سلطنة عمان


وزارة التراث القومي والثقافة



بيانُ الشَّرع


تأليف

العالم محمد بن إبراهيم الكندي



الجزء الثـالث عشـر


1404ـ1984م




البــاب الأول



في فضــل صلاة الجماعة وحكم التارك لها




روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : «أتاني جبريل عليه السلام بعد صلاة الظهر فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى يقرئك السلام وأهدى إليك هديتين لم يهدهما إلى نبي قبلك، قلت: يا جبريل وما هاتان الهديتان؟ فقال: الوتر ثلاث ركعات وصلاة الخمس في جماعة، قال: قلت يا جبريل وما لأمتي في الجماعة، قال يا محمد: إذا كان اثنين كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل ركعة مائة صلاة، وإذا كانوا ثلاثة كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل ركعة مائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا أربعة كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل بركعة ستمائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا خمسة كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل ركعة ألف صلاة ومائتي صلاة وخمسين صلاة، وإذا كانوا ستة كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل ركعة ألفين وأربعمائة صلاة، وإذا كانوا سبعة كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل ركعة أربعة آلاف وثلاثمائة صلاة، وإذا كانوا ثمانية كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل ركعة سبعة آلاف وستمائة صلاة، وإذا كانوا تسعة كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل ركعة عشرة آلاف ومائتي صلاة، وإذا كانوا عشرة كتب الله ـ عز وجل ـ لكل واحد بكل ركعة مائة ألف صلاة وثلاثين صلاة» تم الخبر.

ومن غيره؛ ومن جامع ابن جعفر، وقيل عن النبي أنه قال: «رهبانية

أمتي الجلوس في المساجد» والمساجد هي بيوت الله في أرضه، وزوارها هم زواره، وقيل: من حافظ على صلاة الجماعة فقد ملئ قلبه عبادة، وقيل في رجلين بات أحدهما يصلي حتى أصبح، ولم يصل العشاء الآخرة والفجر في جماعة، وأحدهما صلى العشاء الآخرة والفجر في جماعة، ولم يصل ليلته، إنه هو أفضل، وقيل: الذاهب إلى الجماعة له بكل خطوة خطاها حسنات ودرجات، ويكفر عنه سيئات، وكذلك رجوعه إلى منزله، وكان بعض الفقهاء يقصر في الخطى إذا أراد المسجد للصلاة، ويستحب أن يذكر الله إذا دخل المسجد، وقال من قال: يقول الحمد لله والسلام على المرسلين، ويقول: اللم صلّ على محمد، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: اللهم صلّ على محمد، وافتح لي أبواب فضلك.

ـ ومن كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر من يخطب ثم آمر الناس بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم»، وقال ابن عمر: كنا من فقدناه من صلاة الفجر والعشاء أسأنا به الظن. وروي عن النبي أنه قال لابن أم مكتوم وهو ضرير: «لا أجد لك رخصة» يعني في التخلف عن الجماعة، وقال الله ـ عز وجل ـ ذكره: ]وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ[ الآية (النساء:102)، وروينا عن غيرهم؛ غير واحد من أصحاب رسول الله أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له، منهم ابن مسعود وأبو موسى الأشعري، وقد روي عن النبي وممن كان يرى حضور الجماعة فرضا، عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبو ثور، وقال الشافعي: لا أرخص على من قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها، إلا من عذر، وقال ابن مسعود: ولقد رأيتها وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو مما روي، وحكي من معاني التشديد في أمر الجماعة، ومعاني ثبوتها، ولعله يخرج في معاني قولهم اختلاف في لزومها على العموم، إذا قام بها البعض وإذا ثبتت هذه المعاني،

على معنى اللزوم عن النبي ، فلا يجوز أن يكون أحد يقوم بها بعد النبي وأصحابه، أكثر منه ولا أولى منه، فإذا ثبت أنه لا عذر للمتخلف عنها مع قيام النبي بها، وأصحابه لم يجز غير ذلك؛ لأنه لا يكون أحد أقوم منه بها.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة ـ فيما أحسب عن القاضي عن أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش، وفي المصلي أنه إذا صلى أكثر صلاته، ودخل الإمام في صلاة الجماعة، أنه يمضي على صلاته، وإذا كان قد صلى أقلها قطعها، ويدخل مع الإمام في صلاته.

مسـألة: ومن جواب محمد بن أحمد السعالي، سألت عن رجل يؤم بالناس، فربما لم يحضر أحد حتى يدخل في الصلاة، ثم يحس بقوم هل له أن يقطع صلاته ويستقبل الصلاة؟ فأرجو أنه جائز له إن شاء الله. (رجع إلى الكتاب).

ومن كتاب أبي جابر؛ وفي الأثر أنه من سمع الإقامة من جيران المسجد فلم يجب فلا صلاة له، إلا من عذر إذا كان فارغا صحيحا.

قال أبو عبد الله - رحمه الله - ومن سمع الأذان والإقامة في المسجد، ولم يصل معهم، وصلى في بيته بلا أمر يردعه، فلا بأس عليه، ولا يجعل ذلك عبادة، ومن غيره؛ ويروى عن ابن عباس أن صلاة الجماعة فريضة، لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ : ]الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ[ (الشعراء: 218ـ219)، وفي تركها التشديد من الفقهاء على غير عذر من التارك لها، وكذلك عرفت عن بعض أصحابنا، أنه لا يقوم البعض عن البعض في قيام الجماعة، وفي بعض القول: إن قيام البعض من أهل المصر يجزي عن البعض، قلت له: فهل قيل إنه لا يلزم الاثنين إذا كانا غير مسافرين صلوا صلاة الجماعة، إذا كانا في غير مسجد، قال: إذا ثبت الخطاب على أهل الإسلام بقيام الجماعة كانا مخاطبين بأداء فرض الصلاة، فبالجماعة ثبت القيام بها والأداء لها عند القدرة على ذلك، والاثنان عندي جماعة، وهذا على بعض القول.

مسـألة: وقلت: وقوم معهم مسجد في القرية يحضرون إليه في وقت الصلاة فيصلون، الثلاثة والاثنان والأربعة، أقل أو أكثر فرادى، وفيهم من يقرأ القرآن، قلت: هل يسعهم ذلك، كان في القرية من يصلي جماعة أو لم يكن بها؟ فمعي؛ إنهم إذا قدروا على عمارته بصلاة الجماعة فقد قيل: إنه لا يسعهم تضييع ذلك، كان في القرية غير ذلك من الجماعة أو لم يكن ومعي؛ إنه قد قيل: إذا كان في القرية من يصلي فهو أهون، ولعله يذهب إلى العذر، ولا يبين لي ذلك.

ومن غيره؛ قال: والعجب كل العجب، كيف عذروا من لم يصل في الجماعة، والنبي لم يعذر ابن أم مكتوم عن صلاة الجماعة، وكان ضريرا وكان بينه وبين المسجد نخل، وواد على ما يوجد، وكان قد سأل النبي عن ذلك، وكان بينهما كلام لا أضبطه، فينظر في ذلك، وجاء عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ أنه فقد رجلا في الصلاة فأتى منزله فصوت به فخرج إليه الرجل، فقال له عمر؛ ما حبسك عن الصلاة؟ قال: علة يا أمير المؤمنين، ولولا أني سمعت صوتك ما خرجت، أو قال: ما استطعت أن أخرج، فقال له عمر: لقد تركت دعوة من كان أوجب عليك إجابة مني، منادي الله إلى الصلاة، وقال: حدثنا سفيان عن مجاهد عن ابن عباس قال: جاء رجل فسأله عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ فقال له: في النار، سأله شهرا وقال له: في النار، وعنه شهدت عن ابن عباس ورجل يسأله له: إن لي جارا يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يصلي في جماعة ولا جمعة، فقال: ذلك من أهل النار، قال الناظر في هذا الكتاب: ولعل ذلك إذا كان من غير عذر، ولم يتب حتى مات، فإن صحت الرواية عن ابن عباس، فلا تخرج عندي إلا على هذا المعنى فينظر في ذلك، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.

ومن غيره؛ وأخبرنا يحي قال: حدثنا يعلى بن عبيد عن أبي رجاء قال: بلغني أن الصلاة في الجماعة لا تفوت إلا بذنب، وأما من صلى بعد صلاة العصر، وصلى بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وترك صلاة الجماعة متعمدا بلا عذر،

فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا بُرئ منه، لأنه ترك السنة.

ـ ومن جامع أبي الحسن ـ مسـألة: وأما من ترك صلاة الجماعة بلا عذر، فهو أيضا خسيس المنزلة ولا يبرأ منه، وقد قيل يستتاب فإن تاب، وإلا بُرئ منه، وأما من صلى بعد صلاة الفجر إلى الشروق، وبعد صلاة العصر إلى الغروب، فإنه يستتاب، فإن تاب من ذلك، وإلا بُرئ منه.

ـ ومن كتاب أبي جعفر ـ أنه من سمع الإقامة من جيران المسجد، فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، إذا كان فارغا صحيحا، وقيل: إن تفسير لا صلاة له أي لا تضعيف له ولا صلاة له في الجماعة، وقد قيل الصف المقدم من الرجال أفضل، والصف المؤخر من النساء أفضل.

مسـألة: وبلغنا أنه من أذن ثم أقام، ولم يصل معه أحد من الناس، صلى معه من الملائكة صفوف أمثال الجبال.

ـ ومن كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: مرض رسول الله ، فتخلف عن الجماعة، ولا أعلم اختلافا بين أهل العلم، إن للمريض أن يتخلف عن الجماعات، إلا من أجل المرض،وثبت أن رسول الله قال:{إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء» وقال بظاهر هذا الحديث: عمر بن الخطاب وابن عمر وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق، وقال مالك: يبدؤون بالصلاة؛ إلا أن يكون طعاما خفيفا، وقال الشافعي: يبدؤون بالعشاء إذا كانت نفسه شديدة التوقان إليه، فإن لم يكن كذلك ترك العشاء أحب إليَّ أن يقضي الصلاة، قال أبو بكر: ظاهر خبر رسول الله أولى، قال أبو بكر: يستحب لمن به غائط أو بول، أن يبدأ به قبل الصلاة، وللمرء أن يتخلف عن الجماعة في الليلة المطيرة من أجل المطر، ويكره أكل الثوم والبصل، لمن يحضر الجماعات، ولا يغشى المساجد من أجل ذلك، إلا أن ينضج بالنار، فتذهب الرائحة.

قال أبو سعيد: معي؛ إن قوله في جميع ما ذكر حسن، والعشاء عندي بعد

ثبوت الجماعة لا يكون عذرا، إلا بمعنى ما حكي فيه عن الشافعي ونحوه، أو ما أشبه من أمر القيام فيه، بقوله لا يقوم به فيهم إلا هو، وحفظه عليهم وعلى نفسه، إذا خاف ضياعه أو سوء التدبير فيه، حتى يجعله في موضعه، وعلى هذا ونحوه يحسن عندي، أن يكون يخرج معنى قول النبي ولا يكون عذر أم اللازم ضرر مما يكون يخرج معنى قول النبي به، معنى التقية عن نفس أو دين أو مال، على نحو هذا يخرج عندي، وأما الثوم والبصل فلا يؤمر بأكله من أراد دخول المسجد للجماعة، فإن فيه الأذى، ولا يجوز إدخال الأذى على المسلمين، ومن فعل ذلك لم يكن له عندي عذر عن حضور الجماعة، إذا ثبت معي لزومها عليه بغير عذر، إلا هو ويجتهد على تغييره ويحضر الجماعة.

البــاب الثـانـي



فـي صــلاة الجماعــة

وفي صلاة جماعة بعد جماعة في المسجد وغيره




ومما عرض على أبي سعيد وأبي الحوراي، فيما يوجد وذكرت أنك رأيت في بعض الكتب عن الربيع عن رجل صلى الفريضة، ثم صلى بقوم تلك الصلاة، ولم يعلمهم، قال: بئس ما صنع، وليس عليه أن يعلمهم ولا إعادة على القوم، وإن لم يعلموا فنقول إن عليه أن يعلمهم، وأما ما لم يعلموا فلا شيء عليهم.

مسـألة: وقلت: فإن صلى الرجل في البيت، وسمع الأذان والإقامة من غير عذر، فلا أحب له أن يتخذ ذلك عادة فلا بأس عليه إن تخلف عن الجماعة، ولا يهجرها، وبلغني عن عبد الله بن العباس ـ رحمه الله ـ سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يأتي جمعة ولا جماعة من غير عذر؟ فقال: هو في النار، أو من أهل النار، وهذا على الإدمان والإصرار.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ ؛ ولا يجوز للإنسان أن يصلي نافلة إذا كان مخاطبا بالجماعة، لقول النبي : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ـ ومن الكتاب ـ وصلاة الجماعة فرض على الكفاية، وينبغي لمن سمع الأذان والإقامة أن لا يتخلف عن الجماعة، لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ[ (الأنفال:24) والأذان أمر به النبي ، وهو الداعي به لنا إلى الصلاة، وفي الرواية عن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله :

«إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، لا قائد لي، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: أجب النداء»، وقيل: إنه أمر أن يشد له حبل إلى المسجد، وخبر شد الحبل انفرد به أصحابنا، وفيه نظر، وفي الرواية أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وفي إثبات النبي للمنفرد الصلاة ثوابا، وإن كانت الجماعة أكثر ثوابا، إسقاط لقول من أوجب الجماعة فرضا على كل إنسان في خاصة نفسه، وقد روي عن النبي أنه قال: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» قيل له: يا رسول الله وما عذره؟ قال: «خوف أو مرض»، وفي رواية أخرى عنه عليه السلام أنه قال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» وهذا عندي والله أعلم حث على الجماعة وترغيب في نيل الثواب الذي ينال بالجماعة؛ لأنهم أجمعوا على أن جار المسجد إن صلى في بيته فقد أدى فرضه، ومما يدل على الترغيب في الجماعة ما روي عنه أنه قال: «إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال» وكذلك إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة، ونهى عليه السلام أن يصلي المصلي وهو يدافع الأخبثين، يعني البول والغائط، ومن طريق زيد بن أرقم أن النبي قال: «إذا وجد أحدكم الخلاء وسمع النداء فليبدأ بالخلاء» وإذا سمع المدعو إلى الصلاة فليأتها وعليه السكينة والوقار، كما قال أنه قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الصلاة» ـ ومن الكتاب ـ وفي رواية أخرى: «إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار وليصل ما أدرك وليبدل ما فاته»، ـ ومن الكتاب ـ وإذا أقيمت الصلاة في المسجد قطع من في المسجد صلاته، لقول النبي : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» والذي عندي والله أعلم أن إقامتها تكبيرة الإحرام، وهو الدخول فيها؛ ولأنه عليه السلام لم يقل إذا قمتم إلى الصلاة، وقد ذهب بعض أصحابنا أن عليهم أن يقطعوا عند الإقامة للصلاة لهذا الخبر.

ـ ومن غير الكتاب ـ عن أبي سعيد ـ حفظه الله ـ هكذا عندي وجدت، قيل له: إذا صلى الإمام في المسجد الذي يؤم فيه جماعة بمن تثبت به الجماعة، هل يجوز لأحد أن يصلي في ذلك المسجد جماعة؟ قال: معي؛ إنه يخرج في معاني قول

أصحابنا أنه ليس له ذلك إذا كان في موضع تجوز فيه الصلاة بصلاة الإمام الأول. قلت: فإن فعل ذلك أحد، هل تقدم على نقض صلاته؟ قال: معي؛ إنه يخرج على معاني قولهم: إن صلاته فاسدة، قلت له: فهل يبين لك غير ذلك أن صلاتهم تتم؟ قال: معي؛ بأنه يوجد عن بعضهم أنه لا تفسد صلاتهم، وذلك عندي حسن؛ لئلا تمنع صلاة الجماعة بوجه من الوجوه، ولا في وقت من الأوقات، وهي أفضل، إلا في حال قيام صلاة الإمام، إلا بصلاته في وقت تجوز الصلاة بصلاته.

مسـألة: وعن قوم صلوا جماعة في صرحة مؤخر المسجد، وجاء آخرون، فأحبوا أن يصلوا جماعة، هل يصلون في المسجد وهو قدام الصرحة؟ فلا بأس بذلك إذا جاوزوا الباب الأول.

مسـألة: وقوم يصلون في براح كل قوم بإمامهم في ساعة واحدة صلاة واحدة، بينهم دون خمسة عشر ذراعا، قلت: هل تتم صلاتهم جميعا ولو اتصلت الصفوف؟ فقد قيل في ذلك بأقاويل وأحب أن تتم صلاتهم على حال، قلت: إن كان على اليمين أو الشمال، هل تتم صلاتهم؟ فقد قيل بذلك.

مسـألة: ومن حفظ أبي معاوية عن أبي عبد الله، وقال في قوم صلوا جماعة -وفي نسخة في صلاة الإمام في ظلام- والإمام مستقبل لهم حتى قضوا الصلاة، ولم يعلموا؟ قال: صلاتهم تامة، وإن علم الإمام وهو في الصلاة فيقبل إلى القبلة.

مسـألة: ـ ومن كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: روينا عن رجل دخل المسجد، وقد صلى النبي فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه»، وقد اختلفوا في هذا عن أنس بن مالك أنه صلى جماعة بعد صلاة الإمام، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة وأحمد بن حنبل وإسحاق، واحتج أحمد بقول النبي : «تفضل صلاة الجمع بذلك عن صلاة الفرد خمسة وعشرين درجة».

وقالت طائفة: لا يجمع في المسجد مرتين، هذا قول سالم بن عبد الله، وبه قال أبو قلابة وابن عوف ومالك بن أنس والليث بن سعيد وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وفيه قول ثالث: قاله أحمد: وهو أن لا يصلى في المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأما غير ذلك من المساجد فأرجو، وفعله أنس بن مالك، وكان مالك بن أنس والشافعي يقولان في المسجد على طريق من طريق المسلمين، إلا أن يصلي فيه قوم بعد قوم. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.

وقال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه إذا صلى إمام مسجد فقد ثبتت إمامته فيه، صلاة من الصلوات المفروضات بمن تقوم به الجماعة من المصلين، وتثبت الجماعة في تلك الصلاة في ذلك المسجد، لم يكن بعدها جماعة في تلك الصلاة في المسجد حيث كانت تجوز الصلاة بصلاته في ذلك المسجد، غير إمامته أن لو اتصلت الصفوف في ذلك المسجد، على نحو ما حكي من بعض ما قيل، ولا أعلم في قولهم في هذا الفصل في هذا الوجه اختلافا، وأما إذا كانت بقعة المسجد لا تجوز الصلاة فيها بصلاة الإمام في مقدم المسجد، أو من جانبه أن لو اتصلت الصفوف فمعي؛ إنه قد قيل في ذلك الموضع، أنه لا تجوز أن تكون فيه صلاة الجماعة بعد صلاة الإمام، ولا يبين لي معنى ما ذهبوا إليه في معاني الخاص من القول، والله أعلم بذلك، وإنما كان موجودا في قولهم تثبيت يخرج على معنى قولهم فيه شبهة الاتفاق، ويوجد في الأصل في معاني النظر ما هو يشبه منه فيما يختلف فيه من القول.

وأحسب أنهم يذهبون في ذلك إلى ما وقع إليهم من حكاه لهم، مما لم يجدوا غيره، إلا مع من يخالفهم في الأصول، وإن كان في الأصل في معنى النظر بين حجة، وأما المسجد الذي له إمام، ولا عمار تثبت بينهم الصلاة فيه بإمام في وقت ما يخاطبون بالصلاة، فيقدموه على وجه الإمامة، فلا أعلم بينهم اختلافا أن الإمامة في ذلك المسجد جماعة بعد جماعة جائزة في الصلاة الواحدة، ولو كان مسجدا

هو كسائر البقاع، كذلك الإمامة في سائر البقاع في الصلاة الواحدة في غير المسجد المعمور، والواقع عليه حكم البينة، والسنة للمسجد لا أعلم بينهم اختلافا أن الجماعة في الصلاة الواحدة في ذلك الموضع جماعة بعد جماعة جائزة، فمن هنالك دخل عندي ما قالوه بعض ما دخله في المسجد، خاصة الذي يثبت معهم في الجماعة بعد الجماعة، بمعنى الاتفاق، وصف الجماعة في المسجد بعد الجماعة بمعنى الاتفاق بغير دليل تثبت فيه عندي، إلا معنى الجماعة.

مسـألة: حماد عن إبراهيم أنه كان يكره أن يصلي الرجل في المسجد، والإمام يصلي بالقوم بغير صلاة الإمام، يعني أن يصلي على حده، كأنه منشق، وهو قول أبي حنيفة وقول زفر.

قال غيره: حسن، وهذا لعله يخرج عندنا على هذه الإرادة من المشاقة للإمام في كل موضع من المسجد، حيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام، وحيث لا تجوز، وأما إذا كان ذلك لعذر وكانت صلاته حيث لا تجوز الصلاة بصلاة الإمام، فلا بأس بذلك، وإذا كانت حيث لا تجوز بصلاة الإمام على معنى لا يعذر فيه، فهو مسيء وصلاته تامة.

مسـألة: حماد عن إبراهيم في الرجل يصلي الركعة من المكتوبة وحده في المسجد، ثم تقام الصلاة؟ قال: يضيف إليها ركعة، ثم يدخل مع الإمام، فيصلي معه بركعتين ثم يسلم، فيجعلهما (في نسخة) ثم يدخل مع الإمام في الفريضة فيستقبل معه الصلاة، فيصلي معه الفريضة.

قال أبو حنيفة: قول عامر أحب إليّ من قول إبراهيم، وبه كان يأخذ أبو حنيفة، ولا يأخذ بقول إبراهيم، وهو قول أسد.

قال غيره: قول عامر يخرج في مذهب قول أصحابنا، ما لم يُحرم الإمام عليه قبل أن يتم الركعتين، والركعتان عند أصحابنا يكونان نافلة، ولعل معنى السبحة عندهم النافلة، ولا تحسن صلاة التطوع، بعد أن تحضر الفريضة في الجماعة في

المسجد، حيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام أو لا تجوز.

مسـألة: جابر بن زيد بن الأسود، عن أبيه، أنه صلى مع النبي الصبح، عنى وهو غلام شاب، فلما صلح إذ هو برجلين لم يصليا، فقال لهما: ما منعكما أن تصليها مع الناس؟ قالا: صلينا في رحالنا، فقال: لا تفعلا، إذا صليتهما في رحالكما، ثم أدركتما الإمام لم يصل فصليا معه، فإنها لكم نافلة، عن أبي ذر قال: قال رسول الله : «صل الصلاة لوقتها وإن أتيت الناس وقد صلوا فصل معهم ولا تقل إني صليت» وهذه نافلة.

مسـألة: أحسب عن أبي سعيد، قلت له: فإمام المسجد إذا صلى الجماعة عن حضرة من العمار، ثم جاء غيره من العمار أو من غيرهم، يصلون جماعة في المسجد، قدام المسجد الذي صلى هو فيه، هل يقطعون عليه صلاة النافلة إن كان في صلاة أم لا؟ قال: معي؛ إنهم لا يقطعون إذا كانت قد ثبتت الجماعة منه في المسجد؛ لأن غيره من الجماعات بعده في المسجد، هي عندي كمثل الجماعات في البراح من الأرض، أو غير المسجد، سألت أبا سعيد عن الإمام إذا صلى بامرأة أو صبي أو نساء كثير، وصبيان في مسجده الذي هو إمام فيه، هل يجوز لأحد أن يصلي فيه جماعة بعد صلاة الإمام؟ قال: أما النساء والمراهقين من الصبيان فلا أحب إذا صلى الإمام من عذر بهم جماعة، أن يصلي أحد بعده جماعة من حيث كانت تجوز الصلاة بصلاته، لأن الصلاة من الصبيان على من عقل فيها، قيل: أي من عقلها معنى، وعرف حدودها، والنساء فلا أعلم اختلافا بين أصحابنا، إن المرأة إن صلت مع الإمام صلاة الجماعة؛ لأن صلاتها تقع وتتم، فإذا وقعت الجماعة فيها يجوز في المجتمعين عليها في صلاتهم، فهي عندي جماعة، وقلت له: فإن صلى بهم، من غير عذر، هل تراها تقع موقع الجماعة؟ قال: إذا صلى من غير عذر لم أره إماما؛ لأنه وضع الإمامة في غير موضعها، وهو كسائر الناس عندي في تلك الصلاة، من العمار أن يصلوا تلك الجماعة عندي، إذا قام بالجماعة في غير موضعها وضيع حقها، ولو في صلاة واحدة، قلت له: وكذلك إذا صلى المسافر،

أو عبر بغير رأي سيده، هل تراها جماعة، إذا كان من غير عذر للإمام على قول من يقول أن ليس على العبد والمسافر جماعة، قال: معي؛ إنه إذا صلوا مع الإمام حيث تكون إمامته، ويكون إماما لمن يصلي معه، إن الإمامة تقوم بذلك.

قلت له: وهل يجوز له أن يصلي بالعبد الجماعة من غير رأي سيده؟ قال: نعم، إذا كان في مسجده الذي يؤم فيه.

قلت: فإن كان في غير مسجده، أو مسجده وأمره أن يصلي خلفه، هل يضمن قدر ما استعمل العبد في الصلاة؟ قال: أحب له الخلاص من ذلك.

مسـألة: ـ ومن غير الكتاب والزيادة المضافة إليه ـ ومن دخل مسجدا يريد الصلاة، ولم يعلم صُليِّ في ذلك المسجد جماعة أو بعد، فأرادوا أن يصلوا جماعة، فرأينا ليس لهم ذلك، ولا تتم صلاتهم على ذلك؛ لأنهم قد صلوا على شبهة.

مسـألة: وإنما الاختلاف فيمن صلى جماعة بعد إمام ذلك المسجد، فأما في وقت واحد فلا اختلاف في ذلك، وهي فاسدة وفي موضع وأما بعد الصلاة فذلك جائز، ولا أعلم فيه اختلافا، وأما في حين الصلاة فلا نحب إلا من عذر، فإن فعلوا جازت صلاتهم.

مسـألة: قال بشير بن محمد بن محبوب: في قوم صلوا جماعة في مسجد، ثم جاء إمام المسجد فصلى جماعة، إن صلاة الذين صلوا قبل الإمام فاسدة، وأما غيره فيجوزها.

مسـألة: وإذا كان مسجد جامع له إمام معروف في سائر الأوقات، وله آخر يصلي فيه يوم عرفة وليلة النحر؟ قال بشير: كل من كان له شيء فهو له، وإن صلى إمام ومعه أناس آخرون تلك الصلاة، فينبغي أن تكون صلاة الرجل المعروف به تلك الليلة هي الصلاة، وعلى الآخرين النقض، على قول من يرى النقض.

مسـألة: عن أبي سعيد، في صلاة جماعة يؤم بعضهم ببعض في موضع واحدة ووقت واحد، بعضهم خلف بعض، فلهم ذلك في غير مسجد، أو مسجد لا إمام

له، وقيل: إذا كان بين كل إمام دون خمسة عشر ذراعا، فلا يجوز لهم إذا كانوا خلفهم.

قال غيره: قيل عليهم التباعد بخمسة عشر ذراعا، إن كانوا حذاءهم على حال لا يجوز دون ذلك، وقيل: ليس عليهم على حال، وقيل: عليهم إذا كانوا خلفهم، والله أعلم.

مسـألة: في الجماعة إذا فسدت صلاة إمامهم فأتموها فرادى، أن لغيرهم أن يصلي في ذلك الحال فرادى لأن حكم الجماعة قد زال، والله أعلم.

مسـألة: وعن أبي سعيد فيما أحسب، وعن المسجد إذا كان له إمام معروف، فصلى من صلى معه صلاة، وانصرفوا، ثم جاءت جماعة أخرى فصلوا أيضا جماعة، وإمامهم تلك الصلاة في ذلك المسجد، قلت: أتتم صلاتهم إذا صلوا جماعة والإمام الأول في المسجد، كان الأول قد أمضى هذه الصلاة أو بعد في الصلاة؟ فأما إذا كان الإمام الآخر يصلي بالجماعة الآخرة في موضع كانت الصلاة فيه تجوز بصلاة الإمام الأول، وهو إمام المسجد، فلا تجوز صلاتهم بعد تمام الصلاة ولا قبل تمام الصلاة، فإذا أم الإمام الأول في الصلاة، وأما إذا كانت هذه الجماعة يصلون في موضع لا تجوز الصلاة فيه بصلاة الإمام في أي موضع كانت هذه الصلاة، فأما بعد الصلاة وتمام الإمام فذلك جائز، ولا نعلم فيه اختلافا من قول أصحابنا، وأما في حين الصلاة فلا نحب ذلك إلا من عذر أو سبب يوجب ذلك لمعنى من المعاني، فإن فعلوا ذلك لغير معنى، جازت صلاتهم، ولا أعلم أنه يخرج في قول أصحابنا اختلاف في هذا، فافهم ذلك.

مسـألة: قال أبو سعيد: في جماعة صلوا في مسجد له إمام، وليس فيهم أحد

من العمار، أنه لا بأس عليهم في ذلك إذا صلوا قبل الإمام، وللإمام أن يصلي بعدهم جماعة، قلت له: فإن تقم هذا الذي هو غير إمام برأي أحد من العمار، فصلى بهم وبمن حضره قبل الإمام، هل للإمام إذا جاء أن يصلي جماعة بعدهم؟ قال: معي؛ إنه قال من قال ذلك، وأن الإمام أولى على كل حال ولا تضره صلاة من صلى قبله من العمار أو غيرهم؛ لأنه أولى، وقال من قال: إذا صلى الإمام الأول برأي أحد من العمار، فقد وقعت الجماعة، وليس للإمام أن يصلي بعدهم جماعة، والله أعلم.

مسـألة: وفي قوم يصلون جماعة في غير مسجد، هل تصلي جماعة أخرى قربهم؟ قال: يصلون حيث لا يسمع بعضهم أصوات بعض، إلا أن تكون الصفوف متصلة، فلا يجوز، ويجوز أن يصلي القوم بصلاة الجماعة وراءهم، ما لم يسمعوا أصوات الإمام فيهم لا يجوز، إذا لم تكن صفوف متصلة فيجوز، ولو لم يكن سمعوا صوته.


البــاب الثـالث



فـي النية لصـلاة الجماعـة



ـ ومن غير كتاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ـ وإذا أراد الإمام أن يصلي بمن خلفه من الجماعة صلاة الجمعة أو غيرها، فإنه ينوي ويقول: أصلي الفريضة التي افترضها الله عليّ، وهي صلاة الجمعة أو غيرها كذا وكذا ركعة إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله إماما لمن يصلي بصلاتي، ولمن يأتي.

مسـألة: وأما المأموم فإنه ينوي ويقول: أؤدي الفريضة التي افترضها الله عليَّ صلاة الجمعة، أو غيرها، إذا كان وليا، وإن كان غير ولي، نوى أن يصلي بصلاة الجماعة طاعة لله ولرسوله محمد (انقضى).


البــاب الـرابـع



فيمــن أحـق بالإمامـة




ـ من كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله قال: «أحق القوم أن يؤمهم أقرأهم لكتاب الله، وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنا»، وقد اختلفوا في هذه المسألة، فروينا عن الأشعث بن قيس أنه قدم غلاما، وقال: إنما أقدم القرآن، ومن قال يؤم القوم أقرأهم ابن سيرين وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، فقال أصحاب الرأي: أقرأهم وأعلمهم بالسنة، وقال أبو بكر: بهذا القول أقول، لأنه موافق للسنة، وقيل غير ذلك، قال عطاء بن أبي رباح: كان يقال يؤمهم أفقههم، وإن كانوا في الفقه سواء فأقرأهم، وإن كانوا في القراءة سواء فأسنهم، وقال مالك: يتقدم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة، وإن ألبس لحفا، وقال الأوزاعي: يؤمهم أفقهم، وقال الشافعي: يؤمهم أقرأهم وأفقههم وأسنهم، وقال أبو ثور: يؤمهم أفقههم إذا كان يقرأ القرآن.

قال أبو بكر: يتقدم الناس على سبيل ما أمر النبي ، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي، إلا أنه يخرج معنى ذلك على ما جاءت به الرواية عن النبي إذ قال: «اختاروا لإمامتكم أخيركم»، وفي بعض الحديث: «أفضلكم» ولا يجوز على النبي في التأويل غير هذا لقوله:

«أقرؤكم أبي بن كعب» وتقديمه عليه في الصلاة أبا بكر، فلو كان ذلك كذلك لغير الفضل، تقدم أبي بن كعب عليهم، ولكنه يقدم أفضلهم، فإن استووا في الفضل أقرأهم، لثبوت القراءة في الصلاة، وإنه لا تجوز الصلاة إلا بها، فإن استووا في الفضل والقراءة فأعلمهم بالسنة؛ لأن الصلاة لا تقوم إلا بعلم، فإن استووا فقيل أسنهم، لقول النبي : «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا» فليس من التوقير أن يؤم، بل منه أن يؤم، على حسب هذا يخرج في معاني قول أصحابنا، ولعله قد قيل: إنهم إن استووا في ذلك فأحسنهم وجها، ولا يبعد ذلك؛ لأن الله ـ تبارك وتعالى ـ لا يكاد أن يجعل الحسن والجمال، إلا في أوليائه فيفضلهم بذلك.

ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في إمامة غير البالغ، فمن روى أن الصلاة خلف من لم يبلغ جائزة، الحسن البصري وإسحاق وأبو ثور، وكره إمامة من لم يبلغ عطاء بن أبي رباح والشعبي ومجاهد ومالك والثوري وأصحاب الرأي، وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم، وفيه قول ثالث قال: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم؛ إلا أن يكونوا ليس معهم من القرآن شيء، فإنه يؤمهم الغلام المراهق، وقال الزهري: وإن اضطروا إليه أمهم، وفيه قول رابع: وهو أن الجمعة لا تجزي خلف الغلام إذا لم يحتلم، ويؤمهم في سائر الصلوات، وهذا قول الشافعي آخر قوله، وقد كان قبل يقول: ومن أجزت إمامته في المكتوبة أجزت إمامته في الجمع والأعياد، غير أني أكثر فيها إمامة غير الولي.

وقال أبو بكر: إمامة غير البالغ جائزة، إذا عقل الصلاة وقام بها للدخول في قول النبي : «يؤم القوم أقرؤهم» ولم يستثن أحدا، قال أبو سعيد: في معاني قول أصحابنا، إنه لا يؤم الصبي في الفرائض كلها واللوازم، لسقوطها عنه في معاني السنة، لقول النبي : «اختاروا لإمامتكم أفضلكم وخياركم» إنما خاطب بذلك أصحابه البالغين وأمثالهم، ممن قد لزمه معنى الإمامة، ولا أعلم في قول أصحابنا ترخيصا في إمامة الصبي قبل أن يحتلم في اللوازم، وأما في الوسائل فقد

أجاز ذلك من أجازه منهم، مثل قيام شهر رمضان وأمثاله، وإذا حسن ذلك للصبي وأمن على الطهارة، فإنه ليعجبني ما حكي من قول من قال منهم، إنه إذا لم يكن معهم من يقرأ أو عدموه، إنه تجوز إمامة الصبي إذا عقل، لما روي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: الصلاة على من عقل، والصوم على من أطاق، يعني من الصبيان، ولثبوت معنى الجماعة أن لا تعطل، فإذا عدم قيامها إلا بإمامة هذا الصبي على هذه الصفة، أعني إجازة ذلك على هذا المعنى، ومعنى آخر أولى منه، أن يكون الحاضر لا يحسن من القراءة ما تقوم به الصلاة، ولا تعليم ذلك لثبوت اتباع المأموم للإمام في القراءة، إنه يجزي عنه، فإذا كان على أحد هذين الوجهين، كانت عندي إمامة الصبي العاقل المحسن لذلك، المأمون على الطهارة أفضل من تركها وتعطيلها، ومنه، قال أبو بكر: أباح عوام أهل العلم إمامة الأعمى، فممن كان يؤم وهو أعمى ابن عباس وغسان بن مالك وقتادة، وهذا قول القاسم بن محمد والشعبي وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وبه قال مالك وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وقد روينا عن ابن عباس رواية ثانية أنه قال: أؤمهم وهم يدلوني إلى القبلة، وعن أنس بن مالك أنه قال: وحاجتكم إليه، قال أبو بكر: إمامة الأعمى كالصحيح، وهو داخل في جملة قول النبي : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» وقد روينا عن النبي أنه استخلف ابن أم مكتوم في المدينة يصلي بالناس.

قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا ما شبه ما حكي من الاختلاف في إمامة الأعمى، وأما ما ذكرت من استخلاف النبي ابن أم مكتوم في المدينة يصلي بالناس، فلعله ذهب في ذلك في الصلاة على ما قد قيل من يجيز إمامة الأعمى، وقد قيل: إنما جعله يعلم الناس دينهم، وثبوت استخلافه على المدينة لغير تعلم تدخله العلل، والدين يصح، وما صح فهو أولى، وما دخلته العلل أمكنت فيه المقالات، وقد قيل: إنه أصل ما ذهب إليه من لم يجز إمامة الأعمى،

أن الأعمى إنما هو في الأصل استقبل القبلة على وجه التحري، والذي من خلفه من البصراء استقبلوا القبلة على علم ويقين، ويخرج في معاني الاتفاق، أنه لا يجوز اتباع المتحري القبلة لمعنى تجربة، ولو كانت المتبع له إنما هو يتحرى، إلا على علم أن يقع للمتبع له تحري ما قد تحرى، وأما إجازة إمامته فلمعنى دخوله في جملة المسلمين، ولأنه مع من صلى معه على يقين، ولو كان عند نفسه على ما تحرى، فإن المؤتم على يقين لا على تحري، فإذا حضر الأعمى والبصير من المسلمين، كانت إمامة البصراء إذا استووا في حالهم أحب إلينا وأثبت، بمعنى الاتفاق عليه، وإذا فضله الأعمى كانت إمامة الأعمى أحب إلينا؛ لثبوت تقديمه في جملة المسلمين، وثبوت الفضل.

مسـألة: قال أبو بكر: روينا عن عائشة، أنها كانت يؤمها غلام لها، وأم أبو سعيد مولى بني أسيد، وهو عند نفر من أصحاب رسول الله منهم حذيفة وابن مسعود، ورخص في إمامة العبد إبراهيم النخعي والشعبي والحسن البصري والحكم وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي، وكره ذلك أبو مخلد، وقال مالك: لا يؤمهم إلا أن يكون العبد قارئا، ومن معه من الأحرار لا يقرؤون، إلا أن يكون في عيد أو جمعة، فإن العبد لا يؤم فيها، ويجزي في عيد إن صلوا وراءه، قال أبو بكر: العبد داخل في جملة قول النبي : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله».

قال أبو سعيد: يخرج عندي في قول أصحابنا اختلاف في إمامة العبد، فمعي؛ إن الذي ذهب أن لا يؤم العبد إذ ليس عليه صلاة الجماعة، فإذا لم يكن عليه صلاة في الجماعة لم يقم ما هو ليس عليه في الأصل، وعلى معنى من يقول: إنه تجوز إمامة العبد لدخوله في جملة المسلمين، وثبوت الصلاة عليه، فإذا كان ذلك بإذن سيده، وفرغه لذلك، فلا معنى يمنعه بعد أن يؤذن له بذلك، ويقع الاختيار عليه، أو يوجب ذلك النظر في إمامته، وإذا ثبت معنى إمامته ولزومها في صلاة الفريضة في الجماعة، فلا معنى يمنع ذلك من الجمعة والعيدين، وفي العيدين أشبه

أن يكون إماما؛ لأنه قد قيل: إن عليه ذلك، وعليه أن يستأذن سيده في ذلك، فما أشبه أن يلزمه كان أحرى أن يجوز به، وكذلك الجمعة، وإن كانت لا تلزمه فقد ثبت أنها لا تلزم المسافر، وقد ثبت أن المسافر يصلي بالناس الجمعة إذا نزل بمنزلة الإمام فيها، وهو إمام المصر إذا دخل موضع الجمعة مسافرا، بمعنى المصر، كان هو الإمام لرعيته، لا نعلم في ذلك اختلافا، وعليهم الجمعة، وعلى ذلك معنا كانت الأمراء إذا دخلت الأمصار، وهي مكية، والأئمة الأمراء على الناس من جمعة أو جماعة، لا يجوز أن يقدمهم غيرهم، ولو كانوا مسافرين.

وكذلك قيل: إذا أمر المسافر الإمام بصلاة الجمعة أن يصلي بالناس، جاز ذلك، ولزم بأمر الإمام، وقد كان في الأصل لا جمعة عليه، وكذلك العبد مثله، ومنه؛ قال أبو بكر: كره أبو مخلد إمامة الأعرابي، وقال مالك: لا يؤم الأعرابي، وإن كان أقرؤهم، وفي قول سفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: الصلاة خلف الأعرابي جائزة، وكذلك نقول: إذا قام بحدود الصلاة.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه إذا كان لا علة، إلا أنه أعرابي لا مسافر ولا معنى إلا بثبوته أعرابيا، فلا يمنع ذلك عندي إمامته، لوجه قد يخرج معنى هذا في الرواية، أنه لا يؤم الأعرابي المهاجر، والله أعلم بذلك ما كان.

ومنه؛ قال أبو بكر: كان عطاء يقول: إذا كان أميا لا يحسن من القرآن شيئا، وامرأته تقرأ، يكبر زوجها وتقرأ هي، فإذا فرغت من القراءة كبر هو وركع وسجد، وهي خلفه تصلي بصلاته، وروي هذا المعنى عن قتادة، وفي قول الشافعي إذا أم الأمي الذي لا يحسن شيئا من القرآن، ثم هو مثله فصلاتهما جائزة، وإن أم من يحسن القرآن، لم تجز صلاتهم خلفه، وقال النعمان: إذا صلى الأمي بقوم يقرؤون، وبقوم أميين فصلاتهم كلهم فاسدة، وقال يعقوب: صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة، وقالت فرقة: صلاة الإمام وصلاة من خلفه جائزة؛ لأن كلا مؤدي فرضه، وذلك مثل المتيمم يصلي بالمتطهرين بالماء؛ والمصلي قاعدا بقوم يصلون قياما، صلاتهم مجزية في قول من خالفنا؛ لأن كلا مؤدي فرض نفسه.

قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إنه لا يؤم من لا يقرأ شيئا من القرآن من لا يقرأ الآية، وإن وسعه ذلك في نفسه، إذا كان معذورا لعدم ذلك في حينه، إذ لا يقدر عليه، فلا يكون ذلك لغيره، ولكن يؤم من هو مثله ممن لا يقرأ، فإن أم من هو مثله ممن لا يقرأ، فيخرج عندي في معنى هذا القول إن صلاته وصلاة من لا يقرأ تامة، وعلى من يقرأ البدل، ولا تتم صلاتهم وتمام صلاته للعذر الذي له في معنى هذا القول، وليس معنى هذا عندي على ما يخرج في معاني قول أصحابنا، كالمتيمم يصلي بالمتطهرين؛ لأن التيمم عند عدم الماء طهارة، وكل في ذلك مخصوص بما يلزمه، وقد ثبتت الطهارة بمعنى الصعيد، كما ثبتت بالماء عند العدم، ولا يثبت أن هذا قد قرأ إذا لم يقرأ. ومنه؛ قال أبو بكر: كان عطاء بن أبي رباح يقول: يؤم من لا أب له إذا كان مرضيا، وبه قال سليمان بن موسى والحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري وعمرو بن دينار وسفيان الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، غير أن بعضهم قال: إذا كان مرضيا وتجزي الصلاة خلفه عند أصحاب الرأي، قال: قالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيء، وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز، أنه نهى رجلا كان يؤم بالعقيق لا يعرف له أب، قال: مكروه أكره أن يتخذ إماما زانيا، قال أبو بكر: يؤم لدخوله في جملة قول رسول الله : «يؤم القوم أقرؤهم».

