابن حجر ثمة حرقوصاً آخر هو العنبري، ونقل عن ابن أبي داود<ح>(5) الجزم بأنه ذو الثدية المقتول بالنهروان<ح>(6)، مما ينفي أن يكون حرقوص السعدي قد قتل في معركة النهروان، وصنف ابن حجر حرقوصاً العنبري في القسم الثالث، وذكر أن له إدراكاً وشهد فتح تُسْتُر مع <ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن حجر (الإصابة) جـ2 ص603. ومستند الحافظ في إثبات الصحبة من هذا الضابط ما عزاه إلى ابن أبي شيبة أنه أخرج من طريق قال: "كانوا لايؤمرون في المغازي إلا الصحابة" (الإصابة) جـ1 ص9. وقد بحثت بحثاً مضنياً في مصنف ابن أبي شيبة ولم أستطع العثور على هذا النص. ولكن يشهد لذلك تأمير عمر ابن الخطاب لأبي عبيد بن مسعود الثقفي على قتال الفرس لما ندب عمر الناس ثلاثة أيام فكان أول من انتدب أبا عبيد هذا، فقيل لعمر: "هلا أمرت عليهم رجـلاً من الصحابة" فقال: "إنما أؤمر أول من استجـاب،إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجـاب قبلكم": ابن كثير (البداية والنهاية) جـ4 ص25. ومفاد هذه الحادثة أن الأصل أنهم لا يؤمرون إلا الصحابة وأن تأمير أبي عبيد الثقفي إنما هو حالة استثنائية، ولذا عوتب عمر. هذا والمراد بالضمير في "كانوا" الصحابة كما يظهر، وليس ذلك مختصاً بعمر، ففي ترجـمة حنظلة بن الطفيل السلمي: ابن حجر (الإصابة) جـ2 ص136 ذكر أن أبا عبيدة بن الجـراح بعثه إلى حمص ففتحها الله على يديه، قال ابن حجـر: "وقد تقدم غير مرة أنهم كانوا لا يؤمرون إلا الصحابة، وذكر حنظلة في القسم الأول. وأما المعني بذلك الزمان عهد عمر كما بينه ابن حجـر نفسه (الإصابة) جـ1 ص445.
(2) ابن خياط (التاريخ) ص119/ أبو المؤثر (السير) جـ2 ص313/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص133، 136، 147/ الطبري (التاريخ) جـ2 ص497، جـ3 ص113، 115، 121، 122/ الشماخي (السير) جـ1 ص53.
(3) انظر في تعريف الخوارج: المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب.
(4) ابن حجر (الإصابة) جـ2 ص49.
(5) ابن أبي داود:هو عبدالله بن سليمان بن داود السجستاني صاحب السنن، ذكره ابن حجـر في مقدمة كتابه (الإصابة) جـ1 ص2 ضمن من ألف في الصحابة.
(6) ابن حجر (الإصابة) جـ2 ص170. أبي موسى الأشعري، قال: "وهو غير حرقوص بن زهير السعدي"<ح>(1). وهو كلام مناقض لما ثبت في التاريخ من أن حرقوصاً الذي قتل في النهروان هو الذي شهد فتح تستر. ولا يورد أي مصدر أنه كان في فتح تستر حرقوصان، فقد ذكر الطبري أن عتبة بن غزوان<ح>(2) كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده فأمده عمر بحرقوص بن زهير السعدي وأمّره على القتال، وافتتح حرقوص سوق الأهواز<ح>(3) فأقام بها واتسقت له إلى تستر، قال الطبري: "ثم إن حرقوصاً تحرر يوم صفين وبقي على ذلك وشهد النهروان مع الحرورية"<ح>(4)، وهو صريح في كون حرقوص بن زهير السعدي الذي فتح الأهواز وتستر هو الذي قتل في النهروان، لكنه غير ذي الثدية المعروف كما سيأتي بيانه.
هذا، وقد عد حرقوص بن زهير السعدي في الصحابة كثير من أهل العلم<ح>(5)، ولذا أورده ابن حجر في القسم الأول، وقال عنه: "له ذكر في فتوح العراق"<ح>(6)، وسيأتي أنه غير ذي الخويصرة.
3 – عبدالله بن وهب الراسبي<ح>(7) الأزدي ذو الثَّفِنات<ح>(8):<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن حجر (الإصابة) ج2 ص170.
(2) أسلم سابع سبعة في الإسلام، وهاجـر إلى الحبشة، وشهد بدراً والمشاهد، وهو الذي اختط البصرة وأنشأها بعد أن استعمله عمر عليها. توفي سنة 15 وقيل 17 وقيل 20 من الهجـرة: الذهبي (السير) جـ 1 ص 304 - 306/ ابن حجر (الإصابة) جـ4 ص 438، 439.
(3) الأهواز: هي خوزستان وهي رامهرمز، وسوق الأهواز من مدنها: الحموي (المعجـم) جـ1 ص338، 339/ الحميري (الروض المعطار) ص 61.
(4) الطبري (التاريخ) جـ2 ص 496، 497.
(5) أبو المؤثر (السير) جـ 2 ص 313/ الطبري (التاريخ) جـ 2 ص 496/ ابن الأثير (الكامل) جـ2 ص 545/ ابن الاثير (أسد الغابة) جـ 1 ص 474/ الدرجيني (الطبقات) جـ2 ص 202/ البرّادي (الجـواهر) ص 118/ الفيروز آبادي (القاموس) جـ2 ص 309/ الزبيدي (التاج) جـ4 ص 379.
(6) ابن حجر (الإصابة) جـ 2 ص 49 رقم 1663.
(7) سماه الجـوزجـاني في(أحوال الرجـال) ص 349 عبدالله بن راسب، وتبعه الذهبي في (الميزان) على ذلك، حيث جـعل ثمة شخصين؛ أحدهما عبدالله بن راسب جـ4 ص 96 رقم (4309) وعبدالله بن وهب جـ4 ص226 رقم (4685)، وقد بين الحافظ ابن حجـر أنهما شخص واحد: (اللسان) جـ4 ص 12 رقم (4591)، ص 191 رقم (4898).
(8) يقول ابن حجـر (الإصابة) جـ5 ص 100: "وكان عجـباً في كثرة العبادة، حتى لقب ذا الثفنات، كان لكثرة سجـوده صار في يديه وركبتيه كثفنات البعير"وانظر: البلاذري (الأنساب) جـ3 ص135.والثفنات جـمع،= =وثفِنة البعير: ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ كالركبتين وغيرهما: الجـوهري (الصحاح) جـ5 ص 2088 باب النون فصل الثاء.
