jpg^%^@~@~@~@~@~@~وزارة التراث والثقافة@~مسقط@~1984@~1@~@~11@~@~240@~@~صلاة المسافر***صلاة الخوف***صلاة العيد***^%^^%^zip@#$سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة


مَعارج الآمال على مدارجِ الكمال
بنظم مختصر الخصَال

تأليف
الشيخ العلامة
عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي


الجزء الحادي عشر

1404هـ - 1984م



صفحة بيضاء
بسم الله الرحمن الرحيم
صفحة بيضاء
المسألة الرابعة
(في من جمع بين الصلاتين وفسدت عليه إحداهما)
وهو إما أن يجمع في وقت الأولى أو الثانية.
فإن جمع في وقت الأولى فإما أن تفسد عليه الأولى أو الثانية.
فإن فسدت الأولى أعادهما جميعا إن شاء في ذلك الوقت أو في وقت الأخرى لأنه إنما وسع له تقديم الثانية لأجل الجمع وقد انتقض فكأنه لم يفعل شيئا منهما.
وإن فسدت عليه الثانية ففي أكثر القول أنه يؤخرهما إلى وقتها وقد تمت له الأولى لأنه قد أداها على وجهه.
وقيل: يعيدها في مقامه ما لم يخرج عن الصلاة أي مادام شغله الصلاة.
وقيل: يبدلهما جميعا لأنهما بمنزلة صلاة واحدة.
وقيل: إن صلاهما في مقام واحد أبدل الأخرى، وإن صلاهما في مقامين أدبلهما جميعا.
ولا أعرف وجه هذا القول لأن المكان لا أثر له في هذا المعنى.
ولعل معناه أنه لما انتقل من مكانه فقد تعرض لنقض الجمع حيث تساهل في التنقل فهو كمن تعمد لفساد صلاته.
وهذه العلة غير كافية فإن كان عندهم غيرها فالله أعلم.
وإن جمع في وقت الثانية وفسدت عليه الأولى فإنه يعيدهما معا لأنه إنما صح له تأخيرها عن وقتها للجمع لا غير، وقد اختل الجمع فوجبت الإعادة.
وإن فسدت الثانية فمنهم من يقول: يبتدئ الصلاتين.
ومنهم من قال: يحكم الثانية.
وقيل: يعيد الثانية وحدها ما دام في مقامه ذلك.
وإن خرج من مقامه أعاد الأولى والآخرة.
وإن انتقض وضوؤه بين الصلاتين وذهب فتوضأ قال بشير: ليس عليه أن يعيد الأولى إلا إن أحدث حدثا أو تكلم.
وقال أبو جابر: إلا أن يكون الماء بعيد.
فإن كان يصلي الأولى في وقتها فقد تمت ويصلي الآخرة في وقتها.
وإن كان الجمع في وقت الآخرة قال: فأحسب أنه يعيدهما.
قال محمد بن المسبح: ليس عليه بدلها، ويصلي الثانية.
وخرّج بعضهم الخلاف في هذه المسألة على الخلاف المتقدم: هل هما صلاة واحدة أم صلاتان؟
وإن صلى الثانية قبل الأولى جهلا منه لزمه البدل.
وإن تعمد ثم فات الوقت فالبدل والكفارة. والله أعلم.









( الكلام في بيان صلاة المرأة والعبد)
ثم أخذ في بيان صلاة المرأة والعبد فقال:
وتتبع المرأة زوجها كما*ش* يتبع عبد من لملكه انتمى
وإن يكونا موطنين فهما*ش* حتى يسافرا على حكمهما
يعني أن المرأة تتبع زوجها في حكم التمام والقصر فهي تتم حيث ما أتم، وتقصر حيث ما قصر إلا في مسألتين:
إحداهما: أن تشترط السكنى في مكان مخصوص فإنهما تصلي فيه تماما وتقصر عند زوجها.
وقيل: لها أن تتم مع زوجها أيضا.
وثانيهما: أن يكون الزوج ممن يرى التمام في السفر لأن القصر عنده غير واجب فإن عليهما أن تقصر في موضع القصر وإن أتمّ هو إذ لا يلزمها طاعته في ما يخالف دينها.
وكذلك العبد فإنه تبع لسيده حيث أتمّ، ويقصر حيث قصر.
وإن كانت المرأة أو العبد موطنين فتزوجت هي بزوج مسافر، أو اشترى العبد مسافر فإنهما يتمان الصلاة حتى يخرجا مسافرين ثم يقصران إن رجعا بعد ذلك.
وهذا في المرأة هو المشهور.
وأما العبد فلم أعرف أن أحدا صرّح بجوازه، بل المذهب أنه يصلي قصرا من حين ما اشتراه لأنه لا يملك من أمره شيئا.
وإنما جعلته في النظم كالمرأة لاستواء وجوب الطاعة عليهما؛ فكما أن العبد ليس له الامتناع عن التبعية كذلك المرأة.
وقد قاس بعض المسلمين المرأة على العبد فأوجب عليها القصر بالتبعية لزوجها إذا كانت في مكان تتم فيه بتمامه فإنها عنده تقصر لقصره ولو لم تسافر، وما ذلك إلا لوجوب الطاعة؛ فقياس العبد عليها في حكم التمام أظهر لأن التمام أقوى من القصر.
هذا الذي يظهر لي من توجيه هذا القول، ولعلي لم أقله إلا أني وجدته عن غيري ثم نسيت ذلك.
ويحتمل أني عوّلت على هذا القياس الذي ذكرته.
وعلى كل حال فلا أحب الأخذ به حتى تعلم صحته والله أعلم.
وفي المقام مسألتان:


















المسألة الأولى
(في صلاة المرأة)
المرأة إما أن تكون ذات زوج أو لا. فإن كانت غير ذات زوج فأمرها إلى نفسها وقد تقدم أن لها وطنا واحدا لا غير.
وإن كانت ذات زوج فحكمها تبع لزوجها إلا في المسألتين المتقدم ذكرهما.
ولما كان للمرأة مع زوجها أحوال ناسب أن نجعل ذلك في أمور:













الأمر الأول
(في صلاة الزوجة التي ليس لها شرط)
المرأة تبع لزوجها منذ تجب طاعته عليها حتى قيل في رجل وامرأته أقبلا من سفر حتى إذا صارا قرب بلدهما عرض لهما فقعدت المرأة في ذلك الموضع تقصر الصلاة ودخل زوجها البلد ثم رجع إليها يتم الصلاة إنها تتم بتمام زوجها.
وحتى قيل في امرأة تتم في بلد بتمام زوجها ثم سافر زوجها ونزع الوطن ورجع يقصر الصلاة إنها تصلي كصلاته قصرا لأنها إنما أتمت بتمامه.
فهي عند هذا القائل كالعبد.
وقيل: عليها التمام حتى تسافر لأن القصر لا يدخل على التمام.
وهذا في التي لم يكن ذلك المكان وطنا لها.
وأما إذا كان المكان وطنا لها من غير الزوج فليس لها القصر حتى تسافر وترجع قولا واحدا.
وإن نوت المقام في بلد بلا رأي زوجها فأتمت فليس لها ذلك، ولا نية للمرأة مع زوجها وعليها البدل.
وقيل: البدل والكفارة، والأول أكثر.
ومن كان له زوجة وعبيد وأولاد صغار وخرج إلى بلد ونوى المقام بها فخرجوا إليه برأيه صلوا بصلاته.
وإن خرجوا بلا رأيه صلوا صلاة السفر حتى يرجعوا إلى مواضعهم.
وإن أمرهم بالمقام أتموا الصلاة، والزوجة تصلي صلاة السفر حتى يأمرها بالمقام معه.
ومن سافر هو وزوجته ونوى المقام في بلد ولم تعلم المرأة فكان الرجل يصلي تماما والمرأة قصرا إنه لا إعادة عليه حتى يعلمها أو ترجع إلى وطنها.
وإن عزم الزوج على الإقامة ولم تعزم هي فإذا لزمها طاعة أتمت الصلاة وليس لها أن تعصي.
وإن جعل أمرها في ذلك إليها كان أمرها في النية إلى نفسها إن أقامت أو سافرت.
وقال محمد بن محبوب-رحمه الله- في امرأة من نزوى تزوجها رجل من بهلا فكانت معه ببهلا تتم الصلاة إلى أن ازدارها أهلها من نزوى، وهو يتم بنزوى لكونه من الشراة إنه إن كان إنما حملها إلى نزوى لتقيم فيها بمقامه فعليها التمام.
وإن كان إنما ازداروها لترد إلى بهلا ولم ينو لها مقاما بمقامه فعليها قصر الصلاة وعليه هو التمام.
ومن كان يقصر الصلاة في بلد ومعه امرأته ثم حول نيته إلى الإقامة وأتم الصلاة ولم يعلم المرأة وصلت قصرا صلوات فإنها إن صدّقته في ذلك أبدلت قدر ما أتم هو من الصلوات.
وليس عليها أن تتبع زوجها في الجمع والإفراد لأن الجمع غير واجب بل سنة مخير فيها؛ فلو صلت هي جمعا وأفرد هو أو العكس فلا بأس لأن الجميع صلاة سفر.
وإن رأته يتم في غير الوطن الذي كان يتم فيه وهو عالم بما يلزمه من أمر الصلاة، ذاكر لذلك جاز لها أن تتم من غير أن تسأله لأنه مما يجوز له.
وإن كان جاهلا، وكان ممن يرى رأي أهل الخلاف فليس لها أن تتم حتى تعلم أنه إنما أتم على وجه جائز له.
وإن اتخذ وطنين فأكثر فإن كانت هي ممن يرى تعدد الأوطان له فعليها أن تتم بتمامه.
وكذلك إن كانت مقلدة لمن يرى ذلك.
وإن كانت على مذهب من لا يرى تعدد الأوطان أو يرى أن له وطنين أو ثلاثة أو أربعة فإنها تتم في المواضع التي ترى أن له فيها التمام، وتقصر في ما عدا ذلك لأن الأحكام لا تتدافع، وإذا وجب واحد ارتفع ضده.
ثم اختلفوا: متى يجب على المرأة الطاعة فتتبع زوجها في الصلاة؟
فقال بعضهم: إن رضيت به زوجا أتمت بتمامه إذا كانت مسافرة.
وقال آخرون: إذا وفاها عاجلها أو أجازته على نفسها أتمت.
وإن جاز بها على الكراهية قبل أن يوفيها عاجلها فلا سبيل له عليها.
وقال الفضل: إذا أدّى إليها عاجلها تبعته.وقيل: إن كانت تحت أبيها فصلاتها صلاة أبيها ما لم يجلبها زوجها أو يقول له أبوها: اجلب زوجتك فحينئذ يكون وطنها وطن زوجها وإن لم يجلبها لأنه حين قال أبوها(اجلبها) وجب عليه أن يجلبها، وصار وطنها وطن زوجها، والله أعلم.


















الأمـــر الثــاني
( في المرأة إذا كان لها شرط سكنى)
قال أبو عبد الله في الرجل يتزوج المرأة من بلد غير بلده ويشترط عليه وليها عند عقد النكاح أن سكنها في بلدها ثم يطلب زوجها خروجها معه إلى بلده فتجيبه وتتبعه ولم تهدم عنه شرط السكن فإنها تصلي مع زوجها في بلده قصرا.
وإذا رجعت إلى بلدها صلت تماما.
وإن نوت أن تتخذ بلدها دارا وبلد زوجها دارا أتمت الصلاة فيهما.
وإن صلت في بلدة تماما ولم تنتقض شرط سكنها ولا اتخذت بلده دارا:
فقول: عليه أن تبدل تلك الصلوات قصرا.
وقال أبو حفص: بلغني عن أبي مروان أنه قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرطوا لها عليه السكن في بلدها فإن عليه التمام.
فإن خرجت هي معه إلى بلده أتمت الصلاة.
فإذا رجعا إلى بلدها أتما أيضا.
وقيل: يقصر معها زوجها إذا كان مسافرا.
وإن كان أهلها بدوا لا قرار لهم فاشترطت السكنى معهم فقيل: شرطها منتقض لأنه مجهول؛ فما دامت معهم أول مرة فإنها تتم وإن خرجت كانت تبعا لزوجها.
وقيل: يثبت لها شروطها لأن الشروط المجهولة تثبت في التزويج والله أعلم.




الأمـــر الثـــالث
(في المطلقة وغيرها)
اعلم أن كل امرأة طلقها زوجها طلاقا يملك فيه رجعتها فصلاتها كصلاته ولو خرجت من بيته أو أخرجها هو.
وإن كان إطلاقا لا يملك فيه رجعتها أو خلع أو ملاعنة أو بانت منه بحرمة فصلاتها في العدة صلاة نفسها.
وفي المختلعة عن إساءة اختلاف.
وأما المولى عنها فصلاتها في الأجل صلاة زوجها.
وأما الموطأة في الحيض أو في الدبر وهما عالمان فصلاتها صلاة نفسها، ولا ميراث على من رأى من يرى التفريق بذلك.
والمرأة إذا مات عنها زوجها في بلد تقصر فيه الصلاة لقصره فإن نوت المقام في عدة الوفاة رجعت إلى التمام من حينها لأنها قد ملكت نفسها، ولا سبيل للزوج عليها.
وكل حال كانت المرأة فيه أملك بنفسها كانت صلاتها صلاة نفسها.
وكل حال يملك الزوج رجعتها فهي تبع له.
وصلاة امرأة المرتد صلاة نفسها لأنه لا يملك رجعتها في عدتها ولا بعد انقضاء عدتها.
فإن رجع إلى الإسلام قبل أن تزوّج فصلاتها صلاته لأنه يدركها بالنكاح الأول.
فإن ارتد له وطن قد اتخذه فإنها تتم في ذلك البلد إذا رجع إلى الإسلام ولو لم تعلم أنه على نيته الأولى في الوطن لأن الحكم بقاء نيته على الأصل الأول حتى تعلم تغيرها.
وإن اتخذت وطنا في حين ما كانت مالكة لنفسها فإنها تصلي تماما في ذلك الوضع حتى تخرج منه على حد السفر ثم ترجع إليه وتقصر، وذلك كله بعد إسلامه. والله أعلم.


الأمـــر الرابــع
(في صلاة الصبية إذا تزوجت)
قد اختلفوا في صلاة الصبية إذا تزوجت على نحو اختلافهم في صحة تزويجها ووقوفه إلى البلوغ.
فمن قال بصحته قال: إذا عاشرت زوجها وتبعته وجاز بها أو أغلق عليها بابا، أو أرخى عليها سترا فإنها تصلي صلاة زوجها.
ومن قال بأنه موقوف قال: صلاتها صلاة والدة.
ومن قال بصحته إذا زوجها أبوها قال: إن صلاة التي زوّجها أبوها صلاة زوجها.
وأما اليتيمة فصلاتها صلاة أبيها حتى تبلغ وترضى بالتزويج.
وعلى نحو هذا يخرج في زوجة الصبي:
فإنه على قول من أثبت الزوجية لزمته اتباعه ومعشرته، ويكون وطنها وطنه.
وعلى قول من يرى الوقوف فإنها تصلي صلاة نفسها وصلاة أبيها إن كانت صبية حتى تتم التزويج بعد البلوغ والله أعلم.









الأمـــر الخامــس
(في الأمة إذا تزوجت)
إذا تزوجت الأمة في بلد فيه الزوج والسيد حكمها واحد في تمام الصلاة وقصرها فهي تبع لهما بلا اختلاف.
وإن اختلف حكمها في ذلك فإن كان السيد سلمها للزوج الليل والنهار إلى غير مدة محدودة وقطعها معه فصلاتها بصلاة زوجها بمنزلة الحرة.
وإن لم يجعل له عليها سبيلا فصلاتها صلاة سيدها.
وكذلك إذا تركها عند الزوج إلى حد محدود.
وإن فسخت التزويج بعد العتق فأمرها لنفسها في الصلاة.
وإن اختارت زوجها فصلاتها صلاته.
وأم الولد بمنزلة الأمة في جميع أحكامها ما لم تعتق بولدها أو بوجه من الوجوه.
وإن عتقت وقد وصلت شيئا من صلاتها فقيل: تبدئ الصلاة.
وقيل: تبني على ما صلت.
وكذا الخلاف في ما إذا دخلت في الصلاة وهي مكشوفة الرأس:
فعلى القول الأول: تخمر رأسها لأن الصلاة لا تتجزأ.
وعلى القول الثاني: لا بأس عليها بالكشف حتى تفرغ من صلاتها لأنها دخلت فيها على وجه يجوز لها ولا عبرة بالطارئ من بعد والله أعلم.




الأمــــر السادس
( في المرأة إذا تزوجت ببدوي)
المرأة إذا تزوجت ببدوي إما أن تكون بدوية مثله فحكمه حكمها وعليها إتباعه حيث ما كان إلا مكانا تخشى فيه الضرر على نفسها، أو يكون لها شرط سكنى في مكان مخصوص فإنه ليس عليه إتباعه حيث الضرر ولا لزمها ترك شرطها.
وإن كانت حضرية فليس لها أن تتزوج بالبدوي إلا إن اشترطت السكنى فإن لها ذلك لأن المانع من تزويجها بالبدوي وجوب طاعته عليها فتكون صلاتها بصلاته حيث إنه لا قرار لها إلا العمود، وهذا من تبديل السنة، وهو من الكبائر التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ثلاثة من الكبائر: خروجك من أمتك، وقتالك أهل صفقتك، وتبديلك سنتك».
فأما خروجك من أمتك فاتخاذك دار الشرك وطنا، ونهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك لما يجري عليك من الأحكام والسبي والغنيمة والرق وتغير السنة والإكراه على مفارقة دينك.
وأما قتالك صفقتك فهو أن يكون الرجل في عسكر المسلمين حتى إذا قاتلهم العدو فيضعف المسلمون رجع إلى العدو.
وأما تبديلك سنتك فهو التعرّب بعد الهجرة، وهو أن ينزع الرجل وطنه من القرار ويرده إلى البادية، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تزوج المهاجرة الأعرابي.
وإذا زوجها وليها ورضيت بذلك هلكت لأن أمر التزويج بيدها؛ فلو لم ترض لم يتم.
وكذلك الطفلة إن بلغت وأجازت النكاح وهي تحت البدوي.
وكذلك الأمة إذا أعتقت على هذا الحال لأنه قد صار فسخ التزويج إليهن.
وإن تزوجت المرأة ببدوي، أو كانت صبية فلم تغير، أو أمة فلم تختر لنفسها فإن عليها التوبة في هذا كله، وتطلبه لها وطنا في القرار.
فإن أبى فلتصل الإقامة والتقصير جميعا لأنه يجوز لها أن تخالف زوجها، ولا يجوز لها أن ترجع من القرار إلى البادية، كذا في الإيضاح.
وفيه: أنه يلزمها حينئذ صلاتان: إحداهما بالقصر والأخرى بالتمام ولا دليل على ذلك.
ويجاب: بأنه احتياط لا إلزام لكن لما لم يتعين الأجزاء بأي الحالين أمرت بذلك لتخرج عن العهدة بيقين فهو نظير من كان معه آنية ماء تنجست إحداهن ولم يعرفها، ونظير من عميت عليه القبلة فإنه قد قيل: يتوضأ بواحد من المياه ثم يصلي ثم يفعل بالآخر كذلك.
وإن عميت عليه القبلة يصلي أربعا صلوات إلى أربع جهات.
وهذه المسألة من هذا المعنى.
والحق أنه يتحرى في الكل، وليس عليه إلا صلاة واحدة.
والمتعين في حق المرأة إتباع زوجها فهي تتم بتمامه، ولا تقطع الوطن لأول الذي كانت عليه.
فإن قيل: إنه يلزمها أن تصلي فيه الإقامة ولو لم يأذن الزوج. قلت: نعم.
فإن قيل: إذن ارتفع الإتباع. قلت: لا.
فإن قيل: ولم؟ قلت: لأنها تتبعه في موضع يجوز لها ذلك، وأما هاهنا فقد نهاها فقد نهاها الشرع عن تبديل سنتها؛ ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فإن قيل: هذا ما قالوه: إنه لا نية للمرأة مع زوجها.
قلت: لا ينافيه لأن هذه نية لم تحدث وإنما هو إبقاء للوطن على حكمه الأول حيث حرم عليه نزعه.
وهذا المعنى لم أظفر به عن أحد فلا يؤخذ به إلا بعد النظر فيه، وحقه بحمد الله ظاهر والله أعلم.







المسألة الثانية
(في صلاة العبيد)
العبيد على كل حال تبع لساداتهم فيتم العبد حيث يتم السيد، ويقصر حيث يقصر إلا إذا كان السيد ذميا والعبد مسلما فصلاته صلاة نفسه لأنه لا يكون تبعا للذمي في الصلاة.
وإن كان للذمي وطن أتم في وطن سيده لأنه ليس له أن يخرج من وطن سيده إلا برأيه ما لم يحكم ببيعه.
فإذا حكم ببيعه وبيع كان تبعا لسيده المسلم.
وإن اشتراه البادي صار تبعا له ولا إثم عليه بخلاف المرأة لأنه لا يملك من أره شيئا.
وإذا اشتراه المسافر صلى بصلاته من حين ما اشتراه.
وإن اشتراه بعد أن صلى ركعتين من صلاة التمام: فقيل: يتم أربعا لأنه قد دخل في شيء يلزمه تمامه، وهو الصحيح.
وقيل: يكفيه الركعتان لأنه قد انحل عنه حكم التمام قبل أن يدخل في الثالثة فكأنه قد ارتفع عنه التكليف بالأربع.
قلت: لم يرتفع لأن سبب الوجوب دخول الوقت فإذا دخل الوقت عليه وهو مقيم وجب عليه صلاة المقيم.
ووجوب الطاعة للسيد لا تحط من الواجب من إطاعة الله.
وهذا يقتضي أن تلزمه الأربع بعد دخول الوقت، دخل فيها أو لم يدخل.
ثم وجدته مصرحا عن بعض المتأخرين فإنه قال في أمة اشتراها مسافر من مقيم إنها تصلى بصلاته إلا أن يكون اشتراها بعد حضور وقت الصلاة فإنه يعجبني أن تصلي تماما تلك الصلاة، كذا قال وهو ظاهر الصواب.
وقد تقدم أن من وجبت عليه صلاة في الحضر ثم خرج مسافرا لأن يصليها تماما ولو انتهى إلأى حد السفر، وهو أكثر قولهم.
وهذه المسألة نظير ما نحن فيه بلا فرق.
وإن كان العبد يصلي قصرا ثم اشتراه من يتم وقد دخل في صلاة القصر فإنه يبني على صلاته ويصلي أربع ركعات، كذا قيل.
ويخرج فيه وجه: أنه يبتدئ الصلاة أربعا كما مرّ في نظيره. وإن صلى تماما ثم اشتراه من يقصر في وقت تلك الصلاة ثم علم بفساد صلاته فإنه يعيدها قصرا لأنها قد بطل حكمها والوقت قائم.
وفيه القول الذي قدمت ذكره، وعليه فيعيدها تماما لأنها وجبت عليه كذلك.
وإن علم بعد الفوات فإنه يبدلهما تماما لأنها وجبت عليه في أول الأمر أربعا وخرج الوقت وهو يحتسبها أربع، فالبدل نظير المبدل.
ويخرج فيه وجه صار بالقصر لأن الأربع فسدت عليه وصار إلى القصر عبد البعض فيبدل ما صار إليه لا ما فسد عليه.
والأول أكثر وأصح.
ومن أمر رجلا أن يشتري له عبدا من قريته، أو وكله فاشترى له عبدا فإنه يصلي بصلاة الذي اشتراه.
ومن اشترى عبدا وشرط الخيار إلى ثلاثة أيام فصلاته صلاة البائع، سواء كان الخيار له أو للمشتري حتى ينقطع البيع فحينئذ يتبع المشتري إلا إذا كان البائع يقصر والمشتري يتم وكان شرط الخيار للمشتري فقيل: إن الاحتياط أن يصلي تماما لأن المشتري ضامن له في تلك المدة.
ويخرج على قوله أنه يصلي بصلاة المشتري لأنه منذ اشتراه صار العبد له لكن بقى فيه معنى الخيار فكما أن غلة المبيع بالخيار قبل النقض تكون للمشتري على الصحيح عندهم كذلك ينبغي أن يكون العبد تبعا للمشتري في تلك المدة لأن المعنى واحد.
وقيل: إن صلاة العبد صلاة البائع ولو كان شرط الخيار للمشتري لأنه لم ينتقل من ملك البائع ببيع ثابت.
ومن أخرج غلامه إلى غير بلده إلى أجل معلوم أو غير معلوم أو غير أجل فعليه قصر الصلاة إذا كان سيده ممن يقصر الصلاة هناك.
وإن كان للسيد أكثر من وطن فالعبد تبع له في جميع أوطانه.
واختلفوا في العبد يخرجه سيده إلى قرية يتجر فيها وأذن له أن يتخذها وطنا:
فقال بعضهم: إنه تبع لسيده؛ إن كان السيد يتم فيها أتم، وإن كان يقصر قصر.
وقال بعضهم: إذا أذن له سيده أن يتخذها وطنا لزمه التمام.
قال أبو الحسن: وجدت في بعض الكتب: أن من استأجر مملوكا إلى غير مدة معلومة أنه يكون في الصلاة تبعا لمن استأجره.
وإن كان عبد بين رجلين في قرية أحدهما يقصر فيها الصلاة والآخر يتمها فإن العبد يصلي هناك تماما.
وإن تقاسما خدمته بالشهور أو الأيام أو السنين فقيل: لا يبعد أن تكون صلاته صلاة الذي يخدمه منهما في أيامه أو شهوره.
وقيل: هو تبع لمن يتم الصلاة ولو كان العبد بين مائة شريك أو أكثر كلهم يقصرون إلا واحدا.
وإن أعتق العبد وقد دخل في صلاة القصر فإن نوى المقام بنى عليها وأتم أربعا.
ويخرج فيه وجه: أنه يستأنف الصلاة.
وإن أعتق بعد أن صلاها قصرا فليس عليه إعادة وإن كان في الوقت لأنه صلى على السنة.
وهي نظير مسألة المسافر الذي صلى في السفر ثم دخل في بلده في الوقت.
وللعبد نيته متى عتق في بلد فإن شاء استوطنها وإن شاء قصد غيرها.
وقيل: فيه الخلاف الموجود في الصبي إذا بلغ في موضع فإنه يلزمه فيه التمام حتى يخرج منه إلى موضع منه إلى موضع يكون فيه مسافرا.
وقيل: كغيره في حكم الصلاة، وأن العبد إذا عتق.
والمدّبر تبع لمن دّبره حتى ينعتق.
وعبد المرتد إذا ألحق بالمسلمين صلى صلاة نفسه لأنه بمنزلة الحر إذا فرّ منهم.
وإن أبق العبد من سيده المسلم فإنه يصلي في ما دون الفرسخين تماما.
وإذا جاوز الفرسخين قصر.
وإن أخرجه جور سيده عليه صلى صلاة السفر.
وقيل: إن هرب بلا جور فعليه الإتمام وإن جاوز الفرسخين لأنه عاص في سفره.
ولا يجوز له الإفطار في رمضان.وكذلك المرأة الناشز.
والصحيح أن لهما ما للمسافرين والله أعلم.
















(تنبيهــــان)
التنبيــــه الأول
(في الصبي إذا بلغ)
الصبي قبل البلوغ تبع لأبيه فيتم حيث يتم، ويقصر حيث يقصر.
وإن مات أبوه فإنه يتم في بلده ويقصر في ما عداها.
وأما بعد البلوغ فأمره إليه:
فإن بلغ في قرية ونوى أن غيرها وطنه فإن له نيته، وهو يتم في ذلك القرية حتى يسافر منها.
وقال أبو القاسم سعيد بن محمد في الصبي إذا بلغ في السفر صلى قصرا، وهو كغيره في حكم الصلاة.
وقال بعض العلماء: وطن الرجل والمرأة وطن آبائهما، سواء كانوا أحياء أو أمواتا، ما لم يتخذوا لأنفسهم أوطانا، أو يحدث للمرأة معنى يزول به وطنها عن وطن أبيها.
قالوا: وكذلك العبيد إذا عتقوا فهم على أوطان ساداتهم ما لم يتخذوا لنفسهم أوطانا.
قالوا: وكذلك النساء ذوات الأزواج هن على أوطانهم إن ماتوا أو طلقوهن ما لم يتخذن لأنفسهم أوطانا.
وقالوا: وطن الرجل منزله أو منزل أبيه ولو أنه لم يتخذ وطنا.
وإن بلغ الصبي في بلد ووالده مسافر فيه، أو أسلم فيه ووالده مشرك فأحبّ له بعضهم أن ينوي المقام أو يصلي تماما ليخرج من الشبهة.
وإن لم ينو المقام فلا يثبت القصر عليه إلا بثبوت السفر في بلوغه.
وإن قطع الأوطان عن نفسه ففيه ما تقدم من وجهي التمام والقصر.
وكذا القول في الذي لا أب له وهو يدور في القرى فإنه إذا بلغ في بعض القرى نوى المقام فيها وأتم ليخرج من الريب.
وإن جهل ذلك وقصر لظنه أنه مسافر فإن كان قد نوى وطنا في مكان غيرها فإنه مسافر.
وإن لم ينو الوطن في شيء من الأمكنة فقيل: لا يبدل عليه لأنه صلى صلاة وهو في حال يشبه المسافر لعدم الوطن.
وأقول: إنه يبدل لأنه مخاطب بالتمام، والقصر لا يثبت إلا لمعنى السفر، وما هنا سفر.
وإن بلغ وهو في الصلاة فإن أبا محمد يوجب عليه الخروج من الصلاة والتطهر ثم يؤديها على ما هي.
ولعل علته أن الصبي بصلاته، وأن الفرض لا يقوم بالنفل.
قال: ومن أدرك ركعة والوقت قائم فهو مدرك للوقت لقوله صلى الله عليه وسلم:«من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك الصلاة».
فإن قيل: وكيف يعلم بلوغه وهو في الصلاة؟
فالجواب: أن البلوغ يكون بوجوه منها: حدوث المنى ومنتهى استكمال السنين التي هي حد البلوغ والإنبات والحمل للمرأة والحيض لها وافتراق الأرنية للرجل وتكعب الثديين للمرأة.
وحدوث بعض هذا ممكن حال الصلاة والله أعلم.
وكان من رأي أبي محمد: أن الصبي إذا بلغ في نهار رمضان ليس عليه قضاء ذلك اليوم خلافا لكثير من العلماء.
وفرّق بين الصوم والصلاة لأن الصوم يستغرق الوقت من أوله إلى آخره، ولا يصح إيقاع الصوم في بعض الوقت لأن ذلك ليس بصوم شرعا.
والصلاة لا تستغرق جميع الوقت فما كان مدركا من الوقت شيئا ولو ركعة كانت صلاته صحيحة.
فمن هنا كان بها مخاطبا دون الصوم إذ لا يخاطب بما لا يصح شرعا، وهو فرق من القوة بمكان والله أعلم.




التنبيــــــه الثــاني
(في المشرك إذا أســــلم)
المشرك إذا أسلم في بلده فإنه يلزمه التمام، وحكمه كغيره من الناس.
وإن أسلم وهو مسافر فحكمه كالصبي إذا بلغ في قرية فقيل: يتم، وقيل: يقصر.
وقيل: ليس هو كالصبي بل عليه القصر لأن له وطنا معروفا. والله أعلم.















الباب السابع من كتاب الصلاة
وهو الثاني من كتب المدارج
(في صلاة الخائف والمريض)
وإنما جمعهما في الترجمة لاجتماعهما في بعض الصور كما سيأتي. ثم إنه أخذ في بيان صلاة الخوف وإنما ذكرها عقب القصر لأنها متأخرة عنها في الآية؛ فإنه تعالى قدم ذكر القصر في قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ 1 ثم ذكر صلاة الخوف بقوله: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً 2.
ولأن صلاة القصر ركعتان لكل واحد من الإمام والمأموم، وصلاة الخوف ركعة للمأموم وركعتان للإمام.
ولأن القصر في السفر واجب وفي الخوف جائز فقط إذ لهم أن يصلوا صلاة أنفسهم إذا كانوا في سفر أو حضر إذا تهيأ لهم الحذر من العدو بوجه غير الانقسام إلى طائفتين.
فناسب ذكرها بعدها.
وصلاة الخوف من خصوصيات هذه الأمة فلم تشرع لأحد من الأمم قبلنا.
وأول ما شرعت في سنة ست من الهجرة في غزوة ذات الرقاع.
وذلك أنه صلى الله عليه وسلم سار حتى بلغ نجدا فلم يجد بها أحدا أو وجد نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة ثم لقى جمعا فتقارب الجمعان ولم يكن بينهما حرب وقد خاف بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف، وكانت أول صلاة للخوف صلاها.
وفي رواية حانت صلاة الظهر فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فهمّ بهم المشركون فقال قائلهم: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه هي أحبّ إليهم من أبنائهم فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فصلى صلاة العصر صلاة الخوف.
وصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل وبعسفان في غزوة الحديبية.
وزعم أبو يوسف والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم ابن علية أن صلاة الخوف مخصوصة بحضرته صلى الله عليه وسلم، وأنها ليست لغيره لأنها شرعت على خلاف القياس لإحراز فضيلة الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى انعدم بعده.
ويدل عليه قوله تعالى وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ ...الآية 3 فإنها تدل على أنه مخصوص بكونه فيهم.
وادعى المزني نسخها لتركه صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق.
وعامة الفقهاء من موافق ومخالف على ثبوتها في زمانه صلى الله عليه وسلم وبعده.
وقد أجمع الصحابة على فعلها بعده صلى الله عليه وسلم.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي).
والجواب عن احتجاج أبي يوسف ومن معه أن إحراز الفضيلة لا يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة لأن طلب الفضيلة لا يوجب ترك الفرض.
وأما الآية فليس فيها ما زعمتم، وإنما فيها الأمر بإقامة الصلاة، وهو صلى الله عليه وسلم مبين للشرائع، وقد أمرنا تعالى أن نتبعه فقال وَاتَّبِعُوهُ 4 وقال وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ 5 وقال لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ 6 وقال لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ 7.
فهذه الآيات دالة على وجوب الاقتداء به صلى الله عليه وسلم فليس لنا أن ننفي ذلك إلا بدليل على التخصيص.
والجواب عن احتجاج المزني: أن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق لأنها نزلت سنة ست والخندق كانت سنة أربع أو خمس والله أعلم.



















(الكلام في بيان صفة صلاة الخوف)
ثم إنه أخذ في بيان صفتها فقال:
أما صلاة الخوف فليقدموا*ش* لهم إماما وليصل بهم
لكل فرض ركعتين طائفة*ش* خلف الإمام ثم أخرى واقفه
نحو العدو بالسلاح تدفع*ش* ثم تصلي ركعة إن ركعوا
وتحرس الأخرى فإن تشهدت*ش*وسلمت إذ سلموا وكملت
هذا إذا الصفان قد تقابلا*ش* أو سبُعاً قد شاهدوا مقابلا
وإن تداخلوا معا أو كسرا*ش* بعضهم يصل كيف قدرا
تماما أو إيماء إن تعذرا*ش* أو بقـــراءة وإلا كبــرا
لكل فرض خمس تكبيرات*ش* إن لم يطق كذا المريض آتي
وإن يكن لم يستطيع تكبيرا*ش* ذو مرض كان إذا معذورا
يعني أن صلاة الخوف عند مواقفة العدو أو السبع أو غيره من المخوفات إذا كان الخائفون جماعة قدموا لهم إماما وانقسموا طائفتين: واحدة خلف الإمام والأخرى مقابلة للعدو فيصلي الإمام ركعتين وتصلي الواقفة وراءه ركعة ثم تقابل العدو وتأتي الطائفة التي لم تصل فصلي مع الإمام الركعة الباقية ثم تتشهد معه فإذا سلم الإمام بمن معه سلمت الطائفة التي في نحر العدو وقد كملت صلاتهم.
وإن تداخل الصفان أو انكسر بعض الصفوف صلوا كما قدروا؛ فمن قدر على التمام أتم وإن لم يقدر قصَّر من أركانها ما لم يقدر عليه.
وإن قدر على القراءة قرأ وأومأ للركوع والسجود.
وإن لم يستطع ذلك أومأ لأفعالها.
وإن لم يستطع كبر لكل فريضة خمس تكبيرات.
وكذا القول في المريض.
وإن لم يستطع المريض التكبير ارتفع عنه التكليف لأن الله تعالى لا يكلف نفساّ إلا وسعها والله أعلم.
وفي المقام مسائل:
المسألة الأولى
(في صلاة الموافقة)
اعلم أن صلاة الخوف على ثلاثة أنواع:
لأنه إما أن تكون الحالة حالة مقاومة للعدو من غير تداخل ولا اصطدام وهي المعرفة بالموافقة.
وإما أن تكون مع تداخل وتصادم وهي المعروفة بالمسايفة.
وإما أن تكون مع طلب وفرار وهي المعروفة بصلاة الطالب والمطلوب.
ولكل واحد حكم يخصه.
أما الأولى وهي صلاة الموافقة فهي المذكورة في قوله تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ 8...الخ الآية.
وقد ذكر بعض قومنا أنه جاء في كيفيتها سبعة عشر نوعا.
قال: ولكن يمكن تداخلها، ومن ثَم قيل: أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر.
وقال بعضهم: صح فيها أحد عشر وجها.
وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها من فعله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من اختلاف الرواة.
والثابت عندنا كيفيتان رواهما أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: حدثني جملة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم صلوا معه صلاة الخوف يوم ذات الرقاع وفي غيرها.
فقالت طائفة: صفًّت طائفة خلف النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة واجهت العدو، وصلى بالذين وقفوا خلفه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم وانصرفوا وواجهوا العدو، وجاءت طائفة فصلى ثم ثبت جالسا وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم ثم سلم بهم أجمعين.
وقال طائفة أخرى منهم: صلى بالطائفة الأولى ركعة فانصرفت فواجهت العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة ثانية فسلم فسلموا جميعا من غير أن يثبت لكل طائفة حتى يتم مثل ما قال أصحاب القول الأول.
قال الربيع: قال أبو عبيدة: على هذا القول الآخر العمل عندنا.
وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة.
قال محشي الايضاح: وحكى أيضا عن طاؤس وعطاء والحسن ومجاهد وجابر وجماعة.
واختارت الشافعية الكيفية الأولى لحديث رووه عن صالح بن خوّات عند مسلم قال فيه مالك: هذا أحسن ما سمعت في صلاة الخوف.
واختارت الحنفية الكيفية التي رواها عبد الله بن عمر عن أبيه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل نجد فوازينا العدو فصاففنا لهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي لنا فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين.
قالوا: وتفصيله أن الطائفة الثانية ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الأولى إلى مكانهم وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الثانية وأتموا منفردين وسلموا.
وذكر الشيخ عامر هذه الكيفية أيضا في إيضاحه من غير أن ينسبها إلى الحنفية.
ورُدّ: بأنه لم يرد في شيء من طرق الحديث أن فرقة من الفرقتين جاءت إلى مكانها ثم أتمت صلاتها، وإنما فيها أن كلا صلى بعد سلامه عليه الصلاة والسلام ما بقى في محله من غير مجئ.
أجاب الحنفية: بأنه دل على إتمام هذا التفصيل ما هو موقوف على ابن عباس من رواية أبي حنيفة.
قالوا: ولا يخفى أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه؛ فالموقوف فيه كالمرفوع.
قلنا: إن صح ما رواه أبو حنيفة فالمرفوع أولى منه بالعمل.
كيف وقد نقل الربيع أن قول ابن عباس يخالفه.
وقال أحمد: لا حرج على من صلى بواحدة مما صح عنه صلى الله عليه وسلم.
وقال غيره: اتفقوا على أن جميع الصفات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف معتد بها، وإنما الخلاف بينهم في الترجيح.
وإنما رجحنا الكيفية التي اختارها أبو عبيدة لأنها موافقة للأصول لأن الأصل في الإمام أن يكون متبوعا لا تابعا، ولسلامتها من كثرة المخالفة، ولأنها أحوط لأمر الحرب فإنها أخف على الفريقين.
ويدل عليه ظاهر قوله تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ 9 فإن الآية تدل على أن كل واحدة من الطائفتين تصلي ركعة مع الإمام لا غير.
ويعضد هذا الظاهر حديث ابن عباس قال: ( فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة) أي لكل طائفة مع الإمام؛ فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة، والله أعلم.











