وزارة التراث والثقافة

سلطنة عمان


عُمَانُ عَبْر التَارِيخِ

تأليف

الفَقيّه الفَاضِل الشَيخ سَالِمُ بنْ حمُود بنْ شَامس السيَابي

الجزء الثالث

الطبعة الرابعة

1421هـ ـ 2001م




إمامة الإمام الخليل بن شاذان

اعلم أن الإمام الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي، أحد الأئمة الأجلاء في عمان، وإليه ينتسب آل الخليل الذين بعمان، وإلى جده الصلت ينتسب صلوت بني خروص، وأبوه الشيخ شاذان بن الصلت من أهل العلم والفضل، وأخوه محمد بن الصلت كذلك وهؤلاء عائلة بارزة بالفضل والعلم والتقوى في عمان، ولله في خلقه أسرار والخلق معادن. الحديث.
واعلم أن القرن الثالث الهجري ابتدأ بحوادث متعددة، منها الإمامة المستضعفة وما صار عليها من أهل عمان فيما بينهم، وإمامة الإمام سعيد ابن عبد الله الرحيلي، وبأمراء بني العباس الذين صارعوا الإمامة وقضوا عليها من عهد يوسف بن وجيه وبني مكرم وغيرهم من البويهيين إلى القرامطة المعروفين في التاريخ، وإمامة الإمام راشد بن الوليد، وتسلط أمراء بني العباس عليه، واحتلوا إمامته وتولوا أمر عمان إلى تمام القرن الرابع، وهم فيها الآمرون الناهون لا يردهم راد ولا يصدهم صاد، وفي ذلك العهد صارت عمان دار كفر ونفاق، لانطماس العدل، واختفاء آثار المسلمين باندراس معالم الدين، وبتسلط الجبابرة الظالمين، الذين هم أعداء الدين والوطن والجنسية عقوبة لأهل عمان على تضييعهم الأمر منذ الإمام الصلت، إلى أن وقعت الطامة الكبرى بتضييع إمامة راشد بن الوليد، فكانت عاقبة ذلك الأمر الوبال والخذلان، مع تلاعب بالإمامة في عهد إمامة الأئمة المستضعفين، وكل ذلك إضاعة للدين وتضييع لمنهج المسلمين، حتى بويع للإمام الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي.

قال الإمام رحمه الله: بويع له بالإمامة بعد راشد بن الوليد بزمان طويل، تجبر فيه السلطان على أهل عمان، وسامهم سوء العذاب بما بدلوا من نعمة الله ولعدم وفائهم بعهد الله، حين خذلوا الإمام راشد بن الوليد وظاهروا عليه عدوه، ومن أعان ظالمًا سلطه الله عليه، أي ليذوق وبال أمره، ولا يخفى العهد الذي بين الإمامين راشد بن الوليد، والخليل ابن شاذان، وعمان ترزح ثقلاً بوطأة الجورة الظلمة المفسدين للدنيا والدين، المتسلطين على بيضة المسلمين، فإن ذلك القرن قام في أوله الإمام سعيد بن عبدالله الرحيلي، فجمع الشمل ولم الشعث وأيد الحق الذي يدعو إليه المسلمون، ورفع مستوى أهل الإيمان، حتى قضى الله عليه بمناقي من أعمال الرستاق وقبره بها، ثم قام على أثره الإمام الراشد بن الوليد، فانقلب عليه أهل عمان بغير جرم ارتكبه، ولا حدث اقترفه، ولا شقاق أوقعه، ولكن ابتلاه الله بذلك، وعسى أن تحبوا، وعسى أن تكرهوا، وكل شيء بيد الله.
قال الإمام: وبقى أهل عمان يكابدون النكال تحت قهر الجبابرة من بني سامة وغيرهم، حتى عقدوا الإمامة على الخليل بن شاذان في سنة سبع وأربعمائة، وفي بعض الكتب في سنة بضع وأربعمائة، فسار فيهم سيرة حسنة جميلة، ودفع عنهم الجبابرة أمنت بعدله البلاد، واستراحت في ظله العباد، ودانت له الممالك، ووفدت إليه الوفود لظهور العدل، وانتشار الفضل، وقام الخليل بواجبات الأمة في حلها وترحالها، ودافع الخصوم وصارع الجبابرة، وجاهد في الله حق جهاده، وانتشر له صيت شاع في الجزيرة إلى اليمن، وحضرموت ونحوها، وقامت إمامته على أعمدة العدالة والإنصاف والمساواة بين المسلمين.
ووفد عليه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الخضرمي، من أرض حضرموت مستنجدًا به ومستعيناً بالمسلمين على حرب أهل بلاده الخارجين عن طاعته في حضرموت واليمن، فأمده الإمام

الخليل بالمال والرجال، حتى وطد به دعائم ملكه في تلك الأطراف اليمانية، وفيه يقول من قصيدة:

وذكر إمام شاع في الناس ذكره*** وطلب الثنا فيه الخليل بن شاذان

إلى آخر القصيدة. وقال في أخرى:

وارموا بنا نحو الإمام المرتضى*** المفزع المأوى لكل دخيل
ذاك الذي جلى عمانًا بعدما*** وأراهم غيم الطغى بذيول

إلى أخر ما قال فيها من الثناء والمدح والاستنهاض، حتى مكنه الله من عدوه وأثبت به قواعد دينه، ودوخ به أعاديه، وبعد ذلك أرسل إلى الإمام يحدثه عن واقعة وعما صار إليه أمره بقوله:

سل الوفد عني يا إمام ألم أكن*** تسربلت يوم الروع ثوب العزائم
وهل كان همي غير ما كنت ذاكرًا*** وهل نمت عن طرف الجواد وصارمي

إلى أن قال:

سل الخطبا ما دعوا لك جهرة*** على رغم أهل الجور عند التصادم

وسل عرب البيداء هلا أذقتهم*** عشي خانوا العهد سم الأراقم

قوله: عرب البيداء أراد بهم البدو خاصة وهم نهد وعقيل، وها هنا يخبره بلسان المقال عن حقيقة الحال فيقول:

وأما نواحي حضرموت فإنها*** بحول إلهي طوع أمري كخاتمي

فاستقر الأمر للإمام الحضرمي البطل المقدام في أرض حضرموت بهمة الإمام الجليل الخليل بن شاذان رحمه الله.
وكان للإمام الخليل وزير يتولى مهمات دولته ويقوم بواجباته في حضوره وغيبته اسمه محمد بن صلهام، وهو يناصر الإمام الحضرمي. قال صاحب المعالم: ولم يجد أبو إسحاق في حضرموت من يناصره في صد غارات القرامطة، فالتجأ إلى الخليل بن شاذان الإباضي إمام عمان طالبًا منه النجدة، وقدم إليه قصيدة جاء فيها يشكو إليه الحال الذي هم فيه:

يا خير خل خربت أوطاننا*** واستبعد السفهاء كل نبيل
يا خير خل لم نطق دفع الأذى*** عن أخذ مكنون وجذ نخيل
يا خير خل أصبحت أسواقنا*** أسواق سحت واعتداء محول
يا خير خل قد غلبنا فانتصر*** وانظر لنا بالرأي عزم أصيل

وجاء في قصيدة أخرى يذكر ما نال من الإمام الخليل رحمه الله وما وفقه الله له من النصر فيقول:

وجدت له بالعذر بسطا وجادلي*** بما فيه نصر لا عدته المكارم
فها أنا ذا بالمال والبيض والقنا*** على حضرموت بالسلامة قادم
سلا تخبرا عني إذا صرت نحوها*** وناديت في الإخوان أين اللهامم

قال: وعاد أبو إسحاق إلى حضرموت بعد أن أمده الخليل بن شاذان بالمال والسلاح، قال: وقد استطاع بهذه المعونة أن يجمع حوله جنودًا وأنصارًا فرق بهم أعداءه، حتى لم تبق منهم سوى طوائف، التجأت إلى القرى الواقعة بأطراف البلاد، قال: وفي هذا يقول أبو إسحاق من قصيدة أرسلها إلى الخليل إمام عمان، مع وفد وجهه إليه عقب انتهاء الحرب يخبره فيها بما تم له من النصر، وهي القصيدة التي أشرنا إليها ومنها قوله:

سل الوفد عني يا إمام ألم أكن*** تسربلت يوم الروع ثوب العزائم

إلى آخر ما جاء فيها، وفيها يشير أيضًا إلى الصليحي أحد حكام اليمن في ذلك العهد إذ يقول:

ولم يبق لي إلا الصليحي قائمًا*** وها هو أيضًا سعده غير قائم

إلى أن قال يذكر منه:

إذا وفد ولى إلى مصر رائدًا*** مضى وفدنا قصدًا لخير المعالم

يعني عمان أي إذا ولى وفد الصليحي على مصر مضى وفدنا إلى عمان، فهو يستنجد بمصر فنحن نستنجد بعمان.
قال: إن الخليل أمده مرة بالمال فقط ومرة أخرى بالمال والرجال، فهذا يدل على تردده على الإمام المذكور في تقويم وإصلاح شؤونه، وكان يفتخر بذلك ويهدد به الخصم ويعلن بذلك في المجامع. قال: ويزعم الشيخ سليمان الباروني أن أبا إسحاق أقام عاملا بحضرموت للخليل بن شاذان مدة حياته، فلما نصب راشد بن سعيد إمامًا بعمان بعد الخليل بقى عاملا على حاله وله مع الإمام راشد قصائد يعترف له فيها بالولاء، منها قصيدته التي أرسلها يعرض فيها للإمام راشد النجدة في حربه مع نهد وعقيل حيث يقول:

إباضية زهر كرام أفاضل*** مناقبهم في كل سامي علا تبدو
وأنت لنا من بعدهم صرت قيما*** حمولاً لثقل الخطب يورى بك الزند

وللإمام الخليل رحمه الله فضائل أعمال وجلائل خصال ، أولاه الله عزوجل إياها، وقد ساد الخليل عمان سيادة ازدهرت بها البلاد، ونشط فيها الرشاد، وارتفعت به رؤوس الأمجاد، وكان علماء المسلمين بعمان أنصار الإمام الخليل، وأعوان السيد الخليل، وكانوا لا يداهنون إمامًا ولا سلطانا إذا خالف الحق، ففي يوم الثلاثاء لعشر

ليال من شهر رمضان سنة تسع وأربعمائة، أي بعد وقوع البيعة للإمام الخليل بسنتين، أنكر العلماء بعض الأشياء في عهد هذا الإمام النبيل، فاجتمعوا ضحوة نهار الثلاثاء من اليوم المذكور، وهم موسى بن أحمد، وأحمد بن محمد، والحسن بن أحمد، وعمر بن محمد، وراشد بن محمد ومن معهم من إخوانهم المسلمين، ونظروا فيما استنكروا وكتبوا فيما أنكروا كتابًا إلى وزير الإمام محمد بن صلهام ، قالوا فيه كلامًا طويلاً من جملته:
وبعد هذا ، فنحب أن يقف الأخ على طرف من الأمور التي تجري في بلادنا من القائمين بها، أي من طرف الإمام المتولين لأمورها، من تركهم إتباع سنة رسول الله ، وآثار المسلمين وسيرهم في الرعية بغير الحق، حتى كثرت المناكر، ومات الحق وأهله، وارتفع الباطل وحزبه، وصار أهل الحق لا يقدمون على الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر، لأن المنكر ابتلى به من تسمى بالحق بلسانه، ويخالف ذلك بأفعاله، وقد خشينا من ذلك زوال النعم وتغير الحال، وقد كتبنا للإمام نصره الله عام أول كتابًا مترجماً له فيه ما كنا نتوقعه من هذه الأشياء، ولم نرد بذلك إلا نصيحة له، وخروجًا مما يجب علينا مما تعبدنا الله به، فرجع الجواب إلينا على غير ما كنا نرجوه، وأنزلنا في ذلك بمنزلة التهمة، فلما رأينا ذلك توسعنا بالسكوت، لأنه يوجد عن بعضهم أنه قال: إذا كان الذي ينكر المنكر لا يقبل منه ويستخف به ،لم يكن عليه أن يعرض نفسه للاستخفاف أو نحو هذا من اللفظ، وهنا أقوام ممن قد عرفوا بكثير المناكر، صاروا يكاتبون الإمام نصره الله رقعة بعد أخرى، ويزينون فعل من قد ساعدهم على مناكرهم ويقولون غير الحق، ويشهدون بالباطل (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) 1 . كل هذا خشية أن يولي عليهم من يشد عليهم ويمنعهم من المناكر التي قد شهروا

بها، ويصيروا هم وغيرهم من الرعية سواء، فإنما هم يرجعون على الإمامة في كتبهم بغير الحق، وقد أمنوا ألا يبحث عن أفعالهم، ولا يسأل عن صحة قولهم، ولو كان الإمام نصره الله ينظر في هذه الأمور وصحتها، ويسأل عن حقها وباطلها، وصحيحها وسقيمها، فضر أهل الباطل باطلهم عنده، ونفع أهل الحق حقهم عنده، لما اجترأ أحد أن يكتب إليه الكذب، ويتقول على لسان الرعية ما لم يكن، ولكان هذا الباب قد انغلق، ولم يتجاسر أحد أن يكتب إليه إلا الحق.
ولما ضاقت أنفسنا من هذه الأمور التي شرحناها ووصفناها، رأينا إطلاع الأخ العزيز أدام الله أنسنا به على ما عندنا، وشرح ما نحن فيه لعلمنا أنه ممن يغضب للحق ولا يرضى الباطل، فإن رأى أن يطلع الإمام نصره الله على ما ذكرنا وشرحنا، فإنا لم نذكر له ما عندنا إلا اختصارًا، ولو ذهبنا نصف كل ما نراه ونعاينه من هذه الأمور لم تبلغ كل ذلك، إلا أنا نكل أمورنا إلى الله، ثم رأى الأخ فيما كتبنا إليه ورد جوابنا مما نستدل به منه على وصول كتابنا إليه، وما يقتضيه رأيه في ذلك إن شاء الله والسلام عليه من جماعتنا، ويسلم منا على الشيخ أبي الحسن علي بن راشد، متعنا الله ببقائه، والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
قال الإمام رحمه الله: ولم نظفر بجواب هذا الكتاب، غير أني وجدت جوابًا من أبي الحسن بن أحمد النزواني وهو فيما أحسب وهو فيما أحسب قاضي الإمام الخليل رحمهما الله تعالى، كتبه أبو علي جوابًا في مثل هذه القضية: قال رحمه الله تعالى: فهمت ما كتب به الشيخان في مال المشايخ، وتعدى من تعدى فيه وترك المنع من الإمام نصره الله، قال الإمام: ما ولى عليها محمد بن حمزة، ولا أمره بقبض الصدقات منها، وإنما سأله بعض أهلها أن يكون معهم للأنس وللإنكار فيما قدر على

إنكاره، والمعروف من آثار المسلمين أن الإمام إذا كان في حال المحاربة، ولم نستول على المصر أنه مخير في الأحكام، إن شاء حكم وإن شاء ترك الحكم، حتى يفرغ من محاربة عدوه، وقول ليس له ذلك وليس عليه أيضًا، ولا يضيق على الإمام ما وسع له المسلمون، إلا أن الذي نختاره له ونحبه له ألا يدع شيئًا من الأحكام، ولا من الإنكار مع القدرة عليه، وهما قد عرفا ما جرى في مال بني زياد بسمو نزوى من الخراب، وأخذ الدواب وإتلافها وإتلاف الثمار في أيام الإمام، فما عاب أحد على الإمام حتى سهل الله وتبين للوالي النظر في ذلك، ومنع عنه، وكان لم يزل يجري فيه الخراب مرة بعد أخرى، إلى أن كان أيام دهمان، ومنع عنه، وكان جرى في المال الذي تركه على في السر ما جرى، ومنع الوارث وهو يصيح ويستغيث، فما عيب على الإمام ذلك، وليس أريد بهذا احتجاجًا من الظلمة إلا أني أذكرهما ما يعرفانه لئلا يتوهما في الإمام غير ما هو عليه، وهؤلاء المشايخ حرسهم الله، لو وصلوا إلى ما لهم وقاموا فيه لكان كل من قدر على معونتهم بالحق من إمامهم أو غيره أعانهم.
وهذا يدل أن هناك أهواء ومنافسات، ولعل ذلك بين بعض الزعماء وأهل العلم بحسب المفهوم من سياق الكلام الذي تقدم من المشايخ الأولين، وفي الكلام الخير ما هو من نوعه وهو واضح. ولم يكن الإمام رحمه الله ممن لا يقبل أقوال أهل العلم، ولا ممن لا يقبل النصح حاشاه، بل هو أحفى بذلك وأولى، يرى ما لا يراه غيره، ولعل له عذرًا وأنت تلومه، وعلى كل حال إن الإمام رحمه الله مبتلى بأمور الأمة، وعليه الصبر على ما يرى ويسمع.

قال الإمام أبو إسحاق رحمه الله:

من شاء يعلم ما كانت أوائلنا*** فيه فسيرتنا تكفيه برهانا
هذا الخليل إمام المسلمين حكت*** أنوار سيرته في العدل نيرانا

والمراد قوة الإضاءة فكأنها نيران تشتعل لا نارًا فقط، وذلك كناية قوة الاشتعال وقوة الإضاءة تجوزًا عما لا يخفى، ويليه قوله:

يا أيها العلم العدل الذي كملت*** له الخصال مروء ات وإيمانا
إني أحبك والرحمن يعلمه*** حب احتساب إلى ذي الطول قربانا

ومنها:

حتى عبرت إليك البحر منتصرًا*** أيام عدت بما أوليت جذلانا

ومنها:

إن الذي عمرت صنعاء دولته*** بالفسق أصبح من مولاي فزعانا

هذه هي حالة الإمام الجليل الخليل بن شاذان رحمه الله، ومضت

أيامه على هذا المنهج الكريم والصراط المستقيم، ولم تعرف له سوءة تذكر إلا ما أشار إليه مقال أولئك الأشياخ الذي أوردناه لك عنهم، وله فيه عذر، وعذر عند الله وعند عباده.
قال ابن رزيق: ولما ركدت زعازع بغي الخلفاء العباسيين عن عمان، وانقطعت مادتهم عنها بالبغي والعدوان، عقد أكابر عمان الإمامة على الخليل بن شاذان، فسار سيرة العدل والإنصاف، واتبع أثر السلف الصالح، وأقر عيون الرعية، وجعل الفقير والغني بالسوية، والضعيف والقوي في اتخاذ القضايا الحكيمة، وصارت بعدله أرض عمان في أمان واطمئنان، وقطع شقشقة البغاة، وجدع أنفا شماء من الطغاة، فعاش حميدًا ومات كريمًا، وكانت دولته على الأشهر سبع عشرة سنة لأنه مات سنة 325 على التحري، وبعده بويع راشد بن سعيد، وعاش إلى عام خمس وأربعين، ومن هنا صار لابن رزيق الغلط في مدة إمامة الإمام الخليل بن شاذان، إذ قال كانت مدة إمامته خمساً وأربعين سنة، وذلك أن راشد بن سعيد مات سنة 345، وكان بويع سنة العشرين بعد ثلاثمائة، وكان الزعماء الذين تسلطوا على الخلافة العباسية جعلوا التنكيل بأهل عمان كالمفروض عليهم، وانظر إلى ما قاله ابن رزيق، ولما ركدت زعازع بغي الخلفاء العباسيين عن عمان، إشارة إلى أن زعازع رياحهم لا تزال تعصف بعمان وتسفي عليها من غبار الطغيان، ولما كانت الزعامة العباسية، مسيطرة على عمان في هذا العهد منذ انمحت دولة الإمام راشد بن الوليد، وسقطت عمان في الحضيض، وصارت دار كفر ونفاق منذ ذلك العهد كما قدمنا، ولما هانت وطأة البغي وتراخت الزعامة العباسية عن عمان، وظلت عمان واهية الإرادة، هامدة الأهمية، وقد خمدت في ذلك الحال نار البغي ، وهانت الأمور، قام أهل العلم ورجال الحق كعادتهم عند حلول القرص، فبايعوا الأمام الخليل بن شاذان، وقاموا لإحياء معالم الدين والإيمان، وإخماد ما أثاره أهل البغي وإعادة الحق إلى مجاريه، فقام الإمام المذكور بواجبه

امتثالا لأمر ربه، وإتباعا لسلفه الصالح، وشاع أمره وظهر صيته، جهزت له البغاة قوتها للكسر هذه الإمامة الخليلية، وهدم مبانيها القوية، فجاءت جيوشها بقيادة أركان حربها من الترك العتاة.
قال الإمام رحمه الله: وخرجت الترك على عمان أيام الخليل بن شاذان. قال: ولعل هؤلاء كانوا جند بني العباس، فإنهم قد استخدموا الترك وغلبوا على أمرهم حتى صارت الدولة إليهم، وصار بنو العباس آلة في أيديهم، فخرجوا على عمان وأسروا الخليل بن شاذان.
ونصب أهل عمان بعد أسره محمد بن علي إمامًا، ثم إن الترك ردوا الخليل إلى هنا . انتهى ذكر هؤلاء الترك وفعلهم في عمان، فإذا نحن بحثنا التاريخ سائليين: متى كان أسر الخليل؟ وفي أي بلد أُسر؟ وعلى أي صفة كان أسره؟ ،فإن قوله: فخرجوا على عمان، وأسروا الخليل، لا نرى لنا فيه جوابًا، ولا يكفينا إذ لا نرى فيه صوابًا عن بحثنا، فهو كلام أشبه بمقطوع الرأس أو منهار الأساس، فإن للتاريخ حقوقًا يجب أن تراعى، وهي كشف غموضه إذا أمكن، واستخراج وجوهه في فلسفة أدبية لا يجهلها إلا الأغبياء، فإن أسر الخليل وهو إمام في قومه فهو كلام أشبه بمقطوع الرأس أو منهار الأساس، فإن للتاريخ حقوقًا يمكن أسره على هدوء كما يفهم من التاريخ الذي بين أيدينا؟ أم كان بعد حرب غلب فيها وذلك غير مستنكر؟ أم نادوه فأجابهم وخاطبوه فأذعن لهم فقادوه سامعًا مطيعًا للأمر؟ لا نظن ذلك، وأين ترك جنده وكيف حكم بيعته؟ وعهد الله في الأعناق وأين عمدة أمره الذين أقاموه إمامًا للناس، وبايعوه على أقوى أساس؟ لم يذكر التاريخ الذي بين أيدينا شيئًا مما نشير إليه، ولا يكفينا ذلك عنه ولا يشفي غليل البحث على هذا الوضع منه، لكن الأمر يحتمل أحد شيئين:

أما الأول، فإنه لابد هناك من وقوع حرب انتصر فيها البغاة، وبذلك قضوا على الإمام وأخذوه أسيرًا، وهذا من الجائز والممكن، وأنه لابد أن يكون ذلك مذكورًا في التاريخ، كما ذكروا حادثة الإمام عزان ابن تميم، وأنه لما قتل قطع رأسه، وحمل إلى بغداد، ولكن التاريخ ضاع فلم يوجد، وهذا عذر لكنه أوهن من بيت العنكبوت، لأنه شبيه بالمستحيل أن يقع مثل ذلك وينطمس ذكره بتاتًا، فلا يوجد له إشارة فضلا عن ذكر جلي يحسن السكوت عليه.
وأما ثانيًا، فأن يقال أنه لما شاع خروج الترك على الإمام المذكور، فر عنه جنده كما فروا عن راشد بن الوليد، إما طمعًا في دولة السلطان الخارج، وإما خوفًا منه واستشعارا للغلبة ورهبًا من شماتة الأعداء، ولعل هذا أقرب إلى الصحة وأوضح في المقام، فإن الجنود العراقية ما زالت تغزو عمان أيام ضعفها، وقد وقع الإمام الراشد بن الوليد من نوع ما نتكلم نحن هنا عنه، فأصبح الإمام خائفًا يترقب، حتى آل به الأمر أن أصبح مفقوداً من بيته، فلعل قضية الخليل بن شاذان من هذا النوع، ولما رأى العجز أخذ بالرخصة واستسلم للأسر، وهما أمران أحلاهما مر، ولكن إذا ابتلى المرء أخذ بالممكن، والأمر لله عزوجل.
ولعل أيضًا لما دخل الترك عمان، وجدوا الإمام الخليل فريدًا ذليلا بترك قومه له فقبضوا عليه راغمًا، وقادوه أسيرًا، ثم لما لم يروا لديه أمرًا هامًا يعرقل مساعيهم، وعمان إذا أرادوها وجدوها رهن أياديهم، فلذلك قالوا للخليل: رُح إلى بلادك وأولادك، مانين عليه بذلك، لكن هذا يبعده أيضًا اجتماع العمانيين بعده حالاً على بيعة لمحمد بن علي إمامًا بعمان، ولعل الخارج لم ير صلاحاً له في عمان، لأنها ضعفت في ذلك الحال، إلى أقصى حدود الضعف عن الدفاع للغزاة،

إذ المال فيها قليل، وقد مزقها الأعداء وذهب الخير منها، فلعله خرج عنها تاركًا لها، ولما علم العمانيون ذلك بايعوا محمد بن علي، ولم يذكروه ممن ولى من أي البلاد، ثم لما رجع الخليل بن شاذان رجع إليه أهل عمان، وأعادوا الإمامة له في تأمر جرى بينهم لرعاية الأصلح لهم، ولعل الخليل أيضاً علم من الغزاة الترك لعمان لعدم الصلاح لهم فيها، وإلا فكيف يقبل أن يعود إمامًا لعمان؟ وقد رأى وسمع ما ساءه من العدو الخارج، وأنه ربما خرج غدًا أيضًا أمر أشكل تحقيقه ونظر صعب تدقيقه، وعمل ابتلى به قوم، وحوادث وقعت أردنا أن نفهمها لنعمل فيها بعد العلم بها بما يجب علينا، وإذا ألقينا نظرة إلى قوة الغازي، وضعف أهل عمان فلن يقبل الإمام أن يعود إماما لأهل عمان، بعد ما صار عليه ما صار بين أظهرهم، ولا يرضى أن يكون كمن سبق إذا جاء السلطان دخل بيته واختفى، وإذا خرج السلطان برز إلى الناس ونادى أنا إمامكم هلموا نحوي، هذه الاحتمالات نحررها للإشكال الذي أدى إليه الحال من أمر الإمام الخليل بن شاذان، وأسره بعمان بين الأنصار والأعوان، والأقارب والإخوان، ولم يذكروا سبب ذلك والله أعلم بما هنالك.
وأنه يفهم من قولهم خروج الترك على عمان، خروج تركيا الدولة المعروفة وليس كذلك، وإنما هم على الصحيح قواد جيوش الدولة العباسية، الذين تولوا الأمر على بني العباس، فأطلقوا عليهم اسم السلطنة ثم ألحقوه بعد بمعناها تقية لهم، إذا أصبحوا يتلاعبون بهم تلاعب الصولجان بالكرة، ولم يبق لبني العباس حتى الاسم عقوبة على تضييعهم أوامر ربهم، وتعلقهم بالهوى، واتباعهم لكل من غوى وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

المسلمون يأتمرون بعد رجوع الخليل إلى عمان

لما تحقق رجوع الإمام الخليل إلى عمان سالمًا نظر المسلمون في القضية ومن هو الأولى بالإمامة، فرأى فريق من المسلمين أن الإمام الأول حكمه حكم المفقود إذا رجع إلى زوجته، وقد تزوجت بعده أن له الخيار، إذا أرادها ينزل عنها الثاني، وتعود إلى زوجها الأول، وإلا فله أقل الصداقين وذلك للترغيب في العودة إليها وكذلك الإمامة إذا أرادها الإمام الغائب عنها رجعت إليه بذلك العقد الأول.
قال الإمام: تنصيب أهل عمان من بعد أسره محمد بن علي إمامًا، ثم إن الترك ردوا الخليل، ومال الناس عليه بحبهم له، ورغبتهم فيه لعدله، أي كان محبوبًا فيهم مقبولا لديهم، فيقال: إن الإمام محمد بن علي اعتزل الأمر بنفسه، ورد الأمر إلى المسلمين فردوا الإمامة إلى الخليل بعد خلاف وقع في مسألة أيهما الإمام. فقال بعضهم: إن عقد الأول سابق وأنه هو الإمام أي مع وجوده، وقال آخرون: إن الأول زالت إمامته حين صار في يد العدو، وإن عقد الثاني هو الثابت. قال الأولون: بل الإمام يكون في حكم المفقود الذي حكم بفقده، وتمت أيام مدة فقده واعتدت امرأته وتزوجت، فإنه إن رجع بعد ذلك خير بين امرأته وبين أقل الصداقين، فأيهما اختار كان له، فلولا أن تزويجه سابق ثابت ما كان له التخيير، فالإمام إذا أُسر ثم رجع يكون مثل ذلك.
قال الإمام السالمي رحمه الله: والذي أقوله إن الإمامة قد تزول بالعجز عن القيام بها، لأنها أحوال منوطة بقدرة القائم، فإذا زالت القدرة فللمسلمين أن يقدموا غيره، فإذا قدموا غيره كان هو الإمام. قلت: ذلك دليل على أن إمامة الأول تزول بالعجز عن القيام بها، قال: وليس لهم أن يتركوا عقده لرجوع الأول إليهم بعد أن عقدوا له بوجه

صحيح، فأما لو انتظروا رجوعه كان لهم ذلك جائزاً، وحين اعتزل الإمام الثاني اختيارًا وقيل المسلمون منه ذلك ارتفعت المؤونة وانتفى الخلاف، لأن للإمام أن يعتزل عن مشورة المسلمين إذا قبلوا منه ذلك، ورجوا أن غيره أعز وأقوى على الأمر، وأصلح للدولة، لأن المقصود بالذات صلاح المسلمين، وقد قيل إن الإمام الجلندي بن مسعود رحمه الله، اعتزل مرتين، وما كاد في الثانية أن يرجع إلا بشق الأنفس حين لم يجد عذرًا من المسلمين.
ويفهم من الأحوال أن الإمام الخليل كان صاحب أخلاق واسعة، وعواطف جامعة، أخذت من قلوب الأمة مأخذها، ولولا ذلك لما أرادوا الرجوع إليه، وقد وجدوا الخلاص منه بقهر العدو الداهم له، وانحلال أمره بذلك لكن العواطف الجميلة لها فعل جذاب لنفوس صفوة الأمة، ولم لا وأخلاق الصلت عرفها الكل في عمان.

وفاة الإمام الخليل بن شاذان رحمه الله

لما كان لابد منه محتومًا على الإنسان، وكان الإمام الخليل بن شاذان ممن عاش في أيامه كلها مشغولا بأمور المسلمين، معني بحقوق رب العالمين، وقد مرت عليه شدائد في حياته، منها أسره في أيدي عدوه، وزوال الأمر عنه بذلك حتى قاسى من ذلك.
قال الإمام: كان في إمامته مشكورًا وصار سجل الثناء عليه من بعده منشورًا، توفاه الله إلى رحمته ورضوانه في أول سنة 425 هـ على التحري، إذ ليس نص صريح في تحقيق حياته وموته، وبالأخص في قضية أسره كما قدمت ذلك، فإن إهمال التاريخ وعدم النشر للمؤرخ يقضي بذلك والعلم عند الله.

إمامة الإمام راشد بن سعيد اليحمدي

وأنه كان إماماً شاريًا*** مجاهداً في البر والبحار

كان الإمام راشد بن سعيد رحمه الله من أهل سوني بايعه المسلمون بالإمامة في سنة 425 خمس وعشرين وأربعمائة على أثر موت الإمام الخليل ابن شاذان بن الصلت، وكلاهما من عنصر واحد، ويحسب ظاهر التاريخ العماني أن الزعامة العراقية تأخر رائدها عن عمان، وذلك بعد رجوع الإمام الخليل بن شاذان رحمه الله، وكان ذلك في عهد المكتفي بالله العباسي، وكان انحطاط القوم في هذا العهد قد بلغ نهايته، قال الخضري في محاضراته سنة 334: وقد كان الخليفة المكتفي بالله، وكان البويهيون هم السلاطين والعباسيون هم الخلفاء اسماً دون معنى. قال: كان من أهم مقاصد ابن بويه المسير إلى العراق بعد الاستيلاء على واسط، فصار أحمد بن بويه يسير إلى واسط، ثم يعود عنها حتى كاتبه قواد بغداد يطلبون إليه المسير نحوهم للاستيلاء على بغداد فوصلها في إحدى عشر من جمادي سنة 334أربع وثلاثين وثلاثمائة، والخليفة بها المكتفي بالله، فقابله واحتفى به وبايعه أحمد، وحلف كل واحد منهما لصاحبه هذا بالخلافة، وهذا بالسلطنة، وفي هذا اليوم شرف الخليفة بني بويه بالألقاب، فلقب عليًا صاحب بلاد فارس عماد الدولة وهو أكبرهم، ولقب الحسن صاحب الرأي والجبل ركن الدولة، ولقب أحمد صاحب العراق معز الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على النقود، وهذا اليوم هو تاريخ الدور الثاني للخلافة العباسية، وهو تاريخ سقوط

السلطان الحقيقي من أيديهم،وصيرورة الخليفة منهم رئيسًا دينيًا لا أمر له ولا شيء ولا وزير، وإنما له كاتب يدبر اقتطاعاته وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لعز الدولة يستوزر لنفسه من يشاء، ومعنى هذا أن الأمر إليه كله نقضًا وإبراماً، وحلاً وعقدًا، وأمرًا ونهيًا، وعليه فقد انتهت الخلافة تمامًا، وانقضى دورها، ولكل شيء غاية ينتهي إليها (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) . ظن بنو العباس أن الدنيا خلقت لهم، والخلافة خصت بهم، والأمر إليهم وتأولوا الأحاديث، واستدلوا بتأويلهم أن الخلافة إلى آخر الدهر فيهم إليهم، وما دروا أن الله هو السلطان الحقيقي، وأن كل العبيد تحت قهره وتصرفه، وأمرهم بيده، فعاثوا في الأرض فسادًا، وفي الدين ضلالا، وفي الأحكام جورًا، وفي الحق باطلا، فسلط الله عليهم عدواً أدنوه منهم، وقربوه بأنفسهم، فسلطوه على الأمة فتسلط عليهم عقوبة بغيهم وفسادهم، وتكبرهم وعنادهم.
قال الخضري في محاضراته: وكان يخطر ببال معز الدولة أن يزيل اسم الخلافة عنهم بل عن عامة آل العباس ويوليها علوياً لأن القوم كانوا شيعة زيدية، وكانوا يعتقدون أن بني العباس قد غصبوا الخلافة إلى آخره، والقوم قد انحلوا من الأمر تماما قبل هذا التاريخ، وتولى عليه خدامهم الذين كانوا جنوداً وضباطًا، وأصبح اسم السلطان يعلن لهؤلاء، واسم الخلافة لأولئك، وكان السلطان إليه الحل والعقد وليس للخليفة إلا اسمه وهو قاعد في لهوه وطربه، نائمًا بين قيناته وغوانيه، متمتعاً بلذاته وأغانيه، وهكذا وهذا شاهر، ظاهر، ولو كنا معنيين بتاريخهم لرأى الناس فيه العجب، وذكرنا هذا توطئة لسكون الغزوات من نحوهم على عمان وعدم الاعتراض على العمانيين،

إلا أن الخوف من غاراتهم لم يزل يطن على آذان أهل عمان، وكان الإمام راشد بن سعيد من أجلة أئمة أهل عمان إذ كانت بيعته على الشرى، وهذا كان دليلا على قوة نهضته في عمان.
قال الإمام: وكان إمامًا شاريًا يعني راشد بن سعيد، وكان لفظ الشرى الذي يشاري عليه هذا الإمام، إذ كان عماله يأخذون له البيعة من الناس بهذا اللفظ، وهو أنت قد شاريت الإمام راشد بن سعيد على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الجهاد في سبيل الله عزوجل، وعلى أن عليك ما على الشراة الصادقين، بهذا العقد الذي يعاقدون به الدجال في الدين وهو عظيم، فإن الشاري متجرد للموت في سبيل الله ،لا ينثني ولا يخشى في الله لومة لائم، أو تفنى روحه أو ينصره الله على عدوه، وبنفس هذه البيعة اهتزت عمان له هيبة له إذ كان أمره جللا، وبذلك اندهش البغاة فرأوا أن سيوف الإمام وحزبه مسلولة ليلا ونهارًا، إذا جاءهم الصريخ لبوه كالهيم العطاش، وكالأسود الضارية، فسكنت عمان تحت قدمه وقرت عيون أهلها بين يديه.
وفي هذا الأثناء لبته الزعامات، وقامت قناته على الرؤوس والهامات، ولم تتحرك عليه في عمان حركة، إلا أن بعض الغزاة من بادية اليمن وهم نهد وعقيل، كانوا يأتون أطراف عمان، فينهبون من لاقوا من ضعفاء المسلمين في الطرق، وكانوا ينزلون بأطراف الأحساء، ويناوئون الإمام عداء، ويظاهرون عليه عدوه، إلا أنهم لم يقدروا أن يقروا في أرض خاصة خوفًا من هجوم الإمام عليهم، ولما تبين للإمام رحمه الله أنهم ينزلون الأحساء، خرج إليهم بجيش جرار، فما شعروا إلا والإمام

راشد بن سعيد حولهم، وسرعان ما تفرق جمعهم وتشتت شملهم، وتفرقوا في الأرض شاردين والرعب حولهم كما يقول المتنبي، حتى أن هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا، فانمحى فساد هؤلاء الأوغاد، وهم إنما تحصنوا بالبعد ويظنون أن يد الإمام لا تنالهم، وما دروا أنه من باع نفسه لله هان عليه كل صعب، ورأى المر أحلى من العسل، وبذلك تهون عليه المصاعب، ويتجشم الأمور راجيا عليها عند الله فوزا عظيما، وفضلا عميما، وكان من الحزم بمكان، ومن العزم في أعلاه، ومن الورع في منتهاه، وزاره أبو إسحاق الحضرمي الذي زار قبله الإمام الخليل بن شاذان، واستنجد به كما استنجد بمن قبله وردد أصوات الثناء عليه في الأثير المترامي، فسير إليه من غرر شعره جواهره قائلا فيه ومخاطبا له:

ألا حي منها ما حوى العلم والتقى***إلى همة تعلو إليها والمرازما
ومن سل سيف الحق للحق داعيا***إليه مجدا قد أزاح الأشائما
أما ما بنزوى قائما قام في الورى***بعدل فأضحى الحق إذ قام قائما
أديبا لبيبا يحمد يا غضنفرا***من الأزد ليثا في حمى الحرب غانما
أيا راشد إنا لعمرك نزدهي***بذكراكم في حضرموت تعاظما

إذا ما عماني ألم بأرضنا***أحطنا به نسأله عنكم تزاحما
هنيئا لكم أهلا لما قد حباكم***به الله من فضل له الحمد دائما

وما زال الإمام الحضرمي يهتف بالإمام وينادي به في الأوطان الحضرمية والمجامع اليمانية وفي قصائده الشعرية، ومنها قوله من قصيدة أخرى:

وبيض بأيدينا خفاف صورام***ثقال الظبى مشحوذة بالمبارد
معودة هتك الجماجم أظهرت***سبيل إمامينا الخليل وراشد

وقال في أخرى ويذكر فيها أحوال نهد وعقيل الذين شرد بهم الإمام وهربوا عنه هروب النعام الجافل في الفلا، وكناه بأبي غسان فقال:

ألا أبلغوا عني السلام تحية***إمام عمان راشدا أيها الوفد

وسار فيها سير المشوق المحب المغرم بمن أحب ومدح وأثنى وردد الذكرى قائلا:

وما كان من أبناء نهد وأختها***عقيل أولى البغي الذي شابه الحقد
لقد زال عن آرى عقيل وأختها***لنيل الفتى شاذان والديلم الرشد

أي زال عنهم الرشد إذ خاصموا الإمام فتى شاذان ومناصرتهم للديلم أيام الخليل بن شاذان، فردوا على أعقابهم خاسرين وقال:

كذلك نهد قد أزلت رقابها***لنصرهم للأعدا لقد عجزت نهد
لقد جمع الأقوام طرا وخالفوا***جيوش أبي غسان فاستوثق الحشد

ومضى يصف الحال التي فيها أولئك الأوباش والأوغاد:

وأموا للقيام بجيش عرمرم***ولم يثبتوا عند اللقاء ولا اشتدوا
ولما تراءى العسكران تدابروا***كمثل نعام شارد خلفه الأسد
فقتل منهم في المعارك عصبة***على حنق خاضت دماءهم الفهد
فإن عدلوا عن بغيهم وتراجعوا***إلى عسكر الإسلام والحق وارتدوا
فأهلا وسهلا بالعشيرة إنهم***إليكم بإخلاص لرب السما أدوا
وإن هم أبوا فاستصرخونا فإننا***قريب وما للقوم من صحبهم بد

أي نادونا فإنا معكم نجيب الندا ونرد العدا ولم نجد من ذلك بدا:

وما بين وادي حضرموت وبينكم***إذا سركم إتياننا نحوكم بعد

أي ما بيننا ونحن وحضرموت وبينكم وأنتم في عمان بعد إذا أردتم مناصرتنا لكم عليهم فإننا مستعدون لها إلى أن قال:

متى يأتنا منكم صريح نؤمكم***بعسكر جرار يضيق به النجد
كهولا وشبانا صباحا مساعرا***ورادا إلى الهجا إذا استصعب الورد
بكل رديني أصم ومرهف***كمثل شعاع الشمس تحملنا الجرد

لله درك يا أبا إسحاق وأنت البطل المقدام لا يشق لك الغبار، ولا يستطاع لك لحاق، تجردت لله وبعت نفسك لرضاه، ولله إمامنا الراشد اسما ومعنى.
وكان الإمام راشد أديبا لبيبا، له يدا على ملكه عالية ونفس سامية وبلاغة في سهولة مورد، وعذوبة ذوق، ودماثة خلق ونشاط جميل، ورأي أصيل وذكاء ناضج، وفهم واسع، وشعر يدل على شعور كامل وذهن حاد، يتجلى على نفسه الوثابة للمجد وهمته العارمة على كل وغد منها:

إن منزل قفر تعفت جوانبه***وغيره من سافح القطر ساكبه
كأن لم يكن فيه من البيض شاذن***تضاحكه أترابه وتلاعبه
فأضحى أسى من بعد أن كان سلوة***تجربه أذيال خز كواعبه

أنظر لطف هذه الأبيات وسلاستها وحسن التخيل فيها، بحيث تسلب اللب وتجذب القلب، وتحرك الجامد وجدا وتنعش الجامد حبا وتحيي النفوس المتزمتة شوقا.
وانظر غلى ما يقوله في نفس القصيدة من الحكمة البليغة في عبارتها المنيعة:

من الجهل أن تعنى بأمر كفيته***وتترك ما كلفته لا تطالبه
إذا المرء لم يعرف مذاهب سعيه***لدى وعيه غالته يوما مذاهبه
ومن لم يفكر في عواقب أمره***مدى دهره صارت عقابا عواقبه

ففي هذه الأبيات من الحكمة ما لا يخفى على أديب، واسمعه يعظ:

وما هارب إلا إلى الموت آيب***ولا سالب إلا وذا الدهر سالبه

لقد صدق والله في هذا كما صدق في قوله : لا إله إلا الله إلى أن قال في هذا المقام:

مدى الدهر لا ينجو من السخط والرضا***فإسخاطه قوما لقوم مواهبه
وما عاقل في الناس من راح واغتدى***بغالب في دنياه ما هو غالبه
وأجهل أهل الجهل كم كان جاهلا***ولم يدر أن الجهل يهلك صاحبه
وأجهل مننه جاهل ظن أنه***بصير وقد عابته جهلا عوائبه
ولا خير في خير ترى الشر بعده***ولا في أخ دبت إليك عقاربه

فقد جاء في هذه الأبيات الثمينة والكلمات الرزينة بحكمة غالية وموعظة سامية أبرزها في قالب الأدب الصحيح، وأخرجها من لجها الزاخر إلى الفضاء في منهجها الرجيح، واسنعه يبدي شيئا مما في نفسه الجياشة:
ولا العيش إلا أسمر اللون عاسل***وأشقر في يوم عبوس تلاعبه
ورقن تعاطيه الحمام وفارس***تعاطيه حينا ثم حينا تضاربه

ذريني وخلقي يا ابنة القوم إنني***رأيت الأذى حربا لمن لا يحاربه
على أنني إما امرؤ ضمه الثرى***وإما فتى جلت بقوم كتائبه
وإما فتى أبكى عيون عداته***وإما فتى تبكي عليه أقاربه
وإما فتى يقضي عليه حمامه***وإما فتى تقضي عليه كتائبه

وفي رواية قواضبه، وإنها لقنابل حماسة تحملها نفسه الحساسة وتعرب عنها شاعريته الإنسانية، وطويته الإيمانية، وما يجيش به الصدر تقذفه اللسان، وما يهتز له الجان، يذيع به البيان والمرء بأصغريه كما قال رسول الله ، واسمعه يثني على الحضارم إذ واعده القيام على نهد وعقيل إذا أراد منهم ذلك كما في كلام الإمام الحضرمي، حيث يقول متى يأتينا منكم صريخ نؤمكم بعسكر جرار إلخ فقال:

وفتيان صدق من الرجال حضارم*** أوائلهم أعيت على من تغالبه
لهم همم تعلوا العلى وعزائم*** يصدقها فعلا كرام مناقبه
وأما إذ اشتد البلى بنفوسهم*** وبالمال ما إن ضن بالمال واهبه

وأكرم بقوم قولهم هو فعلهم*** ولا فعل إلا ما كرام مناسبه

واسمعه يؤنب من كان بخلاف ذلك من الرجال:

وكم قائل في قوله غير فاعل*** إلا أن شر القول ما أنت كاذبه

لقد صدق والله وبهذا جاء القرآن العظيم، وحديث النبي الكريم وبذلك يقضي حكم المروءة في الإنسانية الطيبة النزيهة، وأسمعه يعرب عما في نفسه الصافية من الأدران الصادقة الإيمان:

ولست امرأ يرضى سلامة نفسه*** وإن يتلف الدين الذي هو طالبه
سلى هل قطعنا سبسبا بعد سبسب*** تعاوى به سيدانه وثعالبه
يل النسر هل زرنا فلم نقض حقه*** وقد نشبت في لحم قوم مخالبه
فما زال يخفي الليل ما في سواده*** إلى أن بدت عند الصباح عجائبه

واسمعه يرثي لساقط الهمة الخامل في الأمة بقوله:

متى يكسب المعروف من كان همه*** غداء يغدى أو فتاة تراقبه

أي همته بطنه وفرجه، بئس من كان هذا غاية مطلبه، وفيه يقول رحمه الله:

إذا هم صدته زواجر خوفه*** وعاقته من دون الرحيل حبائبه

قال الإمام: وإنما ذكرنا القصيدة بأسرها لسهولة موردها وعذوبة مشربها، وهي مع ذلك دلالة على سمو همة الإمام وغزارة فهمه، وبعد مرامه وحسن اقتداره.
قلت: وإمامنا السالمي رحمه الله يعشق ما كان كذلك من الشعر ويطرب له طبعا، فلله دره من همام ولله در ذلك الإمام.

وقد سكنت عمان أيام هذا الإمام الرضي الشاري الولي الذي باع نفسه برضا الله عز وعلا، ولم يبلغنا أن قائمة قامت عليه من أهل عمان ولا غيرهم، وإنما انتقد بعض العلماء بعض الأشياء رأوها تقع في جيوش الإمام راشد بن سعيد فاستنكروها، وجردوا فيها سؤالا للإمام رحمه الله، وأرادوا أن يعلموا ما عنده فيها فأجابهم عنها على نحو سؤالهم مع علمه بما يشيرون إليه، وقد برح الخفاء ولا حياء في الحق، ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، والاستكشاف تثلج به الصدور وتصح به الأمور، وسوف ترى قريبًا إن شاء الله.
وقال شيخنا ابن جميل فيه:

والحضرمي نشر الأشعار*** في فضله ورفع المقدارا

معناه رآه أهلا لأن يمدح وتنشر فضائله وتذكر جمائله، ومن مدحته الأخيار وأثنت عليه الأبرار، كان أهلا لأن يذكر بكل جميل، والخلق شهود الله في أرضه، وهذه كتب من الإمام راشد بن سعيد أوردها العلماء في آثارهم، ليؤخذ منها أحكامه وتفهم منها نواياه، ويستدل بها على غزارة علمه ويعرف منها مبلغ حزمه، ويستعان بها على المراشد التي تنبغي من أولياء الأمر وقادة الأمة، وتجعلها دستورا هامًا في الدين يقول على مثله هداة المسلمين، منها ما كان بصفة فتوى من الإمام، ومنها ما هو مراشد للولاة، وتوصيات للقضاة ونصائح للأخصاء من الأخوان، ودعايات إلى واجبات الدين والإيمان، ومنها تحريض للعمال على ملازمة الأعمال، وتحذير لهم من الميل والركون إلى الدنيا وأهلها من أصحاب الأموال.
قال الإمام السالمي رحمه الله: وفي الأثر مما كان يبتلي به الإمام راشد بن سعيد رحمه الله، وسئل عنه ما تقول أيها الإمام في الإمام إذا غزا قومًا من أهل البغي ممن هو معروف مشهور بسفك دماء الناس، وأخذ أموالهم مثل عقيل ونحوهم، فوقع على بعض أصحابهم وأغار عسكره عليهم، وقتل من قتل منهم، وأخذوا لهم جمالاً وجواليق، ولم يمنعهم الإمام ذلك الوقت من أخذ الجمال، لأنه كان يحفظ الأثر أنه جائز أن يستعان على البغاة بخفهم وكراعهم، وهي الخيل والإبل، فسكت عن الإنكار لهذا ثم نظر وإذا بعض عسكره قد جعل ما أخذه من تلك الجمال غنيمة لنفسه، ورآهم قد حملوا عليها حباً، وركبوها ولم ينكر عليهم ذلك ما يلزم الإمام على هذه الصفة أيلزمه توبة وضمان، أم توبة بغير ضمان، أم لا يلزمه شيء من ذلك؟! فأجاب الإمام رحمه الله قائلا: أما الضمان فلا يلزمه في هذه الجمال على ما وصفت، ولكن عليه أن يعلم من أخذ هذه الجمال أن غنيمتها لا تجوز لهم ويأمرهم بالتخلص منها إلى أصحابها، وإن لم يعرفهم أو يعرف أحدًا منهم دان الله بالإنكار عليهم إذا عرفهم.
ومنها كتاب كتبه الإمام راشد بن سعيد رحمه الله إلى أحد عماله وهو أبو محمد عبدالله بن سعيد والي منح، قال فيه: من الإمام راشد بن سعيد:
سلام عليك فإني أحمد الله، إليك وآمر بطاعة الله، وأوصيك وأنهاك عن معصية الله القادر عليك، وبعد هذا فإني أعلمك نصر الله الحق بك أن الأطماع قد اتسعت في أموال الناس، وجعل كل فريق من ادعى في مال رجال دعوى طرح يده فيه، والوجه أن تنادي في البلدان كل من يطرح يده في مال في يد غيره يحوزه ويمنعه ويدعيه ملكًا له، فإنه يعاقب على ذلك ولا يحصل على شيء غير العقوبة، ولا نطلب عليه البينة العادلة، بل يرجع في ذلك إلى قول أهل البلد، فاعرف ذلك واعمل به ولا تقصر فيه حتى تنحسم مادة الطمع، و يزول الظلم وينغلق هذا الباب، ولا تؤخر ذلك إن شاء الله.
قال الإمام السالمي رحمه الله: وهي سياسة من الإمام أي راشد بن سعيد ونظر منه في قطع مادة الفساد جزاه الله خيرًا، فإن رأيه سديد.
وهذا كتاب من الإمام راشد بن سعيد رحمه الله، إلى عامله أبي المعالي محمد بن قحطان بن محمد بن القاسم، عهدًا عهد به إليه يعلمه فيه شرائط العدل، ويتوخى فيه مسالك الحق لديه، ويتقي الله باريه، فإنه المالك لأمره والعالم بسره وجهره، قال فلقيته في جميع أموره التي جعلت له السبيل عليها وأوحدته الدخل فيها، على شروط يشتمل كتابي هذا عليها فأول ما ابتدأنا به بعد حمد الله تعالى فيه، وصلى الله على سيدنا محمد ، وإني فأوصيك يا أبا المعالي قحطان بن محمد بن أبي القاسم بطاعة الله وطاعة رسوله ، والانتهاء عما حرم الله عليك في زواجره، والعمل بما أمرك الله به من أوامره، فيما ساءك أو سرك، أو نفعك أو ضرك، وأن تأمر بالمعروف وتعمل به، وتنهى عن المنكر وتقف عنه، ولتحذر من خدائع الشيطان، وممن يؤازره على ذلك من الأعوان، احذرهم ونفسك وهواك وشهوتك ودنياك، فقد قال الله تعالى إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ 5 وقال: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 6 وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ 8 ، واذكر حق الله عليك، واشكر نعمته لديك، ولا تذهب بك حمية ولا تمنعك تقية أن تساوي بين وضيع الناس وشريفهم، وقويهم وضعيفهم، وبغيضهم وحبيبهم، وبعيدهم وقريبهم، وقد جعلت حماية صحار وما يتصل بها من العفة إلى صلان إليك، وعولت فيها عليك، فقم فيما وليتك من ذلك حق القيام، واستفرغ منك الطاقة والجهد التام، وشمر فيه عن ساق الجد، واحسر معه عن ذراع الشد أي أن صحار هي البلد المنظور إليه في ذلك الطرق، وخصوصا في ذلك الوقت، والمحذور عليه من الغزاة الذين طالما هاجموه، قال: من غير أن تتعدى في ذلك محظورًا، أو ترتكب فيه منكورًا، أو تعترف فيه ظلمًا، أو تكتسب فيه حوبًا وإثماً إلا ما تعتمده من منع ظالم في حال عدوانه من غير أن تعاقبه على شيء من عصيانه، فلترفعه إلى القاضي بصحار، أي هو الذي يفرض العقوبات، وذلك لحفظ الوالي من التهور، لأنه لا يؤمن من الجاهل أن يضرب من حيث يظن النفع، أو يفسد من حيث يظن الصلاح.
قال: حتى يحكم عليه بما يلزمه من فعله، ويعاقبه بما يستحقه على فعله. واعلم أني لم أجعل لك شيئًا من الحكومات، ولا أمرتك بشيء من العقوبات، بل جعلتك لحماية البلاد، وأمرتك بالمنع عن الفساد، ولدفع أهل الباطل عن ظلم العباد، فلا تتعاط ما لم يؤذن لك به، ولا تقصر عما أمرتك بفعله، وكن للقاضي أبي سليمان مناصرًا ومعاونًا ومؤازرًا، ما دام في حكمه قائمًا، فقد أوجبت له ذلك عليك ما دام في حكمه عادلا، وبطاعة ربه عاملا، وأوجبت لك عليه وقبله أن يعينك على ما أهلتك له، وأوجبت على الشراة ما أوجبت عليه إلا أن تستعين بهم فيما لا يجوز لك ولا لهم المعونة فيه، وحجرت عليك وعليهم خذلان بعضكم لبعض فيما يجب عليكم من المعاضدة والمعونة والمساعدة، وفيما يعود بطاعة رب العالمين، وفي إعزاز دولة المسلمين وكسر شوكة المعتدين، فافهم ما ذكرته لك وتدبر فيه ولا تجاوز حده ومعانيه، وقد أوجبت على الشراة أن يطيعوا الشراة وغيرهم ممن تجب عليه طاعته في طاعة الله ربهم أن يطيعوا أمرك، ويقووا على الحق يدك، ما كنت في طاعة الله داعيًا، وعن معصية الله ناهيًا، وحجرت عليهم عصيانك وخذلانك إذا استنصرت بهم على محاربة أهل الظلم، ومن يعتمد في المسلمين بالجور والغشم، على أن تستمل في ظغنك وإقامتك وحربك ومسالمتك للمسلمين غير ما أحل الله لك ولدولتك، ولا تحرم غير ما حرم الله عليهم وعليك، فإن فعلت ما رسمته لك فذلك رجائى وحاجتي إليك، وإن خالفته بعمل الباطل والجور وكون إلى الشيء المحرم المحجور، فإني بر يء من فعلك وأنت مأخوذ بما يجب عليك فيه في نفسك ومالك، فاتق الله في قولك وأعمالك، واستعذ به من الورطة في المهالك، واستعنه على ما يتقرب به إليه، واعتصم به ما تحذره وتتقيه، وتوكل في جميع الأمور عليه، مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ 10 والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أهـ.
فترى هذا العهد العظيم من الإمام الكريم لواليه على صحار، فشمل القاضي والشراة الذين هناك، وقد ربط الإمام رحمه الله بينهم بهذا الرباط الوثيق، على هذا العهد الحقيق أن يكتب بماء الذهب، فقد بين فيه الواجب والجائز وما ينبغي في مصالح الدين والدنيا، وما يرام فيها بين المسلمين من الأعمال الخاصة والعامة، فلله درّ إمام يراعي أمته في بعدها وقربها، وفي حلها وترحالها، ويؤيدها مع الحق ويتبرأ ويتنصل من أفعالها إن خالفت للحق غير مبال بها في طاعة الله وطاعة رسوله، فالحمد لله الذي جعل في الإسلام مثل هؤلاء الأئمة الأعلام، والهداة الكرام الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ولا عذل عاذل، قريبهم المطيع لله، المستقيم على النهج الذي عليه المسلمون وبعيدهم من يخالف ما عليه المؤمنون فلا عنصرية ولا عصبية ولا مذهبية إلا الحق في كل دور من أدوار حياتهم، فهم في سيرهم وسراهم لله وفي الله. بمثل هؤلاء الرجال تسعد الأمة ويعلو مقامها عند الله ويجمع الله بها الشمل.
هذه هي سيرة أئمتنا الكرام أعاد الله علينا وعلى الأمة أمثالهم.



