jpg^%^@~@~@~@~@~@~مكتبة الإمام نور الدين السالمي@~مسقط@~1995@~@~@~2@~@~@~@~سلطنة عمان - تاريخ حديث***^%^^%^zip@#$


تحفة الأعيان
بسيرة أهل عمان




تأليف الشيخ العلامة المحقق الإمام
نور الدين عبدالله بن حميد السالمي




الجزء الثاني

صفحة بيضاء
باب إمامة الإمام
المؤيد ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب، من ولد نصر بن زهران، وهو أول إمام في اليعاربة وأول من قامت به دولتهم وكانوا قبل ذلك كغيرهم من العرب رؤساء في الرستاق وما يليها بعدما تقسمت الممالك على أيدي الرؤساء على حسب ما قدمنا ذكره في الباب السابق. وسبب اجتماع المسلمين بعد فرقتهم ما وقع عليهم من أمراء الظلم وملوك الغشم من تراكم الفتن وشدة المحن، واختلفت آراء أهل الرستاق ووقعت بينهم المحنة والشقاق وسلطانهم يومئذ مالك ابن أبي العرب المقدم ذكره في الباب الأول وهو جد الإمام ناصر بن مرشد.
ثم مات مالك وبقيت الرستاق في يد بني بنيه وهم أولاد عم الإمام فتراسل المسلمون وتشاوروا أن ينصبوا لهم إماما يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وقدوة العلماء يومئذ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي صاحب "منهج الطالبين" قيل وفيهم مسعود بن رمضان النبهاني السمدي النزوي وصالح بن سعيد الزاملي العقري النزوي، بل قيل أن عدة العلماء يومئذ كانوا أربعين عالما أو يزيدون ولعلهم لم يحضروا البيعة كلهم بل حضر بعضهم ورضى الباقون، وكانت بينهم المراسلات والتشاور فوقعت خيرتهم على ناصر بن مرشد، وكان فيما قيل ربيباً للقاضي خميس بن سعيد وكان قد عرفه قبل ذلك فدلهم عليه فرضى به الجميع فعقدوا عليه الإمامة بالرستاق في عام أربع وعشرين بعد الألف.
وكان الإمام يسكن قصرى
من بلد الرستاق، وكانت الممالك في يد الرؤساء فعضده رجال اليحمد بأنفسهم وأمدوه بأموالهم وذخائرهم، وأجمع رأيهم أن يهجموا على القلعة ليلا، وكان فيها بنوا عمه بعد موت جده مالك فاستفتحها الإمام ثم توجه إلى قرية نخل وكان فيها عمه سلطان ابن أبي العرب فحاصره أياماً ثم افتتحها، وكانت فرقة من أهلها غير تابعة للإمام فظاهرت عليه الأعداء فحصروه في الحصن ثم أتاه رجال اليحمد فنصروه، وبدد الله شمل أعدائه، وقيل أنه في هذه الغزوة أظهر الله له كرامة فأشبع جراب تمر أربعمائة رجل، كذلك مورة أرز وهي في التقدير عن نصف جونية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأقام بنخل واليا ثم رجع إلى الرستاق ثم قدمت إليه رسل من نزوى يدعونه إلى ملكها فأجابهم إلى ذلك، وسار في قومه من رجال اليحمد وأناخوا بشرجة صفد من سمد نزوى، وأقام بها ليلة فلم يصدقوه فيما وعدوه فرجع إلى الرستاق وأقام بها مدة. ثم جاءه أحمد بن سليمان الرواحي ورجال من بني رواحة وقوم من عصبة مانع بن سنان العميري ملك سمائل يومئذ، فأقاموا معه يدعونه إلى ملك سمائل ووادي بني رواحة فأجابهم وسار في رجال اليحمد حتى جاوز حدش ونزل وادي بني رواحة، وترك بعض قومه عند الأمير مانع بن سنان بعد أن دخل في طاعة الإمام، واتفق رأي الإمام والأمير مانع أن يتوجها بالجيش إلى نزوى وسار معهم القاضي خميس بن سعيد، وناصرت الإمام عصبة من أهل أزكي بالمال والرجال فملك أزكي وقصد نزوى، فتلقاه أهلها بالكرامة ودخلها على حال السلامة ونزل منها بالعقد، وأقام فيها العدل والإنصاف، وكانت فرقة من أهل العقر يقال لهم بنو أمبو سعيد، وهم
رؤساء أهل العقر.
وقيل أن أصلهم من بني نافع وهم رهط الشيخ بشير بن المنذر تسفهت أحلامهم وشايعهم قوم من أهل سوق نزوى واجتمعوا أن يدخلوا على الإمام بجيشهم يوم الجمعة عند السعي إلى الصلاة فأخبر الإمام بذلك وتحقق أمرهم عنده فأمر بإخراجهم من مكانهم ونهى عن قتلهم، بل أمر أن ينفوا من أماكن الإمام فخرجوا صاغرين والتجأ جمهورهم إلى مانع بن سنان في بلد سمائل، وكان مانع قد أعطى الإمام العهود والمواثيق على الطاعة فخان ونكث والتجأت فرقة منهم إلى سيف بن محمد الهنائي ببهلى ووازرته على حرب الإمام فاستقام الحرب بين الإمام والهنائي فأمر الإمام ببناء حصن في عقد نزوى، وكان قديما قد بناه الصلت ابن مالك فأتم الإمام بنيانه.
وجاء إليه أهل منح يدعونه إلى إقامة العدل فيهم، فتوجه إلى منح وافتتحها وأظهر العدل فيها، وظاهره أهلها بأموالهم وأنفسهم، ثم رجع إلى نزوى، ثم أتاه أهل سمد الشان، وكان المالك لها علي بن قطن الهلالي فوجه الأمام لها جيشا يقدمهم الشيخ الفقيه مسعود بن رمضان فافتتحها، ثم أتاه أهل إبرى، وكان المالك لها محمد بن جفير بن جبر، فجيش عليها الإمام وافتتحها ودانت له سائر الشرقية ما خلا صور وقريات فإنهما كانتا في يد النصارى، ثم إن الإمام جهز جيشاً وسار على الهنائي ببهلى، فوصل إلى قاع المرخ فخان بعض جيشه فرأى الرجوع أصلح فرجع إلى نزوى وجعل يجمع الجيوش والعساكر فاجتمع له خلق كثير، فسار بهم إلى الظاهرة وافتتح وادي فدى وأمر ببناء حصنها، ونصره أهل العلاية من ضنك، وكان مقدمهم الشيخ العالم خميس بن رويشد ورجال الغياليين، واستقام أمره بها على رغم القالين.
ثم خرج الإمام يطوف بممالكه حتى وصل سمد الشان ومعه بنو ريام ورجع إلى الرستاق، ثم خرج على الإمام محمد بن جفير فدخل قرية نخل واحتوى عليها ما خلا الحصن فنهض إليهم الإمام بجيش عرمرم ونصره رجال المعاول، فما لبث القوم فيها غير ليلة أو ليلتين حتى ولوا الأدبار، ثم رجع الإمام إلى الرستاق، ثم تحركت الظاهرة فأقبل الشيخ خميس بن رويشد يستنصر الإمام عليها فجهز الإمام جيشا وسار مع الجيش بنفسه حتى نزل بالصخبرى ونصره أهل السر ورجال الضحاحكة بالمال والرجال، ومضى قاصدا حصن الغيّ وفيه جمهور آل هلال ومعهم البدو والحضر فاستقام بينهم الحرب، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها أخو الإمام جاعد بن مرشد، ثم توجه الإمام إلى عبري فافتتحها وأقام بها ليلتين ورجع إلى الصخبرى، وحصر حضن الغيّ حتى فتحه الله له، فولى فيه خميس بن رويشد، وجعل بقرية بات واليا من أهل الرستاق، وجعل معه محمد بن سيف الحوقاني وأمرهما بفتح ما بقى من قرى الظاهرة.
ورجع الإمام إلى نزوى ثم خرج عليه آل هلال، وكانوا بناحية ظنك في موضع يقال له الإفلاج، فغزوا الظاهرة فالتقاهم ولاة الإمام بموضع يقال له الدير ففضوا جميعهم، وأخذوا إبل قطن بن قطن ليستعينوا بها عليهم، وحاصروا حصن قطن بن قطن.
وركب قطن إلى الإمام ففدى إبله بتسليم حصنه، فأنعم له الإمام برد الإبل وسلم قطن الحصن، فأقام به الإمام واليا، ثم توجه الولاة إلى حصن مقنيات، فحاصروه وكان به وزير من قبل الجبور، فجيش الجبور بني هلال من بدو وحضر وأولاد الريس، ونهضوا إلى مقنيات، فظنوا أن لا طاقة لهم بها، فقصدوا إلى بات، فخاف الولاة عليه لقلة الماء به ولأنه عليه المعتمد، فسار المسلمون من مقنيات
إلى بات، ولم يشعر بهم الجبور، فوقع بينهم القتال من صلاة الفجر إلى نصف النهار، فشق ذلك على المسلمين، وكثر القتل في البغاة، حتى قيل أنهم عجزوا عن دفنهم، فكانوا يحملون السبعة والثمانية في خشبة، وثبت الله المسلمين، فلما بلغ الخبر إلى الإمام جيش جيشا وأم به الهنائي ببهلى.
وكان دخوله ببهلى ليلة عيد الحج فحاصرها شهرين إلا ثلاثة أيام، ثم أقبلت الجبور لنصرة الهنائي فالتقتهم جحافل الإمام فاقتتلوا قتالا شديداً، وقتل من جيش الجبور قاسم بن مذكور الدهمشي وناس كثير، فرجعت الجبور وبقى الهنائي ومن معه محصورين حتى سلم الحصن، وخرج منه بجميع رجاله وآلة حربه وماله وبقى الحصن خالياً، فأقام الإمام فيه واليه ورجع إلى نزوى.
ثم توجه الإمام إلى سمائل لمحاربة مانع بن سنان العميري لنكثه العهد ونقضه الميثاق، فلم يمتنع مانع من الإمام وصالحه على أن لا يخرجه من حصنه، بل يكون تابعا للحق فتركه الإمام ثم عزم الإمام على بناء حصن سمائل القديم، فبناه وشيد أركانه وجعل فيه واليا ورجع إلى نزوى، ثم جهز جيشا إلى مقنيات وسار إليها فلما وصلها وقعت بينهم الحرب فنصره الله عليهم، فما لبثوا في حصنهم إلا ثلاثة أشهر، وافتتح الإمام الحصن وجعل فيه محمد بن علي بن محمد والياً، ثم إن سعيد الخيالي ومن معه أسروا العداوة للإمام وكاتبوا عليه الجبور وأدخلوهم قرية الصخبرى، وقتلوا رجلا من الضحاحكة وناسا من شراة الإمام، فدافعهم من حضر، ووقعت بينهم وقائع في مواضع، منها وقعة بالعجيفة وهي وقعة شديدة، ومنها وقعة بالغابة ومنها وقعة بالمطهرة، ومنها وقعة بالزيادة، وهي وقائع شديدة كاد أن يتزعزع منها ركن الإسلام، وقد أدبر عن الوالي كثير
من قومه، وما بقى عنده إلا القليل، فبقى محصورا في حصن الغي، فجيش والي مقنيات، وهو محمد ابن علي، وجاء ناصراً للوالي محمد بن سيف المحصور في حصن الغي، فدخل البلد من غير علم من العدو، ففرق شملهم في سائر البلاد، فمنهم من دخل الصخبرى، ومنهم من قصد ينقل، ومنهم من هرب في الفيافى، وكانت ينقل في ملك ناصر ابن قطن بن جبر ونصر الله المسلمين.
ثم إن مانع بن سنان صاحب سمائل كاتب سيف بن محمد الهنائي الذي كان ببهلى كاتبه سراً وجمعا الجموع ودخلا نزوى ولم يخل أهلها من خديعة وعصيان، وظاهرهم بعض القبائل، فدخلوا نزوى واحتووا على العقر، وما بقى للإمام سوى الحصن وداروا به أشد ما يكون، وكانوا لكثرتهم أن يهدموا عليه السور حتى جاءته النصرة من إزكي وبهلا ومعهم بنو ريام، فدخلوا على الإمام فسر بقدومهم فتفرقت عنه جيوش أعدائه بعد أن قتل من قتل منهم، فأشار من أشار إلى الإمام بهدم حصن مانع بن سنان الكائن بسمائل، فجهز له جيشا وعلم به مانع، فخرج من حصنه إلى فنجا إلى مسكد، ثم خرج منها إلى لؤى عند محمد بن جفير.
ثم وجه الإمام الجيش إلى دار سيت، لأن سيف بن محمد بعد خروجه من بهلى بنى بدار سيت حصنا جعله للبغي مأوى، فجهز الإمام الجيش لهدمه، وأمر عليهم الشيخ عبدالله بن محمد بن غسان مؤلف "خزانة الأخيار في بيع الخيار" فلما نزل الجيش بدار سيت خاف الهنائي على نفسه، فخرج من حصنه هاربا، فأمر القائد بعدم الحصن فهدم. ثم أتى الهنائي إلى الإمام يطلب منه العفو والصفح فعفا عنه، ثم جهز الإمام جيشاً عظيما
سار فيه بنفسه وقاضيه خميس وقصد به ينقل، وفيها يومئذ ناصر بن قطن، فحاصرها أياما وافتتحها وجعل فيها واليا ورجع إلى الرستاق ثم جهز جيشا آخر أمر عليه عبدالله بن محمد بن غسان النزوى، وأمره أن يقصد الجو، فسار إليها وصحبه من الأعيان خميس بن رويشد الضنكي وحافظ بن جمعه الهنوى ومحمد بن علي الرستاقي ومحمد بن سيف الحوقاني، فأتى الجو واستفتحها وولى عليها محمد بن سيف، ثم قصد القائد بالجيش إلى لوى، وكانت فيها الجبور فاختلفوا فيما بينهم وقتل محمد بن جفير ووقعت بينهما العداوة، فنزل عبدالله منها بالجامع، ودارت عساكره بالحصن، وكان مالكه سيف بن محمد بن جفير وعنده مانع بن سنان العميري.
وأما إخوة سيف وأعيان قومه فإنهم التجأوا إلى النصارى بصحار وصاروا يمدون إخوانهم المحصورين بالطعام وآلة الحرب، ويغزون جيش الإمام ليلا، ثم جهز القائد سرية ولى عليها محمد بن علي وأمرهم أن يهجموا بالليل على من بصحار منهم، فكبسوهم قبل الصباح في الموضع المسمى منفل مقرن، وهو مما يلي الجنوب من الحصن على ساحل البحر، فدارت بينهم رحى الحرب واشتد الطعن والضرب، ثم رجع منصوراً، ولم يزالوا محاصرين لحصن لوى حتى أرسل إليهم سيف بن محمد بن جفير يريد الأمام فخرج خفية، ثم خرج من معه ودخل القائد الحصن، وكان الحصار في ستة أشهر.
وكان ناصر بن ناصر بن قطن ورجال العمور قد ظاهروا القائد على حصار الحصن لما تقدم من الخلاف بين الجبور، فجعل القائد واليا في الحصن من جناب ناصر ابن ناصر، وجعل معه بعض الرجال الموفين الموثوق بهم في الأمانة والعلم ثم رجع القائد إلى الإمام منصوراً، ثم جهز الإمام جيشاً
أمر عليه مسعود بن رمضان، وأمره أن يسير إلى مسكد، وكان فيها يومئذ النصارى، فسار مسعود بمن معه حتى نزل طوى الرولة في مطرح فخرج إليهم النصارى فتعاطوا كؤوس الحمام وعظم بينهم الالتحام، فنصر الله المسلمين وهزم المشركين وقتل منهم خلق كثير لا يحصون عددا فتمنعوا بالكيتان وبعالي البنيان، وهدم المسلمون من مسكد بروجا شامخة وأبنية منيعة، ثم أن النصارى طلبوا الصلح فصالحهم القائد على فك ما في أيديهم من أموال العمور وأموال الشيعة من صحار، فأذعنوا لذلك وأخذ منهم العهود وأعطاهم الأمان ورجع إلى الإمام منصورا.

ذكر قتال مانع بن سنان العميري
وذلك أن مانعا لم يزل مضمرا للعداوة قادحا في الدولة، يعطي العهد وينقضه ويذعن للطاعة وينكث، ويطلب للإمام الغوائل، ويلتمس للدولة الخلل، فاستأذن مداد بن هلوان الإمام في قتل مانع بالاحتيال، فأذن له، فكاتبه مداد ليدخله حصن لوى، وأطمعه فيه بلطف، وكان الوالي فيها يومئذ حافظ بن سيف فلم يزل مداد يكاتب مانعا ويتلطف، وكان مانع في دبا، فركن إلى قول مداد وفرح به وطمع في الحصن، فركب من دبا إلى صحار، فأقام بها أياما ينتظر أمر مداد، فجدد له مداد الوعد، وضمن له بدخوله الحصن، وواعده على ليلة معلومة، فلما كانت تلك الليلة فرّق الوالي العسكر يدورون في البلاد كأنهم يسيرون، وتعاهدوا أن يلتقوا على مانع من اليمين والشمال، فلم يدر مانع إلا وقد أحاطت به الرجال، فأخذ قهرا وقتل صبرا وتفرقت جنوده، وقتل من بقى معه.

ذكر فتح الصير
وهي جلفار، وكان فيها العجم وبعض النصارى، فجهز إليهم الإمام جيشا وأمر عليه علي بن أحمد وعضده ببني عمه من آل يعرب، فسار بالجيش إلى جلفار ومالكها يومئذ ناصر الدين العجمي، فأحاط بهم جيش الإمام.
وكان بحصن الصير برج معتزل له جدار متصل بالحصن، وفيه قوم تقاتل بالليل والنهار، وكانت النصارى في البحر تدفع بمدافعها المسلمين عن الحصن، فعزم المسلمون على الهجوم على البرج، فهجموا عليه ليلا وأخذوه قهرا، ومالوا على الحصن فافتتحوه، وجعل فيه قائد الجيش واليا. وكان فيها حصن على الساحل للإفرنج، فسار إليه بعض الجيش، وفيهم رجال الدهامش، وخميس بن محزم، فدخلوا الموضع نهارا واحتووا على ما فيه، فامتنع النصارى بالحصن، فحاصرهم المسلمون وبنوا حولهم حصنا، فذل المشركون وطلبوا الصلح، على أن يهبطوا من الحصن، فصالحهم القائد، فهبطوا، وجعل القائد فيه واليا، ورجع علي بن أحمد بمن معه إلى نزوى، فاستبشر الإمام بالفتح، واستبشر المسلمون بقدومه وبفتح الصير.
ثم إن الإمام أمر حافظ بن سيف واليه على لوى وكان معه رجال العمور شراة أن يسير إلى صحار ويبني بها حصنا، وكان بها يومئذ النصارى، فأرسل الوالي إلى من بقربه من القرى من بني خالد وبني لام والعمور، واجتمع معه عسكر كثير، وكان رجال من صحار يدعونه إلى ملكها فمضى إليها بجيشه وبات بقرية عمق وعميت الأخبار على أهل صحار، حتى
صبحها ضحوة النهار في آخر يوم من محرم الحرام في سنة ثلاث وأربعين بعد الألف فنزل بموضع يقال له البدعة، فزحف المسلمون على المشركين حتى وصلوا إلى حصن ابن الأحمر، واشتد بينهم الطعن والضرب، وكانت النصارى تدفع بمدافعها من الحصن، وكان الظفر فيها للمسلمين. ثم انتقل الوالي من البدعة إلى مكان هو أقرب إلى العدو، فجاءت ضربة مدفع فاخترقت القوم حتى وصلت مجلس الوالي، فأصابت راشد بن عباد فمات شهيدا رحمه الله.
ثم أخذ الوالي في بناء حصن فأسس في الحال وتم بنيانه ونزل به الوالي، ولم تزل الحرب قائمة بالليل والنهار.
ثم إن القاضي خميس بن سعيد سار بمن معه من رجال اليحمد وغيرهم حتى نزلوا قرية بوشر.
فأرسلت النصارى إليه تطلب الصلح فأجابهم إلى ذلك وأرسل عيونه إلى مسكد، ثم ركب بمن معه حتى نزل مطرح، فواجهته وجوه النصارى وصالحته، ورفع عنهم الحصار، وفك عنهم المقابض، ورخص للناس في السفر إليهم، وكفت الأيدي عن القتال.
ثم إن الإمام جهز جيشا إلى صور فحاصرها الجيش حتى فتحوها، وسار بعض الجيش إلى قريات، وكان بها حصن للنصارى، فبنى فيها المسلمون حصنا وفتحوا حصن النصارى، واحتوى الإمام على جميع عمان إلا صحار ومسكد ففيهما النصارى على الصلح السابق تحت الطاعة.
ثم إن ناصر بن قطن بعد خروجه من ينقل هرب إلى الإحساء وبقي بمن معه يغزو بادية عمان ويأخذ المواشي وينهب من لقى، ويفعل ذلك كل سنة ويرجع إلى الإحساء، فكتب الإمام إلى الوالي محمد بن سيف أن يتجسس عن قدوم ناصر، فإذا علم به التقاه بالجيش دون عمان.
فجمع الوالي العسكر من البدو والحضر، فلما علم بقدوم ناصر تلقاه، فلما علم ناصر بجيش الإمام قصد
الظفرة ودخل حصنها، وتعصب له بنو إياس، ووجه ناصر رسله إلى الوالي يطلب الصلح، وكان قد قل على الوالي الزاد وبعدت عليهم الدار فصالحه على رد ما نهبوا وغرم ما أتلفوه مما اكتسبوه، ورجع الوالي بمن معه.
وأما ناصر فإنه جمع البدو من الظفرة، فعزم على الهجوم على حصن الجو، وكان فيه أحمد بن خلف واليا، وتابع ناصرا كافة أهل الجو وأعانوه على الوالي، وداروا بالحصن، فعلم به الولاة من الباطنة والظاهرة، فأتوه ناصرين، فخرجت جيوش الأعداء منهزمين.
ثم أتى القائد الأكبر عبدالله بن محمد من نزوى بجيشه، فأمر بهدم حصون الجو كافة ما خلا حصن الإمام، وتفرقت الأعداء، وقصد عمير بن محمد صحار مع النصارى، وقصد الباقون العقبة من جلفار، فكانوا يقطعون الطرق ويغزون البلدان، فسارت عليهم الولاة، فقتل من قتل، وانهزمت الأعداء، وأخذ الوالي إبلهم ورجع إلى عمان، ولعل أخذ الإبل كان للاستعانة عليهم ما دامت الحرب قائمة. ومضى ناصر بن قطن ومن معه إلى الباطنة فهجم بمن معه على إبل بني خالد وبني لآم فأخذوها وسلبوا ما على النساء من الحلي والكسوة، ورجعوا بذلك إلى الإحساء.
ثم إن ناصر بن قطن أتى إلى عمان مرة أخرى، وقصد الباطنة للنهب والسلب فجهز له الإمام جيشا، وأمر عليه علي بن أحمد، وعضده بمحمد بن صلت الريامي وعلي بن محمد العبري، وأحمد بن بلحسن البوشري. فمضوا إلى لوى، فأقبل ناصر ابن قطن بقومه فوقع بينهم الحرب.
ثم ركب ناصر بمن معه إلى قرية مجيس فاتبعه الوالي بمن معه، ثم ركب ناصر قاصدا أرض الشمال فركب الوالي في طلبه، وكان أول من لحقه أحمد بن بلحسن البوشري
ومراد وراشد بن حسام وبعض الشراة بموضع يقال له الخروس فوقع القتل في المسلمين قبل أن يتكامل جيشهم، قتل المتقدمون أجمع ولله الدوام. فلما وصل الجيش رأوا أصحابهم صرعى، ولم يروا أحدا من قوم ناصر ثم إن ابن حميد محمد بن عثمان الخالدي، وكان من أصحاب ناصر بن قطن، غزا بلاد السر، وكان فيها محمد بن سيف الحوقاني واليا، وفيها أيضا سعيد بن خلفان أحد أنصار الإمام، فأناخ ابن حميد بقرب الغبى من الظاهرة، فطلب سعيد بن خلفان من ابن حميد المواجهة للمشافهة، فأجابه في ذلك من غير أن يأخذ لنفسه أمانا، فتواجهوا في مسجد الشريعة من الغبى، فجرى بينهما الكلام في التجرى على أموال الناس وقتلهم ونهب أنعامهم، فقال سعيد بن خلفان لابن حميد: أما ترد ما أخذت ونهبت من أموال العباد؟ فأعرض عنه بوجهه وتولى وقال: حاش وكلا وأظهر عتوا وعنادا، فأمر سعيد بأسره فأسر وأمر به فأدخل الحصن، ثم أمر به فقيد، ثم ركبوا به إلى الرستاق، فأرسل سعيد إلى الإمام بخبره، فأجابه بأن يحمله في قلعة الرستاق فحبس بها خمسة أشهر. وفي بعض النسخ سبعة أشهر ثم مات في حبسه ليلة السابع من الشهر.
ثم إن الإمام جهز جيشا من الباطنة وعمان، وأمر عليهم سعيد بن خلفان وعضده بجفير بن محمد بن جفير وأمره أن يسير إلى الشمال فيأخذ إبل ناصر بن قطن، وهي قوته التي يستعين بها على بغيه، فسار القائد بمن معه فالتقاه بنو إياس دون الإبل في موضع يقال له الشعيبة، وهو قرب الظفرة، فاقتتلوا واشتد بينهم الضرب والطعن، وقتل أمير بني إياس صقر بن عيسى وجماعة من رجاله، ثم غضب محمد بن عيسى لقتل أخيه، ورأى الموت خيراً
له من الحياة بعده، فحمل على جيش المسلمين، فالتقوه فقتلوه، فطلب بنو إياس العفو فعفا عنهم ورجع.
ثم جهز الإمام جيشا آخر من الباطنة وغيرها، وأمر عليهم أيضا سعيد بن خلفان وعضده بعمير بن محمد بن جفير الجبرى، وأمرهم أن يسيروا إلى ماء يقال له دعفس، عليه إبل ناصر بن قطن، وهو في ناحية الشمال، فوجدوا الإبل هنالك وأخذوها ورجعوا منتصرين آمنين، فجعلوا الإبل أمانة عند عمير بن محمد بن جفير، وكان لعمير راع يقال له علي، فأشار إليه بعض الخدم بأخذ الإبل والتقرب بها إلى ناصر بن قطن، فسار بها إليه، ثم إن ناصر بن قطن وعلي بن محمد ما زالا يغزوان بمن معهم أطراف عمان، ويقطعون الطرق، حتى خافت منهم البادية والتجأوا إلى البلدان، فجهز الإمام جيشا أخرج فيه بني عمه سيف بن مالك وسيف بن أبي العرب وحزاما، وأخرج معهم رءوس القبائل، فساروا قاصدين ناصر بن قطن ومن معه، فنزلت أول زمرة من جيش الإمام وفيها شرارة الجيش فبادرهم العدو قبل أن يتكاملوا، فقتلوا عن آخرهم، وخرج ناصر بن قطن إلى الإحساء، ورجع الجيش وقد أصيبوا بإخوانهم، ثم إنه لم يكن لناصر بن قطن بعد هذا ذكر، فلعله مات أو ضعفت قوته، وظهر أمر الإمام وانتشر عدله في الخاص والعام واستولى على جميع عمان إلا مسكدا، فقد كان فيها النصارى، وقد تقدم أنهم صالحوا مرتين ونكثوا، وما زالوا ينكثون، ثم نصب لهم الإمام الحرب حتى وهنوا وضعفوا ووهي سلطانهم وتفرق أعوانهم، وكاد الموت والقتل يأتي على أكثرهم.
ثم توفي *ر* والمسلمون عنه راضون وله مؤازرون
ومناصرون: وكانت وفاته يوم الجمعة لعشر ليال خلون من ربيع الآخر سنة خمسين وألف، وكانت إمامته ستا وعشرين سنة، ودفن بنزوى مع مساجد العباد، وكان عمره يومئذ ستا وأربعين سنة إن صح ما قيل إنه نصب وهو ابن عشرين سنة، ومات ولم يعقب إلا ابنة واحدة، فعدوا ذلك من كراماته، إذ اتفق له في هذا الحال ما اتفق لرسول الله فإنه مات ولم يعقب إلا ابنة واحدة، هي فاطمة الزهراء، وماتت بعده بستة أشهر والله أعلم.

ذكر كراماته *ر*
فمن ذلك ما قيل أن ليلة مولده رؤيت النجوم كأنها تتهاوى بعضها على بعض فارتاع الناس لذلك وقيل إن الإمام كان ذات ليلة راقدا على سطح بيته فرأت أمته كأن ناسا عليهم لباس فاخر يصلون عليه فارتاعت لذلك، وقيل أن رجلا كان نائما في مسجد قصرى من الرستاق فرأى كأن في إحدى زوايا المسجد سراجا مضيئا فلما انتبه رأى في تلك الزاوية الإمام مضطجعا وذلك قبل أن يعقد له، وقيل إن أمه كان لها زوج بعد أبيه، وكان الإمام رحمه الله يأمرها أن تصنع له طعاما قبل طعامهم لئلا تبقى من بقية من طعام زوجها فتدخل في طعامه فخالفت أمره يوما فعجنت طحين زوجها ثم خبزته ولم تغسل الوعاء فصبت طحين الإمام في ذلك الوعاء فقيل أن يدها لصقت بالطوبج ولم تقدر على نزعها حتى رضي عنها الإمام، وقيل أن أناسا من السفهاء اجتمعوا في بيت رجل منهم يسبون
الإمام بعد بيعته فنهتهم زوجة صاحب البيت فلم ينتهوا فخرجت عنهم فخرّ عليهم سقف البيت فماتوا جميعا.

وقيل إن امرأ شتم الإمام فورمت رجلاه بالحال فمات. واستهزأ مملوك بثياب الإمام بعد موته فمسها بظهره فمات من يبس ظهره. وقيل أن مطية أطلت من طعام بيت المال فتحرشت ولم تزل كذلك حتى رأت الإمام فأتت إليه فوضعت رأسها على عاتقه، فلم تزل كذلك حتى جاء ربها فسأله الإمام عن حالها فأخبره أنها أكلت من طعام بيت المال فتحرشت فرضى له الإمام وأحله ومسح بيده الكريمة على رأسها فبرئت مما بها وزاد في بعض الكتب فقال: وكثير من الدواب إذا أكلت من مال المسلمين دون رأيه تألمت بالفور والله أعلم.
وقيل إن جراب تمر أشبع أربعمائة من قومه، وكذلك مورة أرز أشبعت أربعمائة من قومه وذلك في غزوة نخل. وقيل في ليلة من الليالي التي قامت فيها البغاة على الإمام بعقر نزوى سمع ناس صلصلة وقعقعة فرأى رجل في المنام كأنه يسأل عن ذلك فقيل له إن بعض الجن أعان الإمام على أعدائه، وكذلك قيل أن أعداءه سمعوا تلك الليلة زلزال ورجفة وكأنهم يخطفون من على السيران حتى انهزموا، وقيل أنه كان الإمام ذات ليلة نائما فوق سطح في أيام الحر إذ أتى إليه رجل يريد قتله فوقف على رأس الإمام وفي يده خنجر مشحوذة والإمام نائم فلم يقدر أن ضرب الإمام وأمسك الله على يده حتى انتبه الإمام فرآه واقفا على رأسه وبيده خنجر مشحوذة فسأله ما تريد؟ فقال: ما يسعني غير عفوك فعفا عنه ولم يعاقبه.
وقيل أن بدويا ضلت له ناقة فمضى في طلبها فبينما هو يمشي إذ رأى أثر قدم إنسان فاستعظمها فجعل يقصها حتى انتهت به إلى غابات
شجر فسمع صوتا من داخل الشجر أن مطيتك في مكان كذا من موضع كذا فامض إليها وقل للإمام ناصر يلزم هذه السيرة فإنها سيرة النبي . فمضى البدوي مرعوبا وقصد الموضع الذي وصف له فرأى مطيته في المكان الموصوف ثم مضى إلى الإمام، ورأى الإمام في نومه أن بدويا أتاه يبشره أنه على سيرة النبي صلى الله عليه وآله فلما وصل إليه البدوي رآه في يقظته كما رآه في نومه فحدثه بما جرى عليه وبما سمع فحمد الله الإمام على ذلك وأمر للبدوي بنصف جراب تمر ونصف جرى حب وثوب فمضى البدوي شاكرا ولفضل الإمام ذاكرا.
وفي بعض الكتب أن البدوي كان من بني قتب وأنه كان رجلا صالحا في دينه وإن أثر القدم التي رآها كان طولها ذراعا أو أكثر فسار في طلبه فوجد رجلا في ظل شجرة فكز جنبه منه لما رأى من عظم صورته وشعره والأنوار ساطعة لائحة في وجهه فقال له السلام عليك يا عبد الله فقال له: وعليك السلام يا عبد الله. فقال له: أنت من الجن أم من الإنس؟ فقال له: من الإنس. فقال له: من أين أقبلت؟ فقال: من البرية فقال له: من أنت؟ فقال له: أنا الخضر هل من حاجة؟ فقال له لا.
ثم قال له القتبى هل من حاجة لك؟ فقال له: نعم أقرئ مني السلام الإمام ناصر بن مرشد، ثم وقع بياض في الأصل وذكر في آخر كلامه أن الإمام جعل للبدوي فريضة له ولأولاده لأجل البشارة، وفي كتاب للقاضي ابن عبيدان ذكر فيه من حضره من علماء أصحابنا العمانيين قال: أخبرني محمد بن طالوت عن نجدة النخلي أن الخضر *ع* كان من أهل السر في قرية عمان. ومن ورعه وتعففه *ر* كان يعطى نفقه له ولعياله من بيت المال، ولم تكن لهم قدر يطبخون فيها طعامهم فكانت زوجته تنقص من النفقة يسيرا يسيرا حتى باعته
واشترت به صفرية، فلما رآها الإمام سألها من أين لك هذه الصفرية؟ فأخبرته بما صنعت. فقال لها: أتستعملينها وهي لبيت المال وأمر وكيل الغالة ينقص من نفقتهم قدر ما كانت هي تنقصه.
وقيل أن القاضي محمد بن عمر دخل يوما على الإمام فرآه متغير الوجه فسأله عن حاله فلم يخبره فألح عليه فأخبره أنه لم يكن له ما ينفقه على عياله لسنة العيد، فذكر الشيخ محمد للوالي أن يدفع للإمام شيئا من الدراهم من بيت المال، فقيل أنه دفع له عشر محمديات، وفي بعض الكتب أن الإمام كتب إلى القاضي محمد بن عمر بن مداد رحمه الله ليجتمع هو وإخوانه ليدفعوا له شيئا من بيت مال المسلمين من الأرز لبعض الأعياد مع عدمه من الدراهم فبكى الشيخ محمد بن عمر وقال اللهم إن هذا هو العدل.
وذكر ذو الغبرا خميس بن راشد العبري عن أبي نبهان، وكان ممن أخذ عنه أن الشيخ أحمد بن جمعة فرض له الإمام ناصر بن مرشد فريضة قليلة لإمارته على جمع زكاة إزكي وما حولها من القرى وطلب العلماء من الإمام زيادة فريضة للشيخ أحمد بن جمعة فأسعفهم الإمام، وقال لأحمد أريد أن أزيدك فريضة فوق الفريضة الأولى فقبض أحمد كم قميصه فانحدرت منه الحروف تترادف مثل الجبال، وقال الذي معه مثل هذا يحتاج إلى زيادة فريضة، قال وأنا أريد أن أعطيك هذه الأمانة فامتنع الإمام من قبولها هذا خوفا أن لا يحملها، قال ذو الغبرا قال أبو نبهان يروي عن الشيخ محمد بن راشد الريامي قال: نظرت الشيخ أحمد بن جمعة يقتطف الدنانير بيده من الهواء ويعطيها الفقراء.
وذكر له بعض الثقاة من أهل العلم أن الإمام ذات سنة من السنين أمر أن يدفع إلى القاضي محمد بن عمر شيئا من تمر الزكاة فلما وصلت الحمير بالتمر إلى بيت القاضي، قال القاضي ردوها، فلما رجعوا بها إلى الإمام
خاف الإمام أن يكون القاضي أنكر عليه شيئا في سيرته، فجاء إليه فسأله عن السبب فسكت عنه وأحضر طعاما، ثم أتوا بماء فغسلوا فيه أيديهم من أثر الطعام، ثم قال القاضي للإمام اشرب من هذا الماء، قال لا أقبله، قال القاضي فكيف تأمرني أن آكل أوساخ الناس وأنت لا تقبل أن تشرب من وسخ الطعام الذي أكلته.
ثم إن القاضي أراد أن يرى الإمام استغناءه بالحلال الطيب عن أوساخ الناس ليطيب عنه نفسا، فكتب اسما في قرطاسة صغيرة، فجاءت الدبيان تحمل الدنانير كل دبية تحمل دينارا فوضعته قدام القاضي حتى صارت كدسا كبيرا والإمام ينظر فقال القاضي للإمام خذ هذا، فقال لا أريده، فقال خذ لتقوية الدولة، فقال الدولة مستغنية عنه، فقال القاضي إنه حلال، إنه من كنز جاهلي بشيراز، فلم يقبله الإمام لنفسه ولا لدولته، وأمر القاضي الدبيان فحملته، وقال للإمام أعلمك هذا السر؟ فقال الإمام سأنظر، فخرج من عنده ولم يعاوده، فعاوده القاضي ليعلمه السر فأبى وقال: أنا اليوم قد ملكت نفسي، وأخشى إن عرفت ذلك أن تملكني نفسي، فهذا هو الورع لمن عقله، وهو الخوف لمن عرفه.
وقيل إن رجلا نام عند قبر الإمام سلطان بن سيف، ولعله وضع رأسه عند قبر الإمام سلطان بن سيف ورجليه عند قبر الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله ونام على هذه الصفة، فلما أخذه النوم حس كأن أحدا أداره عن قبر الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله تعالى، فانتبه خائفا مرعوبا وقال في نفسه: لعل هذه أضغاث أحلام، وكاذب نفسه في ذلك: ثم نام ثانية ليستيقن ذلك لكي تزول الشبهة عن قلبه، فلما أخذه النوم حس ثانية كأن أحد أدار رجليه، وانتبه مرعوبا وفر من حينه خائفا. والله أعلم.
وإنما كتبنا من سيرة هذا الإمام ما لم نكتبه في سيرة من قبله، لأن بعض أصحابه قد
أرخوا بعض سيرته ولم يؤرخ من مضى إلا ما وجدناه من القضايا التي يحتاج إلى البحث عنها في الأحكام، وحيث أن المتأخرين اشتاقوا إلى الإطلاع على سيرة من قبلهم فلم يدركوا منها إلا اليسير، دعاهم ذلك إلى كتابة بعض ما كان في زمانهم ليطلعوا عليه من يجيء بعدهم، فجزاهم الله عما أثروا خير جزاء. ولا شك أن الآخر دون الأول، فما كتب ها هنا يدل على وجود أضعافه فيما سبق.
وفي سيرة ابن قيصر الصحارى، وهو ممن عاصر الإمام وجمع من سيرته وذكر فيها وفاة الشيخين خميس بن رويشد المجرفي ومسعود بن رمضان ورثاهما بقصيدتين، والظاهر من سياقه أنهما ماتا رحمهما الله تعالى في أيام الإمام قال: وسبب موت الشيخ مسعود انه تزوج امرأة صغيرة فسقته سما في شربة ماء وقضى نحبه رحمة الله عليه.

ذكر ثناء العلماء على الإمام ناصر بن مرشد
وهم شهود الله في أرضه، وقد أثنى عليه علماء عصره بما يطول ذكره، فقالوا في سيرة اجتمعوا عليها وكتبوها إلى إخوانهم أهل المغرب ما نصه:
(فلما أراد الله إظهار المسلمين ونصرة المؤمنين أظهر الله هذا النور الساطع والحسام القاطع، ذا الفضائل المشهورة والمآثر المشكورة والسيرة الطاهرة المبرورة، إمامنا أعز الله نصره، ورفع ذكره وأعلا قدره، وأدام دولته ونصر صولته، وأيد سيادته، وخلد سعادته، وحمى به الدين، ونصر به الضعفاء والمساكين، آمين يا رب العالمين.
فاجتمع رجال ممن يسر الله أن يجتمعوا من المسلمين وبايعوه على السمع والطاعة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الحق في القوي والضعيف، والدنيء والشريف، فصدقوا له، ووفوا وانتصروا، من بعد ما ظلموا وهم قليل
في كثير، ورمتهم العرب عن قوس واحدة، وأرادوا أن يطفئوا نور الله، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، والفاسقون والمنافقون، ففتحت لهم القلاع والحصون، ودانت لهم القبائل، وانقادت لهم الملوك طائعين وكارهين، وسكنت الحركات وردت المظالم، وانتصر المظلوم وظهرت الدعوة وقامت الحجة وأحييت السنن وعظمت المنن، والحمد لله على ذلك كثيرا،
وقالوا فيها أيضا:
(من إمام المسلمين ونظام المؤمنين وبقية من تمسك بالدين سراج الزاهدين وعلم المجاهدين وقدوة المجتهدين، ولى الله المأمون وعبده الميمون الهمام الأبي والأورع الزكي الرضي المرضي ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب بن سلطان ابن أبي العرب اليعربي المسلم الوهبي).
وقال الشيخ الفقيه سعيد بن محمد بن عبدالله النزوي رحمه الله في سيرته أيضا إلى أهل المغرب، ذكر فيها سيرة السلف الصالح ثم قال بعد ذلك:
(فهذه سيرة أئمتنا الأولين وسيرة إمامنا ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب ابن سلطان اليعربي الرستاقي، ثم النزوي رحمة الله عليه وروحه وريحانه ومغفرته ورضوانه، عظيم شأنه كريم مكانه، قوي سلطانه عزيز وجوده متواترة سعوده بالمؤمنين رءوف رحيم، ليس بفظ ولا غليظ، كثير الذكر قليل اللغو لا يستنكف أن يمشي مع العبد والمسكين، وهو ملك في زي مسكين، رءوف القلب كثير الحياء واسع الصدر طويل الحزن، عظيم الرجاء قليل المن، كريم الوفاء أمين الله، كاتم السر وكاظم الغيظ، جليل العطاء لين الجانب قليل الأذى سراج الهدى عظيم الرجاء، تراه حليما ودودا، مصافيا كريما، قائما بأمر الله، موفيا بعهد الله، ملتمسا رضوانه، قاطعا للشهوات، غافرا للعثرات، كاتما للمصيبات، خاشعا منيبا شريف الهمة، حبيب الفقراء، غريبا بين أهله، جميل الفطنة تقي الأتقياء يعظم الكبير
لوقاره، ويقرب الصغير لشدة افتقاره، ويشكر اليسير لقلة اغتراره، ويرحم الفقير لرؤية اضطراره، سهلا عند المصاحبة، طلق الوجه عظيم الخطر، هيوب المنظر، كثير التبسم سخي النفس، بطئ الغيظ رزين العقل طيب الكلام واسع الخلق قليل الملام، ليس بذي سب ولا نميمة ولا غيبة، ولا حسود ولا كذوب ولا حقود، وكاد أن يكون نبيا رسولا، رحمه الله وغفر له، سيرته شاهرة، وسريرته أنبأت عنها علانيته الظاهرة، يدرس الآثار ويسأل العلماء الأخيار، مشيره أبو عبدالله محمد بن عمر بن أحمد بن مداد، ومسعود بن رمضان مفتي أهل عمان، وبقايا المسلمين من إخوانه الذين اصطفى وارتضى، وهم بحمد الله موجودون غير معدومين، فالله تعالى مؤيده.
وهذا كلامي إلا ما حذفت منه للاختصار، وكفى بهذا الثناء الجميل من هذا الفقيه الجليل ومن إخوانه أهل الفضل الجزيل، غفر الله لنا ولهم، ورضى عنا وعنهم وعن إخواننا المؤمنين.
ووصفه صاحب فواكه العلوم فقال: "كان رؤوفا بالمؤمنين، رحيما بالفقراء والمساكين قوي الجأش، كثير التفصح عن الناس لا بطرا ولا متكبرا ولا متجبرا ولا مهملا ولا غافلا ولا معنفا ولا بخيلا ولا نماما، ولا حسودا ولا حقودا، يرغب الغريب لغربته ويصرف عنه شدة كربته وينسيه هوى وطنه، ويزيل عنه أحوا ل حزنه، بل كان حنيفا مسلما، قانتا مخلصا، شاكرا إن نطق نطق بتسبيح، وإن صمت صمت عن محاسبة نفس وتفكر في أمر الآخرة، وكاد يكون نبيا قد قسم زمانه، مدة عمره للصلاة ودراسة القرآن وآثار الأئمة الصالحين والأحكام بين الرعايا، والصدقة على الفقراء والمساكين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا له همة في الدنيا أبدا حتى توفاه الله والمسلمون عنه راضون إجماعا وله مؤازرون سمعا وطاعة".
ووجدت عن أبي نبهان وهو ممن لم يدرك عصر الإمام ناصر أنه قال "فضل هذا الإمام يزاحم فضل الإمامين الجلندى بن مسعود وسعيد بن عبدالله، إلا انه يفوق، لأن العدل كثر في زمانه وطال مكثه، عمر وكثر في زمانه العلم، وكثر الدين والورع في زمانه، حتى أنه من يبيع اللحم ويبيع البصل فيهم من يصلح أن يكون قاضيا أو واليا أو خازنا أو وكيلا لكثرة أمانتهم وعلمهم".
وقال ناصر بن أبي نبهان: العلماء الأقدمون أقوى علما من العلماء الذين عاصروا إمام المسلمين ناصر بن مرشد لأنهم يدركون درجة الصحابة أو يزيدون علما.
وقال غيره: وأما الإمام ناصر بن مرشد فإنه يلحق أئمة الأقدمين، وقال ناصر ابن أبي نبهان: ولعله يفوق عنهم، قال لأنه يفوق عبادة المنصوبين ويفوق قناعة القانعين والفقراء والمساكين، قال وهو أجوع الناس في زمانه وأقلهم مأكلة، وهو أعراهم في اللباس، وفضائله لا تحصى، وقد سعدت عمان به وكثرت البركات وتتابعت النعم، إلى أن توفاه الله إلى رحمته ورضوانه.
وقد رثاه بعض أهل الفطنة والفضل بمراث طنانة غابت عني وقت التأليف، والحمد لله على كل حال.

ذكر عهود الإمام إلى عماله في القرى
في ذلك عهده إلى ابن عمه وخليفته على الأمر من بعده سلطان بن سيف بن مالك اليعربي حين أراد أن يستعمله على بعض الأمور، فطلب العذر، فكتب إليه الإمام ما نصه "بسم الله الرحمن الرحيم. من عبدالله إمام المسلمين ناصر بن مرشد بم مالك إلى حضرة شيخنا الوالي الولد سلطان بن سيف بن مالك أمد الله في عمره أما بعد:
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو
وأوصيك ونفسي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته، فاسمع له وأطع، واقتد بإخوانك السالفين واتبع وأما ما ذكرته من أمورك، فاسأل فيها أهل الفضل والورع والهداية والشرع، الذين جعلهم الله ورثة أنبيائه، ونورا ساطعا يقتدي به جميع أوليائه، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين.
وأما ما ذكرته في العاذرة من الأمر الذي جعلته عليك، فكيف أنت اليوم ولدي جناحي الذي أنتوصل به إلى إعزاز الدين الحنيف، وخليفتي الذي أخلفه ركنا لهذا المذهب، فوسع صدرك، وشارو العلماء في أمرك، ولا تقطع عمرك وتضيق الصدر والحزن، وهون على نفسك من جميع ذلك، وانظر ما أمامك من العوائق والمهالك، فإن السالم من وفقه الله ونجاه وارتضاه خليفته واصطفاه حتى حاذر من جميع معاصيه وخسه، إلا من ضيق على نفسه وحزن في يومه أكثر من أمسه، وقطع نفسه بالندم والهموم، والكرب والغموم، سلم الأمور ولدي لخالق الأرض والسماء وما فيهن وما تحت الثرى، واصبر وما صبرك إلا بالله، وتوكل عليه وفوض أمرك إليه، واتقه حق تقاته ليجعل لك من جميع أمورك المخارج لقوله عز وجل (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) فالله الله ولدي في سياسة الملوك، لا تكن غافلا ولا مهملا لأمورك فإنك ركبت الخطر العظيم والهول الفظيع الجسيم، فلا تلتفت ولدي إلى الدنيا ونعيمها وغضارتها، فإنها لعب ولهو وزينة وتفاخر، لا توازن عند الله جناح بعوضة، فاجتهد في ذلك واقتد بإخوانك الماضين، حيث تركوا الدنيا لأهلها، وبذلوها لطلابها وتوكلوا على الله حق التوكل، ولم يقصروا جهدهم في الله وإعزاز دينه وإظهار
كلمته وإخماد نار البدع وإماتة الباطل وقتال الباغي العاطل، فلم تخدعهم الدنيا بغرورها ولم يعدلوا إلى لذتها وسرورها، حتى تركوها وراء ظهورهم وقذفوا حبها من صدورهم، هم الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأنفقهم مما رزقهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور.
فكن ولدي حيث ظني بك، وامتثل أمرك وراع فقراءك حق الرعاية، وألف بين إخوانك وأصفيائك وخلانك، وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون فاطرح ولدي حب الدنيا ومطامعها من قلبك، واجتهد في طاعة ربك وخذ حذرك وقو عزمك وصبرك، وكن مثل الأسد في ذلك الغار، ولا يكن نظرك في راحتك اليوم، فإنك لدينا اليوم مكين أمين، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه الأمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذا عهده إلى أبي الحسن علي بن أحمد بن عثمان بن عمر النزوي رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم عونك يا رب الحمد لله الذي أظهر كلمة الحق وأعلاها ودرس كلمة الباطل وأرداها وأنار أنوار الإسلام وأضاءها وأطفأ نيران الآثام وأذواها، أحمده على ما تفضل علينا من جزيل النعم وعلم الإنسان ما لم يعلم، وأشكره شكر من أناب إليه وتوكل حق التوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها ليوم الفزع الأكبر والهول الفضيع الأبهر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالبراهين المنيرة والدلائل المستنيرة صلى الله عليه وعلى آله الفضلاء الأتقياء الأرضياء الأولياء ما طار طائر في الهواء وحدا حاد بسباسب البهماء.
أما بعد: فهذا ما يقول المعتصم بالله المتوكل عليه ناصر بن مرشد
بن مالك ابن أبي العرب إلى الشيخ الوالي أبي الحسن علي بن أحمد بن عمر بن عثمان رحمه الله فإني احمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك ونفسي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته فأقول:
يا أبا الحسن إني قد وليتك على قرية لوى من الباطنة وما حولها وما يشتمل عليها من بلدان الباطنة وحتى ديار الحدان والجو وناجوان وتاحزان<ح>(1) ودما وما يشتمل على هذه القرى والبلدان وما فيهن وما بينهن من المزارع والأطوى، وجميع الأماكن أن تأمر في هذه القرى والبلدان، باديهم وحاضرهم، وعبدهم وحرهم، وصغيرهم وكبيرهم، وغنيهم وفقيرهم، بالعدل والمعروف، وتنهاهم عن المنكر المخوف، وأن تعمل فيهم بكتاب الله المستبين، وتحي فيهم سنة النبي الأمين وآثار الأئمة المهتدين وسيرة القادة المخلصين الذين جعلهم الله منار الهدى وقادة الناس إلى التقوى، وأورثهم الكتاب والسنة يدعون إلى طريق الجنة، وأن توالي في الله وتعادي فيه، ولا تأخذك في ذلك رأفة ولا رحمة، ولا تخف في الله لومة لائم ولا عذل مجرم آثم،وأن تخلط الشدة باللين، وأن تخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، وأن تعرف لكل امرئ حقه وتوفيه إياه كاملا، وتؤتي ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون، فالله الله يا أبا الحسن في اقتراف الحسنات وإنكار المنكرات بغير تجاوز منك إلى غير واجب أوجبه الله في الجد والتشمير، وترك التهاون والتقصير وأن تجتهد كل الجهد في إصلاح أهل ولايتك، وإصلاح أفلاجهم وعمارة مساجدهم والصفح عن مسيئهم، والتجاوز عن سيئاتهم ما وسعك من ذلك، وأن تقبض زكواتهم من أغنيائهم بحقها، وتجعلها في أهلها من فقرائهم وضعفائهم بعدلها، طيبة نفس<ح>
(1) كذا في الأصل وهو غير ظاهر.

معطيها إلا من وجب جبر ه، ولا يخفى عليك إن شاء الله.
فالله الله يا أبا الحسن في التفحص عن فقيرهم وضعيفهم من جميع أماكن ولايتك لتساويهم من مال الله ما وسعك من ذلك، ولا تدعهم يتعسفون إليك من السغب والعري، واجعل لهم أعوانا من إخوانك ليتفحصوا عنهم، فإن كثيرا من الفقراء يقصر عن المجيء إليك من حياء أو ضعف فيقف عنك وهو في ضرر عظيم من شدة فقره وفاقته، وقد جعلت لك يا أبا الحسن أن تعامل على صوافي ولايتك بمزارعة أو قعادة وقبض غوالها ووضعها في موضعها ما وسعك من ذلك، وقد جعلت لك أن تنفق على الشراة ومن وضع نفسه معك من أهل القرى من مال المسلمين على قدر ما تراه عدلا، وقد جعلت لك حبس من يجب حبسه من غير حيف ولا ميل لأحد.
وقد جعلت لك إطعام الضيف النازل على قدر ما تراه عدلا من آثار المسلمين، ولا تأتمن على ما ائتمنك عليه من أماني التي أنا أمين لله فيها إلا من هو حقيق بذلك في دين المسلمين، وقد جعلت لك حماية البلاد والذب عنها، عن الحريم والعباد، وألزمت جميع أهل القرى طاعتك وحجرت عليهم معصيتك ما أطعت الله ورسوله فيهم، وقمت بما شرطته عليك في عهدي هذا إليك، فإن خالفت إلى غير ما أمرتك به، فأنا ومال المسلمين بريئان منك وأنت المأخوذ في نفسك ومالك.
واعلم أنه لا أثرة عندي لظالم ولا حيف عندي لمسلم، بل إرادتي إعزاز دين الله عز وجل وإحياء سنن النبي المرسل وإظهار دعوة المسلمين والأخذ على أيدي الظالمين وإخماد كلمة المعتدين وكسر شوكتهم وإطفاء بدعتهم وتفريق جماعتهم التي يجتمعون فيها على الحرام والخوض في الآثام وانتهاك عظيمات الأمور ما استطعت إلى ذلك.
فالله الله يا أبا الحسن،
اتق الله حق تقاته وخفه حق الخوف ما استطعت إلى ذلك (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم المحسنون) وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. وكان الكتاب عشية الأحد لخمس ليال بقين من شهر ذي الحجة من سنة خمسين وألف من الهجرة النبوية. كتبه الإمام ناصر بن مرشد بيده.
وهذا عهده *ر* إلى الوالي صالح بن سعيد المعمري السعالي رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي أوضح شهاب الحق بالبراهين المنيرة، والدلائل المستنيرة ودمر دعوة المظالم بالآيات الواضحة والحجج الباهرة اللائحة، وأعز دولة نبيه بالأنوار الساطعة والأسنة القاطعة، أحمده على ما أضاء نور ديننا بأفق كتابه وبين لنا غرائب مشتبهاته من معاني كلامه وخطابه، وأشكره شكر من أناب وخضع وسجد وركع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ثابتة بالجنان مكررة باللسان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى كافة الثقلين وطهره من الدرن والشين (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) صلى الله عليه وعلى آله الأبرار الأتقياء الأخيار ما غرد عندليب على غصون الأشجار وأناب منيب بغياهب الأسحار.
أما بعد: فهذا ما يقول المعتصم بالله المتوكل عليه إمام المسلمين ناصر بن مرشد ابن مالك إلى الشيخ الوالي أبي سعيد صالح بن سعيد المعمري رحمه الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك ونفسي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته، فأقول لك يا أبا سعيد إني قد وليتك على بلدة صور وإبرا وما اشتمل عليهما من الأماكن والقرى على أن تظهر دين الله عز وجل في هذه البلدان والقرى وتحي سنة نبيه محمد صلى
الله عليه وسلم حتى تأخذ من الظالم للمظلوم حقه، وتوفي من مال الله لكل فقير نصيبه ورزقه، وتأمر من بهذه القرى والبلدان، حضرهم وبدوهم، بالمعروف والإحسان وتنهاهم عن الفجور والبهتان، وتعلمهم أن من ظلم أحدا مثقال ذرة أو أقل منها أو أكثر فاقتد في عقابه بآثار الأئمة الفضلاء الذين جعلهم الله ورثة الأنبياء يقودون الناس إلى الخيرات وأفضل منازل الدرجات أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ وأن توالي في الله وتعادي في الله ولا تأخذك بهما رأفة في دين الله، ولا تخف لومة لائم، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، وعلى أن تجتهد في إصلاح أهل ولايتك وإصلاح دينهم وعمارة مساجدهم والرأفة بهم والتجاوز عن مسيئهم وحسن السياسة لأمورهم والصبر في نفسك على أذاهم ما وسعك من ذلك. وإياك يا أبا سعد والعجلة في أمورك وكن حذرا وقورا صابرا شاكرا على العطاء ساترا عيوب من أخطأ غافرا زلة من عثر رءوفا بمن أناب واستغفر قابلا لمن رجع إليك واعتذر مدمدما على من أصر واستكبر، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر هينا لينا لمن آخيته من جميع الشراة لا بفظ ولا غليظ، واصبر وما صبرك إلا بالله وتوكل على الله حق التوكل واجتهد في ذلك ولا تكن من الغافلين وأوصيك يا أبا سعيد أن تختص من خيار إخوانك أن يسيروا في البلاد ويردوا الظلم عن العباد ويصرفوا عنهم المناكر والفساد ويسوسوهم إلى الصلاح والرشاد ويقبضوا الزكاة من أغنيائهم ويعطوها فقراءهم فيواسونهم من مال الله بما يسد جوعهم ويستر عورتهم، ولا تدعهم يتكففون إليك حزنين باكين، وابعث إلى كل بلدة وقرية ثقة أمينا ورعا يتجسس عن المكثر والمقل، ليأخذ من المكثر زكاة الله ويواسي منها المقل، لأن كثيرا من الأغنياء لم ينصف من نفقته في أداء الزكاة، وكثيراً
من الفقراء لم تحمله نفسه ليجيء إليك.
فاجتهد يا أبا سعيد في الأخذ من هذا والعطاء لهذا، فإن لهم علينا حقا واجبا أوجبه الله عز وجل في كتابه لقوله إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فإذا أردت المسير إلى بلدة صور من قرية أبرأ، فاترك في قرية أبرأ من يحفظ أمانتك ويخاف الله حق الخوف من ذات نفسه، وأنت لا تجاوز بلدة ولا غبرة ولا مزرعا ولا عجوزا في عنة ولا بدويا بغار إلا وأخذت من الظالم للمظلوم وواسيتهم من مال الله ما وسعك من ذلك، فإن مات أحدا جوعا أو مظلوما فهو في رقبتك دون رقبتي وأنت المأخوذ به دوني فإني أعزني الله بالإسلام ونيتي أنني لو قدرت أن أملأ الأرض عدلا وصلاحا وإرادتي أن أدمر كل ظالم وأشتت كل جماعة اجتمعوا على المناكر والفجور، الخوض في أفاحش الأمور، فإنه لا أثرة عندي لظالم ولا حيف لمسلم وقد جعلت لك أن تتصرف في جميع أمور المسلمين ما يجوز لي أن أتصرف فيه، فإن خالفت إلى غير ذلك فأنا ومال المسلمين بريئان منك وأنت الرهين به، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، والحمد لله حق حمده والصلاة على خير خلقه محمد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذا عهده رحمه الله إلى الوالي الموالي سليمان بن رشاد الكندي السمدي النزوي رحمه الله.
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي أيد هذا الدين بالحجج الإسلامية والدلائل الفرقانية والبراهين المحمدية والملة الحنيفية والسيرة الصديقية والحكمة العمرية والمذاهب الرضوانية، أحمده حمد من أخلص لله في السر واالعلانية، وأعوذ به من الفتن الكفرية والمحن الأذية، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة المعتقد المخلص المطهر قلبه من كل دنس، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،، أرسله بأفصح الكلم وأبلغ الحكم، فرحم الله به الأمم وكشف به جميع النقم، وأسبغ عليهم بطلعته جزيل النعم، فدعا إلى الله وبشر، وأنذرهم رواجف الراجفة، وحذر صلى الله عليه آله الفضلاء وأصحابه النجباء ما همهم رعد بالسحائب ووخدت عيس بالسباسب.
أما بعد: فهذا ما يقول المعتصم بالله المتوكل عليه إمام المسلمين ناصر ابن مرشد ابن مالك بن أبي العرب إلى الشيخ الوالي أبي عبدالله سليمان بن راشد بن عبدالله الكندي السمدي رحمه الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأوصيك ونفسي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته، فاسمع له وأطع، واقتد في ذلك واتبع فأقول لك:
يا أبا عبدالله إني قد وليتك على بلد الصير وما حولها وما يشتمل عليها من البلدان والمنازل والأوطان وما فيهن من المزارع والأطوى وجميع الأماكن من تلك البلدان على أن تأمر في هذه القرى والبلدان باديهم وحاضرهم وعبدهم وحرهم وصغيرهم وكبيرهم بالمعروف والهدى وتنهاهم عن المناكر والأهوى، وتحي فيهم دين الله العزيز الحكيم وسنة النبي القويم وطريقة الفضلاء الراشدين والأئمة القانتين الذين جعلهم الله حجة للأنام ومصباحا للظلام، يقودون الناس إلى طاعة الإسلام ويدعون إلى دين الله ذي الجلال والإكرام، وأن توالي في الله وتعادي في الله ولا تأخذك في الله عذلة عاذل ولومة لئيم مائل، وأن تخلط اللين بالصلابة وتخفض جناحك لمن اتبعك من الإخوان والأصحاب والقرابة، ومن كل الخليقة وتستقيم في جميع أمورك على الحقيقة وأن تعرف قدر كل امرئ وتؤتيه حقه وتوفيه نصيبه ورزقه كما قال عز وجل فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ
وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
فالله الله يا أبا عبدالله في دفع السيئات بالحسنات، وإنكار المناكر في جميع البلدان والفلوات لغير تجاوز منك إلى غير واجب أوجبه الله في التشمير، وجد في جميع أمورك بالتدبير الرضواني وترك التهاون والتقصير عن صرف الأمر البهتاني، بيد أنك قائم في تلك المنازل والبلدان مقامي، وسالك طريقتي وأعلامي فاجتهد قرة عيني في إصلاح ولايتك، والعدل بين رعيتك وعمارة مساجدهم، والصفح عن مسيئهم والألفة والتقرب لمحسنهم، والتجاوز عن سيئاتهم ما وسعك من ذلك وأن تقبض زكواتهم من غنيهم وتجعلها في فقيرهم وضعيفهم بعدلها: طيبة نفس من أعطاكها إلا من وجب جبره عليها ما وسعك من ذلك، ولا تهمل أمورك وفقراءك فتجسس عنهم من جميع بلدانك ومنازلك لتواسيهم من مال الله ما وسعك من ذلك، ولا تدعهم يتكففون إليك باكين حزنين سدمين من شدة الضرورات من الجوع والسغب، فإن جمة منهم لم تقدر أن تلقى إليك من حياء أو ألم، فلا تهمل ذلك ولا تكن من الغافلين وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ ، وتوكل عليه وما ربك بظلام للعبيد.
فالله الله يا أبا عبدالله في السيرة الحسنة والطريقة المستحسنة وكن وقورا حذرا صامتا بمجلسك متبعا سنة نبيك مستقيما في دينك متورعا رفيقا بالمؤمنين مطيقا على المصرين، وقد جعلت لك يا أبا عبدالله أن تكرم الضيف النازل من غير تقصير ولا حيف، فإذا أردت المسير من الصير إلى نزوى أو غيرها فاترك على أمانتك من يخاف الله من ذات نفسه وأنت لا تمر على منزل إلا أصلحته ولا مظلوم إلا أنصفته ولا فقير إلا واسيته ولا مكان
إلا وأمرت فيه بالمعروف ونهيت عن المنكر، فإن ظهرت بدع أو فتن، أو مات أحد مظلوما أو جوعا وأنت تعلم به ولم تستقم فيه وخالفت ما أمرتك به، فأنا ومال المسلمين بريئان منك وهو في رقبتك دون رقبتي وأنت الرهين به يوم المناقشة والأخذ بالظلامة، فإني امرؤ أعزني الله بدينه وأرشدني بطريقة نبيه وأمينه، ولا أثرة عندي لظالم ولا شدة عندي لمسلم راحم، وقد ألزمت من في هذه البلدان والفيافي والقفار طاعتك وحجرت عليه معصيتك ما استقمت حق الاستقامة في جميع أمورك فشمر لذلك عن ساق، واجتهد في تحفظ الحجج يوم التلاق، واقف في ذلك آثار الذين هاجروا وآووا ونصروا دين المهيمن الخلاق، واجتهدوا في كسر شوكة الكفر والنفاق، وحسم كرة الذين اجتمعوا على الفواحش والشقاق، وقوموا لله آناء الليل وأطراف النهار، وابكوا فرقين من إصلاح دار البوار، متقين الله في العلانية والأسرار، واذكروا الله كثيرا، وصلى الله على نبيه وآله وسلم تسليما، واستعن بالله بكرة وأصيلا ولا تكن من الغافلين إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، بلغ سلامنا جملة الإخوان.
ومن كلام له *ر* إلى بعض عماله:
أما بعد: فقد وليتك على بلد كذا وكذا على أن تظهر دين الله عز وجل وتحي سنة النبي محمد ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقبض الزكوات من الأغنياء المثرين وتواسي بها الفقراء والمساكين، فانظر إليهم نظر
الأب الشفيق، فإن لهم علينا حقا، ورجاؤنا بإكرامهم دفع البلايا والرزايا، وأنت جنة لي يوم القيامة، فإن خالفت إلى غير ذلك فالله الحكم بيني وبينك، وأنت المأخوذ به دوني والسلام.
قال في فواكه العلوم، وهو لصاحب مختصر المصنف: وأخبرنا من لا أتهمه بكذب أنه رأى من بعض ولاته ما لا يجوز فبكى من ذلك فقال: اللهم ديني قد تمسكت به واعتصمت بحبلك الوثيقي، إلهي أعوذ بك من لهو وغفلة تميل بي إلى إتباع الأهواء، والركون إلى العماية والردى، وعزل ذلك الوالي بالفور والله أعلم.
ومن كلام له *ر*: واعلموا إخواني أن لهذه الراحة والنعمة مناقشة ليوم الفزع الأكبر لقوله عز وجل ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ فأجيلوا إخواني أفكاركم في بحور الأحداث، ووحشة نزول الأجداث، واعلموا أنا وإياكم على شفا جرف هار، فإن لم نستقم على العدل، وإلا سقطنا بهوة فظيعة تحار بزلازلها عقول ذوي الألباب فالله الله إخواني في رعاياكم، ومواساة فقرائكم، فإنكم غدا مسئولون ومحاسبون يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.
ومن كلام له *ر* إلى بعض ولاته حين سار بدراهمه للتجارة: واعلم أنك بمقام حكم وعدل محظور بأرجائه الركون إلى دنيا وتجارتها، فأردع نفسك عن ذلك، واكتب بصفحة فكرك معنى الآية التي قال عز وجل إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ .
ومن كلام له *ر* معاتبا لنفسه: ويك يا نفس لست من
أهل هذه الدرجة والمرتبة، فلما أن ألبسك الله هذا اللباس على الرغم منك مع أن الله بك أنك قادر عليه، فألبسي أثواب الشكر لله عز وجل وتوكلي عليه حق التوكل، وكوني مع الله يكن معك.
ومن كلام له *ر* إلى بعض ولاته: أما بعد، فإني أنكر عليك أن تداين الناس لما ورد في الخير المنقول عن السلف الصالح: إن الأمير التاجر ملعون وهو متقوّ بسلطان المسلمين، فالله الله في تدبير دولتك ورعاية رعيتك، استقم على حكم الله عز وجل وسنة نبيه محمد وآثار أئمة الهدى، فإنك عن قليل منقول من القصور إلى القبور.
ومن كلام له *ر* معاتبا لإخوانه: إياك يا إخواني الإسراف ومطاولة الأشراف، والتلذذ بنعيم العاجلة، والإهمال لطريق الآجلة، واحذروا التفاخر والإعجاب، والمباهاة لإخوان والأصحاب، والحذر الحذر من البطنة والبطر والتطاول لبعضكم بعضا، فإن كلا سيبلغ حظه ويوفي رزقه، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا فإنه لا يحب المسرفين.
وهذه خطبة الجمعة في عصر الإمام المؤيد ناصر بن مرشد اليعربي أعزه الله ونصره على البغاة:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي هدى بالموت مشيد الأعمار، وحكم بالفناء على هذه الدار، وجعلهم أغراضا لسهام الأقدار وكل بهن أمراضا تزعجهم عن القرار وتجري منهم مجرى الدماء في الأبشار، ولا يعتصم منهم معتصم بالحذار، ولا يختص بها الفقراء دون ذوي اليسار، بل هي آيات عدل، عدل الله بها في البادين والحضار، أحمده على نعمه المسبلة الغزار، وأعوذ به من العتو والاستكبار واستغفره للذنوب والأوزار من الكبائر
والإصرار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة منجية من عذاب النار، مبوئة من شهد بها دار القرار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المختار، أرسله بأيمن شعار وأبين فخار، وأنور منار، وأقطر إعلان وإسرار، واظهر برهان وإنذار، من صميم العرب في النضار وأكرمها في الفخار، ومؤيدا بالمهاجرين والأنصار، منصورا بالملائكة الأبرار، وآله الأطهار آناء الليل وأطراف النهار.
أيها الناس: إن قوارع الأيام خاطبة فهل أذن لعضتها واعية؟ وإن فجائع الأحكام صائبة، فهل نفس لعجائبها مراعية، وأن مطامع الآمال كاذبة، فهل همة إلى التنزه عنها داعية، وأن طوالع الآجال واجبة، فهل قدم إلى التزود من الدنيا ساعية، ألا فاسرحوا رحمكم الله ثواقب الأسماع والأبصار في جميع الجهات والأقطار، هل ترون في دموعكم إلا الشتات، أو تسمعون في ربوعكم إلا فلانا قد مات، أين الآباء والأكابر أين الأبناء الأصاغر، أين المعين للظاهر، أين النصير المظافر، قد عثرت بهم والله الجدود والعواثر، وبثرت أعمارهم الحادثات البواتر، وأبادتهم الدهور الغوابر، فذوت من شبابهم الأغصان والنواضر، وخلت من شيوخهم المشاهد والمحاضر، وعدمت من أجسامهم تلك الجواهر، وطفئت من وجوههم الأنوار الزواهر، وابتلعتهم الحفر والمقابر، إلى يوم تبلى السرائر فلو كشفت عنهم أغطية الأجداث بعد يومين أو ثلاثة، ما رأيتهم الأحداق على العيون سائلة، والألوان من ضيق اللحود حائلة، والأبدان العفنة من البلا قاحلة، والرؤوس الموسدة على الإيمان زائلة، وهوام الأرض في نواعم الأجسام جائلة، ينكرها من كان بها عارفا، وينفر عنها من لم يزل لها آنفا، رقودا في مضاجع هم فيها داخلون، مهمودا في مصارع يفضي
إليها الأولون والآخرون، وأنتم عباد الله الخلف للسلف والهدف للتلف، والفروع التي قطع الموت أصولها، والجوع التي انتزع الدهر تحويلها، وقد تسمعون داعية العويل في كل منزل وسبيل حقا ليس بالكذب، جدات ليس باللعب، حتى كان منادي الحشر قد أمر فيكم بالنداء، ومنع أن يقبل منكم عرضا أو فداء، فسمعا يا بني الأموات لداعي آبائكم سمعا، وقمعا بذكر هاذم اللذات قمعا، وقطعا لرجاء بقائكم لدار الفناء قطعا، أسوة بمن كان قبلكم ممن هو أشد قوة وأكثر جمعا، جعلنا الله وإياكم ممن أمات بذكر الموت أمله، وأحيا بإحياء الباقيات الصالحات عمله، وأنفق ساعاته في العمل الذي خلق له إن أغض ما بقي على الأبد وأحض المواعظ على إتباع الرشد كلام رافع السماء بلا عمد قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ .
ثم إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وأنه (ثلث) بالمؤمنين من أهل طاعته تعميما، فقال آمرا ومخبرا لكم تكريما إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ماذر شارق وأومض بارق وفاه ناطق، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد بعدد أنفاس الخلائق، وبعدد ما في السماوات السبع الطرائق، وبعدد ما خلقت وما أنت له خالق، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد في الليل إذا يغشى، وفي النهار إذا تجلى، وفي الآخرة والأولى، وارض اللهم عن صاحب نبيك في الغار، ورفيقه في الأسفار، معدن الجود والفخار، وسيد المهاجرين والأنصار، ومقدم العلماء والأحبار، الذي قاتل أهل الردة حين راموا الرجوع إلى الشرك وجاهد أهل البغي
والإفك وجاهد في الله حق جهاده، ودوخ بالسيف أهل عناده، الخليفة بالتحقيق، المكنى بعتيق، أول ساع إلى شرف التصديق، أبي بكر الصديق، مظهر الحق بعد الكتمان عبدالله بن عثمان، وارض اللهم عن الإمام الأكبر والعلم الأنور، رباني الأمة وكاشف الغمة، الذي نشر العدل في الآفاق، وأباد أهل الكفر والنفاق، وافتتح القرى والأمصار، ودون الدواوين في المهاجرين والأنصار، خير الأصحاب ومقدمهم في الخطاب، أبي حفص عمر بن الخطاب، اللهم وارض عن جميع المؤمنين من الأولين والآخرين وعن تابعيهم وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين، و اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ .
اللهم وارض عمن أظهرت به الدين، وأحييت به سنة المسلمين المهتدين وجعلته من الخلفاء الراشدين، ومزقت به عصب المفسدين، وأنقذت به الرعية؟، وحققت به الرجية، عبدك القائم بأمرك ونهيك، المتمسك بسيرة نبيك، الإمام الأبي الهمام اليعربي ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب اليعربي، اللهم أصلح به خليقتك، وأنعش بعدله بريفك، واخمد بطلعته نار الفتن، واصرف باستقامته من قلوب الرعية جميع الإحن، واجعل أنصاره ومن والاه في الأمن راتعا، وجميع من عاداه بالذل والصغار خاشعا، ولجميع الفضل والخيرات جامعا، إنك سميع الدعاء، فعال لما تشاء، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تمت الخطبة المباركة.
وهذا سؤال وجواب: السؤال من والي الإمام، والجواب من قاضيه:
كتب والي الإمام على قرية الصير، وهو خلف بن أحمد الأحممتي إلى الفقيه القاضي خميس بن سعيد بن علي الرستاقي رحمه الله تعالى، وذكر له أن ناسا من متفقهي الشيعة أتوا إليه يسألونه على معنى الإستعجاز له عن الجواب والطعن في مذهب المسلمين، فقالوا له: كيف أنتم تورثون الأخ والأخت مع الابنة وابنة الابن، يعنون الإخوة للأب والأم أو للأب والله تعالى يقول يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فكيف تورثون الإخوة والأخوات مع وجود بنات الصلب ولم تجعلوا للزوج النصف مع الابنة ولا للزوجات الربع مع وجود البنات أو بنات الابن، والله تعالى يقول وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ إلى قوله وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وقد (ثبت) أن الابنة تحجب الزوج عن النصف، والزوجة أو الزوجات عن الربع، إلى الربع والثمن.
فالجواب: معنا لهم في ذلك أن علينا أن نتبع من كان قبلنا من المسلمين، وفقهاء الدين المتمسكين بكتاب رب العالمين وسنة نبينا محمد خاتم النبيين، وإجماع المؤمنين المحقين، ولا لنا أن نبتدع ولكننا نسلم الأمر لهم، وهم العلماء بكتاب الله وفهمه، واستنباط معانيه وحكمه.
والذي عندي أن الحجة له من كتاب الله تعالى قوله يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فيخرج في المعنى أنه يرثها، أي يرث جميع مالها إن لم يكن لها ولد، وقد ذكر الله في آية ميراث الأولاد وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وكانت الآية التي في آخر السورة مفسرة لبعض الآيات
المتقدمة في أول السورة: وليس فيها معنى يدل على إسقاط ميراث الأخ أو الأخت عند وجود البنات. ويمكن أن يكون أراد بالولد هاهنا الولد الذكر، لأن الخطاب في الآية للأخت خاصة، وقد يعترض من الخاص على العام، ولا يعترض العام على الخاص، وقد قال الله تعالى في حكاية مريم عليها السلام قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وهي تريد بالولد الابن، لأن الله قد بشرها بابن ذكر بقوله تعالى إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فلما علمت ذلك قالت: أَنَّى يكون لي ولد! ولا تنازع في هذا لأن الخطاب خاص لمريم، وكما قال الله تعالى حاكيا عن امرأة فرعون حين التقط آل فرعون موسى عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وهو موسى *ع*، وفي قصة يوسف وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ففي هذا كله أراد بالولد الذكر دون الأنثى.
وأما إذا ورد الخطاب عاما اشترك فيه التذكير والتأنيث والواحد والتثنية والجمع، كما قال الله تعالى يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ فهذا هو اللفظ العام الجامع لما ذكرنا.
فإن احتج محتج بقوله تعالى وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ وقال إن في إجماع المسلمين على أن الابن والابنة وابن الابن أو ابنة الابن وأن سفلوا يحجبون الزوج عن النصف، والزوجة والزوجات عن الربع. قلنا هذا صحيح موافق، لأن الخطاب ورد للجمع لا للواحد بقوله (لكم – ولهن) وفي الأخت على الواحد لها خاصة كما خص الخطاب لمريم وامرأة فرعون وامرأة الذي اشترى يوسف فثبت في الخطاب العام جواز دخول الواحد والجمع والتثنية والتذكير والتأنيث وقام الواحد مقام الجمع، والذكر والأنثى سواء
في الأحكام. وفي نبأ نوح *ع* وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً فجاء بذكر الولد ومعناه الجمع، لأن الخطاب على ما يعقله المخاطب به، والولد خطاب للواحد والجمع، والذكر والأنثى، وفي كل موضع يحمل على معناه فيه وعلى ما يستدل به عليه ألا ترى في قوله تعالى في الأخوة وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ فاستدلوا بهذا على معنى الأخوة للأم دون غيرهم من الأخوة، ثم قال في الآية الأخيرة قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فاستدلوا بهذه الآية على معنى الأخوة لأبوين أو للأب، والخطاب كله في ذكر الأخوة، فليس بمنكر أن يكون أراد بالآية التي ذكر فيها الزوج والزوجة بذكر الولد من ذكر أو أنثى وأراد بذكر الولد في الآية التي ذكر فيها الولد في آخر السورة الولد الذكر دون الأنثى، كما أجمل ذكر الأخوة أجمل ذكر الولد وفسره النبي وفقهاء الأمة من بعده وبينوا للناس، ولم تجتمع أمة محمد على ضلال.
وحجة أخرى أن الابنة لا ترث معها الأخت أو الأخ باشتراك فريضة وإنما يرثان بالتعصيب بعد استكمال البنت فرضها الذي فرضه الله لها، فإن اجتمع أخ أو أخت أو أكثر فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن انفرد أخ أو أخت قام كل واحد مقامهما.
وأما الذي تناهى إلينا من الأخبار عن النبي أنه قضى في بنت وبنت ابن وأخت فأعطى للابنة (النصف) ولابنة الابن
السدس وما بقى للأخت. وروى إبراهيم عن معاذ بن جبل رحمه الله على عهد رسول الله قضى في امرأة تركت ابنتها وأختها فأعطى الابنة النصف والنصف الباقي للأخت.
فهذا ما حضرنا من الكتاب والسنة والإجماع من فقهاء الأمة، ولا نعلم أن أحدا شذ عليهم بقول غير هذا إلا ما بلغنا عن الزبير أنه كان لا يعطي الأخت مع الابنة شيئا ثم رجع عن قوله فيما بلغنا والله أعلم.
كتبت هذا ردا على من تعنت من المسلمين وكشفا لما ألقوه من الشبهة على المؤمنين وتأييدا وتصحيحا لما عمل به فقهاء الدين والحمد لله رب العالمين واستغفر الله تعالى من جميع ما خالفت فيه الحق من قول وعمل ونية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم.
تنبيه: شهر بين الخاص والعام أنه يشاهد نور ساطع صاعد بنحو السماء على المقبرة التي فيها قبر الإمام ناصر بن مرشد وغيره من الأئمة وذلك أمر مشاهد، أما أهل نزوى فلا يستغربونه لأنهم قد ألفوا رؤيته، وإنما يستغربه الوافد إليهم لشدة ما يرى من الأنوار، فإن النور في غير هذه المقبرة وإن كان يرى كثيرا لا تبلغ شدته هذا المبلغ وعلى كثير من قبور الصالحين منا أنوار تشاهد عيانا ولله الحمد لا تكاد تقف على مقبرة من مقابر أصحابنا إلا وترى على بعضها نورا إلا ما شاء الله، ونقل من خط الفقيه محمد بن علي بن عبدالباقي روى لي من روى من الثقاة أنه سأل عن النور فقال له رجل ثقة من المسلمين النور على قبر خارج من البلد التي هي نخل، والراوي منها فيحدث بذلك ورأى في المنام ليلا أن رجلين جاءا فقالا له يا فلان نسألك الستر ولا تظهر علينا فيكثر علينا الدائس مثل قبر الشاغة وقبر أبي عمر
فقال لهما الرائي من أنتما فقالا نحن أصحاب القبرين اللذين عند جبيلات الظعن الذي علينا النور ونحن إخوان قتلنا ظلما والله أعلم، ثم إن هذا الرائي قال حدثت بهذه الرؤيا الشيخ الوالي ثاني بن خلف بن ثاني بن جحدر الرستاقي فقال له ثاني بن خلف إنه حدثه العبد الصالح خميس بن مرشود أنه رأى رجلا متكئا بسقف قبر في قصر، وفي فمه نور متصل بالسماء له عمود طويل، فقال له خميس من أنت فقال أنا صاحب هذا البيت يعني القبر وأنا صاحبه والطريق غير هذا وسيظهر لك عن يومين سقف هو سقفي الأسفل أو الأعلى فسأله خميس عن النور الطالع منه فقال له هذا ركعتين في جوف الليل وأنا أشكرهما لك يا خميس، وكان خميس بن مرشود قواما لليل فظهر عن يومين سقف الأسفل، كما قال وأحالوا عنه الطريق وظهر سقفه من مطر مجحف جاءهم فهذا ما سمعته والله أعلم.
قلت: وقد أوقفوني على هذا القبر وهو بالرستاق على جانب الطريق الآتي من مسجد الحرث إلى قصرى والأنوار كثيرة، لكنها لم تكتب ولو ذهبنا لذكر جميع ما سمعنا من الموثوق بهم لطال الكتاب.