(تنبيهــــات)
التنبيه الأول
(في حكم هذه الصلاة)
ظاهر كلامهم أنها جائزة لا واجبة؛ فلو صلى في الحضر تماما أو في السفر ركعتين صحت صلاته.
لكن قال أبو جابر في جامعه: ولو أمكن لكل طائفة ركعتان خلف الإمام لم يجز ذلك لهم إلا لكل طائفة منهم ركعة.
فهذا من قوله يدل على وجوبها كالقصر في السفر.
ويؤيده ظاهر الآية وحديث ابن عباس:
فإن في الآية الأمر بفعل ذلك، وأصل الأمر للوجوب.
وفي حديث ابن عباس التصريح بأنها فرضت في الخوف ركعة فهي كالأربع في الحضر، والركعتين في السفر.
وعلى هذا القول فلا يصح له الإتمام إلا في الحضر وليس في السفر.
وإنما يجب خلف الإمام على كل طائفة ركعة، وليس على الذين في نحر العدو تحيات ولا تشهد ولكنهم يسلمون إذا سلم الإمام.
وقال أبو سعيد: يقرءون التحيات كلهم إذا قعد الإمام. فإن أمكن الواقفين نحو العدو القعود قعودا وإلا فعلى حالتهم، فإذا سلم الإمام سلموا جميعا.
والأول أصح لظاهر الكتاب والسنة.
وقيل: إن الطائفة التي تصلي الركعة الثانية توجه وتحرم إذا جاءت إلى الإمام بعد الوقوف.
وذلك إذا لم يشغلهم التوجيه عن صلاة الإمام.
والمناسب للمقام ترك التوجيه لأنه مقام تخفيف، وإذا ثبت التخفيف بإسقاط الركعات فما ظنك بالتوجيه.
وصلاة المغرب وغيرها في الحضر والسفر سواء في صلاة الخوف، وليس هو كالقصر في السفر؛ فإن المغرب في السفر لا تقصر ولا الفجر.
قال الشافعي ومالك والجمهور من قومنا: إن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عد الركعات.
وتأولوا حديث ابن عباس بأن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفردا كما جاء بذلك بعض الروايات عنه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف.
قالوا: والصلاة وقعت في السفر فالركعتان فرض كل واحد منهم.
قالوا: وأما في الرباعية الحضرية والثلاثية مطلقا فيصلي مع الإمام ركعتين ويصلي الباقي حوله.
والجواب: لا دليل على هذا التفصيل مع أنه مخالف لظاهر الآية والحديث.
ثم إن الحكمة التي لأجلها شرعت صلاة الخوف إنما هي التخفيف وحصول الحراسة من إحدى الطائفتين، وأخذ الحذر، وما ذكرتموه ينافي هذا المقصود.
ولو سلمنا أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في السفر فمن أين لكم إنها في الحضر على خلاف ذلك؟
ثم من أين لكم أن تصلوا في الحضر ركعتين خلف الإمام وركعتين فرادى؟ والله أعلم.









التنبيـــه الثـــاني
( في أقل ما تصلى به هذه الصلاة)
اختلف العلماء: هل تصلى هذه الصلاة بأقل من ستة: ثلاثة يصلون وثلاثة يحرسون؟
فقيل: لا تنعقد بأقل من ذلك لأن الطائفة اسم للجمع وهم من الثلاثة فصاعدا.
وأجاز آخرون: أن يصلي اثنان ويحرس الثالث.
وقال أبو محمد: لا تنعقد بأقل من خمسة.
واحتج بالآية ثم قال: والطائفة في هذا الموضوع اثنان فما فوقهما.
وهذا على أن أقل الجمع عنده اثنان.
قال محشي الإيضاح: وهل يتعين قسمتهم نصفين، سواء كان مقابله أقل من النصف أو لا يتعين؟
قلت: لا يتعين لعدم الدليل على ذلك.
وأيضا فالمقصود الحراسة وأخذ الحذر، وإذا حصل فقد المطلوب، وليس التنصيف عبادة لابد منها، والله أعلم.








التنبيــــه الثـــالث
(في صـــفة الخـــوف)
صفة الخوف المجوّز لهذه الصلاة أن يكونوا جماعة خافوا على أنفسهم أو مالهم أو على من تلزمهم معونته لنفسه أو ماله من عدو أو سبّع أو حية أو نار أو سيل فإنهم يصلون هذه الصلاة ليحرسوا أنفسهم ويأخذا حذرهم.
أما العدو فظاهر، وأما غيره فمقيس عليه بجامع الخوف.
وإذا رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة الخوف ثم بان لهم خلاف ما ظنوا فعليهم الإعادة لأنهم خافوا من غير شيء؛ فخوفهم غير معتبر لأنه فزع فقط.
وقيل: لا إعادة عليهم لأن الموجب لذلك حصول الخوف وقد حصل والله أعلم.
والضابط في هذا: أن الخوف إما أن يكون على شيء يجب الدفع منه، أو يباح أو يحجر:
فإن كان الأول فصلاة الخوف به جائزة اتفاقا.
وإن كان الثالث فهي ممنوعة اتفاقا لأن الدفع عنه حرام فلا يمكن الترخيص معه برخص الواجبات.
وإن كان الثاني وهو المباح ففي الترخيص معه قولان:
ومذهبنا-وهو الأصح عند الشافعي- الجواز.
واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم(من قتل دون ماله فهو شهيد) لأن الدفع عن المال جائز لا واجب.
وزعم الطبري من قومنا: أن دفع الإنسان عن نفسه مباح غير واجب بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه فإنه يجب الدفع لئلا يكون إخلالا بحق الإسلام.
وهذا ليس بشيء لأن الله تعالى يقول وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ 10، وقال تعالى وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ 11 وتسليمها للقتل قتل، وللهلاك هلاك والله أعلم.


المسألة الثانيـــة
(في صــــلاة المســــايفة)
المسايفة عبارة عن التحام القتال فإن الصلاة في هذا الموضع إنما تكون بحسب الطاقة والإمكان.
فإن أمكنه أن يصليها قائما بوظائفها وحدودها فليفعل.
وإن لم يمكنه إلا بالإيماء فليفعل وهو ماش أو راكب كما قال تعالى فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً 12.
ويحرم إلى القبلة إن أمكنه وإلا فكيف ما أمكنه.
وإن لم يمكنه من فعل الصلاة شيء فاليكبر لها خمس تكبيرات.
وقيل: أربع تكبيرات كصلاة الميت.
وقيل: ست تكبيرات، وقيل: سبعا.
وقيل: تكبير الصلاة كله.
وهذا حكم الخائف كله في غير الموافقة، سواء خاف على نفسه ودمه كما فعل جابر-رحمه الله تعالى- في صلاة الجمعة خلف الحجاج فإنه صلى بالإيماء حين خاف خروج الوقت.
وكذلك عند دفع المضارّ كلها عن نفسه أو غيره، حيا كان أو ميتا إذا خاف على فساده، أو كان يلزمه عزمه أو كان تلزمه في فساده معصيته وما أشبه ذلك أو كان في تضييعه تفويت مصلحة دينية كمناهضة الحصون فإنه لو ترك ذلك للصلاة ربما يفوته الفتح.
والحاصل: أن الصلاة إنما تتم بمجموع ثلاثة أمور:
أحدها: فعل القلب وهو النية، وهذا لا يسقط بالخوف لأن حال الخوف لا يتبدل بسقوطه.
والثاني: فعل اللسان وهي القراءة، وهي لا تسقط عند الخوف إلا إذا تشوّش باله، واختلط أمره، ولم يحضر قلبه.
فإنه إن لم يمكنه القراءة رجع إلى التكبير. ولا يجوز له أن يتكلم بكلام أجنبي أو يأتي بصيحات لا ضرورة إليها.
والثالث: أعمال الجوارح:
فأما القيام والقعود فيسقطان بالتعذر.
وأما الركوع والسجود فالإيماء بدل منهما.
وأما الشروط كاستقبال القبلة والطهارة فإن أمكنه شيء منها فعله وإلا أدى ما أمكنه.
وإن لم يقدر على الوضوء تيمم.
والأصل في هذا كله قوله تعالى فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً 13 أي إن خفتم فصلوا ماشين أو راكبين.
وقوله صلى الله عليه وسلم«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
خالف أبو حنيفة فقال: لا يصلي الماشي بل يؤخرها حتى يأمن وإن فات الوقت.
واحتج على ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم أخرَّها في الخندق حتى صلاها كاملة لما كان فيه من شغل الحرب.
فكذا الحال التي هي أشد.
وقال أنس: حضرت عند مناهضة حصن تُستَر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة فلم نصلّ إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا.
قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.
و(تُستَر) بمثناتين فوقيتين أولاهما مضمومة والثانية مفتوحة بينهما سين مهملة ساكنة وآخرة راء مهملة مدينة مشهورة من كور الأهواز فتحت سنة عشرين في خلافة عمر.
وأجيب: بأن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق.
وأما حديث أنس فعند الإيمائه؛ فإن الإيماء قد يتعذر بسبب اشتغال الجوارح لأن الحرب إذا بلغت الغاية في الشدة تعذر الإيماء على المقاتل لاشتغال قلبه وجوارحه عند القتال.
نعم، حديث أنس يدل على عدم التكبير فيكون حجة للأوزاعي ومكحول الدمشقي في عدم الاجتزاء به.
والمذهب أنه مجزئ عند تعذر الإيماء.
وقد ذكر أبو ستة أنه مجمع عليه.
ولعل الإجماع عند أصحابنا دون غيرهم، وحينئذ فنجيب عن الحديث بأنه فعل صحابي لم ينقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو فعل مجتهد ولغيره أن يجتهد.
فإن قيل: القصة تدل على أن فاعل ذلك أكثر من واحد، وأنه لم ينكر عليهم فيكون إجماعا.
قلنا: لا نسلم أنه إجماع، ولا يلزم الإنكار على المجتهد في موضع يجوز له فيه الاجتهاد والله أعلم.










(تنبيهـــان)
التنبيــه الأول
(في ما يقطع صلاة المسايفة)
لا يقطع صلاة المسايفة المضاربة والمطاعنة، والتحرف للقتال، والمشي إلى العدو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة إذا خافهما في صلاته.
قال أبو سعيد: وأجمع على ذلك قول أهل العلم إلا أنهم اختلفوا في الإعادة؛ فمطاعنة العدو مثل ذلك.
قال ابن المنذر: كان الشافعي يرخص في الصلاة في شدة الخوف في الاستدارة والتحرف، والمشي القليل إلى العدو، والمقام الذي يقوم به، وتجزئه صلاته.
قال: ويضرب أحدهم الضربة بسلاحه، ويطعن الطعنة.
وهو هذا كله موافق لنا لكن خالفنا في قوله: إن تتابع الضرب، أو طعن طعنة فردها في الطعون، أو عمل ما يطول فلا تجزئه صلاته.
ولعله قال ذلك حيث أنه زاد على قدر الحاجة في الدفع.
وهو وجه حقٍّ لا مخلص عنه.
وقال محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة: إن رماهم المسلمون بالنبل والسياف قطع صلاتهم لأن هذا عمل في الصلاة يفسدها.
وقال غيره: كل ما فعله المصلي في حال شدة الخوف مما لا يقدر على غيره فالصلاة تجزئه قياسا على ما وضع عنه من القيام والركوع والسجود مع ما فيه من مطاردة العدو.
قال ابن المنذر: وهذا أصح، وأنا أثبته بظاهر الخبر مع موافقة النظر.
وأنت خبير أنه عين مذهبنا المقدم ذكره، والله أعلم.


التنبيـــه الثــــاني
(في الخائف إذا صلى كما أمكنه)
اختلفوا في الخائف إذا صلى كما أمكنه: هل عليه إعادة؟
والمذهب عندنا أنه لا إعادة عليه وإن أمن في الوقت لأنه أداها على ما يجوز له بنص الكتاب.
وقال مالك في من خاف أرضا أو سبعا صلى المكتوبة على دابته.
فإذا أمن أعاد في الوقت.
وقال محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة: من لا يستطيع أن يقوم من خوف العدو ووسعه أن يصلي قاعدا يومئ إيماء.
قال الشافعي: إذا صلى قاعدا يعيد.
قال الشافعي أيضا: إذا دخل الصلاة في شدة الخوف راكبا ثم نزل فأحبّ إلىّ أن يعيد.
فإن لم ينقلب وجهه عن القبلة لم يعد لأن النزول خفيف.
قال أبو ثور: أساء في الحالتين جميعا ولا إعادة عليه.
وقال ابن المنذر مثله.
ولا وجه لهذه التقييدات لأنه إما أن يكون الفعل الأول مجزئا عنه فلا معنى للإعادة، وإما أن يكون غير مجزئ فلا معنى لفعله، والحال أنه قد أبيح له فعله بنص الكتاب، وربما يكون لازما إذا خاف الفوت؛ فلا معنى لجعله مسيئا.
أما إذا أخل بشيء مما كان يقدر عليه أن لو فعله فإن عليه الإعادة لأنه لم يأت ما استطاع ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول« إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» والله أعلم.



المســـألة الثالثة
(في صلاة الطالب والمطلوب)
قد اتفقوا على أن حكم المطلوب حكم الخائف ما لم يأمن فهو يصلي كيف ما أمكنه على حسب ما تقدم في صلاة المسايفة.
قال محمد بن المسبح: إن كان مطلوبا منهزما كبَّر خمس تكبيرات صلاة المسايفة حيث كان وجهه إن لم يكن باغيا.
فإن كان من البغاة فقد قيل: إن عليه الصلاة تامة.
وذلك لأن رخص الله لا يستعان بها على معاصيه.
وهذا في ما إذا لم يمكنه إلا التكبير.
واختلفوا في الطالب:
والمذهب عندنا أنه لم يخش كرة العدو صلى صلاة نفسه فيتم إن كان مقيما، ويقصر إن كان مسافرا.
وإن خاف الكرة في حينه بأحوال ظهرت له فهذا خائف ويصلي صلاة الخائف كيف ما أمكنه.
وإن كانوا جماعة على هذا الحال والعدو ينهزم ويرجع فقد سوّغ لهم أبو سعيد صلاة الموافقة، وهو وجه ظاهر.
وقال مالك: يصلي راكبا حيث توجّه إذا خاف فوت العدو إن نزل.
وهو مذهب الأوزاعي، وكان لشيخنا الصالح-رحمه الله تعالى- ميل إليه.
ويحتج لذلك بقصة عبد الله بن أنيس قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد ابن سفيان الهذلي وقال: اذهب فاقتله. فذهبت فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت: إن أخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخَّر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي وأومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟
قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل مجيئتك لذلك.
فقال: إني لفي ذلك فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد.
والجواب: أنه فعل صحابي لم ينقل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء.
واحتج بعضهم لذلك بحديث صلاة العصر في بني قريظة حيث أنه صلى الله عليه وسلم لم يعنف الذين أخّروها عن وقتها وهم طالبون لا مطلوبون.
والجواب: ليس في القصة دليل لأنهم لم يؤخّروها لأجل الطلب، وإنما أخَّروها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، وإنما لم يعنفهم لأخذهم بالظاهر من الأمر.
وبالجملة فالمسألة موضع رأي.
وإن خاف فوت العدو دخل تحت حكم المناهضة للحصون لأن المعنى واحد إذ كل منهما يخشى فوت مطلوبه فيثبت لهذا ما ثبت للآخر والله أعلم.













المســـألة الرابعة
( في صلاة المريض بالتكبير)
قد تقدم شرح أحوالها في الجزء الرابع عند الكلام على الأعذار المسقطة للقيام.
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«يصلي المريض قائما، فإن لم يستطع فليصل قاعدا، فإن لم يستطع فنائما، فإن لم يستطع فمستلقيا، فإن لم يستطع فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها».
وقد رأى علماؤنا أن يكبَّر إن لم يقدر على الإيماء لأن الصلاة ذكر، والتكبير ذكر، وأنه قد وجدت صلاة بالتكبير وهي الصلاة على الميت حتى قال بعضهم: إن تركه متعمدا لزمته الكفارة.
فإن كان جاهلا فالبدل وليس عليه كفارة.
وقد اختلفوا في قدر ما يجزئ من ذلك:
وأكثر قولهم أنه يكبّر لكل صلاة خمس تكبيرات، وله أن يجمع الصلاتين بالتكبير.
وقيل: لا يجمع.
وفي الأثر قال: أخبرنا زياد بن الوضاح أن والده الوضاح كان يلقّن والده عقبة التكبير وهو مريض يومئذ.
قال: وكان يلقنه لصلاة المغرب والعشاء الأخرة والوتر خمس عشرة تكبيرة في ساعة واحدة لأنه يجمع.
قال زياد: إن أبا بكر الموصلي كان أمره بذلك.
قال: وقال بغير توجيه ولا تسليم.
قال هاشم بن غيلان: يوجه لذلك بسبحان الله وبحمد لقول الله تعالى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ 14.
وقال أبو زياد: أحبّ إلىّ أن يقول(سبحانك اللهم وبحمدك).
وقال سليمان: يكبر المريض خمسا غير تكبيرة الإحرام.
وكذلك في الحرب فهي عنده ست تكبيرات.
وقيل: يكبر أربعا كصلاة الجنازة.
وقيل: سبعا.
وقيل: تكبير الصلاة كله فلصلاة الهاجرة إحدى وعشرون تكبيرة، والعصر مثلها، والعتمة،والمغرب ست عشرة تكبيرة، والوتر مثلها، والفجر إحدى عشرة تكبيرة.
ومال إليه أبو سعيد-رحمه الله تعالى.
ولا يكبر لشيء من السنن.
وقيل: يكبر لركعتي الفجر.
قال أبو المؤثر: لا يكبر لها.
ثم يسلم بعد هذا كله.
وقيل: لا تسليم عليه في صلاة التكبير.وإن لم يقدر على التكبير فلا صلاة عليه.
ولا يكبر له أحد من الناس.
وقيل: عن من تبع من يكبر له كبر له وهو يتبع.
وإن لم يقدر ولم يفهم فلا تكبير عليه.
والأجنبي والولي سواء في هذا التلقين.
ويجوز أن يلقنه جنب أو حائض وإن وجد غيرهما.
ولا يكبر المريض إلا بوضوء وطهارة أو تيمم إن كان له عذر.
واختلفوا: هل يقطع تكبيره وينقضه ما ينقض الصلاة؟
فقيل: نعم، لأن التكبير بدل من الصلاة.
وقال آخرون: لا يقطعه ممر شيء لأن كل صلاة ليس فيها سجود أو قعود فلا يقطعها شيء، وذلك كصلاة الميت.
وقد أجازوا للمبطون الذي لا يستمسك أن يتيمم ويكبر خمسا، وهو قول هاشم.
وإن كان يستمسك حتى تتم الصلاة صلى كما أمكنه.
قيل لهاشم: يكون المريض على المحمل فيثقل عليه النزول، وتحصل له به مشقة؟
قال: يومئ على المحمل فإن دين الله يسير.
قيل له: فإن كان على فراش يشق عليه أن يستقبل القبلة؟
قال: إذا لم يقدر فحيث كان وجهه فثَمَّ وجه الله.
وإن كان على فراش نجس فإن أمكنه التحول عنه تحول، وإن لم يمكنه وقدر على أن يفرش عليه ثوبا لزمه ذلك.
وقال أبو صفرة عن محبوب: لا يصلي عليه إن كان ليس بطاهر.
قال أبو عبد الله: كنت أرى أنه لا بأس أن يصلي عليه لشيء بلغني عن بشير حتى بلغني عن والدي هذا القول.
قال موسى بن علي: إن صلى عليه اضطرار فلا نرى عليه نقضا.
والحجة على الجواز: قوله تعالى لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا 15، وقوله لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا 16.
وقوله صلى الله عليه وسلم«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
وأما المنع فلا أعرف وجهه.
وإنما تردد أبو عبد الله في قوله لما بلغه المنع عن والده مخافة أن يكون ذلك لشيء يحفظه عن الربيع، والربيع عن أبي عبيدة، وأبو عبيدة عن جابر عن الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا السند كان طريق العلم عندهم-رحمهم الله.
والجواب: لا يلزم الرجوع عن محض رأي المجتهد لأجل شيء يخشى نقله وهو لم يصح أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وقائله لا يرفعه مع أنه من مسائل الاجتهاد.
ثم إن ظواهر الكتاب والسنة تدل على خلافه فلا وجه للتردد والله أعلم.


















(الباب الثامن من كتاب الصلاة)
وهو الثاني في كتب المدارج
(في صلاة العيدين)
عيد الفطر وعيد الأضحى هما من أعظم شعار الإسلام بين الخاص والعام.
وإنما سمي العيد عيدا لأنه يعود كل سنة.
وهو مشتق من العود، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وقيل: كل اجتماع للسرور فهو عند العرب عيد لعود السرور بعوده.
وقيل: لأن الله تعالى يعود على العباد بالمغفرة والرحمة ولذا قيل:(قيل العيد لمن لبس الجديد إنما لمن أمن الوعيد).
وجمعه أعياد وإن كان أصله الواو لا الياء للزومها في الواحد، أو للفرق بينه وبين أعواد الخشب.
وأول عيد صلاه النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فرض رمضان في شعبانها، ثم داوم عليه صلى الله عليه وسلم إلى أن توفاه الله تعالى.
وقال أنس: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟
قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر».
قال بعض شراح الحديث: إن اليومين اللذين كانوا يلعبون فيهما يوم النيروز ويوم المهرجان.
والنيروز أو يوم السنة معرب (نوروز) وهو يوم تتحول الشمس فيه إلى برج الحمل، وهو أول السنة الشمسية كما أن غرة شهر المحرم أول السنة القمرية.
وأما مهرجان فالظاهر أنه يوم الميزان لأنه مقابل للنيروز.
وهما يومان معتدلان في الهواء لا حر ولا برد، ويستوي فيهما الليل والنهار فكأن الحكماء المتقدمين المتعلقين بالهيئة اختاروهما للعيد في أيامهم، وقلدهم أهل زمانهم لاعتقادهم كمال عقول حكمائهم فجاء الأنبياء، وأبطلوا ما بنوا عليه الحكماء.
ونهى صلى الله عليه وسلم عن اللعب والسرور فيهما، وأمر بالعبادة في العيدين لأن السرور الحقيقي فيها، قال الله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ 17.
وفي الحديث دليل على أن تعظيم النيروز والمهرجان وغيرهما من أعياد الكفار منهيّ عنه حتى قال بعض كبراء الحنفية: من أهدى في النيروز بيضة إلى مشرك تعظيما لليوم فقد كفر بالله تعالى وأحبط أعماله.
وقال بعضهم: من اشترى فيه شيئا لم يكن يشتريه في غيره، أو أهدى فيه هدية إلى غيره فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر.
وإن أراد بالشراء التنعيم والتنزه، وبالإهداء التحاب جريا على العادة لم يكفر لكنه ارتكب مكروها كراهة التشبه بالكفرة حينئذ فيحترز عنه.
ووجه القولين: أنه عظّم خصلة من خصال الشرك، ومن فعل ذلك فقد اعتقد عظمة الشرك، ومن اعتقد ذلك فهو مشرك إجماعا.
وأما إن لم يعظم ولكن فعله على جهة العادة فقد تشبه بالكفرة، وهو من الكفر في خطر عظيم.
وشاركت الرافضة المجوسية في تعظيم النيروز متعللين بأنه في مثل هذا اليوم قتل عثمان وتقررت الخلافة لعلي.
قال ابن حجر: وقد وقع في هذه الورطة أهل مصر فإن لمن بها من اليهود والنصارى تعظيما خارجا عن الحد في أعيادهم، وكثير من أهلها يوافقونهم على صور تلك التعظيمات كالتوسع في المآكل والزينة على طبق ما يفعله الكفار.
قال: ومن ثَمَّ أعلن النكير عليهم في ذلك ابن الحاج المالكي في مدخله وبين تلك الصور، وكيفية موافقة المسلمين لهم فيها.
بل قال: إن بعض علمائها قد تحكم عليه زوجته في أن يفعل لها نظير ما يفعله الكفار في أعيادهم فيطيعها ويفعل ذلك.
(الكلام في بيان حكم صلاة العيدين)
ثم إنه أخذ في بيان حكم صلاة العيدين فقال:
الأربعون بلغا ذكرانا*ش* ليسوا عبيدا وطنوا مكانا
تلزمهم أي سنة العيدين*ش* ورفعها بواحد واثنين
يعني أنه تلزم سنة العيدين أهل الأمصار والقرى وذلك أن تكون القرية فيها أربعون رجلا فصاعدا أحرار بالغين عاقلين موحدين مقيمين؛ فهؤلاء الذين تلزمهم صلاة العيدين عند أبي إسحاق وتبعته في النظم.
ثم ذكر أنه قال ذلك قياسا من غير أن يأخذه من آثارهم.
ولعله إنما قاسه على صلاة الجمعة عند كمال الشروط.
فإن بعضا قال: إنها لا تجب على من دون الأربعين.
وهو قياس ظاهر لأن الجمعة أشد وجوبا لأنها فرض إجماعا، وإذا ثبت فيها اشتراط الأربعين فاعتبارهم في العيدين أولى، وهذا في الوجوب.
وأما الجواز فيجوز أن يصلوها من الثلاثة فصاعدا وهو معنى قولي (ورفعها بواحد واثنين) هم ثلاثة أحدهم الإمام والاثنان وراءه.
ومعنى (رفعها) إسقاطها عن أهل الموضع؛ فإنه إن صلاها ثلاثة فصاعدا سقطت عنهم.
وفيه إشكال من جهتين:
إحداهما: أنه قد ثبت أن المصر شرط للجمعة والعيدين كما في بعض الأحاديث( أنه لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع).
وقد اشترط الأصحاب للجمعة المصر فما بالهم لم يشترطوه في العيدين والدليل واحد؟
والجواب: أن صلاة العيدين ليس فيها إسقاط شيء من الواجبات، وإنما هي إثبات عبادة أجمعوا على أنها طاعة فكان الحزم والاحتياط إثباتها.
وأما الجمعة فإنها بدل من الظهر إجماعا وهي ركعتان والظهر أربع فإذا أديت لزم منها إسقاط ركعتي الظهر فكان الحزم والاحتياط إثباتها عند كمال الشروط المعلومة من الشارع، والرجوع إلى الأربع عند اختلال شيء منها.
والإشكال الثاني: إذا كان الأربعون شرطا للوجوب؛ فكيف يسقط الواجب بمن دونهم على أنهم في حكم المتنفل؟
والجواب: أن الوجوب قد تعلق بالكل، فإنه حين حصل الشرط لزمهم الفعل، سواء خرجوا كلهم أو بعضهم؛ فالمؤدي إنما أدى ما كان واجبا على الجميع كما هو شأن فرض الكفاية والله أعلم.
وفي المقام مسائل:












المســـألة الأولى
( في حكم صلاة العيدين)
(على التفصيل)
قد اختلف أصحابنا وغيرهم في ذلك:
فذهب جماعة منا والشافعي وجماهير العلماء من قومنا إلى أنها سنة مؤكدة.
وحكى أبو محمد الإجماع على أنها ليست بفرض.
وهو غير مسلم به؛ فإن الخلاف موجود.
وذهب البعض منا وأبو حنيفة إلى أنها سنة واجبة لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها من غير ترك، وقد ترك الخروج إلى التراويح مخافة أن تفرض فالمواظبة دليل الوجوب.
قال أبو عبد الله: من تخلف عن الخروج يوم الفطر ويوم النحر لم أقدم على ترك ولايته.
وقال غيره: لو تركوها كلهم لم تترك ولايتهم على حال.
وقيل: تترك ولايتهم لأن التخلف عنها لا يجوز إلا من عذر.
والقول الأول مبني على أنها سنة مؤكدة.
وقال آخرون منا وأحمد وأبو سعيد الاصطخري من الشافعية: إنها فرض على الكفاية إذا قام بها قائم سقط عن غيره كالجهاد والصلاة على الجنائز. وهو قول أبي إسحاق- رضي الله عنه.
قال أبو محمد: ولولا الإجماع لكان التأكيد لها يوجب فرضها.
وقال أبو قحطان: أجمع فقهاء المسلمين أن صلاة العيدين سنة في الأمصار والقرى والجماعة ولا ينبغي أن تترك.
ولو اجتمع قوم من أهل الأمصار على تركها لكانوا قد تركوا أمرا واجبا يأثمون فيه.
ولو تركه واحد أو جماعة بعد أن يقوم به غيرهم رجونا أن لا يكونوا مأثومين.
وهو من الواجب الذي يكفي فيه بعض عن بعض.
فهذا من كلامه يدل على أنها عنده سنة واجبة على الكفاية، وهو الذي يقتضيه كلامي في النظم فإني وصفتها أولا باللزوم، وثانيا بالسنة، ثم صرحت بأنها تسقط بفعل البعض فهو قول رابع.
غير أن أبا قحطان لم يشرط وجوبها بالأربعين وقد شرطت ذلك اقتداء بالأصل؛ فأكون قد وافقته في الحكم وخالفته في الشرط.
ويحتمل الموافقة في الكل وذلك أن تجعل الوجوب والفرض مترادفين فيكون قد عنى بالفرض ما عنيته باللزوم، وقد تقدم أنه مصطلح جمهور أصحابنا.
وقال أبو الحسن: إنها سنة من فضائل السنن.
ومراده أنها من أعظم السنن لنقله المواظبة والتحريض عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد أنها من الفضائل التي هي دون المؤكدات خلافا لمن توهم ذلك.
وقيل: ليس على من بمنى من الحجاج صلاة العيد، وتلزم من لم يحج من أهل مكة.
احتج القائلون بوجوبها على الأعيان بما تقدم من أنه صلى الله عليه وسلم واظب عليها من غير ترك.
واحتج القائلون بأنها سنة مؤكدة بحديث الأعرابي فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين علمه الصلوات الخمس: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع.
وحديث(خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة).
وأيضا فإن من علامة الفريضة الأذان والإقامة والسنن لا أذان لها ولا إقامة كالكسوف والخسوف والزلزلة.
وقد اتفقوا أنه لم يكن لصلاة العيدين في زمانه صلى الله عليه وسلم أذان ولا إقامة.
احتج القائلون بأنها فرض على الكفاية بقوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ 18 فإنها عندهم في صلاة عيد النحر.
وبقوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى 19 فإنها عندهم في صلاة عيد الفطر.
قالوا: فالآيتان دليل على أنها فرض، وحديث الأعرابي يدل على أنها لا تجب على كل أحد فتعيّن أن تكون فرضا على الكفاية.
وأجيب: بأنا لا نسلم أن المراد بقوله فَصَلِّ 20 أو بقوله فَصَلَّى 21 صلاة العيد.
ولو سلمنا ذلك لكن ظاهره يقتضي وجوب النحر، وأنتم لا تقولون به.
ولو سلمنا أن المراد من النحر ما هو أعم لكن وجوبه خاص به فيختص وجوب صلاة العيد به.
ولو سلمنا الكل وهو أن الأمر الأول غير خاص به والأمر الثاني خاص لكن لا نسلم أن الأمر للوجوب فنحمله على الندب جمعا بينه وبين الأحاديث الأخرى.
ولو سلمنا جميع ذلك لكن صيغة(صلّ) خاصة به فإن حملت عليه وأمتَّه وجب إدخال الجميع، فلما دل الدليل على إخراج بعضهم كان ذلك قدحا في القياس والله أعلم.













المسألة الثانية
(في حضور الصبيان والنساء والعبيد)
وقد علم من قولي(بلغا ذكرانا....الخ) لأن صلاة العيد لا تلزم الصبيان ولا النساء ولا العبيد ولا المسافرين.
ويستحب لهم جميعا الحضور فإنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يخرجوا إلى الجبَّان ويخرجوا النساء والعبيد والصبيان.
فأما الصبيان فليعرفوا شرائع الإسلام، وليعظموا شعائر الله، وليقتدوا بأهل الخير، ولتشملهم بركة اليوم.
أما النساء فلشهودهن الخير، وحضورهن دعوة المسلمين، ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته.
قالت أم عطية: أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور.
وفي رواية عن أم عطية قال: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيد وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، وتعتزل الحيض عن مصلاهن.
قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها.
وقد اختلف أصحابنا في وجوب الخروج عليهن:
وأكثر الأقوال أنه غير واجب بل مستحب.
وقيل: بوجوبه لظاهر الأمر.
ثم اختلف القائلون بالاستحباب في خروجهن اليوم.
فرخص فيه بعضهم.
وكرهه آخرون لخبر عائشة: لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثت النساء بعده لمنعهن المساجد.
وقال أبو حنيفة: ملازمات البيوت لا يخرجن.
وردّه ابن حجر: بأن ذلك قد ثبت في السنة، ومجرد احتمال النسخ لا يجدي إذ لابد في النسخ الذي زعمه من تحقق معرفة الناسخ، ومعرفة تأخره عن المنسوخ.
وأجيب: بأن ذلك كان أول الإسلام والمسلمون قليل فأريد التكثير بهن إرهابا للعدو.
ومراده أن المسبب بزوال السبب ولذا أخرجت المؤلفة قلوبهم من مصرف الزكاة.
قال إبراهيم النخعي ويحيى الأنصاري: لا نعرف خروج الشابة.
وقال أصحاب الرأي: ويرخص للعجوز الكبيرة.
وقيّده بعض المتأخرين: بأن تكون غير مشتهاة في ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة بأن لا يختلطن بالرجال، ويكن خاليات من الحلي والحلل، والبخور والشموم، والتبختر والتكشف ونحوها مما أحدثن في هذا الزمان من المفاسد.
وقال أبو سعيد: لا أعلم أحدا من أصحابنا كرّه ذلك لهن، سواء كانت بكرا أو ثيبا.
قلت: لكن ما ذكروه من التعليل قاضٍ بالكراهية، وقد تقدم قول عائشة في منعهن من المساجد باختلاف الأحوال.
وقد كره خروجهن بعض المتأخرين أيضا لخوف المفاسد المتولدة من خروجهن على أن الشرع إنما أمرهن بالخروج لما تقدم من المصالح، وإذا كان خروجهن على خلاف ذلك اقتضى الكراهية بل المنع، والأحوال تختلف ولك نازلة حكم.
وإذا سلمت حالتهن من المفاسد كان الخروج مأمورا به لا محالة حتى قال بعضهم: وإن كرهن الخروج ضربن.
وهو مبنيّ على القول بالوجوب.
وتؤمر أن تستأذن زوجها وأباها في الخروج. وليس عليها أن تستأذن غيرهما ولو كان عما أو أخا أو أما.
وليس للأب أو الزوج حبسها إن أمن المفسدة، فإن لم يأذنا فلا تخالفهما.
وإن ذهبت بغير رأيهما قيل: لم تأثم لأن الله قد أذن لها حيث أمرها بالخروج، ولا يلزمها طاعتهما في ترك أوامر الله.
وإن لم تخرج حياء حتى تموت وهي لا تدين بمنع الخروج فلا تترك ولايتها لأنه غير لازم عليها.
وإن كان في قول واجبا فهو رأي ولا يخطىء مخالفه.
وإن اجتمعن نساء في يوم العيد وأردن الصلاة فإنها تصلي كل واحدة لنفسها ولا يقدمن إحداهن كما يفعل الرجال.
كذا قال أبو يحيى وغيره.
والحائض تخرج في جملة الخارجات لما في حديث أم عطية قالت: وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى، ويشهدن دعوة المسلمين.
وقيل: إن كان الدم مستمسكا عن الحائض والنفساء استحب لها الخروج لصلاة العيدين، ويكونان خلف الناس حيث يشهدان الخير، ويسمعان الدعاء والذكر، ولا يتقدمان أحدا من أهل الصلاة حيث يفسدان عليه صلاته.
وأما المسافر فحضور العيدين أوكد عليه من حضور الجمعة.
وقد قيل: تلزمهم فلو كانوا ثلاثة كلهم مسافرون فعليهم صلاة العيد على قول.
وقيل: إذا كانوا عشرين رجلا.
وقيل: عشرة.
وذلك إذا كان فيهم من يحسن الصلاة والخطبة.
وقيل: لا تلزم المسافرين؛ فمن لم يحضرها مهم فلا شيء عليه.
وهو أصح عندي لأنه لا يكون في اللزوم أشد من الجمعة.
وأما العبد فإنه يستأذن مولاه إن أراد أن يذهب إلى العيدين.
فإن لم يأذن له وذهب فقيل: لا إثم عليه لأن الخروج مطلوب من الجميع.
قلت: بل هو آثم لأن طاعة مولاه ألزم من فعل النافلة، وليس له أن يتنفل إن منعه.
وعبد اليتيم يستأذن وصي اليتيم فإن لم يكن لليتيم ضيعة يشتغل بها فلا بأس على الوصي أن يأذن له.
وإن كان لليتيم ضيعة فلا ينبغي للوصي أن يأذن له.
ولا بأس على السيد بتخليف العبد على منزله يحرسه لأن ذلك عذر.
فلو تخلف بنفسه لحفظ منزله إذا خاف عليه لما كان في ذلك بأس؛ فكيف بعبده والله أعلم.


















المسألة الثالثة
(في المكان الذي يؤتى منه العيد)
وقد اختلفوا في المكان الذي يؤتى منه العيد:
ولم يعلم أبو سعيد في قول أصحابنا حدا.
وقيّد أبو الحواري عن أبي يحيى ابن أبي ميسرة على أهل القرى الصغار الذين يجب عليهم الإتيان لصلاة الجمعة إلى أقرب مكان منهم أن عليهم الإتيان فيها إلى العيد.
قال الناقل: ورأيت أبا الحواري أعجبه ذلك فقلت له: يا أبا الحواري، في مثل هذا ما يكون؟
قال: مثل فرق وكرشى من نزوى.
قال: ولا تجب عليهم صلاة العيد إلا أن يكون بنزوى منبر، وتجب فيها صلاة الجمعة؛ فهنالك يجب عليهم أن يأتوا إليها، ويصلوا صلاة العيد.
وقد قال بمثل ذلك أبو زياد ومالك بن أنس والليث بن سعيد.
قال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ.
وقال الأوزاعي: من آواه الليل إلى أهله فعليه العيد.
وقد تقدم مثل هذا في الجمعة وكأنهما في الإتيان على حد سواء غير أن لزوم الجمعة أقوى.
والمعنى الذي اشتركا فيه تكثير الجماعات وحصول الاجتماع، وكون كل منهما عيدا في الإسلام، وأنهما لمن الشعائر العظام.
وقال أبو سعيد: لا أعلم من قولها أنه تجب على أهل البلد إذا عدموا الصلاة أن يخرجوا إلى بلد آخر لصلاة العيد.
وإذا قدروا عليها صلوها في مواضعهم.
وأنت خبير بما قيل من وجوب الإتيان فما ذكره أبو سعيد هاهنا إخبار بما عنده من العلم-جزاه الله خيرا.
ولا شك أن الإتيان أولى وإن أمكنهم فعلها في بلدانهم لأن المدينة كانت قرى متعددة، ولم ينقل أنهم جعلوا في كل قرية عيدا.
وأما الموضع الذي تجب فيه فقيل: لا تجب إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة كالجمعة لما تقدم موقوفا على علىّ ومرفوعا( لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع).
والمراد بالتشريق صلاة العيد لأنها تؤدى بعد إشراق الشمس.
وأكثر القول عند أصحابنا أنها تجب على أهل البلدان ولو لم تكن من الأمصار.
ورخص بعضهم لأهل المسافي والبلدان الصغار التي تكون حول القرى الجامعة وقالوا: لا عيد عليهم إذا قام بها أهل القرى.
وقد تقدم عن أبي إسحاق وجوبها على بلدة فيها أربعون رجلا أحرارا غير مسافرين، وهي في هذا كله كالجمعة.
لكن أكثر قولهم هاهنا وجوبها على أهل القرى حتى قيل: تصلى في البوادي والسفر لأنها عبادة لا تسقط بها عبادة بخلاف الجمعة فإنها عبادة تسقط عبادة لأنها بدل من الظهر والله أعلم.










المسألة الرابعة
(في الجماعة الذين تنعقد بهم صلاة العيد)
ولا شك أن صلاة العيد تنعقد بالجمع الكثير.
واختلفوا في أقل من ذلك:
فقيل: إذا اجتمعوا ثلاثة: الإمام واثنان معه صلوها جماعة.
وقيل: إذا كانوا رجلين صلوها لأنهم جماعة.
وقيل: حتى يكونوا أربعة.
وقيل: حتى يكونوا خمسة.
وقيل: حتى يكونوا سبعة، وقيل: عشرة.
وقد تقدم قول في المسافرين أنها تلزمهم إذا كانوا عشرين.
ولعل الخلاف المتقدم في الجمعة يخرج كله هاهنا لأن المعنى واحد غير أنهم لم يذكروا الأقوال المكثرة لكون العيد عندهم آكد.
ولا أعرف لشيء من هذه الأقوال أصلا يعتمد عليه.
والحق أنها تقام بمن يصدق عليه اسم جماعة حقيقة أو حكما فيدخل الرجلان والثلاثة.
وقيل: لا بأس أن يصلي رجل وامرأة.
وقد أجاز بعضهم للنساء إذا لم يكن معهن رجل أن يصلينها جماعة، وتكون إمامتهن وسطهن قياسا على ما قيل به في صلاتهن الجنازة إذا لم تحضر الرجال.
وقد تقدم عن أبي يحيى المنع وهو ظاهر والله أعلم.