الإمام راشد بن سعيد يقضي بفصل قضية موسى بن موسى
وراشد بن النضر والصلت بن مالك

في يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقين من شهر شوال سنة 443 ثلاث وأربعين وأربعمائة، جمع الإمام راشد بن سعيد المشايخ الذين معه، وهم: أبو علي الحسن بن سعيد بن قريش القاضي، وأبو عبدالله محمد بن خالد، وأبو حمزة المختار بن عيسى القاضي، وأبو عبدالله محمد بن تمام، وأبو النضر راشد بن القاسم الوالي، وأبو علي موسى بن أحمد بن محمد بن علي، وأبو الحسن علي بن عمر، وأبو بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر، وعرض عليهم رأيه في قضية الأئمة: الصلت ابن مالك، وراشد بن النضر، وموسى بن موسى، وأفاد ما عنده في القضية فصلا حاسمًا لنزاع لم بين مشايخ العلم في تلك الحادثة التي لم تزل أحدوثة السمر، وبها قد انشقت عصا المسلمين، وحصل بينهم بسببها الحقد والكدر، والإيمان يدعو إلى التآلف والتآزر، ورفض ما يفرق أمر المسلمين، وهم جميعًا كما نص بذلك القرآن الكريم حيث يقول: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ 11 وكما نص الحديث الشريف عنه عليه الصلاة والسلام: كونوا عباد الله إخوانًا وعلى الخير أعوانًا في أمثاله.
قال الإمام رحمه الله في كتاب حرره فصلا للقضية المشار إليها وهو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، من إمام المسلمين راشد بن سعيد، قد اجتمعت بحمد الله ومنه كلمة عمان على أمر واحد، ودين قيم، وهو دين الله الذي أرسل به رسوله محمدًا ، فمنهم من تولى الصلت بن مالك رحمه الله، وبرئ من موسى بن موسى وراشد بن النضر، ومنهم من تتولى على ولايتهم الصلت بن مالك رحمه الله، وبراءتهم من موسى بن موسى وراشد بن النضر، واجتمع على الدينونة بالسؤال فيما يجب عليهم السؤال فيه عند أهل الحق الذين يرون السؤال واجبًا، واجتمع رأيهم على أن من دان بالشك فهو هالك، وكذلك اتفقوا على أن من علم من محدث حدثًا وجهل الحكم فيه أن عليه السؤال فيه، وأن علم الحدث والحكم كان عليه البراءة منه، إذا كان حدثه ذلك مما يجب به البراءة من فاعله والحمد لله حق حمده، وصلى الله على خيرته من خلفه محمد النبي وآله وسلم.
وكتب هذا الإمام راشد بن سعيد بخط يده فصدق عليه المشايخ، ورضوا به فصلا للقضية وحجة تقضي على تلك البلية، التي صار لها بينهم عظيم الأهمية، إذ هي قضية دينية. قال الناقل عنهم: ولأجل هذا الكتاب غضبت الغلاة في أمر موسى بن موسى، وراشد بن النضر، على الإمام راشد بن سعيد غضب الخيل على اللجم، قال: فأضمروا في أنفسهم ما أضمروا، ولم يستطيعوا كيدًا للإمام ولا إظهار عداوة، بل انقادوا في الظاهر وأخفوا بدعتهم في أنفسهم، كما سترى بعض كلامهم في إمامة ولده حفص بن راشد بن سعيد، أي حين اختلف الوضع وتبدل الشخص عادوا إلى ما كانوا عليه والشيطان يتلاعب بالناس تلاعب الكرة بالصولجان وقاصد الخير لا يبعث الشر، والداعي إلى الحق لا ينبغي منه السعي إلى الباطل، وموسى بن موسى وراشد بن النضر، والصلت بن مالك، لا يخص من جاء بعدهم شيء من أعمالهم، والله لايكلف قومًا بأعمال غيرهم، ولا يرضى في عباده إلا الحق، ولا فعل هذا صحابة رسول الله . وقد وقعت بينهم فتن وحوادث، ونزلت بينهم قضايا هامة وهي على كاهل أهلها تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ 12 .فما بالنا نحن كلما طال الزمان جددننا المأساة، وأعدنا العداوات بها، أيرضى بهذا عاقل عافاه الله من ذلك، إن هذه لعجب.
وكان الإمام راشد بن سعيد رحمه الله يشاري الناس، وبقى البحث هنا في هل يبقى حكم الشرى بعد موت الإمام أم لا؟ فأفتى الشيخ أبو الحسن بن سعيد ببقاء حكم الشرى على ما كان عليه، حتى يموت المشاري يراه عقدًا على طاعة لا يصح نقضه إلا بالموت، أي لا يرتفع عن المعاقد إلا بموته، وربما يرى بعض العلماء أن تلك صفقة صافقها المشاري إمامه وعليه الالتزام ما دام مصافقه حيًا، فإذا مات انحل ذلك لعدم المصافق، وبهذا أفتى محمد بن خالد أحد علماء ذلك الوقت والله أعلم.
قال شيخنا ابن جميل عفا الله عنه:

ولم يزل كذلك في الإمامة***حتى توفى بالغا حمامه
وقبره بنزوى قد روينا*** لا أعرفن موضعه تعيينا

وتوفى الإمام راشد بن سعيد رحمه الله في المحرم سنة 445 بنزوى رحمه الله وقبره بها.
وهذا كتاب من الإمام راشد بن سعيد إلى الشيخ موسى بن نجاد، والي منح وأدم معاً في أحوال بعض السرايا التي سيرها الإمام المذكور في بلاد المسلمين، وانتقد بعض الناس منهم أحوالا، وذكروا عنهم أعمالا، ولا تخلوا هذه الحياة من حوادث تنتقد، وأعمال تعتمد.
قال الإمام رحمه الله على أثر ذلك: فإن كان أحد من أهل هذه السرية قد ركب جورا أو فعل فعلا منكورا فأنا بريء منه، أي لم أأمر بفعل الجور ولا أرضى به، ولا يسعني السكوت عنه إذا قامت حجته، قال رحمه الله: أنا بريء منه ومن فعله، معاقب له على ذلك بعد الصحة، منصف بما يجب في الحق عليه، غير راض بجهله وتعديه.وما بعثت هذه السرية إشارة للسرية التي وقع النقاش من أجلها لم أبعثهم، حتى نهيتهم عن ظلم العباد، أي تقدمت عليهم بذلك كما هي سيرة أئمتنا منذ الجلندي، بل منذ أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إذ كان يتقدم على كل السرايا تحذيرا وتنبيها وتنصلا إلى الله، ثم غلى المسلمين إخوانه حتى لا يقع عليهم سوء ظن رحمهم الله وجازاهم عن الدين أفضل الجزاء، ما كان لهم نظر في غير المصالح الدينية، فهم هداة الأمة إلى الحق، وهم الدعاة إلى إحياء الشريعة المحمدية، لم يغتروا بالبيضاء والصفراء وإن كثرت، كما روي عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين قوله: يا بيضاء ويا صفراء لا تغريني وغري غيري، أي لست المغتر بك لا أرب لي فيك، ولا يميل قلبي إليك، إنما أنت فتنة فلا أفتن بك، ونحوه عن أهل العلم المخلصين لله عز وعلا في المذهب.
قال الإمام راشد بن سعيد رحمه الله: وأمرتهم في غزوتهم المشار إليها بطاعة رجل من أهل الصلاح والرشاد، ولا بد للسرية من أمير من طرف الإمام، هكذا قال، فإن كانوا تجاوزوا في ذلك إلى ما لا يجوز لهم فعله فعليهم وزر ما فعلوه، وضمان ما أتلفوه على الناس وأحدثوه، ولست بداخل معهم في عصيان ولا مشارك لهم في ضمان، فإن يكن أحد يدعي على أحد من أصحاب السرية حقا فليصل إلي حتى أوصله إلى حقه، وليس على علم ما غاب عني، ولا إنصاف من لم يطلب الإنصاف مني، ولن تقوم الحجة على العسكر بالخط، أي بكتاب يرسله المدعي عليهم، بل عليه أن يحضر، على الإمام إحضار الخصوم، ثم يترافعون إليه،فإن شاء أن يحكم بينهم حكم وإلا دفعهم إلى من يراه أهلا لفصل هذه القضايا من أهل العلم.
قال رحمه الله: لا تقوم الحجة على العسكر بالخط والقرطاس، أي لاحتمال أشياء في المقام كما أشرنا على وجه من وجوهها. قال: ولا إلى كلام من لا يلتفت إلى كلامه من الناس، أي كذلك لا تقوم الحجة على المسلمين بكلام الغوغاء والمرجفين الذين لم يكونوا حجة في دين الله، كما نص على ذلك الكتاب والسنة، قال رحمه الله: وللمسلمين بحمد الله مداخل في العدل ومخارج من الجهل، ينكرها من لا بصر له ولا تمييز معه، ويعرفها من هداه الله لمعرفتها ونفعه الله بها، ومن نطق بقول لا بصر له فيه ولا يعرف حلاله من حرامه، وقصد من لا يعرف جوره من دله، لم يسلم من ذلك ولو أصاب في قوله وفعله، أي لم تغنه إصابته تلك لأنها كانت على غير علم، كما أشار إلى ذلك حديث الربيع وغيره في قوله عليه الصلاة والسلام، ولو أنه أصاب الحق في خصوصه حديث من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم الحديث اهـ.
وهذا الكتاب الذي كتبه الإمام راشد بن سعيد لوالي منح، وكتبه أيضا لوالي أدم، وكتبه لوالي سنى، وجعله حجة بينه وبين الولاة المذكورين فكان سدا مانعا عما قد يكون من بعض الناس الذين تأخذ بهم معرة الجيوش ونشوة النصر، والله الهادي للحق بإذنه، فرحم الله الإمام الراشد ورضي عنه، وأن هذا هو سبيل أئمة الهدى الوقاة من الردى، والدعاة إلى الإهتداء، فإن أصل قوامهم الإيمان بالله، والإيمان يحتم عليهم الطاعة التي لا شائبة فيها، والتباعد من أهل السوء كما يفهم من قوله عز وجل: وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ،13 .والمراد بها التمسك بالأوامر الإلهية والثبات عليها في المكره والنشط، والعض عليها بالنواجذ. ورد من يرتد عنها إليها، وإرغام من عاداها عليها، ولن يقوم الإسلام الذي هو دين الله الذي فرضه على عباده، وأراده منهم وأرشدهم إليه في الأيام الخالية، فكان شمس الهدى العالم كله أضوء من شمس السماء التي تعرفها العوام الجهلة إلى بذلك، وما أشرق ضوء تلك الشمس إلا وأصبح العالم كله يتلألأ نورا، ويشرق ضياء، ينادي بلسان الحال كل ذي نهى في الكون.




إمامة الإمام حفص بن الإمام راشد بن سعيد

قال شيخنا ابن جميل بعد ذكر راشد بن سعيد:

ونصبوا من بعده سليله*** حفصًا وكان في الهدى مثيله
وكان سلطان العراق نقلا*** جيشًا على حفص وكان اقتتلا
وانهزموا ولم يزل إماماً*** حتى توفى واحتسى الحماما

والمعنى أنه لم يزل على إمامته حتى توفاه الله لا كما يقول ابن الأثير في خريطته التي يدونها بغير تحقيق، ويعلق الأخبار متلقفا لها من ألسن الأعداء الذين لا يبالون بما يقولون ولا بما ينقلون.
لقد عرفت نسب راشد بن سعيد مما تقدم، وهذا ولده حفص بن راشد، وقد توفى راشد بن سعيد في سنة 445، وبويع ولده هذا بعده. قال في معالم الجزيرة: وبويع بعد راشد بن سعيد ولده حفص. قال الإمام: ذكر في بعض السير أنه نصب من بعد راشد بن سعيد ولده حفص بن راشد، قال: ولم يذكروا تاريخًا لبيعته ولا لمدة إمامته، قال: وظاهر كلام بعضهم أنه مات في الإمامة، فإنه قال مات ولم يعزله المسلمون، قال: وكلام أبي الحسن البسياني وهو من الغلاة في أمر موسى وراشد أن بيعته عنده غير صحيحة.
قال: ولعل: ذلك لسلوكه طريقة والده في أمر موسى وراشد، فإن أبا الحسن بما نصه: ما تقول أيها الشيخ في حفص بن راشد إن تاب ورجع وجددت إمامته يرجع إمام المسلمين أم لا؟ فإن عقد له من متعلمي أصحابنا وثقافتهم خمسة أنفس تنعقد له الإمامة وإن بلينا به وطلب منا النصرة والخدمة ما نعمل، وما يكون قولنا له؟ قال: أما العقد الأول فإنه لم يصح وعلى ما ذكر بعض من دخل فيه رأيته عقدًا غير ثابت، وأمرا مشكلا، وقد جرى بعد العقد الذي هو غير ثابت أحكام غير جائزة، ومشهور فسادها، ودخل فيها من لم يكن يجوز أن يتقدم بأمرها، ومع ذلك أيضًا حدث قتل من قد علمتم فتكا بغير صحة ولا حجة علمناها، وأوحشنا ذلك، فقد طلب منه تصحيح ذلك الحال أصحابنا، فلم يبينه، وقولنا في ذلك قول المسلمين، ونحن نتوب إلى الله. وأما إن اجتمع أمر المسلمين وأهل المشورة في الدين على شيء، ووقع التراضي على إمامته، فبعد التوبة وإظهار ذلك والإنصاف أو حجة أي تخرجه مما يدعي جائز أن يعقد له إن تاب.
قلت: إن هذا الشيخ ينكر العقد للإمام حفص بن راشد، ولم يبين وجه ما يقول ولا ما ينكر، وليته بين يعلم المسلمون ما عنده إن كان حقًا تبعوه عليه، وإن كان باطلا اجتنبوه معه، حتى يعلموا من الإمام الحق الذي لا ريبة معه، أما الحكم بالبطلان وعدم صحة العقد ليرتب عدم صحة الإمامة فلا يكفي، فإنه إذا اكتفى به هو لم يكتف به غيره من المسلمين، والأمر الذي يميل إليه الجمهور أولى من الأمر الذي يتبعه الأقل خصوصًا في الأمر الجامع كالإمامة ونحوها، فإنها من الأمور العامة بين المسلمين، وليتهم لم يشقوا العصا بينهم وإخوانهم فما يقوم به بعضهم يقوم به الباقون، وهو الذي يدعو إليه القرآن ويأمر به الرسول الأعظم صفوة آل عدنان، ولا ينتج الافتراق والتلاشي إلا من نوعه، وبذلك تسقط قوة المسلمين وتذهب هيبتهم من قلوب أعدائهم، وبذلك يطمع فيهم من كان يخافهم ويخشاهم.
قال الإمام: وسأله آخر أي سئل الشيخ أبا الحسن فقال: أفتنا في حفص بن راشد أكانت إمامته صحيحة أم لا؟ وقد بايعنا له محمد بن الحسن اللياني على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله فبايعناه، وخرجننا عندهم فلم نر من ذلك شيئًا، وسلمنا إلى الثقاة من أهل دعوتنا شيئًا من الزكاة فقبضها وأنفقها، فوقع الخوف فهرب وانتهبت فضمنها ذلك الإنسان الذي قبضها ,ألنا من هذا براءة عند الخالق أم لا؟ وذلك إنا كنا دائنين بطاعته مسلمين جاهلين بالبحث عن الإمامة، وكذلك ابتليت أنا لهم بقبض شيء من الناس بأمر أصحابه أعلى فيه ضمان أما قبض بيدي فلا، ولكن كنت أحضر ذلك وآمر فيه ما يلزمني في ذلك؟ بين لي رحمك الله، هذا سؤاله وما كان ينبغي له أن يسـأل عن مثل هذا وقد بايع على حق بحسب الظاهر، ولا ينبغي له ذلك لأن هذا يكون من نوع ما نهى الله عن السؤال عنه في قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ 14الآية .ولما سأل عن هذه الأشياء أجابه الشيخ أبو الحسن بقوله: هذا أمر مستور، وأمره كان مقبورًا أي مكتوما في النفوس، فلا أحب فيه ظهورًا، وأما أنا فقد بلغت الغاية و وأفصحت الأمور مع الريب الذي فيه، وطلبت تصحيح ذلك فوجدت الأمر فيه غير ثابت في العقدة، والعمل غير مستقيم، ولم أكن دائنًا لله بطاعته، وكنت غرمت ما قبضوا مني، وأبدلت صلاتي يوم صليت الجمعة عندهم، وأما أنت على ما سألت فإن المستحل الدائن لله بالطاعة إذا أخطـأ ثم علم بخطئه فأكثر القول أنه لا ضمان عليه، وعليه التوبة والرجوع عن ذلك، وأما

الشيخ لعله يعني أبا محمد، فرأيت يوجب الضمان على من دخل مستحلا بغلط، وقد كان ألزمني ضمان ما كان أيام راشد بن الوليد، لعل أرادوا من الذي دفعت وقبضت سوى الذي في الاستحلال والدينونة، والذي أحبه لك إن قدرت على الخلاص من ذلك أن تبدل مكان زكاتك وتستحل من أخذت منه شيئًا إلا أن يكون رسولا لصاحب الزكاة إلى الوالي، فلا ضمان، وأما الأحكام عند الخالق فذلك إليه، وإنما تعبدنا بالحكم ما يعلم في الظاهر فعلمناه والسلام.
قال الإمام رحمه الله: هذا كلام أبي الحسن البسياني وفيه ما فيه على حفص، وما أراده إلا من قبيل مخالفتهم في الغلو في أمر موسى وراشد ابن النضر، حيث إن الإمامين لم يكونا على بدعتهم، وكتبت بعد كلامه مسائل تشبه الرد عليه من كاتبها.
قلت: هذا في الحقيقة رد عليه لأنها تعارض مدعاة، وتقضي بالاعتراض على ما أبداه، وهذا مما يخل بالأمر في الإسلام، لأن الله يقول: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ 15، وكان ينبغي الإجتماع على الأمور ودفن كل سيء مهما أمكن، وكفى بالمرء نبلا أن تعد معائبه، ولا يسلم الإنسان من هفوة وسقطة مهما كان، والذي ينبغي التكاتف والتآزر وإلغاء العنصرية والعصبية في الممكن إلا أن يكون كفرًا بواحًا وهوى متبعاً وإعجابا برأي فهناك التناصح مفروض والتجاوز مرضي.
ومن تلك المسائل التي تشير بالرد على الشيخ أبي الحسن قوله: قال البعض إن الإمام لا يحتاج إلى العقدة إذا وقع الرضا به والتسليم له ثبتت إمامته، والمعنى أن المعتبر الرضا لا العقد، فإن وقع خمسين مرة على غير الرضا لا يكون حجة، ألا ترى إذا كان العقد على القهر والإجبار لا يكون حجة، وإن كان ألف عقد، أما الرضا ممن هم الحجة في الدين من علماء المسلمين وقادة المؤمنين، فإنه حجة ثابتة شرعية، ومن ذلك إمامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنما قدمه أبو بكر فقط فرضي به المسلمون وأذعنوا، فثبتت إمامته عليهم، ووجبت فيهم، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين، وإنما أنكر بعضهم غلظة عمر وشدته والقضية مشهورة بين المسلمين، معروفة صحتها في الدين، وبها احتج هذا القائل المعترض على هذا الشيخ الطاعن في إمامة حفص بن راشد رحمهما الله.
قال: ومن ذلك إمامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إنما قدمه على الإمامة للناس أبو بكر وحده رضي الله عنه، فلما وقع التسليم والرضا بإمامته ثبتت له من غير عقدة أهـ بنصه.
قال: ومنها ما معناه أن الإمام مصدق فيما يكون فيه مؤتمننا فلا يطالب بالبينة على يد سارق قطعها، ولا على حد أقامه، ولا على حكم أمضاه وأنفذه، وإنما يكون محجوجا في الأشياء التي هو والرعية فيها سواء، مثل الحقوق التي للعباد فيها تعلق وتخرج منه مخرج الأحداث، كما من غيره أيضا وفي هذا انتقاد واعتراض الشيخ أبي الحسن المنتقد على الإمام الحفص، المبتلى بأهل عمان في ذلك الزمان، وكان أيضا الشيخ أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي من الغلاة في أمر موسى بن موسى، وراشد بن النظر، وكان يلوح بالانتقاد على حفص ابن راشد، إذ كان يرى فيهما رأي أبيه وكان الغلاة يغضبون عليه غضب الخيل على اللجم.
قيل لهذا الشيخ: ما تقول في إمام غير ثابت الإمامة ألزم رجل من المسلمين المدخل عنده في أسباب، وكان يأمره أن يكتب إطلاقات في الجبايات، إن كان إطلاق هذا الرجل لهذا المال على سبيل الاحتساب أنه يطلقه للفقراء وابن السبيل، وكان اعتماد هذا الرجل على هذه النية لا ليمضي أمر هذا الإمام ولا عمل برأيه، وإنما هو على قدر ما يرى من يستحق هذا المال لفقره لا غير ذلك، هل يسعه ذلك؟ قال: يسعه. قال الشيخ يسعه ذلك على هذه الصفة؟ قيل له: فإن أمره أن يحلف له رجلا ممن يخشى منه كما يفعل الأئمة، قال الشيخ المذكور يحلفه للمسلمين لا له، قيل له: فإن أمره أن يبايع له أحدا من الناس هل له ذلك؟ قال الشيخ: يبايعه للحق لا له، قيل له: فإن أنفذه لغزو عدو المسلمين أو لقمع ملصة؟ قال الشيخ: يكون احتسابه ذكر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن امتنع عليه من أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، وكان منكره الذي ارتكبه عيانا كان له محاربته إن حاربه بعد أمره له بترك المنكر الذي ارتكبه، وإن كان على وجه التهمة له مثل قطعه الطرق والتعرض لمظالم الناس والتعدي عليهم، ولحقه هذا القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يحاربه إلا بعد الاحتجاج عليه بأن المسلمين قد رأوا الإمساك في الحبس على الأشياء التي قد نسبت إليك، وشهرت عليك من المناكر، وقصدك إلى الظالم، فإن أجاب لم يكن إلا ما رآه المسلمون، وإن امتنع عن ذلك علموا له على الإستيثاق منه، فإن شهر السلاح وحارب على ذلك ولم يرجع إلى الحق كان قصدهم في مجاهدتهم هذه على أنهم يمسكون عن الأشياء التي قد نسبت إليه من المظالم والقصد لها، والمناكر والعمل لها، فإن تلفت نفسه في ذلك لم يكن فيه تبعة على هذه الصفة.
قيل له: فإن أراد هذا الإمام الخروج إلى بعض النواحي لغزو قوم ظلمة معتدين، وطلب صحبة هذا الرجل هل يصحبه؟ قال الشيخ: إن شرط عليه أن لا يفعل ولا يقدم على شيء إلا برأيه وعرف صدقه في ذلك أن يقبل منه ولا يغضبه في شيء جاز له الخروج معه على هذه الصفة والله أعلم أهـ.
وعلى كل حال إن محاربة البغاة وأهل الفساد في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفروضة على كل فرد من عباد الله، ولولا ذلك لضاع الإسلام وانهد كيانه وتبعثر بيانه، وإذا كان هذا الإمام غير صحيح العقد في الإمامة ورضا به المسلمون ثبتت إمامته كما ثبتت إمامة غيره بغير شك، وأي جرم إجترم حفص بن راشد حتى ينتقد عليه، أما متابعة والده في مقاله في موسى بن موسى وراشد ابن النضر، والصلت بن مالك، فلم يفعل والده شيئًا يقدح في إمامته، وقد رام الرجل أمرًا يكون صالحًا أمر المسلمين جامعًا لشملهم، وأن تموت تلك الزعزعة العاصفة بالأمة وينقطع غبارها، وتنطمس آثارها، وألا تبقى تعاد طول الدهر لإثارة الشقاق وإقامة بواعث الإفتراق، ولقد أحسن فيما صنع ولكل نظره والله ولي التوفيق.
أما ذكره ابن الأثير في كامله في آخر إمامة راشد بن الوليد، وهو يقول ذلك في إمامة حفص بن راشد المذكور، ففيه تخليط، أما أولا فقد أورده في حوادث سنة 363 ثلاث وستين وثلاثمائة، وأما ثانياً فلأنه ذكر خروج سلطان العراق على الإمام حفص بن راشد، وأن حفصًا هذا جعل له أميرًا اسمه ورد بن زياد، وأن حفصًا بعد قتال سلطان العراق انهزم وفر إلى اليمن فصار معلمًا إلى آخر ما قاله، وكله لا أصل له في التاريخ العماني ولا غيره، وإنما هو تلفيقات أوردها وأخاليط اعتمدها آخذًا من ألسن العوام الذين لا يعرفون قبيلاً من دبير.
أما الحقائق العمانية التاريخية لم تذكر من هذا شيئًا أصلاً، وقد يؤخذ من نقله أشياء. قال ابن الأثير المذكور: اجتمع بجبال عمان خلق كثير من الشراة، واختص اسم الشراة بالإباضية وهي إحدى مزاياهم، قال: وجعلوا لهم أميرًا اسمه ورد بن زياد، وجعلوا لهم خليفة اسمه حفص بن راشد، فاشتدت شوكتهم. قال: فسير إليهم عضد الدولة المطهر بن عبدالله في البحر أيضًا فبلغ إلى نواحي حرفان.
قلت: لم نعرف حرفان بهذا الاسم، ولا علمنا عنها شيئًا من أعمال عمان.
قال: فأوقع بهم وأثخن فيهم وأسر ثم سار إلى دما وهي على أربعة أميال من صحار، فقاتل من بها وأوقع بهم وقعة عظيمة قتل فيها وأُسر كثيرًا من رؤسائهم، وانهزم أميرهم ورد وإمامهم حفص واتبعهم المطهر إلى نزوى، وهي قصبة تلك الجبال، فانهزموا منه فسير إليهم العساكر فأوقعوا بهم وقعة أتت على باقيهم، وقتل ورد وانهزم حفص وفرّ إلى اليمن فصار معلمًا.
وجاء عنه أيضًا: أن الخوارج يعني المسلمين في حوادث سنة 442 قال: في هذه السنة استولى الخوارج يعني المسلمين ينبزهم بذلك إن لم يكن جاهلا بالأصل وإلا فكيف يطلق على المسلمين الخوارج، ولا يطلق ذلك على غيرهم، وإذا سميناهم لأجل التمييز فقط إباضية، من أين وجد الإباضية خوارج إلا إن كان يعني خوارج عن الباطل! فأهلا وسهلا، ولكن ما أراه أراد ذلك قال: استولوا على مدينة تلك الولاية، وأراد بذلك نزوى إذ هي عاصمة الداخلية. قال: وسبب ذلك أن صاحبها الأمير أبا المظفر بن الملك أبي كالبحار، كان مقيمًا بها ومعه خادم له، قد استولى على الأمور وحكم على البلاد، وأساء السيرة في أهلها فأخذ أموالهم فنفروا منه وأبغضوه، وعرف إنسان من الخوارج يقال له ابن راشد الحال فجمع من عنده منهم وقصدوا المدينة، فخرج إليه الأمير أبو المظفر في عساكره، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت الخوارج وعادوا إلى موضعهم، وأقام ابن راشد مدة يجمع ويحتشد، ثم سار ثانيًا وقاتله الديلم، وكان الديلم هم جند الأمير أبي المظفر المذكور، ولا شك أنهم سيطروا على بني العباس في عراقهم، فكانوا جندًا، صاروا أمراء على الأمة، وأنه أهل البلد لسوء سيرة الديلم فيهم، فانهزم الديلم وملك بن راشد البلد، وقتل الخادم وكثيرًا من الديلم، وقبض على الأمير ابن المظفر وسيره إلى جباله مستظهرًا عليه وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم وأصحاب الأعمال، وخرب دار الإمارة، وقال: هذه أحق دار بالخراب، وأظهر العدل وأسقط المكوس، واقتصر على ربع عشر ما يرد إليهم، وخطب لنفسه وتلقب بالراشد بالله، ولبس الصوف وبنى موضعًا على شبه مسجد، قال وقد كان هذا الرجل تحرك أيام أبي القاسم بن مكرم، فسير إليه أبو القاسم من منعه وحصره، وأزال طعمه هذا كلامه والله أعلم بصحته أهـ.
وعليه فماذا يؤخذ منه فإنه قال أولا: إن حفص بن راشد انهزم إلى اليمن وصار معلمًا، وهنا يقول خلاف ذلك كما تراه، أما تخريبه دار إمارة الظالم فصوابه ظاهر، وقوله.أظهر العدل فالعدل هو أنشودة أئمتنا رحمهم الله، وأما قوله: وأسقط المكوس واقتصر على أخذ ربع العشر مما يرد إليهم، يعني بذلك ما يؤخذ في الجمارك من أموال البحر الواردة للتجارة، وهو صواب وهل يبعد الصواب عن الإباضية فيما حرم الله وما أحل؟ لا والله إنهم أحق بذلك من غيرهم، ولذلك ينصبون الأئمة ويتجشمون المصاعب المهمة، وهذا هو بغية الإسلام من رجاله الكرام، وأما قوله: وبنى شبه مسجد لا نعرفه في أصحابنا فضلا عن أئمتنا، اللهم إلا أن يكون موضعًا خصصه لصلاته حيث لا يمكنه الخروج إلى المسجد لأجل الحزم كصلاة الأئمة في غرفة الصلاة بنزوى، وبالرستاق وجبرين وهكذا، وأما قوله: وخطب لنفسه، فعلى كل حال إذا كان هو الإمام لابد أن يخطب لنفسه، لأنه الإمام أو يخطب له غيره بأمره. وقوله: ولبس الصوف لم يختص أئمتنا بحمد الله بلباس مخصوص، يكون شعارًا لهم، وإنما يلبسون ذلك زهدًا وقناعة كما كان على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، وأئمتنا مازالوا ولن يزالوا على طريقة الصحابة في كل جيل، من رآهم نادى بأعلى صوته هؤلاء الصحابة، أو من أراد أن ينظر إلى الصحابة فلينظر إلى أئمة الإباضية، وهذا لا يزال يردده الأجانب، وسمعناه منهم والحمد لله.
قال العلامة أبو إسحاق الإطفيشي قوله: وتلقب بالراشد بالله إلى آخره، هذا اللقب وأمثاله لم تكن الأئمة من أصحابنا تلقب به في قطر من أقطار الإمامة في المشرق أو المغرب، وهذا من تخطيط مؤرخي قومنا، وانظر إلى قوله: وبنى موضعًا على شكل مسجد، فإنه تعبير سخيف فيه شيء من التهكم لتستدل على مقصد هذا وأمثاله في حق من يخالفهم، ولتكن على بينة من أنهم حتى في الحقائق الواضحة المشتركة، لا يعبرون عنها تعبيرًا صحيحًا إذا ساء لهم الهوى، وإلا وأي غضاضة لو قال بنى مسجدًا وكأن هذا يرى أن الإمام ثار على خلفيته في زعمه، وقد لفق كلامه هذا ليبني عليه زعمه، ولكن تعبيره الأخير كشف مراميه وأبدى عواره، والإمام قائم بأمر الله تعالى تبعًا لنفسه من الأئمة، فهم ينتخبون إمامًا بعد إمام إذا مات منهم سيد قام سيد، والحقائق لا ينكرها إلا عديم البصيرة، وإذا أنت أضفت إلى قول ابن الأثير قيل وانهزم، حفص إلى اليمن فصار معلمًا، فهو أسطورة، ومؤرخو عمان أثبتوا أن الإمام حفص مات في إمامته دون خلاف كما لديك اليقين في الحكم على هذا التشويه التاريخي أهـ.
وقد قدمت لك التحقيق عن مقاصد هؤلاء المؤرخين، وقد وجهنا كلامه على أحسن الوجوه اللائقة! هذا ما قاله المذكورون، وفي ابن رزيق قال: ثم عقد بالإمامة بعده أي بعد راشد بن سعيد على ولده حفص بن راشد بن سعيد، فسلك نهج السلف الصالح في سيرته الحميدة، فما لبث فيها إلا يسيراً إلى أن توفاه الله أهـ.
وهذا يدل على أن الإمام حفص لم يطل عهد إمامته، والتحقيق لم نتمكن منه وعسى إن شاء الله أن ندركه فنرفعه للإطلاع ، ومن المستنتج المفهوم من المقام أن الإمام حفص بن راشد عاش زمانًا واسعاً في إمامته لا كما يقول ابن رزيق فإنه تولى الأمر وقام عليه الأعداء من زعماء السلطنة العباسية كما تردد المقال عنه في ذلك، وصار وما بينه وجيوش السلطنة المشار إليها.












إمامة راشد بن علي من أئمة الطائفة النزوانية

قال ابن رزيق في سيرته: ثم عقد بعده أي بعد حفص بن راشد على راشد بن علي، فإن كانت هذه البعدية تاريخية فذاك، وإن كانت وقيته احتملت الفراغ في الوقت، وظاهر الكلام دال على أن راشد بن علي بويع بعد حفص بن راشد وهو الواضح، قال: فحمدته الخاصة والعامة وسار سيرة العدل وقمع البغي والظلامة.
قال الإمام رحمه الله: ولم أجد تاريخاً لوقت بيعته ولا عرفت نسبه، غير أن الأحوال تقتضي أنه بويع بعد حفص بن راشد، وعلى ذلك ترتيب السير أي لم يكن مانع بعد الإمام حفص بن راشد من إعادة الإمامة، والعمانيون لا يرون لهم قرارًا إلا تحت ظل الإمامة لما فيها من الاستقامة في الأمة، وما لديها من العدل والمساواة، وما تدعو إليه من الإنصاف بين الناس، فلذلك ترى أهل عمان إذا قامت الإمامة كانوا أعوانها وأنصارها؟ ورأيتهم تحت أجنحتها مسرورين بوجودها؟ وإذا زالت تضاءلوا وانضووا في بيوتهم مختفين حتى إذا رأوا الفرصة لها بروزا من مخابئهم، وخرجوا من أكواخهم منادين لإخوانهم، ناشرين لأعلامهم مؤيدين لإمامهم، جامعين لأمتهم تحت ظل عدلهم، وحسن الظن فيما قاموا له على أحسن التوجيهات التي تليق في الدين، وعلى أحسن المقاصد في المسلمين.
قال الإمام رحمه الله: ووجدت تاريخًا لتوبته الآتي ذكرها قريبًا، أي يستفاد منه وقت إمامته، قال إنها كانت أي توبته في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، فيكون على هذا هو على أثر حفص بن راشد كما أشار إلى ذلك ابن رزيق، لأن راشد بن سعيد رحمه الله توفى في سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وبويع بعده لولده حفص، ثم بويع بعد حفص بن راشد للإمام وراشد بن علي المذكور. قال: فحمدته الأمة وشكرته الرعية، وقام منار العدل. قلت إنما بويع لذلك وطلب منه هذا ومثله وهو حقيق لأن يكون كذلك، والأوجب عزله وإقامة من يقوم بذلك عنه، وقوى ساعد هذا الإمام وعلا صوته في عمان، وطال عمره في الإمامة وهو الذي قتل القاضي نجاد بن موسى أحد الخارجين عليه في سنة 496 في ذي القعدة لأحوال اقتضاها الحال، والله أعلم بمن هو المحق ومن هو المبطل، ولم نكلف علم ما غاب عنا، وبحسب الظاهر أن الإمام راشد بن علي لما قدمت إمامته بعمان واشتدت صولته في الأوطان، وصفا له الجو من عمال بني العباس الذين طالما آذوا أئمة عمان، وطالما قادوا عمان بسلاسل الجور، وقد عرفت ذلك مما مضى، وهذا الإمام إذا سلم من أعداء عمان لا ينبغي أن يسلم من أهل عمان ليأخذ قسطاً مما أخذ إخوانه الذين تولوا الأمور قبله، وصارعتهم الليالي والأيام، وقد عاش الإمام راشد بن علي في الإمامة عهدًا واسعًا فإنه مات في سنة 513 ثلاث عشرة وخمسمائة فيكون قد عاش قريباً من ثلاثين تقريبًا.
خروج الأعيان على الإمام راشد بن علي

لما قام عمود إمامة الإمام راشد بن علي انبعث عرق الشقاق، ونبض داعي الافتراق، ونفخ الشيطان في الناس نفخته ، التي أثارت إحساس فريق منهم، وما كانت لهم أفكار تردعهم عن شق العصا بينهم وإمامهم، وأن ينضموا حول إمامتهم شادين عضده ومؤيدين دولته، داعين الله للتوفيق على طاعته، وأن يصرف عنهم معرة الجيوش الأجنبية، بل قام هؤلاء الأعيان المنظور إليهم في عمان، وهم نجاد بن موسى بن إبراهيم والقاضي أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي، ومن معهم من حزبهم وأهل طاعتهم، خرجوا على الإمام راشد بن علي لعزله عن الإمامة.
قال الإمام: وخرجت على الإمام الفرقة الرستاقية يريدون عزله، ورؤساؤهم يومئذ القاضي نجاد بن موسى والقاضي أبو بكر وهو أحمد بن عمر أبي جابر المنحي، خرجوا إلى الرستاق في ذي القعدة سنة 496 ست وتسعين وأربعمائة فلم نجد ذكرًا لما كان بينهم، قال الإمام: غير أني وجدت تاريخًا قال: فيه خرج نجاد بن موسى مغلوبًا مطرودًا ليلة الاثنين من ستة اثنتي عشرة وخمسمائة، ولم يذكر أين كان الإجتماع للنقاش والمناظرة، ولعله كان في الرستاق وخرج القاضي المذكور وهو رئيس الجماعة القائمين، ورجع إلى نزوى وعلى أثر خروجهم من الرستاق إلى نزوى لحق بهم الإمام راشد بن علي،ولعله لما خرج القاضي مغلوباً رأى له الإمام حركة فتنة عليه، فعاجله بالقتل فإن هذا القاضي قتل في هذه الأثناء، قتله الإمام راشد بن علي، قال الإمام رحمه الله وقتل أي القاضي يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة 513 ثلاث عشرة وخمسمائة، فكان بين خروجهم على الإمام وبين قتل القاضي المذكور سبعة عشر عامًا، وسبعة أشهر وبعض الأيام، وهذا يدل على أن الأحوال بين الإمام راشد بن علي وبين هذا الحزب والخارج توترت ومازالت تزداد توترًا حتى آلت على وقوع القتل بينهم، وكان الإمام أمر على القاضي من يقتله فقتله أنصار المذكور، كما يشير إلى هذه الأحوال كلامهم عنها، وهذا الذي نحن نلوم عليه فإن الإحتمال في الممكن الذي يكون له محتمل في الدين، ويسع المسلمين السكوت بل في السكوت عنه إطفاء لثائرته وإخماد لحرارة النفوس من جهته:

وما مضى قبلك لو بساعة*** دعه فليس البحث عنه طاعة

وكان قتل القاضي للإمام في نزوى، فخرج الإمام من نزوى على قتل القاضي في تلك السنة ليلة الجمعة لأربع ليال بقين من شهر شوال، ثلاث عشرة وخمسمائة، وإلى الله المصير والأمر إليه، وهو العالم بأحوال عباده.
قالوا إن موسى بن نجاد عاش ستا وخمسين سنة، وما مات حتى قتل ممن قتل أباه ثمانية عشر رجلا ممن يدعي السيادة، وكان الإمام راشد بن علي من بني خروص، فإن هذا الوقت وقت سيادة أئمة بني خروص، فإنه منذ الوارث بن كعب إلى هذا الوقت لم يكن إمام بعمان إلا منهم، إلا ما كان من إقامة عبد الملك بن حميد، وإمامة سعيد ابن عبدالله الرحيلي رحمهم الله،فلذلك يدعي لهم السيادة، فإن الدولة إذا حلت في قوم رأوا أنهم هم السادة للأمة، وكان القاضي المذكور له أتباع من نسبه ذكر منهم الإمام ولده موسى بن نجاد الذي قام بعد أبيه يأخذ ثأره ممن قتله ولده كهلان بن موسى، ومنهم ولده معمر ابن كهلان، وكان لهم أتباع وأنصار يؤيدونهم ويقومون معهم، وبذلك استطاع موسى بن نجاد قتل القوم الذين اشتركوا في قتل أبيه حتى قتل منهم ثمانية عشر رجلا، وهذه عاقبة الشقاق و الإفتراق ، ونعوذ بالله منه ونسأله عزوجل جمع الشمل تحت راية العدل.
وهذه رسالة بعث بها الشيخ القاضي أبو عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله، إلى الإمام راشد بن علي ينصحه بها، ويشترط عليه فيها، ويدلي بما عنده من الصراحة للإمام فيما يجب الدخول فيه من أمور المسلمين، وما لا ينبغي نوردها ليؤخذ منها المغزى الذي عليه الإمام المذكور وأصحابه، وما يجب لهم وعليهم، قال فيها:
أما بعد: فإذا طلبتم مني الإجتماع والألفة، وبذلتم من أنفسكم قبول النصيحة فإني راغب في مقاربتكم وموافقتكم، وكاره لمباعدتكم ومفارقتكم، غير أنه لا يصلح إجتماع على غير طاعة الله، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه جعل في طاعته المحبة والاجتماع والألفة، وجعل في معصية العداوة والبغضاء والفرقة، فإن أردتم مني إجتماعا في الظاهر، فإني لا يمكنني من ذلك غير ما أنا فاعل، وإن أردتم اتفاقاً في الظاهر والباطن، فحتى أرى منكم غير ما أنتم عليه والله لا يستحي من الحق.
وكأن هذا الشيخ ينكر على الإمام ومن معه الأحوال التي هم عليها كما يدل كلامه على ذلك. قال: ولا دهان في الدين، ونحن غدًا مسؤول بعضنا عن بعض، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شهداء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً 16، وقد أنزل الله كتابه وأرسل رسوله وأوضح دينه، ولا جهل ولا تجاهل في الإسلام، وقد تقدم من المسلمين خلفاء وقضاة وأئمة وولاة، أخبارهم شاهرة وسيرتهم معروفة ظاهرة، فمن اتبع سبيلهم اهتدى، ومن خالفهم ضل وغوى، وقد قيل اتبعوا ولا تبتدعوا، وقيل شر الأمور محدثاتها، وقبل كل شيء إذا ذهب منه شيء ذهب كله. قلت: هذا مبني على أصل المذهب الصحيح أن الدين لا يتجزأ، بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ويدل عليه الحديث: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. الحديث بخلاف بقية الأشياء التي لها أجزاء أو تجوز تجزئتها، فما بقى منها له حكمه قطعاً. قال: والمسيء مخذول والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
فأول ما اشترطه عليكم أن تنصحون وتعرفون عيوبي: وأن تقبلوا نصائح المسلمين ولا تردوا الحق على من جاءكم به بعيدًا كان أو قريبًا، بغيضًا كان أو حبيبًا، وأن تتوبوا إلى الله من جميع ذنوبكم، وتتقوه عزوجل في سركم وجهركم من العمل بطاعته، وأداء لفرائضه واجتنابًا لجميع محارمه، واقتداء بالسلف الصالح من المسلمين مع الورع الصادق، والوقوف عن كل شبهة وألا تعملوا عملا إلا بحجة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والانتهاء عنه والموالاة لله والمعاداة فيه، ومشورة المسلمين أهل العلم والورع فيما يعود عليكم من الأمور، وقد قال الله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ 17 .ولا تقتدوا برأيكم ولا تعجلوا في أموركم، ثم حسن الرأفة بالرعية عامة، وبأهل الصلاح خاصة والرفق بهم والعدل فيهم، وأن يتفقد الإمام أمر رعيته وقضاته وعماله، وإن اطلع على جور من عامل له أو غيره أنكر عليه، وقام في ذلك بما يلزمه ولا تطلبوا العلو والرفعة في الدنيا، ولا تستنكفوا ولا ترفعوا أنفسكم عن أدني منازل الدين، ولا يكون القاضي إما أن يعطي الأمر كله وإلا غضب وجذب يده ووقف عما يلزمه، فإن من كانت هذه صفته لم يجز تفويض أمور المسلمين إليه، إذ ليس ذلك من صفات المسلمين، فإن ولى الإمام واليًا على بلد بمشورة غيره من المسلمين لا يغضب، وإن كان القاضي وال على بلد فعزله الإمام بغير رأيه لم يغضب، ولم يقف عما يلزمه ولم يترك ما يجب عليه، وكذلك غير هذا من جميع الأمور، وأن تقتدوا بمن سبقكم من أئمة المسلمين وقضاتهم وولاتهم، وأن تتبعوا سبيلهم وأن تهتدوا بهداهم، فقد قال الله تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً 18، وألا يحلف القاضي الناس لنفسه بما يحلف به الإمام، فإن هذا لا يعلم أن أحدًا سبق إليه من ولاة المسلمين وقضاتهم وأن تردوا الخيل التي أخذت من الرعية.
هنا يتجلى بعض ما في نفس هذا الشيخ من الأمور التي ينتقدها، فكأن هناك أشياء شاع معهم أمرها، ولا ريب فإن الناس لا يخلون من الأحوال يخالف ظاهرها باطنها وربما شاعت عليهم على غير وجهها اللازم لها، وربما كان لها في الحق مخرج، وربما كان للإمام فيها عذر، ولكل مقام مقال. قال: ومع ردها عليهم أي الخليل لا يجبرهم القاضي على الخروج معه لغزو ولا غيره، إلا أن يتفق للإمام الخروج بنفسه من أمر يجب عليهم الخروج معه، ولا يكون لهم عذر في ذلك، وأن تنصفوا الناس في معاملاتكم ومدايناتكم، فإن كان لأحد عليكم حق فلا تمطلوه ليرضى بدون حقه تقية أو ضرورة، أو تلجئوه إلى أخذ شيء من العروض، حتى يأخذها بأكثر من قيمتها في البلد، ولا تبيعوا ولا تشتروا لأنفسكم إلا أن توكلوا في ذلك غيركم من الرعية، ممن هو غير داخل في حرمه وأمره، ولا يعلم أن المشتري لكم، ولا تقبلوا من الرعية الهدايا والعطايا، وأن تمنعوا خدمكم وأصحابكم من ذلك ولا تقبلوا من الناس أموالهم على وجه، ولا ترسلوا إليهم في ذلك إلا أن يتبرعوا هم من تلقاء أنفسهم، أو يشير بعضهم إلى بعض من غير رسالة منكم، ولا تتحملوا الديون إلا من ضرورة في نفقة أو كسوة أو تقووا أمر المسلمين، ولا تبذروا أموال المسلمين، حين يحتاجوا إلى أموال الرعية، وتأخذوا منهم على وجه القرض أو المداينة أو المعونة، وتحتجوا أنكم فعلتم ذلك ضرورة أو حاجة، فليس هذا مما يوجد لكم عذرًا في أخذ أموال الرعية، وأن ترفعوا الطمع فيما لا يجب لكم على الرعية، وأن تسووا في الحق بين البعيد والقريب والبغيض والحبيب، ولا تصفحوا عن أحد وتأمنوه ثم تأخذوه وتعاقبوه بعد الصفح والأمان، ولا تخرجوا إلى النواحي البلدان بعسكر لا تضبطوهم ولا تشدونهم عن الظلم والفساد، ولا تلزموا الناس ما لا يلزمهم من الخروج، بل تعذروا من له عذر من مرض أو غيره، ولا تفوضوا أمرًا يحرج الناس إلى العرفاء والجهال فيبعدوا الرشاء منهم، ولا تجبروا الناس على الخرج بلا زاد اتكالا على الضيافة من عند الناس، ولا يبروهم على الرباط بلا نفقة، ولا تستفتحوا بلدًا من بلدان أهل القبلة، وأنتم تقدرون أن تتولوا عليها وتحموها وتأخذوها من ظالم وتسلموها إلى ظالم، وأن تبذلوا الإنصاف لأهل السر والسنينة من حرق منازلهم وخراب أموالهم.
وهذه أيضًا مما نفس الشيخ تنتقده عليهم وتتحرج منه صرح به الآن، وكأن هناك أحدثاً واقعة منهم لم نقف على تاريخها إلا ما نفهمه من كلام شيخنا هذا رحمه الله، ولا نعلم عذر المسلمين فيها ولا مقالهم عنها، فالله أعلم بها.
قال: وتعرفونهم عنها وأنكم أيضاً تعرفون جميع النواحي التي تجري فيها الأحداث من عسكركم وأصحابكم، وتظهروا إليهم الإنصاف حتى يعلموا أن الحق مبذول عندكم لمن طلبه، والباطل مردود على من فعله، ولا تخرجوا إليهم بعسكر تفعلوا عنده مثل ما فعل عسكركم الأول، وإذا شكت الرعية عاملا من عمالكم، وطلبت عزله عنهم أن تعزلوه عنهم ولا تكلفوهم عليه البينة، وأن تردوا مكاتباتكم إلى ما كان عليه مكاتبات من سبقكم من المسلمين، وأن تفوا بعهدكم ووعدكم، وقد قال الله تعالى: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً 19 .ولا تكتبوا لأحد رقاعاً خالية فارغة، فإن ذلك يخرج مخرج السخرية والهزل، وقد قال تعالى: َلا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ 20، ولا تفوضوا إلى أحد الحكم بين الناس، ولو كان لكم ولياً حتى يكون ممن يبصر الحق ، ويعرف وجه الحكم، ولا تولوا واليًا على بلد ولا على حرب ولو كان لكم وليًا حتى يكون عالمًا بعدل ما تولونه عليه، ولا تأخذوا الزكاة من الناس بالقيد والحبس على التهم، ولا تقولوا لمن تتهمونه بكتمان الزكاة عنا ، لا نقبل إلا بكذا وكذا، وهذا كأنه حكم، ولا يجوز الحكم مع المسلمين بالتهمة، وألا تبعثوا في طلب الزكاة من الناس غير الثقاة لتوكلوهم في تسليمها إليكم، فإنه قيل إن هذا لا يجوز، وألا تزيدوا على خدمكم فيما تعطونهم من أجرة خدمتكم خلاف سعر البلد، ولا تأخذوا أعطياتكم بغير حساب، فإن هذا لا يفعله صاحب دين ولا دنيا إلا ما شاء الله، وألا تكتبوا إلى ولاتكم وأمنائكم رقاعًا لا يجوز لهم أن يعلموا بها وألا تنفوا المسلمين ولا تعاقبوهم بالتهم والظنون، فإن العدول لا تهمه عليهم، وإن عاقبتم أحدًا من المسلمين فعرفوه الخطأ الذي أوجب عقوبته عندكم، وإن بلغكم عن أحد من أهل الصلاح ما تكرهونه فلا تعجلوا في عقوبته حتى تظهر الحجة عليه عند المسلمين، وألا تعرضوا لأحد في فعل منكر تأويلا منكم أنكم لم تأمروا تصريحًا لم يلزمكم في التعريض، بل قد قيل إن التعريض يقوم مقام الأمر الصريح، وألا تعملوا بالآحاد من الأخبار التي لا عمل عليها عند المسلمين، وأن تقربوا أهل الصلاح وتدنوهم من أنفسكم، وتبعدوا أهل الجهل والسفل، وتنزلوا كل واحد منهم حيث أنزل نفسه، وأن تعتذروا إلى من لحقه منكم جفاء من المسلمين، وأن ترجعوا في العبدة التي اشتريت من عند أبي الفرج والبيت الذي اشترى من عند موسى الفرقاني إلى قول المسلمين، وما يوجب الحق في ذلك.
وهذه النقطة الثالثة التي يعرب انتقاد الشيخ أبي عبد الله لها، قال: وأن ترجعوا في حكم المال الذي يمنح إلى قول المسلمين، ولا يستبد القاضي فيه برأيه دون المسلمين، وألا تعرضوا من عند أبي العرب بن أبي جابر شيئًا من عماله بقرض ولا معونة ولا عارية، ولا تمنعوا ورثة إبراهيم بن عبدالله من مالهم بغير حجة ولا حكم، فإنا لا نعلم أن في ذلك جوازًا، وإذا سألكم أحد حاجة فإما: نعم منجزة وإما لا مريحة- أي إما وعد صادق وإما نفي كذلك، فإن خلف الوعد نفاق ومطل الوعد تنغيص. قال: فإن المماطلة عند الوعد تنغيص وتنكيد، والمماطلة مع الحرمان تخلية وهزل، وكلا الحالين مذموم عند ذوي الدين، وإنما يفعل ذلك من هانت عليه نفسه ودينه وعرضه، والمعنى أن ذلك من الأخلاق المستزلة التي نهى الشارع عنها، فلا يرضى بها إلا أهل الدنيا، ولا يرضى بها المسلمون.
فإن قلتم: إن ذلك من خدمكم وأصحابكم، فلو علموا منكم الكراهية لم يتجرؤوا على ما تكرهونه إلا ما شاء الله، فأما إذا كانوا لا يتقربون بذلك إليكم فإن عاره وإثمه راجعان إليكم، ولا تحرموا الفقراء والمساكين هذا المال، فإن لهم فيه سهما، ولا تقفوا في شيء يلزمكم وتزيلوا عن أنفسكم إثم العذر في التخلف في العهد والوعد والتهمة بذلك، وأن تؤمنوا من خوفتم من المسلمين، وتردوهم إلى منازلهم، فإن قلتم قد بذلتم لهم الأمان، فلم يثقوا بأمانكم فلا أرى هذا يسقط به حجة عنكم، ولا يوجب به عند المسلمين عذركم، إذ كانوا قد عرفوا منكم الرجوع في عهدكم ووعدكم، بعد بذل الإمام خطة لهم بالأمان، وخافوه أن يفعلوا منهم من بعد كما فعلتم من قبل، وأن تبدوا الإنصاف لأهل السر في تلك الأحداث الشاهرة، وتفعلوا كما يوجد عن محمد عن محبوب رحمه الله أنه كتب به إلى بعض الأئمة، وعليك إظهار الإنكار في ذلك والطلب لمن فعله حتى يعلم الناس أن من فعل ذلك فإن الحق معروف، وأنك مؤثرة على ما سواه وتظهر الدعاء إلى الإنصاف حتى تبسط لطالب الحق بلسانه، وأنا أشير عليكم في الأحداث التي جرت في السر وغيرها من النواحي والبلدان، وجميع الأحداث التي تجري من عساكركم وأصحابكم ورعيتكم حتى يظهر عند الناس أنكم أنكرتم الباطل ولم ترضوا به ولم تواطئوا عليه، ولم تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتزيلوا عن أنفسكم الأوهام الفاسدة، فأما إذا كنتم تنادون بتخويفهم وتظهرون الغضب على من تتهمون أنه أراد أن يكتب إلى الإمام، ويعلمه بما يجري من الأحداث فكيف يتجاسر الضعيف والمظلوم أن يرفعوا إليكم وينتصفوا ممن ظلمهم، وإياكم والتحقتم على الأمور بغير حجة ولا برهان، وإياكم وسوء التأويل فإنه روي عن النبي أنه قال: أخوف ما أخافه على أمتي ثلاثا: ذلة العلماء، وحيل الحكماء، وسوء التأويل. فانظروا لأنفسكم وسلوا المسلمين عما يجب عليكم ويلزمكم إتباع كتاب ربكم وسنة نبيكم، وآثار الصالحين قبلكم، ولا تميلوا بالناس يمينًا وشمالاً، واحذروا يومًا حذركم الله إياه فقال في محكم كتابه: وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ 21
وأنا استغفر الله مما خالفت فيه الحق والصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا.
والإمام أراه ضعيف المعرفة قليل العلم والبصيرة، ولا أرى له أن يولي واليًا ولا ينصب قاضيًا ولا ينفق من مال المسلمين إلى أحد من الناس، ولا يفعل شيئًا من هذه الأمور إلا بمشورة المسلمين أهل العلم والورع، ممن يكون له حجة في ذلك، وليس كل المسلمين يكون حجة في هذا، وإنما الحجة هو الفقيه، وهو الذي يجتمع له حالان: العلم والورع، فإن فعل شيئًا من هذه الأمور ببصيرة نفسه أو بمشورة من لا يكون حجة له في ذلك، فإني أخاف ألا يجوز له ولا يسعه ولا يجوز لمن دخل معه في ذلك ولا يسعه، وإن كان الإمام ضعيف المعرفة قليل العلم والبصيرة لا يعرف المشورة، ولا يهتدي لها ولا يعقلها فأخاف ألا يثبت له عقد ولا يجوز للمسلمين أن يجعلوه إماماً، ولو كان لهم وليًا وسلوا المسلمين عن ذلك، ولا تأخذوا منه إلا ما وافق الحق والصواب، وأنا أستغفر الله من كل خطأ كان مني في هذا الكتاب وغيره، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيرًا.
انتهى كلام الشيخ أبي عبدالله محمد بن عيسى رحمه الله، ويستفاد
من كتابه وقوع أحداث من الإمام وجيشه وأعوانه، كما نص عليها الشيخ وكأنها واقعة لا محالة، وما وقع من الجيش فهو من جملة ما يعد على إمامه إلا ما خرج منه بحجة صحيحة، وكان الإمام كما يقول الشيخ السري أنه قليل العلم ضعيف المعرفة، ولعلهم لم يروا غيره أصلح منه إذ ذاك ولكل زمان رجال، ولكل إمام أعمال، ولعله له عذراً وأنت تلومه، فهذا الكلام ظاهره مسوق غلى الإمام من هذا الشيخ احتجاجا عليه، ولم نعرف عذر الإمام فيه ولا عذر أصحابه الموجه إليهم فيه الخطاب، ولابد لهم من جواب، ولابد إما أن يكون حقا أو صوابا لهم فيه العذر أولا، ولعل توبة الإمام الآتي ذكرها كانت لأجل هذه الأحداث التي ذكرها هذا الشيخ الزاهد الرضي رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيراً، وهو الواضح فإنهم حرروهاعلى رأي الشيخ أبي على الحسن بن أحمد ابن نصر الهجاري، قرر فيها ما يجب على الإمام أن يتوب منه وأن ينشر توبته منه للإطلاع عليها من أهل العلم الذين في نفوسهم اشمئزاز من وقوع ما وقع، وأرادوا بذلك إظهار الإمام بالدينونة فيما يلزمه أن يدين لله فيه عند المسلمين، فإنه ابتلي بأمور المسلمين، ولما ابتلي بقى في حيرة من الأمر الذي دخل فيه بغير علة، والإمامة أمرها عظيم وخطبها جسيم، وللمسلمين أن يقدوا المفضول إذا تحققت المصلحة في تقديمه، كتقديمهم للإمام عزان بن قيس رحمه الله، مع أن المقدمين له كلهم أعلم منه، إلا أن أحوالا أخرى أهلته للتقديم، وأجلته للمقام الكريم، وكذلك تقديمهم للإمام سالم بن راشد بن سليمان الخروصي في عصرنا، فإن في الجماعة من هو أعلم منه، ولكن لكل مقال، ولكل زمان رجال، وكل يصلح لشيء لا يصح له غيره، والمسلمون مكلفون بالقيام بأمور الدين ابتلاء من الله الذي يعلم المفسد من المصلح والله ولي التوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم: توبة الإمام راشد بن علي، عمل القاضي أبي على الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري، أي رتبها له على هذا الوضع لينشرها بين المسلمين، معترفاً بما جاء فيها من اعتراف، وإذعان وخضوع وانقياد للمسلمين بحسب ما جاء فيها من الأقوال، والرجوع المطلوب من الإمام على أثر تلك القضايا التي وقعت، وعدت على الإمام، والحقيقة ليست التوبة عملا صناعياً ولا قولا مسطورًا، بل هي رجوع قلبي وخضوع إذني، واعتراف نفسي يتجلى على لسان التائب نطقًا، وعلى هيئته صفة وعلى جميع جوارحه خضوعًا وانقيادًا لله وللمسلمين، إلى ما يعدونه عليه مخالفًا للحق، ومباينًا لمذهب المسلمين، وهذه التوبة التي يصنعها هذا الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد لإمامه راشد بن علي ليقبل المسلمون منه، وأن يرفضوا الحرج عليه ويكون عندهم بالمنزلة المرضية المقبولة في دين المسلمين، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمعترف بما عليه تنصلا لا يطالب بضده في الحكم ولكل حالة حكمها ولكل قضية مقامها.
وهذا نص التوبة المشار إليها يقول فيها بعد البسملة والحمد له:
أنا أستغفر الله وتائب إليه من جميع ذنوبي كلها قليلها وكثيرها، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، ما علمت منها وما لم أعلم، كان ذلك مني على العلم أو الجهل أو الخطأ أو النسيان، أو التدين أو الاستحلال، أو التحريم، كنت متأولا فيه أو دائنًا به بلساني، أو اعتقدته بقلبي، وتائب إلى الله تعالى من السيرة التي سرتها بغير العدل مخالفة للحق، ومن كل خطأ مني في إلزام أهل النواحي الخروج منها، ومن ترك النكير على نجاد بن موسى بعد علمي بسيرته، ونجاد هذا هو الذي قتله هذا الإمام، وكأنه وقع منه أمر أنكره المسلمون، استوجب به القتل فقتل كما سبق ذكره، وكأنه أي القاضي المذكور سار سيرة غير مرضية، ولكن لم يبين الإمام حقيقتها، وكان يتولاه فندم على ولايته، وتاب منها، وكان ولاه الأمور وهو يرى أحداثه، وهذا الشيخ الذي عمل هذه التوبة للإمام معه على أحداث نجاد بن موسى، وهذه الأمور هي التي أنكرها الشيخ محمد بن عيسى السري في كتابه المتقدم، قال الإمام في توبته: ومن ترك النكير على نجاد بن موسى بعد علمي بالسيرة التي سارها مخالفة للحق والعدل، ومن ولايتي له على ذلك وتوليتي إياه علمي بأحداثه وفعله، ومن الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير حق، وأنفقت في غير أهلها ومستحقيها ومن العواقب التي عاقبت بها بغير الحق، وتعديت فيها بغير الواجب، أو أمرت بذلك من فعله ومن إخلافي لكل وعد ولم أوف به، ورجعت عنه، ومن كل عهد عاهدته ثم نقضته، ومن تقصيري عن القيام بما يلزمني من الحق والعدل، ودائن لله تعالى بما لزمني في الأحداث التي أحدثت في القرى على أهل القبلة من الخراب والحرق، وأخذ الأموال وعقر الدواب والأحداث في تخريبها وما جرى من العساكر التي أخرجتها ومن كل حرب حاربتها، وسفك الدماء فيها بأمري وملزم نفسي بذلك، وما لزمني من حق وضمان ودية وأرش وغير ذلك، فأنا دائن لله بالخروج منه، وقابل قول المسلمين، وراجع إلى قولهم، وقابل نصيحتهم، نادم على ما سلف مني في نفي أحد من المسلمين، أو عقوبته بغيره يلزمه، ومعتقد أني لا أرجع إلى ذنب، وإن علمت بذنب بعد هذه التوبة فهو داخل في هذه التوبة، وهذه التوبة لازمة لي إلى الممات ومن كل تولية والِ وليته، ولم يكن أن أوليه، شهد الله وكفى به شهيدًا ومن حضر من المسلمين.
وكانت هذه التوبة من الإمام راشد بن علي بحضرة القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله، والقاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري، والشيخ أبي بكر بن عمر بن أبي جابر، وأخيه أبي جابر محمد بن عمرو بن أبي جابر، وعلي بن داود، وعبدالله ابن إسحاق المنقالي وغيرهم من المسلمين، وكانت هذه الشهادة يوم الاثنين لإحدى عشر ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة 472 اثنين وسبعين وأربعمائة.
هذا تمام هذه التوبة المحررة باسم الإمام راشد بن علي المنشورة بين أهل العلم من أهل زمانه، وهي ثمرة ذلك الكتاب الذي حرره ذلك الشيخ السري رحمه الله وهي جامعة لكل ما يتعلق بأمور الدنيا والدين، وعسى أن يكون مقتضاها من الإمام المدعو لها من صميم القلب وخالص الإيمان، والله يتولى من عباده الصالحين، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
ومل نجد للإمام اعترافاً بذنب خاص وتوبته تتناول كل ما يلزم، والله الموفق للخير وحده، وقد عرفت ما ندد به الشيخ السري محمد بن عيسى على الإمام، الله في خلقه ضنائن والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ولما بلغت هذه التوبة إلى الشيخ المذكور، وعرف مقتضاها، أجاب الإمام بقوله فيها إذ سأله الإمام عن ذلك قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، من القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى رحمه الله، إلى الإمام راشد بن علي، فيما سأله عنه من هذه التوبة، وما رد عليه فيها، سألت عن التوبة التي دعاك الجماعة إليها وإلى الكتاب الذي كتبوه لك فيها، فاعلم أني نظرت في ذلك على قدر ضعفي وقلة بصيرتي، فرأيت الكتاب يشتمل على معان كثيرة يطول شرحها، غير أني أذكر لك من ذلك ما يسر الله، والله أسأله التوفيق لذلك، أما توبتك من السيرة التي سرتها بغير العدل مخالفة للحق، فإن كان ذلك قد جرى منك على الاستحلال والتصويب لنفسك، فلا أرى هذه التوبة تكفيك ولا تصح لك، ولا يقبلها المسلمون منك حتى تفسر ذلك تفسيرا غير هذا، وتتوب منه بعينه على التفسير، وإن كان منك على التحريم والتعمد لمخالفة الحق عند فعلك فما كان فيها من تلف نفس أو مال، فعليك الضمان والخلاص من حقوق العباد في الأموال مع التوبة، إن كان ذلك منك جهلا بحرمته، وظنًا منك أنه واسع لك من غير تعمد للحرام، ولا قصدا منك لمخالفة الحق والاستحلال لذلك بديانة وتأويل، فقد يوجد مثل هذا يخرج مخرج التحريم، وقد تقدم القول في المحرم، وما يلزمه فقي الأموال والأنفس والخلاص من ذلك، وأما توبتك من الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير الحق، وأنفقت على غير أهلها ومستحقيها، فالأمر فيه على نحو ما تقدم من الكلام في المحرم والمستحل، فإن كان ذلك على وجه الاستحلال لما حرم الله فلا أراك تكتفي بهذه التوبة، ولا يصح ذلك حتى تفسر تفسيرا غير هذا، وتتوب منه بعينه على التفسير، وإن كان منك على وجه التحريم، فقد تقدم الكلام في المحرم، وعليك الخلاص من جميع ما أتلفته من الأموال والأنفس، وإن كان ذلك على وجه العمى والظن أنه واسع لك، فقد تقدم القول في ذلك أنه يخرج مخرج التحريم، وأما توبتك من العقوبات التي عاقبت بها بغير الحق، فإنها تجري مجرى ما تقدم من القول به والجواب واحد، وأما توبتك من كل حرب حاربتها، وسفكت الدماء فيها بأمرك فإن كنت حاربت حربا بعد حرب منها ما هو بالحق وما هو بالباطل، فتبت من جميع ذلك فلا يجوز لك أن تتوب من الحق، وعليك التوبة من توبتك من الحق، وعليك التوبة أيضا من الحرب التي حاربتها بالباطل، وإن كان على الاستحلال فقد تقدم الكلام في المستحل، وإن كان على التحريم فقد تقدم الكلام أيضا في المحرم وما يلزم في ذلك من الضمان في الأموال والأنفس، وإن كنت مخطئا ففي جميع محاربتك من أول الأمر إلى آخره فقد أصبت في التوبة منها، وأما الضمان فهو على ما تقدم فيه الكلام من المستحل والمحرم وأما توبتك من ولايتك لصاحبك، فإن كنت علمت منه حالا تحرم به ولايته عليك أو توليته على أول الوجه لا يجوز لك أن تتولاه عليه، فقد أصبت من توبتك في ولايته، وإن كنت توليته من أول وجه يجوز لك ولايته عليه ولم تعلم عنه حدثا مكفرا، فقد أخطأت في توبتك من ولايته بغير حجة، وعليك أن تتوب من توبتك من ولايته، وإن كان قد صح عنك عليه حدثا مكفر بشهرة لا دافع لها أو شهادة عدلين مع تفسير الحدث أو شهادة عالمين بالحدث بتفسير أو بغير تفسير، أو شاهدت أنت منه حدثا مكفرا، أو أقر عندك بذلك وتوليته من بعد، فقد أصبت في توبتك من ولايته على هذا الوجه، ولكن استتبه من ذلك فإن تاب وكان مستحلا، فقد قيل إنه يرجع إلى حالته الأولى من الولاية ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإن كان محرما ففي أكثر القول أنه يرجع إلى ولايته الأولى، وقيل فيه قول آخر ولا أرى لك أن تهمل أمره، ولا أن تترك استتابته، ولا الإنكار عليه إذا قدرت على ذلك، فإن لم تفعل ولم تستتبه فأخاف أن تكون أتيت خلاف ما عليه أهل الحق والعد من المسلمين، وأما توبتك من توليك إياه بعد علمك في أحداثه وفعله، فإن كنت علمت منه حدثا مكفرا ووليته على ذلك الرعية فجار عليهم في أنفسهم وأموالهم وأنت محرم لذلك فأخاف عليك ضمان ذلك في أحداثه، وإن أتلف شيئا من أموال الناس وأنفسهم، وإن كنت مستحلا لذلك فقد تقدم من الكلام في المستحل والمحرم والجاهل ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وأما قولك وملزم نفسك ما لزم للعباد من حق وضمان ودية وأرش، وأنك دائن بالخلاص منه فهذا هو الصواب، إذا صدقته بفعل وقيل لخلاص نفسك لحقوق الله وحقوق العباد، وأم القول وحده بلا فعل ولا قيام ولا اجتهاد في خلاص النفس، فما النفع في ذلك فقد قيل لا ينفع التكلم بالحق إلا بإنفاذه، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ،كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ 22، وإن كنت محقا في هذه الفصول كلها والمعاني التي دعاك الجماعة إلى التوبة منها، ولم يكن منك خطأ في الظاهر، ولا في الباطن فتبت من الحق ليرضوا عنك، فلم يكن لهم أن يدعوك إلى التوبة من الحق، ولاأن تجيبهم إلى أن تتوب من الحق، فإذا فعلت ذلك جميعه كان ذلك عليك وعليهم التوبة، ولو أن الجماعة عند استتابتهم لك سلكوا بك مسلكا غير هذا الذي حملوك وحملوا أنفسهم عليه، ربما كان أسلم لك ولهم وأخف وأسهل عليك وعليهم، ولا مخافتي لا يسعني السكوت ولا التغافل عن جوابك فيما سألتني عنه لم أذكر لك شيئا من هذا، ولكنك سألتني عما يلزمك في تلك التوبة، فاستصعبت الإمساك عن رد جوابك، فقد ذكرت لك ما قد ذكرته على قدر ضعفي وقلة بصيرتي، فإن كان حقا فهو من الله فخذ به، وإن كان فيه مخالفة للحق فلا تأخذ به، وأنا أستغفر الله من كل من خالفت فيه الحق والصواب، وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما.
انتهى كلام القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله تعالى ولم نجد جوابا لكلامه، وما ندري ماذا كان بعد هذه النصائح البليغة الصادرة عن الصدق والإخلاص، غير أني وجدت أنه قتل رحمه الله في نزوى في موضع على طريق مساجد العباد، غربي المقبرة الكبيرة تمر على حضيرة غلافقة، ولم يسموا قاتله ولم يؤرخ وقت ذلك وهذا دأب الأمة هذا داع للحق صادع به وهذا مضاد له معاد لأهله، لا يبالي بما يلاقي وإن قتل العلماء عند الله عز وجل عظيم، يهدم كيان الدين ولكن الحظوظ الإلهية لا تفوت أهلها مهما كانوا وأفضل موتة يموتها العبد الصالح القتل في طاعة الله عز وجل، فإن للشهيد منزلة يغبطه عليها حتى النبيون عليهم الصلاة والسلام، نسأل الله الفوز بأعلى المنازل عند الله والتوفيق لما يحبه ويرضاه.