سبق في المبحث الأول أنه بايعه أهل النهروان قبل خروجهم من الكوفة. وتشير عبارات بعض العلماء إلى أنه ليس له صحبة؛ حيث يذكر أبو المؤثر كلاَّ من حرقوص بن زهير وزيد بن حصن في سياق ذكر صحابة رسول الله ويعقب بقوله: "ثم من بعدهم عبدالله بن وهب الراسبي"<ح>(1). ويورده ابن حجر في القسم الثالث قائلاً: "له إدراك"<ح>(2) أي أدرك النبي ولم يرد أنه لقيه. وذكر الذهبي أنه كان ممن أدرك الجاهلية<ح>(3)، أما ابن حزم فينفي أن يكون عبدالله بن وهب صحابياً<ح>(4)، بل "كان من خيار التابعين"<ح>(5). إلا أن الطبري يروي في خبر فتح ماسبذان أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص بأن يبعث جنداً ويجعل على إحدى مجنبتيه عبدالله بن وهب الراسبي<ح>(6). وعلى الرغم من أن ابن حجر ينقل عنه أنه شهد فتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص، وأنه كان من الجند الذين أرسلهم سعد<ح>(7)، فإنه لا يشير إلى أمر عمر سعداً بأن يجعل عبدالله بن وهب على إحدى مجنبتي أولئك الجند. وبناءً على ما مر من إدراك عبدالله بن وهب الراسبي الجاهلية وعلى ما قرره ابن حجر من أنهم كانوا لا يؤمرون يومئذ إلا صحابياً فإن عبدالله بن وهب يعد - إذن - صحابياً<ح>(8)، ويؤكد ذلك الدرجيني<ح>(9) والبرّادي<ح>(10).<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) أبو المؤثر (السير) جـ2 ص 313.
(2) ابن حجر (الاصابة) جـ5 ص 100 رقم 6364.
(3) الذهبي (الميزان) جـ4 ص 96 رقم 4308.
(4) ابن حزم (الفصل) جـ 4 ص 238.
(5) ابن حزم (الجـمهرة) ص 386.
(6) الطبري (التاريخ) جـ2 ص 475.
(7) ابن حجر (الإصابة) جـ 5 ص 100.
(8) نظير هذا إيراد ابن حجـر جـارية بن عبدالله الاشجـعي حليف بني سلمة من الأنصار في القسم الأول (الإصابة) جـ1 ص444، 445 حيث قال في ترجمته (1050): "استدركه ابن فتحون، ونقل عن سيف بن عمر أنه كان على الميسرة يوم اليرموك مع خالد بن الوليد، وذكره الدارقطني وابن ماكولا عن سيف، وقد تقدم أنهم كانوا لا يؤمرون في عهد عمر إلا الصحابة".
(9) الدرجيني (الطبقات) جـ 2ص 201.
(10) البرّادي (الجـواهر) ص 118.
4 - شجرة بن أوفى السلمي:
ذكر البرّادي والشماخي أنه شهد النهروان وكان بدرياً<ح>(1).
5 - عبدالله بن شجرة السلمي:
ذكره فيمن شهد النهروان كل من البلاذري والطبري والبرّادي، وعده فيمن بايع تحت الشجرة<ح>(2).
6 - شريح بن أوفى (أو أبي أوفى) بن ضبعة العبسي:
ذكره في أهل النهروان البلاذري والطبري والبرّادي<ح>(3)، وجعله الأخير ممن بايع تحت الشجرة، لكنه قال "السلمي"، ويبدو أنه خلط بينه وبين شجرة بن أوفى السلمي.
7 - ثرملة (من بني حنظلة):
أورده فيمن قتل مع أهل النهروان كل من الجوهري - وجعله هوذا الثدية<ح>(4) - والقلهاتي، والبرّادي، وذكر الأخيران أنه من صحابة رسول الله <ح>(5).
8 - نافـــع:
ذكره في أهل النهروان كل من أبي داود والبلاذري والطبري وابن حجر والبرّادي والشماخي<ح>(6)، وجعله الأربعة الأولون ذا الثدية المعروف بالمخدج، وهو الذي يفيده نقل <ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) البرّادي (الجـواهر) ص 118/ الشماخي (السير) جـ 1 ص 48.
(2) البلاذري (الأنساب) جـ 3 ص 133، 134، 147 /الطبري (التاريخ) جـ3 ص 120، 122/ البرّادي (الجـواهر) ص 118.
(3) البلاذري (الأنساب) جـ 3 ص 133، 136، 147/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص115، 121، 122/ البرّادي (الجـواهر) ص 129.
(4) الجـوهري (الصحاح) جـ 6 باب الياء فصل الثاء ص 2291، باب الياء فصل الياء ص 2541.
(5) القلهاتي (الكشف) جـ 2 ص 252/ البرّادي (الجـواهر) ص 118.
(6) أبو داود (السـنن) ك السنة باب قتال الخوارج رقم 4770/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 149/الطبري (التاريخ) جـ3 ص 125/ البرّادي (الجـواهر) ص 118/ ابن حجر (نـزهة الألباب) جـ1 ص 282 رقم 1128/ الشماخي (السير) جـ1 ص 53. البرّادي والشماخي عن جابربن زيد الأزدي أن نافعاً "قطع الفحل يده"<ح>(1). وعده البرّادي من صحابـة رسـول الله ومولى لثرملة السابق ذكره<ح>(2). ولعل كونه مولى لثرملة لبس على الجوهري فجعـل ثرملة هو ذا الثدية. هذا وفي الصحابة عدد ممن اسمه نافع<ح>(3) من الصعب تحديد واحد منهم ليكون هو صاحب هذه الترجمة.
9 - عمير بن الحارث:
ذكره البرّادي في أهل النهروان ونسبه أنصارياً<ح>(4). وأورد الحافظ ابن حجر اثنين اتفق اسماهما وتشابه اسما أبويهما، الأول: عمير بن الحارث الأنصاري، شهد العقبة وبدراً وأحداً<ح>(5) والثاني: عمير بن حارثة السلمي، صحابي شهد صفين مع علي<ح>(6). ولا يبعد أن يكونا شخصاً واحداً، فإن الأول سلمي أيضاً كما ذكر ابن الأثير<ح>(7)، وعليه يكون "حارثة" محرفاً عن "الحارث". وبناءً على هذا فلعله هو الذي أراده البرّادي، لا سيما أنه لم يرد عنه أنه قتل في صفين، ولم أجد له ذكراً بعد ذلك.
10 - أبو عمرو بن نوفل:
ذكره البرّادي في أهل النهروان وفي الصحابة<ح>(8).
11 - هرم بن عمرو الأنصاري (من بني واقف):
ذكره البرّادي في أهل النهروان<ح>(9)، وأورده ابن عبدالبر في الصحابة وسماه هرم بن <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) البرّادي (الجـواهر) ص 141/ الشماخي (السير) جـ1 ص 53.
(2) البرّادي (الجـواهر) ص 141.
(3) ذكر ابن حجـر في (الإصابة) جـ6 ص 404 - 416 اثنين وعشرين صحابياً ممن اسمه نافع.
(4) البرّادي (الجـواهر) ص 118.
(5) ابن حجر (الإصابة) جـ 4 ص 714 رقم (6030).
(6) ابن حجر (الإصابة) جـ 4 ص714 (6032).
(7) ابن الأثير (أسد الغابة) جـ 3 ص 785 رقم (4061).
(8) البرّادي (الجـواهر) ص 118.
(9) المصدر السابق. عبدالله الأنصاري<ح>(1)، قال عنه: "من بني عمرو بن عوف هو أحد البكائين الذين نـزلت فيهم "تولوا وأعينهم تفيض من الدمع"<ح>(2)، وأورده ابن الأثير في هرم بن عبدالله الأنصاري أيضاً، لكن نسبه إلى بني واقف، واعتذر لابن عبدالبر بأن بني واقف كانوا حلفاء بني عمرو بن عوف<ح>(3)، قال ابن حجر: "وهو اعتذار حسن"<ح>(4). وذكر ابن الأثير بأنه كان قديم الإسلام وأحد البكائين الذين أتوا رسول الله ليحملهم فلم يكن عنده ما يحملهم عليه فتولوا وهم يبكون. وأورده ابن حجر في ترجمة حرمي بن عمرو الواقفي، وقال: "يأتي في هرمي بالهاء"<ح>(5)، ثم ذكره في القسم الأول وقال: "هرم أو هرمي بن عبدالله الأنصاري"<ح>(6). وصرح ابن الأثير بأن ثمة رجليـن بهذا الاسم، وفرق بينهما بأن الثاني ولد على عهد رسول الله قيل فيه هرمي وهرم<ح>(7)، ولذا أورد ابن حجر الثاني في القسم الثاني، قال عنه: "هرمي بن عبدالله ويقال ابن عتبة ويقال ابن عمرو الأنصاري الخطمي ويقال الواقفي"<ح>(8).