(الكلام في بيان صفة صلاة العيد ووقتها)
ثم أخذ في بيان صفة صلاة العيد ووقتها فقال:
هي ركعتان فيهما التكبير*ش* على وجوه جاء فالكثير
ثلاث عشر والأقل سبع*ش* وأوسط الوجوه فهو تسع
كذاك إحدى عشر تكبّر*ش* من بعد احرام بخمس تجهر
والخمس في الأخرى إذا قرأتا*ش* ثم الثلاث بعد أن ركعتا
وجائز سبع وست وإذا*ش* أردت احدى عشر فاصنع كذا
فالست في الأولى إذا أحرمتا*ش* والخمس في الأخرى إذا تلوتا
وإن تشأ تسعا فخمس بعدما*ش* أحرمت والأربع في أخراهما
من بعد أن تتلو والسبع فقل*ش* بأربع وبالثلاث كالأول
وخطبة من بعدها ووقتها*ش* إن طلعت والاستواء فوتها
هذا وإن خفى الهلال فمتى*ش* ما صح صلوا هكذا قد ثبتا
وقيل بل يؤخروها للغد*ش* وليخرجوا في وقتها المحدد
يعني أن صلاة العيد ركعتان باتفاق، والتكبير فيها مسنون باتفاق، كذلك الخطبة بعدها.
وقد جاء التكبير فيها على وجوه أربعة ذكرها ابن عباس وقال: كلها سنة.
وأكثر الوجوه ثلاث عشرة تكبيرة وأقلها سبع، والمتوسط تسع وإحدى عشر.
قال أبو محمد: ورفع أبو عبد الله محمد بن سليمان بن المهنا وجها خامسا عن أبي مالك وهو سبع عشرة تكبيرة: تسع بعد الإحرام، وسبع بعد القراءة الثانية، وثلاث بعد قول(سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد).
وكان أبو موسى الأشعري يكبر بالبصرة أربعا حتى كان أميرا عليهم، ورفع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يثبت هذا الوجه عند أصحابنا.
فمن أراد ثلاث عشرة تكبيرة بعد تكبيرة الإحرام خمسا ثم قرأ الفاتحة وسورة ثم ركع وسجد ثم قرأ في الركعة الثانية الفاتحة وسورة ثم كبر بعد القراءة خمس تكبيرات ثم ركع بتكبيرة فإذا رفع رأسه من الركوع كبر ثلاثا ثم خرّ ساجدا بتكبيرة وقضى صلاته.
قال أبو إسحاق: وإن كبر في الأولى قبل القراءة سبعا، وفي الأخرى بعد القراءة ستا أجزأه.
قال ابن المسبح: وإن شاء كبر بعد تكبيرة الإحرام ستا، وكبر في الركعة الثانية بعد قراءته سبعا ولم يكبر إذا رفع رأسه من الركوع شيئا.
وقيل: إن كبر في الركعة الأولى قبل القراءة ثمانا، وفي الركعة الأخرى بعد القراءة خمسا جاز ذلك.
وإن أراد إحدى عشرة تكبيرة فإنه يكبر بعد تكبيرة الإحرام ستا فإذا فرغ من القراءة في الركعة الثانية كبر خمسا.
وإن أراد أن يكبر تسعا كبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا، وكبر في الثانية أربعا.
كذا قال أبو إسحاق، وتبعته في النظم، وهو المروي عن ابن مسعود، وبه قال أهل الكوفة وسفيان الثوري.
والمشهور أن يكبر في الأولى أربعا، وفي الثانية بعد القراءة خمسا، وإن شئت ستا في الأولى وثلاثا في الآخرة.
قال بعضهم: وهذا هو القول المجتمع عليه.
ولعله أراد اجتماع أهل زمانه على العمل به.
وإن أراد أن يكبر سبعا كبر في الأولى أربعا، وفي الثانية ثلاثا.
والتكبير في الركعة الأولى كله إنما يكون بعد الإحرام، وفي الركعة الثانية بعد القراءة.
وهو معنى قولي(كالأول) أي كالترتيب المتقدم في الوجوه.
وليس في هذه الصلاة تكبير بعد الركوع إلا من كبر ثلاث عشرة تكبيرة فإنه يكبر ثلاثا بعد القيام من الركوع الثاني.
وإلا على قول أبي مالك فإنه يكبر ثلاثا بعد الركوع أيضا على حد ما تقدم.
قيل: ولا يكون التكبير على وجه في الركعة الثانية إلا وترا.
وهذا على غير قول أبي إسحاق الذي مشيت عليه في النظم فإنه على قوله يكون زوجا في التكبير الإحدى عشر والتسع.
والمعتمد في هذه الوجوه القصد عند تكبيرة الإحرام، فإذا أحرم على وجه من الوجوه لزمه إتمامه.
فإن زاد عليه أو نقص فقيل: عليه النقض.
وقيل: لا نقض عليه.
وهو رأي أبي علي وأبي عبد الله- رحمهما الله.
وقيل: بالنقض على من نقّص، ولا نقض على من زاد.
وقيل: بالنقض إن تعمد، ولا نقض عليه إن نسى.
واختاره أبو الحسن لأن التكبير سنة، ومن نسى من السنة شيئا فلا نقض عليه.
وقيل: إن زاد ثلاث تكبيرات أو نقص ثلاثا انتقضت ولو كان جاهلا أو ناسيا.
ولا تنتقض بتكبيرة تزيد أو تنقص إلا إذا تعمد؛ فإن تعمد انتقضت لأنه خالف السنة عمدا.
قال أبو سعيد: ويعجبني أن يسجد سجدتي السهو على كل حال.
وقيل: له أن يرجع بعد الإحرام من بعض الوجوه إلى بعض؛ فإن أحرم على ثلاث عشرة جاز له أن يكبر إحدى عشر وكذا العكس، وكذا سائر الوجوه على حد ما قيل في ركعات الوتر.
وعلى كل حال التكبير في صلاة العيد حدّ لابد منه كسائر الحدود فلو تركه صار في حكم من ترك حدا من الصلاة، أو ترك بعضه صار في حكم من ترك بعض الحد.
وأما وقتها فهو ما بين طلوع الشمس إلى استوائها في كبد السماء فإذا استوت الشمس في كبد السماء فات وقتها، هذا في الحر الشديد.
وأما في الشتاء فإنها تفوت بالزوال، فإذا زالت الشمس فقد فات وقتها.
ولا يجوز تقديمها على الطلوع ولا تأخيرها بعد الزوال.
والأفضل فعلها في الربع الأول من النهار.
ويستحب تأخيرها يوم الفطر لإنقاذ فطرة الأبدان، وتقديمها يوم النحر ليرجع الناس إلى نسكهم من الضحايا.
وقال مجاهد: كل عيد أول النهار.
قال أبو المؤثر: الأفضل في صلاة الفطر والأضحى حين ترتفع الشمس من المشرق.
وإن لم يصح خبر الهلال إلا بعد الزوال فقيل: يؤخرونها إلى غد ويصلونها في مثل وقتها.
وقيل: يصلونها متى صح الخبر ولو بالعشى.
وقيل: يصلونها ما لم تغب الشمس.
قال ابن المسبح: التعجيل أحب إلى ما لم يصلوا العصر.
ووجهه: أن الصلاة بعد العصر منهي عنها والله أعلم.
وقيل: ليس عليهم صلاة لأن وقتها قد فات؛ فكان أنه لا جمعة بعد وقت الظهر كذلك لا صلاة عيد بعد الزوال.
والمختار أن يؤخروها إلى غد فيصلوها في مثل وقتها بالأمس لحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بذلك.
قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: غُمَّ هلال شوال على الناس مرة فأصبحوا صائمين فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد. والله أعلم.





(تنبيــهات)
التنبيــــه الأول
( في الأذان والإقامة لصلاة العيدين)
لا أذان ولا إقامة لشيء من صلاة العيدين لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصليها بلا أذان ولا إقامة.
وعن عطاء ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى.
قال عطاء: أخبرني جابر بن عبد الله أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة ولا نداء ولا شيء.
قال ابن المسيب: أول من أذن لصلاة العيد معاوية.
وقال ابن المنذر: قال حصين: أول من أذن في الأعياد زياد.
وقيل: مروان، وقيل: هشام، وقيل: عبد الله بن الزبير.
وقيل: أحدثه معاوية وأخذ به الحجاج حين أمّر على المدينة.
وقال ابن المنذر: وروينا عن ابن الزبير أنه أذن وأقام.
وروى عطاء: أن ابن عباس قال لابن الزبير: لا تؤذن لها ولا تقم.
قال أبو سعيد: وإذا أذّن تذكرة للناس لا قاصدا خلافا ولا بدعة كان ذلك حسنا لأنه حث على السنة وذكر الله.
قال: وقد قال أصحابنا بالأذان لصلاة كسوف الشمس والقمر.
قال: وليس صلاة الكسوف بأجمع من صلاة العيدين ولا أوجب.
والجواب: أن الشارع قد حدّد للعبادات حدودا وبيّن مواضعها، وتبديل السنن لا يصح وإن كان ذكر الله تعالى لأن ذكر الله إنما يكون مقبولا حيث كان مأمورا به، ومن المعلوم أنه لم يؤمر به في هذا الموضع.
على أنه صلى الله عليه وسلم يقول«ليس في العيدين أذان ولا إقامة» ولو كان فيه فضل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن المنذر: وكان الشافعي يقول في الأعياد(الصلاة جامعة).
قال في الضياء: وكل صلاة لا يؤذن لها ولا يقام ينادى لها ( الصلاة جامعة) كسوفا أو استسقاء أو غيرها.
قال: هكذا كان ينادى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكره المالكية ذلك واستدلوا بحديث عطاء: ولا إقامة ولا نداء ولا شيء.
وروى الشافعي عن الثقة عن الزهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن في العيدين فيقول (الصلاة جامعة).
قالوا: وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوته فيها.
فلو أذنوا أو أقاموا أو فعلوا الكل جهلا أو نسيانا ثم صلوا على ذلك فلا نقض عليهم والله أعلم.










التنبيـــــه الثاني
(في التوجيه لصلاة العيد ومحله)
ويستحب التوجيه لصلاة العيد ويؤمر به.
ومحله قبل تكبيرة الإحرام كما في غيرها من الصلوات.
وقيل: بعدها كما مر، وإن حكى أبو سعيد الاتفاق على أنه قبل الإحرام.
قال: وأما الاستعاذة فيختلف فيها.
ولما كان مذهب قومنا جعل التوجيه بعد الإحرام اختلفوا فيه هاهنا:
فقال الأوزاعي: يقول إذا فرغ من السبع التكبيرات.
قال الشافعي: يقوله بين الإحرام والتكبير والله أعلم.











التنبيــــه الثالث(في القراءة في صلاة العيدين)
وذلك أن الإمام يقرأ فيها مع الفاتحة سورة.
قال ابن المنذر: وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى 22و هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ 23.
وقال بهذا الحديث عمر بن الخطاب.
زاد غيره: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة العيد تارة بقاف و اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ 24 وتارة بغير ذلك.
قال ابن المنذر: وكان الشافعي يرى أن يقرأ في الفطر والأضحى بقاف و(اقتربت).
وكان ابن سيرين يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى.
وعن ابن مسعود كان يقرأ بأم القرآن وسورة من المفصل.
قال أبو سعيد: أكثر ما يقرأ أصحابنا في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الآخرة وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا 25 أو وَالضُّحَى 26 وكل ذلك جائز والله أعلم.






التنبيـــــه الرابع
(في جهر الإمام بالقراءة في صلاة العيد)
يجهر الإمام بالقراءة في العيدين كجهره في صلاة الصبح وغيرها اتفاقا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك.
وقال علي ابن أبي طالب: إذا قرأت في العيدين فأسمع من يليك ولا ترفع صوتك. وخالفه الفقهاء في ذلك.
قال أبو سعيد: إن لم يكن الجهر في صلاة العيد أثبت منه في غيرها لسعة الناس لم يكن أقل من ذلك.
قال: ولا أعلم في الجهر بالقراءة في العيدين اختلافا والله أعلم.













التنبيـــــه الخامس
(في من قدم القراءة قبل التكبير)
قال أبو عبدالله محمد بن إبراهيم: أما على الجهل أو النسيان فأرجوا أن تتم صلاته.
وأما على العمد لمخالفة الأثر فأحبّ أن يعيد.
وإن فعل ذلك برأي رآه فلا أحب أن تتم صلاته.
وإن فعل ذلك قبل تكبيرة الإحرام فأخاف أن لا تتم صلاته على حال.
وإنما رجي التمام على الجهل والنسيان لثبوت العفو عن النسيان، وقاس الجهل عليه، وهو قول لبعضهم.
وقيل: الجاهل أشد.
وإنما شدد على صاحب الرأي لأنها عبادة توقيفية، فالناس فيها تبع لما نقل، وليس للرأي مدخل.
ولقائل أن يقول: إن الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت في الشيء الواحد بالطرق المختلفة وربما يثبت في بعضها ما لا يثبت في الآخرة؛ فإذا تمسك بطريق من هذه الطرق كان متمسكا برأي.
ويجاب: بأنه لو ثبت ذلك لما كان رأيا بل أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
على أنه لم يثبت في شيء من الطرق التي علمناها تقديم القراءة على التكبير وظهر وجه ما قاله- رحمه الله- والله أعلم.





التنبيــــه السادس
(في من وضع التكبير في غير موضعه)
كما إذا كبر التكبير كله في أول ركعة بعد تكبيرة الإحرام أو بعد القراءة أو قبل قول(سمع الله لمن حمده) أو بعده أو في الثانية على هذا الحال.
فالموجود بخط أبي عبدالله محمد بن إبراهيم: إن كانوا جماعة فأخاف أن لا تتم على حال لأن ذلك عندي خلاف للسنة.
وإن كان وحده فأرجو أن يجزيه ذلك التكبير في صلاة النفل لا يفسدها عندي، وصلاته وحده تقع نافلة لأن صلاة العيد لا تكون إلا جماعة.
كذلك جاءت السنة والله أعلم.












التنبيــــه السابع
(في من لم يسمع تكبير الإمام)
عدم سماع تكبير الإمام إما أن يكون لصمم أو المانع آخر.
فإن كان أصم فقيل: يكبر غاية التكبير وهو ثلاث عشرة تكبيرة.
وقيل: يكبر ما شاء من وجوه التكبير.
وإن كان لأهل بلده عادة في ذلك سلكها.
وإن أشار إليه من حوله بيده كلما كبر الإمام كان ذلك واسعا على قول بعض فيكبر عند الإشارة.
وإذا لم يستدل على إحرام الإمام أمسك حتى يركع الإمام ثم يحرم ويتبعه، ويبدل بعد تمام الصلاة ما فاته من القراءة والتكبير.
وإن كان غير أصم غير أن الإمام لم يبالغ في الجهر، أو تطاولت الصفوف أو نحو ذلك فلم يسمعه فليكبر على حاله سبعا أو تسعا أو إحدى عشر أو ثلاث عشرة فهو يختار أيها شاء.
وليس على من خالف الإمام في التكبير بأس إن لم يسمعه.
ومن سمعه فليكبر كتكبيرة لوجوب الإقتداء به.
ومن سمع بعض التكبير ولم يسمع بعضا فكبر ما سمع قال أبو علي: لا نقض عليه كذلك قال إن نسى البعض.
وقد تقدم الخلاف في زيادة التكبير ونقصانه والله أعلم.





التنبيــــه الثامن
(في من فاته شيء من صلاة الإمام يوم العيد)
قال أبو زياد الوضاح بن عقبة عن هاشم ابن غيلان: إذا سلم الإمام قام فأبدل ما فاته من التكبير وغيره.
وقال الوضاح بن العباس عن أبيه العباس: لا بدل عليه في ما فاته من صلاة العيد، يعني من التكبير.
وقال أبو عبدالله: من سبقه الإمام بركعة وهو لا يحسن التكبير فليصل ركعة.
وقيل: له أن يشتغل بالتكبير الذي فاته ثم يلحق الإمام ولو صار الإمام في القراءة أو الركوع لأن التكبير حد في صلاة العيد، وهو اختيار أبي الحواري.
وفيه: أنه لا يشتغل بالحدود التي خرج عنها الإمام، بل إذا أحرم تبع إمامه وإلا لزمت المخالفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إنما جعل الإمام ليؤتم به».
ودليل القول بالقضاء عموم قوله صلى الله عليه وسلم «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» فإنه بحسب ظاهره متناول لكل صلاة في جماعة.
وأما القول بعدم وجوبه فلعدم تعيَّن التكبير على المأموم لأن المتحقق وجوبه على الإمام فيحتمل أن يكون هذا القائل يرى أن وجوب التكبير مختص بالإمام، وأنه لغيره نفل.
ويحتمل أنه لا يرى ذلك لكن خصص القضاء بما فات من الركعات فقط لأن التكبير لم يبلغ في وجوبه مبلغ الركعات.
وعلى كل حال فهو مشكل. والصحيح الأول وعليه العمل.
فإذا قام إلى البدل ولم يعرف تكبير الإمام فقيل: يبدل كما يعرف من عادة أهل بلده في عدد التكبير.
فإن لم يعرف عادة صلى بأحد وجوه صلاة العيد.
وإن لم يعرف صلى ما فاته كصلاة سائر النوافل.
وهو معنى قول أبي عبدالله: إن لم يحسن التكبير صلى ركعة.
وقيل: يكبر أكثر التكبير ليخرج من الشبهة إلى الاحتياط والله أعلم.
التنبيـــه التاسع
( في الخطبة يوم العيد)
والكلام فيها ينحصر في مقامين:
المقـــام الأول
(في ما يختص بالخطبة)
وقد اختلف في الخطبة:
فقيل: إنها سنة مؤكدة، وقيل: فريضة.
ودليل القولين مواظبته صلى الله عليه وسلم على فعلها، ومواظبة الخلفاء.
فمنهم من رآى ذلك دليل الوجوب لأنه لو لم تكن واجبة لتركت ولو مرة.
ومنهم من رآه للتأكيد لا غير، والحكم بالفرضية لا يثبت عنده إلا بدليل صريح في الوجوب.
وينبغي للخطيب أن يوجز في خطبته.
ولا ينبغي للمذكر في كل مجلس أن يحمل الناس على السآمة بالإطالة إلا أن يكون يعلمهم أمر دينهم، ويفقههم فيه فلا بأس.
وقد قيل: من علامة فقه الرجل قصر خطبته، وطول صلاته.
ويستحب أن تكون خطبة النحر أطول من خطبة الفطر لأنهم يخرجون قبل خروجهم يوم الفطر.
قال أبو سعيد: الذي يحفظ: أن قول(الحمد لله ولا إله إلا الله وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات) إنه يجزيه عن خطبة العيد.
قال أبو محمد: أقل الخطبة التي تصح بها الجمعة، وتنعقد بها صلاة العيدين، ويتم بها النكاح ما حفظنا عن الشيخ أبي مالك- رحمه الله- وهي (الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين).
قال أبو المؤثر: وأحبّ في خطبة العيدين أن يبدأ فيحمد الله ثم يكبر إن شاء، وإن بدأ بالتكبير فلا بأس.
قال أبو إسحاق: يبدأ بالتكبير في العيدين.
قال بعضهم: وقد تتبعت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدت كل خطبة مفتاحها الحمد إلا خطبة العيد فإن مفتاحها التكبير.
قال أبو المؤثر: ولا يقعد في خطبة على المنبر، ولا يخص نفسه بالدعاء، ولكن يقول( ربنا اغفر لنا ذنوبنا وافعل لنا) فإذا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله تشهد وصلى على النبي وآله صلى الله عليه وسلم، ثم يوصي بتقوى الله ويعظ المسلمين، ويذكر بالموت والقيامة، والجنة والنار ثم يقرأ ثم يقول(صدق الله) سرا، ثم يعود فيحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ويدعو بما فتح الله من أمر الدنيا والآخرة، ثم يحض الناس على أمر دينهم.
وإن كان يوم الفطر وصف لهم زكاة الفطر، وأمرهم بها.
وإن كان يوم النحر أمرهم بالرفق بضحاياهم وعلمهم بالسنة ما أحسن من ذلك.
وفي قوله (ثم يعود فيحمد الله...الخ) تصريح بأنه يخطب بخطبتين.
وقد صرح أبو إسحاق باستحباب ذلك.
وأن الأولى منهما هي المفتتحة بالتكبير عنده.
قال: والمستحب أن يفصل بين كل خطبتين بسكتة بلا جلوس.
وفي كلام أبي المؤثر: أنه يقول في تلك السكتة (صدق الله) سرا. ولم يذكر أبو إسحاق ذلك.
ولا تجزئ القراءة عن الخطبة وإن لم يحسنها المصلي أمر غيره فخطب بما فتح الله.
وإن لم يكن فيهم من يحسن ذلك قرأ أحدهم سورة من المفصل أو غيره.كذا قال ابن المسبح وأبو الحسن.
ولا ينبغي أن يقرأ فيها سجدة في خطبة العيد وغيرها من الخطب لأن فيها الاشتغال بالسجود عما هم بصدده.
وإن قرأها سجد وسجد من معه والله أعلم.
المقــــام الثـــاني
(في أحـــــوال الخطيب)
وذلك أنه ينبغي أن يخطب بهم أكمل الرجال، وأبلغهم عبارة.
فلا يخطب العبد وإن أذن سيده وإن فعلوا جاز.
وإن فعلوا بغير إذن سيده فقيل: عليهم إعادة الصلاة بناء على أنها فريضة، وأن العبد عاصٍ في خطبته حيث لم يأذن سيده.
قلت: لا إعادة عليهم لأن الخطبة ليست من الصلاة ولا شرطا لها.
وإن قيل: إنها فرض فهي فرض مستقل بنفسه في الحكم تابع للصلاة في الفعل.
وأحبّ بعضهم أن لا يتولى ذلك غير الثقة، وإن فعل فهو مجز.
ولا يخطب اثنان أو ثلاثة؛ فإن فعلوا فلا نقض عليهم.
وينبغي أن يخطب بهم إمامهم في الصلاة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن خطب غيره ممن شهد معهم الصلاة فلا بأس.
وإن كان لم يشهدها فقيل: عليهم إعادة الصلاة لأن الخطبة من تمامها، ولا يكون التمام إلا بأول.
والصحيح عندي: أن لا إعادة عليهم في الصلاة، وأحبّ أن يعيدوا الخطبة.
وإن أحدث الخطيب حال الخطبة في العيدين مضى على خطبته لأنه لا يشترط فيها الطهارة بخلاف الجمعة.
وينبغي أن يرسل يديه حال الخطبة ولا يرفعهما.
وجوّزوا أن يشير بكفيه في خطبة العيدين ولا يرفعهما.
ولا يخطب إلا قائما مستقبلا للناس والناس مستقبلون له، ويتكئ على عود أو سيف أو عصا.
وقد تقدم نظير هذا كله مقرونا بأدلة في صلاة الجمعة.
واعلم أن السنة في خطبة العيدين أن تكون بعد الصلاة بخلاف الجمعة لأنها شرط في صحتها وشأن الشرط أن يقدم على المشروط.
وعن عبدالله بن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الأضحى والفطر ثم يخطب بعد الصلاة.
وعن ابن عباس قال: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة.
ثم اختلف في أول من غيَّر هذه السنة فقدم الخطبة على الصلاة.
فقيل: مروان بن الحكم، وقيل: معاوية، وقيل: زياد.
قال بعضهم: والظاهر أن مروان وزيادا فعلا ذلك تبعا لمعاوية لأن كلا منهما كان عاملا له.
وقيل: بل سبقه إليه عثمان لأنه رآى ناسا لم يدركوا الصلاة فصار يقدم الخطبة.
وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم؛ فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف.
قال: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في ضحى أو فطر أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيَّرتم والله.
فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم.
فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم.
فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة.
وقيل: إن الناس كانوا في زمانه يتعمدون ترك سماع الخطبة لما فيها من سبّ من لا يستحق السب، والإفراط في مدح بعض الناس.
وقيل: يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا بخلاف مروان فإنه واظب على ذلك فنسب إليه.
وفي الأثر: لما ولي عثمان خطب قبل الصلاة، فلما ولي علي بن أبي طالب ردّ الأمر إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، فلما كان في دولة بني أمية صيَّروها إلى فعلة عثمان.
وفي الأثر أيضا: لو خطب الإمام ثم صلى بعد الخطبة لكان مخالفا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا نرى عليه نقضا، ولا نحب أن يفعل هذا فإنما هي بدعة عثمان.
واعتذر بعض قومنا لعثمان بأنه رأى ناسا لم يدركوا الصلاة فصار يقدم الخطبة ليدركوها معه.
قلنا: هذا اعتذار بارد فإن السنن لا تغيَّر لمثل هذه العلل الواهية؛ فإن كان قد أراد الجماعة للصلاة كان سبيله الانتظار أو يجعل مناديا ينادي(الصلاة جامعة)، أو يأمر بخروج الناس في أول الوقت مع أنه إمام مطاع والله أعلم.













التنبيـــــه العاشر
(في من رأى الناس قد صلوا)
من جاء إلى المصلى فرأى الناس قد صلوا إما أن يكون منفردا أو معه جماعة.
فإن كان منفردا فقيل: إذا برز إلى الجبَّان صلى صلاة الإمام.
وهو قول بعض أصحابنا وطائفة من قومنا منهم مالك والشافعي وأبو ثور.
قال أبو سعيد: إلا أنه لا يجهر كما يجهر الإمام:
وقيل: يصلي ركعتين أي لا تكبير فيهما لأنها ليست صلاة عيد.
وقيل: يمضي حيث صلى الإمام فيصلي ركعتين صلاة العيد.
وإن انفتل الإمام قبل بروزه من القرية فليصل ركعتين في بيته.
وهذا كله تطوع لأن الفرض قد قام بغيره.
غير أن القائلين إنه يصليها صلاة الإمام كأنهم جعلوها قضاء لما فاته.
ورُدّ بأنه لا قضاء فيها لأن لها شرائط لا يمكن المنفرد إتيانها منها الجماعة والخطبة.
ثم إن القضاء إنما يكون للخارج وقته، وهذه لم يخرج وقتها غير أنه سبق إليها.
واستدل القائلون بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى الركعتين (هذا عيدنا أهل الإسلام).
والجواب: أن المشار إليه الركعتان على الوصف المخصوص لا مطلق الركعتين.
وبالجملة فليست هذه هي صلاة عيد ولا قضاء لها غير أنها طاعة ونفل.
وإن كانوا جماعة فقيل:( لا يجوز أن يصلوا العيد مرة أخرى بجماعة في ذلك المكان لأن تعدد الجماعات مُفضٍ إلى التشتت والمقصود الاجتماع، وخصوصا في مثل هذا اليوم.
وعلل أبو الحسن المنع بأن ذلك موضع معروف للإمام في صلاة العيدين ذلك اليوم فهو عنده كالمسجد.
ورُدّ بأن المصلى ليس المسجد، وأن المنع من حيث أن صلاة العيد لا تكون إلا واحدة.
وقيل: لا بأس أن يصلوا جماعة وفرادى.
وقيل: إن أدركوا الإمام في الخطبة فليصلوا جماعة أي بغير خطبة.
وإن كان قد فرغ من الخطبة صلى بهم أحدهم، وخطب في المكان الذي صلى فيه الأولون.
وعلى هذا فالسنة هي الجماعة الأولى، وأما الآخرون فمتنفلون.
وإن قالوا للإمام الأول: صلّ بنا ففعل فقيل: لا تتم صلاتهم، وهذا إذا نووها صلاة عيد لأن صلاة العيد قد أديت، والأداء لا يتكرر.
وإن نووها نافلة ففيها الخلاف المتقدم في الصلاة بعد صلاة العيد.
وذلك أن الإمام قد صلى العيد وتنفل.
وإن انتقضت الأولى أعادوها وهي لهم صلاة عيد ولم تتكرر لأن الأولى ليست بشيء.
وإن انتقضت من قبل الإمام ولم يعلمهم غير أنه صلى بغيرهم فإن للأولين أجر المصلين إذ لا تكليف عليهم بما غاب عنهم.
وهل يأثم هو بترك الإخبار لأنه غشهم ولو أخبرهم كان حجة عليهم أو لم يأثم لأن لهم أجر المصلين، وأنه ليس عليهم أن يصدقوه بعد تمام الصلاة؟
راجع النظر فيه، وطالع الأثر، والذي يظهر لي أنه آثم في ذلك لأنه حجة عليهم في ما غاب من أمر صلاتهم.
ولا يصح تعدد صلاة العيد بالجماعة في البلد الواحد كما إذا افترق أهل بلد طائفتين فصلت طائفة في ناحية وأخرى في ناحية لأن المأمور به الاجتماع والتعدد ممنوع.
قال أبو الحسن البسباني: إلا أن يردعهم شيء في هذا الزمان فأرجو أنه يجوز.
ومن لم يخرج لعذر صلى في بيته نفلا إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعا.
وقيل: له أن يصلي في بيته صلاة العيد لموضع العذر.وأنت خبير أن صلاة العيد لا تكون إلا بجماعة فصلاته هذه نفل على كل حال والله أعلم.

التنبيـــــه الحادي عشر
(في من انتقضت عليه صلاة العيد)
من انتقضت عليه صلاة العيد مع الإمام فإنه يعيدها كصلاة الإمام حتى ولو بعد أيام.
وإن لم يحسن التكبير أعادها ركعتين بلا تكبير بناء على قول أبي عبدالله في من سبقه الإمام بركعة: إنه إن لم يحسن التكبير ضمّ إليها ثانية بلا تكبير.
وقيل: عليه أن يعيدها كما صلاها أول مرة، سواء كان في الوقت أو بعده.
ومن ذكر أنه صلى على غير طهر، أو بثوب نجس فإنه يؤمر أن يصلي ركعتين بدلا.
وهذا أرخص من الأول لأنه لم تنعقد له صلاة لفسادها من أصلها، والأول قد انعقدت صلاته ثم طرأ عليها الناقض فخوطب بالبدل لدخوله في الفعل والله أعلم.












(الكلام في سنن العيدين ومستحباتهما)
ثم إنه أخذ في بيان سنن العيدين ومستحباتهما فقال:سن لها الإكثار أي ممن ذكر*ش* وهكذا الخروج إلا من ضرر
والقبلتان لا خروج معهما*ش* والفطر قبلهما ولو بشرب ما
لا يوم نحر فالكفاف ندبا*ش* فيه إلى أن يؤت ما قد وجبا
والغسل والطيب وحسن الملبس*ش* كذلك التكبير فلتقدس
بعد صلاة الظهر يوم النحر*ش* كبّر إلى الثالث بعد العصر
عقيب كل واجب وقيل بل*ش* أوله صباح تاسع جعل
وجملة التكبير فيما يستحب*ش* فيها ثلاثون لها وللخطب
وإن تكبر سبعة فالباقي*ش* في خطبة وهكذا البواقي
يعني أن من سنن العيدين الإكثار من الناس الخارجين إليها.
وأن يصليها من تلزمه ومن لا تلزمه، والتأكيد على من تلزمه أكثر من غيرهم، وهو معنى قولي (ممن ذكر) فإنه إشارة إلى من سبق ذكرهم في البيت الأول من الباب.
ومن سننها الخروج إلى الجبّان فلا تصلى في المساجد إلى من ضرر يمنعهم من الخروج كمطر أو ريح أو نحو ذلك مما يكون عذرا لترك الحضور مع الجماعة.
وهذا في غير الحرم وبيت المقدس فإن أبا إسحاق قد استثنى أهل مكة وبيت المقدس.
ومن سننها أن يأكل يوم الفطر قبل الصلاة؛ فإن لم يحضر أكل أفطر ولو بماء.
وأما يوم النحر فإن الأكل لا يسن قبل الصلاة بل يسن الكف حتى يصلي.
ومن سننها الغسل قبل الخروج.
وقد تقدم بيانه في أنواع الاغتسال من الجز الأول.
ومن سننها الطيب واللباس الحسن والتكبير عند الخروج إليها في العيدين معا.
ويسن التكبير أيضا في أيام التشريق دبر كل صلاة واجبة.
وأوله صلاة الظهر يوم النحر، وآخره صلاة العصر من اليوم الثالث عشر، وهو ثالث أيام التشريق.
وقيل: أوله صلاة الفجر من يوم عرفة، وهو معنى قولي (صباح تاسع)، وآخره صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
فجملة الصلوات التي يكبر بعدها على القول الأول سبع عشرة صلاة.
وعلى القول الثاني ثلاث وعشرون صلاة.
وجملة التكبير المستحب في صلاة العيد والخطبة ثلاثون تكبيرة، فإذا كبر بوجه من الوجوه في الصلاة أتمّ الباقي في الخطبة، فإن صلى بثلاث عشرة كبَّر في الخطبة سبع عشرة، وإن صلى بإحدى عشرة كبَّر في الخطبة تسع عشرة، وإن صلى بتسع كبَّر في الخطبة بإحدى وعشرين، وإن صلى بسبع كبَّر في الخطبة بثلاث وعشرين والله أعلم.
وفي المقام مسائل:











المســـألة الأولى
(في تكثير الخارجين)
وذلك أنه يستحب يوم العيد أن يحضر النساء والعبيد والصبيان والرجال، وأن يحشد المسلمون له، وتكثر جماعتهم.
قال أبو المؤثر: نعم.
وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله إلى العيدين.
وعن أبي بكر وعلي ابن أبي طالب أنهما قالا: خذوا على كل ذات نطاق أن يخرجَنّ إلى العيد.
والأصل في هذا ما علموه من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي عنه أنه كان يأمر بإخراج العواتق والحيّض وذوات الخدور حتى لا يدع صلى الله عليه وسلم أحدا من أهل بيته إلا أخرجه.
والحكمة فيه إظهار شعائر الإسلام فإن في الجملة من الإظهار ما لا يكون في القلة، ولا ترتفع هذه الحكمة بكثرة الخارجين من صنف الرجال فإن المطلوب الإكثار من كل صنف.
وأيضا فكل قوم إنما تكون كثرتهم بحسبهم؛ فإذا خرج من القرية الصغيرة مائة نفس مثلا كانوا كثيرا بالنظر إلى قريتهم، ولو خرج ألف من مدينة عظيمة فيها جمع لا يحصى كانوا قليلا بالنظر إليها فلم يؤدوا السنة في الإكثار.
وهذا مسقط لما اعتلّ به بعض الحنفية في ترك خروج النساء، وأنه إنما سن للإكثار، أما اليوم فقد كثر الناس.
وقد تقدم الكلام في من يلزمه الخروج ومن لا يلزمه، وما ذكرته هنا بيان للمسنون فقط والله أعلم.




المســـألة الثـــانية
( في الخروج إلى المصلى يوم العيد)
الخروج إلى المصلى يوم العيد سنة بإجماع أهل الأمصار لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين إلى المصلى فيصلي بالناس صلاة العيد.
ومصلى المدينة موضع خارج عن المدينة بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، كذا قيل.
واستدل به على استحباب الخروج إلى الصحراء لأجل صلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك مع فضل مسجده.
وهذا مذهبنا ومذهب الحنفية.
وقال المالكية والحنابلة تسن في الصحراء إلا بمكة فبالمسجد الحرام لسعته.
وقال الشافعية: فعلها في المسجد الحرام وبيت المقدس أفضل من الصحراء تبعا للسلف والخلف ولشرفهما، وهو الذي يقتضيه كلام أبي إسحاق، وتبعته في النظم.
زادت الشافعية علتين:
إحداهما: سهولة الحضور إليهما.
والثانية: اتساعهما.
ونحن لا نرى ذلك علة؛ فلو صلوا في الصحراء مع وجود المساجد المتسعة كان مستحبا عندنا لأنه السنة، وخلاف الأولى عند الشافعية لتركه المساجد الواسعة مع سهولة الحضور إليها.
وليس هذا بشيء، فإن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم واسع، الجمعة تصلى فيه ومع ذلك فقد خرج وأمر بالخروج، والحال يدل أن المطلوب يومئذ غاية الظهور.
واستظهر بعض الحنفية أن يكون المعتمد من القول أن يصلي في مكة في المسجد الحرام على ما عليه العمل في هذه الأيام.
قال: ولم يعرف خلافه منه عليه الصلاة والسلام ولا من أحد من السلف الكرام فإنه موضوع بحكم قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ 27 لعموم عباداتهم من صلاة الجماعة والجمعة والاستسقاء والجنازة والكسوف والخسوف، وهو وجه ما قيل: إن الصلاة على الميت غير مكروهة في المسجد الحرام.
قال: ولعله لهذا عبَّر عنه بالمساجد في قوله تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله 28والمراد به هذا المسجد باتفاق المفسرين.
فإيراده بصيغة الجمع إما لما ذكر أو لكون ما فيه- وهو الكعبة- قبلة المساجد، أو لأن له جهات أربعا فكأن كل جهة مسجد.
وهذه الخصوصية له من بين سائر المساجد.
والخروج إلى الصحراء إنما يكون عند الأمن ورفع الضر؛ فإن خيف ضرر من عدو أو ريح أو مطر أو تقية أو نحو ذلك صلوا في جامع البلد لأنه موضع مجتمعهم.
والدليل حديث أبي هريرة أنه أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد في المسجد، ومثل المطر سائر الأعذار.
فإن لم يكن جامع فمسجد معمور من جملة المساجد.
وإن صلوا حيث تجوز الصلاة من بيت أو غيره كان جائزا.
قال أبو سعيد: والبيت أحبّ إلىّ من البراز في القرية إن لم يكن مسجد ولا مصلى.
قلت: لكن البراز أحبّ إلىّ لأنه أشبه معنى بالبروز في الصحراء.
ومن ضعف عن الخروج كالشيوخ والمرضى فقيل: يأمر الإمام من يصلي بهم في المسجد لأن عليا استخلف أبا مسعود الأنصاري في ذلك.
واستحسنه الأوزاعي وأصحاب الرأي.
وكان الشافعي يرى ذلك.
وقيل: كان أنس إذ فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله وبنيه وصلى بهم كصلاة أهل مصر وتكبيرهم.
والقياس يقضي بعدم تكررها فلعل صلاتهم تطوع وأنه تشابه الفعلان.
وذلك أن العيد أشبه شيء بالجمعة وقد منعوا تكرارها في المصر الواحد؛ فكذلك العيد في ما يظهر، غير أن صلاة العيد لا محذور في فعلها بخلاف الجمعة فإن فيها ترك ركعتين من الظهر؛ فلهذا كان الترخيص في صلاة العيد دون الجمعة والله أعلم.















تنبيهــــــات
التنبيـــــه الأول
(في المنبر في المصلى)
وقد تقدمت الرواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يخرج إلى المصلى بلا منبر.
وفيه: أن الخطبة على الأرض قائما في المصلى أولى كما يفعل أصحابنا.
والفرق بينه وبين المسجد أن المصلى يكون بمكان فيه فضاء فيتمكن من رؤيته كل من حضر بخلاف المسجد فإنه يكون في مكان محصور فقد لا يراه بعضهم.
ووقع في آخر الحديث ما يدل على أن أول من خطب الناس في المصلى على المنبر مروان.
واختار بعضهم عند كثرة المسلمين الخطبة على المنبر لأنه للتبليغ أبلغ؛ فهو عندهم بدعة حسنة وإن كان للواضع نية سيئة.
وقيل: لا يخرج بالمنبر إلى المصلى.
أما بناؤه فيه فقيل: حسن، وقيل: مكروه لأنه على خلاف السنة، وقيل: لا بأس به والله أعلم.









التنبيــــه الثاني
(في صــفة الخــروج)
قال علي: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا.
وعن سعد القرظيّ: أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيا.
وكان عمر- رضي الله عنه- يمضي لصلاة العيد حافيا، ويمضي صدر الطريق ويقول: الحافي أحق بصدرها من المنتعل.
واستدل الشافعية: بحديث (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون).
واختلفوا في الركوب في حال الاختيار:
فقيل: لا بأس به لأنه مباح.
وكرهه النخعي خلاف السنة.
وقال الحسن: يمشي مكانا قريبا، ومن تبعُد ذلك عليه فلا بأس أن يركب.
واستحسن أبو سعيد الركوب إذا كان أقوى له، وأنشط لنفسه، أو كان فيه عز وهيبة للسلطان القائم بأمر الإسلام إذا كان في يوم يخشى فيه الوضيعة.
ولعمري إن عز السلطان وهيبته في اقتفاء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإتباع طريقته؛ فلا ينبغي للسلطان ولا غيره أن يعدلوا عنها ولو إلى أمر مباح إلا لعذر ظاهر.
وأما العاجز فلا بأس عليه في الركوب لظهور العذر.
قيل: وكذا الراجع منها ولو كان قادرا ما لم يتأذ به أحد لانقضاء العبادة عنه.
وعن جابر بن عبدالله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق أي رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه إلى المصلى؛ فيستحب للناس أن يقتدوا به.
ثم اختلفوا في حكمة ذلك:
فقيل: خالف ليشهد له الطريقان أو أهلهما من الجن والإنس، أو ليتبرك به أهلهما، أو ليستفتى فيهما أو ليتصدق على فقرائهما، أو ليزور قبور أقاربه فيهما، أو ليصل رحمه، أو للتفاؤل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا، أو لإظهار شعائر الإسلام فيهما، أو ليغيظ المنافقين أو اليهود أو ليرهبهم بكثرة من معه، أو حذرا من إصابة العين؛ فهو في معنى قول يعقوب لبنيه لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ 29.
وقيل: كان يذهب في أطولهما تكثيرا للأجر، ويرجع في أقصرهما لأن الذهاب أفضل من الرجوع.
ورُدّ: بأن الرجوع ليس بقربة.
وأجيب: بأن أجر الخطى يكتب في الرجوع أيضا كما ثبت في حديث أبي بن كعب.
والظاهر أن هذه الحكم غير متنافية فيمكن اجتماعها في حال واحد فيكون في القصد إلى جميع ذلك فضائل متعددة من جهات مختلفة والله أعلم.