إمامة الإمام عامر بن راشد بن الوليد الخروصي رحمه الله
كان هذا الإمام عامر بن راشد من أفاضل الأئمة ومن أخيار الأمة لكن لضياع التاريخ العماني الذي طال ما تكلمنا عنه هذا التاريخ، وطال ما ضاعت منه حقائق يأسف العاقل، ورثي اللبيب لها، ضاعت عنا مهام هذا التاريخ، فإن التاريخ كما قلنا عنه حافظ أعمال الأمة صالحها، وطالحها، وديوان جامع لما مضت به الأجيال، وما وقعت فيها من أعمال.
قال الإمام: عقدت له الإمامة سنة 746 ست وسبعين وأربعمائة. قلت: هذا الوقت هو وقت إمامة راشد بن علي المتقدم، وقد توفى سنة513، اللهم إلا أن يكون الغلط في تاريخ بيعة الإمام راشد بن على أو بيعة الإمام حفص بن راشد، فإن والده راشد بن سعيد رحمه الله توفى سنة 445، وبويع ولده حفص بن راشد بعده، وعند بعض أهل التاريخ أن حفص بن راشد لم يطل عهد إمامته، بل هو عند بعضهم عاش في الإمامة فقط سنة واحدة، لكنه لم يظهر له تحقيق.
قال الإمام نقلا عن المؤرخ لهذا الإمام: كان رجلا عالما زاهدا ذا ذكاء وفطنة محسنا في الرعية، قال: وكان إماما شاريا، قال: وهو آخر الأئمة الشراة من بني خروص، قال: فاستقام على الحق حتى توفاه الله رحمة الله عليه.
قال الإمام رحمه الله: وأنت تدري أن هذا الوقت الذي ذكر فيه بيعته هو وقت إمامة راشد بن علي بعينه، فإن صح ما ذكر فكأنه إنما بويع في وقت إمامة راشد، فإن الناس قد اختلفوا على راشد على حسب ما تقدم، وفي هذا التاريخ اضطراب، ولعل هذا الإمام من أئمة الطائفة الرستاقية، فإن كان كذلك فربما صح التاريخ والله أعلم.
ولما كان النباهنة ظهروا على ملك عمان في أول القرن السادس للهجرة، وكان الإمام الخليل بن عبدالله قام والنبهانية قائمة السيطرة وقاتلها وقاتلته، وتولى بعض ملك عمان كنزوى ونخل والرستاق والباطنة، وما بقى من ملك عمان، بقى في أيدي النباهنة، دل ذلك على أن هؤلاء الأئمة الثلاثة قاموا في أول قيام دولة النباهنة، وإن قيل إن الإمام محمد بن غسان كان أكثر حربه الحسا، وأرض نجد، فلعل النباهنة كانوا يستجيشون أهل الحسا، وأهل نجد، وكانوا يتحيزون إليها عندما يجدون صراعًا عنيفا وغلبة من الإمامة، لاسيما أن ذلك في بادئ الأمر، فالذي ينبغي أن يعول عليه أن عامر بن راشد بن الوليد، ومحمد ابن غسان بن عبدالله، والخليل بن عبدالله ثلاثتهم ناموا في صدر الدولة النبهانية في أول القرن السادس، فإن النباهنة برزت سيطرتهم في عمان بعد مضى النصف الأول من نفس القرن المذكور.
وسيأتي إن شاء الله تحقيق ذلك قريبا عند الكلام على تلك الدولة التي عبرنا عنها في العنوان بالدولة الرابعة من دول عمان، وذكرنا ما قيل في أول نشأتها على سبيل الإجمال، وكان الإمام عامر بن راشد آخر من بويع بالشرى في عمان.


إمامة الإمام محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي

من أفاضل المسلمين هذا الإمام الرضي محمد بن غسان بن عبدالله، ولعله من ذرية الإمام غسان بن عبدالله، الذي قام عقب الإمام الوارث ابن كعب رحمهم الله تعالى، وإنها ذرية طيبة، وكان هذا الإمام أيضا من الأئمة المجهولة تواريخهم، ووقت إمامتهم، فإن كانوا من أئمة الطائفة الرستاقية فالله أعلم بأحوالهم، فإنهم لم يذكروا من بايعه من المشايخ، ولا وقت بيعته ولا مكان إقامته، ولا يمكن مثل هذا أن يخفى إلا أن الدهر الذي مر على العمانيين في ذلك العهد كله اضطراب.
وسبب ذلك الاضطر أن موسى بن موسى ومن معه ومن شايعهم ومن الغلاة فيهم، ومن الدعاة ضدهم، وكان ذلك داعية تفرق للكلمة بين المسلمين، ووضع شقاق في الدين، وأهل العلم إذا لم يقصدوا بالأمر لله وحده سرعان ما يكون فيه اضطراب، وخبط الأمور على غير هدى من الله.
قال الإمام رحمه الله: كان إمام دفاع فأرادوه أن يكون شاريا، فخاف ألا يطبق الشرى خوفا من خلفاء بني العباس أو قال خوفا من خلفاء بغداد، لأنهم طالما جهزوا الجيوش على عمان، وطالما هاجمها جنودهم فيستمر الصراع عهداً، فتارة يغلبون على العمانيين فيقبضون على دولته، وتارة يستغلبون فينهزمون إلى بغدادهم، كما عرفت ذلك مما مر عليك في تاريخنا هذا، والحرب لا تزال سجالا طيلة الدهر الخؤون ، وأهل عمان، إمامتهم رحمة للأمة، لكن رحمة الله لا تدوم إلا ريثما تمر على الأمة لإقامة الحجة عليهم، وهذا الإمام محمد بن غسان من خيرة الرجال في عمان، لكن كأنه لم يمتد له عهد في الإمامة، أو لم تكن له حروب يسجلها التاريخ في الأمة. قال الإمام رحمه الله: وكان رجلا عالما بليغا زاهدا ذا حلم ورأفة للرعية، غيورا على الممالك، قال: وكان أكثر حربه الحسا وأرض نجد.
قلت: لعل نهداً وعقيلاً عادوا على ما كانوا عليه أيام الإمامين السابقين الذين عاصرهما الإمام الحضرمي، أو أن بغاة نجد وأجلافهم كما عهد منهم النهب والعيث في الأرض فسادا، والحسا هي دار بغي في السابق، فكان فيها القرامطة من شر البرية، وفيها الخوارج الذين لا يبالون بالواجبات في الدين.
قال: وكان في إمامته عادلا لم يعب عليه شيء ولا عابه أحد في زمانه، ولا طعن عليه في شيء من أحكامه حتى توفي رحمة الله عليه. قال: وكانت إمامته تسع سنين إلا خمسة أشهر.
قال الإمام: ومن خصاله أي من خصال الإمام محمد بن غسان الحميدة وأفعاله الغريبة، أن كل أحد أراده بسوء وعزم على حربه مخاصمة، ووصل هذا الإمام في ساحته،يسلم المخاصم له الأمر من غير قتال. وكان ذلك كرامة له رحمه الله ولعله لإخلاصه لله في حله وترحاله، ومن كان مع الله كان الله معه، وسهل الله له كل صعب، ويسر له كل عسير، وليتنا وجدنا تحقيق تاريخ هذا الإمام الميمون وأعماله ورجال دولته، حتى تفيد الأمة عنه، فلله در التاريخ ولله در رجاله الأجلاء الحافظين لمآثر الأئمة المخلصين، والملوك العادلين، والمتغطرسين الذين لا يعتبرون الأمة إلا قطعانا أو عبيدا مماليك، يتصرفون فيهم كما يشاؤون.
ومن مزايا التاريخ إن تركنا نأسف على ضياع كثير من المآثر الإسلامية السامية، ونعض عليها أصابع الندم، ونبذل في إدراكها ما عز علينا، فإن وجدناها طابت أنفسنا وانشرحت لها صدورنا، وإلا تولى الأسف علينا، والأمر لله من قبل ومن بعد، لقد أجمع العلماء على فضل التاريخ وأشار إليه من قال:

تلك آثارنا تدل علينا*** فانظروا بعدنا إلى الآثار

فالتاريخ جماع الآثار كلها، وسجل الحوادث في الأمة، وإليه ينظر الناظر في الآثار، وبه يكون الاعتبار بعد انتهاء أدوار أمته وانقراض دولهم، والله حض على الاعتبار بماضي الدهر وحوادثه ذوي الأبصار، وأساطين الأفكار من الرجال في عموم الأدوار.


إمامة الإمام الخليل بن عبدالله بن عمر الخليلي

وهذا نسبه
الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد بن الخليل بن شاذان بن الصلت ابن مالك بن أبي العرب، لا يخفى على المطلع أن أشرف بيت في آل اليحمد بن حمى بيت آل الخليل بن شاذان بن الصلت، إذ توالى الفضل فيه إلى وقتنا هذا، وكان هذا الإمام الجليل من ذرية الإمام الخليل ابن شاذان بن الصلت، كما صح نسبه، كان ثالث الأئمة المجهولة تواريخهم وبيعتهم وأمكنتهم وحروبهم، وأكثر أعماله، وذلك لإهمال التاريخ، وكان هذا الإمام من أئمة الطائفة النزوانية ، وقد بويع في أول وقت بدأت فيه روح الدولة النبهانية في عمان، تجسس جسمها وترمز اسمها، وتعلن عهدها الذي تتوقع ظهورها فيه في هذا القرن الذي أراح الله فيه عمان من حروب بغداد.
وكانت بيعته في نزوى، ولم نعرف من بايعه ولا من شايعه، وإنما وجدنا أنه قاتل النباهنة في نزوى، واستولى عليها وقهر الرستاق، ونخل وجميع أقطار الباطنة، وكأنه قامت له قوة خافها بنو نبهان أن تقضي عليهم، فاستجاشوا الجبور وبني هلال، قال: ولم يزل يقاتلهم في كل أرض، فكأن القتال استمر بينه وإياهم، والظاهر أن شرق عمان ووادي سمائل كان مع النباهنة، والرستاق والباطنة مع الإمام، وكأن الأيام ما زالت بينهم في تداول لقوله، ولم يزل يقاتلهم في كل أرض.
قال ولم يعب عليه في إمامته أحد حتى توفي رحمة الله عليه مستقيما على طريق الحق ولا يخفى أن جيوش بغداد لم تكن لها في هذا العهد عمل في عمان، ذلك لأن الدولة العباسية قد انهارت صروحها منذ أول القرن الخامس، ولكن بقى لها اسم فقط، ثم انتهى أمرها اسما ومعنى ، وقوضت بتمام القرن السادس وبالنصف الأول من القرن السابع، انمحت آثارها تماما فلذلك لا ترى لها أثرا في عمان، ولكل شيء غاية ينتهي إليها، وكل شيء مرتهن بوقته والأمر لله فلذلك لا ترى لها هنا بعد ذلك ذكرا بعد ما كانت تعاني عمان منها النصب، وترى منها البلاء الماحق والوبال الساحق، بطرا وعدوانا بغير حق، كما عرفته مما تقدم، والأمر لله.
ولكن قام هنا دور بني نبهان وهم إذ ذاك ملوك عمان والملك لله يؤتيه من يشاء وسبيل بني نبهان كغيرهم من الملوك، وبدأ أمر القوم في عهد هذا الإمام الخليل، ولكن لم يتم لهم أمر الملك حتى منتصف القرن السادس، واستمروا إذ ذاك حتى قامت دولة اليعاربة في أول القرن الحادي عشر وهم فرع من النباهنة المشار إليهم، كما سوف تقف على ذلك أيها القارئ فإنه ستأتي بعد هذا الإمام أربعة أئمة، ثم انتقلت الدولة إلى بني نبهان كليا، ذلك لأن أهل عمان هنا تحزبوا فصاروا حزبين: رستاقية ونزوانية، وظلت كل فرقة تنصب أئمتها لقتال الأخرى، وجعلوا بأسهم بينهم، فسلط الله عليهم النباهنة عقوبة لهم على ذلك ولله في خلقه أسرار.


إمامة محمد بن أبي غسان

وهو من أئمة الطائفة الرستاقية كما أشرنا إلى هذا والأشبه أن يكون خروصيا، وأن يكون ابن الإمام راشد بن سعيد الذي كناه الإمام أبو إسحاق الحضرمي بأبي غسان في شعره كما عرفت ذلك، وكانت إمامته وقت إمامة راشد بن علي الذي سبق ذكره، وقد عرف التنافس إذ ذاك بين الطائفتين وهو الذي سبب ضعف أمور المسلمين وقيام الجبابرة عليهم، واغتصابهم للأمر رغم أهل الحق منهم فإن الباطل يجد أنصارًا والحق قد لا يجدهم إلا في أوقات خاصة تمر على الناس مرور الشمس على العالم، ثم يعود الظلام أدراجه.
وكان إذ ذاك بالباطنة أخيار أيدوا محمد بن أبي غسان تأييدا شاهرا على أضداده، وكان هذا الإمام كاتبهم وراسلهم واستعان بهم وفي جوابهم له ما يدل على ما نقول، وقد روى الإمام السالمي كتابه لهم وجوابهم له في تحفة الأعيان، وأنه كان كتابا حافلا نثرا ونظما، اكتفى الإمام المذكور بذكر النظم عن النثر، ولما فيه من العذوبة ولطف الذوق الحس، وما له من فصاحة رائعة نعرض نحن عن الكل إذ كان ذلك قد عرف ودرس، وأخذه أهل الأدب، وقد مدحه أهل الباطنة مدحا رائقا وأثنوا فائقا، وإليك جملة واحدة من ذلك تستدل بها على ما هناك.
يقولون فيه: الذي خلص عند النقد والتميز خلوص الذهب الإبريز، ثم استرسلوا فيه إلى حد بعيد حتى ألحقوه بخيرة الأئمة، وعبروا عن خالص رضاهم عنه وكان وزيره وسيف دولته الهمام أبو المعالي نجاد بن موسى بن نجاد. وكان من أركان دولته الشيخ أحمد بن عبدالله ابن موسى المعروف.








الإمام محمد بن أبي غسان يشن حربًا على أهل عقر نزوى

لقد نفر عنه أهل نزوى وخصوصًا أهل العقر، إذ هم في ذلك العهد حجة أهل نزوى، وخالفوه لأنهم يقدحون في إمامته بسبب الافتراق الذي أشرنا إليه، فلم تزل الحرب قائمة بينه وإياهم، حتى أمر بقطع نخيلهم وكسر أنهارهم، ودمر كل ما قدر عليه من أملاكهم، وقامت معرة الجيش تعيث في الأرض، وذلك هو شأن الجيوش في كل أمة غالبًا إلا ما شاء الله.
وكان أهل العقر ينتقدون أعمال هذا الإمام قبل الحرب، ولعلها هي التي أهاجته على حربهم، وحملته على خضد شوكتهم، فكانت الحرب أضر على القوم مما كانوا ينتقدون، ولكن أمر الله عزوجل سابق في أزله، وهناك حوار ونقاش في إمامة المذكور بين من يرى صحة إمامته، وبين من يعاكس الوضع، وهذا كله من مكائد الشيطان بين أهل الإيمان في بلد واحد، وعلى مذهب واحد، والأمر لله من قبل ومن بعد.
وقد تركنا ما قيل في مدح هذا الإمام والثناء عليه، إذ حفظ ذلك كله أثر المسلمين، وكان محمد بن غسان المذكور انتصر على أهل نزوى، ولم أجد تحقيقا لوقت بيعته بالذات أو وقت وفاته، وهل قتل أم مات حتف أنفه، ولكنه على الإجمال هو من أئمة القرن السادس.





الملك محمد بن مالك

من المفهوم من استقراء التاريخ أن محمد بن مالك، قام على ملك عمان بعد محمد بن أبي غسان، وتولى ملك عمان، ومن المحتمل أن هذا الملك كان من الأزد إلا أنه لا يعرف من أي بطون الأزد لعدم التواريخ التي يمكن الاعتماد عليها، إلا أن الأحوال ظاهرة على أنه أزدي، لأن أعوانه غالباً من الأزد، وكان ملكا عادلا حسن الأخلاق، عاقلا ذا أناة وتؤدة وعقل واعي وبصيرة تتصل بالأعلاق النائية، وتمتد إلى الأعماق البعيدة، وكان الملك المذكور قائما بواجبات الشريعة ولا يلزم في الإمامة نفس العقد، إذا قام الأمير بحقوق الله وأجرى الشرع في مجاريه، وحمل الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأذى ما لزم من حق الله عزوجل، وحمى البلاد وحفظ بيضة المسلمين، ولم يتعد حقوق المسلمين، ولا ترك أوامر الدين، فإن المطلوب من الإمام هو هذا لا غير.
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يعقد عليه الإمامة ولا قام بالبيعة له أحد أبدًا، إنما عهد عليه بالخلافة أبو بكر رضي الله عنه، ورضي به المسلمون خليفة، ومحمد بن مالك لما قام بالعدل، كان من الواجب تأييده فإن المعتمد على الأعمال لا على الألقاب، فإن لقب الإمام أو الخليفة أو السلطان ونحو ذلك لا معول عليه في جانب الحق، إنما المعول على الأعمال الصالحة، ولكن إذا أراد الله أمراً أنفذه وإن رغم أنف الدهر، وحب الذات والاستبداد هما اللذان يوقعان الفرقة والشتات، ويفرقان الجماعات، وإلا فكيف يرفض رجل قام بحق، ودعا إلى حق، ليس هذا من الدين في شيء، وهل الإمام إلا ملك وإلا سلطان، وهل السلطان إلا إمام من حيث المعنى.
وعلى أثر قيام هذا الملك واستيلائه على الملك قام المنافسون له فبايعوا موسى بن أبي المعالي بن نجاد بن موسى، ولم يعرف نسبه من أي القبائل إلا أن الأشبه أنه حفيد القاضي نجاد بن موسى الذي كان قاضيًا للإمام محمد بن أبي غسان، وها نحن نفرد له بابًا خاصًا لكلام على أحوال إمامته.


إمامة موسى بن أبي المعالي بن نجاد بن موسى

بويع بالإمامة سنة 549 وهذا الوقت اشترك فيه ثلاثة أئمة مع الملك محمد بن مالك، وكل ذلك لاختلاف الأمور وتسلط الأهواء، وحب الرئاسة لا غير.
ولن تقوم قناة قوم والحال هكذا، ولكن كل الأمور بيد الله عزوجل يصرفها كيف يشاء، وإلا فما الداعي إلى هذه الأحوال التي تقع بين أهل مذهب واحد في قطر واحد، وما الداعي إلى الافتراق فتصير الأمة إلى فرق شتى وفي هذه الأثناء افترقوا إلى رستاقية ونزوانية، فكثرت الأئمة وضعفت الأمة، وحل الخذلان والشتات في إخوان مجتمعيين والله المستعان.


الصراع بين الملك محمد بن مالك والإمام موسى بن أبي المعالي

لما تولى المُلك المَلك محمد بن مالك، قام أكثرية أهل عمان ضده، فبايعوا موسى بن أبي المعالي، ولما علم بالواقع أهمه جدًا وأقلقه: وكانت الأكثرية معهم والسواد الأعظم عليه.
ويقول الإمام رحمه الله: خرج عليه أهل عمان وكان يومئذ إمامهم موسى بن أبي المعالي بن موسى بن نجاد« في عسكر لا يحصى ولا يعد»، قال: وخرج الملك في جملة اليحمد، إلا أن الأقل منهم أي أن غالب اليحمد هم الذين كانوا أنصار الملك محمد بن مالك، وكان الملك كما يظهر من حاله عادلا قائما بواجبات الملك، مراعيا لأحوال الأمة بالعدل، مصلحا للأحوال التي يستدعيها الوقت الذي هم فيه، وكانت له نصائح إلى هؤلاء القائمين عليه خوفا من شق العصا، وابتعاد من إثارة الفرقة بينهم.
ولكن لم يكن ذلك مجديا، بل أصر أنصار الإمام على القيام عليه، أو يتخلى عن الملك، ولم يرض هو أيضا أن يتخلى عما تولى، وبذلك انشقت العصا بينهم، فظل هو يجمع الجموع، وهم كذلك لكن كان السواد الأعظم مع الإمام، وأهاج الشيطان الفتنة، واحتج الملك على القائمين عليه، بحجج لم يقبلوها ولم يسلموا لها، وكأنهم لم يلتقوا إلى أقواله.
وذكر في كتابه الأخير لهم تحقيق الصدد الذي هم فيه غائبا عليهم بقوله:«إني قد كتبت قبل كتابي هذا كتابا أطلب فيه إيضاح الحق، وإظهار برهان الصدق، ولم يرجعوا إلي جوابا يقطع ولا أتوا بإيضاح ينفع» إلى آخر ما جاء في كتابه من العتاب، وما ورد فيه من الخطاب، وقد اعتذر إليهم بأعذار غير خارجة عن الحق، ولم يذكروا جوابا لها ولا اعتذارا في قيامهم، ولا عدوا عليه ما يوجب القيام عليه، ولعله كونه تولى الأمر على غير صحة من رضى المسلمين به.
والظاهر هو هذا، وكان كتاب الملك عبارة عن تاريخ حافل بالنقاش مشحون بالاحتجاج، مملوء بالأدلة من القرآن والسنة، أورده الإمام كله للاعتبار، باعتبار من النصائح والاستعطافات، وجميل المخالقة والتنصر، ولكن لا بد من أمر أراده الله، يقول في آخر كتابه، وكأني أقرع حجرا أصم أو أكلم أخرس أو أصم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومنه: وإن طعن على طاعن فيما أنا فيه، فأنا مقر بالتقصير، ومعترف بالخطأ، ودائن لله تعالى بالواجبات، والتخلص من التبعات، وإن وجدت قوما لله
كنت منهم ولهم، ولله أمر هو بالغه، وحكم هو نافذه إلخ.
إن هذا الرجل هو الإمام الصحيح الإمامة، الرجيح في الاستقامة الذي تجب مناصرته لا الخروج عليه، ولا يصح قتال رجل لا تعد عليه جريمة في شيء ما ولن تقم عليه حجة شرعية مع إذعانه بالواجبات، وامتثاله للطاعات، وانقياده للحق، وقد دل كتابه هذا على استقامته. وبرهن به عن الحال التي يرونها، وقام لله بواجب يرى أن الله ألزمه إياه23
ولم يجد من القوم إلا الإصرار على قتاله، وكان قد وقع بينه وإياهم أمر كبير في ناحية كدم، و أسر منهم جملة ولم يعاقبهم، بل أطلق سراحهم ولم يثنهم ذلك عن قتاله، وهنا تتم الملحمة التي ينتهي بها الأمر بينهم، فكان اللقاء بينهم في حوزة الطو، واستمر الجيش من عقبة بوه إلى الطو، وكانت الدائرة على القائمين عليه وقتل منهم الكثير.



أعيان المقتولين في هذه الوقعة

قتل في هذه الوقعة رئيس الجيش وأخوه أبو المعالي بن عبدالله، وعبدالله بن خنبش بن أزهر، وأحمد بن محمد المعروف بالصيلحي، وجماعة من أهل سمد، ومن سائر القوم عدد لا يحصى. قال الإمام رحمه الله في تحفة الأعيان: فانهزمت أهل عمان ولم يعقب أحد، فقتل الرئيس وأخوه وقتل من الناس خلق كثير ما لا يحصى، وكذلك الموت بالعطش، أي هلك كثير بالعطش، ولعل القضية كانت في وقت الحر.
قال الإمام: ولم ينج إلا ذو عمر طويل، قال: وأتت اليحمد والبدو على جميع التجافيف والدرول والسلاح، قال: وكانت القضية بالطو، وليست هي بالطو، بل في طريق الطو، في عقبه بوه وهناك أحاطت اليحمد وأنصارها بجيش ابن أبي المعالي، وذلك المكان مضيق جبال. والقوم أكثرهم غرب لا يعرفون المسالك، وقيل: إن الرئيس أبا المعالي ومن ذكر معه هؤلاء كلهم أسرهم جيش الملك، وأخذوا منهم السلاح، وباء أهل عمان بهزيمة منكرة، أكثر المؤرخون ذكر هذه الوقعة فهي أشبه بوقعة تنوف، ووقعة القاع من ظهر عوتب وكأن الملك انتصر على الإمامة وأركانها إلا أنه لم يعد له خبر بعد هذا، وهذا من إهمال التاريخ أو ذكره ولكن لم نطلع عليه.
وإنما جاء بعد هذا ذكر إمامة خنبش بن هشام، وقرائن الجوال تدل أن هذا الوقت وقت ضيق بين أهل عمان أنفسهم، فإن الرستاقية تحاول الاستيلاء على الأمور، وتروم السيطرة على عمان والنزوانية ضدها، والصراع لا يزال في هذه الآونة، فإنهم ذكروا إمامة خنبش، وإمامة ولده بعده، وإمامة أبي المعالي في وقت واحد، اللهم إلا إذا كان العهد غير طويل للإمامة الأولى، فيقوم الإمام الثاني أثر السابق، ويسرع الموت عليهم بالقتل، فإن هذا الوقت اختلط تاريخه بهؤلاء الرجال، الذين لعبوا فيه دورا هاما، وفعلوا فيه ما فعلوا فإن إمامة ابن أبي المعالي في تاريخ سنة549 وغنهم قالوا: إن خنبش بن محمد بن هشام المذكور، مات في جمادي الأولى سنة 510، هو بعد ابن أبي المعالي، وهذا لا يصح إلا أن يكون غلطا كما قلنا أو سهوا من الكتاب، وإن ولده محمد بن خنبش بويع في تلك السنة، فإن صح ذلك فيلزم أن يكون ابن أبي المعالي بعدهما في التاريخ، وإن وضعه قبلهما خطأ من المؤلفين، وقد قالوا: إن محمد بن خنبش مات سنة 755 سب وخمسين وخمسمائة.
وجعل بعضهم أن محمد بن خنبش هم محمد بن أبي غسان مما يدل على اضطراب التاريخ، مع أنهم قالوا أيضا إن هذا الوقت وقت إقامة راشد، فاضطرب التاريخ اضطرابا كثيرا. واختلط حابله بنابله، فعسر توضيحه غاية العسر، وكذلك لم يبينوا خنبش وولده ممن من القبائل، وعلى الأقل من أي البلاد، وكذلك راشد بن علي، وقد عرفت أيضا مثل هذا في شأن الملك محمد بن مالك، وليتهم بينوا ،وليتهم وضحوا توضيحا يحسن السكوت عليه.
ومن يعتبر في كتاب الملك يجده عظيما يحتوي على قواعد هامة، ومعارف عامة، وقد أورده الإمام في التحفة، وإنه ليعبر عن عقل صحيح ورأي رجيح، ولم نورده لأنه يطول به علينا المقام، ونكتفي بالإشارة إليه، لأنه ميسور التناول، وإنه ليفيض ببيان صحيح، ولسان المرء دليل عقله، والله يؤتي ملكه من يشاء، والحمد لله، وكان يسمى ذلك الكتاب في الأثر العماني كتاب الملحمة أي المقتلة.


إمامة خنبش بن محمد بن هشام

لم أدرك نسب هذا الإمام كما أشرت إليه آنفا. قال الإمام رحمه الله: وأظنه من أئمة الطائفة الرستاقية، وهو ظن لا يحقق، غير أن العاقد محمد بن خنبش أي ولده، فإنه بويع بعده كما سوف تراه. وكون العاقد له صاحب المصنف وهو من الطائفة الرستاقية، قال: وكأن إمامتهما أي إمامة محمد بن خنبش، وإمامة أبيه خنبش بن محمد بن هشام، كانت في وقت واحد، وهو وقت من ذكرنا إمامتهم.
قال الإمام: وهو المقدم في نقلنا عنه خصوصا في المختلف أيا كان لتحريه الحق، واعتماده على الصدق بحسب الإمكان، قال: فأما خنبش ابن محمد فلم أجد لسيرته ذكرا في شيء من الكتب إلا ما قالوه في تاريخ موته، إنه توفي يوم السبت من جمادى الأولى سنة 510.
قالوا جرى على الناس بموته مصيبة عظيمة، فكأنه كان محبوبا، ويفهم من جرى من ذلك صلاحه فيهم واستقامته في الدين. ولا شك أن الصالح مفقود، وأن المحق مأسوف عليه، وأن الدين والإيمان هما عروة وثيقة لها مقامها عند الله، ولها تأثيرها في النفوس. والله يؤتي فضله من يشاء.


إمامة محمد بن خنبش بن محمد بن هشام

عقد على محمد بن خنبش في اليوم الذي مات فيه أبوه، وإن متولي العقد عليه العلامة نجاد بن موسى، وكان المذكور قاضيه ووزيره، وسيف دولته، وكذلك الشيخ أبو بكر أحمد بن محمد، وهذا الوقت كما قلنا آنفا إنه آخر إمامة راشد بن علي، وعاش هذا الإمام في إمامته إلى سنة 557 سبع وخمسين وخمسمائة.
وكان العقد على هذا الإمام«بسوني» التي هي العوابي الآن، في علاية الرستاق، وهذا الإمام من حملة الأئمة الذين ذكرنا انبهام تواريخ إمامتهم، فإن هذه الآونة هي وقت إمامة محمد بن أبي غسان، وإمامة موسى بن أبي المعالي، وإمامة راشد بن علي. وإمامة خنبش ابن محمد، وإمامة ولده محمد المذكور، والاحتمال يوجب كون المذكورين في نفس تواريخهم، لأن عمان في هذا الأوان قسمان، وبها إمامتان، فهما دولتان والله المستعان.
ومات الإمام خنبش وولده المذكورين بنزوى، وكان محمد بن خنبش غمام عادلا، وأميرا فاضلا، بكت عمان عليه من صميم قلبها، لعدله وحسن سيرته مع طول مدته، وعلى كل إن للعدل ثمنا غاليا وقدرا عاليا، وشرفا ساميا والحمد لله.
انسحب ذلك القرن فسحب بقية العلماء الذين زالوا الإمامة في تلك الأيام، وأقاموا دعائم الحق، وإن كانوا اختلفوا فيما بينهم، فإنما هو خلاف في أمر القيام بالعدل بين المسلمين، ولكل واحد اجتهاده، فإنا لا نقدر أن نلوم أحدا منهم، وإن تأسفنا على الواقع فالأمور الاجتهادية كل يرى أنه المصيب فيما أتى، والمحق فيما فعل، ورحمة الله واسعة، وليس لعلمائنا أهواء تخالف الشرع حاشاهم، وإنما جل اجتهادهم بل كل أعمالهم هي في صالح الأمة،وبصالح الدين والوطن، والله ولي كل شيء وإليه المرجع وعليه الاتكال ولا حول ولا قوة إلا بالله.


الملوك النباهنة ودورهم


لقد لعب بنو نبهان بعمان دورا كبيرا، وابتنوا لهم قواعد، رفعوا لهم معالم، وركبوا في أيامهم كل صعب وذلول، ولا شك أن الملوك لهم مذاهب معروفة، ومعالم موصوفة، ومقامات لها شأنها، قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ 24، أي ذلك شأنها إلا ما شاء الله ممن وفقه الله لسلوك سبيل الحق، والعمل بواجبات الشرع، وسنة الله في عباده ألا تبقى الدنيا على حال وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ 25، وتلك هي سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا، وهو الحكم في كل ما يأتي وما يذر، وإنما العباد آلات تحركها اليد الإلهية التي لها الحول والطول في الكائنات.
والنباهنة قوم من العتيك معرفو النسب، صار الملك إليهم بعد الأئمة السابقين، وذلك لأمر أراده الله تعالى في عباده، فإنهم لما افترقوا فرقتين، وصاروا طائفيتن متعاديتين، نزع الله دولتهم من أيديهم، وسلط عليهم العقوبة من أبناء جلدتهم، وأهل ملتهم، وجعلهم رعايا بعد ما كانوا رعاة، وضحايا بعد ما كانوا هداة، وأسارى في أياد لا تعرف لهم حقا.
ولا شك أن الله يظهر العدل في الكون على يد من ارتضاه من عباده، لتقوم حجته عزوجل على الناس، وينفذ سلطانه فيهم بما اكتسبوا، فإن الافتراق شؤوم ، وإن الاتفاق قوة، وإن الاختلاف داء. وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ 26 ،والله ولي التوفيق.
كان بنو نبهان أسرة بارزة في محيطها لها قدرها وشأنها الأزدي، فإن عمان من أول أمرها أزدية باتفاق.



تسلط النباهنة

كان العلماء يعالجون إقامة الإمامة في آنها، ويصارعون الباطل بالحق ويدافعون الجور والظلم بالعدل والإنصاف، ولم تزل في عمان تلك أيام، والأيدي تحمل أعلام السلطنة وبنود الإمامة، ولم تزل المصاولات في حل وترحال، ولك عمله، فالملوك في بلدان والإمامة في أوطان، والسلطان في مكان والإمام في آخر، وربما غلبت الإمامة في بعض الأحيان، ويرجع الأمر بعد ذلك إلى السلطان.
وهكذا استمر الحال عهدا، وقد أشرنا إلى وميض من الحركة النبهانية وهنا علا لهبها وعظم حطبها وكثر موقدوها، ملك بنو نبهان عمان مرتين، كان بينهما فاصل غير قوي ، إلا أن الله الحكيم في صنعه، العليم بخلقه، يرى عباده مطالع قدرته، ما يستدل به العاقل على الأحوال التي تنبغي، وقد ضاع تاريخهم التفصيلي، وكان ينبغي حفظه ليكون لسانا معبرا عن الأحوال التي أحاطت الأمر إليهم، ثم أحالته إلى غيرهم، والظاهر أن أولهم الذي أن أولهم الذي ترشد إليه المعارف الأدبية بالاشتراك.

أول ملوك بني نبهان


أبو الحسين أحمد بن عمر بن نبهان، وأخوه الثالث أبو محمد نبهان بن عمر بن نبهان، هؤلاء الثلاثة لا يعرف هل هم تتابعوا على الملك، أم كانوا اقتسموه في أن واحد؟ ومشوا فيه مشية ازدهاء، ولا يعرف تسلطهم على الأمة بأي طريق كان، ثم بعدهم أبو القاسم علي بن عمر بن محمد بن عمر بن نبهان، وأبو الحسن ذهل بن عمر، ثم أبو العرب يعرب بن عمر، وهو الذي تقرع عنه اليعاربة الميامين.
وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي المعمر عمر بن محمد بن عمر بن نبهان، ثم توالت الأيام بأبنائهم وذراريهم، ومنهم أبو عبدالله محمد بن عمر وأبو المعالي كهلان بن محمد، وأبو عبدالله محمد بن أحمد بن عمر وأبو محمد نبهان بن ذهل.
توالى هؤلاء على الملك، وسيطروا على الأمة قهرا، وفعلوا شنائع تشمئز منها النفوس، وذهب تاريخهم ضياعا، حيث إن العلماء كانوا يبغضونهم ولا يعتنون بأخبارهم، وهؤلاء العشرة تتابعوا أول بني نبهان، فهؤلاء المذكورين لم يعرف تاريخهم، وكان في الصبا وصل إلى جدول جامع لهم فيه تواريخ مواليدهم، ووفياتهم وأسمائهم، وعاصمة كل واحد منهم، وإذ ذاك أنا في سن الصبا لم أدر أين ضاع ذلك الجدول مني، مع أني في ذلك العهد لم تكن لي أهمية ناشطة لهذا الصدد، بل كنت أقرأ وأسمع كلمات لبني نبهان، تدل على التأنيب لهم، وأنهم جبابرة ظلمة.
ولما حاج الحال إلى العلم عنهم، والتعرف على أحوالهم تاريخيا، ضاع ذلك المذكور، كما ضاع مني تاريخ الإمام سلطان بن سيف صاحب الحزم، وهو القصيدة الميمية التي ذكرها الإمام وشرحها، وكنت استطعت أن أنسخ نظمها، ثم ضاعت مني أيضا وكذلك أيضا ضاع مني «سراج المسترشد في تاريخ الإمام ناصر بن مرشد» رحمه الله.
ومن كلماته فيهم يقول: إن بني نبهان كانوا ملوكا عظماء بعمان، ولهم فيها من الملاحم والمكارم شأن أي شأن، فإن يكون بعمان ملوك عظماء بالأخص إذا لم يكن بيدهم إلا عمان؟ نعم إذا كان يعني ملوكا عظاما في ظلم الناس، فنعم لقد ظلموا العباد، وجاروا في البلاد، فأخذوا أموالهم، وشردوا العباد عنها مستأثرين بها دونهم، فملوك عمان بهذه المثابة لا ينبغي أن يطلق عليهم إلا أمراء فقط، وكل ملوك عمان الماضين، اللهم إلا ما كان في عصرنا الحالي، حيث أصبح سلطان الآن ويده مملوءة بالمال، ما أخرج الله لعمان من البترول.
فإن الملك يعتبر فيه الغنى، ألا تسمعون ما يقول الله في كتابه حكاية عن طالوت يقول الله فيها على لسان القوم: إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ 27. فإن الشرط في الملك الغنى والأمة والبلاد، وبقدر ذلك يكون الملك. وأشهر ملوك بني نبهان فلاح بن محسن.
قال الإمام رحمه الله: فإذا استقربت التواريخ، أخبرك الحال أن بني نبهان ملكوا مرتين فملوكهم الأوائل هم الذين كان يمدحهم أبو بكر أحمد بن سعيد الستالي، وهو شاعر مشهور خروصي المحتد، وله فيهم قصائد غراء، ذكر الإمام منها طرفا، قال: وحيث كانت دولة هؤلاء مبنية على الاستبداد بالأمر، وقهر الناس بالجبرية لم نجد لدولتهم تاريخا، ولا لملوكهم ذكرا إلا من ذكر الستالي في ديوانه، ولشاعر الشباب


السيد هلال بن بدر بن سيف بن سليمان البوسعيدي يقول في همزيته التاريخية:

وملوك من آل نبهان صالوا*** وبنوا ملكهم على الكبرياء
ومضوا لا الزمان عنهم براض

إلى آخر ما قال. والذي يدل عليه الحال أن بني نبهان قاموا في القرن السادس الهجري، أي بدأ نشأة دولتهم حين كانت الإمامة المستضعفة، فعضوا على الملك بالنواجذ، حتى رسخ فيهم عهدا وأصبح من مألوف الناس، فطالت أعناقهم وكبرت نفوسهم، ولم يروا من يقوم لردهم عما هم فيه.
وعلى هذا كانت نشأة القوم حتى اجتاحوا ملك عمان، وتسلطوا على أهلها بالظلم والعدوان، فحاول أهل العلم إزالة ظلمهم، ولم ينجحوا كما ينبغي، فإنهم بايعوا بالإمامة لأناس كما سوف تقف عليه أيها القارئ.
فكان الصراع بين الإمامة والملكية مستمرا، وما برح الخلاف والشقاق يتوالى بينهم، والملك لله وحده كلما رأى العلماء فرصة للقيام بالعدل والعمل بكتاب الله، بايعوا إماما فيظل الصراع مستمرا، وفي الغالب أن الناس أعني أكثرهم لا يحبون الإمامة، لأنها تأخذ على أيديهم، وتعترض على أهويتهم، لأن أهل الجهل هم السواد الأعظم، وأهل الحق هم الأقلون حتى عهد النبوات، ولذلك أدلة من الكتاب والسنة، وبنو نبهان شهروا بالفساد في البلاد، وبظلم العباد والاستبداد.
قال شكيب أرسلان في التعليق على حاضر العالم الإسلامي: استولى على الملك بنو نبهان، وتلقبوا بالملوك، واستمر ملكهم مائتين وستين سنة، واستمر في ذكرهم إلى أن قال: ثم أخذ بنو نبهان يظلمون ويعسفون، فلم يطق الأهالي حكمهم، وانتخبوا إماما من قبيلة الأزد، ويشير بذلك غلى الإمام عمر بن الخطاب الخروصي، إذ هو الذي خضد شوكة النباهنة، وكسر أجنحتهم، فكانت له بذلك شهرة في عالم التاريخ، وإلا فقد بايع العمانيون عهد بني نبهان أئمة عديدين.
قال شكيب: وانتهى ملك بني نبهان في نحو سنة 839.
قلت: أما تحديد مدة ملكهم فأهل عمان أعرف لأنها على كواهلهم، أما شكيب وأمثاله تأتيهم الأخبار من بعيد لا تحقيق فيها، وإنما يأخذون ما يسمعون. قال: وكان بنو نبهان قد ضبطوا أملاكا كثيرة، فاستردها عمر بن الخطاب من سلالة شاذان بن الصلت، وما لم يوجد له أصحاب كأن يكون هؤلاء انقرضوا أو غابوا غيبة منقطعة، رده إلى بيت المال.
قلت: هذا من جملة ما لم يعرف شكيب مصدره، وسوف تقف إن شاء الله على تحقيق هذه الأملاك التي يذكرها شكيب، وفي معالم الجزيرة العربية، عين ما قاله شكيب، وأما دليل الخليج، فلم يكن لديه معلومات عن تاريخ النباهنة، لأنه كان حديث عهد بالخليج، فكتب أكثر ما كتبه في عهد وجود بريطانيا وإنما أشار إلى النباهنة إشارة خاطفة، وذكر عهد اليعاربة، وكتب عنهم بعض الأحوال.
والواضح أن غموض تاريخهم بسبب جورهم وظلمهم فكرهتهم الأمة والظلم لا تبنى عليه دار، ولا يقوم له منار، وإنما هو البوار، فلا يغتر به إلا جاهل خليع.








كهلان بن نبهان وأخوه عمر بن نبهان

لقد استمر النبهانيون طيلة القرن السابع الهجري، وفي سنة 660 ستمائة وستين، كان السلطان منهم أبو المعالي كهلان بن نبهان خرج عليه أمير من هرموز يسمى محمود بن أحمد الكرستي، والمصادر عنه في حديثها متحدة، ففي كشف الغمة لسعيد بن سرحان الأزكوي، وابن رزيق وأخذه عنهما الإمام السالمي في تحفة الأعيان، أن محمود المشار إليه وصل إلى قلهات، وذلك لأنها إذ ذاك إحدى عواصم عمان، وهي على ساحل البحر في جبال منيعة، إلا أن الظلم يكسر تلك المنعة، ويمهد الطريق للغازي كما هو المعروف في الطباع البشرية، فإن المظلوم لا يزال يطلب الغوائل للظالم لينتقم منه ولو بعدوه.
ولما وصل محمود قلهات، كان أبو المعالي في داخل عمان فدعاه فلبى دعوة محمود خوفا، ولم يكن لديه ما يدفعه به من قوة، فلما حضره طلب منه المنافع، وبعبارة أوضح طلب إتاوة من عمان، وخراج أهلها فاعتذر أبو المعالي إليه وقال: إني لا أملك من عمان إلا بلدة واحدة. فقال له محمود: خذ من عسكري ما شئت واقصد به من خالفك من أهل عمان، وانظر كم كان عسكر محمود، إذ بلغوا مبلغا كبيرا خمسة آلاف رجل، وعمان تحتوي على مئات الآلاف من الرجال، فينزل عليها محمود ويهدد ملكها في عاصمته، إلا أن الجند الغالب هنا هو الجور والظلم.
قال أبو المعالي: إن أهل عمان ضعفاء، لا يقدرون على تسليم الخراج، فحقد عليه محمود وأضمر له المكيدة، واستدعى محمود أمراء البدو من عمان، فكساهم وأعطاهم، فوعدوه بالنصر على أهل عمان والخروج معه، وانظر أيضا هنا طلب محمود لبدو عمان، وإجابتهم له على ما طلب، لولا ظلم الحاكم لما لبوه، وانظر إليه هو لم يقدر على منعهم من إجابة عدوه، ومن قبولهم هداياه وهو يرى ويسمع، ولكن الله عز وجل زحزحه عن أن تتم البلية على أهل عمان، فلو دخل عمان لاستباحها وحمل نسائها وذراريها، واستعبد أهلها.
ولكنه واعد البدو على العودة، وتوجه إلى ظفار على أن تكون عودته إليهم من جهتهم فيدخل عمان من ناحيتهم، ولو تم له ذلك لكانت بلية على أهل عمان، من أعظم بلايا بني نبهان، ألا ترى بأنه لما وصل ظفار، قتل أكثر أهلها ونهب أموالهم ورجع قاصدا عمان لتنفيذ مخططه.
قال الإمام: وأخذ طريق ابر أي ليمر على بدو عمان من عفار وحسريت ووهيبة وجنبة ونحوهم، وكان قد حمل أثقال على سفنه، ولما تمكن في الصحاري الظفارية العمانية، نقص عليهم الزاد لأنهم لا يعرفون قدر المسافة، فيأخذون لها ما يلزم، فأصابهم جوع وعطش شديد لقلة الماء في الطريق، فمات من عسكره قدر خمسة آلاف رجل، وقتل أكثرهم.
والمفهوم أن الأكثر ماتوا جوعا وعطشا لا سيما أن الموارد في الطريق قليلة، ولا يهتدون لها، ومن هناك لم يحدث التاريخ عنه هل هلك أم لا، إلا أن أخباره اختفت ولعله قنع من الغنيمة بالإياب، وأراح الله منه البلاد والعباد، وانتقم الله منه وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ 28.
وكذلك أيضا اختفت أخبار أبي المعالي ولعله مات وتولى بعده أخوه عمر بن نبهان.


عمر بن نبهان وأهل شيراز في عمان

لما تولى عمر بن نبهان سلطنة عمان بعد أخيه، خرج عليه أيضا أهل شيراز بقيادة فخر الدين أحمد بن الداية، وأخيه شهاب الدين وهم أربعة آلاف وخمسمائة فارس تبعا لخروج محمود الكوستي، والنصير لهؤلاء في خروجهم ظلم ولى الأمر في عمان، وإلا كيف يتسنى لمثل هؤلاء دخول عمان، وهم أربعة آلاف وخمسمائة رجل، وعسكر في عمان في أيام الإمام المهنا أربعون ألفا، وفي بلاد عمان آلاف الرجال.
ولا شك أن ألف رجل في بلد مواطنين فيها أقوى من عشرة آلاف رجل غزاة، إلا أن الباطل ظهير لهم، وانظر أفعالهم التي فعلوها في عمان.
قال الإمام السالمي نقلا عن التاريخ العماني، قال: حل على عمان منهم«أذى كثير لا غاية له» قال: وأخرجوا أهل العقر من نزوى من بيوتهم، وأقاموا على ذلك أربعة أشهر في عمان، قال: وحاصروا بهلى.
فانظر إلى خمسة آلاف رجل يتغلغلون إلى داخلية عمان، ويقتلون وينهبون ويخرجون الناس من بيوتهم، ويحتلونها ويقيمون فيها أربعة أشهر بين ظهراني أهلها، إنها لمن الدواهي التي لا يرضاها حر، ولا يقف معها من في وجهه حياء.
وهكذا شأن الغازي إذا تسلط في أمة، ولا شك أن الأنصار لهذا الغازي هم أهل عمان الذين أوغلوا في عتوهم وجورهم، يرسل عليهم من يريهم الذل والهوان، وإذا جاءت الفتنة عمت- والعياذ بالله- لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة.