باب إمامة سلطان بن سيف بن مالك
ابن عم الإمام ناصر بن مرشد
بويع له في اليوم الذي مات فيه الإمام ناصر وهو يوم الجمعة لعشر ليال خلون من ربيع الآخر سنة خمسين وألف، فقام بالعدل وشمر وجاهد في ذات الله وما قصر ونصب الحرب لمن بقى من النصارى بمسكد وسار عليهم بنفسه حتى نصره الله عليهم وفتحها بإذن الله وقام يجاهدهم أين ما يجدهم في بر وبحر فاستفتح كثيرا من بلدانهم وخرّب كثيرا من مراكبهم وغنم كثيرا من أموالهم، فقيل إنما بنى القلعة التي بنزوى من غنيمة الدير من أرض الهند، وقد لبث في بنائها اثنتي عشرة سنة وأحدث فلج البركة الذي بين ازكي ونزوى وهو إلى ازكي أقرب، وليتهم أرخوا وقائعه بالنصارى وفتوحاته أرض الهند، لكن الطبع غلب عليهم فقد جرت العادة عندهم بإهمال التاريخ اشتغالا بالأهم وكثرت الفقهاء واعتمرت عمان في دولته واستراحت الرعية وزهرت البلاد بحسن السيرة ورخصت الأسعار وصلحت الأثمار، وكان متواضعا لرعيته ولم يكن محتجبا عنهم، وكان يخرج في الطرق بغير عسكر ويجلس مع الناس ويحدثهم ويسلم على الكبير والصغير والحر والعبد، ولم يزل قائما مشمرا رحمه الله وغفر له.
ووصفه صاحب فواكه العلوم فقال: أضحى رحمه الله قوي الجنان باسط البنان، بنيانا مرصوصا في الهيجاء سحابة في العطاء مرتديا برداء العفاف والورع، ولا يهوله من عدوه فزع ولا تأخذه في دينه محاباة ولا طمع
عامراً للديار وحافراً للأنهار وغارساً للأشجار ليعيشوا فيها ضعفاء المسلمين الأتقياء الأبرا ر ابتغاء مرضاة الملك الجبار، متأسيا لرواية السالفة عن السلف الصالح اعمل ما شئت كأنك تموت غدا واعمل ما شئت كأنك لم تمت أبدا، وهذا من قوته وحذاقته حوى على كلتا الحالتين سخيا سمحا بنوال المسئلتين سيدا وسندا ووليا من الصالحين، قال وكثير من فضائله وطروسه لم أحص عدها، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وتوفي ضحوة الجمعة في يوم سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وألف كذا قيل وعندي أن هذا غلط من قائله أو من كاتبه لأنهم قالوا أنه لبث في بناء قلعة نزوى اثنتي عشرة سنة، وذكر لي بعض الأصحاب أن تاريخا يوجد منقوشا بالباب الذي كان بحصن سناو فأمرته أن ينقله لي فأرسل لي هذه الأبيات:
لقد صنع الباب الحكيم محمد *ش* فتى حمد نسل الندى والمكارم
وقد كان بالاثنين رقمى بصنعه *ش* من الحج يا ذا فاستمع قول ناظم
وألف وست مع ثمانين حجة *ش* توافى تماما في المدى المتقادم
وقيمه الوالي علي بن راشد *ش* وقاه إله العرش شر المظالم
بدولة سلطان بن سيف بن مالك *ش* إمام الهدى الزاكي سليل الأكارم
فعلى هذا تكون إمامة سلطان بن سيف زمانا طويلا تقارب أربعين عاما أو دونها بقليل والله أعلم، ثم وجدت في أول كتاب التبيان أن مؤلف التبيان وهو الشيخ درويش بن جمعة كان واليا للإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي قال وتوفي قبل الإمام.
قال وكان وفاة الإمام بعده ليلة ستة عشرة من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وألف سنة والمسلمون عنه راضون وعلى هذا هو الصحيح فيما عندي تكون مدة إمامته إحدى وأربعين سنة وسبعة أشهر وخمسة أيام، ونصب بعده إماما ولده بلعرب، وكان قبل كوته *ر* بأيام يسيرة طلع نجم أول شهر القعدة سنة واحد وتسعين وألف سنة له ذؤابة بقدر الرمح من المشرق، إلى أن انتهى إلى أقل من نصف السماء في رأى العين، وذؤابته مما يلي المغرب، ثم غاب وطلع أيضا بعد موته خط أبيض له نور عرضه أكثر من ذراع إلى قدر ربع السماء في رأي العين من أول شهر الحج سنة إحدى وتسعين وألف سنة من المغرب فلا يزال النجم والخط يرتفعان قليلا قليلا وينقص من عرض الخط إلى أن صار الخط بقدر الرمح إلى أن انتهى إلى نصف السماء أو أقل، ثم غاب النجم والخط وكان قبل إظهاره في عمان جدب شديد وقحط، حتى يبست الأنهار وماتت النخيل والأشجار وكثر الغلاء إلى أن صار من التمر من الفرض بشاخة في عمان، ثم من بعد ظهرت هذه العلامة كثرت الأمطار ورخصت الأسعار كثيرا، والحمد لله رب العالمين، وعطب البر كثيرا. ودفن بنزوى عند قبر الإمام ناصر بن مرشد.
وهذا عهد منه إلى جميع عماله كتبه إليهم ليعلموا بما فيه قال فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله العزيز عز أن تعوم بحور صفاته جوارى الفكر، وأن تروم تنظر كواكب تكيفه بصائر أولى البصر أو أن يشاهده بمخارق العيان والنظر، العالم بدبيب النملة والذر في الليالي
المدلهمات عمن أبصروا سقوط أوراق الشجر، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا في ظلمات البر والبحر الجليل قدره عن مشاكلة صفا ت البشر، أو أن يدرك الأشياء بالسماع والخبر، أو أن تجري عليه أحداث القضاء والقدر أحمده على ما صبب برياض قلوبنا سلسال العبر وحسم عنا أوصاب الكدر، وأشكره على ما خولنا من يانع نعمه، وقدر وسقانا من عصير كرم كرمه، وقدر وعز وتكبر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها جنة ليوم المحشر يوم لا ملجأ لنا من الله ولا وزر، حتى شددت بها عضد الإحسان لمن آمن بالله واستغفر وجلبت بها ربارب البراهين لمن طسم حجج الله وستر وفصلت بها رفاق الرأفة لمن حمد الله وشكر، وأودعت نار الأشجان الفرق بقلب من أعرض وكفر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله دعا إلى الله وأنذر وقاد الناس إلى الخيرات وبشر ونصب أنموذج الهداية لمن خاف الله من ذات نفسه وفكر، وصدر مدافع الذنب عن دين العزيز الأكبر حتى تسلسل سلسال سروره بسراير أسرته، وتهلل سنا نبراسه بضمائر ذويه وعترته، وهدم أركان شرائع شنآنه وعسرته، ودمتم على من مد راحته لمحاربة محبيه وخيرته صلى الله تعالى عليه وعلى آله الفقهاء الكرام الأجلاء العظام ما سحبت سحائب ذيول الودق على رؤوس الأكمام، وجرت أنهار تحت صوافح النخل ذات الأكمام.
أما بعد: فهذا ما يقول المعتصم بالله المتوكل عليه إمام المسلمين سلطان بن سيف بن مالك إلى من نصب خيم همته في ميادين الإمارة وربط عرى شغله بسبب العمارة من جميع الولاة والحكام والصدور الأعلام فإني أحمد
إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأوصيكم وإياي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته فاتقوا الله وأطيعوه واسمعوا كلامي هذا وعوه فأقول لكم أيها الولاة والحكام أني قد وليتكم هذه القرى والبلدان والمنازل والأوطان على أن تأمروا من في هذه القرى والبلدان حضرهم وبدوهم وعبدهم وحرهم وصغيرهم وكبيرهم وقويهم وضعيفهم بالمعروف والإحسان وتنهوا عن المناكر والبهتان وتحيوا فيهم كتاب الله العزيز المنان وسنة النبي الذي هو آل عدنان وآثار القادة الخلان الأصفياء الأئمة القائدين الناس إلى طريق الجنان الذين جعلهم الله حجة للأنام ومصابيح الظلام الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون إلى الخيرات أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وعلى أن تجتهدوا في إصلاح ذات بينهم وعمارة مساجدهم (وأمن) طرقهم والصفح عن مسيئهم والتجاوز عن مخطئهم والإحسان لمحسنهم ما وسعكم من ذلك وعلى أن تقبضوا زكاة من أموال مثريهم من مواضعها طيبة بها أنفسهم إلا من وجب جبره عليها حكم الشرع فقد جعلت لكم ذلك وعلى أن تضعوا هذه الصدقات في محلها من شد عضد الإسلام وتقويم قناة الدين والأحكام ومحق أهل الكفر والظلام ومواساة الفقراء ذوي الإعدام من كل فقير أو ضعيف كسير أو أعمى أو يتيم عاجز عن المكسبة غريق في أودية المتربة أو قريب أو ابن سبيل أو عامل عليها ممن ترجون نفعه في إقامة دين المسلمين ولا تبسطوا أيديكم كل البسط وأقيموا في ذلك العدل والقسط ولا تجعلوا أيديكم مغلولة في أعناقكم ولا تبذروا تبذيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ لكن خير الأمور أوسطها، يكون في ذلك بالاقتصاد والإنصاف
لا بالإسراف والإتراف وما قلت ذلك حرصاً على الدراهم التالفة إلا ابتغاء إقامة دين الله عز وجل وإحياء سنن النبي المرسل لأن الله أمرنا بذلك في كتابه العزيز الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ على لسان نبيه محمد في آيات جمة لم أحص عدها وآثار السلف الصالح ولا يخفى عليكم ذلك وقد عرفتكم إخواني أحوال هذا الزمان قد أشربت قلوبهم من موارد الطمع والتطاول والتناول لجمة المال وأنى لهم التناول لا تجري إلينا منهم جواري الخدمة والطاعة إلا أن نطلق لهم رياح النيل والطماعة بيد أنهم لم يعدموا من الوجل والخوف في قلوبهم مما رأوا بأسنا سالفا وآنفا ضحى وبياتا لمن نبذ كتاب الله وراء ظهره وركب محارمه ومحجورات أمره ولا يكون ذلك إلا لو قصرت عن امرئ منهم مثقال حبة من خردل مما عودته نيلا وعطاء لأصبح هائماً متفكراً في أمره متوارياً بوجهه وذكره مقصراً في خدمته ناقضاً لعهده وذمته لا يذكر اليد السالفة منا ولا الرحمة الخالفة من لدنا حتى صارت مكاسب الحمد عنده مذمة والسرور منه غمة لا يرى ذلك من الله ليس منا حتى يرضى بما قسم الله له ورزقه وقدر له نصيبه منذ خلقه لأن من يرى الكل من الله لا يغضب على مخلوق ولا يفرح بما أوتي ولا يحزن على ما فات مفوض أمره إليه لا يألو جهده في خدمتنا ومعونتنا ما أطعنا الله ورسوله والقادة الصالحين بل يرى ذلك أفضل القرب وأرفع التنقل والكسب، يشكر النقير والفتيل ويرضى بالكثير والقليل تأسياً بما مضى عليه السلف الصالح من فريضة الشاري سبعة
دراهم لكل شهر أو أقل من ذلك هم إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وأدهى وأمر من هذا إذا صعقت علينا صواعق الجبابرة ونعقت فينا نواعق الملوك والأكاسرة ابتغاء سلب دين الله من أهليه وقتل حزبه وذويه وإحياء بدعة الشياطين وتملك دعوة السلاطين فإن لم ينزل كل امرئ منزلته من النبل والرفعة والقربة والمنعة وإلا صرنا غرضاً في السن الشامتين نصباً لطوارق أحداث المعاندين الباهتين، وأصبح دين الله خفيا دارسا ووجهه قاطبا عابسا، والله يكلؤنا وإياكم أيها المسلمون من ذلك وينقذنا عن مهاوي الذلة والمهالك، فشدوا بي أيها المسلمون ظهوركم وقوى عزمكم وصبركم، وخذوا حزمكم وحذركم وأعدوا من آلة الحرب ما ترهبون به عدو الله وعدوكم وارحموا صغاركم ووقروا كباركم وعظموا أشرافكم وعظماءكم لكثرة المودة منهم لكم، لأن المداراة نصف العبادة وحسن التودد إلى الناس نصف العقل.
واعلموا أن العبد يبلغ بحسن أخلاقه مالا يبلغه الصائم القائم وأحسنوا إلى ضعفائكم وفقرائكم لينفعوكم بدعوتهم وتضرعهم إلى الله لكم واصبروا على ما أصابكم من حوادث الدهر ونابكم، واشكروا الله على ما فضلكم وشرفكم واحتملوا على ما بلاكم الله بأمور عافى منها غيركم وأعينوا بجاهكم من لاجاه له للخير الصحيح عنه *ع* (إن أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له، وازهدوا في الدنيا عن جميع المعاصي واخشوا يوم الأخذ بالنواصي لأن من زهد فيما
عند الله أحبه الله)<ح>(1).
ومن زهد في أيدي الناس أحبه الناس، ولن تملكوا الأشراف والسيادات إلا بالزهد والعدل وحسن السياسة للرعايا لأن الملك يبقى مع الكفر والعدل ولا يبقى مع الإسلام والجور، واعملوا ما شئتم فكل ميسر لما خلق له لأنه في الخبر الصحيح (اعمل ما شئت كأنك تموت غدا واعمل ما شئت كأنك لم تمت أبدا) وداموا على ذلك مع حسن النية والصلاح لأن (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) واحذروا التغافل والمغاضاة من إظهار الفعل المنكر المحجور من فاعله لأن الله عز وجل قد غير أقواما قد رضوا بفعل المناكر لقوله عز وجل كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ وفي الصحيح المنقول (الراضي بالمنكر كفاعله) وشمروا عن ساعدكم بالحزم والحذاقة في جميع أموركم ولا تتركوا ذلك فتصيحوا على ما فعلتم نادمين. كما قال الشاعر:
لا تترك الحزم في شيء تحاذره *ش* فإن سلمت ما للحزم من باس
العجز ذل وما بالحزم من ضرر *ش* وأحزم الحزم سوء الظن بالناس
وأبلغ في ذلك حجة وبيانا قول الله عز وجل محرضا للحزم قوله وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ<ح>
(1) قوله: فيما عند الله الخ نص الحديث (ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) فكان الإمام *ر* أراد بقوله فيما عند الله الدنيا التي يعطيها الله عباده من غير يد أحد من الناس والله أعلم.

يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً
وكثير من الآيات لم أحص عدها ولا يخفى عليكم ذلك واستعينوا إخواني على نجاح حوائجكم بالإخفاء لها والكتمان، لأن كثيرا من الناس ما همته إلا بث السرائر واستخراج ما في الضمائر، وإياكم والعجلة في جميع أموركم وشاوروا فيها أهل الفضل والورع والعلماء بالله واليوم الآخر ولا تتركوا مشورتهم في جميع أموركم لئلا يقع بكم الخطأ، لأن عقل المرء لا يغني عن المشورة ولو كان كذلك لما أمر الله نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بالمشورة، وهو أرجح الناس عقلا لقوله تعالى وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ وفي المنقول: لا صواب لمن ترك المشورة ولا خطأ مع المشورة.
وكذلك قال الشاعر:
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة *ش* كعفة الخود لا تغني عن الرجل
وكثير مثل هذا لا يخفى عليكم ذلك، واحذروا الطمع المذموم المفضي بصاحبه إلى الهلاك والنظر إلى الدنيا وزخارفها، لأن أقدام العلماء تزل مع الركون إلى الدنيا والطمع في نعيمها، كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: إن الصفاة الزلاء التي لا يثبت عليها أقدام العلماء الطمع.
وقال عليه الصلاة والسلام: أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع.
وكذلك قال الشاعر:
دع الطمع المرذول عنك فربما *ش* يقطع أعناق الرجال المطامع
فاتقوا الله إخواني وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
وكثير من الآيات والأمثال العربية التي لا تخفى عليكم، وكونوا بمجالسكم سامتين مسرورين ستبشرين لأوليائكم، عابسين آنفين عن أعدائكم متفقدين حق الرعاية لرعاياكم، تلقونهم بصدر أوسع من الدهناء، واحتمال يزري بالغبراء، ورحمة أمد من البيضاء، وسخاء يميل على الوطفاء، وتلطف كتلطف أبي غزوان، وختل لعدوكم كختل أبي جعدة، وإسراع إلى الخيرات كإسراع النجم، وبكور إليها كبكور أبي زاجر، وصبر كصبر النبي أيوب، وكونوا في أحكام أثبت من النقر على الصفا ومن الشوامخ بالبيداء، وأنجر في التجارة الأخروية من عقرب، وأتبع في النكد لمن عصى الله من تولب، وأنجز في مواعدكم من أسد، وأشفق لأوليائكم من الوالد على الولد، ومن المرء على السعد، وكونوا كالليث في غارة ما يرى عدوا إلا ظبته بأظفاره، وجدوا واجتهدوا وأنفقوا وصلوا وصلّوا بلا تعب ولا سأم، ولا سرف ولا ملل، ولا جهل ولا توان، وكونوا أشد على الأعداء من الصخر، وأخف على الأولياء من اليسر بعد العسر، وصافوا المودة لمن يصافيكم مهذبين لوذعيين فكهين طيبين غشمشمين غير بطرين ولا مستكبرين وأحسنوا الظن ببعضكم بعضا ولا تقدموا على أمر بغير تدبر ولا تفكر و إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ولا تنزلوا المنزلة التي يحتمل فيها الحق والباطل، منزلة الباطل، لأن من فعل ذلك فهو المبطل.
فالله الله في إحسان الظن، ولا تسيئوا الظن بإخوانكم، لأن سوء الظن بالمسلمين من كبائر الذنوب ولا تهتكوا ستر إخوانكم ولا تذكروا
بسوء خصال خلانكم وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ .
وفي الصحيح المنقول عن السلف الصالح: إذا كان بينك وبين أخيك كنسج العنكبوت فلا تهتك ستره، فإن من هتك ستر أخيه هتك الله ستره، ومن احتجب عن حاجة أخيه المسلم حجب الله حاجته، أي منعها، ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه سبعين كربة، ومن أحبه الله جعل الله حوائج إخوانه على يديه، ومن أحب أن يكون مؤمنا حقا فليحسن الظن بإخوانه ويحب لهم ما يحب لنفسه، ويبغض لهم ما يبغض لها من الهداية والإيمان والكفر والعصيان وفي الصحيح: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، إن رأيته ظالما بمعصية فأنصره بالهداية والنصيحة، وإن رايته مظلوما فانصره بالإعانة على نصرته وعزة، فانصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم على الحق والصراط المستقيم في الدنيا والآخرة وقد جعلت لكم حبس من يجوز حبسه وإطلاق من يجب إطلاقه، وعفو من يجوز عفوه وضيف من يجب ضيفه وإصلاح ما يجب إصلاحه من أموال بيت مال المسلمين وصوافيهم وإصلاح صياصيهم وأفلاجهم وطرقهم وقطع مضارهم على ما ترونه عدلا في كتاب الله وآثار الأئمة الصالحين، وقد جعلت لكم حماية البلاد وأهلها، والذب عن حريمها وصغارها وكبارها وتقريب صلاحها، وحسم ألفة فساقها وأنذالها، ولا تأتمنوا في أمانتكم التي أمتكم فيها إلا من هو حقيق بذلك في دين المسلمين، وقد ألزمت جميع من في هذه الرقى والبلدان، والمنازل والأوطان طاعتكم، وحجرت عليهم معصيتهم ما أطعتم الله ورسوله فيهم وقمتم بما شرطته عليكم في عهدي هذا، فإن
خالفتم ذلك وأبيتم فإنا ومال المسلمين بريئان منكم وأنتم المأخوذون به في أنفسكم وأموالكم، لأنني أعزني الله بالإسلام والدين وشد عضدي بسنة النبي الأمين ومذهب القادة المتقين، لا أثرة عندي للظالمين، ولا حيف عندي للأولياء الراشدين، ونيتي أن أملأ الأرض قسطا وعدلا، وحكما وفضلا، وكسر شوكة المرتدين، والأخذ على أيديهم، وهدم أركانهم، وتخريب أوطانهم، وإطفاء بدعهم، وتفريق زمرهم وجمعهم الذي يجتمعون فيه على الباطل والمناكر والفجور والخوض في الفواحش والمحجور وانتهاك عظيمات الأمور ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
فاصبروا إخواني وما صبركم إلا بالله وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ، اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وما توفيقنا وإياكم إلا بالله، وعليه فتوكلوا وإليه أنيبوا وعلى نبيه محمد فصلوا عليه وسلموا تسليما، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن كتاب له إلى بعض عماله:
بسم الله الرحمن الرحيم: من إمام المسلمين سلطان بن سيف بن مالك إلى الوالي فلان بن فلان الفلاني جنبه الله الموبقات والمهالك.
أما بعد: يا فلان إني لك من المنذرين وعليك من المحذرين ألا تأخذ شيئا من مال المسلمين الذي هو قوام كل فقير ومسكين، وبه تدفع قارعة الغاشمين والمعتدين بتدليس شراء هو أقل قيمة وأبخس ثمنا من قيمته المعروفة في البلاد وسنته الجارية بين العباد، فإنه وإن خفي علينا وعدم علمه بين يدينا، فلن يخفى على من يعلم دبيب الذرة العجماء على الصفاة الملساء في الليلة الظلماء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وهو المطلع
على كل مختفي ومستور، وإن كنت قد قارفت شيئا من ذلك وجعلته بذلك السبب الخفي إلى مالك، فاثن إلى ساحة قراره زمام عنسه، واغتنم برد قمره قبل أن ينفحك حر شمسه، فما الأمر إن عقلت بهين وما قولي لو وعيت بمين.
هذا وقد بلغني أن شقشقة تهدر بهذيان كان لا يليق بمثالك ولا يجمل لو دريت بحالك، فلا تكن ممن سيماه سيماء العلماء ونطقه نطق السفهاء، واسمع إلى ما قال ربك المجيد مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وانظر وقوفك غدا في موقف يخرس فيه الفصيح ويندم الطير الذي يصيح، فأصغ لك الخير إلى قول الفصيح واجنح إلى اغتنام المتجر الربيح وإلا ندمت حين لا تنفعك الندامة، وتهورت حيث لا ترجى لك السلامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وهذا كتاب منه إلى ملك صنعاء اليمن:
بسم الله الرحمن الرحيم: من إمام المسلمين سلطان بن سيف بن مالك رأس العرب اليعربي العماني إلى عالي ذروة الجناب المعظم الهمام المكرم إسماعيل بن القاسم القرشي العربي.
أما بعد: فإنا نحمد الله على آلائه وجميل صنعه وبلائه، ونسترشده إلى سلوك سبيل رضاه ونستزيده من خزائن مواهبه وعطاه إنه بيده مفاتيح كل خير وكفاية كل بؤس وضير، وإن سألت أيها المحب عنا ورمت كيفية الحال منا فإنا نحمد الله في حال يسر به الودود، ويساء به الحسود.
ثم لتعلم أيها الملك إنه قد وصل إلينا في مدة أيام قد تصرمت وشهور قد تخرمت رجل من جنابكم يزعم أنكم أرسلتم بيده طروساً بها
درر من رائق لفظكم وخطابكم غير أنه يقول إن المركب الذي أقبل فيه عابه الانكسار فغرق في اليم، فأدرك الطروس المسطرة حكم التلف، ثم بيد أنه قد أفاه إلينا من نتائج لسانه، ولتضح لنا من واضح نطقه وبيانه أنكم علينا عاتبون ومنا واجدون لأجل قطع خدامنا في العام الماضي مراكب رقاب المشركين على بابكم وأخذهم لسفنهم الواردة لجنابكم، ولعمري إنا لندري أن العتاب بين الأخلاء عنوان المودة الخالصة والصفاء وزائد محض المودة الصادقة والوفاء غير أنه يجب عند اقتراف الجرائم وانتهاك المحارم، فإنا نحن لم نقصد إلى انتهاك ذلك سبيلا، ولا نجد لك على إلزام فعل ذلك دليلا، إذ كنا لم نجهز مراكبنا ونتخذ مخالبنا ليسارة رعيتك ولا استباحة دم أهل حكمك وقضيتك، ولكن جهزنا الجيوش والعساكر، وأعددنا اللهاذمش والبواتر لتدمير عبدة الأوثان وأعداء الملك الديان تعرضا منا لرضاء رب العالمين، وإحياء لسنة نبيه الأمين، ورغبة في إدراك أجر الصابرين المجاهدين، وحاشى لمثلك أن يغضب لقتال عبدة الأصنام وأعداء الله والإسلام، ألست من سلالة علي بن أبي طالب الساقي للمشركين وبى المشارب، وأنت تدري بما جرى بيننا وإياهم من قبل في سواحل عمان وفي سائر الأماكن والبلدان من سفك الدماء وكثرة الصيام وتناهب الأملاك والأموال، وإنا لنأخذهم في كل موضع تحل به مراكبهم وتغشاه حتى من كنج وجيرون بندرى الشاه، ولم يظهر لنا من أجل ذلك عقابا ولا نكيرا، وإن كنت في شك من ذلك فاسأل به خبيرا أولا نذكرك أيها الملك، والذكرى تنفع المؤمنين، وإنا لك من المنذرين وعليك من المحذرين.
إنا لما ملكنا تلك الأيام بلدة ظفار وهي عنا نازحة في الفيافي والقفار
لم نر في ملكها صلاحا لشيء أوجبه منا النظر وحاكته الأذهان والفكر، فتركناها لا من خوف قوة قاهرة ولا كلمة علينا ظاهرة ولا يد غالبة ولا كف سالبة، وحين ما خرج عنها عاملنا خلف خلف بها شيئا من مدافع المسلمين لغفلة جرت عن حملها في ذلك الحين، ولما ملكتم أنتم زمام عيسها واجتلبتم ضوء بدرها وشمسها لم تدفعوا لنا تلك المدافع، كأن لم يكن وراءها ذائد ولا دافع.
فاعلم أيها الملك أن البعل غيور والليث هصور والحر على غير الإهانة صبور، ومن أنذر فقد أعذر، وما غدر من حذر، على أن في اصطلاح ذات بيننا وبينكم راغبون طالبون وفي استبقاء صحبتك راغبون ولإطفاء الفتن وإخماد المحن بيننا وإياك مؤثرون، فإن كنت راغبا في الذي فيه رغبنا، وطالبا لما له طلبنا، فادفع لنا إياها ولا تحتس بسرعة الاعتداء حمياها، وإن أبيت إلى الميل إلى اغتنامها والجزم على خبط ظلامها، ففي الاستعانة بالله على من اعتدى وسعة ومن كان مع الله كان الله معه، وحسبنا الله ونعم الوكيل والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وهذا جواب ملك صنعاء اليمن:
بسم الله الرحمن الرحيم: من شمس سماء الخلافة العلية، ومضرب سرادقات الشريعة المحمدية إلى قاضية أرض الملك المالك سلطان بن سيف بن مالك اليعربي العربي العماني أراه الله نهج الهداية وجنبه مسلك الضلال والغواية.
أما بعد: حمدا لله والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى وصيه الأترع البطين الحاصد سيفه رءوس المارقين، وقد وصل كتابك الذي شحنته بالأبراق والارعاد وعدلت به من تحسين العتاب إلى تخشين
الخطاب، ظنا منك أن هذيان وعيدك وطنين ذباب تهديدك يزعزع من بأسنا صخرة صماء أو يحرك من وقارنا جبلا أشما فكيف يكون ذلك.
وأسيافنا في كل شرق ومغرب *ش* بها من قراع الدارعين فلول
أين ذهب حجاؤك حتى طلبت منا المدافع بهذه الأراجيف والبقاقع
وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع
أما علمت أن الليث إذا هيج على فريسة كان أشد إقداما وأعظم جرأة واعتزاما، لا جرم أنها لما تأت بنا وبك الديار وحالت دوننا ودونك الأمصار فاسترسلت لفظك فجاوزت في سوء المقدار حدك وانفردت بأرضك فطلبت الطعن والنزال وحدك.
يا سالكا بين الصوارم والقنا *ش* إني أشم عليك رائحة الدم
فاقطع عرى آمالك عن هذه المدافع فهي أول غنيمة إن شاء الله من قطرك الشاسع، وقد دعوتنا على النزول على حكم الظباء<ح>(1) والأسل
فالبث قليلا تلحق الهيجا جمل
ونحن من القوم الذين سقوا قومك يوم النهروان كؤوس الحتوف، وأنتم أتباع من سقى، فما بدأ به أوائلنا في سلفكم، ختمنا به من بقي والسلام، انتهى جوابه، وبكل أسف إنا لم نقف على جواب الإمام لهذا الكلام، وما أظنه إلا كما قال الشاعر:
وهل تغني الرسائل في عدو *ش* إذا لم يكن ضبا رقاقا<ح>
(1) في نسخة الضباء، ولعل الصواب الظباة.

وأئمتنا بحمد الله تعالى ممن ذكرهم الله في كتابه بقوله وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً إلى قوله تعالى – وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً فهم الأئمة الفعالة وغيرهم الأئمة القوالة، وكان هذا الرجل زيدي المذهب وكأنه يثبت الوصاية لعلى، وما افتخاره بقتل أهل النهروان إلا كافتخار اليهود بقتل عيسى وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وكذلك من قتل في سبيل الله وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ودلائل الحال تقتضي أن بينهما وقوع وقائع ولكن لم نطلع على ذكر شيء من ذلك.
وتمكن هذا الإمام من اليمن والهند وغيرهما يقتضي أن الأمر صار على خلاف ما يزعمه ملك صنعاء، وكذلك تمكن الأئمة من بعده فإنهم قد ذكروا لهم من القوة والسلطان والتمكن من البلدان النائية والأقطار القاصية ما سيأتي ذكر بعضه وذلك يقتضي أن الإمام ومن بعده قد تمكنوا من اليمن وغيرها ما خلا صنعاء، فإنا لم نجد تاريخا في التمكن منها بنفسها، وأما آثارهم فظاهرة في أطراف اليمن، والله أعلم بما وقع بعد تلك المخاطبة، والأمر لله وحده مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، والحمد لله رب العالمين. وللشيخ خلف بن سنان الغافري قصيدة ذكر فيها فتوحات هذا الإمام قال فيها:
وقد قدّ الأعداء عضبك لما *ش* قدمتهم لحربك الإقدام
كلما كلمت<ح>(1) كلا ديننا أو *ش* آلمتها من العدى آلام<ح>
(1) هكذا في الأصل ولم يفهم له معنى.

مرهمتها بمرهم البرء بتر *ش* لك من ضوئها يضيء الظلام
عم حيا يا أروع من عقابيـ *ش* ـل سطاه يوم المعادين عام
قل لمن ظن أن ذا العرش لن *ش* ينصره وهو ناصر علام
مد حبلا إلى السما ثمت اقطع *ش* وارن هل غاض من يغض المرام
أو ما عاينت أفاعيله عيـ *ش* ـناك أم عاث فيهما الاظلام
أفما في ديار عبد غدا مسـ *ش* ـتعبداً مَن معبودُه الأصنام
ويسامى القوى وقادهم كرها *ش* كما قيد للذباح السوام
فأتوه بهم أفاكل رعب *ش* مثلما ريع بالهزبر البهام
وفدوا مسقطا بعده بلدان *ش* عليها دمع القسوس سجام
ثم أورى لمسقط سقط عزم *ش* أسقط الظالمين منه ضرام
وهي دار يكاد يذهل منها *ش* هيبة حين تذكر الأحلام
لم يكن دافعا لما أبرم البر *ش* عليها مدافع وبرام
لا ولما ينهنه الفدر الكائن *ش* عنها الكيتان والآطام
ولدى "كنج" كان منه لهم ما *ش* كاد منه تدكدك الآكام
فغدت من عمان كف بني الأصـ *ش* ـفر صفرا قد هزها الانهزام
ماد عن أرضها كفيتا ومور *ش* بعد شهد له المرار طعام
وتجلى عنها جلال فلله *ش* علينا الإجلال والإعظام
أبهم العقل عنهم فأتاهم *ش* عنوة ما اصفرت به الأبهام
همهمت فيهم رعود حتوف *ش* من همام في ملكه مهمام
أي هذا الراوي المشيع بأن الر *ش* ي قد بل من صداه الأوام
ليس يشفي من حرقة الديوان *ش* أحرقن منا بالأسراق خيام
هذه من كلا الفلى وهذي *ش* إرَم تلكم التي لا ترام
أمها حجة الإله بجيش *ش* لم يبح جاش جنده الأحجام
قاده نجل راشد بن علي *ش* ذو له الرشد والمعالي مرام
صارم سله الإله فما كا *ش* ن له غير الأعادي اندغام
ليث غاب وغيث محل به تشـ *ش* ـقى وتسقى العداة والأيتام
فاستصيدت قرى بباس الصدى الصـ *ش* ـيد عنه مهما بدا الاصطدام
وسباهم ألفى أسير كان قد *ش* مازج الدمع منهم العلام
واقتنى منهم كنوزا غدا يبـ *ش* ـهر منا قارون بل بهرام
وبممباسة أذاقهم بأسا *ش* بئسا سيتت به الأصنام
ولقد في مفازة فاز منهم *ش* بمفاز زلت به الأزلام
وعزا كلوة بكل كمى *ش* لم يثني منه الغرار انثلام
ولدى زنجبار زمجر فيهم *ش* رعد زجر لم ينج منه اعتصام
وبممبي نابهم منه ناب *ش* لم ينبه عن المضي انهتام
وكذا في مخا قد امتخ منهم *ش* أعظما قبل ضيمه لا تضام
وانثنى منهم بعدة أفلاك *ش* تراءى كأنها أعلام
ولدى باب مندم كم دم طـ *ش* ـل ومال أماله الصمصام
كل شار أفاد عدة آلا *ش* ف عداه من بعدها الإعدام
ثم أزجى جوارى الفلك ينحو *ش* لمسيّج ساجها العوام
فاستباح الحريم منها ولم يحـ *ش* ـصن سوى حصنها عليه مقام
همم هامها منوط إلى هام *ش* إلهام حرن دونها الأوهام
انتهى ما أردنا نقله من القصيدة، ولهذه الغزوات أخبار لن تدون في الدفاتر وذكر ابن رزيق وهو شاعر متأخر: أدركنا بعض من أدرك زمانه أن مسقط عمرها بعض عرب عمان، وهم يمن الأنساب، فغرسوا فيها نخيلا وأشجارا تسقيها آبار، قال وآثار هذه الآبار باقية إلى هذه الغاية، وهي سنة خمس وسبعين ومائتين وألف، قال ثم اشتراها النصارى البرتكيسية منهم، فسورتها من حد جبل المكلا إلى جبل السعالى، وأحثت فيها حصنين كبيرين شرقيا وغربيا فلما اصطلمتها العرب منهم سموا حصنها الشرقي الجلالي، وسموا حصنها الغربي الميراني، قلت وإنما سموها بذلك باسم رجلين من النصارى ذكرهما الشيخ خلف في قوله:
ماد عن أرضها كفيتا ومور *ش* بعد شهد له المرار طعام
وتجلى عنها جلال فللـ *ش* ـه علينا الإجلال والإعظام
قال: وأحدثت النصارى فيها صيرتين على وجه البحر الذي يقابله الحصنان المذكوران وأحدثت فيها بروجا على السور وأبنية على رءوس جبالها وخمس عقبات: الأولى من أول المطرح إلى أول ريام، والثانية من آخر ريام إلى أول مسقط، والثالثة من آخر كلبوه إلى أول مسقط، والرابعة من آخر سداب إلى أول مسقط، من جانب سهيل، والخامسة من آخر جبال مسقط إلى أول الوادي الذي يفضي إلى دار سيت.
قال: وأخبرني غير واحد من المشايخ المسنة: منهم الشيخ معروف بن سالم الصائغي
والشيخ خاطر بن حميد البداعي وغيرهما عما سمعوه من آبائهم المسنة، فاختلفت رواياتهم لفظا واتفقت معنى قالوا: لما مات الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله نصب المسلمون سلطان بن سيف الإمام في اليوم الذي مات فيه الإمام ناصر بن مرشد.
قالوا وكان سلطان بن سيف أيام دولة الإمام ناصر بن مرشد للإمام ناصر بن مرشد سيفا وكفا يبيد به الأعداء، ولما مات الإمام ناصر بن مرشد نكثت النصارى للعهد وقطعت الجزية ومنعت المسلمين عن الوصول إلى مسقط وعتو عتوا كبيرا. قالوا ونصب الإمام سلطان لهم الحرب وسار إليهم بنفسه بجمع كثير، فأقام بطوى الرولة من المطرح وبلغ معسكره إلى سيح الحرمل فجعل عسكره تارة يغزون مسقط وتارة يضربون من رءوس الجبال النصارى القابضين حصن المطرح، وجعلت النصارى على رأس كل جبل بمسقط أشد رجالهم أهل التفق، فلم يقدر المسلمون على دخول مسقط من كثرة جنود المشركين، ورميهم المسلمين بالمدافع والبنادق، وقد مدوا سلسلة حديد في رأس الجبل المشرف على ميابين وعلى الوادي الذي يمر على برزنجى إلى الجبل الذي به الآن البرج المربع، وهو الجبل المشرف على حلة الأوغان، وجعلوا على هذه السلسلة سورا من حديد وأكمنوا فيها رجالا من قومهم ليصدوا المسلمين عم الوثبة على السور، وقد ملأوا الخندق بماء البحر الصغير الذي هو شرقي الباب الصغير، وجعلوا على السور عساكر جمة.
وكان النصارى وكيلان من البانيان أحدهما يسمى سكبيلة والثاني يسمى نروتم، فخطب أمير النصارى القابض في الكوت الشرقي بنتا من بنات سكبيلة وكانت ذات جمال فائق، وبذل له من المهر مالا كثيرا من الذهب والفضة وسائر الجواهر، فكان
جوابه لستم في القديم ولا في الحديث، أنتم تزوجون ببناتنا ولا نحن نتزوج منكم، وهذا شيء لا يكون، فلما أغلظ النصراني عليه الكلام وعلم أنه إن لم يطاوعه يأخذ ابنته منه كرها، قال أمهلني إلى كذا من المدة حتى أصوغ للابنة حليا يصاغ لكل عرس من بناتنا الأبكار خاصة، فإذا تم الصوغ ووصلني دفعت إليك الابنة، فأمهله النصراني ورفع منزلته، فكان لا يحدث شأنا إلا يشاوره فيه.
ولما رأى سكبيلة التمكن من النصراني قال له: إن الماء الذي في الحصنين قديم فيه دود، وأخشى أن يطول الحصار علينا من المسلمين فالرأي تجديد الماء، وكذا الباروت فإنه قد فسد والرأي يفيده بالدق ثانية، فأجابه على ذلك فأخلى الماء وأنزل الباروت، وكتب للإمام وأخبره عما جرى له من كبير النصارى ودله على الوثبة على السور وبنى له وقت الوثبة وذلك يوم الأحد عند طلوع الشمس في اليوم العاشر من شهر رجب سنة 59 بعد الألف، وكان ذلك اليوم عيد النصارى يشربون فيه الخمور ويضعون فيه السلاح ويشتغلون بطربهم وملاهيهم، فوثب عليهم الإمام ومن معه من المسلمين، فدخلوا السور ووثبوا على الحصنين فأخذوهما في ساعة واحدة وقتلوا من فيها من النصارى.
قال ابن الرزيق: اخبرني غير واحد أن الإمام ضرب واحد من النصارى حذاء الجزيرة وهو قد لاذ بعصفور مدفع حديد، فقطع السيف عصفور المدفع وفخذي النصراني، فجعل النصراني يقول لمن يمر به من المسلمين: ما هي إلا ضربة واحدة قطعت العصفور الفخذين مني، ولم يفتر عن ذلك حتى مات.
ولم يبق للإمام محارب من النصارى إلا كبرتيه وهو شجاع من شجعانهم، وكان قابضا في البرج المسمى باسمه إلى الآن (كبرتيه)
فجعل كبرتيه يحارب المسلمين كل يوم حتى قتلوه في سوق اليز هو ومن معه كافة، وما بقى للإمام محارب من النصارى غير القابضين في حصن المطرح وأهل المركبين من مراكبهم ثم وثب عليهم المسلمون في خشاب صغار فنصرهم الله عليهم فقتلوا من المشركين كثيرا، وما نجى من النصارى إلا قليلا، ثم سلم القابضون منهم حصن المطرح للإمام فعبرهم ومن بقى منهم إلى جرة، ورفع الإمام الجزية عن سكبيلة ونروتم وعمالهما لمناصحتهما له وللمسلمين.
قال ولم يزل الإمام يجالد النصارى برا وبحرا واستفتح من أماكنهم الديو وغيرهما وملك كثيرا من مراكبهم وغنم كثيرا من أموالهم، قال وكان الإمام سلطان يقال له صاحب الكاف، فقيل إنه سمي بذلك لمعرفته بالكيمياء لما كثر معه الماء. وقيل إنه سمي بذلك لأجل سمة ركابه فإنها سمتها كاف.
وهذه نصيحة من الشيخ سعيد بن أحمد بن محمد الخراساني لأحد الإمامين ناصر بن مرشد أو سلطان بن سيف لم يعرف الناقل لأيهما كان، قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أيد هذه الأمة برحمته ونصره، ومن عليها بمن ارتضاه من أبناء دهره وعصره وملكه الشطر من ملكه وقهره وأطاع له من خلقه بما يقوي به على نهيه وأمره، وجعل له خليفة بعد أخرى يذب بها عنها كل شيطان تملأ عتوا وكبرا، وملأ نحره ظلما ووزرا، وتجبر في الأرض علوا وفخرا وملكهم بالجبر إذلالا وقهرا، رحمة منه ونعمة بعد أخرى، فيا لها نعمة عظمة علوا وقدرا، ومنة منه عليها ثقلت تأدية وشكرا ابتلاء من الله ونظرا وخبرا. وصلى الله على خير خلقه محمد وأئمة الهدى الموفية بالعهد نهيا وأمرا، المؤمنة بقضائه حلواً ومراً.
أما بعد: إمام المسلمين أنا وإياك ركاب سفينة تجري بنا في بحر لجي عميق، تلعب بها الرياح، فتضطرب بها مرة وتسكن أخرى، فاعتصم بالله وتوكل عليه واسأله السلامة لك ومن معك فيها بدعاء وتضرع وخوف ووجل ونية صادقة خالصة من دنس المعائب ودرن الذنوب فأنا وإياك ناجون فيها أو غرقا بمن فيها، فإنا في أمر عظيم على خطر عظيم، ولكنها قلوب غافلة وأفئدة موعاة غير واعية وأنا وإياك عما قليل أموات لأننا أبناء أموات، وما أخذنا هذا الأمر والسلطان إلا بوراثة ممن كان قبلنا، فأرجى ما يرجى به من دوام الملك وبقاء النعمة وتعاقب الرحمة وزوال النقمة في الرأفة والعدل والرحمة وصلاح النية والعفو ما وسع ذلك، ولن تملك سادات الرجال وأهل الشرف إلا بلين الجانب ولطف المقال وحسن الصحبة وجميل الفعال لقوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ . فالله الله أيها الإمام في إخوانك الذين بذلوا في نصحك مجهودهم وشرعوا لك فيه مورودهم في منطق لا يعاب، ونصيحة صدرت لك من أتقياء أتقياء ألباب، مؤمنين غير متهومين في فعل ولا مقال فهم لك عيون ناظرة وآذان سامعة وأفئدة زكية طاهرة، خلصت عندك من حب الدنيا يعرفهم العارف والجاهل ذوو ورع في دينهم إذا رأيتهم خلتهم وحسبتهم بهائم رائعة، وإذا اختبرتهم وجدتهم ملوكا أشداء في دينهم لا يخافون في الله لومة لائم، خلصت وطهرت قلوبهم من الدنيا الدنية لا يطلبون بنصحهم إياك من أجر. إن أجرهم إلا على رب العالمين، فتدبر أيها الإمام ما كتبته إليك، إن الناصح إذا جاء ناصحا لله تعالى راغبا فيما عنده زاهدا فيما لديك لا يطلب في نصحه لك أجرا ولا يريد به فخرا وذكرا
ورفعة، فاعلم يقينا أنه من نصحائك في الله وأحبائك الذين يؤثرون على أنفسهم ويحبون بقاء عز الدولة بإنقاذ كلمة الحق لله وفي الله في رجاء ثواب الله، وفي استبقاء ما عنده فهو خير وأبقى، والملك لله يهبه من يشاء من عباده والأرض له يهبها لمن يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
فإذا وردت لك هدية رحمك الله من نصائح أحد من إخوانك فاعرضها على عقلك فإنه حكم عدل فإن قبل ذلك من الناصح، مع موافقته آثار المسلمين فاقبله فإنه من الله على لسان أخيك، وممن جاءك به، واقبل الحكمة ممن جاءك بها من الناس فإن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها من حبيب أو بغيض من عالم أو ضعيف، فإنك أصبحي في أمر عظيم على خطر عظيم.
فالله الله إمام المسلمين لا تهمل العيون، واجعل على العيون عيونا، فإن لم تفعل فاعلم أنك مغبون، ولا يكون العيون إلا الثقات الأمناء من الناس المأمونين على ما ائتمنوا عليه، فابحث من كل بلد ملكت أمرها أمناءها وفضلاءها واجعلها عيونا راعية في رعيتك، حافظة في ولايتك، فإن اتهمت العيون وارتاب قلبك في قولها فليكن همك في طلب البحث لتعرف حق ذلك من باطله وجده من هزله، ولا تهمل الأمر إهمالا، ولا تغفل من أهل البلد وجوهها وأهل الشرف منها، وأظهر إليهم الجميل من مقالك، كأنك مقصر في حالهم، وإن كنت محسنا تأسيا برسول الله .
قيل أنه فقد رجلا فسأل عنه ثم قال اذهبوا بنا إليه لعله واجد علينا، ولا عتاب عليه لأحد الناس أن كان برا رحيما، ولكن ذلك من تمام أخلاقه في قومه ورعيته ، فلين الجانب إلى الناس يجلب لك المودة وهو خير من النفقة في بعض الأحايين رحمك الله: وأما
تقربك لأشراف الناس يزيدك منهم مودة ونصرة ونصيحة، ولطفك للمسكين ورحمتك له ينفعك بدعائه لك واستغفار لما يجد من عفوك وإحسانك إليه فلا بد من دعاء يسمع لك ويستجاب أو لا يسمع، ودعوة تدع الديار بلقعا فلا تكاد ترجع، والكلمة الشديدة تنفر منها القلوب ذوي الألباب، فإن الناس أجناس متباينة فأنزل كلا منهم منزلته، فإن الناس لهم منازل يتفاضلون بها: فمنهم إخوانك وهم نظراؤك وأمثالك، فأحب لهم ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك، فإنهم يحبون منك مثل ما تحبه منهم، فإنك تحتاج إليهم أكثر مما يحتاجون إليك، فلن لهم الجانب وكن لهم روحا وريحانا يكونوا لك إخوانا وأعوانا وملجأ وردءا وأنصارا، فإنك سلطان بجيرانك وإخوانك لا بالمؤلفة من حسادك وعدوانك، فإن النصيحة من العدو محال والمحال زوال، ونصائح إخوانك وأهل الشرف من جيرانك لا تستخرج إلا بصحة القريحة منك وبالمودة منك لهم تكون نصائح الرجال، ولا تصلح المودة الغريزية إلا بإصلاح النية، فإذا صلحت النيات من باطن القلوب في رضى الله علام الغيوب، فهنالك أمن الراعي واستراحت الرعايا ولو جربت ذلك لوجدت مقالي صوابا إن شاء الله.
وما أنت كبير إلا بإخوانك وأهل الشرف من بلدانك، واقبل من إخوانك كلا منهم على قدر ضعفه وقوته وعظم همته وتراخيها فإن أحوال الناس مختلفة لا متفقة ومؤتلفة، واقبل معذرتهم وأقل عثرتهم، واغفر زلتهم، فإنك لا تجد الناجي من العيوب، المبرأ من الذنوب فإن طلبت صحبة من لا عيب فيه فاتك الدهر من غير صاحب، وأنت أحوج الناس إلى الأصحاب، ولكن لكل هؤلاء مرتبة ومنزلة،
فأنزل كل واحد منزلته إلا السفلة السعيير<ح>(1) فأعطه الشدة صراحا وإن استغنيت عن أحد فلا تبعده كل الإبعاد وتفقد حاله واسأل عنه، فإنك لا بد أن تحتاج له يوما ما يكون لك حبيبا غائبا حاضرا أخا شفيقا لا يرضى فيك المعائب وإن كان عنك غائبا وحاشاك من ذلك، وإن استغنيت عن أحد أو اعتذر إليك أخوك إن طلبته في أمر ترى أنه من أهله فاعتذر إليك فاقبل معذرته ولا تبعده، فإنه أعلم بنفسه منك والله أعلم به منك ومن نفسه، وكل أمره إلى الله ولا تترك له من يؤذيه بمقاله ويكثر عليه من كلامه ووياله، فإن الكلام الشديد إذا صدر من ذويك ومن تقوى بسلطانك، فذلك منك لا منه والكلمة الشديدة تنفر منها القلوب وتتبدد منها الأجساد، فقد وصى الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلين الجانب وخفض الجناح للمؤمنين فقال وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ وقال وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وأمره بالمشورة وحثه عليها في غير موضع، وهو أكثر الناس عقلا وأرجحهم رأيا وأعلاهم درجة وأدبا ، لأن ذلك من لين الجانب وحسن التواضع للناس، فلا ذل ولا صغر من تواضع لله، ولا ساد وارتفع من تكبر على الخلق، وحاشاك حاشا كل مؤمن تقى من ذلك، وأحق الناس وأولاهم بالصبر واحتمال الأذى الملوك لأنهم على أمورهم قادرون ولرقاب الرعية قاهرون، قد ملكهم الله العباد لا ملجأ لهم من الله إلا إليه.
وعندي لا شك أنك عالم بالذي كتبت به إليك<ح>
(1) لعل صوابه السعير بشد العين وهو الشرير وفي الحديث لا يؤمن سعاره أي شره والله أعلم.

لأنك ملك من أبناء الملوك تسوسون الرعايا وتمارسون الأمور، لأن الملوك ممتحنون بذلك فلا بد لهم ولا مخرج من ذلك، لأن الملوك أحوج الناس إلى سياسة الملك في رعاياهم، وإنهم أكبر الناس عقولا ورأيا وسيرة وسياسة وأدبا من سائر الرعايا وهم أمناء الله في أرضه على خلقه، ولكن المكاتبات بين المسلمين واجبة والنصائح لازمة تذكرة وتنبيها للملوك لما هي فيه من كثرة الأشغال من معاناة أمور الرعية ومقاساة ما تجده من كثرة المعاندات والمخاصمات، وخاصة في أهل هذا الزمان، والله المستعان وهو حسبنا وكفى به حسيبا.
واعلم أيها الإمام أن الله سبحانه أحلك محلا عاليا شامخا وأنزلك منزلا شريفا باذخا، وملكك طائفة من ملكه ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك فلا ترض أنت أن يكون أحد أولى منك بالشكر له، وإن الله سبحانه قد ألزم الورى طاعتك فلا يكن أحد أطوع لله منك، وليس الشكر باللسان ولكن بالفعل والإحسان، قال الله تعالى اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً .
واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه من الملك لم تبق له ولم يبق لك، ولو أنه بقى لمن قبلك لم يصل إليك، إنما صار إليك بموت من كان قبلك، فاجتهد رحمك الله في طلب راحة رعيتك بتعب نفسك واغناء مسكينك بمخمصة بطنك لكي تتبع الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، واصبر على مرارة الصبر واحتمل زلة رعيتك ووقر كبيرها وارحم صغيرها وتفقد أمورها واسأل الله تعالى يمن عليك بتوفيقه لمرضاته والصبر على ما ابتلاك من أمور عافى غيرك منها يوصلك به ملكا دائما ونعيما لا يزول في دار تبقى فيها الصحبة ويذهب عن أهلها فيها النصب
واللغوب، ويجعلنا وإياك رفقاء إخوانا على سرر متقابلين. فيا لها من نعمة ما أجلها، وغبطة ما أعظمها جلت وعظمت عند من رزقها ونالها، وصغرت وهانت على من وهبها ويا لها كرامة من معطيها لمن أعطاها، وما ذلك على الله بعزيز لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ فخذ إمامي وإمام المسلمين بما بان لك عدله واترك عنك ما التبس عليك أو ظهر لك خطأه وهزله، فربما اختلس الشيطان مني الصواب وألقى على لساني الزلل والارتياب وأنا استغفر الله تعالى من كل قول وفعل وعمل قد خالفت فيه الحق، ومن كل شيء كتبته في كتابي هذا وغيره أو أوردت فيه شيئا مخالفا فيه المسلمين، فأنا أستغفر الله من جميع ذلك، ولا أردت بكتابي هذا وغيره العز لأحد، أو عداوة وانتصارا مني وافتخارا أو علوا وتقربا من السلطان أو استكبارا، وصلى الله على محمد وآله وسلم وصحبه وتابعيه ورضي الله عن أئمة الهدى من لدن أكرم الخلق، إلى يوم الدين والسلام.
قد تمت سيرة الإمام سلطان بن سيف اليعربي رحمه الله، وهذه قصيدة قالها واليه الشيخ محمد بن مسعود الصارمي صاحب عين السواد من أمطى، قالها في مسيرة إلى بتة وذكر فتوحها.
كشفن عن تلك الوجوه الصباح *ش* إذ زمت العيس ليوم المراح
وجئن يختلن يعاتبنني *ش* يبسمن عن در كلون الأقاح
خامرهن الشك في عزمتي *ش* فقلن جد منك أم ذا مزاح
أسبلن دمعا هاملا هاطلا *ش* إذ صرت في عزم النوى باتضاح
فشبهت اللؤلؤ والدر من *ش* فيهن والنظم وعقد الوشاح
حتى إذا ما قربت ناقتي *ش* نحو رحيلي واحتملت السلاح
أقبلن كئيبات يودعنني *ش* مددن إلي الأكف السماح
صافحنني بكما بلا منطق *ش* مني ومنهن وكنا فصاح
من عبرة حلت بنا لم تزل *ش* ما بيننا تذري الدموع السفاح
كأنما النطق حرام على *ش* ألسننا والدمع منا مباح
قد شحت الألسن بالنطق إذ *ش* جاد العيون بالدموع القراح<ح>(1)
حتى إذا ما صرت في مركبي *ش* وحث بي حادى المطايا وصاح
أدبرن على خائبات الرجا *ش* وقلن ودعن القلوب القراح
لا تجزعي يوم الهوى خلتي *ش* لكل ليل مدلهم صباح
ولذة العيش وطيب الكرى *ش* إذ غبت عنا والجسوم صحاح
قلت يروح الجسم مني ولن *ش* يروح فؤادي، إليكن راح
وكل حي غائب آيب *ش* لو طول الغيبة والانتزاح
فصرت مسلوب الحشى ذا أسى *ش* من أجل هجر كل خود<ح>(2) رداح
يزيد ما بي واشتياقي إذا *ش* ما بدا برق نحو سيما ولاح
أو شمته لاح لدى العين أو *ش* فوق الأفانين إذا الورق صاح
أو (إن) تذكرت ديارا زهت *ش* من سمد الشأن وتلك البطاح
أو ساق لي يوما نسيم الصبا *ش* من روضها نشر الخزاما وفاح<ح><ح>
(1) الأصل في النسخة المطبوع منها: جادت بالدموع العيون القراح وهي على ما يرى من اختلال الوزن والمعنى فليتأمل.

(2) وفي الأصل: رود.

أطوى الفلا واليم في فيلق *ش* يطفئ ضوء الشمس والجو صاح
حتى أتينا بتة بالضحى *ش* ثم نزلناها بأرض براح
فقلت لأصحابي لا تحزنوا *ش* من عنده الله فلا يستباح
اصطنعوا الصبر ولا تجبنوا *ش* عند الوغى فالجبن لؤم صراح
ثم اعلموا لا بد للمرء من *ش* موت وبالهندي فيه الفلاح
فامتثلوا الأمر ولا قصروا *ش* وجردوا أسيافهم والرماح
فاقتحموا السور كأسد الفلا *ش* واشتدت الحرب وضرب الصفاح
كأنما القتلى بأرجائها *ش* من فئة الإفرنج صرعى طراح
كأنهم أعجاز نخل بها *ش* منقعر من عاصفات الرياح
فانهزم الإفرنج من بتة *ش* الذل والخزي وبالافتضاح
بعدا لهم بعدا وسحقا لهم *ش* من قوم سوء ووجوه قباح
بعزم سلطان بن سيف الذي *ش* أباد أهل الكفر يوم الكفاح
وكفه من حمل صمصامه *ش* لضرب رقاب العدى ما استراح
يفر منه الجحفل المجرئ من *ش* خوف عليه في الوغى من جناح<ح>(1)
مليك ملوك الأرض أن قبلوا *ش* أقدامه فخر لهم وامتداح
واكف كفيه لسؤاله *ش* قد نجلت منه الأكف السماح
يعطي بلا من يكرر ما *ش* أعطاه أهل الفقر بل بارتياح
هو الإمام العدل في دينه *ش* وملكه لا يسع غير الصلاح
أدامه الله وشبليه ما *ش* دام مدى الدهر المسا والصباح<ح>
(1) في هذين البيتين تصحيف وتركناهما حسب الأصل.


باب إمامة الإمام بلعرب بن سلطان
ابن سيف بن مالك
بويع له في اليوم الذي مات فيه أبوه سلطان بن سيف، وهو يوم الجمعة في ستة عشر من شهر ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وألف فقام بالحق وسار بالعدل ولم تزل الرعية له شاكرة ولفضله ذاكرة، وكان جوادا كريما وعمر جبرين وبنى بها حصنا، وانتقل من نزوى إليها، وفي أيامه جاء رجل من أهل الخلاف إلى الصير فامتحن الضعفاء بملاغز وتغابي، وكتب الإمام في شأنه إلى قاضي المسلمين في زمانه ما نصه:
من الفقير إلى الله إمام المسلمين بلعرب بن سلطان بن سيف إلى شيخنا الرضي الفقيه وولينا في الله محمد بن جمعة بن عبدالله بن عبيدان – رحمه الله – وبعد الخير والسلامة وصلت إلينا كتب من عمالنا من الصير يذكرون فيها أن رجلا من مخالفينا جاء إلى الصير من البحرين، وصار له عند مخالفينا شأن عظيم، وصار له مجلس يجتمع فيه مائة رجل فصاعدا من قومنا، وصار متطاولا تيها بذيله على ديننا وفخرا، ويفتي في الأثر نظما ونثرا، ويمتحن أصحابنا بمسائل، وأرسلوا لنا مسألة في بعض امتحانه لهم وطالب جوابها، والمسألة هذه شعرا:
وذي رجل كالزوج دينا ومذهبا *ش* ومات ولم تلحق صداقا ولا إرثا
وليست بذي قتل ولا ذي جراحة *ش* فانعم لنا بالكشف عن هذه الأنثى
فإن أنت لم تستطع رد جوابنا *ش* فعلمك أضحى في الورى ثوبه رثا
فأرسل بها نزوى وما شئت من قرى *ش* فإن تظفروا بالكشف عنها أكن أرثا
فتفضل شيخنا برسم ما يرضي الله ونصر المسلمين، ومرادنا نفي هذا الرجل من أرض عمان إلى آخر ما ذكر، فأجابه الشيخ بما نصه: الجواب إن مثل هذه المسألة يبطل صداق المرأة وميراثها من الزوج الميت من وجوه شتى، مثال ذلك إذا تزوجت بزوج آخر عمدا ومعها زوج ولم يطلقها ولم يمت عنها ثم مات الزوج الثاني والزوج الأول، فإن هذه تحرم على الأول والثاني ولا يكون لها ميراث من الزوج الثاني ولا الأول لأنها تصير بمنزلة الزانية، لأنه لا يحل فرج امرأة لزوجين، وكذلك لا يكون لها صداق على الأول ولا الثاني، وكذلك إذا زنت امرأة وهي مع زوج ثم مات عنها زوجها، فقال بعض المسلمين أن ليس لها ميراث ولا صداق من الزوج، وفيه قولان: لها الصداق والميراث وأمثال هذه كثيرة.
قلت ولغز المخالف المذكور يدل على شدة جهلة وسوء طويته من وجوه: أحدها أن اللغز والتغابي ليس من أمر الصالحين وإنما هي حالة المتعنتين، والمتعنت يحرم جوابه لسوء قصده وخبث طويته، وثانيها أن عدم فهم الملغزة لا يدل على قلة العلم، فكم من عالم في كثير من الفنون سليم الصدر قليل الغوائل غافل عما يضمره المتعنتون في سرائرهم ساه عما يقصده علماء السوء من المقاصد الخبيثة وغفلته وسهوه عن الحالين من أحسن أحواله التي يرجى له بها من الله الزلفى، وثالثها تبجحه بملغزته وتعاظمه بتغبيته قبل أن يعرف ما عند غيره في بيانها أو العجز عن كشفها، ورابعها جهله بوضع
العربية فإنه قد وضع الألفاظ في نظمه هذا على غير ما وضعت له فألحن في ذلك وجعل خطاب المذكر للمؤنث وذلك في قوله وذي رجل، وقوله وليست بذي قتل فإن ذي في البيتين بمعنى صاحب وهي بهذا اللفظ لا تطلق إلا على المذكر، يقال ذو مال وذو إبل لصاحب ذلك، فإن أرادوا المؤنث قالوا ذات مال وذات إبل.
فكان على هذا المتعنت أن يقول وذات رجل وليست بذات قتل، ثم إن قوله في آخر أبياته أكن أرثا لا معنى له، فإن أرثى بمن أرشد رثاء، والرثاء أن تذكر الميت بأحسن أفعاله وأنت تدري أنه لا معنى لهذا في هذا الموضع، ولعله أراد أكن رثاثة في العلم منكم إن حللتم لغزي، وهذا المعنى هو الظاهر في سياقه، وعليه فقد ألحن لأن هذا المعنى يقال في إرث بتشديد المثلثة لا إرثا بتخفيفها، وخامسها جهله بأحكام الشريعة وذلك في قوله ولا ذي جراحة فإن الجراحة لا تبطل الصداق ولا الميراث، وفيه من اللحن في إطلاق ذي على المؤنث ما في الذي قبله فظهر جهله وقبح حالقه، وجواب القاضي رحمه الله شامل لملغزته ولغيرها فكأن حاله تقول: إن كنت يا جاهل قد عرفت في هذا وجها واحدا فإنا نعرف في ذلك وجوها كثيرة فذكر الوجوه المتقدمة.
ثم قال بعد ذلك في جوابه للإمام: وأنا إن شاء الله تعالى أكتب شيئا من التغابي في مثل هذا وأنا أكتب المسألة وجوابها، وأنتم أكتبوا المسألة بلا جواب وهاكم المسألة: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة وقت الغداة وهي عليه حرام، ونظر إليها وقت الظهر وهي له حلال، ونظر إليها وقت العصر وهي عليه حرام، ونظر إليها وقت العشاء وهي له حلال، ونظر إليها وقت الضحى وهي عليه حرام، ولما كان وقت الظهر نظر إليها وهي له حلال، ثم نظر إليها وقت العشاء وهي عليه
حرام. وجوابها هذا الرجل نظر إلى أمة قوم وقت الغداة وهي عليه حرام لأنها ليست بملكه. ثم لما كان وقت الظهر اشتراها، ونظر إليها وهي له حلال، ثم لما كان وقت العصر أعتقها فحرمت عليه لأنها ليست له، فلما كان المغرب تزوجها فحلت له، فلما كان العشاء ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان الصبح أعتق عنها رقبة فحلت له، فلما كان الظهر ارتد عن الإسلام فحرمت عليه، فلما كان العشاء أسلم فتاب فحلت له.
(أخرى) في رجل أدخل بيته ضيفا فخرج رب البيت ليطلب لضيفه طعاما وفي وقت خروجه كان قد جامع زوجته حلالا وخرج حين فرغ من جماعه إياها فلما رجع إلى منزله بالطعام، وقبل أن يغتسل من جنابته ليطعم ضيفه فمنعه ضيفه الدخول، وقال لقد تزوجت بزوجتك حلالا بكتاب الله وسنة رسوله، وقد حرمت عليك. وجوابها أن رجلا له امرأة وهي حامل فقال لها إن ولدت أنثى فأنت طالق، فلما ذهب الزوج ليطلب طعاما لضيفه ولدت الزوجة جارية فانطلقت ثم ولدت بعد ذلك غلاما، فحينئذ ملكت نفسها وانقضت عدتها فخطبها الضيف إلى وليها فزوجه إياها وملكها بعقدة النكاح بلا وطء، وأتي الزوج وقد فاته وتزوجت بالتزويج الحلال.
(أخرى) وكذلك رجل حلف بطلاق زوجته إن دخلت عليها أمها، وزوجته حامل قد قرب ميلادها فخرج ليشتري لها شيئا من السوق فدخلت عليها أمها قبل أن تلد بساعة فطلقت منه، ثم ولدت وانقضت عدتها وحلت للأزواج فتزوجت بعد أن وضعت حملها، فجاء زوجها ووجد عندها زوجا ومنعه من الدخول عليها لأنها قد حرمت عليه.
(أخرى) رجل يدعي على امرأة أنها زوجته وأنكرته الزوجة بين يدي الحاكم وأقام الرجل بشاهدي عدل فشهدا أنها زوجته فلما أراد الحاكم أن
يقضي عليها جاء رجل آخر فقال هي زوجتي أنا وأقام شاهدي عدل فأنكرت المرأة التزويج وأقامت شاهدي عدل على أن الرجلين المدعيين لها التزويج أنهما عبدان لها، ما يفعل الحاكم، جوابها أن رجلا كانت له ابنه، وله عبد زوج ابنته بعبده، ثم أن العبد غاب فاشترته زوجته من أبيها فانفسخ النكاح إذ صار الزوج عبدها لما انقضت عدتها زوجها أبوها بعبد له آخر، ثم مات الأب فورثت هي زوجها فصار مملوكا لها، وانفسخ النكاح بالملك فصحت بينة وحكم الحاكم عليهما بالرق فكان القول قولها.
(أخرى) رجل خرج من سفره وهو صحيح سالم وحضر صلاة الظهر وهو في السفر، وطلب الماء فلم يجد الماء فتيمم وصلى ثم نظر قدامه ففسدت عليه صلاته ونظر عن يمينه فحرمت عليه امرأته ثم نظر عن يساره فوجبت عليه الزكاة ثم نظر فوقه فوجب عليه الصيام ثلاثين يوما ووجب عليه الدين ثم نظر خلفه فوجب عليه القتل، وجوابها: أما تيممه فإنه تيمم وقدامه الماء<ح>(1) ثم نظر قدامه فنظر الماء وهو قريب منه وقد فسد تيممه وصلاته ووجب عليه الطهور بالماء والصلاة، وأما نظره عن يمينه فإنه كان قد تزوج امرأة مفقود فنظر عن يمينه فإذا بالمفقود قد جاء، وأما نظره عن يساره فإنه لما نظر رأى مالا له ورثه من سنين ولم يكن أخرج زكاته فوجبت عليه الزكاة وأما نظره إلى خلفه فإنه كان قد قتل رجلا والمقتول له ولد صغير فبلغ الصبي<ح>
(1) لعل الصواب وهو فاقد للماء أو تيمم وقدامه الماء وهو لا يعلم وقوله فإذا بالمفقود قد جاء أي بعد تمام أجل الفقد وتطليق زوجته وتزويجها أي فاختار زوجته إذ لو اختار أقل الصداقين لبقيت الزوجة بعصمت الثاني والله أعلم. أبو إسحاق.

فنظر إليه الرجل وهو يريد قتله بأبيه لأنه قد وجب عليه القتل، وأما نظره إلى فوقه فإنه نظر إلى الهلال فلما رآه حل عليه الدين، ووجب عليه الصيام لأنه شهر رمضان ثلاثون يوما.
(أخرى) خمسة نفر زنوا بامرأة واحدة فوجب على واحد منهم القتل ووجب على الثاني منهم الرجم ووجب على الثالث الحد ووجب على الرابع نصف الحد ولم يجب على الخامس شيء. وجوابها: أما الذي وجب عليه القتل فكانت امرأة ذات محرم منه. وأما الذي وجب عليه الرجم فهو محصن، وأما الذي وجب عليه الحد فهو غير محصن وهو بكر، وأما الذي وجب عليه نصف الحد فهو مملوك، وأما الذي لم يجب عليه شيء فهو صغير غير بالغ.
(أخرى) رجل وامرأته كانا راكبين على جمل فنزلت المرأة فحرمت على زوجها ثم نزل الزوج فحلت له. وجوابها: أنهما كانا يهوديين، فحين نزلت المرأة أسلمت وشهدت شهادة الحق فحرمت على اليهودي ثم نزل هو بالحال، ولما رآها أسلمت فأسلم فحلت له والله أعلم.
وفي زمانه *ر* قدم من المغرب إلى عمان رجل من أهل جربة يقال له الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي الأباضي المغربي، فسر بما رأى من أحوال عمان وظهور العدل فيها وإحياء السنن وإماتة البدع، ولكنه رأى مجالس العلم فيها قليلة فكتب للإمام نصيحة يحثه فيها أن يحث الرعية على طلب العلم وتقويم المجالس وعمارة المدارس قال فيها:
مولانا أصلح الله أحوالك وسدد أقوالك وتقبل منك أفعالك وجعل إلى السعادة مرجعك ومآلك، فأقول أنا العبد الفقير: إني لما من الله تعالى عليّ بالوصول إلى هذه البقعة المباركة رأيت بحمد الله في مسكد وسمائل وفي نزوى وفي هذا المقام الشريف من الأحكام الشرعية والسيرة الأباضية والسنن المحمدية ما انشرح به الصدر وامتلأ
بمشاهدته سرورا ولله الحمد على توفيقه، فتأملت أحوال عمان فوجدتها عجيبة الشأن حسنة الشكل كاملة الأوصاف سوى أن مجالس الذكر ومدارس العلم فيها قليلة، والعلم سيدي كما لا يخفى عليكم يزداد بالاستعمال وينقص بالإهمال، ونقصان العلم ضرر في الدين عظيم، وما كان على النقصان يوشك زواله، وأخبرك يا نعم السيد ببعض أحوال أهل جربة من أهل هذه الدعوة في زماننا هذا مع ضعفهم وقلتهم وسوء حالهم، ومعهم من مدارس العلم ما يزيد على العشرين كل يعلم على قدر علمه، منهم من اقتصر على النحو واللغة وعلم الديانات ومنهم من تبحر في النحو واللغة والصرف والمعاني والبيان والمنطق والتوحيد وأصول الدين والفقه والحساب والفروض الشرعية والعروض الشعرية أعني الأوزان وما يتعلق بها من الزخارف وغيره، وهو من عادتهم يجتمعون في كل يوم الأحد ويوم الثلاثاء على شيخ المشايخ، وهو أبو زيد بن أحمد بن أبي ستة فيقرأون عليه ويلقون في المجالس المشكلات والسؤالات، فيتحرى فيها الصواب ويزيل عنها الالتباس، وهم في هذه الحالة يتأسفون غاية التأسف، على اندراس العلم ونقصانه، ولعلمهم أن المذهب الحقيقي الحنيفي الرستمي يزداد بازدياد العلم وينقص بنقصانه ويذهب بذهابه، وقد كان هذا المذهب بأرض المغرب في زمان الأئمة الرستمية رحمهم الله مسيرة ثلاثة أشهر وأزيد كلها عمارة محشوة بالزهاد والعباد والعلماء لا يحصى عددهم ولا يطاق عتادهم، فلما زالت عنهم الإمامة لأمر أراد الله إبرامه ذهبت الأخيار وبقيت الأشرار، وتهاونوا في العلم والتعليم ومالوا إلى الدنيا، فركبهم الجهل، فطبع على قلوبهم بسبب ذنوبهم، وأتتهم العلماء المخالفون بالحجج الباطلة، فتخيلوا السراب ماء لطموس البصيرة وتمكنت من أزمة قلوبهم، فسلكوا بهم طريقهم الضالة، كما سلك الذود بين قائد
وسائق فارتدوا على أدبارهم والعياذ بالله في أزمنة متقاربة حتى لم يبق منهم إلا من ساقه التوفيق واعتصم بالله واستتر بالعلم، وهو أهل البقاع الثلاثة: بعض أهل نفوسة، وبعض أهل جربة وبنو مصعب ليس إلا سنة الله التي قد خلت من قبل سلكوا بها وتمسكوا.
فإذا كان الأمر هكذا فينبغي للإمام المسلمين أيده الله بالتوفيق وأنار له معالم التحقيق وأن يجعل في كل حصن من حصون مملكته المجلل عدله المزيد فضله معلما يعلم الناس أمر دينهم ويزهدهم في الدنيا الفانية الخسيسة ويرغبهم في الآخرة الباقية النفيسة، ويتيسر هذا إن شاء الله تعالى بالنظر في أحوال من له نظر ومعرفة ولو أدنى معرفة وذوق في العلم إن ظهرت منه أسباب الخير بالنصيحة لنفسه أولا ولعباد الله والشفقة عليهم والرغبة في الدين.
فحينئذ يتوجه الأمر المطاع من إمام المسلمين بأن يتصدى التعليم بالغداة والعشي ولا يحقر ما معه من العلم وإن قل إن كانت نيته خالصة بأن ينمو ويزيد ويفيد يستفيد ببركة العلم وفضله، حيث كان خالصا لله عز وجل لعل غافلا ينتبه أو نائما يتيقظ أو ناسيا يتذكر أو جاهلا يتبصر، وتكون سنة حسنة في الإسلام لمن سنها وأجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهو إمام المسلمين وأعوانه في الدين لا يغير ولا ينقص من أجور المتعلمين شيء.
الله الله ثم الله الله وحاشا لمثلك أن يتغافل ويتهاون في مثل هذا وأنت بتوفيق الله وفضله خليفته في أرضه، والعلم أصول دين الله وفروعه ولوازم العدل المأمور به المفروض أمثاله وشروعه، ولكن لكل شيء سبب ولكل أجل كتاب، وإذا أراد الله إظهار أمر يرضيه في الدين أجراه على يد أحد من خلقه، ممن يختصه لمزيد فضله ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ كظهور العدل وعلو كلمة الحق وذهاب ذوي الشقاق وانطماس
معالم الشرك والنفاق على يد المرحوم الشيخ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي والإمامين الرضيين رحمة الله عليهم أجمعين، وأنت الرضي الثالث بحمد الله، وقد ترى ما ابتلي الناس به من الميل إلى الدنيا والزهد في الآخرة مع شدة افتقارهم إليها.
سيدي ومولاي: أنظر بعين البصيرة والعقل الراجح الثاقب في وصل ما أمر الله به أن يوصل بينه وبين عباده الذين استخلفك عليهم رأفة ورحمة بهم ورجاء لرضوان الله تعالى، ولا تخلوا أرض الله تعالى من قائم فيها بحق وعلم في خلقه في كل وقت من الأوقات وهو الحجة على خلقه، كما قال الله وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ يا نعم السيد ويا جهد المكارم إذا نظرت وتأملت في هذا الأمر العجيب الشأن واطمأنت نفسك إليه وهممت ببذل المجهود في تجديد معاهده وتشييد قواعده حبا لله ورجاء لثوابه، فثوابه أجل وأعظم للمسبب والمتسبب فيه من ثواب المجاهدين والمرابطين والمصلين والصائمين والحاجين والمعتمرين ما خلا الفرائض من ذلك كله وكان كل ذلك فضلا ونفلا فأرني منك علامة تسرني كقول إمام المسلمين: نعم ابتغيت رضوان الله تعالى فإن إحياء هذه الطريقة أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس وغربت، وأحب إلى الله ورسوله وإلى من ناصح نفسه من المسلمين، إذ جميع حطام الدنيا الفانية لا يعتبر في جانب السعادة الأبدية ولا تزن ذرة منه، وكتبته بيدي والله على ما أظهر وأضمر شهيد.
وهذا سر من العبد الغريب إلى المولى الحبيب، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ورضوانه يتسلسل تسلسل أنفاس أهل الجنة، وأما أهل جربة وإن كانوا متمسكين بالعلم جهدهم، فتدبيرهم مختل وعقدهم منحل وأمرهم مشكل لفقدهم الإمام العدل وقرناءه أهل الفضل. انتهى كلام عمر الجربي وهو كلام ناصح ماهر، وقد قيل أن النصيحة إذا خرجت من الجنان وقعت
في الجنان، وإن خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان، فأثرت نصيحته الأثر الجميل، وتلقاها الإمام بالقبول والتبجيل فقام وشمر وحث الرعية على طلب العلم وأمر بالتعليم في ممالكه، وجمع جملة من المتعلمين في الحصن الذي جدد بناءه وهو (جبرين) فقيل أنه كان يخدمهم هنالك بنفسه وكان يعطرهم بنفسه وكان يتحرى لهم الأطعمة المقوية للإفهام والذكاء، فيقال أنه خرج من هذه المدرسة التي في حصن جبرين خمسون عالما أهل اجتهاد وأهل إفتاء الرأي<ح>(1).
وقد أكثر الناس في الثناء على هذا الإمام ورأيت في مدحه ديوانا حافلا محتويا على قصائد طنانه بلغة من فنون البلاغة مبلغا عظيما وعلى هوامشها تنبيهات على أنواع البديع في الأبيات، وقد غاب عني هذا الديوان فلم أره منذ زمان وإنما رأيته أيام الصغر وأحفظ من أوائل بعض قصائده أبياتا يسيره قال بعضهم في أول قصيدة لامية.
لمى بوادي الدوح دور وإطلال *ش* سقتها غواد من ملث وآصال
وهمهم في أرجائها الرعد برهة *ش* إذا ما انقضى وبل تعرض هطال
وقال آخر في أول قصيدة لامية أيضا:
زمّ المطي فعقد الدمع محلول
وقال آخر:
الله أكبر جاء الفتح والظفر *ش* وأشرقت في الدياجي الأنجم الزهر
وأصبحت سبل الإسلام واضحة *ش* أعلامها واستقام السمع والبصر
وغير ما أشرت إليه كثير وكلها مدائح في الإمام، والخلق شهود الله في أرضه فمن أثنوا عليه خيرا كان أهلا للخير ومن أثنوا عليه شرا كان<ح>
(1) قوله الرأي أراد القياس وهذه عبارة الأوائل رحمهم الله.

