jpg^%^@~@~@~@~@~@~وزارة التراث والثقافة@~مسقط@~1985@~1@~212@~17@~@~277.3@~@~الزكاة***^%^^%^zip@#$
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة




بيانُ الشَّرع

تأليف
العالم محمد بن إبراهيم الكندي



الجزء السابع عشر


1405-1985م





الباب الأول
في الزكاة من كتاب أبي جابر

قال الله تبارك وتعالى: أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ (البقرة، 43)، وأوجب لأهلها جنته ورضاه، وأنه من الله، وفكرة ورحمة خص بها أهل البصر، لعبد لم يكن شيئا فكونه الله خلقا حيا، ثم أعطاه من رزقه جزيلا وفضله على كثير من خلقه تفضيلا، ثم اختبره بالزكاة فاستقرضه جزءا من أجزاءه كثيرة مما أعطاه، فالشقي من كفر، وتولى على الله إذا أمر، ولم يستح من الله حين اختبره، فلا دنيا له ولا آخرة، ولا له إلا النار المسعرة، وقل عن ابن عباس في قول الله تبارك وتعالى: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً (البقرة، 245). قال ألف ألف حسنة وزيادة.
وقال الله تبارك وتعالى: وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (الروم، 39). قال: يعني يضاعف بالواحد من عشرة إلى سبعمائة فصاعدا، والصدقة فكاك من النار، وغسل من الخطايا.
قيل: وكان بعضهم يقول إذا جاء المسكين قال: جاء الغسال. وقيل: مثل الصدقة مثل الرجل طلب بدم فأخذه أولياء المقتول، فلم يزل يعطي من قليل وكثير حتى عتق. وقال الله تعالى: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة، 195)، الله يقول لا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا.
وقال بعض: ولا تمسكوا عن الجهاد فتهلكوا.
ومن غيره: وقال أبو عبد الله –رحمه الله-: هو العبد يرتكب الذنب الصغير والكبير فيتمادى في المعصية، ولا يجعل التوبة فيوقعه ذلك فيما هو أعظم مما ارتكب شبه الإياس والقنوط، فنهى عن ذلك.
(رجع). وقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة، 34). قيل: من كان له مال فوق الأرض أو في باطنها تجب فيه الزكاة، فلم يؤد زكاته، ولا حق الله فيه فهو الكنز، وقوله: فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (الليل، 5- 7) قيل هو أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- اشترى تسعة نفر من المسلمين، كان كفار مكة يعذبونهم ليردوهم إلى الشرك. منهم بلال بلال بن رباح مؤذن رسول الله ، اشتراهم أبو بكر وأعتقهم، وقيل الذي بخل واستغنى وكذب بالحسنى، أبو سفيان بن حرب بخل بالمال في حق الله، واستغنى عن الله وكذب، أبعده الله، وفي -نسخة- بعّده الله. وقال الله تعالى: وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (البقرة، 267) يعني في الصدقة، ولا تغمضوا إلى الردي. وقال: وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ (البقرة، 267). يعني لو كان الحق لأحدكم على آخر لم يأخذه إلا أن يحمل على نفسه، وقيل: إن النبي لما حضره الموت قال: «الصلاة والزكاة وما ملكت اليمين الصلاة والزكاة وما ملكت اليمين»، ثم قال: «يا ذا العرش هل بلغت» فلم يتكلم بعدها حتى خرج من الدنيا، وقد سمى الله أهل الصدقات، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة، 60). ففي التفسير أن الفقراء فقراء المسلمين الذين لا يسألون الناس، والمساكين الذين يسألون الناس، والعاملين عليها الذين يجبون الصدقات، والمؤلفة قلوبهم قيل اثنا عشر رجلا من قادة العرب دخلوا في الإسلام كرها، منهم أبو سفيان بن حرب، وكان النبي يعطيهم من الصدقة ليتألفهم على الإسلام، وقد انقطع حق المؤلفة اليوم، إلا أن ينزل قوم بمنزلة أولئك فإذا أسلموا أعطوا من الصدقة ليتألفوا على ذلك، ويكونوا دعاة إلى الإسلام، وفي الرقاب وهم المكاتبون، والغارمون وهو الرجل يلزمه غرم في غير فساد.
وقال غيره: في غير الديات وما كان من غير الديات فهو من الغارمين، إذا لزمه غير ذلك، وفي سبيل الله يعني الجهاد، وابن السبيل وهو المسافر، وفي –نسخة- وهو المسافر غني أو فقير، فهذه ثمانية أسهم، فذهب سهم المؤلفة، والمساكين وهو الفقراء لهم سهم واحد.
ومن غيره: ويوجد أيضا هم الفقراء الذين ينبت لحمهم على المسكنة والفقر.
(رجــــع)
وبقي ستة أسهم، فإن كان إمام عدل، فالرأي فيها إليه يعطي العاملين عليها ما يستحقون عنده من ذلك، وتقسم صدقة كل موضع، وكل قرية على فقراء تلك القرية، وقد قيل لا يخرج منها شيء إلى غيرها، إلا عن فضل عنهم، يعطيهم ما يكفيهم من طعامهم وكسوتهم، إلى مثلها من قابل إن كان في المال سعة، فإن فضل بعد ذلك شيء أخرجه أقرب القرى إليها، فقسمه في فقرائهم، وإن لم يكن في المال سعة قسم ما وجد، ويفضل الضعيف والعجوز، وذا العيال وأهل الفضل في الإسلام.
ومن كان من أهل الصدقة غائبا في حج أو عمرة، فإنه يرفع له نصيبه حتى يقدم، وإن لم يحضر الإمام أخذ من أهل تلك السهام، ولم يكونوا مثل العاملين أو الغارمين وابن السبيل، كانت صدقة للفقراء والمساكين، وإن كان أحد من أولئك أعطاهم الإمام على ما يرى وذلك إليه، فإن قسم الإمام شيئا من الصدقة على الفقراء، وأبقى الباقي عنده لمن طلب إليه من أهل هذه السهام، ولما يحتاج أن يقوي به أمر الدعوة والإسلام، وينفقه على من يقوم بمجاهدة العدو والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فذلك جائز، وقد فعل المسلمون ذلك وأخرجوا للفقراء الثلث من الصدقات، وقسموها عليهم، والثلثان يقبضه للإمام، وإن احتاج الإمام أيضا إلى الصدقة كلها لمجاهدة العدو وعز الدولة فذلك واسع له، وقد جعل الصدقة في وجهها، وإن لم يكن إمام وكان صاحب الصدقة هو الذي يريد إنفاذها إلى أهلها، فمن أعطاها من أهل هذه السهام فقد برئ منها، وأحب أن تتجزأ بها للفقراء.
(رجــــع)
وقد قيل كل نفقة في غير حق الله فهي تبذير، وإن قلت، وقيل لا يعطى من الصدقة في دين الميت، ولا في كفن ميت، ولا بناء مسجد، ولا شراء مصحف، ولا في حج، ولا المملوك، ولا لغني مسافر، ولا لمن يعوله الغني من أولاده الصغار ولا زوجته، ولا يستأجر من الصدقة في إنفاذها إلى أهلها، والمعنى عندنا في ذلك أنه لا يفعل ذلك الذي هي عليه إذا أخرجها؛ لأن عليه أن يصل بها إلى أهلها تامة.
مسألة: قال أبو سعيد –رحمه الله-: لا يشتري من الزكاة أصلا ولا يحج منها، إلا ذو غنى أو ذو عنا، قال: ذو الغنى الفقيه الذي به الغنى في أمور المسلمين، وذو العنا الذي له العنا في قبض الصدقة، وقد قيل عن بعض: إنما ذلك أيام الدولة، وقل غير ذلك في كل وقت.
مسألة: وقال فيمن تلزمه زكاة فيخلطها في شيء من ماله، ثم يعطيها الفقراء، إنه يجوز له ذلك، إذا كان فقيرا، ويسلمها على وجه ما يجوز له، ولو لم يعلمه إنها من الزكاة.


الباب الثاني
فيمن لا يخرج الزكاة
على نسق مسائل غير أبي عبد الله محمد بن روح، وعمن علم بقرين أو غير قرين أو شريك أو غير شريك، أنه لا يخرج الزكاة تغافلا منه لها. فاعلم أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وليس على من علم ذلك إلا ما يلزمه في الإنكار والنصيحة، وليس له أن ينكر على الناس ما يسعهم في دينهم، إلا أن يعلم أنهم قد خرجوا من السعة إلى الضيق، ومن الضيق في ذلك إلا يدين بالزكاة، ومن السعة في ذلك أن يدين بالزكاة، ويتأمل إخراجها، ولا يتم أمل ولا عمل لأحد إلا بفضل الله وعفوه.
مسألة: ومن غيره، وعن رجل عليه زكاة فطلبها إليه المسلمون، قال: نعم ثم تربص في ذلك سنة ثم مات ولم يوص، فإن كان مات مطلق اللسان، فأهون ما يكون من أمره الوقوف عنه، ومن كان ممن يقر بالزكاة ويدين بها، غير أنه بلي بالتواني، فمات ممسك اللسان أو مفاجأة أخذت الزكاة من ماله، ولم يبلغ به إلى أن يحول عن ولايته التي كانت له من قبل.
مسألة: وعن رجل وكّل رجلا في ماله وأمره، أن لا يخرج زكاته، وأمره أن يتركها في جملة الطعام أو الدراهم. أيجوز له أن يدخل فيه على هذا؟ فإذا كان الوكيل يعلم أن الذي وكله لا يخرج الزكاة وأمره أن يتركها في جملة الطعام أو الدراهم، فلا يدخل له في هذه الوكالة، وقد قيل عن بعض الفقهاء: قبح الله مالا لا يزكى، وقبح أهله.
مسألة: ويوجد في الرواية أنه قال: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا لخائن، أو يكون أمينه خائنا. قال غيره: ويوجد وقيل من كان له مال تجب عليه فيه الزكاة، فلم يكن يؤدي الزكاة حتى افتقر، فله أن يأخذ من الزكاة ويؤدي ما لزمه من الزكاة التي قد لزمته. قال: وقد يوجد في بعض قولهم إنه إذا كان المرء مسرفا على نفسه، ويتلف زكاته، ويضيع حقوق الله، ثم تاب من بعد ذلك، أنه لا يلزمه ضمان من حقوق الله، ويرجى له أن يعفو الله عنه، ولو كان يقدر على أداء ذلك عنه بعد التوبة.
قال غيره: يعجبني أنه إذا كان قادرا على أداء ذلك أن يؤديه، وإن عجز عن أدائه فالعاجز معذور، والله أعلم فينظر في ذلك.
من -كتاب أبي جابر-: ومن أقر بالإسلام وأنكر أنه لا زكاة عليه، ودان بذلك ثم تاب، فإن عليه الزكاة لما مضى؛ لأنه مقر بالجملة.
مسألة: ومن ضيع الزكاة حتى هلك، وأوصى بها كانت مع الوصايا في ثلث ماله، وهو على ولايته.
مسألة: ومن جحد الزكاة أقيم عليه الحجة لله، فإن تاب قبل، وإن قاتل قتل، وكذلك إن أقر بالزكاة وكره أن يعطيها احتج عليه، فإن امتنع أن يعطيها قتل. وقول إذا أقر بالزكاة ولم يقاتل غير أنه منع الزكاة، فلا يقتل ولكن يحبس حتى يؤدي الزكاة.
مسألة: اختلف فيمن علم أنه لا يخرج الزكاة، فقول: لا يجوز بيع ثمرة ماله الذي تجب فيه الزكاة، وإنما يجوز منعه أعشارها. وقول: يفسد البيع كله؛ لأنه مشترى في صفقة واحدة. وقول: إنه بيع فيه عيب إن أتمه المشتري تم، وإلا انتقض. وقول: إنه جائز وللمصدق الخيار إن شاء أخذ من الثمن والثمرة. وقول: يجوز بقدر الحلال.
مسألة: وقيل في امرأة كان لها دراهم على رجل يجب فيها الزكاة، فلما وجبت الزكاة صيرت الدراهم لولدين لها يتيمين أو غيرهما؟ قال: إنها ضامنة للزكاة في مالها، فإن ماتت المرأة، أو أفلست ولم يقدر لها على شيء والدراهم قائمة، فأحب أن تؤخذ الزكاة منها؛ لأن تلك الزكاة قد كانت وجبت، لم يكن لها أن تضيعها، وإن كانت صيرت ذلك بحق صيرته إليه، رجع عليها بمثل ما أخذت من الزكاة.


الباب الثالث
في الزكاة على من تجب من الناس
ومن جامع أبي محمد: الزكاة تجب في مال كل مسلم بالغ، أو كان غير بالغ، مغلوبا على عقله أو عاقل، لقول رسول الله : «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم». فإن قال قائل: إن الخطاب لا يقع إلا على عاقل بالغ، فكيف تكون الزكاة واجبة على من لا يلحقه بالمخاطبة؟ قيل له: الزكاة فيها معنيان، أحدهما حق يجب للفقراء، والآخر حق يجب على الأغنياء، فمن زال عنه الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال الغرض عنه مبطلا لما وجب لغيره في ماله، فإن قال: فقد قال الله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا (التوبة، 103). والطفل لا يطهره أخذ ماله، قيل له: هذا شيء لا يوصل إلى علمه، وقد يجوز أن ينفع الله الطفل إذا بلغ بما أخرج الإمام، والوصي المتولي له من ماله قبل بلوغه. والدليل على ذلك ما وري أن امرأة أخذت بعضد صبي فرفعته إلى النبي فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». وبعد فإنا لم نقل إن الزكاة كلها وجبت بآية واحدة فنحمل الخلق على حكمها. قال الله جل ذكره: وأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ (البقرة، 43)، فلا يدخل في هذا الخطاب إلا عاقل بالغ الحلم. وقال: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا (التوبة، 103) فلا يدخل في هذه الآية إلا من أخذها طهارة منه. وقال النبي : «أمرت أن آخذها من أغنيائكم» فكل من وقع عليه اسم الغني من المسلمين صغيرا أو كبيرا، عاقلا كان أو مجنونا، فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله، والمشرك لا يدخل في هذه الجملة؛ لأن الكاف والميم من قوله: أمرت أن آخذ الزكاة من أغنيائكم، راجعة على المسلمين بذلك. على أن النبي أمر معاذ أن يقول لهم هذا بعد أن يقروا بأن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والله أعلم وبه التوفيق، وأما من شبه الصلاة بالزكاة فغلط؛ لأن الصلاة عمل على البدن، ليس لأحد فيه حق، والزكاة دين يقوم في ماله، ويخرجها هو ويخرجها غيره بأمره، ويخرجها الإمام إلى أهلها إذا غاب أو منعها بغير رأيه؛ لأن الإمام حاكم يحكم بما يثبت عنده من حق على الغائب والحاضر والممتنع، والله أعلم.
ومن -الكتاب-: وكان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة وابن عمر والشعبي وعطا ومالك والشافعي وداود، يوجبون الزكاة في مال اليتيم، وأما ابن عباس وغيره من الصحابة فالرواية عنهم وعنه أنهم قالوا: لا تجب الزكاة في مال اليتيم حتى تجب عليه الصلاة، وأما أبو حنيفة فلم يوجب في مال اليتيم الزكاة وأوجب عليه زكاة رمضان، والزكاة في اللغة مأخوذة من الزكاء وهو النماء والزيادة، وسميت بذلك لأنها تنمي المال، ومنه: يقال زكا الزرع وزكت البقعة إذا بورك فيها، ومنه قول الله تعالى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً <ح>(1) (الكهف، 74) وزاكية، أي نامية وزايدة. ومنه تزكية القاضي للشهود؛ لأنه رفعهم بالتعديل <ح>
(1) والذكر والجميل. ويقال: فلان أزكى من فلان، أي أطهر، ثم قيل زكاة الفطرة، فالفطرة الخلقة في هذا الموضع، ومنه قول الله تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (الروم، 30) أي الخلقة الجبلة التي جبل الناس عليها.
ومن –الكتاب-: ولا تجب الزكاة إلى على مخاطب بها من أهل الإسلام، لقول النبي لمعاذ لما بعثه إلى اليمن، فقال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله فرض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم». فبين النبي بها إلى أن الزكاة إنما خوطب بها من استحق اسم الإيمان.
ومن -الكتاب-: والزكاة في مال اليتيم واجبة، لما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعائشة، واختلفت الرواية عن علي بن أبي طالب في ذلك، أنهم قالوا: إن الزكاة في مال اليتيم واجبة، فإن قال قائل: فإن الزكاة خوطب بها من خوطب بالصلاة، فلا تجب إلا على من تجب عليه الصلاة، واليتيم لا صلاة عليه، وكذلك إذا أنكرتم أن لا تجب الزكاة عليه، يقال له لما قال النبي : «أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم» فكان فيمن يرجع إليه الصغار والكبار، فكذلك يجب أن تؤخذ من الأغنياء صغارا كانوا أو كبارا، يدل على ذلك ما روي عن عائشة: كانت تخرج عن أولاد أخيها بحق ولايتها عليهم.
ومن -الكتاب-: وثمار أموال أولاد المسلمين فيها الزكاة لإجماع الناس، والاختلاف في سوى ذلك، وإنما روي عن علي بن أبي طالب كان يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع مولى النبي ، وهم أيتام. فقال أهل الكوفة: يحتمل أن يكون زكاة حرث، ويحتمل أن يكون زكاة عين أو ماشية، وإذا احتمل هذا وذاك لم يكن حجة علينا في إسقاط الزكاة من مال الأيتام؛ لأنهم غير مخاطبين، وقالوا: وعلي بن أبي طالب هو الرافع للخبر عن النبي : في «رفع القلم عن الثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» وقد كان من قول علي: إن الماعون الذي توعد الله على مانعه بالويل هو الزكاة. قالوا: فقد علمنا أن الصبي ممن لا يتوجه إليه الوعيد، فالحجة عليهم بأن الخبر ورد بأن عليا كان يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع، فالمدعي لتخصيص الخبر عليه إقامة الدليل، والخبر إذا ورد فالواجب إجراؤه على عمومه، ولا يخص إلا بحجة، وأيضا فلو كان ما احتجوا به من قول النبي من رفع القلم عن الصبي يسقط الزكاة من ماله، مع قوله : « أمرت أن آخذها من أغنيائكم». فالصبي إذا كان ذا مال فهو مستحق لاسم الغني، والزكاة في ماله واجبة، لظاهر قول النبي ، وكان النائم تسقط الزكاة من ماله لارتفاع القلم في حال نومه، وقد أجمعوا أن الزكاة في ماله في حال نومه ويقظته.

الباب الرابع
في ذكر الأرض تخرج وقد أدان صاحبها
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا فيمن زرع أرضه حبا، وقد أدان صاحبه عليه، فقالت طائفة: يقضي دينه ويزكي ما بقي، إذا كان فيما يبقى الزكاة، هذا قول عبد الله بن عمر وابن عباس ومكحول، وبه قال سفيان الثوري وشريك وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. وقال أحمد بن حنبل: لا يزكي ما أنفق على ثمرته خاصة، وأوجبت طائفة في ذلك العشر ولم يسقط عنه شيئا مما أدان عليه، هذا قول الزهري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح، وهو يشبه مذهب الشافعي، والمشهور من قوله قال إنك هنا<ح>(1) ولا يجمع المذهبي فلا صدقة عليه، وإن كان لا يعلم إلا بقوله لم يقبل دعواه.
قال أبو بكر: وهذا إلى الخروج من المذهبين أقرب، وبالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في عامة قول أصحابنا أن زكاة الثمار لا تحطها الديون عليها، وأن الزكاة من رأس المال والدين عليه في ذمته في جميع ما أدان عليها. ومعي إنه يخرج في بعض القول في <ح>
(1) بعض معنى قولهم إنه إن كان الدين من جنسها، فحل عليه قبل وجوبها، كانت مستهلكة بمعنى ثبوته عليها، وإن كان الدين من غير جنسها أو حل عليه من بعد وجوبها عليه، ولو كان من جنسها لم يحط عنه زكاتها ولا شيء منها. ومعي إنه يخرج من قولهم إنه إن كان دينه ذلك على عياله كان مرفوعا له من الزكاة، وإن كان في غير ذلك كان ما كان من جنسها لم يحط عنه، وأما ما بقي من بعد الدين إذا ثبت أن يحط عنه من الزكاة، ففي بعض قولهم عندي إنه فيما بقي من الزكاة كان مما يجب فيه الزكاة أو لا يجب، وجب في جملة الثمرة الزكاة، إذا كان الباقي مما يخرج منه الزكاة من غير تكاسر. وفي بعض قولهم: إذا وجب رفع الزكاة منه لم يكن له فيما بقي زكاة حتى يبقى ما تجب فيه الزكاة. ومن غيره: ومعي إنه يخرج في بعض ما قيل: إن الزكاة من الثمار لا يطرح منها الدين، وأن تؤدى الزكاة من الثمار قبل الدين، وإن فعل ذلك إن شاء الله ابتغاء ما عند الله، ووافق في ذلك رضى الله عنه في أعماله فهو أفضل عندي.
مسألة: الحاشية قلت: فالرجل يكون معه الإبل والبقر والغنم سائمة، حول الحول عليه، وعليه دين، فطلب أن يحبس له في ماشيته ويؤخذ من الباقي، قال: لا يطرح عنه إلا من التجارة، وأما الماشية السائمة فلا يطرح عنه دينه، وكذلك إذا أصاب من زراعته ما تجب فيه الزكاة، فطلب أن يطرح عنه دينه، فلا يطرح عنه وعليه الزكاة، إلا أن تكون هذه السائمة في –نسخة- الماشية في يده للتجارة، فأقول إنه يطرح دينه، ويؤخذ من قيمة الباقي منها ما وجبت فيها الزكاة.
مسألة: ومن الأثر مما يوجد عن جابر عن ابن عباس في الرجل يستقرض وينفق على أهله وعلى ثمرته. قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيعطيه ثم يزكي ما بقي. وقال ابن عباس: يقضي بما استقرض على الثمرة من الثمرة، ثم يزكي ما بقي.



الباب الخامس
في ذكر مبلغ الصدقة في الحبوب والثمار
والفرق بين ما يسقى بالأنهار وبين ما يسقى بالرشا
من كتاب الإشراف قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله سن فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا بالعشر، وفيما يسقى بالنضح نصف العشر. وقال بجملة قال القول مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروينا ذلك عن جماعة من التابعين وبه يقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج هذا على نحو ما يشبه معاني الاتفاق من قول أصحابنا إلا قوله وكان عثريا<ح>(1) فلا أعرف ما كان به. وأرجو أنه يخرج مما كان عثريا في ماله بعينه أراد به الزكاة، وذلك أن في الأموال مالا يكون فيه الزكاة، أيكون فيه الزكاة. ويخرج مخرج الفيء، أو يثبت فيه معنى الفيء من الجزية فليس ذلك بعشر ولا يسمى عشرا، أو يكون ذلك يثبت في مال بعينه قد ثبت فيه السنة أو صح على أن فيه العشر لا محال فذلك لا يتحول وهو على حاله، وهو عشر بأي شيء سقي وعلى أي شيء أدرك.<ح>
(1)


الباب السادس
في ذكر الزرع يسقى بعض الزمان بماء السماء وبعض بالدلو
من كتاب الإشراف قال أبو بكر: كان عطاء بن أبي رباح ينظر إلى أكثر السقيين، وكانت زكاته على ذلك. وقال سفيان الثوري: ما كان أكثر وغلب عليه صدقة. وقال مالك: إذا كان نصفا ونصفا أخرج نصفا من نصف ذلك عشر تام، والنصف الآخر نصف العشر. وقال الشافعي: القياس أن ينظر إلى ما عاش بالسقيين ذلك كأنه إن كان عاش بهما نصفين أخذ ثلاثة أرباع العشر على هذا المعنى.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا في هذا الفصل من الزكاة إنه في بعض القول على ما أسس، وتأسيسه فيما عندي غرسه. وقال من قال: على ما أدرك. وقال من قال: على الأكثر من ذلك. وقال من قال: بالأكثر من ذلك إن كان عليه إدراك. وقال من قال: بالاجزاء من الزمان مما ربا عليه الزرع من الأشهر والأيام من المياه، والنظر يوجب أنه لا زكاة إلا فيما أدرك. قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، وأنه إن لم يكن قبل أن يدرك ثابتا فيه معنى الزكاة، فأشبه معنى المعاني أن يكون على ما أدرك عندي يكون حكم زكاته أن يوجب في الاتفاق أنه لا يجب فيه الزكاة في حال من أحواله تلك، إن لو بيع عليها أو تلف، ولو انتقل إلى غير المالك قبل إدراكه بوجه من الوجوه ثبت بها ملكه له، ثم أدرك في ملكه كان محمولا على ماله، ولا زكاة على من زال من ملكه قبل ذلك.
مسألة: ومن غير الكتاب ومن جواب أبي علي –رحمه الله- أنه يؤخذ في الزكاة، أنها على ما أدركت عليه الثمار. قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، وأحسب عن أبي عبد الله –رحمه الله- أنه على الأكثر مما سقيت عليه من الزجر وغيره، فهو الأكثر، وعن أبي المؤثر –رحمه الله- فيما أحسب أنه بالحصص على ما سقيت عليه الثمار بالحصص يكون الزكاة، وقال من قال من فقهاء المسلمين: على ما أسست، وقال أبو زياد فيما يوجد عنه أن أبا عبد الله كان يأخذ مما أدركت عليه.
مسألة: وقيل في زرع على فلج، فلما بقي له ماء يبس الفلج، فسقي بزاجرة، فقال: إن كان يحتاج إلى ذلك الماء يسقى على الزاجرة، ففيه نصف العشر، وكذلك إذا زرع على الزاجرة ث بقي له ماء فسقاء الغيث، أن فيه العشر.
مسألة: أحسب عن ابي الحسن –رحمه الله- وسألته عن نخلة فسلت أو نبتت في بيت قوم، فبارك الله فيها، حتى أثمرت ما تكون ثمرتها، إذا كان له مما تجب فيه الزكاة؟ قال: إذا كانت تثمر على غير سقي الماء الذي يخرج من البئر بنزع الدلاء، ففيها العشر كاملا، وإن كانت لا تثمر إلا على السقي مما ينزف بالدلاء، ففيها نصف العشر، وكذلك قال في النخل التي في الأرض التي تزرع بالزجر، فإذا زرعت الأرض سقيت النخلة، إن كانت تثمر على غير سقي، ولو لم يزرع هذه الأرض ففي هذه النخل العشر كامل، وإن كانت لا تثمر هذه النخل إلا بهذا السقي من الزراعة، ففيها نصف العشر.
قلت له: فإن هذه النخل تحمل بغير سقي، غير أنها بالسقي يكون لها أكثر وأخير؟ قال: لا ينظر في ذلك إذا كانت تحمل وتثمر بغير هذا السقي، ففيها عشر كامل. وقال غيره: إن النخل في هذا مثل الزراعة، فإن أدركت هذه النخل، وكان دراكها على الزجر، ففيها نصف العشر، وإن أدركت على غير زجر فالعشر كامل، وقال: يحسب كم شربت في السنة، فإن كانت شربت نصف السنة أو أقل أو أكثر، قسمت الزكاة على حساب ذلك، فحصة ما شربت من السنة نصف العشر، وحصة ما لم تشرب العشر كامل، فإن لم تسق هذه الأرض في سنة كاملة حتى حصدت، ففيها عشر كامل، ويوجد في الآثار أن زكاة هذه النخل نصف العشر على حال إذا لم يكن تسقى بالفلج.
مسألة: ومن غيره: وقال لا يجمع بين الغرب والسيح، حتى يبلغ كل واحد منها على حاله.
مسألة: وسألته عن رجل زرع قطعة له فأسقاها بالزاجرة ثلاث شربات في شهر، وسقاها ثلاث شربات في ثلاثة أشهر بالفلج، وأدركت على الفلج، أيجب عليه نصف العشر أو العشر كله؟ فقد قيل العشر كامل، وقد قيل نصف العشر، وقيل عشر ثلاثة أرباعها، ونصف عشر ربعها.
مسألة: وعن سقي النخل إذا سقى صاحب النخل المال خمسة أو زاد إلى عشرة إلى خمسة عشر؟ قلت: ما وقت ذلك، وما يهدم العشر؟ فليس معنا في ذلك وقت، والذي معنا أن الصدقة تؤخذ على ما أدركت، وإن كان إنما حملها وصلاحها بصلاح الزجر، وبه أدركت وتم أمرها، فهو عندنا نصف العشر.
قال أبو المؤثر: قد قيل هذا وقال من قال: إن كانت أدركت على الزجر، وكان الزجر أكثر ففيها نصف العشر، وإن كانت أدركت على الزجر وكان الزجر أقل ففيها العشر، وبهذا القول نأخذ، وقال آخرون: إن الزكاة على قدر الأجر يحسب ما سقي بالزجر، وما لم يزجر، ثم يحسب بالاجزاء ويخرج منه الزكاة.
مسألة: ومن جواب أبي علي إلى أبي مروان –رضي الله عنهما- في الذي يؤخذ منه الزكاة، أن أهل الباطنة يسقون إذا حضروا نحلهم، أو من سقى منهم وذلك عند حضورهم الشهرين، وأقل وأكثر ثم يرجعون إلى منازلهم، وهي بحالها يحمل وينبت بالسقي، حتى يحضروا، وقد عرفت النخل بألوانها وأدركت الثمرة، ثم يراجعون بالسقي، ومنهم من يعطي نخله بزرع لحال السقي، ومنهم من يزرع صيفا ويسقي النخل إلى أن يحصد، ومنهم من يعطي نخله يزرع لحال السقي. وقلت إن كثيرا من نخلهم لو تركت لم تقص، فقد نظرنا يا أخي في ذلك، فأما من سقى نخله في المحضر، وقد عرفت النخل بألوانها وأدركت، فذلك لا يبريه من الصدقة لهذه السنة التي قد أدركت، ولا يبريه ذلك السقي للثمرة المقبلة أيضا؛ لأن هذه قد صارت في حد دراك وسقي القيظ للحول، لا نراه إلى العشر تاما، وأما من زرع صيفا فزرع وسقى الزرع إلى أن يحصده، فما نقول إن سقي الصيف يبطل العشر، إلا أن يعلم أنها أثمرت فحملت من ذلك السقي، وأما من أعطى نخلة نزرع لحال السقي فهو عندنا بمنزلة الذي يسقي لنفسه، إن كان دراكها على السقي فإن فيها نصف العشر، وإن كان إنما يسقى صيفا أو قيظا فنراه تاما، إلا أن يكون دراكها على السقي، أو يعلم أن بالسقي، والذي سقيته قبل ذلك حملت وأثمرت.
مسألة: وقال أبو المؤثر في الزراعة إنها إذا أدركت على الزجر، فكان الزجر أكثر، ففيها نصف العشر، وإن كانت أدركت على الزجر، وكان الزجر أقل ففيها العشر، وبهذا القول نأخذ. وقال آخرون: على قدر الاجزاء يحسب ما سقي بالزجر، وما لم تزجر، ثم يحسب بالاجزاء فتخرج منه الزكاة.
مسألة: من -كتاب الإشراف-: وكل نخل لا يسقى بنهر ولا يزجر فالعشر في ثمرها، فإن زرعت زراعة في تلك النخل أو فسلت شجرا أو سقي ذلك بالزجر وشربت حتى أدركت ثمرتها على ذلك فإن فيه نصف العشر، وما تسقى من هذه الثمار بالزجر والأنهار أو سقاه الغيث فقد اختلف أهل الفقه في صدقته، فقال بعضهم: صدقة تلك الثمرة على ما أسست. وقال بعضهم: بل صدقتها على ما عليه أدركت. وقال بعضهم: بل صدقتها بالمقاسمة، ولينظر كم شربت من شربة، ثم ينظر ما كان من ذلك بالزجر، وما كان بغير الزجر من سقي الغيث أو الأنهار فيعلم أنه نصف أو ثلث أو ربع أو أقل أو أكثر، فتؤخذ الصدقة على ذلك من الجزء الذي شربت بالغيث والأنهار والعشر تام، والجزء الذي شرب بالزجر نصف العشر، وهذا الرأي أحب إلي، فكل رأي العلماء حسن جميل، ولكل رأي من هذه الآراء حجة ومذهب، وبما أخذ به من عني بذلك، فلا بأس إذا أراد العدل والتمس الصواب.
مسألة: ومن غيره: وعن النخل إذا فسلت على الزجر، وصارت نخلا، ثم رفع السقي عنها ما يجب فيها، نصف الزكاة أم الزكاة كاملة؟ فعلى ما وصفت، فأما تلك الثمرة التي سقيت بالزجر، ففيها نصف العشر، وأما إذا أثمرت النخل بعد ذلك، وقد رفع عنها السقي بالزجر ففيها العشر تام.
مسألة: من –جامع أبي محمد- وفي ثمار الأرضين المملوكة العشر إذا شربت بالسماء والعيون، وفيما سقي بالنواضح والسواقي ففيه نصف العشر، لما روى سالم بن عبد الله بن عمر أن النبي قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان بعلا العشر وفيما سقي بالنواضح والسواقي نصف العشر».
مسألة: ومن -كتاب الكفاية- من جواب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم –حفظه الله- إلى معان بن الحسن، أفتنا –رحمك الله- في رجل فسل نخلا في الباطنة على الزجر، وثمرها سنين كثيرة على الزجر، ثم إنه بعد لم يسقها أعني نخلة، وكانت تحمل بغير زاجرة وربما في السنة تشرب بالغيث أو لا تشرب بالغيث. قلت: أتكون هذه النخل سبيلها في الزكاة سبيل الزرع؟ منهم من يقول: على ما أسست الزراعة، ومنهم من يقول: على ما أدركت، ومنهم من يقول: بالمحاصصة، وإن كان كذلك، وأخذ صاحب النخل يقول من يقول إن الزكاة في ذلك على ما أسست، هل يكون هذا قولا جائزا الأخذ به والعمل أم لا؟ الذي عرفت أن النخل إذا فسلت على الزجر، ثم تركت من الزجر، وصارت تحمل بغير زجران، الزكاة فيها العشر، وأما إذا شربت الزجر وبالغيث، فقد قيل إن سبيلها سبيل الزرع، وقد اختلف في ذلك، ومن أخذ بقول من أقاويل المسلمين لم يضق عليه.
قلت: فإن كانت النخل في ذلك مخالفة للزرع، فكم الحد الذي إذا لم تشرب في السنة، من ماء يرجع إلى حال العشر ثلاثة أو أربعة أم مائتين؟ ذلك مثابا بما أعرف إن شاء الله، فلم أعرف في ذلك حدا، والذي عندي أنه إذا كانت لا تحمل إلا بالزجر لم تكن الزكاة فيها العشر، وإنما تكون الزكاة فيها العشر، إذا كانت تحمل بغير زجر، والله أعلم. وقد قيل: في النخل التي لو لم تزرع فيها لحملت الزكاة فيها العشر، وإن كانت لا تثمر إلا بهذا السقي من الزراعة ففيها نصف العشر، وقال من قال: إنها مثل الزراعة، فإن أدركت على الزجر، ففيها نصف العشر، وإن أدركت على غير زجر ففيها العشر. قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، وقيل يحسب كم شربت في السنة، فإن كانت شربت نصف السنة أو أقل أو أكثر، فما شربت من السنة ففيه نصف العشر، وما لم تشرب فيه من السنة ففيه العشر، وقيل إن زكاة هذه النخل على حال نصف العشر، إذا لم تسق بالفلج والله أعلم.
مسألة: وسألته عمن كان زرع زرعا، فلما سبل أو قبل أن يسبل باعه بدراهم، أيجب عليه فيه زكاة؟ قال: لا. قلت: فإن باعها وقد صارت حبا في سنبله وباعه؟ قال: يخرج زكاته. قلت: فإن كانت الدراهم لا تصل فيها الزكاة؟ قال: يكيل الزرع، ويخرج زكاته حبا. قلت: فالحب الذي تجب فيه الزكاة من بعد الدواس والشايف، وكل من عمل فيه بكر؟ قال: ذلك كله على صاحب الحب.