كهلان بن عمر وآل الريس في عمان

وبعد حصار ابن الداية لبهلى ليحتلها فحماها الله منه لأنه لم يقدر عليها حيث اجتمع أهلها وتعاقدوا بإخلاص وفي أثناء ذلك مات ابن الداية وكسر الله شوكة قومه، وانحل أمرهم وذهب عمر بن نبهان، وتولى الأمر كهلان ابن نبهان، ورأى أهل شيراز أن الطريق معبد للخروج إلى عمان لاستغلالها.
ففي شوال من سنة 675 خمس وسبعين وستمائة خرج أولاد الريس على كهلان ليلعبوا دورهم بعمان، فخرج لهم كهلان المذكور بمن معه من جنوده وعساكره ليتلقاهم بالصحراء، وخرج معه أهل العقر من نزوى، فتخالفوا في الطريق فدخل آل الريس العقر، وأحرقوا سوقها وأخذوا جميع ما فيها من أموال، وسبوا النساء، وهم كما علمت شرذمة قليلة بالنسبة إلى نزوى فضلا عن بقية أهل عمان، وأحرقوا الكتب التي في مخازن الجامع وفعلوا تلك الأفعال في نصف يوم واحد.
ثم التقى بهم كهلان بالسراة في أول يوم من ذي القعدة من السنة المذكورة، وكان مع آل الريس آل الحدان بن شمس، ولعل هناك ضغائن للقوم وألفت بينهم فزحف آل الريس، ومعهم من آل الحدان، وكانوا قدر سبعة آلاف رجل.
ودارت رحى الحرب بينهم فقتل من الفريقين خلق كثير، ويقال إن جملة قتلى آل الريس ثلاثمائة قتيل. ودارت الدائرة عليهم فولوا منهزمين، ثم لم يعد لهم ذكر في التاريخ، فلعلهم كفتهم تلك الوقعة، والحرب نار تلتهم كل ما تصل إليه ولا خبر فيها.

خردلة بن سماعة بن محسن في سمائل

كان خردلة بن سماعة بن محسن بن سليمان بن نبهان على سمائل وتوابعها، جبارا في منتهى حدود الجبروت، وكان الله عزوجل ابتلى به أهل ذلك الطرف، فأذلهم واستعبدهم إلى حد بعيد، بحيث أصبح لا يقدر أحد أن يزوج وليته إلا بإذنه، وشرط على الولي أن يكون له نصف الصداق العاجل، وإذا طلقت أو مات زوجها كان الآجل كله له، وكان يكلف الناس من الأعمال ما لايطيقون ولا يبالي، كان يأخذ من النخل باسم الزكاة السبع أي من السبع النخلات نخلة، ويسقى أمواله بماه الناس، ويتولى أموال المساجد والمدارس ونحوها، ويكلف الناس حمل الخراج الذي يفرضه عليهم إلى الحصن بعنف، ويكلف أهل قيقا وبدبد وما إليها يحملون متاعهم من تمر وثمر ونحوه على ظهورهم وظهور دوابهم، ويأخذ نصف حق المدعي ولا يحلف المنكر، بل يريه من العذاب ما يحمله على الإقرار، حتى يحصل المطلوب، وعليه ما على الإنسان إلا أن يدعي وهو المنفذ للمدعي، وإن رغم أنف المدعي عليه.
فابتلى به العباد، وساءت به حاله البلاد، وتكدر الصفو وظل الناس يرتحلون من تلك النواحي، من سوء تلك الأفعال، وأتم القضية يقتل الشيخ أحمد بن النضر على غير شيء، ويقال إنه أرسل إلى جماعته وأقاربه فقتلوا في بيوتهم، وأحرق كتب الشيخ، ونهب كل ما في بيته، فكانت الضجة إلى الملكوت الأعلى.
وبالجملة أفعال تشمئز منه النفوس، وتنفطر له الأكباد، وخرجت منازل بني النضر، واشتطت الوطأة عليهم، وها هي قبورهم في بساتينهم إلى الآن والله المستعان.


إمامة الحواري بن مالك في العهد النبهاني


بويع الحواري بن مالك في العهد النبهاني في سنة 809 تسع ثمانمائة أي في العقد الأول من القرن التاسع، فقام بواجب الشرع، وبذل النفس والنفيس، وبقى في إمامته ثلاثا وعشرين سنة، أدى فيها واجب الحق، وأقام أعمدة العدالة حد المستطاع ولم أجد شقاقا بينه وبين بني نبهان، ولا ذكروا له حروبا، وهذا الوقت وقتهم، ولعلهم تهادنوا هم وإياه، فإن الأئمة في غالب عهد بني نبهان يكونون في بلد، والسلطان النبهاني في آخر، إذ كان العمانيون وحدهم، فيكون الصراع بين الإمامة، والسلطنة ويقوم الخصام والنزاع هكذا.
فتارة ترتفع راية الإمامة، وتارة تقوم الملكية، ولها كبكبة، وهكذا كان الحال، والحواري بن مالك يعيش ثلاثا وعشرين سنة، بين أولئك العتاة، ولعل الله كف شرهم عنه، وتوفى الإمام الحواري المذكور في سنة 832 اثنتين وثلاثين وثمانمائة، وبايعوا ولده مالك بن الحواري.



إمامة مالك بن الحواري في العهد النبهاني

لما توفي الحواري بن مالك الإمام، رأى أهل الفضل ابنه أهلا لأن يكون إماما بعد أبيه، فاجتمع عليه أهل العلم، فبايعوه بالإمامة بعد أبيه حالا، وكان عقد الإمامة له بنزوى، ومنها تولى جبل بني ريام، ولعله أراد أن يجعله عاصمة لإمامته، وإنه لخليق بذلك، فإن جبل بني ريام من أعظم عواصم عمان، ثم هبط بعسكره إلى الرستاق، ووقعت بينه وبين من بها من الجنود مناوشات، وقتل من عسكره ناس ولكن لم يصرح التاريخ السبب الموجب لذلك.
وقيل إن الإمام المذكور أمر عبدالله الملقب بالهول أن يغزو الرستاق، وأمر بحرق سور القلعة، ولعله أراد بذلك أن يخرج الذين تحصنوا بها، فيقاتلهم إذ لا يستطاع احتلالها مصادمة، إذ لا طائرات إذ ذاك ولا دبابات، ولا مدافع تعمل شيئا له أثر، وكان عمر هذا الإمام قصيرا، فإنه ما عاش في الإمامة إلا سنة واحدة، ثم توفي فأراحه الله من عناء ما هو بصدده، فإنه توفى في سنة 832.




إمامة أبي الحسن بن خميس بن عامر في العهد النبهاني


لم يعرف تحقيقا بعد موت مالك بن الحواري ماذا صار حتى بويع للإمام أبي الحسن المذكور، والمدة ست سنين فإنه مات سنة 833، وبويع أبو الحسن في شهر رمضان سنة 839.
قال: وخاصمه بنو صلت. قلت: لم نعرف بني صلت المخاصمين للإمام المذكور، ولا في أي بلد كان هذا الخصام، وحاربوه فإن كان المراد يهم آل الصلت بن مالك، فهم في بهلى ولم نعرف الحقائق التي يشير إليها التاريخ، وكان لهذا الإمام ولد يدعى عبد السلام، روى عن أبيه المذكور أنه أمر بخشي نخل بني ربيع خدم بني صلت، وهو يومئذ إمام عمان، لأن بني ربيع خاصموه عند بني صلت.
وفي الأثر كان أمره يخشى نخلهم الشيخ العالم ورد بن مفرج، شهد بذلك سليمان بن راشد بن صقر العدوي، ودهمان بن راشد، ذلك لأنهم حاربوه وأفتاه الشيخ المذكور بجواز خشي أموالهم عقوبة لهم، وتجوز عقوبة الباغي بإتلاف أمواله التي يتقوى بها على بغية.
قال ابن رزيق: عقد لأبي الحسن بعد أحمد بن محمد الزنجي.
قلت: لعله كانت إمامته في تلك المدة التي لاحظناها بين مالك بن الحواري وأبي الحسن، وهي ست سنين. قال: وأقام في الإمامة سنة واحدة، فخرج عليه سليمان بن سليمان بن مظفر، فمات أبو الحسن عند خروج سليمان عليه والله أعلم.





إمامة عمر بن الخطاب في العهد النبهاني


لما توفي أبو الحسن بن خميس بن عامر في سنة 846، بقيت الأمور في يد بني نبهان يتلاعبون فيها كيف شاؤوا، ويفعلون في الأمة كلما تهوى أنفسهم، ورأوا ذلك هو العز والشرف، أغمار غلب عليهم الجهل واستمروا للباطل، وكانت عقولهم مقصورة على كلمة السيد أو السلطان أو الملك، ولم يرفعوا رؤوسهم إلى أعلى من ذلك المستوى، فهوت المملكة العمانية وتحطمت أركانها، وأصبحت تتناقص أطرافها، ويتقلص ظلها، وينضب معينها، وهم في تيهم عاكفون على الشهوات يتظالمون فيما بينهم، ويظلمون الرعية، ويمتصون الثروة أين وجدوها، ويستصفون أموال العباد ولا يبالون.
وفي سنة 885 ضاق المسلمون بهم ذرعا، فاجتمعوا فيما بينهم وتشاوروا في أمرهم، فاعتمدوا على مبايعة عمر بن الخطاب، فقام بالأمر، وكان السلطان إذ ذاك سليمان صاحب الديوان الحماسي، فثار المذكور بجيشه، وخرج الإمام برجاله، وكان الإلتقاء ببلد حممت من وادي بني رواحة، وهي التي تعرف الآن بالجناة، وكان أكثر أنصار السلطان في هذه البادرة هم بنو رواحة، وهم القوام بأمره، فانهزم الإمام وعسكره، ورأوا أنهم وقعوا في كبيرة أمر، فلزمهم أن يتوبوا ويتراجعوا، ولعلهم كانوا استخفوا بالأمر، فعوقبوا عليه،فجددوا البيعة له مرة ثانية، فصال على النباهنة صولة الأسد الباسل، فهزموهم هزيمة أتت على سحق قوتهم، وإبادة شملهم.
ولكن لم يذكر التاريخ أين وقعت الوقعة بينهم، ولا ذكروا من قتل منهم، فإنه لابد أن تكون وقعت عليهم وقعة أو وقعات، أوجبت خضوعهم، فإنهم لا يخضعون بالهوينا، ولا يكفي من المؤرخين مثل هذا التعبير، فإن الذكر الذي يعتمد عليه ينبغي أن يكون واضحا، فإنهم قد أشادوا بذكر نصر الإمام وانتصاره عليهم إجمالا.
وهذا الإمام السالمي المؤرخ الكبير يقول:
وفي بني اليحمد من أسد الشرى*** إمام صدق كان يدعي عمرا
كذا أبوه يدعي بالخطاب*** مساميًا لعمر الصحابي
وقد قضى على بني نبهانا*** خبابرًا كانوا على عمانا
قضى بأن مالهم لمن ظلم*** من العمانيين لكن ما علم
فجعلوا ذلك بت مال
إلخ
لكن المؤرخين العمانيين يجازفون الحقائق غالب.
قال الإمام السالمي: صال على النباهنة صولة الأسد الصائل، فأمكنه الله منهم، وأرثه أرضهم، وديارهم، وحكم بتغريق أموالهم، وهذا التعبير يرمز إلى سلطة كبيرة كانت للإمام المذكور: وليتها كشفت حتى تعلم على أي الوجوه كانت، فإنهم لم يبينوا من قتل ومن أسر، وعلى أي صفة كانت هزيمتهم، حتى صفا الجو للإمام ومن معه، بحيث يتمكنون من حكم التغريق، ويستطيع العلماء القيام بهذه المهمة الساحقة التي تقضي أموال القوم، حتى أقاموا للمظلومين وكيلا، وللسلاطين وكيلا، والوكيلان ينظران في الأمور، ويحققان القضايا، ويستطيع العلماء أن يسجلوا الحكم، ويصححوا عليه.
والحال يدل أن السلطنة النبهانية هنا وهت، ولم تعد تستطيع القيام في وجه الإمام لمعارضة حكمه القاضي بتغريق أموالهم، وتمزيق شملهم، وتمكن المسلمون من تنفيذ أحكام للشرع تمكنا تاما صحيحا لا هوادة فيه، وخمدت الشرارة النبهانية، إلا أنه بقيت وميضا تحت الرماد، فإنه لم يطل العهد حتى طلع لها نجم كما سوف ترى.









صفة الحكم في أموال بني نبهان

اعلم أن المسلمين نظروا إلى النباهنة نظرة الحنق، لأن القوم انخرطوا في سلك الجبروت والظلم الفاحش، وبلغوا فيه مبلغا كبيرا وكثر المتظلمون منهم والشاكون جورهم، وعند هذا الحال نظر الإمام عمر بن الخطاب المبتلى بأمر المسلمين بعمان، وناظر العلماء وناظروه، وآخر الأمر أقاموا للمظلومين وكيلا يشكو من النباهنة المظالم، وأقاموا للملوك وكيلا يدافع عنهم، وعشية الأربعاء لسبع خلون من جمادي الآخرة سنة 887 سبع وثمانين وثمانمائة اجتمعوا لهذا الصدد، وللتشاور واستخراج ما يبتني عليه الحكم، فإنهم مسؤولون أمام الله عزوجل.
قرروا سعيد بن زياد بن أحمد بن راشد البهلوي للحكم في أموال بني نبهان، وأقام أحمد بن عمر بن مفرج وكيلا للملوك المقدم ذكرهم وكان القاضي في هذه القضية هو الشيخ العالم أحمد بن صالح بن محمد ابن عمر، بجميع مال آل نبهان من أموال، والمراد بها بساتين النخل. قال: من أموال وأرضين، ونخيل وبيوت وأسلحة وآنية، وغلال وتمر وسكر، وجميع ما لهم كائنا ما كان من ماء وبيوت ودور، وأطوي وأثاث وأمتعة، قضاء واجبا تاما، وقبل محمد بن عمر بن محمد بن أحمد هذا القضاء للمظلومين من أهل عمان من غاب منهم ومن حضر، وكبر وصغر، الذكور منهم والإناث، فصارت هذه الأموال بالقضاء الكائن الصحيح للمظلومين. والمظلومون قد جهلت معرفتهم، فصار كل مال مجهول ربه جاز للإمام قبضه، ويصرفه في أعزار دولة المسلمين، وكل من أصبح حقه وأثبته فهو له من أموالهم، ويحاسب بالتجزئة لما يصح له بقسطه إن أدرك ذلك، وإن لم يدرك التجزئة ولم يحط بها فذلك نصيب غير معلوم، وهو مجهول للفقراء.
وللإمام أن يقبض الأموال المغيبة وأموال الفقراء ومن لا رب له، ويجعله في عز دولة المسلمين، فقد صح هذا الكلام والقضاء فيه، فمن بدله بعد ما سمعه فإنماإثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم . كتبه الفقير لله تعالى علي بن محمد بن علي بن عبد الباقي، وصلى الله على رسوله وآله وسلم، شهد بجميع ذلك: أحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج وكتبه بيده.
وهذا تاريخ وقوع الحكم المشار إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، وقع الحكم والقضاء للمسلمين المظلومين بأموال أولاد نبهان في عشى الأربعاء لسبع خلون من شهر جمادى الآخرة من سنة 837 هجرية نبوية محمدية، على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، وعلى أثره كتب: أقام الشيخ القاضي المجاهد سيف الإسلام، وقطب عمان، أبو عبدالله محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج بن عمر بن أحمد بن مفرج، وكيلا للملوك المقدم ذكرهم، فقد صح عندنا ذلك، فقضى أحمد بن صالح بن محمد بن عمر بجميع مال آل نبهان من أموال وأرضين، ونخيل وبيوت وأسلحة وآنية، وغلال وتمر وسكر وجميع ما لهم من ملك، فقد صح ذلك لمن ظلم من المسلمين من أهل عمان الذين ظلمهم السادة الملوك من آل نبهان، من لدن السلطان المظفر بن سليمان بن المظفر بن نبهان، إلى آخر من ظلم من نسله وولده الملكين سليمان بن سليمان وحسام بن سليمان، هذا الحكم الذي هو في البلدة، وقد سجل هذا الحكم جملة من أهل العلم، وكل من عرض عليه هذا الحكم أثبته وأمضه من جملة المسجلين إثباته. عبد بن مداد بن محمد.
وقال الشيخ محمد بن عبدالله بن مداد: صح عندي وثبت لدي أن جميع الأموال والأملاك التي خلفها السيد سليمان بن المظفر قد استهلكتها الديون التي على سليمان والضمانات، وقد صارت جميع هذه الأملاك والأموال للإمام دون أولاد سليمان، ينفذها في عز دولة المسلمين، وكذلك الزروع الحاضرة وغيرها، صارت للإمام، وأنفذ الإمام عمر بن الخطاب رحمه الله هذا الحكم، واستحل تلك الأموال، وأدخلها في بيت المال، فبيت المال الموجود بعمان هو أصله أموال ملوك بني نبهان، لأن عمان لم تكن بيت مال في حال من الأحوال، لأنها أسلمت طوعا كما علم ذلك الخاص والعام، وقد صرح أهل العلم في الأثر بذلك، فكل الأموال التي كانت لبيت المال بعمان من سمائل، وإزكي، ونزوى، وبهلى، ووادي القريات، ووادي السحتن، الرستاق، وأوديتها، والعوابي، ونخل كل هذه الأموال هي أموال المذكورين، إلا بدبد فقد عرف أمرها، وبعض أنهار أجراها أئمة اليعاربة، وأفلاج في عمان وهي يسيرة بالنسبة إلى أموال بني نبهان، ولحق بها بعض الأموال كأموال بني رواحة، وأموال بعض آل بوسعيد، التي غرقها الإمام عزان، وأموال بعض عتاة أهل عمان.
وعمان أيام الإمام عمر بن الخطاب كانت غاصة بأهل العلم، وكلهم وافقوا على ذلك التغريق ووأمضوه، لما صح لديهم من أعمال بني نبهان الذين استمرؤوا الظلم وركنوا إليه، والله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وسحق الله الظلم ومحا أرسمه في قوم عاد وفرعون وقوم لوط وأصحاب الأيكة، كل ذلك بسبب ظلمهم، والظلم لا تبني عليه دار والعياذ بالله.
وسأل الإمام محمد بن إسماعيل عن الأموال التي غرقها الإمام عمر بن الخطاب من أموال بني نبهان، ما وجه تغريقها؟ وما هو العمل فيها؟ وهذا معنى السؤال يتضمنه جواب الشيخ العالم أحمد بن صالح ابن عمر بن أحمد بن مفرج، يقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم ليعلم الواقف على كتابي هذا من المسلمين، أنه قد سألني الإمام المعظم الهمام المكرم إمام المسلمين محمد بن إسماعيل عن أموال بني نبهان، وحوز المسلمين لها ممن تقدمه الأئمة مثل عمر بن الخطاب بن محمد، وكيف سبب حوزهم؟ وهل عندك حفظ ممن تقدم من المسلمين والأئمة الماضين أنهم بماذا أحلوها لهم؟ وبأي وجه دخلوا فيها؟ فأجبته بما حفظته ووجدته ونظرته في ورقة فيها خطوط المسلمين، وفي تلك الأيام علماء وفقهاء أخيار، نظروا في بني نبهان أنهم أخذوا أموال المسلمين، وسفكوا دمائهم، وصار جميع ما أصابوه من الأموال والدماء والقتل، وصاروا لم يعرفوا لكل ذي حق حقه ليعطوه إياه، ولم يعرفوا لها أهلا.
وقد قال المسلمون: إن كل شيء لم يعرف له أهل فهو راجع إلى الفقراء، والإمام أولى بكل شيء مرجعه إلى الفقراء من الصدقات والوصايا وغيرها، فهو أولى بذلك ويجعله في عز دولة المسلمين، وبهذه الحجة أجازوها وأحلوها للإمام عمر بن الخطاب، فجعلت تنتقل من إمام إلى إمام إلى يومنا هذا، ولم يعب أحد ذلك، وكان في ذلك الأوان جمة من العلماء الأتقياء، البلغاء الفصحاء، فهذا حفظي عنهم، ونظرت خطوطهم في الورقة المتقدم ذكرها، والحق أحق أن يتبع، وما بعد الحق إلا الضلال، و ما توفيق إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كتبه العبد الفقير تعالى أحمد بن صالح ابن عمر بن أحمد بن مفرج بيده، وصلى الله على رسوله محمد النبي .
وقد أجزت للإمام المقدم الذكر أعزه الله، حوز هذه الأموال المقدم ذكرها اقتفاء لما تقدم من الأحكام من العلماء الأبرار الأتقياء الأخيار، ولا حجة لمحتج على الإمام في حوزه لها ومنعه إياها، إذ هو مقتف أثر غيره من الأئمة الماضين، وحكم العلماء المتقدمين، ولا عليه مطعن لطاعن، ولا حجة لمحتج، والسلام على من اتبع الهدى. كتبه أحمد بن صالح بن عمر بن احمد بيده، وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما كثيرا، وسجل عليه وصححه الشيخ أبو القاسم بن شائق بن عمر بيده، وصححه الشيخ سالم بن راشد بن خاتم، وصححه أيضا وثبته الشيخ سليمان بن أبي القاسم بن محمد، وحكم بصحته أيضا الشيخ خالد بنى سعيد بن عمر بن إسماعيل، وحكم بصحته أيضا الشيخ عمر بن موسى، والشيخ راشد بن غسان.
واستمر العلماء الأبرار والقادة الأخيار كل من وصل إليه ذلك الحكم أثبته وأمضاه وأوجب العمل به واعتمده الجماعة على التوالي، ذلك لأن جماعة بني نبهان خلطوا المظالم كبيرها وصغيرها أرضها وماءها، وغللها وحيواناتها، وأصولها المنقولة وغير المنقولة، والدماء بأنواعها، والحل والمنازل، وكل ما يطلق عليه خردلة في سمائل، وقد مرت عليك الإشارة.
وهكذا الحال من القوم طيلة تلك المدة التي عاشها النبهانيون، وهذا عملهم، فلما رأى العلماء تراكم الضمانات، وتزاحم الجنايات، ورأوا أن انتزاع المظالم من الظالم، وردها إلى صاحبها المظلوم، عسر عليهم معرفة أموال عمرو، واختلاف أنواع المظالم وتداخلها على بعضها بعضا جعلوها مجهولة الأرباب، ومجهول الأرباب محل مخرجه الفقراء، وما كان محل الفقراء من هذه الأنواع فهو راجع إلى نظر الإمام في ومن وجوده يفعل ما يراه حقا، ورأى الإمام إنفاذ تلك الأموال في عز دولة المسلمين، أعم منفعة وأعلى شأنا، وأولى مخرجا حيث عز الدولة يشترك فيه العامة من المسلمين، فصارت تلك الأموال بيت مال المسلمين منذ ذلك العهد، حتى الساعة.
ولا يخفى أن المسلمين لم يكونوا مختصين بهذا العمل دون غيرهم، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أول من وضع حجر زاوية التغريق، ومبنى ذلك على أعمدة التحقيق، وحكم في عهد خلافته والمسلمون متوافرون، وأهل الحق من أجلة الصحابة حاضرون، وله موالون ومؤازرون، ولم ينكروا شيئا من هذا العمل، بل رأوه حقا وصوابا، وعلى ذلك بنى أئمة عمان الإباضيين المخلصين أحكام تغريق أموال الجبابرة الظلمة، ومازال ذلك جاريا والعمل عليه، وقد عمل به في المتأخرين الإمام عزان بن قيس، ثم تبعه الإمام سالم بن راشد، وأقره العلماء، وفيه ألف العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي غاية التحقيق في الانتصار والتغريق، والله أعلم.
وبعد هذا الإمام الخروصي أعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عمل به الإمام محمد إسماعيل كما سوف تقف عليه إن شاء الله.
وتوفي الإمام عمر بن الخطاب رحمه الله ورضي عنه في نزوى.









إمامة الإمام محمد بن سليمان بن أحمد

لما انتهت الأمور النبهانية، وتقرر حكم تغريق أموالهم، وانطبق عليه المسلمون، وتمت الحجة على ذلك، اختار الله عزوجل لعبده ما عنده، فتوفى الإمام عمر بن الخطاب، وبقى في نفوس أهل الباطل من السوء ما بقى كما عرفت، بايع المسلمون محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج القاضي البهلوي، ولم يطل عهده فإنه من المحتمل أنه رأى الأمور تنظر إليه شزرا بحيث سبق من آبائه تغريق أموال الملوك النباهنة، والملوك مرهوبون من قبل سواد الأمة، فاعتزل عن الإمامة أو أنهم عزلوه للأحوال التي يلاحظ وميض نارها وما كل مجتهد مصيب، فإن من الناس من لا تواطئهم الأحوال ولا تثبت لهم بحال، ولاسيما إذا اختلفت آراء الأنصار، فإن الإمام بأنصاره، أما وحده فلا يقدر على فعل تشترك فيه الأمة، وهناك أحوال تتلاعب فيها الأهواء والأمر لله.



إمامة عمر الشريف

من الأمور التي يقف لها الإنسان حائرًا مثل إمامة محمد بن سليمان الآنف الذكر، وإمامة عمر الشريف فإنهم لم يعرفوا بهذا الرجل ولا بلقبه المشار إليه، ولا ممن هو من القبائل، وعلى الأقل من أي البلاد هو حتى يعلم عنه شيء يحسن السكوت عليه، وأقام عمر الشريف في إمامته سنة كاملة، ثم لما خرج من نزوى إلى بهلى، بايع أهل نزوى إماما بعده، وهذا ليس من الحق في شيء، فإنه كان قصر أو رأوه عاجزا عليهم أن يقووه وإلا فعليهم أن يحتجوا عليه، ويبينوا له وجه الأمر الذي يعدوه، فيقتنع ويكون لهم معذرة عند الله وعند العباد، أما كون إمامهم خرج إلى بلاد لإصلاح أحوالها، فلا يعلم إلا وإمام آخر قام عنه.
فهذا الحال شبيه بلعب الصبيان لا يرضاه الدين ولا الإيمان، ومن العجائب أنهم لما تركوا الإمام محمد بن سليمان بن أحمد الذي اعتزل عن الإمامة، رجعوا إليه فبايعوه مرة أخرى ثم لم يعرف ماذا صار عليه، فلم يذكروا من أحواله شيئا، ولعلهم ذكروا فضاع المذكور كما ضاع الكثير من التاريخ العماني، أما كون الأمور على هذا الشكل، فمن القبائح التي ليتها لم تكن، فإن هذا العهد تبص فيه نار النباهنة تحت الرماد.


إمامة أحمد بن عمر بن محمد الزنجي


لما انتقض بناء إمامة محمد بن سليمان المفرجي، وإمامة عمر الشريف، بويع بها أحمد بن عمر الزنجي البهلوي، ولم يذكروا عنه شيئا إلا أنه مات، ولم يذكروا في أي تاريخ مات، ولعله مات حتف أنفه قبل أن تكون له أحوال، وقبره بنزوى، هذا الذي ذكروه عنه فقط والله أعلم بما هناك.



إمامة الإمام أبي الحسن بن عبد السلام

إن أبا الحسن كان من نزوى، وكانت نزوى تضم كنوزا من أهل التقوى، ورجال الدين والإيمان، ومنهم ابن أبي الحسن بن عبد السلام، ولآبائه ذكر في أهل الفضل بنزوى، ومضى لابن الحسن في إمامته سنة واحدة، فخرج عليه سليمان بن سليمان النبهاني.
قلت: هنا يتبين ما توخيناه من عزل الإمام محمد بن سليمان، وعمر الشريف ومن بعدهما، فإن الوميض النبهاني يلمع تحت الرماد باتقاد، وله من أهل البغي أعضاد، ومن الجهلة والعوام أنصار وأجناد، ولم يبينوا عنه شيئا، والذي يفهم من الأحوال أن السلطان عادت له قوة ، طرد بها ابن عبد السلام، وتولى الأمر واستأسد، ولم تقم لابن عبد السلام قائمة، فإنهم ذكروا عن سليمان المذكور بعد هذا القيام الذي قامه على أبي الحسن بن عبد السلام، هاجم امرأة من أهل نزوى خرجت لفلج الغنتق حيث اعتادت النساء يخرجن لحوائجهن فيه، فما شعرت إلا وهذا الظالم وراءها، فهربت من الفلج عارية تستجير وتستغيث، ولا يقدر أحد أن ينجيها مما يدل على تسلط سليمان بن سليمان مرة أخرى.
ولم يعتبر بالحال الذي صار عليه ولم يتعظ بما وقع من الإمام عمر ابن الخطاب، حتى تجرد له محمد بن إسماعيل كالمخاطر بنفسه، فصرعه على الأرض حتى تفر المرأة المسكينة الضعيفة من هذا الجبار الذي يتهجم عليها كالجمل الصائل بئس الفعل وبئس الرجل.



إمامة الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري


إن الإمام محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري، وهو معروف النسب مذكور في التاريخ العماني، فلا حاجة إلى إيراد نسبه هنا فهو من قضاعة بن مالك بن حمير، كان هذا الرجل بطلا ملأه الله إيمانا، وشد قلبه وأيده بروح من عنده، ومن ينصر الله على أعدائه.
رأى محمد بن إسماعيل تلك الضعيفة التي لا مجير لها من هذا الجبار الذي هتك سترها وانطلق وراءها جهارا، عند هذا فضل محمد بن إسماعيل رحمه الله الموت على الحياة لأنه يعلم أن الرجل غير تاركه حيا، ولكن من حسن الحظ أن أنعش الله أهل الإيمان، فقاموا عند محمد بن إسماعيل قومة رجل واحد، فتداركوا الأمر قبل استئصال الخطب، ورأوا جرأة محمد بن إسماعيل يخوله الإمامة، فإن الإمامة شرطها الشجاعة، فلا إمامة لجبان، وكان محمد بن إسماعيل يسكن الحارة الغربية من سكة باب مرار، لا كما يقول ابن رزيق كان من أهل إزكي، وأن محمد بن إسماعيل لما صرع السلطان سليمان بن سليمان جرد له خنجره وذبحه.
وقال الإمام رحمه الله: وسبب اختيار المسلمين له أن سليمان بن سليمان هجم على امرأة تغتسل بفلج الغنتق، فخرجت من الفلج هاربة عنه عريانة، فجعل يعدو في أثرها حتى وصل حارة الوادي، فرآها محمد بن إسماعيل فخرج إليه وأمسكه عنها وصرعه على الأرض، حتى مضت المرأة ودخلت العقر، فخلى سبيله، فعند ذلك فرح به المسلمون لما رأوا من قوته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنصبوه إماما، وذلك في سنة ست وتسعمائة.
وقام هذا الإمام بعمان قيام الأئمة الكرام والسادة الأعلام، وآمنت البلاد في أيامه، واستراحت الرعية طيلة أعوامه، وذلك توفيق من الله عزوجل، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
لما تمكن قدم إمامة محمد بن إسماعيل نظر في أحوال الجبابرة وأعمالهم، وكان قد عرف عمل الإمام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فحكم بتغريق أموال بني رواحة الذين دخلوا في أعمال سليمان المذكور، وقادوه على الناس في الفتن الآنفة الذكر التي كان يمارسها سليمان، وولده سليمان في أهل عمان، وقادوا أيضا مظفر بن سليمان، حكم الإمام محمد بن إسماعيل بتغريق أموالهم بسفك دماء المسلمين، ونهب أموالهم، وهتك أعراضهم، وكان العلماء إذ ذاك متوافرين ومتناصرين، يؤيدون الحق على الباطل، ولا يبالون عندما يجدون سنوح الفرصة لهم.

صفة الحكم في أموال بني رواحة

اعلم أن الإمام عمر بن الخطاب، نظر إلى الجبابرة من نبهان، وأن الجرائم التي اقترفوها تختص بهم، إذ هم الفاعلون حيث لهم السلطان، ولم ينظر إلى من كانوا لهم أعوانا، ولا شك أن لهم أعوانا يقومون بأمورهم ويمثلون لما يرومون فعله، وما من دولة إلا ولها رجال هم يدها الباطشة، وهم عينها الباصرة، وهم لسانها الداعية، ولكن لم يلتفت الإمام عمر بن الخطاب إلا إلى الملوك المذكورين.
والتفت الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري إلى الأعوان، ومن بينهم بنور رواحة الذين قادوا سليمان النبهاني، ومظفر بن سليمان، وكانوا لهم سهاما على عباد الله، وكانت الواقعة الكبرى بينهم بحممت من وادي بني رواحة، وحممت هي التي تسمى الآن الجناة، وهي الواقعة التي انهزم فيها الإمام، ثم تلاوم المسلمون وتراجعوا فصالوا على النباهنة، ومكنهم الله من خضد شوكتهم، وكسر أسنتهم، وغل أيدي الضلال بذلك الحكم الذي حكم به علماء دولة ذلك الإمام، فأمضاه الإمام المذكور.
وهذا الإمام محمد بن إسماعيل يتمم العملية فيغرق أموال بني رواحة، وهي التي في الجناة وهي أموال معروفة عند أهل عمان، ولكن لطول العهد وتبدل الأحوال، وتلاشى الأمور بانحلال السلاطين المذكورين، رجعت أموال بني رواحة إليهم، ولعل بعض الأئمة رأى من الصلاح إرجاعها إليهم في مقابلة استقامتهم له، فإن لكل دولة رجالا، وهذا ما لا يختلف فيه أهل العلم، فإن الإمام إذا رأى من قوم استقامة له أن يخصهم من بيت مال المسلمين لما يراه من مصلحة المسلمين، ولكل وقت سياسة، وكم مال رد لأهله في عمان بعدما صار عليه القهر من حاكم مصلح في الأمة، بل ومن جائز أيضا إذا رأى صلاحه في تقريب قوم وإبعاد آخرين.
ولكن بقى الفرق بين نظر أهل الفضل وغيرهم، فقبض الإمام محمد ابن إسماعيل أموال بني رواحة وأضافها إلى بيت المال واستغلها طيلة إمامته، وكذا الأئمة بعده. وحكم هذا الإمام في إبطال بيع الخيار.




صفة الحكم في بيع الخيار

لا يخفى أن أئمة عمان مازالوا ولا يزالون مع مقتضيات الشريعة يراعونها في أدنى النقاط فضلا عن أكبرها، ولا غرض يهمهم إلا إجراء أحكام الشريعة في مجاريها مهما كانت، ومن حيث إن بيع الخيار فيه علل لا تزال معروفة، والعلماء فيه على طرفي نقيض منهم :المثبت ومنهم المبطل، ومنهم المتوقف، ولذلك عقد الإمام محمد بن إسماعيل رحمه الله مؤتمرا للنظر في هذا الأمر، واجتمع معه العلماء، فكتب كتابا بين فيه رأيه في هذا البيع كما في الأثر، إنه لما كثرت معهم المعاملات من الربا والفساد والحيل، فصاروا يظهرون أنهم يتابعون بيع الخيار، ويجعلونه تغطية على ما أسسوه وأرادوه، ليكون لهم حلالا في الحكم الظاهر، وباطنهم الزيادة للدراهم، وأخذ الثمرة على قدر ما يسلمون من الدراهم، إذا قلت الدراهم أخذوا له قليلا، وإذا كثرت أخذوا له كثيرًا، والمراد بكثرة الدراهم وقتها أنه إذا كان البيع معقوداً بمائة ريال أخذوا غلة من البائع، بقدر المائة المذكورة، وإذا كان البيع مثلا بألف ريال أخذوا من البائع غلة بقدر الألف.ولا يريدون مالا مهما كان، وإنما المراد غلة الدراهم والمبيع حيلة بينهم فقط، فلا يراعون كثرة المبيع وقلته، وإنما الذي يراعون نفس الغلة، وليس القصد بذلك العقد الأصلي، وإنما إذا رأوا المدة التي جعل الخيار فيها قد قاربت أن تنتهي زادوا مدة أخرى، ويتظاهرون بذلك كحسن خلق ورأفة بصاحب المال ألا يفوته ماله فكأن المال باق له ولم يخرج عن ملكه، وهم يمتصون دمه، إذ يقوم هو بمصارف المال، وما يحتاج إليه من مغارم على أنه ماله، وهم يأخذون غلته سالمة لا شيء عليهم فيها.
والمراد بالمال عند العمانيين في مثل هذا المقام الأصول، سواء كانت نخلا وهي المراد عند الإطلاق، أو مياها أو أرضا أو مباني ونحوها، فيبيعونها بالإقالة لمدة سنوات على هذه الشريطة المذكورة، وربما عقد الشاري مع البائع الغلة أن تكون كذا وكذا عددًا أو نوعًا، وهذا كله حرام محض، إذ هو ربا في نظر الشرع لأن المقصود غلة دراهم معروفة، وهي باقية في مال البائع، والأقل منهم من يسلم الثمرة للشاري، فيتناولها غلة له والمال في يد البائع، وفشا هذا الحال بين الجهال وأهل الباطل، واستمرؤوه ولا يبالون، وقد صرح الأثر المنقول أن البيوع على ما عقدت عليه في الأحكام، وعلى ما أسست عليه في الحلال والحرام.
فلما رأى المسلمون والمراد بهم أهل الفضل الذين هم الحجة في الأرض، أهل هذا الزمان همجا رعاء لا يتقون الحرام مع ما يحتاجون إليه من المكاتبة والإشهاد، خافوا أن يحاط بهم، وأن يقعوا جميعا في المعصية إن لم ينهوهم عن ذلك، ويكونوا كمن قال الله فيهم: كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ 29.



العلماء يجتمعون لمراجعة آثار المسلمين في هذا الصدد


لما كثر القيل والقال في هذا الصدد، اجتمع المسلمون الموجودون في ذلك العهد لمراجعة آثار السلف الصالح، وما قرره العلماء في مثل هذا البيع المشار إليه، وهم المشايخ الفقهاء الأجلاء، الذين هم القدوة إذ ذاك، وفي مقدمتهم مداد بن عبدالله بن مداد العقري النزوي، والفقيه عبدالله بن محمد بن سليمان عمر النزوي، والقاضي أبو غسان بن ورد ابن أبي غسان البهوي، وعمر بن زياد بن أحمد البهلوي، ومحمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح المنحي، وجماعة آخرون ممن كان من أهل العلم عند الإمام العادل الكامل العاقل محمد بن إسماعيل- نصره الله- بقرية نزوى، وطالعوا الآثار، رأى الواردة عن أهل العلم السابقين والأئمة الماضين، المسندة إلى سيد المرسلين نبينا محمد، ، الوارد بها الوحي المبين عن رب العالمين، فوجدوا فيها أن غلة بيع الخيار حرام، فحكم الإمام رحمه الله ومن معه من العلماء المذكورين، والفقهاء بتحريم غلة بيع الخيار، وبفساد البيع أيضا، وأن ذلك أقرب للتقوى، وأسلم عند الله من البلوى لقوله عليه الصلاة والسلام:« من أجبى فقد أربى ».
وهكذا ما كتبه الإمام محمد بن إسماعيل رحمه الله في ذلك، بعد ما صح معه الدليل، واتضح لديه السبيل، قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، لما كان في نهار الأربعاء لست ليال خلون من شهر جمادى الآخرة أحد شهور سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، قد صح الحكم الصحيح الثابت الصريح من الإمام العادل، إمام المسلمين محمد بن إسماعيل ومن حضره من المسلمين، وما أجمعوا عليه، بأن غلة بيع الخيار لا تجوز، وأنها حرام في المراد بها الثمرة، وأنها ربا، ووافق ما نهى عنه النبي « من أجبى فقد أربى»، وقد جاء الأثر عن عمرو بن علي في قول المسلمين في بيع الخيار، أنه غير ثابت وهذا قول من لا يراه ثابتا، فإن الأصل عنده فيه أن هذا بيع وقع على الثمرة لا على الأصل، ومثل هذا لا يصح في حكم المسلمين، لعلل عديدة تتناول هذا البيع بالفساد، وليس محل بسطها، وقد ألفت فيه رسالة خاصة سميتها «توضيح المنار في إبطال بيع الخيار»، وذلك في أيام الصبا، وأوردت فيها أقوال العلماء والأحاديث المروية في هذا المقام، مع شرح لمعانيها وبيان محل الاستدلال بها، فكانت رسالة جامعة، وأصبحت الآن لا أعلم عنها أين صارت، والله حسبي ونعم الوكيل، أحتسب عنده أجرها، فإن العناء والتعب الذي ألاقيه حال التأليف كبير، إذ لا مساعد ولا فراغ، وإنما هو صراع للحياة، والله ولي التوفيق.
وإنما البيع الخيار حيلة على تحليل الغلة، بل لا أقول على تحليلها إنما هي حرام، وما كان حراما في نظر المسلمين لا يزال حراما إلى يوم الدين، وكذلك يقول العلماء الذين يقولون بتحريم هذا البيع وتحريم غلته، وقالوا: لما صح عندنا أن بيع الخيار المراد به الثمرة حينئذ قلنا بفساد ذلك البيع، وكان هذا المقال موافقا لنهي الرسول في قوله «من أجبى فقدأربى»، والدليل على هذا ما صح عندنا من قوله: إنهم جعلوا هذا البيع طريقا يتوصلون بها إلى تحليل الثمرة على الجملة من قولهم، وأظهروا هذا البيع على تغطية ما لا يجوز، أي تستروا بذلك في الظاهرة عن إشاعة ركوب المحرم، فكان قولهم هذا موافقا للرجل الذي تزوج امرأة في السريرة تحليلا لمطلقها، أو كالرجل الذي كان في نيته في بيع باعه مكوكا بمكوكين، أو تمرا بحب، أو حبا بتمر، ثم أظهر ذلك عند عقدة البيع أنه بدارهم، أو كالذي يخطب امرأة في السريرة، فأظهر أنه قد عقد عليها نكاحا وأنه تزوجها، وما يجيء بحق هذا وهذا كله، فقد قيل: إن النيات هن المهلكات وهن المنجيات، وكذا قال رسول الله «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» وقال عليه الصلاة والسلام: «نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله».
لما صح عندنا أن المراد بالبيع الخيار الثمرة، وإنما جعلوا هذا طريقا فيما عزموا للتغطية على تحريمها، والدليل على فساد هذا: أن كل هذا البيع وقع لنخلة فكانت الثمرة لربها، وإن كان البيع المراد به الثمرة فقد وافق هذا البيع قول النبي :« من أجبى فقد أربى»فهذا أحد وجوه الفساد في ذلك.
والوجه الثاني: مثله، كمثل رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاثا فتزوجها لاستحلالها لزوجها الأول، أي ليحللها لزوجها الأول، فهذا مما قال بفساده المسلمون على الزوج الأول والزوج الثاني.
والوجه الثالث: رجل وافق رجلا على شراء حب أو تمر من عنده المكوك بمكوكين، أو تمرا بحب، أو حبا بتمر، ثم أشهد على نفسه بدراهم فهذا أيضا حرام لما كان في السريرة من الفساد، قال: فهذا قولنا في بيع الخيار والله اعلم.
هكذا جاء كتبته كما وجدته كما وجدته منها، وهذا تقرير الإمام لهذا المكتوب، يقول رحمه الله: نعم ما كتب على فهو من إملائي، والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال، وكتبه الله سبحانه الإمام محمد ابن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري بيده حامدًا لله وحده، ومصليا مسلما مستغفرا.
وهذا تأييد العلماء إذ ذاك لهذا الحكم، يقول الشيخ مداد بن عبدالله بن محمد: صحيح ما حكم به الإمام من تحريم غلة بيع الخيار، فهو الحق والصواب موافقا لآثار المسلمين من السلف، وبذلك جاء الأثر وعليه العمل، كتبه العبد الفقير مداد إلخ.
وبمثل ذلك أيضا قال الشيخ محمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح نصا بعينه، وكذلك أيضا الشيخ العلامة عبدالله بن محمد بن سليمان، وكذلك عن الشيخ العالم أبي غسان بن غسان بن أبي غسان، ويمثل ذلك النص أيضا كتب الشيخ العلامة عبدالله بن عمر بن زياد بن أحمد، وكذلك أيضا كتب الشيخ العالم أحمد بن مداد بن عبدالله بن مداد، وكلهم على عبارة واحدة، وكلهم بنص في عبارته بعدل الإمام محمد بن إسماعيل.
وإذا كان هؤلاء العلماء الأجلاء يشهدون لهذا الإمام بالعدل، فما وجه ما يقوله بعضهم من أن الإمام محمد بن إسماعيل له أحداث استوجب بها البراءة، وأحمد بن مداد بنفسه يصف الإمام محمد بن إسماعيل بالإمام العدل، ثم يعود يقول إن لمحمد بن إسماعيل أحداث استوجب بها البراءة عندهن من ذلك أن جبى الزكاة من رعيته بالجبر من غير حماية منه لهم، وغير منع من الجور والظلم.
قلت: إن صح ذلك فمن لمحمد بن إسماعيل أن يقوم به على ردع أهل الجور والظلم، وقوته يستمدها من أنصاره الذين هم حجته على عدوه، وكيف تتسنى لمحمد بن إسماعيل الحماية ولا مال بيده إلا الزكاة، والزكاة لا ينالها إلا بالجبر من أهل الأموال، ولا مال له بنفسه، ولو كان له مال أيلزمه أن ينفقه في تقويم دولتهم؟ وهل المسؤولة عليه أكبر من المسؤولة على أنصاره؟ أما عملوا ما قام به محمد بن إسماعيل في اعتراضه لذلك الظالم الذي يطارد المرأة في الشارع، وهي كما في بعض القول عارية، ولا يقدر أحد أن يجيرها منه، فتجرد هذا البطل لذلك الجبار، ولا بد أن تكون متوقعا للخطر منه، وقد عرفت أعمالهم في أهل العلم والفضل، وعرف ظلمهم وجورهم، ومتى يمنع محمد بن إسماعيل الناس عن الظلم والجور، وهذا حال أنصاره، وإليك سرد الأحداث المشار إليها والتعليق عليها.


الأحداث المعدودة على الإمام محمد بن إسماعيل

لقد عرفت ما قيل إن الإمام محمد بن إسماعيل جبى الزكاة من رعيته بالجبر من حلية منه لهم، وغير منع من الجور والظلم ومنها جبر رعيته على شراء الزكاة من ثمرة النخل بما تقومه عماله من الدنانير، وأخذ تلك القيمة بالجبر منهم، ومنها أنه جبى المعاشير غير الزكاة دنانير بقيمة ثمرة النخل من أموال رعيته بما تقومه أعوانه وعماله من الدنانير، بالجبر من رعيته اليتامى والبالغين والأرامل وغيرهم، لنفسه وعماله وأعوانه وأضيافه وعياله هدرا وقرضا بالنية.
ومنها أنه جبى الخراج وأخذ الكسرة وهي المغرم المقدر للجبابرة من أموال رعيته بالجبر على الخوف، وخشية الظلمة على دولته ونفسه ورعيته وأموال رعيته أهـ.
هذا ما عده عليه المنتقد لأعماله، ولا شك أنه ليس الجبر كالمعانية، فإن أولئك الرجال هم المبتلون بما هناك، أما شراء الزكاة من النخل بما تقومه العمال، فإن كان هؤلاء العمال أمناء، واتفقوا على تثمين الزكاة فهذا وجه يجوز بحسب ظاهر الحال، وقد أجازه العلامة الخليلي للإمام عزان بن قيس رحمهما الله، وعمل به في عهدنا الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله، ولم ينكر عليه أهل العلم الذين هم في منزلته العلمية، وهم كثيرون، يضيق المقام بذكرهم فرداً فرداً.
وإذا اتفق العمال وأهل الأموال على ذلك، جاز إجبارهم في تسليم ما اتفقوا عليه حقا لله عز وجل، لاسيما لتقويم دولة المسلمين، وإذا لم يجبرهم بعد الاتفاق. وأصروا على عدم التسليم، فماذا يصنع بهم؟ ولا يتصور الإجبار إلا بعد الإصرار، والعمل ما داموا أمناء الإمام فهم أمناء المسلمين، لأن من تحت راية العدل فحكمة العدالة، ويجب أن يحسن به الظن، والمعاشير التي يذكروها إن كانت هي المعروفة بالعشور التي تؤخذ من المبيعات بالأسواق فهي حق المسلمين، تكون كأجرة على استعمال أرض المسلمين، أي أرض بيت المال، وهذا أمر جار لاسيما في مواضع الخراج.
ولا شك أن ما وجب في الأموال عم الكل، فاليتامى والأرامل والغياب ونحوهم كلهم في ذلك سواء، وقولهم: وجبى الخراج فإن ما حل لغيره من الأئمة فله أيضا حلال لا فرق بينه وبين غيره، هذا إذا احتاج، أما إذا أغناه الله فالزكاة لا حق له فيها، وإنما شرعها الله لأصناف مخصوصين ما لم يكن الإمام أحد الأصناف المذكورين، وإذا احتاج الإمام إلى الزكاة كانت حاجته مقدمة على حاجات الفقراء والمساكين ومن إليهم نزل الإمام منزلة المسلمين كلهم لينظر في المصلحة العامة للأمة، أما أخذ الكسرة التي تجعل للجبابرة دفاعا لشرهم، فالإمام حاشاه أن يرضى بأخذها، اللهم إلا إن كانت مما احتمل الحق والباطل، ولم يترجح أحدهما على الآخر، واضطر لأخذها جاز له للضرورة، ولاحتمال أن تكون حقا، وليس كسرة يتولاها الجبابرة تكون حراما، فلعلها كسرة كانت لوجه بر، فتولاها جبار حائزا لها عن أهلها الذين وضعت لهم، فإذا جاء الإمام المحق حق له أخذ ما وضع لوجه بر ليصلح به شؤون المسلمين.
ولا شك أن بقاء دولة المسلمين أولى من ذهابها، ولا شك أن الدول تحتاج إلى المال، فما كان لفقراء المسلمين وما أخرج لوجه، وحتى الكفارات التي يوصي بها المكفرون إذا رأى الإمام الحاجة إليها فهو أولى بها من غيره لصيانة دولة المسلمين، ومن ذا الذي يبيع ماله لينفقه على إمام المسلمين ودولته. بل الأمة بطبيعتها تطالب الأمام لينفق عليها وهذا هو المعروف غالبا من أحوال الأمة. وهذا الإمام الحضرمي رحمه الله يقول:

كل من طالبت منهم قال لي *** كم لي وكم لابني وكم لامرأتي
حتى إذا ما قلت أبشر بالعطا*** انهض وشمر قال قبلا هاتي


هذا هو غالب حال الأمة إلا ما شاء الله.
قال الإمام رحمه الله وهو يذكر أحمد بن مداد الذي يعد على الإمام الأحداث:«وقد أطال في الاستدلال على إبطال هذه الأشياء بأمور مسلمة عند الفريقين» أي هي بحسب ظاهرها لا تبعد عن منهج الحق، ولكن لا بد أن للإمام فيها وجها هو أحق، لأنهم وصفوه بالعدل، فهم مجمعون على عدالته، ومتفقون على صحة إمامته، وأي إمام سلم معهم من الانتقاد منذ الجلندي بن مسعود رحمه الله.
قال الإمام: وما أدري ما يقول المنتصر له في بعض هذه الأمور، فإنها لا تخرج على من أقوال المسلين، قال: ولعلهم ينكرون وقوع ذلك منه، وكان هذا الإمام السالمي رحمه الله، أشار إلى ذلك أول الكلام حيث قال: وكان أحمد بن مداد يذكر لمحمد بن إسماعيل أحداثا استوجب بها البراءة عنده، وكان غيره من بعض معاصريهم يعتذر لمحمد بن إسماعيل في ذلك ويحتج له بحجج لا يسلمها أحمد بن مداد ويقول هنا أيضا: ولعلهم ينكرون وقوع ذلك منه، ويحتجون للبواقي بالترخص ببعض الرأي المأثور عن المسلمين، لأجل الضرورة إليه. قال: أما الجباية والخراج فلا يجتمعان أصلا، ليس للإمام أن يجبي أرضا يأخذ الجبار خراجها إلا إذا حماها ومنع الجبار من خراجها، ورفع اليد عن مظالمها، وأنصف بعضها من بعض، فها هنا تطيب له الجباية بالقهر، لأنه قد حماها وأقام فيها العدل، وكذلك أخذ العشور من الأموال التي لا زكاة فيها، فإن ذلك لا زكاة فيها، فإن ذلك لا يجوز ولا يقبل الرأي، فإن صح هذا أن أحدا فعله واستتب فلم يتب، فإنه يكون خليعا أي إذا :كان إماما وقارب ما منعه منه الشرع، واستتيب من ذلك الذي فعله ولم يتب، فقد ركب محجوزا تسقط به إمامته لأنه يصير عاصيا محتاجا لأن ينتصب منه.
قال الإمام: لكن لا يكون ذلك بالدعوى خصوصا على الأئمة، فإنهم أعظم حرمة. قال: وأما القرض فقد احتج له من احتج، ورخص له من رخص، لأجل الخوف على الدولة، ولا يرى ذلك الفقيه أحمد بن مداد، وإنه يبرأ من العامل والمرخص.
قلت: ليس له أن يبرأ ممن عمل بما رآه المسلمون واسعا في الرأي فيما يصح فيه الرأي، قال: وأما الخرص للثمار، وإن كان الأصحاب على غيره فلا يخرج عن دائرة الرأي، لكن جبر الرعية على تسليم الدنانير عن الزكاة المخروصة في رؤوس النخل شيء لا يجوز.
هذا تحرير المقام في هذه القضايا التي ابتلي بها الأئمة في معاناة أمور الأمة، إن أقدموا على شيء تدعو إليه الأحوال الضرورية نوقشوا من جهة من ابتلاهم بالأمر، أو من أمثالهم، وإن سكتوا أصيب الدين والدنيا بجبار لا يردعه دين ولا ضمير، ولا يتجنب أي مركب يجده، فتذهب بذلك دولة المسلمين، وينهار صرح الدين، والأمر لله.
وقد عاش الإمام محمد بن إسماعيل إلى سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة، فكانت إمامته ستا وثلاثين سنة، وبغد موته حالا بايعوا ولده بركات.








الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل

لما قضى الله على الإمام محمد بن إسماعيل في التاريخ المذكور بنزوى، وكان في مقدمة العلماء إذ ذاك العلامة عبدالله بن عمر بن زياد الشقصي النزوي، ومحمد بن أحمد بن يفسان، فقام ضده الفقيه أحمد ابن مداد، لأنه لم يرض إمامته، وطعن في إمامته، وعلى كل حال إن الطعن في إمامته طعن في العاقدين عليه، وتبرأ ابن مداد من هذا الإمام، وممن نصبه لأنه ليس بولي عنده ولا بأهل للإمامة، وذلك لولايته لأبيه على أحداثه التي ذكرها عنه وأنه عمل بأحداث أبيه من بعده، وقلده في ذلك.
هذا هو جرم بركات عند هذا الفقيه، وهنا سوف تنكشف المصائب التي يقع فيها الناس، ويتلاشى بها الدين الحنيف، وتعود الأمور إلى شر ما عاد، وهذا الذي نشير إليه، ولكن لا راد لأمر الله عزوجل.
بقى بركات في إمامته عند المرتضين له حتى سنة 964 أربع وستين وتسعمائة، وفي هذه الآونة عادت السلطة النبهانية تعود سيرتها الأولى، فإنه سيأتي أن سلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان، تولى نزوى في هذا التاريخ، وذلك لاختلاف الكلمة والأمر لله عزوجل.
فكانت إمامة بركات يقرب عهدها من إمامة أبيه، إلا أن أباه كان إمام عمان كلها، وكانت شوكة الجبابرة منكسرة، ودعوتهم خامدة، ولكن نتيجة للخلافات التي أتت هنا مكنت النباهنية العودة إلى معاهدها.








إمامة عمر بن القاسم الفضيلي

عندما سخط الشيخ الفقيه أحمد بن مداد على بركات، ورأوا أن الأمور الآن ميسورة، ومتناولها قريب، وإقامة إمام يرتضي ضد إمام غير مرتض كذلك، بايع هذا الفريق الساخط على بركات عمر بن القاسم المذكور، فقام هذا الإمام في عهد بركات، وبقى الناس بين إمامين متضادين متخالفين متخاصمين، وأحزابها معها، وكل يرى صاحبه البطل والآخر المحق.
وقال الإمام، وغيره من أهل العلم: إن أحمد بن مداد يثني على الإمام الفضيلي ويحمد سيرته ويتولاه، قال الإمام: وذكر غيره أي ابن مداد أن المسلمين رضوا إمامته، قال: ولم يؤرخوا وقت بيعته ولا وقت وفاته.
قلت، ولا ذكروا شيئا من أعماله وأين بويع وأين حل؟ وماذا فعل؟ فإن هذا الوقت رقصت فيه أيضا إمامة أخرى ليتم ما قضى الله في غيبه، فإنهم بايعوا في هذا الأثناء عبدالله بن محمد القرن، وكأنه واسطة بين الفضيلي وبركات والله المستعان.