التنبيــــه الثـــالث
(في وقت الخــــروج)
قال مالك بن أنس: مضت السنة أنه يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاه وقد حلت الصلاة.
وقيل: السنة أن يخرج الإمام بعد طلوع الشمس.
وقال الشافعي: يوافي حين تبرز الشمس في الأضحى، ويؤخر الغدو إلى الفطر عن ذلك قليلا.
وكان ابن عمر يصلي الصبح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يغدو كما هو في المصلى.
وكان رافع بن جريح وبنوه يجلسون في المسجد فإذا طلعت الشمس صلوا ركعتين ثم يذهبون إلى المصلى في الفطر والأضحى.
قال أبو سعيد: كلما غدا الناس وباكروا مع صدق النيات من إمام وغيره كان ذلك أفضل ما لم يقع في ذلك تضييع شيء أفضل منه.
ولعله يستدل بقوله تعالى وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ 30هذا وقت الخروج.
وأما وقت الصلاة نفسها فقد تقدم في شرح الأبيات السابقة والله أعلم.








المســــألة الثالثة
(في الأكل قبل الخروج يوم الفطر)
(وبعد الصلاة يوم النحر)
الأكل قبل الخروج يوم الفطر وبعد الصلاة يوم النحر معا سنة لما روي عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات.
وفي حديث آخر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر حتى يرجع فيأكل من نسيكته.
وقال علي ابن أبي طالب: من السنة أن تأكل قبل أن تخرج.
وكان ابن عباس يحث عليه.
ولعل ذلك يوم الفطر كما تقدم.
وعن ابن مسعود أنه قال: لا تأكلوا قبل أن تخرجوا يوم الفطر إن شئتم.
ومعناه أن ذلك غير لازم.
قال أبو محمد: يستحب ذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: ويعجبني أن يؤخر الأكل يوم النحر إلى أن ينحر لقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ 31.
قال: ولا أحب أن يفرق بينهما بأكل، وكذلك قال أبو الحسن.
قلت: وفي الحديث(فيأكل من نسيكته) دليل على ذلك، والشرب كالأكل.
فإن لم يفعل ذلك قبل خروجه يوم الفطر استحبّ له فعله في طريقه أو في المصلى إن أمكنه، ولم يدخل في مكروه شرعا فإن الأكل في الطريق مخل بالمروءة، وكذلك في مجامع الناس كالأسواق وسائر الاجتماعات، ولا بأس بالشرب.
وإنما فرّق بين العيدين لأن السنة أن يتصدق في عيد الفطر قبل الصلاة فاستحب له الأكل ليشارك المساكين في ذلك، والصدقة في يوم النحر إنما هي بعد الصلاة من الأضحية، فاستحب له موافقتهم، وليتميز اليومان عما قبلهما إذ ما قبل يوم الفطر يحرم فيه الأكل بخلاف ما قبل يوم النحر.
وقيل: إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكل يوم الفطر ليعلم نسخ تحريم الفطر قبل صلاته فإنه كان محرما قبلها أول الإسلام.
وعلى هذا فيكون الاستحباب محصورا على بيان الحكم، وقد تبين الآن أنه مباح، والصواب بقاؤه لما تقدم.
وخص التمر لما في الحلو من تقوية النظر الذي يضعفه الصوم، ويرق القلب، ومن ثَمَّ استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا كالعسل والله أعلم.













المســــألة الرابعة
(في التجمل باللباس الحسن يوم العيد)
التجمل باللباس الحسن يوم العيد من السنن المرغب فيها تعظيما لشعائر الله.
وكذلك الطيب نظير ما مرّ في الجمعة لأن الجميع عيد للإسلام.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على التجمل بالثياب الحسنة في العيد.
وكان له صلى الله عليه وسلم برد حبرة يلبسه في كل عيد.
وكانت الصحابة يلبسون ذكورهم الصغار يوم العيد أحسن ما يقدرون عليه من الحلي والمصبغات من الثياب.
وكان ابن عمر يصلي الفجر وعليه ثياب العيد.
وقال مالك بن أنس: سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد والله أعلم.










المســـــألة الخامسة(في التكبير يوم العيد)
العيد إما أن يكون عيد النحر أو الفطر.
فإن كان الأول فقد أجمع الناس على ثبوت التكبير فيه وإن اختلفوا في تفصيله، وسيأتي الكلام فيه.
وإن كان يوم الفطر فقد اختلفوا في الجهر به:
فذهب أصحابنا وأكثر أهل العلم إلى استحبابه، وكرّهه أبو حنيفة.
ثم اختلف القائلون باستحبابه في ثلاثة أشياء:
أحدها: أي العيدين أوكد في التكبير:
فقيل: النحر، وقيل: الفطر.
وثانيها: في وقت التكبير:
فقيل: يكبّر في يوم الفطر دون ليلته.
قال ابن المنذر: قال أكثر أهل العلم: يكبرون إذا عقدوا إلى المصلى.
وكان ابن عمر يفعل ذلك.
قال: وروينا ذلك عن علي ابن أبي طالب وأبي أمامة الباهلي وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: وقته بعد غروب الشمس من ليلة الفطر.
قال أبو محمد: يستحب التكبير ليلة الفطر لقول الله تعالى: وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ 32.
وقال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا.
وثالثها: متى يقطع التكبير:
فقال أبو الحس: يقطعه إذا بلغ إلى المصلى.
وقيل: إذا بلغ إلى أدنى المصلى.
وقيل: إلى أن يخرج الإمام.
وقيل: إلى أن يحرم الإمام.
وقيل: إلى أن ينصرف الإمام.
والمختار الأول.
احتج القائلون بالاستحباب بقوله تعالى وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ 33 فإن المعنى لتكملوا عدة شهر رمضان، ولتكبروا الله عند انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة.
وعن سالم: أن عبدالله بن عمرو أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبّر في الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى.
وعن نافع موقوفا على ابن عمر: أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبّر حتى يأتي الإمام.
وقد تقدمت الرواية عن ابن عباس أنه قال: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا.
احتج أبو حنيفة على كراهة الجهر بذلك بأنّ رفع الصوت بالذكر بدعة يخالف الأمر من قوله تعالى وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ 34 فيقتصر فيه على مورد الشرع.
وقد ورد به في الأضحى وهو قوله تعالى: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ 35 إذ جاء في التفسير أن المراد التكبير في هذه الأيام.
والأولى الاكتفاء فيه بالاجتماع عليه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«خير الذكر الخفي».
وروي عن ابن عباس أنه سمع الناس يكبّرون فقال لقائده: أكبّر الإمام؟
قيل: لا.
قال: أفجنّ الناس؟ أدركنا مثل هذا اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم فما كان يكبر قبل الإمام.
والجواب: أن عموم الأمر بالإخفاء لا يعارض قوله تعالى وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ 36 لأن هذا خاص، والأمر بالإخفاء عام، والخاص مقدم على العام.
ثم إن حديثي سالم ونافع مصرحان بذلك.
ثم إن شعار العيد إظهار ذكر الله والتكبير على ما هدانا. فالقياس أن يتساوى العيدان في ذلك لاتحاد المعنى.
وأما أيام التشريق فمخصوصة بذلك.
وأما المروي عن ابن عباس فمعارض بما تقدم عنه أنه قال: حق على المسلمين...الخ مع ما فيه من وصفهم بالجنون لما سمعهم يذكرون الله.
قال أبو سعيد: ولا يجوز ذلك.
ثم إنه يحتمل أنه أوقف استحباب التكبير على كونه مسبوقا بتكبير الإمام فلا يستحب لأحد أن يجهر قبل جهره، وهو الظاهر من كلامه؛ فيكون إن صح دليلا على استحباب ذلك بعد جهر الإمام لا قبله والله أعلم.






المســـألة السادسة
(في التكبير يوم النحر)
في هذه المسألة أمور:
الأمــــر الأول
(في ثبوته)
وقد أجمعت الأمة على أن التكبيرات المقيدة بأدبار الصلوات مختصة بعيد الأضحى لقول الله تعالى: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ 37 وهي أيام التشريق.
وهو قول ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين.
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله».
وكان عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- يكبّر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا.
وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وعلى فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعا.
وكانت ميمونة تكبّر يوم النحر، وكانت النساء يكبّرن خلف أبان ابن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد.
والحق نهيهنّ عن رفع الصوت بذلك لأن الله تعالى قد نهاهن عن الجهر بالقول.
وقد شرع لهن التصفيق في تنبيه الإمام دون التسبيح. ومن المعلوم أن التسبيح أفضل غير أنه إنما أمرن بالتصفيق حفظا لإخفاء الصوت.
فالمناسب للشرع ملاحظة هذا المعنى في كل موطن؛ فليس لهن أن يجهرن حيث يكون الجهر مطلوبا من الرجال والله أعلم.

الأمـــر الثاني
(في حــــكمه)
وقد اختلف العلماء في حكم التكبير:
فذهب أكثر الأمة إلى استحبابه ولم يروه لازما، وقد صلى جابر بن زيد-رضي الله عنه- بأصحابه بمنى ولم يكبَّر.
ولم يكن موسى بن علي وغيره من الفقهاء بإزكي يكبرون في أيام التشريق.
وقال أبو حنيفة وبعض أصحابنا بوجوبه.
وهو عند أبي حنيفة على المقيمين بالمصر خلف الفرائض في جماعة مستحبة فلا يجب عنده على أهل القرى ولا بعد النوافل والوتر، ولا على منفرد، ولا نساء إذا صلين في جماعة.
وقال صاحباه: يجب على كل من يصلي المكتوبة لأنه شرع تبعا لها، وهو قول بعض أصحابنا.
وقال بعضهم: يجب التكبير على المصلي، سواء كان منفردا أو في جماعة خلف المكتوبات والنوافل، من رجال ونساء، من مقيم ومسافر لعموم قوله تعالى: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ 38 ولم يستثن أحدا، واستحسنه أبو سعيد.
والحاصل: أن للعلماء القائلين بالوجوب وبالاستحباب في ذلك اختلافا: هل يختص بالمكتوبات أو يعم النوافل؟ وبالمؤداة أو يعم المقضيّة؟ وهل يختص بالرجال أو يعم النساء؟ وبالجماعة أو يعم المنفرد؟ وبالمقيم أو يعم المسافر؟ وساكن المصر أو يعم أهل القرى؟
وخص المالكية استحبابه بالفرائض الحاضرة.
والصحيح عند الشافعية: أن استحبابه يعم الصلاة فرضا ونفلا ولو جنازة، ومنذورة ومقضية في زمن استحبابه لكل مصلٍّ حاج أو غيره، مقيم أو مسافر؟ ذكر أو أنثى؟ منفرد أو غيره والله أعلم.


الأمـــر الثـــالث
(في ابتـــدائه وانتهــائه)
وقد اختلف الناس في ابتداء التكبير وانتهائه على أقوال:
أحدها: وهو الذي عليه عمل أهل عمان- أن أوله بعد التسليم من صلاة الظهر يوم النحر، وآخره بعد التسليم من صلاة العصر من أخر أيام التشريق وهو الثالث عشر من ذي الحجة.
والحجة فيه: أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج؛ قال الله: فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ 39 ثم قال: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ 40 وهذا إنما يحصل في حق الحاج فدّل على أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج، وسائر الناس تبع لهم في ذلك.
ثم إن صلاة الظهر هي أول صلاة يكبّر الحاج فيها بمنى فإنهم يلبون قبل ذلك، وآخر صلاة يصلونها من أيام التشريق هي صلاة العصر فوجب أن تكون هذه التكبيرات في حق غير الحاج مقيدة بهذا الزمان لأن الثلاث كلها أيام منى.
القول الثاني: أن أوله بعد صلاة الظهر من يوم النحر كالقول الأول ومنتهاه إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق.
وحجته هي حجة القول الأول.
والقول الثالث: أن أوله من بعد صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من أيام التشريق فتكون التكبيرات بعد ثلاث وعشرين صلاة.
وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس.
وحجته: حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا فقال:«الله أكبر» ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق.
وأيضا فالتكثير في التكبير أولى لقوله تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً 41.
وأيضا فالزيادة في التكبيرات خير من النقصان منها فهو أحوط مما دونه.
وأيضا فإن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق فوجب أن يؤتى بها إلى آخر أيام التشريق.
وعورض بأن هذه التكبيرات مضافة إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق فوجب أن لا تكون مشروعه يوم عرفة.
ورُدّ بأن هذا يقتضي أن لا يكبّر يوم النحر وهو باطل إجماعا.
وأيضا لما كان الأغلب في هذه المدة أيام التشريق صح أن يضاف التكبير إليها.
القول الرابع للشافعي: أنه يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة وينقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات.
قيل: وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.
القول الخامس ونسب إلى الشافعي أيضا: أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وعلى هذا القول تكون التكبيرات بعد ثماني عشرة صلاة.
والصحيح عند الشافعية: أنه يبتدأ من صبح عرفة إلى عقيب عصر آخر أيام التشريق للإتباع، وهو قول صاحبي أبي حنيفة.
وذلك هو القول الثاني من هذه الأقوال والله أعلم.







الأمــــر الرابـــــع
(في صفة التــكبير)
وقد اختلف الناس في صفة التكبير:
فكان مالك بن أنس يقول: لا يحدّ فيها حدّا، واستحسنه أبو سعيد- رحمة الله عليه.
ومنهم من قال: إنه يحدّ، ثم اختلف هؤلاء:
فقال الشافعي: يستحب في التكبيرات أن تكون ثلاثا متتابعة.
ونسب أيضا إلى مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يكبّر مرتين.
ثم قال الشافعي: ويقول بعد الثلاث: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.
ثم قال: وما زاد من ذكر الله فهو حسن.
وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود- رضي الله عنهما- يقولان: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.
وكان ابن عباس يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر تكبيرا الله أكبر وأجلّ الله أكبر ولله الحمد.
وكان قتادة يقول: التكبير: الله أكبر الله أكبر على ما هدانا والله أكبر ولله الحمد.
وكان ابن المبارك يقول إذا خرج يوم الفطر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا.
وأما أصحابنا من أهل مكة فيقولون: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا.
وإن قال: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فحسن.
وإن قال: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فحسن.
وأكثر عملهم أن يقولوا: لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا لا إله إلا الله والله أكبر تكبيرا لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا وأولانا والحمد لله على ما عافانا.
وبعض يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
قال بعض المتأخرين: وفي وقتنا هذا يقولون: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا الله أكبر الله أكبر الله أكبر تكبيرا الله أكبر الله أكبر الله أكبر بكرة وأصيلا الله أكبر الله أكبر الله أكبر والحمد لله كثيرا الله أكبر الله أكبر الله أكبر والحمد لله على ما أعطانا وأولانا الله أكبر الله أكبر الله أكبر والحمد لله على ما رزقنا وعافانا الله أكبر الله أكبر الله أكبر سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.
وقال غيره: كل ما ذكر الذاكر الله تعالى في جميع الذكر من تكبير وتحميد وتسبيح وتهليل فهو ذكر وفضل وليس لذلك حدّ موقت بعينه لا يجوز إلا هو، وكلما زاد كان أفضل لقوله تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً 42، وقوله: فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً 43 والله أعلم.










الأمـــــر الخامـــس
(في بقية أحـــكام التكبــير)
يؤمر المكبر أن يجهر بالتكبير إظهارا لشعار الإسلام، والإمام أولى بذلك.
فإن أخفاه لمعنى واسع جاز له لأن الذكر في نفسه غير واجب بل مستحب عند الجمهور.
ومن سبقه الإمام بشيء من الصلاة فإنه يكبر إذا قضى ما بقى عليه من الصلاة.
ومن عليه سجدتا الوهم فإن سجدهما ثم كبّر جاز.
وإن كبر ثم سجدهما جاز.
ومن جميع الصلاتين لمعنى جائز كسفر أو مرض فله أن يكبر لكل صلاة في عقبها، ولا يخل ذلك بالجمع لأنه ليس بأشد من الإقامة والتوجيه.
على أنه قد قيل: إن قول (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) لا ينقض الصلاة، سواء قالهن مجتمعات أو متفرقات، فكيف بالتكبير بين الصلاتين.
وقد تقدم الترخيص في الكلام القليل فما ظنك بذكر الله؟
قال العلامة الصبحي: وإن كبّر بعد ما صلى الثانية فإنه أحوط.
ومن نسى التكبير كبّر متى ما ذكر ولو كان يمشي، وإن لم يكبر فلا بأس عليه.
وقيل: إذا ذكر قبل أن يخرج من المسجد كبّر.
وقيل: إذا ذكر قبل أن يقوم من مجلسه، وقبل أن يتكلم كبّر والله أعلم.





خاتمـــــة
(في ما ينهى عنه يوم العيد)
ينهى عن حمل السلاح يوم العيد إلا إذا خيف العدو لما يحصل في ذلك من الضرر بكثرة الاجتماع، ولأنه يوم سرور والسلاح إنما يحمل ليوم البأس، ولأنها أيام أكل وشرب والسلاح لأيام الطعن والحرب.
قال الحسن البصري: نهوا أن يحملوا السلاح يوم عيد إلا أن يخافوا عدوا.
وعن إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال: دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده فقال: كيف هو: فقال: صالح.
فقال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحمل فيه حمله، يعني الحجاج.
وعن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في إخمص قدمه فلزقت بالركاب فنزلت فنزعتها وذلك بمنى فبلغ الحجاج فجعل يعوده فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك عاقبناه.
فقال ابن عمر: أنت أصبتني.
قال: وكيف؟ حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم.
وهذا عند خوف التأذي به.
وأما إن كان في حمله زينة وتقوية من غير أذى فلا بأس بحمله.
فعن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المصلى والعنَزَة بين يديه تحمل وتصب بالمصلى بين يديه فيصلي إليها.
والعنَزَة بفتحات آلة أقصر من الرمح، في طرفها زج.
قال في تاريخ الخميس: وهذه الحربة كانت للنجاشي فوهبها للزبير ابن العوام، وكانت تحمل بين يديه صلى الله عليه وسلم في الأعياد.
ويباح يوم العيد وغيره اللعب بالسلاح تمرينا للفتيان، وتدريجا لمعرفة الحرب.
وفي حديث عائشة قالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدّرق والحراب.
فلما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أتشتهين تنظرين؟ قلت: نعم؛ فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: يا بني ارفدة، حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم. قال: فاذهبي.
و(أرفدة) بفتح الهمزة وإسكان الراء وكسر الفاء وقد تفتح وبالدال المهملة جد الحبشة الأكبر.
ويجمع بين النهي والإباحة بأن تجعل النهي حال الخروج إلى المصلى، والإباحة لما بعد الرجوع فإنه حينئذ يباح ما لا يباح قبل ذلك لانقضاء العبادة والله أعلم.















(الباب التاسع من كتاب الصـــلاة)
وهو الثاني من كتب المدارج
(في ما ينقض الصلاة)
ولما فرغ من بيان أحكام الصلوات اللازمة أخذ في بيان ما ينقضها فرضا كانت أو نفلا.
وإنما ذكرته عقيب الفرائض لكونها الأصل في الصلوات وسائر النوافل محمول عليها.
ولا يشكل هذا بصلاة العيد مع أنها سنة عند الأكثر لأنا نقول: إن التأكيد فيها، والحث عليها ألحقها بأحكام الفرائض حتى قال بعضهم: إنها فرض كما تقدم.
ولثبوت الخلاف في لزومها جعلتها آخر الفرائض.
ثم إن جميع الأبواب المتقدمة في هذا الجزء إنما هي من جملة صفة الصلاة، والكلام في النواقض إنما يكون بعد الفراغ من الكلام في صفتها.
ثم إن الناقض للشيء هو ما يفسد بناءه؛ نقول: نقضت البنيان إذا أفسدته شيئا بعد شيء، وهو هاهنا معنى إذا طرأ على الصلاة بطلت.
وهو راجع إلى اختلاط شرط أو زيادة منهىّ عنها.
وإذا عرفت شروط الصلاة، واتقنت ما يحرم فعله فيها سهل عليك معرفة هذا الباب؛ فإن جميع المفسدات إما اختلال شرط أو فعل محرم فيها.
ولما كانت شروط الصلاة أنواعها:
منها ما يرجع إلى القلب وهو النية والإخلاص.
ومنها ما يرجع إلى الجوراح الظاهرة كالسمع والبصر واللسان واليد والرجل.
ومنها ما يرجع إلى أحوال تختص بهيئة الصلاة.
لما كانت شروط الصلاة كذلك كانت النواقض متنوعة على حسب هذا التنوع فلذا ميزت بينها في النظم وبدأت بالناقض القلبي.

(الكلام في الناقض القلبي)
قلت:
وتفسد الصلاة بارتداد*ش*وبانتقال نية العباد
كمثل إن تحوّلت للنفل*ش* وبالذي يزيل نور العقل
نحو جنون وكنوم طالا*ش* ونحو إغماء وشك آلا
حتى غدا لم يدر ما أداه*ش* وبالرياء والعجب إن أتاه
وقيل إن ظن الذي قد فعله*ش* يبني عليه وليتمم عمله
وإن يكن خلف إمام فله*ش* تقليده وليحذون حذوه
وإن يكن قد شك في إحرامه*ش* فلا يجاوزه على إبهامه
وقيل إن كان طرأ من بعد ما*ش* أتى بحدّ فهو عفوفا علما
وهكذا في سائر الحدود*ش* فهي كهذا المنهل المورود
كذاك من نوى الخروج منها*ش* أو شغل النفس بشغل عنها
إن طال شغل نفسه أو اعتمد*ش* له وإن لم يطلن فقد فسد
يعني أن الصلاة تفسد بأمور:
(منها: الارتداد)
والمراد الارتداد من الإسلام إلى الشرك؛ فإن الإسلام شرط لصحة الصلاة وغيرها من العبادات حتى أنهم قالوا: إن من عارضه في صلاته شيء من العوارض القادحة في الإيمان، وصفات الباري سبحانه وتعالى، والوسوسة في تشبيهه بخلقه إنه يشتغل بدفع هذا كله ويصلحه لأن الاشتغال بدفع هذا وإصلاحه آكد وأوجب من الصلاة، وأن اشتغاله بالأوكد والأهم لا يضر.
قال الشيخ عامر: وكذلك جميع أعمال الديانات كلها التي لا يسعه الوقوف فيها مثل تجويز الجائز، وتحقيق الحق، وإبطال الباطل، وإثبات النبوة للأنبياء، والرسالة للرسل، وولاية المسلمين، وبراءة الكافرين فإنه يضمر ذلك في قلبه كما يجب عليه أن يفعله.
ولا يضر ذلك صلاته لأنه أوجب من الصلاة عندهم.
وقال بعضهم في هذا كله: إن عمله تنتقض صلاته ما خلا اثبات التوحيد لله عز وجل؛ ففي الأشباه والأمثال عنه لا يضر صلاته.
وكذلك جميع ما يشرك به إذا شك فيه.
( ومنها: انتقال النية عن أصلها)
وهو إما أن ينوي الخروج منها رأسا، وهو المراد بقولي( كذلك إن نوى الخروج منها) وإما أن يحوّل صلاة الفرض إلى النفل، وكلا الحالين مفسد لصلاته.
أما الأول فظاهر لأنه أبطل عمله بالقصد إلى تركه.
وأما الثاني فلأن النية شرط لصحة الصلاة.
ولما كانت الصلاة أنواعا منها الفرض والنفل وجب التمييز بينهما بالقصد.
فإذا قصد الفرض ثم بدا له فحوّل النية إلى النفل فسد فرضه.
وكذلك أن نوى النفل ثم حوّل نيته إلى الفرض فسد نفله، ولم يجزه عن فرضه.
ومن دخل في صلاة الظهر بنية صحيحة وبعد ركعة ظن أنها صلاة العصر فاعتقد أنها صلاة العصر حتى صلى الثانية ثم ذكر أنها صلاة الظهر فرجع بنيته إليها فقيل: تتم له ظهره.
وقيل: يبتدئ صلاته لفسادها بانتقال نيته.
ومن قصد إلى الظهر وعند الإحرام نسى فنواها العصر ثم ذكر بعد الدخول في الصلاة فقيل: يبني على صلاته لأن هذا زلة، وهو من النسيان المعفوّ.
وإن رجع فأحوط.

(ومنها: زوال العقل بجنون أو نوم أو إغماء)
المراد زوال العقل بجنون أو نوم طويل، أو إغماء، أو شك في صلاته حتى أنه لم يدر ما أدّاه من صلاته؛ فإنها تنتقض بهذا كله.
وكذلك إن زال العقل بالإسكار.
والأصل في هذا أن العقل عماد التكليف، وهو محل النية والقصد، وعنه تصدر الأشياء، فصحة العبادات وغيرها مرتبطة بوجوه.
أما الجنون فظاهر لأنه لا تكليف على المجنون إجماعا.
فلو طرأ الجنون في الصلاة ثم أفاق لزمه بدلها.
وكذلك إن تغير العقل بصرع أو نحوه من الأحوال.
وأما النوم فإنه ناقض للوضوء، والوضوء شرط لصحة الصلاة، فإذا نام في صلاته لم يأمن أن يكون قد انتقض وضوؤه.
وقد تقدم الخلاف في النوم الناقض للوضوء فيجب أن يكون جاريا هاهنا لأن المعنى واحد.
ولهذا وصفت النوم بالطويل زيادة على الأصل فإنه ذكر نقضها بزوال العقل بالنوم من غير تقييد.
قال أبو زياد في رجل صلى مع قوم فنعس حتى سبقوه بركعة إنه يهمل ما صلى ويدخل معهم في صلاته.
وقال أبو عبدالله في من نعس عن قراءة الإمام إن عليه النقض لأن عليه أن يستمع.
ومنهم من يرخّص في النوم في الصلاة وقالوا: إنه لا ينقض الوضوء بخلاف النوم قبلها حتى قال بعضهم في من نعس في الصلاة فوقع لجنبه أنه يبني على صلاته وهي تامة.
وحتى قال بعضهم في من نعس في صلاته حتى أدبر بالقبلة إن له أن يبني على صلاته.
ولو فعل ذلك نسيانا لفسدت صلاته.
ودليلهم على ذلك حديث ابن عباس أنه رآى النبي صلى الله عليه وسلم نام وهو ساجد حتى غطّ ونفخ ثم قام يصلي....الحديث.
وأما الإغماء فإنه ناقض للصلاة إن طرأ عليها لأنه يزيل العقل، ولا تصح الصلاة إلا به، فيلزمه البدل إن أفاق.
وأما حدوث الإغماء قبل الدخول في الصلاة فسيأتي الكلام عليه في باب القضاء إن شاء الله تعالى.
وأما السكر فإنه ناقض للصلاة أيضا، فإذا طرأ على المصلي لزمه البدل لتغيرّ العقل؛ وقد قال تعالى: لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ 44.
قال أبو محمد: وليس السكر بمسقط عنه فرض الصلاة التي خوطب بها في وقتها.
قال: وقد غلط قوم في قولهم: إن السكران نهى عن الصلاة في حين سكره.
واحتجوا بقول الله تعالى: لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ 45.
قال: وليس التأويل على ما ذهبوا إليه لأن الله تبارك وتعالى لا يسقط عن المكلفين الفرائض لتشاغلهم عنها.
والمعنى في ذلك أنه نهاهم عن السكر الذي لا يعقلون معه الصلاة.
قلت: وكأنه يشير بقوله( وقد غلط...الخ) إلى قول الضحاك؛ فإنه فسّر السكر في الآية بالنوم، والقلم مرفوع عن النائم حتى ينتبه.
فإن كانت الإشارة إلى هذا فالخلاف سهل لأن الله تعالى رفع القلم عن النائم والصبي والمجنون.
وإن كانت إلى غير ذلك فالله أعلم.
ولعل أبا محمد اطلع على فرع هذه القاعدة (وهو أن السكران لا تكليف عليه حال سكره) فشنع عليها بحسب الظاهر، وهو ظاهر بشع غير أن أصله تفسير السكر بالنوم لا غير؛ فيرجع الأمر إلى متفق عليه.
وأما الشك فسيأتي عليه الكلام قريبا.

(ومنها: الرياء والعجب)
فإن الرياء والعجب ناقضان للصلاة لأنهما من كبائر الذنوب.
وذلك إذا أقرهما المصلي في صلاته، ورضي بهما، سواء دخل في الصلاة على ذلك أو طرأ عليه بعد الدخول.
وقال أبو الحسن: إن كان إنما دخل في صلاته على أنه لم يصلها إلا رياء أو نفاقا وعجبا ولم يتعمّدها بنية الأداء للفريضة، ولا أحرم على ذلك فهذا عليه التوبة والاستغفار والبدل والكفارة إن كان قد فات وقتها لأنه قام على غير نية صلاة الفريضة وإنما قام يصلي للناس.
وإن خالطه الرياء والإعجاب بعد الدخول في الصلاة حتى قضاها فهذا يتوب من ريائه وعجبه وصلاته تامة، ولا إعادة عليه.
وهو ملاحظ في هذا معنى القصد الأول؛ فإن كان القصد طاعة فهو طاعة، وإن كان معصية فهو معصية.
وأنت خبير أن العصيان في أثناء الصلاة كالعصيان في أولها.
وله أن يقول: إنه إذا دخلها على الرياء فليس بطاعة بخلاف ما إذا دخلها على قصد الصلاة ثم عارضتها المعصية فإن الصلاة في نفسها طاعة لا يضرها المعارض.
والجواب: أن أقل ما يلزمه في ذلك النقض بانتقال نيته عن القصد الأول إلى الرياء.
فإن قيل: لم ينتقل قصده وإنما قصد إلى الصلاة أولا وآخرا غير أنه أحبّ أن يحمد عليها، وحبه لذلك معصية لم تغيّر القصد.
قلنا: مسلم لكن يلزمه النقض من جهة أخرى وهو أنه أصحب طاعته بمعصية فكان حقها الرد لأن الله إنما يتقبل من المتقين.
فإن قيل: الرد غير النقض.
وذلك أن الرد عدم القبول، وهو عبارة عن إعطاء الثواب على العمل، وهو أمر أخروي.
والنقض عبارة عن عدم الإجزاء وهو عدم الصحة.
فكل منتقض مطالب بفعله مرة أخرى، وليس كل مردود كذلك.
قلنا: هذا رد مع إحباط لما روى أبو عبيدة قال: بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك» فهذا نص في موضع النزاع والله أعلم.
(ومنها: اشتغال النفس عن الصلاة بأمور خارجة عن الصلاة)
فإن المصلي إن تعمّد إلى ذلك انتقضت صلاته، وإن لم يتعمده لكن طرأ عليه بلا قصد فهو معفوّ عنه إن قل، ويفسد إن طال كما إذا صلى أكثر صلاته وهو مشغول القلب.
وقد تقدم أحكام ذلك في مسألة الخشوع في أول الجزء الرابع.
ويقال: إذا دخل العبد في الصلاة نشر الشيطان ثلاثمائة وستين صحيفة فيعرضها له فإن قيل هذه وإلا عرض عليه غيرها حتى يأتي على جميعها، ولا يسلم من ذلك إلا من عصمه الله تعالى.

(ومنها: الشـــك)
وأما الشك فإما أن يحدث على الإمام أو المأموم أو المنفرد فهي ثلاث صور:













الصــورة الأولى
(في شك الإمام)
وذلك أن الإمام إما أن يشك في حال الصلاة فيتحيّر ولا يدري موضعه، وإما أن يشك في حدٍّ قد مضى، أو ركعة قد انقضت.
فإن شك في موضعه من الصلاة كما إذا رفع رأسه من السجود ولم يعرف: أعليه القيام أم القعود؟
فقيل: يجعل سمعه إلى من خلفه، فإن أحسّ منهم قياما قام مثلهم، أو أحسّ قعودا قعد ثم يسألهم عن القيام دون القعود إلا إن شك ولم يطمئن قلبه بهم فإنه يسألهم في الحالتين معا.
والسؤال إنما يكون بعد الفراغ من الصلاة.
وأقول: لا فرق بين القيام والقعود، فإن ثبت السؤال في أحدهما ثبت في الآخر.
وإن شك في حد أو ركعة قد مضت فقيل: عليه أن يسألهم بعد الفراغ، سواء كانوا قليلا أو كثيرا.
وقيل: إن كانوا جماعة لا يدخل على مثلهم الشك؛ فليس عليه أن يسألهم حتى يعلم نقصانها.
وقيل: الأول في معنى الحكم، والثاني في معنى الاطمئنانة.
ثم اختلفوا في الجماعة الذين لا يحتاج معهم إلى السؤال:
فقيل: هم من العشرة فصاعدا.
وقيل: أقلهم تسعة، وقيل: سبعة، وقيل: خمسة، وقيل: ثلاثة.
وخرّج بعضهم أن يكون أقلهم اثنين، فهما جماعة في هذا الموضع كما أنهما جماعة في غيره من نحو صلاة الجماعة، وعقد الإمامة، وعقد التزويج.
وإن سألهم فقال بعضهم: إنها تامة، وشك الباقون، أو قالوا: إنها غير تامة فقيل: يؤخذ بقول القائل بالتمام إذا كان أمينا على ذلك.
وقيل: إنما يؤخذ به إن كان ثقة؛ فلا يؤخذ بقول غير الثقة.
وقيل إنما يؤخذ به عند شك الباقين لا عند منازعتهم.
وقيل: يؤخذ بقول من يوثق به إذا تنازعوا.
وقيل: بقول الأكثر.
والمطلوب من هذه غلبة الظن فإن غلب في ظنه تصديق الأكثر أخذ به، أو الأوثق في دينه أخذ به.
وللأحوال شواهد: فقد يكون الكثير غير حجة، وتكون الحجة في القليل.
وإن سألهم فلم يحفظوا شيئا:
فإن كان قد عرض عليه الشك قبل أن يتم الصلاة أعادوا لأنهم خرجوا منها ولم يعرفوا صحتها.
وإن كان قد عرض له من بعد أن قضى التحيات فليس عليهم إعادة لأن الشك بعد تمام الفعل لا يقدح في صحته.
وإن أخبرهم رجل من غير الجماعة بنقصان صلاتهم أو تمامها فإن كان ثقة قبلوه وجاز لهم الأخذ بقوله لأن خبر الواحد حجة في العمليات.
وإن كان غير ثقة فلا يصح لهم الأخذ بقوله لأن خبره ليس بحجة.
وقيل: إن جعلوه يحفظ لهم صلاتهم جاز لهم الأخذ بقوله ما لم يتهم في ذلك لأنهم جعلوه حجة لهم، وأمنوه أمر صلاتهم فهو مثل الإمام الغير الثقة لهم أن يقلدوه ما غاب به من أمر الصلاة؛ فكذلك هذا، والناس في الصلاة شركاء فهم عليها أمناء.
وإن كان وراءه جماعة فليس عليه سؤال لأن العادة تقضي بأن الجماعة لا يجري عليهم كلهم السهو عن حفظ صلاتهم؛ فللإمام السكوت عنهم إذا سكتوا.
وللشاكّ تقليدهم في ذلك ما لم يقع تنازع؛ فإذا تنازعوا وقع الريب، ووجب الأخذ بالحجة، وإن على قول.
ويناقش فيه: بأنه إذا صح تقليد الشاكّ إياهم فكل من شك منهم جاز له تقليد من غير أن يعرف ما عندهم، فيلزم على هذا صحة أداء الصلاة على شك لأنه يمكن أن يشكوا كلهم من غير أن يتعارفوا فيكون كل واحد شاكا مقلدا.
ويمكن أن يجاب بأن العادة قد جرت فيهم بأنهم لا يشكون معا، حكمة من الله؛ فعلى هذا المعنى جاز التقليد.
وأصل السؤال في هذا الباب حديث ذي اليدين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلّم عن ركعتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟
فقال: كل ذلك لم يكن.
فقال ذو اليدين: بل كان بعض ذلك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجماعة: أصدق ذو اليدين؟
فقالوا: نعم؛ فبنى على صلاته.
وكان هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة والله أعلم.

الصـــورة الثانية
( في شك المأموم)
المأموم إما أن يشك في أمر يشترك فيه مع الإمام أو في أمر يخصه كالإحرام وقراءة الفاتحة.
فإن شك في الأول فله أن يقلد إمامه في ذلك، سواء كان الإمام ثقة أو غير ثقة لأنه قد تقلد أمر الصلاة، وهو من أهل القبلة الدائنين بالصلاة.
وقيل: عليه أن يحفظ صلاته حتى يعلم أنها تمت، سواء كان الإمام ثقة أو لم يكن.
وكأن هذا القائل لا يرى التقليد في الصلاة شيئا ولابد من جوازه لأن المأموم مقلد للإمام في ما غاب من أمر الصلاة.
وليس هذا بأشدّ على أنه أمر مشكوك فقط.
وإن شك في شيء يخصه كما إذا كان يستمع القراءة فشك في الإحرام والحمد فقيل: له أن يمضي على صلاته حتى يستيقن أنه لم يحرم، أو لم يقرأ.
وإن شك في الحمد قبل أن يفرغ منها فإنه يرجع فيعيدها.
وإن وجد نفسه في آخرها وهو مطمئن أنه لا يصير إلى آخرها حتى يبدأ بأولها جاز أن يمضي على صلاته.
وإن لم يشكوا لكن قال الإمام بعد الفراغ إنه على غير طهارة، أو صلى بثوب نجس أو نحو ذلك ناسيا فقيل: لا يقبل قوله حتى يصح ذلك لأنه ادّعى فساد ما كان صحيحا في حكم الظاهر، وقد سقط عنهم التكليف في الظاهر فلا يكون قوله بذلك حجة تلزمهم التكليف بالإعادة.
وقيل: يقبل قوله في الوقت ولا يقبل بعده لأنه ما دام الوقت قائما فالخطاب بالصلاة ثابت حتى تؤدي بصحة لا شبهة فيها، وقوله هو ذلك شبهة توجب عليهم الإعادة.
وعلى كل حال فعليه أن يعيد لأنه قد انكشف له فساد صلاته.
وقيل: ليس عليه إعادة أيضا لأنه قد أداها على ما في ظنه من كمال الشروط وصحة الأداء، وهو غير مخاطب بأكثر من ذلك.
وكان هؤلاء نظروا إلى أن المقصود حصول الفعل على تمام الانقياد وقد حصل فلا إعادة.
ويبحث فيه: بأن تمام الانقياد لا يكون إلا بتمام الصلاة وقد انكشف الحال أنها غير تامة؛ فوجبت الإعادة أو القضاء، وأن الظن المجزئ إنما هو الظن الذي لم ينكشف خلافه، فأما إذا انكشف ضده فليس بمجزئ والله أعلم.

الصـــورة الثالثـــة
( في شـــك المنفــرد)
وقد يشاركه الإمام والمأموم وإنما خصصت بها المنفرد لكونه يختص بها غالبا وسنجعلها في أمور:






الأمــــر الأول
(في مطلق الشك)
الشك نوعان: شك التباس وشك معارضة.
فأما شك الالتباس فهو أن يكون الرجل مشتغلا بذكر الدنيا وهمومها.
فهذا إذا شك فلم يدر ما صلى تفسد صلاته وعليه الإعادة.
وأما شك المعارضة فهو أن يكون الرجل حافظا لصلاته، مقبلا عليها ثم عارضه الشك في قراءتها وركوعها أو سجودها أو عدد ركعاتها، فهذا الذي قيل فيه: إنه لا يلتفت إلى الشك، وليمض على أوثق ما في يقينه.
وقيل: إن الخلاف الموجود في صلاة الشاك متناول للنوعين معا.
قال بعضهم: سمعت أبا مودود وأبا الوليد يقولان: إن من شك في صلاته فإن كان ذلك أمرا يعتاده من قبل إبليس-لعنه الله- وهو مقبل على صلاته فليمض على صلاته، ويتهم إبليس.
وإن كان من أهل الدنيا فليمض على أكثر ظنه حتى إذا قضى صلاته تلك فليعد الصلاة، ولا ينصرف إلا عن حفظ.قال: فذكرت ذلك لأبي الوليد بعد ما كتبته فقال: كذلك سمعنا.
ثم قال: وكان منازل يقول: يمضي على أحسن ظنه حتى يتم شفعا.
قال: وأعجبني قول منازل.
وقال أبو زياد: إن أبا عبيدة وأبا نوح اختلفا في رجل يصلي فتختلط عليه صلاته فلا يدري كم صلى:
قال أبو نوح: يهملها ويستقبل صلاته.
وقال أبو عبيدة: يمضي على أحسن ظنه ثم يستقبل صلاة أخرى، ولا يعتدّ بالتي صلى.
وقال أبو المؤثر: برأي أبي نوح نأخذ.
وقيل: يمضي على أحسن ظنه حتى يتم ركعتين يسلم عنهما.
وقيل: يمضي على أقوى وهمه حتى يتم صلاته، وليس عليه غير ذلك.
ورفع بشير عن أبيه قال: إذا كان الرجل يشك في صلاته صلى ثلاث مرات ثم يمضي على أحسن ظنه في الرابعة.
ونقل ابن المنذر عن سعيد بن جبير وميمون بن مهران أنهم كانوا إذا شكوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كانوا في الرابعة لم يعيدوها.
وقال محمد بن جعفر: قالت لي عبيدة بنت محمد: إن أبا علي موسى بن علي-رحمه الله- رآها قد صلت العتمة وشكت في صلاتها فأبدلتها، ثم شكت في البدل فقال لها: إنما البدل من الشك مرة واحدة؛ فإن شككت أيضا فلا ترجعي تبدلينها لأن ذلك من الشيطان.
قالت: قلت: فإني قد شككت في البدل وأنا أصلي؛ فالذي معي الساعة أني لم أصلها.
قال: دعيها ونامي لأن ذلك من الشيطان.
قالت: فلم أصلها برأيه ونمت فذهب عني الشك.
وقيل: يبدل ما دام الوقت قائما فإن فات مضى على أحسن ظنه.
وقيل: لا يزال يبدل ما لم يستيقن ولو فات الوقت، ولا يفارق الصلاة إلا على يقين.
قيل: وهذا في شك في ركعة تامة.
وقيل: ولو شك في حد من حدود الصلاة لأنه لا يجوز له ترك الحد كما لا يجوز له ترك الركعة.
قال أبو محمد: وللمصلى أن ينصرف عن صلاته إذا كان عنده أنه صلاها ولو لم يكن متيقنا لذلك، واحتج بحديث ذي اليدين المتقدم ثم قال: وكان ذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة.
قال أبو محمد: وفي هذا الخبر دلالة على أن المصلي إذا انصرف عن صلاته على أنه قد صلاها لما عنده من اليقين كان مؤديا لفرضه لو كان لا ينصرف عن يقين لا شك فيه كما قاله بعض أصحابنا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن ركعتين حتى أخبره بعض أصحابه، ولو كان انصرف عن يقين لم يصدقهم فلم يعد إلى الصلاة لأنه لا يترك اليقين إلى الشك.
وقال: وقد عظمت فائدة هذا الخبر وجل خطره لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عن الصلاة ولم يكملها وعنده أنه قد فرغ منها فجائز للناس أن يخرجوا من الفرائض إذ كان عندهم في الظاهر أنهم قد أكملوها وإن لم يعلموا ذلك يقينا.
انتهى كلامه وهو من الحسن في مكان لا يخفى على متأمل منصف.
والحق في ترك الشك لأنه من الشيطان، والقول بتكرير الأداء محتاج إلى دليل.
ولعل حجة القائل به أن التكليف بالصلاة متيقّن ولا يسقط إلا بفعل متيقّن.
قلنا: غير مسلم لقيام الدليل على سقوطه بغالب ظن الصحة، والدليل ما مرّ من حديث ذي اليدين والله أعلم.
