أهل للشر والله يؤتي فضله من يشاء وحيث كان شاعر ذلك الزمان راشد بن خميس بن جمعة بن أحمد الحبسي النزوي العماني من جملة من تعلم في ظل هذا الإمام وصار من جملة من مدحه وأثنى عليه أحببنا أن نذكر ترجمته هاهنا للإطلاع عليها وأن فاتنا جل تراجم المعاصرين.

ذكر ترجمة الحبسي الشاعر
وهو راشد بن خميس وكان قد ولد بالقرية المسماة "عين بني صارخ" من قرى الظاهرة من عمان في السنة التاسعة والثمانين بعد الألف من الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فرمد وعمى وهو ابن ستة أشهر، ثم انتقل منها وهو ابن سبع سنين، وقد مات أبواه فنزل بقرية يبرين<ح>(1) مسكن الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك بن بلعرب اليعربي العماني، فرباه بها وأحسن إليه غاية الإحسان فتعلم في ظله القرآن والنحو والصرف واللغة وما شاء الله من العلوم المفيدة، وخرج شاعرا مجيدا أريبا حاذقا أديبا، فلما مات هذا الإمام انتقل منها إلى أرض الحزم من ناحية من الرستاق من عمان مسكن أخيه السيد الإمام سيف بن سلطان المالك بعده فأقام بها معه في أجمل حال إلى أن مات، فلما مات ارتحل إلى نزوى عمان، واتخذها وطنا دون الأوطان، وقد أثبت له في هذه المقدمة الشريفة هذه القصيدة الظريفة المخبرة عن أنسابه وملاحب آدابه، ولعله أراد بها استشهادا عما روى عنه للأمجاد عن نسبه وموطنه من البلاد، فإنه قد نبه بها عن نباهته وراقم بها عن وجه درايته بقوله:
وقائل قال ممن أنت قلت له *ش* سلني أخبرك عن أصلي وعن حالي<ح>
(1) اعلم أن يبرين هو نفس جبرين فيما يتبادر من كلام المؤلف رحمه الله وغيره ولا يشكل تسمية الحصن بالقرية والله أعلم. مصححه.

فغافر خال أمي وابن عم أبي *ش* حبس الرضى وبنو جساس أخوالي
وصارم إن سألتم جد عم أبي *ش* فهذه معرفات العم والخالي
والعين مسقط رأسي وهي دارهم *ش* فيها محلى وفيها قدري العالي
وقد رحلت إلى يبرين من بلدي *ش* حتى بلغت إراداتي وآمالي
وقال أيضا:
يا جاهلا هاك خبري إنني رجل *ش* أصون عرضي ولم أبخل بموجودي
وإنني من صناديد جحاجحة *ش* تفوق فضلا على جميع الصناديد
أبي من الأزد والأم الكريمة من *ش* بكر بن وائل خير السادة الصيد
قال كاتب الترجمة وهو سليمان بن بلعرب بن عامر بن عبدالله بن بلعرب بن عبدالله بن بلعرب الذي هو من بني محمد بن سليمان العقري النزوي العماني قد بدأ لي التفات إلى قوله:
أبي من الأزد والأم الكريمة من *ش* بكر بن وائل خير السادة الصيد
فإنما بين الأزد وحبس القبيلة في النسب بون بعيد، فإن بني حبس وبني المسيب تتصل سلسلة نسبهم إلى شهاب بن النويرة
التغلبي الشيباني على صحة عمود النسب وهو جدهم، وشهاب بن النويرة المذكور هو الذي شمر عن ساق الحرب يوم أورى كسرى لبني تغلب نار الطعن والضرب بإجارتهم للخرقاء وامتناعها بهم عنه فكانت عن الاقتراب هي أبعد عنه من العنقاء.
ثم إن الأزد هم أنف اليمن وعينها، والتغلبيون هم روح جسم بني نزار فلم أدر بسبب علة الغضب الذي وقع له هنا بقوله هذا، وعسى أنه غلب عليه نسب الأم إلى حبس، فقيل له الحبسي بسببها، أو حبس اسم رجل من أجداده لا يتصل تسلسله إلى حبس القبيلة، وهذا والأول يبعد الاعتذار به على ما ذكر في قصيدته والله أعلم بالصواب.
قال وأما أنا مما علمته أنه هو بالنسبة بحبس إلى شهاب بن النويرة التغلبي الشيباني ونسبة بني المسيب كذلك تتصل إليه، قال وقد أثبت ترجمته في كتابي الذي سميته (المؤتمن في ذكر مناقب نزار واليمن) ونسبته إلى شهاب بن النويرة على ما اشتهر عندي. ومن المعلوم أن بني حبس لم تك ميولتهم إلى اليمن إلا بالحلف، وقد بقيت إخوتهم بنو المسيب على حالهم لم يميلوا إلى زماننا هذا إلى اليمن بحلف بل هم نزاريون مع الخاصة والعامة بلا خلف، ومن المحال أن يحيل أصل أصلا بالتلفيق فيكون هو وما هو على التحقيق، فإن المحالفة لا تكون إلا بمشاركة الدم بالدم في الطلب والإغاثة، وقد ترث بعلل ولا تدخل على الأصل علة الرثاثة.
قلت: كونه من غير حبس القبيلة المشهورة بعيد، لأنه قد ذكرهم في بعض القصائد وذكر مساكنهم من الروضة والمضيبي، وذكر أنهم قومه، ولعل الرجل لم يعرف أصل نسبه، ورأى عمان قد غلب عليها قبائل الأزد، فظن قومه منهم للاختفاء الأصل عنده،كما يقع لكثير من الناس عند جهلهم بأصولهم، والله أعلم بالواقع. وللحبسي هذا مدائح في الإمام بلعرب، وله فيها رثاء، ولا نذكرهما اختصارا، وكذلك له مدائح في غيره من أئمة اليعاربة من بعد هذا الإمام، وله مدائح في محمد بن ناصر الغافري وفي بعض قضاة الأئمة وولاتهم، وله مدائح نبوية على عدد حروف المعجم صدر بها ديوانه، وقد تكفل ديوانه بذكر جميع ما ذكرنا وفيه من فنون الشعر شيء كثير، ومن كلامه في مدح الإمام بلعرب قوله في قصيدة نونية:
وقائل من ملوك الأرض خائفة *ش* منه وتحمده في السر والعلن
ومن إذا سار في جيش تضيق به *ش* وسع البلاد ووسع السهل والقنن
جيش يبيد العدى في البر يعقبه *ش* جيش يبيد أهيل الشرك في السفن
ومن إذا قال قولا قال أحسنه *ش* أو جاد أخجل جود العارض الهتن
ومن إذا ثار في الهيجاء يفعل في *ش* أعدائه فعلة الجزار في البدن
ومن إذا فاخر الأشراف في ملأ *ش* شاعت مفاخره في الشام واليمن
هذا الكريم الذي تشفيك رؤيته *ش* من كل داء ومن هم ومن حزن
بلعرب نجل سلطان الذي حسنت *ش* أخلاقه وهو رب المنظر الحسن
(لطيفة) ذكرها شارح ديوان الحبسي قال: جن بقرية السر في عمان رجل يسمى راجحا بامرأة عشقها تسمى بشارة بنت سنان، فبهت راجح بجمالها وكان صحيح العقل، فبقي حائرا متبلدا من شدة حبها وحسنها فلم يدركها، فتعلق قلبه بحبها وهام بها حتى لم يذكر سواها، فخرج بسبب ذلك مجنونا تضرب به الأمثال وتكثر في أخباره الأقوال، ومن صفة بعض ذلك أنه صار لا يرى امرأة غريبة في البلد إلا وتبعها وجعل يحوم دونها كالكلب الجائع دون الفريسة لظنه أنها هي، وصار يهذي بها، ويزعم أن الملك برا وبحرا لها، وصار يسأل عنها كل متهكم ومازح ويقول له: هل من خبر عن بشارة يا راجح؟ فيقول لهم نعم، وقد فتحت البلاد الفلاني والحصن الفلاني وقد غارت على العجم والإفرنج وغيرهم وسلبتهم ملكهم فيقولون له: هذا الملك لك أم لها؟ فيقول هو لي لا لها، وإنما هي تأخذه لي بجيوشها العظام وأنا مستريح، فيقولون له مع ذلك: وكيف حال إمام المسلمين وعسكره مع هذه الحال؟ فيقول: هو وزير من وزرائها وأنا الذي عقدت عليه الوزارة لها، وعسكره هم عسكرها، وكان كثير الضحك ولا يطيش كسائر المجانين ولا يأذي أحدا، إنه مشتغل بما هو به من هذه الحادثة، ويدور في سكك البلاد ليلا ونهارا، وكان لا يمر على الشاعر الحبسي إلا ويعاتبه ويسأله الوصول إليه وجمع الشمل بينه وبينها، فيجيبه بما يطيب نفسه من الكلام الحسن اللطيف إلى أن أشار عليه بعض المتهكمين عليه المستهزئين به أن يسأل هذا الشاعر
نظم أبيات فيها فسأله ذلك فأجابه، فنظم فيها هذه الأبيات وقرأها عليه بأحسن الأسجاع، ففرح من ذلك فرحا عظيما حتى كاد أن يطير من شدة الفرح بها، فتعلمها منه وحفظها وصار ينشدها في سكك البلد وأسواقها ليلا ونهارا ويصفق بيديه ويرقص برجليه والأبيات هي هذه من البحر الخفيف:
سمحت لي الدنيا ببنت سنان *ش* ذات قد يميس كالخيزران
ذات فرع وذات وجه منير *ش* وخدود محمرة الأوجان
لم تجد في زماننا من يباهي *ش* هذه الخود في نواحي عمان
سلبت راجحا بطرف كحيل *ش* فهو منه مغير العقل ضان
تركته متيم العقل لكن *ش* صيرت عقله إلى النقصان

ذكر حصن جبرين الذي بناه هذا الإمام
وكان من أعاجيب الزمان، وقد بناه من صلب ماله على ما قيل لأن الأموال قد كثرت في أيامه وأيام والده قبله حتى كادت أن تفيض البيضاء والصفراء من أيدي الناس، وذلك لبركة العدل وفضل الجهاد، ولذلك أقبلت الأئمة إلى تشييد الحصون والمعاقل وإجراء الأنهار وغرس الأشجار وإحياء المواتات ليعيش فيها الناس بأرغد عيش وأتم نعمة، فبنى والده قلعة نزوى وهي الشهباء، وبنى هو حصن يبرين وبنى ابن أخيه حصن حزم والثلاثة من أعاجيب الزمان حتى قيل أن حصن جبرين لا يستطيع أحد أن يصفه بجميع ما فيه ولو فكر فيه شهرا كاملا بإمعان النظر التام، وهو قصر عالي يجري في بطنه نهر جار وله حيطان شاهقة، ومن أعاجيبه أنه لو دخله داخل من غير أهله لم يقدر أن يبلغ أعلاه إلا بدليل من أهله. وكان الشيخ علي بن ناصر الريامي رآه من ظاهره وباطنه، وقال إن نظرت إلى سقفه قلت إنها خير من صنعة جدره
وإن رأيت جدره قلت هاهنا الصنائع العجيبة، قال وفيه من النقوشات والتصاوير ما لا يحصى ولا يوصف.
قلت ولعله أراد بالتصاوير تصاوير الأشجار والجبال والرمال والبلدان والبحور وما لا روح فيه فإن تصوير ذي الروح حرام، لا يأمر به الإمام ولا يرضاه. قال وفيه الأشعار مكتوبة على جدره وعلى الدرج والعرش والغرف والحيطان، قال ومكتوب فيه آيات من القرآن.
قلت: لا ينبغي أن تكتب آيات القرآن على الجدر بل يجب أن ينزه القرآن ويعظم، ولعلهم إنما صنعوا ذلك بقصد التبرك بآيات القرآن، ولا يعجبني أن يكتب القرآن في الجدر ولا في السقوف.
قال ويرى في بطن مشاكية وفي بطن الجدر سفتج أي نفق يدور في الجدار ما دار الحصن. وقال فيه الشيخ المذكور شعرا:
الله أكبر من قصر علا وسما *ش* وحصن عز بيبرين العلا رسما
أكرم به إنه الصرح الذي ثبتت *ش* أصوله وله فرع سما لسما
هو العماد على ذات العماد على *ش* مجدا وفخرا وما أبغى به إرما
تصاغرت عظمة الشهبا لعظمته *ش* فما لها بعد رؤياه ترى عظما
لو كانت الجنة الفردوس يشبهها *ش* شيء لقلنا هو الشبه الذي عظما
لم يخش ساكنه في طول مدته *ش* غير الإله ولا عرب ولا عجما
لو سالم الموت ذا عز ومرتبة *ش* لكان ساكنه منه لقد سلما
وقد بناه الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف، وقد قيل إن بنيانه قام بثلاثة وعشرين كرا، وقيل إنه خزن فيه مثلهن ثلاثة وعشرين كرا، وبقرب الخزين هذه الأبيات:
أتعبت نفسي في عمارة منزلي *ش* زخرفته وجعلته لي مسكنا
حتى وقفت على القبور فقال لي *ش* عقلي ستنقل من هناك إلى هنا
وسألت عن البيتين فقيل لي أنهما كتبا على القبر وعلى غير موضع من القصر وكان الإمام قد قبر في قصره هذا قرب النهر، ولعلهم أكثروا من كتابة البيتين لقصد إخفاء الخزين ونظر بعض المتأخرين في صحة هذا الخبر بأنه لا يصح للمؤمن أن يخفي ماله على وارثه.
قلت: وأيضا ففي خزنه تضييع لزكاته لأن الزكاة في النقدين الذهب والفضة واجبة كل عام إذا لغا النصاب. ويمكن أن يجاب عن النظر الأول بأنه خزنه عدة للحوادث وأنه أخبر به الوارث فامتنعوا عنه من وقت إلى وقت وطالت به الأيام فاختفى على من جاء بعدهم من غير قصد للإخفاء، وعن الثاني بأنه يمكن الخزين من الجواهر التي ليس فيها زكاة، فإن الزكاة في المعدن خاصة بالنقدين.
وذكر الكتاب حلى البحر *ش* ولم يقل فيه زكاة تجري
ثم أحاط بالإمام في قصره هذا أخوه سيف بن سلطان ومات الإمام في سنة أربع ومائة وألف، فصار حصن يبرين عبرة للمعتبرين وقال المحروقي:
كفى عظة للعارفين وعبرة *ش* بما فعلت أيدي الليالي بيبرينا
ثم رجع إليه ولده يعرب وأصلح الحصن والفلج بعد الحرب والتخريب ووقف عليه إصلاحه بأربعين ألفا، وقد خلت تلك الأمم وافترق آل يعرب بعض بخلف بن مبارك بالقصير، وبعضهم بمحمد بن ناصر الغافري، وأخذ محمد حصن يبرين بالعقد في كل شهر بثلاثمائة محمدية ليكون له مأوى وحصنا عن عدوه، فقتل محمد بن ناصر في حلة صحار ودفن فيها وقبض ولده ناصر بن محمد يبرين ثم استأسر آل يعرب ناصر بن محمد عند باب بادي في بلد بهلا، فخلص لهم حصن يبرين ثم أخذه بحاد بن سالم الغافري وقبضه ناصر بن محمد. ثم
أن بلعرب بن حمير بن سلطان وهو ابن أخي الإمام الباني استأسر بحاد بن سالم وسجنه وقتله في حصن نزوى، وكان الحصن لآل يعرب حتى أخذ منهم سنة ستة وثلاثين ومائة وألف بعد الهجرة، ثم رجع إليهم سنة سبعة وخمسين ومائتين وألف وخان لهم عبد لراشد بن حميد الغافري، وبقي الخادم عند آل يعرب ستة أشهر وخدع العسكر وأغلق الباب بنفسه وضربهم بالبندوق ضربا، فاجتمعوا عليه وحصروه، وقتل منهم سبعة رجال، ثم أحرقوا الباب وحملوا عليه، فلما أحس بالهلاك رمى بنار في فيول الباروت فاشتعل القصر كله نارا، فاحترق من احترق فعاد الحصن لآل يعرب، وقال بعضهم شعرا:
مما يدبر ربنا من أمره *ش* سبحانه في أرضه وسمائه
رد الملوك إلى محل قرارهم *ش* مستبشرين بفضله وعطاءه
ثم حرب راشد بن حميد الغافري محمد بن سليمان اليعربي وحاصره في ثلاثة أسابيع، فخرج محمد من الحصن يوم السابع من شهر شعبان سنة تسعة وخمسين ومائتين وألف، ثم حرب راشد بهلا وفيها آل يعرب فأخرجهم منها، وبقيت بهلا وجبرين في أيدي أولاد راشد إلى أن أخذ الإمام عزان بن قيس بهلا وولى عليها الشيخ ماجد بن خميس العبري، ثم أحاط به الغافرية، وفيهم برغش بن حميد ابن راشد الغافري حين نكث أهل عمان على الإمام وأخذوه منه بعد قتل الإمام وبقيت هي ويبرين في أيدي أولاد راشد بن حميد بن ناصر بن محمد بن ناصر الغافري إلى هذه الغاية، وهي آخر سنة ثلاثين ثلاثمائة وألف. هذا ما كان من خبر يبرين وتقلب الأحوال عليه، ولله الملك الدائم.
قال ذو الغبراء – وهو الشيخ خميس بن راشد العبري – في حصن يبرين: إنه يحتاج إلى حكم من أهل العلم لأن أربابه تفرقوا، وقد خلت
أمة بعد أمة. قال وأما أموال يبرين فقد سمعت عن كثير من الناس أنهم لم يأكلوا منها وقالوا إنها حرام. قال وينبغي لمن حرم شيئا أن يأتي فيه بحجة صحيحة، وكل آية لها تفسير: وكل مسألة لها جواب. وقال في كلام قبل هذا: قلت لصاحبي هل عندك صحة في يبرين وما قالوا فيه؟ فقال: أما المال والأموال فالأكثر منه اشتراه الشيخ ناصر بن محمد الغافري وشيء منها آل إليه بالإرث. قال وسمعت هذا من محمد بن عدي بن محمد العبري وسعيد بن سليمان الزرعي. قال وقد رفعا عن الذين يثقون بهم في زمانهم الذي أكبر منهم سنا وأرجح عقلا، وقالوا إن الشيخ ناصر بن محمد أشهدهم وأمرهم بالكتابة بكثير من الأموال في وصيته وطلق نساءه بحضرتهم وأشهدهم بذلك وأمرهم أن يكتبوا الماء والمال الذي آل إليه بالإرث والشراء من آل يعرب من يبرين لبيت المال، فلما مات الشيخ ناصر بن محمد شهد هؤلاء بذلك وقالوا فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ قال والمال الذي خلفه ناصر لم يقسم على ورثته.
قال وأما حصن يبرين فلم يصح فيه بيع ولا هبة من آل يعرب إلى يومنا هذا انتهى كلام ذي الغبراء والله أعلم، ومما يذكر من النظم للإمام بلعرب بن سلطان قوله:
إذا ما دعتك النفس يوما لريبة *ش* فعاص على حال هواها وخالف
لا تتبعها مدة العمر إنما *ش* إتباع الهوى قائد للمتالف
وجانب هواها ما استطعت فإنما *ش* مجانبة الأهواء حرفة عارف
وخف من إله العرش شدة بطشه *ش* لعلك تنجو يوم نشر المصاحف
وقال أيضا:
ولما بلوت الناس لم أر صاحبا *ش* أخا ثقة في النائبات العظائم
وأبصرت فيهم في رخاء وشدة *ش* فلم أر منهم غير كسب الدراهم
فإن كنت ذا يسر فحولك إنهم *ش* مماليك أو عسر كأضغاث حالم
وثقت بمن أحيا العظام رميمة *ش* وأنشأها خلقا لطيف المناسم
وذكر ابن رزيق الشاعر في وجود الإمام بلعرب أخبارا هائلة أعرضنا عن ذكرها للشك في صحتها والله أعلم.

ذكر خروج سيف بن سلطان
على أخيه الإمام وحصاره له بيبرين
قال حميد بن محمد بن رزيق الشاعر التأخر: لن تزل الإمام بلعرب تضرب به الأمثال في العدل والجود حتى وقعت بينه وبين أخيه سيف فتن كثيرة، قال وأصاب كثيرا من فقهاء عمان وأكابرها وأهل الورع والزهد عقوبات من سيف وشد سيف على أخيه بلعرب الحرب فخرج بلعرب من نزوى وقصد ناحية الشمال ثم رجع إلى نزوى فمنعه أهلها دخولها فسار إلى يبرين فحصره أخوه سيف في حصن يبرين.
قال فلما عجز بلعرب عن ملاحمته اجتمع أكابر عمان فعقدوا الإمامة لأخيه سيف، وكثير من أهل عمان دخل في البيعة تقية لأن سيفا عاقبهم على عدم الرضا بإمامته، وخرج فأخذ حصون عمان كافة إلا يبرين فإنه حصره فيها وجعل يضرب الحصن بالمدافع، وكان عند بلعرب رجال مشهورون بالشجاعة فكلما دنى جيش سيف من الحصن خرجوا له وكشفوه فقتل في تلك الحرب من قوم سيف كثير. قال ثم أن أكابر هؤلاء وهؤلاء اتفقوا على الكفاف عن الحرب وقالوا الرأي أن نغمد السيف عن بعضنا بعض فإذا اقتتل سيف وأخوه بلعرب وقتل أحدهما صاحبه صرنا رعية للباقي منهما وتبعا. فإن أبيا المبارزة مكث كل واحد منا في العسكر، فإذا طالت على ذلك المدة رجع كل واحد منا إلى وطنه.
قال فلما بلغ بلعرب خبر القوم توضأ وصلى لله ركعتين، وسأل الله عز وجل أن يميته فما فرغ من دعائه إلا وقد خر على البساط الذي صلى فيه ميتا، قال فعند ذلك خرج بعض خدامه من الحصن فأخبروا أخاه سيفا بوفاته فانهمهم وقال أقتلتموه؟ قاتلكم الله، فحلفوا له أنه قد مات حتف أنفه ثم خرج أصحابه من الحصن كافة، ومضوا إلى أخيه سيف فأخبروه عن أخيه بلعرب كما أخبرته عبيده عن خبر وفاته.
قال فمضى سيف إلى الحصن وغسل أخاه وكفنه وصلى عليه ودفنه قريبا من الحصن كذا قال. والمعروف عند أهل يبرين أن قبره داخل الحصن قرب النهر مكتوب عليه البيتان المتقدمان. قال وخلصت عمان لسيف ولم ينازعه فيها منازع قال وكان كثير من أهل عمان المشهورين بالعلم متمسكين بإمامة بلعرب ويرون أن أخاه سيفا باغ عليه، وقد تقدم أن بلعرب مات في سنة أربع ومائة وألف فتكون مدته في الإمامة ثلاث عشرة سنة ولله الملك الدائم.

باب إما سيف بن سلطان قيد الأرض
وسبب ذلك أنه وقعت بين الإمام بلعرب وبين أخيه سيف بن سلطان ضغائن وانتشت بينهما فتن أثارها سيف على أخيه، وافتتن بها كثير من الناس فخرج الإمام من نزوى وقصد ناحية الشمال ثم رجع إلى نزوى، فمنعه أهل نزوى دخولها فسار إلى يبرين واجتمع أكثر أهل عمان وعقدوا الإمامة لأخيه سيف بن سلطان، قال بعضهم وأحسب أن الأكثر دخلوا في الأمر تقية وأحسب أن بعضا عوقب بتركه الدخول في العقد، وخرج سيف على أخيه وأخذ كافة حصون عمان ولم يبق إلا حسن يبرين فسار إليه وحاصره فوقع بينهم الحرب حتى مات بلعرب في الحصار فطلب أصحابه الأمان ليخرجوا من الحصن فأمنهم سيف فخرجوا من الحصن، قال وأحسب أن بعضا من أهل العلم لم يزالوا متمسكين بإمامة بلعرب حتى مات، ويرون أن سيف بن سلطان باغ على أخيه واستولى على عمان وضبط الممالك وأحسن السيرة وأنصف الرعية وهابته القبائل، وسمي بالإمامة ولقب بقيد الأرض لضبطه الممالك وتقييده البلاد بعدله، ولم يعب عليه من سيرته شيء إلا ما كان منه في أول أمره من خروجه على أخيه الإمام العادل.
وسمعت شيخنا محمد بن مسعود يذكر أنه وجد أن العلماء جلسوا يوما في مجلس يتذاكرون إمامة قيد الأرض فقاموا على أنه صحيح الإمامة، ولعل ذلك كان بعد ثتويبه من خروجه وتجديد العقد عليه بعد موت أخيه وإلا فالعقد الأول غير صحيح
والخروج غير جائز وباب التوبة مفتوح ولم يزل على حسن السيرة وسياسة المملكة وحارب النصارى في جميع الأقطار وعمل لهم مراكب عظيمة في البحر وعظم جيشه وقوى سلطانه حتى قيل أنه اجتمع له في الجيش الذي دخل به الهند ستة وتسعون ألف عنان هذه الفرسان، فما ظنك بغيرهم. وذكر الحبسي في ديوانه جملة ما ملك هذا الإمام من الخيل في قصيدة سماها الخيلية وهي من أجود شعره قال فيها:
إن تسألن عن الخيل التي ملكت *ش* يداه سلني فإني عارف فهم
تسعون ألف حصان من كرائمها *ش* غير الرماك فما في قولنا وهم
فالكمت منهن والشقر الكرام ومنـ *ش* ـها الشهب والبلق والغربيبة الدهم
كريمة عودت أمر الحروب فما *ش* يغبي عليهن إلا النطق والكلم
سنذكر البعض منها في قصيدتنا *ش* يا قوم فاستمعوا للقول تغتنموا
ففي (غزيلان) و(الصناب) مبتدؤ *ش* لنا و(بالكاملين) المدح يختتم
(وفتح خير) (صباح الخير) (جوهرها) *ش* (الميمون) و(الفهد) و(المنصور) جيشهم
(والنجم) و(الباز) و(العفريت) إن لحقت *ش* بـ(لا حق الخير) وافاها سرورهم
وفي (دهام) وفي (صبحان) فائدة *ش* لا عسرة عندها نخشى ولا عدم
و(الحاجز)الجيد المعروف عند (مسا الـ *ش* ـخير) الكريم فتلكم للعدى نقم
ومن (هديبان)أنوار لنا وهدى *ش* وعن (عبيان) أصحاب الضلال عمو
وعند (زائد الخير) في تجارتنا *ش* ربح وأهل (أبي الغارات) قد غنموا
أكرم بها حصنا لو أنها صدمت *ش* رضوى لا ضحى هشيما وهو منهدم
تعدوا فتكبوا الرياح الهوج من خجل *ش* منها فيسكنها الإعياء والسأم
فلو قطعت بها البيداء معتسفا *ش* جرت ولم يعبها سهل ولا علم
ولو أردت بها صيدا لأصبح من *ش* قنيصك الأيلات<ح>(1) الغلب والعصم
ولو أردت تصد الطائرات بها *ش* لكان من صيدك العقبان لا الرخم
ولو تسلطها يوما على أسد الـ *ش* ـشرى لما أحصنتها الغيل والأجم
كادت تكون مع العنقاء طائرة *ش* لو لم تكن بيدي فرسانها اللجم
فكيف تقوى العدا يوما على شهب *ش* بها الشياطين في يوم الوغى رجعوا
لم ينج منهزم منهن ملتجئ *ش* لو أنه برؤوس النيق<ح>(2) معتصم
تستغرق البر والأمطار ساكبة *ش* وتقطع البحر والأمواج تلتطم
ومن طمراتها ألف معودة *ش* للحرب يا شقوة الأعداء لو علموا
منها الغزالة تقفوها الهلالة تتلوها *ش* الجرادة حين القوم تصطدم
وأم رزين لا تهوى العصى ومع *ش* النعاشية الخير لا لو ولا ندم<ح>(3)
وعد أولادها ألف مبينة *ش* من الإناث ومثلها مهورهم
فهذه الشزب الجرد السلاهب في *ش* يوم الحروب بها الأعداء تخترم<ح><ح><ح>
(1) الأيلات: الأوعال.

(2) أي رؤوس الجبال العالية.

(3) هذا البيت لم يظهر له معنى تركناه على اضطرابه فليتأمل.

كادت تعز على من يملكها *ش* لو لم يسخر لناها الواحد الحكم
حمدا وشكرا وتعظيما لنا ولها *ش* كما تنهى بهن السادة البهم
وأخذ من النصارى ممباسة والجزيرة الخضراء وكلوة وبت وغيرهن من البلدان بالزنج ومن البلاد التي بالهند كذا قيل، والصحيح أن ممباسة وكلوة أخذها والده الإمام سلطان بن سيف، وغزا العجم بأرض فارس، وله فيهم وقائع مشهورة وأخبار مذكورة وطالت أيامه وعاشت الرعية في ظل عدله في أرغد عيش وأنعم بال وعمر عمان كثيرا، وأجرى فيها الأنهار وغرس فيها النخل والأشجار، وجمع مالا جما، وملك أماء وعبيدا وقويت عمان به، وصارت خير دار.
قيل: وكان شديد الحرص على جمع المال وذكروا الأفلاج التي حفرها بعمان سبعة عشر فلجا، أفلاج المسفاة من الرستاق، وفلج الحزم، وفلج الصائغي، وفلج الهوب، وأفلاج جعلان التي عند البدو وغيرهن كثير، وغرس في عمان، وفي ناحية بركا من الباطنة من المبسلي ثلاثين ألف نخلة ومن النارجيل ستة آلاف وله غير ذلك أموال في المصنعة من الباطنة لا تحصى وملك من الإماء والعبيد ألفا وسبعمائة، وغرس أشجارا مجلوبة من البحر، مثل الورس، والزعفران، وذباب النحل وملك من السفن أربعة وعشرين مركبا وقيل ثمانية وعشرين فالكيا وأسماؤها: الملك، والفلك، وكعب رأس، والناصري، والوافي، وآخر لم نعرف اسمه، فهذه كانت مراكب كبارا، فالملك فيها ثمانون مدفعا، وبعض المدافع من الولاية طول الواحد ثلاثمائة شبر وعرضه ثلاثة أذرع وعلو المركب سبع قامات دون الدقالة، وأوصافه لا تحصى، وتلك المراكب الفلك أعرض منها.
وأما طوله فربما يكون مثل المذكور، إلا أنه أسخف وأوجز دون ذلك بقليل، وعنده من النقد شيء عظيم، والله يؤتي فضله من يشاء. وتوفي بالرستاق ليلة الجمعة لثلاث ليال خلن من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائة بعد الألف، ودفن بها فوق القرن غربي القلعة، ومدة ملكه تسع عشرة سنة ورثاه محمد بن صالح المنتفقي البصري ساكن الصير بقصيدة لم نظفر بجميعها، وإنما وجدنا منها قطعة لا تخلو من تحريف وهي هذه:
الرب باق والخلائق فانية *ش* كرهت أنفسهم الفنا أو راضية
الله عز وجل يفعل ما يشاء *ش* منه القضايا نافذات ماضية
سبحانه لا جور في أحكامه *ش* بل كلها بالعدل فينا جارية
إن المقدر كائن والصبر من *ش* شأن الموفق إن دهته داهية
وصروف هذا الدهر شتى والفتى *ش* خوف الشماته ما يفوه بخافية
جربت أيامي التي قد عشتها *ش* ورأيت كيف فعالها أياميه
وسمعت من أمم وما فعلت بهم *ش* دنياهم أهل العصور الخالية
كم شتت كم ثبتت كم فتتت *ش* كم بددت جمعا بأبعد ناحية
كم غيبت من أمة كم شيبت *ش* من لمة غاراتها المتمادية
نزلت مصائبها عليّ فشيبت *ش* قلبي ورأسي ما كفاها راسية
كثرت علي فكلما قلت انجلت *ش* جلت مصائبها وزادت ما بيه
هذا اصفرار اللون مني شاهد *ش* مثل احمرار دموع عيني الباكية
أمسى بها متجاهلا وأنا عليم *ش* أنها أم العقوق الجافية
ما أضحكتني بعض يوم غلطة *ش* إلا وأبكتني بقية عاميه
ما ضرها لو سالمتني دائما *ش* فخرجت منها لا علي ولا ليه
إن أثبتت خلدي عزائم همتي *ش* فهموم قلبي للمسرة نافية
لكن مرد أمورنا لإلهنا *ش* إن لانت الأيام أو هي قاسية
لولا الرضا بقضاء مولانا لما *ش* نهضت قوائمنا وسارت ماشية
ولما طعمنا غمض جفن ليلة *ش* ولما أسغنا لقمة في عافية
بعد انهدام الركن ركن الدين قر *ش* ن المسلمين مهين من هو طاغية
من أكمد الحساد لما ساد وانـ *ش* ـسد الفساد وقاد روسا عاتية
نور الرعية سورها سمسورها *ش* وسرورها وأبو الجنود النامية
مخدومنا سيف بن سلطان الإمام *ش* اليعربي بن الجدود السامية
ذاك الهصور الشهم فراس العدى *ش* ذاك الجسور على الأمور العالية
فتحت على يده فتوح لا تسل *ش* قد عظمها<ح>(1) وقد أعجزت لحسابية
فسل النصارى ما رأوا في برهم *ش* والبحر من تلك الجيوش الغاسية
كم أحرقوا كم أغرقوا من مرة *ش* كم ذوقوا ضربا يهد الناصية
كم مزقوا بددا فشبههم على *ش* ضأن غشت فيها سباع ضارية
ما بالكم أولاد الأصفر صفرت *ش* جمر الوطيس وجوهكم يا صابية
ثم انقلبتم خاسئين ومسكم *ش* نفخ الوبا فبطونكم كالخابية
وانشد مراكبه التي صدمت مرا *ش* كبهم واهدتها بنادق حامية
الملك ثم الفلك ثم الناصري *ش* مع كعب راس كالجبال الراسية<ح>
(1) قوله قد عظمها، أي قدر عظمها، لغة لبعض العرب من عمان.

كم خرقت كم غرقت كم حرقت *ش* من برشة حربية أو باغية
كم غادرت جثث الكلاب مجافة *ش* أو جيفة في البحر تذهب طافية
*الفرس سلهم حين فروا بعدما *ش* نظروا فوارسهم أتتهم عانية
فزعوا من الأبطال والأهوال فانـ *ش* ـقلبت وجوههم السمينة ذاوية
لم لا تلاقوا يا محلقة اللحى *ش* يا رفضة الرفض الخسيس الخاسية
أين التبختر كالعروس ومشيكم *ش* مشي المطيطا في بلاد خالية
لو لم يفر الفرس كانوا فرسوا *ش* لكنهم بصروه نارا وارية
آها عليها سطوة آها عليـ *ش* ـها ما قوة تركت قواهم واهية
آها على تلك الرياسة والسيا *ش* سة والفراسة والخصال الزاكية
حزني عليه مؤلم وملازم *ش* بل مسقم ومهدم أركانية
ومجنب عيني المنام ومتعب *ش* قلبي المحب وملهب أحشائيه
والمسلمون كبيرهم وصغيرهم *ش* في ذي المصيبة كلهم شركائية
فلهم ولي حسن العزا في فقده *ش* ولولده وأخيه ثم الحاشية
الله يجزيهم ويعظم أجرهم *ش* وينيلهم صبر القلوب الراضية
المطمئنة تحت أحكام القضا *ش* المستجنة بالتقى النورانية
في الليلة الغرا وثالث شهرنا *ش* رمضان غابت شمسه المتلألئة
ومن السنين ثلاث مع عشرين من *ش* بعد انقضاء الألف يعفوها مائة
طوت الإمام يد الحمام فأرخوا *ش* من هجرة نبوية إسلامية
لكنه ما مات من ترك الورى *ش* أفواههم تثني عليه فاغية
يطرون منه سيرة محمودة *ش* بالخير سارت والمنافع وافيه
ومفاخرا ومآثرا مشهورة *ش* ومنابرا تثني عليه علانية
لو لم يخلف قط من بركاته *ش* إلا ابنه شمس الزمان الصاحية
الشيخ سلطان الإمام بن الإما *ش* م بن الإمام أئمة متوالية
يكفي وسد مسده وأتى بما *ش* فيه المزيد من الأمور الماضية
فاقرأ كلام الله ما ننسخ وزد *ش* من آية أو ننسها يا قارئة
يظهر لك المرجو من بر كريـ *ش* ـم إن عرفت سباقه ومعانيه
والله يرزق من يشاء بلا حسا *ش* ب والحسود بغيظه في شاوية
أما النجابة والمهابة فهي في *ش* ذاك الجبين تبين لا متوارية
والسعد والتأييد أمر ظاهر *ش* والجود إن تسأل بحور طامية
ملك يفوق جلاله وكماله *ش* وصف المقال فما يبد لسانيه
ورث السياسة كابرا عن كابر *ش* حقا بحكم الأصل لا كالعارية
وإذا مدحت فحيعلن بمدحه *ش* في كل رائحة نروح وغادية
هذا آخر ما وقفت عليه من هذه القصيدة الجيدة المباني البليغة المعاني، وبما وجدناه منها كفاية، لأن الغرض حاصل به وزيادة ولله البقاء. وكان في زمانه في سنة تسع ومائة وألف وقعت بنزوى قضية غريبة عجيبة، اعتنى بتاريخها بعض أهل ذلك العصر فنظم فيها بائية أحببنا إيرادها كما هي، لأنها وافية بالمقصود، وهي هذه كما ترى:
لقد ظهرت أعجوبة في زماننا *ش* بقرية نزوى وهي أم العجائب
ألا فكروا في أمرها فهي عبرة *ش* لمن كان يرجو ربه في العواقب
فتاة أناس بنت ست توفيت *ش* وقد قبروها في قبور الأصاحب
وقال حليم منهم قبل دفنها *ش* حياة بها ما صدقوا قول كاثب<ح>(1)<ح>
(1) أي قريب.

ولو صدقوا هذا فكيف احتيالهم *ش* وما قولهم في حادثات النوائب
وأني لهم من حيلة غير دفنها *ش* ولو طلبوا في ردها ألف صاحب
وقد جهزوها في ثياب كثيرة *ش* من الخز والإبريسم المتناسب
ولكنهم من بعد ظنوا بأنها *ش* أصيبت بسحر قول أهل التجارب
فساروا لحفر القبر بعد دفنها *ش* فما وجدوها فيه يا ذا المآرب
فبعد سنين قد مضت وتكاملت *ش* حساب تولى عده غير كاذب
رآها فتى ترعى شياها وعندها *ش* فتاة من الأعراب عنها بجانب
تعرّف منها حين لاحت بأنها *ش* سلالة أشياخ أكرام المناصب
تقرب منها ثم أمعن طرفه *ش* فما شك أن الشخص عين المطالب
فقال لها من أنت قالت فلانة *ش* فتاة فلان من كرام أطائب
فأيقن حقا أنها بنت ماجد *ش* سليل سليمان حليف المواهب
وجد أبيه ماجد بن ربيعة *ش* فتى أحمد أهل الندى والرغائب
وذاك بنزوى وهي من آل كندة *ش* وقد صح هذا الأمر مع كل كاتب
وجاءوا بها طوع القياد وأحسنوا *ش* إليها وحلت من أجل المراتب
وما عرفوها من أبيها وأمها *ش* وقد جعلوها بين ستر وحاجب
وقد أجلسوا أما لها بين نسوة *ش* حسان كرام نيرات كواعب
ليختبروا عرفانها باختبارهم *ش* ودار بجنيها جميع الأقارب
وقالوا لها سيري إلى أمك التي *ش* تربيتِ في حجر لها لا تجاني
فسارت إليها ثم ألقت جرانها *ش* على حجرها والرأس فوق الترائب
ومالت وقالت أنت أمي وسلوتي *ش* وذاك أبي دون الرجال بجانب
فقالوا لأم البنت هاتي علامة *ش* تبين بيانا شافيا غير كاذب
فقالت لهم في ظهر بنتي علامة *ش* فجاءت بأمر لازم غير عازب
وقد صح هذا الأمر مع كل حاكم *ش* ليعلم منهم حاضر كل غائب
وجاءتهم من آوات البنت خيفة *ش* من الحبس أو ترمي بشر المعاطب
وجاءت باد تدعي أنها ابنتي *ش* من البدو حمقى وهي أم الكواذب
وقد وقعت منهم ومنها خصومة *ش* بقلعة نزوى جادها كل ساكن
فقيل لها هاتي أباها تحيرت *ش* وباءت بخسران بصفقة خائب
فهذا ونجم الجاهلية غارب *ش* ونجم المعالي طالع غير غارب
فهذا اختصار من عجائب جمة *ش* ولست بمحص عد تلك العجائب
وقد سألوها كيف حالك عندما *ش* وضعت بقبر تحت لحد مجانب
فقالت لهم ما راعني قط رائع *ش* وما خلت مكروها بتلك المصائب
ولكن أتاني واحد ثم سلني *ش* من القبر واستل الثياب جوانبي
وغادرني عريانة وسط بلقع *ش* وحيدة شخص بين تلك السباسب
وعاينته حقا يمص أصابعي *ش* وكف يدي اليسرى فويق ترائبي
وسار وخلاني وبت وحيدة *ش* بقلب حزين واجب أي واجب
إلى أن بدا ضوء النهار فمر بي *ش* قبيل من الأعراب غير أقاربي
لبثت سنينا عندهم في ربوعهم *ش* وقد حجبوني عن قريب وصاحب
وقد جعلوني بعد راعية لهم *ش* أنا وفتاة منهم غير كاعب
فرحنا بأغنام أنا وفتاتهم *ش* إلى جلبة الوادي لرعي الجوانب
فأشرفت من ضوت<ح>(1) إلى أم ووالدي *ش* وناديتها يا أم رقي لآيب
فما سمعت صوتي ولا مال قلبها *ش* لصوت حزين غائب غير غائب<ح>
(1) ضوت: نهر نزوى.

فهذا وكم أبدى لكم من عجائب *ش* تخر لأدناها رؤوس الشناخب
وإذ نحن في بعض النهار بخادم *ش* رآنا بعيدا وهو غير مقارب
فلما دنى مني رماني بطرفه *ش* وناشدني أخبرته بالمذاهب
فسار إلى أهلي وأخبرهم بما *ش* رأى من أمور معجبات غرائب
فجاؤا فزفوني إلى خير منزل *ش* وأعلى محل من محل الثواقب
وفي سمد وسط السويق محلنا *ش* بنزوى محل الصافنات السلاهب
وقد وصفت هذه أباها وأمها *ش* وجاءت بالإيضاع العلي والمناسب
وقد حققت أوصاف بيت ومسكن *ش* وأوصاف أجداد لهم وأقارب
وعاشت زمانا في السويق بنعمة *ش* ولذة عيش في أجل الرغائب
فهذا عجاب ما جرى مثلها وما *ش* سمعنا به في شرقها والمغارب
وعندي هو الحق المبين بأنه *ش* هو السحر حقا لا تشكوا أصاحبي
وقد صح عندي يركبون خوامعا *ش* ويخرج كل منهم في السباسب
لهم زجل في سعيهم وغماغم *ش* ويرمون من عاداهم بالمصائب
وحدثني منهم فتى غير كاذب *ش* ببهلى صديق لا يزال مصاحبي
وقال الخبير السحر سحران عندنا *ش* فسحر لذي ظلم وسحر الملاعب
ذووا الظالم منهم يذبحون قريبهم *ش* ويأكل كل لحمه لا تعاقب
فهذا خذوا عني وعن كل عالم *ش* خبير بأسباب الورى ذي غرائب
وذلك في عصر الإمام ولينا *ش* هو العدل (سيف) ذو العلا والمواهب
سلالة سلطان بن سيف بن مالك *ش* إمام الهدى مقتي العدى بالقواضب
لتسع وألف بعدها مائة خلت *ش* حسابا تولى رقمه كل كاتب
وصلى إلهي ما بدا بارق على *ش* شفيع البرايا خير ماش وراكب<ح>(1)

وهذا كتاب من النصارى للإمام سيف بن سلطان اليعربي: الحمد لله فاطر السماوات والأرض أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اعلم بأننا جنود الله مخلوقون من سخطه مسلطون على من يحل عليه غضبه لا نرق لشاكي ولا نرحم عبرة باكي قد نزع الله الرحمة من قلوبنا، فالويل كل الويل لمن لا يمتثل لأمرنا قد خربنا البلاد وأهلكنا العباد وأظهرنا في الأرض الفساد، فإن أعجبكم شرطنا كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم أبيتم وعلى بغيكم تماديتم فالحصون منا لا تمنع والعساكر لدينا لا ترد ولا تدفع لأنكم أكلتم الحرام وضيعتم الجمع فأبشروا بالذل والجزع، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تعملون فإن أعجبكم كلامنا إننا كفرة وقد صار عندنا أنكم فجرة قلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال، كثيركم عندنا قليل وعزيزكم عندنا ذليل وقد ملكنا الأرض شرقا وغربا وأخذنا منها كل سفينة غصبا، قد أرسلنا إليكم هذا الكتاب فأسرعوا برد الجواب قبل أن ينكشف الغطاء ولم تبق لكم باقية وينادى عليكم بالفناء هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، وقد أنصفناكم وأرسلنا عليكم جواهر الكلام والسلام.
هذا جواب الإمام لهم قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قد حصل الوقوف على هذه الكتبة الشاهرة لقولكم قد نزع الله الرحمة من قلوبكم فهذا من أقبح عيوبكم وأشد وأشنع وبغيتم وذكرتم أنكم كافرون<ح>
(1) وفي نسخة: وصلي على خير الأنام محمد إله البرايا يا خير ماش وراكب.

ألا لعنة الله على الكافرين، من تعلق بالأصول فلا يبالي بالفروع نحن المؤمنون حقا لا يصدنا عنكم عيب ولا يدخلنا شك ولا ريب، والقرآن علينا قد نزل فهو رحيم بنا لا يزل وخيولنا برية بحرية وهممنا سامية علية إن قتلناكم فنعم البضاعة وإن قتلتمونا فبيننا وبين الجنة ساعة وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وقولكم قلوبكم كالجبال وعددكم كالرمال، الجزار لا يبالي لكثرة الغنم الكثيرة وأن الله مع الصابرين فنحن بالمنع عالية أمنية إن عشنا عشنا سعداء، وإن متنا متنا شهداء، ألا أن حزب الله هم الغالبون، لقد جئتم شيئا إذا تكاد السماوات ينفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، فقل لصاحبك إذا رصع وشيد مقالته حصل الوقوف على هذا الكتاب كصرير باب وطنين ذباب: سنكتب ما قالوا ونمد لهم من العذاب مدا، وما عندنا بعد ذلك إلا الخيل تمطر بالويل والنار مظهرة العار، والسيوف مسقية بالحتوف والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى واختار الآخرة على الأولى، والصلاة والسلام على خير الأنام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

باب إمامة سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف
ابن مالك بن أبي العرب اليعربي
بويع له بعد موت أبيه وذلك في شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف، وكتب العلامة الصبحي لبعض إخوانه أن سيف بن سلطان صح معنا موته ثم صح معنا تقديم المسلمين ابنه سلطان إماما لكافة المسلمين تلقفت صحة ذلك من الفقيه ناصر بن خميس وخلف بن سنان رحمهما الله، وأيضا من الشيخ ناصر بن سليمان بن مداد وسليمان بن محمد بن ربيعة المربوعي، وقد ولاه على أهل نزوى، وقد أرسل إلينا، وجميع الإخوان الفقيه عدي بن سليمان كتابا فيه ذكر العقدة ومن حضرها، وكان المتولي للعقد عدي هذا وخلف بن محمد بن خميس وسليمان المذكور وكلهم ثقات فقهاء في هذا الزمان فيما قيل، والوالي سعيد ابن علي وأناس من أهل الغشب مسمون وغير مسمين، وكذا أهل الرستاق مع كثير من المشايخ اليعاربة، قال: وبلغني أنهم استتابوه. قال وفي هذا الكتاب الذي أرسل إلينا أن المسلمين رضوا به وأذعنوا له بالسمع والطاعة على شروط شرطوها وعهود أخذوها منه أن لا يقدم على أمر قليل ولا جليل إلا برأي المسلمين مع أشياء يطون بها هذا الكتاب.
وقال العبد الفقير سعيد بن بشير الصبحي قد ألزمت نفسي ولاية هذا الإمام وطاعته مع ما صح معي، وصحت عقدته على يد المسلمين وهو سلطان بن سيف ابن سلطان. قال وعندي والله أعلم أن إمامته في ظاهر الأمر أوجب من إمامة أبيه لأن المسلمين دخلوها وحكم التقية
زال عنهم فيما بلغني، قال وعندي أن طاعته لازمة جميع الرعية وولايته لازمة جميع من صح معه صحة إمامته كان من رعيته أو من غيرها، وقد قيل لي في حصن المسلمين بنزوى بحضرة المشايخ، منهم ناصر بن خميس وناصر بن سليمان وسليمان بن محمد ودرويش وغيرهم من المسلمين ما تقول في هذا الأمر؟ فكان جوابي أني قد ألزمت نفسي ولايته وطاعته ودعوت إليهما من أجابني، وقد افترقنا على أمر واضح نهار سابع وعشية تاسع وبكرة اثني عشر من شهر رمضان، يعني أنه حصل لهم النظر في هذا الأمر ثلاثة مجالس في الثلاثة الأوقات.
قال وقد افترقنا على أمر صحيح في هذه المجالس، وقد اتفقنا على إمامته بلا كراهية ولا تقية من الجميع.
قال وهذا يقتضي جواز الدخول وتنفيذ الأحكام مع الأخذ والعطا، وجميع أمور المسلمين بعد التحديد منه، وقبله فيه اختلاف لمن جاز له الدخول قبل. وكتب هذا سالم بن عبدالله من إملاء الشيخ سعيد بن بشير الصبحي.
ثم إن الإمام سلطان قام واستقام وجاهد الأعداء في البر والبحر وحارب العجم في مواضع شتى وأخرجهم من بلدانهم ودمرهم في أوطانهم، وأخذ البحرين والقسم ولاك وهرمز وبنى حصن الحزم بالجص والحجر، وانتقل من الرستاق إليه، وأنفق في بنائه مما ورثه من المال من أبيه، واقترض كثيرا من أموال المساجد والوقوفات ألوفا ولكوكا، ووجدت أن جملة ما اقترض من أموال الأوقاف خمسمائة فراسلة فضة، ودانت له الأمور، وسالمته الممالك وأطاعته الرعية، ولم تتحرك عليه حركة من عمان ولا غيرها، وعمر البلاد، وذكر الحبسي في قصيدة من قصائده وقائعه بالعجم، وفتح البحرين ورثا من قتل فيها من أمراء الأجناد، وهي هذه:
ألا فانظروا كيف الأعاجم صاروا *ش* عدوا شجرات ما لهن قرار
طغوا وبغوا في الأرض حتى أصابهم *ش* عقاب أليم مهلك وتبار
فحلت بهم من ممالك الأمر نقمة *ش* وسوء عذاب دائم ودمار
وقد ضربت أعناقهم بمناصل *ش* كما خربت دور لهم وديار
فصاروا بها رغم الأنوف كأنهم *ش* سماجح وحش عاقهن عشار
وقد شربوا كأسا من الحتف والردى *ش* فخروا على الأذقان وهي بدار
وجروا على أذقانهم بعدما جروا *ش* بخيل وقد جروا الذيول وجاروا
وقد حملتهم بعدما عاينوا الضبا *ش* مطايا المنايا للبوار فباروا
ليعلم ملك العجم أن جيوشه *ش* إلى الموت قد يسرى بهم ويساروا
فدوخهم بالمشرفية فيلق *ش* عظيم لديه المعظمات صغار
وقد أيموا من بعد ذلك نسوة *ش* عراهن مع سوء الحياة صغار
تباكى عليهن بالنهار وبالدجى *ش* وأدمعها عند البكاء غزار
كأنهم لم يعلموا أن باعنا *ش* طويل وأعمار العداة قصار
دماؤهم هدرا ولكن ضربنا *ش* لأعناقهم يوم النزال جبار
وما ذاك إلا من خساسة طبعهم *ش* يقولون أضغان الرجال قمار
وليلة سعد مزق الليث ثوبها *ش* كأن دجاها بالسيوف نهار
تزاحمت الأبطال فيها كأنما *ش* بها القوم سفن والدماء بحار
ويوم أثار النقع فيه سحائبنا *ش* منم الحرب حمرا حشوهن غبار
كأن يحاميم العجاجة عارض *ش* تلامع فيه كالبروق شفار
فما زالت الهيجاء حتى تفرقوا *ش* ولكن عرتهم ذلة وفرار
وقد صارت البحرين في ملك سيد *ش* كريم زكا فرع له ونجار
سلالة (سيف) نجل سلطان الذي *ش* لنا أمنت سوح به وقفار
هنيئا إمام المسلمين ببلدة *ش* بكم طاب فيها مفخر وفخار
لقد كان فيها للأعاجم غبطة *ش* فزموا مطايا البين منها وساروا
نعم وسقوا من منهل الحتف شربة *ش* بها من عقار الموبقات عقار
فولوكم أدبارهم وتبلدوا *ش* وقد وقفوا دون المحيص وحاروا
وكانوا بها أسدا فلما غزوتهم *ش* غدوا بقرا عونا لهن خوار
رأوا منكم ما لا يرى بخت نصر *ش* وما لا يراه مصدع وقدار
فلم يبق فيها للأعاجم ملجأ *ش* ولم يبق فيها لليهود حمار
ولم يبق إلا من تراه مجدلا *ش* قتيلا ومن بين الرجال يجار
فلم تحمهم من أسيف الأسد قلعة *ش* ولما يصنهم معقل وجدار
وما ضرنا من غير موت كرامنا *ش* لأنهم عدل بها وخيار
كحمير الزاكي ابن سيف بن ماجد *ش* فتى بعده النوم اللذيذ مطار
ونجل عزيز راشد ومبارك *ش* سليل غريب هم هديت ذمار
ولم أنس ذاك الحضرمي محمدا *ش* فموتته للمسلمين خسار
شجاع كفاح لم يقاومه ضيغم *ش* وعضب وغى لم ينب منه غرار
ولكن صبرا فالسنون حوامل *ش* وفيها الليالي ولد وعشار
وللفلك الدوار عظم عجائب *ش* وفي دعرنا للدائرات مدار
ودم يا إمام المسلمين مظفرا *ش* طوال الليالي لا نبت بك دار
وهم أن يجعل عمان كجنتي مأرب، فحال الحمام بينه وبين ما يؤمل، والآجال تقطع الآمال، لكل امرئ ما نوى.
وتوفي بحصن الحزم الذي بناه للعزة والمنعة، فكان من قدر الله أن صار موضعا لوفاته ومحلا لجثته بعد مماته، فدفن به في البرج الغربي النعشي، وهذا الحصن غاية في التشييد، وهو من عجائب الدنيا. ذكر لي بعض الأصحاب أنه ألف في وصفه وفي بنائه كتاب نظما ونثرا، فالنظم قصيدة ميمية والنثر شرحها، ولم أقف على هذا الكتاب.
وكانت وفاة الإمام يوم الأربعاء لخمس ليال خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف. وكانت إمامته سبع سنين وتسعة أشهر، وبموته انتقض الشر في عمان وجرت فيهم العصبية والحمية، وأرادت الرؤساء أن تجعل الدولة ميراثا، خالفت أمر أهل العلم والفضل، ونسوا الحال الذي منّ الله عليهم بسببه، وهو رد الأمر إلى أهله، فمشت العصبية في القلوب على حسب ما يأتي ذكره في الباب الآتي ولله الملك الدائم.

باب إمامة مهنا بن سلطان بن ماجد بن مبارك
ابن بلعب اليعربي
وهو الذي تزوج بنت الإمام سيف أخت الإمام سلطان، بايعوه بعد موت الإمام سلطان في ذلك الشهر بعينه، رأوه أهلا للإمامة لكونه ذا قوة عليها، ولم يكن كثير علم، لكنه يتعلم ويسأل، ولم يقدم على أمر إلا بمشورة العلماء، وسبب بيعته أنه لما مات الإمام سلطان أرادت اليعاربة ورءوس القبائل أن يكون الإمام ولده سيف بن سلطان وكان صبيا لم يراهق، وأراد أهل العلم وبنت الإمام سيف أن تكون الإمامة لمهنا بن سلطان لأهليته، وقال أهل العلم للناس، إن إمامة الصبي لا تجوز على حال، ومن لا يجوز أن يكون إماما في الصلاة فكيف يجوز أن يكون إماما على المسلمين، يتولى أحكامهم ويلي الأمور والدماء والفروج، ولا يجوز أن يقبض ماله، فكيف يجوز أن يقبض مال الله ومال الأيتام والأغياب، ومن لا يملك أمره فكيف يملك أمر غيره؟
فأبت العامة إلا إمامة الصبي، وأعاروا العلماء أذنا صماء، وتجمعوا واجتمعوا بالسلاح، وربما أشهروا سلاحا ووقع بعض الجراح، فخاف العلماء وقوع الفتنة وانتشار الشر، فقال القاضي عدي بن سليمان الذهلي أمامكم سيف بن سلطان – بفتح الهمزة – أي قدامكم، وأراد بذلك تفريق جمعهم وإطفاء الفتنة، فعند ذلك نادت العمة بالإمامة وضربت المدافع إظهارا للأمر وإشهارا للإمامة، وانتشر الخبر الكاذب في البلدان أن الإمام سيف بن سلطان، فلما سكنت الحركات وهدأت الناس أدخلوا الشيخ مهنا الحصن خفية، وعقدوا له الإمامة، فقام بالأمر واستراحت الرعية في زمنه وحط عنهم
القعودات<ح>(1) من مسكد، ولم يجعل بها وكيلا، وربحت الرعية في متجرها، ورخصت الأسعار، وبورك في الثمار، ولم ينكر عليه أحد من العلماء في شيء في سيرته، فلبث على ذلك سنة، ثم خرج عليه يعرب بن بلعرب بن سلطان ولد الإمام المحصور بجبرين، وسبب ذلك أن اليعاربة وأهل الرستاق أضمروا العداوة للإمام مهنا والقاضي عدي بن سليمان ومن معهما من المسلمين بسبب ما وقع عند بيعة مهنا، فلم يزالوا يكاتبون يعرب بن بلعرب ويحرضونه على القيام بأمر سيف والخروج على مهنا حتى خرج على الإمام، فسار مختفيا إلى مسكد، فدخل الكوت الشرقي، ووالي مسكد يومئذ الشيخ مسعود بن محمد الصارمي، فلم يشعر إلا ويعرب قد دخل الكوت، ولعل أهلها لم يخلوا من خيانة.
وكان الإمام خارجا إلى فلج البزيلي من أرض الجو، فبلغه الخبر فرجع إلى الرستاق وقام وشمر وجاهد وما قصر، وطلب من أهل عمان النصرة فخذلوه، ونصب له أهل الرستاق الحرب.
وسأل مهنا النزول من القلعة، وأعطوه الأمان على نفسه وماله ومن معه، ففكر في أمره فرأى أنه مخذول، وليس له ناصر من أهل عمان، فتبين له منهم الخذلان فأجابهم إلى ما أعطوه من الأمان، فنزل من القلعة، فزالت بذلك إمامته فأخذوه وحبسوه هو وخشبوه هو وواحد من عمومته وبعض أصحابه بعدما أمنوهم ثم جاء بعض خدامهم فذبحوهم ظلما وهم في قيد وخشبة.
واستقام الأمر ليعرب بن بلعرب بن سلطان، ولم يكن يدعي الإمامة لنفسه، وإنما يدعيها لسيف بن سلطان الصغير، ويعرب قائم بأمره وشاد لأزره، وسلمت لهما جميع حصون عمان وقبائلها.
وكان هذا في سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، فلبثا على ذلك حولا، ثم نصب يعرب إماما. <ح>
(1) هكذا في النسخة التي بيدنا: ولعله مصحفا من العقودات، فليتأمل.


باب إمامة يعرب بن بلعرب
ابن سلطان بن سيف بن مالك
وكان قد خرج باغيا على الإمام مهنا على حسب ما تقدم فتاب من بغيه، ورد الأمر إلى القاضي عدي بن سليمان الذهلي، فاستتابه من جميع أفعاله ومن بغيه على المسلمين وتعديه على مهنا بن سلطان واغتصابه لدولة المسلمين.
قالوا وكان يعرب مستحلا في خروجه هذا، لأنه يظن أن الإمامة لسيف وأنها قد غصبت منه، فلم ير الشيخ عدي عليه ضمان ما أتلف لشبهة الاستحلال والمستحل لا يلزمه غرم ما أتلف، فقبلوا توبته من غير غرم، وبايعوه سنة أربع وثلاثين ومائة بعد الألف، فاستقام له الأمر وسلمت له حصون عمان، ولبث في الرستاق أياما يسيرة، ثم سار إلى نزوى فدخلها يوم تسعة وعشرين من شعبان من هذه السنة، فلم يرض أهل الرستاق أن يكون يعرب إماما فتعصبوا لسيف بن سلطان الصغير، فكاتبوا يعرب بن ناصر اليعربي، وهو خال سيف بن سلطان وكان بنزوى وكان سيف معه، فما زالوا به حتى خرج من نزوى لست مضن من شوال من هذه السنة، وقصد بلاد سيت فخالف بني هناءة على القيام معه على أن يطلق لهم ما حجر عليهم الإمام ناصر بن مرشد من البناء وحمل السلاح وغير ذلك وأعطاهم عطايا جزيلة فصاحبوه إلى الرستاق، فاستقام الحرب في الرستاق وأخرجوا الوالي منها، وذلك أنهم أحرقوا باب الحصن، فاحترق وجه الحصن جميعا، واحترق ناس كثير من بني هناءة رؤساؤهم ورؤساء بني عدي.
وقيل إن جملة المحترقين مائة وخمسون رجلا، واحترقت كتب كثيرة، مثل بيان الشرع، والمصنف،
وكتاب الاستقامة، ومجلبات الطلسمات قدر أربعين مجلبا، واحترقت كتب كثيرة لم يكن لها نظير بعمان وظهر من هذا الحرق مال عظيم مخزون في والج الجدار، فلما بلغ الإمام ما صنع أهل الرستاق مع الخارجين عليه جهز سرية أمر عليها صالح بن محمد بن خلف السليمي، وأمره بالمسير إلى الرستاق فسار حتى وصل العوابي، فلم تكن لهم القدرة على الحرب فرجعوا.
ثم إن يعرب بن ناصر كتب إلى والي مسكد أن يخلصها لهم، وكان الوالي بها يومئذ حمير بن منير بن سليمان الريامي الأزكوي من أهل حارة الحاء، فخلصها لهم، وخلصت لهم قرية نخل بغير حرب، ثم أخرجوا سرية وعليها مالك ابن سيف بن ماجد اليعربي، فوصل إلى سمائل وافتتحها بغير حرب، وصحبه بنوا رواحة، وجاء إلى ازكي فأخذها بغير حرب، فخرج الوالي منها في شهر القعدة من هذه السنة.
ثم إن الإمام يعرب خرج بمن معه من أهل نزوى وبني ريام والقاضي عدي ابن سليمان الذهلي، ووصل إلى ازكي، وخرج إليه مشايخ ازكي بالضيافة والطعام وقالوا له نحن معك، فمكث يومين يكاتب مالك بن سيف ليخرج من الحصن فلم يخرج، فنصب يعرب له الحرب، فضربه ضربتين بمدفع، ثم وصل عساكر بني هناءة يقدمهم علي بن محمد العنبوري الرستاقي، فتفرقت عساكر يعرب وقتل منهم كثير، ودخلت رصاصة مدفع عند الحرب في فم مدفع يعرب، وكان ذلك من سوء الحظ، وتفرقت عنه جماعته ورجع إلى نزوى.
وأما القاضي عدي بن سليمان فإنه سار إلى نحو الرستاق، فأخذه قوم يعرب ابن ناصر هو وسليمان بن خلفان وغيرهما وصلبوهم، وجاء رجل من أعوان يعرب ابن ناصر فقتل سليمان بن خلفان والقاضي عدي بن سليمان، قتلهما مصلوبين وسحبهما أهل الرستاق،
وذلك يوم الحج الأكبر من هذه السنة.
ثم مضى العنبوري إلى نزوى وجعل يكاتب الإمام وهو في قلعة نزوى، ودخل عليه أناس من أهل نزوى فسألوه الخروج منها لحقن الدماء، فلم يزالوا به حتى أعطاهم ذلك على أن يتركوه في حصن جبرين ولا يتعرضوا له بسوء، فأعطوه العهد على ذلك، وخرج من نزوى فزالت إمامته بذلك، ومضى إلى جبرين، ودخل العنبوري قلعة نزوى وضرب جميع مدافعها، ونادى بالإمامة لسيف بن سلطان فخلصت لهم جميع حصون عمان وسلمت لهم كافة القبائل والبلدان.

باب الأحوال الواقعة بعد تغلب يعرب
ابن ناصر ومن معه على الدولة
وذلك أن يعرب ابن ناصر قام بأمر الدولة في منزلة النائب لسيف بن سلطان الصغير، واستقام له الأمر شهرين إلا ثلاثة أيام ووفدت إليه القبائل ورؤساء البلدان يهنونه بذلك، ثم وقع من يعرب بن ناصر تهدد على بعض القبائل وخاصة بني غافر وأهل بهلى، فقيل إنه لما قدم محمد بن ناصر الغافري في جماعة من قومه وقع عليهم تهدد من يعرب بن ناصر فرجع محمد بن ناصر بمن معه مغضبا وجعل يكاتب يعرب بن بلعرب وهو المخذول آنفا ويكاتب أهل بهلى ليقوموا بالحرب وركب هو قاصدا إلى البدو من الظفرة وبني نعيم وبني قتب وغيرهم.
وأما يعرب بن ناصر فإنه أرسل إلى رؤساء نزوى أن يصلوا إليه فرأوا منه محلا وكرامة وأمرهم بالبيعة لسيف بن سلطان، ثم أنه سرى سرية وأمر عليها أخاه سليمان بن ناصر وأمره بالمسير من جانب وادي سمائل إلى يعرب بن بلعرب ليأتيه به إلى الرستاق وأمر أهل نزوى أن يصحبوا تلك السرية فلم يزالوا يتشفعون برؤساء الرستاق ليعذرهم من ذلك فعذرهم، ومضت السرية حتى وصلت فرقا وباتت فيها فبعث لهم أهل نزوى بطعام وعشاء فبينما هم كذلك إذ سمعوا ضرب المدافع في قلعة نزوى فسألوا ما الخبر فقيل لهم أن يعرب بن بلعرب دخل القلعة فعند ذلك رجعوا إلى ازكي فأشار من أشار على سليمان بن ناصر بقبض حصن ازكي ففعل
ذلك ومكث في ازكي، وكان يعرب بن ناصر قد سرى سرية أخرى إلى يعرب وبعثهم من جانب الظاهرة فلما وصلوا بهلى قبضهم أهل بهلى وقيدوهم بها وبعث سرية أخرى إلى وادي بني غافر فانكسرت ورجعت إلى الرستاق، وأما يعرب فإنه بعث سرية إلى ازكي تسحب مدفعين فلما وصلوا ازكي ركضوا على الحصن وانكسروا وقتل منهم ناس ورجعوا إلى نزوى، ثم سرى سرية ثانية إلى ازكي فأقاموا بالجنى الغربيات يومهم وأصبحوا راجعين من الليل ولم يكن بينهم حرب، ثم سرى سرية ثالثة ووصلوا إلى ازكي ومكثوا بالجنى الغربيات يضربون الحصن بمدفع فمكثوا على ذلك قدر عشرة أيام، ثم وصل مالك بن ناصر من الرستاق إلى ازكي، فخرج هو وأهل الحصن إلى قوم يعرب فانكسر مالك بمن معه فأغارت البدو من قوم يعرب على سدّى وحارة الرحاء من ازكي فنهبوا من طرفيهما وأحرقوا مقام حمير بن منير وكان خارجا من حارة الرحاء، ثم ركض ولاة سرية يعرب على أهل اليمن من ازكي فانكسروا وقتل والي السرية محمد بن سعيد بن زياد البهلوي، وقيل لمالك بن ناصر أن أهل النزار خرجوا مع سرية يعرب حتى ركضوا على اليمن فأرسل إلى مشايخ النزار وقيدهم بالجامع من ازكي، ثم أنه أرسل إلى أهل الشرقية فجاءت منها عساكر كثيرة، وجاء بنوا هنأة بخلق كثير، واجتمع العساكر بإزكي فركضوا على سرية يعرب وأخرجوا الطبول وأناسا قليلا من جانب المنزلية، وخرجت العساكر من جانب العتب يوم الجمعة عند زوال الشمس فكانت بينهم وقعة عظيمة تسمع فيها ضرب التفق كالرعد القاصف وبريق السيف
كالبرق المتراسل، فانكسرت سرية يعرب ووقع فيهم قتل كثير، وقتل من الفريقين قدر ثلاثمائة والله أعلم.
ثم إن مالك بن ناصر ارتفع بمن معه من العساكر وقصد قرية منح، وأغارت شرذمة من قومه على فليج وادي الحجر فقتلوا منه ناسا ونهبوا ما فيه وأحرقوا من زكيت بيوتا، كذلك من المحيول حتى وصلوا منح فنهبوا حجرة معمد وأحرقوا بيوتها، وقتلوا من قتلوا وتفرق أهلها ثم ساروا إلى نزوى ووصلوا إلى مسجد المخاض من فرق فضربوا هنالك معسكرهم وأقاموا محاصرين نزوى وأفسدوا الزرع وأحرقوا سكاكر كثيرة من الحيلي والخضراء وأحرقوا مقامات من فرق وعاثوا في البلاد، ثم خرج إليهم أهل نزوى ومن معهم من عساكر يعرب فوقع بينهم الحرب، ثم رجع كل فريق منهم إلى مكانه وقتل من قتل من الفريقين، وكان الحرب والقتل بينهم كل يوم إلى ما شاء الله، اشتد على أهل نزوى البلاء، ثم وقعت بينهم وقعة عظيمة لم نسمع مثلها إلى ما شاء الله، وكادت تكون الهزيمة على قوم مالك إلا أنهم لم يجدوا سبيلا للهزيمة والهرب إذ قد أحاطت بهم الرجال كحلقة الخاتم بعد ما انهزم منهم أكثر من النصف وبقي من بقى فظنوا أن لا ملجأ من القتل فعزموا عزما قويا وجدوا في القتال.
وأما أهل نزوى فظنوا أنهم غالبون لا محالة فاشتغل أكثرهم بالنهب والسلب واتكل بعضهم على بعض فعطف عليهم القوم بعزم ثابت وجد واجتهاد فولوا منهزمين فكثر فيهم القتل والجراح، واتبعهم القوم يقتلون ويسلبون إلى الموضع المعروف بجنوز الخوصة قريبا من جناة العقر فقتل كثير من أهل نزوى في ذلك اليوم، ورجع قوم مالك إلى معسكرهم ولم تزل الحرب
بينهم قائمة كل يوم، ثم إن مالكا خرج بكافة أصحابه إلا قليلا تركهم في المعسكر حتى وصل قريبا من جناة العقر فأراد أن يحاصرهم في بستان مويخ وينقب جدرها لمرامي التفق فخرج إليهم أهل نزوى، فدارت رحى الحرب بينهم ساعة من النهار، ثم قتل مالك بن ناصر، فانكسر قومه ورجعوا إلى معسكرهم وأقاموا هنالك إلا أن قوتهم ضعفت بموت مالك.
ولم تزل الحرب قائمة بينهم وبين أهل نزوى حتى وصل محمد بن ناصر الغافري بجيش من الغربية بعد حروب كثيرة، وكانت بها وقعات عظيمة منها بوادي الصقل، ومنها بالجو ومنها بضنك ومنها بالغبي، فلما وصل محمد بن ناصر أمر بالركضة عليهم فركضوا عليهم وأحاطوا بهم، ووقع بينهم الحرب والرمي بالتفق من الصبح إلى الليل، فلما أجنهم الليل أمر محمد بن ناصر أن يفسحوا لهم من الجانب الأسفل من الوادي مما يلي فرق، ففسحوا لهم فأصبحوا منهزمين وأصبح منزلهم من الليل خاليا ليس فيه أحدا وتفرقوا، ورجع محمد بن ناصر إلى نزوى، وكان يعرب بن بلعرب مريضا فأقام محمد بن ناصر بنزوى أياما قلائل، وكان الحصار لنزوى قدر شهرين إلا ستة أيام.
ثم إن محمد بن ناصر أمر بالمسير إلى الرستاق، فسار إليها بجيش فدخلها ونزل بفلج الشراة وأراد أصحابه أن يركضوا على البومة التي فيها علي بن محمد العنبوري فنهاهم على الركضة إلى أن ركض العنبوري وأصحابه فأمر محمد بن ناصر قومه فركضوا ووقع بينهم حرب عظيم فقتل العنبوري وقتل من قتل من قومه وانكسر الباقون ورجع محمد بن ناصر إلى فلج الشراة، ودخل في اليوم الثاني إلى فلج المدرى فالتقاه يعرب بن ناصر مذعنا فصالحه على تسليم قلعة الرستاق فأراد يعرب
أن يخدع محمد بن ناصر، وكان محمد فطنا حذرا فأبى أن يدخل إلا أن يدخل جميع القوم، فلما دخل كافة قومه دخل هو ووقع من القوم في البلد السلب والنهب والسبي في الذراري حتى أنها بيعت وجملت إلى غير عمان، وذلك بما كسبت أيديهم جزاء بما كانوا يعملون وبما فعلوا في قاضي المسلمين عدي بن سليمان، وبما فعلوا بإمامهم مهنا وبأفاضل المسلمين، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ومات يعرب بن بلعرب بنزوى ومحمد بن ناصر بالرستاق لثلاث عشر خلت من جمادى الأخرى من سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وكتم أهل نزوى موته خيفة أن يقوى عليهم العدو نحوا من خمسين يوما.
ثم إن محمد بن ناصر أمر بتقييد يعرب بن ناصر بعد ما أمر يعرب بتخليص الحصون التي بيده، ولم تبق إلى مسكد وبركا في أيدي بني هناءة، وفي كوت مسكد جاعد بن مرشد بن عدي اليعربي، واحتالوه حتى أخذوه منه وأوصلوا بلد نخل، وأقام محمد بن ناصر بالرستاق وأشهر أن الإمام سيف بن سلطان هو ومع ذلك كله غير بالغ الحلم وتفرق أهل الرستاق في الجبال والأودية فقيل إنه وجد بكهف من جانب حلاة المهاليل مائة نفس من صبيان ونساء ميتين من العطش خافوا أن يرجعوا إلى الرستاق فيحملهم البدو فيبيعونهم.
وجاءت كتيبة لمحمد بن ناصر بعد أخذ الرستاق بثلاثة أيام قدر ألف ونصف من بني قليب وبني كعب أصحاب تفاق ورماح، ووصل رحمة بن مطر بن رحمة الهولى بقدر خمسة آلاف من بدو وحضر، وفيهم من لا يعرف العربية ولا يعرف صديقا من عدو فكان منهم ما سيأتي ذكره.