إمامة عبدالله بن محمد القرن
قام فريق يرى له في النظر ما ليس لغيره فقدموا عبدالله بن محمد القرن من العنصر الهنائي، ولم يذكروا ماذا فعل الإمامان القائمان قبله، ولا ما آل إليه أمرهما، وهذا من البلاهة. بمكان يعرفه كل إنسان، وهنا ترى ثلاثة أئمة في بلد واحد، وفي مذهب واحد، وحوزة واحدة، والأثر يقول:

وباطل سيرة فيها الإمامة في*** اثنين لو بلغنا في المجد ما كملا

وأنت تدري هنا ثلاثة أئمة في عهد واحد، إنها لمصيبة تقضي على الدين كما أشار إلى ذلك القرآن حيث يقول: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ 30. وأي تنازع أكبر من هذا، وأي فشل مما وقعوا فيه بعد ذلك، إذ أن الجبابرة مرة أخرى وضعوا أيديهم على ما شاؤوا، وكانت البيعة لعبدالله بن محمد القرن في منح يوم الجمعة لخمسة عشر يوما من رجب سنة 967 سبع وستين وتسعمائة، وكأنه خرج من منح إلى بهلى، فدخلها لليلتين بقيتا من هذه السنة، أي بعد مضي خمسة أشهر وثلاثة عشر يوما منذ وقعت له البيعة، فأخذ بهلى من آل عمير، وكان آل عمير قد اشتروا حصنها بثلاثمائة لك من محمد بن جيفر بن على بن هلال الجبري، وكان محمد بن جيفر المذكور قد أخذ هذا الحصن بالغلبة من عامل بركات، وهذا يدل أن محمد بن جيفر عارض بركات حين رأى الأمور تسير على ورائها، وإذا هبت الرياح العواصف قام كل أحد يلتقط نصيبه، فمن العامل بركات أن يكون وبركات نفسه.
ولا شك أنه عندما يتبعثر الأساس ينهار البناء طبعا، قال الإمام: وكان دخول آل عمير حصن بهلى يوم الثلاثاء لتسع ليال بقين من جمادي الآخرة سنة 967 سبع وستين وتسعمائة، فما لبث آل عمير في بهلى إلا يسيرا حتى أخذه منهم عبدالله بن محمد القرن، وفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من رمضان سنة 968 دخل الإمام بركات بن إسماعيل حصن بهلى، وأخرجوا منه عبدالله بن محمد القرن، وبنصب الأئمة في وقت واحد تشتت الكلمة، وتفرقت الجماعات وضعفت دولة المسلمين ووهت قوتهم وطمع فيهم من كان لا يطمع.



تفرق ملك عمان إلى رؤساء متعددين

لا يخفى أن التنازع في الأمر داع للفشل، ومسبب للوهن، ومازالت علة المسلمين في دينهم تفرقهم، واختلافهم في الأمور واجتذابهم لأمراس الشقاق، وأخذهم يمينا وشمالا، وقد قرأت في هذا التاريخ أحوالا من ذلك، وعلمت ما صار إليه أمر المفترقين، وما انتهى إليه الحال، وقد التأم حالهم حين اجتمعوا مع الإمام عمر بن الخطاب، فنصرهم الله عزوجل حتى سحقوا دولة السلاطين النباهنة، وتمكنوا من خضد شوكة البغي، وقطع شأفة الفساد، ثم تراهم سرعان ما اختلفوا في أمرهم، وراحوا ينصبون الأئمة ويتجاذبون الأمور، ويتخاذلون فيما بينهم، وكل فرقة ترى الحق لها، وترى أنها أولى بالأمر من غيرها. وبهذا الحال أصبحوا في انحلال،فتراهم يبايعون إماما ثم لم يشعر إلا وإمام آخر يقوم خلفه، وبذلك تفككت القوى، ووهنت الأمور، وأصبح العدو يطمع في القهر على أهل الحق، فكانت العاقبة غير محمودة، والله يقول لنا في كتابه العزيز: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ 31 .أي قوتكم، وحكمة الله بالغة، ودعوته نافذة، ولو أغضى المسلمين لشر رأوه مخافة الوقوع فيما هو أضر، لكان أولى بهم وأبقى لدولتهم ألا ترى أنهم لما غاضبوا عمر بن عبدالعزيز وخرجوا عنه على الحال الذي رأوه لامهم إخوانهم، وما زالوا يلومونهم إلى الآن، وكذلك الحال في قضية خازم ابن خزيمة مع الإمام الجلندي رحمه الله، وإن كانوا رأوا أمرا يوجبه الشرع ويقتضيه الدين، فالشرع والدين يدعوان إلى ارتكاب أخف الضررين وقول الحكيم:

إن الكريم إذا ألم بجسمه***مرضان مختلفان داوى الأخطرا

فالتغاضي والاحتمال لأمر في مصلحة أعلى منه وأنفع وأولى، وهذا شيء قرره القرآن والسنة والمعقول، ولكن إذا حل القدر عمي السمع والبصر، وصغار العقول هم الأكثر وإليهم يرجع السواد الأعظم، فيرى الأقلون أنهم مغلوبون فيخضعون لما يرون، وبهذا ينزل الضعف على الجسم الإيماني وتسري ناره فيه والأمر لله..
وفي هذه الآونة ثارت الروح النبهانية إلى العرش العماني مستغلة ذلك الافتراق، وما خرج عنها قام له آل هلال رهط الجبور وآل عمير، وللهديفي نصيبه ونصيب آخر لرجال آخرين من هناءة بن مالك، والداهية هي البرتغال إذ ذاك، جاءت تسحب قواتها وتجر جحفلها لتأخذ نصيبها من المملكة العمانية، فإنها دخلت وآن حصادها، فهذا لاقط وهذا شاري، وهذا بائع ولكل درجات مما عملوا، فكان الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل في الوجود، واسم الإمامة مرقوم على صحيفة إمامته والقوم يقتسمون المملكة، فكان في هذا الأوان لسلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان ملك نزوى وتوابعها، وكان لفلاح بن محسن ملك ينقل وما يتبعها، ولعرار بن فلاح ملك بهلى وتوابعها، وكان لمهنأ بن محمد الهديفي ملك صحار وما إليها، وكان لعرار بن فلاح ملك الظاهرة، وكان ينوب عن سليمان بن مظفر في بهلى، وكان لعمير بن حمير ملك سمائل وتوابعها، وكان لمالك بن أبي العرب وهو جد الإمام ناصر بن مرشد، وهو من العنصر النبهاني ملك الرستاق ،وكان لنبهان بن فلاح ملك القنيات.
وتولت البرتغال الساحل، هذا مآل ملك عمان في هذه الآونة التي أعقبت خلافات أهل عمان فيما بينهم، وتلاعبوا بنصب الأئمة كما بيناه آنفا والله عز شأنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
بقى هؤلاء الأمراء والرؤساء يتزعمون الملك، وكل واحد منهم يرى أنه الأحق بالملك والأولى بالسلطان، واختلفت الأهواء ووقع الذل المرير على أهل الفضل في عمان، وكاد سلطان المسلمين لا يبقى له أثر ولا تقوم له قائمة في هذا العهد، ولله أمر هو بالغه وإن رغم أنف الدهر.



ذكر ملوك النباهنة المتأخرين

اعلم أن النباهنة المتأخرين هم أحفاد النباهنة الأولين، بقيت في نفوسهم دعوى الملك وأحقيته دون غيرهم، لأنهم أبناء السلاطين المتقدمين، وقد اقتسموا الملك كما بيناه، ولكن ما زال بينهم تنافس، وما زالوا يلتمسون الغفلة من بعضهم البعض فإذا أمكنتهم الفرصة اغتنموها وإن لم تمكنهم نكسوا على أعقابهم ورجعوا إلى مراكزهم، وأول هؤلاء الملوك بحسب المعروف سلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان.















الأمير سلطان بن محسن بن سليمان وأولاده الثلاثة

خرج هذا السلطان على الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل بمن معه من الناس الذين تسوؤهم وطأة الإمامة، ويرون السلطنة أولى بالأمر، لأنه لا ينال معها ما لا يناله مع غيرها، فتملك نزوى سنة 964وبقى عاضا عليها بالنواجذ، وعاش في ملكة تسع سنين ونزوى هي كرسي عمان الداخلية كما سبق الكلام عليها، وكان هذا السلطان حجر أساس النبهانية الثانية، وبعد موته كان له أولاد كان المقدم فيهم مظفر بن سلطان، وهو الذي تولى الأمر بعد موت أبيه، وكان الحصاة الثانية في بناء هذه الزعامة النبهانية، فكانت نزوى في يده إرثا له من أبيه ونصيبا من ملك عمان، وما تبعها في ذلك الوقت منوطا بمالكها، وكان ثاني أولاده طهماس، وثالثهم سلطان بن سلطان، وكلهم يحاولون أخذ الأنصباء، لأنهم هم الخيرة في الأمة ليس لأحد حق في السلطنة غيرهم.
وهذا طبيعي في الناس والذين لهم عناصر. مسلطة لا يزالون يحلمون بالسلطة، ويحاولونها بما عز وهان، ويرتكبون من أجلها المخاطر ويبذلون عليها النفس النفيس، حبا للعاجلة وترفعا على الغير، وإن لهم في ذلك شنشنة لا تبرح من نفوسهم، ولا يزال أحدهم يراها له ويقاتل عليها أباه وأخاه، وقد أعماهم الجهل عن الواجب الأخروي والملك الأبدي الذي ينبغي التنافس فيه.









فلاح بن محسن بن سليمان

بعد موت سلطان بن محسن تولى الأمر مظفر بن سلطان، ولم يترك لإخوته رأيا في الأمر إلا أنا لم تطل أيامه فمات وخلف ولدا صغيرا اسمه سليمان لا يصلح للقيام بأمر الملك، وكان فلاح بن محسن عم أبيه مالكا لحصن مقنيات، وقيل إنه هو بناه وشيد أركانه.
قال ابن رزيق حميد، وهو يذكر فلاح بن محسن: هو الأكثر منهم جوادا وسياسة، وكان مسكنه مقنيات من أرض السر والصواب من أرض الحجر بحسب عرف أهل عمان، قال: وهو الذي بنى حصنها السامك فسماه الأسود: وهو حصن عال على مرتفع منيع، وكان لفلاح هذا نوع اهتمام بالغراس والزراعة، وهو الذي جلب شجر المانغا لعمان، وهي الشجرة التي تسميها أهل عمان الأمبا، ويسميها أهل شمال الباطنة الهمبا بقلب الهمزة هاء غرسها في مقنيات، فتسامع بها أهل عمان فتهافتوا على جلبها، حتى فشت بعمان كلها إلا ما شاء الله.
وكان فلاح محبا للأدب العربي خصوصا الشعر، وكان موسى بن حسين بن شوان شاعرهم الخاص، كان كثيرا ما يمدح فلاح بن محسن وبنيه وبني عمه، وكان له فيهم ديوان شائع عند أهل عمان يتداولونه ويعرف بالكيذاوي عرفا عاما أو بالكيذا تشبيها بالكاذي الشجر العطري المعروف للطافته ورقته، ومدحهم الكثير من أهل عمان من أهل هذا الفن فأجازوهم وأعطوهم وكانوا لا يحتجبون عن وارد ولا عن صادر، بل يدخل عليهم من شاء متى شاء، ودخل عليه في وقت جلوسه رجل من أهل الأحسا، فاندهش، وقد قال رسول الله : لكل داخلي دهشة. فأراد أن يسأل طعاما لفرسه، ويدهشه تلك قال
أريد لخيلي قتا، والقت هو البرسيم وهو الفصفصة أو القصفصة القت اليابس، ثم انتبه فأعاد قائلا أريد قتا لخيلي، فقال فلاح أعطوه قتا وأعطوه خيلا، وأعطوه مالا وكسوة كما هي عادات الملوك في إكرام الوافد، وخالفه أهل وادي بني خالد من شرق عمان، واعتزموا بالجبال الشاهقة المنيعة، وأصروا على خلافهم فجهز لهم جيشا خضما سحبه من ظاهرة عمان إلى شرقيتها، فدخل الوادي ولم تمنعه الجبال من الدخول، وقد ذكر القضية الشاعر المذكور كما في قصيدته النونية التي يقول في مطلعها:

عرّج فهذي رسوم الأثل والبان

ومنها:

واسأل معالمها اللاتي خلت وعفت*** عمن بها كان من حي وجيران
منازل قاضها حكم الزمان من ال*** بيض الحسان بآرام وصيران
كم قد سحبت بها ذيل الشباب وكم*** في سوحها صدت من عين وغزلان

إلى أن قال:

شعر يردد معنى البديهة في*** عليا فلاح يحاكى لفظ سحبان

ثم سار فيه يمدحه إلى أن عاد إلى وصف الجيش:

وأقبلت من نواحي الأرض مقبلة*** تأتي إليك السرايا يا ابن نبهان
حتى نهضت بجيش والملوك به*** موفون من آل قحطان وعدنان32
.
وسرت بالجيش من بهلى إلى سمد*** إلى سياق إلى صور فجعلان33
جيش به مالك الرستاق ما*** لك مشهور الثنا في بني نضر بن زهران34
وناصر وعدي والفتى سند*** بنو شماس سليل القرم سرحان
والمرعفان القنا في كل معركة*** بنو ربيعة والندب بن شيخان
وآل عمرو مع الحدان قاطبة*** في آل دهمش في جند ابن جيلان
وآل وحشي جميعا في عطارفة*** من آل يشكر ومن آل غيلان
وآل صلت وهم أهل العناد وهم*** فيه وفيه بنو ذهل بن شيبان
وفيه آل عمير يقدمون على *** صواهل ضمر تهوى بفرسان
وفيه آل عزيز مع بني عمر*** مع آل حمير مع عبس وذبيان





وغافر وشكيل الصوارخ هم*** في الورع أثبت من أركان ثهلان
وآل عبرة في أبنا عدي وبنو *** هناة هم خير أنصار وأعوان
وآل محرز أرباب العلا وبنو*** يطاش أهل النهي والأمر، والشأن
وفيه آل شهيهم جملة وبنو*** حبس هم في التلاقي أسد خفان

وهكذا مر يصف ذلك الجيش إلى أن قال:

جيش يعبعب مثل البحر متلط*** سم التيار بالموج في بيد وغيطان
حتى فتحت به شم المجادل من*** وأدى بني خالد من بعد عصيان

وكانت هذه القضية ألبست هذا السلطان تاج الشرف وأخضعت أكثر أهل عمان ولأبدت هذا المليك على خصومه حيث هي أكبر حادثة في تاريخه.
ولما مات سلطان بن محسن سنة 973 وكان ولده المظفر أكبر إخوته تولى الملك بعد أبيه، وفي رزيق أن الذي تولى الملك بعد فلاح ابن محسن ولده عرار بن فلاح حتى توفي بتاريخ عشر خلون من شهر الحج سنة99 ولعله بعد تسع مائة وتسع وتسعين وأنه لم يمكث في الملك إلا مدة شهرين وفي قول آخر: أن مظفر بن سليمان هو الذي تولى الملك بعد فلاح بن محسن، وهو الذي بقي في الملك شهرين فقط، وفي تحفة الأعيان: توفي سلطان بن محسن ليلة لاثنتي عشرة ليلة
بقيت من ربيع الآخر سنة 973، وترك ثلاثة أولاد وهم طهماس وسلطان ومظفر.
وكان المظفر هو المتقدم عليهم في الملك إلى أن مات وترك ولده سليمان صغيرا لا يقدر على القيام بأعباء الملك، وكان عم أبيه فلاح بن محسن مالكا حصن مقنيات، فلما علم بموت مظفر جاء إلى بهلى وأقام مكانه.
قال الأمام: ويقال إنه عدل في ملكه وكانت مدة ملكه عشر سنين ثم مات وملك بعده سليمان بن مظفر الذي سبق الكلام عليه، وهو ابن اثنتي عشرة سنة واستولى على الأمر في عمان ونواحيها، ولأخذ خراج أهلها من الطائع والداني والقاضي. قال: وحاربه أهل نزوى وكان معهم جبري يقال له محمد بن جيفر، وعنده جيش عظيم فتآمر عليه النبهانيون والتفوا عليه من جميع النواحي فقضوا عليه.


عرار بن فلاح

بعد موت فلاح تولى الملك ولده عرار بن محسن، وكان على وتيرة أبيه فلاح في الأخلاق والأعمال والكرم العربي وخصال الملوك، ولم تكن في أيامه حروب بعمان مما يذكره التاريخ، وكان ممدوحا من ألسنة الشعراء على اختلاف أحوالهم، وكان عرار ملكا له في الملك صوت عال في الأفق العماني، ولموسى بن حسين شاعرهم فيه مدائح طويلة عريضة تدل إن دلت على شيء فعلى الكرم وحب الثناء ومن أراد أن يعرف مقامه فليلتمسه من شعره شاعره.
قال ابن رزيق: مضى على طريقة أبيه في الكرم وحسن الخلق، وكان عرار المذكور أحد أركان الحرب عندما دخل محمد بن جيفر الجبري نزوى، فقام عليه سليمان بن المظفر، وعرار بن فلاح، وناصر ابن قطن حتى قتل محمد بن جيفر في الواقعة، وعقب محمد بن جيفر ولدا اسمه محمد بن محمد بن جيفر وأمه بنت عمير بن عامر، فتزوجها سليمان ابن المظفر وشغف بها، فكان يركن إليها ببادية الشمال شتاء ويتولى أمر بهلى عرار بن فلاح، ويقال هو الذي بنى الركن الشرقي من حصن بهلى وزخرفه ونظمه، وكان يعرف بحصن عرار بن فلاح، وكان ملك الظاهرة ولمخزوم ملك ينقل، وكل واحد من هؤلاء يروم الاستبداد دون أبيه وأخيه أن لو ساعدته الأقدار، فهم أبناء عم أقارب، وهم من ناحية الملك أباعد وأجانب، إذا كل واحد يرى أنه الأحق بالملك من غيره كما قالت بنو إسرائيل، لما قيل لهم: *(إنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ 35، فهذه الأحقية لا تزال ضاربة أطنابها وواضعة دعائمها في أدمغة الإنسانية، وأين هم من نفس تحييها خير لك من إمارة لا تحصيها.






العجم يهاجمون صحار

في هذه الأثناء كانت صحار بيد مهنا بن محمد الهديفي، والعجم بجلفار فتحركت العجم لاحتلال صحار من مهنا بن محمد المذكور، فلما علم مهنا بن محمد عما يرومه العجم، استجاش سليمان مظفر، فلباه سليمان بجيش جرار وعسكر ضخم، ونزل معه صحار فوصلت العجم بعدها وعديدها على طريق البحر، فنشبت الحرب بين الفريقين، وكانت حربا حامية آثارها العداء الخالد بين الطرفين، ودارت الدائرة على العجم فانهزموا شر هزيمة أرجعتهم إلى ورائهم، وتبين منهم في الحال عدم الحراك، فرجع سليمان بن مظفر إلى بهلى وهي عاصمة المذكور، ومعه بنو عمه وهم عشرة، وإخوته اثنان وهما نبهان ومخزوم، وأولاد فلاح كان المقدم عليهم عرار.
وباستقلال مخزوم بملك ينقل بقي عند سليمان بن مظفر من بني عمه حمير بن حافظ وأولاده الأربعة: وهم حافظ وسلطان وكهلان وهود، ومن بني عمه مهنا بن محمد بن حافظ، وعلي بن دهل بن محمد بن حافظ، وكان لسليمان المذكور همم غير هينة وله صولة جبروتية ممزوجة بالدم النبهاني.











سليمان بن مظفر وأعماله الغاشمة

كان سليمان كما قدمنا عنه جبارًا زاد في جبروته وعتوه انتصار في الحركات التي مرت، وكان له وزراء في القرية وفي إزكي وفي سمد الشأن، يديرون أعماله ويقومون بأوامره ولا يبالون بما يدخلون فيه من أعماله، نظرًا إلى دولته وكانت سمد الشأن للجهاضم من آل مالك بن فهم، وهم سكانها، وكان سليمان جائرًا عليهم ضاغطاً عليهم يعاملهم بالإهانة التي أوجبت خروجهم من بلادهم وتفرقهم في نواحي بلاد عمان ثلاثين سنة، وهم على هذا الحال لا يقدرون على الرجوع إلى وطنهم، وعلى ذلك يلتمسون المخرج من بليته، ويرمون القيام عليه وإخراجه منها، وعلى الأقل على القرار في بلدهم، وكان بنو هناءة من أنصار سليمان هم المقدمون معه، وهم يده اليمنى التي يتناول بها وبقية الناس يده اليسرى.
وكان يقود بني هناءة خلف بن أبي سعيد، وسيف بن محمد بن أبي سعيد، وكانا عنده قدوة أهل زمانهما فافترقوا فيما بينهما، بسبب شقاق وقع بين معن وبني النير، وكلاهما من آل مالك بن فهم، وسبب الافتراق امرأتان تخاصمتا على شيء يسير على الحشيش من مال بني النير، فتضاربتا ثم كانتا سبب الفتنة والافتراق، فانحاز بنو النير إلى بني هناءة، ورجع بنو شكيل وبنو معن إلى سليمان بن مظفر، فعند ذلك سار خلف بن أبي سعيد إلى داره دار سيت ومعه بنو عمه وكان سليمان بن مظفر في هذا العهد بالبادية الشمالية.
ولما علم سليمان بن مظفر أرسل إلى وزيره الذي في القرية، وهو محمد بن خنجر، أن قل لخلف يترك شأن القوم أي لا يتدخل في الأمر، فأبى وأظهر أنه يريد الإصلاح بين بني معن وبني النير، ولعله يريد أن يجمع شملهم ليكونوا عونا له، لأنهم من العنصر الهنائي، فأرسل محمد ابن خنجر إلى سيده سليمان بن مظفر أن خلفا لم يقبل ما أمرت به ولم يكف عن التدخل فيما بين القوم، فأرسل سليمان إلى وزيره المذكور أن أفعل في أموال بني هناءة من القرية من كدم، وكانت أموال للشيخ خلف بن سعيد، فوقعت العداوة والبغضاء بين الشيخ خلف هذا وسليمان بن مظفر، وتعكر الصفو واغبر الأفق، فاشتد الشيخ خلف على تدمير أمواله، وأمر بني عمه على غزو بهلى، فغزوها فقتلوا منها ناسا، فكتب الوزير بذلك إلى السلطان سليمان بن مظفر وأعلمه عن الواقع ببهلى.
فلما بلغ سليمان ذلك انتقل من الشمال إلى بهلى، وأراد الصلح بينهم وبين بني هناءة فلم يقع فإن العداوة قد ضربت أطنابها بين الفريقين، وضرب الشيطان مخيمه، فيهما كل فريق همته لحرب الآخر، فجمع سليمان الجموع وهيأ جنده وعساكره لقتال بني هناءة، فلما تحقق الشيخ خلف الأمر أرسل إلى عمير بن حمير ملك سمائل وتوابعها يستنصره على سليمان بن مظفر، فسار عمير بن حمير ناصرًا للشيخ الهنائي حتى وصل غبرة بهلى ، فالتقاه سليمان فوقعت الحرب ساعة واحدة بين الزعيمين، وبعدها رجع كل إلى عاصمته36 وكان الأمير عمير بن حمير ترك للشيخ خلف من قومه حامية في دار سيت خوف الهجوم من سليمان بن مظفر، وكان هذا الأمير موصوفا بأخلاقا حميدة، وبحب الخير أكثر من حبه للشر.
وفي هذه الآونة رأى الفرصة لإرجاع بني جهضم المتفرقين في بلدان عمان، المشتتين في النواحي ظلما وعدوانا بغير حق، فأرسل إليهم فجا ؤوه، وأرسل إلى سلطان الرستاق وهو مالك بن أبي العرب جد الإمام ناصر بن مرشد، وكان ذا مكانة بين أمراء الوقت، ولعله لأجل الرستاق، فجاءه وبصحبته أبو الحسن علي بن قطن، ولما وصل سلطان للرستاق المذكور تفاهم هو والأمير عمير بن حمير في شأن الجهاضم، وما هم عليه من الذل والهوان الذي ألقاه عليهم سليمان بن مظفر وبعد ذلك خرجوا بهم غل سمد الشأن فأقروهم في بلادهم وأيدوهم وناصروهم وأمدوهم بالمال والرجال، وبنوا لهم مباني تحفظ كرامتهم من الامتهان وحلول الهوان.
وكان إذ العمانيون وحدهم في داخليتهم، وترك مهم الأمير عمير بن حمير بعض رجاله وما يحتاجون إليه من الطعام وآلت الحرب التي في وقتهم، ورجع الأمير إلى سمائل والسلطان غلى الرستاق.








الصراع بين عمير بن حمير النبهاني أمير سمائل والسلطان سليمان بن مظفر

لما رأى سليمان بن مظفر ، مالك بن أبي العرب قام عونا لعمير ابن حمير في إرجاع الجهاضم، الذين شرد بهم سليمان وأجلاهم عن أماكنهم، أضمر العداوة لمالك وللأمير عمير، واستمرت بين بني هناءة وسليمان بن مظفر، فقام الأمير والسلطان وتوجها إلى نزوى، ولعلهما يظهران إرادة الصلح بين الطرفين، فنزلا نزوى وسليمان بن مظفر في بهلى، ولما فرَّا في بهلى قام أهل محلة عينى من الرستاق، فأخرجوا وزير السلطان من عينى وأرغموه على الخروج منها، فأرسل إلى سليمان بن مظفر يطلب النصرة منه، فأعانه ببعض قومه، وقد سر سليمان بذلك، فأرسل عرار بن فلاح قائدًا لجيشه، فلما بلغ ذلك السلطان أشغل باله، فهم السلطان مالك بالعودة إلى الرستاق، وإذا بالأمير عمير يجاذبه ويرى تأخيره بأنه من صالحه، ولعلها سياسة منه.
وهنا استجاش بنو هناءة بعمير بن حمير وأشاروا عليه باحتلال بهلى له من سليمان بن مظفر فلبى دعوتهم، ولما قرب من بهلى، واستقر بنزوى فسار إليه الشيخ سيف بن محمد الهنائي من بلده دارسيت، إلى نزوى وجرى بينهما عتاب اقتضاه الحال، وأخيرا قال الأمير عمير لسيف بن محمد: خذ من الرجال ما شئت، وسار بهم إلى دارسيت، وبقى الأمير بنزوى ماذا يكون.
فلما بلغ خبرهم سليمان بن مظفر وأنهم ربما يحاولون القرية أوسيفم أو بهلى، فعند ذلك قام سليمان ورتب رجاله على الجهات الثلاث، وكان ذا حزم وعزم، وأقام له بناء على رأس فلج الجزيين حتى لا يتأمل عدوه تدميره، وكذلك قبض الخضرا وحارة الغاف وجامع بهلى ومعهم حمير بن حافظ، وكان ابن عمه عرار إذ ذاك في الرستاق في نفس عينا منها، فسار سيف بن محمد من دارسيت إلى بهلى عندما رأى أن قرى سليمان بن مظفر تفرقت، وأنها بتفرقها يهون عليه صراعها، فدخل بهلى من الجانب الغربي حيث تسوروا السور، وتمكنوا من الدخول من غير أن يشعر بهم أحد، فهنا قسم سيف بن محمد جيشه ثلاثة أقسام: قسما على اليمين: وقسما على الشمال، وقسما على الوجه، وهي التي تواجه الجامع من البلاد، وأحكم إرصاده، ورتب مقابضه في الأماكن التي يرى لها النفوذ في البلد، وحاصر الجامع ومسد بني عمر، وجميع أبواب العقر، وما بقى لسليمان بن مظفر شيء من البلد إلا الحصن والخضرا، ودارت رحى الحرب بين الفريقين، فكان القتل مسلطا على قوم سليمان بن مظفر، فأخذ جانبا منهم بل قتل أعيانهم في تلك الليلة التي كان دخول سيف بن محمد فيها، وعلى صوته في البلاد، ونادى بالأمان في البلاد، وكان الكثير من أهل البلد لها يرون من ظلم سليمان بن مظفر.
ولما وصل الخبر إلى الأمير عمير بن حمير بنزوى، ركب بمن بقى معه ومعه الأمير سلطان بن محمد، والسلطان مالك بن أبي العرب، وعلي بن قطن وأهل نزوى، وسار الشيخ خلف بن أبي سعيد الهنائي من دارسيت بمن عنده أيضا من الرجال، نصرة لأصحابهم، وكان دخولهم ليلا، ونزل الأمير عمير بن حمير بحارة الغاف وكانت الخضرا في يد السلطان سليمان بن مظفر، وبها رجاله ومعهم علي بن ذهل، فأرسل إليهم الأمير عمير ليخرجوا بما عندهم من القوة، فأقبل علي ابن ذهل على قومه يحرضهم على القتال، فلم يرمهم التفاتا إلى ما يقول، وهموا بالخروج، وإذ ذاك بلغ الخبر عرار بن فلاح وهو في عينى من الرستاق، فنهض بمن معه ومن قدر عليه، ونزل القرية وكانت إذ ذاك في أيديهم.
وكان الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد قد سيطروا على بهلى ونواحيها إلا الحصن، وهم يحيطون به من كل الجهات، وقد أحكموا رصدهم حتى إنهم وضعوا في شجرة الصبار التي في السوق برجا من خشب، ورموا منه رجالا في الحصن فقضوا عليهم، وكذلك قوم الأمير بنوا برجاً بالجامع فضرب صاحب البرج رجلا في داخل الحصن، ثم زحف القوم على الحصن فقشعوا جانبا من سور الحصن، ليدخلوا منه على الحصن فصدهم عسكر سليمان بن مظفر، ثم إن العسكر رأوا سلامتهم في الخروج فخرجوا بعد ثلاثة عشر يوما، وطلبوا من الأمير عمير ين حمير أن يسيرهم بما عندهم، وسير معهم وزيره، ثم طلع سليمان مظفر وبنو عمه وعسكره مسيرين من بهلى إلى القرية، وذلك أنه رأى الخلل في قومه، وأيقن بالغلبة، فلما نزلوا القرية خرج هو وعرار بن فلاح إلى الظاهرة، فعند ذلك أمر الأمير عمير بن حمير بقشع الحصن فقشع، ولم يتركوا منه جدارا قائما على الأرض، وإذ ذاك جعل عمير خلف ابن أبي سعيد والياً على بهلى من طرفه، ورجع هو من سمائل فبقى خلف ابن أبي سعيد في بهلى أربعة أشهر ليلة ربيع الأول سنة 1019 تسع عشرة وألف سنة.
لم يشعر خلف بن أبي سعيد إلا وسليمان بن مظفر وابن عمه عرار ومن معهم يدخلون الخضرا وهم في العقر، وكان سيف بن محمد وهو ومن معه كمن أعيان الرجال في السر من الظاهرة، فأرسل سليمان بن مظفر لخلف بن أبي سعيد ليخرج من بهلى، ويسيره بما عنده من عدة، فعند ذلك استشعر العجز، ورأى أنه خارج راض أوكاره، فعول على الخروج بأمان من سليمان، وخرج معه من شاء الله من أهل البلد الذين تظاهروا بالعداء لسليمان، ولما علم سيف بن محمد وعلم الأمير عمير ابن حمير جاءا واحد منهما بما معه من قوة، فأما الأمير عمير حالا هاجم القرية فاحتلها وسلمها لسيف بن محمد، ورجع هو إلى نزوى وبقى بها أياما يفكر في الأحوال التي هم بصددها.
وبعد أيام توفي سليمان بم مظفر. وكان له ولد صغير السن، فملك من بعد عرار بن فلاح، ثم قام سيف بن محمد غلى نزوى يطلب المعونة من الأمير عمير بن حمير، فلبى طلبه وأعطاه رجالا من جيشه، فدخل بهم القرية وبقى فيها سبعة أيام، وبعدها هاجم بهم محلة أبي مان من بهلى ويسمونها الآن محلة بيمان، وهناك أحاط بهم عرار بن فلاح وحصرهم مدة أيام، ثم طلبوا منه الأمان وأن يسيرهم بما عندهم من المتاع وآلة الحرب، وبقى له حصن في القرية، وكان ذلك في السادس من صفر1024 ... للهجرة، وتمام هذه السنة توفى عرار بن فلاح في خصوص الحادي عشر من شهر الحج من نفس السنة، وملك من بعده مظفر بن سليمان،وبقى في الملك مدة شهرين فقط، وتولى الأمر بعده مخزوم بن فلاح، وبقى في الملك شهرين فقط أيضا فخرج عليه نبهان وسيف ابن محمد الهنائي فأخرجاه من الحصن على شرط لا يخرج من الحصن بسلاح ونحوه، فرأى لابد له من ذلك أي من امتثال الأمر، فخرج مرغما إلى ينقل، فتولى أمرها مدة أيام وأقام ببهلى نبهان بن فلاح، واستوزر فيها ابن عمه علي بن ذهل، ثم أخرجه وجعل بدله سيف بن محمد، وراح هو إلى عاصمته مقنيات، ثم طرد ابن عمه من بهلى وهو سلطان ابن حمير، وذلك لأنه خاف عليها، فراح سلطان بن حمير غلى صحار، وتولى أمر بهلى سيف بن محمد.
ثم ثار الأمير عمير بن حمير على بهلى فمنعه سيف بن محمد فرجع إلى نزوى، وكانت نزوى تحت سلطته طيلة هذه المدة، وهو يرتب أمور الهجوم على بهلى، وكان رجلا ذا تدبير وسياسة وله عقل غير هين، ولما رأى الفرصة مواتية دخل العقر من بهلى ولم يعلم به أحد إلا وهو متمركز فيها، وكان سيف بن محمد في بلده دارسيت، فهجم على بهلى ودخل الحصن، لأن الحصن فيه قومه وبيدهم أمره، وهنا أرسل إلى نبهان بن فلاح يطلب إلى بهلى، وأنها لا تزال بيده فظل نبهان يجند الجنود قصداً غلى بهلى، وأخذ في الاستعداد لأن عمير بن حمير أحكم مقابض البلد، فأنى له الدخول على هذا الحال، وبقى سيف بن محمد في الحصن، وعمير في البلد ولم ير نبهان بن فلاح الدخول على هذا الحال، فرأى الخروج من حصن بهلى فطلب من الأمير عمير بن حمير أن يسيره إلى القرية، فأنعم له بذلك هو ومن معه، وبما معه أيضًا من عدة، ثم تراجع الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد على حسن الصحبة والمعونة والمناصرة.

والناس من يلق خيرا قائلون له*** ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل

فرأى لابد له من ذلك أي من امتثال الأمر، فخرج مرغما إلى ينقل، فتولى أمرها مدة وأقام ببهلى نبهان بن فلاح، واستوزر فيها ابن عمه علي بن ذهل، ثم أخرجه وجعل بدله سيف بن محمد، وراح هو إلى عاصمته مقنيات، ثم طرد ابن عمه من بهلى وهو سلطان بن حمير، وذلك لأنه خافه عليها: فراح سلطان بن حمير إلى صحار، وتولى أمر بهلى سيف بن محمد.

التهارش بين أبناء العم من النباهنة

كان سلطان بن حمير، ومهنا بن محمد بن حافظ، وعلي بن ذهل بن محمد بن حافظ مسكنهم صحار بالقرب من محمد بن مهنا الهديفي حاكم صحار إذ ذاك، ولعلهم وهم بالقرب منه يحاولون فيه ما يحاولون في إخوانهم، وكان الهديفي المذكور دواعي وبصيرة في أمره، وذا حزم على ما في يده، وكان الرجل يحاول الإصلاح بينهم، وابن عمهم نبهان ابن فلاح، فتكون له عليهم يد بذلك ويستريح أيضا من عنائهم، إذ هم معه بصفة لاجئين، وكان عمهم المذكور في مقنيات وهي إذ ذاك جديدة تختال في صباها عروسا رائعة، وكان مخزوم بالقرب من نبهان بن فلاح، إذ كان بينقل وهي أخت مقنيات، وكلاهما فتنة المغتر، فحاول الهديفي الصلح بين المذكورين، ولم يتفق وأين الاتفاق وكل ولحد يدعي في نفسه أنه الملك، وكل واحد يخشى الآخر.
وفي هذه الأثناء أشيع أن سلطان بن حمير وعلي بن ذهل يرومان بهلى، وقد خرجا بجيش ضخم وخميس جرار، ولما بلغ هذا الخبر الأمير عمير بن حمير، أهمه فتحرك له وجمع جموعه وخرج بعسكره من سمائل يروم بهلى قبل أن ينزل بها سلطان بن حمير وعلي بن ذهل، وواصل سيره حتى جاء بهلى، وكان سلطان بن حمير قد دخل حارة بني صلت، وكانت لها إذ ذلك أهمية، ولما وصل عمير بن حمير وتلاه مناصراً له سيف بن محمد الذي كان واليا لبهلى من طرفه، فدارت رحى الحرب بين الطرفين، ووقع القتال، واستمر الحال على ذلك، وكل يحاول النصر له، وكانوا أحاطوا الحارة المعروفة بمراصد مهمة ومقابض حصينة، عند ذلك رأى عمير بن حمير أن الأمر أصبح ليس بهين، ولذلك أرسل إلى من يأمل مناصرته، وعند ذلك أيضا لبى دعوته الزعماء الميامين وهم الشيخ ماجد بن ربيعة بن أحمد بن إسماعيل الكندي بجماعته من سمد نزوى، والشيخ عمر بن سليمان العفيف من سفالة نزوى، والشيخ سعيد بن أحمد بن أبي سعيد الناعبي مع رجال من أهل نزوى من أهل الحل والعقد فيها.
وجاءه أيضًا ناس من أهل منح، ولما تكالموا ببهلى أحاطوا بسلطان ابن حمير في حارة بني صلت، وطبقوا الحصار عليها، والقاعدة كما قيل كل محصور مغلوب عادة، ولما ضاق الخناق بسلطان بن حمير، ورأى أن لا حيلة له على زحزحة هذا الحصار إلا بالإذعان والتخلي، طلب من الأمير عمير بن حمير التسيار والخروج أي الإذعان له والإذن بالخروج من بهلى بعد ما اشتد عليه الحصار ولا يدخل عليه داخل، ولا يخرج من تلك الحارة خارج وتحقق الغلبة، فسيره الأمير عمير بن حمير بما عنده عدة وما لديه من قوة، فتوجه إلى الظاهرة واجتمع سلطان المذكور، وأخوه كهلان، وعلي بن ذهل، ومهنا بن محمد بن حافظ، بمقنيات مدة حتى خاف منهم نبهان حاكم البلاد، وأوجس منهم أن يخرجوه من مقنيات، فاحتال على إخراجهم منها قبل أن يخرجوه، فمضوا إلى صحار لاجئين مع محمد بن مهنا الهديفي، وظلوا معه سنة كاملة، وإذ ذاك عمل سلطان بن حمير حركة يشتغل بها في حال قيامه بصحار عند الهديفي المذكور، فأشار للهديفي أن يغزو دير عمير بن حمير في باطنة السيب، لأن عميراً المذكور أصبح سلطانا هاما في قلب عمان، ينقض ويبرم ويحل ويعقد، ويجر الجيوش، وأصبح مقبولا في السواد الأعظم.
وكان بالدير الخاص عمير بن حمير أبناء عمه وهم سنان بن سلطان، وعلي بن حمير، وسعيد بن حمير، فأثر ذلك علي الهديفي فثار، ولعله احتال عليه بأن عمير بن حمير لا بد أن يثور عليك بوجودنا معك، ويخرجنا نحن وإياك من صحار، والأولى أن نبدأه قبل أن يبتدئ بنا وهو يريد أن يتذرع بالهديفي، لأن الحركة تحتاج على مال ولا مال لسلطان، فركب الهديفي محمد بن مهنا ومعه سلطان في جيش كثيف من صحار، فسبقهما الخبر إلى الأمراء سلطان بن حمير، وعلي بن حمير وأخيه سعيد بن حمير، وتحققوا خروج الهديفي وربعه من صحار، قادمين لغزوهم وما كان إلا قدر ما يخلع الرجل نعليه أو يغسل الرجل رجليه وإذا بالقوم هاجمون عليهم، فالتفت العساكر وسلت البواتر، فوقع القتال بأسرع حال، وعظم النزال حتى بلغت القلوب الحناجر، فانكشفت الوقعة عن قتلى عديدة من بينهم الأمير علي بن حمير.
وعند ذلك انفصل القتال ورجع محمد بن مهنا ومن معه مسرعين إلى صحار خوفا من مهاجمة الأمير عمير بن حمير، إذ هو قريب منهم بسمائل، ولما علم عما جرى على إخوته وبني عمه بالسيب من محمد بن مهنا الهديفي ومن معه وكان إذ ذاك وهو في بهلى عقد عقيدة الحزم، وامتلأ غيظًا وحنقا على الواقع، وكان الرجل ذا همة عالية ونفس سامية، يقال إنه حلف لا يرجع عن صحار حتى يحصدهم بالسيف، ويحرقهم بالنار ويبدد شملهم في كل دار، فأخذ في جمع العساكر من عمان من حيث تصل دعوته، وطلب ممن رجا نصرته من كل مكان، وأرسل إلى سلطان هرموز يطلب نصرته فساق إليه جيشاً أرعن حمله في المراكب محملا بالعدة الكافية من المال والرجال وآلة الحرب.
وشاءت الأقدار أن تلقي إلى الأمير عمير ما أراد وما لم يرد إذ جاء مركب من الهند بعسكر كثير وقوة حربية ساقته الريح إلى مسقط37 وكانت مسقط للأمير عمير بن حمير، ولعله جاء بطلب منه من حكومة الهند إذ ذاك وهو المتبادر، فإن البرتغال إذا ذاك ضربوا على الهند بيد من حديد، ويحاولون التدخل في الخليج، وأن هذه البادرة سوف تمهد لهم فيه طريقًا يبسا لا عوج فيه ولا أمتاً.
ولا شك أن الطالب لهذه النصرة منهم هو الأمير عمير، ولما وصل هذا المركب اهتز الأمير وتحركت نفسه ناشطة، وما يدري أن عاقبة ذلك وضع اليد على صحار وغيرها بقوة لا يقدر على زعزعتها يوما ما، وهذه أول بادرة كانت يد الاستعمار تمتد بها بعمان إلى ما سيأتي خبره، وما صار إليه الأمر ولو صبر هذا الأمير على عدوان قومه، ولم يدخل الاستعماريين في بلاد المسلمين لكان أولى، ولكن أنفس الزعماء الذين لا يهمهم أمر الدين، بل يهمهم فقط أمر الدنيا ويرغبون في الاستعلاء، على المعادي ولو بذهاب الحياة كلها، خرج هذا الأمير بجيشه المشار إليه، وعسكر بالسيب سبعة أيام يرتب الحركة القاضية، وعند ذلك تحرك المتعصبون لمحمد بن مهنا الهديفي وفي أولهم محمد بن جيفر، خرج بجيش لمناصرة الهديفي في صحار، ولما وصلها استبشر به محمد بن مهنا وأدخله الحصن، ولما اجتمعا بالحصن جرى بينهما حديث في بعض الشؤون، وانقلب الحب عداوة، والمناصرة شراً، والذي في قلوب الرجال لا يحيط به إلا الملك المتعال.
عند ذلك أمر محمد بن جيفر بالقبض على محمد بن مهنا وإذ ذاك ألقى بنفسه من سور الحصن إلى الخارج، وصاح على قومه الذين في الحصن وكان بعضهم في برج داخل الحصن، فوقع بينهم القتال ساعة من النهار خرج بعدها محمد بن جيفر وقومه من صحار، ولم يكن يتحقق الداعي لذلك من الجانبين، ولما وصل هذا الخبر إلى الأمير عمير بن حمير توجه إلى صحار بمن معه من الرجال وما لديه من القوة برية وحرية، وأتى صحار نهار تسعة عشر ربيع الآخر، وإذا بمحمد بن مهنا الهديفي وربعه على استعداد للقتال، فاستقامت الحرب على ساقها طيلة ذلك اليوم إلى الليل وبعد ذلك اليوم هبطت جنود النصارى البرتغالين من المراكب بما عندهم من آلة حربهم، وكانوا يجرون أمامهم قطع القطن ليتقوا بها رصاص بنادق عدوهم، وكانت الأسلحة غير ما هي عليه الآن، وكانت عند النصارى مدافع تمشي معهم على أعجال الخشب في البر، وعليها ما بقى من رصاص العدو.
وكان بالحصن برج فيه عسكر الهديفي فجزت عليه النصارى والمدافع وقطع القطن أمامهم ليقيهم رصاص عدوهم، وكان الرصاص يلتوي بالقطن فلم تكن للرصاص أهمية كبيرة، لأنه خلاف رصاص عهدنا، فإن رصاص هذا العهد حتى الجبال لا تقي منه ولا يقي منه الحديد، فضربت البرتغال البرج المذكور، فانهدم وخرج منه قابضوه، فدخله جيش البرتغال، وعند ذلك صاح صائح العرب على البرج المشار إليه، وتراكضوا عليه بالسلاح الأبيض وبما لديهم من قوة فانكشفت الوقعة عن قتل محمد بن مهنا الهديفي زعيم الحصن وحاكم صحار، ومعه علي بن ذهل وكانت الوقعة ليلا ولما علم الأمير عمير بن حمير بقتل المذكورين واحتلال النصارى قوى نشاطه وزاد اغتباطه واشتدت الحرب.

صحار تتعرض للدمار

لا يخفى أن الجيش المنتصر لاسيما إذا كان جيش عدو بالطبع لا شك أنه يفعل ما يهوى ويقضي كما يشاء، بعد قتل الهديفي وقتل أعيان من حمايته وأنصاره منهم علي بن ذهل، وسقوط البرج في يد العدو، قام عن الهديفي سلطان بن حمير بن محمد بن حافظ النبهاني وأخوه كهلان بن حمير، وابن عمه مهنا بن محمد بن حافظ، وعسكرهم الباقون في الحصن.
ولما علم الأمير عمير بن حمير أن سيد القوم أي الهديفي قتل ندب قومه للقتال بكل الوسع، فكان القتال بينهم مستمراً في النخل وفي الطرق وفي الحوائر، حيئنذ خرج عمير بن حمير بمن معه من جهة جامع البلد، ولم يتعرض له أحد، وفي أثناء ذلك قتل سلطان بن حمير الذي قام بالحرب بعد الهديفي وانهزم قومه شر هزيمة، ولم يجدوا لهم عونا ولا مناصرة، بل أذلاء حيارى لا يدرون أين يتوجهون، وشأن المنهزم هذا.
قال الإمام: صاروا شتاتاً متفريقين، فمنهم من قتل ومن أحرق بالنار، ومنهم من أسر ومنهم من جرح، ومنهم من خرج ذاهبا على وجهه لا يدري أين يذهب و لا أين يتوجه، وعلى هذا جميع أهل البلد. قال: وأحرقت البلد بأجمعها من أولها إلى أخرها، قال: وأقام النصارى في حصن صحار، وهذا يدل أن الجيش استباح البلد، وأرى أهلها الهوان وشمت بهم من كان له علاقة بالهديفي وأصحابه، ومن لم تكن له علاقة وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً 38، بل شأن الفتنة شأن النار، وتمركز العدو في مركز المسلمين، واغتنمها فرصة ليضع مخططه الذي كان يحلم به في قهر البلاد.
وبحسب الواقع أن الأمير عمير بن حمير انتصر في هذه الوقعة انتصار هائلا، ورجع إلى بلده سمائل جذلا مسرورا، والحقيقة ليس هو نصر ما دام العدو يتمركز في العاصمة لهامة صحار مركز سلاطين عمان، وبعدها سنوالي بقية المراكز، ولكن الآن المنتصر الأمير، وفي هذه الآونة أصبح هو الذي له في عمان الحول والطول، وعاث النصارى في صحار، ودمروا المنازل وقضوا على أهلها بالذل والهوان، وأصبح ذلك المعهد مقام حزن وعويل على من قتل من الرجال، وأحرق من الأبطال ومن ذهب على وجهه هارباً، وإنها لمن البلاد الفادحة، ولكن المقدر لابد من كونه والله يتولى من عباده الصالحين.

البرتغال يواصلون عملهم

لما قر البرتغال بحصن صحار، وتولوا أمر البلد، ورأوا أنهم أهل الحل والعقد، وأن عمان الداخلية مملوءة خلافًا وشقاقًا وافتراقًا وتحزبًا وحنانات،اغتنموها فرصة فلعبوا دورهم، والفرص إذا لاحت يغتنمها الرجل الذمر، فتولوا أيضا بعد صحار مسقط، وإن كانت لا أهمية لها إذ ذاك بالنسبة إلى صحار، ولكنهم رأوها الحصن الحصين، لما يحاولون ثم مشوا بعدها على جلفار فتولوها، وضربوا بأيديهم على الباب الشرقي لعمان وهو صور فتولوها، ثم أناخوا بقريات فاحتلوها، وأصبح الساحل العماني بأسره في أيديهم، وأصبحت أبواب عمان التي عليها المعول تحت سيطرتهم يفتحون ويغلقون ولا منافس لهم من أهل عمان.
ومن هناك أيدوا مسقط لحصانتها وإحاطة الجبال بها، فتولوا القسم الداخلي من أهله برغم أنوفهم، فأحاطوه بسور لا يزال باقيًا إلى الآن، وبنوا الحصنين الكبيرين على جبالها، والثالث القلعة على سور الخندق، وحفروا الخندق وأدخلوا فيه البحر، وطردوا الأهالي منها إلا ما كان لا يعبأ به خارج السور، وحصنوها تحصينا كاملاً وتمركزوا فيها، وجعلوا لها قوات هائلة، ووضعوا فيها تجارة هامة، وعشوا فيها وأهل عمان في الداخل.
وعلى أثر خروج الأمير عمير بن حمير من صحار، كان مخزوم أميرا على حصن ينقل، وكان سيء السيرة في الأهالي، وكان قبض على رجلين منهم فأراد قتل أحداهما، وأمر خادمة ليقتل المذكور، فأخذ السيف ليضربه وهو يستجير، وكان من القضاء الذي لابد منه أن وضع مخزوم يده علة فم الرجل عند الضربة الثالثة، والخادم يرسل السيف عليه، فأصاب السيف يد مخزوم على فم الرجل فجرح مخزوما جرحاً مات منه بعد سبعة أيام والله هو الضارب عزوجل، والرجل المقصود بالضرب عاش بعد ذلك، إذ مر عليه العبد الضارب ليسحبه معتقداً أنه ميت، ورجل آخر هناك، ولما تركه الخادم قال للرجل الآخر: ألا من يعينني على دفن هذا المقتول، فقال له أنا حي، فحمله على كتفه وأدخله البلد، فعالجه حتى صحا من ذلك، وعاش باقي أجله.
ولما علم نبهان بموت أخيه ركب من مقنيات إلى ينقل، وترك بعض عسكره في حصن مقنيات للحفاظ عليه، وكانوا قد ملوه من كثرة جوره وظلمه وفساده وبغيه، وتآمروا على إخراجه من مقنيات، فأرسلوا إلى الأمير عمير بن حمير، وسيف بن محمد إذ هما المنظوران بعمان وإليهما أمر الخوف والأمان، فقاما معا ملبين لدعوة المنتصر بهما، وراغبان في الملك، وخرجا بقومهما إلى مقنيات ودخلا الحصن، ولم يعارضهما معارض ولا رأوا من أحد خلافاً، وبقيا بها مدة يمهدان أمورها، ويضعان خططهما عليها، ثم توجها إلى ينقل لقطع مادة الفساد التي طال ما سئم منها العباد، فلما علم نبهان بهما خاف منهما وخرج من البلد هارباً يترقب، ولحق بأخواله الرئاسة طلبا لنصرتهم، أو قل على الأقل لحمايتهم من الأمير عمير بن حمير ومن معه، وذلك لاثنتي عشرة من شهر صفر 1026 ست وعشرين سنة وألف سنة.
وأقام الأمير المذكور ووزيره سيف بن محمد بينقل مدة ولم يريا حركة من أحد، وإذ ذاك سلم الأمير عمير البلاد لأهلها، فكانت له بذلك المنة الكبرى وزاد الناس في حبه ورجع هو إلى مقنيات وأرسل إلى أهل البلد فسألهم عن أعمال نبهان المذكور فيها ومعاملته لأهلها، وأجابوه بأنه كان يأخذ نصف غلة النخل، وربع غلة الزرع.
قلت: ولعله يعتبرها بيت مال وهو الزعيم وإليه أمر بيت المال، فأسقط عنهم غلة النخل، واكتفى بربع غلة الزرع، وأما أموال بيت المال فهي لمن يقوم بالحصن وشؤونه، وجعل عمر بن أبي سعيد واليا عليها ورجع هو وسيف بن محمد إلى بهلى، وفي هذه الأثناء تحرك نبهان المذكور، واستجاش أخواله آل الريس، وجاء إلى الظاهرة ودخل فدى وأقام بها.
ثم جاءه بعض أصدقائه في ينقل، ولكل أمير أعوان ولكل أحد أخدان، وحركه فتحرك وأغراه فقام وواعده بالنصرة والمعونة على من يقوم عليه، فراح مع هذا الواصل ودخل ينقل ليلة النصف من ربيع الآخر من نفس السنة المذكورة آنفا، وأحكم مقابض البلد وبذل قوته لحرسها وسورها بما استطاع أولها وآخرها إلا الحصن الذي هو قلبها، فإنه كان في يد الذين ولاهم إياه الأمير عمير بن حمير، وهم بنو علي وخصرهم نبهان واستقامت الحرب ونشب القتال بين الفريقين، وفي هذا الحال خرج رجل من حماة الحصن خفية، وذهب إلى آل قطن بن قطن وكان الأمير فيهم يومئذ ناصر بن ناصر، واستصرخهم لنصرة قومه المحصورين بحصن ينقل فلبوا دعوته وثار معه ركب منهم يقوده محمد بن محمد بن محمد بن جيفر، وعلي بن قطن بن قطن بن قطن بن علي بن هلال، وناصر بن ناصر بن ناصر بن قطن بمن عندهم من الرجال الذين هم أبطال الرجال، وكانوا ببادية الشمال، ولما دخلوا ينقل قامت الحرب على ساقها بينهم وبين نبهان بن فلاح، واشتد الأمر إذ كان هؤلاء مهاجمين وأولئك قابضين البلد، ومتمركزين في حصنها، ودارك معارك حامية وطال لهبها وحميت نارها واشتد أوارها، حتى ارتفع العفاج وأظلمت الفجاج ولا بد أن يكون النصر حليف طائفة.
عند ذلك رأى السلطان نبهان أن كفة القوم ترجح، وأن ميزان نبهان يخف، وأن نار العدو يعظم خطبها فانهزم جنده وأخذ القتل منهم جانبا كبيرا حتى ضجوا وأرسلوا إلى العدو المهاجم يطلبون الأمان للخروج، وانحل أمرهم إلى الدمار الساحق، وكان سيف بن محمد الهنائي جاء بجيشه لقتال نبهان، فبلغه خبر خروجه من ينقل في الطريق، وأن الرجل قد انهار أمره وتمزق شمله، وانحلت عرى قوته، فرجع سيف بن محمد إلى بهلى.
وكان الأمير عمير في سمائل يجمع الجموع ويكتب الكتائب وينظم عدة حربه لإخراج نبهان بن فلاح من ينقل، ولما بلغه الواقع تهيأ لحرب بني لمك في الرستاق حيث اشتقوا هم والسلطان مالك بن أبي العرب اليعربي، وكان هذا السلطان هو والأمير عمير بن حمير كنفس واحدة، فخرج جيشه إلى الرستاق ودوخ بني لمك وقر قرار السلطان بالرستاق، وهذا السلطان هو جد الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله ورضي عنه كما سوف يأتي خبره إن شاء الله.














التفرق عنوان الوهن

هذا حال المملكة العمانية في هذه الأثناء تدور على مقنيات وينقل وبهلى ونزوى وسمائل وسمد الشأن والرستاق، وهنا موطن التهارش القتال والقلاقل والاضطراب،فصغرت المملكة العمانية حتى أصبحت أشبه بمشيخة قبائلية، تتهارش على هذه الفريسة حبا للرئاسة، ولو كانت غير كبيرة الشأن بعد ما كانت عمان تسيطر على النواحي النائية على حضرموت والبحر الأحمر، وإلى اليمامة وإلى البحرين كما علم ذلك مما مر، أصبح اسم السلطنة مقصوراً على هذه الرقعة التي هي قلب عمان، فإنه في هذه الأثناء صار ملك بهلى للشيخ سيف بن محمد الهنائي، وصار ملك سمائل إلى نزوى، وسمد الشأن إلى الأمير عمير بن حمير، وصار ملك الرستاق إلى السلطان مالك بن أبي العرب اليعربي، وصار ملك الظاهرة إلى آل هلال رهط الجبور، وصار الساحل العماني من صور إلى مسقط وصحار وجلفار إلى البرتغال، وهكذا اقتسم هؤلاء هذه المملكة السامية المنيعة، وتلاعبوا فيها حتى صح على حالها قول القائل:

وتفرقوا شيعًا فكل قبيلة*** فيها أمير المؤمنين ومنبر

هذا ما أفضى إليه الحال العماني، فمتى ينجلي الكوكب الدري الذي يقضي بسعده الجامع، على نحس المفرق، الواقع ويجتمع الشمل ويلتئم الشعث، وتعود المياه في مجاريها، انظر هذه الأحوال فصوت الحق فيها خافت، وراية العدل فيها مطوية، وأعلام الشر على الرؤوس لا تزال منشورة، وأوجه العلماء غير مرئية، ومصابيح الشريعة لا تعرف، إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الإمام رحمه الله: وخربت عمان وعاشت فيها الجبابرة، وقل فيها العلم، وذهب منها الخير، وارتفعت منها البركات، وانضمت العلماء في بيوتها، ولازمت سربها، كما أمرها رسول الله ، حيث قال:( فإذا رأيتم هوى متبعاً أو شحاً مطاعًا وإعجاب كل رأي برأيه فالزم حلساً من أحلاس بيتك).
أفضى الحال بأهل عمان في هذا الجيل المتهارش أن أمير وبل من أعمال الرستاق من اليعاربة، ولعله من طرف السلطان مالك بن أبي العرب، احتاج إلى قاضِ فلم يجد قاضيًا من أهل المذهب الحق، فاتخذ قاضيًا من أهل الخلاف، فكاد أن يضل الناس ويزلهم عم مذهبهم، وإذا ذاك قام بعض أهل الغيرة من أهل العلم فنصحوه وبينوا له مغبة الحال، وما يؤول إليه الأمر، فاستجاب ذلك الأمير لهم، فعزل القاضي المشار إليه، وأرسلوا له رجلا من أهل المذهب، فأخذ العلم عنه جملة من أهل الرستاق، وإذ ذاك لاح للأمة وميض ضياء كان له بعد ذلك أثرا أضاء البلاد، وأحيا أرواح العباد، وشع له بالطرف الرستاقي نورًا امتد بسلطان الله عزوجل، وقد تعهد الله عزوعلا أن يبعث للأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، ويحفظ لها كرامتها، ويعيد إليها نبراس حياتها.
وكل هذه الأحوال التي نكتب عنها تحتوي على حكم إلهية، وتمتاز فيها أعلاء بفضائل، وتهوي بها رجال إلى الحضيض الأسفل، والله ولي التوفيق.
في هذا العهد قامت حوادث بعمان أشبه بإرهاصات النبوة، وشهرت أحوال ذكرها المؤرخون إن دلت على شيء فإنما تدل على إشعاع سماوي يتجلى على ربوع عمان المظلمة بغيوم الفتن التي مرت، وبظلام الشرور التي طال ما أرخت سدولها على هذا الأفق العزيز، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ونرى أن نعرض عن ذكر ما حكى التاريخ، ونذهب إلى الأهم والله نسأله العون والرضا إنه كريم منان.
هنا انتهى الدور الذي لعبه بنو نبهان بعمان طيلة تلك المدة النائية التي ما زالت مغطاة بغبار المظالم، ومشحونة بالحوادث السيئة التي تباعدت عن مقتضيات الشرع الشريف، وأخذت جانباً قصياً عن معالم الحق.