قال أبو سعيد: معي؛ إنه قيل لا بأس بإمامة من لا أب له ثابتا، وإن ثبت أنه ولد زنا، فلا معنى يدخل عليه في والديه في أمر صلاته، ولا أمر دينه، وأن كل غيره عمن لا يفضله، أو عمن هو مثله أقرب إلى مسارعة أهل الجماعة إليها بصلاته، كان أحب إليّ أن يقدم غيره من هذا الوجه، إذا كان يقدمه بنقل وجه من الوجوه، ووجد مثله، لم أحب أن يدخل على الناس مشقة في الاختيار، ومنه؛ قال أبو بكر: كان الشافعي وأبو ثور يقولان: لا يؤم المشكل الرجال، ويؤم النساء.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج نحو هذا في معاني قول أصحابنا، إن

الخنثى يؤم الخنثى، والأنثى لا تؤمها الأنثى، ولا يؤم هو الرجال، ومنه؛ قال أبو بكر: إذا صلى رجل كافر بقوم مسلمين، وهم لا يعلمون بكفره، فكان الشافعي وأحمد بن حنبل يقولان: لا يجزيهم، ويعيدون، وقال الأوزاعي: وقال الشافعي وأبو بكر: لا يكون بصلاته مسلما، وقال أحمد بن حنبل: يجبر على الإسلام، وقال أبو ثور والمزني: لا إعادة على من صلى خلفه، والشافعي يوجب الإعادة على من صلى خلفه والشافعي يوجب الإعادة على من صلى من الرجال خلف المرأة، وقال أبو ثور: لا إعادة عليهم، وهذا قياس قول المزني.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن إمامة الكافر لا تجوز إذا كان كفره كفر شرك، بوجه من الوجوه، ولا أعلم مخرجا من قولهم: إنه يثبت عليه الإسلام بالصلاة، وإن عوقب في تقدمه على المسلمين إذا صح ذلك عليه، كان أهلا لذلك، إذا رأى ذلك الإمام، ومعي؛ إنه يخرج أن عليهم الإعادة، إذا صح أنه كان حين صلى بهم مشركا، وأما إقراره فلا يكون عليهم حجة، إذا كان في دار الإسلام، ولا يخرج في قول أصحابنا إجازة إمامة المرأة للرجل، ولا في معاني ذلك في الفرائض، وكذلك لا تكون هي خلفه وتقرأ، ويكون إماما لها، ولو لم يحسن هو القراءة؛ لأن ذلك خلافا للسنة في الإمامة بالفرائض، والسنة أن يقرأ الإمام لا المأموم، وإن فعلت ذلك خرج عندي أن صلاته هو تامة، إذا كان لا يقدر إلا على ذلك، وعليها هي الإعادة، ومنه؛ فيما أحسب قال أبو بكر: ثبت أن ابن عباس جاء والنبي يصلي بالليل، فجعله النبي عن يمينه، وقد اختلف فيه، فكان الشافعي يقول: والائتمام بمن صلى لنفسه، لا ينوي الإمامة وقال سفيان الثوري وإسحاق: على المأموم الإعادة، وقال النعمان: في رجل نوى أن يؤم الرجال، ولا يؤم النساء، وصلت امرأة إلى جنبه ائتمت به قال: لا تجزيها صلاتها ولا تفسد عليه صلاته، واختلف فيه، عن أحمد بن حنبل فقال مرة: لا يعجبني في الفرض، ولا بأس في التطوع، وقال مرة: على المأموم الإعادة، ولا يذكر فرضا ولا غير فرض، قال أبو بكر: بحديث ابن عباس عن النبي نأخذ.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من المنع والإجازة، وأما ما حكي عن النبي فلا يكون إلا على أنه إمام له، ولا يجوز في معنى الإطلاق، أن يكون إماما إلا بنيته للإمامة؛ لأن الأعمال بالنيات، وكما لا تجوز الصلاة إلا بالنيات على الانفراد، كذلك لا تكون جماعة إلا بنية، وإذا أمه الإمام بإظهاره الإمامة خرج في معنى الحكم، أنه قد أمه إذا ائتم به المؤتم واتخذه إماما في ظاهر الحكم؛ لأن إظهاره الإمامة ما لا يكون جائزا له من الصلاة من الجهر إلا بإمامة، كان ذلك دليلا على أنه إمام، فإذا كان هذا الإمام في موضع إمامته المعروف بها من بقعته، حسن معي أن يكون إماما لكل من دخل معه على القول الأول، من رجل وامرأة من عمار بقعته أو غيرهم، حتى يعلم المصلي خلفه أن نيته غير ذلك، وإذا لم يكن إماما في تلك البقعة معروفا بذلك، حسن معي القول الثاني أنه لا تثبت إمامته بمن صلى خلفه، إلا حتى يعتقد الإمامة به، أو يعلم ذلك منه بمعنى ما قد صح، أنه قد جعل نفسه إماما، وأن هذا قد دخل معه في إمامته على حسب ما ذكرنا من أول المعنى، ومنه؛ قال أبو بكر: ثبت أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله العشاء، ثم يرجع يصليها بقومه بني سليمة، قال أبو بكر: فممن مذهبه هذا القول بظاهر الحديث، عطاء وطاووس، وبه الشافعي وأحمد بن حنبل وسليمان بن حرب وأبو ثور، وقال بهذا المعنى الأوزاعي، وقالت طائفة: كل من خالفت نيته نية الإمام في شيء من الصلاة لم يعتد بها، واستأنف، هذا قول الزهري وربيعة ويحي الأنصاري، وقال مالك بن أنس، وروي معناه عن الحسن البصري وأبي قلابة، وقال الكوفي؛ إذا صلى الإمام تطوعا، لم يجز لمن صلى خلفه الفريضة، وإذا صلى الإمام الفريضة، صلى خلفه التطوع، وقال عطاء بن أبي رباح وطاوس: يجوز أن يصلي العشاء مع الإمام، يصلي التراويح ويبني ركعتين إذا سلم الإمام، وفي قول سعيد بن المسيب والزهري: يصلي معهم ثم يصلي العشاء وحده، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، استدلالا بحديث معناه.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: أنه لا يكون من

صلى فريضة ثبتت له صلاته بها في جماعة، أو فرادى كان إماما لغيره، ثم يصلي تلك الصلاة، ولا أعلم في هذا المعنى اختلافا، وذلك عندي مشبه لما ثبت عن النبي أنه قال: «إذا صلى أحدكم ثم أتى الجماعة، وأتى المسجد فيصلي ويجعلها نفلا»، ولا أجد معنى يخرج في معاني الصلاة، ولا غيرها، أن النفل يكون فرضا ولا يقوم الفرض بالنفل من فعل الغير، ولا من فعل النفس، وإذا ثبت نفلا لم يقم به الفرض المؤكد، وإن قال قائل: إنه لو حج قبل أن يجب عليه الحج في حال ما يخاطب به من الزاد والراحلة، من حال القدرة، فخرج متطوعا حتى حج، أن ذلك يجزيه عن الفريضة، وقد كان في الأصل قلنا لم يكن ذلك نفلا حين أدى الحج، إنما كان منه النفل خروجه إلى الحج، وأما إذا صار في موضع الاستطاعة للحج، في الموضع الذي ينفذ منه الحج، كان مخاطبا بذلك، وكان الحج فرضا لا نفلا، ولم يقم قط فرض بنفل، إلا بمعنى أنه ثبت فرض في معنى الأصل.

ـ ومن جامع محمد بن جعفر ـ وكل مسجد يؤذن فيه، ويصلي فيه إمامه بمن صلى معه جماعة، فلا نرى أن تصلي فيه تلك الصلاة جماعة من بعد صلاة الإمام، حيث تجوز الصلاة خلف الإمام بمن صلى بصلاته، فأما الموضع الذي لا تجوز فيه الصلاة لمن صلى بصلاة الإمام، فالصلاة جماعة لمن جاء من بعده جائزة، وذلك إذا كان الإمام قد صلى في مؤخر المسجد، وبقي أوله وكان شيئا من الحجرة متقدما يقطع بينه وبين الإمام جدار، فلا يجوز أن يصلي هنالك مصل بصلاة الإمام، ومن صلى من رجل أو امرأة وحده في مسجد، والإمام يصلي تلك الصلاة، فإن صلاة ذلك المصلي منتقضة.

مسـألة: وأما إذا جاء قوم إلى المسجد قبل أن يصلي إمامه فصلوا جماعة، فللإمام أن يصلي من بعدهم تلك الصلاة جماعة، لأنه هو أولى بذلك، قال غيره: إذا كان الجماعة غرباء من غير عمار المسجد، أو صلى العمار على غير الوجه من الانتظار. (رجع).

وإن صلى الإمام وأراد الجماعة أن يصلوا جماعة بعده فقد قيل: يجوز لمن جاء

من بعده أن يصلي تلك الصلاة في ذلك المكان جماعة؛ لأن تلك الصلاة التي صلاها الإمام لم تكن جماعة، قال غيره: وقد قيل إنها جماعة؛ لأنه الإمام. ومن غير الكتاب.

مسـألة: قال أبو سعيد: قد قيل فيما معي، إنه يروى: من سره أن يلقى الله طاهرا فعليه بهؤلاء الصلوات الخمس، حيث ينادى بهن جماعة.

مسـألة: قال أبو المؤثر: رفع إليّ في الحديث أن سليمان الفارسي أقام الصلاة بقوم معه، ثم قال لهم: يتقدم أحدكم، فقالوا سبحان الله يا أبا عبد الله! ما كنا لنتقدم بك، فقال: كلكم بي راض؟ قالوا: نعم، فتقدم وصلى بهم، فلما قضى صلاته، أقبل عليهم فقال: إني سمعت رسول الله يقول: «ثلاثة يقومون إلى الصلاة لا تقبل صلاتهم: امرأة قامت إلى الصلاة وزوجها عليها غضبان ـ لعله بحق وجب عليها له ولم تفعله عند الله ـ ، وعبد أبق عن مولاه حتى يرجع إليه ويضع يده مع أهله، وإمام قوم يصلي بهم وهم له كارهون»، ونقول تفسير الحديث: في امرأة إذا قامت إلى الصلاة وزوجها غضبان، فنقول إذا غضب عليها زوجها في حق له عليها لم تؤده إليه، وهي قادرة، فهو كما ذكرنا عن النبي، وإن غضب عليها بغير حق، وإنما يلتمس عليها العلة، فلا بأس عليها.

مسـألة: قال أبو سعيد محمد بن سعيد ـ رحمه الله ـ : إنه يختلف في الإمامة بمن لا تلزمه صلاة الجماعة من النساء والعبيد، في كل موضع فقال من قال: جائز أن يؤم الرجل بهؤلاء، في كل موضع على الإطلاق، لا يشترط شيئا، وقال من قال: لا يجوز ذلك، إلا في مسجده الذي يؤم فيه؛ لأن هؤلاء لا جماعة عليهم، وأما إذا كان يصلي وحده في مسجده الذي يؤم فيه، فيعجبني أن يجهر بالقراءة في موضع الجهر، وبالتكبير في السر، ولا أعلم أن في ذلك كراهية إلا قولا يشبه الشاذ، إنه لا يجهر إذا كان وحده، ولا أجد مانعا لذلك لإحياء سنة الجماعة وفضلها. ومن جامع أبي محمد.

مسـألة: في ترتيب الأئمة، روي عن النبي أنه قال: «ليؤمكم أقرأكم

لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم، فإن كانوا في ذلك سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في ذلك سواء فأكبرهم سنا، فإن كانوا سواء فأقدهم هجرة»، وقال : «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وقال: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» ومن جمع بين العلم والقراءة كان أولى بالإمامة؛ لأنه قد جمع من الخصال ما هو أولى من غيره، وإن استووا كان أكبرهم سنا، لما في النفوس من تعظيم ذوي الأسنان، وإذا استووا في ذلك فأثبتهم ورعا وصلاحا؛ لأنه لا يخفى على ذي لب أنه قد جمع من الفضائل ما لا يرغب عن اتباعه إلا ناقص، ولذلك كرهنا إمامة الفاسق مع جواز الصلاة خلفه، لما فاته من تعظيم النفوس له من جهة الدين، وإن كان ذلك من طريق الحكم، ولا يشبه الفاسق في هذا المشرك؛ لأنه لو تاب وقد صلى لم يكن عليه إعادة صلاته، ولو أسلم الكافر وكان قد صلى أعاد صلاته، ألا ترى إلى قوله : «الإمام ضامن» وهذا حكم عام على كل إمام، وفي حال هو فيها إمام، فلولا أنه مؤدي فيما يؤدي عن نفسه وعن غيره، لم يكن ضامنا، ألا ترى أن مدرك الإمام في الركوع تجوز ركعته، وإن قلنا إن عليه قضاء ما فاته، وقد قال كثير من أصحابنا مع مخالفيهم أن ركعته جائزة، ولا إعادة عليه منها، وهذا يبين لك أنه فيم يؤدي عن نفسه مؤد عن غيره.

وكذلك القارئ إذا صلى خلف الأمي لم تجز صلاته؛ لأن الذي يؤدي الأمي عن نفسه، لا يصلح أن يكون أداء عن القارئ، وكذلك ما تؤدي المرأة عن نفسها لا يصلح أن يكون أداء عن الرجل، وإذا صلى القارئ خلف الأمي جازت صلاة الإمام، وفسدت صلاة القارئ، كالمرأة صلت برجال ونساء، أن صلاة النساء جائزة، وصلاة الرجال فاسدة، وكذلك الأمي بالأمي، وكذلك الإمام، إذا كان ممن فرضه في صلاته الإيماء، لم تجز خلفه صلاة من يركع ويسجد إلا من ركع وسجد لا إمام له فيما ركب صلاته، وكذلك المتوضئ خلف المتيمم من الجنابة، وكذلك الطاهرة من النساء خلف المستحاضة، والمتوضئ خلف من به سلس البول؛ لأن هؤلاء صلاتهم ضرورة، فإذا زالت الضرورة قبل تمام الصلاة

أعادها لاستحالة وجود الضرورة، والقدرة، والله أعلم.

ـ ومن الكتاب ـ وإذا قام إمام العراق قدامهم، والمرأة أمام النساء في الصلاة، وهي إمام لهن، أو قامت المرأة إلى جانب الرجل في الصلاة، أو قام المأموم على يسار الإمام، وكذلك من كان في معناهم لمن خالف ترتيب النبي لهم في الصلاة، فصلاة هؤلاء كلهم باطلة، ولا يكونون مطيعين في صلاتهم، ومع مخالفتهم للنبي في ترتيبه إياهم، وقد قال الله ـ عز وجل ـ : ]فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[ (النور:63).

ـ ومن الكتاب ـ وروي عنه أنه قال: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله وأقدمهم هجرة، فإن كانت القراءة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا» ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه أحد، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه، والتكرمة الفراش، والمخدة، فالواجب على المرء امتثال ما أمر به النبي من فرض أو ندب في صلاة أو غيرها، وأجمعوا أن الإمام إذا كان يحسن ما يلزم في الصلاة من قراءة أو غيرها أن إمامته جائزة، وإن كان في المأمومين من هو أقرأ منه وأكبر سنا، وإمامة العبد والأعجمي والخصي جائزة؛ إذا كان بالوصف الذي وصف رسول الله ، قال محمد بن محبوب: لا تجوز الصلاة خلف واحد من هؤلاء، وإمامة الصبي غير جائزة؛ لأنه غير مخاطب بالصلاة، والجماعة تجب على المخاطبين، ولا تنعقد إلا بهم، والأمي الذي لا يحسن القراءة لا يجوز أن يأتم به من يحسن القرآن، ولكن يكون إماما لمثله، وإن كان يحسن ما يؤدي به الصلاة من القراءة وغيره، فجائزة، وإمامة ولد الزنا والمنبوذ وولد الملاعنة جائزة، والمانع من ذلك محتاج إلى دليل، ولا يجوز أن تؤم المرأة رجلا، ولا تنازع بين الأمة في ذلك، والخصي لا يكون إماما اتفاقا.

ـ ومن الكتاب ـ والائتمام بالصبي في الفرض والنفل غير جائز، وقال بعض أصحابنا: يجوز في النفل، الدليل على اختيارنا، أن الجماعة لا تنعقد إلا بالمخاطبين البالغين المأمورين بالصلاة، لقول النبي : «إذا حضرت الصلاة

فليؤذن أحدكم وليؤمكما أكبركما» وهذا خطاب يتوجه إلى المكلفين البالغين، دون من لا يلحقه الخطاب لصغره وطفولته، فإن قال قائل: إن النبي أثبت للصبي حجا، فما أنكرتم أن تثبت له الصلاة؟ قيل له: ليس كل من ثبت له الصلاة، جائز أن يؤم به بإجماع الجميع، أن المرأة لها الصلاة، ولا تجوز الائتمام بها، فإثبات الصلاة لا يكون دليلا على انعقاد الجماعة به، ولسنا ننكر أن تكون للصبي صلاة، كما يكون له حج، فإن قال قائل: فهل يثاب على حجه؟ قيل له: من طريق الثواب، طريق التفضل لا الاستحقاق؛ لأن الكبير المخاطب أيضا لا يستحق الثواب على طاعته، لنفس الفعل، لأن المخاطب بالطاعة عليه من يقيم لله جل وعلا، ما لو قوبل فعله من طريق الطاعة بها لصغر عندها الثواب على الطاعة، فدل بهذا أن الثواب طريقه طريق التفضل، إذا كان الله -جل ذكره- تفضل بالوعد على الطاعة، وإذا كان هذا هكذا فجائز أن يتفضل على الصغير بما يشاء.

ـ ومن كتاب محمد بن جعفر ـ وأولى بالإمامة من القول أقرؤهم للقرآن، وأعلمهم بالسنة، فإن استووا في ذلك فأفضلهم ورعا وأثبتهم صلاحا، فإن استووا في ذلك فأكبرهم سنا، ومن غيره؛ قال: وقد قيل فإن استووا في ذلك فأصبحهم وجها، ومنه؛ ويكره أن يؤم الناس المقيد في الصلاة، والمجنون، إلا أن يصلوا بمن كان مثلهم، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: أما المجنون فلا بأس عليه إذا كان صالحا. (رجع).

وقيل: لا يصلى خلف المولى، إذا قال إنه من العرب، ولا من انتحى من العرب إلى غير عشيرته، ولا يؤم الناس الصبي في صلاة الفريضة، ولا العبد ولا الضرير، وقال من قال من الفقهاء: إن الضرير والعبد تجوز إمامتهما في الصلاة، وإنما قيل: لا يكون العبد إماما في الأحكام، وغير هؤلاء أولى بالإمامة منهم، فإن صلوا بقوم لم أبصر على من صلى خلفهم نقض الصلاة، ومن غيره؛ ومن جواب لأبي عبد الله ـ رحمه الله ـ قلت: هل تجوز الصلاة وراء خلف الذي يغشى بالنهار ولا يبصر بالليل، والذي خلفه يبصرون؟ فأقول: لا تجوز الصلاة

خلفه بالليل، وتجوز الصلاة خلفه بالنهار، ومن غيره؛ أما الضرير فتجوز إمامته؛ لأن النبي استخلف ابن أم مكتوم على المدينة على عليٍّ وغيره، ومن غيره.

مسـألة: قلت: إن أمهم الصبي في فريضة، أو نافلة، هل تتم صلاتهم إذا كان ممن يحافظ على الصلاة مختتن أو غير مختتن؟ فأما الفريضة فقد اختلف في ذلك، وأحب أن لا تجوز وأما في النافلة، فقد اختلفوا في ذلك، وأحب أن تجوز، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: أما الصبي فيجوز إذا كان قد اختتن، ويحسن الصلاة.

مسـألة: قال أبو المؤثر: إن الإمام الأكبر لا يؤمه أحد في الصلاة.

مسـألة: عن أبي علي، وعن قول المسلمين في إمام صلى بقوم، وفيهم من أعرف منه، فلا يزالون في سفال في أمر دينهم في جميع الدين، أو الصلاة دون غيرها، وما يبلغ ذلك في صلاتهم، والذي عرفت إذا صلى بقوم وفيهم من أفضل منه، وهو كذلك، إلا أن يمتنع الأفضل عن الصلاة والسفال، هاهنا النقصُ، والله أعلم.

البــاب الخـامس



فيمن يجوز أن يكون إماما في الصــلاة




قال أبو المؤثر: اختلفوا في الصلاة خلف الأعمى، فقال من قال: لا يصلى خلفه، وروي ذلك عن ابن عباس أنه قال: كثيرا ما كنت أؤمهم وهم يدلوني إلى القبلة، وقال من قال: إن الصلاة خلفهم جائزة، وذكروا أن موسى بن علي كان يصلي خلف محمد بن سليمان، وهو أعمى.

مسـألة: قال أبو المؤثر: قد قال من قال: صلاة العبد جائزة بالأحرار، وإنما قالوا لا يؤم العبد الأحرار أن يكون إمام للحكم، وقد ذكرنا لنا أن أم سلمة زوج النبي كان يؤمها غلامها في الصلاة، فعرضت هذا الحديث، فقال لي: كان يؤمها بالفريضة أو في قيام شهر رمضان، فلم يكن معنا في ذلك صحة، إلا أن الحديث رفع إلينا هكذا، وسألته عن الخصي، هل يجوز أن يؤم الرجال في الصلاة؟ قال: معي؛ إنه يجوز ذلك، ومعي؛ إنه في بعض الآثار، أنه يكره ذلك، ولعله من طريق التأويل أنه لا يؤم ناقص بتام، ورأيته يعجبه إجازة ذلك، قلت له: فإذا كان مقطوع منه يد أو رجل أو غير ذلك من الجوارح، مثل الأذن والعين، هل يكون مثل الخصي عندك؟ قال: معي؛ إن مقطوع الرجل أشد ويلحقه عندي معاني الاختلاف إذا كان يصلي قائما، وأما مقطوع اليد فقد يعلله من يعلله أيضا؛ لنقصان الطهارة، وأما مقطوع الأذن الواحدة والعين فمعي؛ إنه تجوز إمامته بالأصحاء على معنى قوله، وكذلك الأنف، قلت له: فالأصم، هل تعلم أنه

تلحقه كراهية في إمامته؟ قال: معي؛ إن الأصم لا يدخله نقصان في معنى الصلاة؛ لأنه يبصر القبلة.

مسـألة: وسئل عن الذي يقنت في الصلاة، هل تجوز الصلاة خلفه؟ قال: معي؛ إن أصحابنا لا يرون الصلاة خلفه إذا علم أنه يقنت في الصلاة، فإن صلى خلفه، ولم يقنت فلا بأس وإن صلى خلفه قبل أن يعلم أنه يقنت فقنت، فمعي؛ إنه قيل: لا إعادة عليه، قلت له: ولو علم في الصلاة لذلك؟ قال: معي؛ إنه كذلك في معنى هذا القول، ولو علم في الصلاة حتى يصلي خلفه صلاة غير هذه الصلاة بعد لمه بالقنوت؟ قلت: فالذي يحرم قبل التوجيه، هل تجوز الصلاة خلفه؟ قال: معي؛ إنه يختلف في ذلك فبعض يجيز الصلاة خلفه، وبعض لا يجيز الصلاة خلفه، تنقض صلاته التي صلاها خلفه، علم أنه يفعل ذلك أو لم يعلم، وفي القنوت إنما ذهب من ذهب إلى فساد صلاته إذا صلى خلفه من لا يعلمه، أنه يقنت فثبت معنى التوجيه عليه بعد الإحرام، أنه أشد إذا كان نقض الصلاة به على العلم والجهل عند من ذهب إلى ذلك.

ـ ومن كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى على المنبر يوما والناس وراءه، وجعل يركع ثم يرفع ويرجع القهقرى ويرفع القهقرى ويسجد على الأرض، فلما فرغ قال: « أيها الناس ، إنما صليت بكم هكذا كيما تروني فتأتموا بي » قال أبو بكر: هكذا الإمام إذا أراد أن يعلمهم، فإن لم يرد يعلمهم، فذلك مكروه لحديث رويناه عن ابن مسعود، أن ذلك منهي عنه، وقد اختلفوا فيه، وقد كان الشافعي يرى أن ذلك جائز، إذا أراد الإمام أن يعلمهم، وقال أصحاب الرأي ذلك مكروه، وصلاتهم تامة، وقال الأوزاعي: لا يجزي ذلك، يستوي معهم على الأرض، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني الاختلاف بنحو هذا في معاني قول أصحابنا إذا كان في موضع يركع ويسجد، وأما أن يرجع إذا ركع إلى الأرض فيسجد فيها، ثم يصعد فلا أعلم هذا مذكورا في معاني قولهم، ولا ما يشبهه، إلا أنه يخرج في معاني العذر في معنى قولهم، إذا لم يكن يقدر في موضعه على

السجود، ولا يقدر حيث يسجد على القيام، وصلاته بالقيام إلا أن يتقدم لقيامه، ثم يزحف إلى خلفه ويركع ويسجد، ففي مثل هذا يخرج في معنى قولهم إجازته، ولا يعجبني أن يكون للناس في مثل هذا ما كان للنبي إن صح عنه هذا، وإلا فهذا عندي يشبه العمل في الصلاة، لغير معناها، وقد كان يمكن أن يخبر بذلك خبرا فيكون مجزيا عن العمل، والله أعلم.

ـ ومن غير الكتاب ـ ؛ ويقال: لا يصلي أعرابي بقروي، ولا عبد بحر ولا ولد بوالده، إلا أن يكون القروي والحر، والوالد لا يقرؤون، فأما من يقرأ أحق بالإمامة بالصلاة ممن لا يقرأ.

مسـألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن أبي بكر، فأما الرجل إذا صلى بقوم ولم يأمروه، ولا استأذنهم، وصلى بهم، فيعجبني أنهم إذا صلوا وراءه، ولم ينكروا عليه جاز ذلك لهم وله، ويستحب له أن يستأذنهم، إذا أراد أن يصلي بهم، والله أعلم.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة ـ عن أبي الحسن البسياني ـ رحمه الله ـ وعن النساج، يجوز أن يكون إماما في الصلاة أم لا؟ قال: نعم، جائز ذلك، والجائز غير المأمور به، والمأمور به في الصلاة أن يكون الإمام الأفضل، فإذا وجد الأفضل من الناس كان أولى بالتقديم من غيره. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).

مسـألة: وسئل عن رجل كان ناقص منه أصبع أو مقطوعة، هل له أن يؤم غيره ممن هو أتم منه؟ قال: هكذا عندي، قيل له: فإن كانت يده مقطوعة، هل تكون مثل الأولى؟ قال: هكذا معي؛ إلا أنه يترك حدا من حدود الصلاة من العجز في قيامه أو سجوده، مما ينقض صلاته، فإنه لا يؤم إلا من هو مثله أو دونه في قول أصحابنا عندي.

مسـألة: وعن رجل عرضت له في أصبعه علة، مما لا يقدر على غسلها أو يخاف إن غسلها أن تزداد عليه، هل عليه أن يتيمم لها بعد الوضوء، كانت العلة

طاهرة أم نجسة أم لا؟ قال: إذا كانت طاهرة، وإنما يمتنع عن غسلها للوضوء، وكانت العلة لا تأتي على موضع الوضوء من الجارحة كلها، فقد قيل لا يتم عليه في بعض ما يخرج عندي، ولعله أكثر القول، وإنما عليه فيما قيل يوضئ ما بقي من الجارحة، من موضع الوضوء مع سائر جوارحه ويصلي، وأما إذا كانت نجاسة امتنع غسلها لعلة كانت في الجارحة، مثل دم سائل أو غير سائل؛ إلا أنه فائض يجب غسله، ثم قد يبس فمعي؛ إنه قد قيل يتيمم للنجاسة مع غسل ما بقي من الجارحة مع سائر جوارح الوضوء ويصلي، وقال من قال: لا تيمم عليه أيضا، وإنما عليه الوضوء كما أمكنه ما لم يأت ذلك على موضع الوضوء من الجارحة كله، قلت له: فهل له أن يؤم الناس إذا كانت العلة طاهرة، إلا أنه لم يوضئها وهي في مواضع الوضوء من عذر، ومعي؛ إنه كان ذلك من عذر تجوز له به الصلاة، فيختلف في إمامته لغيره من المتطهرين، فقال من قال: يؤمهم؛ لأنه بحال المتطهر من العذر، وقال من قال: لا يؤم بالمتطهرين، قلت له: فصاحب العلة النجسة، هل يلحقه معنى الاختلاف عندك في الإمامة؟ قال: معي؛ إنهما جميعا يلحقهما معنى الاختلاف، قلت له: وكذلك الجنب، إذا صلى بالناس ثم علم بعد ذلك أيلحقه الاختلاف معك؟ قال: هكذا معي عندي، قلت له: فعلى قول من لا يفسد صلاة من صلى خلفه الجنب، إذا علم وهو في الصلاة يجعل لهم أن يبنوا على صلاتهم، كما يجعل لهم في الدم وسائر النجاسة، قال: هكذا عندي، إلا الذي يكون من عن قفا الإمام، فإنه يشدد فيه ومعي؛ إن الذي يرى أن الإمام الجنب لا يقطع الصلاة من طريق الإمامة، فيختلف فيمن كان الإمام الجنب تلقاء وجهه، فقال من قال: تفسد الصلاة على حال؛ لأن الجنب يقطع الصلاة لا من طريق الإمامة، وقال من قال: إن الجنب لا يقطع الصلاة ويضر من كان عن يمينه، ولا عن شماله، أو من سائر الصفوف، وكل ذلك سواء عنده.

مسـألة: وسألته عن المصلي إذا خر للسجود وكبر وطحر بغير عمد منه، هل تفسد؟ قال: معي؛ إن بعض الفقهاء لا يرى إمامة من كان يفعل هذا، لم يصل

خلفه، وأرجو أن بعضا يرى ذلك، إلا أن هذا يخرج عندي على معنى الحث لا العمل.

مسـألة: قلت له: وهل يجوز أن يؤم الصبي الرجال في الفريضة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك، إذا عقل الصلاة، وحافظ عليها، وكان مراهقا، وقيل: لا يجوز ذلك، ومعي؛ إنه أكثر القول، قلت له: والمراهق ما حده؟ قال: فحده عندي الذي يقرب حاله من البلوغ، فإذا أقر به لم ينكر عليه إقراره به؟ قلت له: فإذا لم يكن مراهقا؛ إلا أنه يعقل الصلاة كمثل المراهق، هل يلحقه الاختلاف؟ قال: فلا أعلمه إلا في المراهق فيما عندي؛ لأن المراهق يذهب فيه بعض أن يلحقه أحكام البالغ، قلت له: والصبية والمراهقة، هل يجوز أن تؤم النساء في النافلة؟ قال: فإذا كانت أقرأهن، أعجبني ذلك في النافلة، كما جاز في الصبي، إذا كان أقرأ من الرجال أن يؤمهم في النافلة، قلت: فهل يجوز أن يصلي الرجل القاعد بالقائم في الفريضة والنافلة، إذا كان القاعد أقرأ؟ قال: أما الفريضة فلا يعجبني ذلك، وأما في النافلة، فقد قالوا إذا كان القاعد أقرأ كان في وسط الصف، وكان المتقدم قائما يقرأ هذا، فإذا فرغ ركع الآخر بهم، فإن كان عن يمين الإمام لم أر بأسا، وهو أحب إليّ حتى يكونا إمامين لهم.

قلت له: فإن أم القاعد بالقائمين في النافلة، ولم يتقدم عنده قائم يركع بهم ويسجد، هل تتم صلاتهم؟ قال: فيعجبني أن تتم صلاتهم؛ لأنها ليست عليهم واجبة في الأصل، وقد أجازوا للذي يقدر على القيام أن يصلي قاعدا نافلة، ورأوا تلك الصلاة تامة، ولا يجوز ذلك في الفريضة، فمن هنالك جاز عندي إذا كان ذلك أنشط لهم وأسرع لهم إلى محاضرة ذلك بوجه من الوجوه، قلت له: أرأيت إن أم القاعد في الفريضة، أتفسد صلاتهم في إجماع المسلمين فيما عندك؟ قال: فلا أعلم أن أحدا من المسلمين أجاز ذلك، ولا يبين لي ذلك في قولهم.

قلت له: فيجوز ذلك في قول قومنا؟ فمعي؛ إنه يخرج ذلك في قولهم عندي، قلت له: فإن كان أتلى الركوع والسجود رجل قائم في الفريضة، وكان آخر

قاعدا عن يمينه يقرأ هل ترى صلاتهم تامة؟ قال: لا يبين لي ذلك، إنه لا يجوز إمامة الإمام، إلا بالقراءة، وليس هذا بإمام عندي في قول أصحابنا، قلت له: وإجماعهم على ذلك فيما عندك قال: فمعي؛ إن إجماعهم أنه لا تجوز الصلاة إلا بقراءة من الإمام، فما تكون فيه القراءة، وهذا إمام لم يقرأ، وهذا يشبه عندي للإجماع من ذهب إلى ذلك.

مسـألة: وسئل عن الإمام إذا قال آمين في الصلاة، هل تنتقض صلاة من صلى خلفه؟ قال: معي؛ إنه مختلف في ذلك، قال: وأما أنا فيعجبني أن يكون هذا كله على التعبد، إذا كان الفاعل لذلك من أهل التعبد به، لا يكون على المصلي خلفه إعادة، إذا احتاج إلى الصلاة خلفه، لإحياء السنة للجماعة، ولم يجد غيره.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ اختلف محمد بن محبوب وموسى بن علي، في محجوب النظر، هل يؤم في الفريضة؟ فأجاز موسى بن علي، ولم يجز محمد بن محبوب، وكذلك اختلافهما في العبد وغيره، وإذا اختلفا نظرا ما أيده الدليل، وعمل به أهل العلم قبلهما، ولم يرجع في ذلك إلى تقليد واحد منهما بغير دليل، والله أعلم، وقول محمد بن محبوب، انظر لما روي عن النبي أنه قال: «يؤمكم أقرؤكم» فيتقدم الأمي القارئ، من هو أنقص حالا ممن هو أعلى منه درجة في الفضل الذي يؤدي إلى صلاة في الدين بالإمامة، لقوله : «يؤمكم أقرؤكم» وهذا دليل يوجب منع تقديم من هو أنقص من غيره حالا، ألا ترى أن المرأة لا تؤم ولا تتقدم، لأن فيها دليل النقصان عن رتبة الرجال، وكذلك رتب الإمامة للرجال، ورتب لهم إذا اجتمعوا من فيه زيادة، وله رتب ليست لغيره من استحقاقهم اسم الفعل، وهذه فضيلة لا تجوز إضاعتها والله أعلم.

مسـألة: عن الشيخ أبي محمد ـ رحمه الله ـ قال: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق في صلاة الجنائز، فانظر الفرق في صلاة الفريضة وصلاة النافلة، وكل هذا

تفسيره قول الله ـ تبارك وتعالى ـ : ]إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[ (البقرة:124)، وفي قوله: ]وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي[ (آل عمران:81).

مسـألة: وسألته عن الصلاة خلف من لا يؤدي الزكاة، ودان بجحودها، هل يحارب عليها؟ فإن امتنع هل يسم مرتدا؟ وإن دان بذلك، هل يقتل؟ الجواب: قال: يحارب عليها، يحاربه الإمام. (رجع).


البــاب السادس



فـي إمامة المتيمم بالمتوضئ



ـ من كتاب الأشراف ـ

أجمع أهل العلم أن من تطهر بالماء أن يؤم المتيممين، واختلفوا في إمامة المتيمم بالمتطهرين بالماء، فقالت طائفة: ذلك جائز، وقد صلى ابن عباس وهو جنب خلفه عمار بن ياسر، في نفر من أصحاب رسول الله ، وبه قال ابن المسيب والحسن وعطاء والزهري وحماد بن أبي سليمان ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب، وكره قوم ذلك، وروي عن علي أنه كره ذلك، وقال ربيعة: إن كان جنبا أو جاء من الغائط لم يؤم أصحابه، وإن كان إمامهم، إلا أن يكونوا في الجنابة مثله، وهو قول يحي الأنصاري، وكره النخعي أن يؤمهم، وقال ابن الحسن: لا يؤمهم، وقال الأوزاعي قولا ثالثا: لا يؤمهم، إلا أن يكون في المتيمم مثله، إلا أن يكون أميرا مؤمرا.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معاني ما قيل من الاختلاف، ولا أعلم في قولهم التحديد في القول في إمامة الأمير، إنه تجوز دون غيره، وهو عندي شيء حسن؛ لأن الإمام المنصوب من أئمة المسلمين قد قيل: إنه أولى بالصلاة برعيته، مسافرا كان أو مقيما، ولا نعلم في ذلك اختلافا، إنه إمامهم في جميع مصره، حيثما كان، فإذا ثبت هذا، كان حسن أن يكون على كل حال تجوز الصلاة له فيها، فلا يكون يؤمه أحد، ويثبت أن يكون إماما لهم في جميع

أحواله إلا برضاه.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتطهرين، لثبوت طهارته عند الجميع، وقد اختلف أصحابنا في ذلك.

مسـألة: ـ ومن جامع محمد بن جعفر ـ وعن أبي عبد الله ـ رحمه الله ـ قال: إذا صلى رجل متيمم من جنابة برجل متوض، انتقضت صلاة المتوضئ، ومن غيره؛ قال: معي؛ إنه يخرج إذا صلى متيمم من جنابة بمتوض، أعاد المتوضئ، وقد اختلف في ذلك، وكذلك إن صلى بمتوضئ، ومن غيره؛ وقد قيل: لا نقض عليه (رجـع).

وإذا صلى متيمم من جنابة بمتيمم من غير جنابة، فلا ينبغي ذلك، ولا نقض عليه، وفي ـ نسخة ـ قال: وقد قيل: عليه النقض.

البــاب السابـع



في صلاة القائم بالقاعد والنائم بالقاعد

والنائم بالقائم والقاعد وما أشبه ذلك




قال أبو سعيد؛ جاء الأثر من قول أصحابنا، إن القاعد يصلي بصلاة القائم الفريضة والنافلة، وأما صلاة القاعد بالقائم فقد قال من قال من أصحابنا: إنه لا يجوز أن يصلي القاعد بالقائم صلاة الفريضة، وقال من قال: الفريضة والنافلة، وقال من قال: يجوز ذلك في الفريضة والنافلة، ولعله أكثر قول قومنا، أو من شاء الله منهم، ويوجد ذلك في قول بعض أصحابنا، ويروون معنى ذلك عن النبي وذلك عندي لفضل الجماعة.

مسـألة: عن المقعد، هل يجوز أن يؤم بالقائمين، وتتم صلاتهم أم لا؟ قال: أما في قول أصحابنا، فلا يبين لي في ظواهر قولهم، أنه يجوز إلا بمن هو مثله، أو بالنائم، ويوجد في بعض قول أصحابنا من أهل خراسان، أن ذلك جائز ويروون فيه عن النبي في معنى الرواية، أنه أجاز ما يشبه ذلك.

مسـألة: ومن جواب أبي الحواري: وعن رجل أعمى أو مكسور، لا يعتمد على قدميه في الصلاة أو جراحة في وركه أو ركبتيه، لا يقدر أن يتورك عليها في الصلاة، هل يجوز أن يؤم في الصلاة من هو أصح منه؟ فأما الأعمى فقد اختلف فيه، وأما من كان في جبهته جرح لا يقدر على السجود، فغيره أولى بالتقديم منه، وأما الركبتين واليدين والفخذين، فهما عندي أهون إلا أن غيره أحسن بالتقديم،

وقد كان يصلي رجل في مسجد الغنتق (مسجد في نزوى) قال له صالح، وكان فيما بلغنا في رجله علة لا يمكنه يتورك عليها على ما ينبغي، وكان أبو معاوية ـ رحمه الله ـ على ما بلغني يصلي خلفه، ونحب أن يتقدم غيره، وسمعت أبا المؤثر يروي عن رجل يقال له الوليد بن مخلد، وكان يتقدم الناس في المسجد الكبير من سمد نزوى، فقال: إنه كان يتقدم ويمد رجليه، ولا يقدر يتورك عليهما، وكان يمدهما إذا تورك، وكان أبو المؤثر يخبر ذلك، فإن أم واحد من هؤلاء في الصلاة فلا نقض على من صلى خلفه.

ـ من كتاب الأشراف ـ فيما أحسب قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جماعة» واختلفت الأخبار في صلاة رسول الله في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر، ففي بعض الأخبار أن رسول الله صلى بالناس، وفي بعضها أبا بكر كان المتقدم، وقالت عائشة: صلى النبي خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه، واختلف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس جالسا من علة، فقالت طائفة: يصلون قعودا، فممن فعل ذلك جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسد بن حصين، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق، وقال أحمد كذلك، قال النبي ، وفعله أربعة من أصحابه، قال أبو بكر: الرابع، هو في الخبر الذي رويناه عن قيس بن مروان إماما لهم اشتكى على عهد النبي ، وكان يؤمنا جالسا ونحن جلوس، وقالت طائفة: يصلون قياما، وصلى كل واحد فرضه، هذا قول الشافعي وأبي ثور، وقال سفيان الثوري: إذا كانوا جلوسا يجزيه ولا يجزيهم، وقال أصحاب الرأي في مريض صلى قاعدا يسجد ويركع، فأتم به قوم فصلوا خلفه قياما، قال: يجزيهم إذا كان الإمام قاعدا يومئ إيماء مضطجعا على فراشه، والقوم يصلون قياما، قال: يجزيهم ولا يجزيهم في الوجهين جميعا، وفيه قول ثالث قاله مالك بن أنس قال: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدا، وحكي عن المغيرة أنه قال: ما يعجبني أن يصلي الإمام بالقوم جالسا، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، إنه لا تجوز إمامة القاعد بالقائم؛ لأنه ناقص الصلاة عن وجوب فرضها على القاعد على القيام؛ لأن القيام حد من حدود الصلاة، ولا يجوز تركه إلا من عذر، فلا تجوز إمامة القاعد بالقائم، ولا يجوز للقادر على القيام أن يصلي قاعدا، فيأتم بالقاعد، وعلى كل من أوجب الله من فرض القيام أو القعود، ولا ينحط عن قادر عليها، بعجز غيره عنها من الأفعال التي تجب على العموم، وفي قول أصحابنا: إن القائم يؤم القاعد والنائم لعذره، والقاعد يؤم القاعد والنائم لعذره، ولا يؤم النائم القاعد، ولا القائم، ولا يرجعان إلى صلاته فيصليان بها؛ لأن صلاته ناقصة عن فرض ما وجب عليهما، وقد جاء الأثر؛ أنه لا يؤم الناقص المعنى أنه المنتقص من صلاته لعذر.

ـ ومن كتاب محمد بن جعفر ـ وإن كان خلف الإمام مريض قاعدا ونائم، صلى بصلاته إذا أراد كما أمكنه، والمريض الذي يصلي ويومئ، وله أن يكون إماما لمن يصلي مثله كذلك.

ومن غيره؛ مسـألة: وعن رجل يصلي قاعدا ويركع ويسجد، فيأتم به قوم يصلون قياما، قال: ما أحب لهم ذلك، ولئن فعلوا فعسى أن يجزيهم، فانظر فيها فإني إنما قلت فيها برأي، قال غيره: معي؛ إنه يختلف في ذلك من القول، فبعض يرى تمام صلاتهم، وبعض لا يرى ذلك، ويروى في تمام ذلك وإجازته رواية عن النبي ، فيما يوجد عن قومنا، وفي بعض آثار أصحابنا.


البــاب الثامـن



فـي الإمــامة في المنــازل



ـ من كتاب الأشراف ـ


قال أبو بكر: حضر ابن مسعود وحذيفة بن اليماني دار أبي موسى الأشعري، فتقدم أبو موسى فأمهم، لأنهم كانوا في داره، وفعل ابن عمر هذا بمولى يصلي خلفه الموالي، وقال عطاء صاحب الربيع: يؤم من جاءه، هذا قول الشافعي.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج نحو هذا من في معاني قول أصحابنا، أن صاحب المنزل أولى بالإمامة ممن حضر في منزله، وكذلك إمام الحي في مسجدهم أولى بالإمامة ممن حضره، في معنى اللزوم والوجوب، إلا أن يحضره إمام معقود له بالإمامة، فإنه إمام لرعيته دونهم، في كل موضع حضره، من حضر أو سفر أو مسجد أو غيره، إلا أن يقدم غيره، فإنه يجوز أن يقدم من شاء ويصلي بهم إن شاء ذلك، وكذلك معنا؛ إذا حضر علم من أعلام المسلمين، من أئمتهم في الدين، أحببنا أن لا يتقدم غيره ويقدم، وكذلك قاضي المسلمين وأمثالهم من أشراف أهل الدين، أن يقدموا للفضل، لقول النبي : «اختاروا لإمامتكم أخيركم وأفضلكم»، وقوله: «لا يزال القوم في سفال ما أمهم دونهم» أو نحو هذا.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه،

ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه، والتكرمة الفراش والمخدة. ـ ومن كتاب أبي جابر ـ وقيل: إن أبا سعيد الأنصاري صنع طعاما فدعا أبا ذر وابن مسعود وحذيفة، فحضرت الصلاة فتقدم أبو ذر، فقال حذيفة: وراءك صاحب البيت هو أحق بالإمامة منك، فقال أبو ذر: كذلك يا ابن مسعود، قال: نعم فتأخر وتقدم رب البيت وصلى بهم.