باب افتراق أهل عمان بالتعصب الباطل
إلى غافري وهناوي
وسبب ذلك هذه الفتن المذكورة فيما مضى وفيما سيأتي، فإن المتعصبين فيها لمحمد بن ناصر الغافري سموا بالغافرية، والمتعصبين لخلف بن مبارك الهنائي سموا بالهناوية،، وكان خلف بن مبارك المعروف بالقصير من أهل الغشب لم يكن بالرستاق في وقت الحرب، فقهر حصن بركا ومسكد في يده ومعه بنو هناءة، فأرسل محمد بن ناصر علي بن محمد الخروصي واليا لحصن بركا، فقتل ورجع أصحابه إلى الرستاق مع محمد بن ناصر، فأمر محمد بن ناصر الجيش بالمسير إلى بركا، فسار رحمة بن مطر بقومه وحمزة بن حماد القليي بقومه وأحمد بن علي الغافري بالعسكر الذي خرج من عند محمد بن ناصر ومحمد بن عدي بن سليمان الذهلي بالقوم الذين جاء بهم من الصير، ومحمد بن ناصر الحراصي بقومه، فسار هؤلاء كل وال على قومه حتى نزلوا مصنعه.
ثم ورد كتاب من قرع الدرمكي من بني هناة لرحمة بن مطر: إنك لا تصل إلينا فنحن واصلون إليك على معنى التهدد. فلما قرأه وعرف معناه أمر بالسير إلى بركا وقدم عونا من أصحابه، فوجدوا قرعا وأصحابه مقبلين إليهم، فالتقاهم رحمة بمكان يسمى القاسم، فوثب عليهم قضيب الهولي على فرس والقوم على أثره، فقتل منهم عشرة رجال وانكسر أصحاب قرع وخرج قضيب جرحا هينا، وسار رحمة مشرقا بالقوم حتى نزلوا بالخفري
التي هي للجبور حتى يستريحوا ويأكلوا.
ثم إنه بعث عيونا فوجدوا خلف بن مبارك قد طلع بقومه برا وبحرا بجيش لا يعلم عدده إلا الله، وكان عدد القوم الذين هم أصحاب محمد بن ناصر خمسة عشر ألفا من بدو وحضر من سائل القبائل، فالتقوا غربي بركا، فوقعت بينهم صكة عظيمة، وكانت عند أصحاب رحمة مدافع فضربوا الخشب التي في البحر فأغرزت الخشب بحرا، وانكسر خلف بن مبارك وأصحابه وركب ناقته واتبعه أصحاب محمد بن ناصر يقتلون ويأسرون، فلم يجدوا ملجأ من القتل، وكانوا يدخلون البحر ليتخلصوا في المراكب فأغرزت بحرا فلم ينالوها، والقوم تضربهم بالتفق فهلكوا جميعا، وأخذوا سلبهم من سلاح وغيره من جميع ما معهم، فلفظهم البحر، فوجد جميع القتلى ألفا واثني عشر رجلا، ولم يزالوا يتبعوهم حتى دخلوا حصن بركا.
ثم نزل أصحاب محمد بن ناصر الغافري بجانب الجبل من بركا، فحاصروا الحصن فأقاموا أربعة أيام، ثم إن أهل الحصن تخلصوا في المراكب ومضوا إلى مسكد، ولم يبق بهم إلا القليل وليس في البلد أحد، ثم إن أصحاب محمد بن ناصر رجعوا إلى الرستاق ورحمة بن مطر رجع إلى بلده، فأقام محمد بن ناصر بالرستاق وأصابه جدري شديد، حتى خيف عليه منه فعوفي، ثم إنه أمر بالمسير إلى ينقل وجعل في الرستاق محمد بن ناصر الحراصي واليا بالرستاق، وعنده أصحاب بهلى وسنان ابن محمد بن سنان المحذور الغافري قائما بقلعة الرستاق.
وسار محمد بن ناصر وسيف بن سلطان وحمل معه كافة اليعاربة ويعرب بن ناصر مقيدا حتى نزل مقنيات، وكانت إقامته بالرستاق قدر شهرين، فلما نزل بمقنيات أرسل إلى قبائل الظاهرة وعمان يستمدهم
وبني ياس فجاء إليه القوم والتقوا عنده عساكر كثيرة قدر اثني عشر ألفا، وكان نزوله بفلج المناذرة من طرف ينقل، فأرسل إلى أهل البلد يسلموا له الحصن فأبوا ولم يردوا له جوابا وارتفع وقت الصبح يريد الانتقال منها إلى الجانب الأعلى على شريعة فلج المحيدث من البطحاء، فالتقاه بنو علي بمن معهم من أهل ينقل، فوقعت بينهم صكة عظيمة وقتل من بني علي قوم كثير، والمعروف منهم ابن شيخهم سليمان بن سالم ومن أصحاب محمد ابن ناصر سالم بن زياده الغافري وسيف بن ناصر الشكيلي وأحد من الجرحى.
ثم إنه نزل شريعة المحيدث من الجانب الأعلى وأقام يحاصرهم ويضربهم بالتفق والمدافع، فوقعت بينهم صكة عظيمة، فقتل خلق كثير، وقتل من أصحاب محمد ابن ناصر الوالي محمد بن خلف الفيوضي وأحد من بني عمه، ثم إنهم كسروا الماء عن البلد فلم يبق معهم ماء، فعند ذلك صالحوا على تسليم الحصن ووصل الخبر إلى محمد بن ناصر أن سعيد بن جويد دخل السليف مع الصواوفة من بني هناة بقومه، فأمر القوم بالمسير إلى السليف، فلما وصلها أرسل إلى سعيد بن جويد وأهل السليف أن يؤدوا الطاعة فأبوا، وواصل إليه الصواوفة من أهل تنعم مؤدين الطاعة، ثم إنه أمر بالركضة على حصن المراشيد من السليف فركضوا عليه وهدموه على من فيه من نساء ورجال وأولاد.
ثم أن سعيد بن جويد طلب التسيار إلى بلده هو وأصحابه، فسيره محمد بن ناصر وزوده، وبقي بالسليف حصن الصواوفة وحصن المناذرة، فأما المناذرة فإنهم لما رأوا ما أصاب المراشيد صالحوا وأدوا الطاعة لمحمد بن ناصر، فسلموا ولم يصبهم بأس وأقرهم مكانهم.
أما الصواوفة فلم
يؤدوا الطاعة فأقام يقطع نخيلهم والقتل فيهم كل يوم، وفسح للبدوا من أصحابه إلى بني ياس وقبائل الحضر، وكان الحصار فوق شهرين، ثم إنهم صالحوا على هدم حصنهم بأيديهم فهدموه، وكان خلف بن مبارك بالقصير لما رأى محمد بن ناصر مشتغلا بحرب السليف حاصر الرستاق وقتل واليها الغافري المقيم بالقلعة، فخرج محمد بن ناصر الحراصي من حصن الرستاق فدخله خلف وخلصت له الرستاق وكان سباع العنبوري قد أخذ حصن صحار، فلم ير محمد بن ناصر الرجوع عن السليف، فمضى إلى الرستاق وصحار فيقوى عليه العدو.
ثم إن خلف بالقصير سار على حصن الحزم، وكان الوالي فيه عمر بن صالح بن محمد الغافري فحاصروه ورد الفلج عنه، وأرسل إليه خلف أن يخرج من الحصن هو وأصحابه بأمان، فأبى وكتب إلى محمد بن ناصر يخبره الخبر، وأنهم لم يبق معهم ماء إلا بركة قليلة، فسار محمد بن ناصر إلى الحزم بعد ما صالح أهل السليف وهدم حصنهم بجيش عظيم لا يعلم عددهم إلا الله، فلما وصل الحزم ركض على أصحاب خلف، فقتل من قتل منهم وولوا هاربين وتركوا آلة حربهم من دوي ورصاص وطعام، ورجع محمد بن ناصر من الحزم إلى الظاهرة، ولم يمر على الرستاق، لأنه كان قصده بلاد سيت، وحشر من البدو والحضر، واجتمع عنده عسكر كثير، وسار من الظاهرة إلى بلاد سيت، فأرسل إليهم ليؤدوا له الطاعة، فأبوا فحاصرهم وأمر القوم بالهجوم عليهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، ثم ركضوا على العارض، وهي لبني عدي فأخذوها وأخذوا (غمر) وخلصت له بلدان من بني هناة من العلو ولم يبق فيهم أحد منهم، فالذي قتل قتل، والذي طلب التسيار سيره بأمان، وقتل من أصحاب محمد بن ناصر عند الركضة على باب بلاد سيت قدر
عشرة رجال وجرح أناس.
ثم إنه أمر بالمسير إلى نزوى، فسار إليها وأقام بها قدر ستة أشهر بعض الشتاء إلى أن جاء القيض، وأرسل إلى أهل البلاد من أهل منح أن يؤدوا الطاعة فأبوا فجهز لهم جيشا فحاصرهم الجيش وقطعوا نخيلهم من أهل (الفيقين) و (جرعالي) حتى أدوا الطاعة من بعد ما ذهبت أموالهم، وأمر بالمسير إلى الظاهرة ونزل بالغي وأخذ في جمع القوم حتى اجتمع عنده خلق كثير من البدوا والحضر، وأمر على أهل الظاهرة أن يسيروا التمر إلى الحزم، وصحبهم أهل وادي بني غافر ومن ذويهم وسار هو وجميع من عنده يريد بلد العوامر من الشرقية، فالتقوا هم والعوامر وآل وهيبة من بدو وبني هناة، فوقع بينهم حرب عظيم حتى كاد أن تكون الهزيمة على أصحاب محمد بن ناصر، ثم إنهم ثابوا وثبتوا فوقعت الهزيمة على بني هناة وقتل منهم خلق كثير واتبعوهم حتى دخلوا حجرة العاقل، فرجع محمد بن ناصر ومن معه غالبا مظفرا، وكان في صحبته سيف بن سلطان إلى يبرين، ثم إنه وصل إلى الظاهرة ليجمع قوما، فاجتمع عنده خلق كثير، فوصل بهم إلى نزوى، وجمع أهل نزوى وبهلى وازكي وبني ريام وسار بهم إلى سيفم، وأرسل إلى سعيد بن جويد الهناوي ومن معه من أهل العقير والغافات فأبوا فحاصرهم.
ثم خرج سعيد بن جويد ومر على الظاهرة ووصل إلى صحار فجمع قوما من صحار وينقل، لأن ينقل نكثت الصلح، فاجتمع معه خلق كثير، وجاء إلى (عملى) و (ضم) وجمع جملة بني هناة ومن ذويهم من وادي العلا وجميع بلدانهم، فلما وصل فلج العيشي وأراد أن يركض على محمد بن ناصر وأصحابه، وكان مدة غيبة سعيد بن جويد سبعة أيام، ومحمد بن ناصر قد فرق العيون في الأماكن خيفة أن يهجم عليه على غفلة، فأخبرته العيون أن سعيد بن
جويد أقبل في جمع كثير فأمر أن يلتقوهم دون البلاد فالتقوا في صدر الغافات، فوقع بينهم حرب عظيم، وقتل سعيد بن جويد الهناوي، وقت من أصحابه غصن العلوي صاحب ينقل، وجملة من أصحابه وانكسر الباقون.
وأمر محمد بن ناصر بالغزوة في كل بلد ملكها بهلى ونزوى وبلدان الظاهرة لإظهار الناموس، وسحب أصحاب محمد بن ناصر سعيد بن جويد بعد أن قتل إلى حصن الغافات وفيه عياله وأولاده وقومه ينظرون ليؤدوا الطاعة فأبوا فحاصرهم قدر شهرين، وفرغ ما عندهم من الطعام حتى أكلوا ما عندهم من الأنعام والقائد لأصحاب محمد بن ناصر مبارك بن سعيد بن بدر لأن محمد بن ناصر رجع من بعد الصكة إلى يبرين.
ثم إنهم صالحوا بعد ما فرغ ما عندهم وقتل من قتل منهم وذهبت أموالهم، وكان الصلح على هدم الحصن فهدموه بأيديهم ووصلوهم بأمان وبقي حصن العقير محاربا لم يؤدوا الطاعة، وفسح محمد بن ناصر لمبارك بن سعيد بن بدر وجعل مكانه راشد بن سعيد بن راشد الغافري، وأقام محاصرا حصن العقير ومعه أهل بهلى ونزوى وازكي والظاهرة وبنوا غافر وبنوا ريام، وداروا به فلا يخرج منه أحد ولا يدخل حتى فرغ ما عندهم وطلبوا الصلح فصالحهم على هدم الحصن فهدموه بعدما تلفت أموالهم ولم تبق لهم نخلة ولا فلج، وقد أكلوا جميع أنعامهم ومواشيهم فعند ذلك صالحوا فأعطوهم الأمان ووصلوهم ورجع القوم كل إلى بلده.
وأما خلف بن مبارك فجمع قوما ونزل وادي المعاول وانتقل بهم إلى نخل فحاصرها وكان فيها مرشد بن عدي فمكث أربعة أيام، ثم خرج مرشد من الحصن فأحرقوه وهدموا منه ما قدروا عليه، ومع ذلك صالحه
أهل حجرة الجميمي، ثم عقب عليهم من عقب ودخلوا البلد وهرب أهلها إلى سمائل وبعضهم التجأ في حجرة الجناة مع نبي مهلل.
ثم إن الذين بقوا عند بني مهلل أرسلوا إلى أهل نخل أن يجيئوا من جانب الحمام فجاءوا بقوم من حيث لا يدرون بهم آل مهلل فدخلوا عليهم على حين غفلة منهم وقتلوا منهم من قتلوا فخرجوا إلى وادي المعاول حتى أن المعاول نصروهم وزمروا لهم الحرب إلى حجرة الجناة فمكثوا يحاربونهم ثلاثة عشر يوما لا يهدأ ضرب التفق حتى إنهم انهزموا من الحجرة وكثر فيهم القتل وتخيبوا.
ثم إن المعاول قالوا لا نبغى حجرة في الجناة فهدموها، ومكثت نخل مدة من الزمان لم يوجد فيها من الإنس إلى الكلاب والسباع على القتلى، ومن بعد قسموها على بني هناءة ومكثوا فيها إلى أن ملك سيف بنت سلطان بعد ما بلغ الحلم وأقيم إماما فعند ذلك سلموها لأهلها. وذلك أوان تخليج النخل فصاروا يتوسلون بالقاضي ناصر بن سليمان المدادي في نزوى فجاءوا بخط إلى المعاول فسلموها لهم.
وأما محمد بن ناصر فجهز جيشا من البدو والحضر، فقصد به بلدان الحبوس من الشرقية من المضيبي والروضة والتقى بجيش خلف بن مبارك بالقصير والحبوس وغيرهم من بني هناءة بالمضيبي، فوقع بينهم حرب عظيم، وانكسر خلف بن مبارك وتحصن في حجرة المضيبي، فحاصرهم محمد بن ناصر وقطع أموالهم، فطلبوا الصلح والأمان، فآمنهم وأدوا الطاعة، ولم يعلم محمد بن ناصر أن خلف بن مبارك معهم في الحجرة، فجاءه من جاء وأخبره أن خلفا معهم بالحجرة فلم يستحسن أن ينكث عهده وصلحه.
ثم خرج خلف من المصيبي هاربا فاتبعه محمد بن ناصر بجيشه حتى وصلا ابرى ودخل خلف
ابرى ولم يظن أن محمد بن ناصر يتبعه إلى ابرى، فأقام مع الحارث فأرسل إليهم محمد بن ناصر أن يؤدوا الطاعة ويخرجوا خلفا من عندهم فأبوا، فأقام على حربهم كل يوم يقطع نخلهم ويدمر أنهارهم، فظنوا أن ليس لهم قوة على حرب محمد بن ناصر، فأخرجوا خلفا من عندهم خفية، وكان خلف رئيس بني هناءة كافة ومضى إلى مسكد، ثم أنهم صالحوا من بعد خروج خلف وأعطاهم محمد بن ناصر الأمان ورجع عنهم، وأقام بيبرين، وكان أكثر إقامته بها.
ثم إنه سار إلى الظاهرة وجمع منها خلقا كثيرا وغرب بهم، ولم يعلم به من قومه أحد أين يريد، فمر ببلدان بني نعيم وجمع بني ياس وبني نعيم وغيرهم وسار بهم، ومر على نجد الجرى ومر على بلدان بني قليب، فصحبه من صحبه منهم ومضى على خط الباطنة حتى خاف منه أهل صحار، فلم يغشهم ثم شرق فخاف أهل فلج الحواسنة أن يدمر واديهم وأصحابه يأخذون كلما وجدوا من إبل وغنم وفيهم من لا يعرف الصديق من العدو، وعلم به خلف بن مبارك بالقصير فالتقاه عند أفلاج عرعر فوقعت بينهم صكة عظيمة فولى أصحاب خلف هاربين، ودخل خلف في بيت، واتبعه محمد بن ناصر يقومه ولم يعلم أنه في ذلك البيت، وظن خلف أن محمدا تركه بعد القدرة فدخل محمد بن ناصر الرستاق وجعل يدمر من أنهارها ويكاتبهم أن يؤدوا الطاعة فأبوا ودمر فلج الميسر وفلج بو ثعلب والحمام وقط شيئا من النخل، ولم يكن لأهل الرستاق قدرة على الخروج لحربه ومنعه حتى أنهم هموا أن يؤدوا له الطاعة فجاء إلى محمد بن ناصر خبر أن راشد بن سعيد الغافري أخذ حصن مقنيات والوالي فيه مبارك بن سعيد بن بدر، وكان ذلك حسدا منه لمبارك لتقدمه مع محمد بن ناصر فأمر بالنهوض من الرستاق
وتركها بعد ما دمر أنهارها ثم إن علي بن ناصر بن حمد الكلباني مضى إلى راشد بن سعيد وناصحه وخلص له الحصن وضمن له أن لا تصيبه عقوبة من محمد بن ناصر، فقبض على ابن ناصر الحصن إلى أن وصله محمد بن ناصر فترك فيه مباركا واليا وترك معه الحواتم، وسار قاصدا إلى يبرين فمكث فيها ما شاء الله، ثم وصل بمن معه إلى نزوى وبويع له فيها بالإمامة على حسب ما سيأتي.

صباب إمامة محمد بن ناصر بن عامر
بن رمثة بن خميس الغافري
نسبة إلة غافر جد له ووجدت أنه من سامة بن لوى بن غالب وذلك أن محمد ابن ناصر لما كان منه ما ذكرنا من الحروب ووصل إلى نزوى بمن معه أرسل إلى رؤساء القبائل وأهل العلم من غرب عمان وشرقها فاجتمعت إليه جموع كثيرة فطلب منهم أن يبرأ من الإقامة بالحرب وبأمور المسلمين وأن يقيموا من أرادوا مع سيف بن سلطان واعتذر إليهم فلم يعذره القاضي ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد ووالي نزوى عبدالله بن محمد بن بشير بن مداد ومن حضر من المشايخ من رؤساء القبائل، ولم يزالوا في معالجة هذا الأمر وغلقت أبواب حصن نزوى والعقر فلا يدخل فيها أحد ولا يخرج يومهم ذلك وليلتهم حتى قرب الفجر فعقدوا له الإمامة وضربت مدافع قلعة نزوى ونادى المنادي له بالإمامة والعز والأمان لكل قبيلة تريد المواجهة من يمن ونزار من بدو وحضر.
وكان هذا ليلة السبت لسبع ليال خلون من المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة وألف وانظر في مبايعتهم له بعد تلك الأحداث المنكرة والأحوال المهولة وفي كشف الغمة أنهم بايعوه تقية.
قلت ولا يسوغ ذلك لقضاة المسلمين وعلمائهم، غير أن الأمر يحتمل أحد شيئين: إما أن يكون محمد بن ناصر محقا عندهم في حروبه السابقة لأن يعرب بن ناصر وأشياعه كانوا بغاة على المسلمين، وعلى هذا الاحتمال فيقال إن تلك الأحداث إنما كانت من معرة الجيش، ومن أحداث بعض السفهاء كما وقع بعض الأحداث في جيوش أهل العدل وهم لم يرضوا بذلك، ولا صوبوا فاعله، والاحتمال الثاني أن يقال إن تلك البيعة كانت
على سبيل الدفاع حتى تضع الحرب أوزارها، وللمسلمين أن يقدموا في الدفاع إذا غشاهم العدو من لا ولاية له عندهم إذا رأوا صلاحيته لذلك، وإن غيره لا يقوم مقامه، فثبتت إمامته عليهم على الشرط الذي شرطوه عليه، وتجب عليهم طاعته إذا دعاهم لدفع عدوهم على حسب ما بايعوه، وإنما جازت الإمامة ها هنا لمن لا ولاية له لأن الدفع واجب على الكل، فهم إنما قلدوه واجبا عليه رجوا أن يقوم به وأن يكون لهم به الظفر، ولا تزيده هذه الإمامة إن لم يصلح منزلة فوق منزلته إلا وجوب الطاعة في الدفاع، وذلك إن لم يصلح حاله، فإن صلح فلكل درجات مما عملوا، ورب إمام بويع أولا على الدفاع ثم ترقى أمره حتى صار في منزلة الظهور.
وأكثر الأئمة من بعد مهنا بن سلطان إنما بويعوا على الدفاع فيما يظهر من حالهم إذا نظرت إلى فعل المسلمين في أول ظهور أمرهم بعمان، وفي تقديمهم لمحمد بن أبي عفان على ما قيل فيه سهل عليك الأمر واتضح السبيل وبرح الخفا، وعلمت أن الدين سهل يسر.
ثم إن محمد بن ناصر مكث بنزوى حتى صلى الجمعة وارتفع بمن معه إلى يبرين وفسح للقوم وأقام بها قليلا، وبلغه أن مانع بن خميس العزيزي هجم على الغبى وقهر حصنها ونهب سوقها، وأفسد فيها، وأغار مهنا بن عدي اليعربي وعامر بن سليمان ابن بلعرب الريامي وسليمان بن حمير بن علي اليعربي على غالة البركة وأخذوها، فعلم الإمام محمد بن ناصر بهم، فقصد إليهم وأرسل إلى القاضي ناصر بن سليمان والوالي عبدالله بن محمد ليلحقوه بالقوم من نزوى إلى البركة، ولم يغش هو نزوى ولم يكن عنده إلا قليل من عسكره وخدامه، فهجم عليهم وقت الضحى ولم يرد قتالهم وناصحهم على الرجوع، ورد ما أخذوا من الغالة، فأبوا إلا حربه وقتاله، فصنعوا له بومة في مسجد الشريعة الأعلى من البركة وقبضوا الجبل الشرقي، وكسروا فلج البركة، وصنع الإمام محمد بن
ناصر بومة في المسجد الأسفل من شريعة البركة والجبل الأسفل، فكان بينهما ضرب التفق، وقتل رجل من عزابة الركاب من أصحاب محمد بن ناصر، وجرح رجل، ثم أنه أمر أصحابه بالركضة عليهم فولوا منهزمين وأسر منهم ناصر بن بلعرب الريامي وعلي بن صالح صاحب كمة، وكان هذا قبل أن يصله أحد من المدد، وأمر بالتمر أن يحمل إلى يبرين، ورجع هو إلى نزوى وأقام بمساجد الغنتق منها، وكان إرادته حرب أهل تنوف وخرابها ثم أصلح الله شأنهم وواجهوه وأخذ منهم عهودا لا يخونوه، فطابت نفسه عليهم وسار إلى الغبي، فغدف عليهم الحصن ومعه ستة رجال فلم يشعروا به إلا وهو في أعلا الحصن، فخرج مانع العزيزي ومن معه من الحصن هاربين خوفا منه وقتل خادم لمانع بن خميس وأخذ الحصن وجعل فيه واليا ورجع إلى يبرين.
ثم أنه أمر بالحشد على جميع من بطاعته من أهل عمان، فاجتمعت إليه جموع كثيرة فسار بهم من نزوى يريد ضنك ليرجع الوحاشا إلى بلدهم ويبني لهم حصنهم الذي بضنك الذي دمره عليهم حين كانوا في طاعة خلف بن مبارك، فلم يرضوا آل عزيز برجوعهم إلى حصنهم وببنائه، فجمعوا أحدا من البدو ممن يشتمل عليهم وأرادوا حربه ومن معه من الوحاشا، فالتقوا بضنك وأوقع الحرب بينهم ثم انكسروا وتبدد شملهم، فعلموا أن ليس بهم قوة على حربه، وقد مانع بن خميس إلى السنينة مع النعيم، فمضى في طلبه في ناس قليلة من أصحاب الخيل والركاب السيارة، فلم يشعروا به إلا وهو معهم فاسر مانع بن خميس ورجع إلى ضنك، فلما رجع يريد الغبي مر على أفلاج بدو آل عزيز الذين نهبوا سوق الغبي فدمرهن ورجع إلى الغبي وأقام بها ما شاء الله حتى حشد من قبائل الظاهرة من شاء من القوم وقصد يبرين وأقام بها أياما قلائل، وجاء إلى نزوى فنزل بيت المزرع حتى يجمع قوما منها ثم مضى إلى ازكي وأخذ منها قوما، من جميع الشرقية، فخافت منه بنو
رواحة، ثم إنه قصد سمائل، فلم يزل يناصح البكريين وأهل الحيلى وقوم عكاشة، فأما أهل الحيلي وأصحاب عكاشة فصالحوه وأدوا الطاعة، فأرسلهم إلى البكريين ليناصحوهم فلم يقدروا عليهم، فأمر بالركضة عليهم في ليلة شاتية مظلمة مطيرة ذات رعد وبرق، فلم يشعروا به إلا وهو في أعلى السور مع الحارس يقول عمن تحرس؟ فقال مخافة أن يهجم علينا محمد بن ناصر، فقال له: هذا محمد ابن ناصر عندك، فخذل أهل الحجرة وخرج الأكثر منهم بأمان منه، ولم يبق إلا برج وشيء من الغرف فيه بكر وأولاده وبنوا عمه، فكانوا يضربون بالتفق حتى قتلوا عن آخرهم.
وقتل من أصحاب الإمام محمد بن ناصر أربعة: أحدهم بخيت النوبي مملوك له كان قدمه على سائر العبيد، ضرب بتفق، وهدمت الحجرة عن آخرها وسلمت له سمائل زكاة ثلاث سنين، وكان قبل أفسد فيها آل عمير وحازوا جميع أموال الأغياب، فرد كل مال إلى أهله، وقيد أولاد سعيد أمبوا علي وهدم من حجرتهم ثم إنه أمر بالمسير إلى الجبل من الباطنة ليقطع لخلف بن مبارك القصير حين نهوضه من مسكد إلى الرستاق، فكان محمد يصل هو ومملوك له إلى الغبرة ثم علم خلف بن مبارك أن محمد بن ناصر قاطع له فلم يخرج من مسكد، وجعل الحرس على الطرق والأسوار، ولم تكن له قدرة على ملاقاة محمد بن ناصر، وأقام محمد بالحيل قدر نصف شهر وصالحه المعاول، ثم نكثوا ورجع هو إلى سمائل، وذلك أن المعاول وقعت بينهم وبين خلف بن مبارك شرهة وعتاب، وأخذوا عليه حصن بركا، وأرسلوا إلى محمد بن ناصر فهبط، والتقوه المعاول وعاهدوه على أن يخربوا مسقط.
ثم إن محمد ارتفع مغربا، فظنوا أنه يريد حصن بركا، فساروا ونزلوا الحرادى وكان نزول المعاول وسط قوم محمد بن ناصر، فجعلوا خادما لهم يعمل طعاما، وفرشوا فرشهم، وسار كل اثنين منهم إلى نحو الخور ليصلوا المغرب أو العصر حتى خرجوا كلهم متسللين لواذا، فدخلوا حصن بركا ليمنعوه من محمد بن ناصر، وأما
ركابهم فإنهم جعلوا عليها طنافا وقالوا له سر كأنك تسير نحو الفلاة، فما لبث حتى دخل بهن وادي المعاول.
وأما محمد بن ناصر فإنه أرسل إلى المعاول ما خلفوا من متاعهم في عسكره، وارتفع هو إلى سمائل وحمل أهله، ثم سار يريد البدو من عامر بن ربيعة وآل سعلى ومن اشتمل عليهم من سكان الباطنة، فعقر عليهم إبلا كثيرة، وكان راكبا على فرس وبيده كنارة ورمح يضرب يمينا وشمالا يقطع أعناقها ويعرقب أرجلها، ولم يرض لأحد أن يأخذ منها، ووصل إلى فريق من فرقانهم فقتل رجالهم، فصاحت نساؤهم بالأمان يا خلف بن مبارك إنا في طاعتك يظنونه خلفا، فأكثر في قتلهم وهو أمام القوم لم يلحقه إلا أصحاب الخيل والإبل السيارة، وسيف بن سلطان معه لا يفارقه في جميع حروبه وغزواته.
ثم رجع إلى الحزم فأقام بها أياما قليلة ورجع إلى وادي بني غافر فأقام بها أياما وفسح لجميع القوم إلا العسكر والعبيد، ثم قصد الغبى وأقام بها أياما، ثم رجع إلى يبرين، وكان أكثر إقامته بها.
وكانت البدو من عمان قد أفسدوا جميع الطرق ينهبون ويقتلون فلا يقدر أحد يسافر إلى مكان إلا في جماعة كثيرة وخاصة آل وهيبة، ولهم رئيس يسمونه بوخرق فحشدهم بجميع أهلهم وإبلهم وغنمهم، وأرمهم بالنزول حوالي يبرين، وذلك قهر منه لهم حتى ماتت إبلهم وغنمهم وضعف حالهم ولم يقدروا على مخالفته، فلما كانت ليلة أحد عشر من شهر الحج خرج بمن معه من القوم قاصدا آل وهيبة فدمر بلدهم السديرة وقتل من فيها منهم، فكانوا يهربون إلى الرمل من أسافل عمان وخرابها من كل موضع ليس فيه ماء يظنون أنه لا يتوصل إليهم لقلة اهتداء الحضر لتلك الأماكن وقلة دلالتهم بمواردها، فمضى إليهم فقتل ستة وثلاثين رجلا من أكابرهم، واسر خمسة وتسعين رجلا، وقتل إبلهم وأغنامهم، وحمل الأسارى إلى يبرين مربوطين في الحبال وأما بوخرق فإنه قصد مسكد ودخل مع بني هناءة، وقيد محمد بن ناصر الأسارى بيبرين
شهرا، وأرسل بوخرق إلى الإمام أنه لا يضر أحدا ولا يفسد وأمنت الطرق.
ثم أن محمد بن ناصر أمر بالحشد على جميع من أطاعه من عمان من شرقها وغربها فاجتمعت إليه في يبرين جموع عظيمة لا يعلم عددهم إلا الله، وأرسل إلى بني هناءة من بلدان وادي العلى والحيل وضم وعملى، فأطاعته جميع بني هناءة ولم يعصه أحد وسار قاصدا إلى ينقل ونزل في أعلا البلد، وأرسل إليهم ليخلصوا له الحصن، فأبوا وشدوا الحرب، فخرج ذات ليلة رجل من أهل ينقل يقال له عصام فصالح الإمام محمد بن ناصر، إلا أن البلد ليست في يده، فقال له ناصح جماعتك لأجل حقن الدماء فلم يتبعوه وأقاموا بالحرب، وكان بين عصام على السور وله باب صغير، فأدخل محمد بن ناصر ومن معه البلد، فقتل من أهل البلد رجلين، ثم طلبوا الأمان فأمنهم، وقيد أشياخهم وحملوا إلى يبرين وترك فيها واليا وأدت له الطاعة، ومضى قاصدا بمن معه إلى صحار، وقدم ربيعة بن حمد الوحشي ليناصح بني عمه حتى يهبطوا من حصن صحار، فلما وصلهم قال لهم: شدوا الحرب، فلما دخل محمد بن ناصر صحار التقته بنو هناءة فوقع بينهم الحرب وقتل من قتل منهم وجرح ربيعة بن حمد وأخذ أسيرا وانكسرت بنو هناءة ورجعوا إلى الحصن ونزل القوم بالجامع ومحمد بن ناصر في بيت ابن محمود.
وشاور محمد بن ناصر ربيعة بن حمد فقال إن أردت أن تقيم معنا فعليك الأمان وإن أردت تسير إلى أصحابك بالحصن سيرناك بأمان، فأراد المسير إلى الحصن فسيره.
وكان مع محمد بن ناصر اثنتا عشرة فرسا، وكان يجعلها عيونا تطالع المشرق، لأنه بلغه أن خلف بن مبارك جمع بني هناءة من الرستاق ومسكد وأنه نزل بحصن صحم، وكان محمد قد خلصت له جميع صحار ورعاياها، وآمن أهل البلد من جميع الطوائف، فلم يؤخذ على أحد منهم شيء، وكانت عنده البدو من بني ياس والنعيم ومن اشتمل عليهم والحضر، فأصبحت ليلة من الليالي قد خرب زرع دخن
من طوى البلد، فجاء صاحبها إلى الإمام شاكيا، فسأله من خرب زرعك؟ فقال بنو ياس والنعيم والبدو الذين عندك، فقال كم غرامة زرعك؟ فقال خذ مائتي محمدية فأبى، فقال خذ أربعمائة محمدية فأبى، فقال خذ خمسمائة محمدية: فقال لا أرضى إلا أن تنصف لي منهم، فأرسل إلى مشايخهم فحضروا عنده فأمر بهم فصلبوا، وما كانت نصفته إلا الجلد فجلدوهم جميعا وهم يستغيثون بهم فلم يغثهم إلى أن انقضت النصفة فأطلقهم من الحبال.
وكانت هذه حيلة من بني هناءة لينفروا البدو، وكان هذا من محمد بن ناصر عن جهل بالأحكام فإن أمر التعزير والعقوبات راجع إلى نظر الإمام لا إلى صاحب الحق ولا إلى سائر الرعية وإنما لصاحب الزرع غرم زرعه فقط فإن عرض عليه حقه فلم يقبله فلا حق له، وقيل يجبر على قبول حقه وليس له أن يتحكم على الإمام في عقوبة الجاني، ثم إن البدو خرجوا من عند محمد بن ناصر إلى بلدانهم راجعين، فعلم خلف بن مبارك بخروجهم فزحف عليهم بمن معه من القوم وهجموا عليهم بعد طلوع الشمس قليلا، فجاء من جاء إلى محمد بن ناصر أن خلفا وصل بمن معه من بني هناءة، فقيل أنه قال: هذه ساعة ليست لنا ولا لهم إلا ما شاء الله، ثم ركب فرسه وركب أصحاب الخيل معه والتقوا خلفا ومن معه على باب حصن صحار، فوقع بينهم القتل وقتل خلف بن مبارك وهو يتبعهم حتى وصل جدار الحصن فضرب محمد بن ناصر من فوق الحصن ضربة تفق وأخذه أصحابه، ومات وقتل من أصحابه قدر خمسة عشر رجلا ودفن خلف داخل الحصن ودفن محمد بن ناصر في بيت غربي الحصن عند حجرة الشيعة ومكث بعد ما دفن ثلاثة أيام لم يعلم بموته إلا الخاصة، وكاد أصحاب الحصن أن يسلموه، وقيل والله أعلم أن أحدا بعث محمد بن ناصر من قبره ورمى به خارج البلد، وذلك بعد أن رجع كل إلى بلاده فإن صح هذا فلا أبرئ الشيعة منه والله أعلم.

باب إمامة سيف بن سلطان بن سيف بن سلطان
ابن سيف بن مالك
وهو الصبي الذي مات عنه والده صغيرا ومالت إلى تقديمه غوغاء الناس أهل الشقاق من أكابر الرستاق، فكان ذلك سببا للفتنة العظيمة والبلاء الطويل وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ . فكان بسبب اختلافهم ما قصصناه عليك وما سنقصه إن شاء الله والملك لله الواحد القهار. وكان سيف بن سلطان هذا لم يفارق محمد بن ناصر لأن محمدا كان يحمله معه في جميع حروبه ومواقفه سياسة منه وطمعا في انقياد الناس بسببه، فلما قتل محمد ابن ناصر بصحار رجع بنو غافر ومن معهم بسيف بن سلطان إلى نزوى، وذلك حين ما بلغ الحلم فأقامه القاضي ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد إماما للمسلمين يوم الجمعة بعد الزوال في العشر الأوائل من شعبان سنة أربعين ومائة وألف، وإنما قدموه إماما لتقدم ولايته بسبب ولاية أبيه، فإن أباه كان إمام المسلمين، وكانت ولايته على رعيته واجبة وأطفاله تبع له في ذلك حتى يبلغوا ويحدثوا حدثا يخرجهم من الولاية عند المسلمين. وقيل أن البالغ منهم يكون في الوقوف حتى يعلم منه حال يوالى عليه أو يعادى عليه فتمسك القاضي بأول القولين نظرا منه للأمة وطلبا للسداد ومحاولة لجمع الشمل، ولا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه، فإن سيف بن سلطان لبث ما شاء الله، ثم أحدث أحداثا لا يرضاها المسلمون فعزلوه و "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وكان سيف قبل عزله طلب
من الشيخ سعيد بن بشير الصبحي أن يزيده في الفريضة على ما جعل لآبائه، وذلك أن المسلمين قد جعلوا للأئمة فريضة معينة في بيت مال المسلمين حتى نصب محمد بن ناصر فزادوه عليها، ولما قتل ونصب سيف بن سلطان طلب من المشايخ أن يجعلوا له مثل ما جعلوا لمحمد بن ناصر.
وكان الوالي سالم بن راشد البهلوي قد ألح على الشيخ الصبحي في ذلك فقال الصبحي: لا بل فريضة آبائه لأن العاقدين الإمامة لجده الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله لم يألوا جهدا ولم يتركوا اجتهادا ولو جاز لهم ووسعهم فوق الألف الذي جعلوه لما بخلوا عليه من الزيادة ولو لكل يوم ألف ولو جاز لهم ذلك لجاز للإمام قبوله منهم، إذ لا غرم عليهم في أموالهم ولا دخل على الإمام في قبوله منهم، إذ صار العطاء المفروض في بيت مال الله ولو جاز لهم ما اختاروه لجاز للإمام ما فرضوه وأرجوا أنه أخذوا ما فعلوا تأويلا من قول الله عز وجل وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً والقوام العدل بين الأمرين فخذها سيدنا فريضة هنية وهبة برية لا وبية خارجة على الحكم التقية، ولا أعلم أن جدك الإمام سلطان بن سيف ولا جدك سيف ولا عمك بلعرب ولا أباك سلطان طلبوا ولا أخذ (أحد) منهم زيادة على ما مضى عليه إمامهم ناصر ابن مرشد وتلك فريضة كافية ومات عليها الأسلاف ولا أريد لك خلاف ما عليه السلف، فهذا اختياري والجهدة مني ولا خفت في أمرك لومة لائم، بل اخترت لك ما اختاره الله لمثلك من الأئمة، واختار المسلمون لهم ذلك نظرا ومعونة وموافقة لكتاب ربهم. قال سالم بن راشد كيف جعلت فريضة الشيخ محمد بن ناصر أكثر من هذا؟ قال الصبحي أخاف أن يكون وقوعها من باب التقية والحلال أولى في حكم الله وحكم البرية. وكان هذا نهار 21 شعبان
سنة 1133. ثم غير السيرة بعد ذلك وعزلوه، وسار إلى نخل وكان الوالي بها جساس بن عمر بن راشد الحراصي، فأدخلوا بلعرب بن حمير إلى الحصن وسيف بن سلطان بالبطحاء فلم يدروا بدخوله ومنعوا الحصن من سيف، ونهض سيف بن سلطان إلى بطحاء (افى) من وادي المعاول وأرسل خاله سيف بن ناصر (إلى) مسقط فقبضها وأما بلعرب بن حمير فأقاموه بنزوى إماما.

باب إمامة بلعرب بن حمير بن سلطان بن سيف
ابن مالك بن بلعرب اليعربي
بويع له بنزوى بعد عزل سيف بن سلطان في سنة خمس وأربعين ومائة وألف وتبعته فرقة من عمان وخلصت له سمائل وازكي وبهلى ونزوى ونخل والشرقية وحصون الظاهرة، وأما حصون الباطنة ومسكد والرستاق فإنها في يد سيف بن سلطان، ثم جهز الإمام بلعرب جيشا إلى وادي بني رواحة، وبعث سيف بن سلطان أخاه بلعرب بن سلطان ومن معه من القوم نصرة لبني رواحة، فوقع بينهم الحرب وانكسر بلعرب بن سلطان وقومه، وانهزم أكثرهم وبقيتهم تحصنوا في حجرة وبال، فحاصرهم الإمام أياما يقطع نخيلهم إلى أن أدوا له الطاعة، وفسح للقوم وأمنهم وارتفع عنهم بعدما هدم بروجهم ثم سار إلى بلاد سيت فحاصرها أياما وافتتحها وهدم بنيانها وقطع نخيلها ودمر أنهارها، ثم سار إلى حصن يبرين وكان به بنو هناءة تركهم فيه سيف بن سلطان، فحاصرهم إلى أن أدوا له الطاعة، فسيرهم بأمان هم وعيالهم ومتاعهم وأوصلهم إلى بلدانهم.
وأما سيف بن سلطان فإنه بعث إلى أهل مكران فجاءه قوم من البلوش أصحاب التفاق وحشد من معه من رعيته من الرجال وسار بهم إلى الجو، فالتقاهم بلعرب ابن حمير بقومه، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كادت أن تقع الهزيمة على أصحاب بلعرب فصبروا فوقعت الهزيمة على أصحاب سيف والبلوش وانكسروا ووقع فيهم القتل والنهب في الطرق، ومنهم من مات من العطش.
ثم أن سيف بن سلطان جعل يكاتب الأعداء من العجم لينصروه في ظنه، وهم يريدون
ملك عمان وخرابها، فأجابوه فنزل جيش العجم بخور، فكان آخر ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ذي الحجة سنة تسع وأربعين ومائة وألف وقصدوا الصير، فخرج سيف بن سلطان من مسكد إليهم، وحشد بلعرب بن حمير ومضى ليتلقاهم، وخرج من نزوى أول شهر المحرم سنة خمسين ومائة وألف، والتقى الجيشان بالسميني: سيف وعجمه والإمام بلعرب ومن معه، وذلك في غرة شهر صفر سنة خمسين ومائة وألف ووقع بينهم حرب قليل آخر النهار وانكسر بلعرب وقومه واعتصموا بالجبل وقتل ناس قليل وبعضهم ضل الطريق، وقتل بعضهم في الطريق ولم يرجع أحد منهم بداية ولا سلاح ولا بشيء من حوائجهم إلا قليل منهم ونهبوهم في الطريق، واستولى سيف بن سلطان على الجو وضنك والغبى، وأدت جميع قبائل الظاهرة خراجا عظيما للعجم، ودخلت حجرة عبري ووقع فيهم قتل عظيم، وسلب جميع مالهم وحملت نساءهم وقتلت الأطفال وأصابهم ذل وهوان، وبيعت نسائهم وحملت إلى شيراز، ورجعت العجم إلى الصير.
وأما سيف بن سلطان بن سيف فإنه مر إلى بهلى ووقع الحرب بينهم وبينه، ثم تصالحوا وولى عليهم واليا، وهو سالم بن خميس العبري، ومضى فبات طيمسا فقيل إن أكثر العسكر من نزوى هربوا من الحصن، وكاد بلعرب بن حمير أن يخرج هاربا من نزوى. إلا أن سيفا لم يقصد نزوى، ومضى إلى منح ومر على ازكي وقصد إلى سمائل وأناخ بفلج العد وكاتب قبائل وادي سمائل ليصل إليه مشائخهم، فلم يلبث أن واجهوه، فسار مجاوزا إلى مسكد ولم يتعرض للحصون، ثم بعد ذلك وقع الحرب بين والي الغبى من قبل سيف بن سلطان وبين بني غافر، واستولت بنو غافر على الغبى ووقعت المخادعة من أهل بهلى، وأدخلوا بلعرب بن حمير الحصن واستولى على بهلى.
ثم إن سيف بن سلطان زاد قوما من العرب من شيراز وضمهم مع أصحابهم في الصير وتوجهوا إلى عمان، وذلك في اليوم التاسع عشر من شوال سنة خمسين ومائة وألف، وصالحتهم قبائل الظاهرة ووصلوا إلى بهلى فوقع بينهم الحرب وقتل من العجم كثير، وكذلك من أهل بهلى.
ودخلت العجم بهلى في ثالث عشر من ذي القعدة واستولوا عليها، فهرب من هرب من أهل البلد، وقتل من قتل من الرجال والنساء والأطفال، واستولوا على جميع ما فيها وتركوا في الحصن رابطة ومضوا إلى نزوى أول شهر الحج، وهرب بلعرب بن حمير من نزوى إلى وادي بني غافر، وثبتت بنو حراص في قلعة نزوى وصالح أهل نزوى العجم، فلما تمكنت العجم من نزوى وضعوا عليهم الخراج وعذبوهم بأنواع العذاب، وقتلوا الرجال والنساء الكبار والأطفال الصغار وحملوا من النساء من أرادوه، وفعلوا في نزوى أفعالا قبيحة وأذاقوهم أليم العذاب، حتى قيل أنهم قتلوا من أهل نزوى مقدار عشرة آلاف من النساء والأطفال، ولم يسلم من أهل نزوى إلا من قدر على الهرب وهم قليل، والله المستعان ولسيف ابن سلطان من ذلك النصيب الأوفر من الوزر حي قاد إليهم الأعداء ونسى ما وقع فيهم من آبائه، وظن أنهم ينصحون له وهو أعداؤه، وما ينتج رأي السفيه إلا مثل هذه الأفعال القبيحة.
لا تأمنن فتى أسكنت مهجته *ش* غيظا وتحسب أن الغيظ قد زالا
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها *ش* تبدي عطافا وتخفي السم قتالا
ولم تقدر العجم على القلعة والحصن من نزوى، وخرجوا منها في سادس عشر من الحج ومروا على ازكي فصالحوهم وأدوا لهم الخراج وأقاموا يوما وليلة ومضوا قاصدين إلى الباطنة ودخلوا مسكد في أربعة وعشرين من ذي الحجة واحتووا على البلد وما فيها، ولم يبق سوى
الكيتان وأقاموا محاصرين الكيتان إلى يوم خامس من صفر سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، وانكسروا ومضوا إلى بركا وصحار، فرد شر سيف عليه جاء ليقهر بهم صديقه الذي يزعم أنه عدوه، فطلبوا قهره بنفسه وحاصروا حصونه وهرب هو عنهم في مراكب في البحر حتى نزل ببركا، وخرج الطوّ وتلقوه أهلها بغزوه وصحبوه إلى نخل، وسار إلى الظاهرة والتقى هو وبلعرب بن حمير بوادي بني غافر ودار نظر من حضر من مشائخ بني غافر وغيرهم أن يستعفوا بلعرب بن حمير عن الإمامة ويرجعوها لسيف بن سلطان رضاء له ودفعا لشره وقطعا للمفسدة العظمى وإنما كان هذا من رؤساء القبائل وشيوخ البلدان دون أهل العلم والفضل، فما بلى أهل عمان هذا البلاء إلا بمخالفة أهل العلم والفضل، فالله يحفظ لنا ديننا ودنيانا وبقية بلادنا.

باب تغلب سيف بن سلطان على الأمر
وذلك أن بلعرب بن حمير استعفى من الإمامة حين رأى ما رأى وطلب منه ذلك من طلب، فتسمى بها سيف بن سلطان، واجتمعوا حين رأوا المكروه من العجم وصاروا يدا واحدة، وانقطع العجم الذين خرجوا إلى حصار مسكد عن أصحابهم الذين ببهلى، وذلك أنهم ساروا من مسكد بعد أن أيسوا منها إلى بركا وصحار، فلما استبطأهم أصحابهم الذين ببهلى وانقطعت عنهم أخبارهم بعثوا منهم نحو مائة فارس ليأتوا إليهم بخبر أصحابهم من مسكد، فمروا على سمائل أول النهار يوم ثامن من شهر صفر، فتلقاهم أهل وادي سمائل وحمير بن منير بقومه، فقتلوا أكثرهم، ثم سار حمير بن منير بمن معه من العسكر وأهل ازكي وبنو ريام إلى بهلى يوم تاسع عشر صفر، ودخلوها يوم أحد وعشرين واستولوا عليها، واحتصن العجم في الحصن فحاصروهم، ثم خرج منهم قوم فقتل أكثرهم وبقي من بقى من العجم لم يخرجوا من الحصن خوف القتل إلى أن جاءهم سيف بن سلطان ومن معه فأخرجوهم بسلاحهم ومتاعهم ودوابهم وأوصلهم بأمان، وأصحبهم مبارك بن مسعود الغافري إلى صحار، وكان أحمد بن سعيد البوسعيدي واليا على صحار من قبل سيف بن سلطان، فقيل إن العجم لما وصلوا صحار حبسهم أحمد بن سعيد بصحار حتى مات أكثرهم، وأن ذلك من أول الأمور التي ظهر بها أحمد بن سعيد، وأما العجم الذين انكسروا من مسكد فإنهم ساروا إلى الصير وفيها إخوانهم، وركب منهم أناس إلى بلدانهم وبقيت منهم بقية بالصير ما شاء الله من الزمان، وسار إليهم سيف بن سلطان بجيش عظيم من البر، وسير
إليهم المراكب من البحر فلما وصل إلى بلد خت قرب الصير جاءه الخبر أن مركب الملك قد احترق وغرق بمن فيه فعزم على الرجوع فرجع عنهم إلى عمان وبقوا هم بالصير، ودانت له جميع حصون عمان، وأدت له الرعية الطاعة فلبث على ذلك، ثم ظهرت منه أحداث لم يرضها المسلمون، ولا رضوا مبدأ أمره ولا منتهاه، ووضع الخراج على الرعية، واتفقوا على غيره، فنصبوا سلطان بن مرشد على حسب ما يأتي إن شاء الله تعالى.

باب إمامة سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي
وهو آخر أئمة اليعاربة فيما انتهى إلينا علمه، بويع له بعد أن استغاثت الرعية من أحوال سيف بن سلطان، فاجتمع ما شاء الله من مشايخ العلم من بهلى ونزوى وازكي ورؤساء القبائل من بني غافر وغيرهم من أهل الظاهرة ووادي سمائل ومشايخ المعاول، فعقدوا له الإمامة بجامع نخل ليلة الحج، أي ليلة عرفة سنة أربع وخمسين ومائة وألف، فاستقام بحمد الله على الحق والعدل، وخلصت له الحصون من سمائل ونخل وازكي وبهلى والشرقية، وسالمته القبائل من الفريقين والحمد لله كثيرا.
ثم جهز الإمام جيشا إلى الرستاق وسار فيه بنفسه، وكان سيف بن سلطان قد جمع قوما كثيرا من أهل الرستاق وغيرهم خارجا عن البلد نحو ثقاب فلج الميسر يريد لقاء الإمام، فلما أحس أن لا طاقة له بحرب الإمام انهزم ليلا عن أصحابه وترك بعض المانة من تمر وغيره، فلما وصل الإمام صباح الجمعة آخر شعبان لم يجد سيفا، ودخل الإمام الرستاق، فتلقاه أهلها بالكرامة ودخلها على حال السلامة لما رأوه أهلا للإمامة وآزره أهلها واحتوى على جميع رعاياها، ولم يبق إلا الحصن، فلبث في حصاره سبعين ليلة وافتتحه. وقد كان سيف ترك فيه عبيده ووالدته وبعض عياله.
ثم سار سيف بن سلطان إلى مسكد، وجمع قوما من المطرح ومسكد والسيب وبركا، ولبث ببركا، فبعث إليه الإمام لعض قومه وأمر عليهم أخاه سيف بن مهنا إلى بركا، فالتقاهم سيف بن سلطان بقومه، فاقتتلوا، فقتل من قوم الإمام قليل، وقتل من أصحاب سيف بن سلطان كثير، ولم ينج منهم إلا من انهزم أو ألقى بيده وأذعن بالطاعة للإمام.
وأما سيف بن سلطان فإنه انهزم إلى مسكد، ورجع سيف بن مهنا إلى الرستاق منصورا من الخلاق، ثم جاءت لسيف بن سلطان ثيبة<ح>(1) من بدو الظاهرة مقدار خمسمائة رجل فيما قيل، فلما وصلوا الحزم طلع هو من مسكد وأقام يجمع قوما من الباطنة، فجاءته عساكر كثيرة من عامر بن ربيعة مرادهم نصرته، وكان من قضاء الله وقدره السابق في علمه أن البدو الذين معه اقتتلوا وقتل من عامر بن ربيعة كثير، وانهزم الباقون منهم وبقي من البدو الذين من الظاهرة مع سيف بالحزم يزعمون دخول الرستاق، ثم إنهم لم يجدوا قدرة على ذلك فرجعوا إلى بلدانهم.
وأما سيف فإنه لما أيس من الناصرين سار إلى مسكد وترك عياله وعبيده محصورين، وذلك قبل فتح حصن الرستاق للإمام، فلما أيس من في الحصن من نصرة سيف لهم أرسلوا يطلبون الصلح من الإمام والأمان ليخرجوا بما عندهم من المتاع، فأمنهم الإمام وخرجوا من الحصن بمالهم، ودخل الإمام الحصن في اثني عشر من ذي القعدة من هذه السنة وجعل في الحصن واليا ومعه عسكر من جنابه وجعل معهم أخاه سيف بن مهنا، ثم ارتفع منها بعد خمسة أيام ببقية قومه وحشد قوما من الرستاق ومر إلى نخل وحشد منها ومن رعاياها قوما، ثم وصل إلى بدبد وحشد من وادي سمائل ومن ازكي ورعاياها، وسار متوجها إلى مسكد يوم الخميس ثاني ذي الحجة من هذه السنة، وقد اجتمع عنده قوم كثير، فلما وسل إلى روي ليلة رابع من هذا الشهر ترك المعقل في روي، فسار بأكثر قومه ليلا إلى مسكد وركض عليهم بقومه على الجبال<ح>
(1) تكرر هذا اللفظ، وقد سبق أن صححناه بكثيبة وهو المراد، وكنا نظن أنه تصحيف من الناسخ فإذا هي لغة عمانية، فلينتبه. مصححه.

فأحدروهم من الجبال وجميع المقابض وهزمهم الله، وافتتح الإمام مسكد بجميع مقابضها ومعاقلها وقت الضحى من يومه سوى الكيتان فإنهما بقيا محاربين، وأما كوت المطرح فبعث له الإمام بعض القوم في تلك الليلة فأخذوه قهرا وحباه الله من لدنه نصرا.
وركب سيف بن سلطان البحر وبعث له الإمام مراكب في طلبه فيهن بجاد ابن سالم وعسكر من قوم الإمام، فجاءتهم ريح وفرقت المراكب دون خورفكان ورجع بجاد بمن معه.
ثم أن سيفا انكسرت من مراكبه بعض دقالته وأجرى أخشابا توصله إلى خورفكان ونزل بها ومعه قدر ثمانية أنفس على خيل قاصدين العجم، فقيل أنه لما علمت العجم بوصوله أتاه قوم منهم على خيل وأخذوه وساروا به إلى الصير، وبقي المركب في خورفكان، فأخذه أحمد ابن سعيد وكاتب سيف بن سلطان أهل شيراز ليأتوه بقوم، فجاءوا إلى عمان ونزلوا بصحار وهم مقدار عشرين ألفا فيما قيل والله أعلم.
فعلم بذلك أحمد بن سعيد وهو يومئذ في بلد العوابي، ونزلت العجم حول حصن صحار وحاصروه حصارا شديدا حتى كاد الحصن أن يتهدم من شدة ضربهم إياه بالمدافع، حتى قيل أن رصاصة المدفع وزن ثلاثة أمنان، فحاصروه وبنوا فيها بنيانا قويا، وكان الإمام محاصر الكيتان وفيهن عبيد سيف بن سلطان، فأرسل الإمام أخاه سيف بن مهنا إلى وادي سمائل والظاهرة، فأخذ منهم قدر خمسمائة رجل أو أكثر فوق من معه وساروا إلى صحار، ووقع الحر بينهم ليلا ونهارا، وقيل أن في يوم واحد ضربت العجم ألفا واثنتي عشر ضربة مدفع، فعلم الإمام بذلك فسار هو وأخوه سيف بن مهنا إلى الظاهرة، فحشدوا منها من بدو وحضر.
وها هنا انقطعت السيرة التي تأخذ عنها
هذه القصة ولم تجد تمامها إلا من كلام الشاعر ابن رزيق – قال لبن رزيق في شرحه لبائيته التي في السير، كان عدد العجم المحيطين بصحار ستين ألفا وقيل خمسين ألفا وعدد مراكبهم خمسمائة سفينة وقيل بل أكثر من ذلك.
قال ومضت سرية من العجم عراة إلى وادي المعاول فبلغوا دون مسلمات فكسرهم المعاول ومضت منهم سرية إلى قريات فقتلوا منها خلقا كثيرا وأسروا نساء وصبيانا فبعثوا بهم إلى شيراز فبيعوا بيع العبيد ومضت منهم سرية كثيرة العدد إلى مسقط فواقعهم سيف بن مهنا اليعربي في سيح الحرمل وكان سيف بن مهنا يومئذ هو القابض لمسقط والمطرح من قبل الإمام سلطان بن مرشد، فوقعت بينهم ملحمة عظيمة، فانكسرت العجم إلى روي.
ثم أتوا في اليوم الثاني فقاتلهم سيف بمن بقي من العرب فقتل هو وقتل معه من اليعاربة ثلاثون رجلا ومن سائر قومه خلق، فكان عدد قتلى العرب ثمانين رجلا، وقتل من العجم خلق كثير، ومضت العجم إلى مسقط فوثبوا على الكوتين فنصبوا عليهما السلالم فانكسروا ثم أتتهم زيادة من أصحابهم المحيطين بصحار فوثبوا عليها فأخذوها وعسكروا بمسقط.
قال: ولما وصل الإمام سلطان بن مرشد الخابورة وكان قد جمع قوما كثيرا من الظاهرة والرستاق بلغه أن العجم بعثوا شرذمة منهم إلى القصير وصحم، وأن أهل البلدين قد خرجوا إليهم وهم مشتغلون بالسلب والنهب فوضعوا فيهم السيف فكشفوهم وقتلوا أكثرهم فلم يرجع منهم إلى صحار إلا القليل، قال وأمر خان العجم أشجع فرسانه بالغارة على صحم والقصير، فصادفهم الإمام سلطان ومن معه من القوم دونهما فكشفوهم وقتلوا من فرسان العجم رجالا كثيرة.
ثم سار الإمام بمن معه إلى مناجزة
العجم الذين بصحار وكانوا قد تهيئوا لهم وعبؤا صفوفهم، فالتحم القتال بين الصفين، وكانت وقعة عظيمة وكان جيش العرب عند جيش العجم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وقتل أمير من العجم يقال له كلب علي، وقتل من خواصهم خلق كثير، وقتل من العرب مهنا بن سلطان وثلاثون رجلا من اليعاربة وكثير من سائر القوم، حتى أنه لم يبق منهم إلا القليل كذا قال، ومهنا بن سلطان لم يسبق له ذكر في القصة، وإنما سبق ذكر لأخي الإمام من أمه سيف بن مهنا وهو الذي سار معه للحشد من الظاهرة.
قال وأصابت الإمام سلطان بن مرشد جراحات من سيوف العجم ورماحهم فلما أثخنته الجراحات دخل الحصن عند أحمد بن سعيد السعيدي فلبث في الحصن ثلاثة أيام، وقيل يوما واحدا ثم توفي غفر الله له وللمسلمين المجاهدين معه في الدين.
قال وكان سيف بن سلطان يومئذ الحزم، وقد استرسل عليه البطن فلما بلغه قتل الإمام سلطان بن مرشد حزن عليه حزنا شديدا، قال ولم يلبث إلا أياما قلائل إلى أن مات، قال ولم تزل الحرب قائمة على ساقها بين أحمد بن سعيد والعجم فلما رأت العجم شدة ذلك ضعفت عزيمتهم وكاعت نفوسهم وطلبوا السلامة والنجاة فصالح أميرهم أحمد بن سعيد على الارتحال بما معهم فأجابهم إلى ذلك وأدخل أميرهم الحصن ومعه عشرة رجال من خاصته للكرامة فقدم لهم الطعام، فلما أكلوا وشربوا قال أميرهم لأحمد بن سعيد وسع لأصحابنا الذين بمسقط يحملوا ما بقي معهم من آلة الحرب وغيرها كما وسعت لنا، وعبرهم في خشب إلى بندر عباس فقال أحمد بن سعيد إن شاء الله ولم يزد على ذلك كلمة.
وخرج أمير العجم ولم يمكث بصحار إلا يومين فركبوا سفائنهم
ومضوا إلى بندر العباس، وبعد ما رحل العجم من صحار سار أحمد بن سعيد إلى بركا ومعه من القوم ألفان، فلما وصل استخلص حصنها بغير حرب وكان حصنها يومئذ بيد المعاول وأهل حبرى، ثم رجع إلى صحار فكتب إلى واليه الذي تركه في بركا وهو خلفان بن محمد السعيدي المعروف بالمحل أن ينصب قبابين في بركا لوزن الأمتعة التي تجلب من الهند وعمان وتباع بالوزن كما كان ذلك في أيام دولة سيف بن سلطان بمسقط ففعل خلفان بن محمد ذلك فاستقامت سوق شريفة في بركا وسارت إليها الخشاب والركاب كما كانت تسير إلى مسقط والمطرح، وكثرت فيها التجار وانتهى إليها وفود عمان والظاهرة للبيع والشراء وحملوا ما يحتاجون إليه منها فانقطعت المادة عن العجم القابضين بمسقط والمطرح، وضجروا بمقامهم وانقطاع المواد عنهم وارتحال أصحابهم من صحار، وزاد عليهم الخوف لما بلغهم عن سيف بن سلطان أنه مات فبعثوا رسولا منهم إلى الحزم أن يجيء إليهم رجل من اليعاربة وهو أقرب نسبا إلى سيف بن سلطان، فلما بلغ أهل الحزم رسول العجم بعثوا رجلا من أرحام سيف بن سلطان يسمى ماجد بن سلطان، فلما بلغهم أمروه بالمسير إلى شيراز وكتبوا كتبا إلى الشاه يخبرونه فيه بموت سيف بن سلطان، وأن الواصل إليه هو أقرب رحما إليه وأنهم بقوا في مسقط والمطرح في أضيق حصار، وقد قطعت عنهم العرب المادة وقالوا لما لماجد أظهر الطاعة للشاه وجدد العهد بينك وبينه، فإنه إن كتب لنا بتخليص ما بأيدينا من معاقل مسقط والمطرح لخلصناهن لك، فأجابهم ماجد إلى ذلك فمضى على سفينة صغيرة إلى بندر العباس، ثم ارتفع إلى شيراز فلما واجه الشاه وأعطاه الكتاب الذي
أعطته أصحابه للقابضون معاقل مسقط والمطرح وقرأه وأقامه في دار الضيافة ثلاثة أيام، ثم كتب له لأصحابه بتخليص ما بأيديهم من المعاقل إليه، فلما رجع أصحاب السفينة التي ركبها الطوفان فقذفها إلى صحار فمضى إلى أحمد بن سعيد في حصن صحار وأخذ منه خط الشاه إلى أصحابه بتخليص معاقل مسقط والمطرح، وأمر خميس بن سالم البوسعيدي أن يمضي بكتاب الشاه إلى مسقط ويقبض معاقل مسقط، فمضى خميس بن سالم ومعه أربعمائة رجل من قوم أحمد بن سعيد، فلما وصلهم وألقى إليهم الكتاب ظنوا أنه رجل من جماعة ماجد بن سلطان، وقد بعثه ماجد إليهم فسلموا له المعاقل كلها فترك فيها خميس بن سالم أصحاب أحمد بن سعيد الذين أتى بهم من صحار، قال فكان انتقال ملك اليعاربة إلى أحمد بن سعيد سنة أربع وخمسين ومائة وألف، وقيل سنة ست وخمسين ومائة وألف.
قال وكتب خميس بن سالم إلى أحمد بن سعيد بقبض معاقل مسقط والمطرح من العجم فلما قرأ الكتاب مضى إلى بركا، وكتب إلى خميس بن سالم أن يأتيه بالعجم إلى بركا، وبعث إليه بألفي رجل من رعية صحار وبركا ليتركهم في معاقل مسقط والمطرح ففعل خميس ما أمره به، ولما وصل إلى بركا ومعه العجم ضربوا خيامهم بالقرحة وبعث إليهم أحمد بن سعيد الضيافة ولخيلهم بالطعام.
قال أخبرني أبي محمد بن رزيق عن أبيه جدي رزيق بن بخيت بن سعيد بن غسان والشيخ معروف بن سالم الصايغي والشيخ خاطر بن حميد البداعي والشيخ محسن العجمي القصاب، وقد دخل كلام بعضهم في بعض.
قالوا لما رجع العجم من مسقط إلى بركا في صحبة خميس بن سالم السعيدي وفيها يومئذ أحمد بن سعيد ضربوا
خيامهم في القرحة فما يمر أحد على حلة من حلل بركا إلا رأى فيها قدورا تفور بالطعام ضيافة للعجم من أحمد بن سعيد ولا يمر أحد بحلا، وفي بركا ألا يصنع بأمر أحمد بن سعيد حلوى للعجم ولا يمر أحد على زراع إلا يجز زرعه بأمر أحمد بن سيف لخيول العجم، وما بات أحد يدعى أن له فلسا على أحمد بن سعيد فضلا عن الدراهم.
قالوا وكلام الناس على حدة أن العجم لا يستحقون هذا وإنما يستحقون أن تضرب أعناقهم بالسيف، قالوا وبعد ما خيم العجم ببركا ثلاثة أيام خرجت موائد كثيرة للعجم في صواني رحبة، ودخل أكابرهم الحصن مع رسول أحمد ابن سعيد وعدد من دخل الحصن من أكابرهم خمسون رجلا فما كان بعد دخولهم الحصن إلا ساعة من النهار حتى ضرب طبل في الحصن ومعه مناد ينادي ألا من له وتر في العجم فليأخذه منهم.
قال فما استتم كلامه إلا والصائح على العجم يصيح من كل مكان فخرج الصغير عليهم خلف الكبير من أهل بركا ومن انضاف إليهم من سائر البلدان فوضعوا فيهم السيف ففشا القتل فيهم وما بقى منهم إلا قدر مائتي رجل يصيحون الأمان الأمان يا أحمد، فلما بلغ أحمد كلامهم نادى المنادي من الحصن ارفعوا عنهم السيف فرفع عنهم السيف، قالوا وأما أكابرهم الذين دخلوا الحصن فإنهم قتلوا جميعا.
قلت: ولعل إكرامهم الأول سياسة يحاول بها القبض على الخمسين المذكورين ليتمكن من قتلهم، ولا يقال أنه قتلهم في أمان فإنه لم يذكر في سياق القصة كلمة تدل على التأمين والحرب خدعة.
قالوا ثم أن أحمد بن سعيد أمر بتعبير من بقي من العجم في سفن أهل بركا إلى بندر عباس فلما بلغوا بهم حذا جبل السوادي خرقوا بهم السفن وسبح أهل بركا إلى البر وهلك العجم
كافة بالغرق.
قالوا ثم إن أحمد بن سعيد أمر على خميس بن سالم السعيدي برجوعه إلى مسقط وأمر أن يصحبه كل من كان يسكن مسقط ومطرح، وكانوا جميعا قد هربوا خوفا من العجم، فلما وصل خميس ومن معه لم يعرف أهل مسقط حدود بيوت حللها الخارجة من السور لخرابها بمرابط خيل العجم وروثها فاقتتلوا فكان عدد قتلاهم ستين رجلا، ثم قسم بينهم خميس بن سالم تلك الأمكنة بالتحري وبارأ بينهم في الدماء فصارت مسقط والمطرح في عمار بعد الخراب.
ثم مضى أحمد بن سعيد إلى الرستاق ففتحها ومضى إلى سمائل فاستخلصها بغير حرب، ومضى إلى ازكي فأذعنت له فقبض حصنها بغير نزاع، ثم مضى إلى نزوى فسلمت له، ثم مضى إلى بهلى فأطاعته وقبض حصنها، وأتاه سليمان بن محمد بن عدي اليعربي من سمد الشأن، وكان سليمان بن محمد واليا للإمام سلطان بن مرشد أيام حياته، فسلم محمد له الحصن فقبضه أحمد بن سعيد وأنعم عليه بحصن نخل وتعاهدوا أن لا يخون أحدهما صاحبه.
قال ابن رزيق فهذا سبب انتقال ملك اليعاربة إلى أحمد بن سعيد قال وما بقي لأحمد بن سعيد منازع من اليعاربة إلا بعد مدة طويلة قام عليه بلعرب بن حمير اليعربي، وقتل في وقعة فرق وهي وقعة شديدة كانت بينه وبين أحمد بن سعيد، فكان النصر لأحمد بن سعيد وقتل بلعرب وقتل من قومه خلق كثير.
قال وكان بين هذه الوقعة والوقعة التي بالطيب من الظاهرة من المدة اثنتا عشرة سنة، قال وهي حرب جرت بين أحمد بن سعيد وبين ناصر بن محمد بن ناصر الغافري، وكان النصر فيها لناصر بن محمد، قال وقتل من قوم أحمد بن سعيد اثنا عشر ألفا، هذا من كلام ابن رزيق إلا ما كان من إصلاح في لفظه،
وحذف لبعضه لأجل إصلاح التركيب، ولم نجده مأثورا عن غيره فالله اعلم بصحته. ولا يرضون الكذب وإنما نخاف التساهل في النقل فقد رأينا بعض الناس يأخذ الأخبار من لسان العامة ثقة بهم، ولسنا مما يثق بالعامة فإن غالبهم ليس ضابطا وأكثرهم لا يحسن النقل. والله أعلم بحقيقة الأمر.

باب إمامة بلعرب بن حمير
مرة أخرى على معنى ما يقتضيه كلام بعض المؤرخين، فإن سياق التواريخ يقتضي أنه بويع له مرتين: مرة قبل سلطان بن مرشد وذلك في سنة خمس وأربعين، ثن استعفى عن هذه الإمامة وترك الأمر لسيف بن سلطان حين خافوا على عمان من العجم بافتراق سيف وبلعرب على حسب ما مر، والمرة الثانية بعد ذلك ولم أقف لها على تاريخ غير أن في كلام بعضهم ما يدل على أنه كان ذلك في آخر عمر سيف بن سلطان قبل موته، وفي كلام حبيب بن سالم ما يقتضي أنه بويع له على الدفاع، وحكم هو ومن معه من المشايخ بتفريق أموال سيف بن سلطان لاستغراقها في الجنايات والمظالم.
قال ذو الغبراء – خميس بن راشد – وقد ذكر الشيخ حبيب بن سالم قال وهو الذي حضر مع الإمام بلعرب بن حمير، وكثير من العلماء بحضرتهما فحكموا باستهلاك مال سيف بن سلطان بإتيانه العجم بعمان فسفكوا فيها الدماء وسبوا النساء ونهبوا الأموال.
قال وأما الشيخ سعيد بن بشير الصبحي، فقد مات قبل دخول العجم بعمان، وذكر في التغريق كتبا تاريخ بعضها ثامن ذي القعدة سنة سبع وخمسين ومائة وألف، وبعضها في أول المحرم من سنة ستين ومائة وألف، منها كتاب فيه نصيحة من مشايخ بني خروص للإمام ومن معه من العلماء قالوا فيه بعد البسملة والثناء: طرقت إلينا من جانبكم الشريف العالي المنيف إشارات لائحة وبراهين واضحة تشير إلى الحكومة بأملاك السيد سيف بن سلطان اليعربي يسلك بها سبيل أموال بني نبهان، فذلك قول من أقوال المسلمين ورأي
موافق مبين، ولا مطعن فيه إلى من طعن، ولكن هل لكم يا ساداتنا ومشائخنا أن تأخذوا بالقول الآخر وتتأخروا عن هذا المال جهدا وتعرضوا عنه كرما وزهدا، والله أولى بسيف وماله وهو المناقش عن أخذه ومآله وحسبكم الله في الظالمين فإن الله سطوات ونقمات، وقد قال الله في كتابه العزيز وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ وليس هذا منا اعتراضا على المشايخ العلماء والسادة الحكماء الذين لهم في العلم والزهد الدرجة العليا والشرف الأسمى، ولكننا لما نجد لكم في قلوبنا من المودة وجميل الصحبة فاعذروا وسامحوا واغسلوا دون غيظكم بفيض منكم وفضلكم والأصل كل الأمر لله وما كان وما يكون فبقضاء سابق من الله ألا له الحكم وإليه ترجعون، وعليكم وكالة ذويكم منا السلام جزيلا يتجدد بكرة وأصيلا، وذلكم من أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى رحمة الله أصفيائكم المحبين للحق وأهله، محمد ابن خميس بن مبارك. ومن شاء الله من رجال بني خروص، وكاتب الأحرف الواثق بالله عبده سعيد بن محمد بن راشد بن محمد، ومهما سنح لكم من أرب فالمحبون مستقيمون لما يبدو.
تاريخ الكتاب يوم السبت لتسع خلون من شهر المحرم سنة ستين ومائة وألف هجرية إسلامية.
فأجابهم الإمام بما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من إمام المسلمين بلعرب بن حمير بن سلطان اليعربي إلى المشايخ المحبين محمد بن خميس وسعيد بن محمد بني خروص سلمهما الله تعلى، وكتابكم الشريف وصل وسرنا حال سلامتكم وذكرتم في التغاضي والإغفال والإعراض عما خلفه سيف بن سلطان بن سيف اليعربي ما لم تقم الحجة وتنزل البلية، فنحن قد
تغافلنا وأعرضنا وتغاضينا وقد مات سيف هذا من سنين حتى قامت الحجة ونزلت البلية بأن احتسب من احتسب من المسلمين للمظلومين في مالهم حقوقا وتبعات ومظالم من دماء وفروج وعقور وسبي ذراري وتملك أحرار.
وقامت البينة العادلة التي لا شك ولا ريب بعدالتها وثقتها على صحة هذه المظالم ومع ذلك تؤديها الشهرة القاضية التي لا شك فيها ولا ارتياب لما فعله سيف هذا وقادة من الجيوش الضالة المضلة وبما كان منه من الدلالة على عباد الله بالظلم والطغيان والجور حتى أن المجانين والصبيان يتكلمون بصحة ذلك، فما ظنكم بذي عقل؟ وما حكمنا إلا بعد هذه الحجة وأن أموال سيف هذا لا تقسط على أهل الحقوق إذ لا تعرف كم هي وإن ماله لا يفي بها، فرأينا إذا قامت علينا الحجة، إذ لا يسعنا إلا القيام بذلك وإنفاذ حجة الله على القريب والبعيد والقوي والضعيف والدنيء والشريف، وهذا قول الله ناطق يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ <ح>(1).
وقد قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً <ح>(2) فعلمنا أن لا محيد لنا إلا القيام بالحق والتكلم بالصدق، وقد قال الله تعالى وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ <ح>(3) وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ<ح><ح><ح>
(1) سورة المائدة آية 8.

(2) سورة النساء آية 135.

(3) سورة المائدة آية 49.

فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
<ح>(1) والظالمون والفاسقون، ثلاث آيات يعرفهن من هداه الله البيان وسلك به طريق الرضوان.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً <ح>(2).
والله الله أحباءنا عن التكلم بمدادة ذلك، محجور في دين الله علينا وعليكم، والتكلم بالحق أولى، واحذر من رضى المخلوقين ورضى الناس غاية لا تدرك، ونحن قد دخلنا في ذلك بنظر المسلمين ولم ندخل فيه بهوى ولا ارتدينا فيه برداء العمى، فأعجب المسلمين ذلك وسجلوا على صحته وحكمنا به وحكموا به، والله قد أمضى ذلك وحكم به، ونحن بالله معتصمون وعليه متوكلون وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير، ولم نخف في الله في هذا ولا غيره لومة لائم ولا سطوة مخلوق، والله يكف بأس الذين كفروا، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وليس على الله بعزيز أن يوفقنا وإياكم على سلوك مرضاته التي سلكها نبينا محمد ، فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وماذا بعد الحق إلا الضلال والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه الإمام بيده حامدا لله وحده ومصليا على خير خلقه محمد بتاريخ عاشر المحرم سنة ستين ومائة وألف هجرة نبوية إسلامية. <ح><ح>
(1) سورة المائدة آية 44.

(2) سورة النساء آية 105.


ذكر الأحداث التي ذكرها حبيب بن سالم
في سيرته للإمام بلعرب بن حمير وخلعه بها من الإمامة
من تلك الأحداث قتل بحاد بن سالم، قال له قتلته محقا قد فعل الحق، وقال الصدق بخلعه إياك جوعا وعطشا، وطمرته في طمورة مقيدا مقطورا مدفونا عليه، وفعلت به فعل الجبارين كما قال الله تعالى وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ قال وأنت لو رجعت إلى نفسك وعقلك لعرفت أنه على الحق وأنك على الباطل وتعلم أن قتلك له رضى لمن أمسك من الجبارين لينصروك ويعصبوك، قال فهذا أمر أقبح الفعال ولا نصرة منهم لك حاشا لله أن ينصرك بأعداء الله يا عدو الله، قال وأنكرت عليه أفعاله الحسنة إذ أنه حرب للبداة قطاعة الطرق المفسدين في الأرض، وأنت لهم سلم تعطيهم مال الله وتظلم لهم العباد وتعطيهم إياه.
ومنها سجن صالح بن ربيعة، قال: سجنته ظلما وعدوانا بعلم مني يقين أنه أنكر عليك الباطل فحبسته على إنكاره الباطل عليك، قال وقد أنكرت عليك أنا بنفسي الذي أنكره باستعمالك الخونة في واديهم لقبض زكواتهم، قال وما حبسك إلا حبس طغاة متجبرين أدخلته ضيق السجن مقيدا مقطورا، قال وكذلك سجنك للشيخ محمد بن سالم الندابي، سجنته ظلما بعد أن أعطيته الأمان، قال وما سجنته إلا بإنكاره عليك العامل الذي ببلدهم، وليس لسجنك طائل تتعاطى فيه علم الغيب، ولم تقبل منهم صدقا ولا عدلا، ولا من المتوسلين لهم إليك، قال فهذا فعل الجبارين فالله يحكم بيننا وبينك يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً <ح>(1) قال وكم مسجون في سجنك مظلوم سجنتهم على<ح>
(1) سورة لقمان آية 33.

ما تهوى نفسك ورضى لمن تحب.
ومنها قتل عامر بن سليمان بن بلعرب الريامي، قال قتلته في مطمرك فيما بلغنا عنك جوعا وعطشا قال وبلغنا من أفعالك القبيحة فيه أنكم تجوعونه وتعطشونه أياما ثم تأتون إليه بالماء وهو على شدة العطش، فيشربه عطشانا جائعا فيسرع إليه الموت. قال ما سمعنا بهذا فعل جبار قبلك، فيا ويلك من حر عطش النار وجوعها قال وقد صح معنا أنك حبست الشيخ خميس بن محمد بن مبارك البوسعيدي وقيدته، إذ أن الشيخ احمد بن سعيد حبس محبك سعيد بن ناصر البحري وضيقت على الشيخ خميس هذا في سجنه وقيده ضيقا عظيما معاقبة بحبس سعيد بن ناصر، وأن المعاقبة في القبيلة لا تجوز فيما عرفنا، ولا نعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم، وقد أجازها من أجازها من أهل العلم في المال دون النفوس، وقد منعتهم المباح في سجنك ومنعتني الطعام والشراب في سجنك وعذبتني ضربا وأخذت مالي غصبا، فيا ويلك من عذاب الله إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ <ح>(1) فمن أين يخل لك أخذ مالي؟ وأنت قد صح عندك خلع المسلمين لك، تنادي في الأشهاد بلسانك انك قد خلعت، وقبل ذلك قد أبلغك ثقات المسلمين، وقد عذبتني على ذلك عذبك الله بناره، وأنت تعلم هجرة خلع المسلمين أنها قبل تصرفك في بيعك في مال الله، ويومئذ لا تصرف لك خلع المسلمين لك جائز صحيح بقلة الحماية منك لهم وعن حريمهم ويضعفك الذب عنهم، وأنت تعلم أنك أمام دفاع، وجائز أمام الدفاع للمسلمين أن يخلعوا أما الدفاع بذلك، فكيف وأحداثك شاهرة ظاهرة ما فعلت بمن كان<ح>
(1) سورة الرعد آية 11.