الباب السابع
في الصدقة مما تخرج الأرض وما يكون منها فيه العشر
من كتاب الأموال تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام قال أبو عبيدة: روي عن النبي أنه فرض الزكاة فيما سقت السماء، وفي البعل وفيما سقت بالعيون العشر، وفيما سقت السواقي نصف العشر، وقيل: كتب رسول الله إلى معاذ بن جبل وهو باليمن أن فيما سقت السماء أو سقي –بعلا العشر، وفيما سقى الغرب نصف العشر. وقيل: كان في كتاب النبي وكتاب عمر في الصدقة ما كان عثريا أو تسقيه السماء أو الأنهار، وما كان يسقى من بعل ففيه العشر، وما كان يسقى بالنواضح ففيه نصف العشر.
قال أبو عبيدة: فهذه الأسقاء التي ذكرت في هذه الأحاديث مختلفة المعاني، فالبعل منها ما كان من نخل يشرب بعروقه من غير سقي سماء ولا غيرها، وقد قال بعضهم: إنه ما سقته السماء، والأول عندي هو التفسير، وأما العثري فما سقته السماء، لا اختلاف بينهم فيه، وأما الغيل فكل ماء جار كما العيون والأنهار والأطايم والقنى، وهما يقاربان في المعنى، وكذلك الفتح هو مثل الغيل، وإنما سمي فتحا لتشقق أنهاره في الأرض، وفتح أفواهها للشرب، فهذه كلها الأسقاء العشرة، وأما النواضح فالإبل التي يسقى عليها لتشرب الأرضين، وهي السواقي بأعيانها، وكذلك الغرب إنما هو دلو البعير الناضح، وأما الدالية فهي الدلاء الصغار التي تديرها الأرجا، وكذلك الباعورة وهي مثلها، وهذا سقاء نصف العشر، وإنما نقصت عن مبلغ تلك في الصدقة لما في هذه من المئونة على أهلها، وإنما يجب في هذا العشر أو نصف العشر بعد بلوغ ما تخرج الأرض خمسة أوسق فصاعدا، بذلك جاءت السنة والآثار، وقيل عن النبي أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة».

الباب الثامن
في زكاة الأولاد وحمل مالهم على مال أبيهم
وعن رجل نحل أولاده الصغار حلي ذهب وفضة، ونيته فيه أنه لهم، فإن احتاج إليه أخذه وقضى حاجته. قلت: أعليه أن يحمل هذا الحلي على ما في يده ويزكيه أم لا؟ قال: معي، إنه يحمل على ما في يده ويزكيه على هذا الوجه، فإن زكاه منه جاز له.
مسألة: ومن غيره، عن أبي عبد الله، وعن رجل له بنون ومعهم دراهم، وفيهم حلي، هل يحملون على أبيهم في الصدقة؟ فقال: إذا كان يخرج الصدقة حملوا عليه إذا كانوا في حجره. قلت: فإن أصابوا ذلك الحلي وتلك الدراهم من غيره؟ قال: وإن أصابوا من غيره فهم يحملون عليه من بلغ منهم، ومن لم يبلغ إذا كانوا في حجره من أولاده البالغين حمل عليه ما استفادوا من عنده، وما استفادوا من عند غيره لم يحملوا عليه.
مسألة: وعن أبي عبد الله –رحمه الله- وعن الوالد يكون عليه لولده دراهم، هل يحسب في صدقته؟ فهي ماله وعليه أن يحسبها في صدقته، إلا أن يبرئ الوالد منها نفسه من قبل محل الصدقة، فإن برأ نفسه منها برئ منها، ولم يكن للولد شيء، ولم يحسب في الصدقة، وإن هو أبرأ نفسه منها بعدما وجبت الصدقة على الوالد، فإنها تحسب عليه مع صدقته، وقد برئ الوالد منها.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- والمرأة محمولة على زوجها في صدقة الزراعة، إذا كانا متفاوضين، ويحمل على الرجل أولاده، إذا كانوا في حجره، ولو كانوا بالغين.
ومن غيره: وأما زكاة الدراهم، فيختلف في ذلك، وأكثر القول إنهم لا يحملوا. ومن غيره: والرجل يحمل عليه بنوه وبناته –نسخة- أولاده، إذا كانوا في حجره ولو كانوا بالغين، ويحمل بعضهم أيضا على بعض، إذا كان الحلي من عنده هو، وإذا كان الحلي لأولاده من قبل غيره حملوا عليه، ولا يحمل بعضهم على بعض، إذا لم يكن عنده ما يؤدي عنهم الصدقة، وإذا بلغ على كل واحد منهما الصدقة أخذت منه.
مسألة: وإذا كان صبي والده حي تولى إعطاء الزكاة من ماله.
مسألة: وإن كان صبي مسلم، ووالداه مشركان قد ارتدا عن الإسلام، وله مال، ففي ماله الزكاة، وكذلك إن أسلم أحد والديه، فهو تبع لمن أسلم منهما، وعليه في ماله الزكاة.
مسألة: ومن كان له ولد معتوه بالغ قد بان عنه قبل ذهاب عقله، فلا يحمل على أبيه في الزكاة، وليس يقبل من صبي زكاة، إلا برأي أبيه، فإن كان يتيما أقيم له وكيل.
مسألة: وعن الجارية التي قد أدركت وهي مع أمها، ومعها حلي ولها تجارة من كدها، ومن والديها جميعا، هل يحمل مالها على مال والدتها؟ فقد قيل بحمل على مال والدتها ما كان من قبل والدتها من نحلة أو عطية، من كل ما ينسب من قبل والدتها في ذلك، ولا يحمل على مال والدها ما اكتسبه واستحقه من قبل غير والدتها من كدها أو غيره، وكذلك الثمار فهو مثل ذلك، وهل على والدها إخراج ذلك من ماله إذا لم تخرجه هي أو ذلك خاص بها؟ إذا كانت بالغا فإن أخرجته، وإلا فهو عليه وإن كانت صبية لم تبلغ فعليه أن يخرج.
مسألة: ومن منح ولده وهو بائن عنه أو غيره أرضا فزرعها، فلا تحمل تلك الزراعة على صاحب الأرض، فإن بلغت الصدقة فيها على الممتنح أخرجها إلا أن يكون ولد في حجر والده، فهو محمول على زراعته.


الباب التاسع
في زكاة الأولاد
أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد –رحمه الله- في رجل كان في أولاده حلي، وهم في حجره، وليس له هو نصاب ولا شيء مما يضيفه إليهم، وأخر زكاتهم عن وقتها، أيكون سبيلها سبيل زكاة الفائدة، وفيما يحصل عنده، أم بينهما فرق؟ لم أحفظ في ذلك شيئا، ولا أحب أن يكون سبيل ذلك ماله، إلا أن يكون الحلي من عنده لهم، والله أعلم. وقد كتبت أطلبها من الأثر، وأسأل عنها فلم ألقها بعد.
مسألة: أحسب عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر، وأما الرجل الذي له ولدان وورثوا جميعا مالا، وقسموه ثم انضاف أحد الولدين إلى والده في المعيشة، غير أن ماله متميز عن مال أبيه؟ قلت: أيحمل ماله على مال أبيه في الزكاة أم لا؟ فأما الصبي فإن ماله محمول على مال أبيه، وأما البالغ إذا كان في حجر أبيه حمل على أبيه في الزكاة، هكذا يوجد في الجامع، والله أعلم.
مسألة: أحسب من حفظ أبي معاوية عن أبي عبد الله، وعن رجل له ولد ولولده ولد، ولهم كلهم مال؟ قال يحمل مال الولد على والده إذا كان في حجره، ويحمل مال ولده أيضا عليه حتى يحمل كل ذلك على الأب الأكبر، فإن كان الأوسط ميتا لم يحمل مال ولده على الجد.

الباب العاشر
في زكــاة مـال العبــد
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: كان سفيان الثوري وأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق يقولون: زكاة مال العبد على مولاه، وهو مذهب أصحاب الرأي. وقال آخرون: ليس عليه فيه شيء ولا على مولاه، هذا قول ابن عمر وجابر والزهري وقتادة ومالك وأحمد بن حنبل وأبو عبيد، وأوجبت طائفة على العبد الزكاة، وروينا هذا القول عن عطا، وبه قال أبو ثور، وروي ذلك عن ابن عمر.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن مال العبد لسيده، وأنه محمول عليه في الزكاة، وهو متعبد بزكاة ذلك، لأنه ماله، فإن شاء زكاه وإن شاء أذن للعبد أن يزكيه إذا كان العبد مأمونا على ذلك، وعلى إنفاذه على وجه العدل، ولا أعلم بينهم في معاني ذلك اختلافا فيما ثبت مال له من جميع ما كسبه، أو ملكه إياه سيده بوجه من الوجوه.
ومنه قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا زكاة في مال المكاتب.
مسألة: في زكاة مال المكاتب حتى يعتق، غير أبي ثور، وممن قال بجملة هذا القول جابر بن عبد الله وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء ومسروق، وبه قال مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: في مال المكاتب الزكاة كما تجب في مال الحر.
قال أبو بكر: لا زكاة في مال المكاتب.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا ما يوجبه معهم الاتفاق أن المكاتب حر حين يكاتب وماله مال حر، وفيه الزكاة إذا كان من أهل القبلة.
مسألة: ومن غير الكتاب: وعن حلي العبيد، يقول المولى هذا لهم من وصية أو غيرها، ولا شيء لي فيه. قال: يحمل عليه على كل حال.
مسألة: ومن –كتاب أبي جابر-: وأما المملوك فماله لسيده، وليس عليه هو زكاة، والزكاة على المولى، ويقوم العبد بذلك من قبل مولاه، حتى يخرج زكاة ما في يده.
مسألة: ومنه، فإذا عتق العبد وفي يده مال كثير، قد خلا له سنون لم يؤد منه زكاة وصيره المولى للعبد، فلا زكاة فيه على العبد حتى يحول عليه حول، منذ صار له، وعلى المولى زكاة ما مضى لأنه كان له.
مسألة: من –كتاب الكفاية- قلت له: فالعبد إذا عتق وفي يده مال، هل عليه أن يرده إلى سيده طلبه سيده أو لم يطلبه؟ قال: معي إنه قد قيل: إذا كان المال ظاهرا لم يستثنه السيد حين أعتقه فهو للعبد، وإن كان مستترا فهو للسيد. وقال من قال: كله للسيد حتى يشترط السيد للعبد. ومعي إنه قد قيل: إنه كله للعبد حتى يشترطه السيد، إذا ثبت مال له، أعني العبد. قلت: فإن كان المال في يد العبد حتى حال عليه أحوال لم يؤد عنه الزكاة، وكان مما تجب فيه الزكاة، هل على العبد أن يزكي المال لما مضى من السنين على قول من يقول إنه له حتى يشترط عليه السيد؟ قال: معي إنه يجب عليه ذلك في قول من يقول: إن الزكاة على العبد في ماله، وعلى قول من يقول: إن الزكاة على السيد في مال العبد، مما مضى على السيد إذا وجب عليه، وما يستقبل منذ عتق العبد وثبت له المال بالحرية، فعليه زكاته. قلت له: فعلى قول من يقول إن الزكاة على السيد لمال العبد، إذا لم يعلم أن عند العبد مال، هل عليه أن يخبر السيد بذلك في حال العبودية أو بعد العتق، أم ليس عليه ذلك؟ قال: معي إنه إذا كان في يده مال تجب فيه الزكاة فعليه أن يعلمه ليؤد الزكاة التي هي أمانة في يده، وإذا ثبت أن في الزكاة أمانة، وشريك ثان وعلم العبد أن الزكاة في المال لم تؤد لما مضى من السنين، حتى صار إليه زكاته، كان أشبه أن يكون عليه الزكاة عندي على هذا المعنى؛ لأنه قد علم أن فيه زكاة إذا علم بذلك. قلت له: فعلى قول من يقول إن زكاة مال العبد عليه، هل يجوز له أن يعطي سيده من زكاته إذا كان السيد فقيرا؟ قال: معي إن العبد ليس له مال دون سيده، ولا يجوز له أن يعطي من الزكاة؛ لأنه مال للسيد.


الباب الحادي عشر
في المفاوضة في الزكاة
وعن المفاوضة بين الزوجين ما حدها؟ قال حدها أن يخلط الثمرة ثم لا تسأله على شيء حمل بعضها على بعض. قلت: فإن لم تسأله وسألها هو وحاسبها؟ قال: إذا فوضته مالها في يده، وخلط ثمرتها معه، حمل بعضها على بعض ولو حاسبها هو، إلا الورق فإن الورق لا مفاوضة فيه، ولو أن أحدهما كان معه مائتا درهم، إلا خمسة دراهم خلطها مع الآخر، ما كان في المائتين إلا خمسة دراهم، ففيها زكاة.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري، وعن إخوة لهم مال ومالهم مقسوم، وكل واحد منهم أرضه على حده، فأخذوا عاملا يعمل لهم كلهم، فإذا داسوا تفاوضوا في طعامهم ومؤنتهم، هل في هذه الزراعة زكاة إذا بلغت في جملتها الزكاة؟ فعلى ما وصفت، فإذا كان البذر والماء على كل واحد منهم ما يجب عليه من البذر، وما يجب عليه من الماء؟ فليس هؤلاء بمتفاوضين، ولا زكاة لهم، ولو جمعهم الطعام حتى يكون الماء واحدا، والبذر واحد متفاوضين في البذر والماء، فعند ذلك يحمل بعضهم على بعض، وتجب عليهم الزكاة، وإذا كان الزوج هو يلي أمر المال جميعا، وأمره فيه جائز ونهيه، ويفعل فيه ما شاء بغير رأي المرأة، فهذا مفاوضة، يحملان بعضهما على بعض، وإن كانت المرأة التي تلي أمر مالها لم يحمل بعضهما على بعض، وكان كل واحد منهما ما يجب عليه من الزكاة، والعامل تبع لهما، إذا كانا متفاوضين.
ومن غير الكتاب قال: الذي أحفظ عن أبي سعيد في العامل اختلاف، فبعض يقول إنه تبع لرب المال إذا وجب على صاحبه الزكاة، كان العامل تبعا له، وقال من قال: لا يكون العامل تبعا لرب المال، إلا أن يصيب العامل ما يجب في حصته الزكاة ثلاث مائة صاع، فحينئذ تجب على العامل، وروي هذا القول عن عزان بن الصقر –رحمه الله- قال أبو سعيد: إنه قول يعجبه القول به والعمل به، ولكن قال لا أحب مخالفة الأثر مما يؤخذ من الذي جاء عن أصحابنا.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- والمرأة أيضا وزوجها يحمل بعضهما على بعض في صدقة الثمار، إذا كانا متفاوضين، وقال من قال: أن المفاوضة أن يكون مالها في يده يفعل فيه ما أراده.
مسألة: وعن أبي علي –رحمه الله- في أخوين زرعا أرضا مقسومة بينهما، ولهما أرض أخرى لهما فيها عمل، فإذا جمع العمل والزراعة بلغ فيه العشر؟ قال: إن كان زراعتها مخلوطة وهما متفاوضان جمع العمل والزراعة وأخذ منه الزكاة، وإن كان يعرف كل واحد حصته من الزراعة ويجمعانه بعد ذلك ويأكلانه، فلا يجمع عليهما ذلك حتى تبلغ في حصة كل واحد منهما الزكاة.
مسألة: وعن أبي مالك عن مال الزوج وزوجته من الثمرة لا يحمل المال جميعا حتى يكونا متفاوضين تاركة مالها في يده، ويأمر فيه وينهى، ويقبضه، فإذا كانت تعرف غلة مالها وتفعل فيه ما تشاء فلا يحمل مالها على ماله.
مسألة: ومنه، وعن امرأة لها بعير ولزوجها له أربعة أبعرة، فإن كان متفاوضين فعليهما الصدقة.
مسألة: وعن أبي إبراهيم، قلت: يجوز للرجل وزوجته أن يحملا بعضهما على بعض في الزكاة، قال: نعم، في الثمرة، وأما الحلي والورق فلا يجوز ذلك. قلت: فما المفاوضة؟ قال: إذا باع مالها لم تغير عليه.
مسألة: وقال عدي بن يزيد مكتوب من ديوانه شعرا:
أفاوضهم مالي بغير نكيثة *ش*

علمت المنايا طارقات فواجعا

أفاوضهم مالي، أي أجعل مالي مع مالهم. وقال الناسخ:
أفاوض أهل الود، ودي ولم أزل *ش*

أفاوضهم مالي وإن لم يفاوضوا

المفاوضان الشريكان اللذان خلطا مالهما، والنكيثة الغدر، فواجع أي تأتينا المنايا على غرة. وعن أبي الحواري، وعن رجل عليه زكاة من قبل تجارة، ولزوجته حلي ذهب وفضة يصل عشرة مثاقيل أو أكثر، فاعلموا أن الزوجين لا يحمل بعضهما على بعض في الورق كانا متفاوضين أو غير متفاوضين، وإنما ذلك في الثمار إذا كانا متفاوضين، فهذا الذي يعرف في قول المسلمين، وأدركناهم عليه.
مسألة: من الحاشية في الزوجين يتفارقا أو يموت أحدهما، وقد زرع في ماله ومالها، فإن كانا متفاوضين في مالهما في حياتهما، فإذا حصد الثمرة على المفاوضة ففي جملتها الزكاة، وإن كانا متفاوضين ثم افترقا قبل حصاد الزراعة أو مات أحدهما، فقد بطلت المفاوضة، إلا أن يكونا مشتركين في الزراعة كلها.
مسألة: قال أبو الحواري في زوجين متفاوضين، إلا أنهما لا ينفذ كل واحد منهما شيئا من مال صاحبه إلا بإذنه، وإنما أمرهما على نحو الحل لبعضهما بعض، فإذا كان مخلوطا لا تمييز فيه حمل جميعا على الصدقة، وإن كانت الثمرة مميزة وعارف منهما ثمرة ماله، فعلى كل واحد منهما زكاة نفسه لا يحملان.
مسألة: وسألت أبا سعيد عن المفاوضة بين الزوجين إذا تفاوضا في مالهما، ما تكون هذه المفاوضة؟ قال: معي إنها بمنزلة الإباحة منهما لبعضهما بعضا في التسمية، لأن هذا كله بالكلام، وداخل بالأحكام. ولكن تخرج عندي مخرج الإدلال، لأنها ليست من طريق الفعل من رب المال، وإما هو من تركه على ما تخرج اطمئنانة القلوب حله من قبله، فهي خارجة مخرج الإدلال عندي، والله أعلم.
قلت: فتقع المفاوضة في إزالة الأصل والفروع والثمار، أم المفاوضة في الفروع وليس تقع في الأصول؟ قال: كلها وقع عليه وفيه حكم اطمئنانة القلوب من إزالة أصل أو فرع، فهو خارج مخرج المفاوضة، في أول المسألة إنها تخرج مخرج الإدلال، وإنما يقع الإدلال بحكم اطمئنانة القلوب. قلت: فالمفاوضة كلام يحتاج فيه المتفاوضان إليه، ولا تثبت بهما المفاوضة إلا به، أم إنما ذلك إلى اطمئنانة القلوب بغير كلام؟ قال: المفاوضة تقع على معنيين عندي، بالحل والإباحة بحال حتى تأتي على سبيل المفاوضة من القول أو بالمتاركة، والمسألة على ما لا تشك القلوب على الرجاء من بعضهم بعض، ومن طيبة النفس.
قلت له: فإذا قايض الزواج بمال زوجته أحدا من الناس بعد المفاوضة، وهي حاضرة لا تغير ولا تنكر، هل يجوز ذلك للمقايض للزوج؟ قال: معي إنه إذا ثبتت المفاوضة في مالها، مثل ما فعل في مالها حكم المفاوضة جاز ذلك، وإلا فهو كغيره من الناس لأنه غيره. قلت له: فمن علم بمفاوضة الزوج، ومفاوضته هو وزوجته ويسمي به وبثمره، وهلك الزوج، ما يكون حكم ذلك المال للزجة، أم ميراث لورثة الزوج؟ قال: حكم المال للعوض وهو يدل على مال الزوجة حتى يصح غير ذلك. قلت: فإن قايض الزوج رجلا قد علم بمفاوضة الزوجين لبعضهما بعضا، فلما تقايضا بالمالين أنكرت الزوجة ذلك، ولم ترض به، هل ينتقض القياض؟ قال: أما في الحكم فهو منتقض وغير ثابت في الحكم، وأما في الحل فإذا علم المقايض بمفاوضتهما جاز ذلك به فيما بينه وبين الله. ومن غيره.
مسألة: وعن رجل زوج ابنه وهما في منزل أبيه، وهما في منزل واحد وطعامهما واحد، ولكل واحد منهما مال معروف، ولم يبلغ على واحد منهما الزكاة، وبلغ على أحدهما الزكاة، ولم تبلغ على الآخر، فإنما الزكاة على من بلغ عليه حق الزكاة.
مسألة: وإذا بلغ ما عند الرجل وامرأته مائتا درهم، ففيه خمسة دراهم.
ومن غيره: وقال من قال: إن الورق والذهب لا يحمل بعضهما على بعض فيه ولو كانا متفاوضين.
مسألة: ومن غيره: ومن جواب أبي عبد الله محمد بن روح –رحمه الله- وعن رجل له مال ببلده، وعنده زوجة ولها مال ببلدها، لا تجب عليها فيه الزكاة، وله هو مال في بلده لا تجب عليه الزكاة، مهي مبيحة مالها له، فاعلم أنها إذا كانا متفاوضين وكان رفق المال لهما جميعا، ومؤنة المال يقوم بها واحد منهما، أو هما جميعا على المفاوضة، وجب في المالين إذا جمعت ثمرتهما الزكاة، فالزكاة على هذه الصفة واجبة في أموالهما.
مسألة: قال: وكان وائل وموسى يقولان على الرجل زكاة ما ثبت عليه بأنه من بيته، وامرأته إذا كانت المرأة مفوضة. وقال بشير: ليس عليه حلي امرأته.
مسألة: وعن رجل له زراعة تجب فيها الصدقة، وله ولد يجلب من أموال الناس، هل يحمل ما كان لولده الذي جلب في مال غيره، على ما كان له ويوجد منه الصدقة؟ قال: إذا كان الولد في حجر الأب حمل عليه ما كان لولده.
مسألة: وعن أيتام تكلفهم والدتهم، دفعت أرضهم إلى عامل فخلط زرعها، أعليهم زكاة في جملتها؟ قال: ليس على اليتامى ضمانة حتى تبلغ في نصيب كل واحد منهما الزكاة.
مسألة: اختلف في المفاوضة فقول تجب بها الزكاة وتحمل، وقول لا تجب بها حمل، ولا يحمل إلا بالمشاركة في الأصل والثمرة، وقول إن المفاوضة إذا كانت الثمار مختلطة يفعل فيها الزوج ما أراد، وليس للزوجة في ذلك رأي، والمفاوضة في الثمار، ولكل واحد أصله، إلا أن الزوج قائم على المال، وأما الأصول فلا يجوز فعله، فإن تفاوضا في بعض المال حمل ما تفاوضا فيه على بعضه بعض، وما لم يتفاوضا فيه. فإن وقع لكل واحد منه ما إذا جمعه إلى نصيبه الذي فيه المفاوضة وجب فيه الزكاة ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه، والله أعلم.
وسألته عن المفاوضة بين الاثنين، هل يحمل بعضهما على بعض في الزكاة في الثمار وغيرها من الدراهم والدنانير والذهب والفضة؟ قال: أما في الزوجين فمعي، إنه قد قيل يحملان في كل شيء، وغيرهما عندي مثلهما إذا ثبتت المفاوضة. ومعي إنه قيل: لا يحملان في الذهب والفضة، ويحملان في الثمار والماشية. قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ. وقيل: لا يحملان في شيء، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع من أجل الصدقة.


الباب الثاني عشر
في زكاة الشركاء
في رجل له حصة في مال فتركها لشريكه، والمال تجب فيه الزكاة، فأراد الذي له الشركة أن يسلم زكاة المال كله إلى الرجل الذي أعطاه الحصة. أيجوز له ذلك أم لا؟ الجواب: إذا كان الترك قبل دراك الثمرة وحازها فذلك جائز على قول من يثبت عطية المشاع، وإن كان إقرارا فهو آكد، وإذا كان بعد الدراك فلا يجوز ذلك عندي، والله أعلم بالصواب.
مسألة: مسائل عن أبي عبد الله محمد بن روح، وعن رجل له مال لا تجب فيه الزكاة، إلا إذا جمع إلى جميع الشركاء، هل تجب عليه وعلى شركائه الزكاة؟ فاعلم أنه إذا كان الشركاء منقطع ثلاثمائة صاع وجب على جميع أهلها فيها الزكاة، ولو وقع لكل واحد من الشركاء صاع واحد، لما جاز به السنة في الزكاة، ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، وأما إذا لم يصل مال الشركاء ثلاثمائة صاع لم يكن على أحد منهم في ذلك زكاة، إلا أن يكون له مال غيره، إذا حملت حصته وحصة العمال مما يقع لهم من عملهم من حصته من هذه الشركة، فوصل ذلك مع ثمرة مال له آخر ثلاثمائة صاع، وجب عليه وعلى العمال الزكاة في ذلك خصوصا ولم يجب على العمال زكاة في حصصهم من حصص الشركاء الباقين.
مسألة: قلت فرجلان بينهما أرض أعطياها غلاما بالنصف، فبلغ مائتي مكوك، فبلغ على كل واحد منهما في حصته، إذا حملت على مال له آخر، وهذا لم تبلغ، أعليه في ماله؟ قال: يحمل عليه حصته من العامل ثم يؤخذ منه إذا بلغ عليه. ومن غيره، قال الله أعلم. إلا أنه إذا كان كل واحد من الشريكين بالأصل، إذا حمل حصته مما وقع له من هذه الأرض على حصة له أخرى من مال آخر له أصل، وجب عليه في جميع ذلك الزكاة ويكون على العامل الزكاة، ولو لم يبلغ أحد الشريكين في أصل ماله الزكاة، والآخر لا تجب عليه الزكاة في ماله على هذه الصفة، إذا حمل على أصل ماله، فإنما على العامل الزكاة فيما يقع له من حصة الذي له المال الذي تجب عليه فيه الزكاة.
مسألة: ومن جواب أبي عبد الله –رحمه الله- وعن ثلاثة إخوة أخذوا بئرا بالثمن وزرعوها، وأخذوا بئرا أخرى من قوم آخرين، وزرعوها فجاءت إحداهما ثلاثمائة صاع، وجاءت الأخرى مائتي صاع، هل تحمل إحداهما على الأخرى؟ فنعم. أرى ذلك عليهم، ويوجد منهم الصدقة من جملتها.

الباب الثالث عشر
زكاة المال المشترك
وعن أرض بين قوم مشتركة، تجب في ثمرتها جملة الزكاة، وإذا قسمت لم تصل في حصة كل واحد إلى حد الزكاة، هل يكون في ثمرتها الزكاة؟ قال: هكذا عندي معي في قول أصحابنا، وقد يوجد في بعض القول في بعض الآثار أنه لا زكاة عليهم حتى يصل لكل واحد منهم ما يجب فيه الزكاة، أو يحمل حصته على مال له آخر فتجب فيه الزكاة.
مسألة: وسئل عن ثلاثة نفر، اشترطوا على أيما أصابوا من عملهم، فهو بينهم شركة، وكل واحد منهم يعمل ناحية، بمعنى فأصاب كل واحد منهم من عمله ما لا يجب عليه فيه الزكاة، ولو جمع لوجب فيه الزكاة، فليس عندي عليهم في ذلك زكاة، ولا يثبت ذلك من شركتهم، لأن ذلك يخرج بمعنى مشاركة الأبدان، ومشاركة الأبدان لا تثبت.
مسألة: سألت عن قوم بينهم نخل يكمل في جملتها الصدقة، فلما أطعمت النخل قسموها على رؤوس النخل، فبعضهم أكله رطبا وبسرا، وبعضهم صرم حصته يابسا؟ فمن أكل حصته بسرا ورطبا فليس عليه شيء، وأما من تركها حتى يبست بعضها على بعض، فلما بلغ فيما بقي الصدقة أخذت منه. ومن غيره وقال من قال: إنه إذا أكلت الثمرة رطبا وبسرا، ففي ذلك الزكاة، ويحمل بعضها على بعض، ويخرج منها الزكاة، لأنها قد أدركت، وقد بلغنا عن بعض أهل العلم أنه كان يخرج ما أكله رطبا وبسرا، وهذا القول هو أحوط وأبعد من الشبهة، والله أعلم.
مسألة: وسألت عن قوم يكون بينهم أرض يختلف قسمها، يكون لرجل نصف أرض وثلث أرض وربع أرض، ليس هي على قسم واحد، وليس في أرض أحد منهم ما تكمل فيه الصدقة، ولا تخلص لرجل منهم حصته منهن ما يكمل فيه الصدقة، وإذا جمعهن أكمل بعضهم بعضا؟ فأقول في ذلك: ورأينا والله أعلم، أن القول إذا كانوا شركاء في جميع القطع، أن عليهم الزكاة، وإن كانوا لا يشتركون في جميع القطع التي بلغ في جميعها الزكاة، وكانوا الشركاء لا يجتمعون في جميع الأرض التي بلغ في جميعها الزكاة، فلا زكاة إلا أن تبلغ في كل قطعة الزكاة، فإن بلغ في القطعة أخرج منها، وإن لم تبلغ لم تخرج منها.
ومن -غير الكتاب- قال: قد حفظ هذا القول من حفظه من أهل العلم .. وقال من قال: ليس عليهم الزكاة إذا لم تبلغ في حصة كل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة، ولو كانت الأرض مشاعة، هكذا قيل إنه يوجب في آثار المسلمين. ومن جواب أحسب عن أبي الحواري وقال أبو الحواري –رحمه الله- في رجلين شاركا في زراعة، وزرع هذا مع هذا في أرض بالخمس، وزرع هذا مع هذا أرضا له بالخمس، فأصاب كل واحد منهما خمسة وعشرين جربا؟ قال: تجب على كل واحد منهما الزكاة.
مسألة: قلت له: فلم وجبت عليها الزكاة؟ قال: لأن هذا مع هذا خمسة أجربة، ولهذا مع هذا خمسة أجربة، فكمل مع كل واحد منهما ثلثين جريا بماله مع صاحبه، وإنما يخرج كل واحد منهما على خمسة وعشرين، ولا يخرج على الخمسة التي يأخذها من عند صاحبه. قال غيره: ومعي أنه قد قيل ليس على واحد منها زكاة؛ لأن الخمسة التي يخرجها من صاحبه ساقطة مثلها منه، وأما التي يأخذها منه صاحبه، وإنما في يد كل واحد منهما خمسة وعشرون، وفي بعض القول إنه يؤدي كل واحد عن ثلثين، ولعل العمل بمنزلة الأجر عليه.
مسألة: قلت لأبي سعيد: في الأرض تكون مشاعة بين شركاء ويزرعوا مشاعة، فيجيء ثلاثمائة مكوك نحو هذا من اللفظ، قلت: أتجب في ذلك زكاة، أم حتى يكون لكل واحد ما يجب عليه في حصته الزكاة؟ قال: أما في حفظي الذي أحفظه فإنه يجب عليهم الزكاة، إذا وجب في الجملة، أما هو فقد يوجد في الآثار أنه يجب عليهم، ونص القول إن الزكاة تجب في كل واحد منهم، والقول الذي حفظته رأيته يذهب إليه.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- وكل أرض مشتركة لأناس جاء في زراعتها ثلاثمائة صاع، ففيها الصدقة وإن لم يكن كل واحد من الشركاء تجب عليه الصدقة في الذي له والعامل تبع لهم، وإن جاءت بدون ما تجب فيه الزكاة الصدقة، وكان في الشركاء من له زراعة غير هذا إذا حملت حصته من هذه على تلك، تمت ثلاثمائة صاع أو أكثر، فعليه الصدقة في حصته وحده، وعامله في هذه الحصة تبع له.
مسألة: منه، وكذلك إن كان مال بين شركاء في أصله، فأصابوا منه ثلاثمائة صاع، فالزكاة فيه، وعلى كل واحد بقدر حصته، وكذلك إن قسموها عذوقا؟ فقال من قال: فيه الصدقة، وإن وجبت في جميعه؛ لأن ذلك قسم ضعيف، وكذلك إن قسموه أصلا من بعد أن أدركت الثمرة، فالصدقة في جميعه إذا بلغت فيها الصدقة، وإن قسموا النخل من قبل دراك فلا صدقة في ذلك إلا أن تبلغ على كل واحد منهم، وإن كان أحد الشركاء له مال غير ذلك، حمل ما أصاب من هذه الشركة على ماله من غير ذلك، فإذا بلغت الصدقة، فيخرجها وفي –نسختين- أخرجها، وإن كان العامل الذي يعمل لجماعة الشركاء الذين لم تصل عليهم الزكاة وفي –نسخة- تبعا له بقدر حصته من جملته، وهو تبع لهم، وتبع للذي تجب عليه الصدقة منهم، ويكون على العامل من ذلك بقدر حصته من عمله.
ومنه مسألة: ومن كان عامل وهو شريك أيضا في تلك الزراعة، ولم تجب في الزرع المشترك صدقة، فكان لصاحب هذه الزراعة زراعة أخرى، بقدر ما تلزمه الصدقة، حملت حصة العامل عليه من عمله في الصدقة، فلا تلزمه صدقة في الذي له من الشركة. ومنه، وقيل في رجلين لكل واحد منهما قطعة، أصاب كل واحد منهما مائتين وخمسين مكوكا، ولكل واحد مع صاحبه خمس في العمل، فلا زكاة في هذا. ومن غيره، وقد قيل في رجلين زرعا أرضا وعمل كل واحد منهما مع صاحبه في أرضه، ولكل واحد منها خمس من العمل، وأصاب كل واحد منهما مائتين وخمسين صاعا، فقالوا إن الصدقة لا تجب في هذا، ومنهم من أوجب الصدقة عليهما. وفي –نسخة- في ذلك، وإنما يخرج كل واحد منهما عن الخمسة والعشرين.
مسألة: ومن -غير الكتاب- عن أبي الحواري، وعن رجل يكون له زراعة، ويقعد أرضا ويطن ماءه، فيصيب من زراعته ما لا تجب فيه زكاة، ويصيب من قعادة أرضه، وطني ماءه ما إذا اجتمع هو وزراعته وجب عليه الزكاة، أيزكي زراعته أم لا؟ فعلى ما وصفت، فإذا كان أطنى ماءه وأقعد أرضه بكيف معروف، لم يحمل ذلك على زراعته، ولم يكن عليه زكاة، إلا أن يكون أطنى ماءه وأقعد أرضه بنصيب معروف، حمل ذلك النصيب على زراعته إن بلغ فيه الزكاة أخرج الزكاة. قال مؤلف الكتاب: وبهذا القول نأخذ.
مسألة: وعن قوم قسموا نخلا بعدما أثمرت، ولم تجب الزكاة على كل واحد، وإن اجتمعت وجت عليهم؟ قال: عليهم الزكاة لأنها قسمت بعدما أدركت ثمرتها.