البــاب التـاسـع



فـي إمــامـة المـرأة




ـ من كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: واختلفوا في إمامة المرأة النساء، فرأت طائفة أن تؤم المرأة النساء، روي ذلك عن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين، وبه قال عطاء وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وقالت طائفة: لا تؤم المرأة في مكتوبة ولا نافلة، هذا قول سليمان بن يسار والحسن البصري، وقال مالك بن أنس: لا ينبغي للمرأة أن تؤم أحدا، وكره أصحاب الرأي ذلك، وقال: يجزيهم إن فعلت، وتقوم وسطا من الصف، وفيه قول ثالث: إنها لا تؤمهم في الفريضة، وتؤمهم في النافلة، روينا ذلك عن الشعبي والنخعي وقتادة.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، يشبه معاني الاتفاق من قولهم: إن المرأة لا تؤم النساء ولا الرجال في المكتوبة ولا في شيء من الواجبات من السنن، ومعي؛ إنه يخرج معنى قولهم: إنه إذ ليس عليهن ذلك في الأصل واجب، وهذا في معنى إمامتهن لبعضهن بعضا، وفي إمامتهن للرجال، إذ هن ناقصات عنهم في حال الأحكام كلها، ولا أعلم في قولهم أنه يجزي في قولهم معنى الاختلاف في إمامة النساء في الصلاة لبعضهن بعضا، إلا في صلاة الجنازة، فإنه قد قيل في ذلك اختلاف، فإذا حضرت الجنازة ولم يحضرهن أحد من الرجال، فأحسب أنه قيل لا صلاة عليهن عليها، وقيل: يصلين عليها، وتؤمهن واحدة

منهن، ويعجبني ذلك لثبوت الصلاة على أهل القبلة من أهل القبلة في السنة، وكذلك في شهر رمضان، قد قيل: تصلي بهن واحدة منهن، وتكون في وسط الصف المتقدم منهن، ولا تتقدمهن كهيئة الإمام للرجال، وكذلك أحب في الصلاة الجنازة على نحو هذا.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ ولا يجوز أن تؤم المرأة رجلا، ولا تنازع بين الأمة في ذلك، وليس على النساء صلاة الجماعة وإن حضرت فصلاتهن جائزة، وإن جمعن كانت التي تؤمهن في وسطهن في الصف الأول، وروي عن عائشة كذلك كانت تفعل، وسقوط الجماعة عن النساء بإجماع؛ ـ ومن غير الكتاب ـ قلت: هل للنساء أن يصلين الصلاة المكتوبة بإمام منهن؟ فلا يبين لي ذلك، ولا أعلم ذلك جائزا في قول أصحابنا.

مسـألة: ـ ومن غيره ـ عن المرأة هل تؤم النساء في فريضة أو نافلة؟ فعندي أنه قد قيل: تؤم بالنساء في الفريضة والنافلة، وتكون في وسطهن، وقد بلغنا عن النبي أنه أمرهن بذلك.

ومنه؛ مسـألة: وكذلك المرأة تصلي بالنساء النافلة ولا تصلي بهن الفريضة.

البــاب العاشـر



في صلاة الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل




ـ ومن كتاب محمد بن جعفر ـ وقيل: إذا صلت المرأة مع الرجل، صلى بها وكذلك بحذائه، ولم تؤخر عنه، أن صلاتها منتقضة، وصلاته هو تامة، ولعل ذلك أنها ليس هي في صلاة فتمت صلاته هو، وينظر في ذلك، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: يكره أن تصلي امرأة غير ذات محرم مع رجل، فإن فعلت فلا بأس. (رجع). وقيل: تكون المرأة إذا صلت مع زوجها متأخرة عنه حتى يسبقها برأسه، ويكون سجودها حذاء منكبيه، وعن أبي عبد الله قال: أقل ما سمعت، إذا صلى رجل وامرأته لا يجاوز سجودها منكبيه، وتكون متأخرة عنه، فإن جاوز سجودها منكبيه فأخاف عليه فساد صلاته، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: لا عليها ولا عليه فساد، ومن غير الكتاب؛ وسألت عن امرأة تصلي قدام رجل، والرجل يصلي، قلت: هل تقطع عليه صلاته؟ فإذا كان كل واحد منهما يصلي بصلاة نفسه، فقد اختلف في ذلك، وأكثر القول عندنا أنها لا تقطع عليه صلاته، ولو كانت من غير ذوات المحارم، ما لم يمس منها محرما، وإذا كانا يصليان بصلاة واحدة، فقد اختلف في ذلك، وأكثر القول عندنا أنها تقطع عليه صلاته، ما لم تكن ذات محرم منه، وقد قيل: إن الحد الذي لا يقطع فيه صلاته، إذا كانت منه على رأس ستة أذرع، وإذا كانت على أقل من ذلك فسدت عليه.

مسـألة: وعن رجل يصلي وامرأته تصلي قصده هو، وليس يؤمها، هل تجوز

صلاتها وصلاته؟ قال: نعم، قد حدثنا زياد بن الوضاح، ورفع الحديث أنه قال: لا بأس إذا كان كل واحد منهما يؤم نفسه، ـ ومن كتاب آخر ـ قال: وإذا صلى رجل وحذاؤه تصلي بصلاته وحدها، فإن صلاته فاسدة؛ إلا أن يكون يصلي كل واحد منهما في قرنه، بقدر عرض البيت ستة أذرع أو مثلها.

مسـألة: وعن رجل صلت معه امرأة جماعة، فلم تتأخر عنه، وكانت حذاءه؟ فقال: صلاته تامة، وصلاتها منتقضة.

مسـألة: وسألته عن رجل يصلي هو وامرأته في مصلى جماعة وحدهما كيف يكون سجودها؟ قال: يكون سجودها مع ركبتيه، وتقوم متأخرة عنه، قال: وأقل ما سمعت أنه لا تجاوز سجودها منكبيه وفي ـ نسخة ـ ركبتيه. قلت: فإن جاوز منكبيه أتفسد صلاته؟ قال: أخاف عليه ذلك.

مسـألة: وسألته عن المرأة والرجل يصليان في مصلى، وكل واحد منهما يصلي وحده، وليس هو بإمام لها، هي حذاءه ليست متأخرة عنه شيئا؟ قال: تفسد عليه صلاته، حتى تكون متأخرة عنه حتى يسبقها رأسه، ويكون سجودها على حذاء منكبيه، قال: وكذلك إذا صلت بصلاته، قلت: فإذا كانت تصلي بإزائه، على كم لا تفسد عليه صلاته؟ قال: إذا كانت منه بقدر عرض البيت، إذا صلت في ركن عرض البيت، وصلى هو في الركن الآخر بإزائها في عرض البيت، فصلاته تامة، قلت: فما بالها إذا مرت بين يديه وهي طاهرة لا تفسد صلاته؟ قال: إنما قيل هذا في الصلاة منها بحذائه.

مسـألة: وفي ـ رقعة أخرى ـ قال: وإذا صلى الرجل وحذاؤه امرأة تصلي بصلاته، أو وحدها، فصلاته فاسدة، إلا أن يكون كل واحد منهما في قرنة بيت بقدر عرض البيت ستة أذرع، أو مثلها، قال غيره: لا تفسد عليه، إلا أن تصلي بصلاته.

مسـألة: وعن رجل صلت مع امرأة جماعة، ولم تؤخر عليه، وكانت حذاءه؟ قال: صلاته تامة، وصلاتها منتقضة.

مسـألة: وأما إذا صلى الرجل والمرأة في صف واحد، خلف الإمام وحدهما، وكانت عنه دون ستة أذرع، وهو خلف الإمام، فعندي؛ إنه يختلف في صلاتها وصلاته، فقيل: تفسد عليه صلاته، وقيل: تفسد عليها وصلاته هو تامة، وقيل: تفسد عليهما جميعا، وقيل: لا تفسد أحدهما على الآخر وصلاتهما تامة.

مسـألة: قال أبو سعيد: معي؛ إن بعضا يقول: إن المرأة إذا صلت قدام الرجل، أو عن يمينه أو شماله، وهو يصلي وحده، إن صلاته وصلاتها تامة، وكذلك إن كانت قاعدة، ما لم تكن حائضا، إذا كانت قدامه، قلت له: فإن صلت بصلاته، وكانت ذات محرم منه، أين يكون سجودها وركوعها وقيامها؟ قال: معي؛ إنها تكون منفسحة عنه إذا كانت عن يمينه، تكون في قيامها غير مساوية له، وكذلك الركوع والسجود، فإذا كانت كذلك رجوت أن تتم صلاتهما جميعا، وإن ساوته في شيء من ذلك، ولو حد واحد فصلاة الجميع خارجة على معنى التمام في بعض المعاني فيما أرجو، والذي يؤمر به أن تكون خلفه، قلت له: فإن كانت غير ذات محرم منه، وصلت عن يمينه؟ قال: معي؛ إنها مثل الزوجة، ما لم تمسه، قلت له: فإن تماسا بالثياب؟ قال: معي؛ إنه وحش ولا أقدر على فساد صلاتهما.

مسـألة: وعن امرأة صلت مع الرجال في الصف؟ قال: عليها الإعادة، وعلى الذي عن يمينها، والذي عن شمالها، وعلى الذي خلفها.

مسـألة: وسألته عن النساء، إذا صلين في صرحة المسجد، أو في بيت المسجد، والناس في الصرح محاذيات لصف الرجال من المسجد، وبينهم وبين الرجال سترة مثل منظف أو حصير في الباب؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إن صلاتهم جائزة على قول من يقول: إنه لا صف عليهن ما كان بينهن وبين الرجال ستة أذرع، وقال بعض: إن عليهن الصفوف مع بعضهن بعض، وإن كان أقل من ستة أذرع فقد قيل في ذلك باختلاف، فقال بعض: إنه يفسد على الرجل الذي يليهن، ويفسد عليهن على المرأة التي تلي الصف، وقال من قال: يفسدن،

ولا يفسد عليهن شيء، ولو كان بينهن وبين الرجال أقل من ذلك على معنى قوله، وذلك كله بصلاة الإمام، وذلك إذا كانت السترة تجيء وتذهب، وقد قيل في ذلك باختلاف، فقال بعض: إنه يجوز ذلك، وقال بعض: لا يجوز ذلك؛ إلا أن يصلي بصلاة الإمام.

مسـألة: وعن امرأة صلت مع الإمام في الصف؟ قال: عليها الإعادة، وعلى الذي عن يمينها، وعلى الذي عن شمالها، وعلى الذي خلفها.

ـ ومن كتاب الأشراف ـ واختلفوا في امرأة صلت مع قوم في صف، وهي تصلي بصلاة الإمام؟ قالت طائفة: صلاتها تامة، وصلاة القوم تامة، ما خلا الذي عن يمينها والذي عن يسارها والذي خلفها بحيالها، فإنهم يعيدون الصلاة؛ لأن هؤلاء قد ستروا من خلفهم من الرجال، وصار كل واحد منهم بمنزلة الحائط بين المرأة وبين أصحابه، وفي قول الشافعي وأبي ثور، صلاتهم جائزة، وقال إسحاق: إذا كانت بجنب رجل تصلي؛ فصلاتها فاسدة، وصلاة الرجل جائزة؛ لأنها عاصية، ولا تكون العاصية تفسد على المطيع لله.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي من الاختلاف إذا صلت معهم بصلاتهم جماعة، فكانت عن يمين أو شمال فيما دون ستة أذرع، فقال من قال: تفسد على من يليها، ولا تفسد صلاتها، وقال من قال: تفسد صلاتهم وصلاتها، ويعجبني هذا أن لا فساد عليها ولا عليهم؛ لأنها ليست بنجسة، ومعي؛ إنه قيل: إن قطعت على رجل من المصلين في الصف، فسدت صلاته، لأنها لا تؤم في صلاة الفريضة، ومعي؛ إنه يلحقه معنى الاختلاف، وأما إذا كان الرجل خلفها في صلاة الجماعة وصف النساء هو المتقدم، قطع على الرجل بقدر ما لو كان الصف هنالك من الرجال كان منقطعا، وكن النساء حائلات بين الآخر والإمام، والصفوف من الرجال خلف الإمام، كان صف النساء عندي هاهنا قاطعا على صلاة الرجال؛ لأن الصفوف يؤم بعضها بعضا والإمام يؤمهم

جميعا، وهذا الموضع أشد ما يكون من صلاة النساء مع الرجال لهذه العلة، وما أشبهها.

مسـألة: ـ ومن جامع ابن جعفر ـ وعن رجل يصلي وحياله امرأة عن يمينه، أو عن شماله وهي حائض، أو جنب؟ قال: إن لم تمسه فليس عليه بأس، وإن مسته فعليه النقض، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إن مسته انتقضت صلاته، وإن لم تكن حائضا، عن أبي علي الحسن بن أحمد ـ رحمه الله ـ وقد قيل: إن مست ثيابه فلا نقض عليه، وإن مست بدنه انتقضت صلاته، والله أعلم. (رجع) فإن كانت امرأة تصلي بحذاء رجل فقيل: إن كانت بينهما ستة أذرع لم تنقض، وإن كان أقل نقض. ومن غيره؛ رجل يصلي فجاءت امرأة وصفت عن يمينه، أو عن شماله وصلت، هل تنتقض عليه صلاته؟ فمعي؛ إنه إذا كانت تصلي بصلاة نفسها، وهو يصلي بصلاة نفسه، ففي بعض القول أنها تفسد عليه، إذا كانت قريبة منه دون ستة أذرع، وقيل: لا تفسد عليه على حال، وإن كانت تصلي بصلاته في جماعة فهو أشد في بعض القول، وفي بعض القول سواء، ويجري في جميعه معنى الاختلاف عندي، وسألته عن امرأة تصلي قدام رجل، والرجل يصلي، قلت: هل تقطع عليه صلاته؟ فإذا كان كل واحد منهما يصلي بصلاة نفسه، فقد اختلف في ذلك، وأكثر القول عندنا، أنها لا تقطع عليه صلاته، ولو كانت من غير ذات المحارم، ما لم يمس منها محرما، وإن كانا يصليان بصلاة واحدة فقد اختلف في ذلك، وأكثر القول عندنا تقطع عليه صلاته، ما لم تكن ذات محرم منه، ومن ـ كتاب الضياء ـ ولعله في ـ صلاة عند ذي محرم ـ وغيره؛ الرواية عن النبي : «لا يخلون أحدكم بامرأة من غير ذي محرم فإن الشيطان أحدهما» فصلاته عند غير ذي محرم لها لا تجوز لهما؛ لأن من كان في طاعة، وفيها معصية لم يجز ذلك، فأما المحرم فجائز أن يصلي بها، وإذا صلى الرجل والمرأة في مصلى واحد، وليكن سجودهما عند ركبتيه.

مسـألة: والرجل يصلي بزوجته النفل ولا يصلي بها الفرض، وتكون إذا

سجدت، فيما بين المنكب إلى الركبة، ومن صلى في بيته، وصلت امرأته عن يمينه وحدها، فلا بأس، ومن صلى في عرض البيت، وصلت امرأة قصده في عرضه أيضا، فلا بأس، قال أبو عبد الله: وقد كنا نفعل ذلك في المسجد الحرام، ومن صلى في المسجد الحرام وامرأة تصلي قريبا منه في المسجد حذاءه، فلا بأس، قلت لأبي محمد: فكيف جاز لها أن تصلي بصلاته ولا تفسد، وهي بالقرب منه، وتفسد عليه وهي في البعد منه؟ قال: ذلك جائز عليه في صلاة الجماعة.

مسـألة: وكان يكره للمرأة أن تصلي متنقبة، وهو قول أبي حنيفة وهو قول أسد، قال غيره: حسن، ويكره للمصلي أن يغطي شيئا من وجهه، إلا من عذر، وبعض ذلك أشد من بعض.

مسـألة: حماد عن إبراهيم، أنه قال: في المرأة تقعد في الصلاة كيف شاءت ولا تقعد كما يقعد الرجل، هو قول أبي حنيفة، وقول أسد، قال غيره: معناه معنا أن المرأة في الصلاة في القعود مثل الرجل، إلا أنها قيل تضم، ولا تنصب رجلها اليمنى في القعود، ولكن تسدلها سدلا عن يمينها.

البــاب الحـادي عشر



فـي صلاة الرجال والنساء خلف الإمـام




عن أبي المؤثر؛ سألته عن قوم يصلون خلف إمام، رجال ونساء، هل يقطعن النساء على الرجال؟ قال: إذا كان الصف متصلا ليس بين النساء والرجال فرجة، قطعن صلاة الرجل الذي بينهن وحده، ولا يقطعن على غيره، قلت: فإن كان بين النساء والرجال فرجة، هل يقطعن على أحد؟ قال: إذا كان بينهن وبين الرجال فرجة، قدر مقام رجل، لم يقطعن على أحد، وإن كان أقل من ذلك قطعن على الذي يليهن. قلت: فإن كان النساء وسط الصف، والرجال من الجانبين؟ قال: يقطعن على الذي يليهن، وعن أيمانهن وعن شمائلهن وحدهما ولا يقطعن على غيرهما، قلت: فإن كان إنما يليهن عن أيمانهن وعن شمائلهن رجلين من هذه الناحية، ورجلين من هذه الناحية؟ قال: تفسد صلاة الاثنين، الذي يليا النساء، وأما الآخر، فالله أعلم. قلت: فإن كان صف من النساء خلف الرجال، وخلف صف النساء صفوف من الرجال، هل يقطعن على أحد؟ قال: يقطعن على الصف الذي خلفهن، ولا يقطعن على من كان خلف ذلك.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ وإذا صف الرجل مع المرأة على التحاذي بطلت صلاتهما؛ لأنهما ممنوعان من ذلك، ولكل واحد منهما مقام أبانه رسول الله به، وإذا ترك كل واحد منهما مقامه بطلت صلاته، والذي نأمرهما به أنه تصف المرأة خلف الرجل، والرجل خلف الإمام.

ـ ومن كتاب الأشراف ـ الدليل على فساد صلاة الرجل بقيامه إلى جنب المرأة في صلاة واحدة؛ أن المرأة مقامها خلفه لقول النبي : «خير صفوف الرجال المقدم وخير صفوف النساء المؤخر» فأبان صفوفهن من صفوف الرجال، واختلاف المقام يوجب فساد صلاة الرجال، ويدل على ذلك، أنه لو ائتم بامرأة فسدت صلاته، وليس هذا معنى يوجب فساد صلاته غير اختلافهم في المقام، وهذا المعنى موجود في قيامه إلى جانب المرأة أنها منهية عن القيام إلى جنبه، وكذلك هو منها على القيام إلى جنبها، كما أنه هو منهي عن الائتمام بها، والله أعلم. وإنما أوجبنا فساد صلاته؛ لأن الرجل هو المختص بفساد الصلاة من جهة الاختلاف دونها عند الجميع في حالة اقتدائه بها، وأيضا فإن الإمام منهي عن القيام في وسط الصف، كما أن الرجل منهي عن القيام إلى يسار الإمام فيجب أن يكون النهي يوجب حكم الفساد، والله أعلم.

مسـألة: وسألت أبا سعيد: عن رجل أم بامرأة غير ذات محرم منه، في المسجد الذي يؤم فيه، هل تتم صلاته وصلاتها؟ قال: معي؛ إنه إذا كان إماما للمسجد، فأرجو أنه قد قيل: إنه تتم صلاتهما، قلت له: ولو صفت عن يمينه في الصلاة مثل الرجل، تسجد حيث يؤمر الرجل، وتقوم كذلك كان ذلك سواء، وتتم صلاتهما على ذلك؟ قال: معي؛ إن ذلك مما يختلف فيه، وأحب أن تتم صلاتهما، ما لم تعارض الشهوة، قلت له: فإن عارضت أحدهما الشهوة في الصلاة وصليا على ذلك، يلحقه الاختلاف وتلزمه التوبة من ذلك؟ قال: فأرجو أنه لا يخرج من حال الاختلاف، وعليه التوبة معي، قلت: فإن مسته في الصلاة أو مسها تسارعا من فوق الثوب، هل يلحقه الاختلاف؟ قال: معي؛ إنه لا يخرج من الاختلاف عندي، قلت: فإن مست بدنه أو مس بدنها، تسارعا من تحت الثياب، قلت له: فما الفرق في ذلك، إذا لم يخرج من حالا الاختلاف، إذا لم يكن من تحت الثياب، ويعد من الاختلاف إذا كان من تحت الثياب؟ قال: لأن من فوق الثياب لا ينقض وضوؤه، ومن تحتها ينقض وضوؤه عندي، فيجتمع عليه

كراهية الصلاة، ونقض الوضوء عندي، قلت: أرأيت إن أم بها في غير مسجده الذي يؤم فيه في مسجد أو غيره، وكان منهما من الشهوة والمس، من فوق الثياب، ما وصفت لك، في مسجده الذي يؤم فيه، هل يلحقه الاختلاف مثل الأول؟ فالله أعلم لا يبين لي في ذلك، ومعي؛ إنه لا يؤم بالمرأة ولا بالنساء ولو كثرت الفريضة، إلا في مسجده الذي هو إمام كان في مسجد؛ لأنه لا تقوم بهن الجماعة وحدهن فيما قيل.

قلت له: وكذلك الخنثى، هي بمنزلة المرأة فيما قد مضى من القول في المرأة والنساء؟ قال: معي؛ إنه كذلك، لأن الخنثى لا تؤم الرجال ولا يلحقه حكم الرجال في الإجماع، إلا أني أحب أن يترك، قال المضيف: ـ لعله أراد أن لا يترك الجماعة ـ وقالوا يكون من بين صف النساء والرجال، هل تتم صلاته، وصلاة من يليه من يمين أو شمال؟ قال: معي؛ إنه لا يخالف أحكام النساء عند الرجال لأنه يعتبر من أحكام النساء، وهو عندي، وعند الرجال مثل المرأة.

قلت له: فإن صف في صف النساء، هل تتم صلاته وصلاة من يليه من يمين أو شمال؟ قال: وهو عندي عند النساء مثله، عند الرجال، قلت له: فإن صفت امرأة في صف الرجال، هل تتم صلاتها وصلاة من يليها من يمين أو شمال، كانت في الصف الأول، أو الثاني أو الثالث، أو أكثر؟ قال: معي؛ إنه قد قيل في ذلك باختلاف في فساد صلاتها، وصلاة من يليها من يمين أو شمال أو من يقدر منه إذا كان دون ستة أذرع، فقيل: تفسد صلاتهم جميعا، وقيل: تفسد صلاتهم، ولا تفسد صلاتها، وقيل: لا تفسد صلاتهم ولا صلاتها فيما عندي أنه قيل.

قلت له: ولو كانت في حال عن قفا الإمام، الاختلاف فيه واحد؟ قال: نعم، الاختلاف فيه واحد معي، قلت له: كذلك لو كان صف النساء خلف الإمام، وصف الرجال خلف النساء، ما القول في ذلك؟ قال: معي؛ إن القول في ذلك واحد، وهذا أشد عندي، قلت له: وكذلك لو صف رجل في وسط صف النساء في أول صفهن أو الثاني أو الثالث، القول في ذلك كالقول في المرأة إذا

صفت في صف الرجال؟ قال: معي؛ إنه كذلك.

مسـألة: ـ ومن كتاب أبي جابر ـ وإن كان رجل وامرأة، يصليان بصلاة الإمام، صلى الرجل من خلف الإمام، وصلت المرأة من خلف الرجال، قيل كعرف الديك، وإن كانتا امرأتين إلى ما أكثر، كان الرجل عن يمين الإمام، وصفين وصف النساء خلف ذلك، قال: معي؛ إنه يختلف في صفوفهن، فقال من قال: عليهن الصفوف، مثل الرجال، وقيل: ليس عليهن صفوف، ويعجبني في المسجد، وفي غير المسجد في الفرائض، أن يصفن ويعجبني أن يجزيهن في النوافل في المسجد، وفي غير المسجد، أن يصلين بصلاة الإمام، حيث ما كن خلف الإمام أو خلف من يصلي خلفه بصلاته، ومنه؛ وقيل أيضا: إذا صلت المرأة مع الرجل وصلى بها، وكانت بحذائه، ولم تتأخر عنه، إن صلاتها منتقضة، وصلاته هو تامة، ولعل ذلك، إنها ليس هي في صلاة، فتمت صلاته وينظر في ذلك، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: يكره أن تصلي امرأة غير ذات محرم مع رجل، فإن فعلت فلا بأس (رجع). وقيل: تكون المرأة إذا صلت مع زوجها متأخرة عنه، حتى يسبقها رأسه، ويكون سجودها حذاء منكبيه.

مسـألة: وعن الرجل يصلي بالنساء جماعة فريضة، فذلك جائز خلفه صفا.

البــاب الثـانـي عشر



فيمن صلى صـلاة ثم أدرك صـلاة الإمام فيها




وسئل عن رجل صلى صلاة الفجر والعصر، هل يجوز أن يصلي جماعة بعد ذلك مع الإمام؟ قال: قد اختلف في ذلك، فقال من قال: لا يجوز، وقال من قال: يجوز ذلك، ويصليها لسنة الجماعة، وقال من قال: يجعلها نافلة على حال، وقال من قال: يجعلها بدل صلاة عليه كانت عليه، وقال أكثر القول عندي أن يطلبها ولا يفر منها.

ومن ـ كتاب الأشراف ـ واختلفوا في المرأة تصلي وحدها المكتوبة ثم تدرك الجماعة، وكان الحسن البصري يقول: صلي معهم أي الصلوات كانت، وبه قال الأسود بن زيد والزهري، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال لا يضيف على المغرب، وقال الثوري يتم ويشفع، وكان ابن عمر والنخعي يقولان: يصلي الصلوات كلها إلا المغرب والصبح، وقال الحسن البصري: يعيد الصلوات كلها إلا الفجر والعصر؛ إلا أن يكون في مسجده قاعدا للصلاة، فيصلي معهم، وفيه قول رابع: وهو أن يعيد الصلوات كلها إلا الفجر والعصر، هكذا قال الحكم بن عيينة، وقال أبو موسى الأشعري، وفيه قول خامس قاله النعمان، كان لا يرى أن يعيد صلاة العصر والمغرب، ثم دخل المسجد يخرج ولا يصلي معهم، ويصلي معهم الظهر والعصر والعشاء، ويجعلهما نافلة، وفيه قول سادس قاله أبو ثور قال: تعاد الصلوات كلها ولا تعاد الفجر والعصر؛ إلا أن يكون في المسجد وتقام

الصلاة، قال أبو بكر: يعيد الصلوات كلها؛ لأن النبي أمر بذلك أمرا عاما لم يخص صلاة دون صلاة، وأمره على العموم، واختلفوا فيه إذا أعادها فقالت طائفة: الأولى منها المكتوبة، وقد روينا عن عمر بن المسيب وعطاء أنهم قالوا كذلك، فيجعل المكتوبة أنها شاهدات الروايات خلاف الروايات منهن.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني ما يشبه الاتفاق من قول أصحابنا، أنه إذا صلى المصلي المكتوبة في غير جماعة لمعنى يسعه من وجه من الوجوه، ويقع حكمها، أنها صلاة، أنها قد ثبتت، ويستحيل أن يقع غيرهم معهم غيرها في وقتها صلاة ثانية؛ لأن الصلاة لا تكون إلا واحدة في كل وقت، من المفروضات، إلا أنهم قالوا: إن صلاها في جماعة أو غير جماعة، فوافق الجماعة صلى معهم، ولا يترك الجماعة لمعنى ثبوت سنتها في جميع الصلوات.

وقد قال من قال منهم: إنها يجعلها لصلاة فاسدة أو فائتة بدلا، وقال من قال منهم: يجعلها نفلا، وفي بعض قولهم: إنه يسلم بين كل الركعتين، وفي بعض قولهم يمضي على الصلاة، ويجعلها نفلا، وبنحو هذا جاء الأثر عن النبي أنه قال: «إذا صليتم في رحالكم ثم أدركتم الصلاة فلا تدعوها وصلوها واجعلوها نفلا والأولى هي صلاتكم» أو نحو هذا في المعنى، إلا أنه في قول أصحابنا أنه لا يطلب الجماعة ولا يفر منها بعد صلاة الفجر والعصر، لموضع أن ليس هنالك صلاة تطوع، فمن هنالك قالوا لا يطلبها، ولا يفر منها إذا حضرت، لموضع ما جاء عن النبي للأمر بها، وكان النص في قوله في صلاة الفجر، فيما عندي أنه جماعة، وقد كره من كره منهم الصلاة جماعة بعد هاتين الصلاتين، أحسب لموضع اتفاقهم على أنه نفل، وأن النفل لا يكون في هذين الوقتين.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ وأحب لمن وافق الجماعة أن يصلي بصلاة الإمام، إذا أدى فرضه، لما روي عن النبي أنه رأى رجلين لم يصليا معه قال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام فليصل معه فإنها له نافلة» وقد خالفنا في هذا بعض

أصحابنا، ولعلهم ذهبوا إلى ما روي عن ابن عمر أنه قال: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين.

مسـألة: أحسب عن الشيخ أبي إبراهيم، وقيل في رجل كان قد صلى الفريضة فوافق الجماعة مع الإمام، أن له أن يصف معهم في جانب الصف أو في وسط الصف، وكل ذلك له جائز، ولا يفسد ذلك على الناس، وله أيضا أن يصلي هو وواحد معه وحده مع الإمام، ويجوز ذلك، ويجوز له هو وواحد أن يصليا جماعة، والذي لم يكن صلى هو الإمام، ويجوز ذلك لهما في المسجد وغير المسجد، وصلاتهما تامة، ويجوز له هو أن يصلي بتلك الصلاة عن بدل صلاة فائتة أو فاسدة، وإن شاء اتخذها نافلة، فذلك له جائز.

مسـألة: ـ ومن جامع محمد بن جعفر ـ وعن أبي عبد الله ـ رحمه الله ـ أن من كان قد صلى وأقيمت الصلاة للجماعة صلى معهم، وتكون صلاته تلك نافلة، ويقطع بين كل ركعتين بالتسليم بعد قراءة التحيات، وإن شاء لم يقطع، ومضى مع الإمام إذا نوى قبل دخوله أنه يصليهما مكان صلاة مثلها، إن كان قد ضيعها وانتقضت عليه، فإن ذكر من بعد صلاة كانت عليه مثل هذه، فقد أجزته هذه الصلاة لتلك، وإن هو لم يقطع بتسليم وصلاها نافلة فلا بأس، ومنه؛ وقيل من صلى صلاة فلا يرجع يطلب الجماعة فيها، فإن حضر جماعة بعد أن صلى فليصل، ولا يفر من الصلاة، وذلك في الصلوات الخمس كلهن جميعا، قال غيره؛ ومعي أنه قيل يصليها ولا يفر منها بعد صلاة العصر، وأما سائر الصلوات، فإن طلب ذلك على وجه الفضيلة، فذلك فضل، ولا يتهاون عن ذلك، وقال: إنما يصلي بعد الفجر والعصر لإحياء سنة الجماعة، لا نفلا ولا بدلا، وقيل: نفلا بموضع حق الجماعة، وقيل بدلا.

مسـألة: ـ ومن غير الكتاب ـ عن أبي الحواري وعن رجل يصلي في منزله، ثم يأتي المسجد، ولعله أن يديم ذلك، ويجب أن لا يقطع المسجد فما تكون هذه الصلاة مع الإمام، بعد فريضة نافلة تكون، أو ينوي بها لصلاة قد فاتته، أي ذلك

أفضل؟ وكيف الوجه في ذلك؟ فعلى ما وصفت، فهذه تكون صلاة نافلة؛ لأن الأثر جاء في ذلك، وليس له إذا صلى الفريضة، فليس له أن يصليها ولا يهرب منها، ويصلي مع الناس، وقد قيل: إنه يقطع بين كل ركعتين بالتسليم، وليس له أن يقرأ خلف الإمام سورة ويكتفي بقراءة الإمام، وقد قيل عن بعض الفقهاء: بالكفاية بقراءة فاتحة الكتاب في الليل والنهار.

البــاب الثـالث عشر



فيما يؤمــر بـه الإمـام




ـ ومن جامع أبي محمد ـ والمستحب للإمام أن يخفف بأصحابه إذا صلى بهم، لما روي عن النبي أنه قال: «إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيكم الضعيف وذا الحاجة وإذا صلى وحده فليطل ما شاء»، وقيل: إنه كان إذا جلس الجلسة الأولى للتشهد، كأنه على الرضف، والرضف الحجارة المحمية.

ـ ومن الكتاب ـ وجائز أيضا أن يخفف عند أمر يحدث، لما روي عن النبي أنه قال: «إني لأقوم إلى الصلاة، وأنا أريد أن أطيل فيها فأسمع بكاء الصبي فأوجز مخافة أن أشق على أمه» وقد روي عن النبي قراءة مريم في ركعة من صلاة الصبح، وقرأ في الثانية قل هو الله أحد، فسئل عن ذلك، فقال عليه السلام: «سمعت صبيا يصيح فظننت أن أمه خلفي فرحمته».

ـ ومن الكتاب ـ ولا يجوز للإمام إذا أحس بدخول رجل في صلاته، أن ينتظره؛ لأن الانتظار عمل ليس من عمل الصلاة قال الله ـ جل ذكره ـ : ]فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[ (الكهف:110)، فإذا طول في الركوع والسجود والقراءة، لأجل الداخل ليلحق به صغار العقل لله، وللداخل في الصلاة، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى إجازة ذلك، ومن غير الكتاب؛ سألت هاشما عن الإمام إذا ركع، فدخل رجل المسجد، هل على الإمام أن يطول ركوعه قليلا، أراد حتى يدرك الذي دخل؟ قال: ما أرى بذلك بأسا، ومن غيره؛ وقال

من قال: ليس له ذلك، وقد قال الله تعالى: ]فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[ والله أعلم.

مسـألة: وسألته عن إمام زاد في قراءته من أجل الداخل معه في الصلاة؟ قال: لا بأس بذلك إذا أراد إن كان يرجو أن يلحق الركعة، قرأ سورة طويلة، أو زاد في السورة سورة أخرى.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة ـ ومن أقام لصلاة الجماعة ورجل يصلي، فقد رأيت أبا يعقوب السمني يفعل ذلك، ومن كان يقرأ ودخل رجل في الصلاة، فإن كان ما لا يشغله فليس أعلم أن عليه شيئا، والله أعلم، وفي موضع يلزم الذي بقرب المصلي أن لا يتكلم في قراءة من فلاه أو غيرها، لئلا يقطع عليه أم لا؟ قال: الذي عرفت أن ذلك يكره فعله عند المصلي، والله أعلم. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).

مسـألة: (من كتاب الأشراف) فيما أحسب، قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام وركوعه وسجوده، وهو يستمع وقع أقدام الناس، فقالت طائفة: ينتظرهم حتى يدركوه، هذا مذهب الشعبي وإبراهيم النخعي وأبي مخلد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال ابن جارون: ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه، هذا قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور، وقال الشافعي: لا ينتظرهم، وقال الشافعي ويعقوب والنعمان: يركع كما كان يركع، وقال أبو بكر: قول الأوزاعي والشافعي حسن.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، نحو ما حكي من الاختلاف، في الإمام يحس بالداخل معه في الحد من حدود الصلاة، فيخشى عليه أن لا يحكمه ولا يدركه معه في بعض القول، أنه لا بأس أن يتمهل فيما كان من الحدود، ما لم يخرج إلى حال فيه إلى حد ضرار، أو إلى غير معنى الصلاة حتى قالوا: إنه يزيد سورة أخرى أو شيئا من القرآن إن فرغت السورة التي نواها، وفي بعض قولهم: إنه يصلي كصلاته، فإن لحقه الداخل معه لحق، وإن لم يلحقه

فلا بأس عليه، ويعجبني القول الأول للتعاون على البر والتقوى، لأنه يكون بذلك، لعله معينا للداخل على إدراك الحد الذي هو فيه، وفيه الفضل له وللداخل جميعا إذا صحت نية الإمام في ذلك.

ـ ومن كتاب أبي جعفر ـ وقيل: إذا قام المصلي في المسجد، ونوى أن يكون إماما لمن يصلي بصلاته، ولمن يأتي، فليجهر بالتكبير في صلاة النهار، وبالقراءة في صلاة الليل، وإن لم يجهر فلا نقض عليه، ومن غيره ويوجد قولا كالشاذ أنه لا يجهر إذا كان وحده، ولا أجد مانعا لذلك لإحياء سنة الجماعة وفضلها، والله أعلم. (رجع) فإذا جاء الداخل معه جهر، وإن لم ينو أنه إماما لمن يأتيه، فدخل معه أحد تمت صلاته هو وانتقضت صلاة الداخل.

قال غيره: لا نقض عليه إذا صلى بصلاته، وأعلمه أنه دخل في صلاته، والرأي الأول أحب إلي.

مسـألة: ومنه؛ فيما يؤمر به الإمام ساعة يسلم من صلاته، أن ينحرف أو يتحول من مقامه ثم يثبت الذين خلفه، قال أبو بكر: واختلفوا في وقت تكبيرة الإحرام، فقالت طائفة: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وبه قال النخعي وسويد بن علقمة، وإسماعيل بن أبي خالد والنعمان ويعقوب، وقالت طائفة: لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الأذان، هذا قول الحسن البصري ويحي بن أبي وثاب وأحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب، قال أبو بكر: وبه نقول وعليه عمل الأئمة من أمصار المسلمين.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج على هذا القول الآخر على معاني قول أصحابنا، والفعل أنه إنما يأخذ الإمام ومن خلفه في التوجيه، إذا فرغ المؤذن من الإقامة كانت الإقامة لهم جميعا، ولا يصح في مذهبهم أن يوجه الإمام والمؤذن يقيم فيما يؤمرون به، وكذلك من خلف الإمام؛ لأن المقيم يقيم للجميع وإقامته لهم وللإمام، ومن خلف الإمام، فإذا فرغ المقيم من الإقامة أخذوا في التوجيه جميعا

بعد فراغه من الإقامة لثبوت الإقامة عليهم، ثم يحرم الإمام بعد التوجيه، وكذلك الذين خلفه.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ رحمه الله ـ وينبغي أن لا يكبر الإمام حتى يستوي الذين خلفه.

ـ ومن جامع ابن جعفر ـ فإذا أذن المؤذن قال مثل قوله، وكذلك يتبعه إذا أقام، وفي ذلك حديث مشهور وفضل عظيم، وقيل: يقول إذا قال حي على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك إذا قال حي الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة، قال: مرحبا بالقائلين عدلا، وبالصلاة مرحبا وأهلا، ويلحف على الله ويدعوه في تلك الساعة.

مسـألة: ـ ومن كتاب أبي جابر ـ ويكره للإمام أن ينتظر أحدا في الصلاة، ولا يتوقف عليه، وقيل: يصلي بهم صلاة أضعفهم، فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة.

مسـألة: ومن غيره؛ وعرفت عن الشيخ أبي سعيد ـ رحمه الله ـ أن الإمام يصلي بمن يصلي به جماعة صلاة أضعفهم، عن هو منهم ومن خلفهم، ممن هو قد لزمه أن يصلي معهم، ممن يحافظ على الصلاة، ويثبت له حق العمارة وربما الضعيف أحوج، إلى التمهل في الصلاة والتأني، وطول الركوع والسجود منه إلى السرعة والتخفيف، وليس ينبغي أن يصلي لأحد من الناس خاص، وإنما تكون صلاته دائمة بحال التوسط الذي يلحقه فيه الضعيف في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده، ولا يعجله ولا يتعبه، ولا يطيل عليه ذلك في قيامه وركوعه وقيامه وقعوده، فيتبعه ذلك، ولكن يكون متوسطا مجتهدا قاصدا بذلك لله وإلى الله، والقيام بالقسط أن لا يخص في ذلك في حال، يرى هو على معاني الاجتهاد والنظر، أن يقصر عن حال ما كان عليه من الدوم، أو يطيل عن ذلك بمعنى حادث أو لسبب عارض، مما يرجو فيه الفضيلة وابتغاء الوسيلة، وأداء شيء من اللوازم.

مسـألة: وسألته عن قول المسلمين أن الإمام يصلي بالقوم صلاة أضعفهم، وكيف يكون ذلك في تمهله في الركوع والسجود، أو تمهله في القراءة ويتوقف في حال ذلك بلا عمل في الصلاة أكثر مما يقف، أن لو كان يصلي وحده أم كيف ذلك، قال: فيخرج معي أنه صلاة أضعفهم؛ إلا أن يبطأ بهم في قيام ولا ركوع ولا سجود ما يضره، ولا يستعجل فيه بما لا يدركه ويضره لك ويتوسط به؛ لأن الضعيف لا يقدر عل التطويل، ولا على المبادرة، وهكذا يخرج، والله أعلم، وأما التمهل في غير صلاة فلا يبين لي ذلك، أن أهل العلم يأمرون به.


البــاب الـرابـع عشر



في انتظار الإمام للجماعة في الصلاة وانتظارهم له




وسأله سائل عن إمام المسجد إذا أذن، ووعد أحدا أن ينظره للمسح، له عليه أن ينظره إذا وعده أن ينتظره ليصلي عنده حتى يخاف فوت الصلاة؟ قال: يعجبني أن ينظره ما لم يخف فوت الصلاة؛ لأنهم قالوا: ونقض كل عهد في معصية الله، فهذا إذا كان في الوقت ما لم يدخل بعد في المعصية، ومن غيره؛ وعن العمار وإمام المسجد قلت: هل عليهم أن ينظروا بعضهم بعضا حتى يخافوا فوت الثلث الأول، فإن صلوا في الأوسط هل تراه حسنا؟ فلا أحب ذلك أن يدعوا أول الوقت على العادة في ذلك، إلا أن يكون من ذلك لشيء عرض، ويكون لبعضهم فيه العذر، ولا يكون من عادته إلا من عذر، فيكون ذلك على سبيل العذر، ولا يخرج عندي من الحسن لموضع العذر.

مسـألة: سألت أبا سعيد، عن العمار الذين يجب على الإمام نظرهم، ما صفتهم؟ قال: معي؛ إنهم الذين يحافظون على الصلوات الخمس في الجماعة في ذلك، إلا من عذر بين لهم ويظهر، قلت لهم: فإن لم يحافظوا على شيء من الصلوات الخمس كلها في الجماعة، وحافظوا على صلاة الفجر والعشاء الآخرة، هل تراهم يلحقهم اسم العمار كان لهم عذر أو لم يكن لهم عذر؟ قال: معي؛ إنه إن لم يكن لهم عذر، فليس هم من العمار، وإن كان لهم في سائر الصلوات عذر، وهم عندي فيما عرفوا به من المحافظة من الصلوات، إلا من عذر.

قلت له: وإذا عرفوا أنهم لا يحافظوا على شيء من الصلوات من عذر، لم يكن على الإمام أن ينتظرهم في تلك الصلوات التي لا يحافظوا عليهن من عذر، لم يكن على الإمام أن ينتظرهم في تلك الصلوات التي لا يحافظوا عليهن من عذر، قال: معي؛ إنه كذلك إذا عرفت عادتهم بذلك.

قلت: فإن حافظوا على شيء من الصلوات، ولم يحافظوا على غيرهن في الجماعة، ولم يعرف لهم عذر في ذلك، أو ليس لهم عذر؟ هل تراهم يلحقهم اسم العمار في هذا؟ قال: معي؛ إنهم إذا ظهر منهم المحافظة على شيء من الصلوات، إلا من عذر، وأمنوا على ذلك وغاب عذرهم فيما سوى ذلك، حالهم فيه كان لهم حكم ثبت لهم عندي من اسم العمار، في هذا الذي عرفوا بالمحافظة عليه، قلت له: وإلى أي وقت يكون على الإمام أن ينظرهم، في وقت الصلاة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: بقدر ما يقوم المنتظر من منزله، أو موضعه الذي يعرف في وقته ذلك، ويتوضأ ويصل إلى المسجد، وذلك عندي إذا كان الأذان في أول وقت الصلاة، أو في وقت لا يتعدى فيه الإمام أول الصلاة، إلا من عذر.

قلت له: فإن لم ينتظر الإمام عمار المسجد، وصلى حين ما يؤذن في أول وقت الصلاة، من غير عذر، ويستعجل فيه، أتراه آثما؟ قال: معي؛ إنه إذا خالف ما أمر به أهل العلم من المسلمين على الاستخفاف والقصد إلى الخلاف، فلا آمن عليه الإثم؛ لأن هذا يأتي في تعطيل الجماعة وفرضها، إلا أنه لا يكاد يمكن الجميع حضور في وقت واحد، والانتظار للإمام قبل حضوره، وترك معانيهم، ومصالح أمورهم من دنياهم ودينهم، وإنما جعل الأذان فيما قيل علامة يذكّر بها الغافل، ويدعو بها إلى الصلاة، ومن ذلك قول الله ـ جل ذكره ـ : ]وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً[ (المائدة:58) فإنما المؤذن داع إلى الصلاة، فلا ينبغي له أن يدعو بلا شيء، ويظهر العهد فيه على نفسه، ثم يبتز به دونه غيره من أهله إلا من عذر.