في سجنك وبنوليتك المفسدين على عباد الله في البلاد.
ومنها تزكي عباد الله بلا حماية وتولي على قبضها الخونة المفسدين، وتأخذ الخراج على غير الحقيقة، وتسلكه على غير الطريقة وتضيعه، ومال الله في البغاة قطاعة الطريق المفسدين في الأرض سفاك دماء المسلمين.
قال وقد صح عندنا جباتك يأخذونها من حيث لا تجب عليه، وقد نصحناك فأبيت إلا ما تهوى نفسك وهذا ظلم، وقد قال الله عز وجل لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال وإنك حللت دماءنا بخلعنا لك، ونحن قد فعلنا الحق وقلنا الصدق، وأمام الدفاع يخلعه الواحد من المسلمين في بعض القول، فكيف وقد خلعتك جماعة المسلمين، فأين عنك ذكر الوقوف بين يدي الله عز وجل، وأين عنك ذكر مناقشة الله في مائهم وأموالهم.
فاتق الله يا بلعرب بن حمير ولا تتسم بالإمامة، ولا تقل إنك على الاستقامة فتكذب على الله.
قال ومن أحداثك أنك متعود الكذب وتنقض العهود، ولا تعاهد فتفي، ولا عهد لك ولا وفاء، فمن أين لك الإمامة ولا تحصى أحداثك ولا تكن قائدا للبغاة ولا تسعى في الأرض بالفساد ولا تعاضد المفسدين في دماء المسلمين، واتق الله ولا تماد عاصيا، واحذر أن تكون قائدا للبغاة، قال ويكفيك ما احتطبته على عنقك أن تعذب به وإنك غير إمام يعرفك الخاص والعام. قال فاعلم علما يقينا إني خالعك والشيخ سالم بن راشد البهلوي والشيخ راشد بن سعيد الجهضمي والشيخ محمد بن ناصر الحراصي والشيخ محمد بن عامر والشيخ محمد بن خلف والشيخ غانم ابن عامر والشيخ بحاد بن سالم ومن بقلبه إيمان الله، ولم يتمسك بإمامتك إلا الجاهل مثلك والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى ونهى النفس عن الهوى من خادم العلم وأهله
حبيب بن سالم بن سعيد بن محمد بن خلف بن محمد أمبو سعيدي العقري النزوي، وكتبه بأمره عبدالله بن ناصر بن سليمان بيده، وتاريخها يوم سبع وعشرين والجمعة من شهر شعبان من شهور سنة إحدى وستين ومائة وألف من الهجرة.
وقال ذو الغبراء قد عمل بلعرب بن حمير برايه في طمره للمسلمين وقتله لبجاد ابن سالم الغافري والشيخ عامر بن سليمان الريامي، فضعف أمره واجتمع عليه بنو غافر ولزموه بالحيل وأخرجوه من ملكه وأقام بفلج البزيلي.

ذكر مقتل بلعرب بن حمير
وكان قتله بعد أن خلع من الإمامة بسنيات، خرج عليه أحمد بن سعيد البوسعيدي، وذلك بعد أن استولى على حصون الباطنة وما حولها، وخرج إلى نزوى وذكر بعضهم أن أحمد التقى ببلعرب بن حمير، وأنه قال له أنت إمام فوق إمام كيف هذا فقال بلعرب أن سيفا غير السيرة وخالف الجماعة وسد باب الطاعة، واختار المسلمون إماما غيره فلذلك عزلوه، ثم اختاروني وعقدوا لي الإمامة، قال فقاتله أحمد بن سعيد برؤوس القبائل فقتل بلعرب بن حمير بفرق وخلصت نزوى لأحمد بن سعيد، وذلك في سنة سبع وستين ومائة وألف، كذا ذكر بعضهم وهو مخالف كلام ابن رزيق المتقدم والله أعلم.

باب انتقال الدولة من أيدي اليعاربة
إلى أيدي آل بو سعيد
وهم ملوك العصر والله يؤتي الملك من يشاء والأيام دول ولا تبقى الدنيا على حال، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلما غيرت اليعاربة سيرة السلف الصالح وظنوا بغباوتهم أن الدولة ميراث وتكالبوا على الملك أذهب الله ذلك من أيديهم وجعله إلى غيرهم.
وأول هذه الدولة أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي وهو أبو ملوك العصر، قيل أنه كان صبيا صغيرا في (أدم) فلقيه الشيخ خلف بن سنان، وكان من أهل الكشف فوضع يده على رأسه وقال له اتق الله في الرعية فنشأ الغلام وشب، ولما بلغ أشده استعمله سيف بن سلطان فوجد منه الكفاية، ثم ولاه على صحار فوجد منه كفاية لم يجدها من غيره فجعله سيف دولته وموضع شوكته وصولته، فوض إليه الأمور كلها.
وكان أهل نزوى قد عقدوا الإمامة بعد سلطان بن مرشد على بلعرب بن حمير ابن سلطان فلبث بعد هذه البيعة أشهرا، وبعث سيف بن سلطان عامله أحمد بن سعيد ليخلص له حصون عمان ويقاوم بلعرب بن حمير فخلص الحصون وانتهى إلى نزوى وفيها بلعرب فقال له أحمد أنت إمام فوق إمام كيف هذا؟ فقال بلعرب أن سيفا غير السيرة وخالف الجماعة وسد باب الطاعة واختار المسلمون إماما غيره فلذلك عزلوه ثم اختاروني وعقدوا لي الإمامة فقاتله أحمد بن سعيد برؤوس القبائل فقتل بلعرب بن حمير بفرق وخلصت نزوى وعقدوا الإمامة عند ذلك لأحمد بن سعيد البوسعيدي، كذا وجدته في سيرة متقطعة من أولها
ولا تخلو من تخليط، والصحيح الذي يشهد له ظاهر الحال، وما ذكره ابن رزيق أن سيف ابن سلطان كان قد مات قبل قتل بلعرب وأن أحمد بن سعيد قد تغلب على حصون الباطنة وما حولها بعد موت سيف، وأن سيفا كان قد جعله في صحار وتغلب على صحار في حياة سيف وأنه كان قد انضم إلى طاعة سلطان بن مرشد، فلهذا أحاطت العجم بصحار وفيها أحمد بن سعيد، وذلك في حياة سيف واستولى عليها وأخذ مركب سيف في حياته، وخرج سلطان بن مرشد لكشف العجم من صحار ودخل بعد الجراح في الحصن عند أحمد بن سعيد، ومات عنده ثم مات سيف بن سلطان بعد ذلك بيسير واستقل أحمد بحرب العجم ونصره الله عليهم في مواطن تقدم ذكرها في كلام ابن رزيق وخلصت له حصون الباطنة واستقل بها، وسار إلى بلعرب وهو إمام على نزوى وما حولها، وكان قد خذله أصحابه وخلعوه فقاتله فنصر عليه وقتل بلعرب وعقدت الإمامة على أحمد بن سعيد والعاقد له حبيب ابن سالم الأمبوسعيدي العقري النزوى وابن عريق، وذلك في سنة سبع وستين ومائة وألف، ولم ير أبو نبهان وولده ناصر وغيرهما من الأفاضل صحة إمامته لأن بيعته كانت على غير مشورة من المسلمين ولأنه كان عقدا مشكلا لأنه كان بعد التغلب على ملكهم ولأن حبيبا وابن عريق ليسا مما يلزم المسلمين عقده لا سيما وقد كان عقدا بعد فتنة وتغلب على الأمر، وخاطبه الشيخ سعيد بن أحمد الكندي بالإمامة وأطلقها عليه عامة الناس.
قال أبو نبهان: الخطاب بالإمامة يحتمل وجوها، وقال ناصر بن أبي نبهان أن السلطان الذي يسمونه الإمام أحمد بن سعيد
جيش ثلاثين ألفا إلى الظاهرة قال وخرج لهم مقدار سبعين رجلا وكسروا الجيش كله، قال ومات كثير منهم بالجوع والعطش بعد أن ولوا الأدبار، قال وكثير منهم لم يتمكن في الهزيمة أن يستريح مقدار ربع ساعة ولذلك ماتوا.
قال وحكى لي الشيخ محمد بن عامر الكندي أن الشيخ العالم سعيد بن أحمد الكندي والشيخ العالم<ح>(1) العدوي مرا على امرأة متورعة قد بلغت في السن وصارت قليلة الصحة، فقالت للشيخين أسار الجيش؟ قالا لها نعم قالت كم من سائر فيه وهو في الحكم غير سائر معهم، وكم من واقف في بيته وفي الحكم هو سائر معهم. قال ناصر أرادت كم من مجبور غير راض بذلك ولا يدخل في الباطل معهم فليس هو معهم ولا منهم في الحكم لا يشاركهم في الإثم، وكم من راض مسرور ويهوى الغلبة للجيش ويرضى بفعلهم بغير ما لا يسعهم وهو في بلده وفي الحكم هو منهم ومعهم بمشاركته لهم في الإثم. هذا كلام هؤلاء الأفاضل في إمامة هذا الإمام، غير أن أسم الإمامة ثبت له عند الخاص والعام اسما دون حكم فأولاده يقال لهم أولاد الإمام. والوقعة التي أشار إليها الشيخ ناصر أظنها الوقعة التي ذكرها ابن رزيق وغيره وهي حرب جرت بين أحمد بن سعيد وناصر ابن محمد بن ناصر الغافري، وكان النصر فيها لناصر بن محمد، وقتل من قوم أحمد ابن سعيد اثني عشر ألفا.
قال ابن رزيق: وكان بين هذه الوقعة وبين وقعة فرق التي قتل فيها بلعرب اثنا عشر سنة.
وقال ذو الغبراء: لما ملك أحمد بن سعيد وساد ودانت له الخلائق واستقام ملكه وخذل عدوه، دلته نفسه بقتل أكابر بني غافر، فلما قتلهم مشى على ديارهم بجيش عظيم، فالتقوا بالأثيلة فصح عليه الكسير، وهم فئة قليلة<ح>
(1) بياض بالأصل.

فثارت بينهم العداوة والبغضاء إلى أن ظهر في الملك سعيد بن سلطان وحمود بن عزان، فعملا في الرعية بميزان البصيرة وإصلاح الفريقين، فدانوا لهما انتهى كلامه.
وللشيخ سعيد بن أحمد الكندي، رد أحداث على أحمد بن سعيد في سيرة كتبها جوابا له حين سأله عن أمور دخل فيها، قال رحمه الله: فيا معاشر المسلمين ويا حملة القرآن العظيم ويا أهل هذا المذهب القويم، من أ جاز لإمام المسلمين أن يأمر على شيخ قبيلة من رعاياه بكذا كذا رجلا ليخرجوا من ديارهم للمحاربة والقتال بالجبر والقسر، ومن لا يأتي منهم يحبس ويقيد، ويضرب ولا يسمع له عذر ولا مقال، ورؤساء البلد لا يؤمنون ولا تقبل شهادتهم بقيراط لرجل ولى مسلم على يهودي فاسق مخالف لدين رب العالمين، ولا يكونون حجة ولا مأمونين في شيء من أحكام دين الله تعالى إلا في هذا الحرف المخصوص، فإن قولهم على ضعفائهم مقبول أن فلانا عليه من الغرامة لعز الدولة كذا وكذا، وأن فلانا مأمور عليه وواجب عليه الجهاد إلى قتال عدوه، ومن يأبى عن ذلك فيحبس في العذاب المهين بقول ذلك الرجل الفاسق اللعين.
أيا معشر المسلمين، من أين جاز هذا وثبت من قول الرؤساء على الناس يجب ويلزم على من ألزموه منهم، وينحط عمن لم يجعلوا عليه شيئا من قراباتهم وأرحامهم ولو كانوا أصحاب أموال، إن هذا لهو الزور المفترى والكذب على الله ورسوله والمسلمين، فإن قتل ذلك الرجل المجبور بقول ذلك الرئيس على ما وصفنا فهلا يلزم على من جبره دية أو يقاد به أو لا يلزمه شيء، ومن جبره على تسليم شيء من الغرامة على ما وصفنا فهلا يلزم فيه ضمان أو استحلال؟
فالله الله رحمكم الله في أمر الدين ورضى الحي القيوم، إلى أن قال: وقد ذكرت تسأل وتناظر أن تستعين بأناس
من قبائل أهل الخلاف من غير أهل عمان، فلا يعجبنا ذلك، ولا تفتح لهم بابا على أهل عمان وتدعوهم إلى نصرتك ومعونتك، فإنهم لا تؤمن غوائلهم ومكرهم وخداعهم، ولا ترجى منهم النصرة لهذا الدين، وهم أعداؤه وحربه، وقد كمنت العداوة في قلوبهم لأهل هذا الدين، أترجى منهم أن يتخطوا الفيافي والقفار، ويحتملوا المشاق والمضار، ويسافروا البر والبحار، ويجهزوا الأموال والأبشار، ويفارقوا الأهل والأصهار، لنصرة من عاداهم في الدين، وإن كان مجيئهم وإجابتهم لدعوتك من قبل الأطماع، وما تبذله لهم من المال، فعندنا أن ما تبذله لهم من المال لا يقوم بما يغرمونه من أموالهم، ولا يبيعون به أنفسهم للقتال، وإن لم تجد من أهل عمان على غير الجبر، فكيف تجد من غيرهم إلا على طمع في سلطانك وملكك، فتفكر في ذلك، وتدبر تدبر من أشفق على نفسه طالبا رضى الله، وانظر في أمر سيف بن سلطان وأتباعه العجم وما تولد من أمورهم وصنيع حيلهم، فإن لمن تدبر في ذلك وتفكر عظة عن غيره ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها.
انتهى ما أردنا نقله من كلامه. وكان أحمد بن سعيد صاحب همة عالية ومطلب سام وجرأة وإقدام، فصار ملك عمان كله إليه إلا ما شاء الله، ودانت له القبائل وسكن الحركات وأطفأ كثيرا من الفتن، وأمر ونهى وقام بأمر الدولة، وأعطى المملكة حقها، ودافع العجم واستراحت الرعية وتجدد الملك.
وتوفي أحمد الإمام سنة ست وتسعين ومائة وألف، فكانت أيامه أيام راحة واستراحة بعد الفتن والمحن، وكانت مدة ملكه بعد العقد تسعا وعشرين سنة، وخلف أولادا منهم سعيد بن أحمد وسلطان بن أحمد وقيس بن أحمد ومحمد بن أحمد وطالب بن أحمد، وهؤلاء كلهم يقال لهم
أولاد الإمام.
فأما سلطان فهو أبو ملوك مسكد وزنجبار، وأما قيس فهو أبو ملوك الرستاق وكانوا قبل ذلك على صحار وما يليها، وأما محمد وطالب فإنهما وليا من قبل إخوتهما: فولى طالب الرستاق وولى محمد السويق من الباطنة، وأما سعيد فهو الذي ملك بعد أبيه بالحال وتسمى بالإمامة وخاطبه بها أبو نبهان، وذكر ذلك لأجل معنى يريد به دفع مظلمة عن بعض الناس، قال إن الخطاب بالإمامة يحتمل وجوها، واشتهر بهاذ الاسم من بين إخوته، فأولاده يقال لهم أيضا أولاد الإمام ابن الإمام، ولم يعدل في ملكه، ولم يرض المسلمون عليه. وكان أديبا لبيبا معدودا من أدباء عصره، ومما ينسب إليه من الشعر قوله متغزلا:
يا من هواه أعزه وأذلني *ش* كيف السبيل إلى وصالك دلني
وتركتني حيران صبيا هائما *ش* أرعى النجوم وأنت في نوم هني
عاهدتني أن لا تميل عن الهوى *ش* وحلفت لي يا غصن أن لا تنثني
هب النسيم ومال غصن مثله *ش* أين الزمان وأين ما عاهدتني
جاد الزمان وأنت ما واصلتني *ش* يا باخلا بالوصل أنت قتلتني
واصلتني حتى ملكت حشاشتي *ش* ورجعت من بعد الوصال هجرتني
لما ملكت قياد سرى بالهوى *ش* وعلمت أني عاشق لك خنتني
ولأقعدن على الطريق فأشتكي *ش* في زي مظلوم وأنت ظلمتني
ولأشكينك عند سلطان الهوى *ش* ليعذبنك مثل ما عذبتني
ولأدعين عليك في جنح الدجى *ش* فعساك تبلى مثل ما أبليتني
وكتب إلى أخيه سلطان بقوله:
إذا شحت الخضراء الوبل فالتمس *ش* تجد جود سلطان على الناس كالمطر
فإن عز مطلوبي فليس شماتة *ش* وإن حصل المطلوب فالفوز بالظفر
ولعل هذه الكتابة كانت منه لأخيه بعد خروجه عليه وأخذه لغالب ممالكه على حسب ما سيأتي إن شاء الله، ونذكر الأحوال الواقعة في ملك سعيد بن الإمام ونفرد لها بابا.

باب الأحوال الواقعة في أيام سعيد بن الإمام
ذكر ناصر بن أبي نبهان أن السلطان سعيدا مال إلى شف الهناوية وتنكرت عليه الغافرية. وذكر أبو نبهان بعض ما وقع بينه وبين السلطان وبين بعض الغافرية في رده على السيرة الثلبية، ومن جملة من خالفه العبريون ورئيسهم يومئذ سالم ابن مسعود.
قال أبو نبهان: فكم مرة سار إلى بلدهم الحمراء بجيوش كثيرة وعدد كثير ولم يقدروا أن يشربوا منها شربة ماء.
قال: ويخرجون إلى قتالهم أناس قلة، وفي مرات لم يعلم الجميع بهم أو علموا فيبادرهم أناس قليلون من الخمسة عشر رجلا أو يزيدون قليلا أو أقل، وفيهم كبيرهم هذا، فيقتلون فيهم ويولون الأدبار والقتل فيهم وأهل البلد في هيئة البراز لهم، وذلك إن كان مجيء واليهم على غفلة منهم.
قال فلما لم يقدر عليهم صالحهم وأعطاهم العهود والمواثيق بالأمان عليهم جميعا وقرب كثيرا أخا الشيخ سالم بن مسعود خدعة، وعرفهم أنه يصلهم زائرا لتمام الألفة وجاء بقوم كثير وجيش كبير وتركهم وراء الحورة ودخل هو في وسط الأموال بأناس قلة، ونزل هنالك فذبحوا له للضيافة وعظموا الكرامة، وقعد آمنا منهم وهم آمنون منه، ولما حضر أكابر البلد وفي نيته أنه يحيط بالأكابر ويهلكهم، فما كان غير قليل إلا وأحاطت القوم بهم وظن الأكابر أن وصولهم من غير رأيه معهم، بل كما جرت العادة أن السلطان تتبعه الناس حيث يسير يسيرون في طلبه فلم ينظروا إلا والسيوف قد علت وأحاطت بهم فقتلوا أخا الشيخ سالم بن مسعود، وتشمر الشيخ ومن حضره من الأصحاب لقتالهم وكانوا يفرقون منهم لشهرتهم في شدة البأس وذلة مبالاتهم في القتال في الحرب، فانهزم القوم مولين الأدبار منهزمين والقتل فيهم ممن حضر الشيخ لا غير، ولم يعلم بهم
من في البلد إلا والقوم بعدوا عنهم. قال فهذا الذي قد كان منهم فيهم.
وذكر أبو نبهان وولده ناصر أن أخا السلطان سعيد كاتب عليه المسلمين ووعدهم بالإعانة وواثقهم للقيام عليه، وأن يمدهم بالمعونة في حربه على شرط أن يكون الأمر راجعا إلى المسلمين يولون من يرون أنه أصلح للأمة وأقطع لمادة الفساد وأقوى في أمر الدين، ولم يسموا هذا المكاتب أي أخوة السلطان كان، وأظن أنه سلطان بن الإمام، لأنه هو الذي اشتهر بالخروج على أخيه، فوفق قيام المسلمين، وفيهم الشيخ أبو نبهان وقوع فتنة بين أهل نزوى، فخرجوا في الظاهر لإطفائها وهم يضمرون غير ذلك، بل كان مرادهم التمكن من السلطان بالحيلة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام خبرهم مستوفى.
وكان لسعيد بن الإمام ولد يقال له حمد بن سعيد حدثني من أثق به من أولاد الإمام أن هذا الولد كان قد طلع طلعة حسنة وثار ثورة مباركة، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في أيام والده، وكان أبوه بالرستاق وكان هو ببركا، وكان يطوف بقومه على عمان باطنة وظاهرة، ثم يأتي على الجوف والشرقية يصنع ذلك في السنة مرتين يتفقد الممالك والرعايا، وحصلت له في القلوب هيبة ومحبة. قال فدخل على أبيه يوما وكان قد جاء من سفر وأبوه بالرستاق، وكان بارزا في غرفة الصلاة، وكان قد تحزم بديولى، وهو رداء يعمل من الإبريسم والزري، فقام له أبيه ليحييه، فلما رأى حمد لباس أبيه لم يتمالك أن تناول الديولى من حزام أبيه فجذبه إنكارا لما رأى، فدار أبوه بذلك دورين أو ثلاثة.
قال وكان عمه سلطان بن الإمام عند آل وهيبة ساكنا في سيوحهم الحدرية، وكان همه وعزمه هم الملوك وعزمهم، فأخذ يوما سبعين راكبا وقصد بركا ليقتل ابن أخيه حمدا خوفا على الملك أن يستولي عليه دونه، فلما وصل بركا وافق حمدا خارجا في البلاد على فرس ومعه فارسان أو قال
ثلاثة، فتلقى حمد عمه بالترحيب ونزل عن فرسه وحياه ثم ركب فرسه وقال أنا قدامكم، ومضى إلى الحصن مسرعا فقال أصحاب السلطان: كيف أفلت الرجل وقد عزمت على قتله ولا تجد له فرصة مثل هذه؟ فقال إني هبته، وما كان بسلطان من وهن في باب الرجال غير أن الأقران تعترف للأقران، ثم أناخ على الكرامة وترخص ومضى، فما لبث حمد سعيد بعد ذلك قليلا من الزمان ثم توفى، ورثاه أبوه بأبيات قال فيها:
وافا حمامك يا حبيبي بالعجل *ش* نارا تلهب في ضميري تشتعل
يا من له شرف وفضل في الورى *ش* أمسى وحيدا مفردا دون الأهل
الله أكبر من مصاب عمنا *ش* هما وغما لا يبيد ولا يفل
حمد حوى المجد الشريف تغيرت *ش* أيامه قد كان يضرب بالمثل
صبرا لأولاد الإمام ومن لهم *ش* من إخوة وأقارب فيما نزل
لا غرو هذا قد أتى خير الورى *ش* لم تمنع الأموال عنه ولا الدول
وقال أيضا:
لهفي على عيش مضى *ش* ما ذقت أحلى منه شيْ
لما ذكرت عهوده *ش* جرت الدموع وقلت أيْ
وفي يوم الخميس لثمان مضين من شوال من سنة ثمانية وتسعين بعد مئة وألف خرج رجال من حارة الوادي من نزوى وهم في حال الريبة والتهمة بالفساد لاختلاط النساء بالرجال، ونزلوا على جبال سمد نزوى في الجانب الغربي عند جبل الحلاة على حذا مسجد الجبل، وقيل معهم بعض النساء المستزابات، فلما كان وقت الظهر خرج عليهم ملأ من سمد نزوى فهجموا عليهم بالبنادق والسيوف فقتلوا منهم أربعة رجال وجرحوا آخرين، فقتل من الخارجين واحد وجرح اثنان، فكتب الشيخ سعيد بن أحمد الكندي إلى السلطان كتابا فيه: أما بعد، فإن السوقة طغوا وبغوا
ونهيناهم مرارا لم ينتهوا فالآن قد قتل منهم أربعة رجال ولا يجوز أو لا يعجبنا أن تعاقب أحد منهم في نزوى وأرسل به رسولا.
قال أبو نبعان: فلم يرد السلطان إليه جوابا قال وقوله لا يعجبنا أن تعاقب الفاعلين بنزوى ليس فيه ما يدل على أنه يعجبه في غيرها أو لا إذ قد خصها ولم يذكر ما عداها بشيء جزما فهو ممن يحتمل لأن يكون المشتمل على المندوحة في القول الواسع وكأنه مما يدل على محاولة السلامة في الأمرين الدنيا والدين فما أبلغه في نظر العارفين خلافا لمن عابه من الجاهلين.
ثم خرج بعض أكابر العقر وأتوا عبدالله بن محمد بن عبدالله بن محمد الكندي وهو يومئذ كبير أهل سمد وطلبوا إليه أن يخرج إليهم القاتلين فوعدهم بالغد، فاستشار الشيخ سعيد بن أحمد الكندي وهو يومئذ عالم أهل نزوى فقيل إنه أفتاه وقال له لا تخلص القاتلين إلى أحد لأن الناس في هذا الزمان لا يؤمنون من التعدي في العقوبة وأخذ الحقوق، وعبدالله بن محمد هذا هو الذي بنى بيت سليط بسمد نزوى في أرض له يقال لها سليط فأضيف البيت إليها.
ثم أن أكابر العقر كتبوا للسلطان بصفة الحال وهو يومئذ بالرستاق فجاء إليهم في رجال وعبيد وجمع غير كثير، فلما وصل نزوى طلب منه ما قد طلبه أكابر العقر سابقا فاعتذر الرئيس واعتل بأن الفاعلين قد اختفوا فلم أجدهم، فطلب منه السلطان سبعة رجال من أهل القاتلين ضمانة يكونون في السجن حتى يأتي بالقاتلين فأجابه إلى ذلك ودفع إليه الرجال واحدهم ولده وألزمه أبو نبهان التوبة من تسليمهم وحاول عبدالله إخراجهم من يد السلطان فلم يقدر وكان يشاور في أمره الشيخ سعيد بن أحمد الكندي.
ثم أن السلطان طلب من عبدالله بن محمد بيت سليط ليجعل فيه رجالا من طرفه فأبى وحرج إلى من حوله من القرى والمساقي والجبال وأتى بالجيوش والحشود واشتد الأمر
وقبض السلطان عليهم المقابض وقطع عليهم السبل فصار أهل سمد ومن معهم في بيت سليط، وفي جامع سمد والسلطان ومن معه في الحصن وأهل السفالة في حوائرهم وبقيت الأمور كذلك من تاسع شوال إلى خامس عشر من ذي القعدة من السنة المتقدمة.
قال أبو نبهان: أقاموا بسمد نزوى كأنه لمعنى الدفع عنه ولم نسمع أنها كانت لهم غزوة على أحد وإنما أغير عليهم من السفالة يوما لكن على مجازة النساء فأتوها من علا الحورة فثار الناس إليهم وتراموا بالبنادق حتى هزموهم بعد أن أصابوا رجلا جاموديا برمية فمات منها وغدا يكون الحساب (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).
قال ناصر ابن أبي نبهان: فلما عجز الشيخ سعيد بن أحمد والشيخ عبدالله بن محمد عن إخراج المقبوضين من السلطان استعانا بالشيخ الوالد العالم أبي نبهان بالوصول إليهما ليتناظروا في هذه النازلة ويعملوا فيها على موجب الشرع، ويحتالوا على إخراج المقبوضين بغير الحق خوفا منهم أن يهلكهم أو يعمل فيهم ما لا يجوز له من الضر فوصل الشيخ وعملوا الحيلة أنه إذا سلم لهم المقبوضين يسلموا له المطلوبين، قال فأخرج لهم المقبوضين ولم يبذلوا له المطلوبين لأنهم لا يأمنونه أن يتعدى فيهم الحق، وقال غيره وصل الشيخ جاعد بن خميس الخروصي يوم خامس عشر من ذي القعدة من السنة المتقدمة ونزل بالحذفة من سمد نزوى وكأنه في ظاهر الأمر يريد سد باب الفتنة، وفرح كثير من الناس بوصوله وكتب للسلطان كتابا ساعة نزل قال فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: إلى إمام المسلمين سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي أما بعد، فإني جئت في سد هذه الفتنة وإني نزلت في الحذفة مع نفسي لا مع عبري ولا ريامي ولا كندي ولا مع غيرهم بل مع الحق والحق مع من اتبع الهدى وله أردت، فقد بلغني أنك قبضت رجالا بغير جنية فهذا
لا يجوز في دين الله وفك عقالهم الساعة قبل اليوم ولا تتأخر ساعة واحدة وعليك من ذلك التوبة ولجلالة الشيخ وشدة محبته في القلوب تداول هذا الكتاب الخاص والعام وقرأ في المساجد والمجامع فأجابه السلطان بالسمع والطاعة وأرسل له هدية قبلها الشيخ.
وقال السلطان أنا ما أريد إلا الفاعلين القاتلين بأنفسهم فوعدوه بهم على أن يأتوه بهم، وطلبوا منه أن تكون عقوبتهم بالرستاق لا في نزوى، ولعل ذلك كان خوفا عليهم من أهل المقتولين فأجابهم إلى ذلك وأطلق المقبوضين ونادى مناديه بالأمان وربما فسح لشيء من جيوشه، وهم بالمسير بالصباح وأرسل السلطان ناسا من أكابر أهل الرستاق، فيهم القاضي ناصر بن سليمان الشقصي ليأخذوا المطلوبين، فلما وصلوا كلم القاضي رؤساء سمد في أمر السلطان وطلب منهم أن يكلموه فيه، والمعنى أن القاضي كان ميله إلى السلطان وكأنه يصوبه في صنيعه ويطلب من المشايخ الجواب البين في خطائه.
قال أبو نبهان: ورجعوا إليه بالجواب، قال فكأنه اختار على ما عصب، قال ولقد أشار على القاضي من يكلمه أن يحضر الخصمين من هؤلاء الفريقين ليقضي بينهما بالعدل ونحن معه من حوله في جملة الحاضرين لمنع من أراد التعدي منهما على الآخر.
قال فلم يفعل وأعجبه ما عليه الجبار من أخذهم للجزاء، ولم يذكر الآخرين بشيء والقتل والجراح في الفريقين، فقال له من يكلمه عسى أن تكون له حجة فلم يمل إلى شيء من قوله لا عن تكبر يظنه به ولا تجبر لأنه أدنى إلى أن يكون هو الذي أداه إليه رأيه من الاختيار، لأجل سداد الحال برضا الجبار والذي هم به العظيمة، وليس عليه أن يكون موافقا عليها، ثم وقع بعد هذا الكلام سقط في كلام الشيخ أبي نبهان، وحاصل ما نفهمه من سياقه أن أهل سمد ولوا أمرهم رئيس العبريين وهو يومئذ سالم بن مسعود، وقد تقدم ما جرى
بينه وبين السلطان من الحروب وأن السلطان كان قد خادعهم واحتال على قبضهم وقتل أخ الرئيس المذكور وأن سالم بن مسعود أبى من دفع المطلوبين فقال يسلمهم إلى ثقات المسلمين لا غير، وذكر السلطان فأغلظ فيه القول لما قد عرفه من قتل أخيه على أمان.
قال أبو نبهان: واحتج في أمره بما لم يقدروا على دفعه وأشار إلى القاضي بهم فلم يقوا على أن يتولى أمرهم في حبس الجبار فيكون هو المسئول عنهم. قال وربما عرض بالشيخ محمد بن خلف بن محمد الشقصي في بذلهم إليهم ولا أدري أنه من معاريض الكلام أو أنه على ظاهر ما أبداه أو أنه على وجه الاختبار إلا أن القاضي ذكر عن السلطان أنه لم يعرض بذلك.
قال ولما رأينا ما بينهم خلوه بعد فأمره بغير ما هو عليه من الشدة لأن بلوغ المراد من إخراج من أودع السجن جورا أو غيره لا سبيل إليه كمثله، فرجع إليهم بما يرضي السلطان من بذلهم إليه قولا ليس من ورائه عمل فرجعوا بالأمر فأخرجهم وبقى حكم الموعد له بهم.
هذا آخر ما انتهى إليه الأمر في هذه القضية وسنذكر لك بيان ما طلبه الشيخ أبو نبهان وقصده.

ذكر خروج أبي نبهان على السلطان
سعيد بن أحمد
لطلب إقامة العدل وإظهار الحق وذلك فرض الله على الناس إذا قدروا عليه وأمكنهم فعله وذلك أن أبا نبهان كان المتقدم على أهل زمانه بالعلم والفضل والشرف، واتخذه الناس قدوة في مراشد دينهم ومصالح دنياهم، وقلده الأفاضل أمرهم لما علموا من علمه وورعه، وكاتبه أخ السلطان وغيره في الخروج على السلطان ووعدهم أخ السلطان بالمعونة على أخيه.
قال ناصر بن أبي نبهان وذلك منه لأجل الملك حين صار في يد أخيه بعد
أبيه فقبل منه المسلمون ذلك على شرط أن يكون مرجع الأمر إلى أفاضل المسلمون يولون من يرونه أقوى للأمر وأصلح للأمة، فدخلوا العقر على حسب ما سيأتي وسار أخ السلطان إليهم بالمعونة وفاء بما وعد، فلما وصل وادي بني رواحة منعوه الطريق لأن شفهم كان عند السلطان بالزعم الباطل، إنهم هناوية ولم يكن عند أخ السلطان ولا عند أفاضل المسلمين هذا الشف، فكان منع بني رواحة لأخ السلطان من أقوى الأسباب التي ظهر بها السلطان على أفاضل المسلمين ابتلاء من الله لعباده.
وأما أبو نبهان فإنه لما نزل الحذفة من سمد نزوى ورأى القبائل متجمعة على السلطان أحس في نفسه القوة على ما كان يحاول، فأخبر عن نفسه أنه لما نزل الحذفة ليكون غير والج معهم وفي معزل عن غيرهم لمعنى أراده عن رجائه، ثم أرسل إلى السلطان تعريفا يخبره بنزوله بها وأن أمره له لا لغيره ممن لا يقدر في الشيء على فرق ما بين شره وخيره إذ لا يرضى من نفسه أن ترضى في الحال أن يقوده من لا يبصر ما يأتي أو ينذر، وإنما أراد أن يكونوا أولئك تحت أمره ونهيه خوفا من مخالفة الحق في شيء ويدعوه فيه إلى فك من قد سلم إليه من الناس فأودعهم السجن بدلا من المنهزمين لا لمقارفة سيء من الخطايا التي بها يستحقون العقوبة في قول المسلمين، وأن لا يؤخرهم طرفة عين لأنهم بدل وليس في مثل هذا في أهل القرى بدل ولا تأخير، لأنه من الباطل الذي لا يجوز له أن يقيم عليه طرفة عين على معنى الإصرار فيه ويخبره فيه أنه ما جاء ليخاصم خصما أخصم ولا لأن يدفع حجة حق ولا ليعطل حدا ولا يبطل حقا وجب في الحكم، ولكن لمعنى الصلح بما جاز فيه من العدل وما أشبهه في المعنى وأراد منه أن يرسل إليه من عقر نزوى رجالا من ذوي الحجى لشيء أراده حال المناظرة لهم في هذا الأمر الواقع وغيره مما قد خرج إليه أولا بالتلويح وثانيا بالتصريح أن شم منهم رائحة
الرغبة فيه وإلا بالكف عن إذاعة ما يخشى على ظهوره، كون الأذى لغير فائدة ترجا هو الأولى لظنه لهم السلامة من الدخول في هذه البلية، ولم يدر أنهم قد حشدوا النادى لإعانة الجبار مع أهل حوائر الوادي في تلك الواقعة حتى بلغ إليه ذلك من بعد والله أعلم أنه كان ذلك أولا، غير أنهم لم يصل إليه أحد منهم وأنزلهم إلى العذر لأنهم أعلم بما هم عليه وعسى أن يكون لمنع السلطان لهم أو لمعنى آخر، ثم أرسل إلى بعضهم انه يريد أن يدخل معه سرا أو يخرج إليه هو في موضع يلقاه فيه، فرجع إليه الرسول بالعذر منهما فعذره، لأنه أعلم بأمره وأدرى بما عليه من سلطانه، ولم يحملهم على سوء الظن بأن ذلك منهم لجفاء وليس له مراد إلا أن يتعرف ما عندهم في هؤلاء القائمين بالأمر، أهم في رضى عنهم على ما هم به من الفساد والبغي في العباد أو في كراهية لهم لقبح حالهم وكثرة ظلالهم؟ وهل من حبهم التعاون على زوالهم، لراحة الناس من شرهم وجورهم وضرهم أو لا يقدرون على شيء من هذا، لأن مراده القطع لمادة الفساد في الأرض بقهر هذا العدو المارق لا لقتله ولكن لعزله إياسا من عدله إن أمكنه الوصول إلى ما نواه في حين الخروج إليه.
وقال في موضع آخر فأنا والله ما قمنا عليه لما نقمناه منه بعد الإياس من رجوعه إلا لإقامة دين الله وإحيائه، ولم نزل نؤمل هذا ونعتقده في نفوسنا أنا متى قدرنا أو طمعنا بالقدرة لنسعى فيه حد الاجتهاد من إقامة دين الله رب العباد وتوهين أهل الظلم والفساد ومحو الباطل والعناد حتى طمعت النفس بالقدرة على وصوله بكرة فيكون سبب ضياع ما نحاوله بمخافته منه بأخذ الحذر وعلى المرء فيما عليه لازم ولو فيما هو له جائز أن يسعى في طلب القرب من الله تعالى بأي وجه ولا سيما من جهة الفضائل ذلك لوجود المعين من أخيه ابن أبيه إلا أنه لم يكن في الحال عندنا وأراد منا أن ندخل
في الأمر قبل وصوله.
وقال في موضع آخر كلا والذي يعلم السر وأخفى إني لم أقصد إلا معين من الناس فأضعه على العناد فوق العباد إنما القصد كله مع الظفر بمعقل المسلمين أن يكون الأمر إلى أهل الحلم من أهل العلم من المؤمنين لمن يختاروه من حبشي، أو يمني، أو قرشي لأني لهم أتبع، ولقولهم أسمع ولا أرضى أن أكون المستبد برأي عنهم فضلا أن أخرج منهم وعلى هذا اعتمدنا فيما له قصدنا، والله يعلم أني لا أفرق بين أهل الطاعة من الفريقين جميعا إلا من حيث المنازل، فإن لكل منزلة هي التي بها أنزل نفسه لا غير، إذ ى يجوز أن يعدي بها إلى غيرها وجميع الخلق عندي في الحق بالسوى، وأرجو من ربي أن يوفقني أن لا أميل بهوى في شيء أخالف فيه سبيل أهل التقوى، فكيف أدس نفسي بالصياصي حنى أجبر الناس على طاعة من يعمل بالمعاصي لقد ظللت إذن، وما أنا من المهتدين إن كان هذا مني في حين ولكنه لم يكن وأرجو من الله أن لا يكون.
هذا كلام الشيخ أبي نبهان في بيان مقصده الذي قصده ومطلبه الذي طلبه وقد ذكر في موضع آخر أنه أهمل أمر تلك الفتنة الواقعة بين الغوغاء وضرب عنها صفحا وأخذ في خدمة ما إليه قصد، وإياه طلب وجعل الوصول للصلح بينهم من أعظم السبب فعند ذلك أمكنته الفرصة، وقام لاقتناصها ودخل العقر.

ذكر دخول أبي نبهان ومن معه العقر
لأجل إظهار الأمر حين أمكنته الفرصة
قال ناصر بن أبي نبهان: ولم يكن في نفس الشيخ أن يقوم بالعدل في ذلك الوقت قال: وقد قال للشيخ سالم بن مسعود وأصحابه: إن كنتم تريدون بالعلم السر فتركوني في المسجد الذي أنا قائم فيه واذهبوا أنتم على المعقل، وإن كنتم تريدون بغير العلم السر فالنظر إليكم، قالوا أنت بما عندك من العلم النافع لهذا دعه الآن وأخرج معنا قال وفي أنفسهم قوة على ما أرادوه لا يحتاج إلى التيسر بعلم الأسرار فقد تسوروا البلد كانت عند الشيخ حيلة بأن يحملوا الحجارة ويجعلونها بين الرز والباب حين معالجة فتحه، فما يهم الشيخ إلا وقد تقدموه على الباب، يعني باب الحصى وتقاوموا عليه هم والداخل في المعقل، هذا يفتحه وأولئك يسدونه فوقف في الوسط ولم يرموا حجارة بين ما ذكرناه، فغلب أهل الداخل لكثرتهم وفله الذين يفتحونه وسدوه وضاع ما كانوا أملوه.
قال ولو أنهم تركوا الأمر على اختيار الوالد وتركوه في الخلوة وساروا هم إلى المطلوب لتوفق، ولكن لم يكن ذلك لأمر يريده الله تعالى في عباده ما داموا مستحقين الغضب ولو أنهم أحسنوا أحسن الله إليهم.
قال أبو نبهان: وقد تقدمنا على الداخلين من قبل أن لا يتعرضوا إليها لا لأخذ مال ولا لأحد بالقتال وأن يقولوا لمن عارض بالمنع إنكم غير مطلوبين، إنما المراد فلان، يعني بذلك السلطان، فكفوا فعليكم الأمان، ومن أبى من بعد أن يستكفي فيدفع بأقل بما به يمتنع إلا أن يقاتل فلا بد من ضربه حتى يرجع أو يقتل، ثم يترك على حاله فلا يؤخذ له
شيء من ماله، فامتثلوا الأمر بعد أن سمعوا الزجر ولم يصحا أنهم خالفوا إلى شيء مما نهوا عنه، وسلم أهل العقر من كل ضر.
وأما نحن فلم نسلم منهم كل السلامة لأنهم أصابوا منا رجلا برمية في وجهه، ولعلها أن تكون بلبنه من طين أو ما أشبهها فأضر به وآخر أصابته في رجله جراحه ولعلها بشيء من البنادق فالله أعلم، غير أنا أخذنا في الوضوء لصلاة الصبح فلم نشعر إلا والحرب بين القوم وأهل البغي ممن في الحصن قائمة وبحثنا في المبتدئ فقيل وصح معنا أنهم أهل الحصن، ولا خلاف بين المسلمين في جواز حربهم في الحال على ذلك، وذكر غيره أنهم تسوروا سور العقر بالجذوع جذوع النخل في الثلث الأخير من ليلة ثامن عشر ذي القعدة سنة 1198ه، ثماني وتسعين ومائة وألف والسلطان نائم في حصنه.
قال فلما انتبه من نومه قال له بعض أصحابه: نخرج على القوم قبل أن يتكاثروا، فقال لا لأننا لا نعلم الدولة الداخلة قليلة أم كثيرة وخاف الخديعة، فخرج في نفر من باب السوق على خيل وركاب، فقصد إبراء من الشرقية ونواحيها وحشد حشودا منها ومن نواحيها، فأقبل عشية الأحد بعد سبعة أيام كان فيها أبو نبهان ومن معه محاصرين الحصن متمكنين من العقر، فلما علموا بوصول السلطان بجيش الشرقية، وكانوا كالجراد المنتشر، خرجوا إليهم والتقوا بين حاجر سعال وأبي ذؤابه – نهر بنزوى، وهو بهمزة فموحدة فواو فذال معجمة فواو فألف فباء موحدة فهاء - قال أبو نبهان فأردنا بهم الوقوف لمعنى الترتيب، قال ودعاهم قائد منهم إلى الرجوع ليكونوا في موضع، ولعله رآه أصلح لنزالهم وأولى بقتالهم، فردوا إلى ورائهم من غير ما وقوف إلى ما يأمرهم به، فلم يقدروا على ردهم لأمر سابق في علم الله كونه، وإلا ففي الخارجين أناس
من أولى الشدة والبأس يقاتلون كثيرا وإن قلوا يعرفون بذلك غير مرة في قتالهم لهذا الجبار وغيره ممن هو أقوى منه، فلا يقدر عليهم بحيلة.
وفي هذه الوقعة تولوا منهزمين في الحال من غير ما قتل ولا قتال لأمر أراده الله تعالى في بقاء هذا السلطان على ما به من البغي والعدوان والغي والطغيان، وعسى أن يكونوا أهلا لذلك الأمر، لا مرد لأمره ولا معقب لحكمه، ولا بد من كون ما في سابق علمه، فكيف يجوز أن يكون في وقت إلا ما أراده فيه ولا محدث سواه، فلا تعبدوا إلا إياه إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ كما كنتم يولى عليكمن ، هي المقادير فلمنى أو فذر.
ثم رجع الشيخ بمن معه إلى العقر، ونزل السلطان في جامع السوق وجيشه نزل معه وبعضه بين حوائر الوادي وبعضه بالبطحاء، ودخلت رجال بالصلح بين السلطان والشيخ.
قال أبو نبهان: إن السلطان أرسل إليه مع أناس من أعوانه كتابا يدعوه إلى الصلح فأجابهم إلى ما طلبوه لما رأى ما يفوته من التخاذل عن قهر البلاد ومجاهدة العناد لرب العباد بعد التشمير لهم، لعسى أن يأتي النصر من عند الله لمن يرجو منه مددا بعد حين فلم يشمروا، ولما أتاه الخبر بوصول أناس من أهل البأس بسمد نزوى أراد منهم أن يكونوا على السور واقفين وفي المقابض قائمين إلى الصباح، فلم يجبه إلا القليل من أهل النجدة والبأس ممن له في هذا الأمر قوة وشدة مراس، ولكن ليسهم ممن تقوم به الكفاية، والبعض أبى عن المراد، وهم الأكثر، وأظهروا له إنا لنخرج وإن لم يصحبنا خرجنا عنه، وذلك لقتلهم وكثرة قوم السلطان، فلما أيس من نصرتهم أتم لهم ما أرادوه على أيدي من يسعون فيما بينهما، ورأى لأصحابه العذر الواضح من قلة ما يأكلونه من المعاش هنالك، وعدم
ما يدفعون به عن أنفسهم من الباروت والرصاص وميل أهل الدار لا إليهم مع قلة العدد وانقطاع المدد، إلا أنه أشار أحد منهم إليه بجبر أهل البلد على الطعام بالفيمة، فأبى أن يجبرهم عليه، إذ لم يصح معه أن لهم فضلا لذلك.
قال ناصر بن أبي نبهان: إن الشيخ أفاد جواز الجبر لأهل البلد على بيع الطعام لمثل هذا الأمر الذي ذكره أن لو عرف أن معهم فيه فضلة عن قوتهم لسنتهم أو غير ذلك من المراد الني عندهم.
قال وأما دخول الوالد في هذا الأمر على قلة ما ذكره في ما سمعته أنه وعده بالمدد وبالرجال وبما يحتاج إليه الحرب أخ السلطان، وكان عدو لأخيه حيث انتقل الأمر إليه بعد أبيهما وأراد خروجه منه، والوالي من اختاره المسلمون، وأن يقعدوا الإمامة بعد ذلك لمن شاءوا ممن يرونه أهلا لها، فلما عرفهم بخط بالخروج على السلطان، وإنه خارج من بلده بجميع ما يحتاج الحرب إليه سار الوالد وأضمر في نفسه القهر له بالحيلة كما أخبر عن نفسه فيما مضى من كلامه ولم يتفق له تشمر بعد ذلك إلى أخذ الحصن على حين غفلة فرأوا الباب مفتوحا، فلما ذهبوا إليه أصحابه ورأوهم أهل الحصن سدوه، هم يسدونه من داخل والقوم تفتحه من خارج وبقي الباب كذلك. وكان أهل الحصن أكثر من الذين يفتحونه من خارج من القوم، فغلب أهل الحصن وسدوه، فقال لهم الوالد الشيخ: لو كنت عندكم لرميت الحصى بين الباب وبين الرز، فأضمروا أن يحربوا ويصبروا حتى يصلهم أخ السلطان، لأن أهل السلطنة تتبعهم الناس أكثر من العشائر طمعا لما في أيديهم، وهذا ما لا ينكره ذو عقل صحيح.
قال فلو وصل أخ السلطان فلا شك أن القلوب تكون مطمئنة به أكثر من حربهم بأنفسهم وهم عشائر فقراء، وما كان أرجى
لبلوغ المراد، فلا شك أنه الرأي الذي فيه السداد في سلوك منهج الرشاد، فلما وصل أخ السلطان وادي بني رواحة منعوه عن المسير إلى نزوى إذ كان ميلهم إلى السلطان، لأن السلطان ميله بالمحبة والعصبية والحمية الجاهلية إلى كل يمنى يسمعونه هناويا على الحقيقة في نسبه كذلك، ولكن كذلك قسموا العوام عشائر من أهل عمان على غير حقيقة النسبة ويلقى كل من كان نزاريا ويسمونه غافريا، وأخ السلطان معه هذا وهذا سوى، ولذلك كان ميلهم إلى السلطان دون أخيه، فلما وصل الشيخ خبر أخ السلطان أنه منع عن الوصول إليكم أيس من وجود ما ذكر عدمه، وأيس أصحابه وهو في الأصل ما تشمر لهذا الأمر إلا بثقته بمن واثقه على المدد بجميع ما يحتاج إليه وإلا فهو عالم أن هذا أمر لا يصح إلا بذلك.
قال وقد وفى أخ السلطان بما عاهده عليه الشيخ، لأنه خرج بذلك وسعى وحدّ واجتهد، ولكن لا يكون في الكون شيء إلا ما سبق في علم الله كونه، والله بصير بالعباد. قال هذا ما عرفته شفاها من لسان الشيخ والدي.
قال أبو نبهان مخبرا عن نفسه بعد أن ذكر تعذر الأمور ورأى الخروج أولى من الدخول فخرج منها بعد أن أعطى من السلطان أمانا على كل حارب، إلا أنه أمان امرأ<ح>(1) أهل هذا الزمان من البوسعيدي في عمان، فهو الأدنى بما ساغ إلى أن يكون المكر والخداع، وأنه تصد إلى سمد نزوى لوقوفه فيها خوفا من العدو عليها، فوجد كبيرها قد عزم على الرحيل منها، وانه أخبر الشيخ سالم بن مسعود العبري كبير قومه أنه كاثره في الوقوف، فكابره وقال له: قد كنا متفرقين والآن صرنا في<ح>
(1) هكذا في نسختين ولعل صوابه: امرئ ظالم ومن أظلم من أهل الخ.

سمد مجتمعين، إن جاءها قاتلناه دونها، وإن سار إلى بلداننا لاقيناه، قال وقوله<ح>(1) من وراءه فعل الرجال لأنه من جملة الأبطال معروف بالشجاعة حين النزال وحوله من بني عمه رجال، وأي رجال وأناس آخرون عند الحاجة إليهم لا يقصرون، فأبى إلا الخروج منها والقوم تحتاج إلى طعام، وقد كان القائم به هو لا غيره ولا يرجى أن يقوم به أحد بعده، فلم يمكنه أن يبقى في سمد نزوى بعد خروجه من العقر وذكر غيره أن الشيخ جاعد خرج من العقر أول ليلة الاثنين قال ودخلوا سالمين وخرجوا سالمين، قال ومروا إلى سمد ولم يقعدوا فيها، قال فلما أصبح الصباح نهضت جيوش السلطان إلى سمد فخربت البلاد وشردت العباد، وقتلت رجالا ويتمت أطفالا، وحرقت المنازل والحروث، وخشبت النخيل.
قال أبو نبهان: وذلك كله لعدم إيمانه جرى منه هذا بعد أمانه أخزاه الله في سلطانه، وجميع من أعانه على شيء من ظلمه فهو من أعوانه، قال أوله في الحق مخرج إلى الصواب؟ في قتل الرجال أو تخريبه المنازل أو في نهب المال أو في تشريد العباد في الأودية والجبال، أو الحق في حكمه أنه من الضلال لظهور ظلمه قال وهل هن غير واحدة مما تقدم له في مثلها مما لا وجه له في العدل لحكمها قال أفخفي عليك أمره بعد أن شهر في البلاد كفره.
هذا كلام أبي نبهان مختصرا في هذه الواقعة، وقد تركت أكثره، وإنما ذكرت منه ما يناسب المقام، وللقصة تمام يأتي ذكره في خروج سلطان بن الإمام. <ح>
(1) قوله مبتدأ وما بعده خبر.


ذكر خروج سلطان بن الإمام
على أخيه سعيد بن الإمام
ذكر ناصر بن أبي نبهان أن سبب ذلك كان من الشيخ أبي نبهان. قال وذلك أنه لما رجع من نزوى إلى وطنه العليا شمر السلطان بالرشاء بالدراهم الجزيلة لقتل الشيخ، وتبين عليه ذلك، قال فشمر الشيخ في العمل الخفيف من عمل السر، فأخذ مرتبة مائة ورابعة وخامسة<ح>(1) مائتين ومزجها بحروف تعطيل حركات فلان حرفا بحرف سطرا واحدا. وكسره بأخذ حرف من أخره وحرف من أوله حتى تم السطر الثاني من وسط السطر الأول، وكذلك بكل سطر حتى خرجت السطر الأخر كالسطر الأول، وهو المسمى معهم بالزمام، ونظم السطر الثاني أسماء من أوله إلى آخره كل أربعة أحرف منه اسما إن كانت جملة حروفه زوجا، وإن كانت فردا نظم كل خمسة منه اسما، وزاد كل اسم منها في آخره يال أوال، وأخذ جملته بالجمل الكبير عددا، واستنطق العدد حروفا، أي جعل بدل العدد مما له من الحروف حروفا، وجعلها اسما وألحق آخره ائيل، وهو اسم عبراني معناه بالعربية الله، كما يقولون إسرائيل وجبرائيل، يضيفون ذلك إلى الله، كما تقول ناصرا لله ومحمدا لله وسماء لله وأرضا لله، أي لله تعالى، فيكون هذا هو الروحاني وتلك الأسماء هي القسم، ووكل الروحاني بتعطيل حركاته في كاغدة وحثه بالقسم ورقم التكسير في قفا القرطاسة وطواها، وقال لولده نبهان علق هذا على الماء في قنطرة<ح>
(1) في نسخه وأربعة.

فلج، كانت عند المسجد الذي قام فيه، وهو مسجد الحشاة من بلد العلياء وأمره أن لا يتركه بقدر ما يمس الماء، فإنه إذا مس الماء مات به، ولم يرد به موته قال فبطلت همة السلطان وضعفت قوته وذهبت مملكته وخرج عليه أخوه سلطان ابن السلطان أحمد بن سعيد، وتولى على جميع ما كان في ولايته، ولم يبق في ولايته غير الرستاق.
قال وذهبت هيبته حتى أن السمك يأخذ من يد طارشه إذا حمله من السوق ولا يقدر أن يذب عنه، قال وصار عبرة للناظرين وآية للمعتبرين. قال وعلم الناس جميعا أن ذلك كان من الشيخ فيه، وخضع للشيخ وذل له، وصار من أشد الناس هيبة منه وفرقا من عمله ومعرفته.
قال وأمر الشيخ ولده بعد ذلك بزوال العمل وتدميره لئلا يهلكه. قال ويجوز له أن لو تركه إلى أن يهلك في قول بعض المسلمين في قتل الجبابرة غيلة، قال وقد عمل به في غيره من الجبابرة قال ولا فائدة في رسم جميع ذلك. قال وكان أكثر أمره في هذا بالدعاء.
انتهى ما أردنا أخذه من كلام ناصر بن أبي نبهان. وبهذا السبب الذي ذكره صارت الدولة لسلطان ابن الإمام: ولم يذكر أبو نبهان ولا ولده لسلطان هذا شيئا يكرهونه منه في باب الدنيا، وظاهر الحال أن الحركات قد سكنت في أيامه واستراح أبو نبهان وأولاده.
وكان الملك البحري أيام اختلاف اليعاربة متفرقا في أيدي عمالهم، مثل الهند وممباسة وزنجبار وما بعدها، وكل عامل قد استبد برأيه، وانفرد بما تحت يده، وادعى المملكة لنفسه، فسعى سلطان في رد ما أمكنه من ذلك، ولم يتم له الأمر وإنما تم لولده سعيد بن سلطان.
ومات السلطان سعيد بن أحمد وبقيت الرستاق في أيدي أولاده حتى أخذها منهم طالب بن الإمام في أيام سعيد بن سلطان بمعونة من سعيد
لعمه على حسب ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ثم قتل سلطان ابن الإمام، قتله أهل الشمال، وكانوا قد آذوا عمان في زمانه يغزونها في سفن صغار من جهة البحر، ودافعهم سلطان حتى قتل، ثم دافعهم من بعده ولده سعيد بن سلطان حتى استأصلهم، وكان سلطان قد ترك ابنه سعيدا صغيرا، وكان مقامهم بمسكد فزحف إليه عمه قيس بن الإمام وكان على صحار وما يليها فحاصره بمسكد ومعه أهل الشرقية وقائدهم عيسى بن صالح، وقام بأمر سعيد ابن سلطان بعض أعمامه وبعض أخواله من الجبور فيقال أن قيسا خلص مطرح وما حولها ودخل مسكد ولم يبق لسعيد إلا الكيتان وما علا من البنيان فعند ذلك أرسلوا لعيسى بن صالح مالا جزيلا في خفيه لبعضهم وكان هو القائد الأكبر، فلما أصبح اعتل بالحمى، ففطن له قيس بن الإمام فقال له، أو حميت؟ فإن كان ذلك فقم بيننا بالصلح، فجرى الصلح بينهم على أن يكون لسعيد مسكد فقط ولقيس باقي المملكة، وافترقوا على ذلك، فما زال سعيد يكبر حتى ظهر أعمامه وغيرهم، وسعى في تخليص ما بقي من ممالك العرب في أرض الزنج وخلصت له، وأخذ جانبا عظيما من أرض فارس، ودانت له الأمور بعد وقائع مشهورة وأحوال معروفة وطالت أيامه حتى قيل أنه عاش في المملكة خمسين سنة، وقيل أكثر من ذلك ولطول مدته كثرة الحوادث في أيامه وخرجت عليه طوائف
وحاربته أهل نجد وأهل الشمال وبنوا أبو علي، وكان له في الجميع وقائع كثيرة وحروب متوالية وأخبار يطول بها الكتاب.
وقتل عمه قيس بن الإمام في صكة كانت بينه وبين أهل الشمال في خورفكان، وقتل فيها كثير من العرب من أهل عمان.
وترك قيس ولدا اسمه عزان بن قيس وهو جد الإمام الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وسنفرد لبعض الأحوال الواقعة في أيامه بابا.

باب الأحوال الواقعة في دولة السلطان
سعيد بن سلطان
ومن جملة ذلك أنه لما شخص نابه قتل ابن عم له كان قائما بأمر دولته على جهة النيابة، وهو بدر بن سيف بن الإمام، فسار الوشاة بينهما بالنميمة حتى وثب عليه سعيد فقتله، وكان بنخل وال من اليعاربة يسمى مهنا بن محمد بن سليمان، ثم قتل وصار حصنها لمالك بن سيف بن سلطان صاحب الحزم، ووقعت منه مخالفة على سعيد بن سلطان، فحاربه سعيد فأخرجه من الحصن، وصارت نخل لسعيد.
ومن جملة الأحوال الواقعة في زمانه قدوم مطلق بن محمد المطيري، وهو عامل من قبل سعود بن عبدالعزيز الوهابي، جاء إلى عمان بالجيوش بواسطة الغافرية من أهل الظاهرة وأهل جعلان، وشايعهم على ذلك كثير من أهل النفاق ممن ينتحل بالدعوى مذهب الحق، فقدم في سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف، فكان قدومه على عمان عذابا واصبا وبلاء وبيلا.
ذكر الشيخ ناصر بن أبي نبهان أنه كان قد استحل دماء المسلمين وشركهم، ودعا الناس إلى مذهبه، قال ومن لم يدخل في مذهبه قتله وسبى نساءه وذراريه وغنم أمواله. وذكر غيره أن عامل أهل القبلة بمعاملة أهل الشرك، فضرب عليهم الجزية وأخذ منهم الخراج وتردد على عمان ثلاث سنين يسير عنها ويرجع عليها، وأعد له السلطان سعيد بن سلطان الرجال للقتال، فما أغنوا شيئا، وجاء له بالعجم والعرب فهزمهم بإزكي وصار إلى مطرح ودخلها ونهبها وأدى إليه السلطان الخراج ليدافعه عن البلاد حين لم تغن الرجال
شيئا، وذلك لاختلاف كلمتهم فيما بينهم بزعمهم الباطل أن هذا غافري وهذا هناوي، واتخذ توام وهي البريمي معقلا وبقيت فيها عمال أهل نجد حتى أزالهم الله على يد الإمام عزان بن قيس *ر*.
قال ناصر بن أبي نبهان: قام مطلق بحرب بلدان المعاول ثلاثة أيام، فقلنا للشيخ لازم عليك إعانة المسلمين، فدخل المسجد ودعا عليهم في الحين ثم خرج إلينا في صرح المسجد وعلى الصرح غماء، فقال في هذه الليلة ليذهبوا عنهم، فلم يبيتوا تلك الليلة في بلدان المعاول من غير أن يدركهم أحد لمسيرهم، قال ثم سار إلى الشرقية، فجئنا إلى الشيخ فقال: اعملوا له طريقة المزج بقتل فلان بحروف النارية النحسة، قال ونحن في بلد العليا من وادي بني خروص قال وأمرنا أن نجعله في الموقد الذي نقد فيه وقت الشتاء فما لبث ثلاثة أيام إلا وجاءت الأخبار بقتله، والعمل كان ليقتل قال وكنا قد عملنا ذلك بين يدي الشيخ.
قال: وقتله في الشرقية كهول قليلون، وهو في جيش كبير.
قلت: وهؤلاء القاتلون هم رجال الحجريين، وكان قتله عند شكل أولاد عرفه علوي الواصل جاءوا على حين غفلة، فسلطهم الله عليه بعد أن قتل من رجالهم سبعة بيده، لأنه كان فارسا عنيدا، قالوا فأراد أن يجعل الدرع على نفسه فلم يمكنه لضيق الحال، فاستوى على فرسه وكان يطعن بشلفة في يده فسقطوا عليه على غير مبالاة بالموت، فمكنهم الله منه وانهزم قومه بعد قتله وقتل منهم مقتله عظيمة، وذهبوا هائمين على وجوههم، وأراح الله منهم البلاد والعباد، وكان قتله على ما قيل في سنة خمس وقيل ثمان وعشرين ومائتين وألف.
وجاء ولده سعيد بن مطلق في طلب ثار أبيه في سنة خمسين ومائتين وألف، ركب في قوم من البريمي وجنبوا الخيل وأغاروا على بدية صبيحة العيد وهو يوم الزينة فقتل
منهم رجالا وقتلوا منه رجالا، ثم عطف راجعا فلم يعاود منهم أحد بعد ذلك، فهؤلاء الوهابية الذين تراهم في جعلان والظاهرة إنما هم بقايا من أتباع مطلق النجدي الوهابي.
قال ناصر بن أبي نبهان ولما طغى الأمير النجدي في جميع البلدان قلنا للشيخ عليك نصر دين الله ونصر المسلمين واجب فقال إن شاء الله اصبروا وانظروا بما يرسل عليهم من محو آثارهم. قال فما كان بعده مدة غير طويلة فوصل السر إلى سلطان مصر<ح>(1) ونزل عليهم ومحاهم من نجد وقبض الأمر إلى مصر، وأرسل الله على كل من صار إلى مذهبهم من أهل عمان من الشرقية بني بو علي السلطان والنصارى ومحوهم ولم يبق أحد إلا من كتم نفسه أو رجع إلى مذهب السنية.
قلت وقد رجعت بعد ذلك لبني بو علي قوة لكنها لم تبلغ القوة الأولى، فإنهم كانوا قبل ذلك أهل عدة وعدد وصولة يضرب بها المثل يعتقدون القتال دينا، وكان السلطان سعيد بن سلطان قد جيش لهم الجيوش من أهل عمان فلم يغنوا فيهم شيئا، وكانوا كلما جاءهم بجيش هزموه ثم استعان عليهم بالنصارى<ح>(2). وجمع معهم أهل عمان فهزمهم بنو بو علي ثم جاء بنصارى آخرين وجاءوا بشدة لا تقاوم، وطلبوا أن يكونوا في قتالهم منفردين لا يكون عندهم أحد من العرب إلا الأدلاء<ح><ح>
(1) هو الأمير محمد علي جد العائلة المالكة بمصر وكان يومئذ واليا من قبل الدولة العثمانية على مصر ثم استقل بها استقلالا كاد يكون تاما لما حارب الدولة العثمانية واحتل الشام وقضى على الحركة الوهابية بالحجاز وطاردها حتى بلغ عاصمتها الرياض فاحتلها وكادت الوهابية تموت وينقطع أثرها والملك لله يؤتيه من يشاء.

(2) قلت أراد الإنجليز وهذه البادرة كانت أول ظهور الاستعمار الإنجليزي في الخليج الفارسي بالفعل بعد أن مهدوا له بالدسائس ثم أخذت بعد تظهر المنافسة الفرنسية لكنها لم تستطع الصبر إزاء اليد الإنجليزية فصفا الجو للآخرين فكان منهم ما يشاهد اليوم من تمكنهم بالخليج وجزيرة العرب والأمر لله.

فهجم عليهم بنو بو علي في منزلهم الذي نزلوه فقتلوا منهم خلقا كثيرا وقتلوا منهم كذلك، ثم رجع بنو بو علي وكمنوا للنصارى في موضع منخفض قريب من بلادهم فجاءت النصارى والمدافع تسحب أمامهم، وكانت محشوة بالسلاسل فنظروا فلم يروا أحدا، وظنوا أن القوم قد كمنوا في الموضع المذكور فضربوا عود غاف كان عند الموضع فظن بنو بو علي أن النصارى قد رأوهم فخرجوا من مكمنهم ووثبوا على النصارى وثبة الأسد الباسل، فكانت المدافع تضربهم بالسلاسل فتأخذ منهم جانبا فيلتحمون حتى ضربوا رماة المدافع، وكان قد قتل أكثرهم بالمدافع وانهزم الباقون إلى بلادهم ودانوا حين استشعروا العجز، فأسرهم النصارى وسبوا من ذراريهم، وحملوا من نساءهم إلا من شاء الله.
وكذلك استعان السلطان بالنصارى على حرب أهل الشارقة من أرض الشمال فقهر بهم عدوه، وكانت هذه الاستعانة منه أول سبب تدخلت به النصارى في ممالك المسلمين من أهل عمان فبقوا آفة في ذراريه وعلة في مملكته يظهرون الصداقة ويضمرون العداوة وإن أنكى الأعداء من يأتيك في صورة صديقك يظهر محبتك ويضمر هلاكك، ثم خرج على السلطان سعيد بن سلطان بن محمد بن ناصر الجبري واستعان بأهل نجد والغافرية واستولى على سمد نزوى وازكي ومنح وسمائل وسنا ووادم، وكان جبارا عنيدا وكان على غير مذهب الحق ذكر الشيخ ناصر أنه كان حنفي المذهب، والمشهور عند العامة أنه كان وهابيا، ولكن الشيخ أعلم به لأنه قد عاصره وجاوره وذكر من وجوره وظلمه قطرة من بحر.
قال وذلك أني والشيخ ناصر بن محمد بن شايع الخروصي طنينا نسيئة<ح>(1) مالا له بثمانية قروش إفرنسيات، وجعل عليه الخراج<ح>
(1) الطنين بيع تمر النخل خاصة وقيل بيع ثمار الأشجار.

في ذلك المال اثني عشر قرشا ليسلمهن في ذلك الحين، قال وقس على هذا فيما وراءه فمن حصد قيمة عشرين فلسا أخذ عليه ثلاثين هذا في غير زروع الحب، فإن الناس تركوا زراعته أصلا وإن كانت الأمطار تمطر والأنهار تجري فإنهم تركوها تسيح في السيوح لا يزرع بها أحد في خارج البلد فإذا قيل لهم كيف هذا قالوا إذا حصدنا ثلاثين صاعا أخذ منا عليه خراجا دراهم عن ذلك قيمة سبعين صاعا، وتبقى الغرامة علينا لقيامه فوق ذلك، وجعل ابن صاحب الرسالة الثلبية قاضيا له على البلد التي هي من نزوى بسمد، وسيأتي تمام خبره وإنه طلب الشيخ ناصر ليقتله، وإن الشيخ قتله بعلم السر، ونذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى نقلا من كلام الشيخ ناصر.

ذكر ولاية طالب ابن الإمام على الرستاق
من قبل ابن أخيه السلطان سعيد بن سلطان
وكان بالرستاق أولاد السلطان سعيد ابن الإمام، وكان طالب أعمى ولكنه يظهر التجلد والتصلب حتى أنه سقط يوما في حفرة حفرت لفسل نخلة، وكانت الحفرة غريزة نحو قامة فالتحم عليه قومه يقولون طحت طحت في هيئة المتندم على إغفاله فقال لا وإنما أردت أن أقيس غرزها، ثم اخذ ينقد على حافرها يقول لم لا سويتها من هنا ولا حفرتها من هنا، وإنما كان سقوطه فيها لأنه لا يرضى أن يقاد.
وكان هذا في مال بالرستاق بعد أن صارت إليه والمال من بيت المال، وكان قد استأذن ابن أخيه السلطان سعيد أن يسير إلى الرستاق وطلب منه المعونة على ذلك فأعانه، وخرج في هيئة من يحضر للقبض حتى نزل في بيت الوقفان من قرية عينى من الرستاق،
وكان قصرا عاليا فجاء ملك الحصن وهو أحمد بن سعيد بن أحمد الإمام ليسلم على عمه. وكان قد هيأ له العسكر ليمسكوه إذا دخل من الباب ويحيلوا بسد الباب بينه وبين من يتبعه من قومه، فلما دخل أحمد قدام قومه سد الباب دونهم وأمسك طالب أحمد بيده، وكان قد قام له في هيئة المحي فقبض هو ومن معه، ثم أمر به فقيد ثم قام إلى الحصن وحاصره حتى فتح له.
وانتقل أولاد سعيد بن أحمد إلى المنصور ومنهم من سكن وبل، وبقى طالب في الرستاق عاملا من جهة ابن أخيه وملكها ملكا شديدا وحمى بعضهم عن بعض وكان ذلك في آخر عمر أبي نبهان *ر*، وذكروا من ضبطه أنه كان لا يرضى أن يحرص أحد ماله في المصطاح والجنور، وقيل أن رجلا حرص ماله في الجنور ليلة فعلم به طالب فأرسل إليه وهدده وقال أنت ما اكتفيت بحمايتنا ولا أدري قالوا عاقبه أم لا، وإن أهل الوشيل في أيامه كثر فيهم سرقة الزرع وثمرة النخيل فأخبر بذلك فيقال أنه أرسل قدر ثلاثين عسكرا من حيث لا يعلم بهم وأمرهم أن يقفوا على أبواب حارة الوشيل بالليل، فكل من جاء من خارج بزرع أو جداد قبضوا عليه ففعلوا ذلك وقبضوا على جملة اللصوص وجاءوا بهم إلى حصن الرستاق ومعهم ما سرقوا فسجنهم طالب فأصبحوا مفقودين من الوشيل فتساءلوا عنهم فأتاهم الخبر أنهم بسجن الرستاق فساروا إليه ليكلموه فيهم فما أطلقهم إلا بكفالة من أعيانهم وارتفع الضر عنهم بذلك.
وذكر الشيخ ناصر ابن أبي نبهان أن طالب ابن الإمام كان مضمرا للشيخ أبي نبهان وأولاده كل العداوة وإن أخاه محمد بن الإمام كان محسنا إلى الشيخ غاية الإحسان، ومن فعل الجميل ذكر به والعكس في العكس، قال
ولم يزل طالب يحاول للشيخ المكائد ويلتمس له المعاند حتى أجابه الريامي يعني الشيخ سليمان النبهاني، وكان بنو ريام جنده فأجاب طالبا إلى المراد بإظهار العناد، قال فنزل إلى الجار وهم بنو بحري.
قال وكانوا أشد عداوة للشيخ، ولكن لم يقدروا على مخاصمته فيما مضى مجاهرة فوعدهم بالنصرة وأمرهم أن يبدوا بالمضار، وذهب عنهم وسار فأصبح الضر في بعض أموال أصحاب الشيخ واحتصنوا في بيت كبيرهم حتى يصلهم الريامي فوصل الناس للإصلاح فلم يقدروا عليهم وحذرهم الشيخ أن لا يبدؤهم بالحرب أبدا فسار إليهم ولد الشيخ نبهان ليكلم كبيرهم في الصلح بغير سلاح، وربما من غير زم لقميصه بزمامها من السرة بل شدها من أمامه بعضها ببعض، ونهاه والده وقال لا تخلف عليّ.
قال وكان كبيرهم أقرب المقربين مع ولد الشيخ نبهان، وربما كثر ماله بعطاء الشيخ نبهان له فلما دنا من الباب ومعه أخوه الشيخ سعيد بن أبي نبهان لينادي كبيرهم ضربوهما ببنادقهم فأصابتهما ومات نبهان في تلك الليلة وقتل منهم رجل وانهزموا إلى جبل بني ريام، وأما سعيد فقد عافاه الله بعد زمان ونزل بهم الريامي ووصل العبري وأصلحوا الحال بين الفريقين بالكف عن بعضهما البعض لا غير. وذكر غيره أن قتل نبهان كان في سنة ستة وثلاثين ومائتين وألف، قال وكان ذلك قبل موت الشيخ بسنة.
قال الشيخ ناصر فلم يكف ذلك الجبار المريد في الشيخ وأولاده، وأخذ كبير الجار إليه وأسكنه في بيته وأحسن إليه وأثاره إلى ما أراده منه، وكانت لهم حجرة في السفالة من العليا فأمرهم أن يحتصنوا فيها، وفيها بيت مانع ليتيم وهي على مضيق الوادي ولا طريق للبلدان من العليا إليهن إلا تحت الحجرة، فقطعوا الطريق عن المرور فيها من أصحاب الشيخ، وذهب
كبيرهم إلى الريامي لينزل معهم وأرسل أصحاب الشيخ إلى عشيرتهم من بلد المشائق، ووصلوا قبل وصول بني ريام وأمرنا الشيخ بحربهم وقلنا حتى يبدأونا.
قال إن المسلمين حربوا من بغي بأقل من بغيهم، حربوهم حتى يهدموا حجرتهم فلم يبتدوهم حتى مر رجل من نسل أحد آباء الشيخ يسمى حنظل في الطريق، فلما كان بحذاء حجرتهم ضربوه ببنادقهم من الحجرة فأصابته ضربة في الورك ولم تقتله، ووقعت الحرب يومئذ واحتمى كل فريق منهم في بيت وتركوا بيوتهم، وأحرقت المنازل وخشيت كثير من أموال الفريقين وأحاط أصحاب الشيخ بحجرة الجار.
قال وكان الوالي يومئذ على الفريقين صاحب نخل الشيخ سعيد بن سيف المعولي ولاه السلطان سعيد بن سلطان بن أحمد، قال وهو ابن أخ هذا الجبار، ووصل مع الفريقين وقد صح معه المتعدى فقبض الحجرة وأمره الشيخ بهدمها، فقيل له أن البيت المانع فيها الذي هم متحصنون فيه لأيتام، قال أهدموه وغرامته فيما بينهم وبين الله، وفي الحكم عليهم لأنهم هم كانوا فيه السبب لهدمه فهدم وصلح الحال بالتوقيف عن الزيادة، وبقي كذلك أشهرا ليس لهم قوة على المعاندة ولا للريامي إذ ليس لهم منع يتحصنون به.
قال فلم يكف الجبار ما قد جرى من المضار، فلم يزل يطلب من ابن أخيه الرخصة في بناء حجرتهم وأنه هو المتكفل بهم إن تعدوا حتى سمح بذلك على غير رضا من الشيخ فحينما بنيت ذهبوا بليل إلى العليا، ورصدوا للساقي بالماء في الأموال وقتلوا رجلا من أصحاب الشيخ يسمى عبيد بن سعيد الخروصي ووقعت الحرب بين الفريقين وأحاط أصحاب الشيخ بالبيت، ووصل الوالي وقبضه وأمر بهدمه وأمره الشيخ أن لا يتركوهم يسكنون هذه الحجرة ما داموا على أحوالهم هذه، وتوقف الأمر ومات الوالي
وجعل أخوه الشيخ خلفان بن سيف واليا بعده فطمع الجبار أن لا يكون مثل أخيه قويا وطلب واجتهد لعمارة الحجرة فطاوعه السلطان، فعمروها في حين، ثم إن أهلها منعوا الطريق عن المرور عن مسير أصحاب الشيخ إلى أموالهم التي بالسفالة، وأقاموا الحرب.
قال وكل ذلك طاعة للجبار ويمدهم بما يحتاجون إليه وأحاط بهم أصحاب الشيخ وقال ووصل هذا الوالي الآخر وقبض أحد من كبرائهم ووقف الحرب والمضار وأخذ الكبير إلى نخل ليذهب به إلى السلطان وألحقه<ح>(1) أنا للصلح وصار كل منا آمنا من المضاررة في أمواله فسمعنا حسا كأنه أحد تخشى في الأموال خفية في الليل فأرسلنا إليهم فقالوا نخشى بأمر الشيخ، فمنعناهم فعلم بذلك فأحضرنا، فقال من منعني منكم عن الخشي، فقلنا له نحن، فقال هل يجوز هذا في شرع المسلمين أن تمنعوني عن أخذ حق هو لي؟ وجائز لي أخذه، قلنا له إن الوالي قد منع ذلك، فقال هل يجوز للوالي أن يوقفني عن أخذ حقي، فوقف الحرب بحكم باطل ظلمني فيه، لأنه أخذ كبيرا منهم، ووقف الحرب ولم يهدم البيت، فأنا لم أحرب لأقتل أحدا بل ما كان حربي إلا لهدم البيت، وقد عزمت على القول حتى قرب حصون المطلوب، فضيع عليّ الأمر فيحتاج إلى غرامة أخرى، أليس هذا من الباطل منه لي، ولا شك أنه باطل لو كان عارفا لعرف أن عليه غرامة ذلك لي، والحكم أن عليه أن يحرب معنا حتى يهدمه إن قدر على ذلك، لأنه منكر، وعلى كل من علم به أنه صار في حكم المنكر أن ينكره بهدمه مع القدرة على ذلك أو يعين من ينكره إذا علم أنه كذلك وقدر على الإعانة، وأمره ظاهر أنه على طريق المسلمين وبغيهم ظاهر والإياس من صلاحهم حاصل.
قال فهذا على معنى قوله<ح>
(1) الظاهر أن المراد وألحقه بكتاب فيه: أنا للصلح... الخ.