الباب الرابع عشر
في زكاة المال المشترك بين الذمي والمصلي
وسئل عن رجل يصلي إذا كانت زراعته بينه وبين نصراني إذا جمعت فيها الزكاة، فإذا حصل للمصلي نصيبه لم تبلغ الزكاة أعلى المصلي في حصته الزكاة أم لا؟ قال: معي إنه يختلف فيه فقال من قال على المسلم الزكاة في حصته، إذا وجبت في جملة الثمرة الزكاة، لأنه شريك بحصته. ومعي إنه في بعض القول إنه لا زكاة فيه حتى تجب في حصته خاصة.
مسألة: وسئل هل يؤخذ من المشركين مضاربة؟ قال: لا بأس بذلك، قلت فإنهم لا يزكون. قال: إنما يكره أن يأخذ دراهم فيها واجبا على أهلها، ولا يزكوها، فأما المشركون فليس عليهم زكاة.
ومن –كتاب أبي جابر- ومن كان شريكه في الأرض ذميا أو ممن لا تجب عليه الصدقة من صافية أو نحو ذلك، فلا صدقة عليه في حصته، ولو جاءت الأرض كلها بما تجب فيه الصدقة، حتى تتم في حصته هو، وأما إن كان الشريك ممن تلزمه الصدقة، إلا أنه لا يدين بها ولا يخرجها، فعلى هذا أن يخرج من حصته ما يلزمه، وإذا كان ذمي ومسلم مشتركين في حرث، فقول لا يحملان على بعضهما بعضا حتى يقع لكل واحد ما تجب فيه الزكاة، وقول يحملان على بعضهما بعض، وبهذا نعمل، إلا أن تكون الأرض لأحدهما، ويأخذها الآخر بزراعة، وعليه الماء والبذر بنصيب معروف، فلا يحمل بعضهما على بعض، حتى يقع لكل واحد ما تجب فيه الزكاة، ولا نعرف في هذا اختلافا.
قال غيره: إذا كانت الأرض للذمي وكانت من أرض العشر، ففيها الزكاة على الذمي والمصلي، وكذلك إن كانت للمصلي، وإن كانت للذمي وهي مما لا تجب فيه العشر، فقد قيل إنها إذا وجبت فيها الزكاة كان على المصلي في حصته الزكاة، وقول لا تجب عليه الزكاة حتى يصيب من حصته ما تجب فيه الزكاة. ويحمله على ماله من غير هذه الحصة، وقول ليس عليه زكاة على حال؛ لأنها أرض لا زكاة فيها، وفيها الجزية.
مسألة: من –كتاب الضياء- ومن كان شريكه ذميا، فجاءت الزراعة ثلاثمائة صاع، فعلى المسلم في نفسه، ولا شيء على الذمي، وقال قوم: لا شيء عليه حتى تتم حصته ثلاثمائة صاع، وإن كان شريكا في صافيه فهي مثل الأولى، وقال قوم: لا شيء عليه حتى يتم في حصته هو الصدقة، والله أعلم بذلك.
مسألة: ومنه، وإذا كان الرجل شريك ذمي أو يهودي في الزراعة، فجاءه ثلاثمائة صاع، فلا زكاة على المسلم في حصته حتى يحصل له في يده منها غير شريكه الذمي خمسة أوسق، ولو كانا مسلمين لوجب عليهما فيها الزكاة، ولو كانت ثلاثمائة.
مسألة: ومنه، وإذا اشترك يهودي أو نصراني ورجل مسلم في زراعة، فأصابا ثلثي جربا؟ قال أبو علي: لا أرى على المسلم زكاة في حصته حتى تبلغ عليه الصدقة.


الباب الخامس عشر
في زكاة مال الأيتام
وإخراج الوصي والمحتسب لذلك، وما أشبه ذلك
وعن وكيل اليتامى في أموالهم، ووصيهم من أبيهم بعد موته، إذا لم يعرف زكاة مالهم التي يتولاها حتى بلغوا، فلما بلغوا أخبرهم بذلك، ويكون هو بريء من ضمان ذلك أو يضمنه؟ قال: معي إنه إذا ترك ذلك لمعنى يسعه تركه، وأخبرهم بذلك، فأرجو أن لا يكون عليه أكثر من ذلك، وأما إذا تركه من غير عذر، فلا ينبغي ترك ذلك إلا من عذر. وقلت إنهم إن لم يصدقوه يكونوا سالمين أو غير سالمين؟ قال: معي إنه قيل إذا سلم إليهم ما أقر فيه عليهم بزكاة، وإنما صار إليهم من يده كان قوله حجة عليهم في الزكاة، كما كان حجة لهم في المال، وينظر في ذلك، وكذلك عندي إذا كان المال تجب فيه الزكاة، وقد علموا أن السنين التي مضت كان ملكا لهم؟ فقال: إنه لم يكن يؤدي منه الزكاة أشبه عندي أن يكون عليهم فيه الزكاة، حتى تصح أنه أدى منه الزكاة. وقلت: إن مات الأيتام وورثتهم ورثة، فأخبر الورثة، أيلزم الورثة بخبره ضمان أم لا ضمان عليهم؟ قال: معي إنه إذا مات الأيتام يتامى قبل البلوغ كان المعنى عندي فيه واحدا، بخبره للورثة، وإن ماتوا وقد بلغوا بعد ما يلزمهم معنى التعبد بأداء الزكاة، ويمكن أداؤهم لها، ويصير إليهم المال، ويعلموا أنه ثم لم يوصوا بالزكاة، أعجبني أن لا يكون هذا مثل الأول. قلت: وهل يلزمه هو الضمان، إذا ماتوا قبل بلوغهم؟ قال: معي إنه قد مضى القول في ضمانه هو إذا تركه لعذر، وإذا أبطل الزكاة لغير عذر يجوز له، ما أحقه عندي بالضمان.
مسألة: قلت فإن لم يكن لليتيم محتسب ولا وصي، فاحتاج رجل إلى شيء من طني النخل، فأراد أن يقوم شيئا من نخل اليتيم بقيمة عادلة، ويأخذها ويحتسب الطنى على نفسه، ويطني نفسه على هذا، وينفذه في صلاح اليتيم وماله، هل له ذلك؟ قال: إذا كان ذلك أصلح لليتيم جاز ذلك بحكم الاطمئنانة، وأما في الحكم فلا. قلت: وما تكون هذه الدراهم التي جعلها لليتيم من طنى نخلة، وبعد لم ينفذها في صلاح اليتيم أمانة هي عليه ضمان؟ قال: عندي أنها ضمان عليه.
قلت له: فعليه أن يخرج زكاة ما وقع على اليتيم منها؟ قال: قد قيل ذلك في بعض القول إذا خرجت من ضمانه إلى مال اليتيم، يقبض محتسب أو وكيل حتى يزيلها من ضمانه، وأما مادامت مضمونة في ماله فزكاها، عندي إن كان يجب عليه الزكاة، ولا يعجبني أن يزكيها؛ لأنها لم تصر بعد في ضمانه، وقال: واختلف في المحتسب لليتيم. فقال من قال: عليه وله أن يخرج زكاة مال اليتيم التي تجب في ماله.
وقال من قال: له ولا عليه، وقال من قال: لا له ولا عليه. قلت له: وكذلك زكاة الفطرة مثل زكاة المال؟ قال: نعم. هي مثلها.. والاختلاف فيها سواء.


الباب السادس عشر
في ذكر زكاة اليتيم
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في وجوب الزكاة في مال اليتيم، فقالت طائفة: تجب الزكاة في ماله، وروينا القول عن عمر، وبه قال علي بن أبي طالب وابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين والحسن بن علي وعطاء وجابر بن زيد ومجاهد وابن سيرين، وبه قال ربيعة ومالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور وسليمان بن حراث، وقال إبراهيم النخعي وأبو وائل والحسن البصري وسعيد بن جبير: ليس في مال اليتيم زكاة. وقال سعيد بن المسيب: لا يزكي حتى يحضر الصلاة ويصوم شهر رمضان. وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: في ماله الزكاة، غير أن الولي لا يخرجه، ولكن يحصيه، ولكن إذا بلغ أعلمه ليزكي عن نفسه. وقال ابن أبي ليلى: في ماله الزكاة، ولكن الوصي إن أداها ضمن، وقد روينا عن ابن شبرمة أنه قال: لا أزكي مال اليتيم الذهب والفضة، ولكن البقر والغنم والإبل، وما ظهر من مال زكيته، وما غاب لن أطلبه. وقال أصحاب الرأي: لا زكاة في مال الطفل، إلا فيما أخرجت أرضه، فإن الصدقة واجبة عله فيما أخرجت أرضه دون سائر ماله.
قال أبو سعيد: إنه يخرج في معاني قول أصحابنا إن الزكاة في مال الصبي إذا كان من أهل القبلة، إذا كان من الثمار والماشية، ولا أعلم في قولهم إن ذلك يؤخر، وأنه مخروج من ماله، إلا أنه إذا لم يكن يلي ذلك وصي ووالد من ماله، فلعل في ذلك اختلافا في معنى إنفاذه من ماله من غير الوالد والوصي. فقال من قال: إن ذلك له وعليه، وقال من قال: إن ذلك ليس له ولا عليه. وقال من قال: لا له ولا عليه، وما أشبه ذلك، إذا ثبت معنى الزكاة في المال أن كل من ولي المال زكاه، إذا كان في يده وقادر على إنفاذ الحق منه، وأما في الذهب والفضة فقد قال من قال: إن الوصي ينفذ ما وجب عليه من زكاة ذلك. وقال من قال: إنه إن شاء أنفذ ذلك، وإن شاء حسب ذلك، إذا بلغ أخبره، وقالوا: إنه عليه حجة إذا أعلمه بذلك إذا كان أمينا على المال.
ومن -جامع أبي صفرة- مسألة: وسألته عن رجل توفي وترك ابنا صغيرا عند أمه، وله مال، وقد كانت له أخت يعولها، هل لها أن تأكل من مال أخيها، وهي محتاجة، وقد أذنت لها أمه؟ قال: لا. قلت: فهل لها أن تزكي ماله؟ قال: نعم.
مسألة: عن أبي معاوية –رحمه الله- وعن حلي اليتيم لا يعرف وزنه، كيف يصنع فيه حتى يخرج منه الزكاة؟ وله حلي أيكسر أم لا من ذهب وفضة؟ إذا كان لا يعلم. فأرى أن يكسر حتى يعلم ما هو، ويعطي زكاته على علم. ومن غيره، وقد قيل يقوّم ولا يكسر.
مسألة: وعن ثلاثة يتامى لهم خمسمائة درهم مجموعة مع وكيل لهم من غلة أو غيرها، حتى خلالها حول، فيها الزكاة أم لا؟ فإذا كانت بينهم بالسواء، وليس لهم غيرها، فليس عليهم فيها زكاة حتى يبلغ لكل واحد منهم مائتي درهم، إلا أن تكون هذه الدراهم ورثوها من والدهم، ممن تجري عليه الزكاة، فإن في هذه الدراهم الزكاة، حتى يقسموها إذا بلغوا أو يقسمها بينهم وكيلهم من قبل بلوغهم.
مسألة: ومن غيره، ومن بعض الجوابات، وعن امرأة لها يتيم قد دنا أن يحتلم، وله مال ألف درهم ونيف، فتزاوله على أن يخرج زكاة ماله فيكره، فكتبت تسألني عن ذلك، فرأيي في ذلك أن يجبر على ذلك ويخرج زكاة ماله، وهو خير له، وأخبرك أني قلت لجابر أرأيت أن رجلا في حجره يتيم، وله مال، أيخرج زكاة ماله؟ قال: نعم، فليزكه. فنظرت إليه، فقال: إن مالا لا تخرج زكاته خبيث، وبلغني أن عائشة زوج النبي كان في حجرها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وكان له مال تزكيه، وكان أئمة المسلمين يزكون مال اليتيم إذا قدروا عليه.
مسألة: ومن غيره: وسأله عن رجل معه مال الأيتام، ولم يزك عنه سنين؟ قال: إذا بلغوا فليعلمهم أنه لم يزك مالهم سنين، وليس عليه شيء. وقال أبو بكر: ذلك إلى الوصي إن شاء أعطاه، وإن شاء أخر إلى أن يدركوا فيعلمهم.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- ووصي اليتيم مؤاخذ بزكاة ما في يد اليتيم، وإن كان حلي لا يعرف كم فيه، أو مال غائب عنه معرفته، وكره أن يتعرض له إلى بلوغ اليتيم، فلا بأس عليه في ذلك، ويعلم اليتيم إذا بلغ حتى يؤدي الزكاة، وكذلك إن قال الوصي لما بلغ اليتيم إنه لم يكن أخرج الزكاة لما مضى، والزكاة واجبة فيه، وعليه أن يخرج من ذلك المال لما مضى.
ومنه، مسألة: وإن جاء رجل بزكاة إلى الوالي فقال: إن هذه الزكاة عن يتيم عندي، وكان ذلك المال مشهورا، أخذها منه، ولا يقبل قول من يقول: إن هذا المال لفلان اليتيم، وقد خلا له عشر سنين أو أقل أو أكثر لم يؤد منه زكاة، ولكن يؤخذ المقر بالمال بإقراره لليتيم، فإذا أحال عليه حول مذ أقر به أخذت منه الزكاة إذا بلغت فيه، وقول: إن وصي اليتيم بالخيار، إن شاء أدى الزكاة عنه، وإن شاء تركها إلى بلوغه، ويعلمه حتى يؤدي، وعلى اليتيم إذا بلغ أن يصدق الوصي في ذلك. وقول على الوصي أن يخرج الزكاة، ولا يدعها في مال اليتيم.

الباب السابع عشر
في زكاة الغائب واليتيم
ومن جواب أبي الحسن –رحمه الله- وعن رجل كان في يده ألف درهم ليتيم أو غائب، وكان يخرج زكاتها كل سنة، حتى بلغ اليتيم أو قدم الغائب، فأدرك منها مائتي درهم، فطالب الذي له، قلت: هل يلزم هذا غرم لليتيم أو للغائب فيما أدى من زكاة ما لزمهم من الزكاة؟ فعلى ما وصفت، فأما اليتيم فإن كان هذا وصيا لليتيم أو وكيلا له في ماله فأخرج زكاة ماله، فلا غرم عليه في ذلك إن شاء الله، وأما الغائب فإن أمره إن يخرج زكاة ماله من تلك الدراهم، وإلا فلا يخرج زكاته حتى يقدم؛ لأن الغائب لعله يحدث ما لا يكون عليه زكاة، أو يزكي ماله، فإن كان أقر معه أن ذلك المال له ثم غاب، فبدع المال بحاله حتى يقدم، ولا ينبغي أن يضمن مالا لا يؤدي زكاته، فإن حاكمه في ذلك فأقر أنه لم يأمره بإخراج زكاة ماله هذه، وأنه هو يزكي ماله أو زكى ماله، كان عليه الغرم في الحكم، وإن كان أمره بإنفاذ زكاة ماله فلا غرم عليه.
وقلت: ما تقول إن كانت هذه الدراهم في يد هذا الرجل فأقرها مع وال من ولاة المسلمين، فقبض منها الزكاة، إلى أن رجعت إلى مائتي درهم، وقد أخذها الوالي، وبلغ اليتيم وقدم الغائب فطلب مالهما.
قلت: ما يلزمه لهما إذا أقر أن والي المسلمين أخذ زكاتهما؟ فأما مال اليتيم إذا قبض والي المسلمين زكاة ماله، فلا غرم في ذلك على أحد، وهو حق الله أخذ من حق الله، وأما الغائب فلا يتقدم الوالي على أخذ زكاة ماله حتى يقدم الغائب؛ لأن الغائب لا تؤخذ زكاة ماله من الورق حتى يقدم؛ لأنه يحدث له الأحداث مما يزيل عنه الزكاة، وأما الثمار فتؤخذ الزكاة من ماله.
وقلت: وإذا كانت هذه الدراهم في يد هذا الرجل لنفسه أو اليتيم أو الغائب، فأقر مع الوالي أن فيها زكاة عشر سنين لم تخرج، قلت: هل يجوز للوالي أن يأخذ زكاة عشر سنين؟ فعلى ما وصفت فأما ما أقر به في مال نفسه فذلك يأخذ الوالي زكاته، وأما اليتيم فإن كان وصيا لليتيم عن أبيه في ماله أو وكيلا عن المسلمين فأقر بذلك ودفعها هو إلى الوالي، قبضها الوالي ولا يتولى الوالي أخذ الزكاة في عشر سنين بإقراره، إلا إذا دفعها الوصي أو الوكيل إلى الوالي، وأما الغائب فيدع ماله حتى يقدم، إلا أن يكون وكيلا للغائب في ماله، وأمره بإخراج زكاة ماله من الورق فذلك جائز، وأما مال الغائب من الثمار فيؤخذ منها الزكاة، إذا وجبت فيها على كل حال، والذي أقر بعشر سنين في مال اليتيم يؤخذ من حين ما أقر بالمال فيما يستقبل الوالي في السنة المستقبلة، وأما العشر فإن سلم إليه الوصي أو الوكيل قبض ما سلم إليه من الزكاة، والله أعلم بالصواب.
مسألة: ومن غيره، وأحب أن لا يؤخذ وكل الغائب بزكاة مال الغائب، إلا أن يكون الغائب أمره بذلك أمره بذلك وأعطى هو برأيه؛ لأن الغائب لا تعرف حجته، وكذلك المؤتمن ليس عليه أن يخرج الزكاة من أمانته.
مسألة: وعن أبي سعيد –رحمه الله- فيما أحسب، وقلت: كيف تؤخذ الزكاة من مال الغائب والمفقود، إذا لم يكن له وكيل؟ فعلى ما وصفت، فإذا وجبت الزكاة في الزراعة بعلم من الوالي أو صاحب الصدقة الذي يقبضها أخذها من المال، كان صاحب المال حاضرا أو غائبا، إذا كان الإمام في حال يجبر على الزكاة، وإذا كان الإمام لا يجبر على الزكاة فلا يكون قبض الزكاة إلا على رأي صاحب المال أو وكيله الذي جعله لذلك، وكذلك إن غاب عن الوالي الوجوب في الزكاة لم يكن للوالي ولا لمن يلي قبض الزكاة إلا من يد رب المال أو من يد وكيله الذي أجاز له ذلك، أو يقر أحد من الناس بشيء في يده أنه من الزكاة، أو أنه زكاه، فإن الوالي يقبضه على هذا.
قلت: وكذلك المرأة تكون في البيت، ولها عامل فعلى ما وصفت فقد مضى الجواب، والمرأة مثل الغائب والمفقود.
مسألة: وعن الغائب واليتيم، إذا قدم الغائب، وبلغ اليتيم فسلم إليه رجل ألف درهم، وأخبره أنها لم تكن تزكى، ولم يعرف كم سنة وجبت فيها الزكاة، قلت: ما يفعل الغائب واليتيم في زكاة هذه الدراهم؟ فعلى ما وصفت، فإذا لم يعرف كم مضى من السنين لم تزك احتاط في ذلك، حتى يكون معهما أنهما قد أخرجا باحتياطهما عن زكاة ما مضى، وليس عليها غير ذلك. فإذا علم الله صدقهما في ذلك، نصحه الإرادة فذلك خلاصهما إن شاء الله.
مسألة: وذكرت في مال الأيتام، وهل يجوز الأخذ من أموالهم؟ فاعلم رحمك الله أن الزكاة واجبة في أموال الأيتام والأغياب، فإذا سلم إليك وصي اليتيم أو المحتسب الذي يحتسب له جاز قبضها إن شاء الله، وكذلك الزكاة تجب في مال اليتيم والغائب، إذا كان لهم عامل، وقال لهم هذه الزكاة اقبضها، رجوت أن يجوز قبضها لك.
مسألة: وقال أيضا: في رجل له دراهم بعمان، والرجل بالبصرة، وله وكيل بعمان، إن المزكي يذهب إلى الوكيل فيطلب منه زكاة مال الغائب ويأخذ زكاته، إلا أن على الغائب دينا فليس عليه زكاة، فإذا لم يقل شيئا فليس على المزكي أن يسأله عن صاحب المال؛ لأن الوكيل هو قائم مقام صاحب المال، فإذا لم يحتج بشيء عنه أخذت منه الزكاة.
ومن جواب أبي سعيد رحمه الله- أيضا، عن الإمام حفص بن راشد قلت: وكذلك العمال لمال الغائب واليتيم، هل لهم أن يخرجوا زكاة الثمار من أموالهم على وه الاحتساب؟ فإذا لم يجب للإمام فقد قيل إن ذلك يجوز للشريك أن يسلم زكاة المال من مال الغائب واليتيم إلى الفقراء أو إلى الإمام، ولو لم يجب له ذلك في الحكم. ومن غيره، وأما الغائب ففيه الاختلاف، فقال من قال: يوقف حتى يحضر الغائب ثم يخرج ما عليه فينظر في ذلك.
مسألة: ومن -كتاب أبي جابر- وكل غائب فلا زكاة في ماله من الورق حتى يعرف ما عنده، لعله حدث له دين بسبب زالت زكاة الورق، وأما الثمار فلا تقاس بهذا، لأنها واجبة على كل حال في الذي يجب فيه النخل أو غيرها من الأرض والثمار، ولا يرفع ما يلزم صاحبها من الدين، ووكيل الغائب واليتيم يقوم مقامه في ذلك في أداء زكاة ماله، وإن كان يتيم لا وصي له ولا وكيل، أقام الحاكم له وكيلا، وأخرج الزكاة من ماله، وكذلك الأعجم والمعتوه والشيخ الذي ضل عقله، يقام له وكيل، ويؤدي الزكاة من أموالهم.
مسألة: من –الزيادة- رجل في يده مال لقوم أعراب، وهو يقوم به ويأمر ويقبض ثمرته، أيجوز أخذ زكاة هذا المال من عنده؟ قال: إن كان مأمونا على مثل ذلك لأنه لا يفعله إلا برأي أهله جاز ذلك بمعنى الاطمئنانة، وإن كان متهما أو لا يؤمن على مثله ذلك لم يعجبني أن يؤخذ ذلك منه إذا علم أنه من المال، أو عن زكاة هذا المال، جاز عندي أن يقبض منه ما في يده، ما لم يقر به أنه من المال أو يعلم ذلك.
مسألة: عن أبي عبد الله، في شريكين: أحدهما غائب، هل يقبل قول شريكه الحاضر أنه قد أدى زكاة حصته؟ قال: يأتمنه على ذلك.
قال غيره: أما فيما يلزمه هو من الزكاة فيقول له الشريك: إنه قد أدى عنه فلا يجزيه ذلك، حتى يكون ثقة، وقول يجزيه إذا يجزيه إذا كان أمينا، وأما فيمن يلزمه الشريك من زكاة حصته وهو الشريك في المال، فقيل: ليس ذلك على شريكه ما كان، وقيل عليه في زكاة شريكه كمثل ما عمله على الاختلاف؛ لأنها أمانة لهما في الأصل.
مسألة: ومن –كتاب الكفاية- وقلت: هل في المال الحرام زكاة، وهل على المسلمين أن يأخذوا منه الزكاة؟ فعلى ما وصفت، فإذا وجبت في المال بعينه الزكاة أخذ منه الزكاة إذا كان من مال أهل القبلة، ولو كان مغتصبا أو مأخوذا من باب ربوي أو من وجه ربا، فافهم ذلك. لأن مال أهل القبلة واجبة فيه الزكاة على كل حال إذا كان الإمام يجبر على الزكاة، والله أعلم بالصواب.
كذلك مال اليتيم إذا علمت أنت أن مال اليتيم قد وجبت فيه من الثمار، وكنت تأخذ الزكاة بالجبر من الرعية، جاز لك ذلك أن تأخذ من مال اليتيم، إذا علمت أن الزكاة قد وجبت فيه، وأما إذا لم يعلم ذلك، فإن كان الذي يقول ذلك إن هذا زكاة من مال هذا اليتيم وصي، ولك يكن يعلم خيانته، جاز لك أن تأخذ منه الزكاة، وأما إذا لم يكن وصيا لليتيم، وغاب عنك علم وجوب الزكاة في مال اليتيم، وأقر هذا أن هذا من ما اليتيم زكاة، وجبت فيه، أو من زكاة وجبت فيه لم يقبل ذلك، إلا أن يكون ثقة فإن الثقة مصدق في ذلك، وكذلك إن أقر هو أن هذا زكاة، أو من الزكاة، لم يفسر من أين هي أخذت أنت الزكاة منه، فافهم ذلك، والله أعلم.

الباب الثامن عشر
فيمن يخرج زكاة ماله ثم شك فيخرج زكاة شيء من ماله
ومن جواب أبي الحواري –رحمه الله- وعن رجل يخرج زكاته، ثم يشك في شيء من ماله إنه لم يخرج عنه زكاة، ويرجو أنه قد أخرج عنه، أيرجع يزكيه، فلا بأس عليه؟ فعلى ما وصفت، فإن كان وقت زكاته فعليه إخراج ما يشك فيه حتى يعلم أنه قد زكاه، وإن كان قد انقضى الوقت فليس عليه زكاة حتى يعلم أنه لم يزك.


الباب التاسع عشر
في زكاة ما أخرجت الأرض من الحبوب
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: أجمع عوام أهل العلم على أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، واختلفوا في وجوب الصدقة في سائر الحبوب والثمار، فقالت طائفة: لا صدقة إلا في هذه الأربعة الأشياء، هذا قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح وعبد الله بن المبارك ويحيى بن آدم وأبو عبيد. وفيه قول ثان وهو ضم السلت إلى الأصناف الأربع، هذا قول ابن عمر. قيل: إن السلت نوع من الشعير، فإن كان هكذا فهو موافق لقول هؤلاء. وفيه قول ثالث: وهو ضم الذرة إلى الحنطة والشعير والزبيب والسلت، هذا قول إبراهيم النخعي. وفيه قول رابع: وهو إيجاب الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسلت والزيتون، روينا هذا القول عن ابن عباس. وفيه قول خامس: وهو إيجاب الصدقة في النخل والعنب والحبوب كلها، هذا قول عطاء بن أبي رباح ومكحول وعمر بن عبد العزيز وحماد بن أبي سليمان. وقال الزهري في القطاني العشر، وبه قال مالك بن أنس والأوزاعي. وفيه قول سادس: وهو جميع ما يزرعه الآدميون وييبس، ويدخر، ويقتات به، مأكولا خبزا أو سويقا أو طحينا، ففيه الصدقة، والقطاني فيها الزكاة، وليس في الابازير والقت، ولا القثاء ولا حبوب البقول ولا السوس صدقة. لا يؤخذ من شيء من الشجر صدقة، إلا النخل والعنب، هذا قول الشافعي. وقد اختلف فيه عن أحمد بن حنبل، فحكي عنه أنه كما قال أبو عبيد، وحكي أنه قال: كل شيء يدخر ويبقى فيه الزكاة. وقال إسحاق: كل ما وقع عليه اسم الحب فهو مما يبقى في أيدي الناس، مما يسير في بعض الأزمنة عند الضرورة طعاما لقوم، وهو حب يؤخذ منه العشر. وقال أبو ثور: في الحنطة والشعير والأرز والحمص والعدس والذرة، كل جميع ذلك مما يؤكل ويدخر، والتمر من الزبيب والسلت والدخن واللوبيا والقرطم، وما أشبه ذلك صدقة.وقال أصحاب الرأي: في الحنطة والشعير والحلبة والتين والزيتون والذرة والزبيب والسمسم والأرز وجميع الحبوب كلها، إذا كان في أرض الصدقة العشر.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه الاتفاق من قولهم إن الزكاة مما أنبتت الأرض في ستة أصناف: وهو التمر والزبيب والبر والذرة والشعير والسلت. فقال من قال: إنه الشعير الأقشر، والذي يثبت هذا منهم لا يرى في سائر الحبوب ما أنبتت الأرض صدقة غير هذه الأصناف. قال من قال: إن السلت هو سائر الحبوب مما يستبقى في أدي الناس ويقتات به، مما هو سنبل، وما كان على غير معنى السنبلة في جميع ذلك فلا زكاة فيه. وقال من قال: إن السلت جميع ما وقع عليه اسم الحب مما كان سنلة أو قرونا، مثلا الباقلأ واللوبيا وما أشبه ذلك، وما كان سنبلة فهو مثل الدخن والأرز وأشباه ذلك، فعلى حسب هذا يخرج معاني قولهم عندي، ولا أعلم في غير هذه الصنوف معهم زكاة، ولو كان يبقى في أيدي الناس مثل الثوم والبصل وأشباه ذلك، ولو كان يقتات به، ولا أعلم مدار قولهم: إن الزكاة تجب في شيء مما أنبتت الأرض إلا المأكول، إلا أنه قد يوجد عن بعضهم إن في القطن الزكاة، ولا أعلم ذلك مما عمل به الأئمة، إلا أنه قد يوجد أنه عرض على بعضهم فلم يثبته. فقال له السائل: أفأضرب عليه، قال: لا فالله أعلم ما أراد ذلك أنه لم يخرج معه إلى معنى الباطل، أو كان له فيه نظر.
قال المؤلف للكتاب: وفيه رأي آخر إذا بلغ القطن ثلاثمائة من، ففيه الزكاة، والله أعلم.
مسألة: ومن –كتاب أبي جابر- والصدقة في الثمار في التمر والزبيب. ومن غيره: وعن أبي زياد أن الزبيب يحمل على التمر في الصدقة. ومن غيره: ولا يحمل الزبيب على التمر إذا لم تجب في أحدهما الزكاة، ولا البقر على الإبل ولا الإبل على البقر.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم.
(رجــع)
والحنظة والشعير والسلت والذرة، وقيل السلت هو الشعير الأقشر. وقال من قال أيضا من الفقهاء: الصدقة أيضا في السمسم والعدس والدرسق والدخن والماش واللوبيا والجرجر. وقال من قال: الصدقة في الحبوب كلها.
ومن –الكتاب المعروف بكتاب الأموال- تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام، ومن باب الصدقة قال أبو عبيد: يروى أن رسول الله أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب، وقال أبو عبيد: ويروى أو قال من التمر والزبيب. وقال: إنه كان يأخذ الثياب بصدقة الحنطة والشعير. قال أبو عبيد: وعن الحسن أنه كان لا يرى العشر إلا في الحنطة والشعير والزبيب، وكذلك يروى عن ابن سيرين. قال أبو عبيد: وبهذا القول كان يأخذ ابن أبي ليلى وسفيان بن سعيد أن الصدقة لا تجب في شيء مما يخرج من الأرض إلا في هذه الأربعة أصناف على ما سن رسول الله، وامر به معاذا، ثم قال ابن عمر. قال أبو عبيد: وقد قال قوم أئمة سوى هذا القول، وزادوا في هذه الأصناف ونقصوا، فمن زاد ابن عباس وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري والأوزاعي ومالك بن أنس، وأهل العراق، وغير ابن أبي ليلى وسفيان، وممن قال بقولهما، وممن كان نقص منهم شريح والشعبي.
فأما الذين زادوا فروي عن ابن عباس أنه قال: الصدقة في الحنطة والشعير والزبيب والذرة والسلت، فأما من قال بالنقصان فيروى عن شريح قال: تؤخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر، وكان لا يرى في العنب صدقة، وكذلك يروى عن الشعبي بمثله، وكان مذهب هؤلاء أن النبي إنما حكم على العرب في صدقاتها بما يعرف من أقواتها ما هو طعام لها في حاضرتها وباديتها، فلم يكن إلا هذه الثلاثة الأصناف، فكانت بالحنطة والشعير لأهل المدر، وكان التمر لأهل الوبر، وخرج الزبيب من هذا المعنى.
يقولون: فإنما وجبت الصدقة للفقراء على الأغنياء فيما لا حياة لهم بعد الله إلا بهم، ليعيشوا معهم كالإبل والبقر والغنم التي خصها رسول الله بالصدقة من بين جميع سوائم الخيل والبغال والحمير، فجعل الله ألبان تلك ولحومها معاشا للناس من دون هذه، فلذلك وجب في تلك الصدقة دون الأخرى.
يقولون: وكذلك هذه الأصناف الثلاثة من الطعام البر والشعير والتمر، هن في قوت الناس ومعاشهم عند العرب. قال أبو عبيد: الذي أختار من ذلك الاتباع لسنة رسول الله : أنه لا صدقة إلا في الأصناف الأربعة التي سماها ونسبها مع قول من قال من الصحابة والتابعين، ثم اختار ابن أبي ليلى وسفيان ثم عيينة، وذلك أن النبي حين خص هذه بالصدقة، وأعرض عما سواها، قد كان يعلم أن للناس أموالا مما تخرج الأرض، وكان تركه ذلك عندنا عفوا منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق.