<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن عبدالبر (الاستيعاب) جـ 4 ص 1537 رقم 2676.
(2) سورة التوبة، آية 92.وروى الطبري في تفسير هذه الآية (جامع البيان) جـ10 ص211، 212 أن رسول الله أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه فجـاءته عصابة من أصحابه فيهم عبدالله بن مغفل المزني فقالوا:يارسول الله، احملنا، فقال لهم رسول الله : والله ما أجـد ما أحملكم عليه، فتولوا وهم بكاء فأنـزل الله {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} إلى قوله {حزناً ألا يجـدوا ما ينفقون}. وروى أيضاً أنها نـزلت في نفر من مزينة أو في بني مقرن من مزينة، قيل: فيهم عرباض بن سارية. وقيل نـزلت فيه خاصة. وقيل نـزلت في سبعة من قبائل شتى: 1- من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير 2 - من بني واقف: حرمي بن عمرو. 3 - من بني مازن بن النجار:عبدالرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى 4- من بني المعلى: سلمان بن صخر. 5 - من بني حارثة: عبدالرحمن بن يزيد أبو عبلة، وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه. 6 - من بني سلمة: عمر بن غنمة. 7 - وعبدالله بن عمرو المزني.
(3) ابن الأثير (أسد الغابة) جـ 4 ص616 رقم (5352) وص 618 رقم 5358.
(4) ابن حجر (الإصابة) جـ6 ص535.
(5) المصدر السابق جـ2 ص53 رقم (1676).
(6) المصدر السابق جـ6 ص535 رقم (8956).
(7) ابن الأثير (أسد الغابة) جـ4 ص619.
(8) ابن حجر (الإصابة) جـ6 ص567 رقم9034. وروى الطبري أن أحد السبعة البكائين حرمي بن عمرو من بني واقف<ح>(1). وهو أقرب إلى من ذكره البرّادي، ويبدو أن "حرمي" مصحّفة عن "هرمي".
والذي يتبين أن في اسم هذين الرجلين خلطاً، وأن الصواب ما يلي:
- هرمي أو هرم بن عمرو الأنصاري الواقفي: قديم الإسلام، وأحد البكائين بناء على رواية الطبري.
- هرمي أو هرم بن عبدالله الأنصاري الواقفي أيضاً: وهو الذي ولد على عهد النبي .
12- الخِرِّيت بن راشد السامي الناجي:
شهد مع علي الجمل وصفين، وقد خرج عن علي بن أبي طالب بسبب التحكيم<ح>(2)، ثمّ أرسل إليه علي معقل بن قيس الرياحي<ح>(3) فقتل الخريت<ح>(4).
وقد ذكر الخريت بن راشد في الصحابة ابن عبدالبر<ح>(5) وابن الأثير<ح>(6) وابن حجر في القسم الأول<ح>(7)، لكنه أورد في القسم الثالث الخِرِّيت بن راشد الشامي قائلاً: "له إدراك"<ح>(8) مغايراً بذلك بين الاثنين، وإن كان ذكر في ترجمة كل منهما ما يفيد أنهما شخص واحد، ذلك أنه لا تغاير بين الناجي والسامي؛ فإن السامي نسبة إلى بني سامة بن <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الطبري (جامع البيان) جـ10 ص213.
(2) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص177/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص137/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ5 ص153/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص364. وينفرد الطبري بأنه شهد مع علي النهروان، غير أنه لا ذكر للنهروان في المصادر التاريخية الأخرى. ويرجـح هذا أن خلاف الخريت للإمام علي كان بعد تحكيمه الحكمين مباشرة.
(3) معقل بن قيس الرياحي: له إدراك، أوفده عمار بن ياسر على عمر بفتح تستر، وكان من أمراء علي يوم الجـمل، وكان صاحب شرطة علي. وذكر خليفة بن خياط أن المستورد بن علفة أحد الناجـين في النهروان بارزه لما خرج بعد علي فقتل كل منهما الآخر سنة اثنتين وأربعين، وقيل سنة تسع وثلاثين للهجـرة: ابن خياط (التاريخ) ص119/ ابن حجـر (الإصابة) جـ6 ص306 رقم8455.
(4) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص179-182/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص138.
(5) ابن عبدالبر (الاستيعاب) جـ2 ص458 رقم 692.
(6) ابن الأثير (أسد الغابة) جـ2 ص128 رقم 1437.
(7) ابن حجر (الإصابة) جـ2 ص273 رقم 2246.
(8) المصدر السابق ص359 360 رقم 2334. لؤي<ح>(1)، والناجي منسوب إلى ناجية قبيلة من سامة بن لؤي<ح>(2)، وأما الشامي فواضح أنها مصحفة عن السامي.
<ح><ح>
(1) السيوطي (لب اللباب) جـ2 ص6 رقم 2027.
(2) المصدر السابق ص287 رقم3943. .

المبحث الثالث:
حجج معارضي التحكيم في اعتزال الإمام علي

تعبر مواقف المعارضين للتحكيم بدءاً من رفع المصاحف إلى الاعتزال إلى حروراء ثم إلى النهروان عن صلابة في التمسك بهذا المبدأ. ولعل الثبات عليه إلى درجة الموت من أجله يدفعنا إلى إعادة تقويم لمسألة التحكيم لاكتناه الحقيقة فيه وفي مواقف معارضيه. وتمثل تلك المواقف عرضاً لحجج أصحابها. وتعطي المناظرة التي جرت في حروراء<ح>(1) بينهم وبين عبدالله بن عباس ملخصاً لتلك الحجج. لكننا نجد أن الحوار في قضية التحكيم وأسبابه ونتائجه لا يتوقف بنهاية معركة النهروان بل نجد لكلا الفريقين - المعارض والمؤيد - أنصاراً يناظرون مخالفيهم معلنة النتائج عند كل فريق عن انتصاره على الفريق الآخر. ولا مناص من التعريج على حروراء لاستجلاء حقيقة ما دار هنالك.