قلت له: فمن حضره من يقوم به الجماعة من العمار، أو من غيرهم، ولم ينتظر الباقين من غير أن يكون له في ذلك عذر، هل ترجو السلامة في الإثم؟

قال: إذا قامت الجماعة التي بها ينحط الفرض، وتقوم السنة التي أمر بها المسلمون، والتي هم عليها مجمعون، فهو أهون عندي، ولا أحب له ذلك ولا آمر به، ما وجد إلى ذلك سبيلا، إلا من عذر؛ لأن على الجماعة ما على الواحد، وعلى الواحد ما على الجماعة، وله ما عليهم في أصل التعبد؛ لأنه على كل يسعى فيما ألزمه الله، وإلى ما أوجب عليه من إحياء سنة الجماعة، وإقامة فرضها، فلا يزال حق أحد منهم له ولا عليه، إلا من عذر. هكذا عندي.

قلت له: فإن أراد أن يسابق أحدا من العمار أتخاف عليه الإثم؟ قال: إذا لم يخرج في ذلك عذر، ولا صدق منه فلا آمن عليه الإثم، قلت له: فتقوم الجماعة عندك وينحط بها الفرض بالصبي، الذي يعقل الصلاة والمسافر والعبد، إذا أم بهم الإمام، ولم ينتظر العمار، قال: أما الصبي فلا يبين لي ذلك، وأما المسافر فأرجو أنه إذا كان من عذر يجزي ذلك على قول من يقول، أن عليه الجماعة، وكذلك العبد إذا كان بإذن سيده، وأصل الدين النصيحة، والنصيحة لا تكون إلا بصدق النية وموافقة الأعمال الصالحة، وليس في الحق شقي، ولا يشقى ولا مكايدة ولا محاسدة، وإنما هو بالصدق، ووضعه في موضعه، وموافقة السنة فيه.

قلت: وكذلك العمار عليهم من النظر ما على الإمام لهم، والقول في ذلك واحد، قال: معي؛ إنه واحد؛ لأن الحق لا يختلف، إلا أن يوجب النظر غير ذلك فأولى ما استعمل.


البــاب الـخامس عشر



فيما يؤمر به الساعي إلى صـلاة الجماعـة




قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار، فما أدرتكم فصلوا وما فاتكم فأتموا»، قال أبو بكر: وقد فعل ذلك زيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبو ثور، وقد روينا عن ابن عمر أنه أسرع المشي إلى المسجد لما سمع الإقامة، وقد روي عن ابن مسعود، أنه فعل ذلك، وقد روينا ذلك عن الأسود بن زيد وعبد الرحمن بن زيد وقال أحمد بن حنبل بظاهر هذا الحديث، وقال إسحاق بن راهويه: بلى إذا خاف فوات التكبيرة الأولى، قال أبو بكر: يمشي كما جاء الحديث.

قال أبو سعيد؛ معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي عن رسول الله أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة ونحو هذا، إلا أنه لمعنى لمن أتى الصلاة يعني الجماعة، فلا يسعى ويمشي على هيئته، وعليه السكينة والوقار، فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته، ويخرج معنى قول الرسول في هذا على معنيين، معنى أنه أراد ذلك من الأخلاق الحسنة، وهو من أخلاق المسلمين، وقد قال الله: ]الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً[ (الفرقان:63)، وقال: ]وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً[ (الإسراء:37) ؛ (لقمان:18)، والمعنى الآخر؛ أنه أراد التخفيف على أمته في طلب ذلك إذا خيف فوته، فمشى على هيئته لهذا المعنى، فحسن إن شاء الله، وإن أسرع أدرك الفضل، وأن لا يفوته فضل

الجماعة من أولها، وليس ذلك ببعيد عندي على ما حكي عن ذلك من قال.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ والذي يؤمر به المصلي إذا قصد إلى الجماعة، أن لا يسرع المشي إليها خوف فوتها، لما روي عن النبي أنه قال: «إذا سمع أحدكم الإقامة فليأت الصلاة وعليه السكينة والوقار فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته».

البــاب الـسادس عشر



في تقديم الإمام غيره يصلي بالجماعة

عند غيبته وما أشبه ذلك




ـ ومن جامع أبي محمد ـ وينبغي لإمام المسجد أن يستخلف بعده رجلا عند الحدث والغيبة، لما روي عن النبي أنه جاء والناس في الصلاة يؤمهم أبو بكر، فأشار إليه النبي أن أقم مكانك، فتأخر، وتقدم النبي وصلى بهم، فصار ذلك فصل يجوز الصلاة بأمين والله أعلم.


البــاب الـسابـع عشر



في الإمام إذا قدّم غيره في الصلاة




وسئل عن الإمام إذا أحدث حدثا في الصلاة، وقدم غيره مكانه إنسانا، فأتم بالقوم صلاتهم، هل يلزمهم أن يأتموا به؟ قال: هكذا معي؛ إنه هو الإمام، قيل له: فإنهم يأتموا به، أو ائتم به بعض، وصلى بعض بقية الصلاة فرادى، هل تنتقض صلاتهم؟ أو صلاة من لم يأتم بالإمام الثاني منهم؟ قال: هكذا معي؛ إنه هو الإمام، وقد دخلوا في صلاة الجماعة فلا يتموا فرادى.

مسـألة: وسألته عن الإمام إذا تأخر عن التقديم بالناس، وهو في الصلاة من غير عذر، ولا حدث وقدم رجلا فأتم بهم الصلاة، أترى صلاة القوم كلهم تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: ليس بتامة؛ إلا من عذر ولا يكون إمامان في صلاة واحدة؛ إلا من عذر.

قلت له: فإن أحدث في الصلاة حدثا لا ينقضها، فظن أنه ينقضها فتأخر، وقدم رجلا فأتم بهم الصلاة، أترى صلاتهم تامة؟ قال: فإذا كان لا اختلاف فيه أن صلاته غير منتقضة، وصلاتهم معي غير تامة على ما قيل، وإن كان مما يختلف فيه، فمن أخذ بقول بعض المسلمين وسعه ذلك إن شاء الله.

قلت له: فإن أحدث حدثا فسدت صلاته ما يؤمر به؟ أن يقدم رجل، يتم بالقوم صلاتهم، أم يؤمر أن يتركهم يصلوا فرادى؟ قال: معي إنه يؤمر أن يقدم رجلا يتم بالقوم صلاتهم، قلت: فإن لم يقدم لهم أحدا وانصرف ما يؤمر به؟ أن

يقدموا رجلا يتم صلاتهم، أم يصلون فرادى؟ قال: معي؛ إنهم يؤمرون بتقديم رجل يتم بهم صلاتهم، لتمام فضل الجماعة ووجوبها حتى تتم.

قلت له: فإن لم يقدموا أحدا وأتموا صلاتهم فرادى، هل تكون صلاتهم تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك.

قلت له: فإن تقدم أحدا منهم برأيه عن غير أمرهم فأتم لهم صلاتهم، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك، وبذلك يأمروا لأنهم شركاء في الصلاة.

قلت له: فإن كان فيهم أحد كارها لتقديمه، وأتم صلاته عنده، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنها تامة؛ لأنه إنما أتم صلاة دخلوا فيها، ولزمهم تمامها، قلت له: فإن تقدم بهم عبد فأتم لهم صلاتهم، هل تتم؟ قال: فمعي؛ إنه إن كان صالحا تمت صلاتهم إذا كان يصلي الجماعة بإذن سيده، قلت له: فهل يجوز له أن يتقدم بهم بغير إذن سيده؟ قال: فمعي إنه في هذه الصلاة التي قد دخلوا فيها إذا كان قد أذن له بالجماعة، وأتم بهم ما كانوا قد دخلوا فيه، فأحب أن تتم صلاتهم.

قلت له: فهل يجوز لهم أن يقدموا رجلا عبدا بغير إذن سيده في صلاة قد دخلوا فيها، أو صلاة يبتدأ بهم، أم لا يجوز ذلك؟ قال: فأما الذي يبتدأ بهم فلا يعجبني ذلك إلا بإذن سيده، وأما إذا كانوا بدؤوا فيها ولزمتهم، وكان قد دخل فيها بإذن سيده، فلا يعجبني أن يقدمه، فإن قدمه أحد وأوفى إلى تقديمه رجوت أن يسعهم ذلك لدخوله في صلاة الجماعة بإذن سيده، وقدموه فأتمها بهم، هل ترى صلاتهم تامة؟ قال: فيعجبني أن تتم صلاتهم إذا كان قد دخل فيها بما يسعه، وعندي أن من قدمه إلا من أمر عليه في ذلك الضمان لسيده، وأما الصلاة فأحب أن تتم، إذا كانوا قد دخلوا فيها، وأما ابتداء الإمامة فلا أحب إلا أن يكون بإذن سيده، قلت: أرأيت إن قدموه فيها على الابتداء بغير إذن سيده يصلي بهم، هل ترى صلاتهم تامة، وهل يلزمهم الضمان؟ قال: فلا يعجبني أن تتم صلاتهم،

ولا من أمر عليهم الضمان، قلت له: فيكون هو آثما إذا تقدم بهم من غير أمر سيده؟ قال: فمعي؛ إنه لا يجوز له ذلك، إلا بإذن سيده، ولا آمن عليه الإثم، إذا كان على ما يسعه على ما قيل، قلت له: فعليه أن يستحل سيده من ذلك، أم يجزيه التوبة؟ قال: إذا تشاغل بأكثر مما هو كان خلف الإمام كان عليه معي أن يستحله، وأما إن كان كله سواء، فلا يلزمه على قول من يجيز له حضور الجماعة بغير إذن سيده، قال: معي؛ إن بعضا أجاز له ذلك، وبعضا لم يجز ذلك.

مسـألة: ومن غيره، قال: وقد أجاز سليمان بن عمران، يحرك الرجل الذي يلي جنبه ويدفعه إلى المحراب، وهما في الصلاة ليتقدم بهم، إذا فسدت صلاة إمامهم، وخرج ولم يقدم أحدا.

مسـألة: وعن إمام أحدث حدثا وهو راكع أو ساجد فرفع القوم رؤوسهم من الركوع بلا إمام، هل يجوز أن يتقدم بهم رجل يصلي بهم، أو يصلون فرادى؟ فنعم، يجوز لهم ذلك كله إن تقدم بهم رجل جاز لهم ذلك، وإن صلوا فرادى جاز لهم ذلك.


البــاب الـثامن عشر



في استخلاف الإمام من يتم بالقوم صلاتهم




ـ من كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام يحدث، فقالت طائفة: يقدم رجلا يبتدئ من حيث بلغ الإمام المحدث، ويبني على صلاته، روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعلقمة وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي آخر قوله: الاختيار أن يصلي القوم فرادى إذا كان ذلك، فإن فطن قدم أو قدم رجلا، فأتم لهم أجزأهم، وقال أحمد بن حنبل: إن قدم رجلا فلا بأس، واحتج بعمر وعلي بن أبي طالب، قال أبو بكر: فإن قدم الإمام المحدث من لا يدري كم صلى الإمام؟ فإن إبراهيم النخعي قال: ينظر ما يصنع من خلفه، وقال الشافعي: تصنع للقيام، فإن سجدوا جلس، وعلم أنها الرابعة قدم رجلا فسلم بهم، وإن لم يعلم شيئا من هذا بتسبيحهم صلاها من أولها إلى آخرها، وقال مالك بن أنس: يصلي لنفسه وصلاته تامة، ويصلي الناس خلفه ويقتدون بما صلى بهم الإمام، فإذا فرغوا من صلاتهم قعدوا، وانتظروا حتى إذا فرغ الإمام من صلاته سلم بهم، وفي قول ثالث قال الأوزاعي: قال يصلي ركعة، لأنه قد أيقن أنه قد بقيت عليهم ركعة، فليصلها ثم يتأخر ويقدم رجلا يصلي بهم باقي صلاتهم، أو يسلم إذا كانوا قد أتموا، فإذا سلم الإمام قام الرجل فأتم ما بقي عليه من صلاته.

قال أبو سعيد: أما تقديم الإمام إماما للقوم إذا أحدث، فيخرج عندي معنى الاتفاق بإجازته، ولا أعلم في هذا اختلافا، فإن لم يفعل وتركهم وخرج من الصلاة، فقدموا من أتم بهم الصلاة، فكذلك يخرج عندي في معنى الاتفاق، أنه جائز، وإن لم يقدموا أحدا وأتموا صلاتهم فرادى، فكذلك جائز؛ لأنهم قد تركوا فضل الجماعة، فيما بقي من الصلاة، وإنما يخرج معنى الاختلاف إذا لم يقدم الإمام إماما، وتقدم بهم في الإمامة، ففي بعض القول أنه إذا لم يكن عنه فلا يكن المتقدم إلا من بعد خروجه من المسجد، وفي بعض القول: إنه إذا خرج من حال الصلاة وأويس منه بمعنى ما يقع، فليس له بمعنى ما يقع لهم ذلك منه جاز ذلك؛ لأنه قد زالت إمامته، ويعجبني هذا القول، فأما إذا قدم الإمام من كان معه في الصلاة إلا أنه لم يعرف ما صلى الإمام، وقد كان مع الإمام في جملة صلاته، فهذا عندي بمنزلة سهو الإمام، ويخرج عندي في قول أصحابنا نحو ما حكي من قيامه إذا سها، فإن سبح له القوم رجع إلى القعود، وإن أراد القعود فسبح له القوم ونحو هذا، مما يجوز للمصلي إذا كان إماما من اتباع ممن هو خلفه على معنى الاطمئنانة، ثم يسم إلا أن يكونوا جماعة، ما لا يجوز عليهم الوهم والشك، وكذلك يخرج عندي أنه يمضي على أقوى وهمه، ويخرج في هذا الفضل عندي، كل معنى لا يجوز للمصلي أن يمضي فيه على صلاتهم، ثم يسألهم، إن كان ممن يلزمهم السؤال، من أهل القبلة فمعي؛ أنه قيل: في القليل أنه ما لم يكن عليه اسم الجماعة، وهم الثلاثة فصاعدا، وهو أقل ما قيل في هذا الموضع، وقد قيل: أقل ما يكونوا عشرة، قال المصنف: وقد قيل أحسب بالتسعة، والله أعلم، وفيما بين هذا اختلاف، وإنما يخرج هذا كله في معنى الاطمئنانة، فيما قيل لا على الحكم، والحكم معنى السؤال، حتى يصح ما يوجب به فيه تمام الصلاة، وأما إذا كان المتقدم قد فاته شيء من الصلاة، لا يدري ما هو فلا أعلم أنه يخرج في قول أصحابنا أنه يكون إماما لهم على حال، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام إذا أحدث فقدم القوم رجلين كل طائفة منهم رجلا، فقال أصحاب الرأي: صلاتهم جميعا فاسدة، وفي قول الشافعي صلاة الفريقين الذي قدم لك واحد منهما

رجلا تؤمه، واختلفوا في الرجل يكبر مع الإمام فسها قائما، وركع الإمام ومن معه، ثم استأنف، وقد سجدوا فكان مالك يقول: إن أدركهم في أول سجودهم سجدهما معهم، واعتد بها، وإن علم أنه لا يقدر على الركوع، وإن لم يدركهم في السجود حتى استوى قائما في الثانية، فليتبعهم فيما بقي من صلاتهم، وإذا سلم الإمام قام فقضى تلك الركعة وسجد سجدتي السهو، وقال الأوزاعي بذلك، غير أنه لم يجعل عليهم سجدتي السهو، وقال شعبة: صليت مع خلف النصري بالكوفة، وكان الزحام شديدا فسبقني بالركوع والسجود، ولا أعلم حتى يرفع رأسه فأتبعه بالركوع والسجود، ثم سجدت سجدتين بعدما فرغت، فسألت الحكم وحماد فقال: اسجد معه، وأحسب في قول الشافعي: يسجد ويتبعه، ما لم يركع الإمام الركعة الثانية، وليس له أن يسجد الأولى، وقد ركع الإمام الركعة الثانية، ولكن يلغي الأولى ويتبعه في الثانية.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا في التي قدمت إمامين في صلاة، واحدة كان أصلها بإمام، إن صلاتهم كلهم فاسدة؛ لأن في ذلك خلاف السنة، وليس من في السنة أن تكون صلاة واحدة قد يثبت الحكم واحد يكون فيها إمامان في معنى لأنهما شيء واحد، وهذا إذا دخل الإمامان كلاهما في معنى الصلاة قبل الآخر، فإن صلاته تامة، وصلاة الآخر باطلة، ومن صلى بصلاته لأن الأول صلاته موافقة للسنة، والآخر صلاته مخالفة للسنة، وأما الذي يسهو خلف الإمام على ما ذكر، فيخرج معي في معاني قول أصحابنا أنه إذا سبقه الإمام بالركوع كاملا، وهو في حال القيام حتى يسجد الإمام، وصار بينه وبين الإمام الركوع، إن صلاته فاسدة، ويخرج في بعض قولهم: إنه يتبع الإمام متى أفاق، ما لم يكن الإمام خرج من الركعة، وهو أن يتم الركوع والسجود، ويدخل في الركعة الثانية، ويخرج في بعض قولهم: إنه ما لم يسبقه الإمام بركعة تامة، فهو يتبع الإمام ويأتي الصلاة على وجهها، ولا تفسد صلاته، ولعله قد قيل غير هذا، إنه بما يسبقه الإمام فاتبع الإمام في وجه ما يسبقه به ما أدرك الإمام في الصلاة، فهو يتبع الإمام؛ لأنه يتبعه على أثره، ولا أعلم في قولهم في حال أنه يترك ما يسبقه به

الإمام، ويجاوزه إلى شيء فيعمله معه، بغير ابتداء الصلاة بالإحرام، وأن يأتي بالصلاة على وجهها، فيصلي مع الإمام ما أدرك فيه ويبدل ما فاته على وجهه.

ـ ومن غير الكتاب من كتاب ابن جعفر ـ وقيل: إن انصرف الإمام وأمر رجلا أن يتقدم، فيقدم آخر، فنخاف أن تفسد صلاتهم، لأن الأمر للإمام إلا أن يكون الذي أمره الإمام، ولا تحل الصلاة خلفه، وعندنا أن الإمام إذا أحدث حدثا تزول به إمامته، فالذين يصلون عنده يلون أمر صلاتهم وينظر في ذلك، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: صلاتهم جائزة، وقال: لا ينبغي للإمام أن يزول حتى يقدم رجلا يتم بهم الصلاة، وهي السنة فإن لم يفعل فيقدموا رجلا يتم بهم الصلاة. (رجع) ومن أحدث في صلاته أي حدث كان، مما يفسدها، فليجر رجلا يصلي بهم ويتأخر، قيل: فإن زاد بعد أن أحدث فقرأ آية ومضى في الصلاة، فسدت صلاتهم جميعا، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إن زاد آية فلا بأس عليه، ما لم يركع، فإن كانت الزيادة بعد أن قرأ من السورة آية أو آيتين أو أكثر، فإذا قدم رجلا مكانه فإن شاء الرجل قرأ وركع بالقوم وتمت صلاتهم، وإن شاء ركع فصلاتهم تامة بالقراءة التي قرأها الإمام، وهو طاهر في أول السورة، ثم إن فرغ الإمام من قراءة فاتحة الكتاب ثم أحدث، فقرأ من السورة بعد حدثه آية أو آيتين ثم قدم رجلا فقرأ الرجل الذي تقدم آية أو آيتين أو ختم السورة أو سورة غيرها، تمت صلاتهم، وإن ركع بقراءة الإمام الأول ولم يقرأ فسدت صلاتهم؛ لأن قراءة الإمام الأول كانت فاسدة، ومن غيره؛ ويوجد إذا انتقضت صلاة الأول، وكان في صلاة يسر فيها بالقراءة، فقدم رجلا بتم بهم الصلاة، والإمام المقدم لا يعلم أين كان بلغ الإمام من القراءة، وقد بلغ الإمام من القراءة، وقد قرأ هو فاتحة الكتاب بعضها، من أين يقرأ من حيث بلغ الإمام، ولا يعلم الإمام أين كان بلغ، فقد اختلف في ذلك، فقال قوم: يبتدئ من حيث بلغ هو، وقال آخرون: يبتدئ بفاتحة الكتاب؛ لأنه يمكن أن يكون ثم يقرأ وكان واقفا، فيبتدئ بفاتحة الكتاب، لئلا يكون قد فاته شيء من فرضها، ما تتم الصلاة إلا به من فاتحة الكتاب فينظر في ذلك.

مسـألة: وعن إمام قوم يحدث في الصلاة، وقد صلى ركعتين، ثم قدم رجلا أميا لا يقرأ من القرآن، قال صلاتهم تامة؛ لأن الركعتين الأخيرتين لا قراءة فيهما.

مسـألة: ومنه؛ ويكره إذا أحدث الإمام حدثا أن يخرج من المسجد حتى يقدم إماما، وقد قال من قال: إن خرج الإمام من المسجد ولم يقدم إماما فسدت صلاتهم، وأما أنا فلا أتقدم على نقض صلاتهم، فلو تقدم إمام بعد خروج الإمام من المسجد، فإن صلوا فرادى بلا إمام ففي ذلك تشديد وكراهية، ولا أتقدم أيضا على نقض، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: لا تفسد صلاتهم، ويقدموا رجلا، فإن لم يقدموا رجلا، أتموا صلاتهم فرادى. (رجع) فإن تقدم إمام فصلى بعضهم معه، وصلى من بقي فرادى، انتقضت صلاة من صلى بغير صلاة الإمام، وكذلك إن تقدم لكل قوم إمام فسدت صلاتهم؛ لأنه لا يصلح إمامان في صلاة واحدة، وقيل: إن الإمام إذا أحدث، وتقدم إمام غيره تقدم على الهيئة التي كان عليها الأول، من قيام أو ركوع أو سجود أو قعود، وإن كان في قراءة فأخذ من حيث بلغ الأول فحسن، وإن ابتدأ فلا بأس، ويستحب أن يكون الإمام الأول هو الجار لهذا الثاني، فإن لم يفعل وتقدم الإمام برأيه فلا بأس، وإن نخس واحدا منهم الإمام الثاني ليتقدم، فقد قيل: إن أبا عثمان فعل ذلك.

مسـألة: ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إنما يحركه بمرفقه، وكان إلى جنبه، وأما إن نخسه بيده فسدت صلاته.

مسـألة: ومنه؛ وقيل لو أن رجلا دخل في صلاة قوم، ولم يدر ما صلوا، ثم أحدث الإمام وتأخر، ولم يكن فيهم قادر غيره فقدموه وصلى، كان عليه النقض وعليهم؛ لأنه صلى بهم على غير يقين، وإن كان قد عرف ما سبقوه صلى بهم، فإذا انقضت صلاتهم وقفوا عن حالهم، وقام هو وأتم صلاته، ثم سلم بهم، ولو انصرفوا إذا صلوا صلاتهم، لم أر عليهم نقضا، ولا يؤمرون بذلك.

ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: وإن قدم رجلا سلم بهم فلا بأس، وإن فطن رجل من الصف سلم بهم أجزأهم.

ومن غيره؛ وعلى قول: إن الإمام إذا أحدث، وقد صلى بعض صلاته أنه يأمر من يتم بهم صلاتهم، وتقدم الثاني على الهيئة التي كان عليها الأول، فأما لو كان جنبا وصلى، ولم يعلم ثم علم في الصلاة لم يجز البناء عليها؛ لأن صلاتهم في الأصل فاسدة، وكذلك لو صلى وهو على غير وضوء، متعمدا أو ناسيا، ثم ذكر أنه كان على غير وضوء، لم يجز ما صلى منها، وكان على الإمام والجميع الابتداء، وأما إذا انتقض وضوءه بحدث أفسد عليه، ولم تفسد صلاة من خلفه، قدم غيره يتم ما بقي من الصلاة بهم، وبالله التوفيق.

في الفرق في هذه الرواية أستعين.

مسـألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر، وأما الذي كان يصلي هو وآخر، انتقضت صلاة المأموم وبقي الإمام وحده، فقد عرفت أنه يتم صلاته على حاله ذلك، كما دخل فيها كانت جهرا أو سرا، والله أعلم.

مسـألة: وعن الإمام يحدث في الصلاة، وقد صلى ركعتين، ثم قدم رجلا أميا لا يقرأ من القرآن، قال: صلاتهم تامة؛ لأن الركعتين الأخيرتين، لا قراءة فيهما.

مسـألة: وعن رجل يصلي بقوم انتقضت صلاته، وهو ساجد فقال: ينصرف ويرفع أحد القوم رأسه بتكبيرة، فإن عموا ذلك فرفعوا رؤوسهم كلهم، فليتقدم رجل منهم، ولا نقض عليهم إن شاء الله.

مسـألة: ـ من كتاب التقييد عن الشيخ أبي محمد ـ وسئل عن الإمام إذا انتقضت صلاته وهو راكع، كيف يأمر بالتقديم؟ قال أبو المؤثر: كنا في صلاة العصر وراء محمد بن محبوب، فلما كنا في الركوع، عناه أمر انتقضت به صلاته، فرفع رأسه ولم يقل سمع الله لمن حمده، وهو في قيامه في الصف، وسمعته يقول لزياد بن مثوبة تقدم يا صالح، فلما قضى أبو صالح الركوع رفع رأسه، وقال سمع الله لمن حمده، وهو في قيامه في الصف وجهر بها، وكان إماما للناس في ذلك

الموضع، ثم مشى وكان في موضع الإمام، ثم سجد وسجد الناس معه.

مسـألة: وسألته عن الإمام إذا سجد، ثم انتقضت صلاته، كيف يصنع، قال: يرفع رأسه ويأمر رجلا يتم بهم الصلاة، فيقضي الرجل الذي أمر لكل الذي هم فيه، فإن كان ساجدا فإذا قضى السجود رفع رأسه بتكبيرة وهو في موضعه ويجهر بها، ويكون إماما للناس في ذلك الموضع، ثم يزحف إلى مكان الإمام فيتم السجدة الثانية فيه، قال: هذا إذا كان في السجدة الأولى، فإن كان في السجدة الثانية من الركعة الأولى، فإذا رفع رأسه قام حتى يكون في موضع الإمام، ثم يقرأ، وقال: فإن كان في السجدة الثانية من الركعة الثانية فليرفع رأسه ثم يزحف، ويكون في موضع الإمام، ثم يقرأ التحيات، ويقضي بهم الصلاة على ذلك، قلت: كيف يزحف؟ قال: يزحف وهو متورك للصلاة، قلت: أرأيت إن رفع ركبتيه وزحف؟ قال: لا بأس بذلك، وكما أمكنه إلا التربع فإنه لا يتربع، قلت: أرأيت إن كان المكان قريبا فمشى؟ قال: لا أرى عليه نقضا في صلاته.

مسـألة: وسألته إذا انتقضت صلاة الإمام وهو جالس، وأمر من يتم بهم الصلاة، كيف يصنع المأمور؟ قال: يقضي التحيات، وهو في مكانه في الصف، وإن كان في الجلسة الأولى قام بتكبيرة في موضعه ذلك، ثم مشى إلى موضع الإمام، فإن كان في الجلسة الأخيرة قضى التحيات، وما أراد من بعد ذلك في موضعه ذلك، فإذا أراد أن يسلم زحف إلى موضع الإمام فسلم بهم، فإن كان سلم بهم في موضعه ذلك في الصف، فلا بأس بذلك.

مسـألة: ـ من الأثر ـ عن أبي المؤثر؛ وعن رجلين خلف الإمام يصليان، ثم انتقضت صلاة الإمام؟ قال: الذي عن يمينه قال يمشي الذي أمر بالتقديم، حتى يقف مقام الإمام، ويمشي الآخر من خلفه، حتى يكون عن يمينه، ومن غيره؛ قال: وقد قيل إن من مشى من قدام صاحبه حتى يجعله عن يمينه، فذلك جائز، وإن قدم الذي عن يساره مشى من خلف صاحبه حتى يجعله عن يمينه، مشى من

خلف صاحبه حتى يكون عن يمينه، وإن مشى الذي قد مشى من قدام صاحبه زحفا، وكذلك حتى يكون عن يسار صاحبه، ويجعله عن يمينه، فذلك جائز إن شاء الله. ـ من كتاب الأشياخ ـ .

وقلت: رجل يصلي بنسوة فسدت صلاته، كيف يصنعن، وقد صلى ركعتين؟ قال: يقمن صلاتهن بلا إمام، وانظر في تمام صلاتهن، وصلاة الإمام، إذا لم يكن معه رجل؛ لأنه يصلي الجماعة بمن ليس عليه جماعة.

البــاب الـتاسـع عشر



في الصف خلف الإمام كان المصلي واحدا أو أكثر

أو كان فـي الصـف صـبي




وعن رجل يؤم قوما في مسجد يكون بينه وبينهم خمسة عشر ذراعا أو أكثر، هل تفسد صلاتهم؟ قال: ما لم يكن بينه وبينهم خمسة عشر ذراعا فلا نقض عليهم، قد أخطأوا إذا تباعدوا عنه، وليكن بينه وبينهم قدر مربط شاة، وأكثر ما يكون بينه وبينهم قدر مربط ثور.

مسـألة: وعمن صلى في رحبة المسجد خلف المسجد من الزحام؟ قال: صلاته جائزة، وكذلك إن لم يقدر يسجد من الزحام، فقيل: إذا رفع القوم رؤوسهم سجد، وقيل: يسجد ولو على ظهر رجل، وبه يأخذ، لعله أبو الحواري.

مسـألة: وسئل أبو سعيد محمد بن سعيد ـ رضيه الله ـ عن القوم، هل يجوز لهم أن يصلوا كل فرقة بإمام خلف بعضهم بعض، تكون فرقة وإمام قدام الأخرى، وفرقة أخرى وإمام خلف هذه الفرقة، ثم كذلك ما كانوا في صلاة واحدة في وقت واحد أم لا يجوز لهم ذلك؟ فمعي أن لهم ذلك في غير مسجد، أو مسجد لا إمام فيه، أو لم يكن أحد الأئمة إمامه، أو من يقوم مقامه، ومعي؛ إن بعضا يقول: إذا كان بين كل إمام دون خمسة عشر ذراعا، الإمام والذين خلفه، أنه لا يجوز لهم

ذلك، وما كان دون خمسة عشر ذراعا فصاعدا في هذه البقاع التي وصفتها جاز لهم ذلك.

مسـألة: وسألته عن الصبي إذا كان في الصف في الصلاة، عن قفا الإمام أخذ قفاه كله، ولم يأخذ من الإمام، ولا من ثيابه أحد من البالغين شيء، والصبي لا يحافظ على الصلاة ويصلوا على ذلك، بصلاة الإمام، هل ترى صلاة من صلى بصلاة الإمام عن يمين الصبي أو شماله تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل في ذلك باختلاف، ويعجبني إذا كان مأمونا على الطهارة، ويعرف معاني الطهارة فصلاته تامة وأن ذلك يجزي، وأما إن كان على غير هذا، فيعجبني أن لا يترك خلف الإمام، فإن فعلوا لعله أحببت لهم الإعادة، إذا كانوا على ما وصفت، وإن لم يعيدوا وهو من أهل القبلة، وفي معاني الصلاة، فأرجو أن يسعهم ذلك إن شاء الله.

قلت: فإن لم يكن هذا الصبي يفعل الطهارة، ولا الصلاة ولا شيئا من ذلك إلا أنه من القبلة وصف خلف الإمام، لما رأى الناس يصفون، وصلوا على ذلك، أترى صلاتهم تامة، حتى ترى فيه النجاسة بعينها، إذا كان من أهل القبلة؟ قال: فلا يعجبني ذلك، على هذا وأحب لهم الإعادة.

مسـألة: ومنه؛ وقال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ من صلى في قرنة المسجد، فإذا هو قد صلى حذاء الإمام من يمين أو شمال، ولم يعلم في الظلام حتى قضى صلاته؟ قال: أخاف أن تفسد صلاته، وأنا لا أبلغ به في هذا إلى فساد صلاته، والله أعلم؛ إلا أن يتقدم هو الإمام.

مسـألة: قال أبو سعيد ـ رحمه الله ـ في رجل صلى خلف الإمام في الظلام، وهو يظن أنه لاصق بالصف، فلما فرغ تبين له أنه كان بينه وبين الصف مقام رجل، إن صلاته تامة، ولا بدل عليه، إذا كان معه أنه في الصف، قيل: وكذلك إن كان وحده فتحرى أنه عن قفا الإمام، إلا أنه لا يعرف أنه صلى خلف الإمام، وذهب إلى ذلك؟ قال: يقع لي أن صلاته تامة.

مسـألة: عن أبي الحواري؛ وعن رجلين يصليان جماعة، وكان أحدهما على مصلى مرتفع، والآخر أسفل منه، أترى صلاتهما جائزة؟ وما الحد الذي إذا ارتفع أحدهما عن صاحبه لم تجز صلاتهما؟ فعلى ما وصفت، فإذا كان الإمام مرتفعا عمن خلفه ثلاثة أشبار، انتقضت صلاة من خلفه، وقال لنا أبو المؤثر: إذا ارتفع الإمام على ثلاثة أشبار؛ لم تجز الصلاة خلفه؛ والمرتفع تجوز له الصلاة خلف الأسفل، ولا تجوز للأسفل خلف الأعلى.

مسـألة: وعن رجل كان يصلي مع قوم في الصف، وهو جنب، هل يقطع عليهم الصلاة؟ قال: معي؛ إنه يختلف في ذلك، والذي يرى أنه يقطع عليهم الصلاة، يجعله مثل الخلوة في الصف، قال: وكذلك إن كان قفا الإمام، فهو سواء فيما معنى الاختلاف.

قلت له: فإن مسهم بيده، فهل يقطع عليهم؟ قال: معي؛ إنه يوجب أن الجنب إذا مسـألة: بيده ثياب المصلي، أو بدنه انتقضت صلاته، ويشبه فيه معاني الاختلاف، على قول من يقول: إن شعر الجنب لا يفسد الصلاة؛ لأن شعره ليس نجسا، وإنما هو متعبد بالغسل؛ على معنى قوله.

مسـألة: وجدته مقيدا عن الشيخ أبي الحسن محمد بن أبي الحسن ـ رحمه الله ـ قلت له: ما تقوم في قوم صلوا خلف إمامهم، وكان عندهم أنهم عن قفاه، وكان الظلام، فصلوا على ذلك، ثم علموا أنهم صلوا ناحية عن الإمام؟ قال: صلاتهم تامة، وكذلك إن صلوا حذاءه، وهم يرون أنهم خلفه، فصلاتهم تامة، قال: وكذلك إن استقبلهم الإمام، وهو يرى أنه مستدبرا بهم، ثم علم فصلاتهم جميعا تامة، وكذلك إن استدبروا هم الإمام، فولوه أدبارهم، فصلوا وهم يرون أنهم على القبلة جميعا، فصلاتهم تامة.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة من الأثر ـ عن أبي معاوية، وقلت: في رجل وحده عنده متاع في أقصى المسجد، فخاف على متاعه أن يتلف، هل له أن يصلي

وحده بصلاة الإمام؟ قال: لا، قلت: فإن صلى، فعليه النقض؟ قال: وقد قيل له أن يصلي هناك من الضرورة، وله ذلك عذر إذا كان في المسجد، وقيل: لا يصلي، فإن صلى فصلاته تامة. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).

مسـألة: ـ جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي ـ حفظه الله تعالى ـ فأما الذي صلى عن قفا الإمام، وهو على غير وضوء، فإن كان أخذ قفا الإمام كله، ولم ينل الصف من الإمام شيئا، فقد عرفت أن عليهم النقض في بعض قول المسلمين، وهو الأكثر فيما عندي، وعندي أن بعضا لا يرى على القوم نقضا إذا كان سادا للفرجة، وإن كان القوم قد نالوا من الإمام شيئا، فصلاتهم في أكثر القول تامة.

مسـألة: وهذا مما وجدته عن الشيخ أبي الحسن محمد بن الحسن ـ رحمه الله ـ قلت: ما تقول في قوم، صلوا خلف إمامهم، وكان عندهم أنهم عن قفاه، وكان الظلام، فصلوا على ذلك، ثم علموا أنهم صلوا ناحية عن الإمام؟ قال: صلاتهم تامة، قال: وكذلك إن استقبلهم الإمام، وهو يرى أنه مستدبرا بهم، فصلاتهم جميعا تامة، وكذلك إن استدبروا هم الإمام، فولوه أدبارهم، وصلوا وهم يرون أنهم على القبلة جميعا، فصلاتهم تامة.

مسـألة: سألت أبا سعيد: عن رجل خرج من الصف في الصلاة، وبقي مكانه فرجة، هل يجوز لمن في الصف مما يلي الإمام أن يجر إليه من كان في صلاة الصف خلف الفرجة حتى يلصق به؟ وكذلك يجر الذي جره هذا مما يليه، ثم كذلك يجر بعضهم بعضا، حتى يستووا جميعا، ويسدوا تلك الفرجة أم لا يجوز ذلك؟ قال: معي؛ إن من كانت صلاته تامة مما يلي الإمام ولا تضره الفرجة، فليس له في ذلك صنيع، وليس ذلك من مصالح صلاته، والعمل فيه عندي يفسد صلاته، وأما إذا كان في مصلحة لصلاته ولا يتم صلاته إلا به، مثل أنه يكون منقطعا، فيجر إليه من يصلح صلاته، فمعي؛ أنه يشير إليه إشارة ولا يجره، فإن جره فأحسب أن في ذلك اختلافا في تمام صلاته ونقضها؛ لأنه عمل.

قلت له: فإن لم يكن ذلك مصلحة في صلاته أو جهل أو نسي، حتى جر من كان خلف الفرجة حتى لصق به، هل تتم صلاته على الجهل والنسيان؟ قال: أرجو أنه إن قصد إلى صلاح الصلاة عامة، وأحسب أنه على ما ذكرت مما يجري فيه الاختلاف مما يشبه من الجهل والنسيان.


البــاب الـعشرون



فـي الصـف خلف الإمـام




قال أبو بكر: ثبت عندي أن رسول الله قال: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» واختلفوا في الصف من بين السواري، فكره ذلك ابن مسعود وحذيفة بن النعمان والنخعي، وروي ذلك عن ابن عباس، ورخص فيه ابن سيرين وأنس بن مالك، وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: ذلك جائز؛ لأني لم أعلم في النهي خبرا يثبت.

قال أبو سعيد: أما في ثبوت تسوية الصفوف فخارج عندي على معنى ما يثبت من قول أصحابنا، وأما الصفوف بين السواري من المسجد فيخرج في معاني قول أصحابنا، أنه إذا كانت السارية تقوم مقام رجل في الصف المقدم، إنها تقطع الصف على من قطعت عليه من يمين الإمام وعلى يساره، وأما ما كان خلفه أو متصلا به ممن خلفه فلا يقطع حجته، وأما إذا كانت دون هذا المعنى فمعي؛ إنه يلحق في معاني قولهم اختلاف، ويعجبني إذا ثبت قطعها، أن تقطع كانت صغيرة أو كبيرة إذا كانت مانعة بين الرجلين، وأما إذا كانت السواري بين الصفوف المتأخرة عن الصف الأول وكان الصف الأول تاما أو تنال الصفوف منه شيئا ممن قطعت عليه السواري، فلا أعلم في ذلك فسادا، إذا كانت أحد ينال منهم شيئا من الصف الأول، أو من الصفوف الثابتة صلاتهم خلف الصف الأول، ومنه؛ قال أبو بكر: سن الرسول أن يكون الإمام أمام المؤتمين،

واختلفوا في المأموم يصلي خلف الإمام في حال الإمام في حال الضرورة من الزحام وما أشبهه، فقالت طائفة: إذا كانت كذلك، فصلاة من صلى منهم أمام الإمام جائزة، هذا قول مالك؛ إذا ضاق الزحام في الجمعة، وبه قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور، ولا يجزي ذلك عند الشافعي وأصحاب الرأي.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا يجوز أن يؤم الإمام من كان قدامه بحال في ضرورة ولا غيرها، هذا خارج في معنى السنة، وأما إذا اضطر مصلي فصلى خلف الإمام وحده أو عن يمينه أو عن شماله من زحام أو ضرورة ولم يتقدمه فمعي إنه يخرج في معاني قولهم الاختلاف في ذلك، ويعجبني أنه يجوز له ذلك، ما لم يتقدم الإمام للأصل الذي ثبت بمعاني الاتفاق، أنه قد يصلي عن يمينه إذا لم يكن معهما أحد غيرهما، مع ثبوت السنة أن الإمام يكون قد أم المؤتم به، فلما أوجب الضرورة عند عدم ذلك للصف، أن يكون الواحد عن يمين الإمام كذلك كان مثله في معاني الاضطرار، وكذلك الغلط لو كان في ظلام أو في نحوه فصلى في أحد هذه المواضع، يظن أنه خلف الإمام، فقيل: إن صلاته تامة، ويخرج فيه عندي معاني الاختلاف، ويعجبني تمام صلاته إذا وقعت على غير التعمد أو التجاهل.

ـ ومن غير الكتاب ـ من كتاب أبي جعفر، وقيل: يجوز للرجل أن يصلي في بيته بصلاة الإمام إذا كان بينه وبين المسجد باب مفتوح، ولم تقطع بينهم طريق، وكذلك قد قال من قال: إنه صلى على ظهر بيت بصلاة الإمام وهو أسفل، أن ذلك جائز، إذا كان من خلف الإمام، ولم يقطع بينهم طريق ولا غيره، وقال من قال: إن ذلك لا يجوز، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: هذا في النوافل يجوز، فقال: وقد قيل: إن هذا جائز في الفرائض والنوافل؛ لأن هذا مشهور في الأمصار من فعل الناس، مثل مكة وغيرها.

مسـألة: ومنه؛ وقال: الطريق يقطع بين الصفوف، إذا كان عن يمين أو شمال، أو بين الصفوف، ولا بأس أن يكون إمامهم كلهم.

مسـألة: ومنه؛ لا يجوز أن يصلي خلف أحد خلف الطريق، أو النهر الجاري، بصلاة الإمام، وكذلك قد قالوا: إذا اتصلت الصفوف من عند الإمام حتى يأخذ في الطريق؛ إلا أن تكون جائزة، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: لا تجو الصلاة في الطريق؛ إلا أن تكون مثل الأودية، والظواهر الذي يمروا فيها حيث شاؤوا كلها سكك، فإن قام الإمام واتصلت الصفوف خلف الإمام، في مثل ذلك الوادي أو الظاهر فلا بأس، وأما أن يتحرى الرجل يصلي في طريق أو في سكة من سكك القرى فلا يجوز.

مسـألة: والذين يصلون بصلاة الإمام، ويقفوا الإمام ممن لا يحسن الصلاة، ولم يدر ما ينقضها، فليس عليهم في صلاتهم شيء؛ إلا أن يعلموا أنه يأتي في الصلاة ما ينقضها، أو يصلي بلا طهارة، وما يشبه ذلك، والله أعلم.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة ـ مما عرض على أبي المؤثر، وسألته عن رجل، أكون أنا وهو في الصلاة، فإذا أحرم رأيته لا يحسن الصلاة، فما أفعل في صلاتي؟ قال: يتقدم إلى الإمام ويدعه. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).