الباب العشرون
في ذكر زكاة ما أخرجت الأرض من الحبوب
من كتاب الإشراف قال أبو بكر: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض(، وقال عز وجل: وآتوا حقه يوم حصاده(. فروينا عن ابن عباس أنه قال: العشر ونصف العشر. وقال: من حقه الزكاة يوم يكال ويعلم كيله، وبه قال جابر بن يزيد وسعيد بن المسيب والحسن البصري وطاووس وقتادة. وقال مجاهد: إذا حصد زرعه ألقى لهم من السنبل، وإذا أجذ نخله ألقى لهم من الشماريخ، فإذا كاله زكاه.
وقالت طائفة: كان هذا قبل الزكاة، لأن هذه السورة مكية. وممن قال: إن الآية منسوخة إبراهيم النخعي وأبو جعفر.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا نحو ما حكي بمعاني الاختلاف، وأثبت ما عندهم فيما عندي أنه لا يجب فيها الزكاة بالكيل، وقد قيل في معنى قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده( إن عليه بمعنى الحصاد حقا غير الزكاة بالمعروف، حتى قال من قال: إنه يجب في مال اليتيم. وقال من قال: ليس في مال اليتيم إلا الزكاة، والله أعلم.
مسألة: وعن رجل أصاب من ذرته مائتي مكوك، وباع علفا من الذرة بمائتي مكوك قبل دراكها، أيحمل العلف على الحب؟ قال: لا أرى عليه شيئا في هذا.
مسألة: وعن رجل زرع أرض رجل بغير رأيه، فأعطاه ما أراد، وأخذ ما أراد لنفسه، أعلى صاحب الأرض زكاة هذه الزراعة؟ قال: لا، إلا أن يقدر على أخذ الحب، فيعطي زكاته إذا وجبت فيه الزكاة.
ومن غيره، ومن كتاب أبي المؤثر.
مسألة: وعن رجل له مال تبلغ الزكاة، فيعطيه رجل من ماله ما إذا اجتمع وجبت عليه الزكاة؟ قال: إذا كان أعطاه ثمره، فليس عليه زكاة، وإن كان أعطاه أصلا، وكانت العطية قبل دراك الثمرة، فعليه الزكاة، وإن كانت عطيته وقد أدركت الثمرة فلا زكاة عليه.
مسألة: وعن أبي عبد الله محمد بن الحسن، رجل له قطع فزرع تلك القطع حنطة، فلما أدركت ويبست وهب زرعا من تلك القطع لإنسان وحصده، فبلغ في الزرع الزكاة، على من تذهب زكاة ذلك الزرع، على الواهب أو على الموهوب له؟ الجواب: إذا قبض الموهوب له الهبة فالصدقة عليه، والله أعلم.

الباب الحادي والعشرون
في زكاة ثمرة النخل
ورجل أعطى فقيرا نخلة على أنها من زكاته، فأكلها الفقير رطبا وبسرا، هل يجزيه أن يطرح مقدارها من زكاته على قول من يقول: ما أكل بسرا ورطبا ففيه الزكاة؟ قال: معي إنه إن كان يؤدي زكاته رطبا وبسرا أجزى ذلك. وإن كان هو لا يذهب إلى ذلك، وإنما يؤدي زكاته تمرا لم يجزه ذلك أن يحط ذلك.
مسألة: قال أبو سعيد –رحمه الله-: في رجل أعطى رجلا نخلا رطبا وبسرا وحبسها عليه مما عليه، أيلزمه من زكاة التمر؟ إن ذلك عنده بمنزلة العروض، ولا يجزيه على بعض القول، حتى يصير تمرا يابسا على معنى قوله، وعن رجل أطعم رجلا نخلة من نخله وحسبها من زكاته، إذا رجا أن تصل ثمرتها جرابا، حسبها تسعة أقفرة أو ثمانية، هل يجزي ذلك عنه، وهل يجوز أن يقوّم زكاته قبل حصادها وهي لم تدرك؟ فقد قيل فيمن أعطى نخلة فقيرا أو حسبها من زكاته، فإن ذلك يجزي عنه، ولا يحسب قبل دراكها، وإنما يسحب بعد دراكها.
مسألة: عن أبي سعيد –رحمه الله- وعن رجل عليه في ماله الزكاة، أعطى نخلة فقيرا عما يجب عليه من الزكاة، قلت: هل يجزيه ذلك؟ فعلى ما وصفت فقد عرفنا في ذلك اختلافا، إذا أعطاه نخلة بسرا ورطبا، فقال من قال: تجزيه ذلك على قول من يقول : إن في الرطب والبسر الزكاة. وقال من قال: لا يجزيه ذلك، وأما إذا قبضها تمرا يابسا أو تمرها وصارت إليه تمرا في يده، فقده أجزأه ذلك عن الزكاة.
مسألة: في العسل، وعنه وأما الذي كنز تمره ولم يخرج منه الزكاة فنضد التمر، وخرج منه العسل، ثم أراد أن يخرج منه الزكاة فمعي، إنه إذا لم يتغير التمر، وبلغ إلى معرفة إخراج الزكاة، واحتاط حتى لا يشك أنه قد أدى مال لزمه هنالك عندي جائز، وإنما الزكاة في التمر ليس في العسل، وإن أخرج منه بالوزن بالورق فحسن، وإن تغير التمر بوجه من الوجوه عن حاله الذي كان عليه حين وجوب الزكاة، لم يجز عنه ذلك، وكان عليه أن يعطي تمرا غير متغير، مثل التمر الذي لزمه من الزكاة.
مسألة: وقال أيضا في النخل إذا تعينت ثمرتها فلا يؤكل منها شيء إلا بكيل، لأن فيه الزكاة، وقال من قال: يؤكل منه، وليس فيما يؤكل منه زكاة. ومن غيره، قال: نعم، قد قيل هذا، وقال من قال أيضا: ما كيل من ذلك كله وجب فيه الزكاة، وما أكل بغير كيل فلا زكاة فيه. ومن غيره، وقال من قال: يؤكل من المصطاح والرطب والحمل، فلا زكاة فيه. ومن غيره، وقال من قال: وقد قيل أيضا فيما أكل من المصطاح بالاختلاف، فقال من قال: ما أكل فلا زكاة فيه، وقال من قال: فيه الزكاة، وقال من قال: ما كيل فأكل ففيه الزكاة، وما لم يكال فلا زكاة فيه.
مسألة: وإن باع من الرطب ببقل أو سمك أو بشي، فعليه فيه الزكاة. ومنه، قال: وقد قيل ما اشترى لعياله مثل الباقلاء والسمك وأشباهه مما يدخل في إدامهم فلا زكاة فيه، وقال من قال فيه الزكاة، وذلك في التمر اليابس من المصطاح وغيره، وأما الرطب فإنما هذا على قول من يقول بالرطب إن فيه الزكاة.
مسألة: وعن البسر المطبوخ أخرج زكاته بسرا أم من التمر؟ قال: إذا أخرجت زكاته من ثمرة النخلة التي هو منها، فلا بأس إن كان مكان البسر تمرا.
مسألة: من –كتاب الكفاية- ومن وجب عليه زكاة في تمر فرض، أو مصين، فأخرج بدله أو أقل منه، فعلى قول يجزيه، ويخرج فضل القيمة تمرا من ذلك حتى يكمل ذلك، وقال آخرون: من كل ما يجب فيه يخرج منه قسطه.
مسألة: وعن أبي سعيد –رحمه الله- في رجل أطعم فقيرا أو غنيا، أو باع لأحد رطبا، ثم لم يدر ما حاله تركه حتى صار تمرا أو أذهبه رطبا، فمعي إنه على قول من يقول: إنه قيل ليس في الرطب زكاة، فيخرج عنيد في الحكم أنه لا زكاة فيه حتى يعلم أنه صار تمرا، أو يكون الأغلب من ذلك أنه يصير تمرا عند مشتريه، فإذا كان كذلك فعندي إنه يختلف في الزكاة فيه.
مسألة: أبو الحواري، اختلف في زكاة التمر، فقول: كل شيء من التمر ففيه الزكاة، وقول: لا زكاة إلا فيما جمع المصطاح، فما ذهب من غير أن يصل إلى المصطاح فلا زكاة فيه. إذا ذهب مما أكل أو عطيه، إلا أن يكون بيع بيعا بدراهم، أو بغير ذلك، ففيه الزكاة، وأما ما اشترى به الإدام مثل الجرجر وغيره، فلا زكاة فيه، إلا من المصطاح، وقول إذا نضح التمر، ففي كل شيء منه الزكاة، وليس في اللقاط زكاة، إلا أن يكون ريحا خاربا ويجمعه أيضا في المصطاح، وكذلك الشخار. قال غيره: ما أكل من الرطب مجملا فلا زكاة، كان بكيل أو غيره.
مسألة: وقيل ليس في الحشف زكاة. قال هاشم: والحشف من التمر قبل أن يكال، فمعي إنه يختلف في الزكاة فيه إذا أكل بغير كيل أو أكله العيال، وأما العلة في ذلك فمعي إنه هو مستهلك بوجوب حق العيال فيه، كما كان مستهلكا في الدين، وحق العيال عندي أوجب من حق الدين.
مسألة: من كتاب أبي جابر، ولا زكاة عندنا إلا فيما يبس وصار تمرا، إذا بلغ فيه الصدقة، وفي بعض القول إنما الصدقة فيما جمعه المصطاح، والقول الأول أحوط، وهو أحب إليّ. ومنهم من قال: فيما كيل، وما لم يكال فلا زكاة فيه.
مسألة: وإذا يبس التمر في رؤوس النخل، فما أكل منها أحصي كله للزكاة، وأما ما يطعم الصارم، فإنه إن كيل ففيه الزكاة، وما لم يكل فلا، وقول آخر: إن كيل أو لم يكل فلا شيء فيه. قال غيره: وقد قيل إن قيل أو لم يكل ففيه الزكاة.
مسألة: ورجل أخرج زكاة تمره ونضده مع تمره، فخرج منه عسلا فقام يخرج بمقدار العسل ويعطي الفقراء عن نية، أو يعطيه هكذا على غير نية، أو على أنه من عسل الزكاة، حتى أخرج بمقدار ما خرج، أيجزيه ذلك ويكون مؤديا أم لا؟ فلا يبين لي أن في العسل زكاة، وأرجو أنه إن لم ينقص قيمة التمر عن حاله أو يضره ذلك أن التمر يجزيه عن الزكاة. ومعي إن هذا احتاط جعله من الزكاة أو من الصدقة والعطية للفقراء. وقلت: أعتقد ذلك بعد العطاء، أيكون مؤديا أم لا؟ فإذا كان لازما وغير مميز بعينه، فقد قصد به للزكاة ثم أنفقه، فمعي إنه لا يجزيه عن الزكاة.
وقلت: لو أعطى من العسل جملة من عسله، ومما يخرج من الزكاة، أو من تمر- خاصة بمقدار ما يخرج من ثمرة الزكاة، والعسل بعد يخرج فسلمه إلى الفقراء على نية أنه عسل الزكاة، أو على غير نية لشيء، ثم نوى بعد ذلك، فسلمه إليهم وسلم التمر إلى آخرين، وأخذ هو الباقي الخارج من ثمرة الزكاة، أيكون مؤديا أم لا؟ فمعي إنه إذا كان التمر لا ينقصه خروج العسل عن حال ما وجبت فيه الزكاة أنه يجزيه عن الزكاة، والعسل لا يبين لي فيه زكاة، وإن وجبت فيه زكاة لمعنى هذا عندي، فأخرج أولا عن آخر أجزأه ذلك عندي، لأنه لا يجوز أن يعطي عن الزكاة مثلها أو أفضل منه، ولا يعطي من كل شيء بعينه زكاته.
مسألة: ورجل سلم إلى رجل تمرا من الزكاة لعمرو ولبعض ليقبضه أو يسلمه إليه، فمر زيد فقال لعمرو فإن فلانا دفع إلي تمرا لك، أبلغك إياه أو توجه إليه من يحمله أو تصده لك مع تمرك، فجاء هذا فأخذ التمر فكنزه مع تمره، ولا نية له في القبض، إلا أنه فعل ما قال له أن يكون قد صار لعمرو أم لا؟ فمعي إنه إن كان الأول قبضه لعمرو، وأتم ذلك عمرو، فهو من ماله عندي على بعض القول، وإن كان إنما هو رسول إليه ليسلمه، فلا يبين لي أن ذلك قبض حتى يقبضه، كما أمرت بالزكاة. وقلت: إن كان لم يصر له ما لم يقبضه زيد ويرضى بذلك أو يأمره بقبضه، أو غيره فوقع في التمر مضرة وزيد ثقة مع رب المال فضمان المضرة على من، على زيد أو رب المال، وفعل ما وصفت بغير أمر المرسل، فوقع من فعله في التمر مضرة، فلا آمن عليه الضمان لذلك، لأن فعل ذلك بغير أمر زيد، إذا لم يكن قد قبضه لعمرو ولا قبضه عمرو منه، وقيل ليس في الحشف زكاة. قال هاشم: والحرث مثله، وقول في الحرث الزكاة، فمن أخرج الحشف من التمر فليعط من الذي خلص منه الحشف، فإن أعطى من تمر غير منقى حسب ما أخرج من التمر من الحشف، وأعطى منه.
مسألة: قال زياد فيمن ميز الحشف من التمر، فلم يبلغ في التمر للصدقة، ولو خلط فيه لبلغ. قال: ليس فيه صدقة.
ومن غيره، قال أبو سيعد: في الذي ينتقي تمره من الحشف قبل أن يزكيه، أن عليه أن يعطي الزكاة من التمر المنتقى، وإن أداها قبل أن ينتقي ولم يعلم أنه كان هنالك في كثرته الفاسد أو قلته، فلا يبين لي عليه فيه ضمان، وفي نفسي من ذلك، ولا آمن من أن يميز الفاسد فيما قد وقع في الزكاة فيضرها. ومن غيره، وقلت إن كان على رب المال أو زيد، فجاء عمرو الضعيف فقبض التمر، وأبرأ الضامن مما لزمه من التمر، أيجوز لعمرو ذلك ولا يبرأ أم لا؟ فإن كان قد صار التمر يقبض زيد له، وأتم أنه يجوز أن يبرأ من زيد، وإن كان لم يصر إليه، وإنما هو لصاحب الزكاة، فإنما أمر ذلك إلى رب المال، وعلى رب المال أن يؤدي عن الزكاة بقدر ما نقص التمر، قبل أن يصل إلى الفقير.
وقلت: إن خرج من التمر عسل فأضر ذلك بالتمر، وكان مع ذلك فتحرى مقدار ما خرج من الزكاة، وأعطاه عمرو أو غيره. أيكون قد سلم زيد ورب المال، ويجوز أخذ ذلك أم لا؟ فمعي أن زيدا ما لم تصر إلى لعمرو وعلى ما وصفت لك، فهو لرب المال وأمر ذلك كله إليه، وعليه أن يتحرى ما نقص من التمر في الزكاة إلى عمرو أو غيره، وإن فعل ذلك زيد بأمر رب المال، وفعل زيدا تم له رب الزكاة جاز ذلك عندي.
وقلت: أن كان يجزئهم فوقع عليه قبل قبضه نجاسة، فقبضه وهو نجس، أو بمقدار وأعطاه زيدا صبيا، أيكون قد سلم الجميع أم لا؟ فالله أعلم بسلامة الجميع، وقد مضى عندي القول في مثل هذا.
وقلت: إن كان لا يجزئهم، فيكون الخلاص أن يعطي عسلا مثله عمروا أو غيره، أو بقيمته؟ فقد مضى القول عندي في مثل هذا، إن كان زيد قبض لعمرو أو كان رسولا، فانظر في ذلك واعمل بحسب صواب ما بان لك من القول.
وقلت: لو تلف التمر بعد ذلك، أيكون الجميع سالما، أو يعطى عمرو أو غيره مثله أو قيمته؟ فقد مضى القول عندي في مثل هذا، أرأيت إن كان الضمان على رب المال، ولا يلزم زيد شيئا، فأعطى زيدا بقدر المضرة تمرا أو عسلا أو قيمته، ولم يعلم رب المال المجزي للجميع، وجائز الأخذ علم أنه يلزم رب المال أم لا؟ فقد مضى عندي في مثل هذا، فإن كان زيد رسولا فالتمر لرب المال، ورب المال ضامن لما نقص من التمر من الزكاة، وزيد ضامن لرب المال مما أخذ من ماله بغير أمره، فإن فعل على ذلك زيد، وأدى ما لزمه لرب المال في الزكاة، فأتم له ذلك رب المال. فمعي إنه يجوز له، وإن لم يتم له ذلك، فلا يجوز له معي فيما قد ضمنه، وإن كان زيد قابضا لعمرو، وذلك وأتم له ذلك فجميع ذلك عندي لعمرو، وليس لزيد أن يسلم إلى عمرو ذلك عندي، ولا إلى غيره بعد أن ضمنه إلا بأمر رب المال أو يتم له ذلك.
وقلت له: لو نضد تمر الزكاة مع ثمره فأضر به ذلك النضد، وإنما أراد بذلك لنفعه، وكان المال له أو لغيره قابضا أو رسولا، ثم أعطى مقدار العسل قوما، وأعطى التمر قوما، أيجزيه ذلك، ويكون سالما أم لا؟ فمعي إنه إن كان رب المال أداها جاز له أن يفعل في ماله ما يشاء، ولا يبين لي أن في العسل زكاة، ولكن يعطي ما نقص من التمر، وأما إن كان رسولا فأمر ذلك رب المال، وإن كان قابضا وأتم ذلك المقبوض أو قبضه له بأمره، فذلك إلى المقبوض له عندي.
وقلت: لو سلم زيد زكاة لعمرو وقبضها على اطمئنانة أنه يرضى أو يسر، ثم تلفت قبل أن يصل إليه شيء أو يأمره بقبضه، أيكون ذلك مجزيا للجميع، ويكون قد صار له أم لا، حتى يخبره بذلك؟ فقد مضى القول عندي في مثل هذا، واستدل عليه في أمر الرسالة والقبض، وأرجو أنه قبض له فأتم ذلك، ولو كان قد تلف أخذ ذلك يجزي عن رب المال.
وقلت: لو كان هذا التمر لعمرو من الزكاة، هل يكون قد صار له بمقالته، أم لا يكون له بقبض أو ما يقوم مقام القبض؟ فمعي إنه يكون له في الحكم بإقرار رب المال، قبض أو لم يقبض، ولا يبرأ رب المال من الزكاة عندي إلا بقبض.
وقلت: لو قال هذا لزيد من الزكاة، أو أحمل هذا لزيد من الزكاة، أو أكثر هذا لزيد، أو أقبض هذا لزيد، أو قال: هذا من الزكاة لزيد. افعل له كذا وكذا، وهو يريد بذلك قبضا له، ولا نية له إلا بما قال. أيكون ذلك قد صار بأخذه لزيد أم لا يكون له إلا بقبض زيد أو ما يقوم مقامه؟ فمعي أن ذلك كله لزيد في الحكم بجميع قوله، هذا عندي في قوله اقبض هذا لزيد من الزكاة، فإني أحب أن لا يكون له حتى يتم ذلك، أو يكون قد أمره بذلك زيد، وأما رب المال فإن كان قد سلم زكاته بهذا، فلا يكون ذلك عندي له مجزيا إلا بقبض أو إتمام.
مسألة: عن أبي الحواري، وعمن وصل ما كان له من الزراعة خمسة وعشرون جربا بهذا المكوك اليوم، أيجب عليه فيما أصاب الزكاة؟ فاعلم أن الزكاة بصاع النبي ، فإن كان هذا الحب ثلثين جربا بصاع النبي فعليه الزكاة، وإن كان لا يعلم ذلك، فلا زكاة حتى يعلم ذلك.
قال غيره: وقد قيل إذا بلغت ثلاثمائة صاع وجب فيها الزكاة، وعليه السؤال عن ذلك ولا ينفعه جهله.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- وإذا بلغت الثمرة ثلاثمائة صاع بالصاع الأول، ففي كل عشرة أصواع صاع، وليس دون العشرة شيء حتى يتم عشرة، بعد أن يتم ثلاثمائة صاع، وذلك العشر فيما سقته السماء والأنهار، وأما ما سقي على النواضح والدوالي فإنما يؤخذ منه إذا تمت الصدقة نصف العشر، من كل عشرين واحد، ومن العشرة نصف واحد، وهو نصف صاع.
مسألة: ومنه، وعن الزراعة التي تزجر، هل تؤخذ الصدقة من عشرة مكاكيك؟ فليس من عشرة شيء؛ لأنها كسر حتى تتم عشرين مكوكا، وكذلك فيما يسقى بالأنهار لا يؤخذ من دون العشرة أمكاك شيء، وفي موضع آخر أن العشرة من الزجر فيها نصف مكوك، ومن غير الزجر مكوك، ومن أخذ بذلك فلا بأس.

الباب الثاني والعشرون
في زكاة ثمرة النخل وذكر اختلاف العلماء
في النخـل يخرج التمـر الرديء والجيد
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون الآية. ونهى رسول الله عن الجعروف ولون الحبيق أن يعطى في الصدقة. واختلفوا في الرجل له الثمرة المختلفة، فكان مالك والشافعي يقولان: لا يؤخذ من الرديء وما أشبهه، وإنما يؤخذ من وسط التمر، وشبه ذلك في الغنم يكون فيها السخال وغيرها. وقال من قال: يؤخذ عشر ذلك من كل بقدره. وقال أبو بكر: وهذا أصح.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق معنى القول الآخر إنه يجب على رب المال أن يؤدي من كل جنس من التمر منه، إلا أن يفضل بأفضل فذلك له. فمعي إنه يجزي عنه فيما يشبه معنى الاتفاق من قولهم، وليس عليه أفضل منه.
مسألة: من غير –الكتاب- وقال زياد بن الوضاح: في رجل أخذ ثمرة نخله، وفيها حشف، فميز الحشف من التمر، ثم كال التمر فلم تبلغ فيه الصدقة، ولو خلط فيه الحشف لبلغ فيه الصدقة. قال: ليس عليه صدقة.
قال المؤلف للكتاب: والحشف إذا كان إحشافه بعد أن حلا ففيه الزكاة ويتم به التمر، وأما حشف مر فلا، والحرث إذا كان أحرث بعد أن حل ففيه الزكاة.