مقدمة العهد اليعربي بعمان

عهد اليعاربة بعمان يشكل عهدًا جديدًا للأمة العمانية، حيث كانت المملكة العمانية انحطت إلى الحضيض الأسفل، وتأخرت تأخرًا محسوسًا، وأصبحت كمشيخة غير كبيرة الشأن وإن انتفخت زعماؤها في هذه الآونة المعلنة بانتقال الدولة إلى اليعاربة، وادعوا أنهم ملوك أو سلاطين، والحال هم إذ ذاك كما يقول القائل:

وتفرقوا شيعًا فكل قبيلة*** فيها أمير المؤمنين ومنبر

ذلك لأن المملكة أصبحت نهباً مقسمًا واقتصرت على ما يحدث بصحار في الساحل الشمالي، وبجعلان في الجانب الشرقي الجنوبي، وهذه الرقعة أشبه ما ترى العين من دائرة القمر، وإن كان إذ ذاك لا أهمية لدبي ولا روح لأبوظبي، ولكن كانت عمان إلى الحسا وأليمة وحضرموت وما إليها عدا الممالك الأخرى التابعة لها، ولكن قال رسول الله : ما رفع الله شيئا إلا وضعه وقد حكم الله عز وجل على أيام الدنيا بالتداول، فبينما ترى قوما في الأوج العالي والمحل الأرفع، وهم في نمو زائد مالا ورجالا وذرية وعيالا بحيث يصبحون والحال فيهم كما يقول القائل:

من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم***مثل النجوم التي يسري بها الساري

وبعد حين ترى الديار بلاقع كما قيل أيضا:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا***أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولما أراد الله أن تستعيد عمان مجدها السالف، ويعود إليها عزها أقام لها الدولة اليعربية، فقام مجدها، وعاد شرفها، كما سوف يقف عليه القارئ إن شاء الله.
قال شكيب أرسلان في تعليقه على عمان بعدما ذكر ما قبل اليعاربة قال: «ولم يتأثل الملك» وترسخ قواعده إلا في أيام ناصر بن مرشد، وناصر المذكور هو الدعامة الكبرى في بناء الدولة اليعربية، والحجر الثقيل في أساسها الذي تقوم عليه، وفي كلام بعضهم: أدرك الله الأمة بالدولة اليعربية، فجاء الإمام ناصر وجمع شملها وداوى جراحها وأصلح شأنها،وزالت بسببها النزوانية والرستاقية، وأصبحت ذات أسطول عالمي هزم البرتغال، وطهر الخليج من الجنوب إلى الشمال،وأعاد لعمان الشرف الباذخ والمجد الشامخ أهـ.
قال شكيب وهو يصف الإمام ناصر: كان من نبعة عربية صحيحة، ومن أقد الأرومات الإباضية، قال: ولما استلم ناصر الزمام كانت بعض المدن المحصنة في الداخل بأيدي زعماء يلقبون أنفسهم ملوكاً، وكانت مدن أخرى يحكم فيها مجالس شيوخ من أهلها، ولم يكن بقى من الثغور البحرية بأيدي الأهالي سوى فرضة( لاوة) يعني لوى، وكان إذ ذاك قد استأسد البرتغال، وظهروا على بلاد الشرق، ثم ذكر البوقرق إلى أن قال: ومن جملة مغازيه سواحل عمان التي كان البرتغاليون فتحوا قسماً منها أي من مراسيها.
أما المدن البحرية التي كان فيها حاميات برتغالية عظيمة فكانت مسقط وصحار والمطرح، وقريات، قال: فسار ناصر بن مرشد أولا إلى لاوة، أي لوى فاستعان أهلها بالبرتغال، فأمدوهم بالمال والسلاح، ولكن ناصرا تغلب عليهم وفتح البلدة، ثم هاجم أنفس البرتغاليين في المدن التي كانوا فيها فانتزعها منهم وبقيت حاميتهم ممتنعة بقلاعها ليس لها أيد تمتد غلى البلاد، ثم طرد البرتغاليين من رأس الخيمة، وكان البرتغاليون قد اضطروا أخيراً لأجل الاستقرار في قلعة مسقط أن يؤدوا للإمام ناصر جزية، فبعد أن أدوها مدة امتنعوا من أدائها، فزحف عليهم ودارت رحى الحرب بينهم، وانتهت بصلح ثقيل الشروط على البرتغاليين، إذ انتزع من أيديهم عدة حصون في المطررح والقلاع الخارجية في مسقط، وأجبرهم على عدم التعرض لحرية التجارة وعلى أداء الجزية، ثم افتتح ناصر مدينتي صور وقريات، وطرد الأجانب منها، وبالاختصار فإنه منذ بداية ملكه وضع نصب عينه تطهير البلاد من المعرة الأجنبية، وفهم في ذلك الوقت ما لم يفهمه كثيرون من ملوك الشرق وأمراء الإسلام، من كون الأجنبي الأوربي إذا نشب براثنه في محل لم ينته منه إلا باستخلاص جميع البلالد، واستعباد من فيها من العباد، وأن الأولى بالعاقل وتوقي هذا المرض قبل أن ينشب، والمبادرة إلى اقتلاعه بكل الوسائل قبل أن يستفحل.
قال: وجرت ثورات في زمان ناصر فأطفأ ثائرها بحزمه وحكمته، قال: وقد أكمل عملا عظيما، وبنى مملكة عمان على بوانيها، وحررها من السلة الأجنبية إلى أن قال: وكان حازما جادا شائحا في الأمور، فاضلا تقيا، أحبه الأهالي إلخ.
وبحق أقول: إن الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله، أعاد سيرة السلف الصالح في عمان، وجدد من المعالم ما ابتله أيدي الزمان، وأعاد السيرة النبوية متوجة بتاج الإيمان، فهو الذي أعاد المجد الذي كان لعمان أيام الجلندي بن مسعود، وسعيد بن عبدالله الرحيلي، ووضع حجر الإيمان الصحيح رغم أهل الطغيان ،فكأن عمان بعهد ناصر بن مرشد، إنما ولدت في عهده، وأقام مجدها بعزمه وجهده، فهو رحمه الله أمة واحدة.
مشاهير دولة الإمام ناصر بن مرشد

لقد قيض الله للإمام ناصر بن مرشد رجالا قاموا بأمور دولته، وكانوا له أياد قوية، وسهاما حادة، وسيوفا ماضية، عاركوا البغاة، وقاتلوا الطغاة، وصارعوا العتاة، ودوخوا أهل الباطل، وأسسوا دولة ضخمة بعمان امتد لها بعد ذلك صوت عال في بلاد العرب، كما سوف يراه القارئ في هذا التاريخ، ولكل دولة رجال، ولكل رجال أعمال.
كان يضرب المثل بالإمام ناصر في الزهد والورع والعبادة، وكان رجاله كذلك، وإذا أراد الله أمرا هيأ له أسبابا، وأقام له دعائم، وسخر له من يقوم ببنائه، وكذلك إذا أراد هدم ذلك، ودولة الإمام ناصر قامت على أثر رسوخ الظلم والفوضى بعمان، وهي الفوضى التي خلفها بنو نبهان الذين لعبوا دورا طويلا بعمان.
ولا شك أن لكل أمة غراسا وغراس دولة الإمام ناصر العدل والفضل ونشر العلم، وحمل الناس على الصراط السوي الذي وضعه الله تعالى لعباده، وكلفهم سوكه، ويسر لهم المسير على جادته.
ومن رجال دولة الإمام ناصر بن مرشد المشاهير: الشيخ العلامة خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي، صاحب كتاب منهج الطالبين في الفقه، وهو كتاب من أمهات الكتب، يحتوي على عدة أجزاء.
ومنهم العلامة البطل: مسعود بن رمضان النبهاني، وهو سيف من سيوف الحق، قام بواجبه، وسيأتي ذكره في حروب الإمام رحمه الله.
ومن رجال الإمام ناصر بن مرشد المشاهير الشيخ خميس بن رويشد الضنكي، الذي ما زال يقود الجحافل لحرب بغاة الظاهرة.
ومن مشاهير رجال الإمام ناصر بن مرشد، محمد بن سيف الحوقاني، الذي قام بدور هام في أيام الإمام لإقامة معالم الإسلام في ربوع عمان.
ومن مشاهير دولة الإمام ناصر بن مرشد: محمد بن علي بن محمد كان بطلا مقداما لا يرهب ضوضاء السوء، ولقلقة أهل الباطل وستخبر عنه أحواله في دولة الإمام.
ومن أبطال دولة الإمام ناصر بن مرشد: العالم الهمام عبدالله بن محمد بن غسان الكندي النزوي، مؤلف خزانة الأخيار. ومنهم حافظ ابن جمعة الهنوي.
ومن مشاهيرهم: علي بن أحمد الذي قاد سرية جلفار كما سوف يأتي ذكره إن شاء الله.
ومن مشاهيرهم: محمد بن صلت الرامي، وعلي بن محمد العبري، وأحمد بن بلحسن البوشري.
ومن صناديدهم: سعيد بن خلفان القرشي، الذي أبلى بلاء حسنا في دولة الإمام، ولم أدر من أي بطون قريش الذين بعمان هو هؤلاء الرجال الذين أقاموا دولة الإمام المؤيد ناصر بن مرشد رحمه الله، وإن كان معهم كثيرون من رجال عمان إلا أن المذكورين هم الرؤوس الذين قاموا بقيادة الجيوش في حروب الإمام رحمه الله لبغاة أهل عمان، وبهم قرت دعائم الإسلام بعمان، وكأن طورا جديدا قام بعمان حتى كأن لم تكن عمان أسلمت قبل ذلك، ومن جملة قواد جيوش الإمام ابن عمه سلطان بن سيف اليعربي، وأخرنا ذكره لأنه صار بعد ذلك الإمام الثاني من اليعاربة، وهو الذي فتح مدينة صور من البرتغال، الذين طوقوا ساحل عمان بالقهر، وهو الذي أجلاهم من مسقط في عهد عمامته، وطاردهم في السواحل الأخرى كما يأتي ذلك مفصلا في إمامته إن شاء الله.




الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله

لما كان لكل عمل رجال، وأن الأعمال الدينية يلزم أن ينتقي لها الرجال الدينيون، والذين تطمئن بهم النفوس لحمل الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن تحملها وأشفقن منها وحملها الإنسان، فهذا الإنسان يجب أن تكون فيه أهلية صالحة لحمل الأمانة، أهلية تقوى، أهلية غيرة لله على حرمه، أهلية تدعو إلى العمل الصالح، أهلية لا ترى لمن خالف دين الله حقا يجب احترامه حتى يعود إلى الصراط المستقيم، والمنهج القويم.
فبعدما تمزق ملك عمان بتلاعب الظلمة وأعمدة الفساد، وأهل البغي والعناد وانحطت الزعامة العماني الكبرى إلى الحضيض، واقتحم لاقتناص صيدها كل من لم يكن من أهلها لأمر أراده الله بأهل الظلم والفساد، وكان الله عزوجل بفضله وبرحمته تعهد أن يعيد للأمة دينها على رأس كل مائة سنة، لإقامة عليها وإيضاح المحجة لها، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، في هذه الثناء وما علم من انتقاص الأرض من أطرافها بقلة العلم، وظهور الجهل، أثرا للزعامة الجائرة، شاء الله أن يمحو ذلك الأثر كما هي سنته في عباده، أطلع طالع سعد ينير الطريق، ويكشف المضيق، ويرفع نير الظلم والجور، ويعيد الحرية إلى عمودها.
أخرج الله عز وعلا في هذه الآونة السيد الهمام المقدام، ناصر بن مرشد رحمه الله، فشع له شعاع في عالم الدين، وبرق له مكن بريق في أرجاء عمان، فتحدث بأخلاقه الدينية الركبان، وعطف الله عليه قلوب أهل الإيمان، وألفت إليه عقول أهل الخير في الوطن، وإذا أحب الله عبدا من عباده لإخلاصه واستقامته في الدين، أعلن ذلك في الملأ الأعلى، ثم نودي به في أهل الأرض، وإذ ذاك كان هذا الإمام يتيما رباه الشيخ العلامة المحسن خميس بن سعيد الشقصي صاحب منهج الطالبين، فنشأ نشأة أهل الفضل والإيمان يحمل دينا وإيمانا وتقوى، مع خصال الخير وأعمال البر التي يتطلبها القائم أو من يقوم بشرعة الله عز وعلا.
وكانت المدرسة الرستاقية غاصة برجال من أهل العلم والعمل تسابق رجالها إلى تحصيل العلوم، وتنافسوا في خصال الفضل، وكانت الرستاق نصيب آباء هذا الإمام حين اقتسم الزعماء الممالك العمانية، وما زال أمر الرستاق راسخ الأقدام في آل مالك بن أبي العرب، وكان الإمام المذكور من البيوتات المعروفة شرفا وعزا، ويقال: إن أباه مات عنه يتيما وتزوج أمه الشيخ الشقصي المذكور وتربى في بيئته وعلى وتيرته فوفقه الله للصالحات، وكل ميسر لما خلق له، وما جرى به قلم الأزل لا بد من وقوعه، وإذا أراد الله أمرا هيأ له أسبابا.
وكان ناصر بن مرشد رحمه الله من أسباب الخير لعمان في هذا العهد العصيب الذي كاد تختفي فيه معالم الدين وتموت الروح الإسلامية ولا يقوم لها وجود.



الافتراق داعي الخذلان

لقد اشرنا آنفا إلى بعض ما كان عليه الحال في الآونة التي أثار الله فيها الدعوة اليعربية، وأقام الله عزوجل برحمته عبده الأواب، والسيد المهاب، عالي الجناب، وأحب الأحباب، ناصر بن مرشد اليعربي، وكان ملك عمان في أيدي المتزعمين، فكانت نزوى لسلطان بن محسن بن سليمان ابن نبهان، وكانت سمائل لمانع بن سنان العميري، وكانت بهلى لسيف ابن محمد الهنائي، وكانت سمد الشأن لعلي بن قطن الهلالي، وكانت إبراء لمحمد بن جيفر بن جبر الجبري، وكان صور وقريات ومسقط والجانب الشمالي من الباطنة للبرتغال، وكانت نخل لعمه سلطان بن أبي العرب، وكانت الرستاق في يد أبيه، وبعد موته تولاها بنو عمه، وكان حصن الغبي لآل هلال رهط الجبور، وكان حصن مقنيات في يد الجبور أيضا، وكانت ينقل في يد الجبور أيضا، ومالكها ناصر بن قطن وكانت لمجمد بن جيفر، وكانت صحار بيد البرتغال وكذلك مسقط، بل هي العاصمة إذ ذاك لما لها من الأهمية، وكانت جلفار بيد العجم والمالك لها ناصر الدين العجمي.
هذه هي الحال التي كان عليها أمر عمان في هذا العهد، ولتفرق الملك في أيدي البغاة حكمة بديعة يعقلها أفراد من الرجال، ولله أمر هو بالغه، وحكم هو نافذه، وإذا أراد الله أمرا كما قلنا آنفا هيأ له أسبابا، وأراد الله الذي له كل شيء أن يعيد نور الشريعة على الأفق العماني ليكون هداية لذلك الجيل في ذلك القرن.


ذكر مؤهلات الإمام ناصر بن مرشد لهذا المنصب العالي

أولها أنه كان رحمه الله من بيوتات الشرف كما تقدمنا، فهو من العنصر اليعربي العربي، وجده سلطان الرستاق وتوابعها، وقد مضى لها عهد وهي حكومة مستقلة ودولة منفردة بعمان كما عرفت ذلك فيما سبق.
ثم كان هذا الهمام النجيب علامة فقيها وسيدا نبيها، والفقه في الدين هو الحجة التي يعتمدها الزعيم المسلم، ثم كان على جانب عظيم من الزهد، فكان أزهد أهل عمان في عصره، والزهد في الدنيا من صفات عباد الله الصالحين، فلما رأى أهل العلم في وقته هذه الخصال متوافرة فيه، ورأوا الحال العماني متفكك القوى، جعلوا ذلك العون الصالح لهم لا سيما وقلوب الناس متوغرة من فعل الجبابرة، وبصفة عامة رأوا تلك الداهية الدهياء البرتغالية، تهم بالتهامهم، والفرص إذا لاحت وجب اغتنامها، وهنالك أقام العلماء هذا العمود الصالح، لأن يستند عليه الدين فاجتمعوا على بيعته والحمد لله.


العلماء الذين اجتمعوا على البيعة لهذا الإمام

لا يخفى أن أمر عمان من قديم الزمان ما زال إلى علمائها، وهم الذين يحلون ويعقدون ويقومون ويقيمون، في هذه الآونة شاء القدر أن تكون له ثلة من رجال العلم، أهل الفضل والهدى والرشد والتقوى، الذين يعلو بهم البناء ويقوى، وفي مقدمتهم الشيخ العلامة خميس بن سعيد الشقصي، والعلامة الجليل مسعود بن رمضان النبهاني السمدي النزوي، والعلامة الصالح صالح بن سعيد الزاملي النزوي العقري، والشيخ العلامة خميس بن رويشد المحروقي، والشيخ العلامة الجليل عبدالله بن محمد بن غسان مؤلف خزانة الأخيار.
وقال الإمام السالمي رحمه الله: قيل أن جملة العلماء أربعون عالما أو يزيدون، فكان الأساس بهم مكينا والبناء قويا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ولا يخفى أن ذلك من حسن حظ هذا الإمام ولله في خلقه أسرار.
قال الإمام السالمي رحمه الله، وهو يذكر الإمام ناصر بن مرشد: وهو أول إمام من اليعاربة، وأول من قامت به دولتهم، وكانوا قبل ذلك كغيرهم من العرب، أي العمانيين رؤساء في الرستاق وما يليها، أي كانت الرستاق وتوابعها نصيبهم من ملك عمان إذ ذاك، فإنهم من العنصر النبهاني، وكان النباهنة كما علمت اقتسموا الملك بعمان، إلى أن قال: وسبب ذلك أي اجتماع المسلمين بعد فرقتهم أي بعد الافتراق الذي تقدم ذكره إلى رستاقية ونزوانية، وسببه خذلهم الله وتسلط عليهم الظلمة يسومونهم الخسف، وما وقع عليهم من أمراء الظلم وملوك الغشم من تراكم الفتن وشدة المحن، واختلفت آراء أهل الرستاق ووقعت بينهم المحنة والشقاق، وسلطانهم يومئذ مالك بن أبي العرب المقدم ذكره.
وهذا ما يدل أن أهل الرستاق افترقوا فيما بينهم. قال: وهو جد الإمام ناصر بن مرشد. قلت: لقد وضعت نسبه إلى يعرب بن عمر بن نبهان فيما كتبته من أنساب أهل عمان. قال: ثم مات مالك وبقيت الرستاق في يد بني بنيه وهم أولاد عم الإمام، فتبين منه أن الإمام عند موت أبيه كان يتيما، وقد صح أن الشيخ خميس بن سعيد، وهو من أكابر أهل الرستاق، تزوج والدة الإمام ناصر. قال: فتراسل المسلمون وتشاوروا أن ينصبوا لهم إماما يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وقدوة العلماء يومئذ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي، صاحب منهج الطالبين. قيل: وفيهم مسعود بن رمضان النبهاني من أهالي سمد نزوى، وصالح بن سعيد الزاملي من عقر نزوى أيضا، بل قيل إن عدة العلماء يومئذ كانوا أربعين عالما أو يزيدون قال ولعلهم لم يحضروا البيعة كلهم بل حضرها بعضهم، ورضي الباقون.
وكانت بينهم المراسلات والتشاور فوقعت خيرتهم على ناصر بن مرشد وكان فيما قيل ربيبا للقاضي خميس بن سعيد، وكان قد عرفه قبل ذلك، فدلهم عليه فرضي به الجميع.
قلت: كيف لا يعرفه وقد رباه تلك التربية الصالحة، وأخذ به إلى المنهج الذي أراده الله من المسلم فزاده العلم شرفا على شرفه، وتوجته التقوى تاج المحبة والصفا.
قال: فعقدوا عليه الإمامة بالرستاق في عام أربع وعشرين بعد الألف، فكان مسكنه قصري محلة من الرستاق أي عند شيخه زوج أمه ذلك العلامة القدوة سيد العلماء يومئذ.
قال الإمام: الممالك في يد الرؤساء يشير بذلك إلى ما قدمناه، فقام بأموره رجال اليحمد بأنفسهم وأمدوه بأموالهم وذخائرهم. قلت: وفي مثل هذه الأحوال يحسن إنفاق المال، ومن طلب الخير فليحتمل فيه كل ما عز وهان، فإن سلعة الله عز شأنه لها ثمنها الرفيع *( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً 39، ومن طلب العلياء لم يغلها مهر، قال: وأجمعوا أن يهجموا على القلعة ليلا، فما كان غلا أن حميت حفائظهم وتجردوا للمصاعب، فما شعر بنو عمه وهم في تلك القلعة الشماء فما شعروا إلا وأسود الله يقتحمون عليها، فاستفتحوها وكانت لهم فألا للفتح، فإنها من أصعب الحصون في ذلك العهد الذي لم تكن الآلات النارية موجودة فيه ولا السلاح البارودي أيضا موجود ولكن عزائم الرجال هي السلاح الفعال.






الزحف على نخل

ولما تم فتح الرستاق وقبضت عليها يد الحق سارت الركبان في أرجاء عمان بهذا الحديث الداهم، وإذا بالقلوب تنصرف إليه، وإذا بالرجال تتشوف عليه، فزحف على نخل يقدمهم الرعب، وفي نخل عمه سلطان بن أبي العرب، فأحاط بها أياما وحاصرها حصارا عاما، فما كان منها إلا أن خضعت للحق وسلمت للأمر، وعلتها راية العدل، وأيقن المسيطرون على الحصون أنها زائلة عنهم، فنزل عمه من قلعتها وعلاها الحق فقرأ على عرشها.
ومن حيث أن أهل البغي يسوؤهم ما يرون من العدل الذي يقهر أياديهم على روائها، ويردهم عن غيهم، فثارت عليه فرقة من أهلها ممن لا يرى إلا الفساد، فما شعر الإمام إلا والقوم محيطون به، فحصروه في قلعتها، فجاءه رجال اليحمد ففرجوا عنه الحصار ونصروه على عدوه، فبدد الله شمل الأعداء، وأقام أعلام الهدى برجال أشبه بصحابة رسول الله ، ثم عاد الإمام إلى الرستاق، فكانت عاصمته، وفي هذه الأثناء جاءته دعوة من أهل نزوى يدعونه لملكها وإزالة ما بها من ظلم وجور فلبى دعوتهم، وخرج على شريطة المناصرة والمساعدة والمعاضدة والمؤازرة، لأن الإمام لم تكن عنده مواد كافية، لأن يستند عليها.
خرج الإمام من الرستاق على طريق الجل إلى نزوى فلم يشع خبر خروجه حتى نزل بسمد نزوى في شرجة صفد، وإذا بالداعين له لم يفوا بما وعدوا، ورأى الأمور غير متهيأة للمرام، فرجع منها إلى الرستاق، ثم تواصلت سلاسل الطلب من عدة أناس منهم الشيخ أحمد بن سليمان الرواحي في رجال من بني رواحة، ومنهم وفود من مانع بن سنان العميري أمير سمائل إذ ذاك، فأقاموا معه يطلبون منه القيام على سمائل ووادي بني رواحة ولعل مانعا كان طلبه اختبارا لنوايا الإمام، واكتشافا لما عليه من القوة، فإنه بعد ما تبين نفاقه وكان أحد المناوئين للإمام، فإن الإمام رحمه الله اعتمد عليه في الأموال، فتجلى نفاقه سافرا، ففي هذه الآونة أعلن الخضوع للإمام والانقياد للأوامر، فجاء الإمام برجاله المخلصين على طريق خدش حيث كانت نخل تحت سلطانه ونزل وادي بني رواحه، ولعل أحمد بن سليمان كان يحاول المال الذي غرقه الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري، ومانع بن سنان يحاول أيضا أموالا، فأقام الإمام بهذه الأيام في هذه الرقعة آملا من الداعين الصفا والوفا، فدار بينهم مدار النظر، وعلا صوت الحق على الباطل، فأسلمت له إزكي قيادها، والشيخ الشقصي هو زعيم في هذه الدولة الفتية الجديدة، التي تحمل مشعل النور لتضيء الظلام الدامس المتراكم، ثم إن الاتجاه إلى نزوى من هذه الطريق التي مهدها الله عز وجل لعبده الصالح، وعصبة الميامين.
فدخل الإمام نزوى على حال هدوء واطمئنان، كما دخل إزكي كذلك، فكانت هذه الخرجة مباركة يحيط بها التوفيق، فنزل الإمام بالعقر إذ هي مركز نزوى من العهد القديم، ولكن تحرك بنو أمبوسعيد من أهل العقر، وكانوا إذ ذاك قوم غلبت عليهم الأهواء ودخلتهم حمية جاهلية، وباينوا الإمام بالسوء السافر، وتظاهروا بالحمية الجاهلية، ولكل قوم مقاصد، فشايعهم من سوقة نزوى قوم آخرون، وضعوا مخططهم لقتال الإمام عند خروجه لصلاة الجمعة، ذلك لأن الإمام يخرج للصلاة على حالة هادئة غير متهيئ لحرب هكذا في أنفسهم، ولما صح مع الإمام أمرهم، وتحقق صحة القصد، أمر بإخراجهم من البلاد وطردهم من أماكن الإمام، فقد صاروا محاربين وأمرهم إلى الإمام ما يراه فيهم، فأخرجوا من نزوى صاغرين، وذهبوا عن الأرض لاجئين، فكان فريق منهم عند مانع بن سنان وهم الجمهور فآواهم.
وبذلك انكشفت خيانته وأسفر عما أضمر، وكان أعطى الإمام العهود والمواثيق على الطاعة، ولكنها مواثيق نفاق وعهود ظلال، والتجأت فرقة منهم إلى سيف بن محمد الهنائي، وكانت بهلى إذ ذاك بيد المذكور، وحركته على حرب الإمام فما شعر الإمام إلا والهنائي يعلن الحرب على الإمام في نزوى، فقابله الإمام بالمثل، وأمر في أثناء الحرب ببناء الحصن الذي أسسه الإمام الصلت بن مالك، فأتم الإمام بنيانه، واستقر قرار الإمام بنزوى، ولم يفلح الهنائي في سعيه، ورجع إلى بهلى خائفا يترقب صولة الإمام، فتركه الإمام في الحال على ما هو عليه لعله يتراجع أو يرجع إلى الحق، فإن أنشودة المسلمين هي الرجوع للحق، وفي هذه الآونة جاء أهل منح يطالبون من الإمام القيام بالعدل في بلادهم، فخرج لهم بجيش أخضع به منح وتوابعها، وقضى على الفساد الذي بها، وقد ظاهره أهلها وأمدوه بالمال والرجال، وظهر علمهم بين أعلام المسلمين.
وبعدما أتم أمر منح عاد إلى نزوى، ثم جاء أهل سمد الشان يدعونه إلى ملكه وكان المالك لها علي بن قطن الهلالي، كما قدمنا بيانه فجهز الإمام لها جيشا ولى قيادته إلى ذلك العلم مسعود بن رمضان النبهاني، فأخضعها راغمة وتخلى الهلالي منها وتولى القائد أمرها، ثم جاءت رجال الشرقية وعاصمتها إذ ذاك (إبراء)، وكان المالك لها كما ذكرنا سابقا محمد بن جيفر بن جبر، فلبى الإمام طلب القوم، فجيش لها جيشا ضخما فاجتاحها تياره، وبفتحها انتهى أمر الشرقية، ولم يبق فيها منافس إلى جعلان ما خلا صور بالساحل الشرقي ففيها البرتغال، كذلك في قريات ومسقط وصحار، فإن البرتغال تولوا الأبواب من عمان.
ولاشك أن الدخول والخروج من الأبواب وأما الاقتحام من الخلف أمر صعب لا يصار إليه إلا بعد ما يتعذر أمر الأبواب، والمنغشمون يتهورون في الأمور إلا إذا توفرت القوى، وبعد هذه الآونة سحب الإمام جيشه لمحاربة الهنائي ببهلى، حتى إذا قاع المرخ من حدود بهلى، رأى في الجيش بعض الفتور ولعل هناك شيئا من الدسائس متى تعتري الجيش في بعض الأحيان، فإن النوايا تعتريها في بعض الأحيان أحوال تخالف سياسة الوقت، فرجع الإمام على غير حرب، واستقر بنزوى وطن الإمامة بعمان، وبعد مدة اجتمع له جيش ضخم من عمان، فتوجه به لبلاد الظاهرة وترك الهنائي ببهلاه حتى يحين وقت حينه، فافتتح هذا الجيش وادي فدى وهو مفتاح تلك الثغور، فبنى حصن فدى، ورأى من أهل علاية ظنك عونا ناشطا، ومساعدة فعالا، ذلك لأن القائد لهم ذلك البطل الشيخ العالم خميس بن رويشد الذي قدمنا ذكره، ولا شك أن أهل الخير يدعون للخير ويعينون عليه، ولما فرغ الإمام من أعماله هنا انسحب بجيشه متفقدا للبلاد حتى انتهى إلى سمد الشان، وأكثر الجيش في هذه المرة بنو ريام ثم عاد إلى الرستاق.




النفاق يثير الشقاق ويدعو إلى الافتراق


كان الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله يغلب عليه الحلم، ولذلك يعاهد الناس ثم يخونون فيعرض عنهم استبقاء لهم وحقنا لدمائهم، وقد علمت رجوعه عن أهل نزوى ورجوعه عن أهل بهلى، وهكذا غالب أحوال العصر ما لم يرو بريق السيف، في الآونة هاجم محمد بن جيفر بلدة نخل واحتلها ماعدا قلعتها، فنهض إليه الإمام بمن معه مشد عضده رجال المعاول، فلم يبقى لمحمد بن جيفر ما يتعلق به مما كان رامه، بل لم يبقوا بنخل إلا ليلة والليلة الثانية هربوا من البلاد، وعلى كل حال أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض فالحق هو الباقي والباطل هو الزائل.


الظاهرة تظهر عدائها

تحركت عصابات الفساد بالظاهرة، حين رأوا حلم الإمام الأرشد لا يعاجل الجناة بالعقاب، وذلك مما يجرأ أهل الباطل في هذه الأثناء، وعندما فرغ الإمام من نخل إذا بالغبي تتعرض لفساد عاجل عندما وصل الإمام الرستاق، وقر قراره بها، تواطأت رجال الظاهرة على حرب الإمام، واشتهر به آل هلال وهم رهط الجبور، ومعهم طغاة الظاهرة الذين لم يعرفوا إلا سفك الدماء والسلب والنهب والتمرد والعتو على أهل الحق، وكان مجتمعهم بحصن الغبي بين العراقي وعبري، فجاء ذلك البطل المقدام الشيخ خميس بن رويشد يستنهض الإمام، ويذكر الأحوال ويحركه على قطع مادة الفساد، فثار البطل المجاهد الزاهد العابد، وجمع الجموع وتولى قيادتها بنفسه حتى نزل بالصخبري، وجاءه أهل السر الذين لا يمالئون الباطل وجاءه رجال الضحاحكة يحملون إليه المال، ويسوقون إليه الرجال.
وهذه الأعمال هي التي تخلد لأصحابها الذكر الحسن الذي يشتاقه أهل الإيمان، فزحف على الغبي وتلاقت الأبطال، وتزاحفت الرجال، ودارت رحى الحرب، وناد منادي الدين والإيمان، هلم يا حماة الأوطان، من أبطال عمان، فوقعت بين الفريقين مقتلة هلك فيها الكثير من المسلمين وغيرهم، وقل فيها أخو الإمام وهو جاعد بن مرشد، وانكشفت الوقعة عن حال يسيء الطرفين، ولم تنته إذ ذاك فعاجل الإمام عبري التي هي عروق الشر، فقبض على ناصيتها ثم عاد إلى الغبي وحاصرها حصارا قضى بإذعانها له، فخرج بغاتها وتولاها الإمام، وولى فيها خميس بن رويشد المذكور، ثم تولى حصن بات، وكان له أهمية إذ ذاك فولاه من ارتضاه من أهل الرستاق من يعلم ثقته وحزمه، وناصر بن محمد بن سيف الحوقاني وعهد إليهما بفتح ما بقى من حصون الظاهرة، إذ هما محل ثقته وأمانته، ويعلم حقيقتهما.
ورجع الإمام إلى وطن الإمامة نزوى، وفي هذه الأثناء وبعد العلم برجوع الإمام من حرب الغبي ومتعلقاتها، ثارت عليه ثارة البغي من آل هلال الذين ما زالوا إذ ذاك شرا مشتعلا لا يزال يظهر في بقاع من عمان ابتلاء من الله لأهل عمان، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، والله يبتلي عباده اختبارا لهم، ولا شك أنه العالم بأحوالهم، ولكن تلك سنته تعالى فتجمع آل هلال ومن معهم بضنك، وضربوا معسكرهم بالأفلاج، وظلوا غزاة على الظاهرة حيث هم بادية على طائراتهم من النوق في ذلك العهد، فالتقاهم الولاة الذين قررهم الإمام حماة لتلك النواحي، ففضوا فضاً، وقضوا على جمعهم واستولوا على إبل قطن بن قطن زعيم القوم، وحاصروا حصنه وكان هو خارج منه فجاء إلى الإمام معتذرا متبرئا متنصلا مما وقع أنه لم يكن بعلمه ولا بأمره، فسلم الحصن للإمام على أن ترد له إبله، فردها الإمام عليه وهو القرصان المنافق والمفسد في الأرض، أحد قطاع طرقها وأكبر بغاتها، يعامله الإمام رحمه الله معاملة المؤلفة قلوبهم المرجو رجوعهم المحذور فسادهم.


الإمام يعهد إلى ولاته بفتح باقي حصون الظاهرة


بعد انتهاء قضية عبري والغبي، وما كان للإمام فيهما من النصر المؤزر رجع الإمام إلى نزوى وعهد إلى الولاة الذين تركهم على الغبي وعلى عبري، وبات بفتح ما بقي من حصون الظاهرة، لأنه خلف لديهم جيشا ضخما من هيبته، وجحفلا جرار من الرعب يقوم عنه مع ولاته بفتح ما بقي من الحصون، فإن هيبة الحق هي التي تدوخ جنود الباطل وتدعم زعامة المسلمين، فإن بني هلال وهم رهط الجبور خرجوا على الظاهرة آملين أن ينالوا مرادا بعد غيبة الإمام، فتجمعوا بضنك كما قدمنا والتقاهم الولاة بقلوب غير مرتاعة ففضوا جموعهم، وأخذوا إبل الطاغية قطن بن قطن، ولما خضع المذكور للإمام رد الإمام عليه إبله، وليته ما ردها عليه لأنه شيطان، ولو قبلها الإمام لكان خيرا له وللمسلمين، ولكن غلب على الإمام الحلم الذي عرف به.
ثم حاصر الولاة حصن مقنيات وكان بيد الجبور، فثار الجبور بجيش ضخم من طغاة الظاهرة الذين لا يفقهون دينا ولا يهتدون سبيلا، وبعد ما رأوا عجزهم انقلبوا إلى حصن بات نظرا إلى أنه واسطة العقد في طريق المسلمين، وإذا قبضوه رأوا أنهم قبضوا طريق الثورة من ناحية الشرق، والتقاهم الولاة هناك، فدارت بينهم المعارك منذ صلاة الفجر إلى نصف النهار وكثر القتل وعظم الخطب ولم تزل الدماء زائلة والسيوف تعمل في الرجال من الجانبين، وكادوا أن يعجزوا عن دفن القتلى فكانوا يحفرون الحفر ويرمون القتلى فيها السبعة والثمانية.
وهكذا ولم يتسلط البغاة على حصن بات إلا أن شوكتهم بقيت ناشطة، والقلوب بسبب القتلى حرى دامية جريحة، وعند ذلك سار الإمام من نزوى، ووصل بهلى وكان الهنائي السالف الذكر أحد البغاة العتاة، وأحد الذين ناصروا الجبور، فرأى الإمام قلع هذه الشجرة الفاسدة وعند ذلك ثارت الجبور لمناصرة الهنائي ببهلى، لأنه أحد أركانهم في حرب الإمام، وولاته وكان دخول الإمام بهلى ليلة عيد الحج، وكان الهنائي قد استعد لحرب الإمام لعلمه أن أفعاله تستدعي ثورة المسلمين عليه، وأن الإمام لابد له من زحفه عليه، ولكن البغي يصرع صاحبه، فحاصره الإمام وجيش البغاة، فاقتتلوا في البلاد وحواليها وحول حصنها، ودارت معارك دامية وقتل من جيش الجبور أحد قواده وهو قاسم بن مذكور الدهمشي، وقتل معه رجال كثيرون، ورجع الجبور منهزمين، وبقى الهنائي في حصنه ولم يزل محصورا حتى رأى أن لابد له من الخروج فطلب الأمن من الإمام فأمنه هو ورجاله وماله وآلة حربه.
وتولى الإمام الحصن وولى عليه واليا ورجع إلى نزوى، وكان الإمام ناصر ابتلاه بالبغاة من عمان، ومازال هو وإياهم في أزمات متتابعة وثورات حامية، كلما سكن حرية بلد قامت عليه أخرى، والمال قليل والحروب تتوالى ابتلاء من الله عزوجل لتعلوا منزلته مع الله، وكان من عباد المسلمين وزهادهم، لا يميل إلى الدنيا ولا يطمح إليها ولا ترتفع عيناه إلى رياشها كل همه إنصاف مظلوم وإغاثة ملهوف والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، والناس غلب عليهم العتو ولا يبالون بأمر الدين، ولا يراعون إلا الرئاسة التي يرفعون بها خسيستهم، ويأكلون مما هب ودب ولا يسألون عن حرام ولا حلال، لأن العهد الفاسد طال عليهم عهدا طويلا كما عرفت، ويرون الإمامة تمنعهم عن مطالبهم وتقهرهم عن مآربهم، ولذلك يتكالبون ويتعارفون بأن يناصر بعضهم بعضاً.

مانع بن سنان العميري ثعلب سمائل


كان مانع بن سنان واليا على سمائل، ولما جاء الإمام ناصر بن مرشد إلى وادي بني رواحة انضم مانع إلى الإمام، وكان من أقرب الناس إليه، وتظاهر للإمام بالطاعة والصداقة، فأقره الإمام على سمائل، بل ترك عنده من جيش المسلمين فرقة، والذي يفهم من حال مانع بن سنان أنه يريد الإشاعة بأنه مع الإمام على حال اتحاد ليتقوى بذلك في أعين أعدائه، أو أنه يريد المكر بالإمام ليكون الإمام طوع رغبته، فإنه كان من جملة الداعين للإمام إلى ملك سمائل، وقبض وادي بني رواحة لأنه المضيق الذين يفضي من داخلية عمان إليها، ومن سمائل إلى عمان الداخلية فإنه هو الحلقوم، كما أن وادي العق كذلك لشرقية عمان، واتفق مانع بن سنان مع الإمام على أن يسير معه إلى نزوى.
ولما طرد الإمام أهل عقر نزوى وهم أمبو سعيد حين رأى منهم ما يخل بالأمر، ورأى نفاقهم المعلن شقاقهم التجأ فريق منهم إلى مانع ابن سنان في سمائل، فآواهم بعد العهود والمواثيق التي واثق بها الإمام على الطاعة، فتوجه إلى الإمام لحرب المذكور، وعندما وصل الإمام سمائل لباه مانع بن سنان، وتصنع للإمام بالأكاذيب الخاطئة وصالحة الإمام على ألا يخرجه من حصنه، ويكون تابعا للإمام مذعنا للحق، فتركه على ما هو عليه وفي الآونة الأخيرة كاتب سيف بن محمد الهنائي الذي كان ببهلى سرا على الإمام، وجمعا الجموع ودخلا نزوى، واحتويا على العقر وجميع شؤونه، ولم يبق للإمام إلا حصنه وهو محصور فيه، وكادوا يحتلونه كليا، هموا أن يقتلوه من أصله وهم جموع وافرة،.
وعند ذلك قيض الله للإمام أنصارا يؤيدونه فجاءه أهل إزكي ورهط من بهلى وقوم من بني ريام ففرجوا أزمته وقاتلوا عنه حتى أيده الله بهم، ولما تم أمر نزوى وظهر أمر الإمام على عدوه، هم بهدم حصن مانع بن سنان في سمائل لئلا يكون مأوى لبغيه، فخرج الجيش له حتى سمائل، ولما علم مانع بن سنان بالقصد هرب إلى فنجا راجيا أن يرجع الجيش عن الحصن حيث إن مانعا غير موجود به، فقضى الجيش على حصن مانع، ولما تحقق مانع هدم الحصن راح إلى مسقط ملتمسا له مناصرا، ومنها إلى لوى عند محمد بن جيفر، ثم راح إلى جلفار وكل هذه الأماكن التي راح لها في يد البرتغال إذ ذاك، وكان يحاول النصرة منهم، ورأى الإمام أن قتل مانع بن سنان أمر لابد منه، فأمر الإمام مداد بن هلوان فعمل مداد الحيلة لمانع، وتعارف مع والي لوى حافظ بن سيف، فكاتبه مداد وأطمعه في إدخاله حصن لوى، وأخذه من يد الوالي بالحيلة، فتواعد في ليلة معلومة.
وكان إذ ذاك في دبا عند الشحوح فجاء فرحا مسرورا طامعا في حصن لوى، ونزل صحار ليدبر هو ومداد الحيلة لحصن لوى، فعين له مداد الليلة الموعودة، وإذ ذاك فرق الوالي عسكره في البلاد كأنهم جواسيس يتجسسون أحوال البلد، وتعاهدوا أن يلتقوا في مكان خاص، ويكون مانع قد وصل ذلك المكان، فما شعر مانع إلا والرجال ومحيطة به من اليمين والشمال، فقبضوا عليه قهرا وقتلوه صبرا وأراح الله المسلمين منه، هذه قضية المذكور أوردناها مسلسلة حتى النهاية.



الإمام ناصر بن مرشد يجدد حصن سمائل


بعد خروج مانع بن سنان من سمائل فارًا من الإمام، وتولى الإمام الحصن أمر بتجديد بنائه فأنفق عليه آلافا من النقود، وكان من جملة البناء الذي بناه الإمام المذكور القلعتان العاليتان المتقابلتان، واحدة في الجهة الشمالية المربعة، والثانية الجنوبية المستديرة، وبنى في السور أيضا وكان الباب الرئيسي للحصن المذكور مقابل مسجد قرنة قائد الذي في بستان الحوض، وإنما بدله في موضعه الحالي أحمد بن عبدالله الرواحي في أيام تهارش أولاد سعيد بن سلطان، خصوصا بولاية عبد العزيز بن سعيد، والمذكور أحمد بن عبدالله، وانتقل عنه إلى سمد الشأن، فرأى أحمد بن عبدالله أن عدوه سيأتيه من قبل السالفة باعتبارها غافرية.
فحول الباب المشار إليه إلى الجهة الجنوبية ليقابل العلاية فتكون نصيرته، واستمر على ذلك وهذا الباقي منه هو بناء الإمام ناصر خصوصاً القلاع، وبقى على ذلك الحال ومن حيث إن الإمام المذكور كان رحمه الله يزن الأمور بميزان عقله، وينظر إلى الداخل بميزان صحيح كان بناؤه متوسط الحال، لاسيما أن الإنفاق على البناء كما يتطلب الوقت يحتاج إلى مال واسع، مع أن الحروب التي ستنزف المال لا تزال مستمرة، ولكن الله عزوجل حكيم يضع رسالته حيث هو أعلم بمحلها، وأخبر برجالها لقد ضرب المثل بأيام هذا الإمام زهداً وطاعةً ورحمةً، وأصبحت عمان في عهده أشبه بالمدينة في عهد رسول الله فيها فدرت الخيرات وعظمت البركات.


حرب مقنيات


لقد أشرنا إلى حرب الإمام لمقنيات، وذلك أن الإمام لما رجع إلى نزوى بعد انتهاء قضية سمائل، جهز جيشا لمقنيات، وتولى قيادته بنفسه، ولما وصلها حالا نشبت الحرب بين الطرفين، وكان حصنها مانعا وكان جديد عهد لأنه وليد الدولة النبهانية كما عرفته مما تقدم.
وليست لدى ذلك العهد نسافات أو طائرات، فكان السلاح لمثل هذه الأحوال الحصار، حتى إذا فرغ ما عند المحصور طلب الصلح، للخروج، وهكذا أحوال ذلك العصر فحاصر الإمام هذا الحصن ثلاثة أشهر فنفذ ما عند قابضيه، فاضطروا للخروج وتولاه الإمام، وولى فيه محمد بن علي بن محمد الخراصي كما يقول ابن رزيق في تاريخه والله أعلم.



البغاة يتجمعون لحرب الإمام


لا شك أن المصائب يجمعن المصابين، ويؤلفن بين المنكوبين في كل زمان ومكان، ولما كان في هذه الآونة للجبور زعامة وصولة غير هينة لكثرة من يناصر البغي غالبا، فبعد حرب مقنيات رأى أهل البغي المظاهرة لبعضهم بعض على حرب الإمام، ورأوا الخضوع للحق صعبا عليهم، ومنذ العهد القديم أن بلايا عمان من ناحية الظاهرة غالبا، وأن رجلا يقال له سعيد بن مسعود الحيالي من قبيلة الخيالين من بعض فصائل عمان الجديد، وكان يتزعم فريقا من البغاة، فكاتب الجبور وكاتبوه وبقوا يتراسلون ويتآمرون على حرب الإمام، واجتمع مجتمع القوم في قرية الصخيري، وهنا بدأ تناوشهم، فقتلوا رجلا من الضحاحكة وقتلوا ناسا من شراة الإمام، وقامت الحرب والقوم فيها يمرحون بطرا وعنادا للإمام رحمه الله، حيث هو يريد الحق وهم يريدون الباطل.
ولا شك أن جنود الباطل أكثر في كل أمة منذ خلق الله الخلق، ومنذ أرسل الرسل وأنزل الكتب، وما زالت الوقائع بين هؤلاء البغاة وأنصار الإمام ورعاياه ومن أطاعه، وما زال الصراع قائما على أشده، ووقعت بينهم ست وقائع هائلة كاد يتزعزع منها ركن الإسلام لولا أن الله بفضله ربط على قلوب المسلمين، وحبب إليها الصبر على الابتلاء، منها وقعة شديدة بموضع يقال له العجيفة أو العقيقة بالقاف ببدل الجيم، والثانية وقعة مثلها بموضع يقال له الغاية، والثالثة وقعة بموضع يسمى المطهرة، والرابعة وقعة شديدة بموضع يقال له الزيادة، وهي التي هلك فيها الكثير من الناس، وفقدت فيها أشخاص من الرجال.
وكان قائد المسلمين في هذه الوقائع التي ذكرها التاريخ إجمالا محمد ابن سيف الحوقاني فيما أحسب، وهو البطل الذي صارع تلك الرجال الجائرة الغالب عليها البطر، فدوخها ولم يتزعزع عن مواقفه، ولله رجال تقر بهم العين، وتسكن إليهم النفوس، وعند الابتلاء تبرز رجال الحق وتظهر على مسرح الأحداث، معلنة تأييد الحق غير متبرمة في شيء ما. مع أن المذكور فر عنه أكثر رجاله حيث ملوا الحرب وضاق بها ذرعهم، وما بقى معه إلا القليل، وهو في أزمة شديدة يتذرع فيها الصبر، ويحتمل وطأة البغي صابرًا محتسبًا، وآخر أمره انحصر في حصن الغبي وقد أحدقت به الرجال فحصرته حصرًا شديدا حتى أغاثه الله بوالي مقنيات، وهو محمد بن علي بن محمد المعروف، جاء بجيش كثيف وأبطال انتخبهم، فدخل الغبي على حين غفلة من جيش العدو، فما شعروا إلا والجيش متغلغل في البلد تعمل سيوفه في الرقاب، فارتاع البغاة روعًا شديدًا، وتفرقوا فراراً في الأرض على وجوههم، منهم إلى بلدة ينقل، ومنهم إلى الصخبري، ومنهم إلى الفيافي والقفار، ونحل أمرهم من الغبي ونجا الوالي ومن معه من شرهم.
سرية لبلادسيت

كان سيف بن محمد الهنائي في بلادسيت من عتاة الرجال الذين يرون أنهم أولى بكل زعامة من شأنها السيطرة بعمان، فإنه لما خرج من بهلى حدثته نفسه أن يبني حصنا ببلادسيت يكون مأوى له ولمن معه من الرجال البغاة، ولما علم الإمام الرشد ناصر بن مرشد ذلك الحال منه، وقد عرفه فيما سبق من حاله جهز له جيشا وجعل قائده العلامة عبدالله بن محمد بن غسان مؤلف خزانة الخيار في بيع الخيار.
ولما حل الجيش بدارسيت استشعر المذكور العجز وأيقن بالذل، ففضل الخضوع والهرب من البلاد، فتولى الشيخ القائد الأمر في البلد، وأمر بهدم الحصن المشار إليه فهدم، وبعد ذلك ضاقت الأرض بالمذكور فجاء إلى الإمام مظهرا للتوبة يطلب العفو من الإمام والصفح عما أحدث، فعفا عنه ومنع البناء لمثل هذا الحال أصلا، وهدأت سورة المذكور واستكان لسلطان المسلمين.


الإمام يزحف بنفسه إلى ينقل


لما انتهى أمر الهنائي سيف بن محمد في بلادسيت، خرج الإمام رحمه الله بجيش ضخم إلى ينقل لتأديب ناصر بن قطن صاحب ينقل فنزلها جيشه المرهوب، وأحاط بالبلاد وطبق عليها الحصار فضاق ذرع الهلالي ولم يسعه حصنه، فطلب التسيار من الإمام فسيره وولى على البلد واليا إلى الرستاق عاصمة مكللا بالنصر والظفر.


سريةإلى شمال عمان


من حيث قلنا سابقا إن داء عمان لا يزال يأتي من شمال عمان، وإن أرض الجوهى المصباح المطل على عمان الشرقية، ومنه يتراءى الغربيون شرق عمان وأن الموتورين ببغيهم لا يزالون متحيزين إلى ذلك الأفق، عند ذلك جهز الإمام سرية كبيرة تفوت الاصطلاح في السرايا، جعل قوادها أولئك الأبطال الذين جربوا الحرب وجربتهم، وهم عبدالله بن محمد بن غسان الذي هدم حصن سيف بن محمد في بلادسيت، وخميس بن روشيد الضنكي، وحافظ بن جمعة الهنوي، ومحمد بن على الرستاقي، ومحمد بن سيف الحوقاني، هولاء الخمسة هم أركان الجيش فخرج ذلك الجحفل الأرعن له زحزحة في الأرض، يقدمه الرعب، فجاء أولا إلى الجو والمراد بها ناحية البريمي، وهى الرأس إذ ذاك الذي يجب أن يكسر أولا أو يقطع، ولما نزلها علم الحق خضعت نعرتها وسكنت شرتها ولم ترفع رأسها خوف قطعة، فتولاها الشيخ محمد بن سيف الحوقاني العمود الصلب، وبعد ذلك انسحب الجيش إلى أرض الشميلية بالساحل على طريق وادي الجزي، فنزل لوى وكان بها جبابرة، فاختلفوا فيما بينهم ووقعت بينهم فتن قتل فيها محمد بن جيفر.
وكان ذلك سبب تغلل العداوة فيما بينهم، فنزل القائد الأكبر عبدالله بن محمد بالجامع منها، وأمر الجيش أن يحيط بالبلد وبالحصن، وكان إذ ذاك فيه سيف بن جيفر وفر عنه إخوته وأعيان قومه، والتجؤوا بالنصارى البرتغال في صحار، وقاموا يمدون إخوانهم المحصورين بحصن لوى بالطعام وآلة الحرب، ويغزون بالليل لجيش المسلمين، فرأى القائد المذكور أن يجهز من الجيش سرية أمر عليها محمد بن علي، ووضع لهم سيرهم وهجوهم على عدوهم الذي بصحار، سواء كان من العرب أو النصارى، فلم يشعر المذكورون إلا والجيش محيط بهم، وقبل الصباح بقليل كان الجيش بالموضع المسمى منقل مقرن، وهو مكان يقع جنوب الحصن، فدارت المعركة بين الطرفين واشتد أمرها وعلا لهبها وقتا قضى الله فيه ما شاء أن يقضى فانقطعت غزواتهم إرسال المدد لحصن لوى مع الحصار المستمر به.
وبعد مدة رأى صاحب الحصن أن لا محالة عن الخروج، فطلب من القائد الأمان لينزل من الحصن، ثم خرج خفية ولعله خاف القتل، وكذلك من بعده، وتولى الشيخ القائد الحصن، وكان الحصار ستة أشهر تماما قضاها المسلمون في هذه الوقفة الحرجة، وكان ناصر بن ناصر بن قطن ورجال العمور قد ظاهروا المسلمين على حصار حصن لوى،ذلك للخلاف الذي وقع بين الجبور أنفسهم،كما أشرنا إليه آنفا،ولذلك ولاه قائد المسلمين رجلا من الجبور المناصرين للمسلمين، وجعل مع هذا الوالي الرجال الذين يثق بهم دينا وإيمانا وإخلاصا للمسلمين، لأن الجبور لا يؤمن شرهم، ولكن تلك الولاية كمكافأة من القائد للناصرين، وترغيبا لهم ثباتهم بجانب الإمام، ورجع القائد المظفر بفتح الجو، وفتح لوى وإنه لأمر غير هين.
ولكن من ينصر الله ينصره الله ويؤيده على عدوه كما صرح بذلك عز وجل في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.


السرية الكبرى إلى مسقط

لما كانت مسقط إذ ذاك بالمكانة المرموقة، وهى المدينة المحاطة بالجبال الشاهقة والمحصنة بالقوات الكاملة، لعلم البرتغال بأن الدار لابد لأهلها منها، ولا بد من هجومهم عليها، ولا جامعة تجمع بين الطرفين، وإنما الاعتماد على القوة، وكان البرتغال قد أخذوا أهبتهم لما كان أهل عمان متهارشون في داخليتهم غير ناظرين إلى الساحل بنظر طويل، هنا جهز الإمام المجاهد لدين الله، المتجرد لقتال أعداء الله، بكل ما لديه من قوة جهز جيشا أسند قيادته إلى العلامة المجاهد مسعود بن رمضان النبهاني من أهالي عقر نزوى، فخرج المذكور حتى أتى المطرح، ونزل بطوى الرولة، وضرب معسكره بها، فجاءته جنود الأعداء فالتقاهم بأبطال عمان الذين مارسوا الحروب وقابلوا الرجال.
قال ابن رزيق المؤرخ، بعد أن ذكر وصول الجيش: فدارت رحى الحرب بين المسلمين والمشركين فنصر الله جيش المسلمين أو قال جيش الإمام، قال: فهدموا من مسقط بروجا باذخة، ومباني شامخة، وقتلوا كثيرا من المشركين، قال: ثم إن النصارى طلبوا الصلح فصالحهم القائد المذكور، أي بعد ما راجع الإمام على فك ما بأيديهم من أموال العمور وأموال الشيعة التي قبضوا عليها في صحار، قال: فأذعنوا بالطاعة فأمنهم مسعود على ذلك، وأخذ منهم العهود والمواثيق على الوفاء.
ورجع إلى الإمام، وكان من جملة الشروط التي وقع عليها الصلح أن يؤدي النصارى المذكورون الجزية رأس كل سنة، وألا يؤذوا مسلما إذا وفدوا على مسقط أهـ.
وكان هؤلاء النصارى البرتغاليون جبابرة عتاة طواغيت، لما تسلطوا أساؤوا إلى الناس تماما وغلب عليهم البطر، ورأوا أنهم قاهرون، وقد تغلغلت عدواتهم للمسلمين طبعا، وكان النصارى المذكورون قبضوا على أموال العمور وأموال الشيعة في صحار حين ناصروا المسلمين، وصحار إذ ذاك في أيديهم، وكان جنودهم نازلوا جيش المسلمين في مطرح عند وصوله بها، وانهزموا إلى مسقط بعد قتل وقع فيهم ولحقهم الجيش في قلب مسقط، ولم تمنع المسلمين الجبال المحيطة بمسقط، بل قبضوا البلاد وهدموا أبراجا على جبال مسقط، وقلاعا منيعة إلا أن الحصنين الكبيرين الجلالي والميراني المنيعين يصعب فتحهما إلا بعد حصار طويل وشدة عزيمة، فرأى القائد البطل الصلح في الحال أصلح إلى أن تراجع قوة المسلمين.
ورأى النصارى أيضا الصلح لهم أنفع في الحال والنظر في المقبل من الطرفين المعتاديين، والبادي أظلم، لكون البلاد بلاد المسلمين النصارى تعدوا عليهما، لا سيما بعد ما جرت الدماء ووقع القتل والنصارى هم المعتدون على ممالك المسلمين وفي بلادهم، وكانوا أجبروا الأهالي على التخلي من أملاكهم من رقعة مسقط وطردوهم منها وحصنوها بسور مانع، وضربوا عليه الأبواب الضخمة التي تقوم عليها سلطنتهم الظالمة،ومنعوا العرب من الدخول أصلا.
وبعد ما تعاطوا كؤوس الحمام وعظم بينهم الالتحام، وبعد ما حمى الوطيس بينهم كما قال الإمام في تحفة الأعيان، حيث يقول: وقتل منهم خلق كثير لا يحصون عددا" وتمنعوا بالكيتان وبعالي البنيان" وبقوا بمسقط على هذا الصلح المعلق بالشروط الثقيلة التي أشار إليها أمير البيان في تعليقه كما عرفته حتى أخرجهم منها الإمام سلطان بن سيف ابن عم الإمام ناصر كما سوف تراه في محله إن شاء الله.