الأمــــر الثاني
(في الشك العارض على حدود الصلاة)
وقد تقدم أحكام ذلك عند الكلام عليها في صفة الصلاة، والمقصود هاهنا جمعة في موضع واحد.
فمن شك في حد بعد أن خرج منه وصار في غيره قال موسى بن علي: يمضي على صلاته.
وكذلك قال غيره أيضا.
وقيل: يرجع حتى يستيقن.
ثم اختلف القائلون بأنه لا يرجع في شيئين:
أحدهما: في صلاته إن رجع:
فقيل: تفسد صلاته إذا رجع إلى الشك لأنه في حكم المكرّر لحدود صلاته وهو خلاف المشروع.
وقيل: لا تفسد إذا رجع على قصد الاحتياط يظن أنه يجوز له.
وثانيها: تكبيرة الإحرام: هل هي كغيرها من الحدود؛ فإذا شك بعد أن جاوزها لا يرجع إليها أو أشد وعليه أن يعيدها لأن الأصل أنه لم يكبرها لأنه لا يدخل في الصلاة إلا بها؟
قولان، ذهب الأكثر إلى الأول.
واختار أبو محمد الثاني محتجا بأنه لو نسى تكبيرة الإحرام فسدت صلاته بإجماع الأمة.
قال: ولو ذكر أنه نسى غيرها من التكبير لم تفسد صلاته.
قال: حتى قال أهل الخلاف: إنه لو تعمد لترك ذلك كله كانت صلاته ماضية.
وهذا الاحتجاج كما ترى غلط بيّن لأنهم لم يقيسوا تكبيرة الإحرام على سائر التكابير وإنما جعلوها كسائر الحدود، وأنت خبير أن ترك الحدّ في وسط الصلاة أو آخرها كتركه في أولها.
وإنما شدّد في تكبيرة الإحرام لأن الدخول لا يكون إلا بها لكونها تكبيرة.
ومن شك في الحدّ قبل الخروج منه:
فقيل: عليه أن يعود إليه فيحكمه.
وقيل: يمضي على عادته في ذلك.
مثاله من شك في فاتحة الكتاب قبل أن يجاوزها إلى غيرها فقيل: يبدأ بها لأن الحدود لا تجاوز إلا بعد الإحكام.
وقيل إذا بلغ إلى آخرها فلا يرجع إلى الشك لأنه لم ينتبه إلى آخرها إلا وقد ابتدأ بأولها لأن العادة من الناس لم تجر أنهم يبتدئون من أوسط فاتحة الكتاب.
وإذا كانت العادة قد جرت بخلاف ما شك فيه المصلي لم يكن للشك حكم يدفع العادة التي هي مثل اليقين.
وهذا الحكم مطرد في جميع أركان الصلاة.
قيل لأبي سعيد في المصلي إذا شك في قراءة السورة بعد الرفع من الركوع فقرأها وركع ثانية قال: قد قيل: إن صلاته منتقضة إذ ليس له أن يركع لأجل الشك إلى حدّ خرج منه.
قيل له: ولو شك في حين انحطاطه للركوع قال: في بعض القول: له أن يرجع ما لم يستو راكعا.
وقيل: ليس له ذلك لأنه قد خرج من الحدّ.
قيل له: فلو شك بعد أن استوى راكعا ثم ركع فقرأ: هل يلحقه الاختلاف؟
قال: لا يبين لي في ذلك اختلاف على قولهم: إنه إذا خرج من الحد ليس له أن يرجع إليه.
وهذا كله على معنى قوله.
ومن شك في السجدة وهو في قعوده: هل سجد واحدة أو اثنين؟ زاد سجدة أخرى ليكون على يقين من أمره.
ومن كان في السجدة الثانية فشك في الأولى فليس له أن يرجع إليها إلا إذا علم أنه لم يسجد بناء على أنهما حدان.
وقيل: له بناء على أنهما حد واحد.
وإن شك الإمام في السجدة الأولى فكره أن يحمل الجماعة على الشك فقيل: له أن يقوم من سجدته برفق ثم يرجع يسجد من غير أن يعلم من خلفه فيكون قد احتاط لنفسه.
قال ابن المسبح: لا ينبغي له أن يفعل في صلاته شيئا سرا فيكون قد خان من خلفه غير أنه إن شك زاد سجدة فمن علم أنه سجد سجدتين وقف، ومن شك مثله سجد معه.
ومن شك بعد ما قام أنه سجد سجدة واحدة فقيل: إن لم يدخل في القراءة سجد أخرى، فإذا أتم صلاته سجد سجدتي السهو.
ويخرج على قول آخر: أن ليس له الرجوع.
ومن شك في السجد بعد أن قعد للتحيات فقيل: له أن يسجدها ما لم يدخل في قراءة التحيات.
فإن دخل فيها ثم شك فليس له أن يرجع.
فإن رجع ففي صلاته الخلاف المتقدم آنفا.
ومن قعد للتحيات فلم يدر: أهو في الجلسة الأولى أم الآخرة؟
قال أبو معاوية: يتم ثم يسلم ثم يستقبل صلاته.
قال أبو القاسم سعيد بن قريش: يقوم فيأتي بما بقى من الصلاة.
قال أبو عبد الله محمد بن سليمان بن المهنا: إنه فعل ذلك.
ومن جاء إلى قوم وهم في الصلاة وقد سبقوه بشيء فلما سلم الإمام قام ليقضي فشك: أدركهم في القيام أو الركوع أو السجود أو السجدة الأولى أو الآخرة؟
فقيل: يقضي إلى آخر عمله من ذلك لأن ذلك المتيقن من صلاته.
وقيل: يعيد الصلاة حتى يستيقن لأنه لا ينفع العمل على الشك.
ومن شك في حال القعود: أنه صلى ثلاثا أو أربعا؟
قال موسى بن علي: يأتي بركعة بما فيها ليكون على يقين.
قال: وإن كان قد صلى أربعا لم تضره تلك الركعة الخامسة لأنه قد بقى عليه التسليم.
وإن كان قعد للثالثة فقد أتى بالركعة وقد تمت صلاته.
وقال غيره: هذا في ما يكون من الصلاة ثلاث ركعات كالمغرب والوتر.
وأما الرباعية فإنه إن شك في ركعتين أتى بهما بعد ذلك القعود؛ فإن كانت زيادة فهي بعد التحيات، وإن لم تكن فقد أدى ما عليه.
قال ابن المسبح: إذا لم يدر ثلاثا أو أربعا أعاد صلاته.
وروى هذا القول عن ابن عمر وابن عباس وعبدالله بن عمر وشريح والشعبي وعطاء وسعيد بن جبير.
ونقل الوضاح عن أبي بكر الموصلي: أن من زاد ركعة في صلاته أعادها، والصلاة كما فرضها الله لا زيادة فيها ولا نقصان.
وزاد قومنا ثلاثة أقوال أخرى:
الأول- وهو موافق لبعض ما عندنا: أنه يبني على اليقين ويسجد سجدتي السهو.
ونسب إلى ابن مسعود وسالم بن عبدالله.
قال ابن المنذر: وبه أقول لحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:« ألق الشك وابن على اليقين وإذا استيقنت فاسجد سجدتين وأنت جالس».
قال أبو محمد: نحب أن يعتبر معنى قولهم لأن أصحابنا قد وافقوا أهل هذا القول.
وفارقهم موسى بن علي في عدد الركوع على غير الوصف الذي ذكرنا.
وثانيها: قول بعضهم: يعيد المكتوبة ويسجد سجدتي السهو.
وروي ذلك عن سعيد بن جبير: قال بعضهم: إذا لم يدر كم صلى سجد سجدتي الوهم.
وروي هذا عن أبي هريرة.
وهذان القولان عند قومنا زائدان على أقوال أصحابنا.
وأما الباقية فموافقة لما قلناه والله أعلم.



الأمــــر الثــالث
(في ما ينبغي فعله لمن ابتلى بالشك)
من ابتلي بالشك فإنه ينبغي له أن يحتال في دفعه حسب طاقته، بل يجب عليه ذلك لأنه دفع عن دينه لأن الشك من الشيطان، وأنه أراد أن يلبس على المؤمن إيمانه، ويخلط عليه أمره؛ فينبغي له أن يأخذ بأرخص الأقاويل ليقوى بذاك على دفع عدو الله، ويقبل على صلاته.
قال محمد بن جعفر: كنت أعني بالشك فأسأل محمد بن محبوب وسعيد بن محرز وسليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة وغيرهم من الفقهاء فقال محمد بن محبوب-رحمه الله-: إنما القلب لحمة؛ فإذا كثر عليك الشك انقطع الإنسان فلم يعرف لنفسه متوجها كاللحمة كلما أكثرت عليك الشك انقطع الإنسان فلم يعرف لنفسه متوجها كاللحمة كلما أكثرت مسها امتغت.
وقال: إن الكلمة إذا خرجت منك ليست بصورة فتبصرها، ولا لها أثر فيعرفها، وإنما هي تمضي فلا ترجع، ولا تتردّد في صلاتك، وامض فيها، ولا ترجع إلى الشكوك.
قال: وكنت أسأل سعيد بن محرز فإذا أفتاني بشيء ربما رجعت إليه وأقول له: لم ذلك؟ فيقول لي: اقبل ما أقول لك، فلا أقنع حتى أعرف كيف حل ذلك الشيء أو كيف حرم فيقول: إنما أخبرك بذلك مخافة أن يدخل عليك في ذلك معنى آخر من الشك، ويفتح لك الشيطان له أبوابا أخرى.
وقال محمد بن محبوب: يجوز للذي يشك في صلاته أن يجهر بجميع صلاته، وبما فيها من قراءة وتسبيح وتحيات حتى يسمع ذلك من يحفظ عليه ليعلمه أنه قد أتم صلاته لحال حاجته إلى ذلك.
قال: ويجوز أن يحفظ على المصلي صلاته الواحد الثقة.
فإن حفظت عليه صلاته أمة مملوكة ثقة فيقبل قولها ويأخذ به.
وإنما رخص له في هذا كله لحال الضرورة، ويباح في الضرورة ما لا يباح في الاختيار.
والظاهر أن تبديل السر بالجهر لا يصح لا لشك ولا لغيره.
وعلى الشاك أن يترك شكه ويأخذ بالجادة في أمره، وإلا لعب به الشيطان في كل موطن، والله حسبنا ونعم الوكيل.

(الكلام في ما ينقض الصلاة من عوارض الفم)
ثم إنه أخذ في ما ينقض الصلاة من عوارض الفم فقال:
ثم الكلام باللسان مفسد*ش* إلا بذكر الله حين يرده
على الخطأ فالخلف فيه ذكرا*ش* والضحك فيها ناقض إذا طرا
يعني أن الكلام مفسد للصلاة عمدا أو خطأ إلا إذا كان من ذكر الله تعالى فإنه إذا ذكر الله في الصلاة بغير ما يقال فيها خطأ قيل: بتمام صلاته، وقيل: بفسادها.
وكذلك الضحك مفسد لها إن كان عمدا أو خطأ والله أعلم.
وفي المقام مسألتان:













المســـألة الأولى
( في الكــــلام)
في هذه المسألة أمور:
الأمــــر الأول
(في حقيقة الكــــلام)
الكلام موضوع لجنس ما يتكلم به، سواء كان كلمة على حرف كواو العطف أو على حرفين أو أكثر أو كان أكثر من كلمة، وسواء كان مهملا أم لا.
ثم اشتهر الكلام في المركب من حرفين فصاعدا.
فخصصه النحاة بالفهم للفائدة.
وليس المقصود هاهنا اصطلاح النحاة ولكن ما عليه أهل اللغة.
فكل كلام في اللغة فهو ناقض للصلاة إذا كان على العمد.
قال محشي الايضاح: وانظر هل يدخل في ذلك إشارة الأخرس لأنهم جعلوها كالكلام؟ أولا لأنها ليست بكلام حقيقة؟ وصلاته باطلة لزيادته فعلا والله أعلم.







الأمـــر الثــاني
(في تحريم الكــلام في الصــلاة)
اعلم أن الكلام في الصلاة قد كان في أول الإسلام جائزا ثم نسخ.
قيل: بمكة، وقيل: بالمدينة.
قال السبكي: أجمع أهل السير والمغازي أنه كان بمكة حين قدم ابن مسعود من الحبشة في صحيح مسلم وغيره.
وقال غيره: صح ما يصرح بكل منهما في البخاري وغيره؛ فتعيّن الجمع.
والذي يتجه فيه: أنه حرم مرتين:
ففي مكة حرم إلا لحاجة.
وفي المدينة حرم مطلقا.
قال أبو محمد: خرج ابن مسعود إلى أرض الحبشة ثم عاد فوجد النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فكلّمه فلم يتكلم.
قال ابن مسعود: فأخذني ما بعد وقرب فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: يا عبد الله، إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث أن حرم الكلام في الصلاة.
وفي رواية عن ابن مسعود أيضا قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا السلام؛ فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال: إن في الصلاة لشغلا.
وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة فيسلم الرجل فيردون عليه فيسألهم كم صليتم كفعل أهل الكتاب فنزل قوله تعالى: وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ 46 فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام والله أعلم.

الأمــــر الثـــالث
(في الكــــلام بذكـــر الله تعــالى)
وقد اختلف في الكلام بذكر الله تعالى إذا كان من غير ما يقال في الصلاة:
فقيل: ينقض صلاته لأنه أدخل في صلاته ما ليس منها.
وروي عن أبي عبيدة مسلم-رحمه الله-: أنه لم ير بأسا بالتحميد والتسبيح والتعظيم بعد تكبيرة الإحرام.
وقال غيره: من قال في صلاته (الحمد لله أو أستغفر الله أو صدق الله) أو أشباه ذلك انتقض صلاته وإن كان ناسيا.
قال أبو معاوية: من قال (الحمد لله) فلا أرى عليه بأسا، وأما إن قال (صدق الله) فقد اختلف في ذلك، وأحب أن يعيد.
وقال آخرون: إذا تكلم بما في القرآن فلا إعادة عليه ما لم يرد بذلك أمرا أو نهيا، أو خطابا لغيره، أو ردّ جواب لمن سأله، أو استفهاما لغيره، أو جرّ بذلك لنفسه منفعة، أو دفع عنها مضرة، أو عن غيره.
سواء كان ذلك في السورة التي يقرأ منها أو من غيرها.
قالوا: والسهو في هذا كله لا يفسد الصلاة لأنه لم يبلغ منزلة الكلام.
وقيل: لا بأس أن يسبح لرجل يستأذن عليه إذا أراد أن يدخل.
وكذلك قيل: له أن يرفع صوته بما فيه من الصلاة.
وقالوا: لو سبح مرارا لم يكن عليه بأس.
والمرأة تسبح أيضا أو تصفق بيدها على يدها أو فخذها.
ودليلهم في هذا: قوله صلى الله عليه وسلم:«من نابه شيء في صلاته فليسبح».
وجاءت الرواية أن المرأة تصفق.
وأقول: إن هذا مختص بالإمام إذا سها.
ثم اختلفوا في من دعا ناسيا بشيء من أمر الدنيا بعد التحيات الأولى:
فقيل: يعيد الصلاة، وهو الصحيح.
وقال أبو الحواري: لا يضره دعاؤه إذا كان ناسيا.
احتج المانعون بقوله صلى الله عليه وسلم:« صلوا كما رأيتموني أصلي»؛ فلا يصح في الصلاة شيء لم يُرَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
احتج المرخصون بحديث حذيفة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأ بسورة البقرة، وكان لا يمر بآية العذاب إلا استعاذ، ولا بآية الرحمة إلا سأل، ولا بآية التنزيه إلا سبح.
والجواب: أن هذا محمول على الحال الذي كان قبل تحريم الكلام والله أعلم.













الأمــــر الرابــــــع
(في الكــــلام بغير ذكر الله تعــالى)
اعلم أن كل من تكلم في صلاته عامدا لغير معنى بطلت صلاته بإجماع الأمة.
واختلفوا بعد ذلك في ثلاثة أمور:
أحدها: من تكلم عامدا يريد بذلك إصلاح صلاته.
فذهب أصحابنا والشافعي وأصحاب الرأي إلى فسادها وقالوا: عليه الإعادة لقوله صلى الله عليه وسلم:« إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس».
وقالت طائفة من قومنا: أن تكلم لعذر فليس عليه شيء، سواء كان لإصلاح صلاته أو غيرها.
قالوا: ولو أن رجلا قال للإمام وهو جاهر بالقراءة في صلاة العصر: إنها العصر لم يكن عليه شيء.
ولو نظر إلى غلام يريد أن يسقط في بئر فصاح به أو انصرف إليه أو انتهره لم يكن بذلك بأس.
ولعل حجتهم حديث ذي اليدين؛ فإنه صلى الله عليه وسلم تكلم وتكلموا لإصلاح صلاتهم ثم بنوا عليها.
والجواب: أن ذلك كان قبل نسخ الكلام.
ولو سلمنا فغاية ما فيه الكلام لإصلاح الصلاة؛ فمن أين لكم أنه في إصلاح غيرها لا يفسد؟
وثانيها: في من تكلم ساهيا:
فذهب أصحابنا وطائفة من قومنا، منهم أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يستقبل صلاته لأن الكلام مفسد على العمد والنسيان، ودليل المنع لم يفرق بين حال النسيان وحال العمد.
وقالت طائفة من قومنا: يبني على صلاته ولا إعادة عليه.
وهو قول الشافعي وأحمد ونسبه ابن المنذر إلى عروة بن الزبير.
قال: وصوّبه ابن عباس، وروي ذلك عن ابن مسعود.
ولعل حجتهم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، والسهو مثل الخطأ، وإذا رفع عنه ذلك فلا نقض عليه به.
والجواب: أن المراد رفع الإثم عن الخطأ والنسيان لا رفع جميع أحكامهما فإن القائل خطأ تلزمه أحكام قتل الخطأ مع أنه لا إثم عليه إجماعا فكذلك هاهنا.
وتوضيح الجواب: أن الكلام من أسباب النقض للصلاة، وأن الأسباب لا يراعي فيها العمد والنسيان؛ فهو كالخارج من السبيلين ينقض كيف ما كان على العمد أو النسيان.
وثالثها: في من سلم ساهيا وعليه بقية من صلاته:
فذهب بعض أصحابنا إلى أنه يستأنف الصلاة.
وذهب آخرون منا وكثير من قومنا إلى أنه يبني على صلاته إذا ذكر، ويسجد سجدتي السهو.
حجة الأولين: أن السلام كلام فحكمه حكم الكلام في الصلاة لأنه لا يفعل داخل الصلاة، وإنما يفعل للخروج منها؛ فكأن المسلم قد خرج عن صلاته، سواء كان ساهيا أو عامدا.
وحجة الآخرين حديث ذي اليدين المتقدم، وفيه: أن ذلك كان قبل تحريم الكلام؛ فالسلام فيها كالسؤال عن حالها فإنه صلى الله عليه وسلم بنى بعد أن سلَّم وسأل عن الواقع والله أعلم.
ثم اختلف القائلون بالبناء:
فمنهم من قال: يبني ما لم يتحوّل من مقامه أو يقوم إلى صلاة غيرها.
ومنهم من قال: يبني ما لم يدخل في صلاة غيرها.
ومنهم من قال: يبني ما لم يصل من الثانية ركعة تامة.
ومنهم من قال: يبني ولو صلى ركعة تامة إذا ذكر بناء على القول بأن زيادة ركعة على غير العمد لا تضر بعد تمام التحيات.
وأما المعتبرون للتحول أو القيام إلى غيرها فإنهم لحظوا معنى الترك للصلاة الأولى؛ فهو بفعله هذا في حكم المنتقل عنها.
وأما القول بالبناء ما لم يدخل في صلاة غيرها فقد ألغى معنى التحول والانتقال لأنه إنما كان عن غير قصد، فإذا دخل في غيرها تبين التحوّل المحقق، قصده أو لم يقصده.
وقد قيّد بعضهم هذه الأقوال بما إذا لم يدبر بالقبلة أو يتكلم بشيء من أمور الدنيا.
وهو قيد واضح لابد من اعتباره والله أعلم.


















الأمـــــر الخـــامس
(في ما يلحق بالكـــلام)
ما يلحق بالكلام أشياء:
منها: التنحنح: وهو إما أن يستعين به على إزالة شيء شجا حلقه ومنعه من القراءة أو من الجهر بها، أو شغل باله أو نحو ذلك فإنه لا بأس عليه لأنه من مصالح صلاته.
وينبغي له أن لا ينطق معه بحائين فإن أمكنه ذلك وإلا عذر في إزالته بما أمكنه.
وقيل: إن تنحنح حين تعايا في القرآن انتقضت صلاته إلا أن يكون لشيء وقع في حلقه.
وعلى هذا فالتنحنح ناقض إلا لإزالة ما يشجي الحلق وإن كان لغير عذر.
فأما أن يريد به كلاما أو يسمع أحدا فهذا تفسد صلاته.
وأما أن يتنحنح لغير معنى فقيل: مكروه ولا نقض عليه.
وقيل هو العبث، وهو ناقض على قول.
ومثله التحمحم والطحير والنخير والأنين والنشيج.
وقال بعضهم: النشيج أشد من التنحنح. قال: وأخاف أن يكون عملا.
قلت: ليس هو بأشد منه إن لم يكن أخف منه لأن غالبه ضروري.
وقد اختلف قومنا في الأنين:
فقالت طائفة: يعيد صلاته.
وقال ابن المبارك: إن كان عالما لم يعد.
ولعل معناه: أن العالم لا يفعل ذلك إلا لوجه يجوز له.
قال أبو سعيد: كان بعض الفقهاء لا يرى جواز الصلاة خلف من يطحر في الصلاة، سواء كان ذلك بعمد أو غير عمد.
ومنها: إذا قال في صلاته: أخ، أو قال:اهّ، أو نفخ فقيل: إن صلاته منتقضة لأنه من جنس الكلام.
وقيل: كل كلام لم يتبيّن لا يفسد الصلاة إلا إذا تعمد ذلك.
قال الشيخ عامر: وسبب اختلافهم عندي: هل هو كلام أو لا؟
قلت: والصحيح أن أخ واهّ كلام لأن كلا منهما مبني على حرفين، دال على معنى.
ومنها: إن عارضه في صلاته العطسة أو السعلة أو الفواق أو ما أشبه ذلك فإنه لا بأس عليه في صلاته لأنه مغلوب، وجائز له أن يعين عليه حتى يزول لأن هذا إصلاح لصلاته ما خلا التثاؤب فإنه يرده ويقطعه بيده، ويجعل يده على فيه، ويغلق فاه حتى يزول لأن زوال التثاؤب إنما يكون برده.
وقال بعض: يجعل ظهر يده على فيه.
وقيل: ليس له أن يجعل يده على فيه.
وقيل:مكروه.
والصحيح الأول لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل».
وفي حديث آخر:«فليضع يده على فيه».
وقال أبو هريرة: إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع ولا يقل ها فإنما ذلكم من الشيطان يضحك منه.
وقال محمد بن محبوب: من تزايد في التثاؤب نقض صلاته وإن لم يسمعه من خلفه، وإن لم يتزايد لكن سمعه من خلفه من الصفوف نقض صلاته أيضا.
وقيل: لا نقض عليه لأنه مغلوب عليه وليمسك عن القراءة حتى يزول التثاؤب.
وإن قرأ وبانت الحروف فلا نقض ولا يعود إلى ذلك.
وقال الشيخ عامر: إن أتمّ حروفه في قراءته مع ذلك فليمض على صلاته كذلك.
وإن شغله ذلك عن صلاته وتمام حروفه فليقطع القراءة والعمل الذي كان فيه حتى يزول عنه ذلك ما لم يقعد مقدار ما يتم فيه العمل الذي استقبله.
وقال بعضهم: له أن يؤخر ما لم يزل عنه ذلك، ولم يخف فوات الصلاة.
فإن خاف فوات وقت الصلاة فليقصرها كما أمكنه.
ومنها: البكاء وتنفس الصعداء.
واختلف في نقض الصلاة بهما:
فمنهم من قال: إنهما ناقضان لها مطلقا وعليه الإعادة لأنهما ليسا من أفعال الصلاة.
ومنهم من قال: إن كان ذلك لأمر آخرته فلا تنقض صلاته لأنه ثمرة الخوف المشروط في الصلاة.
وإن كان لأمر دنياه انتقضت صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن في الصلاة لشغلا».
وقيل: إذا لم يستطع إمساكه فلا نقض عليه ولو كان لغير أمر الآخرة.
وقال أبو عبدالله: من بكى وتشنج لغير أمر الآخرة حتى سمعه من خلفه انتقضت صلاته.
ثم اختلفوا في من بكى على ميت:
فقيل: تنتقض صلاته.
وقيل: لا نقض إلا أن يبكي حزنا على الميت.
والصحيح إن كان مغلوبا عليه فلا نقض عما لم يجاوز العادة من بكاء المصلي.
وإن كان غير مغلوب عليه انتقضت صلاته، سواء كان من خوف الله أو من أمر دنيوي لأنه جلبه باختياره، وأما المغلوب فلا اختيار له وإن جاوز صلاته.
وذلك كبكاء من يتوجع من الشيء ويظهر صوته كأن لم يكن في الصلاة؛ فإذا بلغ البكاء إلى هذا الحال أعاد صلاته، سواء كان مغلوبا أو مختارا.
والدليل على عدم نقضه في الحالة الأولى قوله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ 47 فإنه أثنى عليهم في بكائهم حال الانخرار.

وعن عبد الله بن شداد قال: سمعت عمر بن الخطاب وأنا في آخر الصفوف يقرأ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ 48.
وقد فسّروا هذا النشيج بأنه بكاء من خشية الله من غير انتحاب ولا ظهور حرفين ولا حرف منهم.
وعن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس.
قال عائشة: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصلّ.
فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.
ففي هذا الحديث دليل على أن البكاء من الغلبة غير ناقض والله أعلم.












المســـــألة الثانية
(في الضـــحك في الصـــلاة)
الضحك ناقض للصلاة، سواء كان تبسما أو قهقهة.
وعلى المقهقه الوضوء لما روي أن أعمى دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه فوقع الأعمى في بئر فضحك بعض المأمومين، فقيل: منهم عمار بن ياسر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد صلاته ووضوءه.
وفي حديث آخر: قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من قهقه في الصلاة انتقضت صلاته ووضوءه جميعا».
وقيل: لا نقض على من ضحك أو كشَّر ما دون القهقهة لا في صلاته ولا في وضوئه.
ونسب إلى أبي علي، وبه جزم الشيخ عامر في الايضاح، وعلله بأنه لا يمتنع من ذلك.
قال المحشي: وفي بعض كتب الشافعية: والتبسّم لا يبطل الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تبسّم فيها فلما سلم قال: مرّ بي ميكائيل فضحك لي فتبسمت له.
قال: وإنما كتبته لموافقته.
قال أبو سعيد: الضحك يفسد الصلاة، والتبسّم من الضحك؛ قال الله تعالى: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا 49.
قال الربيع: من ضحك في الصلاة جنازة أو غير جنازة وهو إمام أعاد وضوءه وصلاته.
وقال سعيد بن محرز: من كشّر في الصلاة انتقضت صلاته، ومن قهقه انتقض وضوءه وصلاته.
وقيل: ما لم تكشّر أسنانه فلا نقض عليه ولو شد شفته على أسنانه بيده كيلا يكشر، وهو قول أبي عبيدة-رحمه الله.
وفرع عليه بعض المتأخرين أنه إن عناه الضحك حين أخذ في الانخرار للركوع أو السجود فأمسك عن التكبيرة خوفا أن تظهر أسنانه فلما استوى راكعا أو ساجدا كبّر حينئذ تكبيرة الانخرار فإنه لا يبلغ به إلى نقض صلاته.
ومنهم من قال في من عرض له الضحك في الصلاة حتى أمسك وبقى لا يضحك ولا يصلي حتى ذهب عنه الضحك ثم مضى في صلاته إنه لا بأس عليه ما لم يضحك.
والقهقهة الضحكة التي يمتخض معها البدن.
والتبسّم ضحك لا صوت معه.واختلفوا في حركة القلب بالضحك:
فقيل: هي بمنزلة القهقهة.
وقيل: لا شيء، ولا تفسد الوضوء ولا الصلاة.
وحكم الضحك واحد في حال الغلبة والاختيار، وليس هو كالبكاء.
وفرّق بينهما الصبحي بأن الضحك من أسباب المعاصي والبكاء من أسباب الطاعة والله أعلم.












خاتمـــــــة
(في البزّاق والنّخاع إذا اشغلا المصلى)
فأما البزّاق فله أن يسيغه لأنه من مواد الفم.
ويجوز له أن يدفعه إلى الخارج إذا تجمع وحاف أن يشغله.
وأما النخاع الطالع من الصدر أو النازل من الرأس فإنه إذا شغله في صلاته ألقاه إلى الخارج، وليس له أن يبتلعه لأنه مجلوب إلى الفم، وليس هو من مواده؛ فإن بلعه أعاد صلاته، وهو قول أبي معاوية.
وقال بعضهم: لا إعادة عليه تنزيلا له منزلة الريق لأن كل واحد منهما لا يمتنع منه.
وقيل: إذا كانت من الصدر نقض الصلاة إن سرطها، وأما إن كانت من الحلق والرأس فلا نقض عليه بسرطها.
وقيل: إذا جاءت من صدره فسرطها على العمد انتقضت صلاته، وأما على الخطأ فلا.
وإذا أراد أن يبصّق فليبصَّق على يساره، ولا بأس عليه بصرف وجهه لهذا المعنى.
ولا يبصّق على يمينه لنهيه صلى الله عليه وسلم عن البزاق عن يمين الرجل.
قال أبو سعيد: ولأنه قيل: إن الملائكة تجئ على اليمين وابليس- لعنه الله- على الشمال.
ولا يبصق قدامه لأنه وجه قبلته.
وقال أبو معاوية: يبزق على يساره أو تحت قدمه اليسرى يحفر لها ثم يبزق ويدفنه بقدمه، ويحفر مرة بعد مرة حتى يسترها.
وإن بصق على هيئته ولم يمد على يساره فلا بأس عليه.
وقال ابن محبوب: وإن بزق على يمينه أو بين يديه فلا نقض عليه، وينبغي أن يبزق على يساره.
قال أبو جابر: من جاءته نخاعة أو بزاق أو مخاط فكبّس وتمخّط أو بزّق في تعليه أو في الأرض، أو كان على حصير وأمكنه أن يرفعه ويبزق تحته فلا بأس عليه.
قال ابن المسبح: إن تقدم موضع سجوده نقض، وإن تأخر حتى يسجد في موضع قدميه نقض، هكذا قال ابن محبوب-رحمه الله.
وقيل: إن تقدم أو تأخر بقدر خمس خطوات فلا نقض.
وكره بعض المسلمين أن يجعل إحدى نعليه على الأخرى إذا بزق إلا أن تكون من قبل فوق الأخرى فرفعها ثم بزق؛ فله أن يردها.
وقال أبو عبدالله: يضعهما كذلك؟ فإن فرقهما نقض.
ولا يقعد لوضع البزاق في النعل ولكن يتمايل ويأخذ النعل فيضعها فيها ثم يردها.
وإن قعد كره له ذلك.
وإن حفر برجله اليسرى وهو قائم، أو بيده اليسرى وهو جالس ودفن فلا بأس.
وقيل في من عناه مخاط فحفر له في الحصى ودفنه فعليه الإعادة.
وإن تركه في الحفرة حتى صلى ثم دفنه فلا إعادة.
قال هذا القائل: ولا نحب له أن يفعل ذلك في المسجد.
وإن بزق تحت قدمه اليسرى أو في ثوبه فلا بأس.
وقال أبو عبدالله: لا يبزق في ثوبه إلا أن يكون في الكعبة لأنه روي عن ابن عباس أنه قال: لا تبزق في ثوبك إلا في الكعبة.
وقال أبو سعيد في من أحل البزاق أو النخاع بلسانه حتى ظهرت على فمه فأخذها بثوبه أو بيده إن هذا يشبه معنى العبث.
وقال في موضع آخر: إذا كثر عليه البزاق فليسلخه سلخا ولا يتفله تفلا، وينبغي أن يسرطه ولا يدعه يجتمع.
وإن لم يسرطه تركه على حياله يسيل من شفتيه ولا يمثّه بثوبه.
وقال غيره في المخاط: إن المصلى يمث منه ما خرج من منخريه ولا يتعمد لقلع ما لم يخرج.
وقال أبو عبدالله: يقذف ما كان يتنشج منه.
ومن وجد ريحا في معدته فتجشى فلا بأس عليه إذا كان يؤذيه تركه.
وقال أبو عبدالله: إذا اجتلب الجشا نقض، وإن جاء بغير اجتلاب فلا بأس عليه والله أعلم.
(الكــــلام في ما ينقض الصـــلاة)
(من العوارض البدنية)
ثم أخذ في بيان ما ينقض الصلاة من العوارض البدنية فقال:
كذاك إن رمى بوجهه إلى*ش* بعض الجهات عامدا قد بطلا.
وقيل لا حتى يرى السماء أو*ش* يرى الذي من خلقه كذا حكوا
ومن يكن مستمعا بالأذن*ش* وإن نسى حتى يطول فافطن
كذاك ما يطرّو على الإنسان*ش* ينتقض إن طال على النسيان
وكل فعل لم يكن صلاحا*ش* لها فنقضها به قد لاحا
يعني أنه ينقض الصلاة الالتفات وهو: أن يرمي بوجهه إلى بعض الجهات المخالفة لقبلته.
وقيل: لا تفسد حتى يرى من خلفه إن نظر مدبرا، أو يرى السماء إن نظر إلى فوق.
والمعنى أن الالتفات الذي دون ذلك وإن كان منهيا عنه فلا يبلغ في شدته مبلغ هذا الالتفات.
وكذلك من يستمع بأذنه إلى شيء من غير أمر الصلاة متعمدا.
وإن استمع ناسيا فلا ينقض حتى يطول استماعه.
وكذلك كل ما طرأ على الإنسان على غير العمد فإنه لا ينقض إلا إذا طال.
فلو أشغل نظره بغير ما يخص الصلاة متعمدا نقض عليه، وإن فعل ذلك ناسيا فلا نقض حتى يتطاول.
وكذلك من اشتغل قلبه عن صلاته ساهيا فإنه لا ينقض إلا إن طال.
وكذلك كل فعل لم يكن صلاحا لصلاته فإنه إن فعله عامدا انتقضت صلاته، وإن كان ناسيا فحتى يطول والله أعلم.
وفي المقام مسائل:

المســـــألة الأولى
(في الالتفـــــات)
الالتفات هو أن يرمي بوجهه يمينا وشمالا.
وقد اختلف في حكمه:
فذهب الجمهور إلى كراهيته تنزلها.
وقالت الظاهرية، والمتولي وأظنه من الزيدية: إنه حرام إلا لضرورة.
وهذا ما لم يستدبر القبلة أو كله.
فإن استدبرها حرم إجماعا وفسدت صلاته لأنه ترك القبلة التي هي شرط الصلاة.
ولا نقض بما دون ذلك على الأكثر القول إلا إذا خرج مخرج العمل فإن العمل عندهم ناقض، والخلاف في النقض بالعبث.
قالت عائشة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال:
هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد.
وعن أنس: يا بني، إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولابد ففي التطوع لا في الفريضة.
وفي حديث أبي ذر: لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت؛ فإذا صرف وجهه انصرف عنه.
وفي حديث عن جابر: إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه، فإذا التفت قال: يا بن آدم، إلى مَن تلتفت؟ إلى مَن هو خير مني؟ أقبل إليّ، فإذا التفت الثانية قال مثل ذلك، فإذا التفت الثالثة صرف الله وجهه عنه.
والوجه في هذا الحديث الرحمة لحديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه».
وعن أنس مرفوعا: المصلي يتناثر على رأسه الخير من عنان السماء إلى مفرق رأسه وملك ينادي: لو يعلم العبد من يناجي ما التفت.
فإن قيل: لم شرع سجود السهو للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره مما ينقض الخشوع؟
أجيب: بأن السهو لا يؤاخذ به المكلف فشرع له الجبر دون العمد ليتيقظ العبد فيجتنبه والله أعلم.
















(تنبيهــــــان)
التنبيـــــه الأول
( في ما يؤمر به المصلي في جعل نظره)
يؤمر المصلي أن يجعل نظره في موضع سجوده إلى طرف قدميه، ويقصر النظر عما فوق ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لأنس: اجعل بصرك حيث تسجد.
وقيل: يستحب للمصلي أن ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي التشهد إلى حجره.
وقال بعض قومنا: يسن لمن بالمسجد الحرام أن ينظر إلى الكعبة.
وقال بعضهم: يجوز للنفل دون الفرض.
ورُدّ القولان معا بأنه استثناء لم ينقل فكان في حيز الطرح لمخالفته الحديث، وبأنه يلهى عن الخشوع، وبما صحّ عن عائشة: عجبا للمسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف، يدع ذلك إجلالا لله تعالى، دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلّف بصره موضع سجوده.
وما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نظر في صلاته فيها لمحل سجوده، فكذا خارجها إذ لا قائل بالفرق.
ولذا سن للطائف أن لا يجاوز بصره محل مشيه لأنه الأدب الذي يحصل به اجتماع القلب.
ثم اختلفوا في شيئين:
أحدهما: من نظر إلى السماء من فوق رأسه:
فقال بعضهم: أخاف عليه النقض.
وقال آخرون: ينقض إن تعمد، ولانقض إن نسى.
وقيل: لا نقض مطلقا.
وأما إن نظرها من تلقاء وجهه فقال بعضهم: أرجو أن لا يكون عليه نقض.
ولعل القائل بالنقض رآى أنه ترك القبلة بوجهه، واستقبالها بالوجه شرط لصحة الصلاة.
ولعل القائل بعدم النقض رآى أنه مادام مستقبلا بجسده لا يعد مستدبرا لها لأنه إما مستقبل وإما مستدبر، ولا يكون مستقبلا مستدبرا في حال واحد.
ولعل القائل بالنقض على العمد يرى أنه عمل، وأنه معفّو على النسيان.
وثانيهما: من نظر إلى كتاب بين يديه فاستبان حروفه ولم يشغله عن صلاته:
فقيل: لا نقض عليه.
وقال ابن محبوب: إذا نظر حروفه انتقضت صلاته.
ومن نظر إلى نقش الجدار متعمدا، أو ذكر حسابا فحسبه فعليه الإعادة.
وإن لم يتعمد فلا نقض عليه رغما للشيطان.
ولعل معنى قول ابن محبوب أن الناظر إلى الحروف ملازم للاشتغال إذ لا يعرف حرفا من حروف إلا بعد أن يوجه همته إلى ذلك.
ولعل القائلين بعدم النقض رأوا أنه عمل خفيف فلم يتجاسروا على النقض به.
وأما التعمد لنظر النقوش وتلفيق الحساب فهو أشد من الناظر إلى الكتاب لقوله تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ 50 والنقوش والحساب مما متع به أهل الدنيا والله أعلم.