الباب الثالث والعشرون
في زكاة الطنى وزكاة البيع للمال والزرع قبل إدراكه أو بعده
وعن رجل أطنى ثمرة نخل له، واشترى بثمن الثمرة سلعة قبل أن يزكيها ربح فيها قليلا أو كثيرا، ثم إنه أراد أن يخرج ما وجب عليه من زكاة ثمن الثمرة، وقد زادت في التجارة، ما يجب عليه؟ قال: معي أن عليه زكاة الثمرة، وليس عليه فيما زاد شيء، إلا أن يحول الحول، ويجب عليه زكاة الورق.
قلت له: وكذلك ما وجب عليه فيه من الزكاة من الثمار، والمسألة على حالها فلا يجب عليه إلا زكاة الثمرة؟ قال: هكذا معي أنه ليس عليه إلا زكاة الثمرة، إذا لم تنتقل الثمرة إلى ذهب أو فضة أو شيء من غيره، عروض أو طعام يراد به التجارة.
مسألة: وسئل عن رجل باع نخلا وثمرتها، وكانت الثمرة مدركة، على من زكاة الثمرة؟ قال: معي إنه في قول أصحابنا إنها على البائع، وقول على المشتري.
مسألة: ومن –جامع ابن جعفر- ومن باع ثمرة أرضه واشترط على المشتري أن يعطي زكاتها، فذلك مكروه أن يولي زكاته إلا من يثق به، ومن غيره، وقال من قال: إن كان ذلك من جهة الثقة على الزكاة فذلك كذلك، وإن كان من جهة الشرط فذلك لا ينقض البيع، فإن وقع البيع ثبت، فان كان الرجل ثقة عند المشتري، وإلا كان على البائع أن يؤدي الزكاة.
مسألة: وسألته عن رجل أطنى ثمرة نخله بثلاثمائة درهم، فلم يخرج عشرها إلى أن حال الحول، وهي في يده، ما يخرج عشرها ثم يزكي بعد العشر إذا وجب في الطنى العشر، أم يزكي الجميع؟ قال: معي أن بعضا يقول يطرح ما وجب فيه الزكاة، ويزكي ما بقي، وفي بعض ما قيل: إنه يزكي عن الجميع، وذلك إذا كانت الزكاة في الدراهم.
قلت: أرأيت إن أطناها بثمانين درهما، ووجب في الطنى العشر فلم يخرج عشره، إلى أن حال الحول، وهي في يده، هل عليه فيها زكاة غير زكاة الطنى؟ قال: إذا كانت الزكاة في الدراهم، فقد مضى القول، وإذا كانت الزكاة في الثمر فهذه الدراهم بحالها. قيل له: فعلى هذه الصفة يكون عليه زكاة الدراهم، وزكاة الطنى؟ قال: هكذا عندي، ولا أعلم في ذلك فرقا.
مسألة: وعن رجل يجب عليه في ماله الزكاة فأطنا من ماله شيئا، الأغلب من أحكامه أنه يؤكل رطبا؟ ولم يعلم ما حاله، أكل أو جمع؟ هل له ترك الزكاة منه حتى يعلم أنه جمع تمرا؟ قال: معي إنه على قول من يقول إنه لا يجب عليه في البسر والرطب زكاة، إنه لا زكاة عليه حتى يعلم أنه جمع تمرا.
قلت له: أرأيت عن جمع ثلثه تمرا أو ربعه، ما يجب عليه فيه، وهل تجب عليه بقدر ذلك من دراهمه زكاة، أم لا يجب عليه، ولو جمع الكل تمرا؟ قال: معي إنه قد قيل ما صار منه تمرا في يد المطني كان في ثمنه الزكاة، إن اختار المصدق الزكاة من الثمن، وإن اختار من التمر يرجع المطنى على المطني بقدر الثمن.
قلت له: فإن لم يكن أحد يقبض الزكاة وكانت للقراء، قال: معي إنه إذا لم يكن من ينظر للصدقة أشبه أن يكون النظر على رب المال، فنظر من ذلك الأوفر بالاجتهاد في النطر.
قلت: فإن كان فد نظر الأوفر في الثمن وقد أطنى ذلك، يرجع على المطني بقدر الزكاة أو يشتري تمرا مثله، إن قدر على ذلك، أم له الخيار في ذلك؟ قال: معي إنه قد قيل إنه ضامن لما أتلف من الزكاة بالبيع، وعليه هو أن يؤدي مثلها، وقيل إنما يثبت من البيع بقدر حصته هو، ولا تثبت الزكاة، وقيل إن البيع فاسد، لأنه باع ماله ومال غيره صفقة واحدة، وهو باطل.
قلت له: فإن أعطى من الثمن، لم يعط تمرا، وكان التمر أوفر في النظر، هل يجزيه ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك على هذا القول الذي يقول: إن عليه الاجتهاد بالنظر.
قلت له: فعندك إنه قيل مخير في ذلك، ولو كان في النظر أن التمر أوفر؟ قال: أرجو أنه قد قيل ذلك.
قلت له: فهل يخرج عندك أو يعجبك إذا أطنى من ماله رطبا وبسرا، أنه لا زكاة عليه في مقداره، ولو جمع تمرا؟ قال: الله أعلم، وليس أعلم أحدا قال ذلك من أصحابنا.
مسألة: فيمن أطنى نخله إلى أجل، وطلب المصدق الزكاة، فقول ينظر إلى محل الأجل، وقول يأخذ منه قيمة الثمرة بالنقد، وقول يأخذ منه زكاة الطناء ولا ينتظره.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ والله أعلم.
مسألة: وسئل عن رجل أطنى ثمرة نخله بسلعة، ولم يذكر دراهم، ما يزكي دراهم أو من السلعة تمرا؟ قال: معي إنه يوجد أن بعضا يجعل في ذلك الاختيار إن شاء من الثمن، أو من التمر، فعلى هذا القول إنه تقوم السلعة دراهم، ويخرج زكاته، أو يخرج الزكاة تمرا.
مسألة: قلت له، فإن أطنى نخلا له فقيرا، وجعل ما يجب عليه فيها من الزكاة لذلك الفقير الذي أطناه النخل، هل يجزيه ذلك عن إخراج الزكاة، إذا ترك من الثمن مقدار الزكاة؟ قال: أرجو أنه يختلف فيه. قلت له: فما أحب إليك من ذلك؟ قال: أرجو أنه إذا قاصصه بذلك لحقه معنى الاختلاف، ورأيه أحب إلي أن لا يقاصصه.
مسألة: رجل أطنى ثمرة نخله أرخص طناء من القرية لحاجته إلى الطنى من قبل الخوف، وأخرج زكاة ماله على ذلك، هل عليه أن يحمل على نفسه في الزكاة بقدر ما يعلم أن الطناء يحتمل من الزيادة في جميع ثمرته، أو في طنائه؟ فعلى ما وصفت، فهذا يخرج الزكاة تمرا مثل عشر ما أطنى من النخل، فإن لم يقف على ذلك زاد بقدر ما يرى أنه قد أبلغ في الزكاة، فإن زاد في الدراهم أو في التمر أجزأه ذلك إن شاء الله.
مسألة: وقيل عن أبي جعفر أنه حفظ أن الأشياخ اجتمعوا فرأوا في رجل طنى ثمرة، ثم أتت عليها آفة وهي بسر ورطب، أنه ليس عليه فيها زكاة.
مسألة: ومن غيره، وإذا أطنى الرجل ثمرته فلما يبست ذهبت بها الريح، فليس عليه في تلك الثمرة شيء. وإذا يبس التمر في رأس النخل، فما أكل منها أحصى كيله للزكاة، وأما ما يطعم الصارم فإنه إن كيل ففيه الزكاة، وإن لم يكل فلا، وقل آخر إن كيل أو لم يكل فلا شيء فيه. قال غيره: وقد قيل كيل أو لم يكل ففيه الزكاة.
ومنه، مسألة: وعن رجل اشترى زرعا علفا لدوابه فأدرك، فبلغ وبلغ فيه الزكاة، هل في زكاة مؤاده أم لا زكاة فيه، وعلى من الزكاة على البائع، أم على المشتري فيه الزكاة؟ الزكاة على البائع، إلا أن يشترط البائع على المشتري أنه إن بقي منه شيء يكون فيه الثمن فعليك زكاته.
مسألة: وعلى رجل خرف من نخله رطبا وبسرا، وباعه لرجل، واستوفى الثمن، وأن المشتري جعله في الشمس حتى صار تمرا، فلا نرى عليه فيه زكاة.
وقال أبو المؤثر: الزكاة على من باع، إذا كان تمرا يابسا، فإن عرف كيله أخرج تمرا، وإن لم يعرف الكيل زكى دراهم.
قال المؤلف للكتاب: هذا إذا بلغ ما في مال البائع النصاب، وأما إذا لم يبلغ في مال البائع النصاب فلا زكاة عليه، والله أعلم.
مسألة: وليس على الرجل فيما باع، أو فيما أكل بسرا زكاة، ولا فيما لم يبلغ خمسين ومائة قفير بقفيرنا زكاة، أحسب عن أبي سعيد.
مسألة: وعن رجل أطنى رجلا نخلا، واتزن منه الثمن فمرت بالنخل جائحة مثل الريح والمطر فمرت بالثمرة من رؤوس النخل، هل على صاحب النخل زكاة في الدراهم الذي طنى بها هذا النخل؟ قال: فليس عليه زكاة في قول بعض المسلمين، إلا أن يحصد تمرا يجب فيه الزكاة، فهنالك تجب في الطنا من الدراهم الزكاة.
قلت: فان تلف بعض وبقي بعض؟ قال: الزكاة فيما بقي من القيمة من الطنى، ويحط عنه من ذلك ما تلف إذا بقي في يده من ماله، ومما أطنى ما تجب فيه الزكاة في التمر، وإن لم يبق من جملة ماله من التمر ما تجب فيه الزكاة فلا زكاة فيه.
قلت: فإن أطنى رجل مالا، وقال المطني إني آكله بسرا ورطبا، وكان المطني غير ثقة، هل يصدق في قوله؟ قال: فقد قالوا إذا كانت النخل .. الأغلب من أمرها أنها تؤكل رطبا وبسرا، فليس على المطني فيها زكاة حتى يعلم أنها جمعت تمرا، ثم حينئذ تجب فيه الزكاة، وإذا كان الأغلب من أمرها يجمع تمرا فيها الزكاة، حتى تعلم أنها أكلت رطبا وبسرا، إلا أن يكون ثقة، وإذا وجبت الزكاة بالوجه الأغلب، لم يزل بقول المطني أنه أكلها رطبا وبسرا، إلا أن يكون ثقة، وإذا زال حكم الزكاة بالأغلب لم يثبت بقول المطني به جمعها تمرا، إلا أن يكون ثقة أو يصدقه في ذلك فذلك إليه.
مسألة: وسألته عن رجل تجب عليه الزكاة في ماله، فباع في السوق من ذلك المال رطبا لا يدري صار في يد المشتري تمرا، هل عليه فيه زكاة أم لا؟ قال: معي إنه على الأغلب من أموره فإن كان على الأغلب من أمره أنه يصير تمرا كان ذلك، وإن كان الأغلب أنه يؤكل رطبا وبسرا فهو على ذلك. قلت: أرأيت إن باع منه شيئا في السوق بدون سعر يومه، وباعه رطبا فيزكي منه ما فضل من تمره دراهم أم لا؟ قال: معي أنه إذا صار تمرا على الأغلب فعليه زكاة ما حصل من الثمن على قول من يجعل له التخيير في ذلك، فإن حصل في يد المشتري تمرا أو بيع بدون السعر كان عليه عندي، أما أن يخرج تمرا بقدره، وأما أن يزيد على التمر إلى أن يصير يعدل السعر، إذا كان بيع محاباة، وكذلك عليه ذلك، على قول من يقول: إن عليه الزكاة فيما صار بسرا ورطبا.
قلت له: فيما أخذ السلطان منه من ضريبته عليه في السوق من التمر، أيحمل ذلك على زكاته ويخرج من الجميع؟ قال: معي إنه كذلك إذا كان هو المعرض له ذلك.
قلت له: فما اتجر يحمله إلى السوق، أتحمل ذلك على الجميع في الزكاة؟ قال: ليس ذلك عندي بصلاح للثمرة، فكان لمعناه أنه تجب عليه في ذلك، وقال: وإنما قيل فيما اتجر للجداد والخراف من الثمرة، فكأني رأيته يذهب إلى أنه قيل في ذلك إنه فيه باختلاف. ومعي، أما أنه كان قد أجابني في ذلك باختلاف في الأجرة في مثل هذا. وينظر في ذلك من أجل هذا. قلت له: فإذا لم يبق من ماله ما تجب فيه الزكاة، دون ما قد باع إلا بالذي باع، أيحمل عليه ويجبر به الزكاة؟ قال: إنه على قول من يقول إنه ليس فيه زكاة، ولا يجبر به الزكاة.
مسألة: ورجل تجب عليه الزكاة في ثمرة ماله من النخل، ثم إنه أطنى موضعا من ماله رجلا، ثم إن الرجل توانى عن قضائه ولم يطلب هذا منه إلى أن مات الرجل ولم يوص له بشيء، هل يجب عليه في ذلك شيء من قبل الزكاة؟ قال: معي، إنها تجب عليه الزكاة عندي على هذه الصفة.
قلت له: أرأيت ولو كان عليه دين بقدر طنائه هذا، وكان يتأمل قضاءه من ذلك إذا أعطاه فمات، ولم يأخذ شيئا، هل تنحط زكاة ذلك؟ قال: معي أن ذلك إنما هو تختلف في زكاة الورق، وأما زكاة الثمار فلا أعلم فيها.
مسألة: وسئل عمن أخذ بقول من يقول: إنه لا زكاة في دراهم الطناء إذا أتت جائحة على الثمرة فذهبت قبل الحصاد، هل يجوز له ذلك؟ قال: معي إنه يجوز له ذلك، ما لم تصر في حد الحصاد.
مسألة: ومن غيره، وعن رجل اشترى زرعا علفا لدوابه فأدرك فبلغ، وبلغت فيه الزكاة، على البائع أم على المشتري؟ ففيه الزكاة على البائع، إلا أن يشترط البائع على المشتري أنه إذا بقي منه شيء يكون فيه الثمن، فعليك بالزكاة. ومن غيره، قال: وقد قيل إن الزكاة على المشتري إذا أدركت؛ لأنه له في بعض القول، وقد استحقه قبل الدراك، وهناك أبقاه البائع في ماله حتى أدرك، فهو بمنزلة المنحة من صاحب الأرض للمشتري، وقال من قال: هو على البائع على حال، لأنه منتقض، إن نقضه صار له قائما وإن أتم له ذلك وقد صار المال له والزكاة عليه، وقال من قال: إنه إذا أطنى نخلا أو باع ثمرة مدركة، واشترط الزكاة على المشتري، أن ذلك لا يفسد البيع على البائع، ولا على المشتري.
وقال من قال: إن ذلك يجزي عن البائع وتكون الزكاة على المشتري، ولا شيء على البائع، لأنه أوجب على نفسه ذلك، وقال من قال: إن ذلك لا يجزي عن البائع والزكاة عليه، إلا أن يكون المشتري ثقة، فإنه يجزيه من طريق الأمانة والثقة.
وقال من قال: ولو كان ثقة فحتى يعلم هو أنه قد أدى عنه الزكاة التي تجب في تلك الثمرة.
مسألة: وعن رجل خرف من نخله رطبا وبسرا وباعه لرجل، واستوفى الثمن، وأن المشتري جعله في الشمس حتى صار تمرا ويبس، فما ترى عليه زكاة. ومن غيره، قال: وقد قيل إن فيه الزكاة، إذا صار مع المشتري تمرا، وتكون الزكاة على البائع، إذا وجبت عليه في ماله الزكاة.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم.
مسألة: ومن جواب أبي علي، يقول أبو علي: عافانا الله وإياك بأوسع العافية، وصل إليّ كتابك تسأل عن رجل له حائط من نخل، أطناه بألف درهم ولم يبق قيظا، وأطنى من رجل آخر بخمسمائة درهم، فطلب إليه المصدق زكاة الألف، وقد أكل الرجل وبنوه ما أطنى رطبا، وطلب أن يطرح عنه زكاة الخمسمائة؟ فما نقوى على إبطال زكاتها، وقد أطنى ماله ولم يأكل منه، وأكل من غيره. قال غيره: إذا صار ما أطنى من ماله تمرا فعليه الزكاة في ثمنه، ولو أطنى به كله قيظا، وأكله رطبا وبسرا، فعليه الزكاة في الطناء.
مسألة: ومن غيره، وعن رجل أطنى بألف درهم، ثم طلب إليه المطني أن يحط عنه، فحط عنه مائتي درهم، فإن كان لم يحط عنه محاباة له فما أرى أن يؤخذ من المائتين إلا أن يحب المصدق أن يأخذ من المائتين فهو الأصل. قال غيره: المصدق بالخيار، إن شاء أخذ من التمر، وإن شاء أخذ بما وقعت فيه الصفقة بالطناء، وذلك مال حكمه الزكاة ليس له أن يحطه.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم.
مسألة: وعن رجل أطنى بثلاثين درهما وأكله قيظا فليس عليه فيما أكل رطبا شيء، فإن كانت تجب فيما أطنى زكاة لو كان تمرا، أخذت من الثلاثين الزكاة، وإلا فلا.
مسألة: ومن جواب، أحسب أنه عن أبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر، وعن رجل أطنا بسرا بمائتي درهم، وليس له دراهم غيرها ولا نخل، فهذه تحمل على الورق إذا حضر وقت إخراج زكاة الورق، يحتاج أن يحملها على دراهم الورق، وهي أصلها من التمر، فيحتاج أن ينظر إلى ذلك، وإن شاء أخذ من التمر، لأنه الأصل، ويرجع المطني على من أطناه، وإن ذهبت آفة قبل دراكها لم يكن فيها زكاة، وإن غاب أمرها، ولم يعلم كم أصيب منها، وكم يصير سعر التمر، وكم تصل لهذه الدراهم من بهار، فإن كان ثلثه أبهره أخرج الصدقة على حساب ذلك، وإن أكلت رطبا وبسرا أكلها المطني على ذلك. فأكثر القول إنه لا زكاة في هذا، إلا أنهم كانوا قد تحروا وأخذوا برأي أبي مهاجر الحضرمي في هذا، وأما إذا كان له نخل غير ذلك يصيب منها ما تجب فيه الصدقة، فهذا لاشك أنه يحمل على ما بقي له، وتكون الزكاة في الجميع، والمصدق بالخيار يأخذ من الدراهم أو من التمر، إلا ما أكل رطبا وبسرا، فقد أعلمتك أنه أكثر القول إنه لا زكاة فيه.
مسألة: وعن الذي يطني نخلة لتؤكل رطبا قلت: هل تجب فيها زكاة؟ فروى أبو إبراهيم عن الإمام أنه كتب للمنير أن يعطي رزقه من زكاة الرطب، ويعلمه أنها من زكاة الرطب، فأخذها منه، وقد أجاز ذلك أبو إبراهيم.

الباب الرابع والعشرون
ذكر الطناء وما أشبهه وفيما يحتاج إليه طناء النخل
ولم يختلفوا فيما أكل رب المال وعياله، وقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم إن ما أكل رطبا وبسرا فلا زكاة فيه، وأطعمهم بسرا ورطبا أنه لا زكاة فيه من ماله، أو ما أطنى، وقال بعضهم ما أطنى فعلى صاحبه الزكاة فيه، ورووا ذلك عن سليمان بن عثمان عن هاشم بن المهاجر، وهو أبو المهاجر، فأخذته من ولي السلطان ومضت على ذلك أئمة، وفيه الاحتياط؛ لأن من أخذ بالاحتياط فيما اختلف فيه الفقهاء فقد احتاط لنفسه، والحيطة أولى بأهل الورع، وقد يكون للرجل المال الكثير الذي لاشك أن الزكاة تجب فيه، فعلى ما عملوا به من أخذ الطناء أنهم يأخذون مما أطنى من تجب الزكاة في ماله، من كل عشرة دراهم درهما، وأما من لا تجب الزكاة عليه في ماله فلا زكاة عليه فيما أطنا، ولا على المطني إذا كان جميع ماله لا يبلغ ثلاثمائة صاع تمرا، ولا يحسب عليه ما أكل هو وعياله من ماله رطبا وبسرا على ما أطنى، إنما يحمل ما أطنى على ما بقي معه مما يعيب، ووجبت فيه الزكاة، فإن بلغ ما أطنى وما يعيب ثلاثمائة صاع، فعليه الزكاة في الطناء، وإن لم تبلغ لم يكن عليه شيء.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم. وقد يكون للرجل النخل القليلة، إلا أنها غالية الرطب، فإذا نظر ثمرها لم تبلغ ثلاثمائة صاع، وطنا لغلاها بالدراهم الكثيرة، فإذا كانت لا تبلغ ثمرتها الزكاة لم يكن فيما أطنيت به زكاة، وإن أطنيت بدراهم كثيرة؛ لأن الزكاة تجب في ثمن التمر الذي تجب فيه الزكاة، كما أنه لو جمع ثمرها فبلغ مائتي صاع أو أقل أو أكثر، ولم تبلغ ثلاثمائة صاع، ولم يكن فيه الزكاة، فما لم تكن فيه الزكاة فليس في ثمنه زكاة، إلا أن يحمل الثمن على دراهم أخرى، فيكون فيها الزكاة، فأما من قبل زكاة النخل فلا.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ. وكذلك العنب ما أطنى أو أكل رطبا، وليس تجب فيه الزكاة، ولم يعب لم يكن في ثمنه، وإن كانوا لم يسمعهم يسألون عن طناء العنب، ولا يدري ما يزكوه أو غفلوا عنه، وقد قيل: فما أتلف من ثمره رطبا وبسرا أو تمرا، ولم يعلم تجب فيه زكاة أو لا، إنه ينظر الثمن الذي باع به، وينظر سوق التمر، فإن كان يكون بتلك الدراهم التي أطنى بها أو بيع بها ذلك التمر فيها تبلغ ثلاثمائة صاع، أخذ منها الزكاة، وإن لم تبلغ ثلاثمائة صاع لم يؤخذ من الدراهم شيء، وكذلك لو أطنى نخلا، فأكلت رطبا وبسرا، أو بيع رطبا وبسرا ولم يعلم ما تبلغ جميع ذلك مما تجب فيه الزكاة، ولا كان مثل الأول أن بلغ على سوق التمر بتلك الدراهم ما تبلغ ثلاثمائة صاع، أخذ من تلك الدراهم، وإن لم تبلغ قيمة تلك الدراهم ثلاثمائة صاع لم يؤخذ من الثمن شيء، وقد قالوا: إنه ربما يقبل الرجل من الرجل حائطا السنة بألف درهم أو بألفين، على أن له جميع غلته، فعلى قولهم إنهم يأخذون من الطناء بنظر هذه النخل وحملها، فإن كان فيها ما لا يشك فيه أنه تجب فيها الزكاة، أو له بها مال يحمل عليه فيجب عليه الزكاة، فإن لهم على المطني أن يتركها بحالها حتى يعيب ويأخذ زكاتها أ ينظر قيمتها في الطنى برأي العدول على قدر الطناء بين الناس، فيأخذون منه الزكاة على ذلك، لأنه لا وجه غيرها دين، لأنه لو نظر كم الثمن من غلة شجر البستان، وكانت غلة شجرة مثل ما يصيبه لم يبطل الزكاة، ولكن الزكاة واجبة في النخل، وليس المصدق من الشجر في شيء، إنما زكاة النخل ما بلغت تمرا أو رطبا، وانظر فيها واطلب فيها الأثر، إن وجدته عن المسلمين فخذ به، فلعل فلانا أن يقول هذا حرام، والحرام لا يجوز، وإنما هذا طلب معرفة النخل ما فيها من زكاة، ولعل صاحبها يأكلها رطبا وبسرا، فلا يعرف زكاتها، ولا أرى لها وجها يستدل به عليها.
مسألة: من كتاب أبي جابر- وأما طناء النخل، فقال من قال من الفقهاء: إنه جائز إذا عرفت بألوانها، وقال من قال من الفقهاء: حتى يكون الغالب على النخل الفضح، وقال من قال: حتى تصير النخلة إلى حد إذا انكسر العذق منها أتمر ولم يفسد، ثم يجوز طناه، وبأي الآراء أخذ احتاج إلى ذلك فلا بأس.
مسألة: وقال أبو عبد الله –رحمه الله-: وقد قيل إذا ظهر الفضح في قطعة نخل جاز طناءها، إذا ظهر في عامتها، وإن لم تظهر في جماعتها، فلا يجوز طناها كلها، وأخبرني محمد بن دياسة بعد موت أبي عبد الله، أنه سأله عن هذه المسألة، وقال له: إن طلب المطني النقض، هل له ذلك؟ قال: له نقض ما لا يجوز طناه، وثبت عليه ما جاز طناؤه، ولم يفسر غير هذا.
ومن غيره، مسألة: وإذا كان في الحائط نخلة أو أكثر، لم تعرف بألوانها، فكان الغالب في الثمرة الصفرة والحمرة جاز طناها، ولا ينتقض إذا طلب أحدهما ذلك.
مسألة: فيمن عليه دين لرجل فأطناه به بألف درهم ما يساوي خمسمائة درهم، قال غيره: أما على ملي والحق حال، فالمصدق بالخيار وإن كان غير قادر عليه فإنما نأخذه من الفائدة، وإنما عليه الزكاة فيما وقع في يده من تمر أو قيمته دراهم، وإن كان قبل محل حقه، وهو قادر على أخذه، أو غير قادر، فقول الزكاة في رأس المال والسلعة، أيهما كان أوفر، والمصدق بالخيار، وقول إنما عليه في التمر أو قيمته.
(رجع إلى الكتاب) فمن أطنى من ماله قليلا أو كثيرا، وله غير ذلك ما تجب فيه الصدقة، فالصدقة فيما أطنا، وإن لم يكن له إلا ما أطنى، فلا صدقة فيه حتى تبلغ ثلاثمائة صاع، والمصدق بالخيار، إن شاء أخذ من التمر، وإن شاء أخذ من الدراهم، وإنما يحمل على ما أطنى من بقية ماله بعد ما أكل، وأذهب من البسر أو الرطب، فان كان ما يبقى معه بعد ذلك من الثمرة، والذي أطنى يبلغ ثلاثمائة صاع، ففي الذي أطنى الصدقة، وإلا فلا صدقة عليه، وكذلك إن كانت الصدقة تجب عليه في ماله، وغير ما أطنى، إن أطنى بدراهم ما أصاب منه مائة صاع، فالصدقة فيه لازمة له، والمصدق بالخيار، أن يأخذ من التمر أو من الفضة، وكذلك لو أطنا بمائة درهم ما يصاب منه عشر أصواع، ولم يكن لصاحب المال ما يتم به ثلاثمائة صاع، فلا صدقة في ذلك، ولو أطنى بأكثر، وإنما يرجع في هذا إلى أصل الثمرة، ووجوب الصدقة فيها على صاحب المال، وكذلك العنب بمنزلة إذا أصيبت منه ثلاثمائة صاع ففيه الزكاة، من كل عشرة واحد، لا أن يكون يسقى بالزجر، ففيه نصف العشر، وإن أطناه مطني فأصاب كذلك المطني، فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ من الدراهم، وإن شاء أخذ من العنب.
وقد اختلف الفقهاء فيما أطنى من النخل، فأكله المطني رطبا وبسرا، أو باعه كذلك، فقال من قال: لا زكاة فيه وهو بمنزلة صاحب المال، وهذا الرأي هو الأكثر، وعليه عامة العلماء. وقال من قال منهم بالصدقة في الطناء، ولو أكله المطني رطبا وبسرا، إذا كان صاحب المال قد بقي عنده من التمر ما يجب فيه الصدقة، أو كان هذا الطناء يبلغ فيه ثلاثمائة صاع، وممن قال بهذا أبو مهاجر، ويوجد هاشم بن المهاجر الحضرمي، وكان من الفقهاء، وعمل بهذا أئمة أهل عمان، والرأي الأول أحب إلي، وكل رأي المسلمين صواب.
مسألة: ومنه، وقال من قال من الفقهاء: من أطنى نخلا، ولم يكن لصاحبها غيرها وغاب ما أصيب منها، وأكله المطني رطبا وبسرا، فإنه على قول من يرى الصدقة في ذلك، وينظر الدراهم التي هي من ثمن ذلك التمر، وما أطنيت به تلك النخل، وينظر سوق التمر، فإن كان يكون بتلك الدراهم ثلاثمائة صاع من التمر أخذت الصدقة من تلك الدراهم، وإن لم تبلغ ثلاثمائة صاع، لم يؤخذ من تلك الدراهم صدقة.
مسألة: ومنه، وقيل أيضا لو يقبل رجل حائطا من نخل سنة بدراهم معروفة، أو أطنى نخلا أو شجرا مما ليست فيه زكاة، أو نخل لناس عدة أطنوها مشاعة بلا أن يعرف ثمن مال كل واحد منهم، وفيهم من تجب عليه الصدقة، وفيهم من لا تجب عليه الصدقة. فقال من قال من الفقهاء: إن الوجه في هذا أن تترك هذه النخل حتى يكن تمرها للحصاد، وبين ما يصاب منها، أن يقوم قيمة وسطا حتى تعرف قيمة النخل من الشجر، وقيمة ما لكل واحد من أصحاب تلك النخل، ثم تؤخذ الصدقة ممن بلغت عليه، وهو وجه من الصواب، فالله أعلم بالصواب، وينظر في ذلك واسأل عنه.
مسألة: ومنه، وإن كانت نخل لرجل وفيها حصة لعامل يعملها وأطنى صاحب المال ماله، وحبس العامل حصته، وأكلها رطبا وبسرا فلا زكاة عليه فيما أكل، وإن حبسها حتى صارت تمرا، وهي محمولة على صاحب المال، فإن كانت الصدقة واجبة عليه، فعلى العامل أن يخرج الصدقة من ذلك التمر، وإن لم تكن الصدقة واجبة على صاحب المال فلا شيء على العامل، وكذلك الشركاء في الأصل، إذا أطنى واحد، وأمسك الآخر حصته، أكله رطبا وبسرا على ما وصفنا في العامل.
مسألة: ومنه، وقال أبو عبد الله –رحمه الله- وفي رجل له شريك في النخل غائب، وحاسبه المصدق المحاصر على ما سقى النخل بالمقاسمة، إنه لا بأس أن يأخذ من حصته الغائب على ما حاسب عليه شريكه.
مسألة: ومنه، ومن أطنى ماله بمائتي درهم أو أكثر وقبضها، فأتت آفة فذهبت بتلك الثمرة، وهي بسر ورطب، فلا زكاة في تلك الدراهم، وإن ذهبت الثمرة بعد أن أدركت وصارت تمرا، ففيها الزكاة، وإن بقي منها بعد الذهاب ثلاثمائة صاع، ففي الدراهم عندنا الزكاة، وإن بقي من ذلك ولم يكن لصاحب المال غيرها ما تتم فيه الصدقة، فليس عندي في تلك الدراهم صدقة، لأن الأصل قد ذهب، لا زكاة فيما كان من البسر إلا أن يطبخ أو يغلى أتم فيه الزكاة، كمثل التمر.
مسألة: ومنه، وفي جواب أبي علي –رحمه الله- وعن رجل أطنى بألف درهم، ثم طلب إليه المطني أن يحط عنه، فحط عنه مائتي درهم، فإن لم يحط عنه محاباة، فما نرى أن يؤخذ، إلا أن يحب المصدق أن يأخذ من التمر، وهو الأصل.
مسألة: ومنه، وعن رجل أطنى ماله بثلاثمائة درهم، ثم أطنى هو بمائة درهم لقيظه فما أحب أن يأخذوا من المائة الدرهم التي أخذها هؤلاء من الثمرة التي تجتمع عنده، ويؤخذ من طناء النخل، وفي –نسختين- الرجل.
مسألة: من غير –الكتاب- وأما من أطنى نخلة من ماله بدرهم أو أكثر، فإن أكلت رطبا وبسرا، فلا زكاة فيها، وفي بعض القول، وهو المعمول به عندنا، وأما إن صارت تمرا يحمل ذلك على ماله، ويخرج منه الزكاة، إن شاء من الثمن، وإن شاء من التمر إن علمه، وإلا فاحتاط فيه على نفسه، وأما إن لم يعرف أكلت رطبا أو بسرا وصارت تمرا، فأما في الحكم في الزكاة فلا مخرج له من الزكاة على الاختلاف، حتى يعلم أنها أكلت رطبا وبسرا، وغير ذلك على الاختلاف، وأما على قول الذي لا يرى الزكاة إلا في التمر، فلا يحكم عليه في ذلك بحكم حتى يعلم أن ذلك صار تمرا، وأما الذي عرفنا من ذلك من أوسط القول بأنهم قالوا: إن كانت هذه النخلة مما يؤكل رطبا وبسرا، ولا يعرف أنها تجمع تمرا على حال، ولا يحتمل ذلك، فلا زكاة عليه، حتى يعلم أنها صارت تمرا، وأما إن كانت مما يجمع تمرا، ومما يؤكل رطبا فعليه الزكاة حتى يعلم أنها أكلت رطبا وبسرا.
مسألة: وسألته عن رجل أمر رجلا أن يبيع ثمرة نخل مدركة، قبل أن تصير تمرا يحكم بزكاتها على قول من يقول: إنه لا زكاة في الرطب والبسر، فباع المأمور هذه الثمرة، وأمر رب المال أن يسلم إلى زيد الثمن ففعل، هل على البائع شيء من ضمان الزكاة، إذا يبس عند المشتري التمر وصار تمرا؟ فلا يبين لي على البائع ضمان في ذلك؛ لأنه حين باع الثمرة بأمر ربها لم يكن فيها زكاة، فإذا أيبست الثمرة في يد المشتري، ووجب منها الزكاة، فالزكاة على رب المال الآمر بالبيع، وإن كان هذا البائع باع هذه الثمرة في وقت صرامها ووجوب الزكاة فيها، فعندي أنه يختلف في لزوم ضمان الزكاة عليه، إلا أن ينفذها على ما يسعه، أو ينفذها رب المال، ويعلم هو ذلك، وذلك على قول من يقول: الزكاة شريك، فإذا علم أن الشريك أنصف شريكه الأمر بالبيع، فليس على الآمر من ضمان وإن لم يعلم ذلك، وسلم الثمن إلى البائع، فأخاف أن لا يبرأ من الضمان حتى يعلم أن رب المال قد أدى الزكاة عن ذلك، على قول من يقول: إن الزكاة مضمونة كالديون في الذمم، فلا أبصر على البائع ضمانا في ذلك، إن شاء الله.
مسألة: عن أبي سعيد فيما أحسب، قلت له: فإن أطنى من ماله بمائتي درهم، وأصاب من ماله ثلاثمائة صاع، هل يجب عليه في الدراهم زكاة؟ قال فعليه في الدراهم التي من ثمن الطناء زكاة، إذا وجبت في المال الذي أطناه الزكاة، فإن لم يجب في المال الذي أطناه الزكاة في الثمن لم يجب عليه في الدراهم الزكاة، فإن أصاب المطني من هذا المال ثلاثمائة صاع وعشر أصاع، فعليه في جملة الدراهم الزكاة، وهذا إذا لم يكن له مال إلا ما أطنى، وأما إذا كان له مال غير ما أطنى قد وجبت فيه الزكاة على ما ذكرت، فإنه تجب عليه الزكاة في الدراهم في جميع ما أصابه المطني من التمر، وينحط عنه من زكاة الدراهم قيمة ما أكله المطني رطبا وبسرا، إذا لم يصر تمرا في يد المطني فيما يجب عليه فيه الزكاة، فإن أصاب منه ثلاثمائة صاع وتسعة عشر صاعا، أو ما دون العشرة أصاع فعليه الزكاة في قيمة ثلاثمائة صاع، من جملة التمر من الطناء، وينحط عنه قيمة ما لم يلحق الزكاة من التمر من جملة الطناء، وهو قيمة التسعة أصاع التي لم يجب فيها الزكاة، إلا أن يكون في التمر الذي أصابه هو تكاسير، فحملها على هذه الفضلة من هذا الطناء، فإنه يكون عليه الزكاة في الجملة، إذا جبر التكاسير ما عنده ما في يد المطني من التمر عشرة أصاع.
قلت له: فإن أطنى ماله بمائتي درهم فأصاب المطني أقل من ثلاثمائة صاع، هل على صاحب النخل زكاة في المائتي درهم؟ فليس عليه من وجه زكاة التمر.
قلت له: فإن أطنى من ماله بمائة درهم، وأصاب من ماله ثلاثمائة صاع، هل عليه في المائة درهم زكاة؟ قال: نعم عليه الزكاة في زكاة التمر في العشر أو نصف العشر من الدراهم.
مسألة: فيمن يبيع ثمرة مدركة، وضمن المشتري بالزكاة، فقول يجزي البائع ذلك، وقول لا يجزيه إلا أن يكون المشتري ثقة، وقول لا يجزي ولو كان ثقة، حتى يعلم أنه قد أدى الزكاة.
مسألة: وعنه، وسئل عن رجل أراد أن يطني رجلا نخلا، يعلم أنها مقلحة أو مقرفدة، هل عليه إعلامه؟ قال: أما القرفد –فعندي أنه عيب، لأنه خارج من معنى الجمال، وكذلك يعجبني في القلح، لأنه عيب لا يدرك في دراك النخل، ولا يأتي على ما يأتي عليه النخل الصحيح فهو عندي عيب على هذا، ومن أحكام أبي زكريا.

الباب الخامس والعشرون
في قبض المصدق وزكاة الطنى وما أشبهه
وعن رجل أطنى نخله إلى أجل وطلب المصدق الزكاة، ففي بعض القول إنه ينتظره إلى محل الأجل، وقال من قال: إنه يأخذ من قيمة الثمرة بالنقد.
مسألة: وعن رجلين أطنى أحدهما من عند صاحبه نخلا بدراهم، فلما حصد الثمرة طلب رب المال السؤال عما يجب عليه من الزكاة، أيكون في الدراهم أم يكون تمرا؟ قال: أصل الزكاة تمرا، فإن وثق المطني وعلم مبلغ الثمرة فعليه أن يخرج الثمرة، وإن خفي عليه أمر ذلك ولم يثق بالمطني رجع إلى الدراهم وعليه عشر الدراهم، إذا كان على النهر، ونصف العشر إن كان على الزجر.
قلت: فإن كان صاحب المال قد طمع المطني أنه يصبر عليه إلى أن يبيع التمر، على أنه ما أراد على رأس المال في الطناء كان بينهما نصفان، ولم يذكر ذلك عند عقد الطني ما يكون الطني، وما يجب فيه من الزكاة؟ قال: إذا طمع المطني ولم يكن مع العقد، فالثمرة للمطني، وليس ذلك مما يقدح في فساد البيع، وقد مضى الجواب في الزكاة أنها في الثمرة على ما وصفت لك في ثقة المطني وأمانته.
قلت: فإن كان شرط عليه ذلك قبل الطناء، أو مع الطناء ما يكون ذلك، وما يجب فيه من الزكاة؟ قال: الزكاة كما عرفتك والثمرة للمطني، وللمطني العناء لأن هذا شرط يفسد البيع، وهو من وجه المضاربة، ولا تكون المضاربة إلا بدراهم؛ لأن المضاربة متى كانت بعروض فسدت، وإذا فسدت كان للمضارب العنا، والربح لصاحب المال، وهذا إذا كان الشرط عند البيع، وأما إن كان الشرط قبل العنا، فليس ذلك مما يقدح في فساد الطناء، والطناء للمطني، والزكاة على صاحب المال.
قلت: فإن خرج في ذلك اختلاف وتمسك المطني بما كان، فما الحكم في الزكاة؟ قال: القول قول المطني على ما في يده، وعلى صاحب المال البينة على ما يدعيه من فساد البيع.
قلت: فإن كان المصدق لما حضر الثمر طلب الزكاة منه، فقال صاحب المال إنه أطناه، هل يكون القول قوله، أ م كيف الحكم في ذلك؟ قال: الخيار للمصدق إن شاء أخذ تمرا إذا رأى ذلك أوفر، وإن شاء أخذ دراهم، إذا رأى ذلك أوفر، ورجع المطني على صاحب المال.
قلت: فإن تلفت الثمرة من يد المطني قبل أن يعرف مبلغ التمر، يجب عليه في الدراهم زكاة أم لا شيء عليه؟ الزكاة لا تبطل إذا كان للثمرة عوض، وإنما قلنا ذلك من طريق الاحتياط والتوفير لمال المسلمين، فالزكاة في الدراهم.
قلت: فإن أكلها المطني رطبا وبسرا، أو باعها رطبا وبسرا، أيلزم فيها زكاة أم لا؟ قال: الزكاة واجبة، وقد قيل إن المطني لا يكون سبيله سبيل المال، ومنهم من قد ألزمها واحدا أن لا شيء على المطني ولا على رب المال.
قلت: فإن لم يخرج المطني ولا رب المال زكاة التمر حتى كنزه، كيف يمز الزكاة، وقد خفي عليهم الكيل؟ قال: يعجبني أن يوزن بالقفان.
مؤلف الكتاب: وجدت في بعض الآثار أن التمر إذا بلغ ثلاثمائة صاع، وجبت فيه الزكاة، والله أعلم.
رجــــــــع
فإن أعدموا القفان؟ قال: فالبحتري في إخراج الزكاة، ويشاور الإمام في ذلك.
قلت: فإن أخذ صاحب المال أجراء يجمعون له التمر فأعطاهم تمرا، أيكون فيه زكاة أم لا؟ قال: يعجبني أن يكون فيه الزكاة.
قلت: فإن لم يعرف مقدار ما أخذه الأجراء؟ قال: يتحرى العدل مما أتلف، ويأخذ لنفسه بالوثيقة.
مسألة: وسألته عن يهودي اشترى ثمرة نخل لم تصر؟ فإن كان اشتراها بسرا فصرمها يسرا قبل الجداد، فلا نرى عليه صدقة إلا في الورق، وإن كان باع ثمرته في زمانه الذي يزكي فيه ورقه، وإلا فهي مع ورقه ويزكيها إذا زكى ورقه، وإن ترك اليهودي النخل حتى تصير تمرا، وصرمت تمرا، فعلى صاحب الأرض أن يؤدي عنها صدقة التمر، إلا أن يكون اشترط على اليهودي أن عليك الصدقة إن صرمتها تمرا، وليس لصاحب الثمرة أن يبيع ثمرة النخل، إلا على شرط أن يؤدي صدقتها عند الجداد. ومن غيره، قال: نعم. وقد قيل إن الشرط في ذلك لا يفسد البيع، إلا أنه لا يجزي ذلك عن صاحب المال، إلا أن يكون المشتري ثقة مأمونا على ذلك، ويقول أنه قد أدى الزكاة، فإن ذلك لا يجوز، وإلا فعلى البائع الزكاة.
مسألة: وسألته عن رجل أطنى ثمرة نخله بدراهم، وعنده قبلها دراهم قد بلغ عليه الزكاة، كيف يزكي دراهم الطنا؟ قال: إن كانت تمرة مما بلغ عليه العشر، فعليه في ثمنها العشر، إلا أن يكون قد أدى عشرها، فليس يرى فيها شيئا إلى حوالي سنة، وإن أخرج عنها كان أفضل. وبعضهم يرى عليها العشر، إذا كانت مع الرجل دراهم يزكيها أيضا تجرى عليها الصدقة في صدقة دراهمه.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، وعليه جل أصحابنا، والله أعلم.