مناظرة عبدالله بن عباس لأهل حروراء:
سبق ذكر اختلاف الروايات في نتيجة المناظرة بين أهل حروراء وابن عباس، حيث يفهم من بعضها إلزام ابن عباس إياهم الحجة، في حين يذكر فيه بعضها الآخر<ح>
(1) ثمة مجـال واسع لاحتمال أن يكون بعض ما يروى من جـوانب تلك المحاورة جـرى في النهروان أيضاً. فقد روى البلاذري (الأنساب) جـ3 ص127، 128 أن علياً أرسل إلى الحرورية ابن عباس وصعصعة بن صوحان ثم أعادهما إليهم فرجـع منهم نحو من خمسمائة. كما يروي الشماخي (السير) جـ1 ص51 أن أهل النهروان قدم عليهم صعصعة بن صوحان، ثم قيس بن سعيد فناظروه فقال: هذا أمير المؤمنين يحكم بكتاب الله قالوا: "ألم يخلعه وكيله". فقدوم صعصعة -عند الشماخي- يؤكد قدومه الثاني عند البلاذري، كما أن قولهم لقيس بن سعيد: "ألم يخلعه" أي عليًّا "وكيله" أي أبو موسى صريح في أن الحوار كان بعد نتيجـة التحكيم، أي في النهروان؛ إذ إن اجـتماع الحكمين كان بعد انصرافهم إلى النهروان. وأما قدوم ابن عباس -ثانياً- عند البلاذري فتؤيده الرسالتان المنسوبتان إلى علي وابن عباس في شأن أهل النهروان، وفي كلتا الرسالتين التصريح بأن ابن عباس حاورهم في النهروان: (السير) ورقة 101ظ - ورقة 105ظ (مخطوط). وأما الخمسمائة الذين خرجوا من النهروان فلا يبعد أن يكونوا فروة بن نوفل وأصحابه فإنه انسحب في خمسمائة رجـل: البلاذري (الأنساب) جـ5 ص169 / الطبري (التاريخ) جـ3 ص121، واتفاق العدد مرجـح لأن يكونا جـماعة واحدة، وإذن فذلك يرفع من نسبة الاحتمال السابق.
عكس ذلك. غير أن هنالك قاسماً مشتركاً بين هذه الروايات جميعاً يتلخص في النقاط التي استند إليها أهل حروراء وأجاب عنها ابن عباس. على أننا لا نغفل عن أن من الروايات ما ينسب الردود إلى الإمام علي نفسه<ح>(1). والثابت أن له - كرم الله وجهه - حجة أخرى عليهم يأتي ذكرها، كما أن لأهل حروراء ومعارضي التحكيم عامة دفاعاً عن موقفهم.
وتتفق الروايات<ح>(2) على ذكر أمرين احتج بهما أهل حروراء:
1- أن علياً حكّم الرجال في أمر الله، وهو الأمر بقتال الفئة الباغية، أي معاوية وأصحابه.
2- أنه محا اسم الإمارة عن نفسه عند كتابة وثيقة التحكيم.
3- وتضيف بعض هذه الروايات إليهما أمراً ثالثاً، وهو أن الإمام علياً لم يغنم ولم يسبِ.
4- وتنفرد رواية بالقول إن من جملة مآخذ معارضي التحكيم على الإمام علي تخليه عن المطالبة بحقه الذي أوصاه به الرسول - حسب زعم الرواية - وهو تسلم الخلافة من بعده<ح>(3).
ولا يخفى أن الصبغة الشيعية بادية على الأمر الرابع؛ إذ لا يفيد أي مصدر البتة تبنّي أهل حروراء فكرة وصاية الرسول للإمام علي بالخلافة بعده، فكيف تكون <ح><ح><ح>
(1) البغدادي، عبدالقاهر (الفرق) ص78.
(2) أحمد بن حنبل (المسند) جـ1 ص87/ النسائي (السنن الكبرى) ك الخصائص باب 62 رقم 8575، (الخصائص) ص62/ الطبراني (المعجـم الكبير) جـ1 ص58 رقم 10558/ الحاكم (المستدرك) جـ2 ص152/ البيهقي (السنن الكبرى) جـ8 ص311 رقم 16740/ أبو نعيم (الحلية) جـ1 ص320/ ابن سعد (الطبقات) جـ3 ص32/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص122، 127-129/ المبرد (الكامل) جـ3 ص 976، 1133/ اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص191/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص110، 114/ ابن غيلان (السير) ورقة 161ظ (مخطوط)/ أبو قحطان (السير) جـ1 ص107/ ابن الجوزي (المنتظم) جـ5 ص125، (تلبيس إبليس) ص114/ ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص327/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص250/ ابن كثير (البداية والنهاية) جـ7 ص279/ البرّادي (الجـواهر) ص119-122/ الشماخي (السير) جـ1 ص49/ المقدسي (البدء والتاريخ) جـ5 ص 223، 224/ الدينوري (الأخبار الطوال) ص150.
(3) اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص191.
مبدءاً من مبادئهم، بل كان من أول ما أعلنوه أن "الأمر شورى" وهي فكرة لا تتفق مع فكرة الوصاية. كما أن الخلاف بين الإمام علي وأهل حروراء نبع من قبوله التحكيم. بالإضافة إلى أنه كان على سدة الخلافة يومئذ، فلا أساس - إذن - لنسبة هذا الاحتجاج إلى أهل حروراء، مما يغني عن ذكر نقضه من قبل ابن عباس.
أما الأمر الثالث فيبدو أنه لا علاقة له بمنكري التحكيم أيضاً، فإن هذا الاحتجاج إنما طرحه أصحاب علي بعد معركة الجمل، حين توقعوا أن يكون السبي والغنيمة نتيجة للنصر<ح>(1)، وجواب ابن عباس في هذه الروايات بقوله: "أتسْبُون أمكم عائشة أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها" يؤكد ذلك، إذ لا يد للسيدة عائشة في معركة صفين. يضاف إلى ذلك أن أهل حروراء اتخذوا موقفهم بناءً على عدم مواصلة القتال، ولم تنته معركة صفين بتغلب الإمام علي وأصحابه حتى يتسنى توقع الغنيمة والسبي، على أن سؤال أصحاب علي عن الغنيمة والسبي إثر معركة الجمل يمنع من تكرره فيما بعد لا سيما أن الذين قاتلوا مع علي في الجمل هم الذين قاتلوا معه في صفين، والذين اعتزلوا إلى حـروراء كانوا من ذلك الجيش. فضلاً عن خلو الروايات الأخرى من ذكر هذا الاحتجاج.
أما الأمران الأولان فقد أجاب عنهما ابن عباس بما يلي:
- أن الله تعالى أجاز تحكيم رجلين في الشقاق بين الزوجين في قوله سبحانه: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ( 110)، وفي صيد الحرم: يحكم به ذوا عدل منكم <ح>(2).<ح><ح>
(1) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ15 ص 257، 263، 286/ البيهقي (السنن الكبرى) جـ8 ص316.
(2) سورة المائدة، آية 95.

- أن محو اسم الإمارة عن الإمام علي لا يخلعه منها اقتداء بما فعله النبي في صلح الحديبية حين رفض المشركون كتابة اسم الرسالة للنبي في وثيقة الصلح، فمحاه <ح>(1).
وإلى هنا تتوقف بعض الروايات لتخلص من ذلك إلى أن قسماً من أهل حروراء رجعوا إلى الكوفة تائبين.