التنبيــــه الثــاني
( في تغميض العينين في الصــلاة)
يكره للمصلي أن يغمض عينيه لقوله صلى الله عليه وسلم:«اجعل بصرك حيث تسجد»، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه».
ثم اختلف الفقهاء في من غمّض عينيه في صلاته:
فقال بعضهم: لا فساد عليه مطلقا.
وهؤلاء حملوا النهي على الكراهية.
وقال آخرون: التغميض مفسد.
وكأن هؤلاء حملوا النهي على التحريم.
ثم اختلفوا:
فمنهم من قال: تفسد بقليل ذلك وكثيره لأن النهي لم يميّز تغميضا عن تغميض.
ومنهم من قال: بالعفو عن قليله لأنه عمل خفيف.
ثم اختلف هؤلاء في قدر الناقض منه:
فقال بعضهم: إذا غمّض حتى جاوز على ذلك حدا تاما فسدت صلاته.
وقيل: حتى يجاوز ركعة تامة.
وقيل: حتى يغمّض في الصلاة كلها.
وذلك أن التغميض غير منضبط في نفسه فما لم يتم صلاته على ذلك لا يصدق عليه أنه صلى مغمضا.
وأما القائلون بالحد والركعة فلأن كل واحد منهما ركن لا تتم الصلاة بدونه؛ فإذا أداه أحد على هيئة لا تتم معها الصلاة فسدت صلاته والله أعلم.

المســــألة الثانية
(في النقض بالاســـتماع)
وهو أن يصغي بأذنيه أو بإحداهما إلى صوت يسمعه من غير أمر الصلاة كما إذا أصغى إلى كلام أو صوت رعد أو غيث أو نحو ذلك حتى عرفه.
فقيل: تنتقض صلاته بذلك إلى أن يدخل سمعه بلا تعمد.
وقيل: لا نقض عليه إذا كان له معنى في استماعه من خوف أو رجاء.
قال أبو جابر: وقد كنت أصلي خلف موسى بن علي-رحمه الله- فصاحت صائحة وهو يقرأ في صلاة الفجر في ما أحسب فأمسك ما قدر الله حتى توهمنا أنه قد فهم ذلك ثم مضى في صلاته.
وقال آخرون: إن تطاول ذلك نقض وإلا فلا.
وقال أبو إسحاق: إن تعمد نقض، وإن نسى فحتى يتطاول.
وقال بعضهم: عليه الإعادة في الفرض، وأما النافلة فأرخص.
ثم اختلفوا في قدر الطول:
فلم يسمع بعضهم فيه حدا.
وحده آخرون بقدر ثلاث تسبيحات.
وسئل بعضهم-ولعله أبو سعيد- عن توقف المصلي عن القراءة للاستماع إذا توقف قدر عشر تسبيحات قال: هذا يكثر ويتباعد.
قيل له: فكم يعجبك؟ قال: قدر ثلاث تسبيحات وهو أكثر ما يكون.
وجعل أبو سعيد حِدّة النظر والاستنشاق مثل الاستماع فقال: إن مد نظره لشيء حتى عرفه، أو ألقى سمعه لشيء حتى تيقنه، أو استنشق رائحة حتى عرفها، أو ما أشبه هذا إذا لم يشتغل به عن صلاته فقيل: لا نقض عليه.
وقيل: يلحقه معنى النقض للصلاة إذا فعل ذلك على العمد ولو لم يشغله عن صلاته لأنه يشبه العمل، وإلى العبث أقرب إلا أن يكون في ذلك معصية والله أعلم.
المســـألة الثالـــثة
(في الفعل في الصلاة)
في هذه المسألة أمور:
الأمـــر الأول
(في نفس الفعل)
الفعل إما أن يكون عبثا أو عملا.
والعبث: هو الذي يفعله الإنسان من غير أن يقصد به معنى.
والعمل: ما قصد به معنى.
والأول مكروه غير ناقض للصلاة.
وقيل: بل ينقضها على العمد، ولا ينقضها على النسيان ولا الجهل.
وقيل: ينقضها على العمد والجهل ولا ينقضها على النسيان.
وعلى القول بالنقض فيكون محرما وذلك مثل الالتفات لغير معنى.
والحركة والسكون مثل هز الرأس أو اليد أو الرجل أو التحامل على إحدى الرجلين أكثر من الأخرى فهذا وما أشبهه كله من العبث في الصلاة.
وحجة القول بعدم النقض حديث معيقيب عن النبي صلى الله عليه عليه وسلم في الرجل يسوّي التراب حين يسجد قال: إن كنت فاعلا فواحده.
وحديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه».
فإن ظاهر هذا النهي الكراهة للحديث المتقدم ولقوله:« فإن الرحمة تواجهه»؛ وذلك يقتضي مواجهة الرحمة بالاشتغال عنها بالعبث.
وحجة القول بالنقض حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« يا بني إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة» فإن الهلكة لا تكون إلا بفعل المحرم.
وأما عدم النقض بالنسيان فلحديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
ومنهم من قاس عليه الجهل؛ فعذر الجاهل كالناسي دون المتعمد والله أعلم.
وأما العمل فهو حركة قصد بها معنى؛ فإن كان لصلاح صلاته وإلا انتقضت.
روى محمد بن هاشم عن أبيه عن الأخطل ابن المغيرة أن المصلى لا يتحرك في صلاته لشيء إلا أن ينحل إزاره فيشده أو يسقط رداؤه فيرفعه.
قال الشيخ عامر: وعند علماؤنا-رحمهم الله- أن الفعل الخفيف لا ينقض الصلاة إلا إن فعله المصلي على العمد.
قال: وكذلك قالوا: العمل الواحد لا ينقض الصلاة.
والإثنان فيهما خلاف.
والثلاثة تنقض الصلاة.
قال: ويعنون بذلك إذا زادها المصلي على السهو.
قال: ومثال ذلك أن كسر حبة تين في فيه وهو يصلي من غير عمد فلا إعادة عليه.
وإن كسرها وبلعها فسدت على العمد والسهو لأنه عملان.
وإن حرك لسانه في فيه وهو يصلي أو أخرج لسانه من فيه أو عض شفتيه أو عض على النواجذ فإنه تفسد صلاته بهذه الوجوه كلها على العمد.
وفيها قولان على السهو.
قال: وسبب اختلافهم عندي: هل العمل الخفيف مقيس على غيره في ذلك أم لا؟
ولعله على هذا المعنى يخرج اختلاف الأشياخ في مسألة الأزهر.
وذلك أن المنذر رآى الأزهر بن علي يصلي نافلة ويدخل يده في منخره كأنه يخرج منه شيئا فسئل عن ذلك سليمان بن عثمان فقال: لا بأس عليه.
قال أبو عبدالله: إن أخرج شعرة فعليه النقض.
وقال غيره: ولو أخرج شعرة أو غيرها فلا نقض إذا كان ذلك من عذر.
وكذلك قول أبي عبد الله في من حرك خاتمه بإبهامه يده التي فيها الخاتم فلا بأس عليه في صلاته.
وإن حركه بيده الأخرى أو بإصبع فيها نقض.
وأنت خبير أن الفعل بغير عمد نوع من العبث فإنه لا يكون عملا إلا مع قصد، ولا قصد إلا مع تعمّد.
ويمكن أن يقال: إنه قد يكون العمل مع السهو.
وذلك بأن القصد العمل ويسهو عن الصلاة التي هو فيها؛ فهو يفعل ذلك ذاهلا عن الصلاة.
وذلك مثل من يأكل في رمضان فإنه قاصد للأكل غير أنه ناسي لصومه.
فالأحوال التي ذكرها الشيخ عامر خارجة على هذا المعنى فتكون من باب العمل والله أعلم.











الأمـــــر الثــاني
(في ما يجوز فعله في الصلاة)
ما يجوز فعله في الصلاة نوعان: لأنه إما أن يكون من صلاح الصلاة وإما أن يكون خارجا عنها.
النــــوع الأول
(في ما جاز فعله في نفس الصلاة)
فالأول مثل شد العمامة ما لم تنحل كلها، وشد الإزار، وتسوية الرداء، وإماطة الإذاء، ومسح الحصى للسجود، وتسوية الأرض لذلك، والتحول إلى المكان القريب من الوعوثة إلى حيث يتمكن من السجود، ومثل الخطوة والخطوتين ما لم يرفع قدميه.
وقيل: له أن يتحول إلى خمس خطوات.
وقال أبو عبد الله: من قنع رأسه أو كشف عنه القناع في الصلاة من حر أو برد فلا بأس.
وقال الحسن بن أحمد في المصلي إن طعنته سِلاّة أو أشغلته عن صلاته له أن يخرجها ويبني على صلاته.
وإن لم تشغله عن صلاته وأخرجها فعليه الإعادة.
ومن وضع خطام دابته تحت رجليه ليمسكها فلا بأس.
وأجاز أبو المؤثر إمساكها بيده إذا خاف أن تذهب.
ولا بأس على المصلي أن يخرج ذرة أو غيرها من أذنيه أو عينيه أو سائر بدنه إذا خاف منه الأذى أو الشغل عن صلاته.
ويخرج الدّبى وغيره من الدواب من بدنه في الصلاة ولا يقتله.
فإن قتله فقيل بالنقض.
وقال أبو عبد الله: إن مات بمسحه فلا نقض عليه.
وإن أخذه بيده ثم طرحه فعليه النقض لأنه عمل.
ولا بأس بصرف البعوض والنّاخي ولا يقتله في الصلاة.
وإن سالت دموعه وهو يصلي وخاف أن تدخل فاه فله أن يمثها.
وله أن يزيل نعليه عن موضع سجوده وركبتيه.
قال أبو عبد الله: يخلع نعليه من رجليه ويتم صلاته.
وإن رفع ثوبه على غيره، أو ثوب غيره عليه، أو وقع شيء في موضع سجوده فله أن يزيل ذلك.
ومن كانت في فمه لغظة فقيل يحليها حتى تصير على شفتيه ولا نقض عليه ولو أخرجها بيده.
وقيل: إذا أخرجها بيده نقض.
قال أبو عبدالله: إن مسحها لم ينقض.
وإن أخرجها بيده فطرحها نقض.
وإن أحالها في فيه حيث لا تشغله فلا بأس.
ووجه النقض أنه فعل شيئا فوق ما يصلح صلاته.
وإن وقع عليه ذباب وشغله عن صلاته طرده.
وإن وقع على عينيه فغمّضها فلا نقض عليه.
وإن وقع على منخريه فنفخ ليطرده فقيل بالنقض.
ومن أكله شيء في رجليه وهو يصلي فيحكه بأدني حركة يقدر بها على إزالة ذلك، وإن حك رجله برجله الأخرى فلا بدل عليه.
وإن حكه بيده فجائز.
وإن خاف أن يدميه أو وقع ثانية فطرده ثانية أو أكثر فجائز.
وإن حك جسده حتى قلع شعرة أو جلدة فإنه يعيد صلاته لأنه زيادة على ما يجزئه.
وقال بعضهم لا إعادة عليه حتى يدمي بدم فائض.
وقيل: يصلح بيده ما فوق الركبتين لأن اليد أقرب منه.
ويصلح ما تحت الركبتين برجله إذا كان قائما لأنها أقرب إليه.
وأما حال القعود فإنه يصلحه بيده لأنهما في القرب سواء.
واليد بالإصلاح أولى لأنه أخف، ولأنه المعتاد في دفع المضرات.
وما كان داخل الفم فليصلحه بلسانه لأنه أقرب، ولأن اليد لا تدخل في الباطن عند الإمكان.
واليد اليمنى في هذا أولى من اليسرى إلا في مس العورة فإن اليسرى به أولى لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يمس الذكر باليمنى.
وإن استعمل يده في موضع استعمال رجله أو عكس فقيل يعيد صلاته لأن ذلك زيادة على ما يجزيه.
وقيل: لا إعادة عليه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:«فليدرأه ما استطاع».
قال الشيخ عامر: وكذلك إن دفع المضرة التي في رأسه بغير يديه فهو على هذا الخلاف.
ومثّل ذلك بأن يدفعه بهز رأسه، أو حك شفتيه بأسنانه، أو نفخ بأنفه أو بفيه في الصلاة.
قال: ومثله إن ضره شيء في أضراسه كالطعام فإنه ينزعه بلسانه إن أمكنه.
وإن لم يمكنه فلينزعه بعود ولا ينزعه بيده.
قال: وكذلك إن كان الطعام في فيه وخاف أن يشغله عن صلاته فإنه يخرجه من فيه بلسانه، وليحذر أن يجاوز لسانه حمرة شفتيه لئلا يزيد في عمله.
وإن جاوزهما أعاد صلاته.
وإذا أخرجه بلسانه من فيه فلينزعه بيده بعد ذلك.
وأن ينظر في الصلاة إلى الشمس إذا خاف طلوعها أو غروبها في موضع يتبيّن فيه ولو كان خلفه لأن هذا إصلاح لصلاته، ولا ينظر إليها إلا مرة واحدة.
وقال بعضهم: ينظر إليها ما لم يتم طلوعها أو غروبها.
وهذا إذا لم يتعمد لتأخير الصلاة إلى ذلك الوقت.
وأما إن تعمد فقيل يمضي على صلاته ولو كانت تغرب أو تطلع عسى أن يتمها قبل طلوعها أو قبل غروبها.
قلت: لا فرق بين متعمد وغيره لعموم النهي عن الصلاة في ذلك الوقت.
وعلى المتعمد التوبة والكفارة.
وإن قابله في صلاته رجل أعمى فله أن ينحيه لئلا يقطع صلاته.
وإن حدث عليه في صلاته مثل الريح أو المطر أو الدخان أو خاف أن ينهدم عليه البيت أو سقف المسجد فله أن يتحوّل إلى مكان آخر ويمضي على صلاته حال تحوّله فإذا أتم قراءته ركع وسجد.
وإن لم يمكنه الركوع والسجود في ذلك الموضع زاد في قراءته حتى يبلغ موضعا يمكنه فيه الركوع والسجود ما لم يخف فوات وقت الصلاة.
فإن خاف فواته استأنف الصلاة وقصرها كما أمكنه.
قال الشيخ عامر: وسواء في هذا الدخول في البيت والخروج منه، والطلوع عليه والنزول منه، وغض البصر وفتحه ما لم يكن داخلا على الدخان والريح، وذلك أن يكونا سابقين أو أحدهما سابقا قبل أن يدخل في الصلاة فإنه إن دخل فيها على هذا فقد تعرض لفسادها، وليس له ما للأول من الترخيص.
ومن كربه غبار أو دخان حتى شغله عن صلاته فقيل يعيد صلاته.
ولعل معناه إذا استمر مصليا على ذلك.
ومن كانت في ظهره علة فربما ضرب بيده على ظهره بتفرّج.
قال موسى بن علي: إن كان ذلك من علة فلا بأس.
وحكى أن سليمان بن عثمان دخل في صلاة جماعة ففسدت صلاة الإمام فدفع سليمان رجلا ليتقدم بهم وبنى على صلاة الإمام.
وقيل: نعس رجل من الجماعة وبإزائه فقيه فسدعه ليتبع الإمام.
ومن رأي أحدا يريد أن يمر بين يديه فله أن يشير إليه بيده ليعلم أنه يصلي فينصرف عنه.
والإشارة- في ما قيل- يرفع يده رفعا ولا يردها ردا.
وإن كان المارّ من القواطع للصلاة فله أن يدفعه عن نفسه بغير شدة علاج، وله أن يخطو في ذلك الخطوة والخطوتين إلى الخمس.
وقال محمد بن جعفر: سألت سليمان بن الحكم عن رجل يصلي فوقع ثوبه من على عنقه قال: يأخذه من الأرض ويرده على عنقه.
وهذا مبني على قول الأكثر منا: إن ستر الظهر والصدر واجب في الصلاة.
ومن آلمه البول وهو يصلي فله عند أبي سعيد أن يضع يده على ذكره لمصالح صلاته.
ولعل هذا في من طرأ عليه ذلك بعد الدخول فيها لثبوت النهي عن صلاة المدافع.
ومن نشر ذكره في الصلاة فإن كان بسبب منه كما إذا تشهى أو تذكر فإنه يعيد صلاته.
وإن كان بغير سبب منه فقيل: يدافع ذلك بالتفكر في أمر الآخرة، وما تصير إليه عاقبته.
وزعم عمر بن المفضل أنه سأل بشيرا عن ذلك فذكر له قولا: إنه يقف حتى يفتر ثم يصلي.
وقال أبو عثمان: يمضي في صلاته.
وإن نشر قبل يدخل في الصلاة فلا يدخلها كذلك إلا إن خاف فوات الوقت.
وإن خاف الفوت فليصلّ.
ومنهم من يرخص ما لم ينته انتشاره إلى القوة.
وإن أحسّ شيئا في ذكره فخاف أن يكون نجسا فله أن ينظر إليه، ولا يتأتى هذا في الجماعة لتحريم كشف العورة.
وإن أمكنه النظر مع الستر فعل.
وإن لم يمكنه فليقبض بيده اليسرى على ذكره من فوق الثوب ثم يلصقه بفخذه ثم يلمس الموضع من فخذه فإن وجد شيئا وإلا مضى على صلاته.
وأقول: إنه يمضي وإن خاف ذلك، ولا يشتغل بمثل هذا لأنه من طهارته على يقين، وهو من نقضها على شك، ولا يترك يقينه لشكه، على أن الشك طريق للشيطان يزل به الإنسان.
وبالجملة: فجميع ما كان فيه إصلاح لصلاته فله أن يفعله.
وأصل هذا الباب كله حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« إن أحدكم إذا قام يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان».
وحديث عائشة قالت:« كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني، وإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح».
وحديث ابن عباس قال:بت في بيت خالتي ميمونة فقام صلى الله عليه وسلم يصلي فقمت عن يساره فأخذ بيدي وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن.
وحديث جابر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فجيئت حتى قمت عن يساره فأخذ بيدي فأدراني حتى أقامني عن يمنيه ثم جاء بن صخر فقام عن يساره النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدنا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه.
وحديث معيقيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوّي التراب حين يسجد قال:« إن كنت فاعلا فواحدة» والله أعلم.













النوع الثاني
(في ما جاز فعله لأمر خارج عن الصلاة)
الأمر الخارج عن الصلاة أشياء:
منها: قتل الحية والعقرب لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب».
ثم اختلف العلماء في معنى هذا الأمر:
فمنهم من أجاز ذلك مطلقا.
ومنهم من أجازه إذا خاف منهما.
ومنهم من قال: يجوز قتلهما بضربة أو ضربتين لا أكثر لأن العمل الكثير مبطل للصلاة.
ومنهم من قال بجوازه ما لم يحتج إلا المشي الكثير كثلاث خطوات متواليات، ولا إلا المعالجة الكثيرة كثلاث ضربات متوالية.
والأظهر أنه لا تفصيل فيه لأنه رخصة، ويؤيده إطلاق الحديث.
ثم اختلفوا من جهة أخرى:
فقال بعضهم: إذا قتلها بنى على صلاته لأنه رخصة من الشارع فهي خارجة عن سنن القياس.
ومنهم من قال: يستأنف صلاته قياسا على غيرهما من الأفعال.
وعن محمد بن محبوب في ذلك روايتان: النقض وعدمه.
وفائدة الحديث عند القائلين بالنقض رفع الإثم عن قاتلهما في الصلاة فإن إفسادهما لغير معنى لا يصح.
ثم اختلفوا:
فمنهم من قال: يجوز قتل الحيات مطلقا، وهو الصحيح.
وقال بعض قومنا: لا تقتل الحية البيضاء فإنها من الجن.
وقيل: ينذرها فيقول: خلي طريق المسلمين أو ارجعي بإذن الله؛ فإن أبت قتلها.
والصحيح أنه لا بأس بقتل الكل من غير إنذار لأنه صلى الله عليه وسلم عاهد الجن أن لا يدخلوا بيوت أمته ولا يظهروا أنفسهم؛ فإذا خالفوا فقد نقضوا عهدهم فلا حرمة لهم.
قيل: وقد حصل في عهده صلى الله عليه وسلم وفي من بعده الضرر بقتل بعض الحيات من الجن.فالحق أن الحل ثابت ومع ذلك فالأولى الإمساك عما فيه علامة الجانّ لا للحرمة بل لدفع الضرر المتوهم من جهتهم والله أعلم.
ومنها: إغاثة الملهوف أو تخليص أحد من الهلاك كالسقوط من السطح أو حرق أو غرق، وكذا إذا خاف ضياع ما قيمته درهم له أو لغيره فإنه يباح له فعل هذا كله في صلاته، ولكنه يستأنف الصلاة إن فعله على مذهب أصحابنا المشارقة.
وأجاز له المغاربة البناء عليها، وفرّعوا على ذلك فروعا:
منها: اختلافهم في الدخول مع الإمام في حال إصلاحه لذلك:
فمنهم من قال: لا يدخل معه لأنه مشتغل بغير الصلاة.
ومنهم من قال: يدخل لأنه في حكم المصلي ثم ينتظره من الجماعة المنتظرين له حتى يصلح ذلك ويرجع إليهم، ويكون حكمه حكمهم، والكل عندهم في صلاة.
ولهم قول آخر: وهو أنه إن اشتغل بإصلاح ما له أعاد.
وكأن هذا القائل رأى أن المال يبذل لصلاح الدين، وكأنه مبني على قول من يوجب شراء الماء للوضوء إن لم يجده إلا بالشراء.
فهي ثلاثة أقوال، وليس عند المشارقة إلا القول الأول.
وإذا لحظت معنى الخلاف في نقضها بقتل الحية والعقرب لم تجد مخلصا من إجرائه هاهنا، فإن المعنى ذي ذلك واحد وإن اختلفت الصور.
وحاصل القول: إن قطع الصلاة بغير معنى حرام لقوله تعالى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ 51،وهو لهذا المعنى ونحوه جائز.
كان موسى بن علي-رحمه الله- يصلي بالناس فسمع صائحا يصيح على صبي وقع في بئر عند المسجد فقطع موسى صلاته وانتقل هو ومن معه وذهبوا إلى البئر وأخرجوا منها الغلام، وابتدءوا الصلاة.
وإن رأى رجلا يقتل رجلا فقال أبو سعيد: إنه مخيّر إن شاء قطع صلاته، وإن شاء ترك لأنه يمكن أن قتله بحق.
وإن علم ظلم القاتل وكان قادرا قطع صلاته ونصر المظلوم.
ومن رأى صبيا أو مهدوفا أو غريقا أو ما أشبه ذلك لزمه قطعها.
وإن مضى في صلاته وهو قادر على إنقاذه ضمن الدية في ماله ولا قود عليه، وكان الواجب عليه أن يمضي إليه ويصلي كما أمكنه.
وإن لم يحفظ الصلاة للاشتغال صلاها بالتكبير إذا خاف الفوت.
واختلف في من يرى دابة منخنقة أو تتلف في شيء من المتالف وهو يصلي فلم ينقذها:
فقيل: يضمن، وقيل: لا يضمن.
وقال جابر بن النعمان: كنت أصلي فوقعت شاه على عشانا تأكله فلم أقطع صلاتي فذكرت ذلك لهاشم بن غيلان فقال لي: لو كنت مكانك لقطعت صلاتي، وأحرزت عشائى.
وقال جابر: سمعت هاشما يسأل بن عثمان عن رجل يصلي وقد روّح حَبًّا في الشمس فوقعت عليه شاه تأكله: أيقطع صلاته ويطرد الشاة أو يمضي على صلاته؟
قال سليمان: لا بأس أن يقطع صلاته.
ومنها: أن يعرض عليه أمر بمعروف أو نهي عن منكر مما يفوت وقد أحرم للصلاة فله أن يقطع صلاته إن كان لا يخاف فوت الوقت.
وإن خاف فوت الوقت أتم صلاته ثم يرجع إليه.
وإن كان الأمر لا يفوت أتمها ثم يرجع إليه.
وهذا إذا كان قادرا على الأمر والنهي.
ووجهه: أن الأمر والنهي عليه واجب يفوت، والصلاة واجبة لا تفوت، والواجب الفائت آكد من الواجب الواسع، ولهذا قالوا: إن كان لا يفوت أتم صلاته.
ومنها: أن يقطعها لأجل فضيلة الجماعة.
وذلك أن ينتظر الإمام فلم يجئ فيدخل في صلاة نفسه ثم جاء الإمام والجماعة وأقاموا الصلاة فإن أمكنه أن يتم صلاته قبل أن يحرم الإمام فقيل: ليس عليه قطعهما.
وقيل: يقطعها منذ الإقامة، ويجعل ما صلى نفلا، ويسلم عن ركعتين إن أمكنه، ولا ينبغي له أن يهمل صلاته.
وقد تقدم هذا في باب الأوقات.
وأن الحجة فيه حديث«إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
وأما ما قبله من الأشياء فبعضه مقيس على قتل الحية والعقرب وذلك مثل تنحية النفس فإنه إذا جاز قتل العقرب مع أنها مخوفة في الجملة فدفع ما كان خوفه متعيَّنا أولى.
ويدل على إحراز المال وإنقاذه حديث أبي برزة نضيلة بن عبيد.
وذلك أن الأزرق بن قيس الحارثي البصري قال: كنا بالأهواز نقاتل الخوارج فبينما أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها.
قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال: سمعت قولكم وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات أو ثماني غزوات وشهدت تيسيره، وإني إن كنت أراجع مع دابتي أحب إلىّ من أد أدعها ترجع إلى مألفها فيشق عليّ.
وقال قتادة: إن أُخِذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة والله أعلم.




تنبيــــه
(في من أمره والده وهو في الصلاة)
من أمره والده أو أحدهما أن يقضي لهما حاجة من حوائج الدنيا وهو في الصلاة فليس عليه أن يقطع صلاته، بل ولا يجوز له إذا لم يكن في ترك ذلك شيء من الإضاعة، بل يتم صلاته ثم يمضي لأمر والديه لأن طاعتهما فرع عن طاعة الله؛ فلا يترك الأصل للفرع.
وكذلك الزوجة إن أمرها زوجها.
وكذلك المملوك إذا أمره سيده.
وما داموا لم يدخلوا في الصلاة أطاعوهم ما لم يخافوا فوت الوقت؛ فإذا خافوا ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والله أعلم.












الأمــــــر الثالث
(في الفعل الناقض للصلاة)
الفعل الناقض للصلاة هو كل فعل فعله بتعمد ولم يكن لصلاح صلاته.
أخبر أبو زياد عن هاشم بن غيلان عن الرامي-رحمهم الله: أن من رفع يده فوق رأسه في الصلاة انتقضت صلاته إن كان لغير مصالح الصلاة.
قال أبو المؤثر الرامي محمد بن عبد الرحمن من أهل إزكي نزاريّ.
وقال الحسن بن أحمد: من طعنته سِلاة ولم تشغله فأزالها إنه يعيد صلاته.
ومن طرح قملة من ثوبه بيده خيف عليه النقض.
قلت: وهو ناقض لأنه عمل.
وقد قيل فيها بنقض وضوئه لأن عادتها تذرق عند المس.
وإن طرحها يظن أن ذلك من مصالح صلاته فقيل: تفسد صلاته.
وقيل: لا.
ومن تعمد في الصلاة أو حلّ عمامته انتقضت صلاته إلا أن تسترخي عمامته فيشدها على حالها بيد واحدة.
ويكره للمصلي أن ينقر أنفه، سواء أخرج منها شيئا أو لم يخرج أو يدخل يده في فمه أو أذنيه.
وبعض يرى النقض بذلك.
ومن أساغ طعاما في فيه أو النحاعة بعد أن ظهرت على لسانه وصار قادرا على لفظها فقيل: عليه النقض.
وقال أبو عبد الله: لا نقض بمثل إساغة الحبة أو ما يجري في البزاق.
وإن عقد الآيات والتكبير بيده نقض صلاته في الفرض، ولا نقض عليه في العيدين والنوافل ولكن يكره ذلك.
ولا بأس إن عقد ذلك في نفسه.
ومن أراح بين قدميه لغير معنى فهو من العبث، وقد اختلف في نقض الصلاة به كما تقدم.
وقال أبو سعيد: ذلك مكروه إلا من عِلّة.
وإن لم يرفعهما من الأرض فلا بدل عليه.
وجوز بعضهم الاتكاء على إحدى القدمين في الفرض والنفل.
وجوز بعضهم للمرأة أن ترضع ولدها حال الصلاة وأن تحمله إذا لم يكن فيه قذر وكان لا يشغلها عن صلاتها.
ومن أومأ برأسه يريد جوابا لمن يكلمه بلا أو نعم فجوّزه بعضهم.
وهذه رخص والقياس فيها المنع.
ومن شبك أصابعه في الصلاة فقيل: مكروه.
وقال أبو عبد الله: ناقض.
ومن نقع أصابعه أو بعض أعضائه متعمدا فعن أبي سعيد أن صلاته فاسدة.
وإن فعله ناسيا ففيه خلاف.
وأحب بعضهم أن يعيد.
ومن مسح بثوبه في الصلاة من تراب أو عرق أو نفض كفيه من التراب فقيل: ينهى عن ذلك.
وقال أبو عبد الله: إن نفض كفيه انتقضت صلاته.
قلت: وكذلك نفض ثوبه.
ومن نفخ الأرض أو قلب الحصى أو تمطى أو نقع أصابعه أو غطى فاه انتقضت صلاته.
وكره بعضهم أن يغطي فاه أو يعقص شعره أو يقعي أو يتربع أو يجاوز بطرفه عن موضع سجوده أو يعبث بشيء من ثيابه أو جسده، أو يتلثم، أو يكف شعره أو ثوبه، أو يضع يده على خاصرته، أو يمسح جبهته من التراب، أو يسوي الحصى لسجوده؛ فمن فعل شيئا من هذا فقد أساء ولا نقض عليه عند هذا القائل.
وقيل: بالنقض في هذا كله لأنه من العبث، وقد تقدم الخلاف فيه.
ومن نفخ أو أكل أو شرب فسدت صلاته لأنه عمل من غير معاني الصلاة، وصرح بذلك أبو سعيد.
واختلفوا في كف الشعر والثوب فقيل: ناقض.
وقيل: لا، وقيل: كف الشعر أشد.
ودليل النقض قوله صلى الله عليه وسلم:« أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكف شعرا ولا ثوبا».
ورأى عمر بن الخطاب ابنه يصلي ويكف شعره فأخذه عمر ودكله بالتراب وضربه.
وأما القائلون بعد النقض فكأنهم تأولوا الحديث على معنى الكمال في التواضع، وزيادة الفضل.
ومن شدد في كف الشعر لحظ شدة المعالجة في كفه فإن الثوب أسهل كفا منه والله أعلم.
ومن خرج من ضرسه شيء مثل حبة ذره، أو دخن فأغرقه متعمدا انتقضت صلاته فؤ قول أ[ي الحواري.
وقيل: لا نقض عليه لأنه بمنزلة العبث.
وإن سال من منخريه مخاط حتى فاه فسرطه انتقضت صلاته، وصومه إن كان صائما.
وإن سرطه مغلوبا ففيه خلاف.
ومن تعمم ولم يتلحّ ثم ذكر في الصلاة فنشر طرفا من عمامته ولواه على رقبته يظن جواز ذلك فقيل: بتمام صلاته.
وكذلك من ظن لزوم ذلك.
وأما إن فعله عالما بحكمه غير أنه أراد الاقتداء بالسنة فقيل: أكثر القول النقض.
وجهه: أن الاشتغال بالفرض ألزم من الاشتغال بالسنة.
ومن وضع إحدى رجليه على الأخرى متعمدا فعليه النقض.
وقال أبو معاوية: لا أرى عليه نقضا.
ومن حرك يده لعمل شيء لا يجوز له عمله في الصلاة ثم ذكر فكفّ فعن أبي سعيد إنه بمنزلة العبث والله أعلم.
وإذا تأملت فروع هذا الباب كلها رأيتها راجعة إلى اعتبار الثلاثة الأحوال التي قدمنا ذكرها في تقسيم الفعل وهي: العبث والعمل الجائز وغير الجائز.
فالجائز منه المفسد عند المشارقة كنتيجة الغريق، وإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم وحفظ المال.
ومنه غير المفسد وهو: كل عمل راجع إلى إصلاح الصلاة.
وأن العمل الممنوع مفسد كله.
واختلفوا في الخفيف منه على جهة النسيان، وأن العبث مختلف في النقض به.
وقد تقدم ذلك كله وإنما أعدته لك لئلا تنسى القاعدة لكثرة الفروع والله أعلم.












خاتمـــــة
(في الكف عن العمــــــل)
الكف عن العمل في موضع يطلب فيه العمل ممنوع كالعمل في غير موضع العمل لأن المكلف مأمور بالامتثال فحيث ما أمر بالفعل وجب عليه الفعل، أو بالكف فكذلك.
وإن النقض يحصل بالكف كما يحصل بالعمل لأن في الجميع مخالفة للشارع.
وذلك إذا أحرم وترك القراءة ساعة فإنه يستأنف صلاته.
ثم اختلفوا في مقدار الكف الناقض:
فقيل: إذا سكت عن القراءة مقدار ما يتنفس وكان سكوته لغير التنفس فإنه يعيد صلاته.
وهذا من الشدة بمكان والدين يسر.
وقيل: حتى يسكت مقدار ما يقرأ فيه ما يجزيه للصلاة، وأقل ذلك ثلاث آيات، وقيل: آية.
وكذلك إن ركع أو سجد وسكت عن التعظيم زمانا يمكنه أن يعظم فيه أعاد صلاته.
وعلى القول الأول يعيد بأقل من ذلك.
وقيل: لا إعادة عليه حتى يكف مقدار ثلاث تسبيحات في كل موضع.
ولم يحفظ بعضهم لذلك حدا إلا إن تطاول وتباعد.
وظاهر كلام أبي إسحاق أن اليسير غير ناقض بخلاف الطويل والله أعلم.





(الكلام في بيان ما ينقض الصلاة)
(بالأحوال الخارجة عن الأفعال)
ثم أخذ في بيان ما ينقض الصلاة من الأحوال الخارجة عن الأفعال فقال:
وكل من صلى على اضطراره*ش* بناقض لو كان في اختياره
وطاق في أثنائها الزوالا*ش* عليه أن يعيدها كمالا
وكل من درى بأنه فعل*ش* في غير وقته ففعله بطل
كذاك إن مضى عليه الوقت*ش* ولم يتمها عراه البتّ
البتّ هو القطع، والمراد به النقض.
والمعنى أن كل من صلى في حال الاضطرار بشيء ناقض للصلاة في حال الاختيار كالمريض يصلي بالثوب النجس حتى أنه لا يطيق زواله، وكمعدم الثياب إلا ثوبا نجسا، وكالمصلي بالتيمم لعدم الماء ثم أطاق المريض إزالة النجس، ووجد المعدوم الثوب الطاهر، والمتيمم الماء قبل الخروج من الصلاة فإنه يعيد صلاته على الكمال، ولا يبني على ما صلى.
وكذلك كل من علم أنه صلى في غير وقت الصلاة فإن صلاته باطلة وعليه أن يعيد.
وكذلك إن مضى عليه الوقت قبل أن يتم صلاته فإن عليه الإعادة.
وقيل: لا إعادة عليه في هذا الموضع لحديث«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» فإنه بحسب ظاهره متناول لمن أدرك ركعة مع الجماعة ولمن أدركها في الوقت.
ووجه النقض- وهو أكثر القول- أن الوقت شرط لصحة الصلاة فإذا أداها قبله أو بعده فلا صلاة له.
وإن حكم جزئها كحكم كلها لأنها لا تتجزأ أي لا يصح أن يكون بعضها في الوقت وبعضها خارج الوقت كما لا يصح أن يصلي بعضها بالوضوء وبعضها بلا وضوء.
والحديث مجمل وهو عندنا محمول على من أدرك مع الجماعة ركعة، أو كان نائما فانتبه، أو ناسيا فذكر قبل خروج الوقت بمقدار ركعة فإنه يدخل في الصلاة ولا قضاء عليه لأنه قد أدرك الصلاة.
والدليل على هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم:« من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها».
فهذا الحديث يدل على أ النائم والناسي بخلاف المتعمد؛ فوقت صلاته وقت انتباهه وذكره إلا في الأوقات المنهي عنها فإنه عندهم يمسك عن الصلاة حتى يزول المانع، وذلك لتعارض الأدلة.
وكذلك طهارة الثوب والتطهر بالماء هما شرطان لصحة الصلاة فإذا ارتفعا عن المريض والمعدم ثم أمكنه أعاد صلاته من أولها لاختلال شرطها إذ لا يكون بعضها بالطاهر وبعضها بالنجس.
قال أبو محمد: وأما من كان مأمورا بالصلاة في الابتداء على وصف لم يكن أمراً بغيره في ذلك الحال ثم انتقل إلى حال آخر لزمه به زيادة فرض كالأمة تعتق في صلاتها وقد دخلتها وهي مكشوفة الرأس، وكالأمي إذا فتحت له القراءة في الركعة الثانية أو الثالثة فإن هذا لم تلزمه الإعادة بل تغطي الأمة رأسها، ويقرأ الأمي ويبنيان على صلاتهما.
وهو عنده مخالف للأول لأنه زيادة فرض في الصلاة، وفي الحال الأول اختلال شرط فمن هنا افترقا عنده.
وكذلك قال في من خيفت عليه القبلة ثم انكشفت له الأدلة بعد أن صلى بعض الصلاة فإنه يبني على صلاته لأن فرض التوجه لزمه عند العلم بالقبلة، وقد كان قبل ذلك ساقطا عنه.
واحتج على ذلك ببناء أهل قباء على صلاتهم حين بلغهم خبر تحويل القبلة.
قال: فهذا زيادة فرض في الصلاة لم يلزم به استئنافها.
قال: وكذلك المقعد إذا حدثت له الصحة صلى قائما إلا أن يكون صحيحا قبل ذلك فحدث له العجز فيه ثم استطاع القيام فهذا ينقض الصلاة ويبتدئ.
ووجهه: أن مخاطب بالقيام في أول صلاته، وأن قعوده كان لعلة العجز فلما استطاع ما وجب خوطب به.
والجواب: أن هذا الاستدلال لا يفي بالمطلوب فإن أهل قباء لم يلزمهم زيادة فرض وإنما لزمهم فرض مكان فرض.
وذلك أن الواجب عليهم في أول صلاتهم استقبال بيت المقدس ثم وجب عليهم بعد ذلك استقبال البيت الحرام فهذا فرض مكان فرض، وليس في الصور المستدل عليها ما يكون كذلك.
أما الأمة فليس كشف رأسها في الصلاة بفرض بل جائز فقط.
وأما الأمي فإنه معذور بترك القراءة للعجز فهو نظير من عذر عن الوضوء واللباس للعجز عن الماء والثوب.
وكذلك من خفيت عليه القبلة فإنه معذور بتركها للعجز عن معرفتها.
وكذلك المريض العاجز عن القيام فإنه معذور في ترك القيام للعجز عنه.
والفرق بين من دخل الصلاة وهو عاجز عن القيام وبين من طرأ عليه العجز داخل الصلاة شكل جدا.
أما الخطاب بالقيام في أول الصلاة فقد سقط عنه بالعجز في أثنائها فإذا قدر عليه بعد ذلك توجه إليه الخطاب مرة أخرى فالإلزام الثاني غير الإلزام الأول.
والحجة: قوله صلى الله عليه وسلم:« إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، ويؤيده قوله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ 52، وقوله: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ 53.
وإذا أمعنت النظر لم تر فرقا بين الصور التي ذكرها أبو محمد وبين صورة المتيمم والمصلي بالنجس.
وخالف بعض قومنا في المتيمم إذا رأى الماء وقد دخل في الصلاة وقالوا: عليه أن يتوضأ ويستأنف لأنه إبطال للعمل.
وقد تقدم ذلك في باب التيمم من الجزء الأول.
وأما المريض فإنه ينتقل من القيام إلى الاضطجاع، ومن الاضطجاع إلى القيام.
ومعنى ذلك إذا كان يصلي قائما ثم حدث عليه المرض فعجز عن القيام فإنه يتمها قاعدا، فإن بم يقدر فمضطجعا، وإن كان يصلي مضطجعا ثم وجد قوة على القعود أتمها قاعدا، أو استطاع القيام قام وبنى على صلاته.
وقال آخرون: لا ينتقل من قيام إلى اضطجاع، ولا من اضطجاع إلى قيام بل يستأنف في الحالين لأن لكل واحد منهما هيئة مخصوصة في العبادة.
وكذلك لا ينتقل من اضطجاع إلى قعود، ولا من قعود إلى اضطجاع.
وأما القيام والقعود فإنه ينتقل من أحدهما إلى الآخر فينتقل من القيام إلى القعود ومن القعود إلى القيام مرة أو مرتين أو أكثر في صلاة واحدة.
قال الشيخ عامر: وسبب الخلاف عندي هو سبب اختلافهم: هل يرتفع البدل عند وجود المبدل منه بعد دخوله في البدل وقبل اتمامه أو لا؟
قال: ولم يختلفوا في ما بين القيام والقعود لأن القعود وإن كان بدلا من القيام فهو من أفعال الصلاة في حال القدرة؛ ولذلك لم يستأنف الصلاة إذا قدر على القيام وهو يصلي قاعدا.
ومعنى قوله(في حال القدرة) يعني به صلاة المتنفل فإنه يجوز له أن يصلي قاعدا أو ماشيا.
قال: ولكن لا يعمل في ما بين القيام والقعود شيئا حتى ينتهي إلى ما يريده من ذلك فإن حدث عليه المرض أو الصحة قبل أن يتم العمل الذي دخل فيه أتمّه على الحال الحادث.
ومثل ذلك أن يحدث عليه المرض وهو راكع أو ساجد قبل أن يتم ركوعه أو سجوده فإنه إن لم يقدر على إتمامهما هوى إلى القعود من غير أن يؤميء حال انخراره، فإذا استوى كما هو أتم الحد الذي دخل فيه.
وكذلك من حدثت عليه الصحة بعد المرض وقد دخل في شيء من الحدود فإنه يتمه في حال الصحة ولا يعمل حال الانتقال شيئا ولكن يستأنف الذكر الذي بدأ به ولم يتمه كما إذا قال(سبحان ربي العظيم ) فتبدلت الحال عند(سبحان) أو نحو ذلك فإنه يبتدئ به في الحال الثاني.فإن عمل شيئا حال الانتقال كما إذا قرأ أو ذكر متعمدا فقيل: يعيد صلاته وإن لم يتعمد أعاد ما قرأ لأن الأول زيادة.
وقيل: لا نقض عليه بزيادة ما يعمل في الصلاة.
وقد تقدم ذلك، انتهى بتصرف في ألفاظه والله أعلم.