الباب السادس والعشرون
في الحد الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة
وذكرت عن عبد المقتدر أنه قال: لا تترك الزكاة للنقصان ثلاثة مكاكيك، ويخرج الزكاة. قال أبو المؤثر: لو نقص عن ثلاثمائة صاع واحد لم يخرج حتى تتم ثلاثمائة صاع، وقال الحديث عن النبي أنه قال: «ليس فيما دون خمس من الذوذ صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر والزبيب صدقة». وفي حديث آخر يروى عن النبي أنه قال: «ليس فيما دون مائتي درهم صدقة» وخمسة أواق مائتي درهم، لأن الأوقية أربعون درهما، والوسق ستون صاعا.
قال مؤلف الكتاب: يقول أبو المؤثر: في هذا نأخذ، وما رواه عن النبي فهو صواب، والله أعلم.
مسألة: قال أبو المؤثر: ما كان من سخالة الجعد والغنم فتخطت الوداي على آثار أمهاتها عدت مع الغنم والجعد، وأخرج الزكاة عناه.
مسألة: قال أبو المؤثر: حدثني محمد بن أبي الخزاعي وقد قدم من البصرة وكيلا لبني أبي حرب الصغار، وكان يوصف بشيء من الظرافة والبصرة، حدثنا ورفع الحديث أن النبي كتب إلى أهل حضرموت: «بسم الله الرحمن من محمد بن عبد الله إلى الأقيال العباهلة. أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفي التيعة شاة والتيمة لصاحبها، ولا خلاط ولا وراط ولا شناق، ومن أجبى فقد أربى والسلام». قال أبو المؤثر: الشناق ما بين الصدقتين، والتبيعة أربعون شاه، والتيمة العليفة التي تعلفونها، والخلاط لا يجمع بين متفرق، ومن أجبى فقد أربى.. قال بعضهم: تبع الثمار قبل دراكها.
مسألة: وعن رجل كان معه مائتا درهم إلا درهما، وحال عليها الحول، فلما جاء وقت الزكاة دخله درهم من عاله، هل عليه الزكاة؟ قال: لا حتى يحول على ما في يده مائتي درهم وزنه، فإذا حال عليها حول وفي يده مائتا درهم فعليه الزكاة.
مسألة: وعن رجل بلغت زراعته ثلاثمائة صاع، نحو شايفها ودايسها وبيدارها، هل يلزمه فيه زكاة أم لا؟ قال: نعم، فيها الزكاة على أكثر القول، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- روي عن النبي أنه كتب لوائل بن حجر الحضرمي ولقومه: «من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله وإقام –لعله- الصلاة وإيتاء الزكاة وعلى التيعة شاة والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، ولا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام». تفسير ذلك على ما انتهى إلينا، والله أعلم، الأقيال ملوك اليمن، دون الملك الأعظم، واحدهم قيل يكون مالكا على قومه، ومخالفه ومحجره، والعباهلة الذي أقروا على ملكهم، ولا يزالون عنه، وقوله عليه السلام: وعلى التيعة شاة، والشاة أربعون من الغنم، واليتمة يقال لها الزيادة على الأربعين حتى تبلغ الفريضة الأخرى، ويقال: أيضا الشاة تكون لصاحبها في منزله يحلبها سائمة، وتسمى أيضا أجمعهن الربائب، وقال: قال بعض الفقهاء ليس في الربائب صدقة، وربما احتاج صاحبها إلى لحمها فذبحها فقال عند ذلك أيام الرجل واتأمت المرأة، والسيوب الزكاة.
قال أبو عبيدة: ولا أراه إلا أخذ من السيب، وهو العطية، يقال هو سيب الله وعطاؤه، وأما قوله: لا خلاط ولا وراط فإنه يكون بين الشريكين عشرون ومائة شاة، لأحدهما ثمانون وللآخر أربعون، وهي مشاعة بينهما غير مقسومة، فإذا أتى المصدق فأخذ منهما شاتين، رد صاحب الثمانين على صاحب الأربعين ثلث الشاة، فيكون عليه شاة وثلث، وعلى الآخر ثلثا شاة، وإن أخذ المصدق من العشرين ومائة شاة شاة، رد على صاحب الأربعين ثلثي شاة، فيكون على صاحب الثمانين ثلثا شاة، وعلى الآخر الثلث، وإنما أوجب رسول الله في العشرين ومائة شاة شاة واحدة، فهذا في الخليط والمشاع، لأن ظاهر السنة يدل على ذلك، وهو معنى الاختلاط، وفي رواية أخرى عن النبي ما يدل على هذا، وهو قوله عليه السلام: «وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية»، ولا وراط مثل قوله: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، وقوله عليه السلام: «لا شناق» فإن الشنق بين الفريضتين، وهو ما زاد من الإبل على الخمس إلى العشر، وما زاد على العشر إلى الخمسة عشر. يقول لا يؤخذ من ذلك شيء، وقوله عليه السلام: «من أجبى فقد أربى» الأجبى بيع الحرث قبل أن يبدو صلاحه، وفي الخليطين اختلاف بين أهل العراق وأهل الحجاز. قال أهل العراق: إذا كان أربعون شاة بين رجلين مع راع واحد مشاعة أو غير مشاعة، فلا يؤخذ منها شيء، ولا على واحد منهما شيء حتى يكون لكل واحد منهما أربعون شاة، وأهل الحجاز يعتبرون الراعي ولا يعتبرون المال، وقد كان هذا قول مالك بن أنس: لا تؤخذ الصدقة إلا بعد أن يملك كل واحد أربعين شاة فصاعدا، وهو قول أبي بكر الموصلي فيما أظن، والله أعلم.
قال أبو عمر: الوقص ما بين الفريضتين، وكذلك الشنق، وجمعه أوقاص وأشناق، وبعض الفقهاء يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل خاصة، وهما جميعا ما بين الفريضتين.
مسألة: ومنه، وقال النبي : «وفي الرقة ربع العشر ولا يجب حتى تبلغ النصاب» وهو من الورق مائتا درهم، ومن العين عشرون مثقالا، هكذا روى أبو سعيد الخدري عن النبي ، وقال: «ليس فيما دون خمس من ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون خمس أوسق صدقة». والذود خمس من الإبل، والوقية أربعون درهما، والوسق ستون صاعا، ولولا الإجماع لوجب أن تكون الصدقة في كل ما وقع عليه اسم ذهب أو فضة، وفي الرقة ربع العشر، ليس في ظاهر ما يدل على أن لا صدقة فيما دون عشرين مثقالا، ولا فيما دون مائتي درهم، وقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . فظاهر الكتاب يوجب الإنفاق منهما أو اتفاقهما، قول النبي : «وفي الرقة ربع العشر» بيان للمقدار الذي يجب أن يخرج.
اجتمعت الأمة على بيان ثان أنه لا يجب أن يخرج ربع العشر من هذا المال، حتى يكمل المقدار الذي أجمعوا عليه، وهو عشرون مثقالا ومائتا درهم، والفائدة في الذهب والفضة، والماشية لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول.
مسألة: والزكاة على وجوه، منها زكاة حول في غير ورق وماشية، فتلك يراعى فيها مقدار الملك وصفة المالك، فأما المقدار فالنصيب والحول، وأما الصفة فالإسلام ولزوم الخطاب، ومنها زكاة الحرث بجب في الملك، ولا يراعى بها وقت ولا مالك.
مسألة: وعن رجل كان له مائتا درهم، لم يخرج منها زكاة، قال: خمسة دراهم. ومن غيره، وعن أبي عبد الله أنه ليس فيما زاد من العشرين صاعا، حتى تبلغ الزيادة عشرين صاعا. قال نصر: عشرة أصواع. قال: الذي أحفظ عن أبي سعيد في هذا اختلاف. قال من قال: لا زكاة في الزيادة، ولا يلزمه شيء من الزكاة. وقال من قال: يؤخذ منه، وكذلك أيضا ما كان فيه العشر هو كذلك من الاختلاف إذا كان قد وجب في أصل المال الزيادة، والله أعلم. ومنه، وعن الرجل يحسب صدقته فتبلغ معه من الذهب والورق مائتي درهم، ويبقى في يده فضة من الحلي الرديء، مثل ما يباع درهم ونصف، أو أقل أو أكثر يكون معه من ذلك سبعون درهما، كيف يحاسب عليها؟ قال: يحسب الأربعين فيؤخذ منها درهم كسرا، أو قيمة صرف، وليس في الثلثين شيء.
مسألة: في فرائض الزكاة من –جامع أبي محمد- فرائض الزكاة ثلاث خصال: استكمال النصاب، واستقرار الملك، استكمال الحول. الحجة في استكمال النصاب قول النبي : «ليس فيما دون خمسة ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون عشرين دينارا صدقة، وليس فيما دون مائتي درهم صدقة». والحجة في استكمال الحول قوله عليه السلام: «ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول»، وقوله عليه السلام لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «انتظر بأرباب الأموال حولا ثم خذ منهم ما أمرتك به».

الباب السابع والعشرون
فيما يؤخذ من أموال أهل الذمة
من كتاب الإشراف: واختلفوا فيما يؤخذ من أهل الذمة من التجارة، فروينا عن عمر بن الخطاب أنه أمر أن يؤخذ من أهل الذمة نصف العشر فيما يختلفون به، ومن أهل دار الحرب العشور، وقال بقول عمر بن الخطاب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وكان مالك بن أنس يقول في تجارة أهل الذمة إذا اتجروا في بلاد المسلمين، يؤخذ منهم العشور فيما يديرون من التجارات إذا اختلفوا فيه، وأجمع من يحفظ عنهم من أهل العلم أنه لا صدقة على أهل الذمة في شيء من أموالهم ماداموا مقيمين. قال: أما أهل الذمة من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس، وممن له دين متعلق به، ممن يثبه له حكم أهل الكتاب في الجزية فثابت عليهم حكم في رؤوسهم الجزية، على معنى ما قد ثبت، فإن كانوا كم أهل أمصار المسلمين، فمعاني قول أصحابنا يخرج عندي منهم أنه يؤخذ منهم لكل شهر الجزية على قدر ما سموه من أحكام الجزية.
وأما أهل الشرك من أهل الحرب، وممن لم تثبت له هذه المعاني فمعي إنه يخرج في قول أصحابنا: إن بعضا يأخذ منهم العشور من أموالهم إذا قدموا على المسلمين، وبعض يقول: يؤخذ منهم في بلاد المسلمين كما يأخذ ملك أرضهم من المسلمين، إذا قدموا عليهم هكذا. وإن كان العشر فالعشر، وإن كان أكثر أو أقل، ولعل هذا القول أكثر.
ولا أعلم في قولهم في اليهود إذا لم يكونوا في أرض المسلمين ما يؤخذ منهم إذا قدموا شيء يحضرني، ويعجبني أن يكون لهم ما لأهل الكتاب ما كان في أمصار المسلمين، وأهل القبلة وأهل ذمة لأحد من المسلمين من أهل القبلة، وإن كانوا في دار الحرب ليسوا بأهل حرب متمسكين بأحكام أهل الكتاب، أعجبني أن يؤخذ منهم نصف العشر على ما قال هاهنا إذا لحقهم، بمعنى أهل الحرب، وإذا لم يثبت له ذمة أهل الإسلام مع أحد من أهل القبلة، وإذا قال من قال: إنه يأخذ من أهل الحرب العشر، وإذا قد قالوا: هؤلاء بنصف فيهم، وهذا فيما قدموا به، فإن أوطنوا على أنهم كتابيين استحال عندي حكمهم إلى معنى الجزية بحكم، وزال عنهم أشباه الجزية عندي. فإذا فقدوا فقدوا في بلاد المسلمين ما يجب به عليهم الجزية كان عليهم الجزية.
وفي قول بعض أصحابنا: إذا وقع الذمي شهرا حيث يحموه المسلمون أخذوا جزيته، وفي بعض قولهم حتى يقعد ثلاثة أشهر يؤخذ منه الجزية لما مضى ثلاثة أشهر، ويعجبني في الذي يقيم من أهل الحرب بأمان يدير في يده تجارة في حماية المسلمين أن يأخذوا منه ما يأخذ ملكهم –لعله أراد- إذا قدم أهل بلاد المسلمين في إقامتهم معه في تجارتهم، وإذا عليهم العشر في بعض القول كان بعد السنة عندي.
ومنه: واختلفوا في المقدار الذي إذا مر الذمي على العاشر وجب الأخذ منه، فروينا عن عمر بن الخطاب أنه أخذ من المسلمين من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أن يؤخذ من أهل الذمة من كل عشرين دينارا دينار، فما نقص فبحساب ذلك إلى أن تبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت من عشرة دنانير بثلث دينار فلا شيء فيها، وكان سفيان الثوري يقول: إذا كان مقدار ما يبلغ به مائة درهم أخذ منه خمسة دراهم، وإن كان أقل من مائة فلا شيء عليه، فإذا مروا من تجار الحرب بشيء تبلغ خمسين درهما أخذ منه خمسة دراهم، وبه قال أبو عبيدة والحسن بن صالح وأصحاب الرأي: لا يؤخذ من الذمي والحربي حتى يبلغ ما مع كل واحد منهما مائتي درهم فصاعدا، وكان مالك بن أنس يقول: يؤخذ منهم العشر فيما يزيدون ويختلفون به، ولم يحد في ذلك حدا. وقال أبو ثور: يؤخذ من الذمي نصف العشر فيما يزيدون.
قال أبو سعيد: لا يحضرني حد مما يجب فيه على الحربي من قول أصحابنا بشيء مؤكدا، إلا أنه أحسب أنهم قالوا: يجب عليه العشر، وإنما يسأ ما به من ملكه معنى ثبوت العشر على المسلمين، يعني ما يجب فيه الزكاة، وهو عندي حسن، إلا أن يكون الحربي يأخذ ملك أرضه من المسلمين، إذا قدموا عليه من أقل من ذلك القول، يعجبني على هذا المعنى أن يؤخذ منه مقدار ما يؤخذ من ملك أرضه، وأما الكتابي من أهل الذمة ومن يثبت له فقد مضى القول في إقامته أو قدومه، وإذا ثبت عليه معنى ثبوت نصف العشر إذا كان من أهل الحرب، أعجبني أن لا يكون ذلك من أقل ما يجب فيه الزكاة على المسلمين، أشبه معاني أحكام المسلمين في ذلك، ولا أجد هذه التي ذكرها يخرج معناها من تشبيه معاني قائمة العدل في ذلك، وأقل ذلك أسسا أجده موافقا لما يشبه العدل بالعشر فيما يلزم المسلمين. وذلك أن المسلمين لا تلزمهم الزكاة إلا في مائتي درهم فصاعدا، أو عشرين مثقالا، ثم فيها ربع العشر، فلما أن كانت هكذا أشبه أن يكون من أربعين درهما يجب معنى العشر، لثبوت العشر في معناه في أشباه الزكاة، لأن الزكاة على المسلمين في الذهب والفضة نصف العشر، وفيما سقته الأنهار وما أشبهها من الثمار العشر، وفيما سقي على غير ذلك من المعالجات بالدلاء نصف العشر، فإذا ثبت معنى العشر أشبه عندي ما يوافقون المسلمين في معناه في بلوغ ذلك من أموالهم.
ومنه: واختلفوا في الخمر والخنزير يمر به على العاشر، فقال أصحاب الرأي بعشر الخمر ولا يعشر الخنازير. وقالت طائفة: لا يعشران، وهذا قول أبي عبيد وأبي ثور، وبه قال عامة أصحابنا. وروي هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وكان إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وأصحاب الرأي يقولون: إذا انصرف إلى بلده ثم عاد إلى ادر السلام عليه العشور كائنا ما كان.
قال أبو سعيد: لا يبين لي في قول أصحابنا ثبوت حق لهم من عشر، ولا غيره في محرم، والخمر والخنازير عندهم حرام، وقول من قال: لا عشر فيه أحب إلي، لأني لا أعرف فيه يعينه من قول أصحابنا شيئا، إلا أنه إن ثبت معنى ذلك بعشر انتصار من الحربي، أو من أشبهه إذ يأخذون من المسلمين من كل ما قدموا به، فإن ثبت على معنى الانتصار أخذ قيمة ذلك من الذمي، إذا كان يعترف أنه له حلال وأنه ملك، ولأنه قد ثبت عليه لمسلمة حق من ذلك من طريق مناكحة كان عليه قيمة ذلك لها يجبر على ذلك، ولا يقدر أن يعطيها خمرا وخنازير، فذلك يشبه هذا عندي على هذا المعنى، وينظر في هذا كله.
ومنه: واختلفوا في الذمي يمر على العاشر مرار؟ فقال مالك بن أنس: من خرج منهم من أهل مصر إلى الشام، ومن الشام إلى العراق فعليه العشر، واختلفوا في العام الواحد مرارا، فإن أقام في بلدة مصرت في أعلامها وأسفلها فلا عشر عليه، إلا أن يخرج من بلده إلى بلده، وقال أصحاب الرأي وأبو ثور: لا يؤخذ من أهل الذمة إذا مروا على العاشر إلا مرة واحدة، وبه قال أبو عبيد إذا كان المال الذي مر به يعينه في المرة الأولى، وإن كان مالا سواه أخذ منه. قال أبو بكر: كل ما ذكرته في أهل الذمة سوى نصارى بني تغلب. قال جماعة من أهل العلم: قالوا في نصارى بني تغلب تضاعف عليهم الصدقة، هذا قول سفيان الثوري وأبي ليلى والشافعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي، ورووه في ذلك أخبار عن عمر بن الخطاب، ولا أعلم غيرهم خالفهم.
قال أبو سعيد: معي إنه مضى القول في الحربي والذمي من أهل الكتاب، ويعجبني في الحربي قول من يقول: إنه يؤخذ منه حسب ما يأخذ ملك بلده في تردده مرة بعد مرة في السنة أو في إقامته، وأما نصارى العرب فمعي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما قال إنه يضاعف عليهم الضعف ما يؤخذ من المسلمين من أموالهم، وأرجو أن ذلك في جميع الأملاك مما تجب فيه الزكاة على حسب الضعيف مما يؤخذ من المسلمين في كل شيء من ذلك، وأرجو أنه يخرج في معنى القول إنه لا شيء عليهم، إلا حتى يبلغ أملاكهم من ذلك ما تجب فيه الزكاة من أموال المسلمين لم يضاعف عليهم، وهكذا معي إنه قيل في يهود العرب من ثبت منهم باليهودية من العرب، ولا أعلمه في نصارى تغلب، وإنما هو في نصارى العرب، فإذا ثبت في نصارى العرب، ومن ثبت له معنى في الشرك تشبيها بالنصارى.
مسألة: وإن عمل مصلي مع ذمي كان في حصته الزكاة، إذا بلغ في ماله ما تجب عليه الزكاة خالصا له، وكذلك مازال من أهل الذمة، ومن أهل الإسلام إلى النصارى، ومن العرب، ففيه الخمس، ومازال إلى أهل الذمة من نصارى العرب، ولم أصله فيه الزكاة، فعليه الخمس، لأنه بحالة لا ينتقل عن حكمه بحكم أهل الذمة.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- وليس في زراعة أهل الذمة ولا في ثمارهم صدقة، وإنما الصدقة على أغنياء المسلمين، وإنهم يؤخذ منهم ما وافقوا عليه من العهد بينهم وبين المسلمين.

الباب الثامن والعشرون
في مال نصارى العرب واليهود
وقال في مال نصارى العرب التي فيها الخمس إذا زالت إلى امرأة أو إلى ذمي، أو إلى مصلي أن فيها الخمس حيثما زالت؛ لأن الخمس أصل في المال، وليس هو على الرءوس فقالوا: إن زرعها مصل ففيها الخمس.
مسألة: وقالوا في الذمي يشتري مال المصلي أن لأهل الصلاة أن يأخذوه منه إن شاء، وإن لم يكن لهم فيه شفعة، وحفظ أبو عبد الله عن أبي صفرة عن محبوب ذلك. وحفظ أبو مروان وأبو عبد الله عن الأزهر بن علي عن أبيه ذلك، وقال من قال: ليس لهم أن يأخذوه إلا أن يكون شفعة لأحد، فلصاحب الشفعة أخذه.
مسألة: وسئل عن المصلي إذا اختار بالذمي وهو يدوس زرعه، أو يجذ نخله أيأخذ منه صدقة أم لا؟ قال: معي، إنه قيل أما ماله الأصل فلا يأخذ منه شيئا، وأما ما استفاد من أموال أهل القبلة، كان عليه فيه حكم الزكاة على سبيل أحكام المسلمين، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
مسألة: وسألت عن مشركي العرب؟ قال: يؤخذ من أموالهم ضعف ما يؤخذ من أموال المسلمين. قال أبو معاوية: إنما يؤخذ الضعف من نصارى العرب.

الباب التاسع والعشرون
فيما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية ونحو ذلك
وإذا ظفر الإمام بأرض المسلمين، وفيها أهل ذمة قد كان عقدها لهم جبار تلك الأرض التي كان قد استولى عليها قبل الإمام، لم يكن للإمام أن ينقض ذمة الجبار، ويحل عليه ما عقدها لهم، وكذلك الجبار إن كان قد أخذ منهم الجزية لأعوام قد انقضت في حال استيلائه على تلك الأرض. فإن قال قائل: فلم جعلتم فعل الجبار كفعل الإمام في العهد، وأخذ الجزية عندكم أن لا يستحق أخذها؟ قيل له: لقول النبي : «المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم» فهذا الخبر يوجب إسقاط الجزية منهم، بعد أن أخذها من هو أدنى المسلمين، والله أعلم.
مسألة: ومن –الكتاب- والجزية ساقطة على النساء والصبيان والعبيد بإجماع الأمة. قال أصحابنا: ولا تجب على الزمنى ولا الشيخ الفاني، وقد وافقهم بعض مخالفيهم على ذلك، والنظر يوجب أخذ الجزية منهم، إلا من خرج من الإجماع. قال الله تعالى في كتابه: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فظاهر الآية يوجب أخذ الجزية من الرهبان والزمنى والشيوخ وغيرهم، إلا من خصه الإجماع، والله أعلم.
مسألة: ومن –جامع بن جعفر- وقال من قال: إذا عتق المسلم عبدا يهوديا أو نصرانيا فلا جزية عليه، فينظر في ذلك.
مسألة: ومن جواب أبي الحسن –رحمه الله- وقال الله: يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . قلت: كيف يعطي هذه؟ قال: وجدنا في التأويل أنهم يمشون بها صغرة يقبلون بها، والله أعلم بتأويل كتابه.
مسألة: ومن –كتاب موسى بن أبي جابر- رحمه الله- إلى أهل نزوى، أنه ليس على اليهودي والنصراني والمجوسي زكاة في أموالهم، وإنما عليهم الجزية. على الرجل درهمان في الشهر، فإن كان غنيا موسرا فأربعة دراهم، وإن كان مسكينا يأكل بالدين ولا غلة له في الأرض ولا عبيد ولا تجارة، فليس عليهم شيء، ولا على النساء، ولا على الذرية جزية.
مسألة: ومعي، إنه إنما قيل ليس عليهم زكاة في أصول أموالهم، وما ما استفاد وانتقل إليهم من أموال أهل الصلاة التي قد جرت فيها الزكاة، ففيه الزكاة.
مسألة: وسئل عن يهود خيبر، أعفيهم الجزية أم لا؟ قال: معي، إنه قيل ليس عليهم جزية. قلت له: من أي وجه زالت عنهم الجزية؟ قال: إنه قيل أن النبي حط عنهم الجزية. قلت له: فعليهم أن يغيروا لباسهم، ويربطوا الكساء، وهو الزنار، ويفعلوا كما يفعلوا أهل الذمة من غير زيهم، عن زي المسلمين؟ قال: معي إن هذا على جميع أهل الذمة عندنا من أهل الذمة.
مسألة: وليس على النساء والصبيان والمماليك جزية، وكذلك الزمنى والشيخ الفاني، ومن حبس نفسه منهم من النصارى في الصوامع، وهم الرهبان عباد النصارى، والشماسون عليهم الجزية، وهم القوام على بيعهم، وكنائسهم وبيت نارهم، ومن كان منهم مسكينا قد ظهر عدمه وفقره، ولا يقدر على الجزية فلا جزية عليه أيضا، ومن كان من غير هؤلاء فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهم، ومن ظهرت بشرته منهم فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهمان، حتى يكون دهقانا مكثرا، فكذلك يؤخذ منه في كل شهر أربعة دراهم، ولا يؤخذ منهم أكثر من أربعة دراهم، ولا يؤخذ أقل من درهم، وإنما يؤخذ منه بإهلال الشهر الماضي، وإذا ملك الذمي أربعين ألف درهم أو قيمتها من الأصل فهو عندي دهقان، وقال من قال: أقل من ذلك، ولا جزية على يهود خيبر إذا استبان ذلك، وقد قيل إذا كان للذمي مال أو عيال بعمان، وكانت غيبته إلى بلاد الشرك، ثم قدم أخذت منه الجزية، وإن لم يكن له بعمان مال ولا عيال، لم يؤخذ منه لما مضى، وإن كانت غيبته إلى أرض الإسلام لم يؤخذ منه الجزية إذا رجع إلى عمان، فإن كان له بها أهل ومال، إلا أن يقر أنه لم يكن أعطى الجزية فإنما يؤخذ منه لما غاب.
مسألة: وعن الذمي كان في بلاد الشرك هنالك مسا وكان، ولم يكن خروجه من عمان، ولم يكن تؤخذ منه جزية، فلا يؤخذ منه جزية حتى يقيم عندكم ثلاثة أشهر، ثم أخذوا منه الجزية فيما يستأنف، هذا في أبي عبد الله –رحمه الله- إلينا، وفي رأي آخر حتى يقيم شهرا، وهذا الرأي أحب إلي.
مسألة: قال محمد بن محبوب –رحمه الله-: قال بلغنا أن سليمان بن عثمان –رحمه الله- قال: لا تؤخذ الجزية إذا رجع إلى أرض المسلمين، إلا أن يقيم معكم ثلاثة أشهر، ثم خذوا الجزية لهذه الثلاثة الأشهر، ولما يستأنف إن أقاموا معكم. قال محمد بن محبوب –رحمه الله-: أنا آخذ بهذا القول.
مسألة: عن أبي سعيد –رحمه الله- وأما اليهود وأهل الذمة فتؤخذ منهم الجزية على قدر منازلهم. وقد اختلف المسلمون في حد ما يؤخذ منهم، فقال من قال: حتى تخلوا ثلاثة أشهر، ثم يؤخذ منهم لما مضى من الثلاثة أشهر، وقال من قال: إذا حموهم شهرا أخذ منهم لذلك الشهر.
مسألة: ومن –غير جامع ابن جعفر- وسئل أبو سعيد كيف تؤخذ الجزية من أهل الكتاب، وممن يؤخذ منهم؟ قال: معي، إنه قيل إنما تؤخذ ممن لا يأكل بالدين منهم من الرجال، ولا يلحقه معنا دين في معيشته في أحواله ويصير بمنزلة الفقير، كل شهر درهم، ومن أوساطهم فمن هو فوق ذلك، من كل واحد درهمين، ومن دهاقينهم، وما أشبههم في المعنى، في كل شهر أربعة دراهم عن رؤوسهم، لا عن أموالهم ذلة لهم بذلك عن أيد صغار لهم من ذلك، وإذا سلموها فذلك هو الصغار والذلة، سلموها بأيديهم أو وكلائهم، أو من أمروا بذلك. قلت له: وهل للوقت الذي يجب عليهم الجزية بمعنى الشهور تحديد، كانوا موطنين في بلد، أو مسافرين أو متسوقين؟ قال: معي، إنه قيل إذا كانوا في بلد المسلمين وجبت، يجزى عليهم حفظهم وعدلهم في برهم أو بحرهم مسافرين كانوا أو مقيمين ثلاثة أشهر، أخذ منهم الجزية فيما مضى من الثلاثة أشهر، ثم استقبلوا كل شهر يؤخذ منهم، لما مضى من الشهور، ولا يؤخذ منهم لما استقبلوا حتى يقيموا شهرا، وقال من قال: إذا أقاموا شهرا أخذ منهم، ولا ينتظر بهم ثلاثة أشهر.
قلت له: وما معك في علة من يقول ألا يؤخذ من أهل الذمة جزية حتى يمضي لهم ثلاثة أشهر، والعلة عليه من قولهم إنه يأخذ منهم عن كل شهر جزية معلومة؟ قال: لا أجد علة، ولا يشبه مواطي معنى قوله، والله أعلم، وأشبه المعاني عندي في معنى هذا القول الآخر، ولا يكون أعظم حرمة من المسلمين؛ لأن معنى الاتفاق يوجب أن المسلم إذا قام سنة وجب عليه الزكاة، بمعنى ثبوتها عليه في التعبد.
قلت له: وما صفة من تؤخذ منه الجزية بمعنى التعبد منه؟ قال: معي، إنه قيل من البالغين فصاعدا، ولا أعلمه على الصبي أن يكون شيخا، فإن ثم عندي أنه يختلف في الشيخ الفاني عندهم، ويعجبني إذا صار بحد من لا يقابل من الضعف والكبر لم يكن عليه، لأنه يزول عنه معنى ما ثبت في المقاتلة الذين قصد إلى ذلهم وصغارهم.
قلت له: والعلة التي أوجبت سقط الجزية بالكبر، أهي بالسنين أن بالاعتبار، وإن كان بالاعتبار، فبالسنين أم بالمسافات؟ قال: لا يبين لي في السنين، وإنما هو بالاعتبار، ويعجبني أن يكون إذا كان في حد من يقاتل ويحارب في موضعه، ولم يكن في حد الفاني.
قلت له: فما القول معك كسقوط الجزية عن الصبيان، أهو بالاتفاق؟ قال: هكذا عندي، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وإن قال قائل: إذا صاروا بحد المحاربة من المراهقة للبلوغ ممن يحكم عليه بأحكام البلوغ، يثبت عليه الجزية في معنى الاختلاف، لم يبعد عندي ذلك.
قلت له: أليس القول في الغلام إذا كان بحد المراهق، وأقر بالبلوغ أنه يثبت عليه حكم ما أقر به؟ قال: معي إنه كذلك يختلف فيه، فبعض يثبت عليه في تلك الحال ما أقر به من البلوغ، وعندي أنه قد قيل غير ذلك، إذا لم يقر بالبلوغ.
قلت له: وما علة من يقول إنه مصدق في ذلك؟ قال: لأنه يلزمه أحكام البالغين لاشتباهه للبالغين، قلت فبالشبه يثبت عليه البلوغ أم بالإقرار؟ قال: معي، إنه يثبت عليه بالشبه معاني أحكام البلوغ وبالإقرار يثبت عليه الإقرار؛ لأنه ثابت من البالغين.
قلت له: فهل تثبت أحكام البلوغ بأحد هذين الشبه أو الإقرار؟ قال: معي، إنه بالإقرار بالبلوغ يثبت عليه أحكام البالغين، ما لم يكن إقراره محالا في معنى النظر، وأن يقر بمعدوم في معنى الاعتبار.
قلت له: فما معنى الشبه الذي يكون حجة عليه بالبلوغ، وأن الإقرار بالبلوغ؟ قال: معي، إنه يصير بحد البالغين في النظر، أو يبلغ من السنين ما يبلغ به مثله، أو يبلغ من هو أصغر منه أو من هو من أترابه، فهذه الأحوال كلها قل قيل إنه يشبه بها معنى البالغين في معنى الأحكام، دون الحدود وما أشبهها من القصاص والقود. وقال من قال: حتى يبلغ أو يصح بلوغه أو يقر، ويصير بحد من لا يرتاب في بلوغه وبحال غير بالغ في معنى النظر، ثم هنالك يجب عليه حكم الاتفاق في أحكام البلوغ في إيجاب الحدود وغيرها.
قلت له: فالاتفاق على سقوط الجزية عن الصبيان من أهل الذمة من السنة أو من الصحابة؟ قال: لا أعلم في ذلك شيئا مؤكدا، والله أعلم.
قلت: فهل على نساء أهل الذمة جزية؟ قال: لا أعلم ذلك. قلت له: وكيف معك أو قيل نجبي الجزية من أهل الذمة؟ قال: معي، إنهم إذا حماهم المسلمون شهرا جبوا منهم الجزية إن كنت أردت هذا الفصل. قلت: فثبوت الجزية واجب على أهل الذمة من العرب، أم إنما ذلك في العجم؟ قال: معي إنه قيل إنما ذلك في العجم من أهل الكتاب والمجوس، وأما أهل الكتاب فمن حكم الكتاب يثبت عليهم، وأما المجوس فمعي، إنه قيل من السنة، وأما العرب فمعي إنه قيل إذا كانت قد أثبتت لهم الذمة بوجه من الوجوه أخذ من أموالهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين، ولا أعلم عليهم جزية.
قلت له: ومن أين يلحقوا بأهل الذمة من العجم في الجزية، وقد ثبت عليهم عهد أهل الذمة؟ قال: معي، أنهم مخالفون في الشبه لأهل الذمة من العجم، ومشتبهون بحكم أهل الإسلام من العرب في الشبه، كان عليهم بالصغار ضعف ما على المسلمين، ولم يستن بهم سنة العجم.
قلت له: وهل قيل أو يخرج عندك أنه يجب على أحد من المشركين الجزية غير اليهود والنصارى والمجوس، أو من تعلق بأحد معاني هؤلاء؟ قال: لا أعلم ذلك، في سائر أهل الشرك من العجم، إلا أن يكون قد ثبت ذلك عليهم بمصالحة المسلمين، فعليهم ما قد ثبت من الصلح بينهم وبين المسلمين من جزية، أو خمس أو غير ذلك.
قلت له: فيكون للمسلمين مصالحة أهل الحرب من المشركين غير أهل الكتاب على أكثر من الخمس؟ قال: معي، إنه ليس للمسلمين مصالحهم حتى يضيئوا إلى أمر الله، أو تذهب أرواحهم على ذلك، إلا أن يروا أن صلحهم أصلح للإسلام وأهله، فلهم أن يصالحوهم على ما شاؤوا، ولو على أموالهم كلها عندي.
قلت له: وكيف كان ثبت عهد الذمة للمجوس وليس لهم كتاب؟ قال: فأما معنى ذلك معي أنه قيل عن النبي أنه قال: «سنوا في المجوس سنة أهل الكتاب» أحسب أراد بذلك معنى الجزية على معنى القول، وقد يشبه عندي إخراجهم من جملة أهل الشرك، لقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا . فكان لهم اسم في غير معنى جملة أهل الشرك، وإن كان يلحقهم الشرك فإن لهم اسم يفردهم مثل اليهود والنصارى والمجوس.
قلت: وهل كان علمت أن النبي دعا المجوس إلى الإسلام، وهل لذلك دليل في كتاب الله؟ قال: ولا أعلم ذلك في معنى ما بلغني، ولا في جملة ما دخلوا فيه من قول النبي : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وقول الله تبارك وتعالى: قاتلوا المشركين كافة والمجوس داخلون في جملة أهل الشرك. وقال الله تبارك وتعالى: جاهد الكفار والمنافقين والمجوس داخلون في جملة الكفار.
قلت له: يجوز وثبت للمسلمين أن يأخذوا بالجزية من أهل الذمة عروضا أو ذهبا بما يجب عليهم من النقد؟ قال: فلا أعرف ذلك نصا، ولكنه إذا ثبت أن يأخذوا من الزكاة من المسلمين العروض، وجاز ذلك فالجزية عندي مثلها إن لم يكن أشبه بإجازة ذلك، لأنه حق واجب بنفسه في الذمة بلا اختلاف، والزكاة قد يختلف فيها، ففي بعض القول إنها شريك. وقال من قال: إنها في الذمة، ولا يبين لي اختلاف في منع ذلك المسلمين أن يأخذوا عروضا بالزكاة عن اتفاقهم، ورب المال، لأن الحق لهم ليس لغيرهم، وإنما يبين لي معنى الاختلاف، إذا دفع ذلك إلى الفقراء؛ لأن الحق ليس لفقير دون فقير.
قلت له: وهل يجوز أن يأخذ ما يجب عليهم من الجزية من ثمن الخمر والخنازير؟ قال: فإذا صح ذلك أنه من ثمن الخمر والخنازير لم يبن لي أن يكون ذلك لهم على المسلمين ولهم أن يأخذهم بالجزية من غيره، فإن أخذوا ذلك من الجزية لما ثبت من الحق عليهم، لم يبن لي حرام ذلك، معنى الاتفاق وأشبه عندي فيه معنى الاختلاف.
قلت: أريت إن أبى أحد من أهل الذمة أن يدفع ما لزمه من الجزية، ما يكون للمسلمين أن يفعلوا فيه عند ذلك؟ قال: معي إنه إذا امتنع بما يجب عليه عاقبوه بالحبس، فلا يزال فيه إلى أن يؤدي أو يحارب على ذلك، فيكون حربا فيقاتل عليه.
قلت: فهل يجوز للمسلمين أو يثبت لهم عند امتناع من يأخذوا منه الجزية، أن يأخذوا الجزية من ماله؟ قال: معي أن لهم الخيار في ذلك إن شاؤوا أخذوها وإن شاؤوا حبسوه، حتى يؤديها عن يده وهو صاغر.
قلت: فإن ثبت لهم وجاز أن يأخذوه من ماله، فهل يجب عليه حبس بامتناعه لأدائها؟ قال: إن الإمام يخير في ذلك على ما يرى من عقوبتهم في الامتناع، وحقيقون بذلك عندي أن يعاقبوه بالحبس إذا امتنعوا، وقد ثبت عليهم أن يؤدوا عن يد وهو صاغرون، فقليل عندي ذلك لهم.
قلت له: وهل يجب عليه في امتناعه ووجوب الحبس لهم ضرب أدب؟ قال: معي إنه لا يبعد ذلك فيهم، ونظر الإمام لهم؛ لأنهم ليسوا كأهل الإسلام، وإنما عليهم ذلك عن يد وهو صاغرون.
مسألة: قيل يجوز بيع النخل والزراعات لأهل الذمة، فإذا بيع عليهم ففي وجوب الزكاة عليهم اختلاف؟ قول: تجب، وقول لا تجب.
مسألة: يهودي قال: إنه خيبري ويصلي على رسول الله ، ألا يؤخذ منه الجزية؟ فنعم عليه الجزية، ولا يقبل إلا بشاهدي عدل من أهل الصلاة أنه خيبري أو يقيم بينة أن أحد من أئمة المسلمين أو قضاتهم رفع عنه الجزية، فإن ذلك يرفع عنه الجزية.