مسـألة: حماد عن إبراهيم، في الرجل يصلي فوق المسجد مع الإمام، والإمام أسفل، ويصلي في الصف وحده إن ذلك يجزيه، وهو قول أبي حنيفة وقول أسد، قال غيره: يخرج ذلك معنا على سبيل العذر، إذا كان للمصلي معنا له فيه عذر لسبب من الأسباب، من خوف حر أو برد أو ما يؤذي أو ما أشبه ذلك، أو ضعف أو من خوفه على مال أو نفس، فقد قيل إن له ذلك أن يصلي وحده بصلاة الإمام، ولو أمكنه أن يصف في الصف وأمكنه الصف، وأما لغير عذر فلا يخرج معنا إجازة ذلك في قول أصحابنا، وأما صلاته بصلاة الإمام فوق البيت إذا كان متصلا بالمسجد، فقد قيل: في ذلك اختلاف، فقيل: إن الإمام يعلى ولا يعلو، وقيل: يعلو ويعلى، وقيل: يعلو ولا يعلى، وقيل: لا يعلو ولا يعلى، معنى العلو في ذلك أن يكون أعلى ممن خلفه، أو يكون من خلفه أعلى منه، وعلوه في ذلك أن يكون فوق ثلاثة أشبار، وهي السترة، أو أسفل منها،

ويعجبني إذا كان من أولاد أهل القبلة أن يكون سواء ما كان في الصلاة، ولم تعلم فيه نجاسة، قيل له: وكذلك لو كانا صبيين مصطفين، أو أكثر وكله سواء، ولا يقطعون من على أيمانهم ولا شمائلهم؟ قال: كله عندي سواء، قلت له: أرأيت إن كان الصبي لا يعقل الصلاة، ولا يعرف ما هي، إلا أنه رأى الناس يقومون في الصفوف في الصلاة، فقام عندهم هكذا، فإذا ركعوا ركع وإذا سجدوا سجد، هل يكون مثل من يعقلها، ولا يحافظ عليها، ويلحقه الاختلاف؟ قال: معي؛ إنه إذا لم يكن في صلاة، لم يلحقه الاختلاف عندي، قلت له: وما حد عقله ومحافظته عليها، حتى إذا عقلها وحافظ عليها ثبت له حكم الصلاة؟ قال: معي؛ إنه قيل: محافظته إذا عرف حدودها التي لا تصح إلا بها، ومعي؛ إنه إذا صار بحد من يعقل معرفة حدودها، أنه لو علمها فهو ممن يعقلها ولو لم يعلمها، وإذا كان بحد من لا يعرفها على حال في التعارف، فليس هو ممن يعقلها في الحكم والمعنى؛ لأنه قيل: الصلاة على من عقل، والعقل مختلف، ليس ممن عقل الجمرة من التمرة عاقل للصلاة، وهو عاقل في معنى ما يعقله، وإنما يعقل ويكون عاقلا فيه إذا كان بحد من يعقله في التعارف، إن لم يعرفه، ويمكن ذلك منه عندي، والله أعلم؛ لأن الذي لا يعقل الجمرة من التمرة، يعقل الثدي من اليد، ولا يمتنع هذا عاقل معنى ما عقله، وليس بعاقل لما فوق ذلك.

مسـألة: وسألته عن رجل منقطع في طرف من الصف خلف الإمام، بينه وبين الصف قدم مقام رجل، فجهل أن يلصق بالصف وأتم صلاته على ذلك، كان في الصف الأول أو الثاني، هل تتم صلاته؟ قال: فأما في الأول فلا أعلم تمامها في قول أحد من أصحابنا، ولا يخرج معنى ذلك إذا كان وحده، وأما إذا كان قدامه أحد من الصفوف، وكان عن قفا أحد ممن متصل بالصفوف، فعندي أنها تتم في بعض مذاهبهم، قلت: أرأيت إن كان في الصف الأول، وكان عنده رجل على يمينه وجهلا جميعا أن يلصقا بالصف، هل تتم صلاتهما على ذلك؟ قال: معي؛ إنه فيه اختلاف على الجهل، قلت: فإن كانوا متعمدين، كان عليهم النقض؟

قال: نعم، هكذا عندي، قلت: أرأيت إن علم الذي عن يمينه أنهما منقطعين، هل يجوز له أن يدفره، حتى يلصق بالصف؟ قال: فمعي؛ إنه لو أومأ إليه بإشارة جاز ذلك، وقد قيل: ولو نخسه يريد منه ذلك، فهو أشد، وقد قيل: يجوز وأحب أن يمشي هو حتى يسد الثلمة أحب إليّ من هذا كله، ويمشي زحفا، قلت له: فيمشي من قدام صاحبه أو من خلفه، قلت: فمن حيث ما مشى فهو عندي سواء، وليس عندي في ذلك اختيارا، إلا أن ينظر هو أن أحد الموضعين أقرب وأصلح، الأمر مهما يدخل عليه في صلاته، فيستعمل من ذلك الصواب.

البــاب الـحادي والعشرون



ما يقطع صـلاة الجماعة أو المصلي خلـف الإمـام




وعن إمام يصلي بقوم مر بين يديه مشرك أو كلب، أو حائض أو قرد أو أسد أو خنزير، من شيء من السباع، وقدامه خط في الأرض، أو سترة دون ثلاثة أشبار، هل تفسد صلاتهم؟ قال: إذا مر بين يديه المشرك أو الكلب أو الحائض أو الجنب أو القرد أو الخنزير، لأقل من خمسة عشر ذراعا انتقضت صلاته، وصلاة من صلى خلفه، وأما الأسد وسائر السباع فالله أعلم. وقلت: إن مر الكلب بين الصف الأول والصف الثاني من خلف الإمام صلاة من تفسد؟ قال: لا تفسد صلاة الإمام، ولا صلاة الصف الذي يليه، وتفسد صلاة الصف الذي مر بين يديه الكلب أو المشرك، أو شيء مما يقطع، فإن كان خلف الذي مر بين يديه الكلب صف آخر، فلا فساد عليهم؛ لأن الناس ستر لبعضهم بعض، قال: نعم، هذا إذا مر الكلب بين يدي الصف حتى يتقدم عن الإمام، وعمن يصلي فيكون بينه وبين من يليه اسطوانة، هل يقطع عليه؟ قال: إن كان رجلان خلف الإمام، وكان بينهما نقضته، وكانا لا يتماسان إذا ركعا أو سجدا، فعليهما النقض، وصلاة الإمام تامة، وإن كان بينهما أحد فلا نقض عليهما، وكذلك إن كان صف تام على هذا، فلا نقض عليهما، إلا أن يكون رجل منقطع في الصف، وليس عن يمينه، ولا عن شماله أحد يصلي معه، ولم يكن يمس إذا خشع من يلي الاسطوانة من الصف، فعليه النقض، إلا أن يكون عن قفا الإمام.

مسـألة: وقلت له: أرأيت المصلي يكون بين سجوده وبين مقام الإمام نجاسة يابسة أو رطبة، وهو يصلي بصلاة الإمام، تتم صلاته بذلك أم عليه النقض؟ قال: معي؛ إنه قد قيل تتم ما لم تمسه أو تكون في موضع صلاته، وقيل: إنها تفسد عليه، كانت رطبة أو يابسة، ومعي؛ إنه قيل: إن كانت رطبة فسدت، وإن لم تكن رطبة لم تفسد، ما لم تمسه أو تكون في موضع صلاته، قلت له: فإن كانت النجاسة بين سجوده، وبين مقامه تحت صدره وهي رطبة، ولم تمسها ثيابه إذا سجد؟ قال: تفسد صلاته، وهذا موضع صلاته.

مسـألة: ـ ومن كتاب ابن جعفر ـ فإن خرج رجل من الصف، عن قفا الإمام، وبقي طرف الصف من هاهنا وهاهنا، ولا ينالون من الإمام شيئا؟ قال: نخاف عليهم النقض، قال الفضل بن الحواري: فلا نقض عليهم.

مسـألة: ومما يوجد عن أبي عبد الله، عن الإمام إذا مر بين يديه ما يقطع الصلاة عليه، ولم تكن بين يديه سترة فإنه تقطع عليه صلاته وصلاة الصف الذي خلفه للأول، وما بقي من الصفوف فلا يقطع عليهم، ويتقدم رجل فيهم يتم صلاتهم، قلت: أفيعيدوا ما مضى من صلاتهم؟ قال: لا. سل عنها، قال غيره: هذا قول حسن إن شاء الله، وذلك أنه إذا فسدت صلاة الإمام بما قد مضى قدامه الذي يقطع الصلاة فسدت صلاتهم، وهم سترة للذين خلفهم، فإن لم يدخلوا في صلاة الإمام بعدما فسدت، ويأتموا به فصلاتهم جائزة؛ لأنه لو أحدث الإمام حدثا مما تفسد به صلاته لم تفسد صلاة الذين خلفه، وإنما يقع الفساد على من فسدت صلاته وحده، ويكون لمن خلفه، فإن تموا على صلاتهم بإمام أو بغير إمام جاز ذلك لهم في هذا القول، وهو قول حسن مبصر، ويخرج على قياس هذا القول أن الذي عن قفا الإمام من الصف الأول لا تفسد صلاته؛ لأنه عن قفا الإمام، والإمام سترة له.

مسـألة: ـ من كتاب ابن جعفر ـ وقيل: إن الإمام سترة لمن خلفه، فإن مضى شيء مما ينقض بين يدي الإمام بينه وبين السترة، انتقضت صلاته وصلاة من صلى

خلفه، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله: تنتقض صلاة الإمام، وأما من صلى خلفه، فلا تنقض صلاتهم، ويتقدم منهم مصل يتم صلاتهم. (رجع) وإن مضى بين الإمام وبين الصف الأول انتقضت صلاة الصف الأول، وكذلك أن لعله من مضى عليه منهم، ولم يضر الإمام ولا من كان خلفه، إلا ذلك الصف الأول، وكذلك إن مضى بين الصفوف انتقضت صلاة الصف الذي مضى بين أيديهم، ولا نقض على من كان خلف ذلك الصف وقدامه وأما إن مضى الكلب أو غيره مما ينقض، خلف الإمام وبين يدي الصف الأول، فقيل: إن مضى على أول الصف ثم رجع قبل أن يتعدى الإمام فلا نقض عليهم؛ لأن الإمام سترة لهم، وإن تعدى الإمام حتى جاوز من خلفه انتقضت صلاة الذين تقدمهم من ذلك الصف؛ لأنه قد جاز بينهم وبين السترة.

ومن غيره؛ قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إذا مر بين أيديهم ثم رجع، انتقضت صلاة الذين مر بين أيديهم، ومن غيره؛ قال: وقد قيل إنه إن كان ممره أو مضى من قدام الإمام لم ينقض على أحد، ولو كان مضى خلفه نقض على الذين مضى من قدامه كما قال. (رجع) وإن انقطع من جانبي الصف خلف الإمام اثنان إلى ما أكثر، فلا نقض عليهم، وإن كان في الصف الأول فهو أشد، وأرجو أن لا يبلغ بهم ذلك إلى فساد، وإن خرج من الصف من خرج فتقرب أهل الصف بعضهم من بعض فهو أحب إليّ، حتى يسدوا تلك الفرجة، وإن انقطع واحد وحده في طرف الصف فصلاته فاسدة، وقيل: عن أبي عبد الله ـ رحمه الله ـ إذا كان بين المصلي، وبين الصف في ذلك أشد، وإن كان مثل هذا بين الصفين، ولم يجد مدخلا في الصف، فأرجو أن لا نقض عليه، إذا لم يجد مدخلا في الصف، ولو كان وحده.

وأما من كان يصلي قصد الإمام من خلفه، فلا نقض عليه عندنا، كان في الصفوف أو كان وحده من خلف الصفوف، ولو كان في آخر المسجد، ومن غيره؛

قال غيره: وقد قيل: إن انقطع من الصف الأول اثنان فصاعدا، أن عليهم النقض، وقال من قال: لا نقض عليهم، إذا كانوا اثنين فصاعدا، وإن كان واحد، فعليه النقض في عامة القول، وقد قيل: ولو جهل أن يزحف فلا نقض عليه، وإن تعمد لذلك وهو عالم أن عليه أن يزحف نقض صلاته، وإن نسي فلا نقض عليه، وهذا في الصف الأول، وأما الصفوف الآخرة، فإذا كان الصف الأول تاما فلا نقض على من انقطع، كان واحدا أو أكثر.

مسـألة: وعن رجل صلى بقوم إماما لهم فلما صلوا بعض صلاتهم خرج رجل من الصف من قفا الإمام، فصارت فرجة خلف الإمام ولم يزحف القوم إلى بعضهم بعض في الصف، ولم يسدوا الفرجة التي خرج منها الرجل؟ قال: إن لم ينل الذي عن يمين الإمام والذي عن يساره من الإمام شيئا فأرى صلاتهم منتقضة، وصلاة الإمام تامة، وإن كانوا ينالون من الإمام شيئا فصلاتهم جميعا تامة، وإن لم ينل أحد منهم فصلاتهم فاسدة إذا كانوا صفا واحدا، وإن صف آخر خلف هذا الصف المقدم، فصلاة أهل الصف الثاني تامة وصلاة الصف الأول فاسدة، وقال الفضل بن الحواري: صلاتهم تامة.

البــاب الـثانـي والعشرون



في المصلي إذا انتقضت صلاته وهو في الصف

أو كان يصلي وثوبه نجس أو قطع صلاته وابتدأها ونحو ذلك




وعمن يحرم وراء الإمام وهو في وسط الصف أو في ثلثه، فإذا أحرم واستمر في القراءة قطع فرجع يوجه ويردد التوجيه، هل يقطع على من يليه وهل عليه أن يعلم الذي إلى جنبه؟ إذا قطع الصلاة أن يقطعوا كان الإمام في القراءة أو قد خشع أو قد سجد، وما أرى عليهم بأسا في صلاتهم، ولا يمكنهم إخراجه من الصف.

مسـألة: جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي ـ حفظه الله ـ فأما الذي يصلي عن قفا الإمام وهو على غير وضوء، فإن كان أخذ قفا الإمام كله، ولم ينل الصف من الإمام شيئا، فقد عرفت أن عليهم النقض في بعض قول المسلمين فيما عندي، وعندي أن بعضا لا يرى على القوم نقضا إذا كان سادا للفرجة، وإن كان القوم قد نالوا من الإمام شيئا فصلاتهم في أكثر القول تامة.

مسـألة: عن الرجل كان يصلي خلف الإمام في وسط من الصف، وكان في ثوبه شيء من النجاسات، ولم يعلم حتى صلى، هل على من خلفه نقض؟ قال: قد قال من قال لا نقض عليه، وقال من قال: عليه النقض، وقال من قال: لا نقض عليه، إلا أن يكون هو جنبا، فقال: على من خلفه النقض، قلت: فإن كان في ثوبه نجاسة، هل ينقض على من مسـألة: ثوبه فمن على يمينه وشماله؟ قال: إن

كان موضع النجاسة معروفا من الثوب فلا نقض عليه، إلا أن يمس النجاسة بعينها، وإن كان الثوب نجسا ولا تعرف النجاسة بعينها ومسه الثوب فعليه النقض، قال: وقد قال من قال: إنه لا نقض عليه في صلاته، حتى يعلم أنه مس النجاسة من الثوب، ثم يكون عليه النقض.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة من الأثرـ وسألته إذا كان بين المصلي وبين الصف معتوه، هل تفسد صلاته؟ قال: لا. (انقضت الزيادة المضافة).

البــاب الـثالث والعشرون



فـي الوثبــة




قلت له: ما تقوم في رجل يفوته من صلاة الإمام شيء، ركعة أو أكثر، أعليه أن يقوم إذا أبدل ما فاته في جميع صلاته أم ذلك خاص في شيء من دون شيء؟ قال: معي؛ إن في ذلك اختلافا، فقال من قال: إن عليه ذلك إذا فاته شيء من الصلاة ركعتين والتحيات الأولى، وقال من قال: إنه إذا فاته ما فاته، ولو كان أقل من ذلك ما كان غير الركعة الأولى فعليه ذلك، وقال من قال: إنه لا شيء عليه في ذلك من الركعات، إذا فاته شيء منها.

مسـألة: وسألته عن رجل أدرك مع الإمام ركعة واحدة، وفاته ثلاث ركعات، هل تجب عليه تلك القومة التي تجب عليه إذا فاتته التحيات الأولى أم لا؟ قال: معي؛ إنها تجب عليه في بعض القول، وفي بعض القول لا تجب عليه. قلت له: فإن فاتته ركعة واحدة، هل يكون هذا مثل الأولى؟ قال: نعم.

مسـألة: قال أبو سعيد ـ رحمه الله ـ فمن دخل في صلاة الإمام، وقد فاته منها شيء، إنه يخرج في بعض القول أن ليس عليه أن يقوم تلك القومة في كل شيء، وقيل: عليه أن يقوم في كل موضع، وقيل: عليه أن يقوم في الركعتين الأولتين عند قيام الإمام من التحيات الأولى، وليس عليه فيما سوى ذلك.

مسـألة: قلت: أرأيت الرجل يدخل في الصلاة مع الإمام في السجود في آخر

ركعة، أو في الركوع، هل عليه إذا قضى صلاته أن يقوم تلك القومة التي قام بها الإمام من السجود، أم ليس عليه إلا إذا دخل في القيام قبل أن يركع الإمام؟ قال: فمعي؛ إن عليه تلك القومة، إذا أدرك الركوع؛ لأنه يقوم يقرأ، وإن كان في موضع القراءة، فقد فاتته القومة التي يقوم بها الإمام من القعود أو السجود فيقومها، وأما إذا أدركه في السجود فلا محالة أن يقوم إلى القراءة والركوع، فليس هاهنا قومة أخرى غير هذا عندي.

مسـألة: وسألته عمن صلى خلف الإمام، في صلاة النهار، فأحرم واستعاذ وركع مع الإمام في أول ركعة من الصلاة، فلما سلم الإمام سلم معه، ونسي أن يقوم يبدل ما فاته من القراءة؟ قال: لا بدل عليه إن كان ناسيا، وإن كان متعمدا لترك البدل في القراءة فعليه إعادة الصلاة، قلت: فإن كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلم يسمع شيئا من القراءة، ولم يقرأ أو نسي حتى سلم ولم يبدل؟ قال: عليه إعادة الصلاة.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة ـ وعن رجل جاء إلى قوم، وهم يصلون جماعة، وقد سبقوه بركعتين أو ثلاث، فصلى مع القوم بقية صلاتهم، ثم قام فأبدل الركعتين أو الثلاث التي فاتته، وقعد ولم يقم بتكبيرة، ما ترى عليه في صلاته؟ قال: إذا صلى ركعتين في الجماعة وأبدل ركعتين أو ركعة، ولم يقم بتكبيرة، فإن القومة التي قاموها من القعدة الأولى حين دخل معهم واجبة عليه باتفاق، وإن ترك ذلك رأيت عليه البدل؛ لأنه عليه أن يصل إلى حد القيام الذي دخل فيه في الصلاة، وإن كان دخل معهم، وقد صلوا ركعة وسبقوه بثلاث ركعات، فإن الاختلاف بينهم في إلزام القومة عليه، منهم من قال: إن عليه يقوم حتى يصل إلى القيام، حيث دخل في الصلاة، وقال قوم: ليس عليه إلا إذا سبقوه بالقعدة الأولى، ورأي إنه يقوم إذا أتم البدل حتى يصل إلى الحد الذي دخل فيه مع الإمام، فإن قطع الإمام الصلاة، فأنقص منها شيئا من قيام أو غيره قبل أن يصل من حيث دخل في الحد الذي وصل إليه، ولو قل ولم يصل صلاته، إن عليه بدل تلك

الصلاة. (انقضت الزيادة المضافة).

مسـألة: وسألته عن الوثبة أهي واجبة م لا؟ وكذلك تجب في جميع الصلوات أم في صلاة دون صلاة، وكيف صفتها، قيام بغير كلام؟ فعلى ما وصفت، فالوثبة جاء بها الأثر على من فاته شيء من الصلاة، فسبقه الإمام بالقيام، وصفتها أن يقوم بتكبيرة بعد أن يصل إلى عبده ورسوله فإذا قام ورجع كل عضو إلى مفصله، قعد بلا تكبيرة وأتم التحيات وسلم. (رجع).


البــاب الـرابـع والعشرون



فـي الدخـول فـي صـلاة الجماعـة




فإن دخل مع قوم في صلاتهم، وقد قرأ الإمام فاتحة الكتاب، مختلف فيه، أيقرأ فاتحة الكتاب أم يستمع، والذي كان يأخذ به أبو عبد الله قول من قال، من الفقهاء: إذا دخل في صلاتهم، وقد فرغ الإمام من فاتحة الكتاب، ودخل في قراءة السورة، فلينصت ويستمع، ويجزيه الاستماع إذا أدرك من بعد إحرامه من قراءة الإمام آية واحدة، اجتزى بها، وإن أدرك بعد إحرامه من قراءة الإمام أقل من آية، فعليه إذا سلم أن يقوم فيتم ما بقي من الصلاة ويقرأ فاتحة الكتاب.

مسـألة: ومن غيره؛ قال: مررت مع جابر بمسجد، وقد أقام لصلاة الغداة، فدخل معه واستفتح سورة طويلة، فتأخر جابر وصاحبه وترك الصف وصلى وحده، فلما انصرف قال: إن صلاة الغداة تفوت.

مسـألة: ـ ومن كتاب ابن جعفر ـ قال: أحسب عن محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ فيمن دخل في صلاة قوم، فاستأنف هو القراءة وركعوا، وهو بعد لم يتم القراءة، ورفعوا رؤوسهم من الركوع، وفرغ هو وركع وحده، قال: إذا أدرك الإمام وهو قائم لم يسجد، وسجد في سجوده، فلا بأس عليه، وقد يوجد في أثر غير هذا، إن من دخل في صلاة قوم ركوع، فدخل في القراءة بعد الإحرام، أنه إن أدركهم في الركوع فلا بأس، وإن لم يدركهم استأنف الصلاة، والرأي الأول أحب إليّ، ومن غيره؛ وعن أبي علي الحسن بن أحمد ـ رحمه الله ـ وقد قيل: إنه إذا لم

يدرك من القراءة شيئا، فليس له أن يقرأ، فإن قرأ انتقضت صلاته، وإنما يتبع الإمام في الحد الذي يدرك فيه، بعد أن يحرم كان الإمام راكعا أو ساجدا أو قاعدا أو قائما، والله أعلم.

مسـألة: ومن بدأ يصلي فريضة في المسجد، ثم قام المقيم، فإن رجا أنه يتم ركعتين أتمهما وكانت نافلة، ثم يدخل في صلاة الإمام، وإن كان قد عدا الشفع أو هو في أول الصلاة، قطع ذلك ودخل مع الإمام، ومن غيره: قال محمد بن المسبح: إن خاف أن لا يتم شفعا فليجعلها وترا ويسلم، ويدخل معهم في الصلاة.

مسـألة: ومن غيره؛ وعمن أدرك آخر ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد قال من قال: يجوز له أن يقول ما يقول الإمام من التشهد والدعاء، وقال من قال: إذا وصل إلى وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سبح وكل ذلك جائز إن شاء الله، وإن ردد التحيات، فقد قال من قال: لا تفسد صلاته، وجائز له ذلك، والتسبيح أحب إلينا.

مسـألة: وحدثني محمد بن أبي غسان أن أبا المؤثر سأل محمد بن محبوب عن رجل صلى خلف الإمام الظهر والعصر، فلم يقرأ فيهما شيئا، إلا أنه يركع ويسجد ويكبر؟ قال محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ : إنه ليس عليه إعادة.

مسـألة: ومن غيره؛ واختلف في الذي يدرك مع الإمام الركوع؟ فقال من قال: إذا أحرم وركع مع الإمام، ولم يدرك القراءة، فلا إعادة عليه في القراءة، كان ذلك في صلاة الليل أو النهار، وقال من قال: يجزيه ذلك في صلاة النهار، ولا يجزيه في صلاة الليل، وقال من قال: لا يجزيه ذلك في صلاة الليل والنهار، حتى يكون إحرامه قبل ركوع الإمام، وأما إذا كان إحرامه بعد ركوع الإمام فلا يجزيه ذلك، كان في صلاة الليل أو النهار، ويخرج ذلك في بعض القول: إن ذلك لا يجزيه في صلاة الليل، ولو كان إحرامه قبل الإمام حتى يسمع مقدار آية من قراءة الإمام، وقال من قال: لا يجزيه حتى يسمع مقدار ثلاث آيات، وقال من

قال: لا يجزيه في صلاة النهار، حتى يقرأ نصف الحمد، وقال من قال: لا يجزيه حتى يقرأ أكثرها، وإلا فعليه إعادة القراءة.

مسـألة: وبلغنا عن علقمة والأسود صاحبي عبد الله بن مسعود ـ رحمه الله ـ أنهما أدركا إماما فدخلا معه في الصلاة، فقضى أحدهما ما فاته، فجعل ما فاته أول صلاته وهو الذي فاته، وجعل أحدهما الذي فاته أول صلاته ويستأنف، فذكر ذلك لعبد الله بن مسعود، فجوز صنيعهما جميعا، والصواب عندنا أن يجعل آخر صلاته آخر صلاة الإمام، فيقضي ما فاته، وهو الأول من صلاة الإمام، وقد فسرناه على ما ينبغي.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي جابر ـ وعن عبد الله ـ رحمه الله ـ أنه قال: أنا آخذ بقول، إن الرجل إذا جاء والإمام في آخر صلاتهم وقد قعدوا للتحيات الآخرة، أنه لا يدخل معهم حتى يحرم هو ويقعد الإمام من السجود للتحيات، وقال من قال: إذا قضى تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام، فقد أدرك، وهذا القول أحب إليّ، وقال من قال: إذا قرأ هذا الذي يدخل في صلاة الإمام التحيات أمسك عن الدعاء، ووقف حتى يسلم الإمام، ثم يقضي هو ما سبق به، وقال من قال: بل يدعو مثل الإمام، وكل ذلك حسن إن شاء الله، قال غيره: ومعي؛ إنه قيل يسبح بقول: سبحان الله، حتى يسلم الإمام، قال محمد بن المسبح: يردد إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يردد هذا، فإذا قضى ما فاته دعا بالنجاة من النار، يقول: اللهم نجنا من النار وأسكنا الجنة، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار.

مسـألة: وعن رجل دخل المسجد، وقد أقام المؤذن وخاف أن يسبقه شيء من الصلاة، فليوجه فإنه أحب إلينا، فإن كان لم يوجه، فما نرى عليه نقضا. والله أعلم. قال غيره: إذا خاف أن لا يدرك الركوع إذا وجه، قال: سبحان الله وأحرم، هكذا روي عن أزهر بن علي، فيما وجدنا في الأثر. والله أعلم.

مسـألة: وسألته عن رجل دخل في صلاة الإمام فوجه وأحرم والإمام راكع،

ثم ركع عند الإمام، قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، هل يجزيه عن إعادة القراءة، كان في صلاة الليل أو في صلاة النهار؟ قال: قد قيل ذلك فيما عندي؛ وقيل: لا يجزيه ذلك على كل حال، وعليه الإعادة، وقيل: يجزيه فيما لا يجهر فيه بالقراءة في صلاة من صلاة الإمام، ولا يجزيه فيما يجهر فيه بالقراءة من صلاة الإمام، إلا أن يدرك من قراءة الإمام آية فما فوقها، أو قدر آية.

قلت له: فإن وجه وأحرم وأخذ في الانحطاط للركوع، وأخذ الإمام في الانتشاء من الركوع، فقضى الركوع وأدرك الإمام في السجدة الأولى أو قبل أن يدخل فيها، هل يكون قد أدرك الصلاة مع الإمام وتتم صلاته، ولا يكون عليه إعادة القراءة في قول من يقول ذلك؟ قال: إذا ثبت له الركوع مع الإمام، فقد أدرك الصلاة، معي؛ في قول من يقول.

قلت له: فعلى هذا الذي وصفت لك يثبت له الركوع عندك أم لا؟ قال: فمعي؛ إنه إذا لم يدرك الإمام في الركوع ولم يركع معه، ولا أدركه في القراءة، وكان متشاغلا بها إلى ركوع الإمام؛ لأنه لا يدخل في الركوع ويمضي مع الإمام في السجود؛ لأنه لا يعمل حدا قد خرج الإمام منه في أول مبتداه مع الإمام، وإنما يدخل فيما الإمام فيه في حين إحرامه.

قلت له: فإن جهل ذلك أو تعمد، ودخل في الركوع الذي قد خرج الإمام منه، وأدرك الإمام في السجود الأول وقضى صلاته، أيكون عليه البدل أم قد قضى ذلك ولا يؤمر به في المستقبل؟ قال: فأما إذا خرج الإمام من الركوع قبل أن يدخل هو فيه، أو يجر إليه ، فدخل فيه بعد ذلك خلافا للإمام، فهو عندي غير معذور بجهل ولا بعمد، وتفسد صلاته عندي، وأما إذا خر هو للركوع على أن الإمام في الركوع، وأنشا الإمام من الركوع فاتفقا هذا راكعا وهذا قائما من الركوع، فمضى على ذلك، وركع فأحب أن يعيد القراءة والركوع، إذا أتم الإمام الصلاة، وإن لم يتم رجوت أن يجزيه ذلك في بعض القول، ومعي؛ إن بعضا لا يرى له ذلك؛ لأنه لم يعمل مع الإمام شيئا في الركوع، ففاته الركوع مع الإمام

والقراءة، وإنما يدرك من صلاة الإمام من الحدود ما دخل مع الإمام وهو فيه، لم يخرج منه، فهنالك يكون مدركا معي للحد الذي أدركت مع الإمام من صلاة الإمام.

ومن غير الكتاب مسـألة: وعن رجل قام يصلي الفريضة، فوجه وأحرم وأخذ في القراءة، ثم قال له رجل: يا هذا فإن أريد أن أصلي معك، ما أولى به أن يمضي على صلاته كما هو، أو يقطع صلاته ويبتدئ؟ فعلى ما وصفت؛ فالذي يؤمر به أن يمضي على صلاته، ويكون إماما لمن دخل معه، وقد قيل: إن ذلك جائز إذا كان قد دخل في الصلاة، فجاء آخر دخل معه في الصلاة، وقال له: يؤم به، فأم به على ذلك، جازت صلاتهما جميعا، وإن قطع الصلاة ثم صليا بعد ذلك جميعا، فصلاتهما تامة.

مسـألة: ومن غيره؛ فإذا أدركت الإمام وهو في قراءة السورة، فقرأت أنت فاتحة الكتاب، أو لم تقرأها فلا تنظر أنت في قراءة نفسك، ولكن أنظر إلى قراءة الإمام، فإن كان الإمام قد قرأ بعد أن كبّرت أنت تكبيرة الإحرام آية واحدة أو أكثر من ذلك، فقد أجزأتك قراءة الإمام في تلك الركعة، وليس عليك أن تعيد قراءتها، وإن كان الإمام لم يقرأ آية بعد أن كبرت أنت تكبيرة الإحرام، فإذا سلم الإمام فاقض أنت قراءة تلك الركعة، تقوم فتقرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم تقعد وتسلم، وأنت قاعد؛ لأنك قد أدركت مع الإمام الركوع، وإنما فاتك القراءة، فإنما تعيد ما فاتك في الصلاة.

مسـألة: عن أبي علي الحسن بن أحمد، ورجل دخل المسجد والإمام يصلي، فدخل معه، فوجه وأحرم، وقد سبقوه بسجدة، أيسجد معهم إن أدرك؟ أم لا يكون له أن يفرق بين السجدتين؟ وإن جاز له ذلك فأين موضع قضاء هذه السجدة؟ فله أن يوصل الصلاة، ولو أدرك أحد السجدتين سجدها، وقضى ما بقي عليها في موضع السجدة التي أدركها، وقد أتم التحيات وسلم، وليس عليه وثبة في هذا الموضع، والله أعلم.

مسـألة: وعنه؛ ما تقول فيمن كان يصلي مع إمام فسجد مع الإمام سجدة، ونسي سجدة حتى صار في حد القيام، أله أن يرجع يسجدها، ما لم يكن بينهما حد ليس فيه أحدهما أم لا؟ فنعم. له أن يرجع يسجدها، ويلحق الإمام وصلاته تامة إذا أدرك الإمام في القيام، وإن سجد الإمام أو ركع قبل أن يقوم هذا من السجدة؛ ففي صلاته اختلاف والله أعلم.

مسـألة: وعنه؛ فيمن دخل في صلاة الإمام ولم يدرك آية، وهو ممن يعرف الآيات، فإن أراد أن يبدل ما يبدل فاتحة الكتاب وحدها، أو فاتحة الكتاب وسورة، فإذا أحرم ولم يدرك آية تامة، أبدل فاتحة الكتاب وسورة، على قول من يلزمه ذلكن وبعض لم يلزمه البدل، والله أعلم.

مسـألة: ـ من كتاب الأشراف ـ واختلفوا في الداخل يدرك وترا من صلاة الإمام، فقالت طائفة: يسجد إذا فرغ من صلاته سجود السهو، كان ابن عمر وابن الزبير وأبو سعيد الخدري يفعلون ذلك، وروي ذلك عن عطاء وطاووس ومجاهد، وبه قال إسحاق، قال أبو بكر، وأكثر فقهاء الأمصار من أهل المدينة، وأهل الكوفة والشافعي وأصحابه: ليس عليه سجود السهو، وروي ذلك عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين، قال أبو بكر: وبه نقول، والحجة فيه قول رسول الله : «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» ولم يذكر سجود السهو.

قال أبو سعيد: لا يبين لي في معاني قول أصحابنا هاهنا سجود السهو، وليس هذا عندي موضع سجود السهو، ومن أدرك من صلاة الإمام وترا ثلاثا أو ركعة أتم بعد صلاة ما أدرك منها، فإذا سلم الإمام قام فأبدل ما فاته، كما فاته القراءة وركوعه وسجوده وتشهد إلى حيث أدرك الإمام من ركوع أو سجود أو قعود أو قيام، هكذا يخرج في معاني قول أصحابنا، لتأويل قول النبي : «فليصل ما أدرك ويبدل ما فاته».

مسـألة: ومن غيره؛ قلت له: ومن كان عليه بدل قد سبقه به الإمام، فقام

يبدل ناسيا قبل أن يسلم الإمام؟ قال: معي؛ إنه إذا دخل في القراءة قبل أن يسلم الإمام فعليه الإعادة، وإن سلم الإمام قبل أن يدخل في القراءة فمعي؛ إن صلاته تامة على صلاته.

مسـألة: وسألته عمن دخل المسجد وخاف أن يركع الإمام قبل أن يصل إلى الصف، هل يجوز له أن يحرم ويركع في أول المسجد، فإذا قام من الركوع والسجود زحف إلى الصف وهو يقرأ، أم كيف يصنع؟ قال: معي؛ إنه قد قيل ذلك أنه فعله بعض أهل العلم وأجازوه، وأحسب أن بعضا لا يجيز ذلك، ويمشي إلى الصف ويصلي ما أدرك، ويبدل ما فاته، قلت له: فالذي يجيز ذلك، يجوز أنه لو كان بينه وبين الصف أكثر من خمسة عشر ذراعا أم يجيز ذلك إذا كان بينه وبين الصف خمسة عشر ذراعا؟ قال: فلا أعلم في ذلك حدا، ويقع لي أنه إذا ثبت ذلك، وحيث كان خلف الإمام، أو حيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام في ذلك الوقت.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة من الأثر ـ رجل أسلم فأدرك بعض صلاة قوم، أعليه بدل ما سبقه، أو إنما عليه ما أدرك من وقتها؟ ففي بعض القول إن عليه أن يصليها ولو فات وقتها، ويخرج عندي بعض القول ما لم يتوان في الطهارة حتى فات وقتها، فلا بدل عليه منها. (رجع إلى كتاب بيان الشرع).

ـ ومن كتاب الأشراف ـ واختلفوا في الرجل ينتهي إلى الإمام، فيجده قاعدا في آخر صلاته، فيكبر ويجلس مع الإمام، وكان مالك بن أنس وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون: يكبر إذا قام، وقال الشافعي: يقوم بغير إحرام ويصلي بإحرامه الأول، وقال الحكم وحماد: إذا قام بذلك أحدث التكبيرة.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بمعنى الاتفاق، أنه إذا أحرم مع الإمام وقعد معه في القعود الآخر، إن إحرامه يجزيه على كل حال، وإنما يخرج عندي معنى الاختلاف في إدراكه للحد وهو القعود الآخر، ففي بعض قولهم: إنه لا يكون مدركا للحد، ولا يتم له حتى يقعد مع قعود

الإمام، ولا يفوته من قعود الإمام شيء، وفي بعض قولهم: إنه إذا أدرك التشهد مع الإمام قبل أن يفرغ من التشهد، (أعني الإمام) أدرك، وإن خرج الإمام من التشهد قبل أن يفرغ هو من تشهده، ما لم يكن مدركا للحد ومدركا لصلاة الإمام من قصر أو تمام أو جمعة، وله وعليه أن يأتي بما سبقه من الصلاة، على معنى ثبوت الإمام عليه من التمام إن كان يقصره ويتم الإمام، وإن كان الإمام يصلي جمعة أو أشباه ذلك، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يدرك من صلاة الإمام، ويجلس بجلوس الإمام، فقالت طائفة: لا يتشهد، كذلك قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي ومكحول وعمرو بن دينار، روينا عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: يتشهد، وبه قال نافع والزهري وسفيان الثوري.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، أنه إذا أدرك قعود الإمام ودخل معه فيه عن ركعة تامة، أو أقل من ذلك، فإن له وعليه التشهد، إلى وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ويخرج في معاني الاختلاف في قولهم فيما سوى ذلك من التشهد، والدعاء مع الإمام بما يفعل الإمام، ففي بعض قولهم إنه لا يزيد على التشهد الأول، ولكن يسبح ولا يسكت حتى يسلم الإمام، وفي بعض قولهم: إنه يدعو ويتشهد كما يفعل الإمام؛ لأنه يتبع للإمام بمعاني الاتفاق في دخوله معه في حد أو ركعة في وتر أو في شيء من الصلاة دون أن يبتدئ صلاته من أولها، وما جاز له الدخول مع الإمام لثبوت السنة والاتفاق لموضع صلاة الإمام، ولموضع اتباعه للإمام، فكذلك هو تبع للإمام، ومنه؛ قال أبو بكر: واختلفوا في الذي يدركه المأموم من صلاة الإمام، فقالت طائفة: يجعله أول صلاته، روي هذا عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب وأبي الدرداء ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق المزني، وقالت طائفة: يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته، وكذلك قال ابن عمر، وبه قال مجاهد وابن سيرين ومالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو بكر: بالقول الأول أقول.

قال أبو سعيد: في عامة قول أصحابنا أنه يجعل ما أدرك من صلاة الإمام آخر صلاته؛ لأنها آخر صلاة الإمام، فهو تبع للإمام، وذلك عندي يشبه معنى ما قيل عن النبي : «فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته» ولا أعلم في قولهم منصوصا، أنه يجعل من الصلاة أو صلاته، ويبني عليها إلا معنى ما يشبه ذلك في المقيم إذا صلى مع المسافر ركعة من صلاته، فإنه يخرج من قولهم هاهنا ما يشبه معنى هذا، فقال من قال: يأتي بركعة يضيفها إلى هذه الركعة التي أدركها مع الإمام، ويقعد هنيهة قدر ما يحصل على القعود، ثم يأتي بركعتين يجعلهما آخر صلاته، وقال من قال: يأتي بالصلاة، صلاة نفسه من أولها، ويجعل هذه الركعة آخر صلاته كما هي آخر صلاة الإمام.

ـ ومن الكتاب ـ قلت له: وما قولك في رجل دخل في الصلاة مع الإمام في المغرب في الركعة الثالثة، فلما قعد للتحيات الآخرة، وقضى قراءتها شك أنه لم يقعد إلا مرة واحدة، فقام بركعة، وجهل الذي دخل عنده أن سبح له ولحقه في الركعة حتى أتمها، وقرأ معه التحيات ثانية، فلما سلم الإمام قام فأبدل الركعتين هل تتم صلاته، ولا تضره زيادة الركعة عند هذا الإمام إلا على الحال؟ قال: معي؛ إنه إذا كان على يقين وعلم من الزيادة، فلا يبين لي تمام صلاته بزيادة ركعة على العلم.

مسـألة: وعمن أدرك الإمام وهو بعد في التحيات الأولى، فوجه الداخل وأحرم وقرأ الحمد جهلا منه، وقعد فقرأ التحيات مع الإمام، وقام فقضى ما سبقه الإمام، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه تفسد صلاته على ما قيل، إذا كان إنما أحرم والإمام قاعد، وأرجو أنه إذا كان يظن أن ذلك جائز له، وقرأ احتياطا لصلاته، وأتى بالقراءة في موضعها حين البدل، فأرجو أن لا يتعرى عندي من تمام صلاته في بعض ما قيل من أمر الجاهل أو القاصد إلى صلاته صلاته؛ لأنه لم يأت بحد زاده في صلاته في الإجماع في قولهم، وإنما قال بعض: إن القراءة حد، وليس ذلك عندي بالإجماع، والله أعلم.

مسـألة: ـ ومن كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله أنه قال: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها» واختلفوا في الوقت الذي لا يكون المرء مدركا للركعة؟ قال ابن مسعود: من أدرك الركوع فقد أدرك، وبه قال ابن عمر وسعيد بن المسيب وميمون بن مهران وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وإسحاق، وهذا مذهب مالك النعمان، وروينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا: من لا يدرك الركعة فلا يعتد بالسجدة، وقال قتادة وحميد وأصحاب الرأي: إذا وضع يديه على ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفع الإمام رأسه قبل أن يضع يديه فلا يعتد بها، وفيه قول ثانٍ قاله أبو هريرة قال: من أدرك القوم ركوعا فلا يعتد بتلك الركعة، وفيه قول ثالث قاله الشعبي: إذا انتهيت إلى الصف الآخر، ولم يرفعوا رؤوسهم وقد رفع الإمام رأسه، فإن ركع فإن بعضهم أئمة بعض، وقال ابن أبي ليلى: إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه، اتبع الإمام، وكان الإمام بمنزلة النائم، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه ما حكاه في هذا الفصل كله إنما أريد به ما يكون مدركا به لصلاة الإمام، ولا يكون مدركا لصلاة الإمام بدونه، وهكذا عندي أنه يخرج في معاني قولهم (أعني قومنا) أنه لا يكون مدركا لصلاة الإمام، إلا أن يدرك ركعة تامة من صلاته، وما كان دون ذلك لم يكن به مدركا لصلاة الإمام في جماعة، ولا جماعة فليصل مع إمام في قولهم ما أدرك، ثم يأت بصلاته من أولها ما لم يدرك ركعة، وأما في معاني قول أصحابنا، فإنه يخرج في قولهم بمعنى الاتفاق، أنه من أدرك من صلاة الإمام حدا من حدود الصلاة ودخل معه فيه، وكان ثابتا له ائتمامه وبنى على صلاته بتمام ما مضى منها، والاعتداد بما أدرك منها من حد فصاعدا وآخر الحدود عندهم القعود الآخر من الصلاة، فمن أدرك مع الإمام معهم القعود في آخر الصلاة، فقد أدرك الصلاة، فإن كان جمعة أبدل ما مضى كله قصرا بالقراءة بصلاة الإمام للجمعة، وإن كان مسافرا والإمام مقيما ثبت عليه صلاة التمام إذا دخل معه في حد من حدود الصلاة، وهو آخر حد لقول النبي :

«فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته» ولإجماعنا وإياهم أنه لا يجوز من الصلاة ترك حد من حدودها، وإذا ثبت أنه لا يجوز تركه، ولا تتم الصلاة إلا به، ثبت أنه من الصلاة الذي قال النبي : «فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته».

مسـألة: ـ ومن غير الكتاب ـ وقيل في رجل دخل في صلاة الإمام فأحرم هو والإمام في حد من حدود الصلاة، ثم خرج الإمام من ذلك الحد الذي أحرم الداخل معه، وهو فيه إلى حد ثانٍ من قبل أن يدخل الداخل معه في ذلك الحد الذي أدركه فيه، هذا يؤمر على هذا أن يدخل مع الإمام في الحد الثاني الذي دخل فيه الإمام من قبل أن يدخل هذا فيه مع الإمام والإمام فيه، وإن دخل الداخل في هذا الحد الذي أدرك الإحرام خلف الإمام فيه، ولم يدخل مع الإمام فيه من قبل أن يخرج منه فصلاته تامة إذا أحرم خلف الإمام، والإمام في ذلك الحد، والذي يؤمر به أن لا يدخل في ذلك الحد والإمام قد خرج منه، ويدخل في الحد الذي الإمام فيه، فإن فعل ذلك فصلاته تامة.

مسـألة: وسئل عمن كان في التحيات الأولى خلف الإمام، فقام الإمام منها وهذا فيها، فخاف أن يركع قبل أن يتمها، هل له أن يقوم ويترك ما بقي منها، ويلحق الإمام؟ قال: معي؛ أن ليس له حتى يتمها، وقيل له: فإن ركع الإمام قبل أن يتم هذا ثم قام فأدركه في الركوع، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إن هذا ما يجري فيه الاختلاف، فلعل بعضا يقول: إذا تداركا الإمام في حال الخروج من الحد، والذي خلفه في حال الدخول فيه، فسدت صلاة الذي خلف الإمام، وقال من قال: ما لم يكن بينهما حد خلي فصلاة الذي خلف الإمام تامة، وقال من قال: إنه لو سبقه الإمام بحد خلى أو حدين خليين، ليس أحدهما في شيء منهما، فإذا أدركه في آخر حد من الصلاة من أول الحد ولم يفته عنه شيء فصلاته تامة.