رحمه الله قال ولم نقدر أن نكفه عن الأمر بالخشي إلا بالوعد مني له أني لا صالح على هدمه، فقال إن لم تهدمه كان منك السبب على تركه، فإذا وقع منهم ضرر فأنت شريكهم في الإثم، قلت له الطاعة لله ثم لك. قال وذهبت مع الوالي وذهبنا إلى السلطان في مسقط، ووقع صلح السلطان بأن نسلم لهم قيمة البيت ويهدم.
قال ودفع السلطان الثمن إليّ خفية عنهم، ودفعت ذلك إليهم والبيت في قبض الوالي وأمر بهدمه وهدم، ووقفت الحرب لعجزهم عنها بغير منع، ولم تكن حيلة للجبار، إذ لا قدرة لهم إلا بالمنع قال ولم يكفه هذا، إذ ليس له إرادة إلا هلاك لشيخ وأصحابه الساكنين معه في بلده مقدار خمسة وعشرين رجلا، ولكن معه عشيرة وأصحاب من بلدانه التي هي بأسفل من حجرة الجار وجاره مقدار مائة رجل يعني بني بحري قال ولكن ينزل معهم الريامي في مقدار سبعمائة نفس، والله أعلم قال وكان في نفس السلطان من العداوة للشيخ وأولاده وإرادة السوء لهم ما في ضمير عمه لهم، والعلة واحدة.
قال ولكن قد تبين له من قبل بضياع شيء من ماله، فتضعضعت عليه جميع أموره، فلما صلح حاله معه صلحت أحواله التي كانت تضعضعت عليه، ولم يقدر أن يتبين له خوفا من دعوته إلى الله الجبار أن تؤثر فيه شيئا من آثار الدمار، قال ومن حيث أن الوالي ليس في إرادته ذلك، بل لا يرضى في احد الفريقين إلا الإنصاف بالعدل بينهما، وأدب المعتدي بما يستحقه في الحكم، وبقي كذلك الأحوال ساكنة بين الفريقين، قال ولم يقدر المريد طالب الجبار العنيد بعد ذلك على السعي في بناء الحجرة ما دام الوالي حيا، ولم يبق زمانا إلا ومات – يعني الوالي خلفان بن سيف – قال وما كان بينه وبين موت الشيخ إلا مدة قليلة.
وذكر ذو الغبراء خميس بن راشد أن موت أبي نبهان كان
يوم ثالث من شهر الحج سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف. قال الشيخ ناصر: وكان عمره تسعين سنة عدد أحرف اسمه تعالى ملك.
قال وأما الجبار فإنه قبل موت الشيخ لم يزل يحاول على ولاية الرستاق لتكون له ولاية الفريقين ليفعل في كل منهما ما يهواه هواه حتى اتفقت له وتولاها، ولكن بقي الفريقان في ولاية ولد الشيخ الوالي الأول سعيد بن سيف المعولي الذي ذكرناه، وسار في الفريقين سيرة أبيه، ولم يقدر الجبار أن يعارض وهم في غير ولايته إلى أن مات الشيخ كما ذكرناه، فتشمر المريد وابن أخيه جميعا لإظهار ما أكناه من العداوة والإرادة في أولاد الشيخ بسبب عداوتهم لأبيهم، قال ولم يكف الجبار إلا هلاك الشيخ وهلاك نسله وأمواله ومنازله وتدمير ما صنفه من العلوم النافعة، وأنه في آخر أمره بعدما تولى الرستاق ليتولى الفريقين فيفعل في كل منهما ما يهواه هواه، ولكن بقي الفريقان في ولاية صاحب نخل سيف بن الشيخ الوالي الأول الذي ذكرناه سعيد بن سيف وأخ الوالي خلفان بن سيف، قال وسار الولد سيف في الفريقين سيرة أبيه وعمه مدة قليلة.
قال ولم يقدر الجبار يفعل ما يهواه هواه في الفريقين وهما رعية غيره، كذلك مدة قليلة ثم توفي الشيخ، قال فحين توفي الشيخ تشمر الجبار إلى ما أراده في نفسه وقصده، قال والتمس من ابن أخيه السلطان ليوليه الفريقين ويفسح له أن يفعل في أولاد الشيخ ما يشاء، قال فوجده أشد عداوة منه، وأنه ما كتم في حياة الشيخ ذلك إلا فرقا منه، فخذل بذلك.
قال ولا طفى خدعا أن تأتلف ائتلاف العناصر والخناصر بالبناصر، وأكتب له شيئا مما يبطل عنه جميع الأعمال الطلسمانية ولا تؤثر فيه جزما، فأجبته لذلك على عهد وميثاق أن يكف أذاه عن إخوتي أولاد الشيخ،
فأجاب، وجعلت ذلك من أعظم الصلاح لهم، قال فمزجت له من الحروف النارية الممتزجة ذوات النقطة منها بحروف تبطيل السحر من فلان، وأتممت العمل فيه بالطريقة التي عملها الشيخ في المزج بتبطيل حركات فلان المقدم ذكرها وشربه في إناء وفي كاغدة اتخذه حرزا، وهذا من أقوى الأعمال في هذا، حتى قيل في المسحور إنه لو كان قد غاب حسه وانطرحت جثته أفاق من ساعته وحينه إذا شربه، فكل من عمل له ذلك لا يضره عمل.
قال فلما عرف سره تشمر العدو للحرب، فأمر الجار بقطع الطرق من حذا حجرتهم عن مرور أولاد الشيخ وأصحابهم إلى سقي أموالهم ومعاناتها، وقطعوا سقي أموالهم فأرسلوا عليهم فقالوا لا نخالف طالب بن السلطان فيما أمرنا، وهذا بأمره، فلم نصدقهم فراجعنا الجبار فقال لقد كذبوا وهو الكاذب، وكان موضعا في جبل أعلا من بيت الأخوة مرصدا يسمى أهل عمان ما كان مثله بومة، وليس حيلة ليدخل البلد إلا إذا قبض ذلك المرصد فهبط الإخوة من بينهم ليأمن السارقون لأموالهم وليس لهم طريق إلى ذلك لأجل قطعهم الطريق فمروا في الجبل وهم خمسة نفر من أولاد الإخوة وأصحابهم فما كان إلا قليلا حين صاروا بحذاء حجرتهم إلا والجار من أعلاهم يضربونهم بالبنادق، وما كان بينهم وبين أصحابنا أكثر من خمسة عشر باعا فلم يصب أحد منا، فسلوا سيوفهم، فسل أصحابنا سيوفهم، فأصابوا منهم رجلين وماتا في الحال وانهزموا جميعا ولم ندر من الجبار أن هذه حيلة منه لقبض المرصاد الذي ذكرناه، وهو الذي يحصرنا به عن الماء فأرسل إليه أناسا من بني ريام ونزلوا فيه على غفلة منا، ودعى بكل ريامي حيث كان ومن حيث ظن أنه ليجيبه، ونزلوا في مقدار ألف نفس، وجاء هو بنفسه
إلى حربي وأنا في بلد سوني، وهي التي تسمى العوابي، وأنا في بيت صغير عند شريعة الفلج عند بيت كبير لوالدي ولبعض عشيرته جاءنا في مقدار ألف نفس، قال وما معي غير ستة أنفار، تركت ثلاثة منهم في بيتي وثلاثة في البيت المنسوب للشيخ وأرسل ابن عمه السلطان إلى العشائر ليعينوا عمه، فإذا جاءوا إلى الجبار قالوا على أي شيء تحربهم وعلى أي سبب، لأن الحرب لا يكون إلا عن سبب فيحربون إلى أن يؤدوا الواجب، فقال لا أدري ابن أخي أمرني بذلك، وهذه خطوطه لي ومكتوب في آخرها بعضها بخط يده حين نظرني إياه: لا بد من هلاككم وإذا ساروا إلى السلطان بذلك، قال لا أدري عمي أراد لهم وهذا خطه، فلما عرفوا منهما ذلك سكتوا عنهما. قال وهو يضربنا بالبنادق والمدافع، ولكن جميع القوم لا يضربنا من يضرب منهم إلا بالباروت، وقطع الخرق القديمة.
قال وكنت أذهب إليه وأجلس معه في القوم، وقد اتخذ معه شاعرا فاسقا متهما بالرجال يسمى سعيد بن أحمد اليحمدي، فيهجو بنظمه من شاء أن يهجو بالصفات. قال وكفاه خبثا أن سماه الشيخ سفلة من الرجال، قال واتخذ متعلما متكلما خبيثا ثنيان بن ناصر المعولي، قال وكان كثير الخبث مطاوعا له في جميع أموره، اتخذه ليعمل له سيرا فيمن يريد أن يطعن فيه بالباطل من المؤمنين. قال واتخذ متعلما آخر يسمى سليمان ولا فائدة في تعريفه، وفي ظاهر الأمر أنه عارف، فقال الجبار وأنا معه في الحرب: أتريد أن تعرف ورع سليمان؟ قلت إليك، فنادى الشيخ سليمان، فقال لبيك، قال حرب أولاد الشيخ جائز أم لا؟ قال جائز حربهم، قتلهم وهدم بيوتهم وخشى أموالهم، ولم يدر أني مع الجبار حينئذ. قال فقلت له بأي وجه أجزت ذلك فينا، فنكس رأسه استحياء مني ولم يستح من الله وقال كيف
نقول؟ لم نقدر أن نسكن معهم إلا أن نقول بما يرضيهم فقلت هذا وجه إذا كان على هذا أي وجه من طرق الشيطان.
قال ودام الحرب كذلك سبعة أشهر، وخشيت ما بقي من أموالنا من العليا، وقطعت الأشجار، ونزل من البيت ولد الشيخ ماجد ومعه أحد عشر رجلا في الوادي وكر عليهم وقتل أنفارا وانهزموا على كثرتهم ولم يقدروا بعد ذلك أن ينزلوا قال وبعد ذلك انقدَّ<ح>(1) جدار الأجل، يعني بركة الماء التي يوردون منها، وأيقنوا بالغلبة والقتل، فعملت الحيلة وقلت لهم اكتموا الأمر، فصالحته على أن نخرج من بيوتنا ونحول طاعتنا، فأجاب إلى ذلك لظنه أنه لا يقدر علينا ما دام معنا ماء، ولم يعلم بذهابه، فحولنا ذلك وخرجنا وقبض البيوت وهدمها ودعى بنا إلى الصلح ليحسب قيمة الأموال ومبلغ دية القتلى ويقاصص ما بيننا، فقلت ليس الحق كذلك في قول والدنا إن المبتدي بالحرب ظلما عليه كل ما أفسده والمحروب ظلما ليس عليه شيء مما يفسده على من حربه، ولا على من كان معهم في إعانتهم في ظاهر الأمر لعله سأل وتوقف.
ووقف الحرب وبعد مدة رجع الإخوة إلى بيتهم، ولم يسمح ليبنوه إلا بناء ضعيفا، وعاش على أذائهم دائما في حياته.
قال ثم انتقلت إلى نزوى وسكنت في العلاية في موضع يسمى الجمى قريبا من مسجد خب القش.
قال وولى أمرها يومئذ وكثير من بلدان تلك النواحي التي تسمى عمان محمد بن ناصر الجيري حنفي المذهب، وبلغ من أمره ما قد بلغ، ثم ذكر من جبره بعضا، ثم قال وجعل ابن صاحب الرسالة الثلبية قاضيا له على البلدة التي هي من نزوى سمد، قال وكان هو أعلم من فيها.
قال وأما أفضل من فيها فالشيخ العالم الورع الثقة<ح>
(1) أي انقض.

السميدع الضرير علي بن سليمان العزري رحمه الله، وهو من نسل العالم موسى بن علي رحمه الله، ومعهم أصحاب متعلمون ولكن دونه في العلم، وهم أهل زهد وورع، وقد بلغوا حدا من حدود الكمال في الفضل قال وكلهم يقولون ذلك القاضي. وقال في موضع آخر:

بيان ما كان من ولد العبادي
من الكلام في أولاد الشيخ، ولاه الحكم في نزوى والي من أهل المذاهب لأربعة تولى على ازكي ونزوى ومنح وأدم ولاية فلم ير أصحابهن أشد منه ظلما، إذ ليس هو على مذهبهم، فلم يدخل قلبه بعض رحمة على أحد منهم حتى مات، وكان ولد علي بن مسعود العبادي وهو الشيخ العالم عامر بن علي الذي ولاه الحكم أكثر أهل زمانه في العلم، وأما في العمل به فالإعراض عن الكلام في بيان ذلك ورسمه أحرى ولا فائدة لنا في ذلك، ولكن مما يدل على بعض أحواله بعض نظمه في أولاد الشيخ في هذه الحرب الواقعة عليهم كما ترى، ومن يهد الله فهو المهتدي، ومن لم يهد الله فما له من هاد.
قال: وصل كتابك الشريف أيها الشيخ الأبر العفيف الثقة الشيخ سليمان سلمك الله وعافاك وأبقاك ذخرا لنا ولكافة المسلمين، وكفاك ما اكتنف دارك وموطنك وقرارك من غياهب الفتن ما ظهر منها وما بطن، وفهمنا منه ما يشغل القلوب، فيذهل العقول بل القضا قد مضى فانقضى، ولا حيلة في تغيير ما ترجمه القلم في اللوح المحفوظ، نسأل الله أن تكون العقبى في هذا في الآخرة والأولى خيرا إن شاء الله تعالى، ومن المرجو منك أن لا تقطع صغيرك التعريف فيما يحسن كونه منك له كما هو لك كذلك النية والاعتقاد والله الموفق على موافقة ذلك القول بالعمل
وعليك مني جزيل الشكر والتحية والإكرام.
وممن ذكرتهم وعرفتهم بالسلام من الإخوان في الإسلام من العبد الفقير الحقير المقر بالزلل والتقصير، عامر بن علي بن مسعود بن علي بن علي بن محمد بن خلف بن أحمد بن علي بن محمد بن عباد بن محمد بن عباد العبادي بيده، وإن بدت حاجة تقضى إن شاء الله، وهاك في معنى هناك هذه الأبيات قلتها حين وفد على كتابك الكريم فذكرت المعاهد وصفاء الموارد الذي كنت إليها واردا وانظر عساها تكون قاضية إلى تلك المعاني، قاضية على ما تعلق بها من المباني فقلت شعرا:
محال أن تكون لنا بقاع *ش* مناديسا يدس بها المتاع
وعزا للرجال إذا اعتراها *ش* اعتداء وافتتان أو ضياع
ولكن الرجال لهم طباع *ش* تصان بها المواضع والضياع
فهذا ديدن النجباء منهم *ش* وبعضهم لبعضهم سباع
ألا يا أيها المرتاب فيما *ش* نبأت به فما عنه نزاع
فذاك الصدق والحق المنير *ش* حكى شمس النهار له شعاع
كفاك بما تراه من الرزايا *ش* بوادي بني خروص والسماع
بموت ذوي الحلوم فتى خميس *ش* ورباني الورى وقع الشناع
لقد ذهبت مهابته وضلت *ش* فلا يرجى لها فيه ارتجاع
وتاه المحتمون به فعابوا *ش* وشيكا عاقهم عنه انتجاع
وشتت شملهم وذرى ذراهم *ش* ونال حماهم العالي اتضاع
فلم تحميهم السمر العوالي *ش* ولا ما شيدوه ولا اجتماع
فلم يمنعهم حرص الصياصي *ش* ولا رصد الشوارع والدفاع
لقد اخذوا بهذا الأخذ لما *ش* بليد الرأي صار هو المطاع
تغلب قلبه الأهواء حتى *ش* به جرت مطيته الرعاع
تردد سيره في كل واد *ش* تضعضعه الفدافد والتلاع
فصبر ا بادي الآرا جميلا *ش* على ما لا له عنه اندفاع
ولو هو حيث ما نادى أبوه *ش* ونادته المحابر والرقاع
هلم بنا فنحن إليك حصن *ش* به مس العباهلة ارتياع
نناصر دوننا وأبوك يوما *ش* مضى في مضنا البطل الشجاع
فلباها على عجل مجيبا *ش* لصح له على الجوزا ارتفاع
ولكن القضاء عليه جار *ش* وعترته فما عنه انصداع
عساهم غيروا فرموا بهذا *ش* وغيرت المنازل والبقاع
فما ظن التعزز بالصياصي *ش* وبالشم الرواسي له امتناع
إذ اجتثت براثين البرايا *ش* فدع من لا له منا استماع
وإن منح الزمان بمثل هذا *ش* غريبا فهو منه لنا اختداع
فلا تغررك الأحلام دار *ش* بها الغوغا لمذهبها مطاع
فيا الله من زمن رماني *ش* ببلوى لا لها عني انقطاع
سوى كف المنية فهو يقضي *ش* لما يني الزمان به انقشاع
فيا خسر البرايا حين أودى *ش* أبو نبهان حاق به الضياع
قال الشيخ ناصر، وكتب سليمان في القرطاسة بعد هذه:
واصلكم أيها الأخوة المشايخ ثنيان بن ناصر المعولي وسعيد بن أحمد اليحمدي قرطاسة فيها ثلاثون بيتا، فالمرجو منكم أن تنظموا على منوالها كل واحد بعددها
وأرسلوا الجميع وبينوا في نظمكم الصور الموجودة زيادة للبيان وللإستحقاق لما وقع وجرى وأنتم محل النفس، فكونوا كما ظننت فيكم، والسلام من سليمان بيده قال الشيخ ناصر: ونحن لا لنا حاجة بأن نتكلم في شرح ما رقمه سليمان. ولا ما نجده عن سعيد بن أحمد، ولا عن ثنيان من الطعن في أهل الإيمان بما لا يجوز في دين المنان، لأنهم لا من ضعفاء أهل العلم، فضلا أن يكونوا من العلماء، بل هم معروفون أنهم من الجهلاء الذين يرضون الأمراء بما يريدونه منهم على ما يحبونه، ولو كان على غير اعتدال الميزان ميلا إلى هوى السلطان.
قال وكفى بسيرة الشيخ أبي نبهان التي لوالي حصن السويق محمد بن السلمان أحمد ابن سعيد بما أبداه فيها من الذم لسعيد بن أحمد اليحمدي، دليلا على حسه، وقد جعله والي نخل قاضيا في بلد نخل، ومات رجل لم يخلف غير خمر، وكان لولده حق عليه، فحكم أنه يجوز أن يباع لقضاء دينه إذا لم يوجد له لوفاء دينه، فدعي بأهل الفسق وعرفوا أن هذا لا من الحق، ونادوا به على سبيل الاستهزاء به ليشهروا أمره شاهرا ظاهرا، ونادى أهل الإيمان بالنكير مع أولي الأمر فلم يسمع لهم وباعوه بلا حياء من أحد، فإذا كان مثل هذا وثنيان بن ناصر إخوته وهو يعلم بما يجري منهم قال والناظم لهذه المنظومة إذا كان يرضى من إخوان هؤلاء الثلاثة ويرضى أن ينزل منزلتهم، فنحن نرضى أن ننزله في الحكم الذي ينزل فيه، وإن كان لا نرضى إلا الحق.
وقال في موضع آخر: بقي طالب يعاودهم في الحرب أربع عشرة سنة، والثلاث سنين في زمان والدهم.
قال ولما صرت بنزوى لم أكن أشتغل بأذى الجبار، ولم زيل الإخوة دائما مستأذين حتى هموا بالفرار من أرض عمان إلى ما شاءوا
من الديار، قال وعرفوني أما أنفعنا بشيء من الأسرار، فشمرت وعملت صورتين من شمع إحداهما صورة الجبار والأخرى صورة السلطان.
قلت: التصوير حرام ولا أدري بأي وجه استجازه الشيخ ناصر، ولا أقول بجوازه حتى للمعنى الذي أراده. قال وفرقت في الأعضاء أعداد الوفق الثلاثي ومع كل عدد حرف ونكستهما في التعليق واتخذت لوحا من فضة وصورت فيه صورتين إحداهما معكوس رأسها مع قدميها، هي صورة السلطان، والأخرى معها قائمة معتدلة ورسمت أنه الملك والانتزاع، كل كلمة منها في الصورة التي توافقها من الملك والعز للقائمة ليكون في السؤال ممن هو خير منه، والانتزاع والذل للمنكوسة، قال وتلوت عليهما وعلى صورتي الشمع ما قد أشرت إليه في ديوان المصطفى الذي صنفته كله نظما على حروف المعجم في الصنعة الفلسفية والحكمة الربانية، قال وهو أخصر من النثر وأحضر. قال ورسمت المشار إليه في كتابي طرف الألطاف، والسر الخفي في شرح مربع الشكل القافي، والشكل الألفي، قال والمراد بذلك هلاك الجبار – يعني طالب بن الإمام – وتضعضع ملك السلطان، يعني سعيد بن سلطان. قال ولم أرد هلاكه خوفا أن يتولى بعده الجائر الظالم محمد ابن ناصر الجبري، وهو حنفي المذهب، فلا يؤمن منه إذا تمكن ملكه في عمان أن يدعو الناس إلى مذهبه بالجور والعدوان.
قال وعرفت الأخوة أن اصبروا السنة ونصف سنة، فعند انقضاء ذلك يقضي على الجبار ويتضعضع ملك السلطان، قال وإنما احتاجا إلى هذه المدة لما ذكرته من الرسم لهم في تبطيل الأعمال عنهما، وكان يأتيني في بعض الأوقات نوم كثير وأعاني على ذلك أهل الورع والتقوى من أهل سفالة نزوى بالقهوة التي هي شربة البن لأقدر على التلاوة في بعض الليل وأقوى
فنفعت، ويقولون لي أكثر من التلاوة، فأقول لئلا يموت في دفعة من الألم، فلا يكون عبرة لغيره من أهل المظالم فطول السقم أشد عذابا وجزاء في النقم.
قال فما كان أشهر إلا وتألم واستقم وصاح وناح وتحير، فلم يمكنه أن يقف في مكان أبدا، ولم يزل ينتقل به على سواحل البحر من بلد المصنعة تشريقا من موضع إلى موضع، يحمل على أعواد الخشب، لا يقدر على القيام، بل على جنبه يغلب ويتقلب حتى انتهى إلى مسقط فلم يستطع الوقوف فيها مدة لتحيره، وثبت ينقل من موضع إلى موضع تشريقا من مسقط، ودام على هذه الحالة سنة كاملة أو أكثر، ولم يزل كذلك يحمل وينقل راجعا إلى الرستاق، ووصل ومات فيها عبرة لأولي الألباب، ولم نعلم له ولا علمنا أنه علم به غيرنا أنه تاب، بل لم يزل وهو على تلك الحال على الإصرار في الظلم إلى أن قضى نحبه، ومرده ومردنا جميعا غدا إلى الله الملك الوهاب.
قال وأما السلطان فلم يزل يتضعضع عليه التوفيق حتى أخذ عليه شيء من حصون البلدان الشاسعة من ولايته له، قال ثم نهض رجل فقير متورع من أهل التقوى في ظاهر حكمه زجر، يعني أنه يزجر له في الباطنة بموضع قرب صحار يقال له القصير، قال واسمه حمود بن عزان بن قيس بن السلطان أحمد بن سعيد البوسعيدي، قال كان أبوه وجده واليين على صحار ونواحيها ومات عنه أبوه وهو في سن الصغر قال: واختلس خفية بأناس قلة، فأخذ حصن صحار وهو في ولاية السلطان سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد قال وسعى بغير حرب إلى قبض ما بقي من الحصون التي بنواحيها، وقد انتبهوا له وتشمروا لحربه، فلم ينفعهم حزم وحصلت هل جميع حصونها في أقل من شهر بأناس لا يزيدون على أربعين نفسا، وحصن ينقل أخذه
بخمسة وعشرين نفسا وكلهم على حزم منه. قال وسعى إلى الرستاق بسبعين نفسا وما عنده من الطعام شيء، بل يأكلون القاشع والتمر الضعيف في النهار، والأرز والعوال في الليل، فحصلت له، والحروب فيها كانت قائمة في ثلاثة أيام عبرة للأنام.
قلت: وذلك أن الرستاق بعد موت طالب صارت إلى سعود بن علي بن سيف وهو فيما أظن أحد أولاد الإمام، فيحكى عنه أنه صار فيها أجبر من طالب، واستغاث من ظلمه أهل الرستاق والله أعلم بحاله.
ثم أبق له عبيد وخرج بنفسه في طلبهم حتى نزل بالمنصور، وكان فيها رقيقة، وهو سلطان بن أحمد بن سعيد بن الإمام، فأنزله على الرحب والسعة، فبينما هو نائم في المسجد وقت الظهيرة إذ أتاه صاحب المنصور فضربه بتفق من المصباح، فقتله. ثم جمع صاحب المنصور من حوله من الأعراب وزحف على الحصن وحاصره وعند ذلك قدم عليها حمود بن عزان فدخلها والحرب قائمة، ولعل ذلك كان لرغبة أهل الحصن فيه.
قال الشيخ ناصر: وكلما سار إلى حربهم السلطان بجيش كبير في مقدار عشرة آلاف هزموهم بمقدار مائتي نفس. قال وجيش عليهم في وقت مقدار سبعة آلاف وثمانين رأس خيل، وقد قلنا لا تخافوا، ولو جيش عليكم ومن الأرض جميعا، فإنهم ليولون الأدبار بسر إلهي قد ستر عنكم، فتلقاهم أخوه قيس بن عزان بن قيس بحصان واحد وخمسة وسبعين رجلا، فظهر عليهم بعد القتال الشديد، فردهم على أعقابهم وولوا الأدبار، وصح فيهم القتل الكثير والجراح، ولم يقتل من أصحاب قيس أحد، وإنما جرح اثنان
وعافاهما الله تعالى.
قال ورفع حمود جميع المظالم، واجتنب جميع المآثم إلا ما دخله عن جهالة أنه يجوز له في ظنه قال وأشهر توبته مع جم كثير من المسلمين، ولم تزل تتسهل له الأمور.
قلت: ولما ذكره من صفات حمود بن عزان اجتمع المسلمون عنده وهموا بتقديمه إماما، فلم يتفق ذلك لأمر أراده الله، وكان حمود قد خلع الحصون للمسلمين وقلدهم الأمر وصار كواحد منهم، فاجتمعوا يوما في مسجد البياضة من الرستاق ليعقدوا له الإمامة، ثم اختبروه بشروط يشرطونها عليه، وهي الشروط التي يشترطها المسلمون على الإمام الضعيف فأبى أن يقبلها، وتفرقوا عنه وتركوه ومن يومئذ بقيت الرستاق في أيدي أولاد عزان إلى حال التاريخ وأما صحار وما حولها فإنها أخذت منه بالحرب بعد أسر حمود بن عزان هذا، فإنه قد أسره السلطان ثويني بن سعيد باحتيال احتاله عليه في المواجهة، فأمسك وقيد وحمل إلى مسكد، وسجن فيها ومات في السجن.
وكان لحمود في حياته ولد اسمه سيف بن حمود، فطلع طلعة على خلاف سيرة أبيه، واستولى بالغلبة على صحار وما حولها،وخاف منه أبوه وعمه، فأمر به أبوه بعض الخدم فقتله في صحار.
وأما السلطان سعيد بن سلطان فإنه بعد ما مضى قرب الشيخ ناصر وأدنى منزلته وضمه إليه وأكرمه وأنعم عليه، فكان إذا سار إلى السواحل حمله معه، فصلحت أموره بعد صحبته، وكان الشيخ ناصر لهم فظا غليظا ينكر عليهم في حضرتهم، وكانوا يلينون له ولا يظهرون له ما يكره خوفا أن يصنع فيهم شيئا من السر الإلهي الذي اشتهر به وعرف بعمله بين الخاص والعام ومات الشيخ ناصر في زنجبار وله مع السلطان قصص ولا حاجة لنا بذكرها.
وذكر ذو الغبراء خميس بن راشد العبري قال: سمعت عبدالرحمن – يعني ناصر ابن أبي نبهان – أنه أكل الخبز بالماء والليمون سنة في بلد نزوى من قلة ما في يده، لأنه سافر عن بلده لما خاف على نفسه حين خشى ماله وهدم بيته طالب بن أحمد بن سعيد: وقال الشيخ ناصر في ذلك:
معيشتنا خبز لغالب قوتنا *ش* وماء وليمون وملح وقاشع
فإن حصلت مع صحة الجسم والتقى *ش* فيا حبذا هذا بما هو قانع
قال ذو الغبراء: وعمت هذه الأخبار مع جميع الفرق الإسلامية واليهودية والنصرانية والمجوسية، فتأسفوا في نفوسهم بما أصاب عبدالرحمن، ثم اجتمعوا في بندر مسقط بحضرة سيدهم ومولاهم سعيد بن سلطان، وقالوا هذا عار لبستموه ومن عقبها نار شديدة، فلا يرضى أحد بمثل هذا من الأمراء في علمائهم.
قال فكتب السيد إلى عبدالرحمن بالوصول إليه، فلما وصل عنده حياه وكرمه وعظمه وكساه، وجعل له فريضة معلومة وبيوتا مستورة، وتزوج له من أحسن نساء أهل زمانه، ومهما مشى خطوة في حضر أو في سفر أخذه في صحبته وأطعمه من طعامه واستشاره في أكثر أموره في طول زمانه إلى أن توفاه الله إلى رحمته. توفاه الله في حجره وجواره في بندر عباس.
وذكر في موضع آخر أن الشيخ ناصر توفي يوم الأحد والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، ومولده ببلد العليا في سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف.
وتوفي الشيخ علي بن ناصر الريامي يوم 18 رجب سنة أربع وستين ومائتين وألف، يوم الثلاثاء وقت الظهر، وقبل موت الشيخ ناصر بيسير، قلد حمود بن عزان أمر المسلمين على حسب ما أشرنا إليه أولا، ونذكره الآن مستوفى.

ذكر تقليد حمود بن عزان للمسلمين
وكان ذلك في أول سنة اثنتين وستين ومائتين وألف، فإن حمودا في هذا الوقت عزل نفسه من الحصون وقلد أمرها للمسلمين، فجعل أمر الرستاق بيد الشيخ سعيد ابن خلفان الخليلي<ح>(1) وصحار بيد الشيخ حمد بن خميس السعدي، والشيخ جميل ابن خميس السعدي مؤلف القاموس<ح>(2) وجعل الخابورة بأيدي آل خميس، فغيروا المناكر، وأمروا بالمعروف، أقاموا العدل واجتهدوا طاقتهم، وطلبوا شخصا للإمامة، وكاتبوا إخوانهم من كل ناحية.
قال ذو الغبراء: لزمتنا دعوة علمائنا وإخواننا المسلمين، وقصدنا بالطاعة إليهم مسرعين ونزلنا عندهم بمسجد البياضة، والخلق من كل فج مجتمعون، والأمر بينهم شورى في نصب حمود بن عزان في يوم رابع شهر شعبان، فأبى السيد حمود من عذر له لعله خفية.
قال وكذلك اجتمعوا يوم أربعة وعشرين من شعبان فأبى عن ذلك فتغلظت قلوبهم عليه، وكذلك خميس بن جاعد الوالي، والزاهد سيف بن محمد تعذرا مع المسلمين لعذر لهم في زمانهم، قال وقد طلب هذا الأمر الشيخ سيف بن مالك اليعربي، وأراد أن يقبض حصن الرستاق، فأجابه<ح><ح>
(1) هو أحد أئمة العلم في زمانه، فقد تصدى للتأليف وأجاد فيه، وظهرت له مؤلفات جليلة ورسائل كثيرة، فيها من تحقيق المسائل ما ليس بعده، وهو رحمه الله جد الإمام الحالي أبي عبدالله محمد بن عبدالله الخليلي.

(2) أي قاموس الشريعة، وهو أكبر كتاب في الفقه ظهر للآن، إذ يبلغ تسعين جزءا مستقل كل مها، وقد وقفت عليه كله من خزانة قطب الأئمة رحمه الله، فقد استطاع مؤلفه أن يحشر فيه كل أبواب الفقه والأصول والآداب الشرعية وما إليها، ويوجد منه أجزاء في المكتبة السلطانية بالقاهرة مخطوطة.

الشيخ الخليلي: كن في الحصن كأحد من المسلمين، واجتهد في الأمر والنهي، فلم يرض إلا بالحصن وما ومجد المطلوب فرجع إلى وطنه.
وقال في موضع آخر: قد كثرت كاتبة شيخنا العالم سعيد بن خلفان إلينا يريد منا أن نكون في خدمته ونحن ننظر ما هو فيه وعليه، ونؤخر الوصول من علل كثيرة وسنبينها لئلا يظهر الجفاء، فإن عمان قد مضت عليها سنين مجدبة والأيدي مقلة والانتقال ترى فيه خوفا على الأنفس والأهل.
قال: وأنا قد بان لي من السلطنة والأمراء وأهل اليسر والفقر والذي يدخل معه من إخوانه، والذين بيدهم قبض الحصون كلهم ضده ويراءونهم بألسنتهم، وقلوبهم متغيرة عليه هو ومن والاه، وخفت عليه من كيدهم غيلة فاحترق قلبي، وكتبت إليهما – يعني الشيخ الخليلي والشيخ سلطان بن محمد البطاشي – نصيحة مني. قال: وأنا أقول قد ظهر نور المسلمين في سنة اثنتين وستين ومائتين وألف، والسبب في ذلك أن السيد حمود بن عزان قد وصل عند الشيخ العالم سعيد بن خلفان الخليلي وجاء به إلى حصنه بالرستاق، وأمره أن يحكم بين المسلمين، وأمنه الحصن والبلد، فاجتهد الشيخ هو ومن والاه من آل سعيد وغيرهم، وأراد المسلمون أن ينصبوا إماما لهم الوالي سيف بن محمد السعيدي فأبى عن ذلك، ثم أشاروا على الشيخ خميس بن جاعد الخروصي فلم يجدوا منه سبيلا، ثم عرفوا المسلمين من كل جهة ليجتمعوا بالرستاق، فلما صح جمعهم أشاروا بالإمامة للسيد حمود بن عزان، فأراد منهم إرادات فلم يقدروا، فأبى عن البيعة في المرة الأولى والثانية، وصار إلى بيت له في القصير، فالمسلمون احتسبوا واجتهدوا في الأمر والنهي وإصلاح الرعية لله وفي الله، والناس تنظر إليهم شزرا، فلما عرفني الشيخ سعيد بن خلفان بالوصول معه
لمدينة صحار قائما، والشيخ سلطان بن محمد البطاشي بحصن الرستاق، فألزمت نفسي وكتبت لهما هذا الخط، ثم ذكر الخط بطوله، وذكر في أوله العذر الخاص به المانع له عن الوصول، وفي آخره نصيحة للشيخين نصها.
في هذه الأيام الناصر معدوم، لأني أرى القائمين بالمساجد المريض والأعرج والسقيم والأعمى والجابن عن الحرب، وأخبركم عن السادة الذي نسلهم من أولاد أحمد بن سعيد، قلوبهم مطمئنة بالحصون في أيديهم متى أرادوها سينزعونها من أيديكما، لأن العساكر والرعية في أيديهم سرا وعلانية، ولكن أكنوا في صدورهم ما لم تحيطا به في إصلاح دنياهم لا لدينهم، وأنتما عملتما التعزيز والقيود وأخذ الزكاة، وقد كان الذي بيده الأمر أقوى عشيرة وأكثر أموالا، والرعية له مطيعة،وأمراء القبائل معهم رغبة ورهبة وما يشير عليهم في الأمر إلا بلسانه والحق يحتاج قيامه إلى مال ورجال تكون بأيديهم السيوف المسلولة، واقفون في أمر الأمير كل ساعة، يقون بنفوسهم من الرعية حرا وشتاء، ليلا ونهارا، لا يخافون في الله لومة لائم، وأمرهم شورى بينهم، وأنا أخبركم عن كثير من الأمراء عمل برأيه دون آراء المسلمين، أمره نبذ، فعاقبه ملكه وراء ظهره وقد عمل برأيه بلعرب بن حمير اليعربي في طمره للمسلمين، وقتله لبجاد بن سالم الغافري والشيخ عامر بن سليمان الريامي، فضعف أمره واجتمعوا عليه بنو غافر وألزموه بالحبال وأخرجوه من ملكه وأقام بفلج البزيلي.
والسيد أحمد بن سعيد لما ملك وساد أطاعت له الخلائق واستقام ملكه وخذل عدوه، فدلته نفسه بقتل أكابر بني غافر. فلما قتلهم مشى على ديارهم بجيش عظيم فالتقوا بالأثيلة فصح عليهم الكسير، وهم فئة قليلة، فثارت بينهم العداوة والبغضاء إلى أن ظهر في الملك سعيد بن سلطان والسيد حمود
ابن عزان، فعملا في الرعية بميزان البصيرة وإصلاح الفريقين فاستطاعوا إليهما، فمن عمل برأيهما لإصلاح دنياه، فعسى يثبت أمره إلى بعض حين.
وأما إصلاح الدين فقل فيه المساعد، إلا إذا بروا إليكما آل سعد، وأنا كما رأيته بعيني وفكرت فيه بقلبي وغيري كمثلي أرى البادي الذي سكن الصحاري يتقوه الذين معهم البلدان، وأحاطت بهن السيران.
وكذلك السادة الكبراء يبذلون ما في أيديهم من الدراهم لأمراء القبائل، هذا طبعهم لسداد خللهم، والله وعباده مطلعون على أمرهم، وأنتما تنظران ذلك وإن آل رأيكما على قيام الحق والعدل بالسيف، فأريد البيان لأصل إليكما ولنسل سيوفنا ونبايع الله أنفسنا ونقاتل أعداء الله وأعداءنا حتى تنفنا أرواحنا، والابتداء بالسادة ثم الذي يليهم إلى حيث تنتهي، والمراد إلى طريق الآخرة، وأما إن وقفتما على هذه الحالة فأخاف عليكما الذهاب مما أنتما فيه وعليه، لأن من راغم السلطان ولاعب الثعبان، وغاص في البحر مع الحيتان، أو صادم الراجل الفرسان والشجعان سيبلى بالذل والامتحان، والناصر والمعين معدوم في عمان، وأراها أموالكما قليلة وأيديكما غير طويلة وليس معكما عشيرة، فانظرا لأنفسكما من الرأي الذي هو أصلح وأسلم. والناس في هذا الزمان تميل بالكلية إلى الظلم والفساد إلا قليل من عباد الله كتم إيمانه وعزل نفسه.
والسيد حمود ابتلى بالإمارة فما مراده إلا أن يبليكما من بلائه، ولو كان حقاً وصدقاً منه لما عزل نفسه عن الحصون، ولو كان صحيحاً منه هذا بتقديمكما وصح مع نسل أحمد بن سعيد لدخل في قلوبهم بالحال والحين، وأنهم سيعزلون رؤوسكما نساؤهم، والخدم قبل أولادهم ونسل أجدادهم، وآلهم وعشيرتهم ورعيتهم، لأن كلا منهم يطلب الملك لنفسه دون غيره، والنفس أسلم لها مسكنها
في الخيام والفيافي والقفار عن سكن الحصون التي لن تحرز بالأمناء ولا تكافح عنها الأمراء والأولياء، وأرى من كل جهة عليكم عيوناً، ومع العيون عيوناً، لأن أكثر الناس بضد الحق، أمراؤهم يبرءون من الدماء والأموال، ولا يجعلون رأيا للأولياء ولا للنساء واليتامى والأرامل، فالأقرب يوكل ماله، ولو كان جاهلا والأموال الموقوفة تجري فيها الوكالة على ما سبق وسلف ولم يرضوا بتبطيل دفاترهم وشهادتهم إن كانوا على الحق أو على الباطل يعملون به، ويقتدون بنسل الملوك المضلين، وهذا أثبتوه بسيوفهم، ويحكمون به على بعضهم بعضا، فمن كانت له قدرة ومعه عشيرة وأراد الحق ينفذ بينهم ويبدل سيرتهم فلا يأتيهم كلام، ولكن يسل سيفه عليهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإذا لم يقدر على ما ذكرناه فينكر عليهم بقلبه، وإما يجتنب عن أهل زمانه لأنهم كلهم في محافلهم يستهزئون بالعلماء والتابعين لهم.
وأنا شاهدت أهل العلم والمطاوعة وهم عدة وأجسامهم قوية وأموالهم جزيلة كل قبيلة عددهم مثل آل سعيد أو أزيد، فسألتهم عن لزوم الجهاد والقيام فأجابوني حملة العلم بالعذر، لأن أهل الجور والظلم شوكتهم قوية في زمانهم، في أيديهم الحصون والرعية، وهؤلاء الأشياخ عملوا بالتقلية لإصلاح دينهم، وهم أعلم بذلك، وفي زماننا هذا أنتما أئمة مذهبنا وبكما نقتدي وبعلومكما نهتدي، وعليكما السلام من خادم العلماء خميس بن راشد العبري.
هذا كلامه بنص حروفه، وقد أظهر ما توسمه في أهل زمانه.
وقال في كتاب آخر لبعض أصحابه: والسيد حمود قد فتح الباب لهما، فلما دخلا سده عليهما وهما لا يشعران بأمره، فيجب على من علم سد الباب أن يخبرهما بذلك.
وقال في موضع آخر بعد أن ذكر الشيخ سعيد بن خلفان
الخليلي، قال: وأقبل معه السيد حمود ظاهر أمره للسؤال وباطنه يريد منه أن يتقوى به ويكتب له لما يريد من الأوفاق، فأقام معه ببلد بوشر أياما، وأخذه في صحبته وأنزله في منزلته وقال له: كن أنت من الرستاق، واجتهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاجتهد الشيخ هو ومن معه وآل سعد، وأرادوا نصبه ليكون إماما لهم فأبى: لأنه يعرف نفسه ليس هو من أهل الإمامة، فلما صار الأمر في أيديهم احتسبوا فجبوا الزكوات وأصلحوا الأموال الموقوفة، وعملوا في الناس التعزير، والقيود على الشريف والضعيف، والسادة والقبائل ينظرون إليهم ويستهزئون بعملهم، مرادهم كشف خللهم مع الناس حتى يكثر عليهم الموشي والحساد، فاستنزع السيد حمود وولده عليهم الحصون ونبذهم وراء ظهره.
قال: والشيخ الخليلي لما خرج من الحصون اجتهد في طلب علم الحرف، فما مضت سنون كثيرة إلا ومات حمود وولده.
هذا كلامه والأمر لله وحده.
ومدة تصرف المسلمين في ممالك حمود بن عزان من أول سنة اثنتين وستين إلى أول سنة ثلاث وستين على ما يظهر من تواريخ خطوطهم، فوقت بذلك سنة تامة إلا أن يكون فوقها بعض المدة اليسيرة والله أعلم.

ذكر موت محمد بن ناصر الجبري
وكان قبل خلع حمود الحصون للمسلمين بكثير من السنين وإنما أخرنا هذا لأن الكلام خرج بنا إلى ذكر حمود فاستقصينا خبره، ذكر ناصر بن أبي نبهان قال وذلك أنه لما ملك المحمود حمود الرستاق وخاف محمد بن ناصر الجبري على ما تولاه أن يتولاه حمود ويغلب عليه. قال وظن أن التيسير لحمود كان بسبب منى له، قال وأنا سكان في نزوى على إحسان حمود إليّ، قال وسرت من بلداننا إلى نزوى، قال فرأيت الناس من طرف الجبري قد أحاطوا بباب البيت يريدون قتلى، فذهبت عنهم من الجانب الآخر إلى عقر نزوى.
قال وكانوا هم وأهل حوائر الوادي أشد الناس حباً للشيخ وأولاده وقالوا: قد كظنا وكظك<ح>(1) فإن كان فيك نفع للمسلمين فلا يجوز لك ترك هذا الظلم قال وكان الواقع عليّ أنا ومن معي يوم سبع وعشرين من ذي الحجة في سنة 1249 تسع وأربعين ومائتين وألف.
قال فقلت لهم قريبا يكون إن شاء الله، ظنا أنه يحتاج للمدة كما قد احتاج السلطان والجبار فهما لأجل ما ذكرناه، وأما هذا فأمره قريب، قال فما انقضى من اليوم الذي وقع فيه الأمر إلا شهران يعجز سبعة أيام إلا ومات، وذلك في يوم ثاني من شهر صفر سنة خمسين ومائتين وألف.
قال فإن قلت كيف لا تعمل هذا العمل للحرب فالجواب لم أعمله لما ذكرته من عمل تبطيل الأعمال عن السلطان والجبار، قال والتبطيل يحتاج إلى مدة وفراغ قال وما قصدنا بإظهار هذا فخرا فإن كثيرا من أهل هذا العلم يعلمون العمل قلا ينقضي يوم ولا ساعة من النهار إلا والأمر قد مضى، قال وكلامنا هذا يدل أنا أقل الناس علما فيه. <ح>
(1) الضمير عائد إلى الجبار أي كظنا الجبار وكظك.

قال: ومن ملك شيئا من الرياضيات فهو أقوى من هذا كله، قال ومن علم منها علما فلينفع المسلمين به على ما جاز، قال وإذا لم ينتفع به ولم ينفع به من هو أهله لم يكن له فيه نفع، قال ونفع المؤمنين مع القدرة من النصيحة لهم هذا كلامه والله أعلم.
وقد ذكرت فيما تقدم أن السلطان أحسن إلى الشيخ ناصر وأن أموره قد تراجعت في آخر زمانه، وقد تمكن من صحار بعد قبض حمود بن عزان وجعل فيها ولده تركي بن سعيد وجعل في مسكد ولده ثويني بن سعيد وفي زنجبار ولده ماجد بن سعيد، وبقي هو يتردد في ممالكه من زنجبار إلى مسكد ومن مسكد إلى زنجبار وبقيت الرستاق في يد قيس بن عزان أخي حمود وهو أبو الإمام عزان.
وأما السويق فقد كانت في يد محمد بن الإمام، ثم صارت في يد ولده هلال ابن محمد، وكانت الباطنة قد زهرت زهرة حسنة وكثر فيها الأخيار والمتعلمون وفيهم الشيخ جميل بن خميس مؤلف قاموس الشريعة، وكان يسكن القرط وكان شيخهم حمد بن خميس من خيارهم، وكان حبهم وميلهم إلى ملوك الرستاق لأنهم قد تسموا بالدين وعرفوا بالفضل وكانوا كثيرا يزورون قيس بن عزان حتى قيل أنه يجتمع في اليوم الواحد عنده في غرفة الصلاة مقدار أربعين مطوعا وهو اسم لمن تسمى بالدين وكف عن المآثم، وكانوا يقرأون عنده آثار المسلمين فما زال كذلك حتى انقضت أيامه وسيأتي خبر قتله إن شاء الله تعالى في أيام ثويني.
وحدثني الثقة أن أربعين رجلا من خيار أهل الباطنة من أهل البطحاء ذكروا الشراء فراغبوا فيه وتعاقدوا عليه فقام عليهم أقاربهم ليمنعوهم منه لظنهم أنهم لا يقوون عليه فأبوا إلا الشراء وتعاقدوا عليه وأخذوا
لأنفسهم أكفانا وخرجوا ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وقصدوا إلى إخوانهم من أهل القرط، فحين اجتمعوا على ذلك واخذوا في الخروج إذا هم بطير أبيض يسير أعلا من رؤوسهم يتبعهم حيث ساروا فعلم بهم هلال بن محمد بن الإمام صاحب السويق فخرج إليهم بعسكره ليقطع بينهم وبين إخوانهم فلما رآهم على تلك الهيئة هابهم هو ومن معه وكان بطلا شجاعا فقال لقومه أمهلوني حتى أسبرهم، فهوى إليهم بفرسه فاستداروا صفا واحدا كالحلقة المفرغة ليحمي بعض ظهر بعض، فلما وصلت الخيل قربهم برك الذي حاذاها منهم على ركبتيه يريد أن يعقر الفرس فحرفها عنه هلال وأتى من الجانب الثاني ففعل من حاذاه كذلك، ثم من الجانب الثالث ففعلوا كذلك، ثم رجع إلى قومه ومضى بهم إلى حصنه ومضت الشراة والطير على رؤوسهم لم يفارقهم حتى نزلوا عند إخوانهم بالقرط فأقاموا هنالك يأمرون وينهون ولم يخبرنا الثقة أنهم عقوا الإمامة على أحد منهم وإنما فهمنا منه أن أمرهم شورى بينهم وهو اجتماع محمود.
وفي الأثر أن لجماعة المسلمين جميع ما للإمام من أنفاذ الأحكام وإقامة الحدود، وقيل لهم جميع ذلك إلا الحدود فلا يقيمها إلا الإمام. وكان السلطان سعيد ابن سلطان بمسكد فبلغته أخبارهم وخاف أن يعظم أمرهم فأرسل إليهم الهدايا وأعظمها لهم من غير أن يتعرض لهم بحرب ظاهر، وإنما أرسلها على هيئة المعونة وهي الحرب الباطن، وكان ذلك من مكائد الملوك، فلما وصلتهم الهدايا قال بعضهم لا نقبلها وخافوا الفتنة وعرفوا أنها المكيدة وقال آخرون بل نأخذها لنتقوى بها على أمورنا، ثم اتفقوا على الأخذ، فلما أخذوا الهدايا فارقهم الطير الأبيض ووقع فيهم الفشل واختلفت كلمتهم وتفرق جمعهم، ورجع كل إلى منزله
من غير أن يقتلوا أو يقتلوا.
والله أعلم بما كان عليه أول أمرهم أكان عقدا لا يجوز فسخه أم كان أمرا واسعا اختاروه لأنفسهم ويكون لهم فيه الرجوع والظن بهم هذا الوجه الثاني والثقة لم ينقل لنا أنهم توبوا أحدا منهم وعابوه والله أعلم بحقيقة الأمر، وينبغي للعاقل أن لا يدخل في أمر يعجز عن إتمامه والفضائل كثيرة والشراء درجة عظيمة لا يدركها إلا الخواص من الخواص، وليس كل رجل كأصحاب المرداس والله يؤتي فضله من يشاء.
وكان السلطان سعيد عامل من آل بوسعيد يقال له سيف بن محمد البوسعيدي وكان عنده بمنزلة جليلة، قاد له الجيوش وتولى له الأعمال ثم رزقه الله تعالى حسن التوفيق فآب إلى الله وتاب توبة نصوحا وباع أمواله وتخلص مما جناه تخلصا تاما أدى الواجب وزاد عليه الاحتياط وانقطع إلى الله في الفيافي وزيارة العلماء والأفاضل واشتهر باسم الزاهد فظهرت له الكرامات وانفتحت له أبواب الخيرات وشهد له بالفضل كل ناطق يعرفه ووجبت له الولاية على الخاص والعام *ر* وأرضاه وأخباره كثيرة تحتاج إلى بسط طويل، وأذكر لك بعضها لقرابتها وهي قطرة من بحر.
يقال أنه كان يتعبد في جبل من جبال سمائل فبينما هو كذلك إذا هو برجل غريب لا يعرفه قدم عليه فأخذه في العبادة حوله حتى استحقر الشيخ نفسه واستقل عمله، وقال في نفسه هكذا الرجال فأقام ثلاثة أيام على ذلك الحال، ثم أقبل الغريب عليه بعد الثلاث، وقال له يا هذا على أي مذهب أنت فقال الشيخ على مذهب أهل الاستقامة فقال الغريب لو عبدت الله على مذهب أهل السنة لكان خيرا لك ثم تناول هذا الغريب ورقا من شجرة حين كانت قربهما وهي شجرة التفلى فأكل منها، وقال الشيخ لو عبدت الله على مذهب أهل السنة
لصار لك المر حلوا، كما ترى فوقع في نفس الشيخ أنه الشيطان فقال أي عدو الله تريد أن تضلني فتضاءل الغريب بين يديه ثم لم يره فظهر أنه الشيطان فعصمه الله منه. وقيل أنه كان يوما يتعبد بمسجد معتزل في وادي المعاول ومعه عابد آخر أعمى فأرسل إليه هلال بن أحمد البوسعيدي بهدية عند جمال، وكان هلال من أهل مسكد وكان يكثر الصدقات على الأفاضل وهو أخو حمود بن أحمد صاحب رباط مكة فلما وصل الرسول قام الزاهد يعالج له طعاما فصنع له عرسية فغرفها له في ليفة خشى، ثم قال هل ادع الرجل الذي في المسجد ليأكل وهو العابد الأعمى فأتاه فدعاه فقال قد تعشيت فنظر فإذا هناك نويات يسيرة يشك أتبلغ سبعا أم لا فرجع إلى الشيخ فأخبره فقال ذاك ليس مثلي أنا أي لم تغلبه شهوته مثل ما غلبتني فباتوا فلما كان السحر سمع الرسول وهو نائم الشيخ والعابد يصيحان النار النار، فلما أصبحوا قال الشيخ للرسول أتقرأن شيئا من القرآن؟ قال نعم قال فاقرأ، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنذِرْ – إلى قوله تعالى – فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ، فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ، عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ، فتلقاها الشيخ يرددها حتى غشي عليه وأخباره كثيرة وفضائله شهيرة.
وقد أدركت بعض من أدركه من الثقاة فأخبروني عنه بالعجب والله يؤتي فضله من يشاء وتوفي الشيخ الزاهد بالشريعة من أرض سمد الشأن وقبره فيها رحمة الله عليه، ثم مات السلطان سعيد بن سلطان في البحر في مسيره إلى زنجبار في مركب كان له فساروا به وهو ميت حتى أنزلوه بزنجبار فدفنوه فيها وذلك في سنة 1237، وكان قد عاش في الملك خمسين سنة، وقيل أكثر وخلف أولادا وبموته اقتسم الملك بين أولاده فصار ملك السواحل لماجد بن سعيد.
ثم ملك من بعده
برغش بن سعيد، ثم من بعده خليفة بن سعيد ثم علي بن سعيد ثم حمد بن ثويني بن سعيد ثم حمود بن محمد بن سعيد ثم علي بن حمود بن محمد ولا حاجة لنا بذكر أخبار زنجبار والسواحل، فإن غرضنا تاريخ عمان ولبرغش ابن سعيد مآثر حسنة فإن خلط عملا صالحا وآخر سيئا جمع الأخيار وقراء الآثار ولازم العبادة وطبع جانبا من كتب المذهب وجعل للحجاج مركبا يحملهم في كل عام من السواحل وعمان من غير نول<ح>(1) وهم فيه مكفولون ذاهبين وراجعين وحج البيت وزار القبر وأجزل العطاء وأكرم العلماء ورحم الفقراء ونصب القضاء، وبسط أخباره تحتاج إلى مجلد وليس ذلك من غرضنا الآن.
وأما مسكد وأكثر الحصون من عمان فقد صار ملكها إلى ولد ثويني بن سعيد ثم من بعده إلى سالم بن ثويني ثم من بعده الإمام عزان *ر* ثم من بعده إلى تركي بن سعيد بن سلطان ثم من بعده إلى ولده فيصل بن تركي وهو صاحبها اليوم، وسنذكر لكل واحد باباً إن شاء الله تعالى.
وكان جانب عظيم من أرض فارس في ملك السلطان سعيد بن سلطان، وكان الوالي فيه سيف بن نبهان المعولي وكان له حزم وسياسة، فما زال يستفتح قلاع فارس ويستجلب رعاياها، حتى دخل كثير منهم في طاعته وعظم أمره هنالك وقويت شوكته وبلغ فيها مبلغا لم يبلغه غيره، ثم عزله السلطان ثويني وولى عليها سعيد بن أحمد البوسعيدي، فلم يحكم أمرها، فثارت عليه العجم فأخذوا ما استفتحه سيف بن نبهان من بر فارس، وبقي لملوك عمان ما حول البحر، ثم ذهب أكثره وبقي الأقل منه، والله الباقي. <ح>
(1) أي أجرة الركوب.


باب الأحوال الواقعة في دولة السلطان
ثويني بن سعيد بن سلطان
وكان قد ملك عمان بعد أبيه وانفرد بها دون إخوته وخالفه أهل نخل وقتلوا خادمه سويلم بن سالمين، وكان واليا عليهم من قبله وعصبتهم الغافرية وجاؤا بجابر بن حمير اليعربي وبنوا له ثوارة نخل قلعة تقابل حصن السلطان فقام عليهم السلطان وحاصره جابر بن حمير ومن معه فدخل عليه ناصر بن علي شيخ آل وهيبة يريد أن يسعى بينه وبين السلطان بصلح على أن يخرج ويجعل له جعلا فأبى جابر بن حمير فرشى ناصر السيابيين وخرجهم عن عصبة جابر، وساروا إلى بلدانهم ثم خرج عليه من أخرى ليكلمه فقال له اصنع ما شئت، وذلك حين رأى ضياع الغافرية فجعل له فيما قيل ستة آلاف قرش فخرج من نخل ومضى إلى سيجا. ثم بعد ذلك سار إليه السلطان بجيوشه بعد مدة وحاصر سيجا ودخلها وخرج منها جابر ومضى إلى جعلان وسكن عند بني بحسن حتى مات، وفي أيامه وهو السلطان ثويني اقتتل قيس بن عزان وهلال بن محمد صاحب السويق، وذلك أن هلالا كان ميله عند السلطان لأنه ابن عمه، وكان يمده وكان قد رفع بينه وبين أهل الباطنة بعض المشاحنة وهم آل سعيد، وكان قد كثرت الأفاضل فيهم وكان ميلهم إلى قيس ابن عزان لما يرون فيه من آثار الصلاح، وكان طبعه موافقا لطباعهم وسيرته موافقة لسيرتهم فهموا أن يقوموا به للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان ملكه بالرستاق، وأرادوا أن يضموا إليه ملك الباطنة فجاؤا به
إليها وطلبوا من هلال المواجهة له فأنعم لهم بذلك وخرج إليهم في نفر قليل من أهل الخيل وكانوا قد تواعدوا على مقيل في مال بيت المال يختص به هلال فنزل هلال تحت بيذامة هنالك: والبيذامة شجرة عظيمة لها ورق عريض يقرب من الاستدارة وليس بمستدير، وجاء قيس ومعه خيار أهل آل سعد وكانوا قد أرادوا أن يقيموا الحجة على هلال ليأخذوه ببينة وبصيرة فإن امتنع عن الحق يقتلوه.
وكان قيس راس الأمر، وكان فد هيأ خادما له يقال له رصاص، وقال له إن قلت لك هات بشربه فاقتل هلالا، وكان هلال قد أحس بذلك في نفسه، فأخذ خنجره في يده يعبث به يقطع بعض الخوص الذي كانوا جالسين عليه وهو خوص قد اجتمع من عمل القيض يكون كثيرا في المجالس، فكلمه قيس وقال له: إن ثويني جبار، ولا يجوز لك أن تعينه على المسلمين، ونريد منك أن تكف نفسك عن معونته، فقال أنا وثويني ولا نتفارق، فقال له قيس كان على هدى أو ضلال لا تفارقه، قال لا أجد منه بداً، قال لا يجوز لك ذلك، قال أنا وثويني كرجل واحد ولا ينفك بعضنا عن بعض، وكان قد فطن لما يريدون ولكن منعه التكبر عن الحق وكانت في نفسه شجاعة يرى أنهم لا يقدرون عليه بشيء فلما أيسوا منه قال قيس للخادم شربة فوثب الخادم ليأتيه بماء ولا لوم عليه، فإنه هلال فلما رأى قيس ذلك سل كتارته من غمدها، وضرب هلالا في جبينه ضربة يرى أنها كانت تكشف صحلة رأسه، فوقعت بادرة الكتارة في البيذامة، وكانت من هناك ناتئة قليلا فمنعت، كتارة عن استئصال رأس هلال، فمن حين ذلك ضرب هلال بخنجره في غلصوم قيس فقتله ومات قيس من حينه ووثب هلال إلى فرسه، وكان الدم قد غشى عينيه فرماه الحاضرون من أصحاب قيس بالرماح،
فقضي عليه ومات الرجلان كلاهما، والأمر لله ثم وثب آل سعد على حصن السويق فحربهم (من فيه) وكان فيه أخت هلال جوخة بنت محمد بن الإمام فحربت بمن معها ثمانية عشر يوما ثم وثب آل سعد على الحصن، وكانت تصب عليهم العسل والخل المحررين فكثر فيهم القتل والجراح، ولم يردهم ذلك حتى اقتحموا الحصن، وكان رجل منهم قد أمسك بيده في مدفع فنقع المدفع ورفس بقوة النقعة إلى داخل فدخل الرجل معه وقد صمت أذنه من النقعة لأنها كانت مع إذنه، وخلص الحصن وخرجت المرأة بمن معها في أمان وقبض آل سعد الحصن وجاؤا بأولاد حمود بن عزان وهم صغار فجعلوهم فيه ليتبعهم الناس، وبقي في الرستاق عزان بن قيس وهو الذي نصب بعد إماماً وتولى المطاوعة أمر السويق.
ثم جمع السلطان ثويني الجموع وسار إلى حرب آل سعد فتجمعوا له بموضع يقال له الملدة فاقتتلوا يسيرا، ثم دخل الناس بينهم بالصلح فاصطلحوا ورجع حصن السويق إلى السلطان ويقال أن جوخة بنت محمد كانت قد طلبت من ابن عمها السلطان النصرة على أهل الباطنة فتمادى بها طمعا في الحصن لأنه لا يرى أخذه من يدها وهي مستنصرة به فإذا أخذ آل سعد أمكنه حربهم عليه فتمت له الحيلة بذلك. ثم جمع السلطان ثويني جموعا وسار إلى الرستاق فحاصرها مدة من الزمان وكان فيها عزان بن قيس وبنو عمه فلم تخلص له، وجاء الوهابي صاحب البريمي ليصلح الحال في ظاهر الأمر، فحين علم السلطان بمجيئه رجع عن حرب الرستاق ومضى إلى بلاده، ثم خرجت على السلطان خارجة من الوهابية يقدمهم السديري، وكانوا من أهل نجد وكانوا قد تولوا أرض الجوَّ، وجعلوا البريمي بها ولايتهم، وكان خروجهم بسبب ناصر بن علي شيخ
آل وهيبة.
وسبب ذلك أن السلطان قدم عليه أخاه خليفين بن علي فأضمر ناصر في نفسه العداوة، وأرسل للسديري فجاء به إلى جعلان عند بو علي وكانوا على مذهبه فقام فيهم وأدوا له الطاعة عن حب ورغبة، ثم ساروا به فأخذوا حصن صور، وكان شيخنا الصالح صالح بن علي الحارثي في السواحل، فوفق مجيئه منها خروج الوهابي المذكور، فطلب من السلطان ثويني الخروج إلى قتاله.
وكان السلطان قد استحقر شأن الوهابي فلم يكن قد قصد الخروج إليه لذلك فقال له أن وراءه دولة وأنه طالب ملك، وله عصبة من الغافرية، وأخشى أن يكبر أمره، فما زال به حتى أجابه إلى حربه، وواعده في يوم معلوم وقت الظهر ليصل بمن معه في سفالة أبرى في شريعة الزويد.
قال الشيخ فلم يتخلف وصوله عن ذلك الوقت، بل وصل فيه بعينه ثم سارا إلى بدية وأناخا في الواصل، وأرسل إلى ناصر بن علي رسلا ليصل إليه فلم يصل بالحال، فلما كثرت عليه الرسل جاء، فحين رآه السلطان مقبلا أخذ في لعنه وهو لا يسمعه حتى إذا كان غير بعيد ألقى ناصر عصاه إلى السلطان وقال هذا ظهري للضرب ورجلاي للقيد ورقبتي للذبح مكرا وخديعة، فقال السلطان أنت مسموح ما حملك على ما صنعت؟ قال الجلوس عند مدفع للصوص، ومراده بذلك أنه قدم على السلطان يوما ببركا فلم يؤذن له بالدخول وجلس قدام الباب عند مدفع تصلب عليه اللصوص ينتظر الإذن فلم يؤذن له، فكان ذلك السبب الذي حمله على مظاهرة الوهابي في الباطن، فقال له السلطان شنعت فارقع، فقال نعم فسار ناصر إلى صور، وقال للسديري رأيت الهناوية قد اجتمعوا عليك ومعهم سلطانهم، وقد جاءك مالا قبل لك به ولا أقدر أنا على دفعه، وأخشى أن تقتل وأنا قد جئت بك فارجع إلى مأمنك،
فأخرجه من حصن صور، ورجع من حيث جاء.
وكان تركي بن سعيد قد ضاق عليه الحال بصحار لقلة مدخولها فدفعها إلى أخيه ثويني وانظم إليه في مسكد وصاروا يدا واحدة فحين قام السلطان ثويني على السديري من طريق البر أمر أخاه تركي أن يلاقيه في صور بالمراكب من طريق البحر فسار السلطان ثويني إلى صور، وفي طريق مسيرهم بلغهم خروج الوهابي من صور بسبب ناصر بن علي فأراد بعض الأكابر أن يلاقوه فيقاتلوه فأبى السلطان واختار السلامة لقومه مع حصول المراد فلما وصلوا صور وافقوا تركي في المراكب ولبث السلطان بها قليلا من الزمان ثم رخص قومه، وركب مغربا ولم يدخل مسكد بل قصد صحار وفيها ولده سالم بن ثويني كان قد جعله فيها لمقاومة الوهابية القائمين بالبريمي، ولسالم في أبيه غوائل كان أبوه عنها غافلا، أراد أن يقتله لينفرد بالملك، وكان السلطان قد شركه في ملكه حتى لا يرد أمره، وكان أحب أولاده إليه والمقدر كائن.
إن من ترجو به دفع البلا *ش* سوف يأتيك البلا من قبله
كم واثق بالناس حتى ما أتت *ش* نوب الزمان غدوا عليه نوائبا
فبينما السلطان نائما وقت الظهيرة في غرفة صحار إذ دخل عليه ولده سالم فضربه بتفق في فؤاده فيما قيل فمات من ساعته، ثم قيد عمه تركي وجاء إلى مسكد وولى السلطنة والأمر لله وحده، وذلك في سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف باليوم السابع والعشرين من شهر رمضان قبل الظهر بقليل وبقي مطروحا على فراشه بقية يومه ودفن بعد المغرب بساعة بغير تكفين
ولا تغسيل ليلة الثامن والعشرين منه، وفي هذا الشهر وقعت سيول عظيمة بعمان وكان السيل جارفا، ويقال لها جرفة رمضان، وأثرت في عمان خصبا كثيرا وكان أخو السديري قد سمع بخروج السلطان والهناوية على أخيه الذي بصور فركب بمن معه من أهل الخيل والإبل، ووصل إلى منح فسمع به الهناوية من أهل الشرقية فاجتمعوا لدفاعه وأقاموا بالمضيبي فكان جمعا عظيما، فسمع بذلك الوهابي فرجع من منح وجاء على طريق الجبل في طريق الشص، وماتت له هنالك خيل من صعوبة الطريق، ثم نزل من الجبل على وادي بني خروص، ثم إلى الرستاق ثم إلى البريمي وهي ولايته وأقام بها والله أعلم به.

باب الأحوال الواقعة في دولة السلطان
سالم بن ثويني
وذلك أنه لما قتل أباه بصحار وجاء هو إلى مسكد ووصله رؤوس القبائل، واستحضر من شاء منهم ليقوى بهم أمره، أظهر المسلمين أنه إنما قتل أباه ليظهر العدل في الأرض، واستدعى ببعض أفاضل المسلمين وبعض مشايخ أهل الدين وقال وقال ووعد وأمل، وذلك أنه رأى ما فعله الشنيعة الشنعاء وأراد أن يرفعها ولو بمقال زور، فبينما هم كذلك إذ جاء النصراني وكان قد تدخل عند الملوك وأظهر لهم التودد فلما قتل سالم أباه أظهر السخط لذلك وأطلق تركي من قيده وهو مقيد في صحار، ثم جاء النصراني إلى مسكد وقال لسالم اعتزل لا تصلح للملك وقد قتلت أباك وأظهر له الغضب فشاور السلطان سالم من حضره من أكابر المسلمين فأجابوه بأن لا يصغي إلى قومه ويظهر له الشدة، فلما رد إليه الجواب ضرب النصراني بكمته على سطحة المركب وكان يفعل ذلك إذا غضب، ثم قلع مركبه ومضى مسرعا فلم تكن له معاودة في هذا الخطاب.
ثم سار تركي إلى ينقل من الظاهرة وناصره أميرها من الغصون وقام معه وحرب صحار وكادت تخلص له بل يقال أنها خلصت، فبينما الأمير العلوي يكتب الخطوط للقبائل بخلوص صحار إذ نقع مدفع من قدام الحصن لا يدري من كواه فأصاب الأمير فمات وانهزم عسكره وبقي تركي يتبعهم ليرجعوا إليه فأبوا وكانوا طوع أمرائهم دون السلاطين ولا ينتظم لهم أمر إلا بأمير من الغصون.
ثم مضى تركي على وجهه في
البلاد يلتمس النصرة على ابن أخيه من كل من وجد وكانت له همة وجلدة وجراءة، ثم التمس المسلمون من السلطان سالم ما وعدهم به من إظهار العدل فبقي يمنيهم ويعدهم، وهو مع ذلك يخادعهم، ثم أصبح تركي بن سعيد في الكوت الشرقي ركب في خشبة وأخذ معه بعض الشحوح حتى جاءوا إلى الكوت فدخله وفيه البلوش، فلما عرفوه لم يقدروا على منعه فتحصن فيه، وكان ينزل إليهم بليل فيقتل ويرجع، فكان يزورهم زورة الذئب، وممن قتله تركي في هذه الحالة عبدالله بن مشاري بن سعد بن مطلق ولد الوهابي الذي كان عذابا على أهل عمان.
ثم أن تركي لم يجد في الكوت ما يقوم بمؤنة من معه من طعام وشراب، وسعى بينهم بعض الرؤساء أن يخرج من الكوت، فخرج سالما ومضى إلى الجانب الغربي ثم جاء على طريق البر حتى وصل الشرقية وطلب من أهلها القيام على ابن أخيه، وكانوا قد كرهوه لقتله أبيه، فقام معه كثير منهم، بل أكثرهم، وهم بنو بو حسن والججريون وبعض الحرث وكبير الخارجين من الحرث سعيد بن علي بن مسعود البرواني.
وكان الشيخ صالح بن علي الحارثي وهو رئيس الهناوية على الإطلاق لم يرض خروجهم هذا لما تقدم من وعد السلطان سالم أن يقيم العدل. وكان الشيخ صالح قد خرج من عند السلطان فوافق الجيش بسمد قاصدا لحرب السلطان، والمقدم فيهم رئيس بني بو حسن حمد بن مسلم. وكان حمد هذا لا يخالف الشيخ صالح، فلما رأى الشيخ ذلك دخل في جملة الجيش وسار معهم وهو يقول لحمد بن سالم: لا تعجل بالقوم، وأرسل إلى السلطان أن يأخذ حذره، فأكثروا المناخات حتى غضب سعيد بن علي البرواني فنهره الشيخ، فلما دنوا من مطرح
أراد أن يؤخرهم فقال حمد بن مسلم: ليس عندنا للقوم بهطة – يعني نفقة – فقال الشيخ أنا أعطيك لهم، فبقي يمد حمدا خفية، ثم استأذنهم أن يشرف على السلطان فأذنوا له، ودخل عليه فرآه قد أهمل الحزم، فأخذ يوبخه ويلومه، وأغلظ عليه، فقال السلطان قد أرسلنا إلى القبائل فلم تصل ثم عملوا الحيلة أن يصلهم السلطان بنفسه إلى مطرح في الغد، فجاء السلطان على الوعد، وسار إليه بعض أكابر الهناوية ومناهم بجميع ما طلبوا، وذلك أنهم طلبوا أن يكون لتركي من وادي القاسم مغربا فقال لكم ذلك ويصلكم الشيخ صالح في غد بتمام الجواب، فقالوا إن لم يصلنا إلى طلوع الشمس فلا ذمة بيننا، قال نعم.
ثم رجع السلطان إلى مسكد وجاء الشيخ بالغد بعد طلوع الشمس فبينما هو يسير في البحر فرأى القوم قد ركضوا على مطرح ودخلوها من الجانب الغربي وخلصوها في ضحوة النهار ومضوا إلى الرواية فحاصروها، وكان قد دخلهم بعض اختلاف وفشل، وكانت مسكد قد امتلأت بالقبائل الغافرية، وكان الشيخ قد رجع إليها بعد أن رأى دخول الهناوية مطرح، وكان قد نصح للسلطان باطنا وظاهرا لما كان يعدهم به من القيام بالعدل.
ثم جاء النصراني فحمل تركي في المراكب وذهب به إلى الهند، وقيل أن تركي اختار ذلك بنفسه، رأى أن العرب لا تنفعه لعدم اجتماعهم عليه، وبقي فيها حتى جاء المجيء الذي حارب فيه الإمام عزان *ر*، وسيأتي خبر ذلك.
ثم أن السلطان سالما هم بالغدر بالشيخ صالح بن علي ببركا فسيس
له أن يمسك في البرزة إذا دخل للوجاه، وكانت البرزة في الحصن، فلما برز السلطان ودخل الشيخ للوجاه لم يلبث أن علم بدو الشيخ بالمكيدة المصنوعة لشيخهم، فانطلق واحد منهم يسعى مسرعا إلى الحصن ودخل البرزة، وقال للشيخ أدرك قومك فقد تضاربوا، فخرج الشيخ يعدو ولم يتمكن السلطان من مكيدته حتى خرج الشيخ، فأخبره أصحابه بالمكيدة ووجدهم قد تهيأوا فركبوا من حينهم مغربين، فانطلقت خيل السلطان في أثرهم وعليها الوهابية، فأدركوا بعض البدو فوقع بينهم بعض التناوش وقتل رجلان من الوهابية أصحاب السلطان وجرح رجل من البدو أصحاب الشيخ وكانت هذه الحالة من أول أسباب النزول للسلطان سالم، بل أول نزوله قتل أبيه فإنه لم يلبث في الملك إلا مدة يسيرة فقد قيل إنه ملك سنتين وأشهرا فقط.
ثم سار الشيخ إلى حمد بن سالم بن سلطان وهو ابن عم أبي السلطان سالم، وكان في المصنعة فتواعدوا على أمر عجز حمد عن الوفاء به وذاك هو الخروج على السلطان سالم ومكث الشيخ معه يومين ثم ركب إلى الرستاق ثم توجه إلى وادي بني غافر وجاء على طريق نجد المخاريم، ثم منها على طريق عمان حتى وصل إلى الشرقية وهي وطنه فبقي الخطاب بينه وبين الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي عالم عمان في ذلك الوقت، وكان الشيخ صالح قد تلمذ عنده وتعلم منه وأخذ عنه الدين، كذلك أخذ عنه جملة ممن أدركنا من المشائخ ولإخوان، وكان عزان بن قيس سلطانا على الرستاق وكان حسن السيرة فيها، وكان الشيخ محمد بن سليم الغاربي في الباطنة وهو
أعلم من فيها ذلك اليوم وأفضل، وكان مسموعا مطاعا فيهم لعلمه وفضله، وأما الرياسة فلغيره فتكاتبوا وتخاطبوا وكانوا يحاولون ظهور العدل في كل حين، فلم تمكنهم الفرصة وكان الشيخ سعيد بن خلفان قد هيأ لذلك الأسباب وادخر الدراهم، ولم تزل الرسل والمكاتبة بينهم حتى من الله عليهم بظهور العدل واجتماع الشمل، فقاموا جميعا على السلطان سالم، فأخرجوه من مسكد وعقدوا الإمامة على عزان بن قيس على حسب ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.

باب إمامة عزان بن قيس بن عزان
ابن قيس بن الإمام
وهو الإمام المجتمع عليه من هذه الدولة *ر*، وذلك أن المسلمين تكاتبوا وطلبوا الاجتماع والقيام على السلطان سالم بن ثويني على حسب ما قدمنا ذكره، فكتب الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي عالم ذلك العصر الكتب إلى رؤساء الشرق وأكبرهم منزلة وأكثرهم نصرا شيخنا الولي صالح بن علي.
وحدثني الثقة أنه لما وصلت الكتب إلى الشيخ المذكور سار بها بنفسه رسولا إلى حمد بن مسلم رئيس بني بحسن، وكان السلطان سالم قد تجند بأعداء الدين الوهابية ومنهم بنو علي.
قال الثقة فحين وصلت جعلان وقع الطاعون في بني بو علي في ذلك اليوم بنفسه ولم يصب أحدا من أهل عمان غيرهم فشغلهم ذلك عن نصرة سلطانهم، وكتب الشيخ سعيد بن خلفان إلى عزان أن يسير إلى بركا، وضربوا لذلك مواعيد وجاء من مطاوعة الحجريين ومن معهم نيف وعشرون رجلا، فمروا على الشيخ صالح ثم تقدموه بيومين إلى سمائل لحضرة الشيخ الخليلي سعيد بن خلفان، وكان قد اشتهر خبرهم وشاع ذكرهم وعرف مطلبهم، فلما سمع بهم كبير حبس استهزأ بهم وقال هؤلاء الخارجون لا يستطيعون أن يسموا حمارا لو أمسك لهم فكيف يأخذون مسكد ولم يعلم أن النصر بيد الله وقد قال تعالى إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ثم لحق الشيخ بمن معه بعد يومين وجاءوا إلى سمائل من طريق وادي بني رواحة حتى نزلوا بالعلاية عند الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ثم قام عزان من الرستاق بمن حضر
معه من قومه، وكانوا قدر سبعين راكبا ركبوا منها وقت العصر، ولحق بعد ذلك من لحق وهجموا بركا من ليلتهم، فدخلوها وقت السحر من ليلة ثاني من جمادى الأخرى سنة خمس وثمانين ومائتين وألف ففتحها من يومه وأقام بها حتى دخل أهل الشرقية مطرحا، وذلك أن الشيخ صالح ومن معه والشيخ سيف بن أحمد الرواحي ومن معه قد خرجوا ومعهم عالمهم الأكبر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي من علاية سمائل إلى جانب مطرح، وكان بنو جابر قد منعوهم الطريق. ثم جاءهم الشيخ علي بن جبر الجبري وسار بهم وكان لهم خفيرا من الغافرية حتى خلصهم من حرم بني جابر، ثم ساروا ونزلوا بفنجاء وهنالك أرسل إليهم السلطان هلال بن أحمد البوسعيدي وبعض أصحابه ليمنيهم ويعدهم بما أرادوا ويرجعوا عنه. ولم يكن المشائخ قاموا لطلب مال ولا لدولة سلطان، وإنما قاموا لإظهار الحق وإقامة العدل.
وكان هلال بن أحمد سيدا فاضلا، وصار في دولة المسلمين عضوا من أعضائها، وكان من أهل الخير والمعروف، فكلمهم فيما جاء به من قبل السلطان، فلم يقبلوا منه مالا ولا وعدا، ورجع عنهم من هنالك إلى السلطان فأخبره بتوجيههم إليه وبما أرادوا. ثم ركبوا من فنجاء مشرقين، وفارقهم الشيخ سعيد من طريق ليمر على بوشر، وكان له فيها منازل وأموال، فقال<ح>(1) فيها ثم لاقاهم ممن معه بموضع يقال له السليعة من أطراف الوطيه.
ثم ساروا جميعا حتى نزلوا بسويح الحرمل أول ليلة تثني عشر من جمادى الأخرى وهو الشهر المتقدم ذكره من السنة المتقدمة، وكان نهوضهم من سمائل ليلة عاشر من الشهر المذكور، وأحسب أني سمعت شيخنا يذكر أن مسيرهم من القابل ليلة سادس، أو قال ليلة سادس من الشهر المذكور، فلما أناخوا بالسويح قام أهل الحل والعقد للمشورة<ح>
(1) أي استراح وقت القائلة.