بيد أن القسم الآخر من الروايات يبين أن أهل حروراء نقضوا على ابن عباس ردوده تلك بما يلي:
- أن ما جعل الله حكمه إلى العباد فلهم ذلك، وأما ما حكم الله فيه فليس لهم أن ينظروا فيه، فقد حكم في الزاني مائة جلدة وفي السارق بقطع يده فليس للعباد أن ينظروا في ذلك، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقاتلوا حتى يرجعوا وقد دُعوا إلى حكم الكتاب قبل الحرب فأبوه. كما أن الحَكَمَ من شرطه أن يكون عدلاً، وليس عمرو ابن العاص - بناء على سفكه دماء أصحاب علي - عدلاً، كما أن أبا موسى كان يثبط

<ح>
(1) مسلم (الصحيح) ك الجـهاد والسير باب (34) رقم 1783، 1784. وروى النسائي في "الكبرى" عن علقمة بن قيس قال: قلت لعلي: تجعل بينك وبين ابن آكلة الأكباد حكماً ؟ قال: إني كنت كاتب رسول الله يوم الحديبية فكتب:"هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو "، فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه، امحها، فقلت: هو والله رسول الله وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله: "أرني مكانها"، فأريته فمحاها، وقال: "أما إن لك مثلها، ستأتيها وأنت مضطر". وهذا الحديث بهذه الزيادة منكر لا يصح، فمن جهة السند فيه عمرو بن هاشم أبو مالك الجَنْبِي الكوفي، وهو ضعيف، قال عنه ابن حجر في (التقريب) ص 427 رقم 5126: "لين الحديث، أفرط فيه ابن حبان، من التاسعة"، وفيه محمد بن إسحاق بن يسار، وهو"صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر"، انظر: (التقريب) ص 467 رقم 5725، وقد عنعن هاهنا. ومن جهة المتن فهو مخالف للأحاديث الأخرى التي روت قصة الحديبية بدون زيادة "أما إن لك مثلها، ستأتيها وأنت مضطر"، ولكل الروايات الواردة في المناظرة والمناقشات في أمر الحكمين، إذ لا توجد رواية اشتملت على مثل هذه الزيادة، إلا واحدة عند المبرد في (الكامل). على أن البلاذري روى في (الأنساب) جـ 3 ص110 عن علقمة بن قيس نفسه قال: قلت لعلي: أتقاضي معاوية على أن يحكم حكمان؟ فقال: ما أصنع؟ أنا مضطهد، وليس فيها تلك الزيادة. فالظاهر أن قول الإمام علي: "أنا مضطهد"-إن صح - استحال حديثاً نبوياً يتذرع به إلى صحة ما صار إليه الإمام علي من قبول التحكيم حتى يكون من دلائل النبوة، فإن في جملة "أما إن لك مثلها" إشارة واضحة إلى سلامة الموقف في قبول التحكيم. الناس عن علي <ح>(1).
- أما ما يتعلق بمحو اسم الإمارة فقد أكد أهل حروراء كلام الأحنف بن قيس لعلي في صفين: "خشيت ألا يرجع إليك أبداً إنه ليس لكم ما لرسوله "<ح>(2) بأن أمر الموادعة في الحديبية كان فترة مرحليـة نقـل عنهــا النبـي فيما بعد، فما جرى في الصلح كان لهذا السبب "وقد قطع الله عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نـزلت براءة"<ح>(3).
ومن اللافت للنظر أن الروايات كلها لا تضيف ردوداً من جانب ابن عباس على هذه الاحتجاجات، بل إنه "لم يقدر أن يرد عليهم"<ح>(4). وإذن فلا ضير في أن تقول الروايات بأن ابن عباس كلمهم "فلم يقع منهم موقعاً"<ح>(5)، وأنه رجع إلى علي "ولم يصنع شيئاً"<ح>(6)، وأنه "لم يجبه منهم أحد"<ح>(7)، وأنهم "احتجوا عليه"<ح>(8)، وأنه لما رجع إلى علي قال له: "خصمك القوم"<ح>(9).
وسير الأحداث بعد المناظرة يؤكد أن حِجاج ابن عباس أهل حروراء لم يؤثر في موقفهم شيئاً إن لم يكن موقفهم هو المؤثر فيه، وذلك بناء على ما يلي:
<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) ابن غيلان (السير)ورقة 159ظ-161ظ (مخطوط)/ أبو المؤثر (السير) جـ2 ص305، 306/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص122/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص109، 110/ أبو قحطان (السير) جـ1 ص106، 107/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص 244، 245/ البرّادي (الجـواهر) ص 120-122/ الشماخي (السير) جـ1 ص49.
(2) الطبري (التاريخ) جـ3 ص103/ البرّادي (الجـواهر) ص116/ الشماخي (السير) جـ1 ص48.
(3) أبو المؤثر (السير) جـ2 ص305، 306/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص117/ أبو قحطان (السير) جـ2 ص106، 107/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص 245، 246.
(4) أبو قحطان (السير) جـ1 ص107.
(5) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ15 ص312.
(6) الطبري (التاريخ) جـ3 ص114/ البرّادي (الجـواهر) ص122.
(7) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص122.
(8) اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص191.
(9) أبو قحطان (السير) جـ1 ص107/ الشماخي (السير) جـ1 ص49.
أ- مجيء علي بن أبي طالب إليهم بعد ابن عباس لمناظرتهم، فلو كان ابن عباس قد استطاع أن يقنعهم ويردهم إلى الكوفة لما كان ثمة مسوغ لمجيء علي إليهم. يقول د. محمود إسماعيل: "ولم يخامر الشك عليا في عدالة موقف (الخوارج) بل كان حريصاً على استمالتهم فبعث إليهم ابن عمه عبدالله بن عباس فناظروه - على علمه وفقهه - وقارعوه الحجة بالحجة وكان رد الخوارج عليه مقنعاً حاسماً ولم يجد علي مناصاً من الخروج إليهم بنفسه"<ح>(1). ويروي الطبري أن عليا خرج إلى أهل حروراء فانتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال: "انته عن كلامهم، ألم أنهك رحمك الله"<ح>(2).
ب- الخلاف الحاصل بين علي وابن عباس فيما بعد في قضية بيت مال البصرة، حيث يروى أن ابن عباس تأول أن له نصيباً في بيت المال فأخذ منه، وقد كان بينهما مراسلات لا تخلو من حدة في القول وإغلاظ في العبارة مما أدى بابن عباس إلى أن يكتب إلى علي بقوله: "ابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه"، ثم رحل إلى مكة<ح>(3).
والذي يثير التساؤل في هذه القضية كلام ابن عباس لعلي في إحدى رسائله: "ووالله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها أحب إلي من أن ألقاه وقد سفكت دماء هذه الأمة لأنال بذلك الملك والإمارة"<ح>(4)، وفي أخرى: "ولو كان أخذي المال باطلاً كان أهون من أن أشرك في دم مؤمن"<ح>(5).
ومن الثابت أن ابن عباس كان مع علي في حروبه قبل النهروان، فقد كان علىالميمنة في
<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) إسماعيل (قضايا في التاريخ) ص76.
(2) الطبري (التاريخ) جـ3 ص110. ولا منافاة بين كون الإمام علي وجـد ابن عباس يناظرهم فنهاه وبين كونه رجـع إليه فقال "خصمك القوم" فإن أكثر من حوار جـرى بينهم وبينه كما في رواية البلاذري أن عليا أعاد ابن عباس إليهم: (الأنساب) جـ3 ص128.
(3) البلاذري (الأنساب) جـ2 ص396/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص154.
(4) البلاذري (الأنساب) جـ2 ص398/ ابن عبد ربه (العقد الفريد) جـ4 ص326.
(5) القلهاتي (الكشف) جـ2 ص251. جيش علي في مسيره إلى البصرة<ح>(1)، وكان على الميسرة في صفين<ح>(2)، ولهذا عقّب الإمام علي على ابن عباس بقوله: "أو ابن عباس لم يشركنا في هذه الدماء"<ح>(3). وعليه فمن المستبعد أن يحمل ابن عباس عليّاً مسؤولية دم أحد من المسلمين في الجمل وصفين، اللهم إلا أن يحمل ذلك على قتاله أهل النهروان. ويؤيده عدم اشتراك ابن عباس مع علي في قتاله إياهم<ح>(4)، وهذا ما يؤكده قول ابن عباس لعلي: "إن لم أكن معهم لم أكن عليهم"<ح>(5).