مسـألة: وعمن لحق الجماعة، وقد صلوا ثلاث ركعات، وقام عندهم من الركعة من الشفع الأخير، وقعد في التحيات، أيتحي عندهم أنه يقعد عندهم بغير قراءة التحيات، وإن تحي معهم، أيكون عليه أن يصلي الركعة الأخيرة من الشفع

الأخير، حتى يكون التحيات الأولى والتحيات الآخرة ركعتين، فعلى ما وصفت فيصلي ما أدرك، ويبدل ما فاته، والذي فاته هو آخر صلاته، والباقي عليه هو أول صلاته، وهو أكثر القول، فتكون التحيات التي قعدها مع الإمام هي للشفع الأول، والتحيات الآخرة هي للشفع الثاني، فإذا انتهى إلى عبده ورسوله قام بتكبيرة، فإذا انتصب قائما رجع كل عضو إلى مفصله، جلس بلا تكبيرة، وقال: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، إلى تمام التحيات.

مسـألة: وسألته عن رجل وجه وأحرم، وقعد للتحيات عند الإمام فقرأ تحيات نفسه، وسلم الإمام من التحيات الآخرة، هل يكون مدركا؟ قال: معي؛ إنه قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: إنه لا يكون مدركا حتى يدرك الحد كله، ولا يفوته منه شيء من أول ما يرفع الإمام رأسه من السجود إلى القعود، وقال من قال: إذا قرأ هو تحيات نفسه قبل أن يتم الإمام التحيات ولو فاته من الحد شيء، فقد أدرك على هذا، ويخرج على بعض القول إذا دخل مع الإمام قبل أن يتم الإمام التحيات، فقرأ تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام، فقد أدرك، وبعض يقول: إذا قضى تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك، ولو دخل مع الإمام بعد أن قضى التحيات، قال غيره: وقد قال من قال من أهل العلم: إذا أحرم المصلي وقعد للتحيات وحصل له القعود ثم سلم الإمام بعد ذلك فقد أدرك الصلاة مع الإمام، ويروى هذا القول فيما أحسب عن سعيد بن المبشر عن موسى بن أبي جابر، والله أعلم.

البــاب الـخامس والعشرون



فـي الذي يدخل مع الإمام في شيء من الصلاة

أو سلم مع الإمام ناسيا

أو يقوم قبل الإمام ليقضي ما فته ناسيا




في الذي يسلم مع الإمام، وقد كان باقٍ عليه شيء من البدل. فقال من قال: إنه يستأنف الصلاة، وقال من قال: يبني على صلاته ما لم يتحول من مقامه، أو يقوم منه إلى صلاة غيرها، وقال من قال: يبني ما لم يدخل في صلاة غيرها، وقال من قال: يبني ما لم يصلي من الثانية ركعة تامة، وقال من قال: ولو صلى ركعة تامة، فله أن يبني إذا ذكر ذلك، رجع إلى ذكر ما كان باقٍ عليه من البدل، وهذا كله إذا نسي حتى يسلم من غيره، وهذا كله عندي إن لم يدبر بالقبلة أو يتكلم بشيء من أمور الدنيا.

مسـألة: ـ من كتاب محمد بن جعفر ـ وعن أبي عبد الله ـ رحمه الله ـ أن من قام ناسيا قبل أن يسلم الإمام، ليقضي شيئا سبقه من الصلاة، فإن سلم الإمام قبل أن يدخل في صلاته وقرأ، فإني أخاف عليه النقض، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: لا نقض عليه، ويرجع يقعد حتى يسلم الإمام، وإن سلم الإمام وهو قائم، يعني الإمام سلم، وهذا قد قام فيمضي في صلاته، رجع فإن ذكر بعد أن قام للبدل أن الإمام لم يسلم، فليرجع فليقعد، وفي ـ نسخة ـ يقعد حتى ينصرف الإمام، فإذا أتم الصلاة سجد سجدتي السهو وهو أصح، ولعل في بعض القول:

أنه أن لا يكون عليه فساد في صلاته إذا دخل في البدل، ولم يسلم الإمام، إذا كان إنما دخل في ذلك، وقد دخل الإمام في الدعاء، وقضى التحيات؛ لأنه لو كان هو قد أتم صلاته وانصرف قبل أن يسلم الإمام، لم يكن ذلك ينقض صلاته، وإن كان لا ينبغي له ولا يؤمر به، وقال غيره: حسن معي هذا القول على النسيان، إذا بان له ذلك.

مسـألة: ومن جواب أبي الحواري؛ وعن الذي يصلي وراء الإمام فيقضي الإمام صلاته، وقد نسي ما قرأ الإمام من القرآن، وهو في موضعه، أيبدل صلاته أم قد تمت؟ فعلى ما وصفت فليس عليه حفظ ذلك، وإنما عليه أن يستمع، فإذا استمع شيئا من قراءة الإمام فصلاته تامة.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة ـ سألت أبا سعيد محمد بن سعيد ـ رحمه الله ـ عن رجل مسافر دخل في صلاة قوم مسافرين في صلاة المغرب ففاته منها ركعة، وأراد الثانية فصلى عندهم وسلم، وأقام الإمام للعتمة، ووجه وأحرم قبل أن يقضي هذا ما بقي عليه، هل يفسد عليه ذلك؟ قال: معي؛ إنه لا يفسد عليه ذلك؛ لأنه دخل في صلاة ثبت عليه تمامها فيتمها، ويلحق الإمام في العتمة إن أراد الجمع مثلهم، قال: وكذلك من دخل في صلاة القيام فاتته الأولى وسلم الإمام، وقام في الشفع الآخر، فإنه يقضي ما فاته، ويلحق الإمام ولا يضره ذلك، قال: ولا يؤخرها حتى يقضي الإمام الشفع فيعمل ما وجب عليه، والله أعلم. (انقضت الزيادة المضافة).

البــاب الـسادس والعشرون



فـي الدخــول فـي صـلاة الإمـام

إذا كـان صـافا عند الإمـام واحـد




وسئل عن رجل في الصلاة مع الإمام، وعن يمين الإمام رجل فوجه وأحرم، ثم جر الرجل يتأخر إليه وصليا، هل يبلغ بهما ذلك إلى فساد صلاتهما؟ قال: لا أرى عليهما فساد صلاتهما، وأحسن أنه كان يوجه ثم يجر الرجل إليه ويحرم، قلت: فإنه كان مع الإمام يصلي وهو على يمينه، ثم إنه سمع رجلا يريد أن يدخل في الصلاة فتأخر إليه من غير أن يجره الرجل وصليا جميعا، أو جاء الرجل فقام وراءهما في الصلاة، ولم يجره إليه فتأخر هو فصليا، هل عليه فساد في صلاته إذا تأخر، ولم يجره الرجل؟ قال: لا؛ إلا أن يكون زل عن الإمام، قلت: وكيف ذلك؟ قال: ما لو مشى لم يمس الإمام، فإن كان على هذا فعليه البدل، وإن كان تأخره عن قفا الإمام أو عن حيال الإمام، ما لو أنه مشى لسدع الإمام، فصلاته تامة، ولا بدل عليه.

مسـألة: ـ من كتاب أبي جابر ـ وإذا جاء ثالث إلى اثنين، أحدهما إماما لصاحبه، لا يتقدم الإمام، ولكن يتأخر الرجل إلى صاحبه، وإن تقدم الإمام فلا بأس، وقيل: إذا صلى رجل مع الإمام، وكان عن يساره، فإن كان ناسيا أو جاهلا، فلا نقض عليه، وإن تعمد لذلك فسدت صلاة الداخل، وهو قول محمد بن المسبح، ومن غيره؛ وقد قيل تامة. (رجع) وإن صلى رجل عن يمين

الإمام، وجاء ثالث وصلى من خلفهم، أو صلى عن يسار الإمام، فقد أخطأوا ولا نبصر نقضا. ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: الذي صلى عن يساره فصلاته تامة، والذي من خلفه فأحب أن يبدل صلاته. (رجع) وقال من قال: إن صلى رجل عن يمين الإمام فجاء ثالث وصلى عن يمين ذلك الرجل أيضا، إن صلاة الذي صلى عن يمين الذي عن يمين الإمام منتقضة، فينظر في ذلك. (رجع) ومن غيره؛ قال وقد قيل صلاته تامة. (رجع) وإن صلى رجل عن يمين الإمام ثم جاء قوم فصفوا خلف ذلك، ولم يتأخر إليهم الذي عن يمين الإمام، فصلاتهم جميعا تامة، وإن كان هو جهل أن يتأخر، وإن تعمد لذلك بعد أن علم أن السنة غير ذلك فسدت صلاته.

مسـألة: وإذا كان يصلي مع الإمام واحد، وكان بينه وبين الإمام مقام رجل، فسدت صلاته، والذي نحب نحن أن لا ينقض صلاته إذا سجد حذاء منكبيه، قال غيره: قال محمد بن المسبح: لا نقض عليه.

مسـألة: وعن الرجل يقوم في الصف، فيخلو موضع من الصف الذي قدامه أيتقدم إليه أم يثبت؟ قال: يثبت في مقامه، إلا أن يكون بقي وحده في الصف الذي هو فيه، فليتقدم في الصف الذي هو قدامه، في الخلوة منه التي هي بين يديه.

قلت: فإن لم يكن وحده، وتقدم في الصف الذي قدامه؟ قال: ما أحب له ذلك، ولا أبلغ به إلى نقض صلاته.

مسـألة: ـ ومن كتاب ابن جعفر ـ ويؤمر الداخل ـ وفي نسخة ـ الرجل أن لا يجر إليه المصلي في المكان الذي ينبغي أن يجره، إلا حتى يوجه فيجره، ثم يحرم فيصف معه، وقد دخل في الصلاة أحسن مما يتأخر المتقدم، قبل أن يكون هذا الرجل داخلا في الصلاة، ومن غيره: قال أبو عبد الله: كله جائز، ومن غيره قال: ويوجد عن أبي المؤثر ترخيص في ذلك، فقال: ولو جره قبل أن يحرم أو بعدما

أحرم فصلاتهما جميعا تامة، ما لم يكن المجرور بينه وبين الإمام مقام رجل، لو مشى على هيئته.

مسـألة: (رجع) وعن أبي عبد الله ـ رحمه الله ـ قال: وقد قيل إذا سجد الرجل خلف الإمام حذاء منكبه أو رأسه فعليه النقض، والذي نحب نحن أن لا تنتقض صلاته إذا سجد حذاء منكبيه، وقال: إذا كانوا في مكان ضيق فقد قيل: يكون سجود الذي خلف الإمام حذاء ركبتي الإمام، وقال من قال: حتى يسبقهم الإمام بمنكبيه ورأسه، وعن أبي عبد الله قال: القول الأول أحب إليّ وبه آخذ، والقول الآخر أوسع عندنا، ولا بأس به، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: إذا سبقه الإمام بشيء جازت صلاته، ومن غيره؛ قال: وقد قيل لو سجد حذاء رأس الإمام تحت صلاته ولا نقض عليه.

مسـألة: وعن الرجل يصلي بالنساء جماعة فريضة، فذلك جائز يكن خلفه صفا.

مسـألة: وعن أبي الحواري؛ وعن رجلين خلف الإمام انتقض وضوء أحدهما، ما يصنع الآخر الذي إلى جنبه؟ فقد قالوا: يدنو من الإمام حتى يكون قصده.

مسـألة: وعن أبي الحواري، وعن رجلين يصليان جماعة؛ أحدهما عن يمين الآخر، إلا أن الذي عن يمين الإمام تأخر عنه حتى لم ينل منه شيئا، أو نال منه موضع السجود، فما الحد الذي إذا تأخر عنه لم تجز صلاته؟ فإن نال منه من حد السجود تمت صلاته، فإن كان متأخرا عنه من خلفه وقدامه شيء من الإمام لم ينقض عليه صلاته، إلا أن ينفسخ عن الإمام مقدار خمسة عشر ذراعا، وإن كان منفسخا عنه عن يمينه أو عن شماله مقدار مقام رجل فسدت صلاته، وقال لنا أبو المؤثر: إذا انفسخ الصف خمسة عشر ذراعا لم تجز صلاة المتأخرين، وكذلك يقول: إذا انفسخ الصف عن الإمام خمسة عشر ذراعا، لم تجز صلاتهم بصلاة

الإمام، وهذا إذا كان بين الإمام وبين الصف خلاء، مقدار ذلك وازدد من السؤال.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة ـ قال هاشم: أخبرني رجل في مسجد بشير، أنه سئل عن رجل دخل والقوم في صلاتهم، فقام خلفهم وحده، ولم يجرّ أحدا، ولم يدخل في الصف فصلى بعض صلاته، ثم جاء واحد فقام معه؟ قال بشير: صلاة الأول فاسدة، وصلاة الداخل فاسدة؛ لأنه يصلي مع رجل لا صلاة له، وقال هاشم: فأخبرت بذلك سليمان فقال: بل الذي دخل أصلح للأول صلاته. (انقضت الزيادة المضافة).

مسـألة: من جواب الشيخ أبي محمد عثمان بن أبي عبد الله ـ رحمه الله ـ في ذكر شيء في كيفية الدخول مع الإمام في الصلوات، وأما ما سألت عنه من كيفية الدخول في الصلاة مع الإمام، والقول في ذلك الناس يدخلون في الصلاة مع الإمام، فمنهم من قال: إن الداخل في الصلاة مع الإمام آخر صلاته وما يبدله إذا سلم الإمام، فليبدل هو صلاته أولها، هذا القول أكثر، وعلى قولهم نعمل، وقال الآخرون: إنه يجعل ما أدركه مع الإمام أول صلاته، وما فاته هو آخر صلاته، وهذا قول ضعيف، والحجة عليه لأصحاب القول الأول، لأن أصحاب القول الأول قالوا: لو كان كذلك، ما قالوا صل مع الإمام ما أدركت وأبدل ما فاتك، والذي فاته هو الأول من الصلاة، ولو يفته الآخر، وكيف يكون الذي أدركه مع الإمام أول صلاته، وهو إنما أدرك آخر الصلاة، والذي أقول به: إن أصحاب هذا القول الذين قالوا يبدل ما فاته فهو الأول أقوى حجة، والحجة فيما حفظت قول النبي : «إن من أدرك صلاة الإمام فله أن يلي ما أدرك ويبدل ما فاته» فلما أن قال النبي : «وليبدل ما فاته» علم في العقل أن الذي فاته هو الأول لا محالة، وإنما الآخرون يصلون ما أدركوا، ثم يبنون على ذلك إلى تمام الصلاة، فيكون الذي يبدلونه ليس مما فاتهم، إنما يبنون عليها، واتباع أمر النبي أولى، فبيان الدخول في الصلوات على قول من قل: صل ما أدركت وأبدل ما فاتك، فإنك إذا

أدركت مع الإمام صلاة، وكانت أربع ركعات، فإن سبقوك بركعة وأدركت معهم ثلاث ركعات، وأدركت الإمام قائما فوجه وأحرم واقرأ معهم، حتى تتبعه في ثلاث ركعات الباقيات، فإذا قرأت التحيات الآخرة كلها لكي يسلم، فاقرأ أنت إلى عبده ورسوله، فإذا سلم الإمام قمت أنت بتكبيرة، وقلت أرسله بالهدى ودين الحق إلى تمام التحيات وسلمت، وإن سبقوك بركعتين، دخلت كما وصفت لك، فإذا كانت الرابعة قرأت أنت إلى عبده ورسوله، فإذا سلم الإمام قمت بتكبيرة وصليت ركعة، وقمت وصليت ركعة أخرى، وجلست وقرأت إلى عبده ورسوله، ثم قمت بتكبيرة، فإذا انتصبت قائما ورجع كل عضو إلى مفصله، جلست بلا تكبيرة، وقلت: أرسله بالهدى إلى تمام التحيات وسلمت، وإن سبقوك بثلاث ركعات وأدركت معهم واحدة، فإذا سلم الإمام وأنت قاعد قرأت أنت إلى عبده ورسوله كما وصفت لك، وقمت بتكبيرة وأتيت بركعة، وقمت ثم أتيت بالثانية وجلست، وقرأت إلى عبده ورسوله، ثم قمت وأتيت بالثالثة، وقمت قائما حتى يرجع كل عضو منك إلى مفصله، ثم جلست بلا تكبيرة وأتممت التحيات كما وصفت لك، وتمت صلاتك، وإن كانت صلاة المغرب وسبقوك بركعة، فإذا سلم الإمام وقد قرأت إلى عبده ورسوله قمت بتكبيرة وصليت ركعة قرأت فيها الحمد وسورة، فإذا ركعت وسجدت قمت قائما حتى يرجع كل عضو منك إلى مفصله، وجلست بلا تكبيرة، وقلت: أرسله بالهدى إلى تمام التحيات وسلمت، فإن سبقوك بركعتين، فإذا سلم الإمام قمت فأتيت بركعة تامة، تقرأ فيها الحمد والسورة، وركعت وسجدت، ثم قمت قائما وأتيت بركعة أخرى تقرأ فيها الحمد وسورة، فإذا ركعت وسجدت قعدت للتحيات، فإذا جلست ووصلت إلى عبده ورسوله، قمت قائما بتكبيرة حتى يرجع كل عضو منك إلى مفصله، ثم جلست بلا تكبيرة، وقلت: أرسله بالهدى إلى تمام التحيات، وسلمت، وإن كانت صلاة الفجر، فهي ركعتين فقد تقدم بيان ذلك، وهذا على قول الذين قالوا: يصلي ما أدرك ويبدل ما فاته. (رجع).


البــاب الـسابـع والعشرون



فـي إتباع المأمـوم للإمـام

وما يجب عليهم إذا سبقوه أو تخلفوا عنه

وفي سبق الإمـام لهـم




ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن يكبروا، حتى يقطع الإمام التكبيرة ويسكت، فإذا سكت فليكبروا، وعن رجل فاته مع الإمام قراءة فاتحة الكتاب، ثم نسي أن يبدل ما فاته؟ قال: فإن كان في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة، فليس عليه إعادة، ومنهم من قال: إن كان في الركعتين الأولتين من الصلاة فعليه الإعادة، مثل الهاجرة والعصر الذي لا يجهر فيها بالقراءة، وإن كان في الركعتين الأخيرتين فليس عليه إعادة، وإن كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة فعليه إعادة صلاته، قال أبو المؤثر: ليس عليه إعادة في صلاة يجهر فيها بالقراءة ولا يجهر فيها بالقراءة، وإن كان خلف الإمام، إلا أن يكون فاته قراءة السورة، ولم يدرك مع الإمام آية، فعليه أن يعيد القراءة، فإن لم يعدها فعليه البدل، وكان محمد بن محبوب يقول: إذا أحرم الرجل ثم قرأ الإمام آية بعد إحرام الداخل لم يكن عليه إعادة قراءة، وأنا أقول: إذا لم يدرك قراءة آية من السورة في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فعليه أن يقضي القراءة، إذا سلم الإمام، وإن لم يقض القراءة، فليعد الصلاة.

مسـألة: ومما يوجد عن أبي إبراهيم، وعن الرجل يتشاغل في التوجيه ـ نسخة ـ يشاغل بالتوجيه حتى دخل الإمام في قراءة السورة؟ قال: يستمع

ولا يقرأ، قلت: فإن استمع آية أو آيتين؟ قال: يجزيه.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ ومن كبر تكبيرة الإحرام قبل إمامه، وهو يرى أن إمامه قد كبر أعاد التكبيرة بعد أن يكبر إمامه؛ لأنه نوى الاقتداء به، ثم سبقه، وكان واضعا للتكبير في غير موضعه، وكذلك إن سلم وهو يرى أن الإمام قد سلم أو سبق إمامه في ركوع أو سجود، أن عليه أن يرجع إلى حاله حتى يفعل إمامه ذلك الفعل، ثم يتبعه ولا ينظر إمامه حتى يلحقه.

ـ ومن الكتاب ـ ولا يجوز للمأموم أن يسبق الإمام في شيء من أفعال الصلاة، فإن سبقه متعمدا خرج بذلك من أن يكون مأموما متبعا، وفسدت صلاته، لقول النبي : «إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا»، فمن أتى بصلاة غير ما أمر به كانت صلاته باقيا عليه فرضها، فإن سبق إمامه ناسيا، رجع إلى حده الذي خرج منه بالنسيان؛ ليكون متبعا لإمامه.

ـ من كتاب أبي جابر ـ مسـألة: وقال أبو زياد عن هاشم، أنه من رفع رأسه قبل الإمام خطأ أن يرده إلى الأرض.

مسـألة: ـ ومن كتاب الأشراف ـ اختلف أهل العلم في قول المأموم إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، قال: يقول اللهم ربنا لك الحمد، كذلك قال محمد بن سيرين وأبو ثور والشافعي وإسحاق ويعقوب والنعمان ومحمد بن عطاء، يجمعهما مع الإمام أحب إليّ، وقالت طائفة: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فليقل من خلفه اللهم ربنا لك الحمد، وهذا قول عبد الله بن مسعود، وابن عمر وأبي هريرة، وبه قال الشافعي ومالك، وقال أحمد إلى هذا انتهى أمر النبي . قال: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قولهم نحو هذا في معاني الاختلاف، ومعي؛ إن أكثر قولهم أن يقول: ربنا لك الحمد، إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، وفي بعض قولهم إنه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، وفي بعض قولهم: إنه إذا كان الإمام ثقة مأمونا اجتزي بقوله ربنا لك الحمد من خلفه، وجاء الحديث بنحو

هذا عن النبي أنه قال: «إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد» وحسن أن يتبع ما قيل عن النبي .

ـ ومن غير الكتاب ـ وسألته عمن يقول قبل الإمام في الصلاة، أيمضي على قراءته أم يبتدئ القراءة؟ قال: يمضي على قراءته، ثم قال: أما الركعة الأولى فلا يقرأ الإمام، وأما الثانية فلا بأس، قال غيره: قال وقد قيل فيما حفظت إن ابتدأ القراءة قبل الإمام في الركعة الأولى إن ذلك مكروه، ولا تفسد صلاته، وكذلك عن أبي سعيد ـ رحمه الله ـ قيدت عنه.

مسـألة: قلت له: فإن كان عليه بدل قد سبقه به الإمام، فقام يبدل ناسيا قبل أن يسلم الإمام؟ قال: معي؛ إنه إذا دخل في القراءة قبل أن يسلم الإمام فعليه الإعادة، وإن سلم الإمام قبل أن يدخل في القراءة، فمعي إن صلاته تامة على صلاته.

مسـألة: ـ من كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: واختلفوا فيمن خالف الإمام في صلاته، فروينا عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة له، روى ابن عمر أنه قال: أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود، فليضع رأسه بعد رفعه إياه، وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي، فيعود في مسجديه قبل أن يرفع رأسه، هذا قول مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق، فليعد رأسه فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث بعده مقدار ما ترك، وقال أبو ثور: إذا ركع قبل الإمام فيدركه الإمام وهو راكع، أو يسجد قبله فأدركه الإمام وهو ساجد، أيجزيه وقد أساء، وحكي ذلك عن الشافعي، وقال سفيان الثوري: من ركع قبل الإمام ينبغي له أن يرفع رأسه، ثم يركع، ومن سلم مثل هذا.

قال أبو سعيد: يخرج عندي في معاني قول أصحابنا، مما يشبه معاني الاتفاق أن المؤتم إذا سبق الإمام على التعمد في شيء من الحدود كلها في قيام وركوع أو سجود إن صلاته تفسد، ولا تنفعه رجعته، ولا يصلح ذلك له

الرجعة؛ لأنه قد عمل ما أفسد صلاته، وهو حدث، وأما إن فعل ذلك على الخطأ ويظن أن الإمام قد قام أو قعد، أو على النسيان، ولم يكن على التعمد، أو لمعنى عذر ثم تبين أنه سبق الإمام، فيخرج في معاني قولهم: إنه يرجع إلى الائتمام بإمامه في الحد الذي هو فيه، وإن لم يعلم حتى خرج الإمام من ذلك الحد وساواه، وكان هو قد تم حده لم يضر ذلك، ومضى مع الإمام، وإن رجع إلى الحد فوافق الإمام قد خرج منه لم يرجع إليه، وكان على هيئته التي هو فيها حتى يصير الإمام في الحد الثاني، ثم يلحقه أن لو كان في الحد، على حسب هذا يخرج معي معنى قولهم، ولعل هذا الاختلاف من قولهم يشبه معناه على التعمد؛ لأنهم لم يذكروا فيه تعمدا ولا غيره، ومنه؛ قال أبو بكر: فالسنة التي لا خلاف فيها أن الإمام يبدأ فيكبر، ثم يكبر من ورائه، ثبت أن رسول الله قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا» واختلفوا فيمن كبر، ولعله قبل إمامه فقالت طائفة: يعيد التكبيرة، فإن لم يفعل فعليه الإعادة، هذا قول عطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس وسفيان الثوري وأصحاب الرأي، ولم يقولوا يخرج مما يدخل فيه بتسليم أو كلام، وقال الشافعي: يقول لا يجزيه تكبيرة حتى يقطعه بتسليم.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني الاتفاق، في قول أصحابنا، إنه لا يجوز تكبير من كبر قبل الإمام ولا يعتد به، كان على العمد أو على النسيان، وأن عليها الإعادة بعد إحرام الإمام، ولا أعلم أنه يخرج في معاني قولهم إن عليه التسليم ما لم يجاوز إلى حد الركوع على النسيان، فإذا جاوز إلى الركوع فمعي أنه يخرج في معاني قولهم: إن عليه ابتداء الصلاة بالتوجيه والإحرام، ويلحق الإمام حيث أدركه من الحدود، ما لم يجاوز حدا، ولا يخرج عندي فيه نص من قولهم: إلا أن عليه إعادة التكبير بلا تسليم ولا توجيه، وإن قال قائل: إن عليه التسليم والتوجيه، فليس ذلك يبعد عندي على نحو ما حكي من التسليم عن الشافعي.

ـ ومن جامع ابن جعفر ـ ومن كان خلف الإمام فإنما هو تابع له، ولا يسبقه في شيء من صلاته، إلا فيما يخفيه الإمام، ومنه؛ ومن نسي فرفع رأسه قبل الإمام

أو وضعه في السجود، أو نحو ذلك فرجع إلى الذي كان فيه حتى يتبع الإمام، أو تعمد لذلك فقيل: إن عليه النقض.

مسـألة: وعن رجل صلى خلف إمام، فلم يثبت ما صلى، إلا تكبيرة الإحرام، فهذا مشتغل القلب، ولا نعلم عليه نقضا، ومنه؛ وقيل فيمن رفع رأسه قبل الإمام متعمدا انتقضت صلاته، قال محمد بن المسبح: لا نقض عليه حتى يرفع رأسه مرتين متواليتين، أو غير متواليتين، ثم ينقض.

مسـألة: وعن رجل يصلي خلف الإمام، فيحضره أمل من آمال الدنيا حتى يقضي الإمام صلاته، وهو لا يدري هو ما صلى، ولا ما قرأ، والتبس عليه كل أمر صلاته أو شيء منها، إلا أنه يتبع الإمام وليس يعلم أنه تخلف عنه في شيء من أمر صلاته، هل تكون صلاته تامة؟ اعلم أني حفظت فيما ذكرت أن صلاته تامة، ويكره له ما فعل، ولا تفسد صلاته حتى يستيقن أنه ترك منها شيئا متعمدا، ومن غيره؛ سألت أبا سعيد عن رجل دخل في صلاة الإمام، وقد سبقه الإمام منها بركعة أو أكثر، فلما قعد الإمام للتحيات الآخرة كرب هذا المصلي بول أو غائط، هل له إذا قضى تحيات نفسه أن يقوم للبدل، قبل أن يسلم الإمام؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: ليس له ذلك؛ لأن الإمام بعد في الصلاة.

قلت له: فإن جهل أو قام للبدل قبل أن يسلم الإمام، هل ترى صلاته تامة؟ قال: معي؛ إنه إذا قام متعمدا ودخل في العمل قبل أن يسلم الإمام، فمعي؛ إن صلاته تامة على ما قيل فاسدة؛ ما دام الإمام في حد من حدود الصلاة التي لا يجوز أن يدخل غيره خلفه في صلاة أخرى

قلت له: فالجاهل مثل المتعمد في هذا، أم الجاهل أهون؟ قال: لا يبين لي للجاهل عذر في مخالفة الحق المجتمع عليه، ومعي؛ إنه من قول أصحابنا لا نعلم بينهم اختلافا أنه لا تجوز الصلاة خلف الإمام إلا بصلاته، ي موضع تجوز الصلاة بصلاته في المسجد على حال إذا كان إماما للمسجد.

قلت له: فإن قام هذا للبدل في حد ما لو أحدث الإمام تمت صلاته، فدخل

في العمل قبل أن يسلم الإمام، هل ترى صلاته تامة؟ قال: أرجو أنه على ما عندي؛ إنه قد قيل ذلك في بعض القول إذا كان قيامه وقد صار الإمام في حد لو أحدث تمت صلاته، ولا أعلم هذا إلا ترخيصا من قول أهل العلم إن صح.

قلت له: فإن ركع قبل أن يسلم الإمام تمت صلاته على هذا القول؟ قال: إذا ثبت هذا لهذا المعنى فسواء عندي ركع أم لم يركع.

مسـألة: ـ من كتاب أبي جابر ـ وقيل: من صلى خلف الإمام فلم يثبت إلا تكبيرة الإحرام، فلا نقض عليه، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: عليه النقض، ومن شك في ركعة أو أقل أو أكثر في صلاته وهو خلف الإمام، فهو تابع الإمام ولا نقض عليه، ومن غيره؛ والرجل سبق الإمام في ركوعه وسجوده، أو يركع عند الإمام ويرفع عند الإمام، ويسجد معه كله معا، قلت: أترى صلاته فاسدة أم لا؟ والذي سبق الإمام عامدا فصلاته فاسدة، والذي يسجد ويرفع معه ويركع معه فذلك فيه اختلاف، وفساد صلاته أشبه.

مسـألة: عن أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي ـ حفظه الله ـ وما تقول في رجل يصلي خلف الإمام، وعقله إلى قراءة الإمام، وتكبير الإمام ليعقله، وهو يقرأ ويكبر في حال السجود، وفي حال الركوع، وربما أنصت لقراءة الإمام وتكبيره، فأشغله عن قراءة نفسه وتكبيره، أتكون صلاته تامة، أم منتقضة؟ فلا ينبغي له أن يفعل ما وصفت، فإنما يستمع إذا قرأ وكذلك إذا سبح صمت، فإن اشتغل عن صلاته لم نأمن أن يلزمه بعض المسلمين بدل صلاته، فانظر في جميع ما عرفتك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب إن شاء الله.

مسـألة: ومن تشاغل خلف الإمام بوسواس أو غيره حتى يسبقه الإمام، فما لم يكن بينه وبين الإمام حد من الصلاة فلا نقض عليه، وإن كان بينهما حد ليس فيه أحدهما فعليه النقض، وأما إن نعس في الصلاة ولم ينتبه حتى يسلم الإمام، فإنه يبني على صلاته.

مسـألة: وحفظت فيمن تشاغل في التحيات الأولى، حتى قام الإمام وقرأ وركع، ثم قام فأدرك الركوع مع الإمام أنه لا نقض عليه في هذا الموضع، وليس القراءة حدا عليه في هذا المكان، وفي نسخة الموضع.

قال غيره: وقد قيل عليه الإعادة، وذلك موضع حد في قول بعض الفقهاء، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يقوم هو فسدت صلاته.

مسـألة: وسألته عمن سها وهو خلف الإمام عن قراءة الإمام، حتى لم يعرف ما قرأ الإمام من السورة، ولا فهم منها شيئا؟ قال: عليه البدل، قلت: فإن سمع مقدار آية، يجزيه؟ قال: نعم.

مسـألة: فيمن سبقه الإمام، وسألته عن المصلي إذا أحرم مع الإمام حين أحرم، ودخل معه في الصلاة، فلما صلى معه ركعة أو ركعتين سبقه الإمام بحد، خلا الإمام منه، ثم لحقه بعد ذلك في الصلاة، وقضى صلاته عنده، هل تراها تامة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل يتم، وقيل: لا يتم.

قلت له: فإن كان لم يدركه في الصلاة، وكان الحد خاليا ليس أحدهما فيه، وكان كلما خرج هذا من حد دخل الإمام في حد آخر، فلم يتداركا حتى أدركه في التحيات الآخرة، قبل أن يسلم، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه إذا أدرك معه حدا من آخر الصلاة، لحقه هذا القول، وما لم يدرك حدا، فلا يلحقه عندي.

قلت له: فالقعود في التحيات هو عندك حد إلى أن يسلم الإمام، ولو أطال الدعاء، أم إذا قضى التحيات إلى عبده ورسوله، فقد انقضى الحد؟ قال: معي؛ إن الحد القعود الأول الذي فيه قراءة التحيات، إلى عبده ورسوله؛ لأنه لو أحدث الإمام بعد ذلك حدثا تمت صلاته، فلا يحسن عندي أن يكون إماما قد تمت صلاته إماما لغيره فيما قد تمت صلاته فيه.

قلت له: فإن أدركه المصلي الذي بينهما حد خلا في القعود للتحيات فأدركه، وقد صار الإمام بحد لو أحدث لتمت صلاته، هل يكون هذا مدركا للإمام وتتم

صلاته إذا كان قد أحرم معه على القول الآخر؟ قال: لا يبين لي ذلك.

قلت له: أرأيت إن سبقه الإمام بحدين خليين أو أكثر، بعد أن أحرم عنده في الصلاة، فلم يزالا كلما خرج الإمام من حد دخل هذا في آخر، حتى أدركه في الحد الآخر من الصلاة، في حد ما لو أحدث الإمام انتقضت صلاته، هل تراه مدركا ويتم صلاته على القول الآخر من القولين؟ قال: إذا أدرك معه حدا تاما كان عندي مدركا للصلاة، وإن فاته الحد أو شيء منه، فلا أقول أنه مدرك للصلاة على هذا القول الذي قيل، إلا على ما يختلف من إدراك الحد، ومعي؛ إنه إذا أدرك حدا في قول أحد من العلماء بالحق، أنه يلحقه عندي إدراك على قول من يقول بذلك.

مسـألة: ـ ومن غير الكتاب من الزيادة المضافة إليه، مما وجدته بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان صاحب الكتاب ـ ورجل دخل مع الإمام في صلاة العيد أو غيرها في أول الصلاة، ثم سبقه الإمام حتى صار بينهما حد، لا أحدهما فيه أو أكثر، ثم صلى الإمام فصلى هو فأدرك الإمام، وقد قعد للتحيات وأخذ في القراءة، أو قد قرأ إلى محمد عبده ورسوله، وقام هو يقرأ التحيات وسلم معه، أو قعد يقرأ التحيات وقام يتشهد، وقرأ هذا التحيات معه وسلم معه، قلت: هل تتم صلاته بصلاة الإمام؟ فمعي إنه قد قيل إذا سبقه الإمام بحد كان الإمام فيه، وهو في حد، وبينهما حد خلا فسدت صلاته، وقيل: لا تفسد إذا أدرك الإمام في الصلاة في حد منهما على حال، ومعي؛ على تأويل هذا القول إذا أدرك الإمام قبل أن يفرغ من تحيات نفسه إلى محمد عبده ورسوله، إن أدرك هو الحد، ولعل بعضا يقول: إذا أدرك مع الإمام القعود إلى أن يقرأ هو إلى محمد عبده ورسوله، قبل أن يسلم فقد أدرك الحد مع الإمام، والأول أحب إليّ، وإن لم يزل الإمام سابقا له بحد، إلى أن فرغ الإمام من صلاته وخرج فلا يبين لي أنه يدرك صلاة الإمام على معنى ما قالوا في صلاة، أو غيرها من الصلاة المكتوبة، معي؛ في هذا سواء.

قلت: لو لم يدخل مع الإمام في أول الصلاة، أو دخل معه في أوسطها، وكان كذلك، أو أدرك الإمام في السجود هل تتم؟ فإذا دخل في حد من حدود الصلاة حيثما كان من الحدود، ثم سبقه الإمام بعد أن دخل معه في ذلك الحد بحد، وكان فيه، وهذا في حد و بينهما حد، فهذا موضع السبق المفسد، وأما ما سبقه به الإمام من أول الصلاة قبل أن يدخل معه فيه، فلا يفسد ذلك عليه إذا أدركه في حد ولو القعود، وقد أدرك صلاته، إذا أدرك معه حدا، والحد فيما قيل: القعود حد من الحدود، فقيل: إذا أدرك تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام، فقد أدرك معه الصلاة، وقيل: حتى يدرك قعود الإمام من أوله، وقيل: إذا قرأ التحيات قبل أن يقرأ الإمام إلى محمد عبده ورسوله فقد أدرك، ومعي؛ إنه يخرج أنه إذا دخل في القعود مع الإمام، قبل أن يقرأ إلى محمد عبد ه ورسوله فقد دخل معه في الحد، وأدركه في الحد، وقلت: ولو جاء والإمام قد دخل في الصلاة ولم يدخل معه فيما هو فيه وابتدأ صلاته، فكان هو في حد والإمام في الثاني، حتى فرغ وأدرك الإمام في السجود، أو في التحيات، هل تتم صلاته بصلاة الإمام؟ قال: فمعي؛ إنه إذا صلى بصلاة نفسه حدا من حدود الصلاة تاما لا يأتم فيه بالإمام فسدت صلاته، في قول أصحابنا، ولا يبين لي غير ذلك على مذهب قولهم: إن الإمام تفسد صلاة من صلى خلفه بصلاة نفسه؛ لأن هذا قد صلى حدا بصلاة نفسه فافهم هذا، ولو كبر تكبيرة الإحرام، وينوي بها أنه يصلي بصلاة نفسه حتى أحرم على ذلك ثم مضى مع الإمام في صلاته، فسدت عندي صلاته، ولا أعلم في ذلك اختلافا.

وقلت: لو كان بينه وبين الإمام حدا أو أكثر، فصلى وأدركه في السجود والتحيات، هل تتم صلاته بصلاته، على قول من قال: لو سبقه الإمام بحد، أو أكثر وأدركه تمت صلاته أم لا؟ وإنما ذلك للداخل مع الإمام فقد مضى معي القول في هذا تفسيره في الداخل المسبوق بعد الدخول، وقلت إن كان إنما ذلك للداخل مع الإمام، فما الفرق في ذلك وما العلة، فإنما ذلك عندي للمسبوق،

وبعد الدخول مع الإمام، وليس ذلك للداخل في غير صلاة الإمام، خلف الإمام، وهذا فرق ما بين ذلك، وقد مضى عندي القول في ذلك، وقلت وكذلك قول من قال: إذا صار بينه وبين الإمام حد خلا فسدت صلاته، فكيف وسع له أن يكون هو في حد والإمام في حد، ولم يضق عليه دون أن يكون مع الإمام، ولم يوسع له، ولو كان أكثر من حد ما أدركه الإمام، لعله ما أدرك هو الإمام في الصلاة، ما العلة في ذلك لمن قال به؟ فالعلة معي في هذا إذا دخل في غير صلاة الإمام كان إماما لنفسه، وأفسد الإمام عليه صلاته، والداخل مع الإمام، ثم سبقه بحد، فإنما هو به تابع له في صلاته، يطلب أن يدركه، فهو إمامه على حال، وهذا إمام نفسه، إذا لم يدخل معه في الحد الذي هو فيه، وعمل حدا بصلاة نفسه، قد خرج منه الإمام، ولم يدخل فيه، وما كان قد سبقه به وخرج منه، فعلمه هذا فهو كالذي فعله خلف الإمام، قبل دخول الإمام إذا كان قد دخل معه، وليس في ذلك فرق معي، فافهم هذا الفصل، قلت: وكذلك قول من قال ما أدرك الإمام في الصلاة، ولو كان بينه وبين الإمام حد أو أكثر إن صلاته تامة، ما العلة في ذلك؟ فالعلة له عندي ذلك، ما وصفت لك أنه قد دخل معه في الصلاة، ثم لم يخرج من الائتمام به، فهو في حال طلب الائتمام به، والبناء على صلاته، وإذا جاز أن يسبقه بأكثر؛ لأنه لا يجوز أن يأتم بنفسه في حد يدخل فيه قبل الإمام، وهو يأتم بالإمام ولا وحده خلف الإمام، إلا وقد جاز في قوله، أن يعمل خلف الإمام حدا ليس الإمام فيه، وقد جاز في الإطلاق أن يعمل حدا خلف الإمام، والحد لا يسع تركه ولا جهله، فافهم ذلك.

مسـألة: ومنه؛ أيضا بخطه، ورجل أحرم مع الإمام في صلاة الجهر، ثم أخذ في القراءة قبل الإمام ناسيا، ثم ذكر فأمسك، ثم أخذ الإمام في القراءة، قلت: أيبني على ما قرأ قبله أو يستأنف؟ فمعي إنه يبني لأنه قد حصل له تلك القراءة، وقلت: لو تعمد لذلك وظن أن ذلك واسع له، هل تتم صلاته؟ فمعي إنه قد قيل: تتم صلاته؛ لأن الإمام معه في حد، ولم يسبق الإمام بحد؛ لأن القراءة إنما هو قول في الحد، لعله ليست بحد، وكما أن التسبيح قول في الركوع

والسجود ليس بحد، وكانت التحيات قول في القعود ليست بحد في إسمية الحدود، كذلك القراءة في الجهر لا فرق فيهما معي؛ إلا بين الجهر والسر؛ لأنها ليست بحد من الحدود المسماة بحدود الصلاة التي بنيت الصلاة عليها أنها حدود الصلاة.

ومن رفعة أخرى، وجدت ذلك أيضا بخط الشيخ محمد بن إبراهيم، وقلت: إن كان له ذلك على التعمد أو النسيان، فأخذ في قراءة الحمد قبل الإمام، ثم شك في الاستعاذة أو تكبيرة الإحرام، أله وعليه أن يمضي حتى يعلم أنه تركها، كان قد قرأ من فاتحة الكتاب قليلا أو كثيرا، أم عليه أن يرجع إلى ما شك فيه؟ فمعي؛ أن ذلك عليه، على قول من يقول بذلك، إذا خرج من الحد، أنه لا يرجع إليه، وقلت: لو أخذ الإمام في القراءة فأخذ معه فسبقه، أو لم يسبقه فقرأ منها قليلا أو كثيرا، ثم شك في تكبيرة الإحرام، أو الاستعاذة، أيرجع أم يمضي؟ فمعي؛ إنه يمضي على قول من يقول بذلك.


البــاب الـثامن والعشرون



فـي تنبيـه الإمـام إذا نسـي




رجل يصلي بقوم، فسها في الصلاة، فكبر له من يصلي معه، أترى على من كبر للإمام لما سها نقضا في صلاته أم لا؟ أحب إلينا أن لا نقض عليه.

مسـألة: وعن رجل يصلي خلف الإمام، فسها الإمام، فأراد أن يقول له سبحان الله، فقال: بسم الله، هل ينقض ذلك صلاته؟ فعلى ما وصفت، فلا ينقض ذلك صلاته على قول بعض المسلمين، ولعل بعضا يذهب إلى نقض صلاته، والله الموفق للصواب.

مسـألة: وقلت: إذا قال الذي خلف الإمام سبحانك الله، مكان سبحان الله، هل عليه نقض؟ ليس عليه إن شاء الله، وقول سبحان الله أوجز.

مسـألة: وإذا أخطأ الإمام، سبح له الذين خلفه، ولو سبح له أكثر من واحد لم يكن بأس، فإن لم يسمع يُسمَّع، أو كان به صمم، قطع واحد منهم صلاته، ودنا منه وأعلمه فلا بأس، ويرجع يبتدئ الصلاة.

مسـألة: وعن رجل يصلي خلف الإمام، إذا سها الإمام في بعض صلاته، فتنحنح له الذي خلفه، ولم يسبح، وجعل التنحنح بدلا عن التسبيح، قلت: أتفسد صلاة الذي خلفه إذا تنحنح تنحنحا يدل على شيء؟ فقد قيل تفسد صلاته، وقيل: لا تفسد صلاته، وأنا أحب إذا كان يريد بذلك دلالة في أمر صلاة الجميع، لم تفسد صلاته.

مسـألة: وعن أبي سعيد أيضا، في الإمام إذا غلط في الصلاة فاتبعه من خلفه على غلطه، وهو يعلم خطأ الإمام مثل أنه قعد للتحيات الآخرة بعد الركعة الثانية احتياطا منه، أو ما يشبهها، والمؤتم قد علم خطأه، فلم يسبح له، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه قد قيل فيه باختلاف، فقال من قال: تتم صلاة المؤتم إذا اتبع الإمام على احتياطه، ولو علم خطأه، وقال من قال: لا تتم، وعليه أن يسبح له، فإن لم يفعل فسدت صلاته.