يتشاورون من أي موضع يأتون مطرح، فبينما هم كذلك في تلك المشورة إذ أقبل رجل من عسكر السلطان من طائفة يقال لها المشايخ، فقال الرجل أين الشيخ، يريد الشيخ صالح بن علي الحارثي فدلوه عليه، فأخذه بجانب عن الناس وقال الشيخ له:
(ما عندك؟)
قال كم تعطوني إن دللتكم على الطريق الذي لا يصيبكم منه بأس؟
فقال الشيخ: لك ما تريد.
فقال أريد أربعمائة قرش. فقال الشيخ لك ذلك، فقال قوموا في أثري، فقاموا في أثره وأرسلوا معه طائفة من الناس، وجاء الجمهور على الباب الكبير، فجاء المشائخي بمن معه من المثاعيب، وهي منافذ للسيل لم يكن عليها باب، وإنما وضع عليها شرباك من الخيزران فدفعوه بأيديهم.
ثم دخلوا ومضوا إلى الباب ففتحوه لأصحابهم، وكان الوالي على مطرح يومئذ سيف بن سليمان البوسعيدي، فوثب القوم إلى بيت الوالي فهرب منه إلى مسكد عند سلطانه، وكانوا قد تقدموا على الجند أن لا يأخذوا من أموال الناس شيئا، فخالف الأمر بدوي وهم أن يسلب بانيان فسلط الله البانيان عليه وسلبه سلاحه، حتى مر الشيخ صالح عليه وسلاحه عند البانيان فزجره وأمر البانيان برد سلاحه. فهل سمعتم ببانيان يسلب بدويا؟ إلا أنها كرامة خصوا بها حين خالف أمرهم. وكان دخولهم وقت السحر من ليلة اثني عشر من الشهر المتقدم فدانت لهم وبقي الكوت فيه البلوش، فلما أصبح الصباح أرسل الشيخ إلى أهل الأعمال أن يصبحوا في أعمالهم ففتحت الدكاكين للتجارة وقامت الصناع في صنائعها وقام السوق كما هو ولم يعتد أحد من الجيش مع كثرتهم على أحد من الرعية مع ضعفهم. وقام البلوش في الكوت إلى وقت العشي فناهمهم بعض المسلمين أن ينزلوا ويعطوهم الأمان فبينما هم يتخاطبون إذ سمع بعض الجيش خطابهم
فضربت البراغيم وزحف القوم على الكوت فطلبوا الأمان فأمنوا وخرجوا آمنين بما معهم في أول ليلة ثلاثة عشر، وفي تلك الساعة التي نزل بها أهل الكوت وصل عزان ابن قيس بمن معه من بركا فنزل في البيت الذي كان فيه الوالي.
ومن غريب الاتفاق أن الوالي الذي كان فيها وهو سيف بن سليمان لم يرجع إليها إلا في الليلة التي تم فيها أجله فقتل عند تسور الخارجين على الإمام على سور مطرح، وكان الوالي قائد الخارجين على حسب ما سيأتي بيانه، ثم باتوا بمطرح وقالوا في أول ليلة أربعة عشر قصدوا مسكد فتجمعوا أولا بالمطيرح وقعدوا للمشورة كيف يدخلون مسكد، فقال قائل انظروا أهل الباطنة حتى يصلوا فتكون حجتكم أقوى وجيشكم أكثر، وقال آخر للشيخ صالح: لو شاورتنا ما خرجت من بلدك وحين خرجت ووصلت هاهنا فلا تتأخر ساعة، فقام عزان والشيخ ومن معهما من ساعتهم واقفين فقالوا هذا هو الرأي لا غيره.
ثم تقدم عزان على العساكر وخطبهم واقفا أن لا يغيروا ولا يبدلوا ولا يأخذوا من مال الرعايا شيئا وكانوا قد أذنوا لهم في أخذ ما يجدونه في بيت السلطان لأنه في حكم بيت المال، وقد جعلوه لهم مكافأة وترغيبا، ثم مضوا على قصدهم ذلك وركبت طائفة منهم في الهواري في البحر، والتقوا جميعا بريام وصلوا هناك ركعتين في جماعة قربة إلى الله تعالى وطلبا لقضاء الحاجة وهو الفتح المبين.
وكانوا قد أرسلوا إلى قابض العقبة من يخدعهم بالدراهم فركبوا العقبة حتى وصلوا الباب والتفق ينقع فيهم، ولكن بلا رصاص وإنما أزالته الدراهم، ثم زحموا الباب فانفتح ولعله لم يغلق من داخل وإنما أزالت غلقه الدراهم، ثم انحدروا ثم جاءوا على جهة الميابين وانقسموا هنالك طائفتين فجاء الأكثر منهم إلى باب الصغير وجاء الأقل
شرقي الخور فقلوا السلالم على السور فاندقت الجنود إلى مدافعة الجمهور وتفرغ الشرقيون فتسورا بعد أن قتل منهم ثلاثة أنفس، وأما الجمهور الذين على الباب الصغير فإنها قصرت سلالمهم ورجعوا متحيزين ولما تسور إخوانهم الشرقيون كبروا في أعلا السور فهربت جنود السلطان من أعلا السور، ومن حول الأبواب فتوجه الداخلون إلى الباب وفتحوه وأرسلوا إلى إخوانهم فدخلوا وهجموا جميعا على بيت السلطان وتحيز السلطان إلى الكوت الغربي، وكان إبراهيم بن قيس قد خرج من الرستاق مغاضبا لأخيه عزان فآوى إلى السلطان سالم فأكرم نزله فجاءت هذه الدخلة وإبراهيم عند السلطان فتحصن معه في الكوت، وكان إبراهيم أشد الناس حربا عند السلطان وكان الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي قد تأخر عنهم في مطرح وإنما لحق بهم من بعد في تلك الليلة وكان الفتح المذكور في ليلة واحدة وهي ليلة أربع عشر من الشهر المتقدم فأصبحت البلاد خالصة إلا الكيتان، فإنها حربت عند السلطان سبعة أيام فحاصرهم المسلمون وتجند سالم بالنصارى فضربوا معه ضربة مدفع واحدة.
ثم جاءهم النهي من دولتهم ومنعوهم أن يدخلوا بين العرب، فبينما الشيخ صالح قاعد في المنزل الذي نزله بعد صلاة الفجر إذ جاء بانيان يبشره بأن دولة النصارى منعت طارفتها من الحرب، وكان مدفع كبير أسود قد سحبه ثويني للرستاق، وكان قد ترك عند باب الجزيرة فأخذوا حبالا، وسار إليه بعضهم فربطها فيه وأحكم ربطها، ثم مدوا الحبال إلى الباب الكبير ثم جذبوه إليهم جذبة صرخوا معها صرخة تزلزلت لأجلها الكيتان، فكان سالم بن ثويني يحدث الشيخ بعد أن جاء إليهم في دولة عمه تركي يقول إنكم لما صرختم تلك الصرخة لم يبق عندي أحد على باب الكوت وإنما بقيت هنالك بنفسي فتركوا المدفع تلك الليلة عند الباب الكبير،
فلما أصبحوا جاءوا ليخرجوا به من الباب فلم يسعه فقشعوا له الباب وأخرجوه فسحبوه في الوادي، ثم شرقوا به إلى الميابين فنصبوه هنالك مواجها للكوت الغربي فكان يضرب الكوت من هنالك وكانت الرصاصة تثقب الجدارين وتسقط في البحر، فلما رأى سالم ذلك دان وسارت الأكابر بينهم على أن ينزل ويكون هو السلطان وعزان سيف دولته، فنزل في أحد وعشرين من الشهر المتقدم ونزل في بيت هلال بن أحمد.
ثم أتاه من أتاه في هيئة الناصح له يخوفه من المقام عند المسلمين، ويقول له انج بنفسك فإني أخاف أن تقتل، ولم يكونوا قصدوا قتله وإنما هي المكيدة، فطلب منهم مركبا ينجو فيه بنفسه ويتبرى من الأمر باختياره، فأذنوا له في ذلك فركب ومضى إلى القسم، فكان يحدث الشيخ بعد رجوعه إليهم بعد انقضاء دولة الإمام يقول هيبة عزان في القسم كهيبته في عمان يخافونه فيها كأنه ملكها، ولا جرم فإن الله قد نصر نبيه بالرعب مسيرة شهر، ولأهل الحق من هذه النصرة نصيبهم، وعند ذلك دانت الأمور للمسلمين، ووضعت الحرب أوزارها من مسكد ومطرح، فاجتمعوا وتشاوروا، وكان قد لحق بهم أهل الباطنة يقودهم الشيخ محمد بن سليم الغاربي، فتشاوروا في تقديم واحد منهم فوقعت خيرتهم على عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام، فبايعوه إماما في بيت الشجر في مسكد، وهو أول إمام عقد عليه في هذا البلد، وكانت الأئمة قبل ذلك إنما يعقد عليهم بنزوى، وعقد على بعض أئمة المتأخرين بالرستاق وعلى بعضهم بنخل وعقد على بعض بمنح وبعض بينقل والله أعلم بموضع الجلندى وأظن عقده كان بصحار.

ذكر بيعة الإمام عزان بن قيس
حين وقعت خيرة المسلمين عليه بعد التشاور والتناظر وكان رؤساء الحاضرين يومئذ الشيخ سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي والشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي والشيخ محمد بن سليم الغاربي، ومن معهم من إخوانهم ووجوه القبائل، وخاصة المسلمين وعامتهم، فبايعوه يوم الجمعة بعد العصر في يوم اثنين وعشرين من جمادى الأخرى سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، وبايعه الخاص والعام، وضربت المدافع إعلاما.
وصفة البيعة الموجودة في جوابات شيخنا الخليلي نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم: قد بايعناك على طاعة الله ورسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصبناك إماما علينا وعلى الناس على سبيل الدفاع وعلى شرط أن لا تعقد راية، ولا تنفذ حكما ولا تقضي أمرا إلا برأي المسلمين ومشورتهم، وقد بايعناك على إنفاذ أحكام الله تعالى، وإقامة حدوده، وقبض الجبايات وإقامة الجمعات ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف وأن لا تأخذك في الله لومة لائم، وان تجعل القوي ضعيفاً حتى تأخذ منه حق الله، والعزيز ذليلا حتى تنفذ فيه حكم الله، وأن تمضي على سبيل الحق، وأن تفني روحك فيه، وأن تعطينا على ذلك عهد الله، وميثاقه لنا، ولجميع المسلمين أ. ه لفظ البيعة.
وهذه الشروط التي ذكروها في هذه البيعة، إنما هي شروط يشترطها المسلمون على الإمام الضعيف كي لا يدخل في أمر لا يسعه الدخول فيه، وإنما
اختاروا عزان للإمامة مع أنه في الجماعة من هو أكثر منه علما، ولا يبلغ علمه معشار ما عند بعضهم لكونه من بيت السلطنة، وتفرسوا فيه الصدق اليقين، وقوة الإيمان وعزيمة الصبر، وشدة الوفاء، وحسن الإتباع وغاية الورع فصدق الله فيه ظنهم، وقام بما حملوه من الواجبات، ووفى بما عليه وزيادة حتى ذهبت في سبيل الله روحه، والمسلمون عنه راضون فرحم الله تلك الأوصال ونور الله ذلك المضجع وقد أثنى عليه علماء عصره ثناء تاما، فمن ذلك ما ستجده في كتاب المسلمين لإخوانهم أهل المغرب.
وقال الشيخ جمعة بن خصيف بن سعيد الهنائي في سيرته، وفي يوم اثنين وعشرين من هذا الشهر بعد العصر من يوم الجمعة عيد المسلمين، كان لهم عيد آخر بعقد الإمامة للأمين، السيد الأمجد عزان بن قيس الأرشد عن إجماع على ذلك ممن هم حجة الله في بلاده على من بها من عباده من علماء العصر وفقهاء المصر الشيخان العالمان نيرا فلك العلم والعبادة، والورع والزهادة سعيد بن خلفان بن أحمد ومحمد ابن سليم الأوحد، ومن معهم ممن هو الحجة من المسلمين، فهو إمامهم الأمين، والقائم بأمر رب العالمين، الذي وجبت ولايته وحرمت عداوته، ولزمت نصرته وحسنت سيرته، ونفذت كلمته، وعند ذلك أخذ في دعوة الناس إلى طاعة الله. وأخذ من تغلب على معاقل المسلمين من الفسقة والمجرمين بالنزول منها والتخلي عنها، فاستخلصها طوعا أو كرها. ثم شرع في رد المظالم والأخذ على يد كل ظالم فنسب معالم الإسلام وحمل الناس على موافقة الشرع في الحلال والحرام أ.ه المراد من كلام الشيخ جمعة.

وكتب المسلمون إلى إخوانهم من أهل المغرب كتابا يبشرونهم بهذه
النعمة التي من الله بها عليهم ونص الكتاب – وهو بقلم المحقق الخليلي
قال فيه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أيد الأحكام الشرعية بسيوف الأئمة، وجعل طاعتهم واجبة على جميع الأمة، وجعل الحجة لهم وعليهم في ذلك علماء الدين الذين بهم كشف الغمة، وكشف بعدلهم وأنوار هداهم حنادس الجور المدلهية، فهم الدعاة إلى الله تعالى والهداة إليه، وبهم أكمل دينه وأتمه، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله لجميع العالمين رحمة، وعلى آله وصحبه الذين لا تنكر فضائلهم الجمة وسلم، وننهي إبلاغ السلام الوافر وتجديد الثناء الفاخر ونشر هذا الخير العاطر إلى كافة من بأرجاء المغرب وأقطار الأرض من المسلمين أهل الاستقامة في الدين من أهل العلم والفضل والحلم، والفصل والعقد والحل وأرباب العقل والنقل من المشايخ الكرام، وجهابذة الإعلام وأهل الاجتهاد في الإسلام من هم خيرة الأنام والدعاة إلى دين الملك العلام. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد فالباعث لتحرير الكتاب يا أهل المغرب إعلامكم بأن إخوانكم من أهل عمان قد قاموا لله تعالى في هذا الزمان جهادا في سبيله وابتغاء مرضاته لما كثر الظلم وانتشر الإثم وانتهك المحرمات وعطلت الحدود وسفكت الدماء وتعطلت الأحكام وخربت المساجد وترأس الفسقة وتعاظم الجهلة، فانتدب لذلك أهل العلم وبقية السلف وأولوا الغيرة على دين الله وذوو الحمية فيه، فباعوا أنفسهم لله تعالى وخرجوا على سلاطين الجور، فأمكنهم الله من رقابهم وأذل بهم شوكة الجبابرة فأخرجوهم من الممالك صاغرين وكانوا لهم بحمد الله قاهرين، فقدموا لهم إماما ذا ثقة ودين وعقل وشهامة وبطش شديد في المعتدين، وهو الإمام الأوحد والمقدام
المؤيد والهمام المسدد ذو السطوات الهائلة والعزمات القوية لنصر الله تعالى إمام المسلمين عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام، فهو الآن القائم بعمان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويظهر السنن ويميت البدع ويغيث الملهوف ويرشد الضال ويفيض الخير ويقبض على يد كل جبار عنيد وفاسق مريد، فينفذ فيهم حكم الله الشديد ولا يتجاوز بهم إلى ما لم يأذن الله به من الوعيد.
ولما كانت هذه من أكمل النعم الدينية والمعارف الإلهية لظهور ما كان درس من الأحكام الشرعية وجب أن نعرفكم بها لأنكم شركاء في كل ما كان من الأمور الدينية المحمدية، هذا ما لزم بيانه والسلام عليكم من كافة إخوانكم أهل عمان، من إمام المسلمين عزان بن قيس، ومحمد بن سليم الغاربي، وصالح بن علي الحارثي، وسالم بن عديم الرواحي، وحمد بن سليمان اليحمدي، وكاتب الأحرف بأمرهم أخيكم سعيد بن خلفان الخليلي بيده، تاريخ يوم اثني عشر من ذي القعدة سنة خمس وثمانين ومائتين وألف أ.ه الكتاب بتاريخه، فيكون هذا الكتاب بعد البيعة بأربعة أشهر وبعض أيام ولم نقف على جواب أهل المغرب لهذا الكتاب غير أني وقفت على قصيدة كتبها عالم المغرب وقطب العلماء محمد بن يوسف أطفيش متعنا الله بحياته وهي قصيدة لامية كتبها للإمام يذكر فيها أنه سيصل لنصرة الإمام، وقد غابت عني القصيدة غير أني أحفظ منها قوله:
على ما بحر الروم آتيك مسرعا *ش* إذا شاء ربي أو ببر كرئبال
فانقضى أمر الدولة قبل وصول العالم المغربي ولكل امرئ ما نوى.

ذكر سرية إبراهيم بن قيس أخي الإمام
إلى قتل راشد بن عمير البريكي وزير سالم بن ثويني
قتل بشناص من الغربية وذلك أن هذا الوزير لم يزل يطلب الغوائل للدولة ويسعى في هدمها ما أمكنه طلبا لمنزلته الدنيوية، فلما ثبت ذلك عند الإمام وتحققه أرسل إليه أخاه إبراهيم في نفر قليلين فنزلوا بلوى وركبوا منها وأخذوا عندهم واليها محمد بن سعيد الهنائي وساروا إلى ذلك الوزير، وكان قد خلف على نفسه وجعل حوله طبنجة، فلما وصلوا دخل إليه الهنائي وناداه فأجابه وقال نتخابر أي نتصافح باليدين فقال الوزير نعم فمد الهنائي إليه يد الشمال وكان قد قبض باليمين خنجره وكذلك مد البريكي اليسرى وكان قد قبض باليمين طبنجته فمكنها من صدر الهنائي فحرفها الله عن لبته وأخذت من جنبه قليلا وضرب الهنائي البريكي بنصله وألقاه ميتا، ثم خرج إلى أصحابه وركبوا حتى وصلوا لوى، ورجع إبراهيم إلى أخيه وأقام الهنائي بلوى جريحا ثم عافاه الله.

ذكر مواجهة القبائل للإمام
وذلك أنه لما نصب الإمام *ر* دانت له القبائل وواجهه أكابرها ووجوها وبايعوه البيعة العامة، وكان أكثر الناس قد حضروا البيعة إلا من شاء الله فوفدت عليه الوفود فاهتزت عمان فرحا بطلعته السعيدة وأرسل إلى المعاقل ففتحت له وولى عليها الولاة ونصب القضاة
وحث الناس على طلب العلم، وخلصت له جميع حصون الباطنة في أسرع حال، وواجهه حمد بن سالم بن سلطان ابن الإمام وهو صاحب المصنعة، وكان قد جمع بها مالا جزيلا وأكثره من تركة آبائه الملوك، ولعل بعضه كان مما جمعه بنفسه، فطلبوا منه مطلبا لم يذكره الناقل لجهله به، فأبى ووقع بينهم بعض الاختلاف، فأخذوه وأسروه وقيدوه ومضوا إلى بلاده المصنعة فأخذوها وأخذوا ما جمع بعد حكمهم عليه أنه بيت مال وسيأتي إن شاء الله صورة الحكم في هذا وغيره، وأخذ الإمام من بيت حمد بن سالم بعض آنية الصفر فأرسل بها إلى بلدة الرستاق، ولم يكن ذلك عن مشورة من المسلمين، فدخل في نفس المسلمين من ذلك شيء لأن الشرط المتقدم في البيعة يقتضي منعه من ذلك.
قال شيخنا: فدخلت على الشيخ سعيد في بيته في مسكد ليلة بعد المغرب فرأيته متعتبا على الإمام بما صنع، ويقول قد حملنا ولايته على رقاب العباد وهذا صنيعه فنخشى أن يسألنا الله عن ذلك.
قال شيخنا: فقلت أرفق قال وكان بين بيته وبيت الإمام جدار يقتحم بين السطوح قال فأرسلت أمة تستحضر الإمام فاقتحمت الجدار إلى سطح الإمام، ثم جاء الإمام إليهم من هنالك.
قال شيخنا: فذكرت له ما ذكره الشيخ سعيد، وما وقع في نفوس المسلمين من حمل الأواني من غير مشورة، قال فدمعت عين الإمام وقال: هذا كله في نفوسكم علي ولا تذكرونه لي لو لم يكن لي ديانة في وجوب إتباعكم لكنت مروءتي توجب عليّ ذلك ما نزلت هذه المنزلة ولا نلت هذه الدرجة إلا بسببكم، ما أخذت الأواني تملكا وإنما أخذتها لكون بيت مال المسلمين بالرستاق نستعين بها على ما يجوز لنا من ذلك وظننت أن حملها
لي جائز، قال فتهلل وجه الشيخ سرورا بما سمع من انقياد الإمام وحسن نيته، وأتموا له ما صنع وعذروه بالتأويل.
وكانت الغافرية من سوء رأيهم يرون أن الدولة قد صارت للهناوية فأضمروا العداوة للإمام ومن معه إلا من عصمه الله منهم، فإن أفاضل الغافرية والهناوية كلهم قد دخلوا تحت طاعة الإمام ورضوا أمره، وإنما بقيت رؤساء القبائل وأتباعهم من كل جاهل مارق ومنافق وفاسق فدخلتهم الحمية الجاهلية وتعصبوا العصبية الضالة، وصار أكثرهم يدا واحدة في الضلال والبغي واشتهر بذلك أهل وادي سمائل من سيابيين وبني جابر والرحبيين والندابيين، وحرضهم على ذلك إخوانهم من بني ريام والدروع والجنبة وتشهر بها السيابيون، فأوقع بهم الإمام الوقعة المشهورة.

ذكر وقعة نفعا
وسببها العصبية الجاهلية، وذلك أن السيابيين قد سفكوا بعض الدماء بالباطل فدعاهم الإمام للإنصاف فأبوا، فقالوا حاكمنا البيض الهندية والسمر الخطية، فجمع لهم الإمام الجموع وركب الشيخ صالح ومن معه من الشرقية ليقطعوا عنهم مدد الجنبة والدروع، فأقاموا في وادي عندام بموضع يقال له غرامة قرب العلية ومعه أكابر آل وهيبة فبقوا هنالك مرابطين.
وأما الإمام فإنه سار بمجموعة وأكثرهم من أهل الباطنة، وأما أهل الشرقية فإن عامتهم قد تغلقت عليهم الطرق لأنهم في أيدي الغافرية، ثم سار الإمام بمجموعه حتى نزل فنجا وكان السيابيون قد جمعوا له جموعا عديدة
فزحفوا إليه وزحف عليهم والتقوا بموضع يقال له السعادى بين فنجا ونفعا، فاقتتلوا قتالا شديدا، فولى السيابيون ومن معهم الأدبار ونصر الله الإمام ومن معه فرجعت الغافرية إلى نفعا وتحصنوا بها، وكان هذا في يوم اثنين وعشرين من شوال من سنة خمس وثمانين ومائة وألف وهي سنة الفتح.
ثم زحف عليهم الإمام بمن معه ودخل نفعا يوم أربع وعشرين فركن أهلها إلى الفرار بعد قتل وقتال، وقتل منهم جمع كثير فمكنه الله من بلادهم وأنزلهم من صياصيهم وهدمها لئلا تكون مأوى لبغيهم، وكتبوا بذلك إلى الشيخ الخليلي، وكان بمسكد كتابا حاصله: أن الواقع بفنجا عرفناك به وانتقلنا إلى بلد بدبد، وأراد المحبون مواجهة رجال السيابيين ومن شايعهم من الباغين فثبتوا يعدون بالمواجهة ويخلفون فمضى ذلك اليوم.
وفي اليوم الثاني انقطع جوابهم على الامتناع إغترارا بمن شايعهم من الهمج والرعاغ وظنوا أن مواضعهم لا ترام، ومن لجأ إليهم لا يضام، فلما كان وقت الزوال ملنا عليهم بجنود الله التي لا تروعها الأهوال، ولم يحمهم سهل الأرض ولا الجبال ما جمعوا من كثرة الرجال، فثبت المسلمون أقدامهم وضربنا خلفهم وأمامهم، ولم يزالوا ينتقلون من جبل إلى جبل هاربين، وكرار المسلمين لهم طالبين حتى أحلنا الله بساحة دارهم، ولم يبق أحد منهم ولا من أنصارهم، وها نحن بها قائمون وفي عقوبتها نازلون، وإذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ، وقد أكلت الحرب رجالهم مائة وخمسين رجلا قد تقضت آجالهم: والسلام أ.ه لفظ الكتاب على ما رواه لنا الثقة.
قال وبعثوا به رسولا إلى الشيخ، وكان شيخنا قد ركب من وادي عندام وجاء عقبة السوية قاصداً
مناصرة الإمام، فلما كان أوايلهم بالمراغة وصلهم خبر الفتح فرجع بعضهم يبشر الشيخ بذلك، ثم سار شيخنا حتى نزل هيل، وكانوا مع البغاة فأسر أكابرهم ومضى بهم إلى الإمام فقيدهم الإمام عقوبة لتمردهم وكسرا لشوكتهم، وأقام الإمام بنفعا يهدم بروجهم المشيدة وقلاعهم المنيعة وهدم بروج من ناصرهم وأعانهم على بغيهم من بني جابر وغيرهم، وقيد الرؤساء وهرب كبيرهم حتى لحق بسالم بن ثويني، ولحق به أيضا كبير بني ريام، وساروا جميعا إلى رياض يستنصرون بأهل نجد فرجعوا بالخيبة.
ويقال أنه لما كان الإمام بنفعا قبل هدم بروجها نزل من جبالها رجلان يعتزيان عزرة بن نزرة يطلبان الإمام للمبارزة فهجموا على مجمع الشورى ورؤوس الجيش وكانوا بارزين فقام علي بن سالم بن حسن العامري، وتلقى لأحدهما فمكنه الله منه وقتله وقام سيف بن شيخان العدوي للآخر فكان غاية ما عند سيف أن يتقي عن نفسه ضرب السيف بترسه والنزاري يقطع الترس قطع البطيخ، وكان سيف من شجعان العرب، فلما أدركه النزاري ضحك وهي ضحكة حصلة، فضربه بعض من حضر بتفق فأبقت منه بقية، وهوى على رجل يقال له سليمان بن سعيد، فوقعت ضربته في ثومة سيف سليمان فقطعتها فاحتولوه فقتلوه، وكان قبل الدخلة التقى رجلان من سبور الإمام برجلين من أنصار نفعا يسبران أيضا، وكان التقاؤهم عند نخلة هنالك.
قال بعض سبور الأمام: كان صاحبي من أهل الشرقية يقال له سرحان، قال فتوجه واحد إلى سرحان وتوجه الآخر إليّ، وكانت رجلي على سقف هنالك فحمل عليّ بسيفه، فحين هممت بالحركة أنخشع السقف فانحنيت على جانب فوقعت الضربة في جذع النخلة فاهتزت من أعلاها إلى أصلها، قال وعزيت سرحان وكان قد قتل صاحبه،
فقلت له: أكلني الكلب، قال فهوى إليه ولمضه بسيف قبل أن أتراجع، فكان هذا السابر يحدث عن هذه القصة متعجبا من شجاعة سرحان والنزاري، وكان هذا المتحدث من أبطال الرجال، ولكن لا غاية للشجاعة والأقران تعترف للأفران.
ثم أن الإمام أرسل المقائيد إلى مسكد فسجنوا في الكيتان والصير، وكانت هذه أول وقعة ذلت بها رقاب الأعداء، وظهر بها منار الدين وسكنت بها الحركات وتقاصرت بها النفوس عن أمانيها، وما النصر إلا من عند الله والله أعلم.

ذكر سرية فيصل بن حمود إلى نحو المشرق
وذلك أن الإمام جهز ابن عمه فيصل بن حمود بن عزان في جماعة يسيرة، فسار بها نحو المشرق ومر على وادي مجلاص ثم شرق إلى صور ثم إلى جعلان مستكشفا لأخبار الدار ومستطلعا على أحوالها، فما نزل منزلا إلا وواجهه من هنالك طائعا وأجابه مستمعا، فلما وصل جعلان نزل في بلاد بني بو حسن، وواجه أمير بني بو علي ونقله للضيافة، ثم أرسل إلى جماعة من الحرث فوصلوا إليه فركبوا جميعا إلى بدية ثم إلى بلدان الحرث ثم إلى مسكد ورجع بالظفر والفتح المبين.

ذكر الحكم على أموال الملوك
من آل بو سعيد
وذلك أن الملوك من قبل الإمام قد أخذوا الجبايات من غير حلها ووضعوها في غير أهلها، فتناظر المسلمون في أمرها وتشاوروا في حكمها،
فرأى الشيخ الخليلي أن سبيل هذه الأموال سبيل أموال بني نبهان التي حكم فيها الإمام عمر بن الخطاب بن محمد الخروصي رحمه الله تعالى ولم يفهم الشيخ الغاربي مأخذ هذا الحكم ووقع بينهم في ذلك جدال طويل وبسط واسع، وأظهر لهم الشيخ الخليلي في ذلك حججا كثيرة، وألف فيه رسالة واسعة، فسكت الشيخ الغاربي وتشجع بقية العلماء وأمروا الإمام بالحكم فيها بالاستغراق في يوم ثامن من شهر ذي الحجة من سنة خمس وثمانين ومائتين وألف وهي سنة الفتح، فحكم الإمام بذلك وكتبوا في ذلك كتابا ذكروا فيه صورة الحكم، ونص الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما حكم به سيدنا إمام المسلمين الولد عزان بن قيس بن عزان في الأموال التي خلفها الإمام أحمد بن سعيد وولده الإمام سعيد بن الإمام، وأولاده قيس وسلطان ومحمد بنو الإمام أحمد بن سعيد، والأموال التي خلفها هلال بن محمد بن الإمام، وسعود بن علي بن سيف، وأموال السيد سعيد بن سلطان وابنه ثويني ابن سعيد، وسالم بن ثويني وعماله سيف بن سليمان بن حمد وسعيد بن محمد بن سعيد وأموال بنت سيف بن محمد أم السيد سعيد بن سلطان، وأموال عزا بنت سيف زوجة السيد سعيد، وأموال محمد بن ناصر الجبري، قد حكم بهذه الأموال المذكورة كلها لبيت مال المسلمين، لاستغراقها في الجبايات والمظالم المجهولة أربابها فكان مرجعها لبيت المال، وقد حكم الإمام بذلك وأشهدنا عليه، بتاريخ يوم ثامن من شهر ذي الحجة من سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، وكتبه بأمره الفقير سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي بيده. وأنا بذلك شهدت على سيدنا الإمام وكتبته بيدي وأنا صالح بن علي الحارثي هذا مني صحيح وبأمري، وقد حكت به وأشهدت عليه،
وأنا العبد الفقير إمام المسلمين عزان بن قيس وكتبته بيدي، فمضى الحكم، وأخذ الإمام تلك الأموال وأضافها إلى بيت المال وباع منها جملة أصول وأنفذها في عز الدولة، وذلك كله بمشورة المسلمين وبرأي الشيخ الخليلي.
وأما الشيخ الغاربي فإنه توقف في المسئلة وظن أن الحكم بهذا إنما يكون في أموال من مات منهم، دون الأحياء فكان بعض شيوخنا يذكر لنا عنه أنه كان يقول إن الحي إذا أراد أن يتخلص وقد أخذ ماله لبيت المال فمن أين ترونه يتخلص، فحكم الحي خلاف حكم الميت، ولم ينقل لنا جواب عن اعتراضه هذا والجواب الواضح أن يقال: إن الحكم بالاستغراق لا يكون إلا حيث تعذر على الحي التخلص من اختلاط المظالم والجهل بأربابها والجهل بحقوقهم، فإن الخلاص مع الجهل بذلك أو بشيء منه متعذر قطعا إذ لا يمكنه أن يوصل الحق إلى أهله، فغاية تخلصه إذا شاء التخلص أن يجعله في باب من أبواب منافذ الأموال المجهول ربها، وذلك هو بيت المال والفقراء.
وقيل يكون حشريا لا ينتفع به، وقيل يكون أمانة في بيت المال، وإذا حكم الإمام فيه بقول من هذه الأقوال وجب قبول حكمه لوجوب طاعته، وصار ذلك القول بمنزلة المجمع عليه، فخرج عن موضع النزاع إلى موضع الإجماع لإجماعهم على وجوب طاعة الإمام والله أعلم.

ذكر فتح الجو
وكان معقلها البريمي وتسمى في القديم توام، وكان بها السديري عاملا لصاحب نجد، وكانوا قد اتخذوها معقلا لقربها من ناحيتهم، وذلك بعد أن
تغلبوا على البلاد بمساعدة الغافرية وبعض الهناوية في أيام سعيد بن سلطان، وسبب ذلك العقوبة التي عجلت على أهل عمان بمخالفتهم شيخهم أبا نبهان وقيامهم عليه حين قام على نزوى لإظهار العدل كما تقدم، فقاموا عليه فسلط الله عليهم عدوا من أنفسهم فجر عليهم أهل نجد، فكان منهم ما تقدم ذكر بعضه، وبقي معقلهم بالبريمي إلى أيام هذا الإمام، والجو والظاهرة كل في طاعتهم إلا من شاء الله، فمن الناس من أطاعهم راغبا، ومنهم من أطاعهم كارها والغلب طوع، فبقوا هنالك حكاما على الناس بالجبرية يحكمون بما تهوى أنفسهم، ولهم في الناس عادات ظلم، فقدم رئيس النعيم محمد بن علي، وكان تحت طاعتهم، فجاء حتى وصل الشيخ الغاربي بأرض الباطنة، فذكر له ما جاء به وأنه يريد من الإمام أن يقوم على البريمي، فقال له الشيخ الغاربي: أنت لا تستطيع خلافهم لأنهم حكام عليكم ونصحه مخالفة الضرر عليه في دنياه، فقال لا أهمهم إذا كان عندي الإمام وجماعة المسلمين، فركب معه الشيخ الغاربي إلى الإمام ببركا، فأخبره بما جاء له محمد بن علي فتشاور المسلمون واتفقوا على القيام، فركب الإمام بمن معه وكتب لأمراء الجنود أن يلاقوه بمن معهم في صحار، فتجمعت الناس من كل أوب، واجتمع الجيش بصحار والإمام معهم، فركب بالجيش من هناك وبات فلج القبائل، ثم قال بالعوهى، وكان الأمباء بها كثيرا، وكان لحسنه وكثرته فيها يضرب به المثل، فيقال أمباء العوهى، وكان ذلك الوقت وقت نضاجه، فذكروا أن ثمر الأمباء كان يتساقط على فرش القوم ولا يتناول أحد منه شيئا، فلما هموا بالرحيل نفضوا فرشهم وبقي الأمباء مكانه.
وذكروا أن خادما للإمام، وقيل بل مزينه، وهو المحسن أخذ أمباة واحدة فأكلها فآل من الإمام
على الزجر والتوبيخ، ولم يبلغ به حد العقوبة لأن الثمرة كانت ساقطة بنفسها وكان الورع تركها كما ترك ذلك باقي الجيش، وذلك الحال من توفيق الله للإمام وحسن رعايته، ثم راح من العوهى وبات بالسهيلات، ثم نشر منها وجاء على وادي الجزي، فوجد الأعداء قد سموا الموارد فنزحوا ماءها الذي فيها وكانت غزارا، ثم سار بمن معه حتى جاء على منازل بني كعب فدانوا له وواجهوه.
ثم سار وساروا معه حتى نزل البريمي، فخرج أهل الخيل من أهل نجد ولاة الحصن، وركب أهل الخيل من أصحاب الإمام، وكان في الأعداء فارس يقال له مدغم، وكان قد اشتهر بالشجاعة والبسالة والإقدام في الحروب، فتقدم للبراز فتقدم له من أصحاب الإمام شامس بن حسن العامري، وكان حوله ابن أخيه علي بن سالم، فرأس شامس أن العدو سيأخذه، فأرسل إليه الحربة وأطلقها من يده فلما رأى مدغم ذلك التقاها برأس الفرس فرقعت فيه فسقط الفرس ووقع الفارس على الأرض، فضربه علي بن سالم بتفق فقضى عليه، فانهزم الباقون إلى الحصن وتمنعوا به، وكان حصنا رفيعا أحيط بخندق فحاصره الإمام وضربوه بالمدافع، وبذل محمد بن علي بمن معه من قومه بذلا حسنا شكره المسلمون على ذلك فخاف أهل الحصن يوما أن يضرب الباب بمدفع، فخرجوا ليجعلوا على الباب سيبة تقابل المدفع، فجاءهم بعض القوم من جانب آخر فناقعوهم فدخلوا الحصن، ولم يخرجوا بعدها لحرب، فأرهقهم الحصار، وكانت عندهم الخيل والإبل فطلبوا الأمان ليخرجوا من الحصن فأمنهم الإمام ونزلوا على يد الشيخ الغاربي وخرجوا بما معهم من خيل وإبل ومتاع ودخلها الإمام بالفتح المبين.
وكانت مدة الحصار خمسة أيام، فأقام الإمام فيها لرفع المظالم والأمر والنهي
وكان ذلك فتحا جليلا انقاد به كل صعب، وماتت به الأعداء كبدا، ورجع منها إلى أرض السر وهي الظاهرة فملك ضنك والغبى، وانقاد أهل الظاهرة وواجهه صاحب حصن العينين وهو برغش بن حميد أولاد محمد بن ناصر الغافري المتقدم ذكره في حروب اليعاربة فأخذ لنفسه أمانا وأعطى كلاما فقبل منه الإمام ذلك، وولى على الظاهرة بريك بن سالمين الغافري وجعل عليه عيونا ثم شك في ولايته، وكتب فيه سؤالا للشيخ الخليلي ونصه:
وما تقول شيخنا إنا جعلنا الشيخ بريك بن سالمين واليا في أطراف الظاهرة وبقي وسواس في النفس من قبله إذ اليوم الدنيا وغدا الآخرة، ونحن وإياك ما تكلفنا هذا الشأن إلا رجاء من الله تعالى أن يمن علينا باجره، ونحن لم يرفع إلينا منه شيء، وقد أظهر لنا المناب وأعلن لنا مما كان عليه المآب، فهل يسع تركه في فعل الولاية على هذه الصفة إذا لم تشك الرعية منه شيئا فيجب عزله، وإنما بقي على حاله التي ذكرتها لك والضرورة إلى مثله داعية إلا إذا منعها عدم الجواز، صرح لنا يرحمك الله وقد جعلنا محمدا ومحمدا عليه عيونا ورقباء غير أن نظره أبعد من نظرهما، وأنت تعرف أحوال الجميع.
فأجابه الشيخ بقوله: يترك على حاله ولا بأس بذلك ما لم يرفع عليه ما يوجب عزله، واستخبروا عنه العيون فإنهم أعلم بما منه يكون والله أعلم، ثم فسح لقومه وركب قاصدا وطنه وهو الرستاق وأقام بها يأمر وينهى وينشر العدل، ويبسط المعروف، وفيها واجه هلال بن زاهر رئيس
بني هناءة، ومحمد بن علي رئيس بني شكيل، وكانا قد أظهرا الخلاف والتمرد، فقبض عليهما وأوثقهما بالقيود، وكان بنو شكيل أنصار حصن بهلا، وكان حصن بهلا قديما في يدي اليعاربة، ثم صار إلى الغافرية وبإلزام محمد بن علي خلص هذا الحصن، وكان الإمام قد لزمه لذلك وبخلوصه أطلقه الإمام فكان هذا هو السبب في فتح بهلى.
وفي حال قيام الإمام على البريمي انخدع سالم بن ثويني اغترارا بمن وعده بالنصر والمظاهرة على الإمام، فأتى إلى نزوى، وكان قد قصد القسم والرياض ولم تكن نزوى يومئذ في يد الإمام، وإنما كانت في يد حمد بن سيف بن عامر البوسعيد، فلم يجد ما أمله من النصر والمظاهرة ثم قصد آل وهيبة يطلب منهم النصر والمظاهرة على الإمام فآووه فأرسل الإمام إليهم ابن عمه فيصل بن حمود في جماعة من جنود الله يقدمهم النصر فدخل سالم بن ثويني الرعب ولم تحمه كثرة آل وهيبة ولا وسعته سيوحهم فخرج منها خائفا يترقب فرجع القائد بالظفر والله يؤتي فضله من يشاء.

ذكر فتح منح
وكانت تحت صاحب نزوى وكان عسكرها بنو شكيل فركب إليها شيخنا صالح بن علي بمن حضر معه من قومه، وكان في جملتهم علي بن سعيد بن محمد الجحافي، وكان على بدويته ناصحا للدولة تسخيرا من الله وحسن عناية، فقال للشيخ إن جئت منح بمن معك جفلوا منك، وتحصنوا عنك ولكني أتقدمكم لعلي أصادف منهم غرة فأنعم له الشيخ بذلك، فتقدمهم في قدر عشرين راكبا وكانوا قد ركبوا إليها من القريتين، فدخل علي بن سعيد
سوق منح فصادف والي الحصن في السوق فقبض عليه وأسره قال ما شأنك قال هذا الشيخ صالح ورائي ولا خلاص لك إلا بفتح الحصن فوصل الشيخ وفتح الحصن بغير حرب ونزل من كان فيه وصار للإمام والله أعلم.

ذكر فتح ازكي
وكانت في يد علي بن جبر بن محمد بن ناصر الجبري صارت إليه في عهد محمد ابن ناصر وبعد موته صارت إلى ولده جبر، ثم إلى علي بن جبر وكان لأهل هذا البيت شرف ورئاسة في قبائل الغافرية، وكانوا يعتقون لهم منزلة السلطنة، وقد تقدم أول الباب أن علي بن جبر هو الذي خفر جماعة المسلمين بسفالة سمائل عند أول قيامهم، ومن هنالك انقطعت أخباره إلا أن الشيخ الخليلي، ذكره في قصيدة نفعا أنه كان يومئذ في جيش البغاة المتجمعة لحرب الإمام، فلما فتح الله على المسلمين بالنصر على أعدائهم من أهل نفعا وغيرهم، بعث الإمام سرية وولى عليها أخاه إبراهيم بن قيس، فساروا حتى نزلوا بوادي بني رواحة الغربي، وكان بينهم وبين علي بن جبر مخاطبة في تخليص الحصن فخلصه لهم وهم بذلك الوادي ليلة سابع من جمادى الأخرى من سنة ست وثمانين ومائتين وألف، وحسن حال علي بن جبر بعد ذلك والهداية بيد الله.
ثم سار إبراهيم إلى ازكي ونزل حصنها بجنود الله، ودعا أهل النزار إلى السمع والطاعة فأجابوه حين هابوه وسمعوا حين فزعوا، وكانوا قد تجبروا على جيرانهم من أهل اليمن وتعدوا فيهم الحدود حتى هموا بالجلاء من أوطانهم فسكنهم إبراهيم في بلادهم، وأذن لهم في تقوية البناء على أنفسهم لكونهم مستضعفين ودفع عنهم الظلم ومنع عنهم الغشم.

ذكر فتح نزوى
وهي بيضة الإسلام وكرسي مملكة العرب
وكانت في يد حمد بن سيف البوسعيدي كان آباؤه فيها ولاة فتغلبوا عليها حين اختلت دولة أولاد الإمام، وصار بعضهم يقتل بعضا على الدنيا فبقوا فيها حتى أخذها الإمام من يد حمد بن سيف، وذلك أن إبراهيم توجه من ازكي إليها ونزل فرق ودعى أهل نزوى للدخول في طاعة الإمام فأجابوه لذلك وتلقوه بالكرامة والسمع والطاعة، إلا القلعة فإنها امتنعت من الإجابة، ودعا إبراهيم سيف بن سليمان النبهاني رئيس بني ريام للسمع والطاعة، وكان سيف قد تغلب على سمد نزوى، وجعل جامعها مرصدا لأنصاره وأحاطه بالقلاع العالية والسيران السامية، فأجابه حين دعاه وواجهه فأزالوا من بيت الله الأحداث الباطلة، وأسلم لهم برج بستان قيس. ثم حاصر المسلمون قلعة نزوى الشديدة الأركان الشامخة البنيان فأظهرت العتو وأقاموا على حصارها وركب الإمام إليها بمن معه فوصلها يوم واحد وعشرين من جمادى الأخرى من سنة ست وثمانين ومائتين وألف، فلما نزلها الإمام سلما سلطانها له، ونعم ما صنع إذ عرف الحق وأهله فأداه له، وولى عليها الإمام سالم بن عديم الرواحي.
قال الشيخ جمعة بن خصيف في سيرته: ثم نبض عرق النفاق للريامي يعني سيف بن سليمان، فنصب الشقاق ثم خذله الله وقاده إلى الوثاق، فواجه الإمام يوم عيد المسلمين من الأيام بعد صلاة الجمعة يوم أربه وعشرين من هذا الشهر، المبارك فعامله الإمام بما هو أهله فركبه الأدهم بعد أن ركب الكميت والأدهم، ولم تحمه تلك العساكر والجنود وما ذلك إلا لطول تكبره وبغيه والسمود انتهى كلام جمعة بن خصيف، وذكر
غيره أن سيف بن سليمان مات في سجن الإمام والله أعلم.

ذكر غزوة جعلان
وسببها أن بنو علي نزعوا يد الطاعة وخرجوا من الجماعة وخالفوا الإمام، ولم ينقادوا للأحكام ولم يرضوا أن يكونوا تبعا، وذلك لاعتقادهم الفاسد فإنهم كانوا على دين الوهابية وهم بقية من أنصار نجد، وتعرفهم العامة بالأزارقة لأنهم شابهوا الأزارقة في تشريك أهل القبلة، فلم تفرق العامة بينهم وبين الأزارقة، وهم إنما أخذوا من الأزارقة مسألة التشريك، ومن الحنابلة مسئلة التشبيه، وأخذوا من كل مذهب أغثه، وقالوا قد أصبنا دينا كما صنعت الصابئة، وكان اعتقاد الوهابية في المسلمين أسوأ اعتقاد، فمن هنالك صعب عليهم الانقياد فحصنوا بلادهم واستعدوا للحرب، وكانوا من قبل ذلك أنصار سالم بن ثويني فهموا بنصرته فرماهم الله بالطاعون، ولم يرتفع عنهم حتى أخذت مسكد، ولم يصب غيرهم من أهل عمان فكانت هذه الخصلة من كرامات هذا الإمام، وكان بنو بو علي أهل عدة وعدد وبسالة وشجاعة وإقدام هائل يعتقدون في الموت الشهادة، ويرون الفرار حراما، ولهم سطوات هائلة.
وكانت ملوك عمان من قبل الإمام لم يدوسوا أرضهم إلا ما تقدم من أمر سعيد بن سلطان وانتصاره عليهم بالنصارى، فعزم الإمام بالمسير إليهم بعد فتح نزوى، وكتب لأمراء الجنود أن يلاقوه بمن معهم في بدية، وسار هو بنفسه ومن معه من نزوى إلى بدية واجتمع الجيش بها ومن هنالك قصدوا جعلان ونزلوا ببلاد بني بو حسن. وكان بنو بو حسن تحت طاعة الإمام فأرسل إلى بني بو علي، النصائح، وأظهروا في أول مرة العتو ثم انقادوا بعد ذلك لما يرى الإمام فيهم، ونزلوا على حكمه.
ويقال أن سبب انقيادهم حصول الرعب في قلوبهم بسبب وقع عند المسلمين من غير احتفال له، وذلك أنه في ليلة من الليالي وقع ضرب تفق في جيوش المسلمين في هيئة
النفضة، والنفضة ضرب متتابع فضرب الجيش كله، كل من سمع الضرب ضرب، فتواصل الضرب بعضه ببعض، وقام صاحب الجاردى فضرب من غير أمر فكان يسمع لضرب التفق والمدافع دويّ عظيم، وصعقات هائلة ودوران كدوران الرحى، وكان ذلك كله من غير قصد. ن أ
فأورث الأعداء رعبا وألبسهم ذلة واستشعروا العجز عن مقابلة ما سمعوا بآذانهم، ورأوا بأعينهم فانقادوا متذللين، وجاءوا مذعنين لحكم الإمام على ما يرى فيهم من الأحكام، فأخذ الإمام أكابرهم وأكابر من ناصرهم من بني راسب والهشم وحملوا إلى مسكد فقيدوا بالكيتان وأمر بقلاعهم فهدمت، كسرا لشوكتهم وإطفاء لفتنتهم، وكانت عندهم قلعة مانعة فحفروا من تحتها وأدخلوا في الحفر الباروت وقادوا الباروت إلى موضع يأمنونه فأحرقوه بالنار، واتصل الحريق حتى ثار بباروت الذي تحت القلعة فنزعها صاعدا، فكانت ترى في الجو كمثل السحاب ثم تساقطت قطعا، وفي ذلك يقول المحقق الخليلي:
لا تسل عن قلاعهم كيف بالبا *ش* روت قد أصبحت تشق العنانا
فهي مثل الجبال سيرن تس *ش* يار غمام ثم انبثثن دخانا
وقبض عليهم حصن الميتة وجعله مرصدا للمسلمين، ثم اقتضى نظره بعد ذلك هدمه فهدمه، ثم رجعوا بالنصر والظفر، وولى الإمام على بلادهم سيف بن عامر ينفذ فيها الأحكام ويكف الناس بعضهم عن بعض، وكان انقياد بني بو علي والتمكن منه في اليوم الرابع عشر من شعبان من سنة ست وثمانين ومائتين وألف قال شيخنا: فلما وصلنا إبرى راجعين من جعلان تلقانا كتاب من الشيخ الخليلي يعاتبنا على ما صنعناه في بني بو علي وأنشد فيه قول القائل:
فإن الجرح ينفر بعد حين *ش* إذا كان البناء على فساد
قال وكان مراد الشيخ أن يحكم في بني بو علي بحكم رسول الله صلى
الله عليه وسلم في بني قريظة، إلا أنه لا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم، وذلك لخوفه على الدولة منهم، وقد ظهر أخيرا ما تفرسه الشيخ الخليلي، فكان ذهاب الدولة على أيديهم كما سيأتي ذكره.
وحبس أكابر بني بو علي في الكيتان ما شاء الله من الزمان، ثم إنهم خادعوا عقيد العسكر – عسكر الكوت – وعملوا سياسة فيما بينهم فأرسل لهم قومهم من جعلان جراب تمر، وأدخلوا فيه حبلا لينزلوا به من الكوت وواعدوهم على ليلة مخصوصة، فأتوهم في تلك الليلة بسفينة صغيرة، فنزلوا من الكوت إلى السفينة في الحبل وأصبحوا هاربين.
وهذا العقيد كان من أهل الحوقين من الخضور، فيقال إن بني بو علي كانوا يراسلونه وهو ببلده إلى أن مات، وسكنت عمان بعد هذه الغزوة وبها تمت فتوحات البلدان ولم يبق من عمان إلا حصن الحزم، وهو حصن لا تبعة له، واستفتحه الإمام بعد ذلك، وسيأتي خبر فتحه إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ جمعة بن خصيف في سيرته: فها هي الآن مصر عمان قد نعمت بالأمان، روضة أنف بالعدل والإحسان، مستظلة بظل الإنصاف، مستنيرة بأنوار أهل الفضل والعفاف، تنشر فيها الأعلام السامية وتنفذ الأحكام الشرعية وتحي السنن المحمدية وتمات البدع الباطلية، وترد المظالم ويؤخذ بها الظالم فما منافق إلا أذله الله بنفاقه، ولا مشاقق إلا رجع بالوبال عليه شقاقه، فسوق الأعداء في كساد، وأمرهم حرام عليه السداد، وآراؤهم منكوسة، وتدابيرهم منحوسة.

ذكر مسير الإمام بالجنود إلى البريمي
لمدافعة أهل نجد وهم ملوك الوهابية
ويقال لهم أولاد ابن سعود والقائم فيهم يومئذ عبدالله بن فيصل،
وسبب ذلك أنه وصلت تعاريف من جهة الثغور الغربية بقدوم ملك نجد لحرب المسلمين، فأرسل الإمام التعاريف مع بعض الثقات إلى الشيخ الخليلي وكتب له في ذلك، وكان بيت المال قد نهكته الدول وأخذته المصاريف لإعزاز الدولة، فأجاز الشيخ الخليلي لهم الاقتراض من الرعية على بيت المال لدفع هذا العدو المخوف كما ستراه في كتبه للإمام. وكان ذلك في شوال من سنة ست وثمانين ومائتين وألف، وهذا جواب الشيخ الخليلي للإمام في هذه القضية. قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى جناب سيدنا وعزيزنا الثقة الأجل الأكرم الأحشم المجاهد في سبيل الله إمام المسلمين عزان بن قيس أعزه الله ونصره، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، كتبك الشريفة وصلت، وما بلسان خادمك محمد بن سليمان الخروصي عرفناه، وتعاريف فيصل ومحمد بن علي والسمار نظرناهن، وهن صريحات في حالتين، إحداهما الأخبار النجدية، والثانية الأخبار العمانية بوجود الضعف والخيانة من أهل تلك الأطراف، وكلهم يستدعي وصولك الحال، ونحن قد كنا نؤخرك لأجل التخفيف لكن نرى الأمر يزيد، والداعي حثيث مسرع، وكذلك تعاريف زايد، والآن لا نرى لك التأخير، ولا نحب لك التواهن من يوم إلى يوم ولا تسوى<ح>(1) مثل بني أمية إذ يدعوهم عاملهم بمصر فيكتبون له: رفع الأمور حتى أخذت مصر. قلت، الصواب إنه عامل خراسان، وهو نصر بن سيار، والملك الأموي يومئذ مروان بن محمد، ومنه أخذت خراسان وجميع الممالك، وانقلبت الدولة إلى بني عباس، رجع إلى كلام الشيخ.
قال وانتزع الملك لكن نقول تشمر وقم على بركات الله تعالى بجنود المسلمين من الشرقية والباطنة وغيرها قبل وقوع الخلل في البريمي، وإذا وصل ابن سعود قبلك نخاف أن تنكشف عن<ح>
(1) الظاهر أن الأصل: لا تسوف.

داهية لا يمكن تداركها، فلا بد من القيام إن كان مرادك الدفاع عن هذه الرعية من حد بركا إلى البريمي والظاهرة، ونحن من استوى خبر ابن مسعود إلى هذا الوقت الذي غرمناه في البريمي يقارب عشرة آلاف لغير فائدة ولا يمكن المقام على هذا، ولا يحرك ابن مسعود إلا أهل عمان، فلا بد من قلع هذه الشجرة الفاسدة من كل مخوف إن كانت في نصرة الله ورسوله وإحياء مدة الدعوة، وإغاثة الفقراء والمساكين والخروج على هؤلاء البغاة من أهل الشمال وغيرهم في سبيل الله وله حكم الدفاع يلزم جميع أهل عمان بأموالهم وأنفسهم على الأشهر والأصح من قول المسلمين، وقد أجزنا لك دعوتهم وجبرهم إليه وتأديبهم، وليس حد الجفا إذا أحاط بك الخصم وتغلقت عليك البلدان، وصارت يدهم القوية وكلمتهم العلية.
وليس جهاد بن سعود أوجب ولا ألزم من جهاد أهل عمان الذين يكاتبون عليك العدو ويجرون عليك الخصم مرادهم نزع ملكك واستئصال دولتك. قال الله تعالى وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء فكيف بمن يكاتب ويعاهد ويرسل وبالجملة فلا يستقيم أمرك ولا يستقر ولا تسلم رعيتك بدون هذا نعم وقد أجزنا لك في هذا الخروج القرض من الرعية على بيت المال ولو بالجبر وأمرناك به فألزمهم إياه عن أمرنا ورأينا، ولا تعطل أمور المسلمين ولا تسمع قول المثبطين، فإن هذا هو الصحيح في النظر، ويشهد بصحته الأثر، وأنا أقول إنك أبلغهم إياه عني، واحكم به عليهم مني، فإني في ذلك مجتهد لله ومتقرب إليه وإن كان في المسلمين من ينكر جوازه أو يرى باطله فأنا أحاكمه إلى آثار المسلمين وسيرهم، وهي بحمد الله موجودة، وإن كانت من مسائل الاختلاف، ولكن التوسع في الرأي المختلف فيه في وقت الضرورة أعز للدولة وأنفع للأمة، ولا تنظر إلى ما يقولون من مشقة الحال وذهاب بعض المال، فإن المريض لأجل طلب العافية يداوى بالبط والكي وقطع
بعض الأعضاء لسلامة العمر، وإن كان ضعيف القلب يؤلمه ذلك من غير نظر في العواقب، فالعاقل لا يلتفت إليه، والسلام من أحبائك الفقراء إلى الله تعالى وشركائك في المسرة والمضرة هلال بن أحمد وكاتبه والقائل به والداعي إليه سعيد بن خلفان الخليلي بيده.
ملحاق خير: بحق أقول إن رأينا هذا، ونسأل الله الإعانة عليه، لكن إذا كان قيام هذا الجيش وتكليف الرعية بالقرض والقيام بالأموال والأنفس، فإن وصل أهل نجد فقد تحققت الضرورة وتبينت الحاجة وظهر الوجه، فإن أخرهم الله بلطفه، فإن كان ليكفيك من هؤلاء الخلق أن يردّوك بكلمة جميلة وطلب مسامحة، ولتكثر الوسائل والأقوال وترجعوا عنهم سالمين من بأسكم مثل بني بو علي إلى شهر وعادوا مخالفين، فالأولى ترك القيام في الحال، فليس هو الوجه الذي أردناه، ولا الطريق الذي اعتمدناه وأمرناك به ودعوناك له، وأجزنا لك فيه هذه الوجوه، وإن كان قصدك كشف قناع الحياة والتقية، وقهر كل خصم من أهل الشمال والظاهرة المعاندين إلى حد مبلغ القدرة، لا تأخذك في الله لومة لائم ولا قول قائل، فهو الوجه الذي أجزناه لك وأمرناك به، وهو أكرم كل صديق منقطع، واستبقائه عضدا لك مثل زائد على ما تظاهرت منه الأخبار عن أنه قاطع بخصامه ابن سعود لأجلكم فيستحق الإكرام، ومثل محمد بن علي لصحبته السابقة وما بان عليه شيء كذلك، لكن لا تترك له الرأي فيمن يستحق القهر والضبط بالسياسة ونزع ما في يده مما إذا صرح في المكر يكون في تركه على الدولة وهن وفي العاقبة بلاء مثل أناس لا يخافك أمرهم.
وكل من تعصب لأهل الباطل ولم يكفه واجبه فيضبط معه.
هذا رأينا إن كنت عازما عليه فتوكل على الله وسر على بركات الله، والله معك ولا يخذل من الله ناصره، ولا يضيع من كان الله معه.
وإن رأيت غير ذلك فليس منا فيه
أمر ولا نقول فيه شيء إلا أن كل نازلة لها حكم، والله يتولاكم ويرعاكم، وهو الذي يتولى الصالحين بفضله وكرمه والسلام.
ملحاق خير: واصلك هذا التعريف، فاعرضه على الشيخ محمد بن سليم، ويعرضه على كل ذي معرفة، فإن كان غير خارج عن الصواب فقد ألزمنا العمل به إن كنت تراه صالحا وقواما للدولة، وهو رأينا ولا نلزمك إياه إن رأيت الصلاح في غيره، وأما نحن فنراه هو الصلاح إن قال أحد ببطلانه فلنقم عليه الحجة أو يصل إلينا ونحاكمه إلى آثار المسلمين وسيرهم.
وإياك والتواهن يا عزان والوهانة يصبح أهل نجد والظاهرة والذين في قلوبهم مرض معسكرين في البريمي، شد على أعداء الله واقهرهم بحكم الله، وأذلهم بعزة الله فإن عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، والحليم من فكر في العواقب وزايد ومحمد بن علي أعرف بما هناك، وخطوطهم كما ترى، فعرف إبراهيم وصالح يلاقوك بجيشهم البريمي يأتوك بالسميع والمطيع كله، ويأخذوا القرض ولزموه الناس، وإياك تسمع الوسائل والمتشفعين جزاهم الله خيرا، وإياك أن تأخذ من الفقراء والضعفاء ومثل أهل السيب وبركا الملدودين بالغرامة، والامتحان من زمن ثويني وسالم وتترك الأقوياء والمياسير أهل الباطنة، فيكون ذلك خارجا عن العدل، ومخالفا لسيرة الأئمة الصالحين، وإن كان الشيخ محمد لا يقدر يأمر فليسكت، وإن لم يقدر يسكت فدبره يسير إلى صحار أو يجيء عندنا، ولا يتعرض لأهل الرستاق والباطنة وغيرهم إن كان مرادهم قوام الدولة ولا يريد الضياع، وإلا فسينكشف الغطاء عند الله تعالى غدا يوم القيامة، إذا أصبح ابن مسعود حاكما بعمان مستوليا على البريمي والظاهرة والشمال وغاراته تصل السد، ولا يكفيه من أهل عمان إلا كما تحكم على ثويني يوم غرمه يجيء مائة ألف وينظر هل يبقى يومئذ حكم وإمامة ودين ومعزة للإسلام،
ليعرف هو وغيره كيف العاقبة في الدنيا والآخرة، وهل استعملا مثل هذه الوجوه في الضرورة أقرب إلى مرضاة الله تعالى وإتباع الحق، أم تركها حياء من الناس ومداراة لهم أحسن. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام.
ملحاق خير وسرور: إذا تعين عزمكم على القيام، فالذي يحتاجه أهل الشرقية يأخذونه من القرض المسطر من هناك أو من سمد أو من نزوى وازكي وبهلا، ورتبه لهم من تلك الجهة، وأنت مر على أهل الباطنة العزاز، وخذ منهم ومن غيرهم على الترتيب السابق والذي يحصل من هنا لنجعله مددا لكم فوق ذلك والسلام ومن قبل ما جاء بلسان الولد محمد بن سليمان شرحه لنا وجوابه، كذلك خذه من لسانه بالترتيب، ونحن تكفلنا بالبيان في هذه المهمة، لأنها عظيمة الشأن فلم نشكل بها على جواب باللسان والسلام.
حرر يوم 27 شوال سنة 1286 فعمل الإمام رحمه الله تعالى بمقتضى هذا الإفتاء وأخذ القرض من الرعية وأمر عماله فاقترضوا له، وكتب لأمراء الجنود أن يلاقوه بالبريمي، فسارت إليه جنود الله من كل جانب، وركب هو بمن معه من جهة الباطنة، وجاء ابن عمه فيصل وأخوه إبراهيم وشيخنا بمن معهم من جهة الشرقية، والتقت الجموع كلها بالبريمي عند الإمام.
وكان رجلان من الدروع قد قطعا الطريق، وقتلا ونهبا، فطلبا للحكم، فجاءت بهم الدروع إلى أمير الجيش الجائلي من جهة الشرقية في هذه السرية، فدفعوهما إليه (ببسيا) فقيدهما الأمير وأرسل بهما إلى مسكد، فلما رجع الإمام إليها من سفرته هذه استحضر الرجلين وسألهما بلطف عما صنعاه، فأقر أحدهما بالقتل والآخر بأخذ الأموال، فأنر بقطع رأس القاتل، وأمر أن تقطع يد ورجل المقر بالنهب، فأقيم الحد عليهما بالفرضة قبل نصف النهار وعاش مقطوع اليد
والرجل قليلا ثم مات وكان قبل ذلك قد قيد رجل هاشمي برجل حبسي صاحبه إلى ازكي فقتله فقبض عليه وإلى ازكي وأرسل به الإمام إلى مسكد، وأرسل الإمام إلى ولي المقتول وأحضر القاتل للخصومة فأقر بالقتل، وعرضت الدية على الحبسي فقال لا أقبل إلا القود، فقيد وقتل، وكان بقتلهم إحياء حدود الله.
وكان ملك نجد وهو عبدالله بن فيصل قد جفا أخاه سعود بن فيصل وطرده فوفد المطرود على الإمام فوافق هذا السفر، فسار مع الإمام إلى البريمي، ثم ترخص بعد ذلك ونفعوه وحرضوه على أخيه، وأظن أني سمعت شيخنا يقول أنهم أعطوه ألف قرش وفرسا، فلما سار من عندهم قتل أخاه. وذلك أنهم التقوا على ماء بنجد فاقتتلوا، فكانت القاضية على عبدالله بن فيصل، وذلك بعد رجوع الإمام إلى وطنه، فإنه قد كان أقام بالجموع في البريمي ينتظر قدوم ملك نجد، وكان زايد بن خليفة أمير بني ياس قد أظهر لأهل نجد الخصومة، وأظهر للإمام المناصرة، وطلب منه الإمام المواجهة فواجهه بالبريمي في عدد من الخيل والرجال فأكرم الإمام مثواه، ورجع إلى بلده شاكرا، وبلغ ملك نجد انتظار جنود الله له فخمدت همته وسكنت حركته، ويقال إنه رجع القهقري من الإحساء والله أعلم بما هنالك، غير أنه لم يصل إلى عمان، ورجعت جنود الله بالظفر والتأييد، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.

ذكر فتح الحزم
وهو الحصن الذي بناه الإمام سلطان بن سيف بن سلطان، وهو من أعاجيب الزمان، وكانت فيه بقايا اليعاربة وبعضهم من نسل الإمام الباني،
ولمنعة هذا الحصن وقوته لم يقدر أحد على إخراجهم منه حتى أخرجهم هذا الإمام بعد حصار شديد، وكانوا قد بغوا على أهل الرستاق بغيا شاهرا، ولم تتأت حماية الرعية إلا بإخراجهم من حصنهم، فسارت إليهم أمراء الجنود وأحاطوا بالحصن وجعلوا عليه السيب ورابطوا زمانا طويلا.
وكان من سياسة شيخنا أن يرد إلى الحصن كل من خرج منه ليتعاونوا على أكل ما فيه، فينفذ بسرعة، فكلما أراد أحد منهم أن يخرج، من نساء أو ذرية أمر برده إلى الحصن، واستشكل ذلك بعض من لم يبلغه مبلغه، وقال كيف تردون إلى البغي من يريد أن يفر منه، فكان جوابه أنهم ما خرجوا إلا لتقوية البغي، أرادوا أن يستبقوا المتاع للمحاربة، والحصن لا يقدر عليه إلا بذهاب متاعهم، فلما طال عليهم الحصار واشتد عليهم الأمر بعد أن كانت لهم في المرابطين وقعات وقتل سيدهم، ويقال إنه نقع به محزمه في زورة زارها المرابطين، فلما طال عليهم الأمد واشتد عليهم الأمر خاطبهم الشيخ الغاربي في الخروج من الحصن على أمان بما معهم، فأجابوه إلى ذلك وخرجوا على يديه وبذلك تم الفتح للإمام.
وكتب الشيخ الخليلي إلى والي الإمام على الرستاق عبدالله بن محمد الهاشمي في حرب الحزم كتابا فيه بيان ما يسع في حربه أحببنا ذكره ها هنا لأنه من جملة أحكام الإمام، قال وما ذكرته من قبل الرمية التي للحزم فإن جعلت على الأغنياء فجائز وإن جعلت على الأموال جميعا كل بقدره حتى من مال من لا يملك أمره فجائز، فالأول جهاد والثاني دفاع اليعاربة عن الرستاق لبغيهم المشهور أمر غير منكور، وعسى الله أن ييسر المخرج فإنه لطيف بعباده.
وأما الشيخ خميس بن جاعد فقد سمعت عنه
من زمان أنه عائد عاثرا لا قوة له وينبغي أن تكفوه لأنه كبير السن إذا ضعفت قوته وقلت همته (فهو) غير ملوم وأنا أخبرني عنه الشيخ يحيى منذ زمان، إنه كذلك اسأله عنه فيقول لي بنحو هذا من حاله والله يكفي الدولة بمن يستطيعها والله لا يضيعها، ولو اعتذر مثل يحيى ومثلك لرأيت أن نشد عليه والله ولي كل خير بفضله وكرمه والسلام.
وكتب له أيضا ما نصه: وبعد، فقد عرفناك سابقا أن تكفينا شغل الحزم: بجعل أهل الرستاق وكأنك لم تسمح بذلك إلى الإمام لعلك رأيت ذلك أصعب عليك من ضياع دولة المسلمين، وعرفتنا سابقا من قبل فلج العوابي فأرسلنا لك تعريفا لوكيله وعرفناك أن تلتمس بالقرض وغيره على دولة المسلمين من أموال محمد بن طالب وغيرها، فلم يبن لنا منك امتثال ونحن لم نقم هاهنا عبثا ولا لعبا وإنما أقمنا لله مقاما نعز به دينه ونرضى به وجهه ونتقرب به إليه لا نرضى بفشل لأهل الحق ولا نخفي جهدا من كل وجه نقدر عليه مما يعز الإسلام وأهله فإن كنت منا فالمراد قيامك بما ذكرناه لك كله قد ألزمناك ذلك ولم نوسع لك في التأخر عن شيء منه.
والله سبحانه قد جعلنا الآن ناظرين في مصالح الإسلام لهذا الإمام، فليس لكم إلا إتباعنا ما دمنا على الحق، وإياك والتواهن بشيء مما أمرناك به بعد وصول كتابي هذا إليك فنعده منك خلافا للحق وأهله، ونحن لو رأينا سبيلا إلى الرفق بالرعية والمساهلة لهم، لكنا أحوج إلى ذلك وأولى به، ولكن نرى أمرا جليلا وخطبا جسيما لا يمكن التساهل فيه واحتمال القليل بل الكثير من الأموال أولى من استئصال الدولة، وظهور أعداء الله تعالى على الممالك، ولم نجد الآن السبيل إلا بتكليف الرعية. والسلام.

ذكر خروج تركي بن سعيد بن سلطان
على الإمام
وذلك بعد أن دانت الأمور وسكنت الحركات وظهر العدل والإنصاف، وأخذ الحق من القوي للضعيف وذلت رقاب الجبابرة والمعاندين، فعند ذلك نجم بالرؤساء نفاقهم وكاتبوا تركي بن سعيد سرا فيما بينهم، وكان قد ركب إلى الهند في دولة ابن أخيه سالم بن ثويني على حسب ما قدمنا ذكره، فجاء تركي في مركب للنصارى ودخل به مكلى مسكد وتوسط بين الكيتان فرأى بيارق المسلمين بيضاء تنور والبيارق<ح>(1) هي الرايات: سميت بذلك لبريقها ولمعانها، فلما راى ذلك هاله وقال الله يعيننا عليك حتى تكوني حمراء، وكانت الرايات الحمر من شعار آل سلطان ابن الإمام والرايات البيض من شعار آل عزان بن قيس، ثم جاوز به المركب وأنزله في لنجة وركب في خشبة إلى الشمال فتعصبت له الغافرية أجمع وباطنتهم رؤوس النفاق من الهناوية فتجمع غافرية الشمال عند تركي يريدون أخذ البريمي، فقاتلهم زايد بن خليفة دونها فهزمهم الله وفرق جموعهم، فسار تركي إلى محضة، وهي من بلاد النعيم، فأقام بها وأظهر غافرية عمان الخلاف، ورئيسهم برغش بن حميد صاحب العينين وباطنهم رؤساء آل وهيبة وغيرهم، فخرج الإمام بمن معه وكانوا غير كثير حتى جاء المضيبي وواجهه الرؤساء المنافقون وأرضوه في الظاهر، وفي قلوبهم<ح>
(1) البيارق جمع بيرق اسم للراية وهذا اللفظ تركي لا عربي والله أعلم.

من الشحناء ما في قلوب إخوانهم على رسول الله ومن معه.
ثم أمر الإمام شيخنا أن يسير بمن معه مقدمة له إلى جانب الجوف والظاهرة فركب شيخنا ممن معه حتى نزل نزوى، وكان الجنبة والدروع من جملة من خالف الإمام، وأبوا عن الانقياد، فخشى شيخنا أموالهم التي لهم بطيمسا والردة ثم جاء البدو، وهم الجنبة والدروع فكمنوا في واد هنالك، فجاء الصريخ فخرجوا لهم فلم يروا أحدا، ثم رجعوا ثم جاء الصريخ الثاني فرجعوا إليهم، فتراءت الفئتان فوقع بينهما بعض الرياح بالبنادق وأصابت البدو غرة من أصحاب الشيخ ومن أهل نزوى فقتلوا منهم رجالا، ثم انحاز إلى موضعه، ورجع الشيخ بمن معه إلى نزوى، ثم لحقهم الإمام بالجيش.
وسمعت شيخنا يقول إن الإمام كان قد عزم على عزم رأى أن يكون فيه الحزم وهو أن يتخذ نزوى وطنا وينتخب معه من شجعان العرب ألف راكب يجعلهم عنده بنزوى يستغني بهم عن جر الجيوش، فإن قبائل عمان لا تكاد تتفق القبيلة كلها على حربه بعد ما مضى، وإن اتفقت القبيلة على حربه فإنه يصبحهم بألف راكب وهو فيهم فلا تقاومهم قبيلة وهم منتخبون من شرارة العرب فيخف بذلك المغرم عن بيت المال وعن الرعية، وتستريح الرعية في أوطانها ويكفيهم الإمام بشرارته أمر الحروب.
قال: وعلى هذا كان صمم عزمه، قال وصلى في نزوى وطنا في هذه المرة غير أن الداعي كان حثيثا، فاختار الله له ما عنده قبل أن يتم هذا الحال، ونرجو له من الله أجره أو لو أراد الله بأهل عمان خيرا لأبقى لهم إمامهم وأتم له عزمه.
وأقول أن هذا الرأي لهو الرأي وينبغي أن يوصى به أول المسلمين آخرهم فمن استطاعه منهم فليفعله.
ثم سار الإمام بجيشه من نزوى وكان قد
كتب لأمرائه بالباطنة أن يلاقوه بالجموع بالظاهرة ليرد الخارجين عن طاعته إلى الطاعة، ويدخلهم في الجماعة، وكان قد بقى لبرغش بن حميد حصن العينين ويبرين صفح عنهما الإمام حين واجهه بالغبى، وأظهر له الطاعة ثم اغتر بآراء المنافقين، ونزع يده من الطاعة وتجمع معه من عادى الإمام ونزلوا معه بيبرين، فمر عليهم جيش الإمام فناقعوهم قليلا بالتفق أرادوا أن يخرجوهم من يبرين للقتال فلم يخرجوا، وتحصنوا بيبرين وغرّب الإمام بجيشه إلى الظاهرة، وكان أهل الباطنة من جموعه قد سبقوا إليها وخرجت لهم الغافرية من عبري فاقتتلوا بلجمة عبري قتالا ثبتت فيه أهل الباطنة ثباتا حسنا حمدت فيهم مواقفهم فرجعت عنهم الغافرية القهقرى.
ثم وصل الإمام بجيشه الظاهرة، وأحاط بحصن العينين وكان فيه عمال برغش ابن حميد فحاصره مدة يسيرة، ثم فتحه الله له وألقى الله الرعب في قلوب الأعداء وتشتتوا أيادي سبا، وهربوا في البوادي فكبر ذلك على المنافقين من قوم الإمام وكان الإمام قد همّ بالمسير إلى ضنك فأرسل المنافقون إلى رؤوس الأعداء أن لاقوا الإمام بضنك ونحن أهل الشرقية لسنا معه ولا نسير معه، وكانت الأعداء تهاب أهل الشرقية أكثر من غيرهم، فلما أرسلوا إليهم بذلك تجمعوا بضنك وفيهم تركي وهمّ الإمام بالمسير إليهم فأظهر له رؤساء الشرقية الخلاف، وكانوا قد أأشاروا إليه أن يتأخر عن ضنك فلم يسمعهم فجعلوا ذلك سببا للخلاف، فأظهروا ما أضمروا وبركوا في مباركهم، فعاتبهم من شاء الله من الأفاضل ونصحوهم عن خذلان إمامهم وخوفوهم عقوبة الخلاف، فأعاروهم أذنا صماء، فركب الإمام بمن أطاعه من أهل الباطنة وغيرهم فسار بهم وتخلف أهل الشرقية، فلما قرب الإمام ركب
أهل الشرقية مشرقاً إلا شيخنا ومن معه فإنهم ساروا مع الإمام وكانوا من أكبر أنصاره فجاءوا إلى ضنك من مدخل الوادي، وكانوا قد اخذوا معهم بني زيد أهل فدى، وكانوا قد قدموهم على مضيق الوادي ليمنعوا العدو مقاعد القتال، وكان في نفس بني زيد ما في نفوس الخائنين، وكان الإمام قد أعدهم له فصاروا عليه، فلما توسط الجيش الوادي جاءهم الضرب من بني زيد وغيرهم فكانت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم خلق كثير وأكثر المقتولين من أهل الباطنة، فاستشهد من أفاضلهم خلق، واستشهد سالم بن سيف الفرعي وكان واليا للإمام على بدية وكان فاضلا ناسكا زاهدا معرضا عن الدنيا، ويقال أنه لكما رأى الجيش انهزم، تقدم هو نحو العدو، وقال لمثل هذا جئنا يعني الشهادة فاستشهد رحمة الله عليه.
ويقال أنه ما وجد في خرجه بعد موته إلا سروال يصلي به ومسواك يتسوك به ولم يترك إلا كتبا بيعت في صداق امرأته الآجل.
وقيل أنه قيل له أن الناس انهزموا فقال عاهدته على أن لا أفر.
ثم رجع المسلمون فكانت هذه الحالة أول حالة ظفرت بها الأعداء وما هي بالظفر لو عقلوا وإنما عي النار بل أول حالة ظفروا بها بالردة في الوقعة التي كانت بأطراف نزوى ولله الملك الدائم.
ثم رجع الإمام إلى مسكد وخافت الخونة على نفوسها القتل وعملوا أنهم قد أظهروا الخلاف للإمام وما كان الإمام أراد بهم قتلا، وإنما خافوه على أنفسهم في زعمهم فبالغوا في زوال الدولة ونزع الملك من يد الإمام وبذلوا في ذلك كل البذل وتكاتبوا من شرق البلاد وغربها وسار سعيد بن ناصر رئيس آل وهيبة إلى بني بو علي، وأقام معهم قدر شهرين يحرضهم على الإمام، وجاء ناصر بن عامر رئيس الحبوس إلى غبى البادية، فقام عند بعض رؤسائها
المنافقين وبقيت المكاتبة فيما بينهم، والطروس تتراسل من جعلان إلى الغبى، ومن الغبى إلى جعلان ومنهم إلى الغافرية الذين بعمان والظاهرة فلم يزالوا على ذلك حتى عقدوا من نفاقهم سرايا فجاءت سرية فيها أكثر آل وهيبة وبعض الناس من غيرهم وعليها تركي بن سعيد قصدوا إلى سمد الشان وتلقاهم فيصل بن حمود وشيخنا بجيش، فنزل البغاة بالميسر وجيش المسلمين بسمد، وبقوا كذلك بعضهم يرصد بعضا.
ثم جاء البغاة من واد غربي سمد يريدون أن يدخلوا سمد من أعلاها فوقف لهم حبوس الروضة أعلى الوادي فمنعوهم عما أرادوا ورجعوا القهقرى، وسار تركي إلى سناو وأقام بها، قامت قائمة من جعلان فيها بني بو علي وناس من بني بحسن وقائدهم سيف بن سليمان آل بو سعيدي الذي كان واليا لسالم بن ثويني على مطرح فساروا إلى مسكد من جانب وادي مجلاص حتى نزلوا بسد روي وقامت قائمة من الهشم على وادي بني خالد، وقامت قائمة من العبريين وغيرهم، وفيها برغش بن حميد على بهلى فأحاطوا بها، وكان فيها شيخنا ماجد بن خميس العبري واليا للإمام وعسكره العوامر، وكان قد تهيأ فيها لحصار ثمانية عشر سنة، وبالجملة فكل من كان له ضغن أو حقد ثار يومئذ وجمع الكل البغي وشغل كلا ما يليه، ولم يكن ببال المسلمين أن سرية جعلان تصيب غرضها لقلة عددهم، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فخرج من حضر من المسلمين للبغاة الذين بالسد فيقال انه جاءت سحابة فأمطرت على جماعة المسلمين فبطلت تفاقهم ولم يكن من ذلك شيء على جماعة البغاة فرجع المسلمون إلى السيران.
وسار بالليل إليهم البغاة، فتسوروا مطرح والإمام يقاتل من أعلى السور، وجاءت ضربة تفق فأصابت الإمام، فاستشهد رضي
الله عنه وقيل إن الضربة كانت من الذين معه في داخل السور والله أعلم بحقيقة الأمر.
وقتل على السور قائد البغاة سيف بن سليمان، ودخل البغاة مطرح ثم قصدوا مسكد، وكان فيها الشيخ الخليلي وإبراهيم بن قيس أخو الإمام، فسمعت بعض شيوخنا أن الشيخ الخليلي دعا إبراهيم لينصبه إماما على الناس بعد قتل أخيه، فشاور إبراهيم هلال بن زاهر الهنائي، وكان هلال من جملة من نافق، فقال له إن هذه دولة ذاهبة، فتدارك صحار لئلا تذهب عليكم وهي مملكة آبائك. فركب إبراهيم إلى صحار، فقال الشيخ الخليلي خذلك الله كما خذلتنا، فما قامت لإبراهيم بعدها قائمة، كلما أخذ بلدة جاء السلطان فأخرجه منها كما سيأتي ذكره.
وتحصن الشيخ الخليلي في الكوت الشرقي ومعه بعض بني رواحة، وأرسل البغاة إلى تركي فجاءهم، وحاصر الشيخ حتى خانه من معه ولم يقدر عليهم أن يحربوا، ويقال أنه جاء للشيخ بعض رؤساء الهناوية أن ينزل على أيديهم فلم يقبل أن ينزل على أيديهم لما علم من خيانتهم، ونزل على يد قنصل النصارى<ح>(1) ظنا منه أنهم لا يرضون في ذمتهم، ورأى أنه قد استوثق لنفسه، فخانه القنصل وسلمه إلى تركي فلما جيء به بين يدي تركي قال له أخرجتمونا من أوطاننا وفعلتم وفعلتم، قال الشيخ ما فعلنا إلا ما تقتضيه الشريعة، فأمر به فقيد هو وولده محمد بن سعيد وحمل إلى الكوت فتركا هنالك، فلم يخرج خبرهما، والله سائله عما صنع.
وقيل إن تركي كان منتظرا في قتل الشيخ، وأن بعض عماله<ح>
(1) ولا يخفى أن النصارى يريد بهم المؤلف الإنجليز، وهو أصحاب الدسائس هنالك والمدبرون لهذا الانقلاب. فليتأمل مغزى خيانة قنصلهم للعلامة الخليلي رحمه الله بعد أن استنام له ونزل على يده، ولكن الاستعماريون لا ذمة لهم ولا دين إلا بقدر الحاجة.