السرية الثانية لفتح جلفار

لما رجع القائد النبهاني من مسقط منتصرا ورأى الأمام رحمه الله أن سياسة القائد حسنة أو مستحسنة، ورأى من الواجب القيام على جلفار لأنها باب عمان الغربي الشمالي،وبها كما قدمنا العجم ومعهم بعض النصارى مناصرون لهم، جمع الإمام الجيش وانتقى من الرجال الأبطال، وعقد لواء هذه السرية باسم علي بن أحمد وعضده ببني عمه من آل يعرب، فسار الجيش إلى جلفار وكان عليها ناصر الدين العجمي، فكانت سهمه الحالي من ملك عمان والعجم يراعون في جلفار معنى لم يهتد إليه غيرهم، فأحاط بها الجيش وقامت الحرب على ساقها وأطلقت الحصون نيرانها والنصارى تقذف بمدافعها من البحر فما كان من المسلمين العمانيين إلا الاقتحام لأسوار الحصن وأبراجه،ولم تكن ألا فترة قصيرة وإذا ببرج الحصن في يد المسلمين أخذوه ليلا وقتلوا من فيه، وتسابقوا إلى الحصن فاحتلوه بأسرع من رصاصهم، ودوخوا البلاد قهرا ومزقوا العدوا قسرا، وكان على ساحل البحر حصن للبرتغال فزحف عليه فريق من الجيش بقيادة الدهامش، ورجل أخر يقال له خميس بن محزم فهجموا على الحصن نهارا واختطفوه بأسرع ما يمكن واحتووا على ما فيه من العتاد والسلاح.
وبنى المسلمون حصنا جديدا خوف المهاجمة الباغتة فقام بأسرع وقت، ونزل القائد بقواته وبذلك سقط في يد العدو، وطلب النصارى الصلح فصالحهم القائد وأخرجهم من البلد خزايا وندامى يعضون على أصابعهم راغمين، وبعد ما استقر الأمن في المنطقة ولى القائد على الحصون واليا يعرف من أين تؤكل الكتف،ورجع إلى نزوى فابتهج الإمام بهذا الفتح والعمل الطيب الثمين.


الإمام والمسلمون يعالجون أمر صحار


ولما يسر الله عز وجل بفتح جلفار،دار النظر حول صحار، وقد رأى المسلمون أنهم سدوا ثغر جلفار، وأوقفوا مجاري المياه إلى صحار، أخذوا في أمرها وهى كما لا يخفى أمرها جوهرة العقد وكرسي الطرف الشمالي في ذلك العهد، ودارت أنظار المسلمين المبتلين بأمر هذه الديار، وبعد ذلك اتفقوا أن يأمر الإمام والي لوى أن يقدم إلى صحار، ويبني بها حصنا يكون ملجأ للمسلمين،ومعقلا ينزلونه عند مصاولة الأعداء، وكان الوالي بلوى إذ ذاك حافظ بن سيف الذي اتفق هو ومداد بن هلوان سابقا على قبض مانع بن سنان العميري، كما قدمنا قضيته.
وكان مع حافظ المذكور رجال العمور شراة متجردون لمناصرة الحق، وتأييد العدل، وكان البرتغال بصحار ضربوا أطنابهم، وخيموا في رحاب صحار، عاضين عليها بالنواجذ، ولما تقرر عزم الوالي على تنفيذ أمر الإمام، وهو يعلم أن الشر غير بعيد عنه، أرسل إلى من بقربه من القرى من بني خالد وبني لام والعمور، واجتمع معه كثير وعسكر غير هين، وكان بصحار رجال يحبون الحق ويتعارفون مع الوالي المذكور في ملك..
وعلى كل حال إن المسلم لا يود أن يسيطر عليه عدو أجنبي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وإذ ذاك
خرج الوالي المؤيد بجيشه إلى صحار لصدده وبات بعمق، وعميت الأخبار على أهل صحار، حتى صبحها ضحوة النهار في آخر يوم من محرم الحرام عام ثلاثة وأربعين وألف سنة للهجرة، فنزل بموضع يقال له البدعة، وأظهر عزيمة الحرب للمشركين اللذين هم البرتغال، وزحف بجيشه الباسل حتى وصل إلى حصن ابن الأحمر، وهو من عتاة العجم وطغاة الفرس، وحالا دارت رحى الحرب عند وصوله، واشتدت الأزمة، وكانت النصارى ترمي بنيران مدافعها من حصن صحار، فقوى الله المسلمين وأيدهم بنصره فانتقل الوالي بجيشه متقدما إلى العدو، ووقع القتال.
وجاءت طلقة مدفع من مدافع البرتغال، فأصابت راشد بن عباد من أعيان رجال الوالي، وفي مجلسه، ومات شهيدا رحمه الله، وهنالك تمركز الوالي وهم ببناء الحصن الذي أمره به الإمام، واجتهد في بنائه بأسرع ما يمكن والرجال إذا عزمت على شيء بنشاط وإخلاص، لا بد أن ينفعل، فتم بناء هذا الحصن ونزله الوالي وعند ذلك توالت المناوشات بين الطرفين ليلا ونهارا، وقامت حرب متواصلة بقوى متفاعلة.
وكان من السياسة أن تقوم قوة من الإمام تقضي بمشاغلة البرتغال في مسقط حتى لا تكون لهم عزائم في الساحل الشمالي تؤيد حرب صحار، فعقد الإمام لواءه لسرية خرج بها العلامة خميس بن سعيد الشقصي، حتى نزل قرية بوشر، ولما علم النصارى ذلك أرسلوا إليه يطلبون الصلح، فأجابهم وتقرر وصوله مسقط، وعند ذلك أرسل عيونه إليها خوف الغدر من أهل الكفر، ولما وصل مطرح واجهه أكابر البرتغال، وقرروا الصلح على شروط معروفة لهم وعليهم تكون صالحة للطرفين من نواح، هي أصلح للمسلمين.
كان منها فك الحصار عن النصارى، وفك المقابض المحيطة بهم، والترخيص للناس في السفر إليهم وكف الأيدي عن القتال على شرط أداء الجزية المفروضة عليهم وعدم تعرضهم للمسلمين بأي أذى،ورجع لهم المقابض التي أخذها منهم، ولعل القصد من هذا تبريد حركتهم وتوهين قوتهم ما دامت قوة غير كافية لقلع شجرتهم، ولكل وقت سياسة،وبهذا يتأخر العدو عن الاستعداد، مع أن القوم كانوا أقوياء عدة وعددا، ولهم دولة بالغة أوج عزها إذ ذاك، وخاف المسلمون من هياج الحرب أن الحرب أن يتقوى العدو في البلاد زيادة، وعلى شرط ألا يتعرضوا لحرب المسلمين في أي مكان من عمان، فقر البرتغال في مسقط وفي صحار على ما هم عليه والمسلمون حولهم يراقبون الحركات والسكنات.

فتح صور

لا يخفى أن صور من المدن المهمة في عمان لاسيما وهي على الساحل الشرقي، رأى الإمام أن صحار بقيت على جناح الصراع، وقد سد الإمام عليها الثغر الغربي بحافظ بن سيف، وصالح البرتغال في مسقط، ولم يدخل صور في صلح مسقط، وإذ ذاك أرسل إليها الإمام جيشا بقيادة ابن عمه سلطان بن سيف بن مالك، الذي كان في علم الله عز وجل أن يكون الخلف الصالح لناصر بن مرشد، والمصلح لعمان كما سوف نرى ذلك في محله إن شاء الله.
خرج هذا الهمام البطل يقود جيشا عمانيا لتطهير البلاد من معرة الأجنبي، ولما وصل صور أحاط بالحصن، ولم يطل عهد حصاره فسلم الأمر وقبضه الجيش وأذعن البرتغال له إذعانا كليا وخضعوا له في صور تماما والحمد لله.

الزحف على قريات


إن قريات من الثغور البحرية المؤدية إلى الداخلية، وكم دخل العدو منها إلى عمان، فأرسل لها الإمام فرقة من الجيش الغازي لصور، وكان البرتغال قد قووا حامية قريات لأجل مسقط، فنزل بها الجيش وشرع حالا في بناء حصن ليكون ملجأ لحصار البلاد، ورأى القابضون لها عدم إمكان استقرارهم، فاسلموا الأمر ولم تنفعهم حامية مسقط لأنها خائفة على نفسها، وواقعة تحت نير الشروط التي صالحهم عليها القائد المحنك العلامة مسعود بن رمضان النبهاني، وباحتلال قريات لم يبق إلا صحار ومسقط، بقى فيهما النصارى على ذلك الصلح الذي ذكرناه، واحتوى الإمام على جميع عمان ما عدا هاتين المدينتين المذكورتين إلى أن يوفق الله للاستعداد لزوال هذه الآفة الكبر ى.
فإن هؤلاء النصارى قد تغلغلوا فيهما فقبضوا عليهما بأياد من حديد لا تنفك بالسهل، وحال الإمام وأهل عمان كل يوم في صراع وعراك لتعاظم البغي في الرؤساء، وأهم هؤلاء البغاة في هذه الآونة هذا القرصان الطاغي ناصر بن قطن الهلالي الذي لا يزال يغزو عمان في كل سنة ، يأتي من ناحية البريمي على طائرته ، ويلتفت معه الغوغاء من كل صوب من هذه الناحية ، ويسحب من عمان المواشي ، وينهب من لقي ولا يبالي ويفعل في الناس ما لا يرضاه الله، ثم يهرب إلى الأحساء ولذلك بعد خروجه من حصن ينقل، فرأى الإمام أن يجعل الوالي محمد بن سيف عينا لهذا القرصان الظالم


حرب الطاغية ناصر بن قطن

لم يزل هذا الطاغية شرارة متقدمة وسهما حاميا يوقد عليه النار بغاة أهل عمان، وأيده أهل الضلال والعدوان، الذين يسوؤهم الحق وهم موجودون في كل زمان، وقد ابتلى الله بهم أهل عمان، ولا ريب فإن الله ابتلى الأنبياء بشياطين الإنس والجن، وللمسلمين من ذلك حكمة بديعة يجهلها كثير من الناس، وكان هذا القرصان العاتي يتحصن ببعد المسافة، ولا يعرف متى يكون وجوده بعمان فإذا خرج التف عليه البغاة المفسدون، وعاثوا في الأرض ينهبون ويقتلون، وكل ما يلاقونه لا يتحرجون من شيء ما ولا يراعون شيئا لصديق أو عدو، بل كل ما عندهم النهب والسلب والقتل في عمان.
ولم يزل يغزو بادية عمان واهتم الإمام بأمره وأمر محمد بن سيف الوالي للطرف الشمالي أن يلقي باله لهذا الطاغي، ويجعل له العيون الواعية، فإذا علم به التقاه رجال المسلمين فقام الوالي المذكور، وجمع عسكرا جما ويبقى مراقبا لهذا القرصان من أي جهة يخرج، ولما بلغه خروجه تلقاه الوالي فهرب منه ودخل الظفرة واحتصن بحصنها وتعصب له بنو يأس، فعاد منهم في منعة، وإذ ذاك وجه رسله إلى الوالي يطلب الصلح، وكان الوالي قل علية الزاد، وبعدت عليه الدار، واختل عزمه لهذا وتأثر به وخاف الفشل فصالحه على رد ما نهبوا، وغرم ما أتلفوه مما كسبوا، ونبهوا من عمان واقتنع الوالي بذلك في هذا الحال، ورجع الوالي إلى مقره بمن معه من القوم، وبعد رجوع الوالي المذكور هم ناصر بن قطن، بالهجوم على حصن الجو، أي البريمي، فجمع البدو من الطفرة وغيرهم، وكان والى الجو ذاك أحمد بن خلف، وإذا بأهل الجو كلهم على الوالي مع ناصر بن قطن، ولعلهم تأثروا من وطأة العدل التي عليها الولاة، فإن الوالي والرعية غالبا يكونون ضدين، فما شعر الوالي إلا والجنود محيطة به من كل جانب،وحوصر الوالي في حصنه. ولما علم الولاة من الظاهرة والباطنة، جاؤوه مناصرين، ولما بلغ ناصر بن قطن ذلك خرج من البريمي ومن معه منهزمين,ثم لحق بهم القائد الأكبر عبدالله بن محمد من نزوى، فأمر بهدم حصون الجو, فهدمت كلها إلا حصن الإمام كسرا لقوة أهل البغي, وبذلك تفرق الأعداء, وكل اتخذ له وجهه يتحين فيها الفرص، فأما عمير بن محمد فالتجأ بالنصارى في صحار، وأما بدو الحسا فتعلقوا بطريق جلفار، ويرون لهم هناك منعة وحمى، وضربوا معسكرهم على عقبة جلفار متحصين بها, وظلوا يقطعون الطرق من هناك، يغزون البلدان المجاورة حتى شاع خبرهم، ونمى إلى الولاة أمرهم، فقاموا عليهم ووقع قتل في الفريقين، وانهزم البغاة، وشردوا من هناك، وقبض الولاة على إبل ناصر بن قطن وتولوها ليستعينوا بها على حربه فكانت في يد محمد ابن سيف.
وعلى أثر هذه الحادثة هجم ناصر بن قطن ومن معه من البغاة على الباطنة من ناحية الشميلية، فأخذوا إبل بني خالد، وبني لام، وكل ما صادفوه انتهبوه وسلبوا من نساء ورجال، ورحلوا إلى الاحساء مقرهم، وبعد عهد جاء ناصر بن قطن غازيا، وكانت الباطنة أسهل شيء يراه البدوي، فإنها لا يشق عليها الكر والفر عندما يرون الغلبة عليهم، فإن البدوي يفر على طائرته التي هي ناقته وقد أعدها لذلك العمل، وهنا جهز الإمام جيشا جعل قائده علي بن أحمد، وعضد بمحمد بن الصلت الريامي، وعلي بن محمد العبري، وأحمد بن بلحسن البوشري.
وهؤلاء رجال أبطال تجردوا للشهادة في دين الله، فأتى الجيش لوى وهنا هاجمهم ناصر بن قطن، فوقع بينهم القتال، ففر ناصر بن قطن مشرفا فأتى قرية مجيش من أعمال صحار، فأتبعه الوالي بمن معه، ففر إلى الناحية الشمالية لعلمه أنه لا ناصر له هنا إن غلب، فتبعه الوالي بمن معه وكان أول من لحقه أحمد بن بلحسن البوشري، ومعه مراد وراشد بن حسام، وبعض الشراة، وكان ذلك في موضع يقال له الخروس، فتلقاهم الطاغية بمن معه من رجاله ولعلهم استضعفوهم لقتلهم، ورأوا أن الجيش خلفهم وهؤلاء مقدمته فاقتتلوا هم وإياهم قبل أن يصل الجيش، فقضوا عليهم عن آخرهم، ولما وصل الجيش رأوا إخوانهم صرعى، ولم يروا أحدا هناك من قوم ناصر ولا يعلمون أين توجهوا.
ورجع الجيش أدراجه بعد قتل هؤلاء، وعلى أثر ذلك قام محمد ابن عثمان الخالدي المعروف بابن حميد، وكان من رجال ناصر بن قطن، فغزا بلاد السر، وكان فيها محمد بن سيف الحوقاني واليا، وفيها سعيد ابن خلفان أحد أنصار الإمام، فأناخ ابن حميد بقرب الغبي، فعلم سعيد ابن خلفان وطلب من ابن حميد المواجهة للمفاهمة، فأجابه إلى ذلك من غير أن يأخذ لنفسه أمانا، فتوجهوا في مسجد للشريعة من الغبي، فجرى بينهما كلام في التجرؤ على أموال الناس، وقتلهم ونهبهم، ونهب أنعامهم ومواشيهم، فقال سعيد بن خلفان لابن حميد: أما ترد ما أخذت ونهبت من أموال العباد فأعرض ابن حميد عن كلام سعيد بن خلفان بوجهه، وتولى وحاش وكلا أي لا يرد ذلك. وأظهر عتوا وعنادا، ولعله كان مستخفا بسعيد بأسره، فأسر وأمر به، فأدخل حصن الغبي، ثم أمر بقيده فقيد، ثم ركبوا به إلى الرستاق فأرسل سعيد إلى الإمام فأجابه أن يجعله في قلعة الرستاق، فحبس بها خمسة أشهر وقيل سبعة أشهر فمات في حبسه.



سرية يرأسها سعيد بن خلفان لقبض إبل ناصر بن قطن

كان ناصر بن قطن أعد إبلا بخيبات لغزوه ناحية عمان ويلحق عليها عندما المضيق يحيط به، وفى هذه الآونة أرسل الإمام سعيد بن خلفان لقبض هذه الإبل التي جعلها ناصر قوته التي يصول عليها، وعضده جفير بن محمد بن جفير أو جيفر وأمره أن يسير إلى الإبل المذكور فيأخذها، لأنها قوة القرصان الباغي، فسار القائد المذكور، ولما قارب الظفرة التقاه بنو ياس واعترضوه في مراده، وعارضوه فيما قصد له قرب الشيعة من ناحية الطفرة، فدارت المعركة بينهم وإياد واشتد الأمر بينهم بغيا منهم وعدوانا على رجال للحق.
وفي هذه الأثناء قتل زعيم بني يأس صقر بن عيسى، فثار أخوه محمد بن عيسى غضبا لقتل أخيه وقال: لا خير في العيش بعده، ورأى الموت خيرا من الحياة، فحمل على جيش المسلمين، فقاتل وقتل واندقت عصا بني يأس، ورأوا أنهم أصيبوا بقتل الأميرين، فطلبوا العفو من القائد فعفا عنهم، ورجع قبل الوصول إلى الهدف ليفاهم الإمام، ورأى الإمام ناصر بن قطن لا يمكن السكوت عنه فجمع جيشا آخر من الباطنة، ومن داخلية عمان، ولعله من أكثرية الباطنة، لأنهم لا يزالون يصابون من بغاة الشمال ومن معهم، وجعل قيادته إلى سعيد بن خلفان المذكور، وعضده بعمير بن محمد بن جفير الجبري، وأمرهم أن يسيروا إلى ما يقال له، دعفس لا تزال إبل ناصر بن قطن علية، فلم وصلوا وجدوا الإبل فأخذوها ورجعوا منتصرين، لم ينهلهم سوء، وسلموا الإبل إلى عمير بن محمد بن جفير الجبري
وكان لعمير المذكور راع للإبل ويعرف عند أهل عمان بطناف الإبل، أما الراعي فيحصونه برا على الغنم والبقر عرفا عاما فجاء من جاء إلى الطناف وقال له:سر بهذه الإبل إلى ناصر بن قطن، وسلما إليه فتكون لك معه يد، ولعلة خوفه بالقتل من ناصر بن قطن وهو الظاهر
وهذه الحقيقة غلطة من قائد الجيش، حيث ترك الإبل بيد عمير ابن محمد بن جفير الجبري في تلك الزاوية النائية، وناصر بن قطن وعمير بن عنصر واحد، وقد علمت الأحوال السابقة، ولكن البشر يخطئ ويصيب، والأمور تجرى بمشيئة الله عز وجل

سرية تقع في مثل ما وقعت فيه الأولى بموضع الخروس

لما رأى الإمام أن هذا القرصان لا يقف لعهد وميثاق، ولا يرتد عن عمله، وكان عاضده علي بن محمد المذكور آنفا ظلا يكسبان وينبهان في أطراف عمان الغربية هم ومن معهم، ولا يزالون يقطعون الطرق، فتخوف الناس منهم وفرت البادية من منازلها إلى البلدان والقرى، وإن رأوها عليهم ضيقة، ولكن ألجأتهم الضرورة إلى ذلك الحال، وعند ذلك جهز الإمام لهم جيشا أخرج فيه بني عمه سيف بن مالك، وسيف بن أبى العرب وحزاما وأخرج معهم رؤوس القبائل، لأن قوة الإمامة مستمدة من رجال عمان عادة.
فخرج هذا الجيش يطلب ناصر بن قطن ومن معه من أهل البغي بشمال عمان ووصل الجيش إلى هدفه، وكان من قضاء الله وقدره أن شرارة الجيش وأهل البسالة فيه أول من وصل إلى العدو، فتلقاهم الطاغية في رجاله، فدارت رحى الحرب بينهم وأحاطوا بهم من كل صوب حتى قضوا عليهم عن آخرهم، وهرب الباغي عجلا إلى الأحساء لا يرى له ملجأ بعد هذه الكارثة إلا الفرار إلى الديار النائية، فإن غالب جيش المسلمين مشاة، والمشي شيء شاق لاسيما في حال البعد، أما ناصر إذ هم بغزو عمان، أهب الإبل البلغة للصدد، وخرج يركبه لا يريد وجهة خاصة ولا بلدا خاصا، وهكذا إذ لا ثأر له عند أحد أو عند قبيلة، لكنه فتاك نهاب لا يبالي بما يأتي وما يذر، وهذه القضية هي أخت وقعة الخروس بشمال عمان، والنصر بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد أثر قتل هؤلاء على المسلمين، وبعد هذه الحادثة لم يعد ذكر لناصر المذكور،ولعله مات أو سلط الله عليه أمرا أعجزه.
وما زالت سرايا الإمام مشرقة ومغربة، لم يبرح طيلة أيامه في حرب وما زال معه أهل عمان طوع أمره، وتحت سلطانه، وانتشر عدله بين الخاص والعام، واستولى على عمان كلها ساحلها وداخلها، إلا مسقط بقيت فيها النصارى البرتغال، ويعرفون أيضا بالبرتكس في عرف أهل عمان، وهم العتاة إذ ذاك، والقاهر ونعلى الممالك الشرقية، رغم أهلها الذين انحرفوا عن واجب الحق الذي شرعه الله لعباده، وكلفهم به وأمرهم أن يتعاملوا به فيما بينهم، فتركوه وعملوا بالأهواء، فسلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فتولى الأمر عليهم وسيطر على ممالكهم، وأصبحوا يرزحون تحت ثقل وطأة هذا العدو الداهم، وقد عاهدوا الإمام ونكثوا، ثم عاهدهم مرة أخرى ونكثوا اعتمادا على قوتهم الكاملة في مسقط، وقد علموا أنهم إذا خرجوا من مسقط خرجوا من الخليج العربي كله، ولكن ولم يزل الإمام محيطا بحركاتهم وسكناتهم، وقطع عنهم العرب المعاملة التجارية، وانقطع الساعي إلى مسقط من عمان وغيرهم، وبذلك سرى الضعيف وهذا هو الحصار بعينه.
قال الإمام في تحفته: ثم نصب لهم الحرب حتى وهنوا وضعفوا، ووهى سلطانهم، وتفرق أعوانهم، وكان الموت والقتل يأتي على أكثرهم.
ولا شك أن للأمور إقبالا وإدبارا وقد كان إقبالهم لما كان العمانيون يتهارشون فيما بينهم كما قدمنا، وهنا جاء الإدبار حين اجتمع العمانيون، والتقوا تحت واحدة، ولا ريب فإن الاجتماع له في الكون انفعال صحيح، وقد جربتهم الأمم.
ويقول الله في كتابه العزيز: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ 40،والله هو الولي على كل شيء قدير.



وفاةالإمام ناصر بن مرشد



لما كان لكل نفس أجل محدود في هذا الوجود لا يزيد ولا ينقص، أمر محتوم على الكل لغاية ما بعدها، وبذلك قضى الله على عبده الصالح الذي شاع ذكره في الجزيرة العربية، وانتشر عدله في ربوعها، وازدهرت به البلاد، وسعد به العباد، وأذل الله به أهل العناد، فكان ذكره سلوة كل محزون، وبهجة كل مصدور، ومفتخر كل مسلم، ففي يوم الجمعة لعشر ليال من ربيع الآخر سنة1050 خمسين وألف سنة توفى رضي الله عنه والمسلمون عنه راضون، ودفن بنزوى عند مساجد العباد.
وكان عمره رحمه الله ستا وأربعين سنة، ولم يعقب إلا بنية واحدة، قعد ذلك الحال من كراماته إذا صار للنبي ، إذ كان عقب بنتا واحدة وهى الزهراء فاطمة رضي الله عنها.
وكانت للإمام المذكور رحمه الله كرامات عديدة طار لها ذكر في الأفق العماني، وتداول حديثها الأكثرون، ودونها الكثيرون، وعقدت لها الأبواب، وطال بها الكلام عن الأئمة الأعلام، فنرى ذلك كافيا عن إعادتها هنا، فإنا معنيون بالحوادث التاريخية، ولأئمة المسلمين بعمان كرامات خالدة خلود الجبال، وما أعلاها وما أكرمها في نظر أهل الحق، ربما سخر منها بعض المخالفين الذين لم يعرف لهم من نوعها شيء، ولم يذكر لهم عنها شيء فيما علمنا، ولم يحدثنا تاريخهم عن شيء منها أبدا، فلذلك سخروا من كرامات أئمة الإباضية، والذين رأوا الأنوار بأعينهم، وأعيانهم أمرها قالوا: لعل هناك شيئا من الجن فرأوها تجوز للجن، ولم تجز للإباضية، مع علمهم بأن الأنوار تجوز للملائكة، لأنهم أنوار أي أجسام نورانية، بخلاف الجن، فإن الجن لم يعرف الأنوار لهم، وإن كان فيهم صلحاء.
ثم ماذا يفعلون بما بقى من كرامات الإمام الوارث بن كعب، التي مرت عليها مئات السنين، وهى باقية حتى الآن كما هي، إن الذين لم يهتدوا الإيمان لا غرو إن أنكروا كرامات الإباضية حسدا من عند أنفسهم، والحمد لله.رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما.


ثناء العلماء على الإمام الأرشد بن مرشد


لقد أثنى العلماء على الإمام ناصر رحمه الله ثناء عظيما، إذ كاد أن يكون نبيا، عليه الكثيرون ثناء يسجل عند الله ذكرا عاطرا، فإن الخلق شهود الحق، ومن أثنى عليه أهل الحق كان أهلا الثناء، والخلق شهود لكل محق، فمن أثنوا عليه خيرا كان أهلا للخير، ومن أثنوا عليه شرا كان أهلا للشر، وقد ذكر الإمام السالمي رحمه الله طرفا من ذلك الثناء الشاهد على تلك النفس الطاهرة، وذكر الشعراء عنه مالا مزيد عليه من الفضائل الباهرة، والمحاسن النادرة التي لم تذكر إلا للنبيين والحمد لله رب العالمين.

عهود الإمام ناصر بن مرشد لولاته وعماله

ذكر العلماء عهود الإمام رحمه الله دليلا على طهارة نفسه الزكية, ودليلا على سيرته المرضية، فإنها تعبر عما في طوية ذلك السيد الزاكي، والإمام التقي الزاهد المجاهد, الذي لم يزل طيلة أيامه في قتال ونزال وصراع لأهل الباطل والضلال، وما زال رحمه الله ساحبا جيشا ومخرجا كتيبة وعاقدا لواء، وقائما بحرب، فلله تلك الأيام ما أعزها، ولله تلك الحياة ما أكرمها، ولله تلك الأفعال ما أعلى شأنها، ولم نذكر تلك العهود فنكتفي بالإشارة إليها إذ حفظها التاريخ بين طياته، فنراها مرجعا لمن أرادها ومستندا لمن رام السير على منهاجها، ولله في عباده أسرار، وفي خلقه عظيم الاعتبار، والله ولي المحسنين.



خطبة الإمام ناصر بن مرشد في صلاة الجمعة

إن الإمام الأرشد ناصر بن مرشد رحمه الله، كان يخطب في صلاة الجمعة خطبة واحدة كما هي في المذهب، ولم يصح عند المسلمين أن رسول الله كان يخطب خطبتين، ولا يصح جلوسه في الخطبة أو بين الخطبتين كما يقولون، ولو صح ما تركه المسلمون مع شدة تمسكهم بأعماله، وتتبعهم لأفعاله، وأقواله، وأخذهم بما صح عنه، وإنما هي خطبة واحدة فقط خطبها النبي عليه الصلاة والسلام في بني سالم بن عوف حين صلى الجمعة أول جمعة في المدينة بمسجد الوادي، وحفظها الناس عنه، ورواها المؤرخون.
وهى كلمات يسيرة ذكرها في تاريخ الخميس وغيره، ورواها أئمة السير، والذي ذكره رواة السنن لا عمل عليه عندنا فإنهم رووا كثيرا ولم يصح عند أصحابنا، وهم أشد الناس تتبعا لما رواه الثقات عن النبي ، ولقد اجتمع في عصرنا هذا علماء فطاحل أخذوا من الفقه بحظ وافر، وفي مقدمتهم الإمام السالمي رحمه الله، وهو الذي قام بإمامة الأمام سالم بن راشد الخروصي، وبعد فتح نزوى أقام الجمعة بها والكل حاضرون وهم كبكبة من أهل العلم اللذين لم تصغر منازلهم عن صحابة رسول الله ، لولا فضيلة الصحبة، ولا يسع ذكرهم، ولم نعلم عن أحد منهم قال في صلاة الجمعة بخطبتين، ومضى الإمام على ذلك حتى توفاه الله.
ثم قام عنه الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، وكان جمهور أولئك العلماء باقين لم يتغير منهم ألا الإمام العلامة الكبير سيدهم عبدالله بن حميد السالمي رحمه الله، وعاش الإمام الخليلي قريبا من أربعين سنة، وهو يخطب خطبة واحدة، وهو أعلم الذين معه وهو أحد تلامذة العلامة السالمي أيضا، وقد زاره علماء الآفاق، ولم نسمع من أحدهم إنكارا لعملة واحدة، والذي يرى غير هذا الحال اجتهادا لا نوافقه عليه بعد مضي أربعة عشر قرنا، يأتينا اليوم يرى أنه أهدى من أولئك سبيلا من أولئك العلماء الأجلاء، والأساطين المشار إليهم،فالحق ما مضى عليه علماؤنا وأئمتنا، ولا خلاف لمذهبهم.
وقد كتبت رسالة في الموضوع سميتها" الأصول المتبعة في أحكام صلاة الجمعة" وذكرت أمر الخطبة كما أشرت إليها هنا وبينت البعض من الأدلة المتبعة عند أهل العلم، وسكت عمن روى عنه غير ما عليه الأصحاب رحمهم الله، وحسبنا إتباع آثارهم والاعتماد على أقوالهم، والحق أحق أن يتبع وإن قل أهله، والباطل أولى أن يترك وإن كثر ذووه.
وإليك عبارة السالمي رحمه الله في هذا المقام قال:" وهذه خطبة الجمعة في عصر الإمام ناصر بن مرشد بن مالك اليعربي أعزه الله ونصر على البغاة" وهذا التعبير دال بمفهومه ومنطوقه على أنها خطبة واحدة، وأنها أيضا هي التي يخطب بها طيلة حياة الإمام المذكور، لاشتمالها على المواعظ العظيمة المطلوبة لهذا المقام الحافل الجامع للمسلمين، الذين يهتمون بأمر دينهم وينظرون إلى الآخرة بستر رقيق، أسود النهار رهبان الليل، الذين شهد لهم الحق أنهم رجاله وأحبهم العدل إذ هم أبطاله، وعشقهم الإيمان إذ قامت بهم أعماله، وابتهج بهم الدهر إذ هم جماله، حملت تلك الخطبة أعلام الهدى، وأعلنت للمؤمنين الابتعاد عن مسالك الردى، وحذرت المتدينين على اختلاف طبقاتهم من إتباع الهوى، وعظ خالص له في القلوب تأثيره، وتحذير عام له في النفوس تقريره، يكاد يقضي على العقول التي تخاف الله، كأنه يعبر عن مصارع الموت، ويدل على مراسم الحياة الأخرى، ويكثر الباكون إذا تلي عليهم، فيخضع العاتون إذا ألقي إليهم، نسجته أيادي الهدى، على وتيرة البلاغة، ووضعته صاغة البيان بأكمل الصياغة، والله يزيد في الخلق ما يشاء.


إمامة الإمام سلطان بن سيف


نسب الإمام سلطان بن سيف بن مالك وفيه يلتقي بالإمام ناصر بن مرشد بن بالعرب بن سلطان بن أبي العرب بن محمد بن يعرب بن محمد بن يعرب بن سلطان بن حمير بن مزاحم بن يعرب بن مالك بن يعرب ابن عمر بن نبهان، بويع الإمامة في اليوم الذي مات فيه الإمام ناصر رحمهما الله، وكان كما قدمنا أحد قواد دولة الإمام ناصر، وهو الذي فتح مدينة صور، وطرد البرتغال منها في عهد الإمام ناصر.
قال شكيب أرسلان، وهو يذكر الإمام ناصر بن مرشد قال: وخلفه ابن عمه سلطان بن سيف، فنسخ على طرازه في الاشتغال بإجلاء البقية الباقية من حامية البرتغال في سواحل عمان، قال: وكانت له عيون على هؤلاء يقضون إلية بعوراتهم، فأرسل إليه سرا رجل هندي كان وكيلا لأمورهم وموضع ثقتهم، وقص قضية سكبيله و كبريتيا البرتغالي العنيد، واستطرد في القضية بتمامه كما قدمنا عن المورخين العمانيين، وذكر البارحتين اللتين تحاميان عن حصن المرح، وتضربان البلاد مطرح ومسقط.
قال: فقصدهما العرب فذبحوا من فيهما أي وغنموهما، قال: ولم يكتف سلطان بالفتك بالبرتغال في بلاده، بل قصدهم في بلاد الهند فأرسل بوارج حربية تغزوهم في ساحل كوجرات في الهند، قال: اجتاحت عساكر" الديو" و"دامام" وقفلت بغنائم وافرة وآنية كثيرة مما كان في الكنائس، قال: ووجه سلطان بن سيف معظم همته إلى ترويج تجارة وعمارة أسواق الأخذ والعطاء، واستجلاب الأسلحة والخيول لتقوية جيشه، قال: أنفق في هذا السبيل أموال طائلة، قال: وجدد قلعة نزوى، وترك آثارا صالحة، قال: وكان من أفراد الملوك في سيرته في الرعية، وسداد آرائه وصواب أنحائه.
قال: وتوافدت الناس إلى داره مرضية، وتسارعت إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، قال: وكل ذلك بسايق المحبة والأمانة وجاذب الإخلاص والناصحة، قال: إذ كان يخرج كسائر الناس ويغشى المجامع ويختلط بالعامة، وهو بدون خفير ولا قرين، بل خفارته من ثقة قومه وصحابته من معرفتهم لفضله وإجلالهم لقدره أ هـ.
هذه الأخلاق التي ذكرها شكيب أرسلان، هي أخلاق أهل الإيمان، وإنها لجمال لذلك الإمام السيد الكريم الذي عرفه التاريخ وأثنى عليه البعيد والقريب، بمثل هذا الثناء الفاضل، فإن هؤلاء الأئمة الخمسة الذين سوف يتلى عليك تاريخهم، هم جوهر اليعاربة، بل جوهر أهل عمان في ذلك العهد، كما تخبر عنهم أعمالهم، وكل أهل التاريخ في الأفق المشرقي يثنون عليهم ويأسفون على فقدهم، إلا أن الشريعة باقية، والسيرة التي سار عليها الصحابة معروفة لمن أرادها، ومن أراد غيرها تبعا لهواه، فلكل درجات مما عملوا والله يتولى من عباده الصالحين.
وعل كل حال لا بقاء للدنيا وإن طال العهد، فهي سوق الآخرة وكل يأخذ منها ما يحلو له، وفى حديث ابن رزيق: لم يمكث الإمام سلطان بعد البيعة بعمان إلا أياما معدودة إلا أسرع الوثبة لحرب النصارى الذين بيدهم زمام بلدة مسقط ومطرح، وهم المسلمون البرتكيس.
قلت: هذا عرف أهل عمان فيهم، قال: وهم يومئذ أشد النصارى قوة في المملكة والسلطان.
قلت: اتفق المؤرخون على أن البرتغال في ذلك العهد هم أقوى دول النصارى، وبقية دولهم تخضع لأوامرهم. قال: وأما معسكر الإمام سلطان بن سيف بطوى الرولة من المطرح. قلت: لم نعرف هذه الطوى بعينها إذ تبدلت الحال، وصارت الطويان في مطرح خصوصا التي هي داخل السور، قال: كان جيش الإمام من طوي الرولة بمطرح إلى سد ورى والسد المشار إليه هو الذي على ثغر وادي العدى، الممتد هذا السد من الجنوب إلى الشمال، وعلية قلاع باقية إلى عهدنا هذا، قال: ومعه من الجند خلق كثير.
قلت: الجند هم الجيش الذي وصفه الممتد من طوي الرولة بالمطرح إلى سد روى الآنف الذكر. قال: فطفق جنده يغزون البرتكيس صباحا ورواحا وهم أي البرتغال مستعدون لحربه لم يظهروا له الجبن ولا الإذعان.
قلت: الملك غال لا يباع رخيصا، ولا يسلم بالهوينا. قالك وقد أفعموا حصني مسقط يعنى الجلالي والميراني وبرجها وسورها وجبالها برجالهم الشهيرة بالصبر على القتال. قال وحد غزوات عسكر الإمام سلطان بن سيف عليهم إلى بئر الرواية من مسقط، إذ هم قد بنوا على رؤوس جبال مسقط بروجا وأكمنوا فيها رجالهم أهل التفق، أي البنادق، وقد نصبوا سلسلة في الهواء، فكل من اقترب منهم من عسكر الإمام رموه برصاص التفق، ومدوا سلسلة من حديد عليها سور من حديد من البرج المسمى الآن برج والى محمد بن رزيق إلى البرج المسمى الآن المربع،قال: فلم يزل من كمنوا تلك السلسلة المذكورة يرمون من اقترب منهم من عسكر الإمام برصاص التفق.
قلت: لم أعرف معنى هذا السور الذي على السلسلة، فالسلسلة لا يمكن أن يبنى عليها سور، فلعل السلسلة على السور، فيكون في الكلام قلب في التعبير. قال: وقد قبضوا الجبل المسمى السعال من أوله إلى آخره، وقبضوا على جبل الملا من أوله إلى آخرة، وصوت التفق من الكامنين في الجبال وسائر المقابض لا يفتر لا سيما إذا جن الليل. قلت: ذلك ليهيبوا على أنفسهم خوفا من صولة العرب التي لا بد منها. قال: وحراسيسهم عليهم بالليل والنهار، وقد أخذوا من حزمهم الغاية.
قلت: لا يعني ذلك شيئا عندما يأذن الله بجلائهم، قال: وقد بلغوا من الحذر النهاية، وقد أفعموا الصيرتين أي الحصنين الصغيرين، أو القلعتين اللتين على ثغر المينا بمسقط رجالهم المتقنين ضرب التفق والمدفع، وما تركوا عليهم سبيلا، فكانت الحرب بينهم سجالا.
قلت: ليست هذه الحرب الموصوفة بأنها سجالا، ولكن ابن رزيق لا يتقن التعبير. قال: لا قدرة للبرتكيس أن يخرجوا الإمام وعسكره من المطرح، ولا قدرة للإمام وعسكره أن يدخلوا مسقط على النصارى.
قلت: والتحقيق أن الإمام اقتضى نظره حصرهم في مسقطهم وعلى كل حال أن كل محصور مغلوب، وهذه قاعدة مطرودة في قضايا الحرب وأمثلتها لا تحصى.
قال ابن رزيق بل كانت عسكر الإمام تزحف عليهم فيقتلون من يرونه حذاء الراوية في الأرض, ويقتلون من يرونه سائحا في المكان الذي يسمى حلة العجم والبحارية ونحوهم، ويرفعون أصواتهم إلى من بالسور من البرتغال، ناجزونا بارزونا فإن الشجاع مع الحرب لا يتحصن بالقلاع والسيران, ويعيرونهم طويلا أي لقصد تهيجهم للخروج من القلاع. قال: فلم يخرج منهم أحد لعلمهم أنهم ليسوا كفؤا لهم للمبارزة بالسيف والرمح الذي هو سلاح العرب إذ ذاك، وسلاح العدو البنادق والمدافع التي تأخذ العدو من مسافة نائية، وبقى المسلمون لا يقدرون على الاقتراب من القلاع والسيران، لأنها ترسل صواعقها إلى عدوها من بعيد فتدفعه عنها قال ابن رزيق: الحرب على ذلك بينهم على تلك الحال حتى كاد الإمام وحزبه أن عزيمتهم عنهم لعدم القدرة على الدخول عليهم.
قلت: حاش الإمام أن يثني عزيمتهم عنهم، بل لعله يعالج القضية بسياسة أخرى وأكبر شيء عليهم حصارهم بين تلك الجبال الشاهقة، وقد قبض المسلمون البحر والبر، فمن أين يأتيهم المدد، وعندما يتحققون الضيق سيطلبون الخروج بأنفسهم، لكن من قدر الله أن وقعت تلك القضية بين رئيس البرتغال المسمى فرفرة، ونورتم القائد الهندي وهو المعروف عند أهل عمان بالبانيان، وهم قوم يعبدون البقر لعنهم الله، ثم جاء ابن رزيق بقضية الزواج التي قدمنا ذكرها، فكانت السبب الفاتح للمسلمين، ولعل دعوات أهل الإيمان استجيب لهم، وأذن الله بزوال هؤلاء الكفرة الفجرة، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، وسرد ابن رزيق القضية كما هي عادته بكلام طويل يحصره يسير الكلام وربما أفاد في بعض المواضيع فلا نعيدها مرة ثانية.
ولما اقتحم المسلمون السور ودخلوا مسقط الداخلية، زحفوا على الحصنين فأحرقوا أبوابها بالنار، ولم يجد من فيها ما يدافع به فسلموا الأمر راغمين، وقضى عليهم طالع النحس بالزوال، ليسترد أهل الحق حقهم المغصوب، وكان الإمام سلطان هو قائد الجيش، ولما وصل بالجيش عقبه الوادي أحضر القوم وجدد البيعة معهم، وأخذ عليهم العهد والميثاق على الصبر على الموت، فبايعوه على ذلك ومضى بهم وشعارهم الله أكبر، اللهم أنصر المسلمين على عدوهم.
ولما دخلوا خذل الله المشركين، وأيد الله المسلمين، وقوى قلوبهم وشد عضدهم، فكانت الدائرة على أهل الكفر. فكان كما قيل إن الدماء سالت إلى البحر، ولم يبق إلا أمر البارجتين أراد المسلمون الزحف عليها فشاور الصارمي الصارم المغيوتي البطل، فخرج إلى الداخلية وجاء برجال انتخبهم لمعرفته بهم، وأطعمهم بالمال الجزيل، فتقاحموا على البارجتين كالأسد على فريستها فاصطلموهما بأسرع وقت، وانتهت قضيتها إذ ذبحوهما، وقادوا البارجتين إلى الإمام، ولا تسل عن سرور الإمام والمسلمين ذلك اليوم الذي قلع الله تلك الشجرة الكافرة، ومحا فيه أرسم الباطل.
وأخذ الإمام رحمه الله في جلب المعدات الدولية، ومن جملتها الخليل، فجمع منها كثيرا سيأتي ذكرها في إمامة ولده سيف، وفتح أبواب التجارات إلى العالم من كل صوب، وجلب لعمان الخير من جميع النواحي، فأمنت الرعية، ودرت الأرزاق، وكثرت الأرباح، وعلا شأن العمانيين بين أمم العالم، فنظرت إليهم الأمم بأعين الإجلال والإكبار، إذ هم الذين قلعوا تلك الشجرة الملونة في القرآن، وولى الإمام على سيف بن بلعرب اليعربي، وترك معه عساكر جمة، أمره بالحزم والأمر والنهى عن المنكر، ونزول الرعية إلى الحكم بالسوية، ورفع الجزية عن نورتم وأهل بيته جزاء إعانته.
ورجع الإمام إلى نزوى فاهتزت عمان له فرحا، وعلت البشرى على أوجه أهلها، وأتاه أهل نزوى أكابرها وأصاغرها يهنئونه بالنصر والظفر والفتح الذي وفقه الله له، وأذل به المشركين، وعلى أثر ذلك أمر الإمام بمطاردة المشركين في سواحل عمان، فاستفتح ((أهل الديو)) ضربة أخرى لأهل الكفر، ودمر وكلابوه وعكة، فملأ العالم الشرقي في آسيا هيبة ورعبا، واختلف بغاة أهل عمان الذين آذوا الإمام ناصر ابن مرشد، وسقط في أيديهم، ورأوا أنهم رهن إشارته، وأنفق على بناء قلعة نزوى لكوكا وملايين، وبهر بها أعداء الدين، وأصبحت حتى آلان مفخرة المسلمين، وأحدث فلج البركة الذي هو بين إزكي ونزوى، وهو إلى إزكي أقرب، وعامل في التجارات للدولة فربحت كثيرا من الأموال التي قوم بها أود المسلمين، فإن الدول بالمال، ألا تسمع قول بني إسرائيل: ولم يؤت سعة من المال، فاستنكروا أن يكون ملك وليس عنده سعة مال.


أخلاق الإمام سلطان


كانت للإمام سلطان أخلاق كريمة، وخصال حميدة، عرف بها في الأمة، لأنه تربى في أحضان إمامة معروفة بالتقوى، مشهورة بالورع ومجانبة الأهواء، كان رحمه الله لين الجانب لإخوانه،ر ؤوفا بهم شفوقا عليهم، خاليا من الكبرياء، نزيها، مما تعاب به الرجال، يؤيد الحق على الباطل وإن كلفه فوق المنتظر.
وصفه الإمام السالمي رحمه الله قال: كان متواضعا لرعيته، ولم يكن محتجبا عنهم، وكان يخرج في الطريق بغير عسكر، ويجلس مع الناس ويحدثهم ويسلم على الكبير والصغير والحر والعبد، ووصفه صاحب فواكه العلوم بصفات رائعة فقال: أضحى رحمه الله قوي الجنان باسط البنان، بنيانا مرصوصا في الهيجاء، سحابة وطفاء في العطاء، مرتديا برداء العفاف والورع، ولا يهوله من عدوه فزع ولا تأخذه في دينه محاباة ولا طمع، عامرا للديار وحافرا للأنهار، غارسا للأشجار، ليعيش فيها ضعفاء المسلمين الأتقياء الأبرار ابتغاء مرضاة الملك الجبار، متأسيا بالرواية السالفة عن السلف الصالح: اعمل ما شئت كأنك تموت غدا وأعمر ما شئت كأنك لا تموت أبدا، وهذا من قوته وحذاقته، حوى على كلتا الحالتين سخيا سمحا بنوال المسألتين، سيدا ووليا من الصالحين، قال: وكثير من فضائله لم أحص عدها.
قلت: هذه لا تحتاج إلى زيادة وأخلاق، هي من مكارم القادة، وقد أثنى عليه بمالا مزيد عليه، والخلق شهود الله في أرضه، والحقيقة أن أخلاق الإنسان هي الشاهد الصحيح كيف كانت ومهما كانت، وإن قيل غير الواقع لا يثبت إلا الحق، وإذا أحب الله شخصا هداه للحق بإذنه، وأرشده إلى المرضي عنده، والله في خلقه أسرار، وهذه الشجرة اليعربية أظلت أناسا في هذا العالم من لفح سموم الجور والظلم، وأعزت رجالا أصبحوا بها قادة الأمة ومن ثمارهم تعرفونهم.


أعمال الإمام سلطان في عمان

لقد قدمنا أن الإمام ناصر بن مرشد هو الذي أزال غثاء البغي من عمان، ووضع كرسي العدالة بين أهلها، وأنعش ميت الحق وأمات إحياء الباطل، وطهر عمان من معزة الفساد والضلال، حتى صار الورد صالحا والماء صافيا للوارد، وجبال السوء طرأ رثها فما عادت تصلح إلا للمزابل.
وعندما بويع الإمام سلطان،وجه عنايته إلى تقوية الهيئة الحكومية أولا، وتأييد العدالة بالقوة الفعالة. قال صاحب كشف الغمة: فقام بالعدل وشمر، وجاهد في ذات الله وما قصر، ونصب الحرب لمن بقى من النصارى بمسقط، وسار عليهم بنفسه حتى نصره الله عليهم وفتحها بإذن الله، وقام يجاهدهم أين كانوا وأين وجدهم في بر وبحر، فاستفتح كثيرا من بلدانهم، وخرب كثيرا من مراكبهم، وعنم كثيرا من أموالهم، فقيل إنما بنى القلعة التي بنزوى من غنيمة الديو من أرض للهند، وسيأتي الكلام على بنيانها في محله إن شاء الله.
وقام بنشر العلم فكثرت الفقهاء، واعتمرت عمان في دولته، واستراحت الرعية وازدهرت البلاد بحسن السيرة، ورخصت الأسعار وصلحت الأثمار، وكان خير خلف لخير سلف، هذا وصف أعماله عند هؤلاء، وذلك وصف إجمالي كما هو شأنهم.
والذي يعبر عن أعمال هذا الإمام العظيم تعبيرا صحيحا يضيق به المقام، فإنه لما تولى الأمر أول شيء، جعله نصب عينيه تطهير البلاد من كل رجس أجنبي، فساق جيشا ضخما فيه أبطال الرجال الذين هيئتهم دولة الإمام الراحل، وعلمتهم العمل المطلوب منهم في المستقبل، نزل الجيش بسيح الحرمل الذي تقع عليه الان مطرح الكبرى، فملأه حتى الوطية، وفي نفس الليلة لدغت ولده الإمام سيف بن سلطان حية في سيح الحرمل، إذ كانت الأرض خالية احتوت عليها الحشرات الأرضية، فقيل للإمام في ذلك إنا نرى فألا غير صالح، فقال ما جئنا إلا لإحدى الحسنيين، جئنا للموت لا للحياة إلا إذا يسرها الله لنا، وما أحب أن أسمع مثل هذا الحديث أو كلاما هذا معناه، وبعد صلاة الفجر زحف الجيش على مسقط فكاد يطير إليها شوقا.


مسقط في العهد البرتغالي

لا يخفى أن البرتغال ما زالوا يتوقعون زحف العمانيين عليهم ما دام علم إمامتهم يرف على رؤوسهم، ولذلك قاموا بتحصين مسقط تحصينا كاملا، ووضعوا قواتهم الهائلة بها، وحصونها كما قال ابن رزيق وغيره من المؤرخين عربا وإفرنجا.قال: فسورتها النصارى من حد جبل المكلا إلى جبل السعالي.
قال: وأحدثت فيها حصنين كبيرين شرقيا سموه الجلالي باسم بانيه, جلال خان، وغربيا وسموه الميراني باسم بانيه, وهو ميران ولعله ميران خان. قال: وأحدثوا فيها صيرتين أي قلعتين صغيرتين مانعتين من دخول العدو للمينا، لأنها تطلان عليه, وبنوا عليها سورا ضخما لا يزال أثره باقيا حتى الآن يفصل البلد نصفين، نصفه الداخلي لهم، والنصف الذي خرج عنه للأهالي، وجعلوا نفس القسم الداخلي حصنا حصينا، إذا جعلوا على نفس السور بروجا ضخمة وقلعة ضخمة، سموها قلعة كبريتة، وهو قائد هندي معهم، وسيأتي ذكره بعد هذا المقام،وأقاموا أبنية ضخمة على جبال مسقط ومطرح وجعلوا للطريق خمس عقبات، كل عقبة عبارة عن قلعة من حد المطرح إلى مسقط، وآخر هذه العقبات من ناحية مسقط عقبة ريام، وأولى العقبات من أول المطرح إلى أول ريام، وتعرف بعقبة الخيل، والثانية التي إليها آنفا المطلة من الجانب الشرقي على مسقط ومن الجانب الغربي على ريام، والثالثة من محلة كلبوه إلى مسقط، والرابعة من آخر مسقط على جهة سداب وتعرف بعقبة سداب، والخامسة من آخر مسقط إلى الوادي الكثير المفضي إلى روى، وجعلوا على هذه العقاب السلاح المناسب لذلك الوقت. وهذه العقاب في غاية الصعوبة، وقد كسرت هذه العقاب مرات عديدة لاقتضاء الوقت ذلك، وعادت الآن بالأرض لا يعرف الجيل الحاضر عنها شيئا إلا أسماءها، وملؤوا مسقط من رجالهم الأقوياء، وكما أنهم ما زالوا يعاهدون الإمام ناصر ثم يخونون لما مات الإمام ناصر نكثوا العهد الذي وقع أخيرا، ورأوا أن قوة العمانيين سيؤثر عليها موت الإمام الذكور، وبذلك قطعوا أولا الجزية التي كانوا يؤدونها للإمام ناصر، ومنعوا المسلمين من دخول مسقط، وأظهروا عتوا وعناد وتكبرا، وضاعفوا قواتهم على جبال مسقط، وجعلوا أشد رجالهم عليها، ومدوا سلسلة حديد في رأس الجبل المشرف على محلة ميابين، وعلى الوادي الذي يمر على محلة برزنجي إلى الجبل الذي به الآن البرج المربع، وهو الجبل المشرف على حلة الأفغان، وجعلوا على هذه السلسلة سورا من حديد، وأكمنوا فيه رجالا من قومهم ليصدوا المسلمين عن الوثبة عليهم من نفس السور، وكانوا حفروا خندقا يحيط بالسور من خارجه، وأطلقوا عليه البحر الصغير الذي هو شرقي الباب الصغير، وهذا يدل أن البحر كان يخترق الرقعة الداخلية من مسقط، وإنما خفي الآن وجوده لتبدل المكان بما طرأ عليه من بناء جديد، ومن كيس ومن تبديل.
قال: وجعلوا على السور عساكر جمة، قال: وكان للنصارى وكيلان من البانيان أي الهندوس، يسمى أحدهما سكبيلة والثاني نورتم، أي هما قائدان عنيدان يقومان بتأبيد الحامية، وينظمان الأمور، وقد تمرسها بأحوال أهل عمان وعرفا حرب عمان وعرفا حرب العمانيين، ولذلك كانا هما اللذان يرشدان النصارى إلى الأحوال الحربية التي يستدعيها الوقت. ومسقط ذلك العهد ليست هي مسقط عهدنا الحالي، فإنها كانت الجبال الشاهقة محيطة بها، ولا يصار إليها إلا بجهد جهيد، ولا مدخل إلا من طريق
البحر، فيجر القوارب الصغار جرا ون، ويسيرون وهم رهن الخطر هذا في حال السلم، فكيف بحال الحرب أما الطرق التي هي لها الآن ما كانت في الحسبان، ولا يأتيها إلا القوي الشديد، ويصلها بكل تعب، وبغاية النصب، والأموال تخرج منها بطريق البحر فقط، أما مساجد السنية فيها فحديث من عهد جديد، وأولها مسجد الزواوي يوسف بن أحمد، ففي عهد السلطان فيصل، ومسجد علي بن موسى كذلك، وسجد نصيب في عهد السلطان تيمور.


الضغط يسبب الإنفجار
كان من القضاء والقدر الذي يمهد السبب لتأييد المسلمين على عدوهم، هو أن لسكبيلة اللعين بنتا جميلة رآها أمير الحصن الشرقي فعشقها، فأرسل إلى سكبيلة يخطبها، وبذل في زواجها مالا كثيرا ذهبا وفضة وجواهر ثمينة، فشق هذا الطلب على سكبيلة وعظم في عينه لأنه غير مألوف بينهم وفي طبيعة النفس النفور من غير المألوف، ولذلك نفر النعمان بن المنذر من تزويج كسرى أنو شروان، حتى عظم الخطب، وأدى إلى ما أدى إليه مما يعرفه كل أحد، وأصر سكبيلة على عدم تزويج البرتغالي حتى جابهه قائلا له: ما كان في القديم ولا في الحديث التزاوج بيننا، وهذا شيء لا يمكن أن يكون بيننا الآن، فغضب البرتغالي وهو يرى أن سكيبلة مأموره ولا يمكن أن يخالفه، لأنه هو الذي ولاه أمر الحصن الكبير، وجعل إليه الزعامة في أوامره، فهدده إن لم يمتثل، فتحقق سكيبلة أن من راء امتناعه الهلاك والدمار، ويستولي النصراني على المرأة غصبا، فبلغ الضيق منه مبلغه، فأراد أن يرميه بداهية تقضي عليه وتسحقه، وعند ذلك تلاين سكيبلة لرئيسه في أمر المرأة، وقال له، إن كنت معولا على هذا الحال وراغبا فيه فالأمر سهل لا تعز عليك بنت ولكن أمهلني إلى كذا وكذا من المدة، وفي رواية أمهلني سنة حتى أتمكن من صوغ ما يلزم لبناتنا الأبكار في أغراسنا، فإذا تم الصوغ المطلوب ووصلني دفعت إليك المرأة فأمهلني لهذا الصدد فسر النصراني بذلك وابتهج ورفع منزلة سكيبلة، فكان لا يحل ولا يعقد إلا بمشورته واصطفاه تماما.
ولما رأى سكيبلة التمكن من القائد، قام للعملية التي هيأها في نفسه للانتقام من هذا الطاغية العنيد، فقال له: إن الماء الذي في الحصنين قديم فيه دود، وأخشى أن يطول الحصار علينا من المسلمين، فالرأي تجديد الماء وكذا البارود، فإنه فاسد والرأي تجديده، وهذا البارود الخاص بالمدافع إذ كانت في العهد يلقي في بطونها البارود لكل طلقة، ثم تلقي الرصاصة عليه ثم تضغط بالدك وهكذا. قال والرأي تجديده بالدق أيضا، فأجابه إلى ذلك وتخليه ناصحا له في ذلك، وهو وإن كان الواقع كذلك، إلا أن سكبيلة كان له غرض الانتقام من النصراني الذي أراد أن يرغمه بزواج ابنته، فنسج حيلة يسلم لها القائد، ولا يجد فيها إلا ظاهرة النصح، فأخلى سكبيلة الحصنين من الماء، وأخرج البارود للدق مرة ثانية، وإذ ذاك كتب للإمام عن الواقع وأخبره عما جرى له من النصراني العنيد، وأرشده على الوثبة على السور، وبين له الوقت المناسب لذلك، وهو يوم الأحد عند طلوع الشمس، ذلك اليوم هو يوم عيد النصارى، فكانوا يشربون الخمور، ويدقون الزمور، ويضعون السلاح، ويشتغلون بالأفراح طرباً ولهوا فاغتنم المسلمون الفرصة، وتوجهوا إلى العدو بقلوب متحمسة، صالوا صولة الأسد الهائجة على فريستها.
وكان الإمام البطل في المقدمة، فاقتحموا السور وتهاووا على الحصون، كالعقبان المنقضة من السماء، فاختلفوا هما في الحال، وقتلوا من كان فيها من النصارى، وفي نفس الواقعة يقول ابن رزيق: أخبرني غير واحد أن الإمام سلطان ضرب واحدا من النصارى في الجزيرة، وهي قلب رقعة مسقط الداخلية، وكان النصراني لائذ على مدفع هناك كبير، فالتف بعصفور المدفع وهي الجديدة الناتئة فيه لسحبه، فقطع السيف عصفور المدفع، وفخذي اللعين فجل الخبيث يقول لكل من مر به من المسلمين: ما هي ضربة واحدة قطعت العصفور وفخذي، ولم يفتر عن ذلك حتى مات، وتولى الإمام وجنوده مسقط، ولم يبق له محارب إلا كبريته، وكان شجاعا مقداما عنيدا، وكان بيده القلعة التي على السور المعروفة بقلعة كبريتة، فكان يهاجم المسلمين ببسالة فائقة، واستمرت المعارك بينه وإياهم أياما حتى حان حينه في سوق البز في مسقط، فحصره رجال الإمام المصاليت، حتى قضوا عليه هنا ه9و ومن معه من الجنود، وطهر الله الأرض منهم، وانتهى أمر مسقط وبقيت حامية المطرح، فاستولى عليها الرعب وكادت تضيق بها الأرض، وهناك بارجتان من بوارجهم في المرسى تحاميان على الحصن، فتجرد العرب العمانيون لهم بعزم أقوى من الحديد وأدهى من الموت.
فزحفوا عليهم في سفن صغار فهاجموهم في البحر، فقتل في أثناء الهجوم أكثر الجنود البرتغال، ولم ينج منهم إلا من حبسه الأجل، ولما رأوا لابد من الاستسلام سلموا الحصن للإمام وطلبوا من الإمام أن يعبرهم إلى جوه فعبرهم، وتولى الإمام كلها، واحترم الإمام سكبيلة ونورتم، وعفاهم من الجزية عنهم وذراريهم ومن كان من أقاربهم لمناصحتهم للمسلمين في هذه البادرة وتحقق قولهم الضغط يسبب الإنفجار، ولهذه الحرب يشير الشيخ خلف بن سنان الغافري في قوله:

ثم أروى لمسقط سقط عزم*** اسقط الظالمين منه ضرام

فطار طائر البرتغال من الأوكار العمانية، وتركها لأهلها راغمًا، فعاد الحق لأهله.
وفي القضية وأمثالها معتبر رائع يفهم منه الإنسان الكونية التي تخرجها الأيام، فكانت أيام الباطل قائدة للأجنبي ليحتل بيضة المسلمين، ويتمركز في أركانها، وعادت أيام الحق تمحو ذلك الباطل البغيض، وهكذا الأيام تبرهن للعاقل عن الغراس الصالح، وعن المزارع الوبائية التي يزرعها الظالمون.
وكان احتلال المسلمين لمدينة مسقط في يوم عاشر من شهر رجب سنة 1059 وتتابعت الفتوح بعد ذلك والحمد لله.