مسـألة: ـ ومن كتاب ابن جعفر ـ وإذا قام الإمام يصلي بعد أن قضى التحيات الآخرة، وسبح له من خلفه فلم يقعد، فإنهم يسلمون، فقد جازت صلاتهم، ويقولون له قد قضيت الصلاة.

مسـألة: ومن غيره؛ وعن رجل يصلي خلف الإمام، فسها الإمام، فقال المأموم للإمام: سبحانك ما عليك في ذلك، فالذي نحبه لهذا إعادة صلاته، إذا لم يقل سبحان الله، وإنما قال سبحانك الله، والله أعلم.

مسـألة: وسألت أبا سعيد ـ رحمه الله ـ عن الرجل يصلي خلف الإمام، فيقوم الإمام من السجود الآخر في موضع قراءة التحيات، فيقوم على سبيل الغلط، هل لمن خلفه أن يقعد، ويتورك ثم يسبح له؟ قال: معي؛ إنه يؤمر أن يكون من خلفه بين الحدين، بين السجود والقعود ويسبح له، قلت له: فإن قعد وترك، ثم سبح له هل تنتقض صلاته أم لا؟ قال: أظن أن ذلك يجوز له، ونسي حتى قعد فأرجو أن صلاته تامة، إن شاء الله. قلت له: فالذي خلف الإمام على السهو بين القعود والقيام يظن أن ذلك يجوز له، هل تنتقض صلاته؟ قال: يعجبني أنه إذا كان في ذلك الحال، لانتظار الإمام، ولا يتعدى إلى حال القيام على التعمد، لا تنتقض صلاته على معنى قوله.

مسـألة: وعمن يصلي مع الإمام، فسها الإمام، وكان عليه القيام فقعد، أو كان عليه القعود فقام، فسبح للإمام فلم يقعد ولم يقم، ومضى على سهوه، قلت: كيف يصنع هذا الرجل؟ فإذا لم يرجع الإمام إلى الصواب، ومضى على

الخطأ، فقد بطلت إمامته، عن هذا الرجل، ويصلي هذا صلاة تفسد، ويتم صلاته.

مسـألة: وسألته عن الإمام، إذا كان أصم فسها في صلاته، فسبح له بعض من خلفه فلم يسمع، فرماه بحصاة، فانتبه ورجع. قلت: أتتم صلاة الذي رماه، أم تنتقض؟ فقد قيل في ذلك باختلاف فيما عرفنا، فقال من قال: تفسد صلاته، وقال من قال: إن ذلك من صلاح صلاة الجميع، وأنا يعجبني فساد صلاة الرامي، لأن ذلك عمل ليس من مصالح صلاته، وقد كان يمكنه أن يبني على صلاته، ولو مضى الإمام على فساد صلاته، أو على غلطه.

مسـألة: وعن رجل يتنحنح وراء الإمام إذا سها في صلاته، فقال: قد كنت أرى أنه يعيد إذا لم يسبح، ثم استضعفت نفسي عن ذلك، وقال سألنا موسى فقال: إذا سها الإمام، فليتكلم الذي خلفه بما هو فيه من تكبير؛ أو تسبيح أو تحيات، حتى ينتبه الإمام.

مسـألة: ـ ومن كتاب ابن جعفر ـ في مسائل عن علي بن عزرة، في إمام نسي سجدة أو قراءة، ثم سلم وانصرف، قال: أتم الذي خلفه ما كان نسي هو من ذلك، تمت صلاتهم، وإن لم يفعلوا انتقضت صلاتهم، والذي أحب أنا إن كان الإمام نسي السجدة الأخيرة من الصلوات والتحيات وانصرف، وأتموا هم صلاتهم، وتمت لهم، وإن كان ترك ذلك في وسط الصلاة قبل هذا الحد الآخر، فأستحسن إذا سبحوا له فيما ترك من الصلاة، ومضى على الخطأ فلم ينتبه، أن يتموا هم ما ترك هو من ذلك، وتمت صلاتهم، وقد خرج هو من إمامتهم؛ لأنهم قد علموا أن صلاته قد فسدت، فإن أتموا ما ترك هو ولحقوه قبل أن يسبقهم، وصلوا معه، فلا آمن عليهم الفساد؛ لأنهم قد علموا أن صلاته منتقضة، وإن اتبعوه على الخطأ أو لم يتموا ما نسي هو من الصلاة، فذلك أشد، وأرجو أن تفسد صلاة الجميع.

مسـألة: ويوجد عن زياد بن مثوبة قال: صلينا خلف يمان بن الجميل صلاة

الجمعة بصحار، فلما أن بقي من الركعتين سجدة قعد فلم يسجدها، فأبطأ عليهم، فكبر رجل وسجد، وبلغني أنه أبو مودود وسجد الناس معه ورفعوا رؤوسهم، ثم كبر الإمام يمان وسجد، ولم أعلم أن الذي كبر غير الإمام، فلما أن سجد لم أسجد ورأيت أن صلاتي قد تمت، فلما انصرفنا سألت سعيد بن المبشر، وكان فيمن حضر الصلاة، قال: أنا ممّن سجد ثلاثا، قلت: كيف يصنع؟ قال: لا أدري، فكتبت إلى سليمان بن عثمان وأجابني أن الذي سجدوا ثلاثا أصابوا، وعلى الباقين الإعادة، فكرهت أن أنقض حتى لقيته، فأخبرته أني لم أعلم أن الذي كبر وسجدت سجوده غير الإمام، فلم ير عليّ إعادة الصلاة. قال غيره عمن لم يأتم بالإمام في تلك السجدة الإعادة؛ لأنه لا يجوز ترك سجدة على الخطأ ولا يجوز أن يصلي وحده بغير صلاة الإمام.

البــاب الـتاسع والعشرون



فـي المأموم إذا خالف الإمام في الصـلاة




ـ ومن كتاب محمد بن جعفر ـ ومن دخل في صلاة قوم، وهو يريد الظهر والإمام يصلي العصر، فصلاته تلك منتقضة، ويصلي الظهر ثم العصر، والصلاة للإمام، قال غيره: معي؛ إنه يخرج في بعض القول: إن صلاتهم كلهم تامة، ولكل ما نوى. (رجع) وكذلك بلغنا في إمام نعس عن الظهر، حتى حضرت صلاة العصر، وأقام المقيم للعصر وصلى الإمام بهم، على أنه يصلي الظهر، ولم يعلم أن العصر قد حضرت بصلاة الإمام، قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل صلاته كلهم تامة.

مسـألة: ومنه؛ وقيل: إذا دخل رجل في صلاة الإمام، وهو يرى أنه يصلي صلاة سفر فأتم، أو عنده، أنه يصلي تماما فقصر فإنه ينقض، وإن لم يعزم على صلاة بعينها، ودخل في صلاة الإمام فلا نقض عليه، قال غيره: ليس لمؤتم مع الإمام نية، والنية لا نية الإمام، وإنما يعتقد المؤتم أن يصلي بصلاة الإمام.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ ـ قلت: فمن صلى مع الإمام الفريضة، والإمام يصلي الوتر، ما تكون صلاة هذا المصلي؟ قال: صلاته منتقضة، قلت: فعليه كفارة؟ قال: لا كفارة عليه. (انقضت الزيادة المضافة).


البــاب الـثلاثون



فـي الإمام إذا تعاي في القراءة متى يفتح عليه




وقال من قال: إذا تعايا الإمام فلا يفتح له حتى يسكت، وقال من قال: يفتح عليه إذا تعايا.

مسـألة: ـ ومن كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: واختلفوا في تلقين الإمام، فمن فتح عليه عثمان بن عفان وابن عمر، روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه واستطعموا منه، هذا قول عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وابن سيرين وابن مقبل ونافع بن جبير بن مطعم وابن اتما الصبي ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكره ابن مسعود والشعبي وشريح الكندي وسفيان الثوري ذلك، وقال النعمان في رجل يستفتحه الإمام وهو خلفه ينفتح عليه، قال: هذا الكلام في الصلاة إن فتح على الإمام لم يكن كلاما، وقال محمد بن الحسن: لا ينبغي أن يفتح على الإمام، قال أبو بكر: يفتح على الإمام.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنى الإجازة بالفتح على الإمام إذا ارتج عليه وأعياه، طلب ذلك بنفسه، وسكت على معنى الإعياء، ويخرج ذلك على معنى التعاون في الصلاة، فإذا كان ذلك من فاتحة الكتاب، أو فيما لا تجوز الصلاة إلا به من القرآن، خرج عندي معنى الاتفاق، إنه من التعاون على أمر الصلاة؛ لأنهم شركاء الإمام والمأموم، وإن كان ذلك مما يجزي به دونه وتقوم به

الصلاة، مما قرأه الإمام مما تجوز به الصلاة، فيخرج فيه عندي معنى الاختلاف على نحو ما حكي أو ما يشبهه، ويعجبني موضع إجازة ذلك ما دام الإمام لم يركع، واكتفى بذلك الذي قد قرأه، وكان سكوته على معنى ما يخرج أنه إعياء، وأما ما دام الإمام يطلبه بالكلام، ومعنى القراءة؛ إلا أنه لم يصب ما أعياه فمعي؛ إنه يخرج فيه معنى الاختلاف، ويعجبني أن لا يفتح له حتى يسكت على سبيل الإعياء، لئلا يكون مشاركا للإمام في القراءة، وهو يقرأ.

مسـألة: ـ ومن كتاب أبي جابر ـ والإمام يجوز لمن خلفه أن يفتحوا عليه إذا تعايا في القراءة وسكت، ولا يفتحوا عليه قبل ذلك.

مسـألة: ومن غيره؛ وقلت: والإمام يتعايى في القراءة، وأنا خلفه أفتح عليه من غير أن يضطر، قال: لا بأس أن يفتح عليه من دون ما يتعايى في القراءة، وإن لم يضطر، ومن غيره؛ قال أبو المؤثر: ذكر لنا عن نافع مولى بن عمر أنه قال: صلى بنا عبد الله بن عمر صلاة المغرب، فلما فرغ من فاتحة الكتاب قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فتردد بها وخزن عليه القرآن فقلت أنا: ]إِذَا زُلزِلَتِ الأرضُ زِلْزَالَهَا[ فقرأ واستمر في القراءة ولم يعب ذلك عليَّ.

مسـألة: ومن غيره؛ سألت أبا سعيد عن الإمام إذا تعايى في الصلاة، أي وقت يجوز أن يفتح عليه من خلفه؟ قال: معي، إنه إذا سكت فظهر من أمره أنه إعياء منه، فحينئذ يجوز أن يفتح عليه، وأما ما دام يطلب ويتردد فمعي؛ إنه لا يجوز أن يفتح عليه حتى يسكت فيما عندي أنه قيل، قلت: أرأيت إن فتح عليه من خلفه، وهو في طلبه وتردد، هل عليه بأس في صلاته؟ قال: معي؛ إنه يختلف فيه، فلعل بعضا يفسد صلاته، وبعضا لا يفسدها، قلت: كان الذي فتح عليه جاهلا أو متعمدا بعد أن علم قول المسلمين، أم الاختلاف في الجاهل خاصة؟ قال: يقع أنه في الجاهل دون المتعمد، لمخالفة المأمور به، قلت له: فإن سكت بعد أن أتم فاتحة الكتاب سكوتا فوق ما يؤمر به، هل يجوز لمن خلفه أن يفتح عليه أول السورة؟ قال: معي؛ إنه إذا تظاهر منه ذلك، ووقع لمن فتح عليه أن

ذلك منه إعياء في الابتداء في القراءة، فهو عندي أشدّ؛ لأنه لابد له من قراءة فيما فيه القراءة من آية، فما فوقها والأول إذا كان قد قرأ آية فما فوقها، فقد أجزأه فهذا عندي، الفتح فيه أكبر، قلت له: فإن فتح عليه أحد قبل أن يتظاهر من آخره الإعياء، هل تفسد صلاته؟ قال: معي؛ إنه مثل الأول، أو أهون عندي، لما قد ثبت أنه لابد لهم من القراءة، ولأنهم شركاء في الصلاة وأعوان عليها عندي، وقد روي أن نافعا مولى ابن عمر فيما أحسب روى أو روي عنه أن ابن عمر قرأ فاتحة الكتاب، أحسب في صلاة المغرب، ثم سكت، فلا أدري كيف كان المعنى، إلا أن نافعا فيما قيل له أو من شاء الله غيره فتح عليه، فقال: ]إِذَا زُلزِلَتِ الأرضُ زِلْزَالَهَا[ أو نحو هذه الآية ابتداء بسورة ]إِذَا زُلزِلَتِ[ فالمعنى عندي؛ أنه صوبه ولم يخطئه.


البــاب الحـادي والـثلاثون



فـي صـلاة الجمـاعة فـي السـفر




ـ من كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر وسلم الإمام من اثنتين، أن عليه تمام الصلاة، واختلفوا فيه إن أتم الإمام المسافر الصلاة، وخلفه المقيم، قال سفيان الثوري: لا يجزيهم وقد مضى هو وصلاته، وقال أصحاب الرأي: إذا صلى مسافر بمقيمين ومسافرين أربعا، فإن صلاة المسافر جائزة، وصلاة المقيم فاسدة، وكان الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون: صلاتهم كلهم تامة.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج بمعنى الاتفاق أن إمامة المسافر بالمقيمين صلاة نفسه وحدها، وهما الركعتان صلاة القصر جائزة، وإن صلى المقيم بصلاة المسافر صلاة نفسه وحدها، وهما الركعتان، وصلاة العصر إن ذلك لا يجزي المقيم وأن صلاة المسافر جائزة، وأن صلاة المقيم بالمسافر تماما صلاة المقيم جائزة، ولا أعلم في هذه الفصول اختلافا في قول أصحابنا، وأما إتمام المسافر بالمقيم صلاة المقيم، فمعي إنه يخرج في أكثر القول من قول أصحابنا: إن صلاة المقيم فاسدة، وصلاة المسافر يختلف فيها؛ لأنه إذا أتم صلاته بصلاة المسافر لم تضره الزيادة، وبعض يرى عليه البدل، ولا يبين لي تمام صلاة المقيم بصلاة المسافر أربعا؛ لأنه لابد إما أن يكون نفلا من فعله، وإما أن يكون باطلا، فالحق لا يقوم بالباطل.

مسـألة: ـ ومن غير كتاب الأشراف ـ وفي المسافر يصلي بصلاة المقيم، فقال: إن كان اعتقد التمام، رأيت عليه البدل، ولكنه يصلي بصلاة الإمام، هكذا جاء الأثر من قول المسلمين.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ ـ عن علي بن محمد قلت: فالذي يجمع الصلاة إذا صلى صلاة الأولى وحده، وأراد أن يصلي العصر مع الإمام، فقعد في التحيات ينتظر، قال: إذا وصل إلى عبده ورسوله، جاز له التسليم فمتى سلم جاز، إلا أنه إذا انتظر كان أفضل له. (انقضت الزيادة المضافة).

البــاب الثـاني والـثلاثون



فـي صلاة المسافر بالمقيمين وفي صلاة الجماعة في السفر




وفي مسافر صلى الأولى، ثم رأى قوما مسافرين يجمعون الأولى والعصر، هل يصلي معهم العصر؟ قال: لا، قال غيره: أحسب أبا سعيد قال: إذا كان ذلك في وقت صلاة العصر جاز ذلك، وإن كان في وقت الأولى لم يجز ذلك.

مسـألة: وعن رجل مسافر صلى بقوم ركعة، ثم أحدث فأخذ بيد رجل مقيم، فصلى بهم ركعة إلى ركعة، فسألت كيف يصنع، أيسلم عند الركعتين، أم حتى يتم بهم أربع ركعات؟ فأقول: إنه يقدم رجلا يسلم بهم، ويتأخر هو ويتم، ومن كان يتم فرادى قال غيره: الذي معنا أن هذا الرجل المسافر صلى بمسافرين ومقيمين على المعنى فيما عندنا، وقد مضى الجواب.

مسـألة: وعن رجل أتى إلى قوم، وهم في الصلاة جماعة يتمون وهو يقصر، وأدرك معهم ركعة واحدة، فلما قضوا الصلاة زاد إليها ركعة أخرى، ثم سلم فذلك أمر لا يجوز، كل من دخل في صلاة قوم يتمون فليتم.

مسـألة: وإذا صلى مسافر الأولى ثم رأى قوما مسافرين يجمعون الأولى والعصر، فلا يصلي معهم العصر.

مسـألة: وسألته عن رجل مسافر صلى بصلاة الإمام، فلما قضى صلاته نظر، فإذا هو قد صلى في ثوب فاسد، قال: إن علم في الوقت أبدل الصلاة قصر،

وإن علم بعدما فات أبدل الصلاة تماما هكذا أحفظ.

مسـألة: ـ ومن كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: واختلفوا في المسافر يأتم بالمقيم، فقالت طائفة: يصلي بصلاتهم، روي هذا القول عن عمر وابن عباس، وبه قال جماعة التابعين؛ وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: إذا أدرك المسافر بعض صلاة المقيمين صلى بصلاتهم، وإن أدركهم جلوسا صلى ركعتين، هذا قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة، وقال مالك: إذا أدرك المسافر التشهد من صلاة المقيم صلاة ركعتين يجزيانه هكذا، قال طاووس والشعبي وتميم بن حزام، وقال إسحاق: والمسافر يدخل في صلاة المقيم وينوي في صلاة نفسه ركعتين، ويجلس ويسلم المقيم جالسا في آخر صلاته، فعليه صلاة المسافر.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا، إن المسافر إذا صلى بصلاة المقيم أتم الصلاة لتمام صلاة المقيم، وكان تبعا له بالتمام، ويخرج في معاني قولهم: إنه إذا دخل في صلاة فأدرك معه حدا تما فما فوقه من حدود الصلاة، إنه قد أدرك صلاة، ولزمه التمام وآخر حد من حدود الصلاة معهم، بمعنى ما يتفق عليه هو القعود الآخر من صلاة المقيم، فإذا أدرك المسافر مع المقيم من صلاته القعود الآخر من أوله، وقعد مع الإمام في أول قعوده فقد أدرك صلاته ولزمه التمام في معنى الاتفاق عندي من قولهم.

مسـألة: قال أبو بكر: واختلفوا في المسافر يدخل في صلاة المقيم، ثم تفسد على الإمام المسافر صلاته ففي قول الشافعي أنه يتم، قال الثوري: يصلي ركعتين، وقال أصحاب الرأي: إن فسدت على الإمام صلاته عاد المسافر إلى حاله، وقال أبو المؤثر: فيها قولان، أحدهما أن عليه التمام، والآخر كما قال الثوري.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معان من قول أصحابنا أنه إذا فسدت صلاة المسافر، وقد صلى بصلاة المقيم، وكان فسادها أنه صلى على غير وضوء أو جنبا أو بنجاسة، أو بمعنى يكون فيه تبعا للإمام، فذكر ذلك، وعلم في وقت

الصلاة أنه يبدل قصرا، ولا أعلم في ذلك اختلافا؛ لأنه يرجع إلى صلاة نفسه في وقتها، والله أعلم بذلك، بعد أن فات الوقت، فمنهم من يقول يصليها بدلا بصلاة الإمام؛ لأنه كان تبعا له في التمام، وقال من قال: يصليها قصرا؛ لأنها هي صلاته، ولم تتم مع الإمام، وأما إذا فسدت صلاة الإمام بلا فساد تفسد به صلاة من صلى خلفه، فلا يبين لي في المسافر؛ إلا أنه يصلي بصلاة نفسه في الوقت؛ لأنه صلاة الإمام فاسدة لا ينعقد عليه منها شيء.

مسـألة: وعن رجل مسافر يقصر الصلاة صلى خلف مقيم، ثم انتقضت صلاته، وعلم في الوقت أو بعد الوقت ما يبدلها قصرا أم بالتمام؟ أما في الوقت فإذا علم بذلك أبدلها قصرا، فيما معي أنه قيل، وأما بعد الوقت فمعي؛ إنه يختلف فيه فقال من قال: يبدلها بالقصر صلاة نفسه، وقال من قال: يبدلها صلاة الإمام تماما إذا انقضى الوقت، وقال أبو علي الحسن بن أحمد ـ رحمه الله ـ إن كان الفساد من قبل الإمام أبدلها قصرا في الوقت، وبعد الوقت؛ لأن صلاة الإمام لم تنعقد عليه، وإن كان الفساد من قبل نفسه أبدلها في الوقت قصرا، وبعد الوقت تماما، وهذا المعنى من قوله والله أعلم، وكذلك إن صلى الجمعة، ثم علم في الوقت أو بعد الوقت أنها كانت صلاته منتقضة ما يبدلها، وهو مسافر أو مقيم؟ قال: أما في الوقت فيصلي صلاة نفسه أربع ركعات، وأما في غير الوقت فيختلف فيه، فبعض يقول: يبدلها صلاة نفسه، وبعض يقول: يبدلها صلاة الإمام. الجمعة.


البــاب الثالث والـثلاثون



فـيما اختلف الناس فيه من صلاة خلف الجبابرة

وأهل الظلم من الناس ومن ليس لـه ولاية من الناس



ـ ومن كتاب أبي جابر ـ وقال من قال: يصلي خلف أهل البر والتقوى، وذلك مما لا اختلاف فيه، وقال من قال: يصلي خلف البار والفاجر من أهل القبلة، وقال من قال: إنما يصلي خلف الجبابرة إذا ملكوا الأرض، وقال بعض المسلمين: قد اجتمعتم على أن تصلوا خلف أهل البر والتقوى، واختلفتم في الصلاة خلف الفاجر، وكذب بعضكم بعضا لعله فما اجتمعتم عليه فهو الحق فخذوه، وما اختلفتم فيه ففي أخذ ذلك الضلال والباطل فدعوه.

مسـألة: قال أبو المؤثر: قد أجاز المسلمون الصلاة خلف من لا يتولونه إذا صلوا في أوقاتها وأتموها، ولم يعلموا منهم نقصانا في ظهورها، والمسلمون لا يكذب بعضهم بعضا، ومن يُرى من المسلمين على ذلك أو نسبهم على الضلال والكذب فليس بمسلم، والرواية عن رسول الله أنه قال: «ليؤمكم خياركم فإنهم قربانكم فيما بينكم وبين ربكم فلا تقدموا بين أيديكم إلا خياركم»، وقال النبي : «ليليني الصف الأول أولو النهى والذين يلونهم ثم الذين يلونهم منكم»، فكان لا يدع الفاجر أن يكون في الصف الأول ولا الثاني ولا الثالث، فكيف يطمع أن يكون إماما، وقد روي هذا عن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ وعن النبي . ومنه؛ إن عليا لما وجه وفده إلى معاوية قال لهم: صلوا في رحالكم، واجعلوا

صلاتكم معهم نافلة، فإن الله لا يقبل إلا من المتقين، وقالوا يا رسول الله إنك قلت: «سيكون بعدي أئمة لا يقتدون بي ولا يهتدون بهدي ربهم» فكيف بالصلاة معهم إذا أدركناهم؟ قال: «صلوا في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم نافلة»، وقال يزيد بن أبي زياد: كلمني إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير يوم الجمعة والإمام يخطب، كانا قد صليا في بيوتهما، وكان الحسن يفعل ذلك، ومنه؛ قال أبو المؤثر: أما الصلاة خلف أهل الإيمان فهي أفضل، ومن صلى خلف من لا يوثق به فصلاته تامة إذا صلاها في وقتها وأتمها، ولم يعلم أنه انتقض طهورها، وقد صلى جابر بن زيد خلف الحجاج بن يوسف يوم الجمعة، وقد رأى المسلمون أن الجمعة واجبة خلف الجبابرة في الأمصار التي تجب فيها الجمعة، قال أبو الحواري: تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة في الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ ولا تجوز صلاة الجمعة في غير ذلك، ومنه؛ ومن كتاب فيه عن موسى بن علي ـ رحمه الله ـ وعن إمام يصلي بقوم اطلع إليه رجع ممن يصلي خلفه أن في يده مالا حراما يأكله، أيحل له أن يصلي خلفه؟ فالذي يقول إن هذا الرجل ينصح له، فإن قبل وترك ذلك فليصل خلفه، وإن أبى وتولى لا يصلي خلفه، ومنه؛ عن قومنا فهل يصلي خلفهم؟ قال: نعم، إذا كنا في حكمهم، فأما في حكم المسلمين فإن علمت أنه مخالف لدينك فلا تصلي وراءه، فأما بالظن منا أنهم من أهل الخلاف يشبه بأهل الفسوق فليس بالصلاة خلفهم بأس، ومنه؛ ومن ظلم الناس في أموالهم وأبدانهم بقليل أو كثير فلا تجوز شهادته، و لا ولاية له، وكيف ينبغي لظالم، ولا ينبغي لك أن تجيز شهادته بدرهم أن تجعله أمينا لك على صلاتك، وأنت تقدر أن تصليها مع غيره أو وحدك، فخذ لنفسك في دينك بالوثيقة، والرأي المجتمع عليه، ولا تخاطر بصلاتك خلف أهل الظلم، ومنه؛ وعن موسى بن علي ـ رحمه الله ـ فيما حفظت عنه (بدما) وعن إمام أو مؤذن لا أزكي سبيلهما يصلي بأذان وإمامة الإمام، فأما المؤذن فلا أرى بأسا إذا كان يؤذن في مواقيت الصلاة، وأما الإمام فأهل الورع والدين أولى بالإمامة ممن لا ورع له، ومنه؛ وعمن اطلعت عليه وهو يسرق، فلا تصلي خلفه.

قال أبو سعيد ـ رحمه الله ـ وهذا رأيه، وقال أبو المؤثر: من صلى خلفه لم أر عليه إعادة في صلاته، ويصلي وحده أحب إلي من أن يصلي خلف من يسرق، إلا أن يتوب.

(ومنه) مسـألة: قال أبو المؤثر: سألت محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ عن إمام مسجد اطلعت منه على حدث، هل أصلي خلفه؟ قال: لا يهجر المسجد من أجله.

مسـألة: وعن رجل تكره الصلاة خلفه، ووافقته يصلي في مسجد، فإن كنت تعلم أنه ممن يعمل المعصية، فصلاتك وحدك أفضل من صلاتك خلفه.

مسـألة: ـ من الزيادة المضافة من كتاب الأشياخ ـ ورخص في الصلاة خلف قومنا، وهم يقيمون فرادى ويحرمون قبل التوجيه، ويقرؤون في صلاة النهار القرآن، ولا يظهرون قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وكره ذلك غيره فيما سمعنا، ورأي من كره أحب إلينا. (انقضت الزيادة المضافة).


البــاب الرابـع والـثلاثون



فــي الإمــام




ـ من كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: واختلفوا في الصلاة خلف من لا يرضي حاله من الخوارج، وأهل البدع، فأجازت طائفة الصلاة خلف الخوارج، منهم أبو جعفر، وقال الحسن البصري من صاحب البدعة، صلي خلفه والشافعي يجزي الصلاة خلف من أقام الصلاة، وإن كان غير محمود الحال في دينه أي حالة بلغ يخالف الجهل في الدين، وقال الثوري: في القدري لا تقدموه، وقال أحمد: الجهمي إذا كان داعيا لا يصلى خلفه، ومن صلى خلف الجهمي يعيد إن كان يرد الأحاديث، والروافض كذلك، يعيد الصلاة من صلى خلفهما، وقال أحمد بن حنبل: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه، وقد حكي عن مالك أنه لا يصلي خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم، ويصلي خلف أئمة الجور، قال أبو بكر: كل من أخرجته بدعته إلى الكفر، لم تجز الصلاة خلفه، ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة، ولا نحب أن يقدم من هذه صفته، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا، معنى الاختلاف في الصلاة من هو دون الولي الموافق لطاعة الله بكمالها في ظاهر الأمر، فقال من قال: لا تجوز الصلاة إلا خلف المسلم الولي المطيع؛ لأنها فريضة، وأمانة لله، ولا يجوز ولا ينبغي أن تولي أمانتك غير الأمين؛ لأنه يغيب بأشياء عنك منها لا تقوم إلا بها، وقال من قال: تجوز الصلاة خلف أهل الدعوة من المسلمين ومذهبهم ولا تجوز خلف أهل الخلاف في الدين ما لم يتهم من أهل الدعوة من المسلمين في الصلاة،

ولم تلحقه خيانة ولا تهمة في أمر دينه، وقال: تجوز الصلاة خلفهم ما لم يتهموا في أمر الصلاة بنفسها، بزيادة أو نقصان، مما لم تتم الصلاة إلا به، وقال من قال: الصلاة خلف أهل القبلة جائزة كلهم، ما لم يزيدوا أو ينقصوا منها في ظاهر الأمر؛ لأنهم أهل الصلاة، وأهل قبلة من أهل الخلاف، أو ممن ينتهك ما بين بتحريمه من أهل الدعوة، وقال من قال: لا يصلى خلف أهل الخلاف إذا وجد أهل الدعوة من المسلمين، وإن لم يوجد المسلمين فلا بأس بالصلاة خلفهم، وقال من قال: تجوز خلفهم في سلطانهم إذا كانوا غالبين، ولا تجوز في سلطان المسلمين، وعلى كل حال فيما يقع عليه شبه الاتفاق من قولهم، إنه لا يقصد بالإمامة والتقديم من هؤلاء كلهم، إلا المسلم إذا وجد ذلك فإذا لم يوجد فإنما يصلي خلف من صلى من هو دون المسلم، لثبوت سنة الجماعة لإحيائها، ومتى وجد المسلم لم يقدم غيره؛ لقول النبي : «اختاروا لإمامتكم خياركم» ولا يقدم إمام بالقصد، ولا يعتقد إلا الخيار إذا وجد، والأفضل من وجد في معنى التقديم للصلاة، على اعتقاد أنه ما وجد غيره لكان أولى منه، فعلى حسب هذا يكون الأمر، وفي بعض ما قيل: إن الصلاة خلف جميع أهل القبلة لإحياء سنة الجماعة أفضل من صلاة الفرادى، إلا على قول من يقول: لا تجوز الصلاة إلا خلف المسلم، فإنه يقول: يصلى فرادى، ولا يصلى خلف غير المسلم، ومعي؛ إنه على حسب ما جرى من الاختلاف، إنه على كل قول قد قيل إن صاحبه يذهب إلى لزوم الصلاة جماعة خلف من قال إنه تجوز خلفهم، لثبوتها ولعله يذهب من يذهب أنه إذا لم يجد المسلم فالصلاة خلف غيره مخير فيها، أو فرادى وفي بعض القول أفضل، ما لم تثبت الإمامة بالمسلم، وفي بعض القول إن الجماعة أفضل ما وجد ما تجوز الصلاة خلفه، من إذا لم يزد فيها أو ينقص ما لا تجوز الصلاة إلا به.

ـ من كتاب أبي جابر ـ قال الوضاح بن عقبة: قال المصنف: عرفت أنه المدعي الذي تقبل شهادته يصلى خلفه إذا كان صالحا، وإن مات دخل الجنة. ومنه؛ وكذلك الصلاة خلف قومنا، إذا أتوا بالصلاة على وجهها في وقتها جائزة،

ومن صلى كذلك برأيه وديانة، ثم رجع إلى رأي المسلمين فلا بدل عليه فيما صلى، وكذلك من صلى بديانة، ـ وفي نسخة ـ بلا ديانة في غير هذا.

مسـألة: ومن غيره؛ مما يوجد عن بشير بن محمد بن محبوب، معروض على أبي الحواري ـ رحمه الله ـ وسألته عمن يصلي مع قومنا، وهو على غير وضوء، فيكون في الصف تقية منهم، يخاف أن يخرج منهم، قال: ما أحب ذلك فليتيمم في المسجد ويصلي، ويجعلها بدل صلاة فائتة.

مسـألة: ـ ومن كتاب أبي جابر ـ وقيل: لا بأس بالصلاة خلف المنافق، ومن في يده الحرام لمن اضطر إلى ذلك، وقيل: إن الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة، فإذا كان يصلي في مسجد ـ وفي نسخة ـ في المسجد فالصلاة عنده على حال لعمارة المسجد أفضل من صلاة الرجل وحده، ومن غيره؛ وقال من قال: صلاته وحده أفضل، وقال من قال: لا صلاة خلفه (رجـع) ومن صلى خلف رجل يعلم أنه يقنت في الصلاة، فقنت فيها فصلاتهما جميعا فاسدة، وإن لم يكن علم أنه يقنت في الصلاة فقنت فيها فصلاة الذي خلفه تامة إذا أسر القنوت، وقيل: إذا اشتهر فصلاته فاسدة، ولا يرجع يصلي خلفه، ومن غيره؛ قال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ إنه تجب أن يبدل فإن أبدل فحسن، وهو أحب إلينا (بيان). قال: من قنت في الصلاة فإن تاب وإلا لم أتوله، قيل له: أفتبرؤوا منه؟ قال: الله أعلم لا أتولاه، وقال من قال من الفقهاء: من صلى خلف رجل يرى أن تكبيرة الإحرام قبل التوجيه فصلاته وصلاة الإمام فاسدة؛ لأن التوجيه كلام، وقال من قال من أهل العلم: إن صلاتهم تامة، الإمام ومن خلفه.

مسـألة: قال جابر: حدثني أبي أنه كان بمكة، وعلى مكة يومئذ أمير عليه من السكانة ما شاء الله، قال: وكنا نصلي خلفه، إلى أن بلغه أن رجلا قال أبدلنا الله بهذا الخليفة خيرا منه، قال: فأرسل إليه فجذب لسانه بالكلبتين فقتله كما تقتل الدابة، فجعلت أصلي خلفه من بعد ذلك وأنقض صلاتي، إلى أن بلغ محبوبا، فجاء حتى كان خلفي في صلاة العشاء، حتى إذا صليت مع الأمير عدت فنقضت

صلاتي، وأبصرني محبوب فقال: هكذا غلب عليك، حمزة بن عون وأخذت برأيه، وكان حمزة بن عون يرى رأي هارون، أنت يا أبا عثمان خير من فلان، أو من فلان يعني فقهاء المسلمين الذين كانوا قبلنا، وهذا يعني الأمير أشد من فلان وفلان يعني السلاطين من قبله، فقال: والذي هذا رأيك، فقال له محبوب: نعم، هذا رأيي، قال: فإن كان رأيكم رجعنا إلى رأيكم، قال: فرجعنا، قال أبو سفيان: فأدركت أصحابنا وهم يكرهون الصلاة في داخل المحراب، قال: ولكن ليقم خارجا منه، ويكون سجوده فيه.

قال أبو سعيد: إذا كان المسجد لا إمام له من أهل الفضل والورع، لم يجز تعطيله لأهل القرية، ولا لأهل المحلة التي هو فيها، وهم مخاطبون بعمارته على البار والفاجر منهم، أن يقوموا بما ألزمهم الله من فريضة الصلاة حتى يحضر المسجد ممن يقوم بعمرته ممن هو أفضل منه من عمار المسجد الأصلي، إلا أن لا يقبل ذلك الأفضل، فلا يخرب المسجد ويقوم به ممن قدر على القيام به في عمارته، وهذا في عمارته، وهذا دأبهم ودأبه إلى أن يفرج الله، ويقدر له عامرا من أفضلهم، ثم ليس لهم أن يتقدموا عليه إلا به أو تزول عنهم إمامته بحدث فيستحق به.

مسـألة: ورجل جاء والناس يصلون القيام في مؤخر المسجد، فصلى هو الفريضة في مقدمه، قلت: هل تتم صلاته؟ فقد قيل ذلك. وقلت: إن صلى الفجر في مقدمه، وهم يصلون الفريضة في آخره، وكلهم في صرحة واحدة، في وقت واحد ـ لعله صلاة واحدة ـ لا شيء بينهم، هل تتم صلاته؟ فقد قيل تتم.

مسـألة: وعن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ وعن المسجد إذا كان بقرب رجل، وكان الإمام لهذا المسجد غير ولي لهذا الرجل، ولم يعجبه أن يصلي عنده، هل يترك هذا المسجد لحد العمارة؟ قال: فيجوز له أن يطلب الجماعة مع من هو أفضل من ذلك الإمام، ما لم يخف أن يخرب المسجد من صلاة الجماعة من تخلفه عنه، فإن كان كذلك كانت عمارة المسجد الذي يقربه أولى على حال ما كان الإمام غير متهم في الصلاة، ولا خائنا لها. قلت: وما هذه التهمة؟ قال: من التهمة التي في الصلاة

أن يتهم أن يقوم إلى الصلاة، وهو غير طاهر، وأن يتهم بترك شيء من حدودها مما لا يجوز الصلاة إلا به الذي يقوله سرا، وإذا تظاهرت التهمة عليه بذلك وظهرت الخيانة لذلك لم تتم به الصلاة.

مسـألة: وعن رجل من عمار المسجد أو من غير عماره، ويصلي في محراب المسجد، في موضع الإمام وحده لا يؤم أحدا، قلت: هل يكره له ذلك أم المحراب وسائر المسجد سواء لمن أراد الصلاة من رجل أو امرأة؟ فمعي؛ إن المسجد كله مباح للصلاة، ولا ينبغي أن يهجر شيء منه، إلا لمعنى من المعاني يريد به فاعل ذلك تقدما أو مكابرة أو استخفافا بالإمام، أو لمعنى لا يجوز.

مسـألة: سألت، هل أصلي مع رجل في نفسي عليه عتب، ووجد من قبل، وهو من المسلمين، وهو يصلي وحده في مسجد أنا جاره؟ قال: فأما أنا فأرجو أن لا تدخل عليه؛ لأن الجماعة ليس بفرض، قال غيره: فأما الجماعة فقيل إنها فريضة، وقيل إنها سنة، وأما الصلاة خلف من في النفس عليه عتب، فذلك جائز، وأما ترك الصلاة خلفه فإذا كان من المسلمين لم يتردد وصلى خلفه، إلا أن يكون المسجد لا يخرب بتركه الصلاة خلفه، ويطلب الجماعة غير هذا المسجد، وسعه ذلك إن شاء الله. ولا يترك الجماعة إلا من عذر.

مسـألة: وسألته عن الجمعة إذا وجبت أن تصلى عند الإمام، أتكون أئمة المساجد قائمين بالأذان فيها والصلاة، وعليهم أن يخربوها، ويحضروا الصلاة عند الإمام؟ قال: وقد قيل ذلك من حيث تلزم الجمعة، إن عليهم أن يتركوا الأذان والصلاة جماعة، صلاة الظهر ويحضر الجمعة مع الإمام حيث تلزم. قلت: هل يجوز لهم أن يؤذنوا ويصلوا ويلحقوا الصلاة مع الإمام إذا أدركوا ذلك معه؟ قال: وقد قيل ليس لهم بدلا وذلك مضادة للإمام.

مسـألة: قال أبو سعيد: قد قيل فيما يروى أنه قيل: كن إماما أو مؤذنا لإمام، ولا تكن الثالث فيفوتك فضل الإمامة والأذان؛ لأن المؤذن قال له فضل كل من صلى بأذانه، والإمام له فضل صلاته، وفضل كل من صلى بصلاته، ولن

ينقص ذو فضل من الفضل شيئا، قلت له: فإذا كان الرجل أقرأ أهل محلته وأعلم بحدود الصلاة منهم، وفي المحلة التي هو فيها أو في الثانية مسجد خرب، وهو يصلي الجماعة في غيره عند إمام، هل يسعه ذلك أن يترك التقديم في هذا المسجد الخرب، والقيام به، إذا كان يصلي الجماعة. قال: فمعي؛ إنه يسعه ذلك إذا لم يكن يتعدى ذلك المسجد إلى هذا، أو لم يكن من جيرانه، قلت: فإذا كان من جيرانه لا يحسنون التقديم، أهو معذور على حال ما لم يتعدى إلى غيره؟ قال: فأرجو ذلك، إلا أن يطلب الفضل فهو عندي أفضل، إذا لم يكن يخرب مسجد محلته بتعديه إلى المسجد الآخر.

قلت له: فإن كان في محلة في أسفلها مسجد وفي أعلاها مسجد، والأعلى له إمام، والأسفل له إمام له، هل يسعه بترك التقديم في المسجد الأسفل، إذا كان هو يصلي في الأعلى عند الإمام؟ قال: فإذا كان من جيرانه، وكلهم في محلته كان عليه عندي عمارته إن قدر على ذلك، وإن كان خارجا من جواره، وكان يصلي جماعة في مسجد محلته، فلا يبين لي عليه ذلك واجبا، إلا أن يطلب الفضل من ذلك، قلت: فإذا كان هذا الرجل في المحلة بين المسجدين منه، إذا قيس إلى أحدهما من منزله بالذراع استويا، وكان هو يصلي في الأعلى جماعة عند إمام، هل يسعه ترك عمارة الأسفل بالتقديم منه له على هذا؟ قال: فمعي؛ إنه إذا كان مستويا في جوارهما، فلن تزل عنه عمارة الخرب منهما، وأيهما كان أقرب إليه، كان هو جاره وكان عليه عمارته في اللازم عندي، وفي الآخر هو عندي وسيلة إذا كان عامر المسجد الذي هو جاره، ولو كانت الجماعة تقوم بغيره في هذا المسجد الذي هو جاره، فهو بخير في الآخر، وإن طلب الفضل كان الآخر أفضل، وإن كان يصلي في مسجد آخر أبعد من هذا الذي هو جاره متقدما فيه كان لهذا المسجد إمام، ثم تركه إمامه، فلا يسع هذا عندي أن يصلي في المسجد، ويؤم فيه ويترك الأقرب منه الذي هو في محلته، وعليه القيام بالمسجد الذي هو جاره، ولو تعطلت الجماعة من الآخر بتركه التقديم فيه كان جامعا، أو غير جامعا فعليه القيام بالمسجد الذي هو بجواره، حتى

يصاب له إمام يعمره وتقوم به الجماعة.

قلت له: فهل يلزم مشايخ البلد القيام بعمارة مساجد القرية إذا انقطعت الجماعة منها أم يلزم ذلك جيران المسجد دون الجباه؟ قال: جيران المسجد عليهم القيام بعمارة مسجدهم، ولا يلزم ذلك الجباه، قلت له: ولو كان جامع؟ قال: لا؛ لأن الجباه يجمع أهل القرية.

مسـألة: عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر: وما تقول في عمار المسجد إذا غابت صرحته، هل يجوز لهم أن يجعلوا صلاتهم فوقه من الحر؟ فما عندي حفظ إلا أني ليعجبني أن يجوز للعمار ذلك، والله أعلم.

قال أبو سعيد: في الإمام إذا كان يصلي في داخل المسجد، وآخر يصلي بصلاته في الحجرة، والإمام قدام ذلك في داخل المسجد، فعندي؛ إنه إذا كان تجوز الصلاة بصلاة الإمام، فمعي؛ إنه مختلف في ذلك، فقال من قال: إذا كان بين والج المسجد والحجرة باب مفتوح جاز ذلك، إذا كان الباب أكثر من ثلاثة أشبار، وقال من قال: حتى يكون بابا يدخل منه الرجل، من غير معالجة، وإلا فلا تجوز الصلاة بصلاة الإمام إذا كان أقل من ذلك، وقال من قال: ولو كانت الفرجة أقل من ثلاثة أشبار، ولو كانت كوة يبصر منها الإمام أو من خلفه، كما كانوا يتباصرون، جازت الصلاة بصلاة الإمام على هذا القول، يخرج عندي لو كان المأموم فوق ظهر بيت رفعه أكثر من خمسة عشر ذراعا، لا غاية لذلك عندي على قول من يقول: إن الإمام يعلى، وأما إذا كان بينه وبين الإمام أكثر من خمسة عشر ذراعا في غير العلو، فلا تجوز له الصلاة بصلاة الإمام، وهذا غير الأول عندي، وقال: إذا كان رفعه أكثر من ثلاثة أشبار، فمعي؛ إنه يختلف في الصلاة بصلاة من كان أسفل منه، فقال من قال: يجوز إذا كان عند الإمام أحد غيره، بلغني هذا القول عن الإمام سعيد بن عبد الله ـ رحمه الله ـ وقال من قال: لا يجوز، وأخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر إن كان رأي جماعة، ومذهبهم أن ذلك جائز وأشبه أنهم رجعوا إلى رأي الإمام.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ والذي يؤمر به أهل الجماعة، إذا أرادوا الصلاة خلف الإمام، أن يليه منهم أهل العلم بالصلاة والفضل منهم، لما روي عن النبي أنه قال: «ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى» وفي الخبر أن ابن مسعود هو الذي كان وراء ظهر النبي في صلاة الجماعة، وقيل إن عمر بن الخطاب كان يؤخر من لا يعرف عن الصف الأول، وقال: لا يدع من لا يعرفه خلف نبينا عليه السلام، وقد قيل: إن عمر كان يفعل ذلك حذرا على النبي من مكيدة أعدائه من المنافقين وغيرهم، رواية عن ابن مسعود أنه قال: كان رسول الله يسوي مناكبنا يقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» والصفوف الأولى أفضل، والأخبار كثيرة في فضل صلاة المصلي في الصف الأول، رواية عن النبي أنه قال: «خير صفوف الرجال أولها وخير صفوف النساء آخرها» وروي عن النبي أنه قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول».