(الكلام في نقض الصلاة)
(بالنجاسة العارضة على المصلى)
ثم إنه أخذ في نقض الصلاة بالنجاسة العارضة على المصلي فقال:
وكل ما ينقض فرض الطهر*ش* فإنه ينقصها فلتدر
واستثنى بعضهم فلا تنتقض*ش*بالقيء والرعاف حين يعرض
يعني أن كل ناقض للوضوء من الأحداث كمس النجاسات، ومس الذكر والخارج من السبيلين والحلقوم فإنه ينقض الصلاة إذا حدث فيها لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، وإذا عدم الشرط عدم المشروط.
ومن فروع هذه القاعدة في الأثر ما قالوه في من مسّ كلب ثيابه أو بدنه وهو يصلي إنه تنتقض صلاته.
وفي كلب الصيد خلاف.
وفي أكثر القول أنه كغيره من الكلاب.
والخلاف مبني على الخلاف في نجاسته.
وقد تقدم ذلك في الجزء الثاني.
وكذلك قولهم في من صلى وفي ثوبه بيضة دجاج فإن أبا سعيد قال: تنتقض صلاته على قول من يقول: إن البيض نجس حتى يغسل.
وقال أبو الحواري: لا تنتقض بناء على القول بطهارته.
وكذلك قولهم في المصلي إذا طرحت عليه الريح ثوبا نجسا ومسته منه نجاسة فسدت صلاته.
وإن مسّه الطاهر سنه فصلاته تامة.
وإن صارت النجاسة التي في الثوب في حال يكون حاملا لها فسدت صلاته وإن لم تمس بدنه أو ثوبه.
وليس هذا من نواقض الوضوء ولكنه من نواقض الصلاة فهو خارج عن القاعدة، وإنما فسدت الصلاة به لأنه صلى وهو حامل للنجس ومن شروط الصلاة الطهارة على كل حال مهما وجد إلى ذلك سبيلا؛ فكل شرط لبقاء الوضوء شرط لصحة الصلاة ولا عكس.
واستثنى بعضهم من هذه القاعدة القيء والرعاف فقالوا: لا تنتقض الصلاة بهما وينتقض الوضوء.
ورووا في ذلك حديثا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة» فإذا انفلت المصلي بهما توضأ وبنى على صلاته.
واعتمده الشيخ عامر في إيضاحه ولم يذكر فيه خلاف فكأنه متعمد المغاربة إذ في كتبهم عليه فروع كثيرة.
منها: أن الإمام لا يستخلف على الجماعة إلا إذا انتقض وضوؤه بقيء أو رعاف.
ثم ذكروا في صفة الاستخلاف أمورا يراعون فيها المحافظة على الصلاة حتى قالوا: إن قال لأحد تقدم فإنه تفسد صلاته، ويبطل استخلافه.
ومنها: أن الجماعة ينتظرونه إذا مضى ولم يستخلف حتى يخرج من باب المسجد فإن خرج مضوا على صلاتهم.
ونحو ذلك من الفروع والله أعلم.








(الكلام في نقض الصلاة)
(بالعوارض الخارجية)
ثم إنه أخذ في بيان ما ينقض الصلاة من العوارض الخارجية وهي المعبر عنها بالقواطع فقال:
أو مَّر شيء بينه وسجده*ش* من حيوان ذي دم كولده
أما الخنازير ونحو القرد*ش* تنقض دون حدها في البعد
خمسة عشرة وكذاك الجنب*ش* وأقلف ومشرك مجتنب
وحائض أيضا ودون أذرع*ش* ثلاثة باقي النجاسات فعي
إلا إذا مرّ وراء سترة*ش* وإن تكن كشعرة في الدقة
وطولها مثل مؤخر الرجل*ش* شبرين أو ثلاثة خلف نقل
يعني من النواقض أن يمر بين المصلي وسجوده شيء من الحيوانات الطاهرة ذوات الدم كما مر ولده أو غيره من الناس، أو شاة أو سنور أو غيرها من الحيوانات فإنه يستأنف صلاته، وذلك إذا كان بينه وبين سجوده.
أما إن مرّ أبعد من ذلك فلا نقض.
وينقض الخنزير والقرد والمشرك والأقلف البالغ والحائض والجنب إذا مروا قدامه وإن بعدوا ما لم يكن بينهم وبين سجوده خمسة عشر ذراعا.
فإن مروا من وراء ذلك فلا نقض عليه لأن هذا القدر من الذرع لا يمكن فيه الصلاة مع الإمام إلا عند اتصال الصفوف لطول الصلاة فلا تنتقض صلاته بما وراء ذلك كما لا تتعلق بما وراءه.
وأما سائر النجاسات من نحو العذرة والميتة والدم وغيرها فلا تنتقض إلا إذا كان دون ثلاثة أذرع، وهذا لمن يصل إلى سترة.
فأما المصلي إلى سترة فإنه لا يضره ما وراءها وإن بلغت في الدقة كالشعرة.
وأقلها في الطول أن تكون مثل مؤخر الرجل بالحاء المهملة وهو آلة الشد على الركاب عند أهل الحجاز، وبمنزلة الشداد عندنا غير أن هيئته غير هيئته.
والمراد(بمؤخره) العود الذي في آخره، وهو الذي يستند إليه الراكب.
واختلفوا في تقديره: فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع.
وعن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع.
ولعلهم أرادوا بالذراع العمري وهو ثلاثة أشبار، فإن الخلاف في السترة عندنا على قولين:
أحدهما: أن يكون طولها شبرين.
والقول الثاني: ثلاثة أشبار.
فهذا أقل ما يجزئ من السترة والله أعلم.
وفي المقام مسائل:












المســـــألة الأولى
(في حـــكم الممـــرّات)
وقد اختلف العلماء في النقض بها:
فذهب أكثر أصحابنا إلى أنها قاطعة للصلاة إذا مرت دون الحد المخصوص ولم تكن في سترة.
وقال جابر بن النعمان: سأل طالوت السموألى هاشم بن غيلان عن المصلي: ما يقطع صلاته؟
فقال هاشم: ليست الصلاة بحبل ممدود وإنما تعرج إلى السماء فيصلها بر القلب ويقطعها فجوره.
وهو قول الربيع بن حبيب وعبد الله بن محمد بن محبوب-رحمهم الله تعالى.
وقال مالك والشافعي: لا تبطل الصلاة بمرور شيء.
ثم اختلف القائلون بالقطع:
فقال أكثر أصحابنا: يقطع ممر الكلب والحائض والمشرك والجنب والأقلف البالغ والقرود والخنازير حتى قالوا: لو غسلت الحائض أو الجنب إلا جارحة ثم مرا بين المصلي انتقضت صلاته.
وزاد بعضهم السباع.وقيل: إنها غير قاطعة.
وخرج بعضهم الخلاف هاهنا على الخلاف المتقدم في طهارة سؤرها وأكل لحمها.
وقال ابن محبوب: إن الجنب لا يقطع الصلاة.
قال ابن المسبح: هذا غلط عن أبي عبدالله.
قلت: ليس بغلط ولكنه مذهب له إن صح عنه وله دليل سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقيل: إن مر الحائض والجنب وهما مستتران بثيابهما ولم يظهر من جسدها شيء فلا نقض على المصلي لأن الثوب الذي عليهما بمنزلة السترة.
وإن ظهر من بدنهما شيء ولو قلّ قطع لأنه لا سترة دونه.
وقال أبو بكر الموصلي في المرأة تمر بين يدي المصلي: إنها لا تقطع صلاته لأن أصلها الطهارة حتى يعلم أنها حائض أو جنب أو نفساء.
وقال بعض قومنا: يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود.
قال أحمد: يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء.
احتج المثبتون للقطع بحديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« إن أحدكم إذا قام يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان».
وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عفريتا من الجن تفلُت البارحة ليقطع على صلاتي فأمكنني الله منه...الخ الحديث».
وحديث أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه سيفا، وإن لم يجد فعصا، وإن لم يجد فليخط بين يديه خطا ثم لا يضره ما مر بين يديه».
وحديث طلحة بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا كان بين يدي المصلي مثل مؤخرة الرحل لم يبال بما مرّ بين يديه».
ففي هذه الأحاديث دليل على أن المار يقطعها ولولا ذلك لما كان لذكر المقاتلة والسترة فائدة.
ثم إن قوله«ليقطع على صلاتي» نص في موضع النزاع.
ثم إن قوله«لا يضره ما مر بين يديه» وقوله«لم يبال بما مر بين يديه» دليل ظاهر على ذلك.
احتج القائلون أنه لا يقطع الصلاة شيء بقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يقطع الصلاة شيء».
وتأوله أبو محمد فقال: المراد لا يقطعها شيء غير ما ذكر من القواطع.
وبحديث عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني وإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
وعن جابر بن زيد عن ابن عباس: أقبلت ذات يوم وأنا راكب على حمار وأنا يومئذ فمنى فمررت بين يدي بعض الصف فلم ينكر عليّ أحد.
ويمكن أن يقال: ليس فيه دليل لأن الإمام سترة الصف.
وأيضا فالكلام في الممرات التي هي الكلب وما بعده.
ويحتج لأبي عبد الله بحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة فلما كبر انصرف وأوحى إليهم أن كما كنتم ثم خرج فاغتسل ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم فلما صلى قال: «إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل».
وقد أخذ منه بعض قومنا أن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة الإمام لكن تأول قوله(فلما كبر) أي أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام فيكون خروجه قبل الدخول في الصلاة وأومأ إليه لينظروه.
ويؤيد هذا التأويل قوله:(ثم جاء فصلى بهم ) لأنه إما أن يستأنفوا الصلاة فيثبت القطع وإما أن يستأنفها هو فيلزم عليه تقدم إحرامهم على إحرامه، ولا قائل بصحة ذلك، وإما أن يبني على إحرامه الأول ولا قائل به أيضا.
فما قيل من التأويل أقوى فلا يكون فيه دليل لأبي عبد الله.
وإنما ذكرته دليلا له بحسب الظاهر إذ له أن يتمسك بظاهر الحال كما تمسك به ذلك البعض من قومنا والله أعلم.
وأما القائل بقطعها بالحمار والمرأة فلا أعرف له حجة.
على أن حديث ابن عباس المتقدم يدل بظاهره على خلافه.
وأما قطعها بالكلب الأسود فلما ورد في بعض الأحاديث من الأمر بقتله وأنه شيطان والله أعلم.







المســـــألة الثانية
(في القطع بسائر الحيوانات الطاهرة)
وقد اتفقوا على أنها لا تقطع ما لم تمر بين المصلي وسجوده إلا ما تقدم عن بعض قومنا من الخلاف في مرور الحمار والمرأة.
وإن مرّ بينه وبين سجوده فقد اختلفوا في القطع بها:
فمن قال: إنه لا يقطع الصلاة شيء من الممرات.
جزم بعدم القطع هاهنا لأنه أسهل من المشرك والجنب.
ومن فروع ذلك ما قيل: إن الطفل الصغير لا يقطع الصلاة ولو مر بين يدي المصلي وبين سجوده.
وأكثر قولهم: إن كل ذي دم يقطع إذا مر بين المصلي وبين سجوده، وذلك كالأنعام والسنور والفأر والأماحي والعسالة والضفدع وما أشبه هذا.
واختلفوا في ما كان من غير ذوات الدم كالخنفساء والعقرب والجراد وما أشبهها.
واختار أحمد بن محمد السعالي أنها لا تقطع، وهو الصحيح.
وأما الذباب والبعوض وما أشبههما مما لا يقدر على الامتناع منه فإنه لا يقطع قولا واحدا.
ثم اختلفوا أيضا في من كانت في قبلته دابة مستقبلة له فقيل: لانقض عليه.
وقال المختار بن عيسى: إنها تنتقض.
ولعل حجته ما في مسند الربيع.
قال جابر: وقد ورد النهي لا يستقبل الرجل في صلاته حيوانا؛ فحمل النهي على التحريم فجعله قاطعا، وبذلك جزم الشيخ عامر في إيضاحه.
ونقل المحشي عن القاضي عياض عن العلماء كراهة ذلك وهو وجه القول بعدم النقض.
وأما إن استقبله عرضا فلا نقض لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعرض راحلته فيصلي إليها.
وإن تعلق بالمرأة ولدها فإنها تمضي على صلاتها وتعزله عند القيام لحديث أبي قتادة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها، وفي رواية: رفعها.
قال الخطابي: إسناد الإعادة والرفع إليه صلى الله عليه وسلم مجاز فإنه لم يتعمد تحملها لأنه يشغله عن صلاته لكنها لطول ما ألفته على عادتها تتعلق به وتجلس على عاتقه وهو لا يدفعها عن نفسه.
وإن جلس في حجرها أو بينها وبين سجودها فعلى الخلاف المتقدم.
وصرح الأثر بأنه لا يقطع عليه إذا جلس في حجرها أو حيث تسجد، وهو مبني على قول من لا يرى القطع والله أعلم.














المســـــألة الثالثة
(في القطع بالنجاسات)
والخلاف المتقدم في المسألة الأولى جارٍ هاهنا أيضا لكن لما كان القول بثبوت القطع أكثر في المذاهب جرت عليه الفتوى.
وقد اختلف القائلون بذلك أيضا:
فمنهم من قال: إن قليل النجاسة وكثيرها في القطع سواء.
ومنهم من قال: إن كانت رطبة قطعت وإن كانت يابسة لم تقطع.
ومنهم من قال: لا يقطع شيء من النجاسات إلا العذرة الرطبة.
وقال محمد بن محبوب: لو صلى وقدامه ميتة فذلك مكروه ولا يبلغ إلى فساد.
وكذلك قال غيره في من صلى وقدامه ثوب فيه جنابة إنه لا يبلغ إلى فساد صلاته، ويصرف وجهه عنه.
ومن صلى وقدامه بول أو عذرة أو ميتة أو ثوب نجس فصلاته فاسدة إن تعمد ذلك.
وإن لم يعلم حتى فرغ فلا نقض عليه.
وهو قول خامس حاصله: أن النجاسة تقطع عند العلم بها دون الجهل لأنه في حكم الخطأ المعفو عنه.
وأما الأقوال الأول فلعلها مبنية على اعتبار شدة النجاسة وخفتها؛ فإن الرطب أشد من اليابس.
وأما ابن محبوب فلعله لا يرى القطع بالنجاسات إلا إذا كانت بينه وبين سجوده.
ولعله يرى فيه رأى هاشم والربيع وهو أنها لا تقطع ما لم تمسه.
ثم اختلفوا أيضا في النهر الجاري:
فقال بعضهم: يقطع الصلاة لأنه يحمل النجاسات.
وقال آخرون: لا يقطع لأن به الطهارات، وهو الصحيح لأن حمله للنجاسة مظنون.
وأيضا فالماء قد يغلب عليها.
وأيضا فما لم نعلم أنها غلبت على الماء فلا وجه للنقض.
وإن كانت النجاسة جسدا فحتى نعلم أنها مرت فيه.
ثم اختلف هؤلاء:
فمنهم من قال: إن الماء الجاري سترة للمصلي.
وعلى هذا فلو مرت النجاسة في وسط النهر أو في جوانبه لكن بقى بينهما المصلي شيء من الماء الجاري فإنه لا نقض عليه لحصول السترة.
ومنهم من قال: إنه لا يكون سترة.
ولعل القائلين بأنه سترة أنزلوه منزلة الخط.
ولعل الآخرين لا يرون الخط سترة، أو لا ينزلونه منزلته.
ومن وقعت عليه نجاسة فمر بين يدي المصلي فقيل: يقطع صلاته، وقيل: لا يقطع.
والخلاف مبني على ما تقدم.
وقال أبو معاوية في المصلي إذا كان بين يديه نجاسة من دم أو بول أو عذرة تحاذي صدره أو بين ركبتيه وبين سجوده فعليه النقض ولو لم يمسه أو شيئا من ثيابه.
وإن كانت عن يمينه أو شماله ولم يمسها فلا نقض عليه.
إن مسها فعليه النقض.
وهذه فروع مبنية على القبول بثبوت القواطع.
وينبغي لك أن لا تنسى القول بنقيض ذلك فإنه يتفرع عليه عدم القطع مطلقا ما لم تمس النجاسة جسده أو شيئا من ثيابه.
وهو معنى ما قيل: إن من صلى وبين يديه عذرة بإزاء صدره أنه لا نقض عليه ما لم يمسها جسده أو ثوبه والله أعلم.

المســـــألة الرابعــــة
(في قطع الصلاة بالصنم والنار)
(وما أشبههما)
إن كان في قبلة المصلي صنم أو نار وما أشبههما من جميع ما يعبد من دون الله تعالى فإنه قطع صلاته لما في ذلك من مشابهة المشركين في عبادة الأصنام، والمجوس في عبادة النار؛ ولهذا وصفوا النار بالموقدة.
قالوا: وإن كان جمرا أو سراجا فلا بأس.
وكره ابن محبوب استقبال النار الميتة.
قلت: واستقبال السراج أشد لأنه أشبه بالموقدة.
وكذلك العجل والتصاوير في الحيطان والتماثيل فإنها في حكم الصنم.
وقال محمد بن محبوب: إن استقبال النار الموقدة مكروه لا يبلغ إلى فساد.
وكأنه-رحمه الله تعالى- نظر إلى معنى العلة التي لأجلها تقطع النار وهي التشبه بالمجوس فرآى ذلك شيئا بعيدا لبعد العهد بعبادة المجوس حتى أنه أشكل على بعض المتأخرين.
وجه قولهم إن النار قاطعة: فعلّل مرة بنجاسة الخطب، ومرة بنجاسة الخطب، ومرة بالخوف من مرور المقتبس.
وليس هذا بشيء، بل لعلة التشبه فقط؛ ولذا حرمت الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لأن صنفا من الكفرة يعبدونها في ذلك الوقت.
قال الشيخ عامر: وكذلك اللوح والمصحف والاستقبال للأموات من بني آدم والنائم مضطجعا.
قال: وسواء في هذا تعمد استقباله أو لم يتعمده.
ثم قال: وقال بعضهم: لا يقطع الصلاة شيء من هذه الأشياء ما لم يسجد عليها.
وهو معنى قول من لا يرى القواطع.
ولا أعرف وجه القطع من استقبال الألواح والمصحف إلا أن يكون من جهة التعظيم فإن فيها كلام الله إذ المراد بالألواح ما كان فيها ذلك مثل الألواح التي يكتب فيها القرآن، وكالألواح التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام من عند ربه.
وإن كان ما كان معظما يمنع استقباله في الصلاة إلا ما أمر الله باستقباله وهو البيت الحرام.
ووجه المنع: الخوف من مشابهة الكفار فإنهم إذ عظموا شيئا سجدوا له.
وجعل بعضهم استقبال القبور كاستقبال النار.
وقال ابن محبوب: الكل مكروه ولا يبلغ إلى فساد.
وأصله حديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها».
فمن جعلها قاطعة حمل النهي على التحريم.
وابن محبوب حمله على الكراهية.
وتقطع صورة الإنسان إن كان مقبلا إلى المصلي بوجهه لأنه في معنى الصنم.
وقال أبو سعيد: مكروه ولا نقض.
ولا يقطع إن مستدبرا لزوال العلة، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى وجعل طلحة في قبلته وكان مدبرا به.
ومن هاهنا قال أبو سعيد في الرجل الجالس مدبرا: إنه سترة ولا يقطع والله أعلم.






(تنبيهـــــات)
التنبيـــــه الأول
(في الحد الذي يكون القطع بالمار فيما دونه)
فأما الحيوانات الطاهرة مثل الأنعام وغيرها من ذوات الدم فقد تقدم القول فيها أنها لا تقطع إلا إذا مرت بين المصلي وبين سجوده.
فإن مرت بعد ذلك فلا تقطع من غير حد بقرب وبعد.
ويدل على ذلك ما في الحديث المتقدم«فليدرأه ما استطاع» فإنه يدل على قربه منه.
وحدَّه القائلون بالقطع من قومنا فقال بعضهم: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده.
وقال بعضهم: بينه وبين ثلاثة أذرع.
وقيل: بينه وبين قدر رمية حجر.
وأما النجاسات فأكثر القول فيها أنها تقطع في ما دون ثلاثة أذرع، ولا تقطع في ما وراء ذلك.
وقيل: تقطع في ما دون خمسة عشر ذراعا.
وأما المشرك وأشباهه من القواطع والصنم والنار وغيرهما من جميع ما أشبههما فأكثر القول أنها تقطع في ما دون خمسة عشر ذراعا، ولا تقطع في ما وراء ذلك.
وقيل: تقطع في ما دون سبعة.
وقيل: في ما دون ثلاثة كالنجاسات، ولا تقطع في ما بعد ذلك.
وقيل: إن النار الموقدة في ما دون سبعة عشر ذراعا.
وكذلك القبور، ويجب أن يكون مثلها الصنم وما بمعناه.
واختلف في الميتة:
فقيل: كالكلب، وقيل: كالنجاسة.
وإن ذبح الكلب ومر بلحمه أمام المصلي فقيل: لا يقطع لأن النجاسة في جلده.
ولا مستند لهذه التحديدات إلا محض الظن والاستحسان فإن كل قائل بحدّ منها يرى أن ذلك القدر كاف في التباعد عن المصلي على حسب ما وقع في ذهنه.
ولم يوجد قول بأكثر من سبعة عشر لأن هذا القدر بعيد بالاتفاق.
ولو قطع عليه من مرّ بعد ذلك لقطع عليه من مرّ بعد عشرين أو ثلاثين وهكذا إلى مائة أو مائتين.
ولا حدّ لذلك إلا أن يحصل ساتر فيفضي إلى منع الصلاة في الصحاري وهو باطل قطعا والله أعلم.















التنبيــــه الثاني
(في المرور بين يدي المصلي)
اتفق الجميع على كراهية المرور بين يدي المصلي لما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف إلى الحشر».
وفي رواية (لوقف أربعين خريفا).
ثم اختلفوا في هذه الكراهية:
فعند بعضهم: أنها للتنزيه.
وحملها آخرون على التحريم لأن معنى الحديث النهي الأكيد، والوعد الشديد.
قال ابن حجر: ومقتضى ذلك أن يعدّ في الكبائر.
وهذا القول أنسب بمذهب من أثبت القواطع.
والقول الأول مناسب لمذهب من لا يرى ذلك.
وخصّ بعض المالكية هذا النهي بالإمام والمنفرد لأن المأموم لا يضره ومن مرّ بين يديه لأن سترة إمامه سترة له، أو إمامه سترة له.
ورُدّ بوجهين.
أحدهما: أن النهي عام في كل مصلّ، وتخصيصه ببعض دون بعض محتاج إلى دليل.
وثانيهما: أن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي لا عن المار. وذكر ابن دقيق العبد أن بعض الفقهاء قسم أحوال المار والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام:
يأثم المار دون المصلي وعكسه، يأثمان جميعا وعكسه.
فالصورة الأولى: أن يصلي إلى سترة في غير مشروع وللمار مندوحة فيأثم المار دون المصلي.
الثانية: أن يصلي في مشروع مسلوك بغير سترة، أو متباعدا عن السترة، ولا يجد المار مندوحة فيأثم المصلي دون المار.
والثالثة: مثِل الثانية لكن يجد الماء مندوحة فيأثمان جميعا.
الرابعة: مثل الأولى لكن لا يجد المار مندوحة فلا يأثمان جميعا.
قال: فظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقا ولو لم يجد مسلكا بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته.
قال أبو ستة: وظاهر مذهب أصحابنا يشير إلى التفصيل المذكور.
قلت: ولكن على رأى من أثبت القواطع وهو أكثر القول والله أعلم.














التنبيـــــه الثالث
(في مدافعة المـــار)
وقد أجمعوا على ثبوتها لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن أحدكم إذا كان في الصلاة فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه عن نفسه ما استطاع فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان».
واختلفوا في حكمها:
فقال الجمهور: إنها مندوب فقط.
وقال أهل الظاهر: بوجوبها لأن حقيقة الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة.
ثم اختلفوا في العلة المثبتة للمدافعة: هل هي لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور أو لدفع الإثم عن المار؟
استظهر بعضهم الأول، وهو مقتضى المذهب عندنا.
واستظهر آخرون الثاني لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره.
وحجة الأول: ما روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته.
وروى أبو نعيم عن عمر: لو يعلم المصلي ما ينقض صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا على شيء يستره من الناس.
قالوا: فهذان أثران مقتضاهما الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظاً فلهما حكم الرفع لأن مثلهما لا يقال بالرأي.
ثم اختلفوا في صفة الدفع:
فقال بعضهم: يدفعه بالإشارة ولطيف المنع.
وقيل: يدرأ ما استطاع بلا علاج.
وقال أبو عبدالله: إن كان قائما فليتقدم قليلا حتى يعلم المار أنه يريده.
وإن كان جالسا أومأ إليه برأسه.
وإن أشار إليه بيده بغير معالجة فيكره له وصلاته تامة.
وقال محمد بن المسبح: يمد المصلي يده يدرأ بها عن نفسه قائما أو قاعدا.
وقال أبو عبد الله: إذا مر الكلب بين يدي المصلي فأشار إليه بيده أو ثوبه كأنه يرميه بشيء فلا نقض عليه.
وإن رماه بشيء انتقضت صلاته.
وحكى ابن حجر الإجماع على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك قاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع فيها.
ونقل ابن بطال وغيره: الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور.
وأطلق جماعة من الشافعية: أن له أن يقاتله حقيقة وقالوا: يرده بأسهل الوجوه فإن أبى فبأشدها ولو أدى قتله؛ فإن قتل فلا شيء عليه لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة في وقتها لا ضمان فيها.
ونقل عياض وغيره: أن عندهم خلافا في وجوب الدية في هذه الحالة.
وأما القود فلا قود عليه باتفاق العلماء.
كذا قال القاضي عياض.
واستبعد ابن العربي تجويز مقاتلته بما يفضي إلى هلاكه وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة، ثم ذكر رواية فيها( فإن أبى فليجعل يده في صدره وليدفعه).
وقال: وهو صريح في الدفع باليد.
واستنبط ابن أبي حجرة من قوله: (فإنما هو شيطان) أن المراد بقوله( فليقاتله) المدافعة اللطيفة لا حقيقة القتال لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة والاستتار عنه بالتسمية ونحوها والله أعلم.

المســـألة الخامســة
(في الســــترة)
السترة حاجز يجعله المصلي بين يديه فيسجد دونه.
وفائدته: حفظ الصلاة من قطع الممرات فإنه إذا صلى إلى سترة لا يضره ما مر وراءها.
والحجة في إثباتها: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه سيفا، وإن لم يجد فعصا، وإن لم يجد فليخط بين يديه خطا ثم لا يضره ما مر بين يديه».
وحديث طلحة بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« إذا كان بين يدي المصلي مثل مؤخرة الرحل لم يبال بما مر بين يديه».
وروى أنه صلى الله عليه وسلم غرز عنزة فصلى إليها.
قال العلامة الصبحي: وليست السترة من الأركان التي لا تتم الصلاة إلا بها وإنما يؤمر بها بلا إيجاب إذا خاف على صلاته من الممرات، والكلام فيها ينحصر في ثلاثة أمور:










الأمـــــر الأول
(في صفة الستـــرة)
وقد اختلفوا فيها على أقوال، واختلافهم ينحصر في ثلاث جهات:
الأولى: في نفس السترة، ما هي؟
والثانية: في قدرها في الدقة.
والثالثة: في قدرها في الطول.
فأما الاختلاف الذي في نفسها ما هي؟ فإنهم اتفقوا على أن كل ظاهر مرتفع من الأرض ارتفاعا مخصوصا على الصفة الآتية أنه سترة.
واختلفوا في ما ليس بمرتفع، وذلك هو الخط والنهر:
فذهب الأكثر إلى جعله سترة كما تقدم من حديث أبي هريرة.
وأنكره مالك بن أنس.
وكان الشافعي يقول بالخط في العراق ثم قال بمصر: ولا يخط المصلي بين يديه خطا إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فيتبع.
وحكى عن الكوفي أنه قال: لا يقطع الخط شيئا.
ثم اختلف القائلون بثبوته:
فمنهم من قال: إنه سترة عند العدم، وهو الصحيح للحديث المتقدم.
ورفع إلى أبي جابر: أن الخط يجزئ عن السترة.
وقال الثوري: الخط أحب إليّ من الحجارة التي تكون في الطريق إذا لم تكن ذراع.
وقيل: إن الحجارة لو صغرت خير من الخط لما في ذلك من معنى الارتفاع.
وكذلك ما أشبه الحجارة في هذا المعنى.
وأما الثوري فإنه لحظ ترتيب الحديث فإنه ذكر السيف ثم العصا ثم الخط، ولم يذكر الحجارة.
ثم اختلفوا في صفة الخط:
فقيل: يكون مقوسا كهيئة المحراب.
وقيل: قائما بين يدي المصلي إلى القبلة.
وقيل: من جهة يمينه إلى شماله.
وأما الماء الجاري فقيل: إنه سترة للمصلي.
وقيل: ليس بسترة.
وقيل: إن كان نهرا كبيرا فسترة، وأما الصغير فليس بسترة.
وقد اتفقوا على أن الماء الراكد ليس بسترة.
ولعل من جعله سترة شبهه بالخط.
وأن من لم يجعله سترة رآه مخالفا له؛ إما لأنه يحمل النجاسات أو لأنه لا يجري إلا في شق فيكون أسفل من موضع السجود.
وأما القائل بالتفصيل بين الكبير والصغير فكأنه نظر إلى نفس الجرم فاعتبر الكثير ساترا دون القليل؛ أو لأنه حمل نجاسة يكون أقوى في حملها من الصغير، وفي غالب أحواله أنها تتوسطه فيبقى بينها وبين المصلي ماء لا نجاسة فيه.
وهذا الوجه أظهر من الذي قبله فإن عظم الجثة غير معتبر في السترة والله أعلم.
وأما اختلافهم في دقتها:
فقيل: لا غاية لذلك، وأنها تجزئ ولو كانت كالشعرة في الدقة.
وقيل: حتى تكون كالسهم فصاعدا ولا يجزئ دون ذلك.
وقيل: حتى تكون كالأسلة.
ولعل صاحب القول الأول يحتج بظاهر الحديث في وضع السيف قدامه فإنه قد يقابل المصلي حد السيف دون عرضه، وذلك الحد في غاية الدقة.
ويبحث: بأنه لم يكن الحد بنفسه سترة إلا بانضمامه إلى السيف، وهو في ذلك الحال أفخم من الشعرة.
ولعل القائل بقدر السهم لحظ معنى العصا فإنه أقل ما يكون في دقته كالسهم.
وفي حديث آخر«استتروا ولو بسهم».
فإن صح فهو حجة لهذا القول.
وأما القائل بالأسلة فكأنه رآها أقل شيء يمكن غرزه، وأن المطلوب من السترة غرزها أمام المصلي.
ويبحث: بأنه يمكن أن يمد خيط من أعلى إلى أسفل من غير غرز إذ ليس الغرز نفسه مطلوبا، وإنما المطلوب انتصاب السترة أمام المصلي لكن لما لم يتأت انتصابها غالبا إلا بالغرز احتيج إليه والله أعلم.
وأما اختلافهم في قدر طولها في الهواء فعلى أقوال:
ذهب أكثر أصحابنا أن طولها ثلاثة أشبار فصاعدا، وذلك كأقصر سيف وأقصر عصا.
وقال بعضهم: تكون ذراعا فصاعدا.
ولعل القولين مبنيان على اختلافهم في طول مؤخر الرحل:
فإنه قيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع.
فإن حملنا لفظ الذرع على الذراع العمري ظهر المعنى فإن الذراع العمري ثلاثة أشبار فيكون ثلثاه شبرين.
وقال بعضهم: يجزئ قدر شبر.
وقيل: قدر المسواك.
وجوّز بعض قومنا أن يعرض العصا ويصلي إليها.
ولعله أخذه من إطلاق الحديث وهو قوله:(فليجعل تلقاء وجهه سيفا وإن لم يجد فعصا) فإنه ليس فيه التقييد بالنصب.
والجواب: أن القيد مفهوم من مقتضى الحال، ومن رواية العنزة؛ فإنه غرزها ولم يعرضها.
وذكر أبو محمد قولا: إن طول السترة بقدر قامة الإنسان على طوله.
وهو قول لم أجده لأحد من الموافقين ولا المخالفين، ولعله طلع فمن حفظ حجة على من لم يحفظ.
وكأنه مأخوذ من معنى الرواية أنه صلى الله عليه وسلم صلى وجعل طلحة قبلته وكان مدبرا.
ويرده الأحاديث المتقدمة؛ فإن فيها أن السيف والعصا ومؤخر الرحل مجزئ في ذلك.
ولعل هؤلاء يجعلون الرواية مثل مؤخرة الرجل بالجيم كما يفيده ظاهر كلام أبي محمد.
فإنه ذكر خلافا في ذلك، وعبّر عن الرجل في موضع بالإنسان؛ وإعجام الحاء لحن.
ولو سلمنا لعارضه حديث السيف والعصا.
وأيضا فهو محتمل للتأويل بأن يكون كمؤخره قاعدا لا قائما.
وأما أقوال قومنا فإنها تقارب أقوالنا في ذلك؛ فإن عطاء قال في طولها: يكون ذراعا خالصا على الأرض، وبه قال سفيان الثوري وأصحاب الرأي.
ومعنى ذلك أنه لا يعتبر بما غاص في الأرض منه.
وقال مالك والشافعي: قدر عظم الذراع فصاعدا.
وقال قتادة: ذراعا وشبرا.
وقال الأوزاعي: يجزئ السهم والسوط والسيف.
والمعاني في هذا متقاربة والله أعلم.
وفائدة الخلاف تظهر في ما إذا مرّ شيء من القواطع في الهواء مرتفعا كما إذا قحم كلب حتى وقع في الجانب الثاني:
فإنه على قول من جعل السترة ثلاثة أشبار لا ينقصها إذا كان ارتفاعه ثلاثة أشبار.
وإن كان ارتفاعه قدر شبرين قطع عند القائلين بالثلاثة، ولا يقطع عند القائلين بالشبرين.
وكذا القول في ما زاد وقل.
ووجهه: أن ما فوق السترة غير قاطع إذ لو كان قاطعا لأمرنا بتطويلها إلى الحد الذي لا يكون قاطعا.
ومن هنا قال ابن محبوب في الكلب إذا مر على جدار في قبلة المصلي إنه إذا كان طول الجدار أكثر من ثلاثة أشبار لم يقطع وإن استفرغ الجدار ولم يكن لمصلي سترة غيره.
وقال غيره: إن بقى من الجدار قدر الإصبع فلا يقطع، وإن استفرغه كله قطع حيث لم يكن للمصلي سترة غير الجدار.
وينبغي أن يحمل هذا القول على ما إذا كان الجدار دون السترة في الطول.
ويحتمل أن هذا القائل جعل السترة نافعة عما وراءها لا عما فوقها كما يفيده معنى الحديث.
والجواب: أن في الحديث الإطلاق أنه لا يضره ما مرّ بين يديه فهو يتناول مت فوق السترة وما وراءها.
ويبحث: بأن الإطلاق غير مراد وإلا لزم أن لا يضره ما مرّ بينه وبين سترته.
ويجاب: بأن ذلك معلوم من الأمر بالدنو إليها.
وأيضا فإن هذا الوجه يسقط فائدة السترة إذ لو قيل به لما كان لنصبها فائدة بخلاف الوجه الأول، فإن الإطلاق يقلبه والله أعلم.










الأمــــر الثاني
(في سترة الصفوف في الجماعة)
اعلم أن الإمام سترة لمن وراءه حتى قيل: لو مضى الكلب أو غيره من القواطع بين يدي الصف الأول فرجع قبل أن يتعدى الإمام إنه لا نقض عليهم لأن الإمام سترة لهم، وذلك لتنزيل صلاتهم منزلة صلاة واحدة، وجعل جماعتهم في حكم شخص واحد لأنهم كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضا، فلو وقعت فرجة لاختل البناء، وفسد الاجتماع على من وراءيها.
قال ابن محبوب: تفسد صلاة الذين مر بين أيديهم، وذلك لأنهم أشخاص متعددون، والإمام إنما يكون سترة لمن وراءه فقط وهو رجل واحد مثلا فيبقى مَنْ هاهنا وهاهنا لا سترة لهم.
وقال آخرون: إن مضى قدام الإمام لم ينقض على أحد من الصفوف.
وإن مضى خلفه نقض على الذين مر قدامهم.
ومعنى هذا القول أن القاطع يكون مروره في المكان الذي يوازي المكان الذي هو إمام الإمام، أو يكون بالمكان الذي يحاذي ما وراء الإمام لا إنه يمر قدامه أو من ورائه حقيقة.
ووجهه: أنه إذا مر بالمكان الذي هو وراء الإمام فكأنه مرّ بينهم وبين سترتهم بخلاف المكان الآخر فإنه في حكم المار وراء السترة.
وإن مرّ بين الإمام وبين سترته انتقضت صلاة الإمام اتفاقا من المثبتين للقواطع.
وفي صلاة من وراءه خلاف:
قيل: تنتقض بناء على القول بأن صلاتهم مرتبطة بصلاته صحة وفسادا.
وقال ابن محبوب: لا تنتقض ويتقدم منهم واحد يتم بهم صلاتهم بناء على القول بأنها غير مرتبطة بصلاته.
وهو الصحيح كما تقدم، وأن الإمام سترة لمن وراءه فلم يقطع عليهم المار.
وإن تعددت الصفوف فمر القاطع بين الإمام وبين الصف الأول انتقضت صلاة الصف الأول ولم يضر الإمام ولا غيره.
أما الإمام فلأنه من خلفه.
وأما سائر الصفوف فلأن الصف الأول سترة لهم.
وإن مر على بعض الصف الأول حتى جاوز الإمام من خلفه فسدت صلاة من مرّ بين أيديهم دون من بقى من الصف الأول لأنه لم يمر عليه.
وقيل: تفسد صلاة الصف الأول كله لأنه قطع بينهم وبين سترتهم.
وكذلك إن مر بين الصفوف فإنها تنتقض صلاة الصف الذي مر بين أيديهم ولا نقض على من كان خلف ذلك الصف ولاقدامه لأن الناس سترة لبعضهم بعضا.
وأصل هذا الفصل كله استتاره صلى الله عليه وسلم لطلحة وبراحلته في الصلاة والله أعلم.