هذا وواضح من خلال هذه النصوص أن الخلاف بين علي وابن عباس ليس فقط في مسألة بيت مال البصرة، بل هو خلاف على قتاله أهل النهروان، فإنه نصحه بالكف عنهم<ح>(6). ونجد الشماخي ينقل عن ابن عباس قوله "أصاب أهل النهروان السبيل"<ح>(7).
وبناء على كل ما تقدم يتضح أن ما ينسب إلى ابن عباس من تغلبه على أهل حروراء أمر بعيد. وهذا الذي ذهب إليه ابن أبي الحديد، لكنه زعم أن السبب في ذلك مخالفة عبدالله بن عباس وصية علي له بألا يخاصمهم بالقرآن وأن يخاصمهم بالسنة، يقول ابن أبي الحديد: "فإن قلت: فهل حاجهم بوصيته؟ قلت: لا، بل حاجهم بالقرآن، مثل قوله: فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ، وقوله في صيد المحرم: يحكم به ذوا عدل منكم ، ولذلك لم يرجعوا والتحمت الحرب، وإنما رجع باحتجاجه نفر منهم"<ح>(8).<ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الطبري (التاريخ) جـ3 ص24.
(2) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص85/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص24.
(3) البلاذري (الأنساب) جـ2 ص398.
(4) ينفرد ابن عبد البر (الاستيعاب) جـ3 ص939 بالقول بأن ابن عباس شهد مع علي النهروان، وهذا ما لا يذكره أي مصدر آخر، والذي يرده أن ابن عباس كان في البصرة عند انعطاف علي من النخيلة إلى النهروان،انظر: الطبري (التاريخ) جـ3 ص117.
(5) ابن غيلان (السير) ورقة 161ظ (مخطوط)/ أبو قحطان (السير) جـ1 ص107/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص250.
(6) ابن غيلان (السير) ورقة 161ظ (مخطوط)/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص251.
(7) الشماخي (السير) جـ1 ص89.
(8) ابن أبي الحديد (شرح النهج) جـ18 ص72. وتمام قول ابن أبي الحديد: فإن قلت: فما هي السنة التي أمره أن= =يحاجهم بها؟ قلت:....(علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيثما دار) وقوله: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله). وهذان الحديثان على فرض التسليم بصحتهما فإن الإمام علياً نفسه لم يحتج بهما على منكري التحكيم لمّا قدم عليهم في حروراء.
وهذا كلام غريب، لا سيما صدوره من معتزلي يشيد بالعقل، لأن الطريقة التي أريد أن يجري بها التحكيم وشرعية التحكيم نفسها مأخوذتان من هاتين الآيتين وأمثالهما. قد مضى كلام معاوية إثر رفع المصاحف: "لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه، تبعثون منكم رجلاً ترضون به ونبعث منا رجلاً...".
والمهم أن ابن عباس لم يصنع شيئاً، خاصة أننا لا نجد في أي مصدر -كما تقدم- أن ابن عباس رد على احتجاجات أهل حروراء بعدما أجابوه على ردوده، ولا سيما إذا تطرقنا إلى المطارحات في مسألة التحكيم بين مؤيديه ومعارضيه.

المطارحات حول مسألة التحكيم:
أولاً: آية قتال البغاة:
يدور أكثر الحديث في قضية التحكيم حول الآية الكريمة: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين <ح>(1). ولعل الخلاف نابع من إعمالها في قضية القتال في صفين، فإن معارضي التحكيم يرونها أساساً انطلق منه الإمام علي في قتاله معاوية، ولا يختلف الجانب الثاني في أنها الأساس أيضاً، لكن الخلاف في موضع الشاهد منها.
ولشرح وجهة النظر الأولى نجد الآتي:
1- أن هنالك فارقاً بين الاستدلال بالآية السابقة وبين الاستدلال بالآية التي تشرع التحكيم بين الزوجين وأخذ منها جواز التحكيم مطلقاً، ويتضح ذلك من تتبع النص القرآني: <ح>
(1) سورة الحجرات، آية 9.

وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها <ح>(1)
فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله
وواضح أن الحكم في الآية الأولى - التي في سورة النساء - منوط بالحكمين، إذ أُوكل إليهما النظر فيما يصلح بين الزوجين وإصدار الحكم المناسب. أما الآية الثانية - التي في سورة الحجرات - فإن الحكم فيها جلي وهو الأمر بالقتال حتى تفيء الطائفة الباغية إلى أمر الله، أي تعلن الاستسلام. وبهذا يتضح أن الاجتهاد هاهنا اجتهاد مع ورود النص<ح>(2).
2- أن تحكيم العدلين إنما هو في أمر لم ينص على حكمه، أما ما وضع له الشارع حدّاً فلا يجوز تعديه ولا الوقوف دونه. ويشرح ذلك أبو المؤثر قائلاً: "... وقلنا لهم: أرأيتم لو أن إماماً رفع إليه عشرون رجلاً قد وجب عليهم الرجم بما صحت به عليهم البينة من الزنى والإحصان أليس قد أمر الله برجمهم ؟ فإن قالوا نعم قلنا لهم: أرأيتم إن قال لهم الزناة إنا ندعوكم إلى أن نحكّم منا حكماً زانياً وتحكم من أصحابك حكماً، فما حكما به علينا وعليك سلمنا نحن وأنت له، أكان يحل للإمام انتظارهم وتحريم رجمهم حتى يحكم هذان الحكمان حتى يعرف أمرهما ؟ فإن قالوا: لا، لأن الله أمر برجمهم فلا يحل له ترك ذلك منهم، قلنا لهم: وكذلك علي أمره الله بقتالهم فلا يحل له ترك ذلك ولا تحريمه منهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ولا يحكّ‍م أحداً منهم ولا فيهم بعد أن فرق الله بينه وبينهم"<ح>(3).
3- الحكم الذي نصت عليه الآية الكريمة هو قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، ويؤكد أهل حروراء أن قتال علي لأهل الشام كان امتثالاً لكتاب الله وأنهم قاتلوا معه بما يوجبه عليهم حق الطاعة كقولهم: "وقد قتلت في طاعتك قتلانا يوم الجمل وصفين"<ح>(4)، <ح><ح><ح><ح>
(1) سورة النساء، آية 35.
(2) أبو عمار (الموجـز) جـ2 ص 253، 354.
(3) أبو المؤثر (السير) جـ2 ص36.
(4) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 127. وقد انتهت حرب الجمل بعد تطبيق النص كاملاً فيهم، وإذن فإنه لا يجوز توقف القتال دون بلوغ الغاية في إعمال النص القرآني، إذ إن ذلك يحتاج إلى نص آخر<ح>(1).
ويؤكد هذا المعنى القرطبي حيث يقول: "في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين"<ح>(2) والجصاص في قوله: "قد اقتضى ظاهر الآية الأمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وهو عموم في سائر ضروب القتال"<ح>(3).