الحق تحت ظلال السيوف


لما انتهى إجلاء النصارى البرتغال، الذين يسميهم أهل عمان البرتكيس، من عمان تماما نظر الإمام رحمه الله أن العدو خرج ولا بد إن استطاع أن يحيك المؤامرات العدوانية مهما كانت، وأيا كانت، وما ينبغي لنا أن نقبع في مخدعنا نترجي نزول العدو علينا مباغتا لنا، ولا ندري ماذا مبلغ فعله فينا، وقد ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام قوله: (ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا).
فينبغي أن نتقدم للعدو ليكون الرعب ملازما له، والخوف محيطا به، وهكذا.
ولما كان مقر العدو الهند وجه الجيش إليهم بها فتغلغل في الهند حتى اجتاح ساحلها، وقبض على طرقها البحرية، فهاجم الديو وهي أقوى بلاد الهند إذ ذاك، فافتضها وغنم منها أموالا طائلة، وساق ستة آلاف أسير دخلوا عمان واندمجوا في أهلها، وبني من غنيمتها قلعة نزوى التي لبث بناؤها اثنتي عشرة سنة، فكانت المثال الرائع.



ظفار قطعة عمان

لما كانت ظفار كالجزء من عمان، أو كالجارحة من الجسد العماني، تولاها الإمام سلطان، وجعل فيها حامية عمانية لئلا يتطرق عليها العدو إذ ذاك، فيتمركز فيها ويكون شره لعمان من الجسم العماني.
ولما انتقل الحفاظ على عمان إلى البحر الأحمر، وكانت ظفار من ضمن قلب المملكة العمانية، تركها الجيش العماني إذ لا محذور هنا والجيش قد ضرب أطنابه في البحر الأحمر مطاردا لأكبر دولة استعمارية كافرة بالله عز وجل، ثم أقبل عزم الإمام على المحيط العماني ليحفظ القطر من جميع جهاته، خرج الجيش الذي كان في ظفار وخلف بها مدافع وآلة حرب، وعند ذلك ظن ملك اليمن أن إمام عمان وقع عنده ضعف وخلل، وسرعان ما سحب إلى ظفار واستولى على المدافع وقبض البلد.
ولعل بعض أهلها دعاة إلى ذلك، فلما علم الإمام بالواقع وكان في أول نشاط دولته لم ينزل الضعف منه منزلا ما، ولكنه لم يشمئز من نزول الملك الذكور، وهو إسماعيل بن القاسم من ذرية على بن أبي طالب، وإنما اشمأز من أخذ المدافع، وتجاسر الملك عليها مع علمه بأن وراءها سائلا عنها وغيورا عليها، ولعله تصور له ضعف إمام عمان أو بعده عن البلاد، مع أن البلاد شافعية المذهب، وأهلها بدو أشبه بالرحل إن لم يكونوا رحلا، وأن إمام عمان ما سحب جيشه إلا لداع دعاه إلى ذلك، فكتب له الإمام في ذلك كتابا جميلا لا يطلب منه إلا رد المدافع، وسكت عن البلاد استبقاء له، وإبقاء للصحبة التي يستدعيها الوقت بالنظر إلى العدو الذي يطارده الإمام حتى يرى منتهى الأمر، وما كان كتاب الإمام إلا كتاب أخ لأخيه، أو كتاب صديق لمصادق.
ولما وصل الكتاب إلى إسماعيل بن القاسم، شخر ونخر وأرعد وأبرق ووعد وتوعد، وصال وهدد،وجاء كتابه مشحونا بالصواعق التي يكاد فحواها، يمحو الإمامة العمانية من عقر دارها، فاستغرب الإمام ذلك الطيش والنزق الذي سمعه من هذا الإنسان الذي ينتسب إلى سلالة علي بن أبي طالب، وما كان يحمل به ذلك ولا يليق الطيش والنزق بأهل المناصب، وليته ترك الجفا، وعدل إلى نهج الصفا، أو لم يكن فيه وفا، فلم يجبه الإمام عليه وإنما أجابه بأساطيل تمحو الأباطيل وبرجال تزيل الضلال، وقد أخبره في كتابه حيث يقول:
ثم لتعلم أيها الملك أنه وصل إلينا في مدة أيام قد تصرمت، وشهور قد تخرمت، رجل من جنابكم يزعم أنكم أرسلتم بيده طروسا بها درر من رائق لفظكم، وخطبكم، غير أنه يقول إن المركب الذي أقبل فيه عابة الإنكسار، فغرق في أليم، فأدرك الطروس المسطرة حكم التلف، ثم بيد أنه قد أفاه إلينا من نتائج لسانه، واتضح لنا من واضح نطقه وبيانه، أنكم علينا عاتبون، ومنا واجدون لأجل خدامنا في العام الماضي مراكب رقاب المشركين على بابكم، وأخذهم لسفنهم الواردة لجنابكم، ولعمري إنا لندري أن العتاب بين الأخلاء عنوان المودة الخالصة والصفا، وزايد محض المودة الصادقة والوفا، غير أنه يجب عند اقتراف الجرائم، وانتهاك المحارم، فإنا نحن لم نقصد إلى انتهاك ذلك سبيلا، ولا نجد لك على إلزام فعل ذلك دليلا، إذ كنا لم نجهز مراكبنا، ونتخذ مخالبنا ليساره رعيتك، ولا استباحة دم أهل حكمك وقضيتك، ولكن جهزنا الجيوش والعساكر، وأعددنا اللهازم والبواتر، لتدمير عبدة الأوثان، وأعداء الملك الديان، تعرضا لرضا رب العالمين، وإحياء لسنة نبيها الأمين، ورغبة في إدراك أجر الصابرين الجاهدين، وحاشا لمثلك أن يغضب لقتل عبدة الأوثان والأصنام، وأعداء الله والإسلام، ألست من سلالة علي بن أبي طالب، الساقي المشركين ربي المشارب، وأنت تدري بما يجري بيننا وإياهم من قبل في سواحل عمان وفي سائر الأماكن والبلدان، من سفك الدماء،وكثرة الصيال، وتناهب الأملاك والأموال، وإنا لنأخذهم لفي كل موضع تحل به مراكبهم، وتغشاه سفنهم، حتى من كنج وجيرون بندري الشاه، ولم يظهر لنا من أجل ذلك عتابا ولا نكيرا، وإن كنت في شك فاسأل به خبيرا. أولا نذكرك أيها الملك والذكرى تنفع المؤمنين، وإنا لك من المنذرين، وعليك من المحذرين، إنا لما ملكنا تلك الأيام بلدة ظفار، وهي عنا نازحة الفيافي والقفار، ولم تر في ملكها صلاحا لشيء أوجبه منا النظر، وحاكته الأذهان والفكر، فتركها لا من خوف قوة قاهرة، ولا كلمة علينا ظاهرة، ولا بد غالبة، ولا كف سالبة، وحينما خرج عنها عاملنا خلف بها شيئا من مدافع المسلمين، لغفلة جرت عن حملها في ذلك الحين، ولما ملكتم أنتم زمام عيسها، واجتليتم ضوء بدرها وشمسها، لم تدفعوا لنا تلك المدافع، كأن لم يكن وراءها ذائد ولا دافع، فاعلم أيها الملك أن البعل غيور، والليث هصور، والحر على غير الإهانة صبور، ومن أنذر فقد أعذر، وما غدر من حذر.
على أننا في إصلاح ذات بيننا وبينكم راغبون، ولإطفاء الفتن وإخماد المحن بيننا وإياك مؤثرون، فإن كنت راغبا في الذي فيه رغبنا، وطالبا لما آه طلبنا، فادفع لنا إياها، ولا تحتس بسرعة الاعتداء حمياها، وإن أبيت إلا الميل إلى اغتنامها، والجزم على خبط ظلامها، ففي الاستعانة بالله على من اعتدى سعة، ومن كان مع الله كان الله معه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والسلام عليك ورحمة الله.
فالإمام سلطان رحمة الله يذكر ملك اليمن بحال الكفرة وأفعالهم، وما دار بينه وإياهم في سواحل عمان، وأن رجاله يحتلون الأعداء حتى في كنج وجيرون اللذين هما من أكبر بلاد إيران، ولم ينكر عليهم الملك الفارسي الذي هو أعظم من إسماعيل بن القاسم ملكا وأكثر قوة وأنصارا, ولم يطلب الإمام من إسماعيل إلا المدافع فقط، وجعل المسلم أخا للمسلم، فنحن تركناها وهذا مسلم تولاها، وأن المحذور أن يتولاها الكافر عدو الكل، ثم إنها أي المدفع مال مسلمين، ولا يحل مال المسلم بحال من الحال.
والإمام يذكره الصحبة، ويحيله إلى إبقائها وإلى عدم الشقاق والفتنة، ولكن الرجل غلب عليه الطيش،ولم يتحاش عنه، ولذلك يؤسف عليه، والواضح من خطابه أنه متهور، حيث قال. إنها أي المدافع أول غنيمة من قطرك الشاسع، كيف يجعل مال المسلم غنيمة، وهذا شيء حرمه الشرع إلى آخر ما جاء في كتابة.
ولم نذكر الكتابين معا لأنهما موجدان في سير المسلمين: محفوظان فلا نطيل بذكرهما، وإنما أشرنا إليهما وذكرنا فقرات من كتاب الإيمان لندل بها على الصدى المطلوب.
وقال الإمام السالمي رحمه الله بعد ذكرهما: وبكل أسف لم نعثر على جواب الإمام على هذا الكتاب. قلت: المفهوم إن هذا الكتاب لا جواب له عند الإمام إلا أحد شيئين، إما السكوت والإغذاء عنه وعن المدافع إبقاء للسلام، وإنما أن نوجه إليه مدافع أخرى تسترد تلك الدافع.
قال الإمام رحمه الله: وما أظنه إلا كما قال الشاعر:

وهل تغني الرسائل في عدو*** إذا ما لم تكن بيضا رقاق

قال: وأئمتنا بحمد الله تعالى ممن ذكرهم الله في كتابه بقوله:
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً 41 إلى قوله تعالى: َالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً 42 فهم الأئمة الفعالة، وغيرهم الأئمة القوالة، وكأن هذا الرجل زيدي المذهب، وكأنه يثبت الوصايا لعلي.
قال. ودلائل الحال تقتضي إن بينهما وقائع،ولكن لم نطلع على ذكر شيء من ذلك، ومكن هذا الإمام من اليمن والهند وغيرهما يقتضي أن الأمر صار على خلاف ما يزعمه ملك صنعاء، وكذلك تمكن الأئمة من بعده فإنه ذكروا لهم من القوة والسلطان، والتمكن من البلدان النائية والأقطار القاصية، على ما سيأتي ذكر بعضه، وذلك يقتضي أن الإمام ومن بعده من الأئمة تمكنوا من اليمن وغيرها ما خلا صنعاء، فإنا لم نجد تاريخا في التمكن منها نفسها، وإما آثارهم فظاهرة في أطراف اليمن، والله أعلم بما وقع بعد تلك المخاطبة إلى آخره.




معارك الجيوش العمانية للإفرنج


إن معارك الإمام سلطان للإفرنج بواسطة قادة جيوشه عديدة، لا يسع المقام ذكرها تفصيلا، فإنها تستدعي مؤلفا مستقلا، ذكرها المؤرخون وذكره الشعراء العمانيون في مدائحهم، وأولها مسقط، وقد ذكرنها لأن ذكرها ضروري،إذ هي المفتاح الذي للقفل البرتغالي، ومنها وقعت كنج أكبر وقعة بين العمانيين والبرتغال، بلغ صداها أقصى بلاد الشرق واهتز لها العالم وسباهما الجيش، سفنهم إلى عمان،وساق الغنائم وإليها يشير الشيخ خلف بن سنان حيث يقول:

ولدى كنج كان منه لهم ما***كاد منه تدكدك الآكام

أي كاد الجبال تندك منه، وجاء البرتغال في غزوة من غزواتهم، فأحرقوا الدوحة من ضواحي مسقط، وذلك بعد"غزوة الديو" وكان قائد الجيش إلى الهند راشد بن علي، الذي مدحه الشيخ خلف ابن سنان في قصيدته الميمية، وكان السبي ألفي أسير، وفي بعض النقل ستة آلاف أسير، أشرنا إليهم في" العنوان"، وغنم منهم كنوزا عظيمة، ووقعة ممباسا التي هي مضرب المثل في الوقائع، كما ذكرها المؤرخون، واصطلمها منهم ورفع العلم العماني عليها عهدا.
ومنها وقعة كلوه وهي وقعة قادت ذلك الصقع معها راغما، وقادها العمانيون من أنفها صاغرة، وزاد نشاط العمانيون، وظلوا يتقاحمون على تلك القرى تقاحم الأسود الصائلة.
ومنها وقعة زنجبار، ولا تسل عن استبسال العمانيين فيها.
ومنها وقعة بمبى خاصة، فكان الأهالي يفرون منها إلى براري الهند النائية خوفا، ووقعة مخا، ووقعة باب المندب في البحر الأحمر، وقعتان اصطلم العمانيون فيهما جنود الكفر، وقادوا البواخر بما فيها غنيمة أصبحت ترفع العلم العماني في البحر الأحمر، وهو يهتز لها هيبة، ويقلق لها رعبا، واستفاد الشراة الذين احتلوا هذه الوقائع آلافا طائلة.
ومنها وقعة مسبيج التي قهر فيها الأعداء، وقطعت رؤوسهم إلا ما شاء الله، ولم يحصنها من الاحتلال حصن ولا قلعة.
ومنها غزوة(بتة) وقائد الجيش الشيخ الصارمي محمد بن مسعود صاحب عين السواد في أمطى، فاحتلها بعد قتل ذريع وقهر سريع، وفيها قال قصيدته الحائية، وفيها قال الشيخ خلف بن سنان قصيدته الرائية، ومطلعها:

هو السيف مقرون به العز والنصر

وكانوا فقط مائة وعشرين رجلا يتغلغلون في الهند لا يبالون بما يلاقون أن أيام الإقبال زهراء ذات بهجة تكاد بطبيعة الحال تتصرف في صالح الأمة.
وتوفي الإمام سلطان رحمه الله يوم الجمعة الذي توفي فيه الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله، وكلاهما توفي وقت الضحى، لكن الإمام ناصر توفى في يوم عاشر من ربيع الآخر 1059سنة وهكذا توفي يوم سادس عشر من ذي القعدة1079سنة.




الإمام بلعرب بن سلطان

لا يخفى أن بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك بن بلعرب بن سلطان اليعربي، وبقية النسب قد مضت، لما مات الإمام سلطان خلف ولدين هما بلعرب متوجا بالشيم الطيبة والفضائل الجميلة، والأعمال الحسنة، رأى أن الدولة كاملة في جميع أحوالها لا غضاضة عليها في شيء ما أبدا، إلا أن ناحية العلم محتاجة إلى همم تستشيرها، وأعمال تقوم بها، ورعاية تحددها، وكان بني قصر جبرين قبل إمامته، ويقال إنه بناه من صلب ماله، فتم بناؤه قبل وفاة والده بسنتين، إنه ليعبر عن غنى مائل في عمان في ذلك الوقت، إذ بناه بملايين الملايين كما قيل، وخزن فيه لطوارئ الدهر مثل ما بناه به، وكان آية في روعة الصنعة، بحيث أصبح يضرب به المثل.
قال شكيب أرسلان، المعروف بأمير البيان، وهو من أكبر المؤرخين ومن المطلعين على أحوال الأمم قال، وهو يذكر الإمام سلطان: قد خلفه(ولده بلعرب)، وكان هذا محبا للعلم والعلماء، بنى مدرسة في يبرين، وجعل إقامته فيها، بل بنى، القصر المعروف الذي سبق كلامنا عنه، وكانت المدرسة في القصر، قال: وثار على بلعرب إخوة سيف ابن سلطان، قال: وعضد هؤلاء الفقهاء، أي انقسم الفقهاء بعضهم مع بلعرب يؤيده في أعماله، وبعضهم مع سيف يؤيده على أخيه، وقد أشرنا إلى هذا الحال، وأسبابه في كتابنا"العنوان"، قال شكيب: فانقسمت الرعية إلى قسمين متساويين، أولا ثم جعل حزب سيف يتقوى على حزب بلعرب، وكان هذا أي بلعرب سخيا جوادا مواسيا للفقراء، فلقبوه أبا العرب لكرمه، فلما طالت الفتنة بينه وبين أخيه، واضطرب حبله صاروا يلقبونه بلاء العرب. قلت: هذا لم نجده إلا عن أبي رزيق، ولعل شكيبا تلقاه عنه، وحاش أهل عمان أن يقولوا ذلك، اللهم إلا إن كان عن الجهال الذين لا يهتدون للحق، قال شكيب متمثلا بقول القائل:
والناس من يلق خيرا قائلون له***ما يشتهى ولأم المخطئ الهبل

أي من ساعدته الأقدار، فالناس معه على ما هو عليه، وإذا انقلب الزمان عليه كانوا أيضا كما قال النبهاني

والناس أعوان الكريم لذاته***وعم عليه إذا هوى أعوان

قال شكيب: وأخيرا استصفى سيف أكثر البلاد، ولم يبق لبلعرب إلا يبرين، وبينما أخوة إذ قبض فاستراح، واستراح بموته أخوة، وصفا الوقت لسيف أهـ.
وقال ابن رزيق وغيره من مؤرخي عمان، كصاحب كشف الغمة وغيره: وقعت بين الإمام بلعرب وأخيه سيف فتن عظيمة، وأصاب كثيرا من أهل عمان من فقائهم ومشايخهم أهل الورع والزهد والعلم عقوبات شديدة، إلى أن كادت تنفر نفوسهم قبل الحمام من أتباعهم السفهاء، واقتفاء آرائهم وقبولا كلمتهم، هذا أورده ابن رزيق وأخذه عنه الإمام السالمي رحمه الله، ولم يذكروا تلك الفتن التي يشيرون إليها ولا أسبابها، وهذا الكلام الذي ذكره ابن رزيق يحتاج إلى تحليل، فإنه ذكر أن تلك الفتن أصابت الفقهاء والعلماء وأهل الزهد والورع، وإن عقوبات كأنها جاءتهم من سيف بن سلطان، ولم يذكروا لنا شيئا منه مما يحسن السكوت عليه، وهذا من المشاكل. وأقول لولا قيام الإمام سلطان على أخيه، واستيلاء الحصون عنه وحصاره إياه في جبرين، حتى مات الإمام بلعرب في الحصار، لقلت هذا كذب لا أصل له، لأن أهل الفضل لا يفعلون ذلك، ولكن القيام على الإمام العادل المجمع على يصح ما لم يقترف ذنبا فيتوب منه، فإن تاب بقى في إمامته، وإن لم يتب وجب خلعه، ووجب الانتصاف منه إن ظلم مالا لأحد، وإن أصر على ما هو عليه وجب قتاله، ولم يذكروا في تاريخ الرجلين شيئا من ذلك، وربما كان احتمال الذي ذكرته في "العنوان" يليق بمقامهما والله أعلم.
وإنها لمصيبة كبرى لا بد لها من أثر يوما ما، فكان غير بعيد عنهما، وبذر الشر كالبذر يختفي في الأرض حتى ابتله المطر نبت فكذلك بذر الشر يختفي ثم يظهر بعد حين.
ولما رأى الإمام بلعرب هذه الأحوال التي تحيط به غير مراعية في حقه إلا ولا ذمة، خرج من نزوى كالمختبر للحال ماذا وراء ذلك، خرج من نزوى وتوجه ناحية الشمال متفقدا للأحوال، فلما رجع إلى نزوى منعه أهلها دخولها، وأظن أن المنع قرره أخوه سيف فلم يقدروا على خلافه، وإلا فما الموجب لمنعه ما كان جبارا ولا ظالما ولا فاسقا كان إماما رحيما بالمؤمنين سخيا بما لديه يقرب أهل العلم، ويحب أهل الخير أبهذا يمنع من دخول البلد، ولا موجب أن هذا الداء الدفين في الروح العمانية طرأ عليها ليقضي على إمامتها، إنا لله وإنا إليه راجعون، بعد الإياس توجه إلى جبرين مقره ووطنه وبيته الذي بناه من ماله كما قيل، وبعد استقراره بيبرين اجتمع أهل هؤلاء على البيعة لأخيه، وهو حي موجود، ولا يحتج عليه بشيء إنها لمن المصائب الفادحة.
قال ابن رزيق:"وكان كل واحد رضاه تقية".
قلت: هذا يدل أن البيعة كانت إجبارا وقهرا وهذا حرام في الدين، قال: فعاقب بعضهم عل عدم الدخول في العقد، قال: وخرج سيف على أخيه عليه كافة حصون عمان، وخاصم كل من كان لأخيه محبا ومساعدا.
قلت: وهذا أعظم قال: ولم يبق بيده إلا حصن يبرين قال: ووقعت بينهما حروب كثيرة، حتى قال بعض الناس لبلعرب هو بلاء العرب.
قلت: الذي قال شكيب أرسلان في تعليقه، قال وقال: بعضهم سيف جلاب، وبلعرب فصاب، لكثرة سفك الدماء التي كان سببها منهم.
قلت:لم أفهم معنى ذلك الكلام، وهو لا شك يرمز إلى شيء خفي، قال: وافترق الناس فيهما، فمنهم من يصوب بلعرب، ويقول سيف باغ على أخيه في خروجه عليه، ومنهم من يقول: إن سيف هو المحق والبطل.
قلت: عرفنا قول القائلين أن سيفا باغ على أخيه، وهو الظاهر لأنه لم تقم على بلعرب حجة توجب عزله أو الخروج عليه، ولم نعرف ما يحتجون به لسيف، وهذا عين الإشكال.
قال ابن رزيق: ثم إن سيفا جمع جيشا عظيما وبلعرب يؤمئذ بحصن يبرين، قال: فحصره حصرا شديدا حتى مات بلعرب في الحصار، وقيل إنه اشتد على بلعرب الحصار، وتعذر عليه الانتصار، توضأ وصلى ركعتين، وسأل الله ربه أن يميته وهو راض عنه، فاستجاب له دعاءه، فمات من ساعته.
قلت: هذا من الممكن ولكن من ذا الذي يطلع على ما بين بلعرب وربه اللهم إلا أن يكون عبيده وكان جاهرا بالدعاء، وأظن أن هذا أمر مظنون غير محقق، وإن تداوله المؤرخون، ولعلهم رأوه ميتا في مصلاه، وظنوا أنه قد دفن في نفس المكان الذي قبض فيه في مصلى أعده لخلوته في نفس القصر على جنب الفلج، فإنه الفلج في نفس القصر، وقد زرناه هناك رحمه الله ورضي عنه، لقد أدى واجبا كبيرا في الإسلام، حيث أحيى العلم وأكرم العلماء، وسوف يأتي الكلام على المدرسة المشار إليها إن شاء الله.
وكان الإمام السالمي رحمه الله يثبت خروج سيف بن سلطان على أخيه، إذ قال في تحفة الأعيان: ذكر خروج سيف بن سلطان على الإمام وحصاره له بيبرين، قال حميد بن محمد بن رزيق الشاعر المتأخر: لم يزل الإمام بلعرب تضرب به الأمثال في العدل والجود، حتى وقعت بينه وبين أخيه سيف فتن كثيرة، قال: وأصاب كثيرا من فقهاء أهل عمان، وأكابرها وأهل الورع والزهد عقوبات من سيف، وشد سيف على أخيه بلعرب الحرب، فخرج بلعرب من نزوى، وذكر القضية التي قدمناها بالحرف الواحد، إلى أن قال: وهو يذكر حصار سيف لأخيه بلعرب في حصن جبرين، قال فلما عجز عن ملاحمته أي عجز بلعرب على مقابلة سيف، اجتمع أكابر أهل عمان، فعقدوا الإمامة لأخيه سيف، قال: وكثير من أهل عمان دخل في البيعة تقية، لأن سيفا عاقبهم على عدم الرضا بإمامته، وخرج فأخذ حصون عمان كافة إلا حصن يبرين.
قلت: هذه إمامة قهرية ليست على أصول المسلمين ولا على نهجهم، إنما هي الغضب أشبه بإمامة معاوية ومن بعده. قال: فحصره أي في جبرين، وجعل يضرب الحصن بالمدافع، وكان عند بلعرب رجال مشهورون بالشجاعة، فكلما دنا جيش سيف بن سلطان من الحصن خرجوا له فكشفوه، وقتل في تلك الحرب من قوم سيف كثير، قال: ثم إن أكابر هؤلاء وهؤلاء اتفقوا على الكفاف عن الحرب، وقالوا: الرأي أن نغمد السيف عن بعضنا بعضا فإذا اقتتل سيف وأخوه بلعرب، وقتل أحدهما صاحبه صرنا رعية الباقي منهما وتبعا، والمعنى ما في استطاعتنا إلا ذلك، فإن الأمور مقهور بالقوة كأن الجو ليس لأهل العلم نظر أبدا إنما هي أشياء قهرية، سبحان الله المدبر المكون بحكمته.
قال: فإن أبيا عن المبارزة مكثت كل واحد منا في العسكر، فإذا طالت المدة على ذلك رجع كل واحد منا إلى وطنه، والظاهر ليس هذا في وسعهم بل تحت القهر من سيف بن سلطان، والقتال ليس لله، إنما هو لأجل الدنيا إنا إليه راجعون.
قال: فلما بلغ بلعرب خبر القوم، توضأ وصلى ركعتين لله، وسأل الله أن يميته، فلما فرغ من صلاته إلا وقد خر على البساط الذي صلى فيه ميتا، قال: فعند ذلك خرج بعض خدامه من الحصن، فأخبروا أخاه سيفا بوفاته، فاتهمهم وقال: قتلتموه قاتلكم الله، فحلفوا له أنه قد مات حتف أنفه، ثم خرج أصحابه من الحصن كافة ومضوا إلى أخيه بلعرب كما أخبرته عبيده عن خبر وفاته، قال: فمضى سيف إلى الحصن وغسل أخاه وكفنه وصلى عليه ودفنه الخ.
هذه قضية سيف بن سلطان وإنها لمن سيئات القضايا وإنها لتنذر بزوال هذا الملك من أيديهم عن قريب، فإن بذر الشر وحب الذات داء دفين يسلب الخير من أهله، ويبث الشر بينهم، ولذلك كان العهد غير بعيد المدى والله المستعان.


العلم حياة الأمة


كان الإمام بلعرب بن سلطان رحمه الله رأى أن العمانيين قد بلغوا شأوا بعيدا في الزعامة، وأضافوا إلى عمان ممالك عديدة، أصبحت تلبي دعوتهم وتجيب نداءهم، ولهم صوت عال في العلم يتقدم يوما فيوما إلا أن العلم قليل بالنسبة إلى اتساع الدولة، وعلو شأنها واتساع رقعتها، والأمل في المقبل سيرها قدما، فإن جيوشها عبر الأقاليم في آسيا شرقا وغربا، ولها نشاط محسوس، فمالت نفسه إلى نشر العلم في عمان كما ينبغي تبعا لقوله عز وجل: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ 43.
وكان من قدر الله أن زار عمان في هذه الأثناء أحد علماء الإباضية أهل المغرب، يقال له الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي من أهل جربه خاصة، فرأى أحوال عمان وتقدمها في العدة والعدد، واتصالها بالعالم الخارجي، ورأى جيوشها الضخمة، وجنودها الفخمة، وعساكرها المتحمسة،فسره ما رآه وابتهج بما رأى وسمع، وعلى كل حال إن المحب يسره تقدم أحبابه في الخير، ولكنه لاحظ معاهد العلم لا تقدم لها ولا نشاط فيها بالنسبة إلى نشاط الدولة، فكتب إلى بلعرب كتابا يدعوه فيه إلى الالتفات نحو الناحية العلمية، والحقيقة كل يدعو إلى ما يحب، والعلم هو الحياة رغم كل شيء ولا عز ولا شرف إلا بالعلم، ولا ترتقب إلا به.
وهذا أمر مجرب معقول في كل جيل، فكان الشيخ الجربي جاء في نصيحته بتحقيق لا ينكر، ومقال لا يستنكر، بل بين كل شيء يلزم في هذا المقام، وتحدث في كتابه عن كل لزام ونبه وأيقظ وبين وحرض، وما قصر في سبيل ما هو بصدده، وعلى كل حال إنما تنجح المقالة في المرء إذا صادفت هوى في الفؤاد.
كانت رغبة الإمام مائلة إلى نشر العلم والاعتناء به، فجاء الشيخ الجربي فقدح الزناد وحرك الفؤاد، وأبان المراد ووضع الصلاح والسداد، واستفرغ الوسع في النصح والإرشاد، فكانت دعوته في هذه مستجابة ونصيحته بالغة مبلغها من الإمام رحمه الله، فقام بواجبه واجتهد مبلغ طاقته، وأمر بالتعليم في جميع نواحي عمان، وخصص مدرسة جبرين بالرعاية، فدعا العلماء والمبتدئين والطلبة من العمانيين فقابلهم بالإكرام التام، ورعاهم بالإحسان والإنعام، وغذاهم بأطيب الطعام، لتطيب نفوسهم وتنشط الأفهام، وتنتبه القلوب وتتسابق الطلبة، وتتقدم في ميدان الجد والاجتهاد فكان لهم أبا رحيما وسيدا كريما. قال الإمام السالمي رحمه الله.


مدرسة جبرين وذكر بعض المتخرجين


كان الإمام بلعرب رحمه الله المحب للعلم بطبيعة الحال، ومن أحب شيء أكثر من ذكره، ولما جاء الشيخ المغربي الجربي رحمه الله وكتب للإمام المرضي رحمه الله تلك النصيحة الصادقة التي أثارت حفيظة الإمام ونشطته، فأقام المدرسة بالقصر خاصة، وعين الغرف العالية من القصر لها، وهي غرف فاخرة جميلة، ذات رونق بديع لها اتصال بالفلج الذي في بطن القصر، ولا يرى من فيها في حال دخوله وخروجه أحدا من عوائل القصر وخدمه، للهندسة التي يسرها الله لهذا الإمام الجليل في هذا القصر العظيم، فإنه من بدائع البناء الذي يحتار فيه الواصف، فكان الإمام معهم ليلا ونهارا، وكان له اعتناء عظيم بهم، فكانوا إليه من شتى النواحي كما يقل القائل:

فكانوا يقبلون على حماه***كأسراب الظباء رأت معينا

فقامت لهذه المدرسة كبكبة من رجال العلم والأدب ، وشاع لها ذكر، وابتهج بها العمانيون غاية الابتهاج، فأثمر غراسها الثمر الحلو الذي تحيا به البلاد والعباد.
قال الإمام رحمه الله: فيقال إنه خرج من هذه المدرسة التي في حصن جبرين خمسون عالما كلهم أهل اجتهاد. قال: وقد أكثر الناس الثناء على هذا الإمام. قلت: إن الذين تخرجوا من هذه المدرسة أكثر من خمسين عالما بلغوا درجة الاجتهاد، فما ظنك بغيرهم ممن هم دونهم، وما ظنك بالأدباء والشعراء الذين استنار قرائحهم بنور العلم، واتسعت مداركهم بقوة الفهم، وكيف لا يكونون كذلك وعواطف الإمام تربيتهم، ومراحمة حافة بهم، وعنايتهم شاملة لهم، والشجر إذا سقى طال واتسق وأثمر.
قال الإمام رحمة الله: فقيل أنه كان يخدمهم بنفسه هنالك، وكان يختار لهم العطورات المقوية للأذهان والأطعمة المولدة للحفظ اهتماما كليا من صميم القلب، قال ابن زريق، وهو يذكر حين جبرين ، قال: ونصب فيه مدرسة للعلماء والمتعلمين، قال: رغبهم يبذل المال وأكل الفواكه, فنالت العلم بكرمه الطلبة, فغدا من كان متعلما أي معه مبادئ علمية, فقيها أي اتسع أفق علمه, فصار في صف أهل العلم المنظور إليهم بأعين التوقير, وصار الطالب عالما.
قال: ومن كان أديبا أي له في الأدب صار شاعرا فحلا متصرفا في العربية, له فيها يد, فمن المتعلمين الذين صاروا بعد ذلك علماء جهابذة مثل الشيخ خلف بن سنان الغافري, والشيخ سعيد ابن محمد بن عبيدان وغيرهما كثير, قال: ومن جملة الذين تربوا بكرمه الشيخ راشد بن خميس الحبسي الضرير, وغيره. قلت: لم يذكر منهم الذين يستحقون الذكر علماء وأدبا وعبادا وزهادا وغيرهم وهذا من قصور التاريخ.
وتوفي الإمام بلعرب بن سلطان سنة1104أربع ومائة وألف أي في أول القرن الثاني عشر للهجرة.
قال الإمام رحمه الله وهو يذكر الإمام بلعرب قال: وقد أكثر الناس في الثناء على هذا الإمام, قال ورأيت في مدحه ديوانا حافلا محتويا على قصائد طنانة, بلغت من فنون البلاغة مبلغا عظيما, وعلى هوامشها تنبيهات على أنواع البديع في الأبيات, قال: وقد غاب عني هذا الديون فلم أره منذ زمان، وإنما رأيته أيام الصغر: وأحفظ من أوائل بعض القصائد أبياتا يسيرة، قال في أول قصيدة لامية:

لمى بوادي الدوح دور وأطلال*** سقتها غواد من ملث وآصال
وهمم في أرجائها الرعد برهة*** إذا ما انقضى وبل تعرض هطال

قال: وقال آخر في أول قصيدة لامية أيضا:
زم المطى فعقد الدمع محلول
وقال آخر:

الله أكبر جاء الفتح والظفر*** وأشرقت في الدياجي الأنجم الزهر
وأصبحت سبل الإسلام واضحة*** أعلامها واستقام السمع والبصر

قال: وغير ما أشرت إليه كثير وكلها مدائح في الإمام، قال: وللخلق شهود الله في أرضه، فمن أثنوا عليه خيرا كان أهلا للخير، ومن أثنوا عليه شرا كان أهلا للشر، الخ وذكر الإمام رحمه الله على أثر ذلك الشاعر الخاص الذي أخرجته تلك المدرسة، وهو راشد بن خميس بن جمعة بن أحمد الحبسي النزوي من جملة من تعلم في ظل هذا الإمام وصار من جملة من مدحه وأثنى عليه.
ذكر قصر جبرين

كان الإمام بلعرب بن سلطان قد بني قصر جبرين على ما قيل من صلب ماله في حياة والده، وتم بناؤه قبل موت والده بسنتين، هنا يعجب الإنسان وتأخذ الحيرة، بالمال الذي بنى به هذا القصر، أما لو كان بناء في حال إمامته لكان من المعقول أنه بناه بأموال الدولة، وذلك العهد الدولة نشيطة بالخراج الذي يأتيها من الممالك العديدة، حيث توسع نطاقها كما يعلم ذلك المؤرخون، أما كونه من ماله الخاص فمن أين هذا المال وأبوه حي ولم تعرف له تجارة؟ وأموال والده أموال الدولة، هذا من الإشكال الواضح الذي لا يستطاع إيضاحه، وكان هذا القصر كما موجود في غاية الروعة صنعة وضخامة وإبداعا، فإذا ألقى العاقل إليه نظرة يبقى حائرا في تصويره، والحال أنه من بدائع البناء، ومن مدهشات الأفكار في النظر الصحيح، فكان الإمام رحمه الله موضعا لجثته بعد مماته، إذ دفن فيه قرب النهر في مكان اتخذه الإمام مصلاه في خلوته، ولقد أطال الواصفون في وصفه، وأكثر الكاتبون القول فيه نظما ونثرا، وهو فوق الوصف.
وبالجملة هو دليل على عظة تلك الدولة وأشاع أيديها بالمال، ومعتبر لمن يأتي من نواح عديدة، وكم لآل يعرب في أيامهم تلك من عجائب، وإذا ذكرنا قلعة نزوى أو قصر الحزم أو الجيوش التي يخوض العالم في ستة وتسعين ألف عنان من الخيل، أو نظرنا إلى المدافع التي خلفتها تلك الدولة الطائرة الصيت، أو الأفلاج التي أجرتها بعمان، حتى هم صاحب الحزم أن يجعل عمان كجنتي مأرب، وأن يذهب الحاج من عمان بلا زاد إنها أحوال تسجل لعمان الشرف الباذخ، ولآل يعرب الهمم
التي تبهر عباقرة الرجال، وليتها طال عهدها على ذلك الوضع لكن الدهر يأبى إلا التقلب.
ولقد ضرب باليعاربة المثل لمن يأتي بعدهم، ولقد صدق القائل:

تلك آثارنا تدل علينا*** فانظروا بعدنا إلى الآثار

والله يؤتي ملكه من يشاء.


تقلب الأحوال بجبرين

اعلم أن جبرين بعد موت الإمام بلعرب تقلبت به الأحوال، وتوالت عليه من الدهر أعمال، ولعبت فيه أيام الدولة اليعربية نفسها رجال لترى الأيام الناس في تبادلها بينهم أعمالا يعتبر بها العاقل، لقد تعب فيه الإمام بلعرب رحمه الله فأنفق في بنائه ثلاثا وعشرين كرا، وخزن فيه لحوادث الدهر مثلها، وبعد موت بلعرب تولاه أخوه سيف بن سلطان، وبقى في يده عهدا ثم عاد عليه ولده أي ولد الإمام بلعرب، وهو يعرب ابن بلعرب، فوجد في الحصن تخريبا فأصلحه، فبلغ إصلاحه أربعين ألفا، وسبب التخريب الحرب التي دارت بين سيف وبلعرب.
وبعد ذلك افترق آل يعرب وتخاصموا فيما بينهم، وقام كل واحد يدعي الزعامة له، واستنصر بعضهم بخلف بن مبارك المعروف بالقصير بصيغة التصغير، يعد ما كانوا يريدون عمان، وهم أهل الحل والعقد، وتعلق بعضهم بمحمد بن ناصر الغافري بعد ما كانوا مرجع الغافري والهنائي، قال أمر حصن جبرين أن يقتعده محمد بن ناصر ليجعله ملجأه الذي يلجأ إليه، ومأواه الذي يأوي فيه.
وكان العقد في كل شهر بثلاثمائة محمدية، ولعله حيلة مدبرة، فكان من قدر الله أن قتل محمد بن ناصر في حيلة بصحار في حال خصامه لخلف بن محمد، فقبض ناصر بن محمد بن ناصر على حصن جبرين، وبقى في يده عهدا ثم تآمر عليه اليعاربة فقبضوا عليه أي ناصر بن محمد عند باب بادي في بلد بهلى، فلم يقتلوه إلا بتسليم الحصن، فرأى الموت بين عينيه، ففدى نفسه بتسليم الحصن لهم، وبقي في أيديهم.
وكان بنو غافر يضمرون لهم العداوة فكان بجادين سالم يتحين غفلة اليعاربة حتى أمكنته الفرصة فقبض هذا الحصن في حال غفلة اليعاربة، وعلى كل حال إن المأخوذ غافل والمطلوب مقهور يوما ما، ولما قبضه بجاد سلمه إلى ناصر بن محمد وعض عليه بالنواجذ، ثم إن بلعرب بن حمير بن سلطان وهو ابن أخي الإمام الباني مكنه الله من بجاد المذكور فقبض عليه.
وكان المذكور قاهرا لنزوى، فأودع بجاد السجن، ثم قتله في السجن بحصن نزوى، وعاد الحصن لآل يعرب وتمركزوا فيه، حتى عادت الأقدار لتنزعه منهم وتريهم ما يسوؤهم فأخذ هذا الحصن بنو غافر سنة ست وثلاثين ومائة وألف بعد موت الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض بثلاث عشر سنة، ولم يزل الحصن في يد بني غافر إلى سنة سبع وخمسين ومائة وألف، أي واحد وعشرين سنة، وهم يديرون الحيل لاسترداد إليهم فدخلوا في خادم لراشد بن حميد الغافري، وأدخلهم الحصن فتولوه، وبقي الخادم عند اليعاربة محترما، ولكن ماذا يكون من هذا الخادم الذي خان لآل يعرب، لابد يخون لغيرهم، ولا يطمئن إلى خائن إلا جاهل.
فبعد مضي ستة أشهر دخل الخادم الحصن بحيلة من العسكر القابضين له، وهم مطمئنون من الخادم لأنه كان معهم باطنا وظاهرا، فلما دخل أغلق الباب وأطلق الرصاص على العسكر فقتل منهم سبعة رجال، فاجتمعوا عليه وحصروه، وما يريد الخبيث؟ أيريد أن يكون سيد الحصن؟ فلم يقدروا عليه لأنهم لا يدرون أين هو، وإذا رأى أحدا منهم رماه ولكنهم أحرقوا الباب، وهجموا عليه بغير مبالاة، فلما أحس أنه مقتول أطلق النار على مخزون البارود، وكان مخزنا كبيرا يجمع أبهرا عديدة من البارود، فقام البارود كالرعد واشتعلت فيه نار عظيمة، فاحترق غالب الحصن، إذ ظلت النار تموج فيه كالبحر وطير قطعا كالسحاب.
وأخيرا تولاه آل يعرب وكان زعيمه محمد بن سليمان اليعربي، فقام عليه راشد بن حميد بن راشد بن ناصر بن محمد بن ناصر، وأحاط به هو وجماعته، وكانوا رهطا وكان زعيما مطاعا، فخرج منه محمد بن سليمان يوم سابع من شهر شعبان سنة تسع وخمسين ومائة ألف، وبقي آل يعرب في بهلى، فقام عليهم فيها فطردهم منها، وبقيت بهلى وجبرين في أيدي أولاد راشد بن حميد إلى أن أخرجهم منها الإمام عزان بن قيس رحمه الله.
ثم عاد إليهم عاد إليهم بعد انتهاء دولة الإمام المذكور، ثم أخرجهم منها الإمام سالم بن راشد الخروصي رحمه الله في عهده ولم تعد إليهم إلى اليوم، هذه أحوال جبرين التي تقلبت به أوردناها وإن خالفت أسلوب التاريخ للإفادة.




الحكم على جبرين البلد المعروف

لما تم الكلام على حصن جبرين لقصد البيان والتبيين، وجب الكلام على نفس البلد لما لها من التعلق بالمقام، قال الإمام رحمه الله، قال ذو الغبرا وهو الشيخ خميس بن راشد، والد الشيخ ماجد العبري في حصن جبرين: إنه يحتاج إلى حكم من أهل العلم، لأن أربابه تفرقوا، وقد خلت أمة بعد أمة، قال: وأما أموال يبرين فقد سمعت عن كثير من الناس أنهم لم يأكلوا منها، وقالوا: إنها حرام. قال: وينبغي لمن حرم شيئا أن يأتي فيه بحجة صحيحة، وكل آية لها تفسير، وكل مسألة لها جواب.
وقال في كلام قبل هذا قلت لصاحبي: هل عندك صحة في جبرين وما قالوا فيه؟ فقال أما الماء والأموال والمراد بالماء هو ما تسقي به النخل والشجر والحروث من زرع وغيره، والمراد بالمال هو الحدائق ذات النخل والشجر عرفا عمانيا عاما شائعا إطلاقا قال: فالأكثر آل إلى الشيخ ناصر بن محمد الغافري، وشيء منها آل إليه بالإرث.
قال: وسمعت هذا من محمد بن عدي بن محمد العبري وسعيد بن سليمان الزرعي، قال: وقد رفعا عن اللذين يثقون بهم في زمانهم الذين أكبر منهم سنا وأرجح عقلا، وقالوا: إن الشيخ ناصر بن محمد أشهدهم وأمرهم بالكتابة بالكثير من الأموال في وصيته، وطلق نساءه بحضرتهم، وأشهدهم بذلكم، وأمرهم أن يكتبوا الماء والمال الذي
آل إليه بالإرث والشراء من آل يعرب من يبرين لبيت المال، فلما مات الشيخ ناصر بم محمد شهد هؤلاء بذلك.
قام: والمال الذي خلفه ناصر لم يقسم على ورثته، قال: وأما حصن يبرين فلم يصح فيه بيع ولا هبة من آل يعرب إلى يومنا .أهـ كلام ذي الغبرا والله أعلم.
قلت: أما اليوم وقد انقرض آل يعرب ولم يعد فيه مطالب بحق فقد صار مجهول الأرباب، وكل مجهول الأرباب يرجع أمره إلى الإمام عند وجوده، وقد قبض الإمام الخليلي رحمه الله في زماننا هذا بواسطة عاملة على بهلى، وهو الشيخ عبدالله بن محمد الريامي المعروف بأبي زيد، وأخرج منه قاضية وهم عائلة الشيخ ناصر بن حميد العطابي، لكنا لا ندري على أي طريق كان قبضه، هل هو خوف الافتتان عليه؟ أم خوف باغ يتمركز فيه؟ وقد بلغنا أن الشيخ أبا زيد أصلح فيه كثيرا من التخريب من بيت المسلمين، وهو علامة جليل من خيار المسلمين أهـ والأمر لله عز وجل.













أدب الإمام بلعرب بن سلطان

كان الإمام بلعرب من الأدباء الذين يقولون الشعر، ومن شعره المعروف يقول:

إذا ما دعتك النفس يوما لريبة*** فعاص على حال هواها وخالف
ولا تتبع ما مدة العمر إنما*** إتباع هواها قائد للمتآلف
وجانب هواها ما استطعت فإنها*** مجانبة الأهواء حرفة عارف
وخف من إله العرش شدة بطشه*** لعلك تنجو يوم نشر المصاحف

وله أيضا رحمه الله:

ولما بلوت الناس لم أر صاحبا*** أخافته في النائبات العظائم
وأبصرت فيهم في رخاء وشدة*** فلم أر منهم غير كسب الدراهم
فإن كنت ذا يسر فحولك أنهم*** مماليك أو عسر كأضغاث حالم
وثقت بمن أحيا العظام رميمة *** وأنشأها خلقا لطيف المناسم



إمامة الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض

لا يخفى أن سيف بن سلطان تولى الأمر على أخيه الإمام بلعرب بن سلطان، وقهر أكثرية أهل عمان بالعنف، وإطاعة أكثر الناس تقية كما علمت ذلك مما سبق من الحديث الذي قدمناه في الكلام على الإمام بلعرب، وقد احتملنا في "العنوان" والغيب لله عز وجل.
قال الإمام السالمي رحمه الله: واجتمع أكثر أهل عمان وعقدوا الإمامة لأخيه سيف، قال: وأحسب بعضهم دخل في الأمر تقية، وأحسب أن بعضا عوقب بتركه الدخول في العقد، قال: خرج سيف على أخيه وأخذ كافة حصون عمان، ولم يبق إلا حصن جبرين، قال: فسار إليه سيف بنفسه وحاصره فوقع بينهم الحرب حتى مات بلعرب في الحصار، فطلب أصحابه الأمان ليخرجوا من الحصن،فأمنهم سيف فخرجوا من الحصن.
قال: وأحسب أن بعضا من أهل العلم لم يزالوا متمسكين بإمامة بلعرب حتى مات، ويرون أن سيف بن سلطان باغ على أخيه، قال: واستولى على حصون عمان وضبط الممالك وأحسن السيرة وأنصف الرعية، وهابته القبائل، قال: وتسمى بالإمامة.
قلت: كيف لا يتسمى وقد تقدم أن أكثر أهل عمان اجتمعوا وعقدوا عليه بها، فهو بهذا إمام، وقولهم أن بعضا دخل في الأمر تقية لا يخل بعقد الإمامة إذا كان أهل الحل والعقد هم الذين عقدوا، فمن حاول لشغب وجب عقابه، وقولهم خرج على أخيه باغيا لا نعلم عذره في ذلك، فيجب السكوت فإنه سيأتي أنهم اجتمعوا للنظر في إمامته واتفقوا أنه صحيح الإمامة.
قال الإمام: ولقب بقيد الأرض لضبطه الممالك وتقيده البلاد بعدله، ولم يعب عليه أحد من سيرته شيء إلا ما كان منه في أول أمره من خروجه على أخيه الإمام العادل.
قال الإمام: وسمعت شيخنا محمد بن مسعود يذكر أنه وجد أن العلماء جلسوا يوما في مجلس يتذاكرون إمامة قيد الأرض، فقاموا على أنه صحيح الإمامة، قال: ولعل ذلك بعد تتويبة من خروجه على أخيه وتجديد العقد عليه بعد موت أخيه، وإلا فالعقد الأول غير صحيح.
قلت: لم يبينوا العلماء الذين عقدوا عليه الإمامة، ولم يعينوا الذين اجتمعوا للنظر في إمامته، ولم يوضحوا وجه صحة إمامته.
وخلاصة الأمر هم المبتلون بما هنالك والله المعين، قال: والخروج أي على الإمام العدل غير جائز.
قلت: ومن ذا الذي يقدر على تتويب قيد الأرض، وقد دخل الأكثر في إمامته تقية.
قال الإمام: وباب التوبة مفتوح، قال: ولم يزل على حسن السيرة وسياسة المملكة أهـ . لقد رفع سيف بن سلطان رأسه ينظر إلى العالم الخارجي ليمد سلطان المسلمين فيه، وينشر العدل في نواحيه، وكان توفيق الله حليفه، وكانت له همة عالية كما يقول القائل:

ألا يا شيخنا الكندي *** أعنك مثل ما عندي
فعندي للعلى همم*** تفوق النجم في البعد

والحقيقة الرجال بهممها وعلى قدر همة الإنسان تكون أعماله، وفي الحديث عن النبي : الأرزاق على قدر الهمم. وناهيك"بقيد الأرض" لم يضعوا له هذا اللقب عبثا، إنه لقب كبير يدل على أمر خطير تجلى ذلك الأمر في أعمال هذا الشخص الفذ الذي هز الأفق الشرقي من إفريقيا الشرقية، كما سوف تقف على شيء منه إن شاء الله.
قال شكيب أرسلان في التعليق على حاضر العالم الإسلامي. واجتاح أسطول سيف جزيرة سلريت بقرب بنباي الهند، وكذلك " مدينتا بارسالور ومانغالور" ، قال: ولم يقدر راجاكارناتيك في داخلية الهند، قال: وكان سيف حكيما مدبرا محبا للعمران، بصيرا بالإصلاح، فانتظم بإدارته جمهور المرافق المصالح، والتأم بنفاذه شمل المعاون والمناصح.
قلت: نعم لأن دين الرعية من دين ملوكها، وإذا كان الملك صالحا كانت الأمة كلها صالحة، قال: وهو الذي شرع في بلاده بحفر قنا المياه تحت الأرض.
قلت: هذا غلطة به ذلك للعمانيين من قديم، وإنما قام هو بنوع من مثله. قال: ويسمون ذلك في عمان فلجا. قال: والفلج بفتحتين النهر الصغير، وأما بضمتين الساقبة التي تجري إلى البستان. قال: ففاضت الخيرات بهذه القنا ، وترقت الزراعة ترقيا بالغا. قال: واعتفى سيف بمدينة الرستاق، واعتنى أيضا بغراس النخيل، واستجاب أصنافه وبلغ في ذلك غاية الاعتزام والالتزام، وصار ذا ثروة طائلة ونعمة لا تحصى، قيل إنه كان يملك ثلث نخيل عمان، قال: وكانت حاضرته الرستاق.
وتوفي بها يوم ثالث رمضان سنة1123 هذا كلام رجل أجنبي بعيد عن عمان، يتحدث عن عمان بصفتها بلاد عربية فهو يفتخر بها ويعتز بالحديث عنها.


فهرس الكتاب

الموضوع

الصفحة

إمامة الإمام الخليل بن شاذان
5
المسلمون يأتمرون بعد رجوع الخليل إلى عمان
19
وفاة الإمام الخليل بن شاذان رحمه الله
21
إمامة الإمام راشد بن سعيد اليحمدي
22
الإمام راشد بن سعيد يقضي بفصل قضية موسى بن موسى وراشد ابن النضر والصلت بن مالك
40
إمامة الإمام حفص بن الإمام راشد بن سعيد
46
إمامة راشد بن علي من أئمة الطائفة النزوانية
57
خروج الأعيان على الإمام راشد بن علي
59
إمامة الإمام عامر بن راشد بن الوليد الخروصي رحمه الله
75
إمامة الإمام محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي
77
إمامة الإمام الخليل بن عبد الله بن عمر الخليلي
80
إمامة محمد لن أبي غسان
82
الإمام محمد بن أبي غسان يشن حربا على أهل عقر نزوى
83
الملك محمد بن مالك
84
إمامة موسى بن أبي المعالي بن نجاد بن موسى
86
الصراع بين الملك محمد بن مالك والإمام موسى بن أبي المعالي
87
أعيان المقتولين في هذه الواقعة
89
إمامة خنبش بن محمد بن هشام
91
إمامة محمد بن خنبش بن محمد بن هشام
92
الملوك النباهنة ودورهم
93
تسلط النباهنة
94
أول ملوك بني نبهان
95
كهلان بن نبهان وأخوه عمر بن نبهان
99
عمر بن نبهان وأهل شيراز في عمان
101
كهلان بن عمرو آل الريس في عمان
102
خردلة بن سماعة بن محسن في سمائل
103
إمامة الحواري بن مالك في العهد النبهاني
104
إمامة مالك بن الحواري في العهد النبهاني
105
إمامة أبي الحسن بن خميس بن عامر في العهد النبهاني
106
إمامة عمر بن الخطاب في العهد النبهاني
107
صفة الحكم في أموال بني نبهان
110
إمامة الإمام محمد بن سليمان بن احمد
116
إمامة عمر الشريف
117
إمامة أحمد بن عمر بن محمد الزنجي
118
إمامة الإمام أبي الحسن بن عبد السلام
119
إمامة الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري
120
صفة الحكم في أموال بني رواحة
122
صفة الحكم في بيع الخيار
124
العلماء يجتمعون لمراجعة آثار المسلمين في هذا الصدد
126
الأحداث المعدودة على الإمام بن إسماعيل
131
الإمام بركات بن محمد إسماعيل
135
إمامة عمر بن القاسم الفضيلي
136
إمامة عبدالله بن محمد القرن
137
تفرق ملك عمان إلى رؤساء متعددين
139
ذكر ملوك النباهنة المتأخرين
141
الإمام سلطان بن محسن بن سليمان وأولاده الثلاثة
142
فلاح بن محسن بن سليمان
143
عرار بن فلاح
148
العجم يهاجمون صحار
149
سليمان بن مظفر وأعماله الغاشمة
150
الصراع بين عمر بن حمير النبهاني أمير سمائل والسلطان بن مظفر
153
التهارش بين أبناء العم من النباهنة
158
صحار تتعرض للدمار
163
البرتغال يواصلون عملهم
165
التفرق عنوان الوهن
169
مقدمة العهد اليعربي بعمان
172
مشاهير دولة الإمام نصر بن مرشد
175
الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله
177
الافتراق داعي الخذلان
179
ذكر مؤهلات الإمام ناصر بن مرشد لهذا المنصب العالي
180
العلماء الذين اجتمعوا على البيعة لهذا الإمام
181
االزحف على نخل
184
النفاق يثير الشقاق ويدعو إلى الافتراق
188
الظاهرة تظهر داءها
189
الإمام يعهد إلى ولاته بفتح باقي حصون الظاهرة
191
مانع بن سنان العميري ثعلب سمائل
193
الإمام ناصر بن مرشد يجدد حصر سمائل
195
حرب مقنيات
196
البغاة يتجمعون لحرب الإمام
197
سرية لبلادسيت
199
الإمام يزحف بنفسه على ينقل
200
سرية إلى سمائل عمان
201
السرية الكبرى إلى مسقط
203
السرية الثانية لفتح جلفار
205
الإمام والمسلمون يعالجون أمر صحار
206
فتح صور
208
الزحف على قريات
209
حرب الطاغية ناصر بن قطن
210
سرية يرأسها سعيد بن جلفار لقبض إبل ناصر بن قطن
213
سرية تقع في مثل ما وقعت فيه الأولى بموضع الخروس
215
وفاة الإمام ناصر بن مرشد
217
ثناء العلماء على الإمام الأرشد بن ناصر بن مرشد
217
عهود الإمام ناصر بن مرشد لولاته وعماله
220
خطبة الإمام ناصر بن مرشد في صلاة الجمعة
221
إمامة الإمام سلطان بن سيف
223
أخلاق الإمام سلطان
230
أعمال الإمام سلطان في عمان
231
مسقط في العهد البرتغالي
233
الضغط يسبب الانفجار
236
الحق تحت ظلال السيوف
239
ظفار قطعة من عمان
240
معارك الجيوش العمانية للإفرنج
245
الإمام بلعرب بن سلطان
247
العلم حياة الأمة
253
مدرسة جبرين ذكر بعض المتخرجين
255
ذكر قصر جبرين
258
تقلب الأحوال بجبرين
260
الحكم على جبرين البلد المعروف
263
أدب الإمام بلعرب بن سلطان
265
إمامة الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض
266