وهو ثويني بن محمد خاف أن يعفو عنه تركي، فسار إليه بغير إذن فقتله هو وولده، فسلط الله على ثويني من قتله في مأمنه.
ويقال إن الإمام بقي ثلاثة أيام لم يدفن فلم يتغير، ثم دفن بعد ذلك في جبروه من مطرح، فكان أول إمام دفن بها فيما علمنا، وكان قتله ليلة ثامن من ذي القعدة سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، ودخلت البغاة مطرح يوم ثامن، وكان وصول البغاة بالسد يوم رابع وكانت مدة إمامته سنتين وأربعة أشهر وخمسة عشر يوما *ر*.
وكان رجل من بني بو حسن وهو منذري الأصل يقال له ابن الصباع، واسمه محمد بن حمد بن جميع، وكان من أنصار الإمام وكان مشهورا بالبأس. فلما أخبر عن قتل الإمام هوى على جيش البغاة، فلم يزل يقاتلهم حتى قتل رحمة الله عليه.
ثم سارت بشائر البغاة إلى البلدان يبشر بعضهم بعضا وكان الحصار على بهلى قائما فنادوا الوالي وهو شيخنا ماجد أن الإمام قتل فلمن تحرب؟ قال فظننت أنها خدعة فضربت فألا في المصحف، قال فخرج لي قوله تعالى فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ .
قال فعلمت أن الأمر قد قضى وصممت على أن لا أنزل من الحصن بل أدافع عنه قال فقامت عليّ العسكر وقالوا لا نحرب معك بنفسك ونحن نخشى على بلداننا التضييع، فإن شئت فخذ لنفسك وجها وإلا خرجنا عنك، وكان معه العوامر. قال فقلت أما أنا فلا آخذ وجها، فأخذت العسكر لأنفسهم أمانا وتدلى الشيخ من الحصن بحبل إلى الأرض، وذلك لئلا يكون قد مكن البغاة من معقل المسلمين ثم نجا بنفسه حتى أصبح من الليل بمسجد البياضة من الرستاق، وكانت الرستاق والحزم قد
بقيتا في يد فيصل بن حمود عم الإمام، وسيأتي تمام خبرهم إن شاء الله تعالى في الباب الآتي.

ذكر أحكام الإمام عزان بن قيس
وقد تقدم ذكر أكثرها، فمن ذلك التغريق لأموال الجبابرة المستغرقة في الجبايات والمظالم. ومنها جبره الرعايا على الجهاد بأموالهم وأنفسهم، لأنه دفاع عن المصر، والدفاع يلزم كل بالغ قادر. ومنها جواز أخذ القرض على بيت المال من الرعية لأجل الدفاع عن المصر، وقد فعلوا ذلك في مسيرهم إلى البريمي لدفاع أهل نجد.
ومنها إنقاذ ما فضل من غلة مال مسجد شبيب الذي بالظاهرة في مصالح الدولة الإسلامية وفي نظر مصالح الإسلام على قول من يقول إنها من أموال الله تعالى وهو قول موجود في الأثر.
ومنها حجر أكل الحلوى والفواكه من أموا ل مسجد الرستاق، وكان قد وجد لأهلها فيها التوسع بمثل ذلك، وأمر أن ينفذ فضلة غلتها في المتعلمين، وكتب في ذلك كتابا إلى والي الرستاق، وهو شيخنا عبدالله بن محمد الهاشمي قال فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: من إمام المسلمين عزان بن قيس إلى الشيخ المحب المكرم المحترم الناصح العزيز الثقة الفاضل الأخ عبدالله بن محمد الهاشمي وكافة المتعلمين سلمكم الله تعالى وعافاكم وحرسكم وحماكم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحن بخير نحمد الله على ما أولانا من سبوغ نعمه، ونعرفك فالواصل إليك سالم ابن هاشل الجرادي، قد بعثناه إلى بلدكم
معلما في النحو، وقد جعلنا له في كل شهر ثمانية قروش، ومن كان من أهل البلد فلا شيء له إلا الفقراء، ومن كان من الغرباء فله قرشان، ويكون ذلك من أموال المتعلمين التي عندكم، من فضلة أموال المساجد، وقد حجرنا أكل الحلوى والفواكه بالفضلة، ورأينا صرفها في هذا الأمر الذي يربي العلم ويقوي الدين، ويكون التعليم في جميع المساجد وكل وقت يقيم المتعلمون في مسجد، فقيامهم<ح>(1) واحرص على ذلك وذمرهم وشمر بنفسك وانصحهم، وأغلظ لهم القول وسارعوا إلى إحراز هذه الخصلة الشريفة.
ومنها تجويزه أخذ المغرم من أموال أهل الرستاق حتى من لا يملك أمره لينفذ في حرب الحزم لأن اليعاربة الذين كانوا فيه كانوا قد بغوا على أهل الرستاق وعلى أموالهم واشتهر ذلك وعرفوا به فكان الأخذ من الأموال في هيئة الدفاع عنها وقد تقدم ذكر ذلك.
ومنها طني الزكاة في رؤوس النخل فيأخذها المستطني بقيمة مخصومة يدفعها إلى الإمام ويأخذ الزكاة لنفسه، وقد وقع بينهم في جواز هذا الحال مباحثة فأول من أشار بفعله شيخنا صالح واستنكره شيخنا ماجد وطلب الوجه فيه فكتب شيخنا صالح بذلك إلى المحقق الخليلي فأجابه بقوله منك وإليك يعود، يعني أنت أجب عنه بنفسك، ثم كتب شيخنا ماجد في ذلك كتابا لشيخنا الهاشمي وإلى الإمام على الرستاق، فأرسل الوالي الكتاب إلى الإمام فأرسله الإمام إلى الشيخ الخليلي فأجاب عنه ونقض ما اعتل به وأثبتوا ذلك رأيا لهم وعملوا به لمصلحة رأوها. <ح>
(1) في هذه العبارة خرم: ولعل صوابها فقيامهم على تلك الأموال. وقوله: وذمرهم أراد عنفهم على الكسل والتخلف عن دروسهم والله أعلم.

ومنها صلاته الجمعة في أسفاره وكان الأصحاب لا يرون للإمام أن يصلي الجمعة إذا سافر، وممن رأى جواز ذلك عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى وتبعه على ذلك هذا الإمام، ولعلهم رأوا في ذلك مصلحة قد خفيت علينا وما يراه الحاضر لا يراه الغائب، والنبي لم يصل الجمعة في شيء من أسفاره ولا صلاها أئمة المسلمين من قبل عزان بن قيس، إلا في أوطانهم غير صحار فإنها لم تنقطع الجمعة عنها من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، يصلونها فيها خلف البار والفاجر والعادل والجائر، لأنها من الأمصار الممصرة، وقد صلت الصحابة الجمعة في الأمصار الممصرة خلف البار والفاجر والله أعلم.

ذكر كرامات الإمام عزان بن قيس
وقد ذكروا له كرامات كثيرة نحفظ بعضها وغاب عنها الأكثر. فمنها ما ذكروه أنه بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لم يدفن وهو مع ذلك لم يتغير، يذكرون أنه كشف عن وجهه فرأوه كأنه حي.
ومنها ما قدمنا ذكره عند قيامه على سالم بن ثويني أن الطاعون نزل على أنصار عدوه وشغلهم عن نصرته، ولم يصب أحدا غيرهم أصلا، وبقي فيهم حتى خلصت مسكد.
ومنها ما حدث به رجل من أهل الشرقية أنه قال: كان لي مال بوادي بني خالد قد كنزت منه ستين جرابا ولي مال آخر أديت زكاته لعامل الإمام وأخفيت نصف الستين جراب وهي غلة مال الوادي، بل قلت لهم إنه جاء ثلاثون جرابا، فأخذ مني زكاة ثلاثين جرابا قال فأما المال الذي أخرجت جميع زكاته فبقي تزيد غلته، وأما المال الذي أخفيت نصف
غلته فلم يزد على ثلاثين جرابا من عهد الإمام إلى وقته هذا وكانت المدة قدر عشرين سنة تقريبا، فقيل له لعلك أو لم تسمده، قال بل زدته ماء وسمادا.
ومنها كثرة الخيرات في زمانه ونمو البركات وزيادة الغلال على المعتادة زيادة لم يروها قبله ولا بعده، ونعمت في أيامه الرعية وعاشت في ظل عدله وأمانه، يسير الواحد فيها حيث يشاء لا يخشى إلا الله تعالى.
ومنها أن المنافقين الذين جاهروه بالعداوة من قومه ذهب أكثرهم في الفور حتى أن بعضهم لم يصل بيته بل سلط الله عليهم الموت بعضهم بالجدري وبعضهم بغيره وبعضهم مات فجأة من غير مرض، ومن مات منهم مات في أسوأ حال، ومن عاش منهم عاش في شر معيشة، ثم سلط على ذراريهم فمنهم من انقرض ولم يعقب عقبا، ومنهم من سلب عزته التي كان فيها، ومنهم من سلب نعمته.
ومنها أن رجلا من أهل النفاق سمع الثناء على الإمام من الحاضرين، فقال اسكتوا لئلا أتغوط من فمي يعني أنه سيقول كلاما خبيثا، فسلط الله بالحال آفة صار بها يخرج غائطه من فمه ثم مات، ومنها أن الله تعالى سلط على المتعاملين عليه الخوف من بعضهم بعض وأغرى بينهم العداوة والبغضاء فهم يتقاتلون ويتناهبون دائما، ووقعت بينهم الملحمات العظيمة فهم على ذلك إلى يومنا هذا.
ومنها أن الله تعالى أرسل عليهم بعد قتله ريحا شديدة قلعت أكثر نخيلهم وصارت عبرة للناظرين ويسمون تلك الريح ضربة الشلى، ولشهرتها بينهم يتذاكرون بها تاريخ ما جهلوا تاريخه.
ومنها أن برغش بن سعيد سلطان زنجبار لما بلغته قتل الإمام ضرب مدفعا فرحا مائة ضربة وضربة، وذلك لأنه خاف على ملكه فأرسل الله عليهم ريحا شديدة حشرت زنجبار وكسرت المراكب وخربت البيوت فيقال إنها كانت تأخذ سقوف البيت ومصابيحه، والتجأ برغش إلى المسجد فقال له بعض الأفاضل هذه المائة ضربة والضربة فلم تبق بزنجبار شجرة قائمة إلا ما غرس بعد ذلك إلا قليلا من ذلك، ويقال إن طرقها قد تعمت من كثرة ما وقع من جذور الشجر. فاعتبروا يا أولي الألباب.
هذا ما حضرنا من ذكر كراماته *ر*. وأما فضائله فكثيرة وناهيك أنه قد باع نفسه لله وحسبك بثناء العلماء عليه، وقد أطنبوا في ذلك كما تقدم والله أعلم.

باب دولة السلطان تركي بن سعيد
ابن سلطان ابن الإمام
وهو الذي خرج على الإمام عزان وقد تقدم ذكره غير مرة، ولما قتل الإمام *ر* ودخلت البغاة البلاد أرسلوا إلى تركي وهو بسناو فسار إليهم واستوى على الكرسي ملكا بالقهر والغلبة على طريقة آبائه، وكان إبراهيم بن قيس قد سار إلى صحار وفيصل بن حمود إلى الرستاق، وكان بلوى عامل للإمام يقال له محمد بن سعيد الهنائي، فركب السلطان في مركب وجاء في البحر ومر على صحار وفيها إبراهيم والوالي عنده، فلم يكن منه بصحار أمر بل جاوز عنها إلى لوى فركب عاملها من صحار إليها، فلما أصبح أخذ من حضر وهم قدر خمسة وأربعين رجلا، ونزل بهم الساحل ليلتقي جنود السلطان عند نزولهم من البحر فوجدهم قد نزلوا في سور هنالك، فدخل الوالي ومن معه في نخل مقابل للسور وترابطوا هنالك قليلا، ثم انحاز الوالي إلى الجانب الغربي من السور وتستروا ببيوت هنالك ووقف
الوالي في سكة غير متستر ينظر من يسير ويجيء، فكلما رأى واحدا وثب عليه بالسيف وثبة الأسد وهرب منه بعض القوم حتى دخلوا البحر، ثم جاءت رصاصة فضربته في مدمع عينه فرفعته من الأرض قدر ذراع ثم سقط ميتا فلما رأى أصحابه ذلك هربوا وبقي منهم أربعة أرادوا حمله، فأدركهم الضرب، فأخذ واحد منهم التفق والثاني الكتارة والثالث الخنجر بلا قطاعة، ثم نجوا بأنفسهم إلى الحصن، وفيه ولده سيف بن محمد وكان شابا، فقام بالحرب أعوانه وجاء قوم السلطان فمثلوا بالوالي مثلة منكرة، حتى أنهم قطعوا إحليله وألقموه فاه، وجاءت به من الغد نساء في سمة خباط كاللحم المقطع.
ثم نزل السلطان بمن معه وجر الجاردى على الحصن وقام الحرب ثلاثة أيام وسار بينهم الناس، وواجهه سيف بن محمد ونزل من الحصن، وولى عليه السلطان واليا، ثم رجع وجهز جيشا ولى عليه بدر بن سيف بن سليمان البوسعيدي، وحاصر صحار وفيها إبراهيم، وطاولهم في الحصار حتى خرج إبراهيم منها وجاء إلى الرستاق، وفيها ابن عمه فيصل بن حمود.
وكان فيصل هذا قد غلبه أمر السياسة وأحب التخلي عن المملكة، واتفق رأيه ورأى من حضر من المسلمين أن ينزل عن الحصون التي في يده ويدفعها إلى إبراهيم، فقطع لنفسه قطعا من بيت المال واشترط أن تكون لنفسه قواما فأنعموا له ونزل من الحصون وأقام ببيت القرن، وكان في حياة إبراهيم مكرما محترما، وقام إبراهيم بأمر المملكة وأرسل إليه السلطان غارة فصبحته أول النهار وهو في الحزم نائم، فأتاه الصريخ فقام من فوره وركب حصانا وخرج إلى القوم فهزمهم وهو بنفسه قبل أن يلحق عليه غيره، وفي القوم أو أكثر من لا يحب قتله للعصبية الباطنية، وألجأهم هنالك إلى مضيق
واستجار به بعضهم فأجاره، ويقال إن في القوم خيالا وهو من خدام اليعاربة، فقصده إبراهيم ليقتله فهرب على فرسه فسقطت خنجره من حزامه، فقال له إبراهيم سقطت خنجرك يا خادم، فقال ما عليها خنجر، وما كان همه إلا النجاة بنفسه، وخلصت للسلطان تركي حصون الساحل كلها.
وأما حصون عمان فإنها تفرقت على الرؤساء الذين كانوا بها قبل الإمام، فرجعت نزوى إلى حمد بن سيف الذي أخذها الإمام من يده، ورجعت بهلى إلى برغش بن حميد الغافري وسمد نزوى إلى الريامي.
ثم إن برغش بن حميد قبض على شيوخ العبريين بسياسة من بعضهم لبعض، وقتلهم في سجنه بعض أقاربهم، ثم سلط الله على برغش أخاه ناصر بن حميد فقتله وقتل أخاه راشدا وصارت بهلى ويبرين إلى ناصر وهو صاحبهما اليوم.
وأما نزوى فإنها بقيت في يد حمد بن سيف زمانا، وكان عسكره بني هناءة، وكان قد اتخذ هلالا ابن زاهر رئيس بني هناءة صاحبا خاصا فاحتال هلال على حمد فأخرجه منها وقبضها هلال لنفسه، وأظهر للناس أنه فيها نائب السلطان، ثم انكشف الحال بعد ذلك أنه ليس بنائب، بل هو مستقل بها لنفسه، وبقي فيها مدة طويلة حتى مات حمد بن سيف وجاء ولده إلى نزوى فضرب هلالا بتفق فقتله وكان ذلك في أيام السلطان فيصل بن تركي، فأرسل إليها عامله فحربها فأخذها من أولاد هلال بن زاهر وولى عليها سيف بن حمد قاتل هلال.
ثم سار إبراهيم بن قيس إلى المصنعة فأخذها من عامل السلطان، فأرسل السلطان إليها مركبا للنصارى فحربها، فخرج منها إبراهيم وجاء سالم بن ثويني إلى الشرقية، وأقام ببدية يطلب النصرة على عمه السلطان تركي فلم يتفق له ذلك ثم مضى إلى الهند ومات بها.
وفي آخر ذي القعدة من سنة تسعين ومائتين وألف
خرج شيخنا صالح بن علي الحارثي – وهو المراد عند إطلاق لفظة شيخنا – بمن معه من المطاوعة وغيرهم على السلطان، فساروا وتعجل الشيخ بمن معه من مقدمة الجيش لينال غرة من مسكد فطلع عليهم الفجر دونها، فرجعوا وأناخوا بسويح الحرمل، وتجمع الجيش هنالك وكان قد صادفهم بعض الحطابين فأخبروا عنهم في مسكد، وكان السلطان مريضا فخرجت إليهم جنوده وأكثرهم الوهابية، وعليهم رؤساء الدولة، فجاءوا إلى السويح بعدّهم وعديدهم، فالتقاهم بوادر الجيش، فاقتتلوا يسيرا ثم انهزمت جنود السلطان، فركبهم الجيش قتلا وأوسعهم طعنا وضربا، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم دخلوا مطرح ونزل الجيش بها وسالمهم الكوت.
وأرسل السلطان إليهم عامله بدر بن سيف ليرضيهم بما أرادوا، فقال الشيخ لا نرضى إلا بدخول مسكد، فقال العامل أنا أدخلكم إياها، فليصحبني من شئت من قومك، وكان ذلك تلطفا منهم ليتمكنوا من المكيدة، فأرسل الشيخ عنده سبعين رجلا، وفيهم رئيس الحجريين هلال بن سعيد وحمود بن سعيد الحجافي، فدخلوا مسكد واتفقوا أن يأتيهم الشيخ بالجيش من الغد، وما كان عند السلطان لهم مدافعة لكونه مريضا، ولأن أنصاره من القبائل لم تصله، فاستحضر السلطان حمود الحجافي وشكى له الحال وتلطف به وخلع عليه الخلع ومناه الأماني وقال له ردّ عني القوم بما شئت ولك ما شئت.
قال شيخنا: فلما كان الغد خرجت بالجيش من مطرح إلى مسكد، فلما صرنا بالعقبة إذا نحن بمحمود مقبلا، قال فأخذني في ناحية وقال إن السلطان يمد لك الفرائض ويمنيك بما تحب ويعطيك الآن ستة آلاف قرش وترجع عنه، قال فقلت اتق الله ما لهذا جئنا، إنما جئنا لإظهار العدل وتقويم الأمر،
قال نحن لا نريد ملكا، فإما أن تأخذ هذا الوجه وإما أن أفرق هذه الدراهم في الجيش وأخذلهم بها. قال وقد علمت أنه إن لم أقبل سيفعل ما قال، فقلت له إن لم يكن لك بد عن هذا فخذ لنا منه خمسين ألفا، قال يكفيكم هذا.
قال شيخنا فلن نقدر عليه إلا بما يريد، وعلمت أنه سيفسد عليّ القوم، فطاوعته وخرجنا من مطرح، ثم قاموا على السلطان مرة أخرى وكتبوا لإبراهيم بن قيس أن يلاقيهم فلاقاهم بمن معه، وجاءوا على الرواية وحاصروها، ثم تخاون القوم ورجعوا من غير شيء. ثم قاموا على السلطان قياما ثالثا وفيهم أخو السلطان عبد العزيز بن سعيد، فساروا حتى أقلوا<ح>(1) السلالم على سيران مسكد، فقصرت السلالم فسقط بعضها على الأرض وجنود السلطان تضربهم من أعلا السيران، فرجعوا عنها من غير شيء.
وسبب خروج عبد العزيز عندهم على أخيه ما وقع بينه وبين أخيه من الضغن على الدولة. وذلك أن عبد العزيز كان بالهند وأرسل إليه أخوه السلطان وضمه إلى نفسه واستعان به على أمره، واستخلصه على مملكته حين خرج لحرب النزار من ازكي، وكان السلطان قد قدم بعض رؤساء الهناوية، فاحتالوا عليه حتى خرج من مسكد وسار إلى جؤاذر وملكوا أخاه عبد العزيز بن سعيد طمعا فيما عنده فلم يجدوا عنده ما تأملوا، فكاتبوا السلطان تركي أن يأتيهم إليهم بمسكد وعملوا الحيلة لعبد العزيز، فأخرجوه من مسكد إلى سمائل وعقب السلطان لمسكد، وخرج عبد العزيز من سمائل إلى الشرقية، وأقام بسمد الشان زمانا وخرج على أخيه<ح>
(1) في الأصل قلوا، فإن لم تكن هذه لغة عمانية فصوابه أقلوا، أي رفعوا كما صححناه والله أعلم.

فلم يتفق له مطلوبه. ثم سار إلى الهند في أيام فيصل بن تركي وأقام بها زمانا ومات فيها. ثم أن السلطان بعد رجوعه من جؤاذر قبض على الرؤساء الذين احتالوا عليه وفيهم حمود بن سعيد الحجافي فقيدهم، وسكنهم فما فكهم منه إلا شفاعة شيخنا، وكان له عنده كلمة.
ثم خرج إبراهيم بن قيس ملك الرستاق فأخذ المصنعة مرة أخرى وجعل عليها عاملا، ورجع من هنالك وأحاط بالعوابي. ثم جاء السلطان بجنوده إلى المصنعة، فجاء إبراهيم إلى آل سعد يطلب نصرتهم، وأقام بالملدة يعدونه فلم يفوا له حتى خلصت المصنعة للسلطان ورجع جيش إبراهيم عن العوابي خاليا، ورجع إبراهيم إلى الرستاق، ثم جاء أهل سرور يستنصرون على جيرانهم بني جابر، وطلبوا من شيخنا أن ينصرهم، وأقام رئيسهم عند عبد العزيز بن سعيد بسمد الشان يطلب منه النصرة، فاتفقوا على نصرته، فساروا جميعا حتى مكنوهم في أماكنهم وأذلوا خصمهم. وكان السلطان قد مال بعصبيته إلى بني جابر، فأخرج إليهم بعد ذلك بعض أولاده، فسار شيخنا وأقام بوادي الراك من الجرداء، فرجع جيش السلطان ولم يكن بينهما قتال، ثم خالف السلطان بنوا بطاش، فبقوا كذلك مدة ثم تمكن السلطان من رئيسهم فقتله وجمع لهم جندا فسار إليهم يقدمهم ولده فيصل، فدخلوا بلدانهم وتمكنوا منها.
ثم خرج إبراهيم بن قيس وأخذ حصن السويق من الباطنة، فجاءه مركب للنصارى من قبل السلطان، فخاطبه بالخروج فخرج قبل أن يضرب، ثم رجع من هنالك إلى الرستاق، وأقام بها زمانا، ثم خرج فأحاط بالعوابي وحاصرها بضعة عشر يوما وضرب حصنها بمدفع فخلصت له، وكان ذلك آخر عمر السلطان تركي.
وفي سنة إحدى وثلاثمائة وألف مات الشيخ محمد بن سليم الغاربي رحمة الله عليه وكان موته بالخبة من الباطنة وفيها قبره، وفي هذه السنة أيضا مات بالشرقية الشيخ سعيد بن علي الصقري، وكان رجلا فاضلا يؤوي الأخيار ويحب العلماء وبينه وبين علماء المغرب مكاتبة<ح>(1) وله عندهم خصوصية. وفي آخر سنة خمس وثلاثمائة وألف مات السلطان تركي بن سعيد واستوى من بعده ولده فيصل بن تركي على الكرسي. <ح>
(1) رأيت له مكاتبات مع شيخنا قطب الأئمة وكان يرسل إليه بعض تآليفه ليبرزها إلى عالم المطبوعات منها كتبه الثلاثة في البلاغة كتب على كل منها بخط القطب: يرسل إلى الشيخ سعيد الصقري ليطبعه ثم يرده.
وقد رأيت مثل هذا على كثير من تآليفه الأولى ويظهر أنه كان عازما على طبع كثير من تآليف شيخنا ولم تسعفه المقادير فعجلته بالموت رحمهما الله وله ثواب نيته فنية المؤمن خير من عمله والحمد لله.


باب دولة السلطان فيصل بن تركي
ابن سعيد بن سلطان بن الإمام
ولي السلطنة في اليوم الذي مات فيه أبوه، وكان هو أوسط إخوته، وكان أحسنهم سياسة وحزما، فاستوى على الكرسي وأرسل رسله إلى شيخنا يذكر له وفاة والده ويطلب منه المهادنة والصلح، فعقدوا الصلح بينهما ثم أخذ في جمع الجيوش وخرج بها إلى الرستاق في أول سنة ست وثلاثمائة وألف، وعسكر ببركا وأتاه بعض الرؤساء بكلمة في الرجوع عن الرستاق وترد إليهم العوابي لأنها أخذت منهم قريبا فظنوا أن الخروج لأجلها فلم يقبل ذلك، ومضى بنفسه في الجيش حتى دخل الرستاق وعسكر في برج المزارعة وسحبت المدافع وقربت من الحصن وضرب بها الحصن وفيها يومئذ إبراهيم بن قيس وأولاد أخيه الإمام عزان. وكان ممن اشتهر يومئذ بالدفاع سعود ابن الإمام، فإنه كان أكثر ملوكها دفاعا وبقي الحرب كذلك زمانا، ثم تخاونت جنود السلطان وجاء أهل الباطنة لنصر إبراهيم بجيش عظيم وتبين للسلطان الخيانة في قومه فرجع عنها بدون شيء وبقيت العوابي في يد إبراهيم ورجع السلطان إلى مسكد.
وفي أول سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف دخل شيخنا وادي دما، وكان بها بنو شهيم قوم أظهروا البغي وطلب منهم شيخنا الحق فأبوا وسار إليهم بالجنود ودخلها بعد أن ظنوا أنها مانعة لا يقدر عليها. ودما هذه غير دما المشهورة في الكتب فإن المشهورة في السيب، وليست بمانعة لأنها أرض من الباطنة، وهذه واد قد اكتنفته
الجبال الشامخة، ثم وقع بين السلطان وبين شيخنا بعض أشياء في النفوس وكتب إليه شيخنا كتابا ذكر له فيه أنه لا يملك إلا نفسه يعني أنه لا يعطيه ذمة إلا عن نفسه، فقيل إن السلطان استنكر الكتاب وقال له قائل: إن هذا الكتاب يشعر برد البرى فأعرض السلطان عن الكتاب وجعله كلا شيء ولعله إنما فعل ذلك رغبة في استبقاء الصحبة.
ثم خرج عبدالله بن صالح بن علي الحارثي، وسار إلى نزوى في جماعة عديدة لأمر مهم هنالك، ثم رجع من نزوى على طريق ازكي ثم على وادي بني رواحة ثم على سمائل ثم دخل مسكد فقابلهم السلطان بالإكرام، فلما كان بعض الليالي هجموا على بيت السلطان وعلى سائر المقابض فتمكنوا منها وخرج السلطان إلى الكوت، ثم جاء شيخنا بالجيوش ومعه سعود ابن الإمام حتى نزلوا بسويح الحرمل وكتب للسلطان كتابا كشف له فيه القناع أنه حرب له، فقام الحرب في مسكد ونصرت الغافرية السلطان والهناوية الشيخ، وكذلك الرحبيون نصروا الشيخ، وقام الحرب نيفا وعشرين يوما، ثم دخل الناس بالصلح بينهم ودفع السلطان إلى الشيخ اثني عشر ألف قرش وتوثقوا على أشياء لم يف السلطان بشيء منها، وكانت هذه الدخلة في شعبان من هذه السنة، ثم رجع الشيخ إلى وطنه القابل من الشرقية وأقام بها.
وفي اليوم السابع من ذي الحجة وقت الضحى من سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف مات عبدالله ابن شيخنا صالح بن علي، وسبب وفاته مرض أصابه بين أهله بعد رجوعهم من واقعة حرب مسقط الأخير بمدة تزيد على الشهرين قليلا، وقد كان في وقته منفردا بالسياسة في الحروب
والتدبير في الدول والبسالة في الأمور والشجاعة في الإقدام، وكان على وفق مراد والده المذكور، وقد سارت بسمعته الركبان واشتهر بهذا الوصف في جميع البلدان مع صغر سنه فإنه توفي وهو ولد عشرين سنة أو فوقها بقليل، وفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف في يوم الأربعاء وقت العصر لست مضين من ربيع الآخر توفي شيخنا الصالح صالح بن علي بن ناصر بن عيسى بن صالح الحارثي، وسبب وفاته أنه خرج مجاهدا في جيش، فحمل على بلد الجيلة – وكانت من أعوان الجبابرة – في ضحى ذلك اليوم فأصابته رصاصة في فخذه فبقي جريحا حتى توفي شهيدا في وقت العصر، ولم يمت *ر* حتى أقر الله عنه بنيل مطلوبه في أهل الجيلة، فإن أولاده الكرام حملوا بمن معهم من الأقوام على أولئك الظلمة، فاستفتحوا دارهم ومحوا آثارهم، فبقي القوم بين طريد وأسير وقتيل. ثم أمر به ابنه عيسى فحمل إلى علاية سمائل فدفن فيها، غفر الله له ورحمه ورضي عنه وبرد مضجعه آمين.
وقد كان *ر* أعلم أهل زمانه في الحلال والحرام وأشدهم حرصا على قوام الإسلام وأكثرهم خصالا في صفات الكرام، وكان أحد الثلاثة الذين دارت عليهم مملكة إمام المسلمين عزان بن قيس رضي الله تعالى عنه.
وأما قريناه الآخران فهما شيخنا سعيد بن خلفان بن أحمد بن صال الخليلي الخروصي وشيخنا محمد بن سليم الغاربي ثم استشهد ذلك الإمام ووزيره شيخنا الخليلي وبقي هذا الشيخ من بعدهما محاربا للجبابرة ومسارعا إلى أعمال الآخرة، وله في ذلك وقائع مشهورة وأحاديث مذكورة.
وقد استشهد رضي الله وعمره يناهز الستين سنة، وتأمر بعده ولده عيسى ابن صالح، ورجع من
الجيلة إلى وطنه، فلما وصل وطنه بلغه أن السلطان جمع الجيوش لحرب بني رواحة، وكان بنو رواحة من أنصار الشيخ، وكان السلطان قد طمع بموت الشيخ أن يصيب من أنصاره غرة فجمع الجموع وأرسل إليه عيسى يكاتبه بالتأخير عن الحرب ويمنيه بالوجوه الجميلة فلا يرى في أجوبته إلا الخشونة فجمع السلطان جنوده وسار إلى وادي سمائل ونزل بسيجا، وكان بنو جابر من أعوانه وأنصاره، وركب الأمير عيسى بمن خف معه حتى نزلوا العلاية من سمائل وفيها أولاد الشيخ الخليلي.
وكان أحمد بن سعيد ولد الشيخ الخليلي عالما فاضلا، وكان قد رأى في منامه قوله تعالى سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ، فاستبشر الشيخ وبشر إخوانه، فلما جاوز السلطان إلى سيجا وكانوا يظنون أنه يقصد العلاية، أراد الأمير عيسى أن يركب إلى الوادي الغربي ليحميه خوفا عليه من السلطان، فقال رؤساء العلاية أن هذه مكيدة من السلطان، وأنه لم يقصد الوادي، وإنما قصد العلاية، فعمل الأمير ومن معه حيلة، فأرسلوا من يصيح بالقوم فركبوا في هيئة من يثبت الصائح حتى دخلوا الوادي الغربي ونزلوا فيه وأخذوا مقاعدهم للقتال، وكان السلطان قد أرسل إلى رؤساء بني رواحة أن يواجهوا، فواجهوا على يد شيوخ بني غافر ومنهم – وهو كبيرهم – ناصر بن حميد صاحب بهلى، فلما وصلوا أمر بهم السلطان فقيدوا، فكلمه الشيوخ فيهم فأبى أن يطلقهم، ورأى أنه لا خفر لهم عليه لأنه سلطانهم، فدخل ذلك في نفس الشيوخ لأنهم يرونه نقصا في منزلتهم وتضييعا لذمتهم، وكان ذلك سببا لخذلان السلطان، فمشى بعض الشيوخ إلى بعض واتفقوا أن لا يجتهدوا في حربه، فأمر بالمسير إلى الوادي وخرج هو في أولهم فخرج الجيش
أجمع، فلما قربوا من الوادي انحاز الشيوخ الذين اتفقوا على خذلان السلطان على جانب في موضع يسترهم عن الضرب جبل، واندفع باقي جنود السلطان إلى الوادي وأكثرهم بذلا فيهم بنو جابر فوقع الضرب من الجانبين وكانت الصمع يومئذ قليلة لا يوجد منها عند الأمير وأصحابه في ذلك الوقت إلا قدر ثلاثين تفقا وهي التي هزت القوم. وأما جند السلطان فكان عندهم من الصمع شيء كثير قيل أن عددها في دفتر السلطان كان أربعة وعشرين مائة تفق<ح>(1).
وأما عدد الرجال من جنود السلطان فقد كانوا آلافا كثيرة فوقع الضرب من الفريقين وضرب مدفع السلطان، ثم وقعت على المدفع خلة قيل إنها انكسرت رجله ثم انكشفت جنود السلطان بعد أن كادوا يشارفون الوادي فأصيب منهم قتلى تزيد على أربعين رجلا فيما قيل فرجعوا على أعقابهم وكان السلطان بنفسه يحرضهم على فرس قدامهم، فلما انهزموا رجع السلطان إلى حصن سمائل ثم منها إلى مسكد، ولم يقتل من أصحاب الأمير أحد إلا رجل كبير السن من بني رواحة كان في زرع هنالك فجاءته رصاصة سائبة فقتلته، فرجع الأمير بمن معه بالنصر والسلامة وفي شوال وقت المغرب ليلة أربعة وعشرين من هذه السنة وهي سنة أربعة عشر وثلاثمائة وألف توفي سعيد بن حمد بن عامر بن خلفان الراشدي ببندر مطرح وكان قاصدا لحج بيت الله الحرام بالأجرة عن غيره فأصابه فيها ألم الجدري فمات منه، ودفن في ذلك البندر بالموضع المعروف بالعريانة، غفر الله له ورضي<ح>
(1) لعله أراد ألفين وأربعمائة أو سقط الواو للناسخ والأصل أربعة وعشرين ومائة فليتأمل.

عنه، وكان من أهل سناو فانتقل منها إلى الفتح من بلدان الشرقية، وكان مسارعا إلى الخيرات معروفا بالسكينة والوقار تاركا لحظوظ النفس ومتصفا بالكمالات الإنسانية، مجدا في تحصيل العلم النافع وفي الاستفادة والإفادة فيه، ومهر في العلم مع صغر سنه فإنه توفي وعمره نيف وعشرين سنة على التحري، ومات بعد أن شرع في التصنيف فإنه قد صنف منظومتين فائقتين في فنهما: إحداهما في الرد على من يدّعي قدم القرآن نونية سماها فيض المنان، والثانية لامية في الدفاع والجهاد سماها علم الرشاد.
وفي سنة خمسة عشر وثلاثمائة وألف في اليوم التاسع عشر من شعبان توفي أبو عبدالله حمد بن سيف بن سعيد بن راشد البوسعيدي *ر*، وسبب موته رحمة الله عليه أنه خرج حاجا من عمان عن غيره، وكان قد حج عن نفسه فتوجه أولا (إلى) أرض السواحل، ومر على ساحل الهند، فأصابه ألم الجدري بالبندر المعروف (بمبي) وهو يومئذ في يد النصارى أخزاهم الله تعالى وأذلهم، وقد كان عالما فاضلا نبيها فطنا نزيها اتفق كل من يعرف حاله على تفضيله على سائر فضلاء مصره في دهره، وكان سنه يوم توفى نيفا وأربعين سنة، بل كان إلى الخمسين أقرب، وفي سنة ستة عشر وثلاثمائة وألف في اليوم الرابع من المحرم عند غروب الشمس توفي والدي حميد بن سلوم السالمي في بندر جدة من ألم الجدري.
وفي يوم أحد عشر من هذا الشهر المذكور توفي إبراهيم بن قيس أخو الإمام بالرستاق وكان ملكها، وملكها من بعده سعود بن الإمام عزان بن قيس وكان إبراهيم قد خلف ولدين أحدهما صغير جدا يقال له أحمد بن إبراهيم والثاني رجل شاب يقال له سعيد بن إبراهيم، وكان إبراهيم قد جعل عسكر
قلعة الرستاق من بني هشام ورئيسهم ناصر بن محمد المخطوم، فاتفقوا هم ومن حضر من رؤساء الهناوية على تقديم سعود، فلما دخل سعود الحصن هرب سعيد على فرس ومعه رجلان أو ثلاثة أهل خيل حتى جاءوا الحزم، وكانت رؤساء الهناوية قد جعلوا في الحزم نائبا من أهل الباطنة يقال له حمدان ليمنع الحصن من سعيد، فلما جاء سعيد صادف حمدان على باب الحصن فأمسكه، وقال لا بد من فتح الحصن أو أقتلك فناداهم أن افتحوا له ففتحوا له فدخل، فلما دخل سعيد الحصن ظهرت حجته على من فيه فأخرجهم منه وبقي هو وأعوانه.
وكان سعود بن عزان ثقة تقيا فاضلا مرضيا، كان شيخنا يفضله على أبيه الإمام قبل عقد الإمامة، وكان قد هم بعقد الإمامة عليه بالقابل من الشرقية، وكتب للقبائل أن يحضروا البيعة، فجاءت القبائل بعضهم قد وصل وبعضهم في الطريق فكان من الأمر المقدر أن حصلت موانع عن تمام ذلك العزم، ولا حاجة إلى ذكر ما منع.
فلما تولى سعود الرستاق كتب إلى أفاضل المسلمين ورئيسهم عيسى بن صالح فحضروا معه الرستاق، وفيهم أيضا ابن عم الإمام فيصل بن حمود، ووصل شيخنا ماجد بن خميس العبري، وقال سعود بن عزان قد كنتم تحاولون معقلا للمسلمين تقيمون فيه العدل، وقد مكنني الله من هذا المعقل فقبضته لكم حتى تصلوا، فإما أن تكونوا شركائي في الأمر وإما أن أخرج إلى بيتي، فقال له المسلمون: كن مكانك ونحن إن شاء الله تعالى من ورائك ومن أعوانك، وهذه ثقات الرستاق يعينوك على مهماتك الحاضرة وتكلموا فيما بينهم أن ينصبوه إماما على المسلمين وعلى ذلك صمم عزمهم، وكانت الناس من الأطراف ينتظرون تقديمه إماما
لعلمهم بأهليته، وكتب بعض الأفاضل من بعض الأطراف في ذلك قصيدة ميمية أحفظ منها قوله:
فإن شاء الإله فمن قريب *ش* يقال له الإمام ابن الإمام
فلم يقدر الله ذلك، ولا يكون إلا ما يريد الله، وكما تكونوا يولي عليكم، فانفشل الأمر وضعف العزم ورجع كل إلى بلده، ومات حمود بن سعيد الحجافي بالرستاق في هذه المرة، وبقي سعود بن عزان أميرا عادلا على الرستاق وما يتعلق بها والعوابي، وسار فيما ملك سيرة حسنة، وولى أمره العلماء والثقات، وجعل نفسه كواحد منهم.
وفي شوال من هذه السنة قصد الأمير عيسى بن صالح وبعض أصحابه الحج على طريق البر، فمر على سعود بن عزان بالرستاق، ثم على زايد بن خليفة في بوظبي، ثم إلى قطر، ثم إلى الإحساء ثم إلى نجد ثم إلى المدينة ثم إلى مكة، وكان بنو هشام وهم عسكر قلعة الرستاق قد شق عليهم ما رأوه من عدل سعود وحسن سيرته، وشق على رؤساء النفاق من أهل الرستاق وغيرهم ذلك فخافوا أن يكبر أمره وقد رأوه يكبر، فعملوا المكيدة فيه واحتالوا عليه بواسطة أخيه حمود بن عزان فأدخلوا حمودا الحصن خفية ليلة ثماني وعشرين من شوال من سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف، فلما طلع الفجر خرج سعود بن عزان للصلاة بالجماعة الذين لازموه في غرفة الصلاة، فصلى بهم ركعة من فريضة الفجر، فلما قام إلى الثانية نقعت فيه من ورائه التفاق فقتلته من حينه، وضربت رجلا من ورائه من حبوس الروضة كان معه يسمى محمد بن مطر، وهو خال حمود بن عزان، والضاربون فيهم بعض رؤساء بني هشام، ومكنوا حمود بن عزان وهو أخو سعود من الحصن. ودفن سعود
تحت الحصن من الجانب الغربي، فقيل إنهم كانوا يرون الأنوار عليه ساطعة، وبقي حمود في يد بني هشام آلة ووسيلة لهم على ظلم أهل الرستاق.
وأما العوابي فإن واليها بعد قتل سعود سلبها إلى سعيد بن إبراهيم، ثم أساء سعيد في أهلها السيرة فتعصبوا بالعبريين فأحاطوا بها وأخرجوا عسكر سعيد، وتمكن منها السلطان فيصل فصارت له إلى اليوم، وفسدت أمور الرستاق وسلط الله عليهم الآفات من جدري وطاعون، وسلط عليهم الظلمة يسومونهم سوء العذاب، قامت قائمة من أكابر آل سعد أهل الباطنة وأرادوا أن يحتالوا على حصن الرستاق ليدخلوه ويمسكوه عن بني هشام، ففطنوا لهم فوقع بينهم ضرب وقتل في الفريقين، وقتل ناصر بن محمد رئيس بني هشام، وذلك كله داخل الحصن وترأس بعده أخوه حارث بن محمد، وبقيت الرستاق لحمود بن عزان اسما ولحارث ابن محمد معنى، وفسدت أمورها واختصمت رعيتها، واحترب أهل الغشب وتعصبوا بالقبائل الخارجية ووقعت بينهم الحرب، فلما رأى حمود بن عزان وحارث بن محمد فساد الأمور عليهم واختلاف الرعايا كتبوا للأمير عيسى أن يصلهم، وكان الأمير قد تأخر عنها لأنه لا يعرف لها قابضا أمينا، فمن قدر الله تعالى أن أظهر سعيد بن إبراهيم المتاب، وكتب بعض ثقات الرستاق بتوبته وكان ذلك منه مخادعة للمسلمين يطلب بها الرستاق فيما ظهر من أمره بعد ذلك.
إذا سبحت قيطون همت بسرقة *ش* فحذرك من قيطون حين تسبح
فركب الأمير ومن معه من الشرقية، وكان السلطان قد نشب أظافيره بالرستاق طمعا فيها، حتى قيل إنه كان بنو هشام يعدونه بها،
فأرسل ولده تيمور وخادمه سيف دولته سليمان بن سويلم في مركب فأنزلهم بالسيب ثم ارتفعوا إلى الخوض وأرسلوا قوما من بني جابر فقطعوا عقبة القرط على طريق الأمير، وكان طريقا ضيقا، فجاء الأمير على سرور، ثم منها إلى فنجا بعد مناقعة حصلت بين بعض القوم وبين أهل العمقات من السيابيين بعد طلوع الشمس بنحو ساعة، ثم قالوا بفنجا ثم راحوا منها وانحدروا في وادي فنجا فوافقوا بعض سبور قوم السلطان هنالك فأمسكوه معهم، فقبل غروب الشمس بقليل وصلوا قرب عقبة القرط، فرآهم الرصد فنقعوا فيهم، فعقل القوم ركابهم وركضوا على من بالعقبة فانهزموا وولوا الأدبار، ولا ندري ما الذي وقع فيهم.
وأما قوم الأمير فلم يصب أحدا منهم بأس، لا في أول النهار ولا في آخره. ثم ساروا حتى عرسوا بفليج السيد، ثم نشروا حتى قالوا بوادي المعاول في بلد حبرى، ثم راحوا حتى باتوا بين العوابي والرستاق، ثم صبحوا الرستاق فتلقاهم حمود بن عزان بأهل الخيل في علاية الرستاق للتجليل والإكرام ثم ساروا معه حتى أنزلهم مسجد البياضة، وهنالك واجه أمراء العسكر من بني هشام فذكر لهم ما كتبوه له ووعدوه به، وهو أن تكون الدار داره والحصن حصنه، فلم يجد منهم وفاء، وأقام ثلاثا يراجعهم في الوفاء بما وعدوا فامتنعوا، فخرج غاضبا وهو يعزم على أن يأتوا بسعيد بن إبراهيم من الحزم ويقاوموا الحصن بحرب.
وكان حمود بن عزان قد ملّ الإقامة بين بني هشام لكونهم قد استطالوا عليه وحكموا المقابض دونه، فأرسل إلى الأمير أن ينتظره أو يصل إليه بصباح الشرجة فأرسل إليه الأمير أني انتظرك بمسجد قصرى فوصل حمود بن عزان مسجد قصرى وأظهر التسليم
والإذعان، وقال لا أحب أن أكون هنا بين بني رواحة إلا أن تزيلوهم عني، فمكث عندهم، وأرسلوا إلى سعيد بن إبراهيم وجاءوا به، وبقي حارث بن محمد يماكرهم، ويعدهم ويمنيهم، وكان السلطان قد نزل بالمصنعة وأرسل ولده تيمور بجيش، وأقام في جما، وأرسل خادمه وعامله سليمان بن سويلم بجيش وأقام بالعوابي، وكان ولده نادر بن فيصل ببركا ومعه قوم والسلطان في مركبه بإزاء المصنعة، وتارة يشرق به وتارة يغرب، والكل يحاولون الرستاق، وحارث يماكر الجميع، وأقاموا على ذلك شهرا.
ثم إن حارث بن محمد وهو أمير الحصن أرسل إلى الأمير عيسى وإلى سعيد بن إبراهيم أن يدخلوا عليه الحصن للمشورة والنظر على شرط أن لا يزيد من دخل على سبعة أنفس، فشاور الأمير من حضره يقول: يسعني أن أدخل معه، فأجيب أن الدخول ليس بتمليك، ولو كان سعيد جائرا جاز لك الدخول معه على هذا الحال، فإنه دخول للمشورة فقط، فدخلوا وبقوا في المشورة وحارث يشرط الشروط على سعيد: أنك تكون أنت الملك على شروط ذكرها، فلم يتفقوا تلك الليلة، ثم أصبحوا فلم يتفقوا إلا بعد الظهيرة أو بعد الظهر، وذلك أن حارثا يشترط على سعيد أن لا يبرز في الحصن ولا يدخله إلا بأربعة أعبد وعسكر الحصن كله من جماعة حارث، وكانوا يريدون غير هذه الشروط، فأبى حارث إلا التمسك بها، ولا قدرة لهم على زواله بالقهر، فلما رأوا ذلك أعطوه ما طلب، وضربت المدافع إعلاما بأن الملك سعيد بن إبراهيم، وأطلق حارث الباب فارتفع الأمير ووجوه قومه في الحصن، وأقاموا في الغرف، وحارث مع ذلك يماكر السلطان ويعده ويمنيه، والسلطان مقيم على ما تقدم.
ثم انكشفت لهم أحوال حارث، واطلعوا على بعض مكاتبته
للسلطان وكان يعد السلطان بإدخاله في حصن الرستاق، وكان حصن المزاحيط في يد السلطان أعطاه إياه حمود بن عزان وقت مخالفته هو وابن عمه سعيد بن إبراهيم، وبقي في يده إلى اليوم، ولم يكن للسلطان منه فائدة لكن له بقبضة غوائل، فوصل ولده تيمور يوما ببعض قومه إلى حصن المزاحيط، ثم رجع إلى جما.
ثم إن الأمير ووجوه قومه قد صمم عزمهم على إخراج حارث ومن معه حين رأوا أنه مخادع فعملوا لذلك حيلة وأظهروا أن الأمير يقيم بالرستاق عند سعيد ابن إبراهيم ويرخص قومه يرجعون إلى الشرقية فقالوا لوجوه القوم من شاء منكم الرخصة فليجيء بكرة عندنا، وكان مقامهم بالحصن وكان مقام البدو خارجا، فلما تعالموا بالرخصة جاءوا وقت الضحى واجتمعوا كلهم بالحصن، وحارث لم يفطن للمكيدة وكان من مخادعته أن أظهر أنه تائب يتعاطى النسك.
وكان سالم بن عمير من وجوه القوم، وكان حارث قد اتخذه صاحبا لا يفارقه مكرا وخداعا وأراد سالم بن عمير أن يكتب وصية عند القاضي راشد بن سيف اللمكي فخرج في ذلك الوقت إلى القاضي بقصرى ليكتب له، وصحبه حارث والناس يجتمعون بالحصن لأخذ الرخصة في الظاهر.
وكان الأمير ومن معه قد أخرجوا دفتر القوم الذي فيه كتابة نفقاتهم، وأخرجوا كيس القروش وكل من رأى ذلك من البدو قعد، ولم يفارقهم كيلا يكون الإنفاق وهو غائب. ثم أبطأ عليهم حارث، فقال قائل: أرسلوا إليه يذهب من هناك، فأبى الأمير إلا أن يأخذه بحجة وبيان، ثم خرج إليه الأمير بنفسه ولا أقول منفردا بل يحتمل أن يكون معه رجلان، وكان قبل ذلك قد أرسل إليه فلم يحضر، فلما سار إليه تلاقوا بالطريق، فقال حارث – أو سالم –
ما هناك؟ قال سعيد بن إبراهيم أبي أن نرخص القوم وجماعة حارث في الحصن وقال أنه يخشى على نفسه منكم ويخاف أن تصنعوا به مثل ما صنعتم بسعود، فلما دخلوا الحصن ورأى حارث القوم مجتمعين فيه أيقن بالذل واستشعر العجز وعلم أنه لا محالة خارج من الحصن، وقال له الأمير ومن معه قد أعطيناك جوابا<ح>(1) أن تكون في الحصن واليا ونحن نفي لك بذلك ولكن رخص جماعتك وابق عندك اثني عشر رجلا حتى يأمن سعيد بن إبراهيم من غوائلكم، وقال حارث لا أقيم إلا بجماعتي ولا لي مقام بعدهم، فقالوا له إذن يكون ذلك برأيك فلا تقل أخرجناك، فحمل جميع ما في الحصن مما قدر على حمله وأعطوه عن الأثقال دراهم بقدر قيمتها وزيادة وأتوه بالركاب وخرج بين المغرب والعشاء وأرسوا معه الخفراء وصحبوه إلى العوابي، وفيها سليمان بن سويلم خادم السلطان وواليه فلما رأى السلطان ذلك أيس من الرستاق ورخص باقي الجنود ورجع إلى مسكد، وكان هذا آخر رجب من سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف.
وكان ركوب الأمير بمن معه من الشرقية إلى الرستاق في أواخر جمادى الأخرى من السنة المذكورة فمدة المرابطة قدر شهر.
ثم بقي سعيد بن إبراهيم في حصن الرستاق والحزم، وكانوا يظنون فيه بعض الخير وكانوا يرون أنهم لم يدخلوه في حصن الرستاق وإنما أدخله حارث لكنهم أخرجوا حارثا عنه وبقي هو وهم في الحصن، وكانوا قادرين على إخراجه أيضا غير أنهم لم يجدوا الأصلح في الحال ولم يتهيأ لهم ذلك الحين إلا السكوت عن التقديم والتأخير، وكانوا يظنون منه<ح>
(1) كذا في الأصل ولعله أراد جواب طلب الحارث وإلا فهذه اللغة عامية وقد استعملها المصنف كثيرا رعاية للسواد من العامة على ما يظهر أو احتفاظا بالأصل المأخوذ منه وكان الصواب فأعطيناك كتابا أو عهدا فليتأمل.

غير ما وقع، وكان قد أظهر لهم الجميل وأعطاهم العهود، فرخص الأمير جنوده وبقي هو ومعه خادم يخدمه عند سعيد في حصن الرستاق ليكون مطلعا على أحواله مقوما لاعوجاجه وبقي سعيد يداريه ما دام عنده.
ثم آنس الأمير منه الانحراف عما كان عاهدهم عليه وكتب إلى بعض وجوه قومه يخبرهم عن الحال الواقعة من سعيد، فسار إليه منهم جماعة ورجعوا جميعا إلى الشرقية وبقي سعيد بن إبراهيم هنالك، وأظهر بعد خروج الأمير عنه ما كان يستره من خبث السريرة وسوء السيرة وظلم الرعية، وأفسد في الأرض ولم تزل اليعاربة تحاول حصن الحزم حتى وجدوا له فرصة في أيام سعيد خادعوا خادما من الخدام قابضا على الحصن فجاء بهم وأخفاهم في خيمة قرب الحصن حتى أصبح الصبح وكان في وقت الضحى يجد لذلك فرصة وكان قد أخرهم لأجلها، فلما كان ذلك الوقت أشار إليهم بدخول الحصن فجاءوا إلى الباب فوجدوه مفتوحا فدخلوا في البرج وكان في البرج رجل من بني ريام يقال له خصيف ومعه ابنه، فلما رآهم ظهروا من الدرجة ضربهم وقتل منهم، فرأوا أن يحاصروه لظنهم أنه لا مغيث له ولا شك فهو نازل وبقي يمانعهم، وكان سعيد بن إبراهيم في الباطنة وسارت إليه الرسل فركب في الحال وجاء أهل الرستاق وأحاط سعيد ومن معه بالحصن، وأرسل لهم خصيف حبلا من دريشة البرج فصعدوا فيه فلم تشعر اليعاربة إلا والقوم قد ملأوا الحصن فأيقنوا بالغلبة وخرجوا على يد ناصر بن راشد كبير بني غافر بعد أخذ سلبهم وقتل من قتل منهم قبل الأمان فبقي سعيد على سوء سيرته في الرعية حتى أخذه الله بغتة في مأمنه.
وذلك أنه في يوم أربعة وعشرين من ربيع الأول سنة 1330 دخل أولاد فيصل بن حمود
بن عزان وهما محمد وإبراهيم مع سعيد بن إبراهيم في الحصن بإذن منه لهم ومرادهم في ظاهر الأمر ينظرون ولده، وكان ابن أختهم وكان طفلا صغيرا ودخل معهما رجل من أصحابهما يقال له سيف بن حمد القمشوعي، وقد باطنوا أربعة من خدامه واحدهم مملوك سعيد، فلكا تمكنوا فوق الحصن ضربوا سعيدا ثلاث ضربات تفق وثلاث ضربات خنجر فوقع صريعا ميتا بالحال وأرادوا قبض أخيه أحمد بن إبراهيم. وكان في حد الاحتلام فهرب عنهم بالحال وتوجه إلى الحزم، ثم التفتوا إلى باقي الخدام فقتلوا منهم أربعة وركض إلى القلعة اثنان من الخدام الذين مع أولاد فيصل والقمشوعي وخادم قبضوا برج الحديث الذي أعلا من الصباح وواحد من الخدام في برج الريح وهو مملوك سعيد واسمه مسعود وبقي النقع بينهم وباقي خدام سعيد في الصباحات ومع الخدم بنو غافر، ومن أراد من أهل البلاد يسير معهم منعه الخدام وبنو غافر وبقي النقع بينهم من الضحى إلى صلاة الظهر، ثم أن خدام سعيد نادوا خادمة تفتح لهم الصباح الداخل الذي يدخل إلى السكنة من الجانب التحتي، فدخلوا على أولاد فيصل من هناك، فلم يشعروا إلا والضرب من تحتهم وورائهم، فضرب عليهم الخادم المسمى الفيل، فعند ذلك ركضوا إلى القلعة، أعني محمد وإبراهيم فضرب إبراهيم على باب القلعة، ثم ضرب الخادم المسمى سالم بن الحميدي على ستار القلعة، ثم ركض بنو غافر والخدام إلى برج الحديث، فضربوا الباب فأصابت سيف القمشوعي فمات، فاستجار الخادم المسمى درويش، ثم جاءوا إلى القلعة وبقي النقع بينهم ومحمد بن فيصل، فألجأوه إلى غالة منها بعدما ضرب منهم جملة بين قتيل وجريح، فاستجار بهم فلم يجيروه، وتعلق بمن
يرجو منه النفع منهم فلم يجبه أحد، فحرقوا عليه بالنار، فلما أحس بالهلاك ألقى نفسه من دريشة ضيقة إلى خارج الحصن، فضربوه قدر عشر ضربات تفق فمات، والخادم الذي في برج الريح أخذ شملة فدلاها إلى خارج الحصن، فهرب إلى بلد العوابي فقبضه عامل السلطان فيصل.
ثم رجع أحمد بن إبراهيم وهو أخو سعيد المقتول إلى الرستاق بوفوده من بني غافر وأهل الحوقين وغيرهم، فدخل الحصن وصار عدد القتلى ثمانية خدام والسادة ثلاثة: الجملة أحد عشر قتيلا وخمسة جرحى، منهم زهران بن شيخان الغافري، ثم مات من جراحاته وطرّشوا لآل سعد، ووصلت فرقة منهم لتركيد الأمور، وأرسلوا بذلك رسولا إلى الأمير بالشرقية فكتبوا له بهذا الواقع، وذكروا له أن القائم فيها الآن أحمد بن إبراهيم، وطلب منه بعضهم الوصول لتركيد الأمر، فلم ير للوصول معنى، فلما رأى من انقلاب حال سعيد بن إبراهيم بعدما تمكن، فأحمد بن إبراهيم هو الآن ملك الرستاق، فهذه أحوال الرستاق بعد إبراهيم بن قيس إلى الآن، ذكرتها لك متتابعة على طريق الاختصار لاستحضار الفائدة وجمعها في موضع واحد، وإن خالف أسلوب التاريخ.
وأما حارث فإنه لما خرج من الرستاق سار إلى الوادي الغربي من وادي بني رواحة وهو وطنه، فأقام بها حتى قتل، سلط الله عليه ثلاثة أنفس كانوا أعوانه فيما قبل على قتل سعود بن عزان فقتلوه غيلة في مأمنه، ثم قتل الثلاثة بعده قتلهم جماعة حارث. وهذه كلها عقوبات تتبعهم من خيانتهم في قتل الشهيد سعود ابن الإمام عزان رحمهما الله.
وكذلك سلط الله على من عاونه ولو بمشورة، فلم نعلم أن أحدا تشهر بمعونة في ذلك إلا وقد
سلط عليه فقتل، ومن بقي منهم ينتظر القتل، وكان شيخ المعاول ناصر بن محمد قد تشهر بذلك، فسلط الله عليه رجلا من جماعته فقتله في مأمنه نهارا، وما زال أهل الدنيا يتقاتلون على الدنيا، يقتل بعضهم بعضا.
تفانى الرجال على حبها *ش* وما يحصلون على طائل
وفي أول سنة تسعة عشر جرى فلج الظاهر بالشرقية بعلاية بدية على يد شيخنا الفاضل جمعة بن سعيد بن علي المغيري رحمه الله، فجاء نهرا مباركا، وتوفي هذا الشيخ ليلة رابع من ذي القعدة من سنة ثلاثة وعشرين، ووصلنا نعيه ببكة يوم رابع ذي الحجة، وكان قد مات في صلاة العشاء الآخر بمسجد الظاهر وهو يصلي بالناس وما كان به من بأس، فحين قام إلى الركعة الثالثة خر ميتا رحمة الله عليه.
وفي أول سنة تسعة عشر أيضا خرج من مسكد بالوز الإنجليز، ويقال له القنصل، ومعناه بالعربية الوالي<ح>(1) فجاء على طريق قريات، ومنها إلى صور، ومنها إلى وادي مسلق، وكان قد استأذن السلطان في ذلك، وكان قد هم أن يدخل الشرقية من رفصة المشارفة، وانتدب لمنعه شيخنا الأمير ورؤساء القبائل وتعاقدوا على منعه خوف غوائله، وكتبوا بذلك إلى رئيس المشارفة، وركب الأمير إلى بدية ثم إلى جعلان في معارفة الناس لدفع الشر المتوقع بمنعه.
وكتب البالوز إلى السلطان فيصل بالواقع فداخلته الحمية في رد هذا القنصل، إذ كان عن ابنه خرج، فركب بمن حضر معه البحر ونزل بصور، وكان قد حمل معه ما يحتاج إليه، فيقال إن متاعه من الدراهم غرقت به الماشورة عند التنزيل من المركب.
ثم أرسل السلطان إلى بعض رؤساء الصواويع، وهم من شيوخ بني بحسن فذمرهم عند البالوز وأرسل معه ولده تيمور،<ح>
(1) صوابه: نائب الدولة أو وكيل الدولة، أما الوالي فهو حاكم الولاية.


وكان يومئذ يقارب الاحتلام، فركب الأمير من القابل ومعه وجوه قومه، ونزلوا بالمنترب من بدية وركب معهم رئيس الحجريين هلال بن سعيد ومعه كثير من مطاوعتهم وبعض قومه، وساروا جميعا حتى نزلوا بالفليج من بلدان المشارفة، ثم ركبوا من هنالك قاصدين الرفصة لمنع البالوز وأعوانه، فإذا هم قد دخلوا الرفصة، فرجع الأمير ومن معه والبالوز ومن معه يسيرون وراءهم ولم يعاجلوهم سياسة منهم، خافوا الفرقة بين المسلمين ورجعوا متحرفين لقتال ومنتظرين للفرج حتى وصلوا موضعا يقال له أم الخم، وهو مرصد للقتال أحاطت به الجبال، والطريق بين الجبال في الوادي، فهنالك قبضوا عليهم الطريق، وكان الوقت حرا والشمس في كبد السماء، فوجهت إليهم التفاق وهموا بقتلهم إن لم يرجعوا إلى أعقابهم.
ثم رأى الأمير أن يكلم تيمور لعله أن يرجع من غير قتال، فأتى إليه وسط قومه والنصراني قد جلس في الأرض مادا رجليه متحيرا، فكلم الأمير تيمور في ذلك قبل إطلاق التفاق، فأجابه برفق ولين واتفقوا على أن ينزلوا جميعا بالفليج ويكتبوا بالواقع إلى السلطان، وكان بصور، فنزلوا بالفليج وقد أمنوا بعضهم بعضا، وقد كان في أول الأمر إنما وصل عند الأمير وجوه القوم، وحين نزلوا بالفليج وصارت تأتيهم الرجال متوالية، وصار السلطان ينفق على الفريقين، ولما آيس البالوز من وصول الشرقية طلب أن يرى معدن الضحام، ويسمى الفحم وهو جبل فيه حجر يحمل لوقيد النار في المراكب وغيرها، وأكثر علم المراكب عليه، فاقتضى رأيهم أن يسمحوا له برؤيته، ولم يرفض بعض الناس بذلك فقطعوا له في طريق المعدن، وكان معه تيمور بن فيصل وبعض الناس من أصحاب الأمير فأطلق القاطعون فيهم التفاق، وأصابت ضربة منهم الحصان الذي تحت البالوز فقتله ووقع البالوز على بطنه في
الأرض، فصار يرفس برجليه كهيئة السابح في البحر، فوثب بعض من كان معه من أصحاب الأمير فكفوهم عن النقع، ثم ساروا حتى وصلوا جبل الضحام فأروه إياه على عجل وأزعجوه في الرجوع، فلم يتمكن من رؤيته كما أراد.
ثم رجعوا إلى منزلهم وأرسل البالوز إلى الأمير أن يأتيه أو يأذن له في إتيانه، فقال الأمير: لا أراه ولا يراني، ثم رجعوا إلى صور وواجهه رئيس الحجريين السلطان بصور ومعه بعض الناس من وجوه القوم وأعطاهم السلطان عطايا، وأرسل للأمير هدايا (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم بسوء) ورد الله كيد البالوز في نحره. نسأل الله أن يحفظ بلاد الإسلام.
وفي ذي القعدة من هذه السنة قتل شيخ بني علي، وهو حاكم ينقل من الظاهرة وهو هلال بن غصن، وكان فيما سمعنا رئيسا فاصلا، آمرا ناهيا، شديدا على أهل المناكر، كثير العبادة والتلاوة، واصطلحت في أيامه بلدانه واستراحت رعاياه، وكان هلال بن غصن قد جهز جيشا لحرب فدى، فقتل والجيش محاصرا لها، وكانت قد أمر على الجيش ابن أخيه سليمان بن سنان وكانوا ينتظرون فتحها، وبقتله تفرق الجيش عن أميره، ورجعوا عنها بعدما عاينوا الظفر.
وكان قتله على يد ابن أخيه خلف بن سنان بن غصن وهو أمير ينقل اليوم، ويقال إن قتله كان عن شورى من السلطان وواليه سليمان ومن رغب في خلف في الملك بعد عمه، ويقال إن هلال بلغه أن خلفا سيقتله، قال ما أصنع به؟ يقضي الله ما كان قاضيا، لا يحل لي أن أقتله بالتهمة، ولا يجمل لي أن أشتت أقاربي فبينما هلال جالس بعد صلاة العشاء الأخيرة في المسجد يذكر الله إذ دخل عليه خلف، فقال كيف تأخرت إلى الآن، يعني على الصلاة، وهو ظن أنه جاء ليصلي، فقال الآن جئت، ثم أرسل أهل بيت هلال إلى هلال الخادمة لتنذره
وتحذره من خلف، فدعته ليخرج إليها، فيحن خرج إليها نقع فيه خلف من ورائه بتفق فوقع على الأرض وهو يقول: لا إله إلا الله ثم قضى نحبه ولم يتمكن خلف من ملك ينقل إلا بعد أن قتل جملة من أقاربه وخدامهم، ثم دانت له الأمور ولله الأمر كله.
وفي سنة ثلاثة وعشرين وثلاثمائة وألف خرجت من بيتي بالقابل قاصدا حج بيت الله الحرام فمررت على السلطان فيصل ذاهبا وراجعا، وقابلني هو وأولاده بالإجلال والاحترام، ومن لم يشكر الناس لن يشكر الله، وطلبت منه الخلوة على لسان ولده تيمور، وكلمته في اجتماع الشمل والقيام بالعدل وجمع العرب تحت راية واحدة، فقال إن حصل لكم ذلك بقبول عمي نريد غيره، وأراد بعمه عبدالعزيز بن سعيد.
ومعنى قوله إنكم إن اجتمعتم على هذا الحال لا نريدك بل نريد عمك، فتجاهلت له كأني لم أفطن لما أراد، وقلت له من غيرك؟ أي لا يوجد غيرك ممن هو أهل لهذا والحجة عليه في هذا، فقال إن الوالي سليمان سيخرج إلى الشيخ عيسى لمواعدة بينهم، والجواب يكون على لسانه، فما ينقله عني فهو مني، وكنت قد كتبت له عند رجوعي من الحج في المركب برفع العشور والكرنتينة عن الحجاج، فرفعهما من تلك السنة إلى هذا العام إلا سنة واحدة لم يكن هو فيها بمسكد، فكرتن الحجاج وعشروا، ثم رجعت إلى الوطن سالما شاكرا والحمد لله تعالى. وكنت قد اجتمعت في مكة برجال من علماء قومنا، وكان رجل منهم يقال له الزبير بن علي الأصغر من أهل عظيم أباد من أرض الهند قد سبقني إلى مكة، ولما سمع بوصولي أتى إليّ في بيت الرباط وسألني عن أصول المذهب وفروعه، وأهله ومحله، فشرحت له ذلك شرحا وافيا كافيا، وطلب مني بعض كتب المذهب فدفعت إليه مشارق الأنوار، وكان لم يحضر غيرها، والكلام
في ذكر جميع ما سأل عنه يطول به الكتاب، ثم بقي يتردد عليّ مرارا ويناظرني في الخلاف والواقع بيننا وبينهم، وكان رجلا أديبا حسن الجدال ذا ذكاء وفطنة لا يكابر الحجة إذا رآها، وكان هو السبب في الاجتماع بعلماء الآفاق في ذلك العام، وقد منّ الله عليّ بإظهار الحجة على جميعهم فاعترف بعضهم بالحق الذي في أيدينا، فمنهم من قال إن الأباضية أقرب الفرق إلى الحق، وقائل ذلك عبد الرزاق البغدادي، ومنهم من قال: أعلم أن الأصلح والأسلم ما أنتم عليه، وقائل ذلك الزبير، وكان يكنى أبا عبدالله، وقلت له حاشاك أبا عبدالله أن تترك الأصلح والأسلم، فسكت ولم يجب، ولم يكن بعد هذه المقالة بيني وبينهم مناظرة.
وفي آخر سنة أربعة وعشرين جاء الوالي سليمان بن سويلم إلى الشرقية للمواعدة التي جرت بينه وبين الأمير، فقابله الأمير ووجوه قومه بالإجلال والاحترام، وفي ليلة إحدى عشر من شهر الحج من هذه السنة مات الشيخ المرحوم أحمد بن الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وكان عالما فاضلا فجاء الخبر والوالي عند الأمير بالقابل.
ثم قصد الوالي سليمان راجعا إلى السلطان وصحبه وجوه الناس من أهل الشرقية، وكان السلطان قد جعل سليمان سيف دولته وكان قد أذل له كثيرا من القبائل وكانت القبائل قد أظهرت لسليمان العداوة منم السيابيون فوقف له فتية من رجال السيابيين على طريق العق وكمنوا له في جبل هنالك عل الطريق، حيث لا يراهم المار فبينما الوالي ومن معه يسيرون ضحى إذ نقعت التفاق في الوالي وهو على ناقته فسقط ميتا وانكب عليه خادم له فضرب فوقه، فالتفت القوم إلى الضارب فإذا هم قد صعدوا الجبل كالظباء ونقعوا فيهم فلم يصيبوا
أحدا واختفوا عنهم بالجبل.
ثم همّ السلطان بحرب السيابيين وسخط الأمير عليهم بما صنعوا حيث قتلوه وهو خارج من بلاده وعنه وجوه قومه وجاء شيوخهم ليرضوا الأمير فلم يقبل منهم، ثم رجعوا إلى بلادهم وكاتبوا السلطان فكتب لهم بالعفو في الظاهر وهو يريد أن يأخذهم بالحيلة فرجعوا بكتاب السلطان إلى الأمير وأروه إليه وطلبوا منه المسامحة فسامحهم، ثم رجعوا إلى بلادهم وأخرج السلطان ولده نادرا إلى سمائل وولاه عليها وأظهر نادر أنه يأمر فيها وينهى وشد على أهل المناكر وهو مع ذلك يعمل الحيلة لرئيس السيابيين سيف بن محسن.
وكان رجل من بني هناءة يقال له سعيد بن خميس بن حويسن قد واطئ نادرا على قتل سيف، وبقي يعمل الحيلة: يظهر لسيف التودد ويريه الخطوط التي تأتيه من السلطان وأولاده، وكشف له أخبارهم فكان يأتيه بخبر كل حادثه تزيد عنهم وللناس غوائل، والمأخوذ غافل فاطمأن سيف بن محسن إلى قوله وصدقه في زعمه وكان لا يمتنع منه متى جاء وهو مع ذلك لا يظن أن مثله يقوى على مثل ذلك فأتاه يوما ومعه رجل من العسكر كأنه يصحبه في الطريق فأرسل إلى سيف بن محسن ليجيئه في موضع من أطراف نفعا فأتاه منفردا، وقيل أن بعض قومه أراد أن يصحبه فمنعه، فلما وصل تلقاه سعيد بن خميس بالترحيب واللين وأعطى سيف رجلا بنا ليخدم قهوة ويشغل العسكري ودخل هو وسعيد في مسجد هنالك ليأخذ منه السر الذي جاءه به فجلس سيف على دريشة في المسجد، فجاء العسكري من ورائه ونقع فيه من خارج الدريشة وخر ميتا ووثب سعيد والعسكري الذي معه إلى حصن بدبد، وضربوا المدافع سرورا وكانوا يرون أنهم قد أخذوا ثأر واليهم سليمان بن
سويلم، وبعد ذلك رجع نادر إلى حضرة أبيه بمسكد، وترأس من بعد سيف ابن أخيه محسن بن زهران بن محسن، وكان فيما قيل يطلب غره من السلطان وأولاده حتى كان ذات يوم خرج السلطان إلى نخل وأناخ بها، وكان في قومه رئيسا بني عمر: سالم بن مرهون، وخليفة بن عبيد، وكان قاتل سيف بن محسن من جماعة هذين الرئيسين، فلما كانا في هجعة من الليل نقعت التفاق في سالم وخليفة فماتا من ذلك وأشتد لذلك غضب السلطان، وقيل له إن السيابيين هم القاتلون، ورجع من نخل حتى وصل فليج السيد وأرسل ولده نادرا وبعض القوم إلى بدبد، ومضى هو إلى مسكد ثم جمع الجموع وأرسلها على ولده ببدبد، ثم أرسل ولده تيمور وغصت بدبد بالجنود وواجه رؤساء السيابيين وهم مع ذلك ينكرون القتل فأخذوا أعيانهم وقيدوهم ثم أرسلوا إلى بعض البنيان بنفعا فهدموه وحملوا المقائيد إلى مسكد وحبسوا بالكوت زمانا ثم أطلقوهم.
وفي يوم اثني عشر قبل العصر بقليل في جمادى الأولى من سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة وألف، مات فيصل بن حمود بن عزان ابن عم الإمام ببلد الوصل من بدية، وفيها قبر وكان قد تردد عليها مرارا وتزوج منها وسكن فيها وحمل المرأة إلى الرستاق، وكانت فاضلة صالحة وماتت بالرستاق، وجاء في هذه المرة الأخيرة في أواخر سنة سبع وعشرين، وأقام أياما وتزوج منها بامرأة أخرى، فما طالت أيامه حتى مات بالتاريخ المتقدم، وكان معه ولداه محمد وإبراهيم، وبعد أيام العزاء ركب إلى الرستاق وأقاما بها حتى قتلا بالحصن على حسب ما تقدم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم.




قد تم الجزء الثاني من السيرة المسماة (تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان) تأليف شيخنا العلامة نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي رحمه الله وغفر له ونور ضريحه..








كلمة ختامية
للمعلق على الطبعة الثانية من الكتاب
أبي إسحاق إبراهيم اطفيش الميزابي الجزائري
أحمد على آلائك يا من جعل التاريخ عبرة وذكرى، وأشكرك على عونك وتوفيقك إياي إلى إظهار هذا الكتاب الجامع لكثير من سير الأئمة والسلف الصالح أهل المزايا العظمى، والصلاة والسلام على المبعوث بالحسنى، سيدنا محمد رسول الهداية إلى أعظم الزلفى، وآله وأصحابه الذين نالوا بجلائل أعمالهم الدرجات العلى.
وبعد فقد تم طبع الجزء الثاني من (تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان) فكمل به هذا الكتاب الفريد الذي كشف لنا حال قطر من أعظم الأقطار الإسلامية تاريخا وأهمها شوكة ودولة، وقد كان تاريخ عمان – ولا يزال معظمه – عنا غامضا، ولكن هذا الكتاب يبين لنا عن صفحات منه جليلة، وأطوار فخيمة، وذكريات تحمل إلينا أنباء جميلة وأخرى عليلة أسيفة، وكم بين طيات التاريخ من عبر، وآيات بينات كان منها نذير للبشر، وتقلبات هي إحدى الكبر.
ولقد أحسن المؤلف رحمه الله في ترتيب أطوار الحكم بعمان من إمامة وملكية حسب الزمان، منذ ظهور الحكم المستقل في عهد التابعين إلى آخر أيام المؤلف، فكان حسن هذا الترتيب، إحدى مزايا الكتاب، ولئن فات المصنف أن يضم إلى كتابه كثيرا من رسائل أئمة العلم إلى أئمة الحكم إذ لها علاقة بتاريخهم فإنه لم يدخر وسعا في جمع عهود الأئمة إلى ولاتهم وقوادهم وأمرائهم، وكأنه رحمه الله يرى أن يحفل بشأن الأئمة، حيث كان يذكر ما احتوى كل إمام عليه من كرائم الفعال ومحاسن الخصال، وما ازدهر به عهده من علم وعدل ودين ومساواة بين الناس في الحق، ومشاورة أهل الحل والعقد
من العلماء في تصرفاته، بحيث يخرج القارئ من مطالعته، وقد تصورت له صفحة من تاريخ الحكم الشوروي كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومقتضى ما يرشد إليه الكتاب العزيز وإنه لتنزيل رب العالمين.
ولم يحفل بذكر أطوار الحكم الفردي وما فيه من سوء الاستبداد واقتراف المنكرات، والظلم من شيم تلك النفوس غالبا، وكان من مقتضى التاريخ أن يلم بكل أدوار الأئمة التي يكتب عنها الكتاب إلا أنه ربما يعتذر عن المؤلف بأن علماء الشريعة يتورعون عن ذكر حوادث الجورة، وما يأتونه من الجرائم بدعوى أن ذلك من قبيل نشر الباطل، والحق أن هذا ليس بعذر وأخطأ من يلتمسه، وإنما المصنف لم يحفل قي تاريخه هذا بعهد الجورة تفصيلا لعدم وقوفه عليه يجعله واثقا مما يكتب، ويدلك على هذا أنه ذكر بعض وقائع من هذا القبيل وكشف عن أسرار بعض المستبدين وما بيتوه من حيل توصلوا بها إلى الحكم وسفك دماء بريئة صعدوا على جثثها إلى أريكة الملك، وامتطوا غواربها إلى أطماعهم فكانوا وبالا على الأمة حينا من الدهر كما وقع في عصر بني نبهان.
والحق أن عمان ليفتخر بعظمته التاريخية: عظمة العلم والفتح ونشر لواء الإسلام في كثير من أقطار الشرق والأقطار الإفريقية وجهاد أئمته، وكثير من ملوكه في حفظ استقلاله، ويحق له أن يباهي بأئمته الهداة الراشدين الذين رفعوا فيه منار الحق والدين، وأقاموا حدود الله بلا هوادة، ولم يخافوا لومة لائم قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .

أبو إسحاقأأخ