أما وجهة نظر المؤيدين للتحكيم فتتمثل لدى بعضهم في فهمهم للآية الكريمة فيما يلي:
1- أن موضع الشاهد من الآية ليس هو قوله تعالى: فقاتلوا التي تبغي ، وإنما هو قوله سبحانه: فأصلحوا بينهما ، إذ "إن الاشتغال ينبغي أن يكون أولاً بالدعاء إلى الصلح ثم بعد وقوع اليأس عن الصلاح يُرجع إلى القتال ليحصل المقصود بذلك وهو تآلف القلوب واجتماع الكلمة"<ح>(4).
ولكن لا يمكن التسليم بهذا الأمر، وذلك:
أولاً: أنه لو كان الإمام علي قاتل قبل الدعاء إلى الصلح للزم منه أن يكون قتاله بغير بينة، ولاستوى هو ومعاوية في احتمالية البغي على الآخر<ح>(5). على أن عليّاً قد أرسل الرسل إلى معاوية يدعونه إلى الطاعة<ح>(6)، وهذا هو ما احتج به أهل حروراء إذ قالوا: "وقبل ذلك (أي القتال) ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه"<ح>(7). ولعل محاولة <ح><ح><ح><ح><ح><ح><ح>
(1) الشماخي (السير) جـ1 ص48.
(2) القرطبي (أحكام القرآن) جـ16 ص208.
(3) الجـصاص (أحكام القرآن) جـ5 ص280.
(4) النسفي (التبصرة) جـ2 ص892، 893.
(5) أبو عمار (الموجـز) جـ2 ص256.
(6) الطبري (التاريخ) جـ43 ص70، 76-80.
(7) الطبري (التاريخ) جـ3 ص110. ولا يخفى أن "ما" في قولهم: "ما دعوناهم" ليست نافية بل هي مصدرية، اللهم= =إلا أن تكون نافية على تقدير الاستفهام التقريري. توجيه القتال بين علي ومعاوية ليتفق مع قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا وليتسق التحكيم بعد ذلك مع قوله سبحانه: فأصلحوا بينهما في أول الآية هو الذي جعل صاحب كتاب "تحذير العبقري" ينكر كل المراسلات بين علي ومعاوية"<ح>(1).
ثانياً: كل الدلائل والقرائن تؤكد أن عليّاً قاتل معاوية وأهل الشام تنفيذاً لأمر الله سبحانه بقتال الفئة الباغية:
أ- لم يرد أن ابن عباس أو عليّاً اعترض على احتجاج أهل حروراء بهذه الآية، بل ورد ما يؤكد ذلك، فقد روى البلاذري أن أهل حروراء سألوا عليّاً: "علام كنا نقاتل يوم الجمل ؟ قال: "على الحق"، قالوا: فأهل البصرة ؟ قال: على النكث والبغي، قالوا: فأهل الشام؟ قال: هم وأهل البصرة سواء"<ح>(2).
ب- قال الجصاص: "وقوله تعالى: فإن بغت إحداهما على الأخرى يعني –والله أعلم- إن رجعت إحداهما على الحق وأرادت الصلاح وأدامت الأخرى على بغيها وامتنعت من الرجوع فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فأمر تعالى بالدعاء إلى الحق قبل القتال ثم إن أبت الرجوع قوتلت، وكذا فعل علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه - بدأ بدعاء الفئة الباغية إلى الحق واحتج عليهم، فلما أبوا القبول قاتلهم"<ح>(3).
2- أن كون معاوية ومن معه بغاة، شيء يحتاج إلى نظر<ح>(4). ونحوه القول بأن التحكيم كان يفترض أن يبحث في أسباب القتال<ح>(5).<ح><ح><ح><ح><ح>
(1) التباني (تحذير العبقري) جـ2 ص62، 79. وقد اعتمد في النتيجـة التي انتهى إليها على ضعف سند الرواية التي رواها الطبري (التاريخ) جـ3 ص76. وهذا على فرض قبوله كمنهج في إثبات ونفي الحوادث التاريخية، فإن ثمة من الروايات ما لم يتكلم على إسنادها: الطبري (التاريخ) جـ3 ص70.على أن الشيخ التباني نقل جـ2 ص64 عن يحيى بن سليمان الجـعفي أحد شيوخ البخاري في تأليفه في صفين بسند حكم عليه بأنه "جـيد" عن أبي مسلم الخولاني ما يفيد صراحة بأن كلاًّ من علي ومعاوية قد كان بينهما مراسلة قبل صفين.
(2) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص131.
(3) الجـصاص (أحكام القرآن) جـ5 ص282.
(4) الخضري (تاريخ الأمم الإسلامية) الدولة الأموية ص275.
(5) السبحاني (الملل والنحل) جـ5 ص98،99.
وهذا كله مصادم للنصوص الشرعية والحقائق التاريخية وأقوال علماء الإسلام، يقول الجصاص: "وأيضاً قاتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الفئة الباغية بالسيف ومعه من كبراء الصحابة وأهل بدر ومن قد علم مكانهم، وكان محقّاً في قتاله لهم لم يخالف فيه إلا الفئة الباغية التي قابلته وأتباعها، وقال النبي لعمار: (تقتلك الفئة الباغية) <ح>(1) ، وهذا خبر مقبول من طريق التواتر، حتى أن معاوية لم يقدر على جحده لما قال له عبدالله بن عمرو، فقال: "إنما قتله من جاء به فطرحه بين أسنتنا"<ح>(2).
وقال ابن العربي: "والذي قاتل علي طائفة أبوا الدخول في بيعته وهم أهل الشام، وطائفة خلعته وهم أهل النهروان، وأما أصحاب الجمل فإنما خرجوا يطلبون الإصلاح بين الفرقتين، وكان من حق الجميع أن يصلوا إليه ويجلسوا بين يديه ويطالبوه بما رأوا أنه عليه، فلما تركوا ذلك بأجمعهم صاروا بغاة بجملتهم فتناولت هذه الآية جميعهم"<ح>(3).
وقال الشيخ التباني: "والقول بأن الصحابة الذين حاربوا أمير المؤمنين عليّاً ومن معه بغاة هو قول أهل الحق"<ح>(4).
وأما البحث في أسباب القتال فمحله قبل القتال، وهو الذي يتمشى مع الأمر بالإصلاح، أما وقد ثبت عند الإمام علي بغي أهل الشام وامتنع معاوية من التفاوض فالبحث في أسبابه حينئذٍ يصير عبثاً.
3- يرى محب الدين الخطيب أن الفئة الباغية هم الذين قتل بسببهم كل مقتول في وقعتي الجمل وصفين وما تفرع عنهما<ح>(5). وقد رده الشيخ التباني لمصادمته صريح الآية، وبقوله: <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) البخاري (الصحيح) ك الصلاة باب 63 رقم 447، ك الجـهاد باب 17 رقم 2812/ مسلم (الصحيح) ك الفتن باب 18 ح2915،2916.
(2) الجـصاص (أحكام القرآن) جـ5 ص280. وقد أجـاب الإمام علي على هذا الكلام بقوله: "فرسول الله إذن قتل حمزة حين أخرجه": الحميري (الروض المعطار) ص364.
(3) ابن العربي (أحكام القرآن) جـ4 ص153.
(4) التباني (تحذير العبقري) جـ2 ص81.