الباب الثلاثون
في ذكر الذمي يزرع أرضا من أرض العشر
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الذمي يزرع أرضا من أرض العشر بملك أو غير ملك، فكان مالك بن أنس وسفيان الثوري والشافعي وشريك وأبو عبيد يقولون: ليس عليه في ذلك شيء. وقال النعمان: إذا اشترى الذمي أرضا تحولت أرض خراج. وقال أيضا: يضاعف عليه العشر. وقال محمد: عليه العشر على حاله. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا: إن كل مال ثبتت فيه الزكاة على أحد من المسلمين، ولم يثبت في أيدي أهل الذمة بما لا يصلح فيه ملك للمسلمين فلا ينتقل حكمه عن ثبوت حكم الإسلام فيه، وفيه الزكاة، كانت الزراعة لأحد من أهل الذمة، بملك أو غير ملك، بمشاركة أو منحة أو أجرة وأحكام، هذا الفصل من الأموال حكمه مال المسلمين في ثبوت الزكاة، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا.
مسألة: ومن -غير الكتاب- وسئل عن رجل من المسلمين ابتاع من رجل من أهل الذمة مالا.. تجري فيه الصدقة؟ قال: لا بأس بذلك، ويشترط عليه صدقة الثمرة. قال أبو عبيد الله: الصدقة فيها.
مسألة: فيما يؤخذ من نصارى العرب من –كتاب أبي جابر- ونصارى العرب يؤخذ منهم الضعف مما يؤخذ من المسلمين من الصدقة، وهو الخمس، ولا جزية عليهم، ولا تجب الصدقة في مالهم حتى تبلغ فيه كما يبلغ في أموال أهل الصلاة، ويحول على الورق الحول مذ ملكوه، وكذلك قال يهود العرب أيضا، وعامل النصارى الذي يلزمه الخمس، إذا كان من أهل الإسلام، فإنما عليه في حصته العشر، وفي حصة النصارى الخمس، وتؤخذ الصدقة من مال الرجل منهم والنساء والصبيان، على ما يؤخذ من أموال أهل الإسلام، إلا أن عليهم الضعف في الصدقة، وكل مال ورثوه أو اشتروه أو صار إليهم بوجه من الوجوه، ففيه عليهم الضعف من الصدقة. وما اشترى الذمي من النخل والأرض والغنم والبقر من أرض المسلمين، ففيها الزكاة على أهل الذمة، صارت إليه، وليس لهم أن يخرجوا بالماشية من أرض المسلمين إلى أرض الشرك إذا كانت تجري فيها الصدقة، وما اشترى المسلمون من أموال نصارى العرب الذي كان تجري فيه الخمس عندهم، فإنما على المسلمين فيه العشر.
قال أبو علي الحسن بن أحمد: وقد قيل الخمس؛ لأن الخمس أصل ثابت، وقول إذا زالت إلى ذمي أو مصلي أن فيها الخمس، وقول: إذا زالت إلى المصلين ففيها الزكاة، لأن المصلي لا يكون عليه خمس ولا جزية، كذلك إذا زال مال أهل الذمة إلى المصلي، كان عليه الزكاة.

الباب الحادي والثلاثون
في العشر على بني تغلب
من –كتاب الأموال- تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام. قال أبو عبيدة: روي أن عمر بن الخطاب –رحمه الله- أراد أن يأخذ من نصارى بني تغلب الجزية فانفوا منها وأرادوا أن يلحقوا بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عدوك بهم، فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة، وإنما استجازها فيما يروى وترك الجزية، لما رأى من نفارهم وأنفهم منها، وعلم أنه لا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم، واستوفاها منهم حين ضاعف عليهم الصدقة، فكان في ذلك رنق ما خاف من منعهم، مع استيفاء حقوق المسلمين من رقابهم، فكان مسددا كما روي فيه عن النبي : «إن الله ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه»، وكقول عبد الله فيه: ما رأيت عمر قد إلا وكأن ملكا بين عينيه يسدده، ومثل قول علي: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. وكقول عائشة فيه: كان والله أجود نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها.
قال أبو عبيد: فكان فعلته هذه التي أعد في كثير من محاسنه لا تحصى. قال أبو سعيد: يؤخذ من نصارى العرب الضعف، ممن التجارة والذهب والفضة، وكذلك يهود العرب، ولا أعلم عير ذلك<ح>(1).
مسألة: ومن اشترى ثمرة اليهودي والنصراني، فلا صدقة عليه، وله أن يشتري ثمرة أهل الذمة، ودوابهم مواشيهم وأمتعتهم، وقول إن اشترى الثمرة بعد دراكها فلا زكاة فيها من حيث كانت على المشتري، وإن صارت قبل الدراك بوجه، فأدركت في يده، فعليه الزكاة فيه فيما قيل من حيثما كانت. <ح>
(1)

الباب الثاني والثلاثون
في ذكر زكاة العبد يجد الركاز
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال سفيان الثروي والأوزاعي وأبو عبيد: إذا وجد العبد ركازا يرضخ له، ولا يعطى كله، وقال أصحاب الرأي وأبو ثور: هو له بعد الخمس، وحكى أبو ثور عن مالك والشافعي الذي قاله والكوفي. قال أبو بكر: وبه نقول، وقول الشافعي الذي قاله بمصر: إن ذلك إذا صار في يد العبد يصير ملكا لسيده.
قال أبو سعيد: لا يحضرني من معاني قول أصحابنا في هذا شيء، ولكن يوجب عندي معنى الرضخ للعبد مما أصاب، إذا كان في عسكر المسلمين، وأصاب مغنما من ذلك رضخ له، وأما إذا كان هو الواجد له وحده على الانفراد فهو عندي اكتساب منه، وماله لسيده، وفيه الخمس، وما بقي لسيده، وما رضخ له من ذلك من غنيمة أو غيرها فهو كسب، وكسبه لسيده.


الباب الثالث والثلاثون
في الصبي والمرأة يجدان الركاز
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال الأوزاعي وأصحاب الرأي: في المرأة والصبي يجدان الركاز هو لهما، وكذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي في المكاتب، وذكر أنه قول مالك والشافعي، وكان الثوري يقول: لا يكون لهما. قال أبو بكر: ظاهر الحديث يوجبه لهما.
قال أبو سعيد: يخرج عندي معنى ما قالوا، إذا كان في غير معنى الحرب ولا الغنيمة، وكل من وجده فهو له من امرأة أو صبي أو مكاتب أو حر أو عبد، وكسب العبد لسيده.


الباب الرابع والثلاثون
في ذكر الركاز يجده المرء في ملك غيره
من كتاب الإشراف قال أبو بكر: واختلفوا فيمن وجد ركازا في دار رجل أو أرضه، فقال الحسن بن صالح وأبو ثور هو للواجد، واستحسن يعقوب ذلك، وقال النعمان محمد: هو للذي يملك فيه الدار، وكذلك قال الشافعي: إن ادعاه رب المال، وإن لم يدعه فإن كانت له قبل، وقال الأوزاعي: إذا استأجرت أن يحفر لي في داري، فوجد كنزا فهو لي، وإن استأجرت أن يحفر لي هاهنا رجاء أخذ كنز سميت فله أجره، ولي ما وجد.
قال أبو سعيد: معي إنه إذا ثبت كنز من كنوز الجاهلية بمعنى ما يوجب ذلك فيخرج حكمه أنه لمن وجده من رب البيت أو غيره؛ لأنه غنيمة بمنزلة الغيب، وليس هو من ذات الأرض، ولا بما أخرجت الأرض، فيكون في الحكم لرب المال في معنى الحكم عندي، ولعله يشبه معنى الاختلاف في قول أصحابنا في نحو هذا، وأبين ذلك عندي أن الأملاك تقع عليه بمنزلة المال، ويخرج عندي في معنى المؤجر للحفر إذا كان اسؤجر لطلب الكنز لصاحب الأرض المستأجر، وللأجير أجرته، وإن كان استأجره لغير ذلك خرج عندي معنى حكم الكنز للحافر الواجد له.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- وأما من وجد ركازا فهو أحق به، وليس عليه فيه تعريف، وهو دفن الجاهلية، وإن وجده ظاهرا على وجه الأرض فلا أحفظ قولا، وأحب أن يكون سبيله سبيل اللقطة، لأنها عندي بمنزلة ما يسقط من الناس من الأموال، ولأنها مخالفة لوصف الركاز الذي هو كنز، والله أعلم.
مسألة: وعن أبي عبد الله، وعن رجل وجد في أرض رجل كنزا من كنوز الجاهلية قال هو لمن وجده ظاهرا أو باطنا، وفيه الخمس إذا كان ذهبا أو فضة، وذلك إذا كان لكنز جاهلا.
مسألة: ومن غيره، وسألته عن رجل وجد كنزا عاديا في أرض قوم آخرين لمن يكون المال؟ قال لصاحب الأرض. ومن غيره، قال: وقد قيل إنه لمن أصابه. وقال من قال: إن كان من حصن فهو لصاحب الأرض، وإن كانت مباحة غير محصونة فهو لمن أصابه.

الباب الخامس والثلاثون
في ذكر الكنز يوجد في دار الحرب
من -كتاب الإشراف-: قال أبو مالك في الكنز يوجد في دار الحرب هو بين الجيشين. وقال الأوزاعي: يؤخذ منه خمسه، والباقي بين الجيش، وقال الشافعي: هو لواجده، وقال النعمان: إن دخل بأمان فوجد كنزا في دار رجل رده عليه، وإن كان في صحراء فهو له وليس فيه خمس، وقال يعقوب ومحمد فيه الخمس، وقال أبو ثور هو لمن وجده، إلا أن يكون لرب الدار فيكون له.
قال أبو سعيد: لا أعلم أنه يحضرني في معاني قول أصحابنا في هذا شيء، ولكنه يعجبني ما قاله من الاختلاف أن يكون غنيمة لجميع الجيش، أو يكون لمن وجده، وأحب ذلك إن كان الواجد له لم يبلغ بذلك على حال، إلا بموضع العسكر كان غنيمة، وإن كان غير هذا المعنى، فالاعتبار كان في الاعتبار له خالصا، وعلى كل حال فمعي إنه فيه الخمس بجميع من ثبت له من خاص أو غنيمة، ويعجبني ما قال في الذي في أخذه متعمدا إن وجد ذلك في بيت يقع عليه معنى السكن، كان مالا لرب البيت، لأن ذلك داخل في جملة أحكام الشرك، وهو ماله لهم، وإن وجده في الصحراء أو غيره ما يقع عليه الإملاك بالإسكان المباحات، أعجبني أن يكون له، وليس الشرك من أهل الحرب عندي مثل المسلمين فيما يؤخذ من إسكانهم، والله أعلم.
مسألة: قال أبو بكر: قال أبو ثور إذا أصاب الرجل ركازا لم يسعه أن يتصدق بخمسه، فإن فعل ضمنه الإمام، وقال أصحاب الرأي يسعه ذلك. قال أبو بكر: هذا أصح.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا معنا الاختلاف في خمس كنوز الجاهلية، إذا لم يكن عندي بمعنى ثبوت الغنيمة لأهل معسكره، ففي بعض قولهم: إنه للفقراء، وفي بعض قولهم: إنه يقسم على سبيل قسم الغنيمة، ويعجبني القول الأول إنه للفقراء لأنه أخذ عن غير حرب، ولا إيحاف بخيل ولا رجال.

الباب السادس والثلاثون
في وقت الزكاة
وعن أبي الحواري، وعمن كانت عليه زكاة، وكان يخرجها في المحرم، فأخرها حتى دخل عليه ربيع الأول فلم يخرجها، فإذا حال عليه الحول، ثم رجع يخرجها في المحرم كما كان يخرجها من قبل، أو يرجع يخرجها في ربيع الأول، بل وقته في شهر المحرم، وإنما يخرجها في شهر المحرم.


الباب السابع والثلاثون
في إسقاط الزكاة عن اللؤلؤ والجوهر والعنبر
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا فيما يجب في العنبر، فروينا عن ابن عباس أنه قال: لا شيء فيه، وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد والنعمان ومحمد، وقال الحسن البصري: ليس في صيد السمك، وكذلك قال مالك بن أنس وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والنعمان ومحمد، وقد روينا عن ابن عبد العزيز أنه قال: في العشر الخمس، وكذلك الحسن والزهري يخرج منه الخمس، ويعقوب ومحمد وإسحاق في العشر، وكان عطاء يقول: ليس في لؤلؤ ولا في زبرجد ولا ياقوت ولا فصوص صدقة، وقال القاسم بن محمد: ليس في اللؤلؤ زكاة، إلا فيما يدار للتجارة، وكذلك قال عكرمة في الياقوت والجواهر، وهذا قول مالك وسفيان الثوري والشافعي ومحمد.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق أنه لا زكاة في شيء من الجواهر، إلا في جوهر الذهب والفضة، وليس في سائر ما أخرجت الأرض من الجواهر زكاة غيرها، ولا ما خرج من بر ولا بحر، وكذلك قال الله تبارك وتعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله إنما الزكاة فيها من جميع الجواهر، إلا ما دخل من جميع ذلك في معنى التجارة فإنه فيه الزكاة بمعنى زكاة التجارة، ولا أعلم في ذلك اختلافا في قول أصحابنا.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- ولا زكاة فيما أصاب المصيب من اللؤلؤ والجوهر والعنبر من عوض، إلا أن يكون من التجارة، فيحسب قيمته عند جميع ما كان له من التجارة، ويبيعه بدارهم أو ذهب فيحمله على صدقته، وإن كان ممن لا يؤدي فحتى يحول على مائتي درهم من ثمن ذلك أو أكثر حولا، ثم يجب فيه الزكاة.
مسألة: من –كتاب الكفاية- والعنبر واللؤلؤ لا شيء فيه على من أصابه حتى يبيعه، ويصير ثمنه ذهبا أو فضة، ويحول عليه الحول، إلا أن يكون له مال، وقد وجب إخراج زكاته، فيضم ثمن اللؤلؤ والعنبر إذا باعه فيخرج منه أيضا.

الباب الثامن والثلاثون
فيما ليس فيه زكاة – في ذكر إسقاط الصدقة في الخضر والفواكه
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: روينا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أنهما قالا: ليس في الخضروات صدقة، وبه قال مالك وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وسعيد بن عبد العزيز والليث بن زيد والشافعي وأبو ثور، وقال النعمان: في الرياحين والبقول والرطاب القليل والكثير والزعفران والورد في قليله وكثيره العشر ونصف العشر. قال يعقوب ومحمد: ليس في شيء من هذا زكاة، إلا ما كان له ثمرة باقية، إلا الزعفران ففيه العشر، هذا على قول يعقوب، وقال محمد: لا يكون في الزعفران شيء حتى يكون خمسة أمنان. وقال محمد في قصب السكر الذي يكون منه السكر ويكون في أرض العشر ما في الزعفران. وقال آخرون: لا زكاة في الخضروات لكن تزكى أثمانها إذا بيعت، وبلغ الثمن مائتا درهم، هذا قول الحسن البصري والزهري، فأما مذهب مالك والشافعي والثوري فلا صدقة فيها ولا في أثمانها حتى يحول على أثمانها الحول في ملك مالكها. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال المؤلف للكتاب: أنا آخذ بقول من يقول: لا زكاة فيها ولا في أثمانها حتى يحول الحول على الثمن، وهو مائتا درهم، أو يكون له مال من روق أو تجارة قد باعه بذهب أو فضة أو يبيعه بشيء من العروض يريد به التجارة، ويحول عليه الحول، أو يحل وقت زكاته، ولو لم يحل الحول فإنه يحمل على زكاة ماله في زكاة الورق والتجارة، والله أعلم.
قال أبو سعيد: إنه قد مضى القول بمعاني ما تثبت فيه الزكاة في قول أصحابنا، ويوافق ذلك عندي من هذه الأقاويل قول من قال: لا زكاة فيها ولا في أثمانها بحال حتى يحول الحول على الثمن، وهو مائتا درهم، أو يكون له مال من ورق أو تجارة قد باعه بذهب أو فضة، أو يبيعه بشيء من العروض يريد به التجارة، ويحول عليه الحول، أو يحل وقت زكاته، ولو لم يحل الحول فإنه يحمل على زكاة ماله في زكاة الورق والتجارة.
مسألة: عن الفقيه ورد بن أحمد بن مفرج- وسألته عن العظلم، هل فيه زكاة قال: لا.
مسألة: من جواب الفقيه صالح بن وضاح، وأما السكر والقطن والكتان، وجميع الشجر فلا زكاة فيه، ولا قال به أحد، والله أعلم.
مسألة: وسألته عن اللوبيا والحمص والعدس. قال: كان بعض الفقهاء لا يرى الزكاة إلا في البر والشعير والذرة والزبيب والتمر، وكان بعضهم يرى في الحبوب ما يؤكل ويدخر أن فيه العشر، والله أعلم، وأما البصل والثوم وحب الرمان، فليس فيه زكاة، وكان أبو عبيدة لا يرى أن يخلط البر ولا الشعير حتى يكون البر خمسة أوسق والشعير خمسة أوسق فتحل من كل نوع واحد، وقد قيل أيضا يحمل أحدهما على الآخر، والله أعلم. ذكر العشور من كتاب الإشراف قال أبو بكر: أجمع أهل العلم على أن لا عشور على المسلمين في شيء من أموالهم، إلا في بعض ما أخرجت أراضيهم.
قال أبو سعيد: يخرج عندي في معنى ما قال: إنه لا عشر على المسلمين من جميع أهل القبلة فيما يثبت في أيديهم من الأملاك لازم في معنى أعشار ما يلزمهم من أسباب الزكاة العشر، إلا فيما أخرجت أراضيهم ونخيلهم وأعنابهم مما سقته الأنهار، أو كان على البجوس والأمطار، وجميع ما لا يسقى بالنواضح والمعالجات، وهو كذلك عندي لا عشر عليهم إلا في هذا الصنف من أموالهم، والعلة إنما أكد هذا لأن لا يشبههم<ح>(1) بما يريد أن يثبت على أهل الشرك من العشر في أموالهم.
مسألة: ومن -جامع أبي محمد- وروي عن النبي أنه قال: «عفي لكم عن صدقة الخيل» فقال قوم: هذا عموم، وقال آخرون: إذا لم يكن للتجارة. <ح>
(1)


الباب التاسع والثلاثون
في ذكر زكاة الزيتون
من -كتاب الإشراف-: وكان الشافعي يقول بقول مالك، ثم قال بمصر: لا أعلمها تجب في الزيتون. واختلفوا في صدقته كيف تؤخذ، فكان الزهري يخرص زيتونا ويأخذ زيتا صافيا، وبه قال الليث بن سعد والأوزاعي، وقال مالك يؤخذ العشر بعد أن يعصر وبلغ الزيتون خمسة أوسق.
قال أبو سعيد: لا أعلم في قول أصحابنا إثبات الزكاة في الزيتون حبا ولا عصيرا.


الباب الأربعون
في صدقة العسل
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في صدقة العسل، فممن رأى فيه العشر مكحول وسليمان بن موسى والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال النعمان: إذا كان العسل في أرض العشر، ففي قليل العسل أو كثيره العشر، وقال يعقوب: ليس فيما دون خمسة أوسق من العسل صدقة. وفي قول مالك وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح والشافعي: لا زكاة فيه، وقد روينا ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز. قال أبو بكر: ليس في وجوب صدقة العسل شيء يثبت عن النبي ، فلا إجماع ولا زكاة فيه.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق بما قال أبو بكر في القول.


الباب الحادي والأربعون
في ذكر وجوب الزكاة في الثمار المحبسة أصولها
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: قال مالك بن أنس في الحوائط المحبسة في سبيل الله أو على قوم بأعيانهم تؤخذ منهم الصدقة، وبه قال الشافعي في الصدقة الموقوفة يكون خمسة أوسق، روينا عن محكول أنه قال: لا زكاة فيها، وروي ذلك عن طاووس. وقال أحمد بن حنبل: إذا أوقف أرضا على المساكين لا أرى فيها العشر إلا أن يوقف الرجل على ولده فيصيب الرجل خمسة أوسق ففيها الصدقة. وقال أبو عبيد: إذا كانت الصدقة على أهل الخراج فلا زكاة فيها، وإن كان على قوم بأعيانهم ففيه الصدقة.
قال أبو بكر: هذا حسن. قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا إذا كان الوقف على الفقراء أو على المساكين أو سبيل الله أو ابن السبيل على وجه الإطلاق أو لسبيل من سبيل الله تبارك وتعالى، أو لشيء من الفضائل إن هذا كله لا زكاة فيه، لأن هذا ليس ممن خوطب بالزكاة، وإن كان لقوم معروفين ممن يزول حكم وقفهم إلى ملك معروف، ولو لم ينتقل إلى مواريث، إلا أنه يقع على أملاك معروفة، فعلى أصحاب الأملاك من المتعبدين حكم الزكاة، إذا ثبت معنى الزكاة في المشاع، على قول من يقول بذلك، وكذلك إن اقتسموه فوجب لكل منهم في حصته ما تجب فيه الزكاة، فلا اختلاف في ذلك في وجوب الزكاة في هذا المعنى، وهذا الوجه من الوقوف.
ومن غير الكتاب، وفي جواب أبي زياد –رحمه الله- وعن زكاة الصوافي، فقيل فيما بلغنا فيها أقاويل ثلاثة: قال من قال: لا زكاة على العمال حتى تبلغ لكل واحد ثلاثون جربا، وقال من قال: إذا بلغت حصة العمال ثلاثين جربا، أخذ من كل واحد منهم من حصته الزكاة، وقال من قال: الصوافي بمنزلة قطعة واحدة، فإذا بلغ في الصافية الزكاة أخذ من العمال مما أقل أو أكثر الزكاة.
ومن غيره، وقال من قال: لا زكاة في الصوافي؛ لأن أصلها لله ليس مال تجب فيه الزكاة.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- وليس في الحوائط المحبسة على الفقراء زكاة، لأنها لا مالك عليها معين في الناس.
مسألة: من –كتاب الكفاية- ونخل المسجد ونخل السبيل لا زكاة فيها ولو بلغت الزكاة، ولا زكاة في الوقوف ولا الصوافي، ومختلف فيها. قال بعض: فيها الزكاة إذا بلغت غلتهم ثلاثين جريبا، يعني حتى تبلغ غلة كل واحد ثلاثين جربا، وقال قوم ليس فيها زكاة ولو بلغتا أكثر من ذلك، وذلك إلى الحاكم، فإن لم يكن حاكم، فقال بعضهم فيها الزكاة، وقال بعض: ليس فيها زكاة.

الباب الثاني والأربعون
في وجوب العشر في أرض الخراج
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في وجوب العشر فيما تخرج أرض الخراج من الحب، فقال أكثر أهل العلم: العشر في الحب، والخراج على الأرض، كذلك قال عمر بن عبد العزيز وربيعة بن عبد الرحمن والزهري ويحيى الأنصاري ومالك بن أنس والأوزاعي وسفيان الثوري والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد، وقالت طائفة قليلة عددها: لا تجب فيما أخرجت أرض الخراج العشر ولا نصف العشر. قال أبو بكر: فلا معنى لقول خالف قائلة الكتاب والسنة، فأما في الكتاب فقوله: وآتوا حقه يوم حصاده ، وأما السنة فقول النبي : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». قال عبد الله بن مبارك: في قول الله عز وجل: ومما أخرجنا لكم من الأرض .
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج معنى تثبت أرض الخراج في معنى قولهم هذا في الأرض التي تثبت صافية للمسلمين، وأخذها أهلها بالخراج، لأنهم يقولون بالخراج على ما قال الله، على نحو ما يروي عمر بن الخطاب أنه ما سيح على الأرض على إخراج معروف، وإذا ثبت المعنى هكذا إن كان، فمعي إنه يخرج في قول أصحابنا في الصوافي أنه إذا كانت الزراعة للمسلمين في جملة مال المسلمين، فلا زكاة فيها، ولا أعلم في هذا الفصل من قولهم اختلافا. وكذلك إن كانت المشاركة للمسلمين على شيء منها بسهم معلوم في جملة ثمرتها فلا زكاة في سهم المسلمين قل أو كثر، إذا بلغت الزراعة الواحدة الزكاة، أو لم تبلغ أو بلغت الجملة، وما ثبت للمتعبدين بأحكام الزكاة من ثمرة الصافية على معنى الزراعة، فإن كان الخراج أجرة معروفة ليس بسهم معروف من المسلمين لهم، فيخرج عندي في معنى الاتفاق أن على الزارع لهذه الصوافي على هذا النحو الزكاة؛ لأنها مال له قد استحقها بالأجرة، ولا شركة للمسلمين معه. ومعي إنه يختلف فيه إن كان المسلمون شركاء بسهم معلوم من الزراعة، فمعي إنه في بعض القول: لا زكاة على شريكهم في الزراعة على حال، وفي بعض القول: إن على شريكهم الزكاة على حال، إذا كان جملة ما أيديهم من مال الله ما يجب فيه الزكاة على حال، إذا كان عاملا في هذا الفصل، وإذا لم يكن عاملا وكان داخلا فيه بسبب مشاركة، فلا يكون تبعا لهم حتى تجب في زراعته هو الزكاة، وفي بعض القول حتى تجب عليه في ماله خاصة الزكاة كل واحد من الشركاء على الانفراد، ولو كانت الزراعة واحدة لم يحمل بعضهم على بعض، وفي بعض القول إنه إذا كانت الزراعة واحدة نصيب جميع الشركاء ما تجب فيه الزكاة، وجب علهم وحملوا على بعضهم.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- والأرض الخراجية إذا بلغت فيها الزكاة كانت الزكاة في الكل، ولا يسقط الخراج شيئا من الزكاة؛ لأن الخراج بمنزلة الإجارة للأرض، فأرض عمان ليس أرض خراجية.


الباب الثالث والأربعون
في زكاة الصوافي
وعن رجل طلب إلى الإمام صافية وزرعها، فوصلت بما تجب فيه الزكاة، هل عليه زكاة؟ قال: معي إنه قد قيل لا زكاة عليه. وقال من قال: عليه الزكاة.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ، والله أعلم، وأما إذا زرعت للإمام لجملة مصالح الإسلام فلا زكاة فيها، ولا أعلم في ذلك اختلافا، لأنهم أهلها، ولا زكاة عليه.
قال المؤلف للكتاب: وبهذا القول نأخذ والله أعلم.
مسألة: وقال أيضا: في عمال الصوافي، هل عليهم الزكاة؟ فقال: قالوا فيها ثلاثة أقاويل: قال من قال لا زكاة عليهم، لأن الأصل فيء، وقال من قال: إذا أصاب العمال الواحد ثلاثمائة صاع، أخذ منه زكاة ما أصاب، لا زكاة عليه في أقل من ذلك. وقال من قال: إذا بلغت الصافية ثلاثمائة صاع أخذ منه زكاة ما أصاب قليلا كان أو كثيرا، والقول الأوسط أحب إلينا، وبه نأخذ.
ومن غيره، قال: نعم قد قيل هذا كله، وقال أيضا من قال: إن الصوافي كلها مال واحد، وإن العامل للمال عليه في حصته الزكاة، إذا أصاب من جميع الصوافي ثلاثمائة صاع، لأن العامل تبع للمال، فعليه في حصته الزكاة.
قال مؤلف الكتاب: ويعجبني هذا القول، والله أعلم. وقال من قال: إذا أصاب العامل من الصافية ما تجب في حصصهم الزكاة، حمل بعضهم على بعض، وكانوا شركاء في حصصهم كأنه مال مشروع، كذلك سائر الشركاء غير العمال، وقال من قال: يحمل العمال وسائر الشركاء في زراعة الصافية بعضهم على بعض، إذا كانت زراعتهم مشاعة مشتركة، فقد وجبت عليهم في حصصهم الزكاة، كانت حصصهم كان لها شركة وجبت فيها، ويطرح عنهم ما تستحقه للصافية، لأنه ليس في حصة الصافية زكاة، ثم يؤخذ منهم الزكاة إذا بلغ في جميع مالهم الزكاة، كل واحد منهم ما يلزمه، وقول لا زكاة في الصافية على عامل، ولا على غيره، وجبت فيها الصدقة أو لم تجب، أصاب كل واحد من العمال ما تجب فيه الصدقة أو لم يصب، وقول على جميع الشركاء الزكاة من عامل أو شريك، إلا حصة الإمام؛ لأنه استحق الأصل، والأصل لا صدقة فيه.
قال مؤلف الكتاب: ويعجبني هذا القول وبه آخذ، والله أعلم.