مسـألة: ـ من كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله حول ابن عباس عن يمينه. قال أبو بكر: وهذا القول أكثر أهل العلم، وممن هذا مذهبه عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وخالد بن زيد وعروة بن الزبير ومالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: وبه نقول وفي المسألة قولان: أحدهما عن سعيد بن المسيب أنه قال: يقيمه عن يساره، والقول الثاني عن النخعي، وهو: أن الإمام إذا كان خلفه رجل فليقم من خلفه بينه وبين أن يرجع، فإذا جاء أحد قام عن يمينه فإن كان اثنان قام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، واختلفوا في النفر ثلاثة مجتمعون، فقالت طائفة: يقدمون أحدهم، هذا قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وخالد بن يزيد والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح، وبه قال أنس بن مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وكان ابن مسعود يرى إذا كانوا ثلاثة قال: يصغوا جميعا، فإذا كانوا أكثر من ذلك قدموا أحدهم، وفعل ذلك عبد الله بن علقمة والأسود، وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وبه قال

النخعي، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول؛ لأن النبي صلى بجابر وبخيار بن صخر فأقامهما خلفه.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في صلاة الاثنين، أن يكون المؤتم منهما عن يمين الإمام، ولعله في أكثر قولهم، وقد يخرج في معاني قولهم: إن له أن يكون خلف الإمام على معنى الإختيار إن أراد ذلك، وإن أراد كان عن يمين الإمام، وفي بعض القول: ليس له أن يصف خلف الإمام، إلا أن لا يحسن ذلك ويخشى ذلك على صلاته، فله أن يكون خلف الإمام على الإختيار، وأما إذا كانوا ثلاثة رجال، فلا أعلم بينهم اختلافا فيما يؤمرون إلا أن يكون الإمام متقدما بهما ويكونا خلفه.

مسـألة: قال أبو بكر: واختلفوا في الصلاة خلف الصف وحده فقالت طائفة: لا يجزيه، هذا قول النخعي والحكم بن عيينة والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأجاز ذلك الحسن البصري ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، قال أبو بكر: لا تجوز صلاة الفرد خلف الصف لحديث وابصة بن معبد، أن رسول الله أمر رجلا صلى خلف الصف وحده بالإعادة، وأثبت الحديث ابن حنبل وإسحاق بن راهويه، واختلفوا في الرجل ينتهي إلى القوم وقد استوت الصفوف واتصلت، فقالت طائفة: يجر إليه رجلا؛ ليقوم معه، روي هذا القول عن عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي، وقال بعضهم: حد الرجل في الصف، وممن كره ذلك الأوزاعي، واستقبح ذلك أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، واختلفوا في ركوع الرجل دون الصف، فرخص في ذلك زياد بن ثابت، وفعل ذلك عبد الله بن مسعود وزيد بن وهب، وروي عن سعيد بن جبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومعدو بن جريج أنهم فعلوا ذلك، وأجازه أحمد بن حنبل، وقال الزهري: وإن كان قريبا من الصف فعل، وإن كان بعيدا لم يفعل، وبه قال الأوزاعي.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا فيما يأمرون به من

انتهى إلى الصف، وقد تم أنه يجر إليه رجلا من الصف فيكون معه صافا، فإن لم يتفق له ذلك، وفي بعض قولهم إنه يصلي خلف الصف من قفا الإمام، ويتم صلاته كيفما صلى؛ فإنه قد عدم الصف، وفي بعض قولهم إنه يلصق الصف في قيامه، فإذا أراد الركوع والسجود زحف بقدر ما يركع ويسجد في أول قيام، ثم يصلي هنالك بقية صلاته، وقيل: إنه يزحف قياما حتى يلحق بالصف إذا عدم الصف، فإذا صلى ولم يجر أحدا من الصف وقد يمكنه ذلك، فمعي؛ إنه يختلف في صلاته من قولهم: إذا كان خلف الإمام، فقال من قال: تفسد صلاته، وقال من قال: لا فساد عليه، فإن كان ناحية عن قفا الإمام فسدت صلاته، وإن أمكنه أن يكون من قفا الإمام، وفي بعض القول إنه سواء عن قفا الإمام وغيره، وأما الركوع خلف الصف وحده فمعي؛ إنه يخرج في معاني قولهم الاختلاف في ذلك، بنحو ما حكي من الاختلاف، ويعجبني إجازة ذلك عند معاني العذر، وأما على الاختيار فلا يعجبني، وأرجو إن فعل لطلب درك الفضل أن لا يفوته شيء مما قد أمر به من صلاة الجماعة بعد أن أمكنه في المسجد إن صلاته تامة عندي على ذلك إن شاء الله.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ وإذا صلى الرجل وحده خلف الصفوف، لم تجز صلاته، لما روي عن النبي أنه رأى أبا بكر يصلي خلف الناس فقال : «زادك الله حرصا ولا تعد» وقال بعض أصحابنا: إذا كان خلف الصفوف قصد الإمام جازت صلاته، وهذا الخبر يمنع عن جوازها، ـ ومن غير الكتاب ـ وعن رجل جاء والناس يصلون، فلم يجد موضعا وصلى عن قفا الإمام، ولم يجر أحدا، قلت: صلاته تامة أم لا؟ فقد قيل: صلاته تامة.

مسـألة: قلت له: فما تقول في رجل كان في صف وقدامه صف، فخرج رجل من الصف الذي قدامه، وبقي فرجة، هل لهذا الرجل أن يتقدم فيسدها؟ قال: قد اختلفوا في ذلك، فقال من قال: إنه يتقدم ويسدها، وقال من قال: لا يبرح مقامه، وقال: ليس خطوة أفضل من خطوة يسد بها الصف في الصلاة

أو في حرب، والله أعلم.

مسـألة: وعن الذين يصلون خلف الإمام، فيصلون ويتباعدون عنه، هل يكون في ذلك حد؟ فعلى ما وصفت، فقد كان أبو المؤثر يقول: إذا انفسح الصف عن الصف المؤخر خمسة عشر ذراعا لم يكن الصف المؤخر صلاة بصلاة الإمام، ولا يجوز لهم ذلك، وكذلك إذا انفسح عن الإمام خمسة عشر ذراعا، انتقضت صلاتهم، وصلاة الإمام تامة، وما كان أقل من خمسة عشر ذراعا فهو جائز للجميع.

مسـألة: وقال: إذا انقطع واحد عن الصف، وذهب من تحته رجل، وبقي فرجة، فإن كان عالما بقول المسلمين، إن عليه أن يزحف فلم يزحف، إن صلاته فاسدة، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما إذا كان جاهلا أو ناسيا فقد اختلف فيه، والناسي عندي أهون والله أعلم.

مسـألة: ـ من كتاب الأشراف ـ واختلفوا في الإمام يكون عنده رجل واحد وامرأة واحدة، وكان أنس بن مالك يرى أن يقوم الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلفه، وقال عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير والنخعي وقتادة وملك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي، وقد روينا عن الحسين أنهم يصلون متواترين، بعضهم خلف بعض، قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، بحديث أنس بن مالك عن النبي أنه جعل أنس بن مالك عن يمينه والمرأة أسفل من ذلك، قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق من قولهم نحو ما حكي عن الحسن من القول الآخر، ولا أعلم هذا القول الأول في معاني قولهم، وقد يعجبني أن يكون هكذا هذا، لثبوت معاني قولهم: إن الرجل والمرأة لا يكونان صفا وأن كل واحد منهما يصلي على حياله ولو كثر معاني قولهم إن الرجل يكون عن يمين الإمام، إذا كان وحده، ولا يبين لي في المرأة أنها تدخل عليه نقضا ولا ضرا إذا كانت معه، وهو عندي قائم بنفسه مع المرأة وحده.

ـ ومن غير الكتاب ـ وقيل: اختلف في الذي يصلي خلف الإمام فيكون خلفه

أو عن يساره، أو عن يمين الذي عن يمينه أو عن يسار الذي عن يساره، فقال من قال: صلاتهم فاسدة على كل حال، وقال من قال: صلاتهم تامة على كل حال، وقال من قال: تجوز صلاتهم على الجهل والنسيان، وقال من قال: تجوز صلاتهم على النسيان، ولا تجوز صلاتهم على الجهل، وقال من قال: تجوز صلاتهم إلا من زاد منهم خلاف السنة فإن صلاتهم على ذلك فاسدة إذا زاد خلاف السنة.

ويوجد أن رجلا كان وحده هو وإمام، أنه يصف عن قفا الإمام في بعض القول، وممن أجاز ذلك فيما بلغنا أبو عبد الله محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ وأبو المؤثر الصلت بن خميس ـ رحمه الله ـ وأبو عبد الله محمد بن روح ـ رحمه الله ـ وكذلك يوجد عن أبي الحواري ـ رحمه الله ـ عن يمينه أن الواحد إذا كان خلف الإمام يصلي معه، وقدامه شيء من الإمام لم تنتقض صلاته؛ إلا أن ينفسخ عن الإمام خمسة عشر ذراعا، وأبو الحسن محمد بن الحسن ـ رحمه الله ـ وكذلك يوجد معنا إجازة ذلك عن أبي علي موسى بن علي ـ رحمه الله ـ وقال من قال: إن كان لا يحسن أن يصف عن يمين الإمام صلى عن يمينه، وإن لم يحسن صلى عن قفاه، وذلك جائز له، وحفظنا ذلك شفاها عن أبي سعيد ـ رضيه الله ـ وقال من قال: لا تجوز ذلك؛ إلا أن يصف عن يمين الإمام.

مسـألة: ـ ومن جامع أبي محمد ـ وينبغي أن لا يكبر الإمام حتى يستوي القوم خلفه، لما روي عن النبي أنه قال: أقبل عليهم بوجهه فقال: «سووا صفوفكم» ثلاثا يقول ذلك، ثم قال: «لتقومن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم»، وفي خبر آخر؛ «تراصوا بين صفوفكم ألا يتخللكم الشيطان» وفي خبر آخر: «وسطوا الإمام وسدوا الخلل»، والمنفرد بصلاته خلف الإمام فاسدة صلاته، فإن قال قائل: لم حكمتم بفسادها، وقال النبي : «حيثما أدركتك الصلاة فصل»؟ قيل له: هذا خبر عام، وخبر سدوا الخلل ورصوا صفوفكم أخص، والأخص هو المعترض على الأعم، وروي عن النبي أنه رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره بالإعادة.

مسـألة: ـ ومن كتاب محمد بن جعفر ـ وقيل: لا يضر أن يكون الإمام إماما لرجل قد صلى تلك الصلاة، وأما أنا فأحب أن يجهر بالصلاة مع رجل يصلي نافلة، إلا أن يكون معه غيره، قال غيره: ومعي؛ إنه قد قيل ذلك إذا صلى بمن قد صلى تلك الصلاة، إن صلى به حيث يكون إماما في مسجد جائز، ولا يجوز في غير ذلك، وقيل: جائز مجملا. قال محمد بن المسبح؛ ذلك جائز له أن يصف عنده، ورجل قد صلى تلك الصلاة. (رجـع) وقال أيضا: إنه جائز أن يصف رجل قد صلى مع رجل لم يصل، وفي ـ نسختين ـ مع رجل يصلي خلف الإمام، وكذلك إن صف مع الرجل عبد أو صبي، قد راهق الحلم أو حافظ على الصلاة، وكان أحدهما مع الإمام على يمينه، ولم يكن رجلان يصفان معه.

مسـألة: ومن قال إذا ارتفع الإمام في مقامه على من خلفه زراعا فسدت صلاتهم، إلا أن يكون معه منهم هنالك صف، فإن كان كذلك تمت صلاة الجميع، وإن ارتفع أقل من ذراع، فلا فساد عليهم، ومن غيره؛ قال محمد بن المسبح: يكره ولا تفسد صلاتهم، قال غيره: معي؛ إنه قد قيل: إذا ارتفع عليهم شبرا فسدت صلاتهم، إلا أن يكون معه منهم صف، وكذلك على قول من يرى السترة شبرا، والله أعلم.

مسـألة: ومن غيره؛ وقد قالوا يصلي الأعلى بصلاة الإمام؛ إذا كان الإمام أسفل، وإلا لم يصل الأسفل بصلاة الإمام، إذا كان الإمام أعلى، قال: فإن صلى مصل بصلاة الإمام على زمزم، أو على ظهر المسجد، قال: فإن صلاتهم تامة بصلاة الإمام، إذا كانا رجلين صافين أو أكثر.

مسـألة: قلت: ما تقول في إمام إذا كان يصلي في أقصى المسجد جماعة، مثل السوق في الصرحة المؤخرة من المسجد، فيجيء رجل فيصف فيصلي في مقدم الفريضة؟ قال: أكره له ذلك، قلت: فإن صلى؟ قال: لا أرى عليه نقضا، ولا يعود يفعل. قلت: كان الإمام يصلي في مقدم المسجد، فجاء آخر يصلي في مؤخره وحده؟ قال: هذا أشد وعليه النقض. قلت: فإن كان الإمام يصلي نافلة؟

قال: أكره له ذلك، ولا أرى عليه نقضا. ومن غيره؛ وقد قيل عليه النقض في كلا الوجهين.

مسـألة: وسئل عمن يصلي خلف الإمام، إذا قضى تحيات نفسه في التحيات الآخرة، فسلم قبل أن يقضي الإمام تحياته، هل يجوز؟ قال: معي؛ إنه جائز، قلت له: وكذلك إن كان يصلي وحده ثم جاء الإمام يصلي الجماعة، فأحرم الإمام قبل أن يقضي تحيات نفسه، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنها لا تتم. قلت له: فما الفرق بينهما؟ إذا جاز التسليم قبل أن يقضي الإمام صلاته، وانقضت صلاته بدخول الإمام في الصلاة؟ قال: لأن الإمام داخل وهذا خارج، فاختلف معناهما عندي، قلت: أرأيت إن جاء رجل والإمام في التحيات الآخرة في صلاة الجماعة، هل يجوز لهذا الرجل أن يقيم الصلاة ويوجه؟ فإذا سلم الإمام أحرم؟ قال: هكذا عندي. قلت: هل يجوز أن يحرم ويدخل في الصلاة إذا قضى الإمام التحيات قبل أن يسلم، وهو في التشهد؟ قال: لا يبين لي ذلك، قلت: فإن فعل وصلى، هل تلزمه إعادة الصلاة؟ قال: نعم، هكذا عندي.

مسـألة: وسئل أبو سعيد: عن رجل مسافر يصلي الظهر بحذاء الإمام قدام الصف الأول منفسحا عن الإمام قدر مقام رجل أو أكثر من ذلك، ويسجد بحذاء سجود الإمام، فقضى صلاته، ودخل في صلاة العصر عندهم، هل تتم له صلاة الظهر؟ قال: معي؛ إنه إذا كان حيث تجوز صلاته بصلاة الإمام بحال، فلا تتم صلاته بقول أصحابنا، وإن كان يتقدمه حتى يصير بحذاء من لا تجوز له الصلاة بصلاة الإمام في إجماعهم، فعندي إنها تتم صلاته إذا كان من حيث لا تجوز الصلاة بصلاة الإمام على حال. قلت له: فهل تعلم أن أحدا من أهل العلم قال: إنه إذا صلى بحذاء الإمام على ما وصفت أنها تتم صلاته؟ قال: لا أعلم ذلك. قلت: فإن كان مقامه في موضعه متقدما لمقام الإمام، يحاذي مقامه بين مسجد الإمام وموضع مقامه وسجوده، متقدما سجود الإمام، هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إن هذا لا تجوز صلاته بصلاة الإمام في حال الموضع، فإذا كان كذلك جازت

صلاته إذا صلى صلاة نفسه. قلت له: وكذلك القول في غير المسافر، إذا كان على هذا؟ قال: هكذا عندي.

مسـألة: قلت لأبي سعيد: إذا كان إمام المسجد غير فاضل، أو كان غيره من أئمة المساجد أفضل منه، هل يجوز لأحد من جيران المسجد، أن يتجاوز المسجد ليصلي خلف إمام أفضل من هذا؟ إذا كان يعمر المسجد اثنان مع الإمام؟ قال: نعم معي؛ إن ذلك جائز له.

مسـألة: ومن فتح له صلاة في الليل في المسجد أفضل له أم في منزله؟ فصلاة المنزل أفضل حيث كانت النية أقوى كان أفضل، فأما الفريضة والجماعة ففي المساجد أفضل، وقال: إن رسول الله قال: «اجعلوا لبيوتكم حظا من صلاتكم» يعني النافلة. وقلت: فإن صلى في البيت، وسمع الأذان والإقامة من غير هذر؟ فلا أحب له أن يتخذ ذلك عادة، ولا بأس عليه، إذا تخلف عن الجماعة ولم يهجرها.

مسـألة: قال أبو سعيد ـ رحمه الله ـ إذا كان المسجد لا إمام له من أهل الفضل والورع، لم يجز تعطيله لأهل القرية، ولا لأهل المحلة التي هم فيها، وهم مخاطبون بعمارته على البار والفاجر منهم، أن يقوموا بما ألزمهم الله من فريضة الصلاة، حتى يحضر المسجد ممن يقوم بعمارته ممن هو أفضل منه، فإذا حضر ممن هو أفضل منه، لم يكن له أن يتقدم على من أفضل منه من عمار المسجد؛ إلا أن لا يقبل ذلك الأفضل فلا يخرب المسجد، ويقوم به من قدر على القيام في عمارته، وهذا دأبهم ودأبه إلى أن يفرج الله، ويقدر له عامر من أفضلهم، ثم ليس لهم أن يتقدموا عليه؛ إلا أن تزول عنهم إمامته بحدث يستحق به.


البــاب الخامس والـثلاثون



فـي الإمام إذا صلى بقوم وهو جنب أو نجس

أو على غير وضوء أو مشرك وما أشبـه ذلك




ـ ومن جامع أبي محمد ـ أجمع الناس على أن من صلى بصلاة الإمام جاهلا بحاله، ثم تبين له أنه من أحد أصناف المشركين، أن عليه إعادة الصلاة، وإن خرج الوقت، وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا، أن رجلا صلى بقوم في بعض أسفارهم نحو سنة، ثم تبين لهم أنه كان مشركا، فأوجب الفقهاء عليهم الإعادة، لما صلوا خلفه، ووجدت في الأثر عن وضاح بن عقبة في رجل صلى بقوم، وهو على غير طهور عمدا منه، ثم أخبرهم بعد ذلك أن عليهم البدل، فإن كان الوقت قد فات، فلا بدل عليهم، وفي هذا القول نظر؛ لأنهم قد أدوا فرضهم على ظاهر ستر الإمام، وسلامة حاله عندهم، ثم أخبرهم بعد سقوط الفرض عنهم بفسقه لعمده في الصلاة بغير طهور، والنظر يوجب عندي أن لا بدل عليهم بقوله، والله أعلم.

وأما قوله: فإذا كان الوقت قد فات، فلا بدل عليهم، ففيه أيضا نظر؛ لأن الفرض إذا لزم البدل، لم يسقط بذهاب الوقت، والله أعلم، وإذا أحدث الإمام حدثا فسدت صلاته بذلك، أو تقدم حدثه قبل الصلاة، ولم يكن علم بحدثه، أو صلى بثوب نجس، ثم علم بحدثه في الصلاة، وجب عليه الخروج من وقته، وبنى القوم على صلاتهم بإمام أو غير إمام، وهذا أكثر قول أصحابنا في جواز

صلاتهم، أن كلا مؤد لفرض نفسه، وفي بعض قول أصحابنا أن صلاة المأموم تفسد بفساد صلاة إمامه، وإن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم، وحجة أصحاب هذا الرأي أن الإمام يتحمل من صلاتهم عنهم، ما لا تتم صلاتهم إلا به، وهو القراءة والسهو الذي يلزمهم معه، وغير ذلك، والقول الأول هو الأكثر، والنظر يوجبه.

ـ ومن الكتاب ـ الدليل على أن صلاة المأموم منعقدة بصلاة الإمام، وأنها تفسد بفسادها، إجماعهم جميعا على أن الجمع لا يصح إلا بجماعة، فلو كان واحد منهم مصليا لنفسه، لم تكن إلا جماعة معنا، ولجاز أن يفسح كل واحد منهم صلاة لنفسه، فيصح لهم الجمعة مع الإجماع، فلما لم يصح إلا باعتبار دخلوهم في صلاة الإمام، دل على أن صلاتهم منعقدة بصلاته.

ـ ومن غير الكتاب ـ مسـألة: ولعلها عن سليمان بن عثمان وقال: لا نقض على الذي يصلي خلف الإمام، إلا أن يكون الإمام جنبا، ولم ير إذا كان ثوبه جنبا، أن ينقض على من خلفه.

مسـألة: وسئل أبو سعيد، عن رجل صلى بثوب نجس وحده، ثم علم بعد أن قضى الصلاة وحضر معه جماعة، هل له أن يصلي بهم جماعة؟ قال: هكذا معي، إذا لم تكن الصلاة الأولى صلاة. قلت: فإن صلى جماعة وكان إمام ثم علم بعد الصلاة، هل له أن يصلي بجماعة آخرين تلك الصلاة؟ قال: هكذا معي؛ إذا كان معي في الوقت، قلت: فإن لم يكن إمام، والمسألة بحالها؟ قال: معي؛ إنها سواء. قلت له: فإن كان إمام، وقد صلى بالأولين في المسجد، ثم علم بفساد صلاته هو، هل له أن يصلي بالأواخر في ذلك الموضع؟ قال: عندي أنه على قول من يقول إن صلاة الذين صلوا خلفه في الأول تامة، فلا يصلي الجماعة في ذلك الموضع ثانية؛ لأن الجماعة قد ثبتت. ومعي؛ في أكثر قول أصحابنا، أن الإمام إذا صلى بالناس وبه نجاسة إن صلاة من صلى خلفه تامة، إذا لم يعلم حتى قضى الصلاة، إذا لم يكن جنبا على معنى قوله.

مسـألة: ومما قيل قيده سعيد بن محرز عن والده، عن رجل كان يصلي خلف الإمام، ورأى خلف الإمام دما، هل تنتقض صلاته؟ قال: معي؛ إنها تفسد صلاته إذا كان ذلك الدم مما يفسد، قلت له: فإن أبصره حمرة، فلم يعلم دما أو غيره، هل تتم صلاته؟ إنه قال: معي؛ إنه يتم صلاته حتى يعلم أنه دم إذا احتمل ذلك، قلت له: فإن علم أنه دم، وسلم وهو لم يقل للإمام أن في ثوبه دما، هل يسعه ذلك؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إنه يؤمر بذلك، ولا أحب أن يدعه، فإن تركه لم نقل عليه إثم، ثم قلت: فإن أبصر ثوبه فيه خرق، ونادر منه من بدنه شيء، هل يسعه إن لم يقل له؟ هل يلزمه بدل صلاته؟ قال: معي؛ إنه إذا كان الخرق لا تجوز به الصلاة صلاة الإمام لظهور عورته، فلا تجوز صلاة من أبصر ذلك عندي، وهو بمنزلة الدم، قد صلى بصلاة الإمام، وهو عندي بمنزلة الدم في هذا الموضع، إذا كان في ثوب الإمام فيما وصفت لك. قلت له: وما حد الخرق الذي لا تجوز به صلاة الإمام، إذا كان في ثوبه؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إذا كان بقدر الظفر على شيء من العورة، مثل فخذ أو ركبة أو إلية، أو فرج من قبل أو دبر. ومعي؛ إنه قد قيل: حتى يخرج منه أحد هذه العورات كلها، ومعي إنه قد قيل: إذا خرج منه أحد هذه العورات، وأما إذا خرج من هذا الخرق أحد الكوين من القبل أو الدبر، فمعي؛ إنه تفسد الصلاة، ولا يبين لي في ذلك اختلاف، قيل له: إذا كان يصلي وثوبه قصير مرتفع إلى ركبتيه هل تتم صلاته؟ قال: معي؛ إنه إذا ظهرت ركبته كلها من غير عذر فلا تتم صلاته، ولا اختلاف في هذا عندي كما وصفت لك، في الخرق في الظفر فما فوقه إلى ظهور الركبة كلها؛ إلا أن يكون ملتحف بثوب ستر ذلك فمعي؛ إن بعضا يقول إن صلاته جائزة، ومعي؛ إن بعضا يقول إنها لا تجوز؛ إلا أن يشتمل عليه بالثوب.

مسـألة: ـ من كتاب الأشراف ـ قال أبو بكر: واختلفوا في الإمام إذا صلى بالقوم وهو جنب. فقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، هذا قول عمر بن الخطاب، وروي ذلك عن عثمان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر، وبه قال الحسن البصري وسعيد.

مسـألة: جبير وإبراهيم النخعي ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وسليمان بن حرب وأبو ثور والمزني وقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، روي هذا القول عن علي، وبه قال ابن سيرين والشعبي والنعمان وأصحابه، وقال حماد بن أبي سليمان: إلينا أن يعيدوا، وقال سليمان بن عطاء: إن ذكر حين فرغ يعيد ويعيدون، وإن لم يذكر حتى فاتت تلك الصلاة، فإنه يعيد ولا يعيدون، هذا إذا صلى بهم على غير وضوء، فإن كان جنبا أعادوا إن فاتته تلك الصلاة، فليست الجنابة كالوضوء فإنه يعيد. قال أبو بكر: يعيدون، واختلف أنس بن مالك والشافعي في الإمام يتعمد أن يصلي بهم وهو جنب، فقال مالك: صلاة القوم فاسدة، وقال الشافعي: صلاتهم تامة.

قال أبو سعيد: معي؛ إنه يخرج نحو ما حكي من الإختلاف في قول أصحابنا، ولعل أكثر ما قيل معهم إن عليهم جميعا الإعادة، إذا كان الإمام جنبا، ولا فرق بين الجنب وغيره، يخرج في معنى قولهم على معنى حكم الأصول على أنهما سواء، إذا لم يكن على وضوء، وكان جنبا إلا أنه يخرج في معنى بعض قولهم فيمن يقول بقطع الصلاة على المصلي بالجنب، إن الإمام الجنب يقطع على من كان خلفه خاصة صلاته، وسائر القوم من الصف الأول وسائر الصفوف، لا فرق في صلاتهم عندي، إذا ثبت أنه لا فساد عليهم. بمعنى فساد صلاته هو، لا بمعنى الجنابة، ومعي؛ إن هذا كله يخرج في معنى قولهم على النسيان من الجنابة، وإنه لم يعلم بها وصلى، أقر لهم بذلك أنه صلى على التعمد بغير عذر، فيخرج عندي في معنى قولهم: إن هذا ليس في معنى التصديق، وهذا جائز إذا قال: إنه تعمد لذلك، فإن شاؤوا صدقوه وأعادوا صلاتهم، ولا يأتموا به إلا بعد التوبة، وإن شاؤوا كذبوه واعتزلوه؛ إلا أن يتوب من ذلك؛ لأن هذا ليس بإمام، وإنما يلحق معنى الاختلاف في ثبوت ذلك عليهم من قوله إذا قال إنه صلى، حتى يصلي جنبا، أو لم يعلم أو أتى في ذلك بمعنى ما يشبه العذر له، فهو مصدق؛ لأنه أمين لهم في صلاتهم، ويلحقه معاني الإختلاف في صلاتهم في هذا الموضع، ولا فرق عندي

في التعمد من الإمام في ذلك النسيان في صلاة من صلى بصلاته، على قول من يقول: لا إعادة عليه، وإنما الفرق في ذلك في الإمام فيما يسعه، وما لا يسعه.

مسـألة: ـ ومن غيره ـ من كتاب أبي جابر ـ وكذلك كل إمام صلى بقوم، وهو يعلم أنه على غير وضوء، أو أن ثوبه نجس فصلاته وصلاتهم فاسدة؛ إلا أن يكون بدنه جنبا، فإن في هذا الموضع تفسد صلاتهم أيضا ويعلمهم حتى ينقضوا الصلاة، فإن غابوا فقد قيل إنه يكتب إليهم ويظهر إليهم ذلك ليبلغهم، ومن غيره؛ اختلف أهل العلم فيما بلغنا في الإمام إذا صلى بقوم وهو جنب، أو على غير وضوء فقال من قال: صلاة الجميع منتقضة، بلغنا ذلك عن محمد بن جعفر، وقال من قال: صلاة الجميع تامة، كان الإمام جنبا أو غير جنب، وهذا قول من يقول: إن الجنب لا يقطع الصلاة. بلغنا ذلك عن محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ وقال من قال: لا يفسد عليهم؛ إلا أن يكون جنبا جنب البدن، وعليه هو البدل وحده، بلغنا ذلك عن سليمان بن عثمان وعن أبي عبد الله ـ رحمه الله ـ وقال من قال: لا يفسد عليهم ذلك صلاتهم، كان جنبا أو غير جنب؛ إلا الذي عن قفا الإمام وحده، وجدنا ذلك في جواب الشيخ أبي سعيد ـ رحمه الله ـ يرفعه إلى غيره.


البــاب السادس والـثلاثون



فـي الإمام إذا شك في صلاته فسأل من خلفه

وكذلك إذا شك من خلفه وسأل الإمام




قلت: فإن صليت مع رجل غير ثقة وحده، وشككت في صلاتي، هل علي بدل؟ قال: لا؛ لأنه تقلد ذلك، قال غيره: وقد قيل إذا كان الإمام غير ثقة، أو لم يكن ثقة، فعليه أن يحفظ صلاته حتى يعلم أنها تمت، وقال من قال: إذا كان من أهل القبلة مأمونا على أن لا ينقص في الصلاة، ولا يزيد فيها، ولا يتعمد على ترك شيء من الصلاة، جاز ذلك حتى يعلم أنه أنقص منها، أو زاد فيها.

مسـألة: وأحسب عن أبي الحسن علي بن عمرو في الإمام إذا صلى بقوم ووهم في صلاته، فلما قضى صلاته، قال بعض من صلى معه: صلاتنا تامة، وقال بعض: صلاتنا ناقصة، فوقع في ذلك اختلاف، فقال بعض أهل العلم: يقبل قول الأكثر، وقال بعض: قول من يثق به، وقال بعض: القول قول من قال بالتمام، والله أعلم.


البــاب السابع والـثلاثون



فـي شـك الإمام فـي صـلاته




وعمن يؤم الناس في الصلاة، ثم شك أنه لم يتم الصلاة، ثم سأل الذين خلفه، فلا يحفظوا أنهم أتموا الصلاة، هل عليهم إعادة؟ قال: إن كان عرض له الشك قبل أن يتم ولم يحفظ الذين خلفه أنهم أتموا الصلاة أعادوا، وإن كان عرض له الشك من بعد أن فرغ من التحيات، لم يكن عليه إعادة. قلت: فإن أخبره غير ثقة، إنهم أتموا الصلاة أيقبل قوله؟ قال: أرى أن لا يقبل في الصلاة إلا من المحافظين عليها.

مسـألة: وذكر لنا عن عمر بن المفضل، إن عمر بن الخطاب صلى بالناس صلاة المغرب، فلم يجهر بالقراءة حتى قضى الصلاة، فلما انصرف سألوه: أشيئا حفظته عن رسول الله أم سهوت؟ فقال: بل سهوت، كنت أجهز جيشا إلى الشام حتى وصل، فأعاد الصلاة وأعادوا؛ وروى لنا فيها هاشم بن غيلان مثل ذلك.

مسـألة: وسألته عن الإمام إذا شك في صلاته إلى كم يكون خلفه من المصلين، ثم لا يدخل عليهم الوهم، ولا يكون عليه أن يسألهم؟ قال: فمعي؛ إنه قد قيل: عليه سؤالهم على كل حال ما لم يستيقن. وقال بعض: إذا كانت جماعة لا يدخل على مثلهم الشك، لم يكن عليه أن يسألهم، حتى يستيقن على نقصانها. قلت له: فإلى كم يكونوا جماعة لا يدخل عليهم الشك؟ قال: فمعي؛

إنه قد قيل: عشرة أكثر ما قيل، لا يعدو ذلك، وأقل ما قيل ثلاثة عندي لتسمية الجماعة في هذا الوجه، وقد كان أجاب في هذه المسألة، قبل أن أسأله عنها بثلاثة أقاويل أخر مع هذين القولين، أحدها حتى يكونوا خمسة، وأحدها حتى يكونوا سبعة، وأحدها حتى يكونوا تسعة، ولعله أحب اختصار الجواب، قلت له: فإذا رفع الإمام رأسه من السجود ولم يعرف عليه القيام أم القعود، ما يفعل في حالته تلك؟ قال: فمعي؛ إنه قيل: يجعل سمعه إلى من خلفه، فإن أحس منهم قياما قام مثلهم ثم سألهم، وكذلك إن أحس منهم قعودا قعد، وإن كان شك ولم يطمئن قلبه سألهم في الحالين قاموا أو قعدوا، وإذا اتبعهم على يقين واطمئنانة، إلا لفعلهم إذا كانوا ممن يجوز عليهم الوهم والشك. قلت له: سألتهم فقال بعض منهم إنها تامة، وشك الباقون، وقالوا: إنها ناقصة ما على الإمام أن يفعل، إذا لم يستيقن على أحد الأمرين؟ قال: فمعي إنه قد قيل: إذا قال ممن يؤمن إنها تامة ولم يقل الباقون، شاء إنهم يمضون على صلاتهم وصلاتهم تامة. ومعي؛ إنه قد قيل: إذا قال أحد إنها تامة، وقال آخرون: إنها ناقصة، إعادة صلاته.

مسـألة: وعن الإمام يشك في صلاته، وخلفه جماعة يصلون بصلاته تسعة أو أقل أو أكثر، هل عليه أن يسألهم عن صلاته؟ قال: أما ما يخرج معي في معاني الحكم على حسب ما معي إنه قيل قال: فإن عليه السؤال عن تمام صلاته على كل حال، وأما ما يخرج في معاني الاطمئنانة فأحسب أنه قيل إن الجماعة لا يجزي عليهم كلهم في معاني حفظ صلاتهم فيما يرجى لهم، فيجتمعون على السهو عن حفظ صلاتهم، فإذا كانوا جماعة فلا سهو عليهم، والشاك منهم من إمام أو غيره تبع للجماعة، ما لم يقع تنازع يظهر فيه دخول الشك عليهم كلهم، وأحسب أنهم اختلفوا في الجماعة في هذا الموضع. فقيل: أقل من ذلك عشرة، وقيل: أقلهم سبعة، وقيل: أقلهم خمسة، وقيل: أقلهم ثلاثة، ولا أعلم في الاثنين أيضا أنهما جماعة في مثل هذا، ويعجبني أن لا يتعرى القول فيهما من ذلك، أن يكونا جماعة في هذا الموضع، كما كانا في غيره من عقد الإمام، وثبوت الجماعة، والجماعة بها، وصلاة الأعياد بهما مع الإمام، قلت: فإذا وجب علينا أن يسأل من صلى معه،

يكتفي بواحد كان ثقة أو غير ثقة؟ قال: معي؛ إنه قد قيل: إن الواحد يجزيه في مثل هذا إذا كان ثقة، وإن كان غير ثقة وهو غير متهم فأحسب أنه يختلف فيه، فقيل: يكتفى بقوله ما لم يتهم في قوله في ذلك، وكان من الجماعة الذين صلوا مع الإمام، وقيل: حتى يكون ثقة، وأما إذا لم يكن من الجماعة الذين صلوا مع الإمام إلا أنه كان حاضرا لهم فمعي؛ إنه قد قيل: لا يقبل قوله، حتى يكون ثقة على حال؛ إلا أن يكونوا أمروه يحفظ عليهم صلاتهم، فإنه قد قيل فيه إنه يقبل قوله، ولو كان غير ثقة، ما لم يكن متهما في مثل ذلك.

مسـألة: وقيل: إنه إذا شك الإمام في حد من صلاته، وقد خرج منه أنه ليس عليه أن يرجع إليه ويمضي على صلاته، وقال آخرون: إذا شك في تكبيرة الإحرام، وهو في التحيات الآخرة، فعليه أن يبتدئ الصلاة على قول، ولا يخرج منها إلا بيقين من أدائها، قلت: فعلى قول ما لم يرى النقض فيمن شك في شيء من الركوع وقد انحط للسجود، ما يفعل؟ فقال: اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: إذا استكمل الركوع واستوى قائما، وقد خرج منه، وقد صار في حد السجود، وقال هو في حد الركوع ما لم يضع جبهته على الأرض، قلت: فإن كان في السجدتين الأخيرتين من صلاة العتمة، ثم شك ولم يدر أنه أكمل أو بقي عليه ركعة، وقد صح معه أنه صلى ثلاثا، وشك في الرابعة؟ قال: صلاته فاسدة، قلت: فإن كان في التحيات الآخرة ثم شك ما يعمل؟ قال: اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: إذا أكمل التحيات أتى بركعة آخرة، فإن كانت عليه فقد أتى بها، وإن كانت ليست عليه، فلم يقل فيها إلا ذكر الله والقرآن، وهو قد كان يدعو في التحيات، يدعو بما أكثر من ذلك، فصلاته تامة، وقال من قال: يبتدئ الصلاة.

مسـألة: وعن إمام قوم يصلي، فلما كان في بعض الصلاة غلط، فلم يدر ما صلى، كيف يصنع؟ فقال: ينظر عن يمينه وشماله، فإن رأى الناس يقومون قام، وإن لم يرهم يقومون لم يقم، وإن أتم الصلاة ثم أعلموه بعد أن فرغ أنه

نقص من الصلاة نقضوا كلهم.

مسـألة: وعن رجل يصلي معه رجل، فشك أحدهما في صلاته، أيتجزي بقول صاحبه؟ قال: فأما المأموم فيجتزي صاحبه، قلت: فالإمام؟ فنظر ثم قال: أرجو أن يجتزي إن شاء الله.

قال أبو سعيد ـ رحمه الله ـ معي؛ إن الإمام يجتزي بفعله صاحبه، ولا يحتاج إلى قوله، وهو تبع له فيما شك فيه من أمر صلاته، ما لم يستيقن أنه صلاته زائدة أو ناقصة، ما كان مأمونا على الصلاة؛ ولم يكن يتهم فيها، أعني الإمام، وقد قيل: إذا لم يكن الإمام ثقة، كان على المأموم حفظ صلاته، ويعجبني القول الأول، ما لم يكن متهما في أمر صلاته خاصة، وأما الإمام فقيل: لا يجتزي بفعل المأموم؛ إلا أن يكونوا جماعة، لا يدخل على مثلهم الشك والغفلة في صلاتهم، فما كانوا دون الجماعة، فعليه السؤال فيما قيل، فإذا أخبره الواحد منهم إذا كان ثقة أن صلاتهم تامة، فمعي؛ إنه قيل: يجوز تصديقه، وإن لم يكن ثقة ولم يكن متهما فيختلف في تصديقه.

قـال المحـــقق



تم الكتاب وهو الجزء الثالث عشر من كتاب بيان الشرع معروضا على نسخة بخط ناصر بن خمس بن سليمان بن سعيد الحارثي فرغ منها عام 1209هـ، وعلى نسخة أخرى بخط عامر بن راشد القرواشي فرغ منها عام 1182هـ.

كتبه سالم بن حمد بن سليمان الحارثي

27 ذو الحجة سنة 1403هـ

5/10/1983م.

كلمــة المحـــقق



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله أحمده وأستعينه على ما منّ به عليّ وأولاه من تحقيق هذا الجزء الثالث عشر من كتاب بيان الشرع الجامع للأصل والفرع، تأليف العالم الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي النزوي، ويبحث هذا الجزء أحكام صلاة الجماعة وفضلها وفي تكرارها وفيمن أحق بالإمامة وفي صلاة القائم بالقاعد وعكسه، وفي صلاة الرجل مع المرأة والعكس، وفي انتظار الجماعة للإمام وانتظار الإمام للجماعة، وفي الإستخلاف للصلاة وما يقطع صلاة الجماعة، وفي الذي تنتقض صلاته وهو في الصف، وفي اتباع المأموم للإمام، وفي تنبيه الإمام إذا سها أو تعايى، وفي صلاة المسافر بالمقيمين والعكس، وفي الصلاة خلف الجبابرة ومعاني ذلك. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

سالم بن حمد بن سليمان الحارثي

25صفر سنة 1404هـ

30/11/1983م.

ترتيـب الأبــواب

الباب الأول: 5

في فضل صلاة الجماعة، وحكم التارك لها

الباب الثاني: 11

في صلاة الجماعة، وفي صلاة جماعة بعد جماعة في مسجد أو غيره

الباب الثالث: 21

النية لصـلاة الجماعة

الباب الرابع: 23

فيمن أحق بالإمـامة

الباب الخامس: 37

فيمن يجوز أن يكون إماما في الصلاة

الباب السادس: 45

في إمامة المتيمم بالمتوضئ

الباب السابع: 47

في صلاة القائم بالقاعد والنائم بالقاعد والنائم بالقائم والقاعد

وما أشبه ذلك

الباب الثامن: 51

الإمـامة في المنازل

الباب التاسع: 53

في إمـامة المرأة

الباب العاشر: 55

في صلاة الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل

الباب الحادي عشر: 61

في صلاة الرجال والنساء خلف الإمام

الباب الثاني عشر: 65

فيمن صلى صلاة ثم أدرك صلاة الإمام فيها

الباب الثالث عشر: 69

فيما يـؤمر به الإمـام

الباب الرابع عشر: 75

في انتظار الإمام للجماعة في الصلاة وانتظارهم له

الباب الخامس عشر: 79

فيما يؤمر به الساعي إلى صلاة الجماعة

الباب السادس عشر: 81

في تقديم الإمام غيره يصلي بالجماعة عند غيبته وما أشبه ذلك

الباب السابع عشر: 83

في الإمام إذا قدم غيره في الصلاة

الباب الثامن عشر: 87

في استخلاف الإمام من يتم بالقوم صلاتهم

الباب التاسع عشر: 95

في الصف خلف الإمام كان المصلي واحدا أو أكثر أو كان في

الصف صبي

الباب العشـرون: 101

في الصف خلف الإمام

الباب الحادي والعشرون: 107

ما يقطع صلاة الجماعة أو المصلي خلف الإمام

الباب الثاني والعشرون: 111

في المصلي إذا انتقضت صلاته وهو في الصف أو كان يصلي بثوب

نجس أو قطع صلاته وابتدأها ونحو ذلك.

الباب الثالث والعشرون: 113

في الوثبـــة

الباب الرابع والعشرون: 117

في الدخول في صلاة الجماعة

الباب الخامس والعشرون: 129

في الذي يدخل مع الإمام في شيء من الصلاة أو سلم مع الإمام ناسيا

أو يقوم قبل الإمام ليقضي ما فاته ناسيا


الباب السادس والعشرون: 131

في الدخول في صلاة الإمام إذا كان صافا عند الإمام واحد

الباب السابع والعشرون: 137

في اتباع المأموم للإمام وما يجب عليهم إذا سبقوه أو تخلفوا عنه وفي

سبق الإمام لهم

الباب الثامن والعشرون: 149

في تنبيه الإمام إذا نسي

الباب التاسع والعشرون: 153

في المأموم إذا خالف الإمام في الصلاة

الباب الثلاثــون: 155

في الإمام إذا تعايي في القراءة متى يفتح عليه

الباب الحادي والثلاثون: 159

في صلاة الجماعة في السفر

الباب الثاني والثلاثون: 161

في صلاة المسافر بالمقيمين وفي صلاة الجماعة في السفر

الباب الثالث والثلاثون: 165

فيما اختلف الناس فيه من صلاة خلف الجبابرة وأهل الظلم من

الناس ومن ليس له ولاية من الناس

الباب الرابع والثلاثون: 169

فــي الإمـــام

الباب الخامس والثلاثون: 185

في الإمام إذا صلى بقوم وهو جنب أو نجس أو على غير وضوء

أو مشرك وما أشبه ذلك

الباب السادس والثلاثون: 191

في الإمام إذا شك في صلاته فسأل من خلفه وكذلك إذا شك من خلفه

وسأل الإمام.

الباب السابع والثلاثون: 193

في شك الإمام في صلاته