الأمـــــر الثـــالث
(في السترة عن الكنيف)
والكنيف عبارة عن اجتماع ثلاث عذرات فصاعدا ولو لم يتخذ كنيفا.
وقيل: لا يكون كنيفا حتى يتخذ لذلك.
فأما إن اجتمعت العذرات من غير قصد إلى جعله كنيفا فهي في حكم النجاسة الغليظة.
وجعل بعضهم الماء الذي فيه العذرة بمنزلة الكنيف.
والصحيح أنه في حكم النجاسة.
وأما مجتمع مياه البواليع وما يجتمع من ماء العذرة فهو في حكم العذرة.
ولما غلظت النجاسة في الكنيف استحسنوا له سترتين بينهما هواء.
ولا يعتبر جدار الكنيف بل سترتان غيره.
وقال أبو المؤثر: إذا كان على الكنيف جدار أجزأ عن سترة واحدة.
وقيل: إن الثوبين يقومان مقام السترتين كالجدارين.
واختلفوا في الحضارين والخشبتين والغمائف:
فقيل: لا يقومان مقام السترتين عن الكنيف.
وقيل: بل يقومان لأنهما سترتان.
وقيل: سترة واحدة.
ثم اختلف هؤلاء:
فقال بعضهم: سترة الكنيف كسترة غيره، وليس هو عندهم بأشد من المشرك والخنزير.
وقال آخرون: لا تجزئ السترة عن الكنيف إلا أن تكون قامة في الارتفاع تستر المصلي كله عرضه وطوله.
وهذا كله إذا لم يكن بينه وبين المصلي خمسة عشر ذراعا، ولم يكن الكنيف مرتفعا عن موضع المصلي مقدار ما يكون سترة؛ فإذا كان على هذا الحال من البعد والارتفاع فلا يكون قاطعا.
ولابد من جريان الخلاف المتقدم في قدر المسافة للقواطع الغليظة وإن لم يذكر هاهنا فإن المعنى واحد.
وإن ارتفع المصلي عن موضع الكنيف قدر خمسة عشر ذراعا فإنه لا يقطع عليه لأنه في معنى المسافة في البعد.
ولم يجعل بعضهم المسافة في العلو كالمسافة في البعد.
قال بعضهم: وهذا شاذ من القول، وخرّجه على قول من أجاز أن يعلو أو يُعلي.
وذكر محمد بن عبد الله بن مداد: أن الكنيف إذا كان أسفل فحدّه سبعة عشر ذراعا أو جداران.
ولعله خارج على معنى هذا القول الشاذ.
وحاصل المقام: أنهم شددوا في الكنيف ما لم يشددوا في غيره لأحوال منها: غلظ النجاسة، ونفرة النفس عنه، والتشويش بريحه على المصلي، وتأذي الملائكة من قربه، وكونه قائما لا يزول بخلاف سائر الممرات فإنها تمر في لحظة، وكون استقبال المصلي إياه لا يكون غالبا إلا عن تعمد فاستحسنوا له لأجل ذلك سترتين على أن الشارع لم يأمر إلا بسترة واحدة في مطلق القواطع؛ فالزيادة استحسان.
والقائل بالسترة الواحدة في الكنيف اعتبر الأصل وترك الاستحسان.
والقائل بتعظيم السترة في حقه أكثر من غيره نظر إلى غلظ النجاسة فاستحسن تغليظ الساتر مراعاة للمناسبة، وقضاء لحق الاحتياط والله أعلم.





(الكلام في بيان النقض)
(بترك شيء من الشروط)
ثم أخذ في بيان النقض بترك شيء من الشروط فقال:
وتارك شيئا من الشروط*ش* فلا صلاة لانتفا المشروط
يعني أن من ترك شرطا من شروط الصلاة التي لا تتم إلا بها كالوضوء والوقت والاستقبال واللباس وغيرها فلا صلاة له لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط.
ومعنى ذلك أنه إذا شرط تمام شيء بوجود شيء كما شرطت صحة الصلاة بوجود الطهارة فإنه إذا عدمت الطهارة عدمت الصحة لأن الشرط ما يعدم بعدمه الوجود المقيد به.
وكذا القول في الاستقبال واللباس الطاهر وغيرها من الشروط فإنه إن أخل بشيء من ذلك متعمدا فسدت صلاته إجماعا.
واختلفوا في الثوب يصلي فيه المرء ثم يعلم بعد الصلاة بنجاسة فيه:
فقال بعض أصحابنا وبعض قومنا: عليه الإعادة على حال.
وقال آخرون منا ومنهم: إن علم في الوقت أعاد وليس عليه بعد الوقت إعادة.
وذكر ابن المنذر قولا ثالثا وهو: أنه لا إعادة عليه مطلقا.
ولم يبعده أبو سعيد لأنه قد صلى على السنه، ولحديث العفو عن الخطأ والنسيان، ولثبوت السنة في عذر الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا مع أن كل واحد منهما ناقض للصوم على التعمد.
فكذلك من صلى بالمتنجس فإنه لو تعمد فسدت صلاته إجماعا كما لو أكل في رمضان فسد صومه إجماعا، والنسيان كالنسيان.
وأما القول بالإعادة فجارٍ على القاعدة.
وذلك أن القاعدة اشتراط الطهارة في الثوب والبدن وأن غير ذلك لا يصح، وأن العفو في الخطأ والنسيان إنما هو لرفع الإثم فيهما دون الصحة والفساد.
وأما القول بأنه يعيد في الوقت فلأنه إذا خرج الوقت وهو على حال يرى أنه مؤّدٍ لفرضه فلا يتوجه إليه الخطاب بعد الوقت.
ويبحث: بأنه كالناسي لصلاته يجب عليه الفعل متى ذكر.
والمعنى أن الخطاب متوجه إليه في الجملة بدخول الوقت ولا يرتفع إلا بالأداء الصحيح.
وكأن هذا القول مبني على قول من يرى القضاء بأمر ثان غير الأول.
وكان القول الأول وهو وجوب إعادتها مطلقا مبني على قول من يرى وجوب القضاء بالأمر الأول.
وأما إن صلى قبل الوقت خطأ ثم تبين له بعد ذلك فعليه الإعادة، سواء علم في الوقت أو بعده لأنه لم يؤده على الوجه الذي أمر به.
ولم يذكر أبو سعيد في هذا خلافا.
وحكى أبو محمد الإجماع عليه بخلاف المصلي بالنجس، ولا يجزئ فيه ما يجزئ فيه لأنه لا يصلي قبل الوقت إلا وهو مقصر في الاجتهاد بخلاف المصلي بالنجس ناسيا.
وبيان ذلك: أن تقديم الصلاة عن وقتها لا يحتمل النسيان بخلاف تأخيرها عنه لأنه لا يصلي إلا وهو ذاكر لصلاته ووقتها.
نعم، يحتمل الخطأ بالغيم والظلمة وما أشبههما لكن يكون المخطئ في هذا مقصرا في اجتهاده إذ يمكنه أن يؤخر حتى لا يشك، وبذلك يؤمر، وهو فرضه.
وقد ذكر ابن المنذر خلافا في هذا على حد الخلاف المتقدم لكن قائلوه غير قائليه، وليس في المذهب إلا قول واحد.
وأما المخطئ في القبلة فإن انكشف له خطؤه بعد أن صلى بالتحري فقال قوم: لا إعادة عليه في الوقت وبعد الوقت.
وجزم به أبو محمد، ونقل في موضع آخر الإجماع عليه، بل قال: إذا انكشفت له الأدلة في صلاته توجه إلى القبلة، وبنى على صلاته.
واستدل على ذلك بفعل أهل قباء حين بلغهم تحويل القبلة.
وفي الاستدلال نظر تقدم ذكره.
وكذلك في حكاية الإجماع نظر؛ فإن غيره نقل الخلاف في المسألة.
قال الشيخ عامر: إن تبين له أنه صلى إلى غير القبلة فإنه يعيد عند بعضهم.
وقال آخرون: لا إعادة عليه.
واستحسن بعضهم أن يعيد في لوقت؛ فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه.
وذكر سبب الاختلاف، وقد تقدم ذكره في باب القبلة من الجزء الثالث والله أعلم.














تنبيــــه
(في من رآى على ثوبه قذرا)
(ولا يدري متى أصابه)
من رآى على ثوبه قذرا ولا يدرى متى أصابه قال هاشم: يعيد صلاته يوما وليلة.
قال أبو المؤثر: وقد قيل: يعيد آخر صلاة صلاها في ذلك الثوب.
قال: وبه نأخذ.
والأول مبني على الاحتياط، والثاني على الحكم.
قال أبو المؤثر: قال زياد بن الوضاح في رجل رآى في ثوبه دما أقل من ظفر ثم نسى أن يغسله حتى صلى فيه قال بعض الفقهاء من أهل خراسان: إن عليه إعادة الصلاة.
وقال سعيد بن محرز عن هاشم:
وقال سعيد بن محرز عن هاشم: لا إعادة عليه.
ومن صلى وهو لا يعلم أنه فيه دما فلما صلى رآه في ثيابه فإن كان الدم رطبا بحيث يمكن حدوثه بعد التحيات على قول، أو بعد التسليم على آخر فلا شيء عليه.
وإن كان يابسا فعليه النقض لأن يبسه دليل على سبق حدوثه والله أعلم.







(الكـــلام في النقض بمسابقة الإمام)
ثم أخذ في نقض الصلاة بمسابقة الإمام فقال:
ولا صلاة للذي تقدما*ش* إمامه أو قبله قد أحرما
ذكر في هذا البيت النقض بمسابقة الإمام لأن متابعة المأموم لإمامه شرط لصحة صلاته، والمسابقة إخلال بهذا الشرط؛ فهو داخل تحت القاعدة التي في البيت قبله.
وكذلك ينقض سبق الإمام للمأموم إذا تأخر عنه حتى سبقه سبقا مخصوصا على حسب ما سيأتي فالكلام في المقام ينحصر في طرفين:














الطـــرف الأول
(في سبق المأموم لإمامه)
سبق المأموم لإمامه ناقض بلا خلاف لقوله صلى الله عليه وسلم:«إنما جعل الإمام ليؤتم به».
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار».
وحكى عن بعض المحدثين أنه رحل إلى دمشق لأخذ الحديث عن شيخ مشهور بها فقرأ عليه جملة لكنه كان يجعل بينه وبينه حجابا. ولم ير وجهه فلما طالت ملازمته له ورآى حرصه على الحديث كشف له الستر فرآى وجهه وجه حمار فقال له: احذر يا بني أن تسبق الإمام فإني لما مرّ بي في الحديث استبعدت وقوعه فسبقت الإمام فصار وجهي كما ترى.
وعن أبي هريرة أيضا أنه قال: الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام فإنما ناصيته بيد الشيطان.
وعن أنس قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي.
وقد أجمع العلماء أنه يجب على المأموم أن يتبع إمامه في جميع أقواله وأفعاله.
فهذه الأدلة قاضية بوجوب الإتباع، وإذا وجب الإتباع كان تركه معصية، ومن شرط الصلاة أن لا يعصي الله فيها.
ثم إنه لا معنى للإمامة إلا اقتداء المأموم بالإمام؛ فلو سبقه بطلت الإمامة، وهو قد التزمها في صلاته، وببطلانها تبطل الصلاة إذا كان ذلك من قبل المأموم لأنه قد تعرض للفساد.
واختلفوا في من يسجد مع الإمام ويرفع معه:
فقيل: بفساد صلاته لأنه مقارن لا متبع.
وقيل: بصحتها لحصول الإتباع مع المقارنة.
وهذا الخلاف ناشىء عن اختلافهم في صفة الإتباع: ما هي؟
فإن بعضهم قال: هي كون فعل المأموم بعد فعل الإمام، ثم مثل أن يكون الإمام في السجود وهم بعد في القيام.
وقيل: لا يسجدون حتى ينقطع الصوت.
وقال آخرون: إن الإتباع مقارنة فعل المأموم لفعل الإمام في التكبير والركوع والسجود والرفع منهما.
وإنما يراعى في التكبير على هذا القول آخره لأنه بآخره يقع عليه الاسم.
ومعنى ذلك أن يفرغ من التكبير بعد فراغ الإمام.
وعند هؤلاء أنه إذا قارن فقد فعل ما يجزئه لكن فاته فضل الجماعة.
والصحيح الأول لحديث البراء بن عازب قال: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسل فإذا قال(سمع الله لمن حمده) لم يَحْنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبي صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض.
احتج الآخرون بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله:«إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا».
ومن سبق الإمام متعمدا فسدت صلاته مطلقا.
وقال أصحاب مالك: إذا سبق بالإحرام والسلام بطلت، وإن سبق بغيرهما فلا تبطل.
وذلك أنهم اعتبروا المبدأ والمنتهى، واغتفروا الوسط.
وليس بشيء لأن أدلة الإتباع قاضية بالمتابعة في جميع الأركان ولا معارض فلا يمكن ترك ما يقتضيه الدليل لغير دليل.
ومن أحرم قبل إمامه فعليه أن يعيد إحرامه إذا أحرم الإمام اتفاق بل إجماع، سواء كان متعمدا أو ناسيا لقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا كبر فكبروا».
فإن لم يُعِدْ إحرامه لزمته إعادة صلاته.
وإن علم في الركوع أنه كبر قبل الإمام فقيل: عليه أن يبتدئ الصلاة بتوجيه وإحرام، ويلحق الإمام حيث أدركه، وأما قبل ذلك فليس عليه إلا إعادة الإحرام.
وقيل: عليه التوجيه أيضا.
قال أبو سعيد: وإن قال قائل: إن عليه التسليم والتوجيه على نحو ما حكى عن الشافعي فليس ببعيد عندي.
ولعل وجهه اعتبار إحرامه على النسيان لحصول العذر فيخرج من صلاته بالتسليم لئلا يكون إهمالا.
والظاهر أنه لا صلاة له فلا معنى لثبوت التسليم.
وإن سبقه في القراءة فإن كان في قراءة السر فلا بأس عليه لأن المتابعة فيها غير واجبة لوجوب السر، ولا تلزم المتابعة إلا حيث تمكن، ولا إمكان في المخفىّ.
وإن كان في قراءة الجهر فإن سبقه ناسيا فقيل: يقف حتى يلحقه الإمام ثم يتبعه ويبني على قراءته لأنها فد حصلت له وهو معذور في السبق بالنسيان.
وقيل: يبتدئ القراءة لأنه قرأ في غير موضع القراءة وعليه سجدتا الوهم.
وقيل: لا يبتدئ ولو تعمد لذلك ولا فساد عليه لأنه لم يسبق الإمام في حدّ وإنما سبقه بما يقال في الحد.
ثم اختلف هؤلاء:
فقال بعضهم: أما الركعة الأولى فلا يقرأ حتى يقرأ الإمام.
وأما الثانية فلا بأس.
وقال بعضهم: إن ذلك في الركعة الأولى مكروه من غير فساد.
قال بعضهم: وكذلك عن أبي سعيد في ما قيّدتُ عنه.
وإن ركع قبله متعمدا فسدت صلاته.
وإن كان ساهيا فقال بعضهم: عليه أن يرجع إلى القيام ثم يركع ليكون تابعا.
وقال آخرون: ليس عليه ذلك وإنما يتبع الإمام إذا وصل إليه لأنه قد ثبت له الركوع، وعُفي عنه في السبق للسهو.
وكذا القول إذا سجد قبله.
وأما ما يقال من التعظيم في الركوع والسجود فعلى قول من يقول (يرجع) فإنه يعيد التعظيم مرة أخرى.
وأما على قول من يقول(يمسك مكانه) فإنه لا يعيد.
ومنهم من يقول: يعيده على هذا الوجه أيضا.
وكذلك إن رفع رأسه قبل إمامه من ركوع أو سجود فإنه إن تعمد لذلك فسدت صلاته.
وقال محمد بن المسبح: لا نقض عليه حتى يرفع رأسه مرتين متواليتين أو غير متواليتين ثم ينقض.
وهو قول انفرد به، ولم أجده عن غيره.
وكأنه رآى المرة عملا قليلا فيقيل العفو بخلاف المرتين فإنه فعل المصرّين .
والجواب: إن لم تفسد المرة لم تفسد المرتان لأن النقض إنما كان لترك المتابعة لا للإصرار، ولا فرق بين تركها مرة أو مرتين كما أنه لا فرق بين خروج الحادث مرة أو مرتين، وموجبات النقض يقوم قليلها مقام كثيرها.
وإن رفع رأسه ساهيا أو خطأ فقال أبو زياد عن هاشم: إنه يرده إلى الأرض.
وقال عمر: أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه قبل رفعه إياه أي قبل رفع الإمام رأسه.
وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي: يعود في مسجده قبل أن يرفع رأسه.
وقال الأوزاعي: يعيد رأسه فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث بعده مقدار ما ترك.
قال أبو سعيد: يرجع وإن لم يعلم حتى لحقه الإمام لم يضره ومضى مع الإمام.
وإن رجع فوافق الإمام قد رفع وقف على هيئته التي هو فيها حتى يصير الإمام في الحد الثاني ثم يتبعه.
وإن سبقه في التحيات فلا يضره لأنها سر فهي في حكم قراءة السر.
وإن سبقه بالتسليم فيخرج فيه الخلاف المتقدم:
فعلى قول من يقول: إن السلام ركن تفسد صلاته إن تعمد.
وإن نسى أعاد التسليم بعد أن يسلم إمامه.
وعلى قول من يقول: ليس بركن فلا إعادة عليه وقد فعل خلاف ما يؤمر به فإنه على كل حال مأمور بالتسليم بعد تسليم الإمام.
ثم إن تسليم الإمام إباحة للخروج من الصلاة والمسلم قبله تعجّل الأمر قبل أوانه والله أعلم.


















الطـــرف الثـــاني
( في سبق الإمام للمأموم)
وهو إما أن يسبقه بأول الصلاة فيلزم المأموم أن يحرم ويدخل مع الإمام في الحد الذي هو فيه لحديث على ومعاذ بن جبل قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام» فلو اشتغل بعد الإحرام بعمل لم يكن الإمام فيه فسدت صلاته.
وذلك كما إذا اشتغل بالقراءة والإمام في الركوع، أو اشتغل بالركوع والإمام في السجود فإنه لا تتم صلاته ولو لحق الإمام في بعض أركان الصلاة.
وأما إذا أحرم مع الإمام ثم سبقه الإمام بشيء من الحدود فإن كان السبب في ذلك أنه نعس فقيل: إنه يدخل مع الإمام حيث ما أدركه ثم يقضي ما فاته حال نعاسه، وهو في حكم المسبوق بأول الصلاة.
وإن لم ينتبه حتى سلم الإمام فإنه يبني على صلاته.
وإن كان السبب إبطاءه في القراءة، أو تخفيف الإمام، أو الاشتغال بدفع الوسوسة فقيل: ما لم يكن بينه وبين الإمام حد من الصلاة فلا نقض عليه.
وإن كان بينهما حد لم يكن فيه أحدهما فعليه النقض.
وعبَّر في الإيضاح عن الحد بالعمل.
قال: وقال بعضهم: لا إعادة عليه ما لم يفته بعملين.
قال: ثم إنهم اختلفوا في مقدار العمل في الصلاة:
قال بعضهم: القراءة وحدها عمل.
وقال بعض: القراءة والركوع.
وقال بعض: الركعة وجميع ما يعمل فيها عمل.
وقيل: إذا أدرك الإمام في حد من الصلاة-أي حد كان- فلا فساد عليه، وإن لم يدركه حتى خرج من الصلاة فسدت صلاته.
وهو أرخص ما قيل.
ثم خرّج الشيخ محمد بن إبراهيم على معنى هذا القول أنه إذا أدرك الإمام قبل أن يفرغ من تحيات نفسه إلى (محمدا عبده ورسوله) فإن ذلك هو الحد.
قال: ولعل بعضا يقول: إذا أدرك مع الإمام القعود إلى أن يقرأ هو إلى( محمد عبده ورسوله) قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك الحد مع الإمام.
قال: والأول أحبّ إلىّ.
وذكر الشيخ عامر أن سبب الاختلاف عنده: هل من شرط فعل المأموم أن يكون مقارنا لفعل الإمام أو ليس من شرطه ذلك وإنما شرطه أن يكون بعده فقط؟
وإذا كان بعده فمتى يكون فعله مخالفا لإمامه؟ انتهى والله أعلم.













(الكلام في النقض بمخالفة المأمور به في الموقف)
ثم أخذ في بيان النقض بمخالفة المأمور به في الموقف، وهو أيضا من شروط الصلاة في الجماعة فقال:
ولا لمن صلى على اليسار*ش* من بعد علمه بنهي الباري
قيل ومن صلى ورا الصفوف*ش* منفردا في الموضع المعروف
ولم يكن خلف الإمام وقفا*ش* مصليا لكنه تطرفا
وهكذا إن قطعته السبل*ش* إلا إذا صفوفهم تتصل
ومثلها في ذلك الأنهار*ش* إن فصلت بينهما والنار
ومن يكن صلى ورا إمامه*ش* بحيث لا يسمع من كلامه
مع مدّ صوته فلا فرض له*ش* إن كان أعلى أو محاذيا له
وقيل لو سمعه فلا يصح*ش* أن يعلو الإمام وهو متضح
وأن تصلي امرأة مع أجنبي*ش* في نحو ست أذرع أو أقرب
يعني أنه لا صلاة لمن صف عن يساره الإمام إذا كان عالما بالنهي عن ذلك فإن السنة قد مضت في الرجلين إذا أم أحدهما الآخر أن يكون المأموم عن يمين الإمام.
وقد حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس عن يساره إلى يمينه؛ فإذا خالف أحد هذا النهي بعد العلم به فسدت صلاته.
ونقل ابن المنذر عن ابن المسيب أنه يقيمه عن يساره.
ولعله لم يصح معه الحديث.
وأجاز أبو عبد الله محمد بن محبوب وأبو المؤثر الصلت بن خميس وأبو عبد الله محمد بن روح وأبو الحواري أن يصفّ عن وقتنا الإمام.
واتباع السنة أولى وأحق.
وكذلك لا صلاة لمن صلى وحده وراء الصفوف.
وذلك أنه يؤمر أن يدخل في الصف فإن لم يمكنه جرّ رجلا إليه حتى يكونا صفا مستقلا، فإن لم يفعل أعاد الصلاة.
وهو قول مزادة، ولم ير موسى بن علي بذلك بأسا.
وهذا إذا وقف وراء الصف محاذيا للإمام.
فأما إذا تطرف فصلى وراء مَنْ عن يمين الإمام أو وراء الذين عن شماله فإن القائلين بتمامها عن قفا الإمام اختلفوا في صلاته أن تطرف:
فمنهم من قال بفسادها.
ومنهم من قال بتمامها.
وقيل: تتم على الجهل والنسيان دون العمد والعلم.
وقيل: تصح على النسيان دون الجهل لأن العفو عن النسيان ثابت، ولم يعذر الجاهل.
وقيل: تصح ما لم يرد خلاف السنة.
قال هاشم: أخبرني رجل من مسجد بشير أنه سأل عن رجل دخل والقوم في صلاتهم فقام خلفه وحده ولم يجرّ أحدا ولم يدخل في الصف، وصلى بعض صلاته ثم جاء واحد فقام معه قال بشير: صلاة الأول فاسدة لأنه يصلي مع رجل لا صلاة له.
قال هاشم: فأخبرت بذلك سليمان قال: بل الذي دخل أصلح للأول صلاته.
وكذلك لا صلاة لمن صلى وبينه وبين الإمام أو الصف الأول طريق أو نهر أو نار، سواء كان المصلي هنالك واحدا أو جماعة فإن هذه الأشياء من القواطع الحائلة بين الإمام والمأموم.
فإن اتصلت الصفوف بعضها وراء بعض حتى أخذت في الطريق جازت صلاتهم للضرورة.
وقال ابن المسبح: لا تجوز الصلاة في الطريق إلا أن تكون مثل الأدوية أو الظواهر التي تمرّ فيها الناس حيث شاءوا.
قال: فإن اتصلت الصفوف في مثل هذا فلا بأس.
ووجهه: إنها في حكم الصحراء وليست في حكم الطريق لاتساعها فلا يكون مرور الناس فيها مانعا لما يباح منها.
وكذلك لا صلاة لمن تباعد عن إمامه حتى صار في أكثر من مدّ الصوت.
وهو معنى قولي(بحيث لا يسمع من كلامه) وسواء كان وراء إمامه محاذيا له أو كان أعلى منه على رأي من أجاز أن يعلو الإمام.
وفي قول آخر: لا يصح أن يكون المأموم أعلى من إمامه، وهو واضح.
وقيل: لا تفسد حتى يكون أرفع من إمامه بقامة فصاعدا.
ذكر هذا كله أبو إسحاق في خصاله، وتبعته في النظم، وهو خلاف ما تقدم عن الأشياخ؛ فإن الموجود عنهم تحديد البعد بخمسة عشر ذراعا، وأن الخلاف في الارتفاع على الإمام وارتفاعه على المأموم ثابت على غير هذا الوصف الذي ذكره أبو إسحاق.
وقد تقدم ذلك كله في صفة الصف خلف الإمام من الجزء الرابع.
وكذلك لا صلاة لمن صلى وقربه امرأة أجنبية تصلي في ما دون ستة أذرع، سواء كانت تصلي بصلاته أو بصلاة نفسها.
فإن كان بينهما أكثر من ذلك صحت صلاته وصلاتها.
وقيل: إذا كانت تصلي بإزائه فإنها تفسد عليه ما لم تكن منه بقدر عرض البيت.
وفسرّ بعضهم عرض البيت بستة أذرع أو مثلها.
وقيل: إذا كانا يصليان بصلاة واحدة فأكثر القول أنها قطع صلاته ما لم تكن ذات محرم منه.
وإن كان كل واحد منهما يصلي لنفسه فأكثر القول أنها لا تقطع عليه ولو كانت أجنبية ما لم يمس منها محرّما.
قال ابن المسبح: يكره أن تصلي امرأة أجنبية مع رجل فإذا فعلت فلا بأس.
وقيل: إذا صليت بحذائه انتقضت صلاتها دون صلاته.
وقيل: تفسد صلاتهما معا إذا صلت دون ستة أذرع حيث ما كانت.
وقيل: لا فساد عليهما معا.
ورخص بعضهم في الزوجة وذوات المحارم دون الأجنبية.
وقال أبو عبد الله: أقل ما سمعت إذا صلى رجل وامرأته أنه لا يجاوز سجودهما منكبيه، وتكون متأخرة عنه.
فإن جاوزها سجودها منكبيه فأخاف عليه فساد صلاته.
قال ابن المسبح: لا عليه ولا عليها فساد.
وقد تقدم لهذه المعاني بسط في الجزء الرابع فلا نطيل بسطها مرة أخرى والله أعلم.














( الباب العاشر من كتاب الصلاة)
وهو الثاني من كتب المـــدارج
(في القضــــاء)
القضاء فعل ما خرج وقته تداركا لما فات، ويسمى في عرف أصحابنا المشارقة (البدل).
أما فعل الفرض في وقته مرة ثانية لخلل وقع في الفعل الأول فهو إعادة.
وأما الفعل الواحد في الوقت فيسمى بالأداء.
وفي ذكر القضاء بعد النواقض مناسبة ظاهرة؛ فإن من انتقضت صلاته لزمته إعادتها إن كان الوقت قائما، وقضاؤها إن كان فائتا.
أما وجوب الإعادة فظاهر لأن المطلوب منه الإمتثال كما أمر، ولا يكون ذلك إلا بالأداء الصحيح؛ فما لم يؤد الفعل كما أمر فهو غير مؤدٍّ، والخطاب بلزومه متوجه إليه إذ لا يرتفع الخطاب بنفس الدخول في الفعل، وإنما يرتفع بالخروج منه.
وذلك أنه مخاطب بأدائه جملة ففعل بعضه لا يجزئ عن كله.
وأما وجوب القضاء فقال بعضهم: إن وجوبه بالأمر الذي وجب به الأداء.
وذلك أنه مأمور بالفعل في وقته، فإذا فوّت الوقت صار عاصيا، أو فات بلا عمد صار معذورا، وبقى في الحالتين الخطاب بالفعل قائما.
وقال آخرون: إن وجوب القضاء بأمر غير الأمر الذي وجب به الأداء.
وذلك أن الأمر الأول إنما أوجب الفعل في وقت مخصوص فلا يدل على الفعل بعده لكن قام الدليل بوجوب ذلك من جهة أخرى وهو قوله صلى الله عليه وسلم:«من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها».
وأنه صلى الله صلى الله عليه وسلم نام هو وأصحابه في رجوعهم من بعض الغزوات فما أيقظهم إلا حر الشمس فصلاها بهم كما كان يصليها في وقتها.
وأنه صلى الله عليه وسلم قضى يوم الخندق الظهر والعصر والمغرب حين حبسه المشركون بشدة الحصار حتى مضى من الليل ما شاء الله.
قال ابن عباس: وكان ذلك قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً 54.
وتأول بعضهم في ذلك قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي 55 فإن المعنى عنده (صل متى ذكرتها).
فهذه أدلة على وجوب القضاء، وهي غير الدليل الذي وجب به الأداء. وزعم قوم: أنه لا قضاء على تاركها عمدا بخلاف من نسيها أو نام عنها.
وذلك أنه لم يثبت عندهم دليل على القضاء في غير الناسي والنائم.
والجواب: أنه قد ثبت ذلك وهو القضاء يوم الخندق؛ فإن فوت الصلوات كان لشدة الحصار وهو غير النوم وغير النسيان والله أعلم.
وبخروج الوقت يلزم القضا*ش* إن فات أو فوّت فعل فرضا
وإما على المشرك مما لزما*ش* قط قضاء إن يكن قد أسلما
إلا إذا ارتد ووقته حضر*ش* أو كان قبل شركه قدما نذر
أو كان قد طاف ولم يركع وضل*ش* عليه أن يقضيه إذا انتقل
يعني أنه يلزم القضاء بخروج الوقت المقدر شرعا، وسواء فات الفعل بنوم أو نسيان أو غيرهما من الأعذار، أو فوّته المكلف عمدا فإن القضاء واجب على الكل لثبوت الدليل في قضاء النائم والناسي والمؤخر لعذر، وإذا لزم القضاء مع الفوات لعذر فهو مع التفويت بالعمد ألزم، لكن هذا إنما يكون في حق المسلم لصحة الأداء منه لو فعل.
أما المشرك فإنه لا يجب عليه قضاء ما ترك في شركه إجمالا لأنه لو صلى حال الشرك لم تصح صلاته إجماعا حتى على قول من جعله مخاطبا بفروع الشريعة لأن الإسلام شرط لصحة الصلاة وغيرها من العبادات.
ويستثني من ذلك المرتد عن الإسلام إلى الشرك فإنه إذا رجع إلى الإسلام وجب عليه قضاء الصلاة التي أشرك بعد أن حضر وقتها لأن الخطاب قد توجه عليه بها بدخول الوقت وهو على حالة يصح منه الأداء لو فعل.
وكذلك يجب عليه قضاء ما نذر من الصلاة قبل ارتداده فإنه إذا نذر أن يصلي ثم ارتد ثم أسلم وجب عليه قضاء ما نذر.
وكذلك يلزم قضاء ركعتي الطواف إذا كان ارتداده بعد أن طاف وقبل أن يركعهما.
وهذا كله لتوجيه الخطاب إليه في حال يصح منه الأداء لو فعل؛ فقولي(وضل) عبارة عن أشرك، والضمير من قولي (يقضيه) عائد إلى معنى الركوع المفهوم من قوله (ولم يركع).
والمراد بقولي(إذا انتقل) الانتقال من الشرك إلى الإسلام والله أعلم.
وفي المقام مسائل:












المســـــألة الأولى
(في من يجب عليه القضاء)
في هذه المسألة أمور:
الأمـــــر الأول
(في حكم القضاء وسببه)
أما سببه فهو خروج الوقت الذي قدّره الشرع للأداء.
واختلفوا في الوقت الذي ينتبه فيه النائم، ويذكر فيه الناسي:
فمنهم من قال: إنه وقت أداء فلو تركها مقدار ما يمكنه فعلها هلك عندهم.
ومنهم من قال: إنه وقت وجوبها؛ فهي عليه في حكم الدين.
والتعجيل أولى عند الكل.
فعلى القول الأول لا يكون خروج الوقت سببا لقضاء ما فات بنوم أو نسيان إ ليست قضاء بل أداء بخلافه على القول الثاني فإنه قضاء.
والسبب في وجوبه خروج الوقت فإذا نام لم ينتبه من حينه عذر في تأخيره إلى حال الذكر والانتباه؛ فإذا انتبه أو ذكر تعيَّن عليه الفعل.
وبيان ذلك: أن أول الوقت سبب لوجوب الأداء وإن أخره سبب لوجوب القضاء، وأن النائم والناسي في جملة مَنْ خوطب بالأداء في أول الوقت غير أنه لم يتعيَّن عليهما الفعل لاستحالته منهما لحصول المانع الذي هو النوم أو النسيان فعذروا في التأخير إلى حال الانتباه والذكر.
فإن انتبهوا في الوقت وجب عليهم الأداء بالخطاب الأول.
ولو أدركوا في الوقت ركعة واحدة فإنهم يجعلون ذلك الفعل أداء لقوله صلى الله عليه وسلم:«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».
وإذا لم انتبهوا حتى خرج الوقت توجه إليهم الخطاب بالقضاء وعذروا في تأخيره إلى وقت الانتباه.
ويظهر لك هذا المعنى في قولهم: إن مَنْ نسى صلاة سفرية أو نام عنها ولم ينتبه ولم يتذكر إلا في الحضر فإنه يصليها حضرية، خرج الوقت أو لم يخرج لأنه لم تجب عليه إلى في وقت الذكر والانتباه.
وكذلك إن نام عنها أو نسيها وهو في الحضر ولم يتذكر ولم ينتبه إلا في السفر فإنه يصليها سفرية لأنه وقت الوجوب.
فهذا من قولهم يدل على أن ذلك الوقت وقت أداء لا قضاء؛ فإنه لو كان قضاء لوجبت عليه على الصفة التي نسيها أو نام عنها لا على حكم الوقت الذي ذكرها فيه.
ومن المعلوم أنها إن نسيت في الحضر كانت أربعا أو في السفر فركعتين.
فمخالفة ذلك الحال إنما كانت لظاهر الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم:«فذلك وقتها».
واختلفوا في الطفل إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والحائض والنفساء إذا طهرتا وقد بقى من الوقت شيء لا يسع الفعل كله:
فقال بعضهم: لا قضاء عليهم ما لم يدركوها بجميع وظائفها لأن الخطاب بها لا يكون إلا جملة، وإذا لم يسع الوقت الفعل فلا يتوجه الخطاب لأنه يكون تكليفا بالمحال فهم بخلاف مَنْ كان في حدّ التكليف بها من أول الوقت لأن الخطاب قد توجه إليه والوقت واسع للفعل وغيره.
وقال آخرون: من أدرك ركعة والوقت قائم فهو مدرك للوقت ولا يكون مدركا ما لم يكن متطهرا.
وحجة هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم:«من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر».
وأما حكمه فإن العلماء اتفقوا على وجوب القضاء على الناسي والنائم واختلفوا في غيرهما كالمتعمد والمغمى عليه وغيرهما.
أما المتعمد فقيل: لا قضاء عليه لعدم الدليل الموجب لذلك.
وقد تقدم الجواب عن قولهم أن الدَّين لا يسقط بمضي الأجل فالعبادة أولى أن لا تسقط بمضي الوقت لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أحق ما وفيتم به دين الله تعالى».
وشدد بعضهم في الذي يصلي زمانا ويترك زمانا.
ورخَّص في من لم يصلّ حتى تاب، وشبهوه في ذلك بالمشرك. وأما المظالم فعليه أداؤها لأنها حقوق العبادة والله أعلم.



















فهـــــرس
الموضوعالصفحةالمسألة الرابعة فيمن جمع بين الصلاتين وفسدت عله إحداهما5الكلام في بيان صلاة المرأة والعبد وفيه مسألتان7المسألة الأولى في صلاة المرأة وفيها أمور9الأمر الأول في صلاة الزوجة التي ليس لها شرط10الأمر الثاني في المرأة إذا كان لها شرط سكنى14الأمر الثالث في المطلقة وغيرها16الأمر الرابع في صلاة الصبية إذا تزوجت18الأمر الخامس في الأمة إذا تزوجت19الأمر السادس في المرأة إذا تزوجت ببدوي20المسألة الثانية في صلاة العبيد23تنبيهان: الأول في الصبي إذا بلغ28التنبيه الثاني في المشرك إذا أسلم31الباب السابع في صلاة الخائف والمريض32الكلام في بيان صفة صلاة الخوف وفيه مسائل:35 المسألة الأولى في صلاة الموافقة37تنبيهات: الأول في حكم هذه الصلاة41التنبيه الثاني في أقل ما تصلى به هذه الصلاة44التنبيه الثالث في صفة الخوف45المسألة الثانية في صلاة المسايفة47تنبيهان: الأول فيما يقطع صلاة المسايفة51التنبيه الثاني في الخائف إذا صلى كما أمكنه53المسألة الثالثة في صلاة الطالب والمطلوب55المسألة الرابعة في صلاة المريض بالتكبير57الباب الثامن في صلاة العيدين62الكلام في بيان حكم صلاة العيدين وفيه مسائل:65المسألة الأولى في حكم صلاة العيدين67المسألة الثانية في حضور الصبيان والنساء والعبيد71المسألة الثالثة في المكان الذي يؤتى منه العيد76المسألة الرابعة في الجماعة الذين تنعقد بهم صلاة العيد79الكلام في بيان صفة صلاة العيد ووقتها80 تنبيهات: الأول في الأذان والإقامة لصلاة العيدين87التنبيه الثاني في التوجيه لصلاة العيد ومحله89التنبيه الثالث في القراءة في صلاة العيد90التنبيه الرابع في جهر الإمام بالقراء في صلاة العيد91التنبيه الخامس فيمن قدم القراءة قبل التكبير92التنبيه السادس فيمن وضع التكبير في غير موضعه93التنبيه السابع فيمن لم يسمع تكبير الإمام94التنبيه الثامن فيمن فاته شيء من صلاة الإمام يوم العيد95التنبيه التاسع في الخطبة يوم العيد وفيه مقامان:97المقام الأول فيما يختص بالخطبة97المقام الثاني في أحوال الخطيب101التنبيه العاشر فيمن رأى الناس قد صلوا 105التنبيه الحادي عشر فيمن انتقضت عليه صلاة العيد109الكلام في سنن العيدين ومستحباتها وفيه مسائل:110المسألة الأولى في تكثير الخارجين113 المسألة الثانية في الخروج إلى المصلى يوم العيد114تنبيهات: الأول في المنبر في المصلى 118التنبيه الثاني في صفة الخروج119التنبيه الثالث في وقت الخروج.121المسألة الثالثة في الأكل قبل الخروج يوم الفطر وبعد الصلاة يوم النحر122المسألة الرابعة في التجمل باللباس الحسن124المسألة الخامسة في التكبير يوم العيد125المسألة السادسة في التكبير يوم النحر وفيها أمور:129الأمر الأول في ثبوته29الأمر الثاني في حكمه131الأمر الثالث في ابتدائه وانتهائه133الأمر الرابع في صفة التكبير136الأمر الخامس في بقية أحكام التكبير139خاتمة فيما ينهى عنه يوم العيد141الباب التاسع فيما ينقض الصلاة143 الكلام في الناقض القلبي وهو أشياء:145منها: الارتداد146ومنها: انتقال النية عن أصلها147ومنها: زوال العقل بجنون أو نوم أو إغماء148ومنها: الرياء والعجب151ومنها: اشتغال النفس عن الصلاة بأمور خارجة عنها152ومنها: الشك وفيه صور:153الصورة الأولى في شك الإمام154الصورة الثانية في شك المأموم157الصورة الثالثة في شك المنفر وفيها أمور:159الأمر الأول في مطلق الشك160الأمر الثاني في الشك العارض على حدود الصلاة164الأمر الثالث فيما ينبغي فعله لمن ابتلى بالشك170الكلام فيما ينقض الصلاة من عوارض الفم وفيه مسألتان:172المسألة الأولى في الكلام وفيها أمور:173الأمر الأول في حقيقة الكلام173 الأمر الثاني في تحريم الكلام في الصلاة174الأمر الثالث في الكلام بذكر الله تعالى176الأمر الرابع في الكلام بغير ذكر الله تعالى178الأمر الخامس فيما يلحق بالكلام182المسألة الثانية في الضحك في الصلاة 188خاتمة في البزاق والنخاع190الكلام في بيان ما ينقض الصلاة من العوارض البدنية وفيه مسائل:193المسألة الأولى في الالتفات 195تنبهان: الأول فيما يؤمر به المصلي في جعل نظره197التنبيه الثاني في تغميض العينين في الصلاة200المسألة الثانية في النقض بالاستماع202المسألة الثالثة في الفعل في الصلاة وفيها أمور:204الأمر الأول في نفس الفعل204الأمر الثاني فيما يجوز فعله في الصلاة وفيه نوعان:208النوع الأول فيما جاز فعله في نفس الصلاة208 النوع الثاني فيما جاز فعله لأمر خارج عن الصلاة 217تنبيه فيمن أمره والده وهو في الصلاة223الأمر الثالث في الفعل الناقض للصلاة224خاتمة في الكف عن العمل230الكلام في بيان ما ينقض الصلاة بالأحوال الخارجة عن الأفعال231الكلام في نقض الصلاة بالنجاسة العارضة على المصلى 237الكلام في نقض الصلاة بالعوارض الخارجية وفيه مسائل:240المسألة الأولى في حكم الممرات243المسألة الثانية في القطع بسائر الحيوانات248المسألة الثالثة في قطع بالنجاسات250المسألة الرابعة في القطع بالصنم والنار253تنبيهات: الأول في الحد الذي يكون القطع فيما دونه256التنبيه الثاني: في المرور بين يدي المصلي258التنبيه الثالث: في مدافعة المار260المسألة الخامسة في السترة وفيها ثلاثة أمور:263الأمر الأول في صفة السترة264 الأمر الثاني في سترة الصفوف في الجماعة271الأمر الثالث في السترة عن الكنيف273الكلام في بيان النقض بترك شيء الشروط276تنبيه فيمن رأى على ثوبه قذرا280الكلام في النقض بمسابقة الإمام وفيه طرفان:281الطرف الأول في سبق المأموم لإمامه282الطرف الثاني في سبق الإمام للمأموم289الكلام في النقض بمخالفة المأمور به في الموقف291الباب العاشر في القضاء وفيه مسائل:296المسألة الأولى فيمن يجب عليه القضا وفيه أمور:300الأمر الأول في حكم القضاء وسببه300

رقم الإيداع 4049 لسنة 1984
مطابع سجل العرب