(5) ابن العربي (العواصم) حاشية محب الدين الخطيب ص170. "ولو كان هذا الفهم صحيحاً للزم منه أن يكون هناك أربع طوائف: اثنتان متقاتلتان وأخرى متسببة في القتال بينهما وهي الباغية، وأخرى مأمورة بالإصلاح بينهما وقتال الثالثة الباغية بالتسبب، وللزم على هذا الفهم أن يقول الله: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت ثالثة بالتسبب في القتال بينهما فقاتلوها، ولا يقول: فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ولا يخفى فساد هذا الفهم"<ح>(1).
4- يوجه الدكتور محمد عليان الآية التوجيه الآتي:
يفهم من آية قتال البغاة الأمور التالية:
- أن الأمر الإلهي بالإصلاح بين الطرفين المتقاتلين موجه إلى طرف ثالث غيرهما، وأن إثبات وقوع البغي عن طرف ثالث محايد، وأن يكون هذا الطرف الثالث قوياً قادراً على ردع الطائفة الباغية إلى الحد الذي يرجعها إلى أمر الله ورسوله.
- لا يتصور أن تتقاتل طائفتان مؤمنتان إلا إذا كانت كل منهما تعتقد أنها على الحق، أو يغلب على ظنها أنها كذلك.
- أن قوله تعالى: فإن بغت إحداهما على الأخرى معناه على وجهين، أحدهما: بغت بالتعدي بالقتال، والثاني: بغت بالعدول عن الصلح، ومعنى قوله تعالى: حتى تفيء إلى أمر الله فسره سعيد بن جبير بأن ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به، وقال قتادة بن دعامة السدوسي بأنه الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله فيما لهم وعليهم.
- لا يعقل أن يكون المقصود من هذه الآية استمرار إحدى الطائفتين في قتال الأخرى حتى تفيء، لأنه من المحتمل أن تكون الطائفة الباغية هي الأقدر على إفناء الأخرى غير الباغية<ح>(2).
ويمكن الرد على هذه الاعتراضات بما يلي:
<ح><ح>
(1) التباني (تحذير العبقري) جـ2 ص81، 82.
(2) عليان (نشأة الحركة الإباضية) ص30، 31. أن كون الأمر بالإصلاح بين الطرفين المتقاتلين موجهاً إلى طرف ثالث غيرهما وارد لكنه غير لازم، ولربما جاز ذلك إن كان المتقاتلان طائفتين لا ينتمي الإمام إلى إحداهما، فيكون الإمام هو الذي يصلح بينهما أو يقاتل الطائفة الباغية، أو يأمر من يقوم بذلك. أما إذا بغت فئة على إمام المسلمين وجماعته فمن غير المنطقي أن ينتظر طرف ثالث ليحل النـزاع. ويلزم حينئذ ألا يتم إصلاح إن لم يوجد طرف ثالث قادر على ذلك. ويلزم منه أيضاً أن من بان له الحق مع جانب أنه لا يجوز له القتال معه حتى يتم الصلح، وهذا منافٍ لاشتراك معظم الصحابة مع علي، وندم عبدالله بن عمر على عدم اشتراكه معه<ح>(1). يقول الشيخ التباني: "فأي مبدأ ديني يجب على الأمة الوصول إلى تقريره أعظم من نصرها إماماً عادلاً قد بايعته على من امتنع عن بيعته وحاربه بطائفة منها"<ح>(2). وأيضاً فإن الطرف الثالث المتمثل في الحكمين أبي موسى وعمرو بن العاص لم يكن "قوياً قادراً على ردع الطائفة الباغية إلى الحد الذي يرجعها إلى أمر الله ورسوله".
وأما كون الدعوة إلى التحكيم تحقيقاً لقول الله تعالى: فأصلحوا بينهما فقد مضى بيان أنها تجاوزت مرحلة الإصلاح بأن الإمام علياً قد دعا معاوية إلى التفاوض فأبى. على أن الدعاء إلى التحكيم صدر عن الفريق الباغي الذي أوشك على الهزيمة، وقد تبين بذلك أن رفع المصاحف إنما كان خديعة ومكراً ودهاءً كما سبق نقله عن الإمام علي. على أنه يلزم أيضاً أن يكون الإمام علي - لو لم يوافق على وقف القتال - مخطئاً لتركه إجابة الدعوة إلى التحكيم.
كذلك فمن غير المسلم به عدم إمكان تصور أن تتقاتل طائفتان مؤمنتان إلا إذا كانت كل منهما تعتقد أنها على الحق أو يغلب على ظنها أنها كذلك، فإن الثورات والانقلابات من أجل السلطة أمور مشاهدة لا تنكر. ولئن سلم ذلك الافتراض في أهل <ح><ح>
(1) البلاذري (الأنساب) جـ2 ص404/ ابن عبد البر (الاستيعاب) جـ3 ص1117، رقـم 1855، ويروي عن الإمام علي لما سئل عن الذين قعدوا عن بيعته ونصرته والقيام معه قال: "أولئك قوم خذلو الحق ولم ينصروا الباطل"، انظر: ابن عبدالبر الاستيعاب) جـ2 ص610.
(2) التباني (تحذير العبقري) جـ2 ص68. الشام فإن الخروج على الإمام الذي انتخبته الأمة والامتناع من بيعته - لأية دعوى كانت قبل التفاوض معه - أمر لا مسوغ له.
كما أن التصور بأن المقصود من هذه الآية استمرار إحدى الطائفتين في قتال الأخرى حتى تفيء فإنه -بالإضافة إلى إمكانه - قد تحقق في موقعة الجمل حين قاتلهم الإمام علي إلى أن قضى على ثائرتهم. واحتمالية أن تكون الطائفة الباغية هي الأقدر على إفناء الأخرى غير الباغية لا يلغي النص بالأمر بقتالها والحكم عليها بالبغي، ولذا جاء عن عمار قوله: "والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل"<ح>(1). كما أن حقيقة الأمر في صفين مباينة لهذه الصورة المفترضة، فقد تقدم أن أهل الشام كانوا على شفا جرف من الهزيمة، مما يؤكد قدرة الإمام علي وأصحابه -ساعتئذ- على إرغامهم على الفيء إلى أمر الله.
وأما ما ذكره د. عليان من الوجهين في معنى فإن بغت إحداهما على الأخرى فإنهما متوجهان إلى أهل الشام، ولا يصح أن يحملا على الإمام علي الخليفة الشرعي، وإلا لزم على الأول وهو "بغت بالتعدي بالقتال" أن يكون الإمام علي ومن معه هم البغاة، وللزم على الثاني وهو "بغت بالعـدول عن الصلح" مصادمة الواقع، بمعنى أن الإمام علياً كان هو الساعي إلى الصلح قبل القتال، فمعنى الآية ينطبق تماماً على معاوية وأصحابه. وأما المعنيان اللذان ذكرهما في قوله تعالى: حتى تفيء إلى أمر الله فإن الأول وهو "أن ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به" يحمل على ما إذا كانت الطائفتان المتقاتلتان ليست إحداهما طائفة الإمام الشرعي. أما الإمام الشرعي فلا مناص من الرضوخ لشرعيته، وهذا ما فعله الإمام علي مع أهل الجمل، ولم يكن ثمة صلح. فيبقى إذن المعنى الثاني وهو "الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله فيما لهم وعليهم" وهذا هو ما دعاهم إليه الإمام علي قبل القتال، ومخالفة أهل الشام لهما كانت السبب لمقاتلتهم
<ح>
(1) ابن أيي شيبة (المصنف) جـ15 ص289، 297، 299/ البلاذري (الأنساب) جـ1 ص171 جـ3 ص95/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص98.