الباب الرابع والأربعون
في حمل الأموال على بعضها بعضا
وذكر صنوف الأموال التي يجوز ضم بعضها إلى بعض
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: جمع كل من يحفظ عنه أهل العلم على أن الإبل لا يضم إلى الغنم ولا إلى البقر، وعلى أن البقر لا تضم إلى الإبل ولا إلى الغنم، وعلى إسقاط الزكاة عن كل صنف منها حتى تبلغ المقدار الذي تجب أخذ الصدقة منها مما ذكرنا من اختلافهم في صدقة البقر، وكذلك لا يجوز ضم التمر إلى الزبيب.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما قال بمعنى ما يشبه الاتفاق أنه لا يضم شيء من الأنعام إلى غيره، وذلك مثل الإبل إلى غيرها من الأنعام، والغنم إلى غيرها، والبقر إلى غيرها، وأن هذه الأصناف الثلاثة لا يحمل بعضها على بعض. ومعي إنه يخرج معنى قولهم إن الضأن محمول على الماعز، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأن النجاب محمولة على الإبل، وان الجواميس محمولة على البقر، وأكثر القول عندهم فيما يقع لي.
ومنه: واختلفوا في ضم سائر الحبوب، فقالت طائفة: لا يضم منها نوع إلى نوع، ولا يجب فيها الزكاة حتى تكمل من كل نوع منها خمسة أوسق، هذا مذهب عطاء بن أبي رباح ومحكول والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وأبي ثور. وقالت طائفة: بضم القمح إلى الشعير، ولا يضاف القطاني إلى القمح والشعير، هذا قول مالك بن أنس، قال مالك: الحنطة الشمساء والبيضاء والسلت والشعير صنف واحد، القطاني هو الحمص والعدس واللوبيا والجلجلان، فإذا حصد الرجل من ذلك خمسة أوسق ففيه الصدقة. وقال الزهري: ولا يضم القطاني إلى القمح والشعير. وقال الحسن البصري: القمح نصان طاووس وعكرمة قولا ثالث: وهو أن الحبوب تجمع صاحب بيان وهو قول صاحب الشرع. قال أبو بكر: ولا نعلم أحدا قال يحمله، والذي نقول به أن لا يضاف صنف من الحبوب إلى صنف غيره، جاء عن النبي أنه قال: «ستون صاعا» وهو ستة أجربة، وهذا قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا في ضم الشعير إلى الحنطة في الزكاة في أكثر معاني قولهم، وأنه محمول بعض إلى بعض. وقال من قال: لا يضاف شيء منه إلى غيره، ولا يقع في معنى قولهم اختلاف، إلا أن الشعير الأقشر محمول على سائر الحبوب، وأما الزبيب والتمر فأرجو أنه يخرج في معنى قولهم اختلاف في ذلك، لأنهما يتشابهان، وأحسب أن أكثر القول إنه لا يحمل أحدهما على الآخر، وأما النخل وإن اختلف ألوانها وصنوفها وأسماؤها فمحمول جميع بعضها على بعض، وكذلك في الأعناب، ولا أعلم في سائر الحبوب ما بقي من معنى يصرح فيه أن يحمل بعضه على بعض، إلا أنه يشبه عندي معنى القول في ذلك أن يحمل ما كان منه سنبله على بعضه بعض، ويحسن ذلك عندي بقولهم في البر والشعير إذا اشتبه، وما كان منه قرونا مشتبها حسن فيه معنى الاختلاف، وينظر في ذلك، والذرة وإن اختلفت ألوانها وأسماؤها فمحولة بعضها على بعض، ولا أعلم في ذلك اختلافا، ولا أعلم لها شيئا من الحبوب يشبهها، فإن أشبهها شيء من الحبوب كشبه الشعير للحنطة حسن فيها عندي معنى الاختلاف.
مسألة: ومن غير -كتاب الإشراف- قلت له فالبقر، هل يحمل على الإبل وعلى الغنم، لأنها كلها ماشية؟ قال: لا. إذا لم يكن معه من كل معه من كل نوع ما تجب فيه الزكاة، فلا زكاة عليه إذا كانت سائمة، وأما إذا كانت للتجارة، فإنها مقومة كلها محمولة بعضها على بعض.
قلت له: فهل تحمل البقر على الجواميس، والجواميس على البقر، وتؤخذ منها الصدقة؟ قال: إن كانت من جنس واحد حمل بعضها على بعض، وقد يقال إنها من البقر بمنزلة النجب من الإبل.
قلت: فهل تحمل الضأن على المعز والمعز على الضأن؟ قال: نعم.


الباب الخامس والأربعون
في حمل الثمار بعضها على بعض إذا كانت مختلفة
محبوب فيمن يزرع الذرة زراعة مختلفة ولها أسماء بعضها أقدم من بعض، فيحصد بعضها قبل بعض ويأكلها، ويدرك بعدها بأشهر، فإن كان الذي حصد أولا لا تجب فيه الزكاة فليس عليه شيء حتى يدرك بعضه بعضا، وما أكل أو باع أو تلف فليس عليه شيء، وما بقي في يده إلى حصاد القطعة الأخرى، ثم يجمعهما جميعا ثم زكاه إن كان من جنس، وقول إنما يحمل منهما ما أدرك حصاده قبل أن يقسم الأول، فإن قسم الأول قبل دراك الآخر لم يحمل، ولعله قد قيل: إنما يحمل ما أدرك قبل أن يحصد، فإذا أدرك الآخر قبل أن يحصد الأول كانت تمرة واحدة، وإلا كانت متفاوتة.
قال أبو الحواري: ما أدرك فيما دون الثلاثة أشهر حمل الأول على الآخر، وقال خامس: إذا أحضر الآخر قبل أن يحصد الأول حمل، وإلا لم يحمل، وسألته عن ثمرة تكون في سنة وزمان مرار، هل يكمل بعضها بعضا. ولو لم يلحق الأول الآخر؟ فإن كانت هذه الثمرة في زراعة ففيها الزكاة، ولو لم يلحق بعضها بعضا، وذلك في زراعة تزرع فيكون أولها مقاربا أوسطها وآخرها، فذلك يحمل بعضه على بعض، لأنه قد حدث في زمن واحد، فإن كان أدركت الأولى فأدركت الآخرة، والأولى محبوسة لم تقسم، ففيها أيضا الصدقة، وإن كانت قد قسمت وأكلت فلا نرى أن يجمع الأول على الآخر.
قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء إذا كان بين التمرتين ثلاثة أشهر لم تحمل الآخرة على الأولى، ولو أدركتها لم تقسم، وقالوا: المنتظر ثمرة ثانية، ولا يحمل على الأولى التي نظرت من أصولها، ولو أدركتها لم تقسم، وبهذا نأخذ.
قال المؤلف للكتاب: إذا كان بين الثمرة الأولى، والمنتظرة أقل من ثلاثة أشهر، حمل الأول على الآخر أكلت إحدى الثمرتين أو لم توكل قسمت أو لم تقسم، ويعجبني هذا القول، وبه نأخذ، والله أعلم.
مسألة: ومن جواب أبي الحسن –رحمه الله- وقلت ما تقول فيمن زرع ذرة سريعة، فأصاب منها عشرين جريا، وله ذرة بطيئة أدركت ولم يبق من السريعة شيء، وأصاب من البطيئة عشرين جريا أو أدركت الذرة الآخرة معه من الأولى ما لا يتم فيه الزكاة، هل تجب على هذا الرجل على هذه الصفة زكاة؟ فعلى ما وصفت، فالذي عرفنا في هذا من جواب أبي الحواري –رحمه الله- قال: قد كان أبو المؤثر –رحمه الله- يقول عن محمد بن محبوب: إذا كان بينهما ثلاثة أشهر لم يحملا على بعضهما بعض في الزكاة، إن كان أقل من ذلك كان فيها الزكاة، ونحن نأخذ بهذا القول على ما رفع عن أبي المؤثر يرفعه عن أبي عبد الله –رحمهم الله- جميعا ورفعهم شرفا رفيعا.
مسألة: وعن أبي زياد أن الزبيب يحمل على التمر في الصدقة. ومن غيره، ولا يحمل الزبيب على التمر في الصدقة، إذا لم يجب في أحدهما الزكاة، ولا البقر على الإبل، ولا الإبل على البقر.
قال المؤلف للكتاب: ويعجبني هذا القول، وبه آخذ، والله أعلم.
مسألة: ومن –كتاب أبي جابر- ولا يحمل شيء من الثمار على بعضها بعض إلا الشعير، فقد قال من قال إنه يحمل على البر، وممن قال بذلك أبو عبد الله محمد بن محبوب –رحمه الله- وقال من شاء الله من الفقهاء إنه لا يحمل، وكل رأي العلماء واسع لمن أخذ به إذا تحرى العدل.
قال المؤلف للكتاب: ويعجبني قول من قال إنه لا يحمل الشعير على البر، وبه آخذ، والله أعلم.
مسألة: وعن رجل له حروث متفرقة في قرى شتى لا تبلغ في شيء منها الصدقة، إلا أن يجمع والحروث نوع واحد، فنرى أن ما كان منها نوع، ففي جماعته الصدقة، وذكرت أنه إن يخرج ذلك في أرض واحدة، فلا نرى بذلك بأسا إن شاء فرقها في قراها، وإن شاء أخرجها في قرية واحدة.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- وقال من قال: إن النظر الذي يأتي من أصول الذرة تحمل ثمرته على الذرة الأولى، إذا أدركت شيئا منها بقدر ما يكونان ثلاثمائة صاع، وقال آخرون: لا يحمل النظر على الذرة الأولى، ولا تؤخذ منه الصدقة حتى تجب فيه. قال محمد بن محبوب: كنت ممن يقول إنه يحمل، ثم رجعت إلى قول من قال: إنه لا يحمل، وهذا القول أحب إلينا.
قال المؤلف للكتاب: ويعجبني القول الأول أنه يحمل المنتظر على الذرة الأولى، إذا كان بينهما أقل من ثلاثة أشهر، وبه آخذ، والله أعلم.
مسألة: وعن عبد الله بن محمد بن بركة، اختلف أصحابنا في الثمار إذا تداركت في وقت واحد نحو البر والشعير أن أحد الجنسين يحمل على الآخر، ليتم به الزكاة، وهو قول أبي عبد الله محمد بن محبوب –رحمه الله، وقال غره من فقهائنا: لا يحمل أحدهما على الآخر، وإنما زكاة كل واحد منهما في عينه، فإن حصل ثلاثمائة صاع من كل جنس بصاع النبي أخرج الزكاة منه، وإن حصل من الجنسين ثلاثمائة صاع لم تجب في كل واحد منهما، ولا أكثر حتى يحصل من كل واحد ثلاثمائة صاع فصاعدا، ووجه قول محمد بن محبوب إنه يخرج على ما روي عن النبي أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» والوسق يشتمل على جملة المكيال، سواء كان من جنس واحد أو من أجناس مختلفة الله وأيضا فإنها لما كانت زكاة واحدة ووقتها واحد كانت كالدراهم والدنانير، يحمل بعضها على بعض، وكذلك الكيل، والله أعلم.
مسألة: ومن –جامع أبي محمد- واختلفوا في حمل الشعير على البر في الصدقة، قال محمد بن محبوب –رحمه الله- ويحمل أحدهما على الآخر ليتم به الصدقة، ثم يخرج منهما، وأما وائل بن أيوب فكان لا يحمل الشعير على البر في الصدقة. ورآهما جنسين مختلفين وثمرتين متفاوتتين، وخالفه في أيامه موسى بن أبي جابر، ورأى أن أحدهما يحمل على الآخر، وبالله التوفيق.
قال مؤلف الكتاب: ويعجبني قول ابن أيوب وبه أخذ، والله أعلم، وكان محمد بن محبوب لا يجوز أخذ الذكر من البقر عن الأنثى في الصدقة، وقال لم أسمع بجواز ذلك، ورأي جواز أخذ ابن لبون مكان بنت مخاض من الإبل في الصدقة، فهذا سنة متفق عليها، فترك القياس مع وجوب السنة.


الباب السادس والأربعون
في الثمار إذا خرجت منها الزكاة
ثم حال عليها الحول أو بيع الحب وحال عليه الحول
أرجو أنه عن بشير بن محمد بن محبوب، وسألته عمن كان معه مال تجب فيه الزكاة، ثم جعله في منزله حتى حالت السنة، أيعود يزكي مادام معه؟ أرأت إن كان حبا فحبسه حتى حالت عليه السنة الثانية، أيجب عليه فيه الزكاة؟ قال: أما الحبوب فلا تجب عليه فيها زكاة في السنة الثانية، وأما العين والورق فإنه عليه ما كان في يده، والتجارة إذا كانت في المتاع يُقوّم المتاع، فإذا وجبت فيه الزكاة أخرجت منه. قال أبو الحواري –رحمه الله-: إن كانت الحبوب من الزراعة فهو كما قال، وإن كانت من غير زراعة يريد بها التجارة زكاها كل سنة.
مسألة: أحسب أنها عن محبوب بن الرحيل –رحمه الله- وقال في رجل أطنا ماله أو داس زراعته فأخرج زكاته، ثم باع الحب بدراهم، وحلت زكاة دراهمه، أنه ليس عليه في الذي خرج صدقة ثمرة نخله أو ثمرة بره شيء حتى تحول السنة، ثم تخرج من تلك الدراهم، وأكثر القول عندنا أن هذا يحمل على الورق، إذا جاء وقت زكاة الورق، وبه نأخذ.


الباب السابع والأربعون
في الخــــرص
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: إن رسول الله خرص على امرأة حديقة لها بوادي القرى، وبعث ابن رواحة الأنصاري إلى اليهود فخرص عليهم النخل، حيث تطيب أول التمر ممن كان يرى الخرص عمر بن الخطاب –رحمه الله- وسهل بن أبي خيثمة ومروان بن الحكم والقسم بن محمد والحسن البصري وعطا بن أبي رباح والزهري وعمرو بن دينار وعبد الكريم بن أبي الممارق ومالك بن أنس والشافعي وأبو عبيد أبو ثور. وقال آخرون: الخرص اليوم بدعة، روي ذلك عن عامر الشعبي. قال أبو بكر: وقد ثبت أن رسول الله عامل أهل خيبر على شطر مما يخرج من تمر أو زرع، وبعث بن رواحة خارصا يخرص على خيبر، وهذا قول عوام أهل العلم، إلا النعمان، فإنه أنكر ذلك، وقال: من دفع نخلا معاملة على أن للعامل من ذلك شطر ما يخرج من التمر فهي معاملة فاسدة، وخالفه أصحابه، فأجازوا المعاملة في النخل والأشجار، ففي قول النعمان مفردا مخالفا لسنة رسول الله وقول أهل العلم.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في قول أصحابنا معنى ما قال إن الخرص لا يثبت لأنه بدعة لا نعلمه مما قالوا به، ولا عمل به أحد منهم، ولا يخرج معنا ثبوته بوجه يثبت فيه الحكم، وكل ما لم يثبت فيه الحكم فلا معنى للتبعة فيه من المسلمين والسلطان، إلا أن نرى ذلك أوفر على الزكاة في التقدمة عليهم بذلك، فإذا وجبت الزكاة كانوا إلى أمانتهم في ذلك، كان هذا وجها على هذا النظر، ولم نر في ذلك وقارا على معنى الزكاة على حال لم يكن للخرص عليهم معنى. ومنه: وكان عطاء بن أبي رباح وابن سيرين ومالك بن أنس والشافعي يرون أن وقت الخرص إذا بدا صلاحها وجاز بيعها، وقال عمر بن الخطاب لسهل بن أبي خيثمة: إذا أثبت على كل قوم قد خرصها قوم، فيدع لهم ما يأكلون، وبه قال الليث بن سعد وأحمد بن حنيب وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد، وكان مالك بن أنس يقول: إذا كان الخارص مأمونا فزاد أو نقص فهو جائز على ما خرص، وقال ابن سيرين: يرد الزيادة إلى المصدق، وكان الشافعي يقول: إن ذكر أهل التمر أنهم أحصوا جميع ما فيه، وكان في الخرص عليهم أكثر قبل منهم مع أثمانهم، فإن كانت زيادة أخذوا منه ما أقروا به، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على الخارص إذا خرص التمر ثم أصابته جائحة أن لا شيء عليه إذا كان ذلك قبل الجداد، وهذا قول عطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وجماعة من غيرهم.
قال أبو سعيد: معي إنه إذا ثبت معنا الخرص باجتهاد النظر من الإمام للتوفير على الزكاة، فيشبه معنا الاتفاق ما قال إنه لا زكاة على أرباب الأموال فيما يذهب بجائحة، وأنهم إلى أمانتهم فيما أصابوا من أموالهم، فمن اتهم منهم فقد قال من قال من المسلمين: إنه يحلف إذا اتهم في خيانة زكاته، وقال من قال: لا يمين عليه في ذلك، وهم إلى أمانته، ويشبه عندي في الحكم أن لا يمين عليهم؛ لأن المال مشترك، وإذا كان مشتركا زال الإيمان فيما يشبه هذا من جميع الأمور. ومنه: واختلفوا فيمن يأخذ منه زكاة الزرع يباع في أكمامه، والتمر يباع بعد أن يبدو صلاحه. قال الحسن ومالك بن أنس والأوزاعي وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: الزكاة على البائع، وبه قال الليث بن سعد، إنه على البائع، إلا أن يشترطه المبتاع. وفيه قول ثان: وهو أن البيع فاسد؛ لأنه باع ما يملك وما لا يملك.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي من القولين جميعا. وقول ثالث: إن المتصدق بالخيار إن شاء أخذ من رب المال من الثمن الذي باع المال به، وإن شاء لحقها من يد المشتري، وأخذها ورجع المشتري على البائع بثمن الزكاة التي أخذت منه من جملة ثمن المال.
مسألة: ومن –جامع الشيخ أبي الحسن علي بن محمد البسياني- فأما ما روي عن النبي أنه مر على امرأة في حديقة لها، فقال لها رسول الله : «أحصي ما يخرج منها» فلما رجع إليها قال: «كم جاءت حديقتك» قالت: عشرة أقسط يا رسول الله ، فهذا تقدير وليس مما يوجب شيئا، لأن رسول الله جعل الأمر إليها، وإنها أمينة فيما قالت، ألا ترى أنه جعل الإحصاء إليها، والقول قولها، لأنها أمينة في الزكاة، فعلى هذا الحديث كل مؤتمن في زكاة ماله ومبلغ ثمرته، فإن قال صاحب الثمرة: إنها سرقت أو أتت عليها جائحة فالقول قوله، والله أعلم.


الباب الثامن والأربعون
في ذكر إسقاط الزكاة
عما دون خمسة أوسق مما فيه الزكاة من الحبوب والثمار
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». وهذا قول ابن عمر وجابر بن عبد الله وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومكحول وإبراهيم النخعي، وبه قال مالك بن أنس من أهل المدينة وسفيان الثوري ومن واقعه من أهل العراق والأوزاعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وعبد الله بن المبارك وشريك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور ويعقوب ومحمد، ولا نعلم أن أحدا خالف هذا القول غير النعمان، فإنه أحدث قولا خلاف ما عليه أصحابه وأهل العلم من علماء الأمصار، وزعم أن الزكاة كل ما أخرجته الأرض، قليل ذلك أو كثير، إلا الطرف والقصب والفارسي والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر، مثل السمر وما أشبهه.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق أنه لا زكاة على شيء مما أنبتت الأرض من جميع ما تجب فيه الزكاة، وإن اختلفت معاني ذلك عندهم فيما أقل من خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة صاع بصاع النبي ؛ لأن الوسق ستون صاعا. ومن غير الكتاب: وعن أبي عبد الله أنه ليس في الكسر فيما يؤخذ منه نصف العشر، فيما زاد على ثلاثمائة صاع بما دون عشرين صاعا شيء حتى تبلغ الزيادة عشرين صاعا.
ومن غير الكتاب، قال: الذي أحفظ عن أبي سعيد في هذا اختلافا قال من قال: ليس في الكسر شيء من الزكاة، وقال من قال: يؤخذ منه كذلك أيضا كان فيه العشرة الأصواع إذا لم يتم العشرة، هو كذلك من الاختلاف، إذا كان قد وجب في أصل المال الزكاة، والله أعلم.

الباب التاسع والأربعون
في ذكر الأرض يستأجرها المرء ويزرعها
من -كتاب الإشراف- قال أبو بكر: واختلفوا في الأرض يستأجرها المرء ويزرعها فتخرج حبا، فقالت طائفة: الزكاة على ذلك الزرع دون رب المال، هذا قول مالك بن أنس وسفيان الثوري وشريك وعبد الله بن المبارك وأبي ثور، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي. وقال أصحاب الرأي: العشر على رب الأرض، وليس على المستأجر شيء. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
قال أبو سعيد: معي إنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق معنا القول الأول، ولا أعلم بينهم اختلافا، فإذا ثبتت الأجرة.
مسألة: ومن غير الكتاب: وعن رجل له مال من أرض فأقعد أرضه وهي قطع متفرقة أناسا شتى فوجبت في جميعها الزكاة ولم تجب على أحد من المقتعدين في زراعته زكاة قال على رب المال الذي أقعد الزكاة في حصته إذا وجبت في جميع المال الزكاة وإن لم تصل في حصته زكاة؛ لأن رب المال الذي زرع ماله، فهو جامع للمال فهو شريك لهم جميع والحكم فيما يلزمه هو من الزكاة بالسبب الذي شاركهم به شريك لجميعهم فكانت الزراعة فيما يلزمه وهو زراعة واحدة. وقال من قال ليس عليه زكاة حتى يصيب هو من مفترقها ما يجب عليه فيها الزكاة أو يصيب أحد الشركاء في الزراعة ما يجب فيه الزكاة فيكون عليه في حصته منه الزكاة، وذلك أن الزراعة إنما تجب فيها الزكاة حين حصادها فوجدناها حين حصادها متفرقة غير مجتمعة إلا ما جمعه الأصل مبينا على الزكاة إلا بالزراعة معا في وجوب الزكاة.
مسألة: وإذا اكترى رجل أرضا لناس شتى لا يجب في واحد من تلك الأرض زكاة، وإذا جمعت زراعتها وجب فيها الزكاة، قال فإن الزكاة تجب في هذه الزراعة على المكترى لهذه الأرض، وليس على المكري زكاة في أجرة أرضه.
قال مؤلف الكتاب: ويعجبني هذا القول وبه أخذ، إلا أن يكون رب الأرض شاركهم على جزء من الأجزاء قل أو كثر فالزكاة إذا وجبت تلزم رب الأرض وشركائه، والله أعلم.
مسألة: وعن العمال يخرج عنهم الزكاة ويأمرهم بتفريقها أو يخرج العشر عن الجميع ثم يقسم الباقي، فقد سألت عن ذلك موسى بن محمد أيامه فلم ير أن يعطي العامل حصته بزكاتها، وقال أبو الحواري –رحمه الله-: يسلم إلى العامل حصته كاملة بزكاتها، وآمره أن يفرقها، وقد برئ، كان العامل ثقة أو غير ثقة، وكذلك قال لي بعض أصحاب أبي المؤثر، وقال لي محمد بن خالد أن أبا المنذر –رحمه الله- يقول بذلك، ثم رجع، ذكر محمد بن خالد أنه رجع عن ذلك، وقال له: أنتم ثلاثة شركاء، أخذت أنت الذي لك، وأخذ شريكك الآخر حصته منها، قال لي نعم، والذي حفظنا في الزكاة، وأمر العامل مع هذه الأقاويل قولين آخرين. فقال من قال: يسلم إلى العامل حصته، وليس عليه أن يعلمه آن عليه الزكاة إذا علم هو بذلك، لأنه متعبد بما يلزمه هو من الزكاة، وقال من قال: يسلم إليه حصته ويقول له إن زكاتها فيها.
مسألة: ومن جواب أبي الحواري، وأما العمال فيعطون حصتهم بزكاتهم، ويعلمهم أن زكاتهم معهم.
مسألة: ومما يوجد أنه عن بشير بن محمد بن محبوب –رحمه الله- وسألته عن الرجل يشارك الرجل فيصيبان الحب الذي تجب فيه الزكاة جملة، فإذا قسم لم تجب فيه الزكاة، لا يسلم إليه الزكاة. قلت: فإن سلمها إليه؟ قال: هو ضامن لزكاة الفقراء. قال أبو الحواري –رحمه الله-: إنما عليه زكاة حصته.
مسألة: وعن ثلاثة شركاء في مال وجب في ثمرته الزكاة، أيجوز للمسلم أن يقاسمهما، ويعطيهما حصتهما من الزكاة، وهما غير أمينين على الزكاة؟ فنعم، يجوز للمسلم أن يأخذ حصته ويسلم إلى شريكه حصتهما بزكاتهما، فهما أولى بذلك.
مسألة: وسئل عن عامل بسهم، هل قيل إن لرب المال أن يسلم حصته ولا يأمره بإخراج الزكاة من حصته، إذا كانا عالمين بوجوب الزكاة في المال؟ قال: معي إنه قد قيل ذلك.


الباب الخمسون
في زكاة الرموم بمنحة أو غير منحة
وفي موضع من جواب محمد بن محبوب –رحمه الله- وسألت عن الذين زرعوا في رم أهل إزكي من غير أهل الرم بغير منحة من أهل الرم، هل عليهم صدقة؟ فإني أرى عليهم الصدقة، إذا لم يكونوا من أهل الرم، ولم يكونوا زرعوا في الرم بمنحة من أهل الرم، وإن أعطوا القوم فليس ذلك بشيء، والمنحة إنما تكون من جهة القوم أو من أحد قد أقامه أهل الرم، في أمر الزراعة والقيام بما يعنيهم فيه.
مسألة: من –كتاب أبي جابر- وقيل من زرع في الرم بلا رأي أهله، وليس هو منهم، أن عليه الصدقة فيما أصاب، ولو لم يبلغ ثلاثمائة صاع، إذا كان أهل الرم تبلغ عليهم الصدقة، لأن الزرع لهم، وإن زرع برأي أهله، أو كان هو من أهله فزرع بمنحة أو غير منحة، فلا صدقة في هذه الزراعة، حتى تبلغ ثلاثمائة صاع. وهذا قول محمد بن محبوب –رحمه الله-. وعن أبي علي –رحمه الله- أنه لا تؤخذ الصدقة من الذي زرع قوم بلا رأيهم.
مسألة: ومن جواب لمحمد بن محبوب –رحمه الله- عن قوم يزرعون أطوى بزجر، وهي رم بينهم يعطونها بالسدس، فلا تجب في الأطوى الصدقة، ويجمع أهل القرية سدسهم فيبلغ أكثر من ثلاثمائة مكوك، يقع لكل إنسان مكوك إذا قسموها؟ قال: نعم، أرى عليهم الصدقة، لأنهم شركاء فيها، فإن أعطوها تزرع بثلاثمائة مكوك، فهذه إجارة والإجارات ليس على أهلها فيها صدقة، وليس ذلك مثل المشاركة.
مسألة: ومنه، ولا زكاة في دراهم لقوم من رم لهم حتى يقع لكل إنسان منهم مائتا درهم، ويحول عليه حول، مذ صارت إليه تلك الدراهم.

كلمة المحقق
قد انتهى بحمد الله وحسن توفيقه تحقيق الجزء السابع عشر من كتاب بيان الشرع، وهذا الجزء أحد الأجزاء الثلاثة التي تبحث أحكام الزكاة، وقد ضاع الذي ألفه الشيخ محمد بن إبراهيم، فتجرد لتأليف هذا الجزء الشيخ العلامة مداد بن عبد الله بن مداد أحد أقطاب العلم في دولة الإمام عمر بن الخطاب في القرن التاسع للهجرة.
ويبحث هذا الجزء أدلة فرض الزكاة، وفيمن عليه دين ووجبت عليه الزكاة، وفي الحد الذي تجب منه الزكاة من حبوب وتمر وزرع وتجارة، وفي صفة الشركة التي تجب فيها الزكاة، وفي حمل الأولاد على أبيهم والزوجة على زوجها في الزكاة، وفي زكاة اليتيم والغائب، وفي أموال أهل الذمة، وفي ذكر نصارى بني تغلب، وفي الركاز والكنز يوجد بدار الحرب، وفي أحكام ما يخرج من البحر، وفي زكاة الزيتون والعسل والموقوف، وفي حمل الثمار وضم الأراضي بعضها إلى بعض، وفي ذكر الخرص، وفي ذكر الأرض يستأجرها الرجل للزرع، وفي زكاة الرموم ومعاني ذلك.
وكان تمامه في يوم الأحد: التاسع من شهر المحرم سنة 1404هـ الموافق: السادس عشر من شهر أكتوبر سنة 1983م. معروضا على نسختين الأولى بخط سالم بن خميس بن حمد المدسري، فرغ منها عام 1319هـ، والنسخة الثانية بخط سيف بن خلف بن محمد بن غفيلة، فرغ منها 1175 هجرية.

سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
28 ربيع الأول سنة 1404هـ
1/1/1984م



ترتيب الأبواب
الباب الأول:
في الزكاة من كتاب أبي جابر 5
الباب الثاني:
فيمن لا يخرج الزكاة على نسق مسائل غير أبي عبد الله محمد بن روح 11
الباب الثالث:
في الزكاة، على من تجب من الناس 15
الباب الرابع:
في ذكر الأرض تخرج وقد أدان صاحبها من كتاب الإشراف 19
الباب الخامس:
في ذكر مبلغ الصدقة في الحبوب والثمار والفرق بين ما يسقى بالأنهار
وبين ما يسقى بالرشا من كتاب الإشراف 23
الباب السادس:
في ذكر الزرع يسقى بعض الزمان بماء السماء وبعض بالدلو من كتاب الإشراف 25
الباب السابع:
في الصدقة مما تخرج الأرض وما يكون منها فيه العشر من كتاب
الأموال تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام 33
الباب الثامن:
في زكاة الأولاد وحمل مالهم على مال أبيهم 35
الباب التاسع:
في زكاة الأولاد، أحسب عن أبي علي الحسن بن أحمد رحمه الله 39
الباب العاشر:
في زكاة مال العبد من كتاب الإشراف 41
الباب الحادي عشر:
في المفاوضة في الزكاة 45
الباب الثاني عشر:
في زكاة الشركاء 53
الباب الثالث عشر:
في زكاة المال المشترك 55
الباب الرابع عشر:
في زكاة المال المشترك في الذمي والمصلي 61
الباب الخامس عشر:
في زكاة مال الأيتام وإخراج الوصي والمحتسب لذلك وما أشبه ذلك 65
الباب السادس عشر:
في ذكر زكاة اليتيم من كتاب الإشراف 69
الباب السابع عشر:
في زكاة الغائب واليتيم 73
الباب الثامن عشر:
فيمن يخرج زكاة ماله ثم شك فيخرج زكاة شيء من ماله 79
الباب التاسع عشر:
في زكاة ما أخرجت الأرض من الحبوب من كتاب الإشراف 81
الباب العشرون:
في ذكر زكاة ما أخرجت الأرض من الحبوب من كتاب الإشراف 87
الباب الحادي والعشرون:
في زكاة ثمرة النخل 89
الباب الثاني والعشرون:
في زكاة ثمرة النخل وذكر اختلاف العلماء في النخـل يخرج التمـر
الرديء والجيد من كتاب الإشراف 99
الباب الثالث والعشرون:
في زكاة الطنى وزكاة البيع للمال والزرع قبل إدراكه أو بعده 101
الباب الرابع والعشرون:
في ذكر الطناء وما أشبهه وفيما يحتاج إليه طناء النخل 111
الباب الخامس والعشرون:
في قبض المصدق وزكاة الطني وما أشبهه 121
الباب السادس والعشرون:
في الحد الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة 125
الباب السابع والعشرون:
فيما يؤخذ من أموال أهل الذمة من كتاب الإشراف 131
الباب الثامن والعشرون:
في مال نصارى العرب واليهود 137
الباب التاسع والعشرون
فيما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية ونحو ذلك 139
الباب الثلاثون
في ذكر الذمي يزرع أرضا من أرض العشر من كتاب الإشراف 149
الباب الحادي والثلاثون
في العشر على بني تغلب من كتاب الأموال تأليف أبي عبيدة القاسم بن سلام 151
الباب الثاني والثلاثون
في ذكر زكاة العبد يجد الركاز من كتاب الإشراف 153
الباب الثالث والثلاثون
في الصبي والمرأة يجدان الركاز من كتاب الإشراف 155
الباب الرابع والثلاثون
في ذكر الركاز يجده المرء في ملك غيره من كتاب الإشراف 157
الباب الخامس والثلاثون
في ذكر الكنز يوجد في دار الحرب من كتاب الإشراف 159
الباب السادس والثلاثون
في وقت الزكاة 161
الباب السابع والثلاثون
في إسقاط الزكاة عن اللؤلؤ والجوهر والعنبر من كتاب الإشراف 163
الباب الثامن والثلاثون
فيما ليس فيه زكاة في ذكر إسقاط الصدقة في الخضر والفواكه من كتاب الإشراف 165
الباب التاسع والثلاثون
في ذكر زكاة الزيتون من كتاب الإشراف 169
الباب الأربعون
في صدقة العسل من كتاب الإشراف 171
الباب الحادي الأربعون
في ذكر وجوب الزكاة في الثمار المحبسة أصولها مثل الصوافي والفقراء
والمساجد والأرض الخراجية وما أشبه ذلك من كتاب الإشراف 173
الباب الثاني والأربعون
في وجوب العشر في أرض الخراج من كتاب الإشراف 175
الباب الثالث والأربعون
في زكاة الصوافي 179
الباب الرابع والأربعون
في حمل الأموال على بعضها بعضا وذكر صنوف الأموال التي يجوز ضم
بعضها على بعض من كتاب الإشراف 181
الباب الخامس والأربعون
في حمل الثمار بعضها على بعض إذا كانت مختلفة 185
الباب السادس والأربعون
في الثمار إذا خرجت منها الزكاة ثم حال عليها الحول أو بيع الحب وحال عليه الحول 191
الباب السابع والأربعون
في ذكر الخرص من كتاب الإشراف 193
الباب الثامن والأربعون
في ذكر إسقاط الزكاة عما دون خمسة أوسق مما فيه الزكاة من الحبوب
والثمار من كتاب الإشراف 197
الباب التاسع والأربعون
في ذكر الأرض يستأجرها المرء ويزرعها من كتاب الإشراف 199
الباب الخمسون
في زكاة الرموم بمنحة أو غير منحة 203